منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

غزوة أحـــد

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
غزوة بني المُصطلق أو غزوة المريسيع DALINA ركن مغازي الحبيب صلى الله عليه و سلم 2 2013-02-14 07:47 PM
هــل ترضى أن يصارحك أحـــد بعيوبـــك Emir Abdelkader منتدى النقاش والحوار 17 2012-11-04 07:39 PM
( هــل ترضى أن يصارحك أحـــد بعيوبك)) راجية الجنة ارشيف المواضيع المحذوفة والمكررة 4 2011-12-10 03:26 PM
غزوة أحد Pam Samir ركن مغازي الحبيب صلى الله عليه و سلم 3 2011-12-03 09:00 AM
(( هــل ترضى أن يصارحك أحـــد بعيوبك)) amine128 منتدى النقاش والحوار 2 2009-04-14 12:56 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-03-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي غزوة أحـــد

استعدادات المسلمين لغزوة أحد


رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأهّب للمعركة




وصلت أنباء الاستعدادات القرشية للمدينة المنورة، فكان أول ما فعله رسول الله مع أصحابه الشورى، وانبثق عنها عدة أمور:

أولاً: تأمين المدينة المنورة، فكانت هناك فرقة لحماية رسول الله ، فهو بلا شك مستهدف، وربما تحدث أيّ جريمة اغتيال، وهذا سيؤثر حتمًا على المدينة المنورة، وكان على رأس هذه الفرقة التي تحمي الرسول كبار الأوس والخزرج: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وكانت هذه فرقة من أقوى الفرق الإسلامية، وبدأت مهمتها بإحاطة بيت الرسول والمسجد النبوي، والسير معه في كل وقت وفي كل مكان.


ثانيًا: عمل فرق لحماية مداخل المدينة المنورة، حتى لا يباغت المسلمون ليلاً أو نهارًا.
ثالثًا: عمل دوريات مراقبة حول المدينة المنورة؛ لاستطلاع مكان وخطوات وتحركات جيش المشركين.

رابعًا: الجميع في المدينة المنورة، سواء من المهاجرين أو الأنصار (الأوس والخزرج)، كانوا لا يتحركون إلا بالسلاح، وفي أثناء الصلاة أيضًا يكون معهم سلاحهم، وهذا الأمر يوضح صفة في غاية الأهمية من صفات الجيش المنتصر، وهي الإعداد الجيد؛ مخابرات قوية ومتمكنة أتت بالأخبار، حماية قوية للقائد ، حماية قوية للمدينة واستعداد كامل للقتال.



قرار القتال خارج المدينة
بدأ المسلمون في التفكير في الأمر ماذا يصنعون، هل يخرجون لملاقاة الجيش القادم خارج المدينة المنورة، أم ينتظرون قدومه إليهم؟ هل يحددون أرض المعركة أم يتركون ذلك لعدوهم؟
وقبل أن يحددوا موقفهم من هذا الأمر قصَّ رسول الله عليهم رؤيا، وقال لهم : "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا؛ رَأَيْتُ بَقَرًا يُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلْمًا[1]، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ"[2].

فرسول الله رأى ثلاثة أشياء:

1- رأى أن بقرًا يُذبح، وأوَّلَ ذلك أن نفرًا من أصحابه يُقتلون.

2- رأى أن في سيفه كسرًا، فأوَّلَ ذلك بأن رجلاً من أهل بيته يُصاب.

3- رأى أنه أدخل يده في درع حصينة، وأوَّلَ ذلك بالمدينة المنورة، أي أنه يقاتل في داخل المدينة المنورة.

وهو عندما قصَّ للمسلمين هذه الرؤيا لم يقصها على أنها قرار يجب عليهم أن يأخذوا به، ولكنه عرضها عليهم في صورة رأي يستأنسون به، ولأنه لو كان وحيًا ما جاز له أن يستشيرهم فيه، فهو يشير من بعيد إلى أنه يفضل أن يقاتل في داخل المدينة المنورة، وقد صرَّح بعد ذلك بهذا الرأي فقال: "يُقَاتِلُ الْمُسِلْمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ الأَزِقَّةِ، وَالنِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ". أي أنهم لو ظلوا في المدينة المنورة سيضطر جيش مكة إلى دخول المدينة، وستكون الحرب حرب شوارع، وهذه الحرب سوف تكون صعبة جدًّا على الجيش المهاجم.

لكنَّ معظم المسلمين وخاصةً من لم يشاركوا في بدر، كانوا في شوق إلى قتال المشركين خارج المدينة المنورة، حتى قال قائلهم: "يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم". وكان من أشد المتحمسين للخروج حمزة بن عبد المطلب ، وقد قال كلمة عجيبة لرسول الله : "والذي أنزل عليك الكتاب، لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة"[3].

وكان معظم الناس على هذا الرأي، ولم يكن على رأي الرسول إلا القليل من الصحابة جميعًا.

وممن كان على رأي الرسول أيضًا زعيم المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ولم يكن هذا لاقتناعه برأي الرسول ، ولكن ليسهل عليه الفرار في داخل المدينة المنورة، لكن الرسول في نهاية الأمر نزل على رأي الشورى، حتى وإن كان مخالفًا لرأيه، وإن كان يتأوَّل في رؤياه أن نفرًا من أصحابه سوف يقتلون، وأن واحدًا من أهل بيته سيُصاب، وأنه من الأفضل أن يقاتل داخل المدينة، لكنه لما رأى أن ذلك ليس وحيًا من الله I، تنازل عن رأيه لصالح رأي الأغلبية، وقرَّر الخروج من المدينة المنورة لقتال المشركين.


استنفار المدينة للقتال
صلَّى رسول الله بالناس يوم الجمعة ووعظهم وأمرهم بالاجتهاد والجد، وبشرهم بالنصر إن هم صبروا، وإن هم ساروا على نهج الله وعلى نهج نبيه ، وقد فرح الناس بالخروج وتجهّزوا بنشاط، وبعد أن صلَّى الرسول العصر في ذلك اليوم الجمعة 6 من شوال، حشد أهل العوالي وأهل المدينة المنورة، وجمع أصحابه أجمعين، وبدأ هو شخصيًّا يستعدّ للخروج للقتال؛ فأخذ معه أبا بكر وعمر ودخل بيته ليجهّزاه بعُدَّة الحرب، ولبس العدة الكاملة للحرب، فلبس درعين، وحمل سيفه، وقبل أن يخرج من بيته اجتمع الأنصار مع المهاجرين، وقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: "استكرهتم رسول الله على الخروج، فرُدُّوا الأمر إليه".
إذن، فعموم الصحابة يشعرون أن الأمر على غير رأي الرسول ، ويعلمون أن رأيه هو الأحكم والأعلم والأنسب لأنه رسول الله، فقرروا أن يردوا إليه الأمر مرة ثانية، فلما خرج وهو يرتدي عدة الحرب قالوا له: "يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل". لكن الرسول قد أخذ القرار واستعد واستعد معه الناس للخروج، فقال لهم كلمة جميلة: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ -درع الحرب- أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ"[4].

وهذا الأمر يوضح لنا أهمية الحسم وعدم التردد، وهي صفة مهمة من صفات الجيش المنتصر.
وكان قد حفَّز الجيش بالجنة في خطبة الجمعة، وكذلك عندما خرج بعد صلاة العصر، وعندما سمع الناس بعد ذلك نداء الجهاد في سبيل الله خرج الجميع للجهاد، حتى خرج حنظلة بن عامر وكان حديث عهد بعرس، ولكنه خرج مباشرة دون تردد، فالناس في أُحُد خرجوا لله رب العالمين، وكان هذا عموم الجيش المسلم، إلا طائفة المنافقين الذين كانوا في داخل جيش المسلمين، وسوف نرى ما كان من أمرهم.


الإعداد القوي لغزوة أحد
بدأ رسول الله يُعِدّ العدة ويصفُّ الصفوف، فجهّز ألف مقاتل، وجعل على كتيبة المهاجرين مصعبَ بن عمير ، وعلى كتيبة الأوس أُسيد بن حضير، وعلى كتيبة الخزرج الحباب بن المنذر، وجهّز الجيش بمائة درع، ولم يكن مع المسلمين في هذه الموقعة أيّ خيول -وهذا في أصح الروايات-؛ وهذا نظرًا لما كان عليه المسلمون من الفقر.

إذن فقد أَعدَّ النبي الجيش بقدر ما يستطيع من قوة، بدايةً من المخابرات السليمة، وحماية المدينة المنورة، وتجهيز العدة، وإعداد الأفراد وإعداد السلاح، وخرج بهذا الإعداد الجيد، وقد ولَّى قيادة كتائب الجيش إلى عمالقة العسكريين الإسلاميين، مثل مصعب بن عمير وأسيد بن حضير والحباب بن المنذر، وغيرهم من قادة الصحابة، ورَدَّ الأطفال الذين لا يستطيعون القتال مثل عبد الله بن عمر -وكان قد رده في غزوة بدر- وردَّ زيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وأبا سعيد الخدري، وأسامة بن زيد أجمعين.

وسَّد الرسول -إذن- الأمر إلى أهله، هذا ما كان أيضًا في بدر، واليوم نراه ينطبق تمامًا على الجيش المشارك في أُحُد.

وكما ردَّ النبيُّ أحد المشركين ومنعه من المشاركة مع المسلمين في بدر، وقال : "لاَ أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ"[5]، ردَّ كذلك غير المسلمين ومنعهم من المشاركة في أُحُد، فقد جاءت كتيبةٌ -وكانت حسنة التسليح- للاشتراك مع المسلمين في أُحُد، فسأل عنها الرسول ، فقالوا له: هذه كتيبة من اليهود من حلفاء الخزرج. فقال : "هَلْ أَسْلَمُوا؟" فقالوا: لا. فردَّهم الرسول وقال: "قُولُوا لَهُمْ: فَلْيَرْجِعُوا، فَإِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ"[6].

ملمحٌ آخر من ملامح الجيش المنتصر وجدناه في هذا الجيش، وهو الاعتماد على الشباب، وكما نعرف فإن جيش أُحُد هو جيش بدر، مضافًا إليه بعض الناس.

ومما يدل على حرص الشباب على المشاركة في القتال في أُحُد، ما رواه رافع بن خديج عندما لم يجزه النبي ، فَقَالَ ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إنّهُ رَامٍ. وَجَعَلْت أَتَطَاوَلُ وَعَلَيَّ خُفّانِ لِي، فَأَجَازَنِي رَسُولُ اللّهِ ، فَلَمّا أَجَازَنِي قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِرَبِيبِهِ مُرَيّ بْنِ سِنَانٍ الْحَارِثِيّ -وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهِ-: يَا أَبَتِ، أَجَازَ رَسُولُ اللّهِ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَرَدّنِي، وَأَنَا أَصْرَعُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ. فَقَالَ مُرَيّ بْنُ سِنَانٍ الْحَارِثِيّ: يَا رَسُولَ اللّهِ، رَدَدْتَ ابْنِي وَأَجَزْتَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَابْنِي يَصْرَعُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ : "تَصَارَعَا". فَصَرَعَ سَمُرَةُ رَافِعًا، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللّهِ [7].

فكان هذا اختبارًا للقدرات القتالية للمشاركين في غزوة أُحُد.

وكما نرى في جيش أُحُد؛ الإيمان بالله ، وبرسوله الكريم ، وباليوم الآخر، والتحفيز بالجنة، وحب الموت في سبيل الله، والحسم وعدم التردد، والإعداد الجيد، وتوسيد الأمر إلى أهله، وقيمة الشباب، والشورى والأخوة.

فالجيش بهذه الصفات وعلى هذه الهيئة سوف ينتصر، وقد قال لهم ذلك، وأنهم لو استمروا على هذا النهج سوف ينتصرون، وهذه بشرى من رب العالمين لكل من أخذ بهذه المبادئ.


انسحاب المنافقين
خرج الجيش الإسلامي وتوجه في طريق أُحُد، لأنه يعرف أن جيش المشركين يعسكر بالقرب من أُحُد، وحاول الرسول قدر استطاعته التكتم أثناء السير، وسار من وسط المزارع التي تقع حول المدينة المنورة، حتى لا يُكتشف أمره من قِبَل الجيش المشرك، ووصل إلى منطقة أُحُد، ومن بعيدٍ رأى جيش المشركين.

وبينما هم على مسافة قريبة من أُحُد حدث أمر هائل في الجيش المسلم.
خرج عبد الله بن أُبي بن سلول في حركة تمردٍ على المسلمين، وأبدى أنه غير موافق على القتال في هذه المعركة، متعلّلاً بأنه لم يكن من الموافقين على رأي الخروج من المدينة، ورجع هو ومن على شاكلته وكانوا ثلاثمائة، أي ما يقرب من ثلث الجيش.

وناشد عبد الله بن حرام -والد جابر بن عبد الله- المنافقين وهم ينصرفون من أرض المعركة، يقول لهم: "تعالَوْا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا". فقالوا: "لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع". وحاول معهم كثيرًا لكنهم رفضوا تمامًا، فقال لهم : "أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم نبيه"[8].

ونزل بعد ذلك قول الله : {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167].

ربما يتصور أحد أن هذه خسارة للجيش المسلم، لكن على العكس من ذلك، قال الله يصف حال المنافقين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].

فوجود المنافقين في الصف المسلم خطر كبير، ليس فقط لأنهم سوف يكونون عينًا على المسلمين، أو يُدلِون بآراء فاسدة للجيش المسلم، لكن الأخطر أنهم قد يثيرون بعض الشبهات في داخل الجيش المسلم، والتي تجعل بعض المؤمنين الصادقين يترددون في أمر القتال، وهذا عينُ ما حدث في غزوة أُحُد، فهذه الكلمات التي قالها عبد الله بن أُبيّ في أرض المعركة، أو قبيل دخول أرض المعركة بقليل، قد أثَّرت هذه الكلمات في طائفتين من المسلمين الصادقين المؤمنين: طائفة بني حارثة من الأوس، وطائفة بني سلمة من الخزرج؛ فهاتان الطائفتان فكرت كل منهما جديًّا في أمر الرجوع، لولا أن الله ثبّتهم بصدق إيمانهم، وقد وقف معهم الرسول والصحابة ، وأقنعوهم بالبقاء في أرض المعركة حتى يكملوا اللقاء، وفي حقهم نزل قول الله : {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].
د. راغب السرجاني
[1] أي كسرًا في حدِّ سيفه صلى الله عليه وسلم.
[2] المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء، مصر، الطبعة السابعة عشرة، 2005م، ص227.
[3] المباركفوري: الرحيق المختوم ص227.
[4] المباركفوري: الرحيق المختوم ص228.
[5] رواه مسلم (1817) ترقيم عبد الباقي، والترمذي (1558) ترقيم أحمد شاكر، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1101).
[6] الزيلعي: نصب الراية لأحاديث الهداية، مؤسسة الريان للطباعة والنشر - بيروت/ دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، الطبعة الأولى، 1997م، 3/423، 424.
[7] الواقدي: المغازي، تحقيق مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، 1/216.
[8] المباركفوري: الرحيق المختوم ص229.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-03-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: غزوة أحـــد

استعدادات قريش لغزوة أحد




موقف قريش بعد بدر





كان موقف قريش بعد هزيمتهم في غزوة بدر سيئًا للغاية، فهي في أزمة اقتصادية كبيرة حيث قُطعت طرق تجارتها مع الشام، وأزمة سياسية ضخمة حيث أُهينت كرامتها وضاعت هيبتها في الجزيرة العربية بعد الهزيمة المرّة التي مُنيت بها على يد المسلمين، وخاصةً أنهم كانوا أضعاف الجيش الإسلامي، إضافةً إلى وجود أزمة اجتماعية بقتل سبعين من أشرافها، وكلٌّ يريد أن يأخذ الثأر لأبيه أو أخيه أو عمه أو خاله أو كذا أو كذا من أقاربه، ثم إن لديهم أزمة دينية؛ لأن الله أخبر أن الصراع مستمر بين أهل الكفر وأهل الإيمان ما دام أهل الإيمان على إيمانهم، يقول الله : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].

فهذا أحد الأهداف الواضحة عندهم، ورسول الله ينشر الإسلام في المدينة المنورة وما حولها، وهذا -بلا شك- يرفع من درجة الفوران والغليان في داخل مكة.

استعدادات قريش لحرب المسلمين



قلنا قبل ذلك إن قريشًا أوقفت التصرف في قافلة أبي سفيان التي أفلتت في بدر لتجهيز جيش بأموالها لحرب المسلمين، وكانت قيمة هذه القافلة تُقدر بخمسين ألف دينار من الذهب، كمية هائلة من الأموال، ومع هذا فإن هذه الأموال كلها أُنفقت للصدِّ عن سبيل الله، ولم تكتفِ قريش بتجهيز الجيش من داخل مكة بل بدأت تستنفر القبائل المحيطة بها للمساعدة والمعاونة لها، وكوَّنت قريش بالفعل جيشًا كبيرًا.

قوام الجيش المكي في المعركة



تمثَّل قوام الجيش المكي في المعركة ثلاثة آلاف مقاتل، وأخرجوا كل زعمائهم على رأس هذا الجيش، والقائد العام لهم هو أبو سفيان بن حرب، وأكبر المساعدين له في هذه المعركة هم: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، فكانت هذه هي القوة البشرية التي تمَّ تجهيزها، وهي قوة هائلة كما نرى.

أما قوة السلاح فقد تمَّ تجهيز ثلاثة آلاف بعير؛ وهو رقم كبير جدًّا، ومائتي فرس، وسبعمائة درع، وخرج مع الجيش خمس عشرة امرأة من نساء قريش، تتقدمهم سيدة مكة الأولى في ذلك الوقت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، ومعها زوجات القادة العظام الكبار في جيش مكة من أمثال صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وغيرهم.

ثم أشعلت قريش حربًا إعلامية ضخمة تحفِّز الناس على حرب المسلمين، وقاد هذه الحرب الإعلامية أبو عزة الجمحي، وهو الأسير الذي أطلقه رسول الله مَنًّا بغير فداء، وأخذ عليه عهدًا ألا يشارك مع المشركين ولا يحفِّز أحدًا على حرب المسلمين، وها هو الآن يخالف العهد، ويحفّز من يستطيع من العرب على حرب المسلمين، وهذا الموقف من أبي عزة سيكون له مردوده في (أُحُد) كما سنرى إن شاء الله.

وكانت القيادة العامة في جيش المشركين لأبي سفيان، وكان سلاح الفرسان بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وكان اللواء مع بني عبد الدار.



استقبال المسلمين لإعلان قريش الحرب


مع أن هذا الجيش بهذه القوة وبهذا الإعداد الجيد، إلا أنه كان من المفترض أن تكون هذه الموقعة أسهل على المسلمين من موقعة بدر؛ وذلك لعدة أسباب:

أولاً: فَقَدت قريش معظم قادتها في بدر، فهذا الجيش يخلو من أسماء ضخمة في تاريخ مكة، فليس في هذا الجيش: الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل، أو عقبة بن أبي معيط، أو النضر بن الحارث، أو أميّة بن خلف، وأضرابهم ممن قُتل في بدر.

ثانيًا: كان المسلمون يعلمون بأمر هذه الحرب وعلى استعداد لها، فقد وصل الخبر من مكة إلى المدينة المنورة مباشرة، ولدى المسلمين من الوقت ما يستطيعون فيه أن يجهِّزوا أنفسهم لهذه الحرب جيدًا، ثم يخرجون ومعهم عُدَّة المحارب وليس المسافر كما كانوا في بدر.

ثالثًا: مكان المعركة سيكون إما في المدينة المنورة أو قريبًا منها، ومعنى ذلك أن على المشركين -وهم ثلاثة آلاف- لكي يصلوا إلى مكان المعركة أن يسيروا مسافة خمسمائة كيلو مترٍ، وهي مسافة كبيرة جدًّا في الصحراء، ومشقة بالغة على الجيش كله.

أما بالنسبة للمسلمين فإنْ خرجوا من المدينة فسوف يخرجون إلى مكان قريب، سواء في أُحُد أو غيرها حسب ما يتحدد مكان المعركة، وهي مسافة لن تتجاوز العشرين كيلو مترًا على الأكثر، وهذا الأمر يجعل الجيش الإسلامي متوافر النشاط، غير منهك بكثرة السير في الصحراء.

رابعًا: الحالة المعنوية لكلا الفريقين متباينة تمامًا؛ فالجيش الإسلامي في حالة معنوية مرتفعة للغاية، بينما الحالة المعنوية لكفار قريش في الحضيض، فهم ليسوا مغلوبين فقط في بدر، بل هناك أزمات كثيرة مرت بهم خلال السنة الماضية، وآخر هذه الأزمات كانت سرية زيد بن حارثة، وقد أُخذ في هذه السرية قافلة قريش التي كانت تحمل من البضائع ما يقدر بمائة ألف دينار، وكانت ضربة قاسية على قريش، خاصةً أن هذه القافلة كانت تسير على مسافة بعيدة جدًّا من المدينة، ومع ذلك استطاع المسلمون السيطرة عليها؛ مما يثبت الكفاءة العسكرية والمخابرات الإسلامية في المدينة المنورة، وهذا -بلا شك- يضعف كثيرًا من نفسية الجيش المكي.

فهذه العوامل كلها كما نرى تصبُّ في صالح الجيش الإسلامي، فهو في علوٍّ وقوة وبأس، ومع أن عدده كان أقل من عدد الجيش المكي -كما سنرى بعد ذلك- إلا أن عوامل النصر فيه كانت كثيرة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-03-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: غزوة أحـــد

غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين


تحدثنا عن مقدمات غزوة أحد والإعداد الجيد لجيش الكفار والذي وصل إلى ثلاثة آلاف مقاتل بعُدة جيدة وآلة الحرب.

وكذلك تحدثنا عن الإعداد الجيد للجيش المسلم وأن النبي خرج بألف من رجال المسلمين ولكن انسحب منه قبل أن يدخل أرض المعركة ثلاثمائة من المنافقين فأصبح الجيش سبعمائة من المسلمين.
وأيضا إلى جانب الإعداد الجيد توفرت صفات الجيش المنصور في الجيش المسلم الخارج إلى أحد من إيمان بالله وإيمان برسوله ، ومن إيمان بالله واليوم الآخر وطلب الجنة ورغبة في الموت في سبيل الله ومن أخوة وأمل وشورى ومشاركة القائد لجنده، وغير ذلك من صفات الجيش المنصور التي تحدثنا عنها بالتفصيل عند حديثنا عن غزوة بدر.



آخر خطوات الإعداد لغزوة أحد

ولما دخل النبي أرض أحد أحتل مواقع متميزة في أرض المعركة ووضع فرقة من الرماة على الثغرة الوحيدة الموجودة في أرض المعركة، وأكد عليهم مرارا عدم التخلي عن مواقعهم مهما كانت الظروف.
قال لعبد الله بن جبير قائد الرماة: "انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَ مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ".


ثم قال للرماة: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَوَطِئْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ".


فكانت الأوامر في منتهى الوضوح لا تفتح بابا للاجتهاد عند الرماة، كلها تحمل معنى واحدًا، وهو الثبات الثبات فوق جبل الرماة.


بدء القتال في غزوة أحد

وبدأ القتال وكان يوم السبت الموافق السابع من شوال بعد غزوة بدر بعام تقريبا.
وبدأ القتال في منتهى القوة والشراسة وأول ما بدء للقتال كان حول راية الكفار، وكما ذكرنا فراية الكفار كانت مع بني عبد الدار وكان أول من يحملها من بني عبد الدار طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان طلحة من أكبر وأعظم وأقوى فرسان قريش وكان يلقب بكبش الكتيبة وخرج ليطلب القتال وكان أول من طلب القتل من قريش وخرج وهو حامل الراية وعلى جمل وأحجم عنه المسلمون لما رأوا هيئته وقوة بأسه، وتقدم الزبير بن العوام الذي لم يكتف بقتاله بل قفز فوق جمل طلحة بن أبي طلحة وجذبه إلى الأرض وبرك فوقه وقتله، ولما رأى الزبير بن العوام يقتل كبش الكتيبة قال: "أَلَا إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ".

واشتد القتال بين الفريقين وتقدم عثمان بن أبي طلحة أخو طلحة بن أبي طلحة الذي قتله الزبير وطلب القتال وخرج له حمزة وقتله حمزة ثم خرج أخوهم الثالث أبو سعدة فقتله سعد بن أبي وقاص، ثم خرج مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، ثم كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، ثم الجُلاس بن طلحة بن أبي طلحة، مجموعة كبيرة من بني عبد الدار وكانوا ستة من بيت واحد بيت أبي طلحة، وكانت مأساة بالنسبة لبيت أبي طلحة بن عبد الدار، وبرغم كل ما حدث في بيت أبي طلحة خرج من بني عبد الدار رجل آخر هو أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، ثم خرج شريح بن قارظ فقتله غلام أنصاري اسمه قزمان، ثم خرج عمرو بن عبد مناف فقتله أيضا قزمان، فخرج ابن شرحبيل بن هاشم، فقتله أيضا قزمان، وقد قاتل قزمان في ذلك اليوم قتالا شديدا.

وَقُتِل يومئذ عشرة من بني عبد الدار، وكلما قتل واحدًا منهم تسلم الراية رجلًا آخر لأنهم تعاهدوا مع أبي سفيان أن لا يتخلوا أبدًا عن الراية وصدقوا في عهدهم مع أبي سفيان، ثم خرج مولى لبني عبد الدار وكان اسمه صواب من الحبشة وقاتل قتالًا أشد من السابقين جميعًا قاتل حتى قطعت يده الأولى، ثم الثانية، ثم قطعت رأسه وهو يحمل الراية حتى سقط وبسقوط هذا الغلام الحادي عشر سقطت الراية المشركة ولم ترفع بعد ذلك.

واحتدم القتال بين الفريقين وكان شعار المسلمين في هذا اليوم أَمِتْ أَمِتْ وكانت بداية قوية بالنسبة للمسلمين فقد سقط إحدى عشر قتيلًا من المشركين مقابل لا شيء من المسلمين فكان النصر في البداية حليف المسلمين وانهارت معنويات الكفار، وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى درجة، وبدأ يسيطر المسلمون على الموقف وقاتلوا بقوة وبضراوة شديدة.
أبو دجانة وسيف رسول الله

وكان من أبرز المقاتلين في ذلك الوقت سيدنا أبو دجانة وحمزة بن عبد المطلب، ولقد فعلا الأفاعيل بجيش المشركين.

وأبو دجانة هو الذي أخذ السيف من النبي لما قال : "مَنْ يَأْخُذ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ". وربط على رأسه عصابة حمراء وقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجال في الأرض وقتل كثيرا من المشركين.

وكان الزبير بن العوام يجد في نفسه؛ لأن النبي أعطى السيف لأبي دجانة ولم يعطه له هو قال الزبير في نفسه: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته السيف قبل أبي دجانة فأعطاه له وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فرأيته وهو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل.
أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول.

فيقول الزبير بن العوام فجعل لا يلقى أحد من المشركين إلا قتله.
وكان في المشركين رجل يقتل كل جريح مسلم، فيقول الزبير: فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة. مع أن الزبير من كبار الفارسين، فاجتمعا فضرب ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته أي بدرعه فعضت بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله.

واخترق أبو دجانة صفوف المشركين حتى وصل إلى صفوف النساء، ورأى أبو دجانة كما يقول: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف وَلْوَل فإذا هو امرأة وكانت هند بنت عتبة فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة.

حمزة بن عبد المطلب

قاتل حمزة قتالًا شديدًا كقتال أبو دجانة، وقاتل قتالًا شديدًا في كل الميادين لم يقف أبدًا في وجهه أحد من المشركين، لكن وقف في ظهره وحشي بن حرب أحد الغلمان في جيش المشركين.

ويحكي وحشي بن حرب قصته فيقول: كنت غلامًا لجبير بن مطعم، وكان عمه عدي قد أصيب يوم بدر فلما أجمعت قريش المسير إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق، قال فخرجت مع الناس وكنت رجلًا حبشيًا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هدًا ما يقوم له شيء، يقول وحشي: فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته (أي في أحشائه) حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغُلب. وكان يريد قتل وحشي، ويقول وحشي: فتركته حتى مات، فأخذت حربتي فذهبت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت.

وحلت الكارثة على جيش المسلمين بقتل حمزة أسد الله وأسد رسوله .

ومع قتل حمزة وبرغم الخسارة الفادحة التي خسرها المسلمون ظل المسلمون مسيطرون على الموقف تمامًا في أرض أحد.
قاتل عامة المسلمين يومئذ قتالًا عظيمًا شديدًا قاتل أبو بكر وعمر وعلي والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ كل المسلمين قاتلوا قتالًا شديدًا وأبلوا بلاءً حسنًا في ذلك اليوم.


محاولة خالد بن الوليد اختراق جيش المسلمين

كانت لخالد بن الوليد نظرة عسكرية ثاقبة وكان يومئذ مشركًا ورأى الثغرة التي يمكن له من خلالها أن يخترق جيش المسلمين والتف بفرقة كانت معه من فرسان المشركين حول جبل الرماة إلا أنه فوجئ بسيل من السهام من فوق الجبل من كتيبة الرماة التي وضعها النبي فوق الجبل فرَدّت خالد بن الوليد.

وما استطاع خالد بن الوليد بحنكته وذكائه أن يتجاوز تلك الكتيبة ويخترق خلف الجيش المسلم.
وكانت هذه المحاولة الأولى لخالد وكرر ذلك مرات عديدة إلا أنه في كل مرة ترده فرقة الرماة من فوق الجبل، وفشل سيدنا خالد في تجاوز فرقة الرماة التي كان قد وضعها النبي فوق الجبل.

نصر للمسلمين

وبدأت الهزيمة تدب في جيش المشركين ثلاثة آلاف مشرك وكأنهم يقابلون ثلاثين ألف مسلم برغم قلة المسلمين.

وبدأ المشركين يفكرون جديًا في الهرب وبدأوا يتراجعون إلى الوراء شيئًا فشيئًا ثم فروا قِبَل مكة تاركين النساء وراءهم حتى النساء هربن، ويقول الزبير بن العوام: لقد رأيت خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير.

فكان نصرا للجيش المسلم لا يقل روعة عن نصر بدر، يقول تعالى:
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} ]آل عمران:152[.
وتحسونهم أي: تستأصلونهم.

والله تعالى قد وعد المؤمنين إن كانوا صادقين وصابرين ومتبعين للنبي أن يعطيهم النصر في أحد وفي غيرها.

والرسول بشرهم بذلك قبل الخروج إلى أحد وإلى هذه اللحظة المسلمون ملتزمون بما قاله النبي بما كانوا عليه يوم بدر لذا تحقق النصر حتى هذه اللحظة.
وبنظرة إلى الجيش الإسلامي نجد أنه إلى الآن مؤمن بالله تعالى مؤمن باليوم الآخر، يطلب الجنة، طَبّق الشورى، أعد الجيش إعدادًا جيدًا، حاسم، معتمد على الشباب، القائد في هذا الجيش يعيش مع شعبه ويشترك معهم في كل صغيرة وكبيرة، الأخوة في الله واضحة في المعركة، الأمل في قلوبهم، واليقين في نصر الله يملأ نفوسهم، الأمر موسد إلى أهله، والصفات العشر التي تحدثنا عنهم في غزوة بدر متحققين في جيش أحد إلى هذه اللحظة، والنصر حليف للمسلمين.
{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ}
وبعد هذا الانتصار العظيم وبعد الهروب الكبير لجيش المشركين تخلى بعض المسلمين عن صفة واحدة من تلك الصفات العشر فتغير الموقف تمامًا.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-03-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: غزوة أحـــد

بعث الرجيع ومأساة بئر معونة

تحدثنا عن غزوة أُحد والآثار الوخيمة لهذه الهزيمة، ورأينا كيف عالج النبي آثار هذه الهزيمة، كما رأينا الخروج إلى حمراء الأسد لمطاردة المشركين، وردِّ الهيبة إلى المسلمين، وفرار أبي سفيان إلى مكة.
وبعد الانتهاء من غزوة أُحد حدد أبو سفيان اللقاء القادم بين المسلمين والمشركين في بدر من العام القادم، أي في شوال 4هـ حتى تمحو قريش ما حدث في بدر الكبرى في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، ووافق المسلمون على المكان والزمان المحددين.
وبعد حمراء الأسد رجع الرسول إلى المدينة، ولكن وَقْع معركة أُحد كان له توابع ليست في صالح المسلمين، وكانت الفترة التي أعقبت غزوة أُحد من أصعب فترات السيرة النبوية، فلا شك أن موقعة أُحد قد هزَّت سمعة المسلمين في الجزيرة العربية كلها، وبدأت القبائل العربية المحيطة بالمدينة تتربص بالمسلمين الدوائر.
القوى المعادية للإسلام بعد أُحد

رأينا بعد بدر خضوعَ أماكنَ كبيرةٍ في الجزيرة العربية لسلطة المسلمين، مع أن هذه القبائل ما زالت على الشرك، وكان هذا نتيجة انتصار المسلمين على قريش ذات المكانة الكبيرة، سواء من الناحية العسكرية أو الدينية.
أما بعد غزوة أُحد وهذه الهزيمة القاسية أمام قريش، فقد أصيب المسلمون بالضعف، وتجرَّأَ الأعداء عليهم، وأحاطت بهم بعض النكبات، التي راح ضحيتها بعض صحابة رسول الله ، وأريقت دماؤهم الزكية؛ نتيجة تجرُّؤ بعض القبائل على أصحاب رسول الله . فتعالَوْا ننظر إلى أعداء الأمة الإسلامية بعد موقعة أُحد، فسوف نرى أنهم أربع قوى:
الأولى: قريش

هدأت قريش لأنها قد انتصرت في أُحد، ولكنها تتربص بالمسلمين الدوائر؛ لأن المسلمين يسيطرون على طرق التجارة، فهم يهددون قريشًا، والرسول ما زال حيًّا، وأبو بكر ما زال حيًّا، وعمر ما زال حيًّا، وهؤلاء يستطيعون أن يغيِّروا الجزيرة العربية في أي وقت، وهم الذين سأل عنهم أبو سفيان، فقريش قد هدأت، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
الثانية: المنافقون

أما المنافقون في داخل المدينة المنورة فبَعْد مصيبة أُحد نَجَم[1] النفاقُ وزاد في المدينة بعد عودة الجيش الإسلامي مهزومًا من أُحد، فالذين كانوا يبطنون الكفر أصبحوا يُظهِرون عداءهم للإسلام. ونحن لا ننسى رجوع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش من أُحد، فهم شوكة في ظهر المسلمين، خاصةً أنهم يعيشون في داخل المدينة المنورة.
الثالثة: اليهود

أما اليهود فقد كان النبي يعاملهم بحذر؛ لأنه يعلم طبيعة هؤلاء اليهود، وقد رأينا بني قينقاع وكيف أخرجهم رسول الله من المدينة المنورة، أما بنو النضير وبنو قريظة فلا يزالون بداخل المدينة المنورة، وهم يشكلون خطرًا على المسلمين؛ لأنهم مشهورون بالغدر. ولا ننسى كعب بن الأشرف، وتأليبه لقريش على المسلمين وهو من بني النضير.
الرابعة: الأعراب

أما قبائل الأعراب حول المدينة المنورة، فقد بدأت في الكيد للإسلام والمسلمين؛ لأنها قوية وتعيش على السلب والنهب، ووجود الرسول في المدينة المنورة يمنع هؤلاء الأعراب من السلب والنهب.
فلا شك أن كل هذه الطوائف بعد أُحد سوف تعمل على هدم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
الأزمات التي واجهها المسلمون بعد أحد

لقد واجه المسلمون أزمات عاتية بعد أُحد، كادت أن تأتي على ذلك الصرح الذي أقامه رسول الله . فسبحان الله! الأيام دول، فقد كان للمسلمين بعد بدر السيطرة الكاملة والسيادة، أما بعد غزوة أُحد فالسيطرة لقريش وأعوانهم، وصدق قوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، فإن تداول القوة من السنن الكونية.
أولا: دعوة بني أسد لحرب المسلمين

فكان فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، وأخذوا يتجمعون لحرب المسلمين، فبعث رسول الله سرية بقيادة أبي سلمة، ونجحت في تشتيت تجمُّع بني أسد في المحرم 4هـ.
ثانيا: تجمع هُذيل

فقد أخذ يجمِّع قبائل هذيل لحرب المسلمين، وكان هذا الرجل من أشرس المقاتلين العرب وأشدهم؛ فبعث رسول الله إلى الصحابي الجليل عبد الله بن أُنَيْس لكي يقتل هذا الرجل. يقول عبد الله بن أنيس: دعاني رسول الله فقال: "إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُونِي، وَهُوَ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ". قال: قلت: يا رسول الله، انعتْهُ لي حتى أعرفه. قال: "إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ قُشَعْرِيرَةَ". قال: فخرجت متوشحًا سيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلاً، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدتُ ما وصف لي رسول الله من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مُجَاولة[2] تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي للركوع والسجود.
أقرَّ الرسول ما فعل عبد الله بن أنيس، وشُرِعت صلاة الطالب والمطلوب بالطريقة التي فعلها عبد الله بن أنيس . يقول عبد الله بن أنيس : فلما انتهيت إليه قال: مَنِ الرجل؟
قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك.
قال: أَجَلْ، أنا في ذلك.
قال: فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني الله منه حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مُنْكَبَّات عليه؛ فلما قدمت على رسول الله فرآني قال: "أَفْلَحَ الْوَجْهُ". قال: قلت: قتلته يا رسول الله. قال: "صَدَقْتَ". قال: ثم قام معي رسول الله ، فدخل في بيته، فأعطاني عصًا فقال: "أمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ أُنَيْسٍ". قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله ، وأمرني أن أمسكها. قالوا: أوَلا ترجع إلى رسول الله فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعتُ إلى رسول الله ، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: "آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ[3] يَوْمَئِذٍ". قال: فقَرَنَها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضُمَّتْ في كفنه ثم دُفِنا جميعًا[4].
هاتان أزمتان مر بهما المسلمون، وقد نجح رسول الله في التخطيط للقضاء عليهما، وهذا من ذكاء الرسول ، وخرج المسلمون من هاتين الأزمتين بسلام، أما الأزمتان القادمتان فلن يسلم منهما المسلمون؛ وهما بعث الرجيع، وبئر معونة.
ثالثا: بعث الرجيع

كان ذلك في صفر من السنة الرابعة من الهجرة، وسبب هذا البعث أن بني لحيان من هُذيل مشوا إلى عَضَلٍ والقَارَةِ - وهما قبيلتان من بني الهَوْن - على أن يكلموا رسول الله أن يخرج إليهم نفرًا من أصحابه؛ فقدم نفر منهم فقالوا: "يا رسول الله، إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك؛ يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام". فلما جاء هؤلاء النفر يطلبون من يفقههم، بعث الرسول معهم عشرة من أصحابه، وأَمَّر عليهم عاصم بن ثابت .
خرج هؤلاء حتى أتوا الرجيع فغدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلاً ليعينوهم على قتلهم، فلم يَرُع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، فأخذ عاصم ومن معه أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: "إنا والله لا نريد قتلكم، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم". وقالوا ذلك لأنهم يريدون أن يُسلِموهم لكفار قريش، ويُصيبوا بذلك مالاً؛ لعلمهم أنه لا شيء أحب إلى قريش من أن يأتوا بأحدٍ من أصحاب محمد يمثِّلون به، ويقتلونه بمن قُتل منهم ببدر وأُحد، فأبوا أن يقبلوا منهم.
فرفض عاصم بن ثابت ذلك، وقال: "والله لا نقبل من مشرك عهدًا". وقاتلوا حتى قتلوا، فقتل سبعة من صحابة رسول الله ؛ منهم عاصم بن ثابت ، وأما زيد بن الدَّثِنَة وخُبَيب بن عديّ وعبد الله بن طارق فلانُوا ورقُّوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظَّهْران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما، فابتاع خبيبًا حُجَيْرُ بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان حجير أخًا للحارث بن عامر لأمِّه ليقتله بأبيه.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وكان شراؤهما في ذي القعدة، فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم فقتلوا زيدًا، وأما خبيب فمكث أسيرًا حتى خرجت الأشهر الحرم ثم أجمعوا على قتله، وكانوا في أول الأمر أساءوا إليه في حبسه، فقال لهم: "ما يصنع القوم الكرام هكذا بأسيرهم". فأحسنوا إليه بعد ذلك وجعلوه عند امرأة تحرسه وهي ماوِيَّة مولاة حجير، وقد قالت ماوية: "كان خبيب يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه". فقلت له: "هل لك من حاجة؟" قال: "لا، إلا أن تسقيني العذب، ولا تطعميني ما ذُبح على النصب، وتُخبِريني إذا أرادوا قتلي". فلما أرادوا ذلك أخبرته، فوالله ما اكترث بذلك.
ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: دعوني أُصلِّي ركعتين. فتركوه فصلى سجدتين، فجَرَتْ سُنَّة لمن قُتل صَبْرًا أن يصلي ركعتين. ثم قال خبيب: لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدتُ. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبقِ منهم أحدًا، ثم أنشأ يقول:
ولستُ أبالي حين أقتـل مسلمًا ... على أي جنبٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشـأ ... يُبارك على أوصـال شِلْوٍ مُمَـزَّعِ[5]
ثم قام إليه أبو سِرْوعة عُقبة بن الحارث فقتله[6].
وعن عروة بن الزبير قال: "لما أرادوا قتل خبيب ووضعوا فيه السلاح والرماح والحراب، وهو مصلوب نادوه وناشدوه، أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه"[7].
إنه الحب الكبير لرسول الله الذي كان يملأ قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، فهو لا يريد أن يكون مُعافًى في أهله وولده ورسول الله يشاكُ بشوكة.
أما زيد بن الدثنة فقالوا له أيضًا عند قتله فأجابهم بمثل ذلك، فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحُبِّ أصحاب محمد محمدًا". وقد قتلَ زيدًا نسطاسُ[8].
وقد كانت هذيل حين قُتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه إلى سُلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أُحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربَنَّ في قِحْفِهِ الخمر، فمنعته الدَّبْر[9]، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه، فنأخذه. فبعث الله سيلاً، ولم يكن هناك سحاب في السماء كما يقول الرواة، فاحتمل عاصمًا إلى حيث لا يعلم أحد، وكان عاصم قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشركٌ أبدًا، ولا يمس مشركًا أبدًا!!
فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدَّبْر منعته: "يحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر أن لا يمسه مشركٌ، ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته؛ فمنعه الله بعد وفاته كما امْتَنَع منه في حياته"[10].
عشرة من خيار الصحابة يموتون في وقت واحد، إنه لموقف صعب! وفي الوقت نفسه الذي حدث فيه بعث الرجيع حدث حادث أليم على المسلمين، وهو حادث بئر معونة.
رابعا: مأساة بئر معونة

قدم على رسول الله في شهر صفر من العام الرابع من الهجرة، رجلٌ من بني عامر وهي من القبائل القوية، وهذا الرجل هو مُلاعِب الأسِنَّة أبو براء عامر بن مالك، وقدَّم هديَّةً إلى رسول الله ، فدعاه الرسول إلى الإسلام فلم يُسلِم، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك، فإني أرجو أن يستجيبوا لك. فقال: "إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ". فقال أبو براء: أنا جارٌ لهم.
فبعث رسول الله المنذر بن عمرو من بني ساعدة في سبعين من خيرة الصحابة، وكانوا يُعرفون بالقرَّاء، يقرءون القرآن ويتدارسونه ليل نهار، منهم حرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة، فنزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر، وحَرَّة بني سُليم، وبعثوا حَرَام بن مِلْحان برسالة من الرسول إلى عامر بن الطفيل يدعوه إلى الإسلام. وعامر بن الطفيل هو ابن أخي عامر بن مالك (ملاعب الأسنة) الذي جاء إلى رسول الله وطلب منه أن يبعث من الصحابة من يعلِّم قومه الإسلام، وكان عامر بن الطفيل رجلاً شريرًا غادرًا، فقتل الصحابي الجليل حرام بن ملحان ؛ فقد أوصى أحد حرَّاسه أن يأتي من خلفه ويطعنه في ظهره، والرسل لا تُقتل، وجاء الحارس من خلفه وطعنه بحربة كبيرة من خلفه فخرجت من بطنه، فلما رأى حرام ذلك، أخذ الدم الذي يسيل من جسده ويدهن به وجهه وهو يقول: "فزتُ وربِّ الكعبة". وكان الذي قتل حرام هو جبار بن سلمى، فقد أخذ يسأل عن قول الصحابي: "فزتُ ورب الكعبة"، فقال: ما فاز، أوَلستُ قد قتلته؟ فقالوا له: إنها الشهادة عند المسلمين. فذهب إلى المدينة المنورة ودخل في الإسلام، وكان ذلك سببًا في إسلامه[11].
فعل عامر بن الطفيل ذلك؛ لأن بينه وبين رسول الله موقفًا قديمًا؛ فقد وفد على رسول الله ، وقال: "إني أعرض عليك ثلاثة أمور: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك من بعدك، أو أن أغزوك بأهل غطفان"[12]. فرفض الرسول هذه الأمور التي هي من أمور الجاهلية.
فلذلك لم ينظر في رسالة رسول الله التي يحملها حرام بن ملحان، واستعدى عليهم بني عامر، فأبوا لجوار أبي براء عامر بن مالك إياهم، فاستعدى بني سُليم فنهضت منهم عُصيَّة ورِعل وذَكوان، وقتلوهم عن آخرهم، إلا كعب بن زيد فقد أصيب بجروحٍ وظنوه قد قتل، ولكنه عاش حتى شهد الخندق في العام الخامس، ولقي ربه شهيدًا. وتزامن مع هذه الوقعة مرور المنذر بن عقبة وعمرو بن أمية الضمري، فنظرا إلى الطير تحوم على العسكر، فأسرعا إلى أصحابهما فوجدوهم في مضاجعهم، فأما المنذر بن عقبة فقاتل حتى قتل، وأما عمرو بن أمية فقد أسره عامر بن الطفيل، ثم أعتقه لرقبة كانت عن أمه، وذلك لعشرٍ بقين من صفر، وكانت مع الرجيع في شهر واحد. وفي الطريق لقي عمرو بن أمية رجلين من بني كلاب، وهم فرع من بني عامر، فنزلا معه في ظل شجرة، فلما ناما فتك بهما عمرو بن أمية، وكان معهما عهدٌ من النبي لم يعلم به عمرو، وقدم على النبي فأخبره بذلك، فقال: "لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنَ لَأَدِيَنَّهُمَا"[13].
هذا هو السمو الأخلاقي من رسول الله ، فقد جاء خبر هذين القتيلين مع خبر استشهاد سبعين من صحابة رسول الله في بئر معونة، ومع ذلك قرر رسول الله أن يُعطِي الدية لهذين القتيلين اللذين قُتلا عن طريق الخطأ.
إنها عظمة الإسلام الذي جاء لينشر دعوة العدل والحق في ربوع العالم كله!!
لقد كانت مأساة بئر معونة قاسية على المسلمين؛ فهم من القُرَّاء ومن الدعاة ومن العلماء، وظل الرسول يقنت شهرًا كاملاً يدعو على عامر ورعل وذكوان في كل صلواته حتى الصلوات السرية. ومصيبة بئر معونة حدثت مع مأساة الرجيع في شهر واحد، وهو شهر صفر عام 4هـ؛ فقد استشهد سبعون من خيار الصحابة في بئر معونة، وعشرة في بعث الرجيع، وكان قبلهم سبعون في أُحد، ففي عام واحد يفقد المسلمون مائة وخمسين شهيدًا، فهذا عدد كبير ونحن نتحدث عن الأمة في بداية نشأتها.
د. راغب السرجاني
[1] نجم: ظهر وطلع.

[2] جاوله: طارده وصاوله.

[3] المتخصرون: المتكئون على المخاصر، جمع مخصرة، وهي ما يمسكه الإنسان بيده من عصًا ونحوها.

[4] ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1971م، 3/267، 268.

[5] "شلو ممزع": جسد مقطع.

[6] ابن سيد الناس: عيون الأثر، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، 1986م، 2/11، 12.

[7] ابن كثير: السيرة النبوية 3/131.

[8] ابن كثير: السيرة النبوية 3/128، 129.

[9] الدبر: الزَّنابير والنَّحل.

[10] ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، القسم الثاني (الجزء الثالث والرابع) ص171.

[11] ابن كثير: السيرة النبوية 3/140، 141.

[12] ابن قيم الجوزية: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة السابعة والعشرون, 1415هـ- 1994م، 3/ 604، 605.

[13] ابن هشام: السيرة النبوية 2/186.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-03-05
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  مريم مريومة غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 18671
تاريخ التسجيل : Mar 2014
الدولة :
العمر :
الجنس :  female
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,373 [+]
عدد النقاط : 20
قوة الترشيح : مريم مريومة
افتراضي رد: غزوة أحـــد

جزاك الله خيرا وجعله في ميزان حسنااتك
دمت بخير
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

غزوة أحـــد



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 09:15 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب