منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن كتب اللغة

مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مقولات في النجاح seifellah منتدى علم النفس وتطوير الذات 4 2016-02-03 11:58 AM
بالفيديو.. التحرش الجنسي بليلى علوي ويسرا في مظاهرات التحرير Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2012-11-28 06:37 PM
مقولات مضحكة belli منتدى العام 9 2011-05-14 07:05 PM
مقولات النجاح majid منتدى العام 5 2011-05-11 09:13 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 11 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق


(المبحث الخامس)
-البحتري :


لعل أبرز ما يميز البحتري من سابقيه المحدثين أنه في عرف النقاد القدماء "ما فارق عمود الشعر، وطريقته المعروفة"( ) إذ هو في نظرهم النقدي شاعر مطبوع، تهش النفس لنسيبه، والقلب يعلق به، والهوى يسرع إليه( ) لأن في شعره يعرف الفرق بين السمع المنقاد والأبي المستكره، لصدوره عن عفو خاطره وأول فكرته( ). فهو أنموذج للسهل على الشاعر المطبوع، الممتنع على غير المطبوعين، من مثل قوله( ):
أُلام على هواك وليس عدلاً
إذا أحببت مثلك أن أُلاما

أعيدي في نظرة مستثيب
توخى الأجر أو كره الاثاما

تري كبداً محرقةً وعيناً
مؤرقةً وقلباً مستهاما

تناءت دار علوة بعد قربٍ
فهل ركبٌ يبلغها السلاما

وجدد طيفها عتباً علينا
فما يعتادنا إلا لماما

وربت ليلةٌ قد بت أسقى
بعينيها وكفيها المداما

قطعنا الليل لثماً واعتناقاً
وأفنيناه ضماً والتزاما

إذ لا يرى القدماء في مثل هذا الأسلوب الشعري المطبوع ما يتعارض ومقومات الشعرية الشفاهية، التي تتطلب المعنى المألوف المتواضع عرفياً على حمده وتنأى عن المعنى المبتذل وتألف الألفاظ التي ألف الشعراء تداولها وكان للشعر ألفاظاً مخصوصة فلا تجد في المطبوع على الشعر لفظاً مشهراً (عامياً) مستعملاً، إنما يصدرها الطبع عن أول فكرته وعفو خاطره، فلا تحس صنعة وإبداعاً ولا تدقيقاً أو أغراباً "ثم تأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقد ما يتداخلك من الارتياح، ويستخفك من الطرب إذا سمعته، وتذكر صبوة إن كانت لك، تراها ممثلة لضميرك، ومصورة تلقاء ناظرك"( ) فالجرجاني هنا يعنى بالجانب العاطفي الذي يبثه الشاعر في خلال خطابه الشعري، إذ يعمل الجرجاني على استقصاء الكثافة الشاعرية المشحون بها النص الشعري، كونه استعمالاً نوعياً خاصاً للغة، تعمل الظواهر المتشكلة في خلال هذا الاستعمال النوعي على التأثير في المتلقي جمالياً، ولكن المهم هنا، أن المنحى الجمالي الذي يتأثر به المتلقي عند الجرجاني هو الشكل الفني الذي هيمن عليه الحس وتلقاه على عفو طبع وأول خاطر في خلال مباشرة ووضوح تكشفان عن تجربة في إنتاج اللغة الشعرية في حدود المتواضع عليه من الآخر أكثر من الكشف عن تجربة الذات الشاعرة، التجربة هنا مكشوفة في كلام شعري معناه في ظاهر لفظه، تخييله يجعله قريب المآخذ في معناه، بعيداً عن المجاز الذي يعمل على التأويل أو التدبر العقلي.
ولما كانت مقومات الأسلوب الشعري عند البحتري صادرة عن هذا الاتجاه، من توخ للمعنى المقبول عقلاً والمدل على فهم لما ارتضاه الجمع فهو يندر أن يخرج على الإجماع، ومن قصد للفظ الجزل الخاضع لمقومات اللغة القياسية، ليكشف في خلاله عن طبع اعتاد على تداول التراث الشعري السابق حتى صار التطبع على التراث طبعاً فيه، ولما قال شعره بوحي من ذلك الطبع فإن خروجه على العرف السابق صار نادراً ومن هنا فهو ملتزم به، في سائر المقومات الجمالية لأسلوبه الشعري، إذ هو في لغة الوصف يكشف عن ذكاء في إصابة الموصوف وحسن تمييز بين ما يمكن أن يرتضيه العرف وما ينأى عنه الذوق السائد، وكأن رواية التراث الشعري السابق هي باعث الذكاء في وعيه، وإدمانه على استعمال المروى قد خلق في روحه أو وعيه ذكاءً وحسن تمييز وفطنة وحسن تقدير، تتشكل في ضوئهما فطنته في الخلق الشعري، ومقدرته الشعرية في الشكل الفني، على نحو تخلق فيه إدامة الدربة وطول الممارسة، طبعاً كأنه طبع الأوائل الذين قالوا عن فطرة لغوية لم يكن كلامهم الشعري ليصدر عن غيرها، فكأنه هنا يمتلك حيازة لسانية تؤهله لأن يكشف في خلال شعره عن قربه من الأصل.
لكن هذا القرب من الأصل عند البحتري الذي جعله غير مفارق لعمود الشعر وطريقته المألوفة، إذا لم يحقق لنفسه عبره تفرداً في الأسلوب الشعري، فسيكون إلى التقليد الجامد أقرب منه إلى التجديد المتغير.
ولما كان الذين رأوه ملتزماً بطريقة القدماء إما من اللغويين الذين يرون في القدماء أصلاً يستشهد بهم في اللفظ، والمحدثين فرعاً يستشهد بهم في المعاني على أحسن الحالات وإما من النقاد الذين يحتكمون في نقدهم إلى الشعر الجاهلي بوصفه كلام شعراء الجاهلية على أنه اللسان العربي، ويطلبون إلى المحدثين أن يصدروا عن مقومات الشكل الفني للشعر الجاهلي، على أنها مقومات الشكل الشعري الذي يمثل اللسان العربي وهذا إغفال لسمة التغيير التي يتصف بها الخطاب الشعري، فقد عدوا جيل الشعراء المحدثين السابقين، أقل التزاماً بعمود الشعر القديم، لأنهم نظروا في أساليب شعرهم إلى سمة التغير التي تميز الخطاب الشعري من جهة وتكشف عن تفرد كل شاعر بأسلوبه الخاص، من جهة أخرى لكن اللافت للنظر أن هذا التفرد في الأسلوب كلما كان كبيراً كان صاحبه مفسداً للشعر، لأنهم ينظرون إليه بالقياس إلى الشكل الشعري السابق فإذا "كان هذا شعراً فما قالته العرب باطل"( ) أي إذا كان هذا التغيير مأخوذ به مقبول، فما قالته العرب لا يقتضي الاتباع وعدم الاتباع يشير إلى البعد عن الأصل غير المتبع والأخذ بأسلوب جديد. وكما الأمر متصل بطريقة استخدام اللغة، فقد كان أبرز محاولة تحديث عن المحدثين استهدفت الخروج بالشعر من إطار وصف حياة جاهزة إلى حياة ومعان جديدة( )، كما فعل أبو نواس، ممهداً المنهج لأبي تمام للخروج بالشعر من إطار اللغة الجاهزة إلى طريقة حديثة.
كأن حداثة الشعر العربي بعد أبي نواس وأبي تمام اكتملت من جهة المضمون أو المحتوى ومن جهة الشكل الفني بكل مقوماته ولا سيما المجاز ومنه الاستعارة، وحين كان الشكل الفني معبراً عن أسلوبية النص الشعري وكاشفاً عن مقوماته الجمالية، وموحياً بالدلالة على ذائقة جديدة تغاير النص القديم ولا أقول تضاده، فقد قامت قائمته على النقد التطبيقي المحتكم إلى مقومات العمود الشعري القديم ناظراً إلى جانب التقليد فيها لا إلى جانب التجديد، لإبراز الشعراء الذين التزموا عمود القدماء شعرياً، وإخراجاً لغير الملتزمين بدائرة العمود فكانت المقارنة على أشدها بين أبي تمام الذي "انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً وإماماً متبوعاً، وشهر به، حتى قيل: هذا مذهب أبي تمام، وطريقة أبي تمام. وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره"( ) وبين البحتري الذي وصف عندهم بأنه "أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب، التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام"( ).
والواقع أن عمود الشعر، بوصفه طريقة القدماء في الخلق الشعري، يكشف عن وجهين نقديين، الأول مباشر يشير إلى اتباع مقولاته أو مقوماته تقليداً، على نحو شبه جامد، والثاني إيحائي يكشف عن أن النظر المتأمل في النصوص التي ظهر العمود أثر تلقيها يدلل على أن روحية الفن غير الخاضعة للتقيد المطلق والتي صدر في ظلها النص الشعري الأول هي ما يجب أن ننظر إليه ونستوحيه، مستلهمين بواعثه على الخلق الشعري تلك التي لا تلغي شخصية الشاعر في خلال أسلوبه إنما تكشف عنها.
ولما صدر اللغويون والنقاد في قراءة النص الأول عن العناية القصوى ببنيته اللغوية من جهة الالتزام بالقواعد والأعراف القياسية للفظ الشعري، لفظاً وتركيباً، فقد كان رأيهم في عمود الشعر القديم معتمداً على الأخذ بالوجه التقليدي الأول وبوحي منه كانوا يقرؤون شعر البحتري الشاعر الأعرابي المطبوع كما يصفونه وهذا ما تكشف عنه قراءة شعره في خلال مقومات عمود الشعر.
على صعيد المعاني، يمدح النقد للشاعر عدم خروجه على أصول التعبير من أي معنى، ويعاب عليه تجاوز تلك الأصول. من هذا إن عبد القاهر الجرجاني في معنى البحتري بقوله( ):
على بابِ قنسرين والليلُ لاطخٌ
جوانبهُ من ظلمةِ بمدادِ

لأنه يرى أصولاً في وصف شدة السواد كخافية الغراب والقار وغيرهما إثباتاً لما يوجبه العقل ولا تنقضه العادة. لأنك حين تشبه (بخافية الغراب) فإنما تريد أن تثبت للمشبه سواداً ليس له في العادة أو زائداً على ما يعهد في جنسه، والمداد في تشبيه البحتري هنا، وليس من الأشياء التي لا مزيد عليها في السواد، كيف ورب مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدته أحق وأمرى أن يكون مثلاً"( ).
أي أنه احتكم إلى نظر عقلي مباشر، وليس إلى الاحتمال التخييلي الذي يمكن أن يوحي به أسلوب التعبير عن المعنى (معنى السواد) في هذا البيت. وهذا النظر في فكرة المحتوى أو المضمون عموماً لا في أسلوب التعبير عنه أو في خصوصية الشكل الشعري، هو ما ساعد على إشاعة مفهوم السرقة في المعاني، من قبيل قولهم أن البحتري في قوله:
قومٌ ترى أرماحهم يوم الوغى
مشغوفة بمواطنِ الكتمانِ

قد أخذه من قول عمرو بن معد يكرب:
والضاربين بكل أبيض مخذمٍ
والطاعنين مجامعَ الأضغانِ

حتى يقدموا قول الأول على قول البحتري من جهة نظر مباشر هو أن "مجامع الأضغان" أجود من قوله "مواطن الكتمان" لأنهم إنما يطاعنون الأعداء، من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن في موقع الضغن فذلك غاية المراد( ).
ويحمد القدماء للبحتري على صعيد جزالة اللفظ واستقامته، تجنبه التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام( )، فألفاظه رطبة عذبة لأنه "لا يستدعي من الكلام نافراً، ولا يتعطف معرضاً، ولا ينشد ضالاً، ولا يونس وحشياً، وكانت ألفاظه، فوق معانيه، وإعجازه غير منفصلة عن هواديه"( ).
ومن هنا كان حسن اللفظ والسبك في قوله( ):
فمن لؤلؤةٍ تجلوهُ عند ابتسامها
ومن لؤلؤ عند الحديثِ تساقطُهْ

وفي قوله أيضاً:
يسر بعمران الديارِ مضلل
وعمرانها مستأنفٌ من خرابها

ولم أرتضِ الدنيا أوان مجيئها
فكيفَ ارتضائيها أوان ذهابها

إذ يقول أبو هلال: "فإذا قيل: "يسر بعمران الديار مضلل، ومن خرابها عمرانها مستأنف ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا، فكيف أوان ذهابها أرتضيها" فهذا نثر فاسد. فإذا غيرت بعض ألفاظه حسن، يسر المضلل بعمران الديار، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها، فكيف أرتضيها أوان ذهابها"( ).
وكأنه ينظر إلى أسلوب نظم الجملة الشعرية، وما يصدر عنها من تلوين صوتي منسق في الزمن وخضوع لإيقاع بحر مخصوص، وعدم الخروج على القواعد القياسية في اللغة من دون تأمل البعد المجازي للنص بل من خلال قياسه إلى النص النثري.
لذا يؤاخذونه على قوله( ):
لعمر الغواني يومَ صحراء أربدِ
لقد هيجت وجداً على ذي توجّدِ

لأنه لو قال: "على متوجد" لكان أسهل وأسلس وأحسن.
ومن هذا السياق يعجبون بتوشيحه في قوله( ):
فليس الذي حللتهُ بمحلل
وليس الذي حرمتهُ بمحرمِ

وهذا النظر النقدي إلى مقومات الأسلوب الشعري المباشرة مما يتصل بقرب المآخذ ووضوح القصد والبعد عن الغموض انطلاقاً مما يرتضيه العقل ويقبله الذوق الشائع، نلحظه على نحو مباشر في أسلوب التشبيه الذي يتطلبون فيه التناسب بين عناصره ولا سيما المشبه والمشبه به باعتماد الفطنة والتقدير الحسن، فكان إن حمدوا له قوله( ):
كالسيف في إخذامهِ، والغيث في
إرهامه، والليث في إقدامهِ

لأنه شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء. وقد اشتمل البيت على تواتر صوتي (ترصيع) وكذلك من قبيل تشبيهه شيئين بشيئين في قوله( ):
شقائقُ يحملن الندى فكأنه
دموعُ التصابي في عيون الخرائدِ

ومن تشبيهاته التي حمدها النقاد ورأوا فيها "مسلك السحر ومذهب التخييل"( ).
قوله( ):
وأهتز في ورق الندى فتحيّرت
حركاتُ غصنِ البانة المتأودِ

وقوله أيضاً( ):
فأفضيتُ من قربٍ إلى ذي مهابةٍ
أقابلُ بدرَ الأفق حين أقابله

إلى مسرف في الجود لو أنّ حاتماً
لديه لأمسى حاتمٌ وهو عاذله

وعلى الرغم من أن سياق كل بيت يكشف عن وضوح أسلوب التشبيه فيه، إذ يقول الجرجاني:
إن هذا التشبيه قد "كني لك عنه، وخودعت فيه، وأتيت به، من طريق الخلابة في سلك السحر ومذهب التخييل. فصار لذلك غريب الشكل بديع الفن منيع الجانب لا يدين لكل أحد"( ).
يكشف الجرجاني عن دور السياق في توضيح المعنى عبر أسلوب التشبيه، فكلما جاء التشبيه غير متصنع من حيث وضوح الجملة على نحو تقريري مباشر، كان ذلك أدعى للإعجاب، وأبعث على التخييل، شريطة أن يوحي السياق بالقرينة الكاشفة عقلياً عن أسلوب التشبيه، ومدلة على تناسب عناصر جملته على نحو ملحوظ، على ما ألفه العرف وتواضع عليه. وهو في هذا متصل بفطنة الشاعر، وحسب تقديره، وكاشف عنهما.
وما كان في صحة المعنى عقلياً، واستقامة اللفظ من خلال الالتزام بالقواعد القياسية للكلمة والجملة ومراعاة تناسب عناصر جملة التشبيه، كله يمكن ملاحظته في أسلوب الوصف، وما يقوم عليه الوصف المحمود من مقومات، صادرة عن نظر عقلي ومعايير عرفية تحتكم إلى ذكاء وحسن تمييز، لذا لم يكن مصيباً في وصفه بقوله:
فعلام فيض مدامعٍ تدق الجوى
وعذابُ قلبٍ في الحسان معذبِ

وعلة ذلك أن "تدق من الوديقة وهي الهاجرة، لدنو الحد فيها، والودق أصله الدنو، يقال أتان ودق، إذا دنت من الفحل، والودق القطر لدنوه من الأرض، بعد انحلاله من السحاب"( ).
وقد أخطأ البحتري –عند العسكري- في قوله:
بدت صفرة في لونه إنّ حمدهم
من الدر ما اصفرت حواشيه في العقدِ

إذ يقول أبو هلال: "وإنما يوصف الدر بشدة البياض، وإذا أريد المبالغة في وصفه وصف بالنصوع، ومن أعيب عيوبه الصفرة، وقالوا كوكب درى لبياضه، وإذا اصفر احتيل في إزالة صفرته، ليتوضأ، واستعمال الحواشي في الدر أيضاً خطأ، ولو قال: نواصيه لكان أجود"( ).
ومن هذا أيضاً عد ابن رشيق البحتري مخطئاً في الوصف حين قال( ):
هجرتنا يقظى وكادت على مذ
هبها في الصدود تهجر وسنى

لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، لذا كان من الجيد قول الآخر:
أرد دونك يقظاناً ويأذن لي
عليك سكر الكرى إنْ جئْت وسنانا

أي أن الوصف هنا غير ناظر إلى خصوصية التعبير الشعري، إذ يتساوى مع أسلوب النثر، من جهة الانطلاق من مراعاة ما اعتاد النظر المباشر على الأخذ به، في حين أن الشاعر يحقق لنفسه تفرداً أسلوبياً من خلال الانطلاق في التعبير الشعري عن تجربته الفنية وليس عما كان من تجربة الآخر، لأن التجربة الذاتية لكل شاعر تكشف عن قيمة الفن الشعري عنده، أي عن جوهر الأثر الأدبي، ذلك الجوهر الذي لا نصل إليه إلا عبر صياغات الشكل الفني الإبلاغية، وليس عبر الالتزام برؤية الآخر للأشياء، كما تمثلها تجربته الشعرية.
وفي هذا السياق النقدي كان النظر إلى التحام أجزاء النظم والتئامها متصلاً على صعيد البيت الشعري، بصياغة الجملة الشعرية، وعلى صعيد تركيب القصيدة، متصلاً بأسلوب ربط الموضوع بالغرض في خلال "حسن التخلص أو الانتقال". إما على صعيد صياغة الجملة الشعرية، فإن البحتري وهو يحذو حذو المطبوعين من القدماء كان في نظر النقاد القدماء: "أملح صنعة، وأحسن مذهباً في الكلام، يسلك منه دماثه وسهولة، مع أحكام الصنعة وقرب المآخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة"( ).
أما على صعيد تركيب موضوعات القصيدة، فيحمدون له حسن انتقاله من موضوع إلى غرض، من قبيل انتقاله بـ"حسن تخلص" من وصف بركة المتوكل إلى مدحه في خلال قوله( ):
كأنها حينَ لجتْ في تدفقها
يدُ الخليفةِ لمّا سالَ واديها

ويبدو أنه، لما كان طريق العرب في الخروج من الموضوع إلى الغرض مباشراً بأسلوب "دع ذا أو عد عن ذا" أو بالقطع المباشر، فقد كان البحتري يكثر من أسلوب القطع أو "الطفر" من قبيل قوله( ):
لولا الرجاء لمت من ألمِ الهوى
لكن قلبي بالرجاء موكلُ

إنَّ الرعية لم تَزل في سيرة
عمرية مذ ساسها المتوكلُ

وهذا يشير إلى عدم التأني في صنعة الشعر، أو تدبر النظر فيها طويلاً، إنما يصدر في شعره عن أول الطبع وقرب الفكرة، على نحو ما شاع عن القدماء، وهو معدود منهم لحسن تقليده لهم.
أما مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية في لغة شعر البحتري فمتصلة بطبع أدمن مدارسة الشعر القديم حتى خلقت الدربة فيه طبعاً شعرياً "ينتظم القول فيه انتظاماً، يتسق به أوله مع آخره، على ما ينسقه قائله.. فإذا كان الشعر على هذا المنال سبق السامع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، وربما سبق إلى إتمام مصراع منه إتماماً، يوجبه تأسيس الشعر. كقول البحتري:
سلبوا البيضَ قبرها فأقاموا
لظباها التأويلَ والتنزيلا

فإذا حاربوا أذلوا عزيزاً

فيقتضي هذا المصراع أن يكون تمامه: "وإذا سالموا أعزوا ذليلا".
وكقوله:
أحلتْ دمي من غير جرمٍ وحرمت
بلا سببٍ يومَ اللقاءِ كلامي

فداؤك ما أبقيت مني فإنهُ
حشاشة صبٍّ في نحولِ عظامي

صلي مغرماً قد واتر الشوق دمعهُ
سجامٌ على الخدينِ بعد سجامِِ

فليس الذي حللته بمحلل

يقتضي أن يكون تمامه: "وليس الذي حرمته بحرام"( ).
مشاكلة اللفظ للمعنى واقتضائهما للقافية، معبرة عن نية المتكلم في إيضاح المعنى للمتلقي، والكشف عن تجربته الشعرية في خلال تجربة في صياغة لغة شعر، صياغة يظهر معها ما يمكن أن يتوقعه المتلقي، وفي هذا حرص على الوضوح، لا من جهة ما يتوقعه المتلقي مما كان متواضعاً عليه، إنما في صياغة التعبير الشعري ذاته، لأن صياغة صدر البيت تؤدي إلى تمامه.
وهذا الأسلوب الشعري جعل القدماء يرون فيه أي أسلوب شعر البحري "علماً على السلاسة في التعبير، وقرب المنال واستخدام الصنعة استخداماً، لا يبلغ أن تكون فيه قناعاً، يخفي وراءه المعنى ويستتر خلفه الغرض، كما كان يحدث لشعر أبي تمام أحياناً"( ).
وقد كان البحتري في أسلوبه الشعري هذا منطلقاً من مقومات عمود الشعر القديم كما صارت إليه بوصفها قاعدة في العرف النقدي، فكان اتصاله بالاتجاه التقليدي منها في حين كان أبو تمام منطلقاً من المقومات التي أسست لعمود الشعر لا من جهة ما صارت إليه قاعدة بل من جهة ما صيرها إليه قاعدة ألا وهو القيمة الفنية أو المنحى الجمالي فيها، ذلك الذي وصله القدماء، وهو ما لا يجب الوقوف عليه والبقاء على تقليده إنما الانطلاق من خلاله إلى ما هو جديد يميز هذا المحدث كما عند أبي تمام من ذلك القديم، وفي هذا حقق أبو تمام مذهباً كان فيه أولاً وإماما( ً). في حين ظل البحتري، على مذهب الأوائل( ). حتى إذا جئت إلى أبرز مقومات الشعرية وجدت القدماء لا يكادون يذكرون استعارة سيئة للبحتري خرج فيها على عرف القدماء في أسلوب الاستعارة في حين كانت أبرز ميزة رأوا أبا تمام فيها خارجاً على عمود الشعر القديم هي توخيه الاستعارة البعيدة الغامضة عندهم. أما البحتري فلا يذكرون له في الاستعارة إلا ما كان في باب الجودة الحسنة كما في قوله( ):
يذكرنا ريا الأحبة كلما
تنفس في جنح من الليل باردِ

أو في قوله يصف الخيال( ):
إذا نزعته من يدي انتباهة
عددت حبيباً راح مني أو غدا

أو في قوله( ):
وإذا دجت أقلامهُ ثم انتحت
برقت مصابيح الدجى في كتبه

أو في قوله أيضاً( ):
وكنت إذا استبْطأتُ ودّك زرته
بتفويف شعْرٍ كالرداء المحبَّرِ

هذا النمط من الاستعارة تدل القرينة فيه، على إيضاح المعنى فلا يحدث ما يشكل المعنى على المتلقي، وهو أمر متصل بالنظر العقلي لمفهوم الاستعارة، لأن سبيلها –كما يذكر الجرجاني-" سبيل الكلام المحذوف في أنك إذا رجعت إلى أصله، وجدت قائله، وهو يثبت أمراً عقلياً صحيحاً، ويدعي دعوى لها ستخ في العقل"( ) أي أن المستعير "لا يقصد إلى إثبات اللفظة المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك، فلا يكون مخبره على خلاف خبره"( ) ولكن أبا تمام في بعض استعاراته لم يلتزم هذا الفهم المستوحى من ما هو شائع في أسلوب الاستعارة في الشعر القديم.ومن ذلك نخلص إلى أن البحتري كان ملتزماً بسنن القدماء في قول الشعر (عمود الشعر) ولم يكن أبو تمام من سابقي البحتري على نحو خاص خارجاً على تلك السنن، إنما كان البحتري ملتزماً بها من جهة التقليد أما أبو تمام فكان التزامه إلى نية التجديد أو التحديث. أي أن التزام البحتري اتصل بما يحقق لتجربته الشعرية، وضوحاً في المعاني احتكاماً إلى قبول العقل الصحيح والفهم الثاقب لها، وجزالة في اللفظ والتركيب تتحقق بهما الاستقامة انطلاقاً من طبع صقلته الرواية والاستعمال. وحرصاً على إصابة مقومات الموصوف شعراً بما يضمن عدم تجاوز واقعية الموصوف، وتقليدية فهم الآخرين له للدلالة على ذكاء الشاعر وحسن تميزه. ودقة في توخي المقاربة أو التناسب بين المشبه والمشبه به أو بين المستعار له والمستعار منه، احتكاماً إلى فطنة متقدة، وذهنية متحركة وحسن تقدير والدربة ودوام الممارسة في كل هذه المقومات يحقق للغة الشعر مشاكلة تعبيرية بين اللفظ والمعنى، وانسجاماً عقلياً لبنية القصيدة وتخيّل المتلقي فيه إلى ما كان متفقاً عليه من مفهوم الانسجام والمشاكلة في الشعر السابق. وهذا التزام تقليدي يتحرك فيه الشاعر ضمن الحدود والقواعد التي سنها الشعر السابق. وهذا أمر يتفق تماماً مع المفهوم النقدي للتعبير الشعري الذي يصل الطبع والفطرة بالشعر بعيداً عن الغموض أو طول التأمل، فيما يصل الحكمة والتدبر بالنثر صناعة، على أن الشعر في هذا الفهم قريب من النثر بل قرأ بعض القدماء الشعر إثر إعادة صياغته نثراً كما فعل أبو هلال في الصناعتين.
أما أبو تمام فقد كان ملتزماً بتلك السنن في قول الشعر على نية الجديد، وقصد المغايرة أو الحداثة، انطلاقاً من تصور إبداعي لروحية القديم التي انفتح عبرها تعبيره الشعري على مقومات خاصة به أراد لها أن تميز أسلوبه الشعري، بوصفها إبداعاً أراد لها اللاحقون أن تكون قاعدة يبدعون ضمن حدودها، وأراد لها بعض اللاحقين من أمثال أبي تمام أن تكون إيحاءاً بتعبير شعري صادر عن تفرد الذات الشاعرة بامتلاك أداتها للتعبير ضمن القاعدة التي لا تحول دون التجديد من جهة استيعابها لرؤيا التعبير الشعري، وقدرتها على الكشف الفني، والتأثير الجمالي، وفي هذا الحال فعلى الناقد أن يكشف عن طاقات الشعر الإبداعية، من جهة قدرة ذلك الشعر على الانسجام أو التلاؤم مع جديد الأفكار السائدة، في زمان ومكان محددين، ومع ما تطمح إليه تلك الأفكار أو الرؤى بوصفها نابعة عن أوضاع إنسانية وحاجات مخصوصة وآمال متجددة، وهنا يكون سعي الناقد نحو قدرة الشعر الإبداعية على التعبير عما تكمن فيه، وليس نحو مرجعية ذلك الشعر المتصلة بخصوصية المنجز الشعري السابق له، للوقوف على حدود التزامه بتلك المرجعية وخروجه عنها، لأن الشعر لغة مجاز أو لغة استعارية أي أنه بالضرورة لغة تغيير وتحديث لصدورها عن الذات الإنسانية العاملة في التغيير والباعثة على التحديث، كونها تسعى لاكتشاف ما هو جديد.


***
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 12 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق


(المبحث الخامس)
-البحتري :


لعل أبرز ما يميز البحتري من سابقيه المحدثين أنه في عرف النقاد القدماء "ما فارق عمود الشعر، وطريقته المعروفة"( ) إذ هو في نظرهم النقدي شاعر مطبوع، تهش النفس لنسيبه، والقلب يعلق به، والهوى يسرع إليه( ) لأن في شعره يعرف الفرق بين السمع المنقاد والأبي المستكره، لصدوره عن عفو خاطره وأول فكرته( ). فهو أنموذج للسهل على الشاعر المطبوع، الممتنع على غير المطبوعين، من مثل قوله( ):
أُلام على هواك وليس عدلاً
إذا أحببت مثلك أن أُلاما

أعيدي في نظرة مستثيب
توخى الأجر أو كره الاثاما

تري كبداً محرقةً وعيناً
مؤرقةً وقلباً مستهاما

تناءت دار علوة بعد قربٍ
فهل ركبٌ يبلغها السلاما

وجدد طيفها عتباً علينا
فما يعتادنا إلا لماما

وربت ليلةٌ قد بت أسقى
بعينيها وكفيها المداما

قطعنا الليل لثماً واعتناقاً
وأفنيناه ضماً والتزاما

إذ لا يرى القدماء في مثل هذا الأسلوب الشعري المطبوع ما يتعارض ومقومات الشعرية الشفاهية، التي تتطلب المعنى المألوف المتواضع عرفياً على حمده وتنأى عن المعنى المبتذل وتألف الألفاظ التي ألف الشعراء تداولها وكان للشعر ألفاظاً مخصوصة فلا تجد في المطبوع على الشعر لفظاً مشهراً (عامياً) مستعملاً، إنما يصدرها الطبع عن أول فكرته وعفو خاطره، فلا تحس صنعة وإبداعاً ولا تدقيقاً أو أغراباً "ثم تأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقد ما يتداخلك من الارتياح، ويستخفك من الطرب إذا سمعته، وتذكر صبوة إن كانت لك، تراها ممثلة لضميرك، ومصورة تلقاء ناظرك"( ) فالجرجاني هنا يعنى بالجانب العاطفي الذي يبثه الشاعر في خلال خطابه الشعري، إذ يعمل الجرجاني على استقصاء الكثافة الشاعرية المشحون بها النص الشعري، كونه استعمالاً نوعياً خاصاً للغة، تعمل الظواهر المتشكلة في خلال هذا الاستعمال النوعي على التأثير في المتلقي جمالياً، ولكن المهم هنا، أن المنحى الجمالي الذي يتأثر به المتلقي عند الجرجاني هو الشكل الفني الذي هيمن عليه الحس وتلقاه على عفو طبع وأول خاطر في خلال مباشرة ووضوح تكشفان عن تجربة في إنتاج اللغة الشعرية في حدود المتواضع عليه من الآخر أكثر من الكشف عن تجربة الذات الشاعرة، التجربة هنا مكشوفة في كلام شعري معناه في ظاهر لفظه، تخييله يجعله قريب المآخذ في معناه، بعيداً عن المجاز الذي يعمل على التأويل أو التدبر العقلي.
ولما كانت مقومات الأسلوب الشعري عند البحتري صادرة عن هذا الاتجاه، من توخ للمعنى المقبول عقلاً والمدل على فهم لما ارتضاه الجمع فهو يندر أن يخرج على الإجماع، ومن قصد للفظ الجزل الخاضع لمقومات اللغة القياسية، ليكشف في خلاله عن طبع اعتاد على تداول التراث الشعري السابق حتى صار التطبع على التراث طبعاً فيه، ولما قال شعره بوحي من ذلك الطبع فإن خروجه على العرف السابق صار نادراً ومن هنا فهو ملتزم به، في سائر المقومات الجمالية لأسلوبه الشعري، إذ هو في لغة الوصف يكشف عن ذكاء في إصابة الموصوف وحسن تمييز بين ما يمكن أن يرتضيه العرف وما ينأى عنه الذوق السائد، وكأن رواية التراث الشعري السابق هي باعث الذكاء في وعيه، وإدمانه على استعمال المروى قد خلق في روحه أو وعيه ذكاءً وحسن تمييز وفطنة وحسن تقدير، تتشكل في ضوئهما فطنته في الخلق الشعري، ومقدرته الشعرية في الشكل الفني، على نحو تخلق فيه إدامة الدربة وطول الممارسة، طبعاً كأنه طبع الأوائل الذين قالوا عن فطرة لغوية لم يكن كلامهم الشعري ليصدر عن غيرها، فكأنه هنا يمتلك حيازة لسانية تؤهله لأن يكشف في خلال شعره عن قربه من الأصل.
لكن هذا القرب من الأصل عند البحتري الذي جعله غير مفارق لعمود الشعر وطريقته المألوفة، إذا لم يحقق لنفسه عبره تفرداً في الأسلوب الشعري، فسيكون إلى التقليد الجامد أقرب منه إلى التجديد المتغير.
ولما كان الذين رأوه ملتزماً بطريقة القدماء إما من اللغويين الذين يرون في القدماء أصلاً يستشهد بهم في اللفظ، والمحدثين فرعاً يستشهد بهم في المعاني على أحسن الحالات وإما من النقاد الذين يحتكمون في نقدهم إلى الشعر الجاهلي بوصفه كلام شعراء الجاهلية على أنه اللسان العربي، ويطلبون إلى المحدثين أن يصدروا عن مقومات الشكل الفني للشعر الجاهلي، على أنها مقومات الشكل الشعري الذي يمثل اللسان العربي وهذا إغفال لسمة التغيير التي يتصف بها الخطاب الشعري، فقد عدوا جيل الشعراء المحدثين السابقين، أقل التزاماً بعمود الشعر القديم، لأنهم نظروا في أساليب شعرهم إلى سمة التغير التي تميز الخطاب الشعري من جهة وتكشف عن تفرد كل شاعر بأسلوبه الخاص، من جهة أخرى لكن اللافت للنظر أن هذا التفرد في الأسلوب كلما كان كبيراً كان صاحبه مفسداً للشعر، لأنهم ينظرون إليه بالقياس إلى الشكل الشعري السابق فإذا "كان هذا شعراً فما قالته العرب باطل"( ) أي إذا كان هذا التغيير مأخوذ به مقبول، فما قالته العرب لا يقتضي الاتباع وعدم الاتباع يشير إلى البعد عن الأصل غير المتبع والأخذ بأسلوب جديد. وكما الأمر متصل بطريقة استخدام اللغة، فقد كان أبرز محاولة تحديث عن المحدثين استهدفت الخروج بالشعر من إطار وصف حياة جاهزة إلى حياة ومعان جديدة( )، كما فعل أبو نواس، ممهداً المنهج لأبي تمام للخروج بالشعر من إطار اللغة الجاهزة إلى طريقة حديثة.
كأن حداثة الشعر العربي بعد أبي نواس وأبي تمام اكتملت من جهة المضمون أو المحتوى ومن جهة الشكل الفني بكل مقوماته ولا سيما المجاز ومنه الاستعارة، وحين كان الشكل الفني معبراً عن أسلوبية النص الشعري وكاشفاً عن مقوماته الجمالية، وموحياً بالدلالة على ذائقة جديدة تغاير النص القديم ولا أقول تضاده، فقد قامت قائمته على النقد التطبيقي المحتكم إلى مقومات العمود الشعري القديم ناظراً إلى جانب التقليد فيها لا إلى جانب التجديد، لإبراز الشعراء الذين التزموا عمود القدماء شعرياً، وإخراجاً لغير الملتزمين بدائرة العمود فكانت المقارنة على أشدها بين أبي تمام الذي "انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً وإماماً متبوعاً، وشهر به، حتى قيل: هذا مذهب أبي تمام، وطريقة أبي تمام. وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره"( ) وبين البحتري الذي وصف عندهم بأنه "أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب، التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام"( ).
والواقع أن عمود الشعر، بوصفه طريقة القدماء في الخلق الشعري، يكشف عن وجهين نقديين، الأول مباشر يشير إلى اتباع مقولاته أو مقوماته تقليداً، على نحو شبه جامد، والثاني إيحائي يكشف عن أن النظر المتأمل في النصوص التي ظهر العمود أثر تلقيها يدلل على أن روحية الفن غير الخاضعة للتقيد المطلق والتي صدر في ظلها النص الشعري الأول هي ما يجب أن ننظر إليه ونستوحيه، مستلهمين بواعثه على الخلق الشعري تلك التي لا تلغي شخصية الشاعر في خلال أسلوبه إنما تكشف عنها.
ولما صدر اللغويون والنقاد في قراءة النص الأول عن العناية القصوى ببنيته اللغوية من جهة الالتزام بالقواعد والأعراف القياسية للفظ الشعري، لفظاً وتركيباً، فقد كان رأيهم في عمود الشعر القديم معتمداً على الأخذ بالوجه التقليدي الأول وبوحي منه كانوا يقرؤون شعر البحتري الشاعر الأعرابي المطبوع كما يصفونه وهذا ما تكشف عنه قراءة شعره في خلال مقومات عمود الشعر.
على صعيد المعاني، يمدح النقد للشاعر عدم خروجه على أصول التعبير من أي معنى، ويعاب عليه تجاوز تلك الأصول. من هذا إن عبد القاهر الجرجاني في معنى البحتري بقوله( ):
على بابِ قنسرين والليلُ لاطخٌ
جوانبهُ من ظلمةِ بمدادِ

لأنه يرى أصولاً في وصف شدة السواد كخافية الغراب والقار وغيرهما إثباتاً لما يوجبه العقل ولا تنقضه العادة. لأنك حين تشبه (بخافية الغراب) فإنما تريد أن تثبت للمشبه سواداً ليس له في العادة أو زائداً على ما يعهد في جنسه، والمداد في تشبيه البحتري هنا، وليس من الأشياء التي لا مزيد عليها في السواد، كيف ورب مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدته أحق وأمرى أن يكون مثلاً"( ).
أي أنه احتكم إلى نظر عقلي مباشر، وليس إلى الاحتمال التخييلي الذي يمكن أن يوحي به أسلوب التعبير عن المعنى (معنى السواد) في هذا البيت. وهذا النظر في فكرة المحتوى أو المضمون عموماً لا في أسلوب التعبير عنه أو في خصوصية الشكل الشعري، هو ما ساعد على إشاعة مفهوم السرقة في المعاني، من قبيل قولهم أن البحتري في قوله:
قومٌ ترى أرماحهم يوم الوغى
مشغوفة بمواطنِ الكتمانِ

قد أخذه من قول عمرو بن معد يكرب:
والضاربين بكل أبيض مخذمٍ
والطاعنين مجامعَ الأضغانِ

حتى يقدموا قول الأول على قول البحتري من جهة نظر مباشر هو أن "مجامع الأضغان" أجود من قوله "مواطن الكتمان" لأنهم إنما يطاعنون الأعداء، من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن في موقع الضغن فذلك غاية المراد( ).
ويحمد القدماء للبحتري على صعيد جزالة اللفظ واستقامته، تجنبه التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام( )، فألفاظه رطبة عذبة لأنه "لا يستدعي من الكلام نافراً، ولا يتعطف معرضاً، ولا ينشد ضالاً، ولا يونس وحشياً، وكانت ألفاظه، فوق معانيه، وإعجازه غير منفصلة عن هواديه"( ).
ومن هنا كان حسن اللفظ والسبك في قوله( ):
فمن لؤلؤةٍ تجلوهُ عند ابتسامها
ومن لؤلؤ عند الحديثِ تساقطُهْ

وفي قوله أيضاً:
يسر بعمران الديارِ مضلل
وعمرانها مستأنفٌ من خرابها

ولم أرتضِ الدنيا أوان مجيئها
فكيفَ ارتضائيها أوان ذهابها

إذ يقول أبو هلال: "فإذا قيل: "يسر بعمران الديار مضلل، ومن خرابها عمرانها مستأنف ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا، فكيف أوان ذهابها أرتضيها" فهذا نثر فاسد. فإذا غيرت بعض ألفاظه حسن، يسر المضلل بعمران الديار، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها، فكيف أرتضيها أوان ذهابها"( ).
وكأنه ينظر إلى أسلوب نظم الجملة الشعرية، وما يصدر عنها من تلوين صوتي منسق في الزمن وخضوع لإيقاع بحر مخصوص، وعدم الخروج على القواعد القياسية في اللغة من دون تأمل البعد المجازي للنص بل من خلال قياسه إلى النص النثري.
لذا يؤاخذونه على قوله( ):
لعمر الغواني يومَ صحراء أربدِ
لقد هيجت وجداً على ذي توجّدِ

لأنه لو قال: "على متوجد" لكان أسهل وأسلس وأحسن.
ومن هذا السياق يعجبون بتوشيحه في قوله( ):
فليس الذي حللتهُ بمحلل
وليس الذي حرمتهُ بمحرمِ

وهذا النظر النقدي إلى مقومات الأسلوب الشعري المباشرة مما يتصل بقرب المآخذ ووضوح القصد والبعد عن الغموض انطلاقاً مما يرتضيه العقل ويقبله الذوق الشائع، نلحظه على نحو مباشر في أسلوب التشبيه الذي يتطلبون فيه التناسب بين عناصره ولا سيما المشبه والمشبه به باعتماد الفطنة والتقدير الحسن، فكان إن حمدوا له قوله( ):
كالسيف في إخذامهِ، والغيث في
إرهامه، والليث في إقدامهِ

لأنه شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء. وقد اشتمل البيت على تواتر صوتي (ترصيع) وكذلك من قبيل تشبيهه شيئين بشيئين في قوله( ):
شقائقُ يحملن الندى فكأنه
دموعُ التصابي في عيون الخرائدِ

ومن تشبيهاته التي حمدها النقاد ورأوا فيها "مسلك السحر ومذهب التخييل"( ).
قوله( ):
وأهتز في ورق الندى فتحيّرت
حركاتُ غصنِ البانة المتأودِ

وقوله أيضاً( ):
فأفضيتُ من قربٍ إلى ذي مهابةٍ
أقابلُ بدرَ الأفق حين أقابله

إلى مسرف في الجود لو أنّ حاتماً
لديه لأمسى حاتمٌ وهو عاذله

وعلى الرغم من أن سياق كل بيت يكشف عن وضوح أسلوب التشبيه فيه، إذ يقول الجرجاني:
إن هذا التشبيه قد "كني لك عنه، وخودعت فيه، وأتيت به، من طريق الخلابة في سلك السحر ومذهب التخييل. فصار لذلك غريب الشكل بديع الفن منيع الجانب لا يدين لكل أحد"( ).
يكشف الجرجاني عن دور السياق في توضيح المعنى عبر أسلوب التشبيه، فكلما جاء التشبيه غير متصنع من حيث وضوح الجملة على نحو تقريري مباشر، كان ذلك أدعى للإعجاب، وأبعث على التخييل، شريطة أن يوحي السياق بالقرينة الكاشفة عقلياً عن أسلوب التشبيه، ومدلة على تناسب عناصر جملته على نحو ملحوظ، على ما ألفه العرف وتواضع عليه. وهو في هذا متصل بفطنة الشاعر، وحسب تقديره، وكاشف عنهما.
وما كان في صحة المعنى عقلياً، واستقامة اللفظ من خلال الالتزام بالقواعد القياسية للكلمة والجملة ومراعاة تناسب عناصر جملة التشبيه، كله يمكن ملاحظته في أسلوب الوصف، وما يقوم عليه الوصف المحمود من مقومات، صادرة عن نظر عقلي ومعايير عرفية تحتكم إلى ذكاء وحسن تمييز، لذا لم يكن مصيباً في وصفه بقوله:
فعلام فيض مدامعٍ تدق الجوى
وعذابُ قلبٍ في الحسان معذبِ

وعلة ذلك أن "تدق من الوديقة وهي الهاجرة، لدنو الحد فيها، والودق أصله الدنو، يقال أتان ودق، إذا دنت من الفحل، والودق القطر لدنوه من الأرض، بعد انحلاله من السحاب"( ).
وقد أخطأ البحتري –عند العسكري- في قوله:
بدت صفرة في لونه إنّ حمدهم
من الدر ما اصفرت حواشيه في العقدِ

إذ يقول أبو هلال: "وإنما يوصف الدر بشدة البياض، وإذا أريد المبالغة في وصفه وصف بالنصوع، ومن أعيب عيوبه الصفرة، وقالوا كوكب درى لبياضه، وإذا اصفر احتيل في إزالة صفرته، ليتوضأ، واستعمال الحواشي في الدر أيضاً خطأ، ولو قال: نواصيه لكان أجود"( ).
ومن هذا أيضاً عد ابن رشيق البحتري مخطئاً في الوصف حين قال( ):
هجرتنا يقظى وكادت على مذ
هبها في الصدود تهجر وسنى

لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، لذا كان من الجيد قول الآخر:
أرد دونك يقظاناً ويأذن لي
عليك سكر الكرى إنْ جئْت وسنانا

أي أن الوصف هنا غير ناظر إلى خصوصية التعبير الشعري، إذ يتساوى مع أسلوب النثر، من جهة الانطلاق من مراعاة ما اعتاد النظر المباشر على الأخذ به، في حين أن الشاعر يحقق لنفسه تفرداً أسلوبياً من خلال الانطلاق في التعبير الشعري عن تجربته الفنية وليس عما كان من تجربة الآخر، لأن التجربة الذاتية لكل شاعر تكشف عن قيمة الفن الشعري عنده، أي عن جوهر الأثر الأدبي، ذلك الجوهر الذي لا نصل إليه إلا عبر صياغات الشكل الفني الإبلاغية، وليس عبر الالتزام برؤية الآخر للأشياء، كما تمثلها تجربته الشعرية.
وفي هذا السياق النقدي كان النظر إلى التحام أجزاء النظم والتئامها متصلاً على صعيد البيت الشعري، بصياغة الجملة الشعرية، وعلى صعيد تركيب القصيدة، متصلاً بأسلوب ربط الموضوع بالغرض في خلال "حسن التخلص أو الانتقال". إما على صعيد صياغة الجملة الشعرية، فإن البحتري وهو يحذو حذو المطبوعين من القدماء كان في نظر النقاد القدماء: "أملح صنعة، وأحسن مذهباً في الكلام، يسلك منه دماثه وسهولة، مع أحكام الصنعة وقرب المآخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة"( ).
أما على صعيد تركيب موضوعات القصيدة، فيحمدون له حسن انتقاله من موضوع إلى غرض، من قبيل انتقاله بـ"حسن تخلص" من وصف بركة المتوكل إلى مدحه في خلال قوله( ):
كأنها حينَ لجتْ في تدفقها
يدُ الخليفةِ لمّا سالَ واديها

ويبدو أنه، لما كان طريق العرب في الخروج من الموضوع إلى الغرض مباشراً بأسلوب "دع ذا أو عد عن ذا" أو بالقطع المباشر، فقد كان البحتري يكثر من أسلوب القطع أو "الطفر" من قبيل قوله( ):
لولا الرجاء لمت من ألمِ الهوى
لكن قلبي بالرجاء موكلُ

إنَّ الرعية لم تَزل في سيرة
عمرية مذ ساسها المتوكلُ

وهذا يشير إلى عدم التأني في صنعة الشعر، أو تدبر النظر فيها طويلاً، إنما يصدر في شعره عن أول الطبع وقرب الفكرة، على نحو ما شاع عن القدماء، وهو معدود منهم لحسن تقليده لهم.
أما مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية في لغة شعر البحتري فمتصلة بطبع أدمن مدارسة الشعر القديم حتى خلقت الدربة فيه طبعاً شعرياً "ينتظم القول فيه انتظاماً، يتسق به أوله مع آخره، على ما ينسقه قائله.. فإذا كان الشعر على هذا المنال سبق السامع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، وربما سبق إلى إتمام مصراع منه إتماماً، يوجبه تأسيس الشعر. كقول البحتري:
سلبوا البيضَ قبرها فأقاموا
لظباها التأويلَ والتنزيلا

فإذا حاربوا أذلوا عزيزاً

فيقتضي هذا المصراع أن يكون تمامه: "وإذا سالموا أعزوا ذليلا".
وكقوله:
أحلتْ دمي من غير جرمٍ وحرمت
بلا سببٍ يومَ اللقاءِ كلامي

فداؤك ما أبقيت مني فإنهُ
حشاشة صبٍّ في نحولِ عظامي

صلي مغرماً قد واتر الشوق دمعهُ
سجامٌ على الخدينِ بعد سجامِِ

فليس الذي حللته بمحلل

يقتضي أن يكون تمامه: "وليس الذي حرمته بحرام"( ).
مشاكلة اللفظ للمعنى واقتضائهما للقافية، معبرة عن نية المتكلم في إيضاح المعنى للمتلقي، والكشف عن تجربته الشعرية في خلال تجربة في صياغة لغة شعر، صياغة يظهر معها ما يمكن أن يتوقعه المتلقي، وفي هذا حرص على الوضوح، لا من جهة ما يتوقعه المتلقي مما كان متواضعاً عليه، إنما في صياغة التعبير الشعري ذاته، لأن صياغة صدر البيت تؤدي إلى تمامه.
وهذا الأسلوب الشعري جعل القدماء يرون فيه أي أسلوب شعر البحري "علماً على السلاسة في التعبير، وقرب المنال واستخدام الصنعة استخداماً، لا يبلغ أن تكون فيه قناعاً، يخفي وراءه المعنى ويستتر خلفه الغرض، كما كان يحدث لشعر أبي تمام أحياناً"( ).
وقد كان البحتري في أسلوبه الشعري هذا منطلقاً من مقومات عمود الشعر القديم كما صارت إليه بوصفها قاعدة في العرف النقدي، فكان اتصاله بالاتجاه التقليدي منها في حين كان أبو تمام منطلقاً من المقومات التي أسست لعمود الشعر لا من جهة ما صارت إليه قاعدة بل من جهة ما صيرها إليه قاعدة ألا وهو القيمة الفنية أو المنحى الجمالي فيها، ذلك الذي وصله القدماء، وهو ما لا يجب الوقوف عليه والبقاء على تقليده إنما الانطلاق من خلاله إلى ما هو جديد يميز هذا المحدث كما عند أبي تمام من ذلك القديم، وفي هذا حقق أبو تمام مذهباً كان فيه أولاً وإماما( ً). في حين ظل البحتري، على مذهب الأوائل( ). حتى إذا جئت إلى أبرز مقومات الشعرية وجدت القدماء لا يكادون يذكرون استعارة سيئة للبحتري خرج فيها على عرف القدماء في أسلوب الاستعارة في حين كانت أبرز ميزة رأوا أبا تمام فيها خارجاً على عمود الشعر القديم هي توخيه الاستعارة البعيدة الغامضة عندهم. أما البحتري فلا يذكرون له في الاستعارة إلا ما كان في باب الجودة الحسنة كما في قوله( ):
يذكرنا ريا الأحبة كلما
تنفس في جنح من الليل باردِ

أو في قوله يصف الخيال( ):
إذا نزعته من يدي انتباهة
عددت حبيباً راح مني أو غدا

أو في قوله( ):
وإذا دجت أقلامهُ ثم انتحت
برقت مصابيح الدجى في كتبه

أو في قوله أيضاً( ):
وكنت إذا استبْطأتُ ودّك زرته
بتفويف شعْرٍ كالرداء المحبَّرِ

هذا النمط من الاستعارة تدل القرينة فيه، على إيضاح المعنى فلا يحدث ما يشكل المعنى على المتلقي، وهو أمر متصل بالنظر العقلي لمفهوم الاستعارة، لأن سبيلها –كما يذكر الجرجاني-" سبيل الكلام المحذوف في أنك إذا رجعت إلى أصله، وجدت قائله، وهو يثبت أمراً عقلياً صحيحاً، ويدعي دعوى لها ستخ في العقل"( ) أي أن المستعير "لا يقصد إلى إثبات اللفظة المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك، فلا يكون مخبره على خلاف خبره"( ) ولكن أبا تمام في بعض استعاراته لم يلتزم هذا الفهم المستوحى من ما هو شائع في أسلوب الاستعارة في الشعر القديم.ومن ذلك نخلص إلى أن البحتري كان ملتزماً بسنن القدماء في قول الشعر (عمود الشعر) ولم يكن أبو تمام من سابقي البحتري على نحو خاص خارجاً على تلك السنن، إنما كان البحتري ملتزماً بها من جهة التقليد أما أبو تمام فكان التزامه إلى نية التجديد أو التحديث. أي أن التزام البحتري اتصل بما يحقق لتجربته الشعرية، وضوحاً في المعاني احتكاماً إلى قبول العقل الصحيح والفهم الثاقب لها، وجزالة في اللفظ والتركيب تتحقق بهما الاستقامة انطلاقاً من طبع صقلته الرواية والاستعمال. وحرصاً على إصابة مقومات الموصوف شعراً بما يضمن عدم تجاوز واقعية الموصوف، وتقليدية فهم الآخرين له للدلالة على ذكاء الشاعر وحسن تميزه. ودقة في توخي المقاربة أو التناسب بين المشبه والمشبه به أو بين المستعار له والمستعار منه، احتكاماً إلى فطنة متقدة، وذهنية متحركة وحسن تقدير والدربة ودوام الممارسة في كل هذه المقومات يحقق للغة الشعر مشاكلة تعبيرية بين اللفظ والمعنى، وانسجاماً عقلياً لبنية القصيدة وتخيّل المتلقي فيه إلى ما كان متفقاً عليه من مفهوم الانسجام والمشاكلة في الشعر السابق. وهذا التزام تقليدي يتحرك فيه الشاعر ضمن الحدود والقواعد التي سنها الشعر السابق. وهذا أمر يتفق تماماً مع المفهوم النقدي للتعبير الشعري الذي يصل الطبع والفطرة بالشعر بعيداً عن الغموض أو طول التأمل، فيما يصل الحكمة والتدبر بالنثر صناعة، على أن الشعر في هذا الفهم قريب من النثر بل قرأ بعض القدماء الشعر إثر إعادة صياغته نثراً كما فعل أبو هلال في الصناعتين.
أما أبو تمام فقد كان ملتزماً بتلك السنن في قول الشعر على نية الجديد، وقصد المغايرة أو الحداثة، انطلاقاً من تصور إبداعي لروحية القديم التي انفتح عبرها تعبيره الشعري على مقومات خاصة به أراد لها أن تميز أسلوبه الشعري، بوصفها إبداعاً أراد لها اللاحقون أن تكون قاعدة يبدعون ضمن حدودها، وأراد لها بعض اللاحقين من أمثال أبي تمام أن تكون إيحاءاً بتعبير شعري صادر عن تفرد الذات الشاعرة بامتلاك أداتها للتعبير ضمن القاعدة التي لا تحول دون التجديد من جهة استيعابها لرؤيا التعبير الشعري، وقدرتها على الكشف الفني، والتأثير الجمالي، وفي هذا الحال فعلى الناقد أن يكشف عن طاقات الشعر الإبداعية، من جهة قدرة ذلك الشعر على الانسجام أو التلاؤم مع جديد الأفكار السائدة، في زمان ومكان محددين، ومع ما تطمح إليه تلك الأفكار أو الرؤى بوصفها نابعة عن أوضاع إنسانية وحاجات مخصوصة وآمال متجددة، وهنا يكون سعي الناقد نحو قدرة الشعر الإبداعية على التعبير عما تكمن فيه، وليس نحو مرجعية ذلك الشعر المتصلة بخصوصية المنجز الشعري السابق له، للوقوف على حدود التزامه بتلك المرجعية وخروجه عنها، لأن الشعر لغة مجاز أو لغة استعارية أي أنه بالضرورة لغة تغيير وتحديث لصدورها عن الذات الإنسانية العاملة في التغيير والباعثة على التحديث، كونها تسعى لاكتشاف ما هو جديد.


***
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:51 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب