منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

معا لنتدارس كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ, أحلى, لنتدارس, التوحيد, الوهاب, كتاب
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
القواعــد الأربـع للشيخ محمد بن عبد الوهاب ام احمد منتدى طلب العلم الشرعي 2 2011-07-21 05:18 PM
مقطع مبكي للشيخ محمد الشنقيطي عن غض البصر أم أنس ركن المرئيات والصوتيات الاسلامية 1 2011-04-12 02:30 PM
متن الثلاثة أصول للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أبو البراء التلمساني منتدى طلب العلم الشرعي 6 2011-01-01 12:32 AM
وقفات تربوية مع السيرة النبوية .. للشيخ أحمد فريد سندس منتدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 7 2010-01-09 07:41 PM
مقاطع رائعة للشيخ محمد حسان fatma ركن المرئيات والصوتيات الاسلامية 3 2009-01-17 04:33 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 11 )  
قديم 2011-07-21
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

قوله: "فيه مسائل":
 الأولى: "سعة فضل الله"، لقوله: "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
 الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله، لقوله: "مالت بهن لا إله إلا الله".
 الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب، لقوله: "لأتيتك بقرابها مغفرة"؛ فالإنسان قد تغلبه نفسه أحياناً؛ فيقع في الخطايا، لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته؛ فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها.
 الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالظلم؛ فالظلم هنا الشّرك، لقوله : "ألم تسمعوا قول الرجل الصالح: إن الشرك لظلم عظيم"(2).
* * *
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده؛ تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله"، وتبين لك خطأ المغرورين. السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان. الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل (لا إله إلا الله).
 الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة:
1- 2- الشهادتان.
3- أن عيسى عبد الله، ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.
4- أن الجنة حق.
5- أن النار حق.
 السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، وحديث أبي سعيد، وحديث أنس؛ تبين لك معنى قوله: لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، لأنّه لا بد أن يبتغي بها وجه الله، وإذا كان كذلك؛ فلابد أن تحمل المرء على العمل الصالح.
 السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان، وهو أن يبتغي بقولها وجه الله، ولا يكفي مجرد القول؛ لأن المنافقين كانوا يقولونها ولم تنفعهم.
 الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، فغيرهم من باب أولى.
* * *
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيراً ممن يقولها بخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبعٌ كالسماوات.
 التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه، فالبلاء من القائل لا من القول؛ لأنه قد يكون اختل شرطٌ من الشروط؛ أو وجد مانع من الموانع؛ فإنها تخف بحسب ما عنده، أما القول نفسه؛ فيرجح بجميع المخلوقات.
 العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات، لم يرد في القرآن تصريح بذلك، بل ورد صريحاً أن السماوات سبع بقوله تعالى: قل من رب السماوات السبع [المؤمنون: 86]، لكن بالنسبة للأرضين لم يرد إلا قوله تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن [الطلاق: 12]؛ فالمثلية بالكيفية غير مرادة لظهور الفرق بين السماء والأرض في الهيئة، والكيفية، والارتفاع، والحسن؛ فبقيت المثلية في العدد.
أما السنة؛ فهي صريحة جداً بأنها سبع؛ مثل قوله : "من اقتطع شبراً من الأرض؛ طوقه يوم القيامة من سبع أرضين"(1)
وقد اختلف في قوله : "من سبع أرضين"؛ كيف تكون سبعاً؟
فقيل: المراد: القارات السبع، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يمتنع بالنسبة لقوله: "طوقه من سبع أرضين"، وقيل: المراد المجموعة الشمسية، لكن ظاهر النصوص أنها طباق كالسماوات، وليس لنا أن نقول إلا ما جاء في الكتاب والسنة عن هذه الأرضين؛ لأننا لا نعرفها.
* * *
الحادية عشرة: أن لهن عماراً. الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية. الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله"؛ أن ترك الشرك، ليس قولها باللسان. الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.
 الحادية عشرة: أن لهن عماراً، أي: السماوات، وعمارهن الملائكة.
 الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية، وفي بعض النسخ خلافاً للمعطلة، وهذه أحسن؛ لأنها أعم، حيث تشمل الأشعرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم؛ ففيه إثبات الوجه لله سبحانه بقوله: "يبتغي وجه الله"، وإثبات الكلام بقوله: "وكلمته ألقاها"، وإثبات القول في قوله: "قل لا إله إلا الله".
 الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" أن ترك الشرك. وفي بعض النسخ: إذا ترك الشرك. أي: أن قوله: "حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك (يعني: ترك الشرك)"، وليس مجرد قولها باللسان؛ لأن من ابتغى وجه الله في هذا القول لا يمكن أن يشرك أبداً.
 الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون كل من عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه. عبدي: منصوب على أنه خبر كون؛ لأن كون مصدر كان وتعمل عملها.
وعيسى ومحمد: اسم كون.
وتأمل الجميع من وجهين:
الأول: أنه جمع لكل منهما بين العبودية والرسالة.
الثاني: أنه جمع بين الرجلين؛ فتبين أن عيسى مثل محمد، وأنه عبد ورسول، وليس رباً ولا ابناً للرب - سبحانه -.
وقول المؤلف: "تأمل"؛ لأنّ هذا يحتاج إلى تأمل.
* * *
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله. السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار. الثامنة عشرة: معرفة قوله "على ما كان من العمل".
 الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، أي: أن عيسى انفرد عن محمد في أصل الخلقة؛ فقد كان بكلمة، أما محمد ؛ فقد خلق من ماء أبيه.
 السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً منه، أي: أن عيسى روح من الله، و"من" هنا بيانية أو للابتداء، وليست للتبعيض؛ أي: روح جاءت من قبل الله وليست بعضاً من الله، بل هي من جملة الأرواح المخلوقة.
 السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، لقوله في حديث عبادة: "وأن الجنة حق، والنار حق"، والفضل أنه من أسباب دخول الجنة.
 الثامنة عشرة: معرفة قوله: "على ما كان من العمل"، أي: على ما كان من العمل الصالح ولو قل، أو على ما كان من العمل السيئ ولو كثر، بشرط أن لا يأتي بما ينافي التوحيد ويوجب الخلود في النار، لكن لا بد من العمل.
ولا يلزم استكمال العمل الصالح كما قالت المعتزلة والخوارج، ولم تذكر أركان الإسلام هنا؛ لأن منها ما يكفر الإنسان بتركه، ومنها ما لا يكفر، فإن الصحيح أنه لا يكفر إلا بترك الشهادتين والصلاة، وإن كان روي عن الإمام أحمد أن جميع أركان الإسلام يكفر بتركها، لكن الصحيح خلاف ذلك.
* * *
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.
العشرون: معرفة ذِكر الوجه.
 التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان، أخذها المؤلف من قوله: "لو أن السماوات.... إلخ، وضعت في كفّة ولا إله إلا الله في كفة"، والظاهر أن الذي في الحديث تمثيل، يعني أن قول: لا إله إلا الله أرجح من كل شيء، وليس في الحديث أن هذا الوزن في الآخرة، وكأن المؤلف رحمه الله حصل عنده انتقال ذهني؛ فانتقل ذهنه من هذا إلى ميزان الآخرة.
 العشرون: معرفة ذكر الوجه، يعني: وجه الله تعالى، وهو صفة من صفاته الخبرية الذاتية التي مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء؛ لأن من صفات الله تعالى ما هو معنى محض، ومنه ما مسماه بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، ولا نقول بالنسبة لله تعالى أبعاض؛ لأننا نتحاشى كلمة التبعيض في جانب الله تعالى الله.

رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 12 )  
قديم 2011-07-23
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

نكمل مدارسة كتاب التوحيد اسال الله ان ينفع به الجميع
النص
(((باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب وقول الله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (14). وقال: (وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) (15).
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه فأخبروه، فقال: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: (أنت منهم) ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: (سبقك بها عكاشة).
فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.
الثانية: ما معنى تحقيقه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
الحادية عشرة: عرض الأمم عليه، عليه الصلاة والسلام.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.
الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغتـرار بالكثـرة، وعـدم الزهد في القلة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.
السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
التاسعة عشرة: قوله: (أنت منهم) علم من أعلام النبوة.
العشرون: فضيلة عكاشة.
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض.
الثانية والعشرون: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم.)))
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 13 )  
قديم 2011-07-23
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

شرح النص السابق

باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب
هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله: "باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب"، فمن فضله هذا الفضل العظيم الذي يسعى إليه كل عاقل، وهو دخول الجنة بغير حساب.
قوله: "من"، شرطية، وفعل الشرط: "حقق"، وجوابه: "دخل"، قوله: "بلا حساب"؛ أي: لا يحاسب لا على المعاصي ولا على غيرها.
وتحقيق التوحيد: تخليصة من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة:
الأول: العلم؛ فلا يمكن أن تحقق شيئاً قبل أن تعلمه، قال الله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19].
الثاني: الاعتقاد، فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت؛ لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب. [ص:5]؛ فما اعتقدوا انفراد الله بالألوهية.
الثالث: الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد؛ لم تحقق التوحيد، قال تعالى: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون* ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون [الصافات: 35/36].
فإذا حصل هذا وحقق التوحيد؛ فإن الجنة مضمونة له بغير حساب، ولا يحتاج أن نقول إن شاء الله؛ لأن هذا حكاية حكم ثابت شرعاً، ولهذا جزم المؤلف رحمه الله تعالى بذلك في الترجمة دون أن يقول: إن شاء الله.
أما بالنسبة للرجل المعين؛ فإننا نقول: إن شاء الله.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين، ومناسبتهما للباب الإشارة إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يكون إلا بانتفاء الشرك كله:
* * *
وقول الله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يك من المشركين [النحل: 120]
 الآية الأولى: قوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة... الآية.
قوله: أمة، أي: إماماً، وقد سبق أن أمة تأتي في القرآن على أربعة أوجه، إمام، ودهر، وجماعة، ودين(1).
وقوله: إن إبراهيم كان أمة، هذا ثناء من الله - سبحانه وتعالى - على إبراهيم بأنه إمام متبوع؛ لأنه أحد الرسل الكرام من أولي العزم، ثم إنه  قدوة في أعماله وأفعاله وجهاده؛ فإنه جاهد قومه وحصل منهم عليه ما حصل، وألقي في النار فصبر.
ثم ابتلاه الله - سبحانه وتعالى - بالأمر بذبح ابنه، وهو وحيده، وقد بلغ معه السعي (أي: شب وترعرع)؛ فليس كبيراً قد طابت النفس منه، ولا صغيراً لم تتعلق به النفس كثيراً، فصار على منتهى تعلق النفس به.
ثم وفق إلى ابن بار مطيع لله، قال الله تعالى عنه: قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين [الصافات: 102]، لم يحنث والده ويتمرد ويهرب، بل أراد من والده أن يوافق أمر ربه، وهذا من بره بأبيه وطاعته لمولاه سبحانه وتعالى، وأنظر إلى هذه القوة العظيمة مع الاعتماد على الله في قوله: ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
فالسين في قوله: ستجدني تدل على التحقيق، وهو مع ذلك لم يعتمد على نفسه، بل استعان بالله في قوله: إن شاء الله.
وامتثلا جميعاً وأسلما، وانقاداً لله - عز وجل ـ، وتله للجبين؛ أي: على الجبين، أي جبهته؛ لأجل أن يذبحه وهو لا يرى وجهه، فجاء الفرج من الله تعالى: وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين [الصافات: 104،105]، ولا يصح ما ذكره بعضهم من أن السكين انقلبت، أو أن رقبته صارت حديداً، ونحو ذلك.
قوله: قانتاً، القنوت: دوام الطاعة، والاستمرار فيها على كل حال؛ فهو مطيع لله، ثابت على طاعته، مديم لها في كل حال.
كما أن ابنه محمداً  يذكر الله على كل أحيانه(1): إن قام ذكر الله، وإن جلس ذكره، وإن نام، وإن أكل، وإن قضى حاجته ذكر الله؛ فهو قانت آناء الليل والنهار.
قوله: حنيفاً، أي: مائلاً عن الشرك، مجانباً لكل ما يخالف الطاعة، فوصف بالإثبات والنفي، أي: بالوصفين الإيجابي والسلبي.
قوله: ولم يك من المشركين، تأكيد، أي لم يكن مشركاً طول حياته؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام معصوماً عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين، فوصفه الله بامتناعه عن الشرك استمراراً في قوله: حنيفاً، وابتداءً في قوله: ولم يك من المشركين، والدليل على ذلك: أن الله جعله إماماً، ولا يجعل الله للناس إماماً من لم يحقق التوحيد أبداً.
ومن تأمل حال إبراهيم عليه السلام وما جرى عليه وجد أنه في غاية ما يكون من مراتب الصبر، وفى غاية ما يكون من مراتب اليقين؛ لأنه لا يصبر على هذه الأمور العظيمة إلا من أيقن بالثواب، فمن عنده شك أو تردد لا يصبر على هذا؛ لأن النفس لا تدع شيئاً إلا لما هو أحب إليها منه، ولا تحب شيئاً إلا ما ظنت فائدته، أو تيقنت.
ويجب أن نعلم أن ثناء الله على أحد من خلقه لا يقصد منه أن يصل إلينا الثناء فقط، لكن يقصد منه أمران هامان:
الأول: محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيراً، كما أن من أثنى الله عليه شراً، فإننا نبغضه ونكرهه، فنحب إبراهيم عليه السلام؛ لأنه كان إماماً حنيفاً قانتاً لله ولم يكن من المشركين، ونكره قومه؛ لأنهم كانوا ضالين، ونحب الملائكة وإن كانوا من غير جنسنا؛ لأنهم قائمون بأمر الله، ونكره الشياطين، لأنهم عاصون لله وأعداء لنا ولله، ونكره أتباع الشياطين؛ لأنهم عاصون لله أيضاً وأعداء لله ولنا.
الثاني: أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله بها عليه؛ لأنها محل الثناء، ولنا من الثناء بقدر ما اقتدينا به فيها، قال تعالى: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب [يوسف: 111]، وقال تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه [الممتحنة: 4]، وقال تعالى: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر [الممتحنة:6].
وهذه مسألة مهمة؛ لأن الإنسان أحياناً يغيب عن باله الغرض الأول، وهو محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيراً، ولكن لا ينبغي أن يغيب؛ لأن الحب في الله، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.
* فائدة:
أبو إبراهيم مات على الكفر، والصواب الذي نعتقده أن اسمه آزر؛ كما قال الله تعال: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة [الأنعام: 74]، وقال تعالى: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [التوبة: 114]؛ لأنه قال: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً [مريم: 47]، فلما تبين له أنه عدو لله بترأ منه إن إبراهيم لأواه حليم [التوبة: 1114]، وفي سورة إبراهيم قال: ربنا أغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب [إبراهيم: 41]، ولكن فيما بعد تبرأ منه.
أما نوح؛ فقال: رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات [نوح: 28]، وهذا يدل على أن أبوي نوح كانا مؤمنين.
* فائدة أخرى:
قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: المغازي، والملاحم، والتفسير؛ فهذه الغالب فيها أنها تذكر بدون إسناد، ولهذا؛ فإن المفسرين يذكرون قصة آدم، فلما آتاهما صالحاً [الأعراف: 190]، وقليل منهم من ينكر القصة المكذوبة في ذلك(1).
فالقاعدة إذاً: أنه لا أحد يعلم عن الأمم السابقة شيئاً إلا من طريق الوحي، قال تعالى: ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله [إبراهيم: 9].
* * *
وقال: والذين هم بربهم لا يشركون [المؤمنون: 59].
 الآية الثانية: قوله: والذين هم بربهم لا يشركون.
هذه الآية سبقها آية، وهي قوله: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون [المؤمنون: 57].
لكن المؤلف ذكر الشاهد. وقوله تعالى: من خشية ربهم؛ أي: من خوفهم منه على علم، و مشفقون؛ أي: خائفون من عذابه إن خالفوه.
فالمعاصي بالمعنى الأعم – كما سبق ـ(2) شرك؛ لأنها صادرة عن هوى مخالف للشرع، وقد قال الله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23].
أما بالنسبة للمعنى الأخص؛ فيقسمها العلماء قسمين:
1- شرك.
2- فسوق.
وقوله: لا يشركون، يراد به الشرك بالمعنى الأعم؛ إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي؛ لأن كل ابن آدم خطاء، وليس بمعصوم، ولكن إذا عصوا؛ فإنهم بتوبون ولا يستمرون عليها؛ كما قال الله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [آل عمران: 135].
* * *
وعن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبيرٍ، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي أنقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاةٍ.
قوله: "عن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير".
وهما رجلان من التابعين ثقتان.
قوله: "انقض البارحة"، أي: سقط البارحة، والبارحة: أقرب ليلة مضت، وقال بعض أهل اللغة: تقول فعلنا الليلة كذا إن قلته قبل الزوال، وفعلنا البارحة كذا إن قلته بعد الزوال.
وفي عرفنا؛ فمن طلوع الشمس إلى الغروب نقول: البارحة لليلة الماضية، ومن غروب الشمس إلى طلوعها نقول: الليلة لليلة التي نحن فيها.
بل بعض العامة يتوسع متى قام من الليل قال: البارحة؛ وإن كان في ليلته.
قوله: "فقلت أنا"، أي: حصين.
قوله: "أما إني لم أكن في صلاة"، أما: أداة استفتاح، وقيل: إنها بمعنى حقاً، وعلى هذا؛ فتفتح همزة "إن"، فيقال: أما أني لم أكن في صلاة، أي حقاً لم أكن في صلاة.
وقال هذا رحمه الله لئلا يظن أنه قائم يصلي فيحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد.
وقول حصين رحمه الله ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات، وليس كمن يترك الطاعات خوفاً من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزيِّن له ترك الطاعة خشية الرياء، بل أفعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس.
* * *
ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريده بن الحصيب؛ أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة.
قوله: "لدغت"، أي: لدغته عقرب أو غيرها، والظاهر أنها شديدة؛ لأنه لم ينم منها.
قوله: "ارتقيت"، أي: استرقيت؛ لأن افتعل مثل استفعل، وفي رواية مسلم: "استرقيت"؛ أيك طلبت الرقية.
قوله: "فما حملك على ذلك"، أي: قال سعيد: ما السبب أنك استرقيت.
قوله: "حديث حدثناه الشعبي"، وهذا يدل على أن السلف رضي الله عنهم يتحاورون حتى يصلوا إلى الحقيقة، فسعيد بن جبير لم يقصد الانتقاد على هذا الرجل، بل قصد أن يستفهم منه ويعرف مستنده.
قوله: "لا رقية"، أي: لا قراءة أو لا استرقاء على مريض أو مصاب.
قوله: "إلا من عين"، وهي نظرة من حاسد، نفسه خبيثة، تتكيف بكيفية خاصة فينبعث منها ما يؤثر على المصاب، ويسميها العامة الآن: "النحاتة"، وبعضهم يسميها "النفس"، وبعضهم يسميها "الحسد".
قوله: "حُمَة"، بضم الحاء، وفتح الميم، مع تخفيفها: وهي كل ذات سم، والمعنى لدغته إحدى ذوات السموم، والعقرب من ذوات السموم.
* * *
قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع
فقال سعيد بن جبير: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس.. إلخ.
إذن، فحصين استند على حديث: "لا رقية إلا من عين أو حمة"، وهذا يدل على أن الرقية من العين أو الحمة مفيدة، وهذا أمر واقع؛ فإن الرُّقى تنفع بإذن الله من العين ومن الحمة أيضاً، وكثير من الناس يقرؤون على الملدوغ فيبرأ حالاً، ويدل لهذا قصة الرجل الذي بعثه النبي  في سرية، فاستضافوا قوماً، فلم يضيفوهم، فلدغ سيدهم لدغة عقرب، فقالوا: من يرقي؟ فقالواً: لعل هؤلاء الركب عندهم راقٍ، فجاؤوا إلى السرية، قالوا: هل فيكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، ولكن لا نرقي لكم إلا بشيء من الغنم، فقالوا: نعطيكم. فاقتطعوا لهم من الغنم، ثم ذهب أحدهم يقرأ عليه الفاتحة، قرأها ثلاثاً أو سبعاً، فقام كأنما نشط من عقال، فانتفع اللديغ بقراءتها، ولهذا قال : "وما يدريك أنها رقية؟" (يعني: الفاتحة)(1)، وكذا القراءة من العين مفيدة.
ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، وهو الاستغسال، وهي أن يؤتي بالعائن، ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله.
وهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضاً، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب، كالثوب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب.
وأما العائن؛ فينبغي إذا رأى ما يعجبه أن يبرّك عليه؛ لقول النبي  لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: "هلا برّكت عليه"(2)؛ أي: قلت: بارك الله عليك.
* * *
ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ؛ أنه قال: "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد".
قوله: "ولكن حدثنا"، القائل: سعيد بن جبير.
قوله: "عرضت علي الأمم"، العارض لها الله - سبحانه وتعالى ـ، وهذا في المنام فيما يظهر. وأنظر: "فتح الباري" (11/407، باب يدخل الجنة سبعون ألفاً، كتاب الرقاق)، والأمم: جمع أمة وهي أمم الرسل.
قوله: "الرهط"، من الثلاثة إلى التسعة.
قوله: "والنبي ومعه الرجل والرجلان"، الظاهر أن الواو بمعنى أو؛ أي: ومعه الرجل أو الرجلان؛ لأنه لو كان معه الرجل والرجلان صار يغني أن يقول: ومعه ثلاثة، لكن المعنى: والنبي ومعه الرجل، النبي الثاني ومعه الرجلان.
قوله: "والنبي وليس معه أحد"، أي: يبعث ولا يكون معه أحد، لكن يبعثه الله لإقامة الحجة، فإذا قامت الحجة حينئذ، يعذر الله من الخلق، ويقيم عليهم الحجة.
* * *
إذ رفع لي سوادٌ عظيمٌ، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت؛ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ". ثم نهض. فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله .
قوله: "إذ رفع لي"، هذا على تقدير محذوف؛ أي: بينما أنا كذلك؛ إذ رفع لي.
قوله: "سواد عظيم"، المراد بالسواد هنا الظاهر أنه الأشخاص، ولهذا يقال: ما رأيت سواده، أي: شخصه، أي أشخاصاً عظيمة كانوا من كثرتهم سواداً.
قوله: "فظنت أنهم أمتي"، لأن الأنبياء عرضوا عليه بأممهم؛ فظن هذا السواد أمته - عليه الصلاة والسلام - .
قوله: "فقيل لي: هذا موسى وقومه"، وهذا يدل على كثرة أتباع موسى عليه السلام وقومه الذين أرسل إليهم.
قوله: "فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك"، وهذا أعظم من السواد الأول؛ لأن أمة النبي  أكثر بكثير من أمة موسى عليه السلام.
قوله: "بغير حساب ولا عذاب"، أي: لا يعذبون ولا يحاسبون كرامةً لهم، وظاهره أنه لا في قبورهم ولا بعد قيام الساعة.
قوله: "فخاض الناس في أولئك"، هذا الخوض للوصول إلى الحقيقة نظرياً وعملياً حتى يكونوا منهم.
قوله: "الذين صحبوا رسول الله"، يحتمل أن المراد الصحبة المطلقة، ويؤيده ظاهر اللفظ.
ويحتمل أن المراد الذين صحبوه في هجرته، ويؤيده أنه لو كان المراد الصحبة المطلقة، لقالوا: نحن؛ لأن المتكلم هم الصحابة، ويدل على هذا قول الرسول  لخالد بن الوليد: "لا تسبوا أصحابي"(1)؛ فإن المراد بهم الذين صحبوه في هجرته، لكن يمنع منه أن المهاجرين لا يبلغون سبعين ألفاً.
ويمنع الاحتمال الأول: أن الصحابة أكثر من سبعين ألفاً، ويحتمل أن المراد من كان مع الرسول  إلى فتح مكة؛ لأنه بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً.
وهذه المسألة تحتاج إلى مراجعة أكثر.
* * *
وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً... وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ، فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يسترقون".
قوله: "الذين ولدوا في الإسلام"، أي: من ولد بعد البعثة وأسلم، وهؤلاء كثيرون، ولو قلنا: ولدوا في الإسلام من الصحابة ما بلغوا سبعين ألفاً.
قوله: "فخرج عليهم رسول الله، فأخبروه"، أي: أخبروه بما قالوا وما جرى بينهم.
قوله: "لا يسترقون"، في بعض روايات مسلم(1): "لا يرقون".
ولكن هذه الرواية خطأ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الرسول  كان يرقي(2)، ورقاه جبريل(3)، وعائشة(4)، وكذلك الصحابة كانوا يرقون(5).
واستفعل بمعنى طلب الفعل، مثل: استغفر؛ أي: طلب المغفرة، واستجار: طلب الجوار، وهنا استرقى؛ أي: طلب الرقية، أي لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم، لما يلي:
1- لقوة اعتمادهم على الله.
2- لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله.
3- ولما في ذلك من التعلق بغير الله.
* * *
ولا يكتوون ولا يتطيرون.
وقوله: "ولا يكتوون"، أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم.
ومعنى اكتوى: طلب من يكويه، وهذا مثل قوله: "ولا يسترقون".

التعديل الأخير تم بواسطة ام احمد ; 2011-07-23 الساعة 12:00 PM
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 14 )  
قديم 2011-07-23
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

تااابع الشرح :

أما بالنسبة لمن أعد للكي من قبل الحكومة، فطلب الكي منه ليس فيه ذل؛ لأنه معد من قبل الحكومة يأخذ الأجر على ذلك من الحكومة، ولأن هذا الطلب مجرد إخبار من الطالب بأنه محتاج إلى الكي، وليس سؤال تذلل.
قوله: "ولا يتطيرون"، مأخوذ من الطير، والمصدر منه تطيّر، والطيرة اسم المصدر، وأصله: التشاؤم بالطير، ولكنه أعم من ذلك؛ فهو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان.
وكانت العرب معروفة بالتطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيراً ثم رأى الطير سنحت يميناً أو شمالاً حسب ما كان معروفاً عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتاً أو رأى شخصاً تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح، ولذا قالت عائشة رضي الله عنها: "عقد علي رسول الله  في شوال، وبنى بي في شوال؛ فأيكن كان أحظى عنده"(1)، ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلاً وتفكيراً وسلوكاً، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله، ولهذا ختم المسألة بقوله: "وعلى ربهم يتوكلون"؛ فانتفاء هذه الأمور عنهم يدل على قوة توكلهم.
وهل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم، أو فاته الكمال؟
الجواب: أن الكمال فاته إلا بالنسبة للتطير؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه ضرر وليس له حقيقة أصلاً.
أما بالنسبة لطلب العلاج، فالظاهر أنه مثله لأنّه عام، وقد يقال: إنّه لولا قوله: "ولا يسترقون"؛ لقلت: إنه لا يدخل؛ لأن الاكتواء ضرر محقق: إحراق بالنار، وألم للإنسان، ونفعه مرتجى، لكن كلمة "يسترقون" مشكلة؛ فالرقية ليس فيها ضرر، إن لم تنفع لم تضر، وهنا نقول: الدواء مثلها، لأن الدواء إذا لم ينفع لم يضر، وقد يضر أيضاً؛ لأنّ الإنسان إذا تناول دواء وليس فيه مرض لهذا الدواء فقد يضره.
وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وهل نقول مثلاً: ما تؤكد منفعته إذا لم يكن في الإنسان إذلال لنفسه؛ فهو لا يضر، أي: لا يفوت المرء الكمال به، مثل الكسر وقطع العضو مثلاً، أو كما يفعل الناس الآن في الزائدة وغيرها.
ولو قال قائل بالاقتصار على ما في هذا الحديث، وهو أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وأن ما عدا ذلك لا يمنع من دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ للنصوص الواردة بالأمر بالتداوي والثناء على بعض الأدوية؛ كالعسل والحبة السوداء؛ لكان له وجه.
وإذا طلب منك إنسان أن يرقيك؛ فهل يفوتك كمال إذا لم تمنعه؟
الجواب: لا يفوتك؛ لأن النبي  لم يمنع عائشة أن ترقيه(2)، وهو أكمل الخلق توكلاً على الله وثقةً به، ولأن هذا الحديث: "لا يسترقون..." إلخ إنما كان في طلب هذه الأشياء، ولا يخفى الفرق بين أن تحصل هذه الأشياء بطلب وبين أن تحصل بغير طلب.
* * *
فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "أنت منهم". ثم قال رجلاً آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة"(1).
قوله: "فقال: أنت منهم"، وقول الرسول  هذا هل هو بوحي من الله إقراري، أو وحي إلهامي، أو وحي رسول؟
مثل هذه الأمور يحتمل أنها وحي إلهامي، أو بواسطة الرسول، أو وحي إقراري بمعنى أن الرسول يقولها، فإذا أقره الله عليه؛ صارت وحياً إقرارياً.
لكن رواية البخاري: "اللهم اجعله منهم" تدل على أن الجملة: "أنت منهم" خبر بمعنى الدعاء.
قوله: "ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة"، لم يرد النبي  أن يقول له: لا، ولكن قال: سبقك بها، أي: بهذه المنقبة والفضيلة، أو بهذه المسألة عكاشة بن محصن.
وقد اختلف العلماء لماذا قال الرسول  هذا الكلام؟
فقيل: إنه كان منافقاً، فأراد الرسول  ألا يجابهه بما يكره تأليفاً.
وقيل: خاف أن ينفتح الباب فيطلبها من ليس منهم؛ فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلاً، وهذا أقرب.
* * *
 فيه مسائل: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين.
قوله: "فيه مسائل"، أي: في هذا الباب مسائل:
 المسألة الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد، وهذه مأخوذة من قوله: "يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب". ثم قال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون"
 الثانية: ما معنى تحقيقه؟ أي: تحقيق التوحيد، وسبق لنا في أول الباب أن تحقيقه: تخليصه من الشرك.
 الثالثة: ثناؤه - سبحانه - على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين، وهو ظاهر في الآية الكريمة: إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين [النحل: 120]؛ فإن هذه الآية لا شك أنها سيقت للثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإذا كان مناط الثناء انتفاء الشرك عنه؛ دل ذلك على أن كل من انتفى عنه الشرك فهو محل ثناء من الله - سبحانه وتعالى -.
* * *
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. السابعة: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعملٍ.
 الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك، لقوله تعالى: والذين هم بربهم لا يشركون، وهذه الآية في سياق آيات كثيرة ابتدأها الله بقوله: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون [المؤمنون: 57-61]؛ فهؤلاء هم سادات الأولياء، وكلام المؤلف من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأولياء السادات، وليس يريد رحمه الله السادات من الأولياء، بل يريد الأولياء الذي هم سادات الخلق.
 الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد، لقوله: "الذين لا يسترقون ولا يكتوون"؛ فالمراد بقول المؤلف: "الرقية والكي": الاسترقاء والاكتواء.
 السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل، والخصال هي: ترك الاسترقاء، وترك الاكتواء، وترك التطير، يعني أن العامل لهذه الأشياء هو قوة التوكل على الله- عز وجل .
 السابعة: عمق عمل الصحابة لمعرفة أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، أي: لم ينل هؤلاء السبعون ألفاً هذا الثواب إلا بعمل، ووجهه أن الصحابة خاضوا فيمن يكون له هذا الثواب العظيم وذكروا أشياء.
* * *
الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه - عليه الصلاة والسلام - .الثامنة: حرصهم على الخير، وجهه خوضهم في هذا الشيء؛ لأنهم يريدون أن يصلوا إلى نتيجة حتى يقوموا بها.
 التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكميّة والكيفيّة، أما الكميّة، فلأن النبي  رأى سواداً عظيماً أعظم من السواد الذي كان مع موسى، وأما الكيفيّة؛ فلأن معهم هؤلاء الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
 العاشرة: فضيلة أصحاب موسى، وهو مأخوذ من قوله: "إذ رفع لي سوادٌ عظيمٌ"، ولكن قد يقال: إن التعبير بقول: كثرة أتباع موسى أنسب لدلالة الحديث؛ لأن الحديث يقول: "سواد عظيم فظننت أنهم أمتي"، وهذا يدل على الكثرة.
 الحادية عشرة: عرض الأمم عليه - عليه الصلاة والسلام ـ، وهذا له فائدتان:
الفائدة الأولى: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث رأى من الأنبياء من ليس معه إلا الرجل والرجلان، ومن الأنبياء من ليس معه أحد، فيتسلى بذلك عليه الصلاة والسلام، ويقول: ما كنت بدعاً من الرسل.
الفائدة الثانية: بيان فضيلته عليه الصلاة والسلام وشرفه، حيث كان أكثر أتباعاً وأفضلهم؛ فصار في عرض الأمم عليه هاتان الفائدتان.
* * *
الثانية عشرة: أن كلّ أمةٍ تحشر وحدها مع نبيها. الثالثة عشرة: قلّة من استجاب للأنبياء. الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحدٌ يأتي وحده. الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.
 الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، لقوله: "رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان،، ولولا أنّ كل نبي متميز عن النبي الآخر؛ لاختلط بعضهم ببعض، ولم يعرف الأتباع من غير الأتباع، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى: وترى كل أمةٍ جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها [الجاثية: 28]؛ فإنه يدل على أن كل أمة تكون وحدها.
 الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء، وهو واضح من قوله: "والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد".
 الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده، لقوله: "والنبي وليس معه أحد".
 الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة.. إلخ، فإن الكثرة قد تكون ضلالاً، قال الله تعالى: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام: 116]، وأيضاً الكثرة من جهة أخرى إذا اغتر الإنسان بكثرة وظن لن يغلب أو أنّه منصور؛ فهذا أيضاً سبب للخذلان؛ فالكثرة إن نظرنا إلى أن أكثر أهل الأرض ضلال لا تغتر بهم، فلا تقل: إن الناس على هذا، كيف أنفرد عنهم؟.
كذلك أيضاً لا تغتر بالكثرة إذا كان معك أتباع كثيرون على الحق؛ فكلام المؤلف له وجهان:
الوجه الأول: أن لا نغتر بكثرة الهالكين فنهلك معهم.
الوجه الثاني: أن لا نغتر بكثرة الناجين فيلحقنا الإعجاب بالنفس وعدم الزهد في القلة، أي أن لا نزهد بالقلة؛ فقد تكو القلة خيراً من الكثرة.
* * *
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة. السابعة عشرة: عمق علم السلف، لقوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا"، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
 السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة، مأخوذ من قوله: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
 السابعة عشرة: عمق علم السلف، لقوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا"؛ فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني، لأن قوله: "لا رقية إلا من عينٍ أو حمة" لا يخالف الثاني؛ لأن الثاني إنما هو في الاسترقاء، والأول في الرقية؛ فالإنسان إذا أتاه من يرقيه ولم يمنعه؛ فإنه لا ينافي قوله: "ولا يسترقون"، لأن هناك ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا قد فاته الكمال.
المرتبة الثانية: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال؛ لأنه لم يسترق ولم يطلب.
المرتبة الثالث: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي  لم يمنع عائشة أن ترقيه، وكذلك الصحابة لم يمنعوا أحداً أن يرقيهم(1)؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل.
* * *
الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. التاسعة عشرة: قوله: "أنت منهم": علم من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عكاشة.
 الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه، يؤخذ من قوله: "أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت"؛ لأنه إذا كان رأى الكوكب الذي انقض استلزم أن يكون يقظان، واليقظان: إما أن يصلي، وإما أن يكون له شغل آخر، وإما أن يكون لديه مانع من النوم.
 التاسعة عشرة: قوله:"أنت منهم" علم من أعلام النبوة. يعني: دليلاً على نبوة الرسول ، وكيف ذلك؟، لأن عكاشة بن محصن رضي الله عنه بقي محروساً من الكفر حتى مات على الإسلام، فيكون في هذا علم، يعني: دليلاً من دلائل نبوة الرسول ، هذا إذا قلنا: إن الجملة خبرية وليس جملة دعائية، فإن قلنا: إنها جملة دعائية، فقد نقول أيضاً: فيه علم من أعلام النبوة، وهو أن الله استجاب دعوة الرسول ، لكن استجابة الدعوة ليست من خصائص الأنبياء؛ فقد تجاب دعوة من ليس بنبي، وحينئذ لا يمكن أن تكون علماً من أعلام النبوة إلا حيث جعلنا الجملة خبرية محضة.
 العشرون: فضيلة عكاشة، بكون ممن يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهل نشهد له بذلك؟ نعم، لأن الرسول  شهد له بها.
* * *
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حسن خلقه .
 الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، وذلك لقول الرسول : "سبقك بها عكاشة"؛ فإن هذا في الحقيقة ليس هو المانع الحقيقي، بل المانع ما أشرنا إليه في الشرح: إما أن يكون هذا الرجل منافقاً فلم يرد النبي  أن يجعله مع الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وإما خوفاً من انفتاح الباب؛ فيسأل هذه المرتبة من ليس من أهلها.
 الثانية والعشرون: حسن خلقه . وذلك لأنه رد هذا الرجل وسدَّ الباب على وجه ليس فيه غضاضة على أحد ولا كراهة.
* * *

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 15 )  
قديم 2011-07-26
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

نكمل تدارس كتاب التوحيد

(((باب الخوف من الشرك وقول الله عز وجل: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) (16)
وقال الخليل عليه السلام: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) (17) وفي حديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، فسئل عنه فقال: (الرياء) وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) [رواه البخاري]. ولمسلم عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار).
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئاً دخل الجنة. ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ) (18).
العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.)))

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 16 )  
قديم 2011-07-26
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

شرح الباب السابق

باب الخوف من الشرك

وقول الله عز وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 116].
* مناسبة الباب للبابين قبله:
في الباب الأول ذكر المؤلف رحمه الله تحقيق التوحيد، وفى الباب الثاني ذكر أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث بهذا الباب رحمه الله تعالى، لأن الإنسان يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض السلف: "ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص"، وذلك أن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال أو جاه أو رئاسة، وقد تريد بعمل الآخرة الدنيا، وهذا نقص في الإخلاص، وقل من يكون غرضه الآخر في كل عمله، ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله ما سبق من البابين بهذا الباب، وهو الخوف من الشرك، وذكر فيه آيتين:
الأولى قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به.
لا: نافية، أن يشرك به: فعل مضارع مقرون بأن المصدرية، فيحول إلى مصدر تقديره: أن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكاً به، فالشرك لا يغفره الله أبداً، لأنه جناية على حق الله الخاص، وهو التوحيد.
أما المعاصي، كالزنى والسرقة، فقد يكون للإنسان فيها حظ نفس بما نال من شهوة، أما الشرك، فهو اعتداء على حق الله تعالى، وليس للإنسان فيه حظ نفس، وليس شهوة يريد الإنسان أن ينال مراده، ولكنه ظلم، ولهذا قال الله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13].
وهل المراد بالشرك هنا الأكبر، أم مطلق الشرك؟
قال بعض العلماء: إنه مطلق يشمل كل شرك لو أصغر، كالحلف بغير الله، فإن الله لا يغفره، أما بالنسبة لكبائر الذنوب، كالسرقة والخمر، فإنها تحت المشيئة، فقد يغفرها الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقاً، لأن العموم يحتمل أن يكون داخلاً فيه الأصغر، لأن قوله: أن يشرك به أن وما بعدها في تأويل مصدر، تقديره: إشراكاً به، فهو نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.
قوله: ويغفر ما دون ذلك، المراد بالدون هنا: ما هو أقل من الشرك، وليس ما سوى الشرك.
* * *
وقال الخليل عليه السلام: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام [إبراهيم: 35]
الآية الثانية: قوله: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام.
قيل: المراد ببنيه: بنوه لصلبه، ولا نعلم له من صلبه سوى إسماعيل وإسحاق، وقيل: المراد ذريته وما توالد من صلبه، وهو الأرجح، وذلك للآيات التي دلت على دعوته للناس من ذريته، ولكن كان من حكمة الله أن لا تجاب دعوته في بعضهم، كما أن الرسول  دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم(1) فلم يجب الله دعاه.
وأيضاً يمنع من الأول أن الآية بصيغة الجمع، وليس لإبراهيم من الأبناء سوى إسحاق وإسماعيل.
ومعنى: اجنبني، أي: اجعلني في جانب والأصنام في جانب، وهذا أبلغ مما لو قال: امنعني وبني من عبادة الأصنام، لأنه إذا كان في جانب عنها كان أبعد.
فإبراهيم عليه السلام يخاف الشرك على نفسه، وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء، فما بالك بنا نحن إذن؟‍.
فلا تأمن الشرك، ولا تأمن النفاق، إذ لا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولهذا قال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ، كلهم يخاف النفاق على نفسه"(2).
وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاف على نفسه النفاق، فقال لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي أسر إليه النبي  بأسماء أناس من المنافقين، فقال له عمر رضي الله عنه: "أنشدك الله، هل سماني لك رسول الله  مع من سمى من المنافقين؟. فقال حذيفة رضي الله عنه: لا، ولا أزكي بعدك أحداً"(3)، أراد عمر بذلك زيادة الطمأنينة، وإلا، فقد شهد له النبي  بالجنة.
ولا يقال: إن عمر رضي الله عن أراد حث الناس على الخوف من النفاق ولم يخفه على نفسه، لأن ذلك خلاف ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ومثل هذا القول يقوله بعض العلماء فيما يضيفه النبي  إلى نفسه في بعض الأشياء، يقولون: هذا قصد به التعليم، وقصد به أن يبين لغيره، كما قيل، إن الرسول  لم يقل: رب اغفر لي لأن ليس له ذنباَ ولكن لأجل أن يعلم الناس الاستغفار، وهذا خلاف الأصل وقول بعضهم: إنه جهر بالذكر عقب الفريضة ليعلم الناس الذكر، لا لأن الجهر بذلك من السنة ونحو ذلك.
قوله: أن نعبد الأصنام. أن والفعل بعدها في تأويل مصدر: مفعول ثان لقوله: اجنبني.
والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله.
أما الوثن، فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: "لا تجعل قبري وثناً يعبد"(1)، فالوثن أعم من الصنم.
ولا شك أن إبراهيم سأل ربه الثبات على التوحيد، لأنه إذا جنبه عبادة الأصنام صار باقياً على التوحيد.
* الشاهد من هذه الآية:
أن إبراهيم خاف الشرك، وهو إمام الحنفاء، وهو سيدهم ما عدا رسول الله .
* * *
وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". فسئل عنه فقال: "الرياء"(2).
قوله: "وفي الحديث". الحديث: ما أضيف إلى الرسول، والخبر: ما أضيف إليه والى غيره، والأثر: ما أضيف إلى غير الرسول ، أي: إلى الصحابي فمن بعده، إلا إذا قيد فقيل: وفي الأثر عن رسول الله ، فيكون على ما قيد به.
قوله: "أخوف ما أخاف عليكم". الخطاب للمسلمين، إذ المسلم هو الذي يخاف عليه الشرك الأصغر، وليس لجميع الناس.
قوله: "الرياء"، مشتق من الرؤية مصدر راءى يرائي، والمصدر رياء، كقاتل يقاتل قتالاً.
والرياء: أن يعبد الله ليراه الناس فيمدحوه على كونه عابداً، وليس يريد أن تكون العبادة للناس، لأنه لو أراد ذلك، لكان شركاً أكبر، والظاهر أن هذا على سبيل التمثيل، وإلا، فقد يكون رياء، وقد يكون سماعاً، أي يقصد بعبادته أن يسمعه الناس فيثنوا عليه، فهذا داخل في الرياء، فالتعبير بالرياء من باب التعبير بالأغلب.
أما إن أراد بعبادته أن يقتدي الناس به فيها، فليس هذا رياء، بل هذا من الدعوة إلى الله - عز وجل ـ، والرسول  يقول: "فعلت هذا لتأتموا بي وتعلموا صلاتي"(3).
والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين:
الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء، فهذا عمله باطل مردود عليه لحديث أبي هريرة في "الصحيح" مرفوعاً، قال الله تعال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"(1).
الثاني: أن يكون الرياء طارئاً على العبادة، أي أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء، فهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يدافعه، فهذا لا يضره.
مثاله: رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه، فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد.
القسم الثاني: أن استرسل معه، فكل عمل ينشأ عن الرياء فهو باطل، كما لو أطال القيام، أو الركوع، أو السجود، أو تباكى، فهذا كل عمله حابط، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أم لا؟
نقول: لا يخلو هذا من حالين:
الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبيناً على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها، فهذه كلها فاسدة.
وذلك مثل الصلاة، فالصلاة مثلاً لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها، وحينئذ تبطل الصلاة كلها إذا طرأ الرياء في أثنائها ولم يدافعه.
الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلاً عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء، فهو صحيح، وما كان بعده، فهو باطل.
مثال ذلك: رجل عنده مئة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء، فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة، لأن آخرها منفك عن أولها.
فإن قيل: لو حدث الرياء في أثناء الوضوء، هل يلحق بالصلاة فيبطل كله، أو بالصدقة فيبطل ما حصل فيه الرياء فقط.
فالجواب: يحتمل هذا وهذا، فيلحق بالصلاة لأن الوضوء عبادة واحدة ينبني بعضها على بعض، ليس تطهير كل عضو عبادة مستقلة، ويلحق بالصدقة لأنه ليس كالصلاة من كل وجه ولا الصدقة من كل وجه، لأننا إذا قلنا ببطلان ما حصل فيه الرياء، فأعاد تطهيره وحد لم يضر، لأن تكرر غسل الوضوء لا يبطل الوضوء ولو كان عمداً بخلاف الصلاة. فإنه إذا كرر جزءاً منها كركوع أو سجود لغير سبب شرعي، بطلت صلاته، فلو أنه بعد أن غسل يديه رجع وغسل وجهه، لم يبطل وضوؤه، ولو أنه بعد أن سجد رجع وركع، لبطلت صلاته، والترتيب موجود في هذا وهذا، لكن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الوضوء لا تبطله، والرجوع مثلاً إلى الأعضاء الأولى لا يبطله أيضاً، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءاً لأنه غير شرعي، وربما يكون في الأولى غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال: الأحسن أن أكمل الثلاث في الوجه أفضل، فغسل وجهه مرتين، وهو سيرتب أي سيغسل وجهه ثم يديه، فوضؤه صحيح.
ولو ترك التسبيح ثلاث مرات في الركوع، وبعدما سجد قال: فوت على نفس فضيلة، سأرجع لأجل أن أسبح ثلاث مرات، فتبطل صلاته، فالمهم أن هناك فرقاً بين الوضوء والصلاة، ومن أجل هذا الفرق لا أبت فيها الآن حتى أراجع وأتأمل إن شاء الله تعالى.
* * *
وعن أبي مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله  قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً، دخل النار". رواه البخاري(1).
قوله: "من". هذه شرطية تفيد العموم للذكر والأنثى.
قوله: "يدعو من دون الله نداً"، أي: يتخذ لله نداً سواء دعاء عبادة أم دعاء مسألة، لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين:
الأول: دعاء عبادة، مثاله: الصوم، والصلاة، وغير ذلك من العبادات، فإذا صلى الإنسان أو صام، فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، وهذا في أصل الصلاة، كما أنها تتضمن الدعاء بلسان المقال.
ويدل لهذا القسم قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي [غافر: 60]، فجعل الدعاء عبادة، وهذا القسم كله شرك، فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فقد كفر كفراً مخرجاً له عن الملة، فلو ركع لإنسان أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود، لكان مشركاً، ولهذا منع النبي  من الانحناء عن الملاقاة لما سئل عن الرجل يلقى أخاه أن يحني له؟ قال: "لا"(2).
خلافاً لما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك، فيجب على كل مؤمن بالله أن ينكره، لأنه عظمك على حساب دينه.
الثاني: دعاء المسألة، فهذا ليس كله شركاً، بل فيه تفصيل، فإن كان المخلوق قادراً على ذلك، فليس بشرك، كقوله: اسقني ماء لمن يستطيع ذلك. قال : "من دعاكم فأجيبوه"(1)، وقال تعالى: وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه [النساء: 8].
فإذا مد الفقير يده، وقال: ارزقني، أي: اعطني، فليس بشرك، كما قال تعال: فارزقوهم منه، وأما أن دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله، فإن دعوته شرك مخرج عن الملة.
مثال ذلك: أن تدعو إنساناً أن ينزل الغيث معتقداً أنه قادر على ذلك.
والمراد بقول الرسول : "من مات وهو يدعو من دون لله نداً" المراد الند في العبادة، أما الند في المسألة، ففيه التفصيل السابق.
ومع الأسف، ففي بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلاناً المقبور الذي بقى جثة أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد لها، وهذا - والعياذ بالله - شرك أكبر مخرج من الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر والزنا واللواط، لأنه إقرار على كفر، وليس إقراراً على فسوق فقط.
قوله: "دخل النار". أي: خالداً، مع أن اللفظ لا يدل عليه، لأن دخل فعل، والفعل يدل على الإطلاق.
وأيضاً قال الله تعالى: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار [المائدة: 72]، وإذا حرمت الجنة، لزم أن يكون خالداً في النار أبداً، فيجب أن نخاف من الشرك مادامت هذه عقوبته، فالمشرك خسر الآخرة، لأنه في النار خالد، وخسر الدنيا أيضاً، لأنه لم يستفد منها شيئاً، وقامت عليه الحجة، وجاءه النذير، ولكنه خسر - والعياذ بالله ـ، ما استفاد شيئاً من الدنيا، قال تعالى: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير [فاطر: 37]، وقال الله – عز وجل ـ: ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين * يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد * يدعو لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير [الحج: 11-13]، وقال تعالى: قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة [الزمر: 15].
فخسر نفسه، لأنه لم يستفد منها شيئاً، وخسر أهله، لأنهم إن كانوا من المؤمنين فهم في الجنة، فلا يتمتع بهم في الآخرة، وإن كانوا في النار فكذلك، لأنه كلما دخلت أمة لعنت أختها، والشرك خفي جداً، فقد يكون في الإنسان وهو لا يشعر إلا بعد المحاسبة الدقيقة، ولهذا قال بعض السلف: "ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص".
فالشرك أمره صعب جداً ليس بالهين، ولكن ييسر الله الإخلاص على العبد، وذلك بأن يجعله الله نصب عينيه، فيقصد بعمله وجه الله لا يقصد مدح الناس أو ذمهم أو ثناءهم عليه، فالناس لا ينفعونه أبداً، حتى لو خرجوا معه لتشييع جنازته لم ينفعه إلا عمله، قال : "يخرج مع الميت أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان: أهله وماله، ويبقى عمله"(1).
وكذلك أيضاً من المهم أن الإنسان لا يفرحه أن يقبل الناس قوله لأنه قوله، لكن يفرحه أن يقبل الناس قوله إذا رأى أنه الحق لأنه الحق، لا أنه قوله، وكذا لا يحزنه أن يرفض الناس قوله لأنه قوله، لأنه حينئذ يكون قد دعا لنفسه، لكن يحزنه أن يرفضوه لأنه الحق، وبهذا يتحقق الإخلاص.
فالإخلاص صعب جداً، إلا أن الإنسان إذا كان متجهاً إلى الله اتجاهاً صادقاً سليماً على صراط مستقيم، فإن الله يعينه عليه، ويسره له.
ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" .
* * *
قوله: "من". شرطية تفيد العموم، وفعل الشرط: "لقي"، وجوابه قوله: "دخل الجنة"، وهذا الدخول لا ينافي أن يعذب بقدر ذنوب إن كانت عليه ذنوب، لدلالة نصوص الوعيد على ذلك، وهذا إذا لم يغفر الله له، لأن داخل تحت المشيئة.
قوله: "لا يشرك". في محل نصب على الحال من فعل "لقي".
قوله: "شيئاً". نكرة في سياق الشرط، فيعم أي شرك حتى ولو أشرك مع الله أشرف الخلق، وهو الرسول  دخل النار، فكيف بمن يجعل الرسول  أعظم من الله، فيلجأ إليه عند الشدائد، ولا يلجأ إلى الله، بل ربما يلجأ إلى ما دون الرسول ؟! وهناك من لا يبالي بالحلف بالله صادقاً أم كاذباً، ولكن لا يحلف بقوميته إلا صادقاً، ولهذا اختلف فيمن لا يبالي بالحلف بالله، ولكنه لا يحلف بقوميته إلا صادقاً، ولهذا اختلف فيمن لا يبالي بالحلف بالله، ولكن لا يحلف بملته أو بما يعظمه إلا صادقاً، فلزمته يمين، هل يحلف بالله أو يحلف بهذا؟
فقيل: يحلف بالله ولو كذب، ولا يعان على الشرك، وهو الصحيح.
وقيل: يحلف بغير الله، لأن المقصود الوصول إلى بيان الحقيقة، وهو إذا كان كاذباً لا يمكن أن يحلف، لكن نقول: إن كان صادقاً حلف ووقع في الشرك.
• مسألة: هل يلزم من دخول النار الخلود لمن أشرك؟
هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر كما دلت عل ذلك النصوص، فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار. وإن كان أكبر، فإنه يلزم منه الخلود في النار.
لكن لو حلمنا الحديث على الشرك الأكبر في الموضعين في قوله: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة"(1)، وفي قوله: "ومن لقي الله يشرك به شيئاً دخل النار"(2)، وقلنا: من لقي الله لا يشرك به شركاً أكبر دخل الجنة، وإن عذب قبل الدخول في النار بما يستحق، فيكون مآله إلى الجنة، ومن لقيه يشرك به شركاً أكبر دخل النار مخلداً فيها لم نحتج إلى هذا التفصيل.
* * *
 فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك. الثانية: أن الرياء من الشرك. الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
فيه مسائل:
 الأولى: الخوف من الشرك. لقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ولقوله: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام.
 الثانية: أن الرياء من الشرك. لحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه فقال "الرياء"، وقد سبق بيان أحكامه بالنسبة إلى إبطال العبادة.
 الثالثة: أنه من الشرك الأصغر، لأن النبي  لما سئل عنه فقال: "الرياء"، فسماه شركاً أصغر، وهل يمكن أن يصل إلى الأكبر؟
ظاهر الحديث لا يمكن، لأنه قال: "الشرك الأصغر"، فسئل عنه، فقال: "الرياء".
لكن في عبارات ابن القيم رحمه الله أنه إذا ذكر الشرك الأصغر قال: كيسير الرياء، فهذا يدل على أن كثيره ليس من الأصغر، لكن إن أراد بالكمية، فنعم، لأنه لو كان يرائي في كل عمل لكان مشركاً شركاً أكبر لعدم وجود الإخلاص في عمل يعمله، أما إذا أراد الكيفية، فظاهر الحديث أنه أصغر مطلقاً.
* * *
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. الخامسة: قرب الجنة والنار. السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. السابعة: أنه من لقيه يشرك به شيئاً، دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
 الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. وتؤخذ من قوله: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، ولأنه قد يدخل في قلب الإنسان من غير شعور لخفائه وتطلع النفس إليه، فإن كثيراً من النفوس تحب أن تمدح بالتعبد لله.
 الخامسة: قرب الجنة والنار. لقوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً، دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً، دخل النار".
 السادسة: الجميع بين قربهما في حديث واحد. "من لقي الله لا يشرك به شيئاً...." الحديث.
 السابعة: أن من لقيه يشرك به شيئاً دخل النار، ولو كان من أعبد الناس. تؤخذ من العموم في قوله: "من لقي الله"، لأن "من" للعموم، لكن إن كان شركه أكبر، لم يدخل الجنة وإن كان أعبد الناس، لقوله تعالى: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار [المائدة: 72]، وإن كان أصغر، عذب بقدر ذنوبه ثم دخل الجنة.
* * *
الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام. التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: رب إنهن أضللن كثيراً من الناس [إبراهيم: 36]. العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري. الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
 الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام، تؤخذ من قوله تعالى: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام.
 التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: رب إنهن أضللن كثيراً من الناس. وفيه إشكال، إذ المؤلف يقول: بحال الأكثر، والآية: كثيراً من الناس، وفرق بين كثير وأكثر، ولهذا قال تعالى في بني آدم: وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً [الإسراء: 70]، فلم يقل على أكثر الخلق، ولا على الخلق، فالآدميون فضلوا على كثير ممن خلق الله، وليسوا أكرم الخلق على الله، ولكنه كرمهم.
 العاشرة: فيه تفسير لا إله إلا الله كما ذكره البخاري. الظاهر أنها تؤخذ من جميع الباب، لأن لا إله إلا الله فيها نفي وإثبات.
 الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك. لقوله: ويغفر ما دون ذلك، وقوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً، دخل الجنة".
* * *

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 17 )  
قديم 2011-07-28
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

نتااابع اليوم باذن الله درس من دروس التوحيد
النص
(((باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله وقوله الله تعالى: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (19) الآية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ـ وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله ـ فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أخرجاه.
ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: (أين علي بن أبي طالب؟) فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتى به فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم). يدوكون: يخوضون.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه صلى الله عليه وسلم.
الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: كونه تنزيهاً لله تعالى عن المسبة.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: وهي من أهمها – إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى: (أن يوحدوا الله)، معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله: (لأعطين الراية) إلخ. علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضاً.
الحادية والعشرون: فضيلة علي رضي الله عنه.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسلك).
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: (أخبرهم بما يجب عليهم).
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.)))




التعديل الأخير تم بواسطة ام احمد ; 2011-07-28 الساعة 10:49 PM
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 18 )  
قديم 2011-07-28
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

الشرح للنص السابق

باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة الآية [يوسف: 108].
هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون، لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك، لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد، قال تعالى: والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [سورة العصر].
فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه، وإلا، كان ناقصاً، ولا ريب أن هذا الذي سلك سبيل التوحيد لم يسلكه إلا وهو يرى أنه أفضل سبيل، وإذا كان صادقاً في اعتقاده، فلابد أن يكون داعياً إليه، والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد، ولا يتم التوحيد إلا به.
* * *
قوله: قل هذه سبيلي، المشار إليه ما جاء به النبي  من الشرع عبادة ودعوة إلى الله.
سبيلي: طريقي.
قوله: أدعو، حال من الياء في قوله: سبيلي، ويحتمل أن تكون استئنافاً لبيان تلك السبيل.
وقوله: إلى الله، لأن الدعاة إلى الله ينقسمون إلى قسمين:
1- داع إلى الله.
2- داع إلى غيره.
فالداعي إلى الله تعالى هو المخلص الذي يريد أن يوصل الناس إلى الله تعالى.
والداعي إلى غيره قد يكون داعياً إلى نفسه، يدعو إلى الحق لأجل أن يعظم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمر به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهياً أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه.
وقد يكون داعياً إلى رئيسه كما يوجد في كثير من الدول من علماء الضلال من علماء الدول، لا علماء الملل، يدعو إلى رؤسائهم.
من ذلك لما ظهرت الاشتراكية في البلاد العربية قام بعض علماء الضلال بالاستدلال عليها بآيات وأحاديث بعيدة الدلالة، بل ليس فيها دلالة، فهؤلاء دعوا إلى غير الله.
ومن دعا إلى الله ثم رأى الناس فارين منه، فلا ييأس، ويترك الدعوة، فإن الرسول  قال لعلي: "انفذ على رسلك، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"(1)، يعني: أن اهتداء رجل واحد من قبائل اليهود خير لك من حمر النعم، فإذا دعا إلى الله ولم يجب، فليكن غضبه من أجل أن الحق لم يتبع، لا لأنه لم يجب، فإذا كان يغضب لهذا، فمعناه أنه يدعو إلى الله، فإذا استجاب واحد، كفى، وإذا لم يستجب أحد، فقد أبرأ ذمته أيضاً، وفي الحديث: "والنبي وليس معه أحد"(1).
ثم إنه يكفي من الدعوة إلى الحق والتحذير من الباطل أن يتبين للناس أن هذا حق وهذا باطل، لأن الناس إذا سكتوا عن بيان الحق، وأقر الباطل مع طول الزمن، ينقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً.
قوله: على بصيرة، أي: علم، فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم، لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص، أو عدم العلم، وليس المقصود بالعلم في قوله على بصيرة العلم بالشرع فقط، بل يشمل، العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة.
فيكون بصيراً بحكم الشرع، وبصيراً بحال المدعو، وبصيراً بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة، ولهذا قال النبي  لمعاذ: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب"(2).
وهذه ليست كلها من العلم بالحكم الشرعي، لأن علمي أن هذا الرجل قابل للدعوة باللين، وهذا قابل للدعوة بالشدة، وهذا عنده علم يمكن أن يقابلني بالشبهات أمر زائد على العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالطرق التي تجلب المدعوين كالترغيب بكذا والتشجيع، كقوله : "من قتل قتيلاً، فله سلبه"(3)، أو بالتأليف، فالنبي  أعطى المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين إلى مئة بعير(4)، فهذا كله من الحكمة، فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محموداً وليست طريقته طريقة الرسول ، لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح.
قوله: أنا ومن اتبعني، ذكروا فيها رأيين:
الأول: "أنا" مبتدأ، وخبرها "على بصيرة"، "ومن اتبعني" معطوفة على "إنا" أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة، أي: في عبادتي ودعوتي.
الثاني: "أنا" توكيد للضمير المستتر في قوله: "أدعو"، أي: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني يدعو أيضاً، أي: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ويدعو من اتبعني، وكلانا على بصيرة.
قوله: وسبحان الله، أي: أن أكون أدعو على غير بصيرة!
وإعراب "سبحان": مفعول مطلق عامله محذوف تقديره أسبح.
قوله: وما أنا من المشركين، محلها مما قبلها في المعنى توكيد، لأن التوحيد معناه نفي الشرك.
* * *
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله  لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله...
* * *
(وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله)، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإن ليس بينها وبين الله حجاب". أخرجاه (1).

وقوله (أي: قول ابن عباس): "بعث معاذاً" أي: أرسله، وبعثه على صفة المعلم والحاكم والداعي، وبعثه في ربيع الأول سنة عشرة من الهجرة، وهذا هو المشهور، وبعثه هو وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما، بعث معاذاً إلى صنعاء وما حولها، وأبا موسى إلى عدن وما حولها، وأمرهما: "أن اجتمعا وتطاوعا ولا تفترقا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا وذكرا ولا تنفرا"(1).
قوله: "لما"، إعرابها شرطية، وهي حرف وجود لوجود، و"لو": حرف امتناع لامتناع، و"لولا" حرف امتناع لوجود.
قوله: "إنك تأتي قوماً من أهل كتاب"، قال ذلك مرشداً له، وهذا دليل على معرفته  بأحوال الناس، وما يعلمه من أحوالهم، فله طريقان:
1- الوحي. 2- العلم والتجربة.
قوله: "من" بيانية، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، فيكون المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم أكثر أهل اليمن في ذلك الوقت، وإن كان في اليمن مشركون، لكن الأكثر اليهود والنصارى، ولهذا اعتمد الأكثر.
وأخبره النبي  بذلك، لأمرين:
الأول: أن يكون بصيراً بأحوال من يدعو.
الثاني: أن يكون مستعداً لهم، لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم.
قوله: "فليكن"، الفاء للاستئناف أو عاطفة، واللام للأمر، و"أول": اسم يكن، وخبرها "شهادة"، وقيل العكس، يعني "أول" خبر مقدم و"شهادة" اسم يكن مؤخراً.
والظاهر أنه يريد أن يبين أن أول ما يكون هي الشهادة، وإذا كان كذلك، يكون "أول" مرفوعاً على أنه اسم يكن، أي: أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: "شهادة"، الشهادة هنا من العلم، قال تعالى: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون [الزخرف: 86]، فالشهادة هنا العلم والنطق باللسان، لأن الشاهد مخبر عن علم، وهذا المقام لا يكفي فيه مجرد الإخبار، بل لابد من علم وإخبار وقبول وإقرار وإذعان، أي: انقياد.
فلو اعتقد بقلبه، ولم يقل بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه ليس بمسلم بالإجماع حتى ينطق بها، لأن كلمة أشهد تدل على الإخبار، والإخبار متضمن للنطق، فلابد من النطق، فالنية فقط لا تجزئ، ولا تنفعه عند الله حتى ينطق، والنبي  قال لعمه أبي طالب: "قل"(1)، ولم يقل: اعتقد أن لا إله إلا الله.
قوله: "لا إله"، أي: لا معبود، فإله بمعنى مألوه، فهو فعال بمعنى مفعول، وعند المتكلمين، إله بمعنى آله، فهو اسم فاعل، وعليه يكون معنى لا إله، أي: لا قادر على الاختراع، وهذا باطل(2)، ولو قيل بهذا المعنى، لكان المشركون الذين قاتلهم النبي  موحدين لأنهم يقرّون به، قال تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87]، وقال تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [الزمر: 38].
فإن قيل: كيف يقال: لا معبود إلا الله، والمشركون يعبدون أصنامهم؟!
أجيب: بأنهم يعبدونها بغير حق، فهم وإن سموها آلهة، فألوهيتها باطلة، وليست معبودات بحق، ولذلك إذا مسهم الضر، لجؤوا إلى الله تعالى، وأخلصوا له الدين، وعلى هذا لا تستحق أن تسمى آلهة.
فهم يعبدونها ويعترفون بأنهم لا يعبدونها إلا لأجل أن تقربهم إلى الله فقط، فجعلوها وسيلة وذريعة، وبهذا التقدير لا يرد علينا إشكال في قول الرسل لقومهم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الإعراف: 59]، لأن هذه المعبودات لا تستحق أن تعبد، بل الإله المعبود حقاً هو الله - سبحانه وتعالى -.
وفى قوله: "لا إله إلا الله" نفي الألوهية لغير الله، وإثباته لله، ولهذا جاءت بطريق الحصر.
* * *
ولهما عن سهل بن سعد (رضي الله عنه): أن رسول الله  قال يوم خيبر: "لأعطين غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه والله ورسوله، يفتح الله على يديه". فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها، فلما أصبحوا، غدوا على رسول الله ، كلهم يرجو أن يعطاها.
قوله: "لأعطين"، هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لأعطين.
قوله: "الراية"، العلم، وسمي راية، لأنه يُرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه.
واللواء، قيل: إنه الراية، وقيل ما لوي أعلاه، أو لوي كله، فيكون الفرق بينهما، أن الراية مفلولة لا تطوى، واللواء يطوى إما أعلاه أو كله، والمقصود منهما الدلالة، ولهذا يسمى علماً.
قوله: "غداً"، يراد به ما بعد اليوم، والأمس يراد به ما قبله.
والأصل أنه يراد بالغد ما يلي يومك، ويراد بالأمس الذي يليه يومك، وقد يراد بالغد ما وراء ذلك، قال تعالى: ولتنظر نفس ما قدمت لغد [الحشر: 18]، أي: يوم القيامة.
وكذلك بالأمس قد يراد به ما وراء ذلك، أي: ما وراء اليوم الذي يليه يومك.
قوله: "يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". أثبت المحبة لله من الجانبين، أي أن الله تعالى يحب ويحب، وقد أنكر هذا أهل التعطيل، وقالوا: المراد بمحبة الله للعبد إثابته أو إرادة إثابته، والمراد بمحبة العبد لله محبة ثوابه، وهذا تحريف للكلام عن ظاهره مخالف لإجماع السلف من الصحابة والتابعين وأثمة الهدى من بعدهم، ومحبة الله تعالى ثابتة له حقيقة وهي من صفاته الفعلية، وكل شيء من صفات الله يكون له سبب، فهو من الصفات الفعلية، والمحبة لها سبب، فقد يبغض الله إنساناً في وقت ويحبه في وقت لسبب من الأسباب.
قوله: "على يديه"، أي يفتح خيبر على يديه، وفي ذلك بشارة بالنصر.
قوله: "يدوكون"، أي: يخوضون، وجملة يدوكون خبر بات.
قوله: "غدوا على رسول الله"، أي: ذهبوا إليه في الغدوة مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها لينال محبة الله ورسوله.
* * *
فقال: "أين علي بن أبي طالب؟". فقيل هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم".
قوله: "فقال: أين علي؟"، القائل: الرسول .
قوله: "يشتكي عينيه"، أي: يتألم منهما، ولكنه يشتكي إلى الله، لأن عينية مريضة.
وقوله: "فأرسلوا إليه": بأمر الرسول .
قوله: "فأتى به"، كأنه رضي الله عنه قد عمم على عينيه، لأن قوله: "أتي به"، أي: يقاد.
وقوله: "كأن لم يكن به وجع"، أي: ليس بهما أثر حمرة ولا غيرها.
قوله: "فبرأ"، هذا من آيات الله الدالة على قدرته وصدق رسوله ، وهذا من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله: لتخصيص النبي  له ذلك من بين سائر الصحابة.
قوله: "انفذ على رسلك"، أي: مهلك، مأخوذ من رسل الناقة، أي: حليبها يحلب شيئاً فشيئاً، والمعنى: امش هويناً هويناً، لأن المقام خطير، لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر.
قوله: "حتى تنزل بساحتهم"، أي: ما يقرب منهم وما حولهم، والنبي  يقول: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"(1).
وهذا إذا كنا على الوصف الذي عليه الرسول  وأصحابه، أما إذا كنا على وصف القومية، فإننا لو نزلنا في أحضانهم، فمن الممكن أن يقوموا ونكون في الأسفل.
* * *
ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" (2). (يدوكون)، أي: يخوضون.
قوله: "ثم ادعهم"، أي: أهل خبير، "إلى الإسلام"، أي: الاستسلام لله.
قوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم"، أي: فلا تكفي الدعوة إلى الإسلام فقط، بل يخبرهم بما يجب عليهم فيه حتى يقتنعوا به ويلتزموا، لكن على الترتيب الذي في حديث بعث معاذ.
وهذه المسألة يتردد الإنسان فيها: هل يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله في الإسلام قبل أن يسلموا أو بعده؟
فإذا نظرنا إلى ظاهر حديث معاذ وحديث سهل هذا، فإننا نقول: الأولى أن تدعوه للإسلام، وإذا أسلم تخبره.
وإذا نظرنا إلى واقع الناس الآن، وأنهم لا يسلمون عن اقتناع، فقد يسلم، وإذا أخبرته ربما يرجع، قلنا: يخبرون أولاً بما يجب عليهم من حق الله فيه، لئلا يرتدوا عن الإسلام بعد إخبارهم بما يجب عليهم، وحينئذ يجب قتلهم لأنهم مرتدون.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 19 )  
قديم 2011-07-28
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

تااااااااااااابع

ويحتمل أن يقال: تترك هذه المسألة للواقع وما تقتضيه المصلحة من تقديم هذا أو هذا.
قوله: "لأن يهدي الله"، اللام واقعة في جواب القسم، وأن بفتح الهمزة مصدرية، ويهدي مؤول بالمصدر مبتدأ، "وخير": خبر، ونظيرها قوله تعالى: وإن تصوموا خير لكم [البقرة: 184].
قوله: "حمر النعم" بتسكين الميم: جمع أحمر، وبالضم: جمع حمار، والمراد بالأول.
وحمر النعم: هي الإبل الحمراء، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.
وقوله: "لأن يهدي الله بك"، ولم يقل: لأن تهدي، لأن الذي يهدي هو الله.
والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق والدلالة.
وهل المراد الهداية من الكفر إلى الإسلام، أو يعم كل هداية؟
نقول: هو موجه إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، وهل نقول: إن القرينة الحالية تقتضي التخصيص، وأن من اهتدى على يديه رجل في مسألة فرعية من مسائل الدين لا يحصل له هذا الثواب بقرينة المقام، لأن علياً موجه إلى قوم كفار يدعوهم الإسلام، والله أعلم.
* * *
 فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله . الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيراً من الناس لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه.
فيه مسائل:
 الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ، وتؤخذ من قوله تعال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني.
والأشمل من ذلك والأبلغ في مطابقة الآية أن يقال: إن الدعوة إلى الله طريق الرسل وأتباعهم.
 الثانية: التنبيه على الإخلاص، وتؤخذ من قوله: "أدعو إلى الله"، ولهذا قال: "لأن كثيراً من الناس لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه"، فالذي يدعو إلى الله هو الذي لا يريد إلا أن يقوم دين الله، والذي يدعو إلى نفسه هو الذي يريد أن يكون قوله هو المقبول، حقاً كان أم باطلاً.
* * *
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض. الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهاً لله تعالى عن المسبة. الخامسة: أن من قبح الشرك كون مسبة لله. السادسة: وهي من أهمها: إبعاد المسلم عن المشركين، لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
 الثالثة: أن البصيرة من الفرائض، وتؤخذ من قوله تعالى: أدعو إلى الله على بصيرة، ووجه كون البصيرة من الفرائض، لأنه لا بد للداعية من العلم بما يدعو إليه، والدعوة فريضة. فيكون العلم بذلك فريضة.
 الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهاً لله عن المسبة، وتؤخذ من قوله تعالى: سبحان الله وما أنا من المشركين، فسبحان الله دليل على أنه واحد لكماله.
ومعنى عن المسبة، أي: وعن مماثلة الخالق للمخلوق، إذ تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصاً.
قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟
 الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله، وتؤخذ من قوله تعالى: وما أنا من المشركين بعد قوله: وسبحان الله.
 السادسة - وهي من أهمها - : إبعاد المسلم عن المشركين، لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك. لقوله تعالى: وما أنا من المشركين، ولم يقل: "وما أنا مشرك"، لأنه إذا كان بينهم، ولو لم يكن مشركاً، فهو في ظاهره منهم، ولهذا لما قال الله للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس [البقرة: 34]، توجه الخطاب له ولهم.
* * *
السابعة: كون التوحيد أول واجب. الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة. التاسعة: أن معنى: "أن يوحدوا الله": معنى شهادة أن لا إله إلا الله. العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
 السابعة: كون التوحيد أول واجب، تؤخذ من قوله : "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي رواية: "أن يوحدوا الله".
وقال بعض العلماء، أول واجب النظر، لكن الصواب أن أول واجب هو التوحيد، لأن معرفة الخالق دلت عليها الفطرة.
 الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، تؤخذ من قوله : "ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه".
 التاسعة: أن معنى أو يوحدوا الله معنى شهادة أن لا إله إلا الله، تؤخذ من تعبير الصحابي حيث عبر في رواية بقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي رواية عبر بقوله: "أن يوحدوا الله".
 العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها، ومراده بقوله: "لا يعرفها، أو يعرفها" شهادة أن لا إله إلا الله، وتؤخذ من قوله: "فليكن أو ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"، إذ لو كانوا يعرفون لا إله إلا الله ويعملون بها ما احتاجوا إلى الدعوة إليها.
* * *
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم. الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
 الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. تؤخذ من قوله  لمعاذ: "ادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم..." إلخ الحديث.
 الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. تؤخذ من أمره  معاذاً بالتوحيد ليدعو إليه أولاً، ثم الصلاة، ثم الزكاة.
 الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. تؤخذ من قوله: "فترد على فقرائهم".
 الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم. المراد بالشبهة هنا: شبهة العلم، أي: يكون عنده جهل.
تؤخذ من قوله: "إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، فبين أن هذه الصدقة تؤخذ من الأغنياء، وأن مصرفها الفقراء.
 الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. تؤخذ من قوله: "فإياك وكرائم أموالهم"، إذ إياك تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي.
 السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم. تؤخذ من قوله: "واتق دعوة المظلوم".
* * *
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. التاسعة عشرة: قوله: "لأعطين الراية...." إلخ: علم من أعلام النبوة.
 السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. تؤخذ من قوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"، فقرن الترغيب أو الترهيب بالأحكام، مما يحث النفس إن كان ترغيباً، ويبعدها ويزجرها إن كان ترهيباً، لقوله: "اتق دعوة المظلوم"، فالنفس قد لا تتقي، لكن إذا قيل: ليس بينها وبين الله حجاب، خافت ونفرت من ذلك.
 الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جري على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. والظاهر أن المؤلف رحمه الله يريد الإشارة إلى قصة خيبر، إذ وقع فيها في عهد النبي  جوع عظيم، حتى إنهم أكلوا الحمير والثوم، وأما الوباء، فهو ما وقع في عهد علي رضي الله عنه، وأما المشقة، فظاهرة.
ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور يدل على إخلاص الإنسان في توحيده وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء.
 التاسعة عشرة: قوله: "لأعطين الراية" علم من أعلام النبوة. لأن هذا حصل، فعلي بن أبي طالب يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
* * *
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضاً. الحادية والعشرون: فضيلة علي رض الله عنه. الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح. الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى. الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: "على رسلك". الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
 العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضاً. لأن بصق في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع.
 الحادية والعشرون: فضيلة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهذا ظاهر، لأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
 الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح. لأنهم انشغلوا عن بشارة الفتح بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
 الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى. لأن الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها ولم يعطوها، وعلى بن أبي طالب مريض ولم يسع لها، ومع ذلك أعطي الراية.
 الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: "على رسله". ووجهه: أنه أمره بالتمهل وعدم التسرع.
 الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. لقوله: "انزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام".
* * *
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا. السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: "أخبرهم بما يجب عليهم". الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. الثلاثون: الحلف على الفتيا.
 السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
 السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: "أخبرهم بما يجب عليهم". لأن من الحكمة أن تتم الدعوة، وذلك بأن تأمره بالإسلام أولاً، ثم تخبره بما يجب عليه من حق الله، ولا يكفي أن تأمره بالإسلام، لأنه قد يطبق هذا الإسلام الذي أمرته به وقد لا يطبقه، بل لابد من تعاهده حتى لا يرجع إلى الكفر.
 الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. تؤخذ من قوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه".
 التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. لقوله: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"، أي: خير لك من كل ما يستحسن في الدنيا، وليس المعنى كما قال بعضهم، خير لك من أن تتصدق بنعم حمر.
 الثلاثون: الحلف على الفتيا. لقوله: "فوالله لأن يهدي الله...." إلخ، فأقسم النبي  هو لم يستقسم، والفائدة هي حثه على أن يهدي الله به والتوكيد عليه.
ولكن لا ينبغي الحلف على الفتيا إلا لمصلحة وفائدة، لأنه قد يفهم السامع أن المفتي لم يحلف إلا لشك عنده.
والإمام أحمد رحمه الله أحياناً يقول في إجابته: إي والله، وقد أمر الله رسوله بالحلف في ثلاثة مواضع من القرآن:
في قوله تعالى: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق [يونس: 53].
وفي قوله تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن. [التغابن: 7].
وفي قوله تعالى: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بل وربي لتأتينكم [سبأ: 3].
فإذا كان في القسم مصلحة ابتداءاً، أو جواباً لسؤال، جاز وربما يكون مطلوباً.
* * *

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 20 )  
قديم 2011-07-30
 
مشرفة سابقة

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ام احمد غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 5159
تاريخ التسجيل : Jan 2010
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة : فلسطين
عدد المشاركات : 3,804 [+]
عدد النقاط : 1285
قوة الترشيح : ام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud ofام احمد has much to be proud of
افتراضي

نتاابع اليوم تدارس كتاب التوحيد
النص

(((باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وقول الله تعالى: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ)(20) الآيه وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) (21) الآية. وقوله: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ)(22) الآية. وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) (23) الآية.
وفي (الصحيح) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل).
وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبيَّنَها بأمور واضحة.
منها: آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لادعائهم إياهم.
ومنها قول الخليل (عليه السلام) للكفار: (إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني) (24) فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) (25).
ومنها: آية البقرة: في الكفار الذين قال الله فيهم: (وما هم بخارجين من النار)(26) ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف لمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى (لا إله إلا الله) فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.)))
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

معا لنتدارس كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 05:25 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب