منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن كتب اللغة

مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مقولات في النجاح seifellah منتدى علم النفس وتطوير الذات 4 2016-02-03 11:58 AM
بالفيديو.. التحرش الجنسي بليلى علوي ويسرا في مظاهرات التحرير Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2012-11-28 06:37 PM
مقولات مضحكة belli منتدى العام 9 2011-05-14 07:05 PM
مقولات النجاح majid منتدى العام 5 2011-05-11 09:13 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق


د. رحمن غركَان












مقومات عمود الشعر
الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق












من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2004







إهــداء



إلى: تقى رحمن
طفولة أعوام هي في الروح عمود الشعر الحقيقي
إلى: ناهضة ستار: امرأة من طراز قلبي...
إلى: د. حمزة فاضل يوسف
ناقداً لاذعاً في الالتزام بعمود المحبة لله والناس.


رحمن غركان


***






المقدمة


اهتم الإنسان العربي بالشعر بوصفه جزءاً من بنية وعيه، ورافداً رئيساً من روافد تفكيره، وباعثاً لافتاً للنظر من بواعث حضوره الوجداني، يصدر عنه في التعبير عن مكنون ذاته أو انتمائه العاطفي أو الإنساني. ويرجع إليه في إثبات وجوده، وإعلان تمسكه بما ينتمي إليه، وإقامة ما ليس قائماً في الحياة أمامه، لأنه يعد الشعر قولاً لازماً للفعل، ومعبراً عنه أصالة، ومن هنا فجرح القول أقسى من جرح الفعل.
فقول الشعر عند العرب فطرة فيهم، تكشف فنياً عن طبع أصيل في امتلاك ناصية القول الشعري، وحس مرهف في إقامة بنائه الفني، وذوق رفيع في تلمس مظان تأثيره في المتلقي كما تكشف موضوعياً عن وعي وعقل راجح في التعبير عن حضور الفرد الشاعر في لغة الجماعة انطلاقاً من لغته، وفي الوعي الجمعي صدوراً عن حدس فني صادق، وإحساس مرهف بانتماء الأشياء أو الموجودات إلى أصولها.
وانطلاقاً من هذه الأهمية، وتأسيساً عليها، كان لابد أن تترسخ مع امتداد تجربة قول الشعر وعمقها ـ قيم وتقاليد وأعراف، موضوعية حيناً وفنية أحياناً أخرى، مشكلة على نحو من الأنحاء طريقة قول الشعر وكاشفة عنها، وذلك التشكيل وهذا الكشف هما اللذان أسّسا أصول عمود الشعر العربي ومعاييره بوصفه تعبيراً عن طريقة العرب في قول الشعر.
ولما كان الشعر بوصفه الفني يصدر عن قيم الشعرية ومفاهيمها في آن معاً، تلك القيم المتصلة بالطاقة الإبداعية المتفردة، وما يمتلكه الكلام من جرائها من قدرة في البناء المجازي وتلك المفاهيم التي تؤشر الأصول الدالة على قول الشعر، أو تتعرف بالقوانين العامة المنظمة لإبداعه فقد صارت الشعرية بما تتوفر عليه من أصول ومقومات العمق الجمالي الذي صار إليه عمود الشعر العربي. والشعرية بوصفها الجمالي تتحقق في النص الشعري الكاشف عنها، متى توفر ذلك النص الشعري على خصائص أداء أسلوبي تميزه من سواه فنياً، ويكتسب من آثارها حساً جمالياً.
من هنا فقد كان البحث في مقومات عمود الشعر العربي، تلك التي تشكل في النص بنياته الأسلوبية، باعثاً أولياً في ولوج دائرة هذا الموضوع، الذي أخذ التنظير فيه الجزء الغالب أولاً ثم الانعكاسات التطبيقية لذلك الوعي التنظيري ثانياً.
وقد توزعت خطة البحث على خمسة فصول، متصفة بتسلسل منطقي واضح بحكم طبيعة الموضوع، وهكذا كان الفصل الأول قراءة في مقومات الشعرية العربية تمهيداً لقراءة مقومات عمود الشعر التي كان فصلها الثاني قراءة في الأصول. أما الثالث فكان قراءة في النظرية، والرابع في المقومات الأسلوبية للنظرية فيما كان الخامس قراءة في انعكاساتها التطبيقية.
أما مبررات سير خطة البحث على هذا النحو، فمتصلة بما توفر عليه كل جزء من جزئيات الخطة على نحو من التسلسل التكميلي الذي يكمل فيه الفصل صورة ما سبقه وهكذا في المباحث ولهذا جاء الفصل الأول في دراسة مقومات الشعرية العربية انطلاقاً من عدم النظر التجريدي بالانطلاق من الوعي إلى النص. وعدم الخلط بين شعرية الإبداع (الشعرية في النص) وشعرية التلقي (الشعرية في القراءة) ثم قسّم الباحث مقومات الشعرية العربية على قسمين: أولهما: الأصول وثانيها: العناصر، أما الأصول فصادرة عن خصوصية اللغة وخصوصية البيئة ثم خصوصية الثقافة. فيما تشمل العناصر، البيئات الإيقاعية والنحوية والمعيارية والانزياح وفعل الواقع والفاعلية، وقد وفر هذا مهاداً نظرياً لدراسة مقومات عمود الشعر.
وقد توفر الفصل الثاني على دراسة أصول عمود الشعر، كما تمثلت في النقد التسجيلي عند الأصمعي وابن سلام وابن قتيبة. ثم في التنظير النقدي كما تمثلت عند ابن المعتز وابن طباطبا العلوي وقدامة بن جعفر في نقد الشعر. ثم في التطبيق النقدي (النقد التطبيقي) عل نحو ما أسس له الآمدي في موازنته بين أبي تمام والبحتري، ثم جاء عبد العزيز الجرجاني في وساطته بين المتنبي وخصومه، إذ أكمل ما قال به الآمدي في تأسيس مصطلح (عمود الشعر) وقد قال بمقوماته الرئيسية التي بنى عليها المرزوقي مقدمته النقدية.

أما الفصل الثالث فقد انصب على دراسة النظرية في ثلاثة مباحث، اشتمل المبحث الأول على دراسة نظرية عمود الشعر عند المرزوقي عبر قراءة مقوماتها السبعة التي أسس لها النقد السابق وقال بها عبد العزيز الجرجاني. فيما اشتمل المبحث الثاني على دراسة نظرية (عمود الشعر السامي) كما قال بها كاسيوس لونجينوس، وصولاً لتحديد ملامح التقارب بين مقومات عمود الشعر العربي عند المرزوقي ومقومات عمود الشعر السامي عند لونجينوس. وقد توفر المبحث الثالث على دراسة نظرية عمود الشعر الآري (الغربي) كما قال بها أرسطو من قبل ثم ما نص عليه دونالد استوفر ـ انطلاقاً من أرسطو ـ في كتابه (طبيعة الشعر) إذ حدد مقومات عمود الشعر الغربي بـ(سبعة عناصر) أيضاً، وصولاً لتحديد ما يميز (عمود الشعر العربي) بمقوماته السبعة من (عمود الشعر الغربي) بمقوماته السبعة أيضاً، لتأثير ما يتصف به عمود الشعر العربي من خصوصية، أما الفصل الرابع فقد اختص بدراسة مقومات عمود الشعر الأسلوبي، في خلال ثلاثة مباحث، درس المبحث الأول المقوم الصوتي في عمود الشعر الذي اشتمل على: التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. تم مشالكة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. فيما درس المبحث الثاني المقوم اللغوي أو المستوى التركيبي في عمود الشعر الذي اشتمل على: جزالة اللفظ واستقامته، وشرف المعنى وصحته، وقد درس المبحث الثالث المقوم البلاغي أو المستوى الدلالي الذي اشتمل على: الإصابة في الوصف، ثم المقاربة في التشبيه، ثم مناسبة المستعار منه للمستعار له.
أما الفصل الخامس والأخير فقد توفر على دراسة تطبيقية لنظرية عمود الشعر عند خمسة من الشعراء العباسيين المحدثين وهم بشار بن برد، ثم الحسن بن هاني (أبي نواس) ثم مسلم بن الوليد (صريع الغواني) ثم حبيب بن أوس الطائي (أبي تمام) ثم الوليد بن عبيد الطائي (البحتري) وقد اتصل اختيار هؤلاء الشعراء الخمسة بالخصوصية الفنية لشعر كل منهم، تلك التي جعلت النقاد القدماء يعدونه موافقاً في أسلوبه الشعري لعمود الشعر العربي حيناً وغير ملتزم بسنن الأقدمين حيناً آخر. فضلاً على أن هؤلاء الشعراء عاصروا النقد الشعري الذي أسس لمقومات عمود الشعر.
وقد انطلق البحث من مصادر النقد العربي القديم، بدأ "من فحولة الشعراء للأصمعي ثم طبقات ابن سلام، ثم الشعر والشعراء لابن قتيبة، ثم طبقات ابن المعتز وبديعه، ثم عيار الشعر لابن طباطبا، ثم نقد الشعر لقدامة بن جعفر، ثم موازنة الآمدي، ثم وساطة عبد العزيز الجرجاني، ثم مقدمة المرزوقي لشرح ديوان الحماسة ثم كتاب (السامي) لـ(كاسيوس لونجينوس) كما استعان البحث بمراجع من النقد العربي الحديث أبرزها: شرح المقدمة الأدبية لشرح الإمام المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمام للأستاذ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، ثم الأسس الجمالية في النقد العربي للدكتور عز الدين إسماعيل، ونظرية النقد العربي وتطورها إلى عصرنا للدكتور محيي الدين صبحي، ثم قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم للدكتور وليد قصاب.
أما بعد فلست أزعم أن هذا البحث قد أحاط بكل ما يتصل بمقومات عمود الشعر الأسلوبية في جانبيها: التنظيري ثم التطبيقي، لسعة القول في هذين الجانبين وشموله فضلاً عن أن منهج البحث وخطة الدراسة قد حددتا الباحث فهو يبحث في ضوئهما، وربما عبرت سائر موضوعات البحث عن وجهة نظر الباحث حيناً، وما يرجع إليه أو يصدر عنه مما قال به الباحثون السابقون أحياناً أخرى، وما استطاع أن يقف عنده الباحث، على وفق ما تهيأ له من جهد ومصادر، وما رافق كل ذلك من ظروف، فإن أصاب البحث توفيقاً في الوصول إلى حقيقة ما، فمرده إلى توفيق الله سبحانه وإحسان من سبقني إلى القول في هذا الموضوع، ثم محاولة الباحث في أن يجتهد. وقد عمل الباحث جهد استطاعته في أن يعتمد النصوص من مظانها كما وردت من دونما تغيير وبخاصة الشعري منها وإن تعددت رواياته.
واختتم عجالة هذه المقدمة بكلمة شكر ومحبة وتقدير للدكتور أحمد مطلوب والدكتور عناد غزوان والدكتور ماهر مهدي هلال، لما أبدوه من جميل نصح وتوجيه عند اتصال الباحث بهم لتدارس صورة هذه الدراسة في خطوطها العامة والحمد لله أولاً وأخيراً.
الدكتور
رحمن غركان
***






الفصل الأول:

مقومات الشعرية العربية


مقومات الشعرية العربية:
على الرغم من كثرة التناول الذي اكتنف موضوع "الشعرية" في الدرس النقدي المعاصر إلا أن الناظر في هذه الكثرة، لا يجد للشعرية العربية مكاناً يحتفي بخصوصيتها، إذ غالباً ما يقع الحديث عنها في سياق الشعرية بوصفها عطاءً نظرياً، حاملاً مخاطر لم ينته إليها الدارسون، مما أوقع الدرس النقدي ـ في هذا الباب ـ في عمومية وانعدام دقة أفضيا بها إلى مهاوي التخليط والدعاوى العريضة المشكوك في مصداقيتها. فإذا كانت الشعرية العربية عنواناً لأكثر من بحث، فإن مضامين تلك البحوث، لم تخرج بما يمثل خصوصية لهذه الشعرية، وبقيت ـ بقصد أحياناً ـ تحت هيمنة المخاطر الخفية التي لم ينج منها، ما كتب في هذا الباب إلا القليل.





المبحث الأول:
مخاطر البحث في الشعرية العربية


إنَّ البحث في مقومات الشعرية العربية، يواجَهُ بمخاطر عديدة، وتجنباً لما وقع فيه الآخرون، من خلال البحث عن أصول هذه الشعرية، وتمييز عناصرها الخاصة، حتى تنطبق الصفة على موصوفها، ويمكن أن نسجل في هذا المنحى ثلاثة مخاطر، جرَّت على دارسي الشعرية العربية كثيراً من الالتباس، أو تعميم الخاص، أو عدم القابلية على التطبيق الفعلي الناجح على المنتج الإبداعي العربي، مما حدا بالدارسين إلى معايير ليست بالصحيحة وأحكام أقرب إلى الذائقة الفردية غير المسوغة، والتأمل الذهني الخالص.
1ـ التجريد النظري الخالص:
وهذا الأمر هو ما يقع فيه بعض دارسي الشعرية العربية، نتيجة التنظير غير المستند إلى واقع النص. حيث أن غلبة الفكر الغربي المترجم في هذا الباب أدت بالدارسين إلى محاولة مجاراة هذا الفكر، من خلال تطبيق افتراضاته النقدية وبناه الفلسفية على النص العربي، ومحاكمة الفكر النقدي العربي قياساً إلى ذلك الفكر، ومكمن الخطر في هذه المحاولة هو سيطرة المقولات الفكرية والنقدية الغربية على الدارس، ووقوعه تحت أسْرها، مما يقود إلى عدم الانتباه إلى خصوصية هذه المقولات، وانطباق افتراضاتها على النص الغربي فحسب. لأن تطبيقها يلغي خصيصة ماثلة في النص الشعري، وتعميمها عليه يؤدي إلى النتيجة نفسها. ذلك أن خصوصية اللغة التي يقال بها ذلك النص، تبقى هي الخصيصة الماثلة. ويمكن ملاحظة أن الاستلاب الذي يعانيه التنظير في الشعرية العربية، يجعل من مقولات هذا التنظير، إما رجع صدى للآخر الغريب، أو انشاءً غائماً يطالب بما لا وجود له، معتمداً على لغة مثيرة في دعاواها، وبناءً تلفيقياً يسعى إلى عقد مصالحة غير منطقية، بين لغة النص وفكر الآخر، الأمر الذي يجعل من الشعرية العربية، صورة هشة مشوهة من الشعرية الغربية، وهو ما أثبت النص العربي ـ قديماً وحديثاً ـ عدم صحته، وقلة جدواه بل وخطره.
إن منعم النظر في تنظير، أدونيس، وكمال أبو ديب، ومحمد الأسعد وغيرهم من الدارسين أو النقاد، يجد ضبابية الرؤية واضحة في مقولاتهم، لأنها تخضع لمقولات فكرية واتجاهات ذات أحكام قبلية أكثر من خضوعها الواجب لمعطيات النص، فليس هناك استقراء علمي لماهية الشعرية العربية في النص الشعري العربي، بل تطبيق متعسف انتقائي لمقولات جاهزة عن مفهومات الشعرية. يجد هؤلاء صدى لها في نصوص بعينها، فيعممون الخاص/ الشاذ، جاعلين منه قاعدة واجبة التقليد، متجاهلين واقع النص، غير مفسرين قدرته على البث والدوام، أو أسراره الفنية التي جعلته مقبولاً لدى المتلقين ـ على اختلاف مشاربهم ـ هذه المدة الطويلة. فمفهومات مثل: "الاستعارة، الفجوة، تثوير اللغة، الخ." بقيت عائمة في الوعي النقدي لهؤلاء الدارسين، ولم تجد قرارها على الرغم من وجاهة بعضها، وذلك عائد إلى إيمانهم بأحاديّة العنصر الفاعل في النص، وإهمالهم العناصر الأخرى، ولعل وقوف، د. صلاح فضل أمام قول ذي الرمة الخالي من الاستعارة أو عناصر الشعرية كما يطرحها هؤلاء الدارسون يؤكد ما ذهبنا إليه لأن النص ممتلئ بالشعرية، على خلوه من عناصرها المزعومة!!( )
وخلاصة القول في هذا الأمر، أن النظر التجريدي الخالص مهما كانت براعته الثقافية وعمقه الفلسفي، لا يمكن أن يفسر ـ وحده ـ الشعرية العربية، ما لم تدعمه النصوص الشعرية بعمومها، وما لم ينطلق من وعي خاص، بأن لهذه الشعرية خصائص وعناصر ليس من الواجب أبداً، أن تتطابق مع خصائص الشعرية الغربية وعناصرها.
2ـ الخلط بين شعرية النص وشعرية التلقي:
وهذا الأمر هو ما قد دعت إليه الحاجة، للتقارب مع الفعل النقدي المعاصر في الغرب، فمحاولة الدارسين العرب تجاوز مراحل التطور بترتيبها الطبيعي وملاحقة الحلقة الأحدث في هذا الترتيب جعلهم يغفلون إشباع الحلقة السابقة عليها درساً مما يتيح انتقالاً طبيعياً إلى ما بعدها. ففي حين كانت مفهومات الشعرية في طور التأسيس ـ عربياً ـ ظهرت نظرية التلقي في الغرب، مما دعا الدارسين إلى إهمال ما في أيديهم، وتلقف القادم الجديد، الأمر الذي أضاع الأمرين على هؤلاء. فظهر خطر الخلط في الدرس النقدي بين شعرية النص "الرسالة" وشعرية المتلقي "المرسل إليه"، ومكمن هذا الخلط في إمكان فرض معطيات القارئ ، الناقد المعاصر على النص القديم فرضاً يتجاوز حدود المعقول، ويعيد تشكل عناصر النص تشكلاً اعتباطياً، يفقده صلته اللازمة بقائله ومحيطه وبالإرث الثقافي ـ الغني الذي ينتمي إليه.
كما أن هذا الخلط يفقد الشعرية عناصرها العامة التي يمكن بناء النظرية النقدية على أسسها، فهو باعتماده تقنية القراءة الحرة المنتجة يسمح للناقد أن يضفي رؤاه الخاصة على نص رديء ليجعل منه بالقراءة نصاً مبدعاً، بحجة إكمال النص من قبل القارئ، وفي هذا إضاعة للتميز الأسلوبي الذي يضمن للنص ديمومته، إذ بإمكان قارئ مثقف أن يحول الإشارات الفلسفية التي يستخدمها شاعر مغمور في العصر العباسي استخداماً ساذجاً متثاقفاً، إلى نظرية فلسفية عميقة ويجد لها من المسوغات ما يبدو مقنعاً في قراءته لها في النص. ولعل قراءة مصطفى ناصف لقول أبي تمام( ):
رقيقُ حَواشي الحلمِ، لو أنّ حُلْمَهُ
بِكَفيك ما مَارَيتَ في أنّهُ بردُ

تمثل أنموذجاً على هذا الخطر. ولقد كانت نتائج هذا الخلط غاية في الخطورة عندما صار اتهام النقاد القدامى بالفشل أو قلة الوعي أمراً واجباً ليكون الناقد محدثاً!! وقاد هذا الاتهام إلى إضاعة خصوصية النص الشعري العربي في موج مقولات غريبة، ودعاوى تصلح لكل شيء إلا لهذا النص!
3ـ عصرنة الوعي القسرية:
هذا أمر عائد في جذوره إلى حرية القراءة والتأويل، فقد صار بعض الدارسين ـ خشية اتهامهم بالانقطاع المعرفي عن التراث ـ يسعون إلى تقويل التراث ما يريدون، والبناء على هذا التقويل. وهذا النمط التأويلي في قراءة الوعي التراثي، قاد إلى ظهور دعوات غاية في الغرابة، ومصطلحات حديثة عند النقاد. والحق أن وعي نقادنا القدماء كان عالياً، ومتساوقاً مع خصوصية لغتهم ونصها الشعري، وهو ليست به حاجة إلى "عصرنة" مفتعلة ليكون حقيقاً بالدرس. ولكن الدارسين المحدثين، ومن دون معرفة بخصوصية التعبير النقدي العربي ومصطلحاته الفنية، قادوا هذه الرؤى الفنية في النقد إلى ما يناسب مفهوماتهم. وعالجوا نصوصها بما يكرس أطروحاتهم الفكرية والنقدية، وصار يسيراً، أن يؤمن الصولي بـ"شعرية الكتابة" ولا يؤمن بـ"شعرية الشفاهية" وصار مبحث التخييل عند الجرجاني، باباً للحديث عن "استعارية اللغة" وصار أبو تمام "مثوراً" للغة، وخارجاً على جمودها المزعوم!!( )
هذا المنحى وغيره من الدعاوى التي تحفل بها دراسات الشعرية المعاصرة، قادت النص القديم إلى عصرها قسراً، بالتدليس حيناً، وبالاجتزاء المخل حيناً آخر، وبالتقويل غير المسوغ، ومكمن هذا الخطر هو في التناول المغري، ـ بإظهار عبقرية نقادنا وعصريتهم! ـ وهو أيضاً فيما يؤسس على هذا التناول حيث يهوي المتنبي إلى مرتبة أقل من نثر أمين نخلة( ) ويقوم رديء أبي تمام مقام معجزات النص العربي، ويعاد النظر إلي الصولي على أنه فائق في وعيه متجاوز لعصره، ويحط من شأن الآمدي لأنه متخلف في الدرس الفلسفي المعاصر( ).
ولعل في ملاحظة الجانب التطبيقي لهذه الدراسات ما يكشف عن ضعف مقولاتها "فالرؤى المقنعة" عند كمال أبي ديب "تعصرن" النص الجاهلي عبر جدلية: المشبق والوجود( )، ويطبق عبد الله الغذامي دعاوى أحدث المدارس النقدية على شاعر مغمور ليس له من سمة أسلوبية سوى تقليده للنصوص الشائعة( )، ولا يجد محمد الأسعد في تطبيقه سوى عبد الكريم كاصد ممثلاً للغة الشعرية الحقيقية( ).
لا شك في أن الملاحظات الثلاث التي سبق إجمالها، تحتاج إلى تفصيل طويل ليس هذا موضعه، ولكننا أردنا بعرضنا لها تـأسيس مهاد نظري صحيح لما يليها، لأن محاولة استجلاء مقومات الشعرية العربية، تقتضي محاورة من عرض لها، وتبيان مقولاته، وهو أمر يستلزم بحثاً قائماً برأسه، ولكننا اكتفينا بعرض المخاطر التي اشتركت فيها دراسات الشعرية العربية، لأنها ـ في ما يبدو لنا ـ سبب عدم استطاعة هذه الدراسات تأسيساً حقيقياً لموضوعها، واتخاذها منهجاً انتقائياً فرض على مباحثها كثيراً من التخليط والعمومية وعدم الدقة، وأدى بأحكامها وإجراءاتها للسقوط في مهاوي الذوق الخاص غير الخاضع للتفسير العلمي.
بعد هذا العرض الموجز، لخطر النظر التجريدي، وما كان من وقوع المحدثين فيه، من خلال الانطلاق من الوعي إلى النص، ومحاكمة الشعرية العربية بالقياس إلى الشعرية الغربية، أو النظرية النقدية الغربية، كما نقرأ عند: أدونيس وكمال أبو ديب ومحمد الأسعد وغيرهم، ثم ما كان من خلط لدى بعض النقاد المعاصرين بين شعرية الإبداع (الشعرية في النص) وشعرية التلقي (الشعرية في القراءة) وإضفاء الوعي النقدي على مقومات الشعرية الواجب اكتناهها من الموروث الشعري العربي أولاً، ثم استجلاء وعي النقاد العرب القدماء بها، ومحاكمتهم إياها قياساً إلى واقعها النصي وليس العكس. ثم ما كان من خطر عصرنة الوعي القسرية، تلك العصرنة الصادرة عن المبالغة في حرية القراءة والتأويل.
بعد هذا كله، لابد من قراءة مقومات الشعرية العربية، على نحو موجز أيضاً، بدءاً من أصولها في خلال: خصوصية اللغة ثم خصوصية الوعي بتلك اللغة، وخصوصية البناء وتفرد أساليبه الإيقاعية، ثم خصوصية البيئة في خلال: انفتاح الأفق البيئي ونمطية الحياة وسكونيتها، وما كان من صراع أدى إلى فهم الوعي بالواقع فهماً خاصاً، ثم خصوصية الثقافة الشعرية عند العرب، إشارة لقدم تراثهم الشعري، وما تأسس عليه من شعور بالتفرد وما رافقت ذلك التراث عبر مسيرته من ملامح توحي بالبدائية الصادرة عن سمات الانعزال المكاني، إذ تشكل هذه كلها أصول مقومات الشعرية العربية أما العناصر التي تنبني عليها تلك المقومات، فأولها متصل بالبنية الإيقاعية بما تشتمل عليه من وزن وقافية وتوازنات صوتية فنية، وغيرها. ثم ما يتصل بالبنية النحوية بما تشير إليه خصائص القواعد النحوية القياسية ومديات الخروج عنها، والتعقيد الناتج عن ذلك الخروج، بالقياس إلى الأنموذج القياسي في تركيب الجملة الشعرية، ثم ما يتصل بالواقع الموصوف شعراً، وما يتصف به ذلك الواقع من سمات تعبيرية، من قبيل، تثبيت الواقع، وعدم الحاجة إلى التجريد، ووهم الحسية، وفلسفة الوجود، ثم بنية الانزياح، بما تشتمل عليه من دلالة على تفرد الشاعر وما قد تتوفر عليه من إشارات إلى خصوصية المعنى، لم يكن النظر النقدي فيها أو إليها دقيقاً إذ لم يعط الشكل الفني خصوصية أسلوبية إنما كان معنياً كثيراً بالمحتوى المضموني فكان أن صار إلى الاتهام بالسرقة، وهو ما شاع في كتب النقد، التسجيلية منها والتطبيقية ثم السمات أو الخصائص الأسلوبية لأدوات ذلك الانزياح، كما تستعرضها لغة النص الشعري، ثم هناك فاعلية النص الشعري، بما تتوفر عليه من فعل وظيفي، واشتراطات جمالية. وخصوصية المقاربة النقدية في الشعر بين الدين والأخلاق، بما يشير إلى وظيفية التعبير الشعري بشكل أو بآخر. ثم ما كان من مظاهر التأسيس النقدي النفعي. ثم هناك الاتجاه المعياري. أي المعيارية الصادرة عن هيمنة الأنموذج أو طبقية المعاني كما فصل فيها قدامة بن جعفر في "نقد الشعر"( ). أو البناء السياقي المحدد الذي يجري في خلاله الخطاب الشعري ثم ما تتضمنه أو توحي به فلسفة البيت الواحد من خصوصية معيارية.
ويمكن إيجاز مقومات الشعرية العربية، من جهتي: الأصول والعناصر في الشكل المبين دناه:
مقومات الشعرية العربية


الأصول العناصر

أ ـ خصوصية اللغة الإيقاع
وزن + قافية + توازنات...
(1) خصوصية إيقاعية النحوية قاعدة + خروج + تعقيد...

(2) خصوصية بنائية الواقع
ثبوت واقع + عدم تجريد...
(3) خصوصية وعي باللغة الانزياح تفرد + سرقة + عدم تماثل...

ب ـ خصوصية البيئة الفاعلية
وظيفة + جمال + أخلاق...
(1) انفتاح أفق المعيارية أنموذج + سياق + بيت واحد.

(2) نمطية الحياة
(3) سكونيتها
(4) الصراع
جـ ـ خصوصية الثقافة

(1) قدم التراث/ إحساس تفرد
(2) بدائية/ انعزال
من الأصول التي تصدر عنها الشعرية العربية، خصوصية اللغة الشعرية العربية في خلال الوعي بها ثم في خلال خصوصية البناء الفني بها ثم في خصوصية بنيتها الإيقاعية.
يبدو أن الوعي باللغة يكشف عن رغبة في أن تؤدي اللغة دور إعادة صياغة الواقع ليس على نحو مجازي بقدر ما يكون حقيقياً أو تخييلياً بقرائن تصله بالحقائق، وهو ما يكشفه ميلهم إلى التشبيه المتناسب والوصف المتقارب مقدمين الشاعر الذي يعنى بهذا الاتجاه، ومن هنا كانت هناك حيثيات تتصل بمقومات الشعرية العربية، وتشير إليها على صعيدي المعنى واللغة التي تعبر عنه أو ترسمه يمكن إجمالها في اتجاهين رئيسين هما:
الأول : متصل بالنظر إلى الشعر كونه أنساقاً لغوية تؤديها الأشكال التعبيرية المتنوعة التي تتمثل الفعل بواسطة القول، فهي تقول ما يساوي الفعل، لهذا السبب كان الشاعر ينطلق في تعبيره الشعري من الواقع إلى اللغة بحرية اختياره التعبيري، ولكن الشاعر الإسلامي الذي أخذ بتقليده حين انطلق من اللغة على الواقع صار مقيداً بالتقليد من جهة ومحدداً أكثر بحدود اللغة لا بحدود الواقع اللامتناهية، وهذا يعني أن الوعي باللغة عند الشاعر الجاهلي كان أكثر حرية وانفتاحاً من وعي الشاعر اللاحق بشكل أو بآخر، هذا من جهة تقليد الشاعر اللاحق، أما إذا نظر اللاحق إلى مبدأ الوعي باللغة عند السابق فسيتجاوزه مجدداً ومبدعاً، وهو ما صار إليه المحدثون في العصر العباسي.
أما الثاني: فمتصل بالأول وباعث إليه ودال عليه كذلك، وهو ما يوحي به الجذر اللغوي لـ(ك. ل. م) حيث يفسر دلالات (كلم) أو الكلام البعد الحسي في الخطاب الشعري من جهة، ونظرهم إلى كون القول الشعري مساوياً لفعل اليد، يقال: كلم الرجل وكلمه أي جرحه، والكليم هو المجروح وهو المكلم ومنها الكلمة، وتسمى القصيدة والخطبة: كلمة. وهذا يشير إلى أن فعل الكلمة في النفس مساو لفعل الجرح في الجسد وكل هذا يوحي بالفعل الجمعي ويدل عليه، فقد أشار القلقشندي إلى أن "الكتابة في اللغة مصدر كتب.. ومعناها جمع، يقال: تكتبت القوم إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة... ومن ثم سمي الخط: كتابة، لجمع الحروف بعضها إلى بعض"( )، فالكلام ثم الكتابة متصلان بـ: المعنى/ القوة ومؤديان إلى: الواقع/ الفعل. ومن هذا كان الشعر الجاهلي، وأكثر منه شعر العصور التي تلته يدور حول الموضوع، وقليل منه يدور حول الذات، وما كان يدور حول الموضوع فقد اقترب من تحقيق الفعل أو أدى إليه بقوة المعنى، وعبر عن قوة الواقع المباشر المتصل بالجمع/ العرف. أما اتصاله بالذات فغالباً ما كان من جهة التهذيب والإمتاع لا من جهة الخصوصية الذاتية، وهذا ما يربطه بالمنحى النفعي/ الجماعي، وهو ما سيوجب فيه مطابقته لمقتضى الحال بيانياً، طبيعة هذا الوعي باللغة جعلته وعياً بنائياً يقترب من تحقيق الفعل بقوة المعنى من جهة ويشتمل على خصوصية إيقاعية، هي أصل فيه وهي عنصر من مقوماته من جهة أخرى.
وخصوصية اللغة متصلة بخصوصية البيئة وصادرة عنها، فكان طبيعياً في ضوء ما سبق ذكره أن تبرز هيمنة المنحى الحسي على الخطاب الشعري عندهم، فكان النظر إلي المعنى على أنه مادة قبلية جاهزة يكونها القائل/ الشاعر باللفظ، فتحسن أو تقبح، فصاروا ينظرون إلى الوزن على أنه قالب خارجي، وإن عدوا الإلمام به طبعاً، ويكون تطبعاً بالإلمام بتقنيات العروض، على أن هذا الإلمام إذا كان أصيلاً، صار طبعاً هو الآخر.
فكانوا بحكم خصوصية البيئة، أقرب إلى طلب المعاني المتسمة بالقوة، المتصلة بعنفوان الحياة، على صعيد السلوك، على حساب المعاني الذاتية الوجدانية، وهذا ما يفسر تقديم الموضوعي على الذاتي والجماعي على الفردي أي القوة على اللين، وفي ضوء هذا فقد قدّم مسلمة بن عبد الملك الفرزدق على جرير، لأن الفرزدق ـ عنده ـ يبني وجرير يهدم وليس يقوم مع الخراب شيء( )، وكذلك رأى الأصمعي في شعر ذي الرمة بأنه "حلو أول ما نسمعه، فإذا كثر إنشاده ضعف"( ) ثم وصلوا هذا بالباعث على قول الشعر، فمتى كان الباعث عليه من قبيل الحرب أو أشكال الصراع الأخرى، كان الشعر قوياً، ومتى اتصل الباعث على قوله بالسلام والدعة، ضعف ولان، وهذا ما يفسر قول أبي عمرو بن العلاء في لبيد فحين قال: "ما أحد أحب شعراً إلي من لبيد بن ربيعة، لذكره الله عز وجل، ولإسلامه، ولذكره الدين والخير، ولكن شعره/ رحى بذر"( ) وهذا يعني تفضيل شعر لبيد لصلاحه، لا لقوته الفنية، ولهذا المعنى كان لبيد عند الأصمعي (رجلاً صالحاً) أي أنه ليس يجيد الشعر، لأن شعره (كالطيلسان الطبري)( ) جيد في صنعه وليس له حلاوة.
ومن هذا الاتجاه ما كان من أخذ عبد الملك بن مروان بحكم القيمة الاجتماعية ـ الدينية لأنها عنده تمثل توصيف القوة على نحو مميز، فلم يرض مدح الرقيات له بقوله( ).
يَعْتَدِلُ التاجُ فوقَ مِفْرَقِهِ
على جَبينٍ كأنَّهُ الذّهَبُ

على حين كان معجباً بقول الرقيات نفسه في مصعب:
إنّما مُصْعَبٌ شهابٌ مِنَ اللـ
ـهِ تَجَلَّتْ عن وَجههِ الظّلماءُ

لأنَّهُ أحسَ في البيت الأول توصيف حالة عز وترف يتمتع بها الممدوح أما البيت الثاني فكان يشير إلى الفعل متضمناً معنى القوة المجسدة في القيمة الاجتماعية ـ الدينية.
ومن هذا حسد الفرزدق ليلى الاخيلية لقولها( ):
وَمُخرقٌ عنهُ القَميص تَخالُهُ
بينَ البيوتِ من الحياءِ سَقيمَا

حَتّى إذا بَرَزَ اللواء رأيتَهُ
تَحتَ اللواءِ على الخَميسِ زَعيمَا

كأنّهُ أحس في الأبيات قوة المعنى المتصلة بالتعبير عن قوة الفعل على صعيد الواقع المباشر تلك القوة المتمثلة في الضعيف الحيي المتحول إلى الزعامة أي أنموذج القوة.
ما سبق من خصوصية اللغة ثم خصوصية البيئة أفرد خصوصية ثقافية قائمة على تراث تداول الأجيال له أفرده بالقدم، واتساع بيئة المكان والزمان أمام ناظر الفرد العربي، قبالة بصيرته المتأملة ولاسيما البيئات الصحراوية بوصفها غالبة، أضمرت في دخيلة ذلك الفرد شعوراً بالتفرد الموحي بالانعزال والمتصف بالبدائية بشكل أو بآخر.
وهذه الميزة الثقافية لم تكن كبيرة في تأثيرها في الشعراء الجاهليين، وإن بدت بعض مظاهر في تأثر بعضهم بأساليب بعضهم الآخر مثل ما كان في اتباع امرئ القيس في بعض العناصر الفنية، لكن هذه الخصوصية الثقافية بعد الإسلام صارت أصلاً من أصول الشعرية العربية ومقوماً من مقوماتها، فكان المقوم التاريخي (الزمني) ممثلاً في بيئة العلماء اللغويين (علماء اللغة والنحو) الذين لم يستندوا في حكمهم النقدي إلى تمثل للقيم الفنية للقديم الجاهلي أو الحديث الإسلامي، أي أنهم لم يأخذوا الطبيعة المتغيرة لمفهوم الشعرية على صعيد التصور النقدي، وقبل ذلك على صعيد المعطى الشعري أي عند الشعراء قبل النقاد، من جيل لآخر لأن "محتوى مفهوم الشعر غير ثابت، وهو يتغير مع الزمن، إلا أن الوظيفة الشعرية (الشاعرية)... عنصر فريد لا يتغير مع الزمن، ولا يمكن اختزاله، بشكل ميكانيكي إلى عناصر أخرى"( ) لأن أهل اللغة والنحو نظروا في الشعر نقدياً في ضوء مقاييس مستوحاة من القاعدة النحوية أو اللغوية ذات الطبيعة القياسية وهي مستوحاة أو مأخوذة من ذلك النص الجاهلي فهو أصل في استنباط القاعدة اللغوية والنحوية وهو أصل كذلك ـ عندهم ـ في استنباط ما يقع في دائرة النظر النقدي الفني.
ثم إن أولئك الذين قالوا شعرهم فطرة لا صناعة وطبعاً لا تطبيعاً، أصل في إنتاج اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، تلك اللغة القرآنية التي لم يستطع العرب مجاراتها أو تقليدها كونها جزءاً من إعجازه الفني، وهذا الأمر ـ على الصعيد الثقافي ـ قد كشف بشكل أو بآخر عن أن في القرآن آفاقاً جديدة للشعر لم تكن لها حدود محددة وأسس نقداً شعرياً، وهذا ما نجد صداه عند النقاد الذين قالوا بأهمية الشعر المحدث، وكأنه يمثل شعرية (الثقافة الكتابية) هذه الشعرية التي صدرت عن شعرية (الثقافة الشفاهية) وطورتها، لتكشف عن جملة حقائق:
ـ إن المحدثين جاؤوا بمعان لم تعرفها الشفوية الجاهلية، أي أن الاحداث هو ابتكار ما لم يعرفه الأقدمون.
ـ المعيار في الجودة هو الفن، فالأول هو الأول فنياً لا زمنياً، وهذا يعني أن طريقة الأوائل، لا تصلح أن تكون معياراً حدياً، لا ينبغي الخروج عليه.
ـ شمولية الثقافة شرط في ناقد الشعر، لأن انعدامها يجعل النقاد جاهلين بخصوصية الأحداث الشعري( ).
ومن هذا فقد كان الفضل الذي رآه بعض اللغويين والنقاد للقدماء على المحدثين لم يكن لأنهم خرجوا على شكل القصيدة العربية الفني كما جاء به الأوائل، إنما كانوا ينطلقون من فكرة أن التعبير الشعري "لكي يكون موحياً لابد أن يستجيب لقواعد صياغة شعرية ضاربة في اللاشعور الجمعي للعرق"( ) وهذا أمر لا يتعارض مع فنية الشعر، لكن تأصيلهم للتقدم الزمني بوصفه معياراً للشعرية، هو ما أثار المولدين أو المحدثين عليهم، فقد وضعوا حدا ًزمنياً وفاصلاً تاريخياً بين جيل الشعراء القدماء الذي ينتهي بابن هرمة (ت 158هـ) وجيل المحدثين الذي يبدأ ببشار بن برد (ت 168هـ) وكأنهم يعدون في الشعر المحدث تجاوزاً" لمقياس الأولية الزمنية من جهة، ومقياس الأولية اللغوية من جهة ثانية، ولهذا كان قبوله أو تسويغه قبولاً لمبدأ التجاوز"( )، وفي هذا الاتجاه لم يكن صحيحاً ما ذهب إليه بعض الدارسين المعاصرين من "أننا إذا دققنا النظر في أقوال القدماء، فسندرك أن عمود الشعر، ونهج القصيدة هما السبب في تحامل الرواة على المحدثين من الشعراء لخروجهم عليهما( ).
نخلص مما سبق إلى أنه: من الطبيعي أن يكون صدور مقومات الشعرية العربية متصلاً بخصوصية البيئة، في المكان والزمان ثم بخصوصية اللغة، في الوعي بها عند استخدامها وسيلة إبداع فني جمالي وفي طبيعتها البنائية كما تتمثل في خلال مستويات النص الشعري ثم بخصوصية الثقافة، في منبعها المتفرد بالريادة أولاً وفي ما كان من سمات أوليته البدائية/ الانعزالية، ثم نظرة الجيل اللاحق لهذه الأصول الثلاثة كما يكشف عنها إبداعه الشعري هذه الأصول الثلاثة (خصوصية البيئة، خصوصية اللغة، خصوصية الثقافة) قد انحلت على نحو جلي في عناصر متعددة شكلت مقومات الشعرية العربية، يمكن إيجازها في:



رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق



المبحث الثاني: المقومات

الإيقاع:
بدءاً لابد من الاعتراف بأن كل تحديد للشعرية يحاول الوصول إلى قدر من الدقة والشمول، ينبغي لـه أن يكون في إطار معطيات علائقية، من هنا كان من غير الدقيق النظر إلى الشعرية أو محاولة تحديدها على أساس الظاهرة المفردة كالصورة أو الإيقاع الداخلي أو الوزن أو القافية ذلك لأن أي عنصر من هذه عاجز عن الوصول إلى الشعرية إلا في إطار النص، وقد تواضع الدرس النقدي الحديث على عد اللغة المادة الأولى التي يطرحها النص الشعري للتحليل كونها" وجوده الفيزيائي المباشر على الصفحة أو في الفضاء الصوتي المباشر، ومن هنا كانت الإمكانية الوحيدة، لتحليل الشعرية في النص، هي اكتناه طبيعة المادة الصوتية الدلالية أي نظام العلامات التي هي جسده وكينونته الناضجة والتي هي شرط وجوده أيضاً"( ).
وقد جاء الشعر الجاهلي نشيداً في أول ظهوره، بسبب من المرحلة الشفاهية، أي مغنى غير مكتوب، كان الانسجام الصوتي الممتد والمنسق عبر الزمن عند النطق هو ما يشكل مقوم الشعرية المبرز، وهذا الأمر أدى إلى خلق حالة من التوافق والانسجام العميقين بين قيم الشعر الصوتية ومحتواه الانفعالي العاطفي، حتى صار الأمر إلى الصلة العضوية بين الشعر والغناء عند العرب، فصارت، تزن الشعر بالغناء( )، لأن الأوزان عندها قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار( )، وكتاب الأغاني في سبب تأليفه ومنهجه مثال حي في هذا الاتجاه.

وقد قال ابن خلدون: "كان الغناء في الصدر الأول، من أجزاء الفن، لأنه تابع للشعر إذ الغناء إنما هو تلحينه... وتلحين الأشعار الموزونة، بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة"( ).
فالقدماء وبعض المحدثين ينظرون للنظام الصوتي للغة العربية، متأملين خصوصيته ناظرين إلى الأصوات المجردة التي تتوفر عليها العربية مضافاً إليها طريقة انتظامها عند تكوين الكلمات ثم تركيب الخطاب، والحيز الذي يشغله الإيقاع في الشعرية العربية متأتٍ من خصوصية اللغة العربية، ذات الطابع الكمي القياسي وليس النبري النسبي، وفي الشعرية العربية بعض صفات "لسانية ـ صوتية" مثل الأوزان والقوافي، وقد أولى العرب هذا المنحى جل عنايتهم، وقد أشار محمد العمري إلى أن المقوم الصوتي الإيقاعي في الشعر العربي يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هي:
1ـ الوزن المجرد القائم على المقاطع أو التفعيلات، سواء أكانت منتظمة أم حرة، وهذا مجال الدراسة العروضية، وهو يقع بين اللغة الطبيعية والموسيقى، وهو هنا فضاء المكونات الصوتية المجسدة المكونة للتوازن.
2ـ التوازن أو الموازنات ويتألف من عناصر لغوية مشخصة، كونه عبارة عن تردد الصوامت "التجنيس" والصوائت "الترصيع" اتصالاً وانفصالاً.
3ـ الأداء وهو عملية التجسيد الشفوية، حيث يقوم القارئ أو المنشد بتأويل العناصر الوزنية والتوازنية، وما يقع بينهما من انسجام واختلاف في تفاعل مع الدلالة اتساقاً واختلافاً، وهنا تدخل مباحث التنغيم والنبر والوقف..."( ).
تكمن في المادة الصوتية إمكانيات تعبيرية هائلة "فالأصوات وتوافقاتها، وألعاب النغم والإيقاع والكثافة والاستمرار والتكرار والفواصل الصامتة، كل هذا يتضمن بمادته طاقة تعبيرية فذة، إلا أنها تظل في طور القوة والكمون ما دامت الدلالة والظلال العاطفية للكلمات مناهضة لها... وهكذا فإلى جانب علم الصوتيات اللغوية، يمكن أن يقوم علم الصوتيات التعبيرية الموسيقية ليلقي ضوءاً غامراً على العلم الأول، بتحليل ما امتدت إليه غرائزنا الفطرية منذ وقت طويل وهو العلاقة الوثيقة بين المشاعر والمؤثرات الحسية التي تنتجها اللغة بأصواتها"( ).
إلا أن العرب لم ينتبهوا إلى (علم الأصوات التعبيري) سوى ما نقرؤه من إشارات متفرقة من قبيل قول ابن سنان: بأن أصوات الألفاظ "دالة على جهات الكلام كحروف الشيء وجهاته"( ).
والنظر النقدي في الشعر حين يغفل (علم الأصوات التعبيري) ولاسيما في النقد التطبيقي يقع في مؤاخذات على الشعراء، كان يمكن ألا يقع فيها، مثل تخطيئه امرئ القيس في قوله( ):
غدَائرُها مُسْتَشزَراتٍ إلى العُلا
تَضلّ المَدارى في مُثَنّى وَمُرْسَلِ

فقد رسم صورة لشعر المرأة التي يصفها، مبيناً كثافته وصعوبة انسياب المشط فيه بلفظ كثيف الأصوات متقاربها يصعب على اللسان أن يجري منساباً عند النطق به، مما جعل صورة اللفظ الصوتية (الزمانية) منسجمة تعبيرياً مع صورة المعنى، الواقعية (المكانية).
وكذلك أنكروا على زهير بن أبي سلمى ـ مع ما قاله فيه عمر بن الخطاب (رض) ـ بأنه "لا يتتبع حوشي الكلام" قوله: لفظة (حقلَّد) الذي يعني: السيء الخلق( ):
نَقَيٌ تَقَيٌ لَمْ يُكَثِّرْ غَنيمَةً
بِنَهكةَ ذي قُربى وَلا بِحَقَلَّدِ

فاستشنعوا (حقلَّد) هنا. وهل هناك لفظة يمكن أن تحل محلها فتكون معبرة فنياً من جهتي صورتها، الصوتية (الزمانية) والمعنوية (المكانية) عن الفرد السيء الخلق؟ وكذلك أنكروا على الأعشى الكبير (شلشلته) واستشنعوها( ):
وَقَدْ أرُوحُ إلى الحانوتِ يَتْبَعُني
شَاوٍ مُشِلٌ شَلُولٌ شَلْشَلٌ شُولُ

ألا يبدو التعبير عن الرواح إلى الحانوت أو منه موصوفاً بحالة سكر على نحو معين لا ينسجم معه إلا هذا التعبير الذي هو (في حالة سكر عند النطق به)!! ويمكن قراءة ما جاء في (سلسلة) مسلم بن الوليد، و(قلقلة) المتنبي( ) في هذا الاتجاه.
ويبدو أن النقاد العرب القدماء ينظرون إلى مدى الانسجام المنسق لحركة أصوات اللفظ في الزمان، ويتطلبون أن يكون ذلك الانسجام متناسباً حتى عدوا الخروج على ذلك التناسب من قبيل المعاظلة في اللفظ أو التركيب، اتباعاً لتصوراتهم عن غرابة اللفظ ووحشيتهِ وهم في هذا يغفلون ما يحققه ذلك اللفظ من أثر دلالي، لكن النظر إلى هذا المنحى من جهة (علم الأصوات التعبيرية) يفيد أمرين: أولهما ما تؤديه البنية الصوتية في بعدها الزماني من أثر دلالي/ جمالي، وثانيهما ما تحققه من أثر أسلوبي صوتي، يشير إلى تصورات موضوعية، لأنساق صوتية، يقصد المرسل إثارتها في كلامه الفني لأحِداث قدر من الانسجام بين الدلالة والإيقاع.
وقد بدا واضحاً أن القيم الصوتية في الإيقاع الشعري، أوسع من الوزن والقافية واشتراطات العروض ومعطياته، وأقرب إلى التشكيل النغمي في الخطاب، وقبله في التشكيلات الحرفية، في الكلمة الواحدة أي في أسلوبية الاختيار، بالشكل الذي تؤدي فيه "شدة التأثر بالباعث الصوتي على توليد الكلمات، إلى ما يكاد أن يكون اعتقاداً غامضاً في وجود مطابقة خفية بين الصوت والمعنى"( ).
ودراسة الأثر السمعي ومعطياته، في منحى أثر الانطباع الصوتي على السامع وفي منحى تعبيرية الصوت التي تربط بين الدال ومدلوله، في تشكيل (بنية صوتية ـ دلالية)( )، أدى إلى بلورة منهج في "دراسة المتغيرات الصوتية للسلسلة الكلامية، واستخدام بعض العناصر الصوتية لغايات أسلوبية"( ) وهو ما اصطلحت عليه الدراسات الأسلوبية المعاصرة بـ(الأسلوبية الصوتية).
ـ الاشتراطات النحوية:
هناك نظام داخلي (ضمني) تستمد بعض القصائد منه إيقاعها، وهو مستقل بشكل أو بآخر عن التناسب التركيبي/ النحوي الوضعي( )، وهو متصل بالقواعد القياسية للخطاب من جهة التزام تلك القواعد أو الخروج عليها حد التعقيد، كأن الشاعر هو القاعدة التي تحدد في ضوء سياق الخطاب الشعري، حدود ذلك التناسب الذي نظر القدماء إلى الخروج عليه من باب التعقيد، وعدوا ذلك عيباً في الصياغة الشعرية، وسمة ضعف كبير في الشاعر، لأنهم يتوخون موافقة القاعدة العرفية في سياق الخطاب الشعري، ولم ينظروا إلى الخروج على هذا السياق النحوي القاعدي من باب أسلوبي، لأن التعقيد سمة حسنة في الشعر، حين يشي بعمق فني ويوحي بدلالة فنيةٍ مضافة، بحيث لا تفهم إلا في سياقها، كون بنية اللغة الشعرية بنية وظيفية، لا يفهم كل عنصر فيها إلا في سياقه، ولا يمكن النظر فيها بمنظار القاعدة المسبقة على نحو صارم فهي "تجنح إلى استبعاد عنصر الآلية والمراتبية المسبقة، كاشفة عن نوع خاص من الدلالة الشعرية"( ).
ومن أمثلة التعقيد في الأسلوب الشعري التي نقصدها قول الفرزدق( ):
إلى مَلِكٍ ما أمهُ من مُحاربٍ
أبوهُ وَلا كانَتْ كليبُ تُصاهِرُهْ

إذ عد القدماء هذا مثالاً على التعقيد إلا ابن جني الذي يقول: "إن هذا البيت مستقيم ولا ضبط فيه، وذلك إنه أراد: إلى ملك أبوه، ما أمه من محارب، فقدم خبر الأب عليه، وهو جملة، كقولك: قام أخوها هند ومررت بغلامها أخوك"( ).
ومثل هذا قول الفرزدق أيضاً:
ومَا مِثْلُهُ في الناسِ إلاّ مُمَلّكَاً
أبو أمّهِ حَيٌ أَبوهُ يُقارِبُهْ

وهو هنا يمدح إبراهيم بن هشام. خال هشام بن عبد الملك، قاصداً ذكر "خئولة الخليفة، ورحمه به الماسة، ويمدحه بذلك"( )، فيقول: ما في الناس حي، يقارب خال هشام إلا هشام الذي أبو أمه أبوه، يعني أن جد هشام لأمه هو أبو هذا الممدوح"( ).
والنظر النقدي في هذا الكلام الشعري الخارج على (عرف القاعدة النحوية) ينبغي أن ينظر إليه بوصفه محاولة من الشاعر في "البحث عن العلل الروحية التي نشط التعبير في البحث عنها، وتتحصل بها القيمة الفكرية"( ).
ولما كان جل اهتمام الشاعر منصباً على إظهار (تلك الخئولة) التي تصل الممدوح بالخليفة ناسباً إليها كل حسنات هذه الحياة، وهو أمر ظاهر التعقيد، أليس من التعقيد بمكان أن تأخذ صلة النسب وبين الممدوح والخليفة كل هذا التبجيل، وأن ينظر إليها على أنها ميزة أولى في الشرف الممدوح؟ وقد يكون من التعقيد بمكان أن يحكم هذا الأمر وحده الحياة بمنطقه!! ولو عبر الفرزدق عنه بشعر مباشر، لكان الأمر غير لافت للنظر، ولكنه لما قدم وأخر في تركيب البيت حد مخالفة العرف اللغوي/ النحوي العام، فقد انسجم تعبيره الشعري فنياً مع حالة التعقيد التي عليها واقع الحال الذي وصفه على صعيد السلوك الاجتماعي في الحياة.
ويبدو أن المشافهة وأفق الحياة البدوية المفتوح قد ساعدا على تعلق العرب بالموسيقى الشعرية، أو بالتلوين الصوتي الصادر عن الكلمات، في سياق الخطاب الشعري وهذا التعلق بالحسي الملموس زمانياً على صعيد الدال، قادهم إلى توخي الكلام الذي يسابق لفظه معناه على صعيد المدلول، ولهذا كان أمامهم على صعيد الإيقاع التنويع في مصادر البنية الإيقاعية، وعلى صعيد المعنى حرصوا أحياناً ـ كما عند الفرزدق والمتنبي بعده ـ على التقديم والتأخير في بنية الخطاب الشعري، على صعيد التركيب، وكأن الأمر (معادل موضوعي) للبناء المجازي العميق.
وهذا الذي جاء عند الفرزدق مثال، يدلل على هيمنة المقوم الحسي على بنية التركيب الشعري، وقد اتضح في الدراسات الأسلوبية الحديثة، إن درجة الحسية أو التحسس "تتعلق إيجابياً بدرجتي: الإيقاع والنحوية، فكلما كان الإيقاع خارجياً واضحاً، والنحوية مستكملة مستوفاة، كانت الحسية أبرز، فإذا أمعن الإيقاع في التلاشي الظاهري، وشارف عوالمه الداخلية المستكنة، وتضاءلت درجة النحوية، بغلبة وجوه الانحراف على السياق، في مستوياته المختلفة، مال الخطاب الشعري إلى تناقص ظواهره الحسية، واقترابه من التجريد، وعلى العكس من ذلك، نجد تعلق درجة الحسية بدرجتي الكثافة والتشتت، يمضي بشكل متخالف عكسي، فزيادة الكثافة والتشتت يؤديان إلى وضع مجانس للتجريد إلى حد ما بينما تسمح الكثافة والتماسك الواضح للخطاب الشعري، بأن يتجسد في نسقه الحسي الملموس، من دون صعوبات لافتة"( ).
قد تكون قراءة التعبيرات الشعرية، متصلة بالتصنيف الموضوعي، للتوزيعات أو الأنساق الأسلوبية حين تؤدي وظيفتها في تشكيل الدلالة الشعرية، سواء في سياقها الذاتي (الدلالة الذاتية) المتكون من المحتوى (الإعلامي المنطقي) الخاص بالإشارة اللغوية، أم في سياق الدلالة الحافة المتكون من مجموع الأنساق والأنظمة الدالة التي يشير إليها الخطاب، تلك الدلالة التي تعرف على الإجمال بوصفها معنى إضافياً تشي به كلمة معينة إضافة إلى معناها المتواضع عليه في أصلها التداولي.
وكل هذا متصل عند الشعراء العرب ببنية المتلقي العربي، العقلية أو الجمالية وما يشكلها من مقومات وما تتحد به في إطارها الزماني والمكاني من مكونات، ومتى تغيرت تلك المقومات أدى ذلك التغير إلى مستوى من الخطاب الشعري يصحبه مستوى من التلقي يتأثر بذلك التغير ويؤثر فيه على نحو ما، يجدد أو يضيف، وهو ما يخص البنية الحسية والذهنية، ومتى ما "تغيرت البنية الذهنية لقوم من دون أن تتغير ألفاظ لغتهم وأصواتها فإنك تجدهم يركبون كلامهم، على نحو مختلف عن نحوهم الماضي، أو نحو إخوانهم الذين لم تتغير لديهم البنية الذهنية التي كانوا لهم فيها شركاء"( )، وهو ما يفسر التباين في مستويات البنية المجازية للغة الخطاب الشعري من جيل لآخر، ومن عصر لآخر، ثم التباين في الأخذ بالقواعد القياسية للغة، وطبيعة ذلك الأخذ ووظيفته، واشتراطات الالتزام بالقواعد القياسية للغة، ودلالة الخروج على ذلك الالتزام، وما يؤديه من وظيفة فنية في سياق الخطاب الشعري، وطبيعة الخروج على العرف المتواضع عليه بوصفه قاعدة تؤدي وظيفة إيضاح المعنى أو إيصاله، وما تكشف عنه تلك الطبيعة من مظاهر التعقيد في الإيصال أي عدم وضوح المعنى عند المتلقي، الأمر الذي يقتضي النظر إلى أنموذج قياسي تصدر القاعدة عنه، لأن العرف يأخذ به، وهنا فإن طبيعة الأنموذج تكشف عن اشتراطاته التي إذا ما أخذ بها الخطاب على نحو تعبيري فني، كان متصفاً بمجاراة العرف النحوي.
ـ الواقع:
الواقع معطى حسي، قد يهدف الخطاب الشعري إلى تثبيته، فيتصف بالحسية غالباً، وقد ينأى عنه متخذاً منه رمزاً فيقع في فلسفة التجريد، وقد يتباين في التعامل معه أو التعبير عنه فيكون إلى الحسية أقرب منه إلى (وهم الحسية) ولكن الشعراء الذين يذهبون إلى تعبير الواقع شعرياً، يمكن النظر إلى خطابهم في سياق فلسفة الواقع أو الوجود.
وقد يبدو الشاعر الجاهلي ملتصقاً بالطبيعة، تراب، نبات، حيوان، إنسان،... من جهة الواقع، ومنتمياً إلى لسانه (لغته) انتماءً فطرياً، لذا كان يستمد بوساطة الحواس أو العلم المركوز من جهة الطبع، أكثر مما يستمد من جهة الفكر أو التأمل العقلي المجرد. ومن هنا كان يقال لمن يحسن في التشبيه: "أصاب التشبيه" بحكم ما أقام من علاقة دلالية بين الشيء في الحياة الطبيعية، وبين الشيء بمعنى الصورة في البنية الشعرية، وكأنه يأخذ بإجراء المسموع مجرى المنطوق، أي القصيدة مجرى المرئي، في محاولة منه لإظهار شكل من التناسب العلامي أو الإشارة بين السمع (الأذن) والرؤية (العين).
وقد كان الشاعر الجاهلي ينظر إلى أشياء الحياة من حوله، فيقولها أو يكتبها في خلال قصيدته، بوصفها معادلاً موضوعياً، سواء أكان ذلك من جهة المحاكاة أم التخييل أم الرؤية، وهو ما ينوع في المؤشرات الأسلوبية التي ينفرد بها بعض الشعراء. ثم إن وعي الشاعر بأشياء الحياة من حوله هو ما يمنحها وجودها الفعلي، في حياة الواقع المرئي وفي حياة القصيدة المتخيلة. أي إن الشاعر الجاهلي لم يكن ينظر على أشياء الحياة بوصفها جسراً لأفكار فلسفية أو شطحات صوفية أو تخييلات شعرية، كما حصل عند المحدثين ولا سيما العباسيين منهم( ).
على أن هناك من يتلقى الخطاب الشعري، محتكماً على مقوم (تعليمي أو إخباري أو أخلاقي...) مما يقع خارج أسئلة الشعر، وإن كان الاستغراق في مفردات الحياة اليومية يضع الفرد في عالم من الأقوال الجاهزة عن الأشياء كل الأشياء، وهو ما يضيق على الذات خصوصيتها أو تفردها، لأنه يضعها في سياق معد مسبقاً وهذا ما يتصل بقضية العلاقة بين الأدب والوقائع الخارجية عن نطاقه.
ولعل علماء اللغة كانوا أول من أخذ بالتلقي التعليمي لفن الشعر، فقد كان أبو عمرو ابن العلاء، يستجيد قصيدة المثقب العبدي لقوله فيها( ):
فأمّا أنْ تكونَ أخي بِحَقٍ
فَأعْرف مِنكَ غَثّي مِن سَمِيْنِي

وإلاّ فَاطَّرَحْني واتَّخِذْني
عَدواً أتّقيكَ وَتَّتقِينِي

وكان يقول: لو كان الشعر مثل هذا لوجب على الناس أن يتعلموه!!
أي أنه قرأ الصورة التي تعنى بالفائدة المعنوية على نحو بارز، وهذا قد يفسر كيف أن ابن قتيبة حين قرأ الأبيات الآتية، لم يجد تحتها معنى:
وَلَمّا قَضَينا مِن مِنَىً كلّ حاجَةٍ
وَمَسّحَ بالأركانِ مَن هوَ ماسِحُ

وَشدّتْ على حُدْب المَهارى رِحالُنا
ولمْ يَنْظُرْ الغادِي الذي هوَ رائِحُ

أخَذْنا بأطرَافِ الأحادِيثِ بَيْنَنَا
وَسَالتْ بأعْناقِ المَطي الأباطِحُ

فهذه عنده مما حسن لفظه وحلا معناه، فإذا أنت فتشته لم تجد فائدة في المعنى( ).
وقد يبدو النقد الموضوعي في أول مسيرة النقد العربي صادراً عن أهل اللغة والنحو الذين عدوا الشعر الجاهلي أصلاً ومركزاً، لا يجوز الخروج عليه، فكان المعيار الأول معياراً لغوياً، فانسحب عدم الخروج على الأصل اللغوي ـ لأنه يحقق فائدة معنوية من خلال الالتزام بالقاعدة ـ إلى عدم الخروج على الشكل الفني في إطاره الموضوعي وليس الذاتي الجمالي، فكانوا أقرب إلى الموضوعية التي هي أوثق بالمعنى النفعي منهم إلى الذاتية الجمالية التي هي أوثق بالمعنى المجازي.
والفهم التعليمي الإخباري متصل بالأنموذج الواقعي الموصوف، قبل اتصاله بلغة الوصف، أي العناية بالشيء قبل العناية بأداة التعبير عنه، وفي هذا نلحظ رؤيتين في تكوين مقومات عمود الشعر:

ـ مطابقة الوصف للموصوف في سائر صفاته، أو في المقاربة بين المشبه والمشبه به، أو في المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، وهكذا.
ـ نظرهم في الحكم النقدي لا إلى لغة التعبير الشعري، بل إلى محاكاة الشيء المعبر عنه شعرياً، وفي هذا السياق، لم تحكم (أم جندب) للغة وصف الفرس (كيفية التعبير الشعري) بل للفرس الموصوف، وفي هذا الاتجاه كانت أسلوبية التعبير الشعري التي يمتدحها القدماء، متمثلة في دراسة علاقات الشكل مع التفكير العرفي، وليس في علاقات الشكل الشعري بوصفها أسلوبية فردية خاصة.
ـ الانزياح:
يشكل الانزياح مقوماً من مقومات الشعرية، حتى إن بعض الدارسين نظر في الشعرية على أنها انزياح، ولما كان الانزياح بنية علائقية صادرة عن كيفية استخدام اللغة مجازياً فإن النظر إلى اللغة بوصفها إنتاجاً فردياً واجتماعياً في آن واحد، شكلاً ومضموناً، وآلة وموضوعاً، ونظاماً ثابتاً وسيرورة متطورة، وظاهرة موضوعية، وحقيقة ذاتية، يؤكد ضرورة قراءة الشعر بوصفه خلقاً فنياً بواسطة اللغة من دون التغاضي عن السياق العام ولحظة الإبداع أو الاكتفاء بالمستوى الخارجي للعلاقة، لأن التغاضي عن كل هذا أو بعضه قد "جر البلاغيين والنقاد في غير قليل من المواطن إلى أحكام لم تأخذ في الاعتبار إلا العرف الشائع وما يليق وما لا يليق، مما فتح للتقويم الأخلاقي سرباً إلى الشعر، فالتبست المقاييس واختلطت معايير التقويم( ).
وهذا ما يحصل عند الشعراء المعتمدين أسلوبياً على السببية الصريحة أو النظر العقلي المباشر في خلال علاقات حضورية تقليدية( ). كون اللغة لا ترتبط بعملية تسمية الأشياء وحدها فالعلاقة اللغوية بين الدال بوصفه صورة صوتية أو كتابية والمدلول كونه صورة ذهنية لمرجع معين، إنما تربط الصورة الصوتية للدال والصورة الذهنية للمدلول، بعيداً عن الشيء أو الكيان الخارجي.
ولما كانت الشعرية ظاهرة لغوية في جوهرها، وما من سبيل إلى النظر فيها سوى سبيل اللغة، فإن هذا يكشف عن صدورها عن فهم للغة ونظر فيها ينحوان إلى كون العلائق هي التي تدفع اللفظ إلى معنى متواضع عليه، وهنا فإن تعاقب تلك العلائق بنسب متساوية وخاضعة لصورة انفعال متواضع عليها، يفرغها من المنبهات الأسلوبية التفردية كون الشعرية "ليست خصيصة في الأشياء، بل في تموضع الأشياء في فضاء من العلاقات"( ).
ومن الدارسين المعاصرين من خص الشعرية باتجاهين رئيسين: "الأول، فن الشعر وأصوله التي تتبع للوصول إلى شعر يدل على شاعرية ذات تميز وحضور"( )، والاتجاه الثاني يشير إلى الشعرية كونها "الطاقة المتفجرة في الكلام المتميز بقدرته على الانزياح والتفرد وخلق حالة من التوتر"( ).
وهذان الاتجاهان يشيران إلى الشعرية، من خلال: القواعد المتواضع عليها ومدى قدرتها عل تحقيق أدبية الأدب حيناً، وأحياناً، من خلال: التفرد الأسلوبي في التعبير الشعري عبر الانزياح ومدى قدرته على تحقيق أدبية الأدب.
ولا شك في أن الاتجاه الذي يرى أن التفرد الصادر عن أسلوب الانزياح هو ما يخلق الشعرية إنما هو فهم حديث يمكن تلمس أصوله عند الفارابي وابن سينا وابن رشد الذي يرى "أن القول الشعري هو القول المغير"( ) والمتغير عدول من الحقيقة إلى المجاز أو الأساليب البيانية.
وقد يبدو عبد القاهر الجرجاني أبرز ناقد عربي، حاول أن يقدم نظرية متكاملة عن مفهوم الشعرية، منطلقاً من درجات تحقق تلك الشعرية في الخطاب الشعري، ولم يسبقه سوى الجاحظ على نحو معين من خلال نظراته النقدية المتفرقة إلى الأساليب البيانية كالمجاز والتشبيه وغيرهما مما كان يضعه تحت مصطلح البديع، فقد قال حين قرأ قول الشاعر( ):
هُمُ سَاعِدُ الدّهْرِ الذي يُتَّقى بهِ
ومَا خيرُ كفٍّ لا تَنُوءُ بِساعِدِ

قولـه: هم ساعد الدهر، إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع والمجاز هنا متصل بكيفية القول، أكثر من اتصاله بالمضمون، لصدوره عن الشكل الفني، من جهة أن "مختلف المظاهر التي يستوعبها عادة ما يسمى بـ(الشكل) إنما هي التي تولد شعرية الشعر، وإنها بمقتضى ذلك هي التي تمثل مضمون الكلام الشعري/ وأن ما دونها من أعراض وموضوعات ومعان، تمثل المضمون الفكري الذي لا يختص بكلام معين"( ) ولكن من جاء بعد الجاحظ أخذ يتطلب في أساليب المجاز قرائن عقلية مباشرة، كما نقرأ عند عبد العزيز الجرجاني في الوساطة مستشهداً بقول الشاعر( ):
وَإنّي لَظلام لإشَعْثَ بائسٍ
عَرانا وَمَقْدُورٌ برى مَالهُ الدهرُ

وجارٌ قريبُ الدارِ أو ذي جِنايَةٍ
بَعيدُ مَحلِ الدارِ ليسَ لـهُ وَفْرُ

إذ يكون منطلق المجاز في البيتين كلمة (ظلام) ولو قال (نحار) لانعدم المجاز وسياق البيتين يقوم قرينة في الدلالة على إيضاح المعنى.
ومثل هذا قول الآخر( ):
بَلْ رُبَّ مُحوارٍ تَجاوزنَهُ
بِبَسطَةِ الهامةِ والمِشْفَرينْ

مأهولةٌ الأرضِ إذا أصبَحتْ
مُجدِبَة الحيزومِ والمرفَقَينْ

فيرى البيت الأول منكشف المعنى "أما الثاني فلا يعلم إلا وحياً وسماعاً، ولو بلغ طلبه في علم العرب كل مبلغ، وحمل على فكرة فوق الطاقة، وإنما معناه: أن هذه الناقة إذا أصبحت وانقادت، فإن رؤوس الإبل عن رجليها، لأنها أقوى على السير منها، وصدرها خال لم تلحق بها ناقة لقصورهن عنها".
حرص المتلقي العربي والمرسل ـ على نحو ما ـ على التعبير عن الامتلاك في القول والفعل، قاده إلى نظام البيت الشعري الواحد، ثم المعنى غير الشاذ أو الخارج على العرف، ثم استخدام اللفظ في غير وضعه الدلالي الأولي دالاً على معنى جديد، شرط علاقة تصل الجديد بالأول، وفي هذا السياق تواضعوا على حدود في المجاز، ورفضوا أخرى غيرها، أي أنهم وضعوا قاعدة أو قواعد لتكون حدوداً ولم يستخلصوا قواعد تكون أسس انطلاق أو تجاوز، وفي هذا الاتجاه نقرأ: أن ابن الخثعمي الشاعر قال: جن أبو تمام في قوله( ):
تَرُوحُ عَلينا كلّ يومٍ وَتَغْتَدي
خُطُوبٌ يكادُ الدهرُ مِنْهُنَّ يُصْرَعُ

أيصرع الدهر، فقيل له: هذا بشار يقول:
وَما كنتُ إلا كالزمانِ إذا صَحا
صَحَوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أَمُوقُ

وأبوك يقول:
وَليّنَ لي دَهري بأتباعِ جُودِهِ
فَكدْتُ لِلينِ الدهرِ أنْ أعْقِدَ الدّهْرا

أيعقد الدهر؟
نفهم من قول الجاحظ السابق، أنه يرى المجاز بديعاً، ناظراً إليه على أنه بحث في مجهول، بحث عما لا نعرفه، أما هذا الذي عاب أبا تمام فقد تطلب في قوله مقاصد معروفة سابقة متواضع عليها.
ويكشف المجاز عن حقيقة مفادها، أن الأشياء الموصوفة تتسم بالثبات فيما تكشف اللغة ذاتية مستعملها عندما تصف الأشياء بمنظار ذاتي، وهنا فإن إشارات اللغة وتراكيبها ينبغي قراءتها بمنظار ذاتي، لأنها تحمل أسلوبية مستعملها، في حين عملت الآراء التي حاولت تأطير المجاز على إشاعة الصلة المباشرة بين المعنى الوضعي والمعنى المجازي، لتمكين الثاني من الوصول إلى المتلقي بشيء من المنطق، وهو ما يفسر كيف أن البلاغة العربية، قد عملت على أن "كل ملفوظ بلاغي إنما وظيفته تكمن في" تمكين "المعنى بأساليب مختلفة أي جعل المعنى حالة مستقرة في الذات استقراراً ثابتاً"( ).

وفي ضوء حركية اللغة المجازية ينبغي إغناء التحليل بالمقومات القائمة على علاقات مجازية من خلال إضافة خصائص وأغراض وظيفية ومفاهيم مجردة إلى لغة الشعر، أو قراءة الشعر في ضوء منها، في محاولة لمشاهدة الكل في الجزء أو الانتقال من المعنى الحرفي الذي تتعلق به الكلمة في سلم التداول اليومي إلى إيحاءاتها الوظيفية والمجردة، وفي هذا الاتجاه تكون إشكالية الاختلاف مع الآخر، أو محاولة فهمه هي باعث المتلقي أو الناقد على القراءة والتحليل، ومحاولة التحصيل أو السعي المستمر لمعرفة ما يختلف عنا، لأن الحال لا يخص التعبير الشعري وحده إنما يخص القدرة الإبداعية الكامنة فيه، وفي هذا حركة وعي مستمر، لاكتشاف ما هو ذاتي، في ضوء شيء من الموضوعية.
إذا كان الانزياح خصيصة علائقية لكيفية استخدام اللغة في الخطاب الشعري فإن الشكل الفني للتعبير يحقق الأسلوب المتفرد الذي يميز شاعراً من آخر، أكثر مما يحققه المضمون أو المحتوى التعبيري، الأمر الذي يعني أن التماثل في المحتوى التعبيري بين شاعرين لا يعني سرقة الثاني لمعنى الأول إذا كان الثاني يمتلك أسلوباً شعرياً في صياغة الشكل الفني الذي يحقق له التفرد وينأى به عن (التناص) أو السرقة.
وهنا ينبغي النظر في تقليد أسلوب الشكل الفني على أنه سرقة، لأن الأمر متعلق بطريقة القول أكثر من تعلقه بمضمونه. أي إن أسلوبية التعبير هي التي يجب أن تكون محط النظر النقدي لعنايتها بدراسة القيمة الأسلوبية لأدوات التعبير، وكلما كانت تلك القيمة الأسلوبية أبعد في المجاز كان مجال الاختيار أمام الشاعر أوسع، ومن هنا ذلك المجال لا يكون متاحاً على نحو أوسع في "الصورة التي تؤدي عن طريق المجاز المرسل أو الكناية بقدر ما ينفسح المجال في الاستعارة والتشبيه، فهو في المجاز المرسل والكناية مقيد بعلاقات خارجية محددة، في حين أنه حيث يشبه أو يستعير لا يكون مقيداً بمثل هذه العلاقات"( ) وهذه العلاقات سواء أكانت في المجاز أم في الكناية أم في الاستعارة أم في التشبيه تقع في دائرة الانزياح الاستبدالي الذي يحدث في مستوى اللغة كما في الاستعارة وغيرها من الأساليب البيانية، وهي غير الانزياح السياقي الذي يحدث في مستوى الكلام، بأنماط متعددة، كالقافية والحذف والنعت الزائد والتقديم والتأخير وغيرها، وهذا النمط من الانزياح عنيت به دراسات النقد العربي القديم بدءاً من الخليل وسيبويه لصدوره عن أساليب لغوية، كان التأسيس لها في مراحل بدايات النقد العربي الذي كان لأهل اللغة والنحو فيه نصيب وافر، حتى كان هناك نقد لغوي، إلا أن المهم هنا هو أن هذه الانزياحات الاستبدالية تهدف إلى "استثارة العملية الاستعارية"( )، أي أن الانزياحات السياقية ثانوية بالقياس إلى الانزياح الاستبدالي، كونه يشكل أساس بنية الخطاب الشعري، وأبرز مقوماته.
ـ الفاعلية:
لما كانت الشعرية صادرة عن الإيحاء الفني الجمالي أكثر من صدورها من الأداء الوظيفي لمقومات الشكل أو عناصر المضمون، فقد صارت المقومات الجمالية لفن الشعر أقرب إلى الارتباط بوظيفة تؤدي قيمة جمالية مخصوصة، الأمر الذي وحد بين الشكل والمضمون لكونهما مجتمعين يؤديان الشعرية، أما إذا ارتبط فن الشعر بأداء وظائف أخلاقية معينة مما يضفي عليه عناصر نفعية معينة فإنه قد يدفع المتلقي إلى الاحتكام إلى معايير موجهة.
ولعل ما يميز النص الشعري ارتباطه بعوامل أساسية، تضفي عليه قيمة اتصالية وهذه العوامل هي التي تشكل بعضاً من مقوماته الفنية، ومقومات النص الاتصالية منها، النحوية التي يتكون نسيج النص في ضوء معاييرها القواعدية، ومنها الفكرية التي يتناسق في ضوء منها عالم أفكار النص ورؤاه,
وقد قرأ القدماء النص الشعري من خلال مقومات خاصة، فكان أن تحكمت تلك المقومات بالنص موجهة له عبر معاييرها، فكانت هناك مقومات لعل أبرزها المقوم النفسي والمقوم التعليمي (الإخباري) والمقوم التاريخي (الزمني)، والمقوم الاجتماعي والمقوم الديني وفي هذا الأمر لابد من النظر إلى الإبداع كونه مما يختص به العقل الإنساني، وفي النص الشعري ينبغي أخذ الشكل كونه وظيفة إدراك جمالي فني، يؤدي التخييل فيه وظيفة الابتكار.
يبرز في هذا السياق أمران يؤديان فاعلية النص الشعري معاً هما: التخييل وما يؤديه من وظيفة الابتكار ثم المضمون الفكري وما يعبر إليه من قيم أخلاقية يرتضيها (النقد النفعي) بحكم ارتباط الأخلاق بأداء نفعي مخصوص.
أما التخييل بوصفه باعث الشعرية في النص فهو "الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمور، من غير رؤية وفكر واختيار، وبالجملة، تنفعل له انفعالاً نفسانياً غير فكري، سواء كان المقول مصدقاً به أم غير مصدق"( ) فالشعر عند ابن سينا ـ هنا ـ يكمن في قدرته على إحداث انفعال ذاتي وجداني في المتلقي، وليس تصديقاً عقلياً، وقد كان عبد القاهر الجرجاني من أوائل النقاد الذين نسبوا للشعر قدرة على الكشف وخلق الأريحية في النفس، وقد نسب هذه القدرة جوهرياً إلى قوة الشعر، في جمع المتضادات وتناسب الدلالة عند الإشارة إلى الأشياء، معللا هذا بميل الطبيعة الإنسانية لهذا النمط من الفاعلية( ).
فالتخييل إبداع فردي، يأتي الابتكار وظيفة لـه، وخلق الأريحية أحد آثاره، وهو متصل بميل ذات المتلقي إلى التعبير التخييلي، وقد قال ابن طباطبا العلوي: "والنفس تسكن إلى كل ما وافق هواها، وتقلق مما يخالفه، ولها أحوال تنصرف بها، فإذا ورد عليها ما يخالفها قلقلت واستوحشت"( ).
يصل ابن طباطبا بين حالة المتلقي النفسية وآلية الحكم، ولعل من أمثلة الحكم المستند إلى مقوم نفسي ما كان من إعجاب يونس بن حبيب بشعر عدي بن زيد( ).
أيُّها الشّامِتُ المُعَيّرُ بالدهـ
ـرِ أَأَنْتَ المُبرَّأُ المُوفُورُ؟

أمْ لديكَ العهدُ الوثيقُ مِنَ الأيّـ
ـامِ.. بَلْ أنتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ؟

إذ قال: لو تمنيت أن أقول شعراً ما تمنيت إلا هذه أو مثلها، فهو يشير إلى الإحساس الذي يراوده حين يتمثل هذين البيتين، متمنياً أن ينقله بالطريقة ذاتها على أن حكماً مثل هذا لا يعني بالمنحى الفني أو الجمالي للشعر.
ومثل هذا قراءة الشعر بالاحتكام إلى مقوم اجتماعي من قبيل ما أفرده ابن قتيبة( )، للشعر الذي يختار ويحفظ لنبل قائله، ويورد قول هارون الرشيد:
والنّفْسُ تَطْمَعُ والأسبابُ عَاجِزَةٌ
والنّفْسُ تَهْلَكُ بَيْنَ اليأسِ والطّمَعِ

ومن هذا قول المأمون في رسول كان قد بعثه:
بَعَثْتُكَ مُشْتاقاَ فَفُزْتَ بِنَظْرةٍ
وأغْفَلْتَني حتّى أَسَأْتُ بكَ الظّنَّا

ثم يصف هذا النمط بأنه: شريف بنفسه وبصاحبه.
وهذا النمط من النقد، يكشف عن فهم للنص الشعري، يتعارض مع الشعرية لأنه لا يخص الشعر بالنقد، إنما هو ينظر في علاقاته الوظيفية، الاجتماعية، الأخلاقية، الدينية، ... فالوعي النقدي هنا محدد بمعايير نفعية محددة علاقات وظيفية خاصة.
والنظر إلى اللغة في الشعر، بوصفها معطى اجتماعياً أولاً، حاملاً للمعاني المتواضع عليها في خلال الاستعمال السابق، لا يؤدي بها إلى أن تكون في الكلام الفردي سياقاً مختلفاً عن الاستعمال المألوف.
وفي لغة الشعر ذلك المعطى الاجتماعي في مظاهره الواقعية، أسلوب هو معطى (فيزيقي) تنبثق فيه قيمة الشكل من الكتابة على أنها استبطان للعلاقة بين الإبداع والمجتمع، وضمن هذا الفهم، فإن "الأدب لا يصنع، بل يولد مع الذات، بوصفه علاقة انتماء"( ).
وفي عصر صدر الإسلام، أخذ النظر إلى الشعر، في ضوء المقوم الديني، يشغل حيزاً كبيراً في تلقي الشعر، ولاشك في أن تكريم النبي للشعراء الذين دافعوا عن الإسلام، ومحاربته من استخدموا الشعر سلاحاً على الإسلام، ما يدلل بوضوح على اعتراف الإسلام بالشعر سلاحاً فعالاً، بوصفه فطرة في النفس وجزءاً من خصوصيات الذات العربية، فجاءت وظيفة الشعر الإسلامي اجتماعية أخلاقية أكثر منها جمالية فنية، أي أن الشاعر كان حكيماً واعظاً، فهو أقرب إلى مقومات النثرية منها إلى فن الشعر وقد ميّز التهانوي بين الشاعر والحكيم بقوله: "إن الشاعر إنما يكون المعنى منه تابعاً للفظ، لأنه يقصد لفظاً يصح به وزن الشعر وقافيته، فيحتاج على التخيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ، والشارع قصد المعنى فيكون اللفظ منه تابعاً للمعنى"( ).
وقد كان النبي والخلفاء الراشدون (رض) "أول من نقد الشعر في الإسلام ومعنى كون النقاد الذين أتوا بعدهم، علماء لغة وفقه إسلامي، يوضح كيف أن الشعر أصبح أدباً أي بياناً، يعلم ويهذب... ويوضح كيف أن تقسيم الشاعر شعرياً أخذ يعني ويتضمن تقسميه، سياسياً وأخلاقياً واجتماعياً"( ).
وهنا وضعت للشعر مقومات دينية، يتم تلقي الشعر في ضوئها، قبولاً أو رفضاً احتكاماً للمتحقق فيه من تلك المقومات( ).
وفي ضوء هذا نفهم إعجاب النبي ببيت طرفه( ):
سَتُبْدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جَاهِلاً
ويَأتِيكَ بالأنباءِ مَن لمْ تُزَودِ

إذ وصفه  بأنه من كلام النبوة( ).
وكذلك إعجاب عمر (رض) بقول عبد بني الحسحاس:
عُمَيْرَةَ وَدّعْ إنْ تَجَهّزْتَ غَازِياً
كَفى الشّيبُ والإسلامُ للمرءِ نَاهِيا

والاحتكام إلى الدين أو المعايير الاجتماعية أو الأخلاقية، في نقد الفنون القولية ولا سيما الشعر، قد لا يأتلف وطبيعة الفنون( )، وإن كان بعض الشعراء قد نجح في استثمار المقوم الأخلاقي جمالياً، ويأتي المتنبي أولاً في هذا الاتجاه، فكان بتمثله الحكمة جمالياً في تعبيره الشعري، على نحو فريد، غير متهم بالخروج على عمود الشعر العربي إنما اتهم بالسرقة، بسبب من هذا المنحى، فالمعاني ذات الأخلاقية المتداولة أو التي تواضع العرف على حَمْدها تكاد أن تُحْصَى، وتداول الشعراء لها يحيل إلى "التناص" وهو ما عدّه القدماء سرقة حتى إذا لاحظوا شيوع معان بعينها أفردوا لها باباً على أنها مما لا تقع السرقة فيه، كما نلحظ عند الآمدي( ).
فالشعرية العربية اتسمت بهيمنة المنحى الحسي على صعيد الشكل من خلال العناية بالمظاهر التي تحقق الإيقاع على نحو حاد وقوي، وهيمنة الأنموذج على صعيد المحتوى التعبيري. وكلا الحالين متصل بآثار المشافهة والرواية.
ثم كانت هناك مقومات أخرى تتصل بهذين، تمتد من مرحلة المشافهة في الجاهلية حتى التدوين في الإسلام ثم العصور التي جاءت، وهذه المقومات هي ناتج تلقي الشعر ذلك التلقي الذي صدر عنه اتجاهان، الأول: كونته رواية الشعر وأرست أسسه ومعاييره فكان ينظر في الشعر عبرها مشافهة من دون إجالة فكر، والثاني هو البحث عن الشعرية في اتجاهات، ذات طبيعة وظيفية، تارة تكون تعليمية إخبارية، وثانية تكون أخلاقية دينية وثالثة تكون اجتماعية نفعية، ورابعة تأتي ذاتية فردية وهكذا، ولكن مع تمثل ما وقف عليه العرب من التراث اليوناني ولاسيما في أبعاده الفلسفية، برز اتجاه تنظيري في نقد الشعر يعمد كثيراً إلى إظهار عناصر الشعرية أو مقوماتها من خلال الشكل الفني "المحتوى التعبيري" حين نظروا إلى الشعر على أنه كلام مخيل، وعدوا الشعرية وظيفة من وظائف التخييل، وفي هذا كان النظر إلى مقومات الشعرية العربية من خلال بعدها المجازي، كما يتمثل في لغة الشعر أكثر من تمثله للمحتوى المباشر للمضمون، فأخذ يتشكل في ظلاله فهم نقدي للشعر ينطلق من مقومات تمت بصلة لمرجعية شعرية ماضية، وتحقق أثراً أسلوبياً في التعبير الشعري وهو ما حاوله المرزوقي في عمود الشعر.
من ذلك كانت فعالية الشعر العربي الهادفة لأداء فعل وظيفي مخصوص دينياً كان ذلك الفعل أم أخلاقياً فعالية نفعية إذا لم يحقق أداؤها عناصر جمالية من خلال الالتزام باشتراطات الفن الشعري، والنقد الذي يزين أداء الأفعال الوظيفية نقد نفعي، أما ما يعمل على تحقيق فنية الشعر، ومحاولة استجلاء أبعادها ومقوماتها فهو الحري بالنظر والقصد.
ـ المعيارية:
هناك عناصر معيارية تقوم عليها الشعرية العربية، وحين لاحظ النقاد تواضع العرف الثقافي عليها قالوا بها، لعل من أبرزها في هذا السياق، قيام القصيدة العربية على وحدة البيت حتى عدوا المعنى الذي يكتمل في أكثر من بيت عيب في الشعر هو (التضمين) على أنهم أخذوا بعين النظر القصيدة التي تبنى على الحكاية أو السرد. والبناء السياقي الصادر عن مراعاة القواعد القياسية للغة ومحاولة تطويع السياق لها توخياً لوضوح المعنى، وطبقية المعاني إذ نظر النقاد إلى صفات بعينها تخص الخليفة عند المدح وغيرها للوزير وغيرها للقائد وهذه مميزة مما يمدح بها سائر الناس. وهذا العنصر المعياري صدر عن هيمنة أنموذج مخصوص في كل غرض أو معنى، فهناك أنموذج الممدوح أكثر منه الشعراء المادحون وهناك أنموذج لشاعر الغزل أكثر من ترديده شعراء الغزل، وهذا ينسحب على الهجاء وغيره من الأغراض أو الموضوعات.
أما على صعيد هيمنة الأنموذج فيبدو أن سيادة الأقوال الخطابية في سياق الأقوال الشعرية، بغية تعضيد المحاكاة لغرض الإقناع، راجع إلى هيمنة الأنموذج الواقعي الموصوف في التعبير الشعري، عند شعراء الجاهلية، وهو ما سار على نهجه النقاد الإسلاميون، ومن هيمنة الأنموذج ما أخذوا على الأعشى في قوله يصف امرأة( ):
كأن مَشْيَتَها مَن بَيتِ جارَتِها
مَرُّ السّحابةِ لا رَيثٌ ولا عَجَلُ

إذ قال الأصمعي: "لقد جعلها خراجة ولاجة"( ) أي خالف في رسم صورتها، ما ينبغي أن تكون عليه صورة المرأة الكريمة، التي تكون محط زيارة الأخريات، كما في قول الأعشى نفسه:
وَيُكْرِمها جَاراتُها فَيَزُرْنَها
وَتَعْتَلُ عَن إتْيانهنّ فَتُعْذَرُ( )

وهذا يكشف من جهة أخرى عن معرفة الأعشى بالقيمة، ولكنه قصد قيمة أخرى في البيت الأول، وصل إليها البناء السياقي للقصيدة التي جاء فيها البيت، أما في الثاني فإن البناء السياقي لحال الوصف في القصيدة أدى إلى خصوصية الوصف في هذا البيت على هذا النحو، ولكن الأصمعي نظر من زاوية واحدة لم يحد عنها، فأخطأ الحكم.
ومن هيمنة الأنموذج ما أخذ على زهير بن أبي سلمى في قوله يصف الضفادع( ):
يُخْرِجْنَ من شَرباتٍ ماؤها طَحلٌ
على الجِذُوعِ يَخَفْنَ الغَمَّ والغَرَقا

فقيل: "إن الضفادع لا تخرج من الماء، لأنها تخاف الغم والغرق، وإنما تطلب الشطوط لتبيض هناك وتفرخ"( ).
وهيمنة الأنموذج قد يشير إلى احتكامهم كثيراً إلى مقاييس المنطق والعقل في قراءة الشعر، وهو ما أدى إلى توخيهم المعاني الأبكار، ناظرين إليها في قسمين( )، مالا تقع السرقة فيها مثل.
قال كثير عزة( ):
وعَن نَجلاء تَدْمَعُ في بَياضٍ
إذا دَمَعَتْ وَتَنْظُرُ في سَوادِ

أخذه أبو تمام فقال( ):
نَظَرتُ فالتفت منها إلى أحْـ
ـلى سَوادٍ رَأيتُهُ في بَياضِ

وما تقع السرقة فيه، مثل قول حسان بن ثابت( ):
والمالُ يَغْشى رجَالاً لا طباخَ بِهِم
كالسيلِ يَغْشى أصولَ الدِّنْدِنِ البالي

أخذه أبو تمام فقال( ):
لا تُنْكري عَطَلَ الكريمِ منَ الغِنى
فالسَّيْلُ حَرْبٌ للمكانِ العَالي

ومثل هذه القراءات للخطاب الشعري تعني أن الاتفاق بين المرسل والمتلقي على المحتوى المضموني هو ما يقصده النقد أحياناً وليس الإيحاء الشعري، لأن لغة الشعر ليست مجرد أداة للتعبير عن حقيقة معروفة، إنما هي محاولة لاكتشاف ما هو مجهول.
وهذا الأمر في قراءة أسلوب الوصف الشعري، مرتبط على نحو غير مباشر بنظام القصيدة العربية القائم على (الشكل الموجز) أي وحدة البيت الشعري، بشطريه، حتى عدوا مد الشاعر تعبيره إلى أكثر من بيت عيباً، أو ضعفاً في مقدرته الشعرية هو "التضمين" فأخذوا على امرئ القيس قوله( ):
فَقَلتُ لـهُ لمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ
وأرْدَفَ أعجازاً وَناءَ بِكَلْكَلِ

ألا أيّها الليلُ الطويلُ ألا انجَلي
بِصُبحٍ وما الإصباحُ مِنكَ بأمْثَلِ

وهذا عيب واتهام بالقصور عن الكمال الشعري، لأنه يضيف بيتاً إلى آخر ويعلقه به وخير الشعر "ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر، وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصوله إلى القافية"( ) وكأن الشعر ترتيب أفكار بألفاظ تساويها في جمل تقوم كل منها بذاتها( ).
وقد فصل ابن رشيق في هذا بقوله: "ومن الناس من يستحسن الشعر مبيناً بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه، لا يحتاج إلى ما قبله، ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد"( ).
والأمر هنا متصل بسعي الفرد العربي لإظهار مدى امتلاكه الحياة، في خلال التعبير عن ذلك الامتلاك عبر أساليب الشكل أو ما يشير إليه المضمون، وإظهار الأمر إلى الآخر فهو يرى في كل هذا نزوعاً ليس للسيطرة على موضوعية الحياة من حوله فقط، إنما للخروج من ذاتيته الفردية الخاصة، إلى ذاتية توحي له بالاشتراك مع الآخرين لكن هذا الأمر، إذا لم يكن منطلقاً للفعل الإبداعي الباعث على التجاوز أو المؤسس لما هو جديد فسيقع في أسر التقليد لأن العمل الفني، ومنه الأدبي، وسيلة لنقل الانفعال، مثلما أن العلوم وسيلة لنقل المفاهيم، فينبغي التمييز في المنحى الانفعالي، بين: الانفعال الذي يعبر عنه العمل الأدبي والانفعال الذي ينقله، وفي هذا تمييز بين الطبع الفني الجمالي والصنعة التقنية اللافتة للنظر، أو بين الوظيفة الجمالية الممتعة، والدلالة الوضعية المباشرة.
أما على صعيد طبقية المعاني فقد عد بعض النقاد( ) معاني بعينها تليق بالخاصة ثم خاصة الخاصة ومنها ما يليق بالعامة، أما التعبير الشعري أو الشكل الفني لذلك التعبير فمثاله الأعلى، ما رضيته الخاصة وفهمته العامة( )، وهذا يوحي بفهم طبقي قائم على عناصر اجتماعية.
ثم كانت أغراض الشعر ذاتها تمثل هذا المنحى، فالشاعر يحاول رسم صورة الممدوح المثالية اجتماعياً، مع ملاحظة، أن ما يمدح به الخليفة أو الأمير هو غير ما يمدح به الوزير وما يمدح به القائد غير ما يمدح به الجندي، وهكذا والغزل يرسم صورة المرأة المثالية في صفاتها الخلقية والخلقية، بالشكل الذي تكون فيه متصفة بأقصى صفات الجمال الأنثوي وأحلاها، تحقيقاً لحضور كبير، أما الهجاء فقد كان متصلاً على نحو خاص، بأن فعل الكلمة ربما كان أقوى من فعل السيف" لقد كانوا يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن للكلمة قوة سحرية كامنة فيها"( ) أما الفخر فهو صدور عن فعل اجتماعي وعرف قبلي مباشرين، وهذه المذهبية القبلية (الروح القبلية) هي ما يصدر عنها الشعر الجاهلي في أغراضه ذات الدلالة الجماعية.
وَهَلْ أنا إلا مِنْ غَزِيَّة أنْ غَوَتْ
غَوَيتُ وإنْ تَرْشَدْ غَزِيّةُ أرشَدِ( )

أما حين جاء الإسلام فقد صارت صلة العقيدة الإسلامية هي ما يصدر عنه الشعراء على نحو غير قليل، ومعها صار الأفق أوسع والحياة أرحب، على أن الفرد/ الشاعر، هنا وهناك، إنما هو كائن اجتماعي بوصفه إنساناً يطمح إلى أن يصبح أكبر من كيانه الفردي، يحاول أن يقترب من الاكتمال.
لا يرضى أن يكون، فرداً أو جزءاً هامشياً، أو في المتن، إنما يجهد إلى تجاوز فردية حياته، إلى شمولية أوسع يريدها، ومما يحقق له هذا، أو يساعد في تحقيق حضوره في حياة الآخر، التأسيس لغرض التجاوز والتفرد، في خلال فعل إبداعي يمثله الخطاب الشعري.
وقد تشير هيمنة الأنموذج وطبقية المعاني إلى أنه لم يكن هناك تمييز كبير عند النقاد بين المعنى والمعنى الشعري، لأن الشعري موظف في ما هو غير شعري، حتى كان حد الشعر "الكلام الموزون المقفى الدال على معنى"( ) وقد يسمح هذا الفهم بدخول الجدل بوصفه، محاولة إقناع الآخر اعتماداً على مقدمات مقبولة عند أهل العلم، وكذلك دخول الخطابة كونها محاولة إقناع الآخر، اعتماداَ على مقدمات مقبولة عند الرأي العام، وهو ما يسمح بفهم الشعر على أنه: عملية إيقاع المعاني في نفوس المتلقين، الأمر الذي يكوِّن التخييل في الشعرية، من خلاله، نظيراً للتصديق والجدل في الخطابة، على أن التصديق أمر راجع إلى مطابقة الكلام للواقع، بينما التخييل في الشعرية راجع إلى ما للكلام نفسه من تشكيل أو هيئة تحدث الانفعال، وفهم من هذا القبيل يقرب بين الأدب ومنه الشعر وبين المنطق، وسيلتين من وسائل المعرفة، على أن بينهما "من البون ما تتسع مسافته، وشتان بين معرفة أساسها العاطفة والحدس والخيال، وأخرى أساسها التجريد والتصديف والمطابقة بين العبارة والوقائع، توصلاً إلى الحقيقة"( ).
وأن تكون المعيارية عنصراً من عناصر الشعرية العربية، فهذا يعني أن تلك الشعرية صادرة عن خصوصية البيئة العربية في زمانها ومكانها بما يشتملان عليه، لأن العناصر ذات الطبيعة المعيارية مثل: خصوصية البيت الواحد وهيمنة الأنموذج وطبقية المعاني وغيرها، إنما هي عناصر خاصة ببنية الخطاب الشعري العربي وليست دخيلة عليه، وقراءة الخطاب الشعري يفترض فيها أن تكون بوحي من المقومات الرئيسة التي تتوفر عليها بنيته الفنية، أو ما يصدر عن شكله الجمالي.
ومن خلال ما سبق ذكره فإن مقومات الشعرية العربية يمكن قراءتها في قسمين رئيسين: القسم الأول هو أصول تلك المقومات، والقسم الثاني عناصر تلك المقومات. أما الأنماط الأسلوبية المتحققة في تلك المقومات، فإنها راجعة إلى النص الشعري كونه مدار كشفها، وهو ما سيحاوله هذا البحث في الفصل التطبيقي.
وأصول الشعرية منها ما يتصل بخصوصية اللغة وما يستلزمه حال الوعي بها، والإدراك لطبيعتها البنائية، وتدبر أنماطها الإيقاعية، والكشف عن هذا بوساطة النص الشعري يحدد المنبهات الأسلوبية لدى صاحب النص أي في النص الشعري، ويشير إلى أصل من أصول مقومات الشعرية على نحو عام. ومن أصول الشعرية ما يتصل بخصوصية البيئة العربية وما تتصف به هذه البيئة على الصعيد المكاني من، انفتاح أفق ونمطية حياة تترجح بين السكون والصراع، ويحدد الوعي بها طبيعة الموضوعات التي يقولها النص الشعري، ومن أصول الشعرية ما يتصل بخصوصية الثقافة بما تتوفر عليه من مرجعية شفاهية أو كتابية ذات أصول ضاربة في (الشعور الجمعي للعرق العربي) وإحساس بالتفرد صادر عن أصالة المقومات.
أما عناصر الشعرية فمنها ما ينبني عليه الشكل الفني ولا سيما عناصر الإيقاع والنحوية والانزياح ومنها ما يتصل بالجانب الموضوعي، والأنماط الأسلوبية الصادرة عن مدى توفر النص الشعري على هذه العناصر، يمكن الكشف عنها من خلال النصوص الشعرية، وهو ما سيحاوله البحث عند قراءة مقومات عمود الشعر الأسلوبية في الفصل الثالث، من هنا فقد حاول هذا التمهيد الكشف عن مقومات عمود الشعر؛ أصولها وعناصرها، لتكون مهاداً نظرياً ننطلق منه لأجل قراءة الأنماط الأسلوبية التي تشكل موضوعية البحث في السياق التاريخي.


***

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق


الفصل الثاني:

الأصول


المبحث الأول: في التنظير النَّقدي
ـ الأصمعي
ـ ابن سلاّم
ـ ابن قتيبة
ـ ابن المعتز
ـ ابن طباطبا العلوي
ـ قدامة بن جعفر

المبحث الثاني: في التطبيق النقدي
- الآمدي
- الجرجاني







أصول عمود الشعر، في التنظير النقدي
صدر المرزوقي في وضع مقومات عمود الشعر العربي عن الإرث النقدي الذي سبقه على تعدد مستوياته، فهناك (نقد تسجيلي) كان يعنى بالتوثيق والتدوين، وكان الاحتكام إلى السبق الزمني من مقوماته، مثله الأصمعي وابن سلام. وهناك (نقد تنظيري) كان يعنى بنقد الشعر احتكاماً إلى مقومات نقدية بعضها نصية ذات صفة بلاغية أو لغوية نحوية، وبعضها الآخر (عرفية) ذات صفة اجتماعية أو أخلاقية أو غيرهما مما تواضع العرف على قبوله، إلا أن هذا المستوى من النقد هو الذي أخذ بتأسيس مفهوم عربي في نقد الشعر، وقد مثله ابن المعتز وابن طباطبا وقدامة بن جعفر.
ولا شك في أن قراءة المعايير النقدية التي احتكم إليها ذلك النقد في قراءة الشعر العربي، تكشف عن مقومات الشعرية العربية، كما عرضها أولئك النقاد تلك المقومات التي شكلت المرجعية الثقافية (النقدية) التي صدر عنها المرزوقي في وضعه عناصر عمود الشعر العربي، التي أراد لها أن تكون مقومات نقدية نقرأ الشعر العربي بضوء منها، ونقدم شاعراً على آخر بقدر النصيب الذي توفر عليه نصه الشعري منها.
وسيحاول هذا المبحث عرض المعايير النقدية التي صدر عنها نقاد (المنهج التسجيلي) ثم المعايير الأخرى التي قال بها نقاد (المنهج التنظيري) لأنهما يمثلان الأصول المرجعية لعمود الشعر العربي، مع ملاحظة السبق الزمني وخصوصية المنهج عند كل ناقد، وصولاً لقراءة عناصر العمود الشعري في النقد التطبيقي، كما تمثلت أولاً عند الآمدي في (الموازنة) ثم كما تحددت على نحو تنظيري/ تطبيقي عند عبد العزيز الجرجاني في (الوساطة) لتكون أثر هذا كله أصول العمود جلية واضحة في الإرث النقدي العربي الذي سبق المرزوقي.
ويبدو أن هذا التسلسل المنطقي للنقد العربي من: التسجيل (توثيق/ تدوين) إلى التنظير (قراءة/ معايير) إلى التطبيق (نص شعري/ معايير نصية) حتى صار الأمر إلى تحديد المعايير وتقعيدها بعناصر مخصوصة (عناصر عمود الشعر)، مرتبط بتطور حركة الوعي النقدي وصادر عنها، إذ بدأت بتسجيل النص الشعري الجاهلي تدويناً توثيقياً، على وفق حرصها على ذلك، ثم قراءة ذلك النص والتنظير لمعايير تلك القراءة النقدية، ثم لما تقدم الزمن وصار الأمر إلى شعر جاهلي ومخضرم وإسلامي ثم مولد أو محدث حتى كثر ذلك المولد المحدث إلى أن صار المولدون المحدثون في طبقات، صار الأمر يقتضي قراءة نقدية تطبيقية توازن بين ذلك المحدث إثباتاً له وتمييزاً لبعضه من بعضه الآخر، فكان هناك النقد التطبيقي الذي قدم قراءة نقدية في أشعار المحدثين احتكاماً إلى مقومات الشعرية العربية كما جاءت في الشعر الجاهلي أو كما مثلها الشعر المخضرم أو الرفيع الجزل من الشعر الإسلامي، وحين جاء المرزوقي في مقدمته المشهورة، استحضر كل النقد السابق بوصفه أصولاً لعناصر عمود الشعر العربي التي أوردها في مقدمته على حماسة أبي تمام.





(المبحث الأول) في التنظير النقدي


ـ الأصمعي:
يرتبط معيار الفحولة عند الأصمعي، بغرضي: المدح والهجاء إيجابياً، لاتصال هذين الغرضين بالحياة الاجتماعية، فالهجاء سلاح قبلي والمدح كذلك، والشاعر الذي لا يبرز في هذين لا يؤدي دوراً بارزاً، أي لا ينظر إليه بوصفه فحلاً شعرياً، وهذا ما يفسر الرواية التي تقول: إن ذا الرمة قال للفرزدق: مالي لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء( ).
ويرتبط معيار الفحولة عنده أيضاً، بالجانب الأخلاقي/ الديني (الخير) سلبياً، على أن في هذا الاتجاه كلاماً كثيراً، فحين يقول عن لبيد: كان رجلاً صالحاً، يقصد نفي جودة الشعر عنه( )، إذ ليس لشعره حلاوة، فهو "كأنه طيلسان طبري"( ) ورأيه بحسان ـ على شيوعه ـ مشابه لرأيه في لبيد.
فإذا كان لبيداً لم يقل في الإسلام سوى بيت واحد، فمن أين تأتى للأصمعي أن يصدر عليه هذا الحكم المشابه لقول أبي عمرو بن العلاء: "ما أحد أحب إلي شعراً من لبيد بن ربيعة، لذكره الله (عز وجل) ولإسلامه ولذكره الدين والخير، ولكن شعره رحى بزر"؟( ).
فإذا قال حكمه ناظراً في شعره الإسلامي، فأين شعر لبيد في الإسلام؟ وإذا احتكم إلى شعره في الجاهلية، فإن رأيه ومعاصره أبي عمرو بن العلاء على خلاف ما تواضع عليه أهل الشعر، فالنابغة يشهد، أن لبيداً اشعر العرب( )، وابن سلام يضعه في الطبقة الثالثة، وابن قتيبة ـ بعد ذلك ـ يصفه بسهولة المنطق ورقة الحواشي( )، والفرزدق ـ قبل ابن قتيبة ـ حين سمع قول لبيد:
وجلا السيولَ عن الطلول كأنها
زُبُرٌ تجدُّ متونها أقلامها

سجد.. فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال" أنتم تعرفون سجدة القرآن، وأنا أعرف سجدة الشعر( ).
وهذا ما يضع رأيي الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء في أحد اتجاهين: إما أنهما نظرا إلى إسلام لبيد الذي رأى في القرآن إعجازاً تواضع أمامه إعجاز الشعر كثيراً جداً، فما كان من لبيد إلا أن اكتفى بالبقرة وآل عمران، عن أن يقول شعراً، فصار معاصروه ينظرون إليه بمنظار الإعجاب الديني، وانسحب هذا النظر إلى شعره الجاهلي أيضاً، فصاروا يرون لبيداً بوصفه رجلاً مسلماً صالحاً، بعيداً عن التجويد في قول الشعر (صناعة)، وهم يرون الصلاح الديني حين يصدر الشعر عنه، لا يتصف بالحلاوة كما يقول الأصمعي، ومن هنا كان وهم النظر إلى شعر لبيد.
أما الاتجاه الثاني فهو أن هذين الرأيين فيهما زيادة أو تقويل، والذي نقول، ربما كان مأخوذاً بوهم النظر إلى شعر لبيد الذي أشرت إليه في الاتجاه الأول.
ومعيار الفحولة عند الأصمعي امتياز يحدده بقوله: "أولهم كلهم في الجودة، امرؤ القيس، له الحظوة والسبق، وكلهم أخذوا من قوله واتبعوا مذهبه"( ). فامتياز الفحولة يكون في: المنزلة أو المكانة أي الحظوة في السبق الفني ثم السبق الزمني، ثم اتباع مذهبه من خلال الأخذ عنه.
وأظهر شروط الأصمعي في الفحولة، القوة الفطرية التي يصدر عنها الشاعر، أي الطبع المتصل بغلبة الشعر على شخصية الشاعر، بعيداً عن الليونة المتصلة بالأخلاق والخير والصلاح، لهذا فهو لا يرى فيمن لم يغلب الشعر عليهم باشتراطاته فحولاً، بل عدهم فرساناً أو كرماء، فيعد عروة بن الورد شاعراً كريماً وليس بفحل، وأبا داود الأيادي رجلاً صالحا ًوليس بفحل، وحاتماً الطائي رجلاً كريماً وليس بفحل، وعنترة بن شداد فارساً وليس بفحل ومثله خفاف بن ندبة والزبرقان بن بدر وعباس بن مرداس السلمي وبشر بن أبي خازم وزيد الخيل الطائي( ).
ومع غلبة الشعر على شخصية الشاعر (القصدية/ الاحتراف) يضع معيار الكم وإن لم يحدد الكم بعدد معين من القصائد، فيعد معقر البارقي فحلاً لو أتم ما وصلنا من شعره بخمس قصائد أو ست( ). أما أوس بن غلفاء الهجمي، فكان يمكن أن يكون فحلاً، لو أتم ما وصلنا من شعره بعشرين قصيدة( ).
وكذلك يشترط في الفحولة الثقافة إذ "لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ، وأول ذلك أن يعلم العروض فيكون ميزاناً على قوله، والنحو ليصلح به لسانه، وليقيم إعرابه، والنسب وأيام العرب، ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم"( ).
ومن خلال ما سبق، فإن مصطلح الفحولة عند الأصمعي يستند إلى، قوة الطبع وغلبة صفة الشعر أي الاحتراف أو القصد، والكم المناسب من القصائد، وسعة الثقافة، والفصل بين الدين والأخلاق وقد حققت هذه الاشتراطات الواجب توفرها ليكون الشاعر فحلاً أمرين:
1ـ أن الفحولة خصوصية توفر هذه الاشتراطات في الشاعر الفرد، وليس من خلال انتمائه لحقبة زمنية أو عصر معين، وهو ما قاده إلى استبعاد الفحولة عن كثير من شعراء الجاهلية.
2ـ الشاعر الحجة هو البدوي، جاهلياً كان أم إسلامياً، ولهذا يرى ذا الرمة حجة لأنه بدوي( ). على أنه لا يرى الكميت حجة لأنه مولد( ).
فالفحولة عند الأصمعي خصوصية متفردة في التعبير الشعري، ومقدرة فائقة، وطاقة خاصة تتصل بقوة الطبع في القول الشعري، تلك القوة المشابهة لقوة النفس في الصبر عند البأس، ولهذا ليس غريبا أن يرى أبو عبيدة في مصطلح الفحولة ما تدل عليه من قوة النفس في الصبر عند البأس فيرى الفحولة ضد التخنث، فقد كان إذا سمع شعر قطري بن الفجاءة قال: "هذا الشعر لا ما تعللون به نفوسكم من أشعار المخنثين"( )، أي أنه رجع إلى مقياس خلقي لا مخالفة فيه، على ما هناك من تقارب بين ما يضاد الفحولة عند الأصمعي وهو اللين، وما يضادها عند أبي عبيدة وهو التخنث، أي أن القوة مقياس مشترك بينهما في فهم مصطلح الفحولة.
نخلص من هذا إلى تقسيمين توفر عليهما مصطلح الفحولة، وصدرا عنه، التقسيم الأول: هو المعايير النقدية الواجب توفرها ليكون الشاعر فحلاً، أما التقسيم الثاني: فهو أقسام الشعراء في فحولة الأصمعي، وهذا ما يمكن إيجازه في الترسيمة التوضيحية الآتية:
مصطلح الفحولة عند الأصمعي

المعايير النقدية للفحولة أقسام الشعراء في الفحولة
1ـ جودة الكثرة والقلة 1ـ الفحول.
2ـ الاختصاص بالشعر/ الاحتراف 2ـ الفرسان.
3ـ طبقية الشاعر (زيارة الملوك ـ النابغة) 3ـ الكرام.
4ـ التقاليد الشعرية. 4ـ الصالحون.
5ـ تعدد الأغراض (تفضيل ليلى على الخنساء) 5ـ العداؤون.
6ـ البداوة (سكنى البادية ـ الفصاحة). 6ـ الفصحاء.
7ـ الذوق الشخصي.
8ـ التفرد في غرض بعينه.
9ـ الطبع.
10ـ الدين (الأخلاق ـ ضعف الشعر).
11ـ الأخلاق (العرف الاجتماعي).
12ـ معيار الزمن.
13ـ الحجة اللغوية (الفصاحة).
إن بعض المعايير النقدية التي احتكم إليها الأصمعي في تمييز الشاعر الفحل من غيره، ظلت متداولة في النقد العربي بعد الأصمعي، وبعضها الأخر تطور فهمه باختلاف النظر إليه في العصور الأدبية اللاحقة، فمعيار الطبع الذي قال به صار في عمود الشعر عند المرزوقي هدفاً يسعى النقد للكشف عنه ليعلم "فرق ما بين المصنوع والمطبوع"( ) وهنا ظل النظر إلى الشعر المطبوع على أنه الذي "يصدر عن الشاعر بالسجية، والطبيعة الناشئة عن تدربه بسماع أشعار البلغاء، واندفاع طبيعته لمحاكاة أشعارهم حتى يصير الشعر البليغ له كالطبع، فلا يصرف فيه تعمق رؤية ولا معاودة تنقيح، ولا تثقيف"( ) فلا خلاف في هذا بين الأصمعي والمرزوقي.
وكذلك معيار الحجة اللغوية أو الفصاحة، على أن الشاعر الحجة عند الأصمعي هو البدوي سواء أكان جاهلياً أم إسلامياً، وقد تطور فهم مصطلح الفصاحة عند المرزوقي على نحو ما قال به في الباب الثاني من معايير (عمود الشعر) وهو: جزالة اللفظ واستقامته فاستقامة اللفظ عنده وفاءه بالمراد الذي استعمله فيه البليغ( ).
أما المعايير الموجهة عند الأصمعي (الدين، الأخلاق، التقاليد الشعرية) فقد توفر عليها المرزوقي ضمناً في الباب الأول وهو (شرف المعنى وصحته) ولما كان عيار المعنى أن يقبله العقل الصحيح والفهم الثاقب( )، فقد صار التزامه بالمعايير الموجهة متضمناً فيه، على الرغم من أن الابتكار في المعاني من أسباب الشرف، ولا يشترط في المعنى الشريف أن يكون من الفضائل أو المعاني الحميدة.
والواقع أن القصد من قراءة معايير الفحولة عند الأصمعي، ليس الإشارة إلى ما صارت إليه عند المرزوقي في (عمود الشعر) فقط, إنما عرضها للوقوف على ما احتكم عليه النقاد السابقون في نقد الشعر بدءاً من الأصمعي.
ـ ابن سلام:
كان ابن سلام (ت 232هـ) أول من حاول على نحو منهجي متواضع، صياغة فهم خاص في النظر إلى الشعر كان فيه متمثلاً ما وصل إليه العلم بالشعر في عصره، ومفيداً من معاصريه ولا سيما الأصمعي، إذ جاء في نقد الشعر بعدة مقومات، كان في بعضها مؤسساً وفي الآخر متأثراً، وفي أحيان تابعاً للرأي الثقافي العام في عصره.
أخذ عن الأصمعي معيار الفحولة، وأسس عليه معيار الطبقة في الحديث عن طبقات شعراء الجاهلية الذين اقتصر عمله فيهم على أربعين شاعراً من الفحول المشهورين، وميزته من الأصمعي أنه يضع الفحول في طبقات أما الأصمعي فقد قسم الشعراء على فحول وغير فحول، لهذا فما لم يكن عند الأصمعي من الفحول، كان عنده فحلاً في طبقة بعينها.
معيار الكثرة الذي عده الأصمعي شرطاً للفحولة اعتمده في تقسيمه الطبقي، إذ قال في شعراء الطبقة السابعة: "أربعة رهط محكمون مقلون، وفي أشعارهم قلة فذاك الذي أخرهم"( ) مقدماً المشهورين الذي وصلنا لهم شعر قليل، زاعماً أن شهرتهم تدلل على كثرة شعرهم، ولكنه لم يصلنا إلا أقله، أي أنه يعتمد الشهرة معياراً في تقسيمه الطبقي.
رأى الأصمعي معيار "اللين" متضاداً مع الفحولة ، وقرنه بالخير، ولكن ابن سلام رآه كذلك غير أنه قرنه بالحياة المدنية المتحضرة، الباعثة على التشابه كما في لغة الشعر القرشي، لهذا يقول: "وأشعار قريش، أشعار فيها لين فتشكل بعض الأشكال"( ).
فابن سلام لم يقسم الشعراء إلى فحول وغير فحول كالأصمعي، إنما نظر في الطبقة الأرقى عاداً إيّاها معياراً لأنه جعل الشعراء في طبقات، ناظراً إليهم بملاحظة تقارب مستويات الأداء الشعري ذاك التقارب الذي يضعهم في (طبقة) ثم تفاوت مستويات الأداء الشعري ذاك التفاوت الذي يوزعهم على طبقات وهو في هذا وسّع الأفق النقدي الذي حدده الأصمعي قبله.
ويبدو أن معيار الطبقة قاده إلى مناقشة أربعة ظواهر رئيسة شاعت في عصره هي: أولية الشعر الجاهلي ثم النحل والانتحال ثم ضرورة الناقد ثم أهمية المنهج في نقد الشعر.
وكان طبيعياً أن يبعث معيار الطبقة على الحديث في هذه الظواهر، لأن قراءتها بإمعان تفتح منافذ كثيرة لنقد الشعر، على وفق شيء من الأسس العلمية والمعايير النقدية.
دراسة أولية الشعر العربي تفتح نافذة للنظر إلى، مرحلة التأسيس الشعري، والمراحل التي قطعها تطور الشكل الشعري، مع ملاحظة من طور وتطور في هذا الاتجاه، ليكون استعراض الشعراء في (الطبقات) منطقياً، وهو ما حاوله ابن سلام، مستنداً إلى معايير ذوقية تارة، ونقدية (عرفية) تارة أخرى.
حين حدد ابن سلام أولية الشعر تحديداً تقريبياً بقوله: "لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدل على إسقاط شعر ثمود وحمير وتبع..."( ).
إشارته إلى تقصيد القصيد وتطويل الشعر، دلالة على تكامل الشكل الشعري من خلال الشاعر الذي صار قاصداً إلى أن يقول الشعر محترفاً ذلك، بالقصيدة ذات المواضيع المعينة والغرض المحدد، والمقولة في نظام من الأبيات غير القليلة، والمعبرة فنياً بأساليب بيانية، تتفاوت تبعاً لها مقدرة الشاعر في إظهار تفوقه، هذا التفوق الذي ينسب له حين يمثله، وكان طبيعياً مع مرحلة المشافهة في قول الشعر، أن ينسب بعض الشعراء تفوق غيرهم إليهم، فكان الانتحال، أو أن ينسب الرواة لشاعر شعراً لم يقله، فكان النحل. وكان طبيعياً بروز هاتين الظاهرتين في عصر ابن سلام (عصر التدوين). ولما كان الرواة يشكلون وثيقة النقل الأشهر، فقد صار التوجه إلى اتهام المشتهر منهم برواية الشعر، وهو حماد الراوية الذي "كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره ويزيد في الأشعار"( )، ثم أشار إلى أهل السير والأخبار الذين لا علم لهم بالشعر، كونهم ساهموا في هذا الأمر على جهلهم به، مشيراً إلى ابن اسحاق وطبقته( ).
والحديث في هذا الاتجاه يؤدي إلى وصف "أهل العلم بالشعر، والنفاذ في كلام العرب، والعلم بالعربية"( )، وضرورة الأخذ عنهم، والالتزام بما اجتمعوا على قبولـه أو تواضعوا عليه، لأنه "لا يشكل على أهل العلم بالشعر زيادة الرواة، ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون"( ) فهم المرجع الذي يجب الصدور عنه في قبول الشعر أو عدمه، وهو هنا يؤسس لدور الناقد إذ "ليس لأحد ـ إذا اجتمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه ـ أن يقبل من صحيفة ولا أن يروي عن صحفي، وقد اختلفت العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه"( ).
وهو في هذا السياق يؤكد أن "الشعر يعلمه أهل العلم به"( ) مؤشراً استقلالية النقد الأدبي، مفرداً الناقد بدور خاص، لأن الناقد الحاذق ييسر لنا الوصول إلى الصواب، ويقترب من دور الناقد بأهمية أن يكون له تصور نقدي، أو معايير يحتكم إليها في نقد الشعر، أي على وفق منهج معين.
وقد قصد ابن سلام إلى الإفادة من المنهج التاريخي في نفي من قال بنسبة أشعار لعاد وثمود والأمم السالفة بقوله: "لا نجد لأولية العرب المعروفين شعراً، فكيف بعاد وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث، لم يرو قط عن عربي، ولا رواية للشعر، على ضعف أسره وقلة طلاوته"( ).
كما أفاد من المنهج اللغوي/ اللهجي/ كونه غير جاهل بلهجات القبائل العربية، فنظر في اختلاف لهجات تلك القبائل حتى عصره، ثم تصور اختلاف لغات الأمم البائدة، وهذا الأمر حمله إلى إعادة النظر في الشعر المنسوب لبعض القبائل العربية، مشيراً إلى قول أبي عمرو بن العلاء: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما عهد عاد وثمود، مع تداعيه ووهيه؟ فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن اسحاق، ومثل ما روى الصحفيون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم"( ).
وقد تتبع ابن سلام بعض لهجات القبائل العربية، إدراكاً منه لفائدة البحث اللغوي في تصحيح نسبة الأشعار المنحولة، في محاولة منه لنسبة الشعر لقائله أو للبيئة التي صدر عنها، بدوية كانت أم حضرية، وهو ما عني به نقاد الشعر بعد ابن سلام.
والناظر في فحولة الأصمعي وطبقات ابن سلام، يلحظ هيمنة النقد التسجيلي والمعيار الذوقي ولا سيما عند الأصمعي، ومحاولة تحقيق المعايير الموضوعية عند ابن سلام. ولما كانت المرحلة التاريخية تعنى بالتدوين (مرحلة توثيق) فقد هيمن المعيار الزمني، في خلال التمييز بين الشعر القديم والمولد أو المحدث.
ومن خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى إيجاز معايير ابن سلام النقدية التي احتكم إليها في طبقاته في ما يأتي:
1ـ معيار الكثرة والجودة، إذ على أساسه تأخر طرفة وعبيد بن الأبرص إلى المركز الرابع لقلة ما بأيدي الرواة من شعرهما، وكذلك ترتيب الطبقة السادسة وهم (أصحاب الواحدة).
2ـ معيار الغرض الشعري، إذ خص أصحاب المراثي بطبقة برأسها وكذلك الغزل.
3ـ معيار الدين والقومية، إذ أفرد شعراء اليهود بطبقة واحدة.
4ـ معيار البيئة/ البداوة، إذ أفرد أهل القرى بطبقة، مشيراً إلى الحضارة كما في شعر عدي بن زيد.
5ـ معيار الأخلاق، إذ أشار للشعراء الذين يتألهون والذين يتعهرون على المستوى الموضوعي أو الأخلاقي للتعبير الشعري.
6ـ معيار الأسلوب، وإن لم ينص عليه مباشرة، ولكنه جمع الشعراء المتقاربين فنياً في أساليبهم الشعرية، كما في الطبقة الثانية التي أثبت الدكتور الجادر كونها مدرسة فنية بالرواية( )، ما عدا بشر بن أبي خازم وكذا طبقة الرجاز.
7ـ معيار القبلية (الدم)، إذ أخذ الصلة القبلية مقياساً كما في شعراء الطبقة السابعة والثامنة.
8ـ معيار الزمان والمكان، إذ قسم الشعراء زمنياً إلى إسلاميين وجاهليين، ومكانياً أفرد لشعراء القرى العربية طبقة.
9ـ معيار العلماء، إذ حرص على عرض آراء العلماء من لغويين ونحاة عند التقديم، ولا سيما داخل الطبقة الواحدة.
ـ ابن قتيبة:
مع ابن قتيبة (ت 276هـ) في كتابه الشعر والشعراء خطا النقد التسجيلي خطوة جديدة، ولا سيما إذا نظرنا إلى تأليف الكتاب على هذا النحو من التخصص، إذ يعد موقفاً نقدياً، بغض النظر عن المعيار الزمني والنزعة البدوية اللتين اتسم بهما نقد الأصمعي وابن سلام.
ويرى بعض الدارسين ابن قتيبة مطبقاً نظرية أستاذه الجاحظ في نقد الشعر( ). على أنه حاول تأسيس منهج مدرسي، من خلال نظره في تاريخ الشعر العربي، مقسماً إياه إلى: جاهلي وإسلامي يقع فيهما مخضرمون ينتمون للجاهلية والإسلام أو للدولتين.
أما معاييره النقدية التي يعنينا النظر فيها هنا، فقد بدا فيها رافضاً المعيار الزمني الذي قال به سابقوه، وأخذ بمعيار الاحتراف في الشعر، الذي قال به الأصمعي، وأفاد من معيار الطبقة وإن لم يأخذ به، وحاول الاقتراب من النقد الصادر عن معيار مستقى من النص الشعري، من خلال إشارته إلى أنه حاكم الشعراء مستنداً إلى "ما أخذه العلماء عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم ومعانيهم"( ).
ويمكن قراءة معايير ابن قتيبة في النقد، موزعة على شكلين: الشكل الأول يشتمل على المعايير ذات الطابع التوثيقي التسجيلي، على منهج ابن سلام والأصمعي، مثل معيار الرواية والحفظ إذ يقول" "وليس كل الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى، ولكنه قد يختار ويحفظ على أسباب"( )، ومعيار الاحتراف أي القصد لقول الشعر حتى غلبة الشعر على شخصية الشاعر. ومعيار الجودة الفنية أي رفض المعيار الزمني، "فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله سّنِهِ ولاحداثة، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه"( ).
كما قال بمعيار السرقة الذي شاع فيمن جاء بعده، حتى شغل جيلاً من النقاد، من قبيل إشارته إلى قول الأعشى:
وكأسٍ شَرِبتُ على لَذَّةٍ
وأخرى تَداويتُ مِنها بِهَا

فقال: إن أبا نواس سرقه وزاد عليه بقوله( ):
دَعْ عنكَ لومي فإنّ اللومَ إغراءُ
ودَاوني بالتي كانتْ هي الداءُ

ولكنه لم يفصل في مصطلح (السرقة) على نحو ما شاع بعده.
كما قال بمعيار (ثقافة الشاعر) موافقاً رأي الأصمعي وابن سلام، إذ قال: "كل علم محتاج إلى السماع، وأحوجه إلى ذلك، علم الدين ثم الشعر"( ) وذكر معيار (الندرة) مشفوعاً بالجودة الفنية أحياناً، إذ أشار إلى أن بعض الشعر "قد يحفظ لأن قائله لم يقل غيره، أو لأن شعره قليل عزيز"( ).
ثم ذكر أن بعض الشعر قد يحفظ ويروى لنبل قائله، كقول هارون الرشيد:
النفسُ تَطْمَعُ والأسبابُ عاجزة
والنفسُ تَهلكُ بين اليأسِ والطمعِ

فيقول: إن هذا النمط من الشعر، شريف بنفسه وبصاحبه( ).
أما مقوماته النصية، فبعضها ذو طابع عقلي منطقي، وبعضها الآخر لغوي/ نحوي، وقسم ثالث يخص الإيقاع الشعري على الصعيد الموسيقي، وقسم رابع يتعلق ببناء القصيدة العربية.
ومن مقوماته العقلية، ما كان من نظره للشعر في ضوء ثنائية: اللفظ/ المعنى، إذ قسم الشعر على أربعة أقسام:
ـ قسم حسن لفظه وجاد معناه( )، من مثل قول أوس بن حجر:
أيّتها النفسُ أجملي جَزَعا
إنّ الذي تَحْذَرينَ قد وَقَعا

وقول أبي ذؤيب الهذلي:
والنفسُ راغبة إذا رَغَّبتَها
وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ

فالتعبير الشعري المعبر عن مضمون أخلاقي ذي نفع تربوي بلغة جزلة، هو المقدم عنده.
ـ قسم حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد فيه كثير فائدة( )، من مثل قول عقبة بن زهير المشهور:
وَلمّا قَضينا مِنىً كلّ حاجةٍ
ومَسَّحَ بالأركانِ مَن هو ماسحُ

وَشُدّتْ على حَدبِ المهاري رِحالُنَا
ولا يُنظر الغادي الذي هو رائِحُ

أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا
وسَالتْ بأعناقِ المطي الأباطحُ

وقول الآخر:
إنّ الذين غَدوا بلبكَ غَادروا
وشَلاً بِعينكَ ما يزالُ مَعينا

غيّضنَ من عَبراتِهنَ وقلنَ لي:
ماذا لقيتَ مِن الهوى ولقينا

إذ يرى هذا الأسلوب الشعري، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى( )، والسبب هنا راجع إلى ما يتطلبه ابن قتيبة وأقرانه من المعنى ذي المضمون الأخلاقي الذي يصدر عنه نفع تربوي، وكأنه يغفل البنية المجازية التي يصدر عنها الجمال الشعري أكثر من صدوره عن المضمون الأخلاقي.
ـ قسم جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه( )، من مثل قول لبيد:
ما عاتبَ المرءَ الكريم كنفسهِ
والمرءُ يصلحهُ الجليسُ الصالحُ

وقول الفرزدق:
والشّيبُ يَنْهَضُ في الشبابِ كأنهُ
ليلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهارُ

إذ يرى هذا الأسلوب الشعري جيد المعنى والسبك، قليل الماء والرونق( ) والسبب هنا راجع إلى المعيارية التي قدمها في القسم الأول، إذ يرى في قول لبيد معنى حسناً ولكن أسلوب صياغة التعبير الشعري لم يكن بمستوى القوة والجزالة اللتين قال بهما في القسم الأول، أما معنى الفرزدق فيبدو أن عنايته الأخلاقية التربوية جعلته يتطلب الوضوح بعيداً عن المجاز أو الاستعارة.
ـ قسم تأخر معناه ولفظه، كقول الأعشى في امرأة:
وَفُوهاً كأقاحيٍّ
غذاهُ دائمُ الهطلِ

كما شيب براح با
ردٍ من عسلِ النحلِ

ولا شك في أن الأسلوب الشعري الذي ذكره في القسم الأول بما يتوفر عليه من نفع تربوي، وما اشتمل عليه من صياغة لغوية جزلة يتطلبها عصره حتى صار يرى لغة الاستعارة –على جمالها الفني- دونها، ذلك الأسلوب يجعله يعد هذا الأسلوب الشعري –كما عند الأعشى في البيتين- متأخراً، لفظاً ومعنى، فلغته متحضرة وإيقاعه غنائي قصير (البحر الهزج).
وقراءته للشعر في ضوء ثنائية: اللفظ/ المعنى، تلفت الدارس إلى الإشارات الآتية:
- لم يسع ابن قتيبة إلى تغليب اللفظ على المعنى أو العكس، إنما حاول أن يناسب بينهما على نحو من النظر التوفيقي، وهو ما قال به المرزوقي في باب مشاكلة اللفظ للمعنى.
- لم يضع لمفهوم اللفظ شروطاً، إنما علق الأمر بما تواضع عليه العرف، على أنه أشار إلى ضرورة أن يكون اللفظ بعيداً عن الوحشي من الكلام، والبعد عن اللغة التي لم يستعملها العرب كثيراً( )، واستعمال الألفاظ السهلة البعيدة عن التعقيد وغير المستكرهة والقريبة من متناول الفهم، وتوخي القوافي الحسنة الروي( )، أي جزالة اللفظ واستقامته، مما قال به المرزوقي.
- بدا أنَّ مفهوم المعنى عنده معبر عن المنحى الأخلاقي التربوي، ومتسم بفائدة فكرية معينة، ولا يعنى كثيراً بإيقاع الصورة الشعرية مجازياً، وكأن بحثه عن المعنى الأخلاقي أو التربوي بشيء من النظر العقلي، جعله يخرج "شعر الغزل الجميل، والوصف التصويري البديع من نطاق الشعر الجيد الذي حسن لفظه وجاد معناه"( ).
والذي يتأمل رأيه في الشعر الذي حسن لفظه وخلا من المعنى، ولا سيما ما جاء في أبيات عقبة بن كعب وبيتي المعلوط وكذلك بيت الفرزدق، يلحظ أنه: "قد أخرج من دائرة الشعر الجيد، أجمل الشعر العربي، وأكثره قدرة على التعبير عن الصورة المادية أو الصورة المعنوية الكامنة في ذات الشاعر"( ).
والقسم الآخر من مقوماته النقدية التي اتسمت بالنصية وكانت ذات طابع لغوي، إشاراته إلى ظاهرة الإبدال الصوتي التي ذكرها سيبويه، كإبدال (الجيم من الياء) وإبدالهم الياء من الحرف في الكلمة المخفوضة( )، ثم إشاراته إلى اضطرار الشاعر إلى تسكين ما ينبغي تحريكه على وفق القواعد القياسية( )، وهو ما قال به المرزوقي في مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.
والقسم الثالث من مقوماته النصية متعلق بالإيقاع حيث أشار إلى حسن الروي بوصفه سبباً في حفظ بعض الشعر وروايته( )، ثم ما كان من حديثه في اصطلاحات عروضية مثل: الاقواء والاكفاء والسناد والإيطاء والإجازة( ).
أما ما يخص بناء القصيدة العربية، فقد حاول تعليل أسباب ذلك البناء، في خلال الإشارة إلى استهلالها بالبكاء على الأطلال ثم الانتقال إلى وصف الرحلة والنسيب، "ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الإسماع إليه، لأن التشبيه قريب من النفوس لائط بالقلوب... فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره وشكا النصب والسهر... فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير. بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل( ).
ويعد القرآن من معايير بناء القصيدة العربية، وهو أن يكون البيت مقروناً إلى ما يجاوره ومضموناً إلى لفقه( ).
ومن معاييره أيضاً، الطبع والصنعة أو المطبوع والمتكلف ثم الإصابة في التشبيه، ثم غرابة المعنى.
أما في المطبوع والمتكلف فيميز بين الشاعر المطبوع والشاعر المتكلف، من خلال النظر للطبع على أنه المقدرة الفنية على الإبداع في فنون الشعر، "فالشعراء في الطبع مختلفون منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء، ومنهم من يتيسر له المرائي ويتعذر عليه الغزل"( )، أي أن المطبوع هو المقتدر على قول الشعر، بأن يقتدر على القوافي ويريك "في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع، ووشي الغريزة، فإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحر"( ).
أما الشاعر المتكلف فمبدع لعنايته وطول نظره في شعره، فهو "الذي يقوم شعره بالنقاف، ونقحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة..."( ).
أما التكلف حين يكون صفة للشعر وليس للشاعر، فقد لا يكون صفة مدح، لأنه يرى الشعر المتكلف هو ما تكثر فيه الضرورات ويحذف منه ما المعاني بها حاجة إليه، وزيادة ما المعاني مستغنية عنه( ).
أما معيار الإصابة في التشبيه، فيراه باعثاً على حفظ الشعر وروايته، وهو فيه جار على العرف العربي الذي يقدم التشبيه، ويفضل الشعر الذي يتوفر عليه، على نحو فني متصف بالوضوح والتناسب، كما تكشف عن هذا الأبيات التي يستشهد بها في هذا السياق( ).
وهذا ما قال به المرزوقي: باب الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه.
أما معيار غرابة المعنى، فيعده –كذلك- باعثاً على حفظ الشعر وروايته، لأن الشعر "قد يختار ويحفظ لأنه، غريب في معناه"( ) والغرابة لا تعني عنده الغموض إنما المعنى المتفرد (النادر) المتصف بالوضوح.
-ابن المعتز:
يمثل ابن المعتز (ت 296هـ) الجيل الثالث من النقاد العرب القدماء بعد جيلي: ابن سلام ثم الجاحظ، وقد كان في كتابه (البديع) متقدماً على سابقه ابن قتيبة في قراءة الشعر من خلال مقومات نصية، لذا جاء كتابه (البديع) النواة الأولى للبلاغة العربية بعد (بيان الجاحظ وتبيينه)، وقد قسم مقوماته البلاغية على قسمين: الأول سماه بـ (البديع) ودرس فيه: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد إعجاز الكلام على ما نقدمها، والمذهب الكلامي، أما الثاني فسماه بـ (محاسن الكلام) درس فيه: الالتفات، والاعتراض، والرجوع، وحسن الخروج، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف، والهزل الذي يراد به الجد، والتضمين، والتعريض، والكناية، والإفراط في الصنعة، وحسن التشبيه.
أي أنه نظر في مقومات الكلام الأدبي ذات الطبيعة المجازية البيانية والإيقاعية الدلالية، بوصفها البديع الذي يرتفع به الخطاب الأدبي، شعره ونثره إلى مستوى الفن الرفيع، لذا جاءت أول مقومات البديع عنده: الاستعارة كونها: "استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها، من شيء قد عرف بها، مثل: أم الكتاب، ومثل: جناح الذل، ومثل: قول القائل، الفكرة مخ العمل، فلو قال: لب العمل لم يكن بديعاً"( )، ثم يمثل الاستعارة بكلام الله ثم بأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثم بكلام الصحابة (رض) ثم بأشعار الجاهليين، ثم الإسلاميين، ثم بكلام المحدثين، الشعري منه والنثري( ).
ولو أنه نظر إلى استعمال الكلمة فيما لم تعرف به، عادّاً هذا منطلقاً أسلوبياً، لكان قد فتح حرية القول المجازي، على وفق ضوابط معروفة يحتكم فيها بالرجوع إلى السياق ولما استهجن قول أبي تمام:
شابَ رأسي، وما رأيتُ مَشيبَ
رأسِ إلاّ مِن فضلِ شَيبِ الفؤادِ

حتى قال: "فيا سبحان الله!! ما أقبح مشيب الفؤاد؟ وما كان أجرأه على الاسماع في هذا وأمثاله"( )؟
أما المقوم الثاني فهو التجنيس، بأن "تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر، وكلام مجانستها لها، أن تشبهها في تأليف حروفها" ثم يأخذ بالتمثيل لأسلوب التجنيس على ما سبق في الاستعارة، على أن التجنيس مقوم إيقاعي صوتي.
أما المقوم الثالث فهو المطابقة، الذي يذكر في إيضاحه، قول الخليل بن أحمد:
"يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد... فالقائل لصاحبه، أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع، فأدخلتنا في ضيق الضمان، قد طابق بين السعة والضيق في هذا الخطاب"( )، ثم يتوسع بإيراد الأمثلة على نهجه.
والمقوم الرابع هو: "رد إعجاز الكلام على ما تقدمها، وهذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام: فمن هذا الباب، ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة في نصفه الأول... ومنه ما يوافق آخر كلمة منه أول كلمة في نصفه الأول... ومنه ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه"( ).
والمقوم البديعي الأخير عنده، ما كان قد سماه الجاحظ بـ (المذهب الكلامي) إذ يقول: "هذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"( ).
ويكتفي بهذه الأقسام الخمسة في البديع مشيراً إلى أنها: "اسم موضوع لفنون من الشعر، يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم (البديع) ولا يدرون ما هو"( ).
ثم يترك ابن المعتز المجال مفتوحاً لمن رغب في أن يضيف جديداً، مقتدياً به، ثم يفتح باباً بعده مختلفاً عن هذه المقومات الخمسة السابقة، ويسميه بـ (محاسن الكلام) ذاكراً فيه الالتفات الذي هو: "انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الأخبار، وعن الأخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك من الالتفات، الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر"( ) معرفاً بعد ذلك بمحسنات الكلام الآتية( ):
1-الاعتراض، أي اعتراض كلام في كلام لم يتمم معناه، ثم يعود إليه فيتممه في بيت واحد.
2-حسن الخروج من معنى إلى معنى آخر، بأسلوب يظهر الأديب فيه براعة في تناسب المعاني.
3-الرجوع بأن يقول القائل شيئاً ثم يرجع عنه، وهو من سمات الأسلوب الخطابي الإقناعي.
4-تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو من أساليب المبالغة في لغة المدح.
5-تجاهل العارف، وهو أسلوب يظهر براعة الأديب وفطنته في مجاراة تناسب السياق.
6-الهزل الذي يراد به الجد، وهو أسلوب غالباً ما يرتبط بالتقريرية والمباشرة.
7-الكناية، وهي أسلوب يراد به إظهار براعة الأديب في استيعاب سياق الحال ثم سياق النص، في خلال ذكر اللفظ وإرادة لازم معناه.
8-التعريض، وهو أسلوب يقع في دائرة الكتابة يظهر براعة الأديب وفطنته في تحميل اللفظ معنى يؤديه السياق.
9-الإفراط في الصفة، وهو أسلوب يقع في النثر أكثر منه في الشعر، أو هكذا ينبغي له لأن الإفراط في لغة الوصف سمة في الشعر.
10- حسن التضمين، وهو أسلوب يكثر في النثر ويقل في الشعر لارتباطه بالتقليد إذا كان الكلام المتضمن سيداً في سياق الخطاب العام، وليس توظيفاً فنياً.
11-حسن التشبيه، وابن المعتز في هذا ناظر إلى ما يتطلبه العربي في التشبيه من تناسب مكوناته، وإن برع فيه بوصفه شاعراً أيضاً.
12-حسن الابتداءات، وهو اتجاه في الكلام الشعري والنثري، ولكن النقاد قالوا بضرورة أن يعنى الشعراء بتحسين مطالعهم (حسن ابتداء القصيدة).
ومما يحمد لابن المعتز في مقوماته البلاغية السابقة: إكثارهُ من التمثيل للمقوم الواحد بالشعر والنثر، وفتحه باب الاجتهاد لمن يرغب في أن يضيف جديداً، إمكانية عد بعض المقومات البلاغية، مقومات أسلوبية، انفرد بها شعراء مخصوصون، كبديع أبي تمام على صعيد التجنيس على نحو خاص.
وقد تواضع النقاد الذين سبقوا ابن المعتز على اصطلاح البديع، وتوقفوا عند بعض المقومات البديعية، إذ أشار الجاحظ إلى الاستعارة بوصفها بديعاً ناسباً الأمر إلى ما تواضع عليه الرواة حين علق على قول الأشهب بن رميلة:
هُمْ ساعدُ الدهرِ الذي يُتقى بهِ
وما خيرُ كفٍ لا تنوءُ بساعدِ

فقال: قوله: "هم ساعد الدهر" إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع، وقد قال الراعي النميري:
هُمْ كاهلُ الدهرِ الذي يُتقى بهِ
وَمنكَبهُ إنْ كانَ للدهرِ مَنْكَبُ

وقد جاء في الحديث: "موس الله أحد، وساعد الله أشد" والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، و أربت على كل لسان، والراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار"( ).
هذا النص يشير على دراية الجاحظ بمفهوم البديع، وما يشتمل عليه من استعارة وجناس وطباق فالاستعارة في (ساعد الدهر) و (كاهل الدهر) والجناس في (أحد وأشد) وهكذا لكن ابن المعتز حين أفرد للبديع كتاباً عد نفسه رائداً في الإفراد، أما الأسس التي انطلق منها فقد أسس لها الجاحظ في البيان والتبيين على نحو خاص( ).
بيد أن مفهوم البديع، وما يشتمل عليه من مقومات بلاغية، صار بعد ابن المعتز يأخذ نحواً قاعدياً، فصار البديع عند البلغاء ما يشتمل على ضروب مثل: الاستعارة والتناسب والاحتراس وائتلاف اللفظ مع المعنى، وصحة التقسيم والإيجاز والتسهيم والطباق والآرداف والتعليل وغيرها( ).
على أن الجاحظ لم يضع للاستعارة بوصفها مقوماً بديعياً حداً أو قاعدة عقلية صارمة –كما صار لاحقاً- إنما نظر إلى استخدام اللفظ في غير ما هو له، ليضفي هذا الاستخدام معنى جديداً على اللفظ يؤديه السياق وليس النظر العقلي أو القاعدة المنطقية، وكأن الشاعر في البديع يستخدم اللفظ استخداماً يكون فيه هو الموجد له أو الخالق والمبدع، ناظراً إلى ما يؤديه السياق، وهذا ما ينسجم ومفهوم البديع لغة، الذي هو أحداث شيء على غير مثال سابق، كقول ابن سينا: "الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغيره، متعلق به فقط، دون متوسط من مادة أو آلة أو زمان"( )، والبديع بمعنى المبدع من أسماء الله الحسنى، فالإبداع من صفات الذات الإلهية، واتصاف العباد بها أمر مستبعد( ).
على أن هذا لا يشير إلى اتصاف المخلوق بصفة الخالق، على النحو الذي يفهمه النظر المتزمت مما يعده خروجاً على الدين، لأن الابتداع يضع المخلوق في مقام الخالق نافياً إبداع الخالق، والذين ذهبوا مذهب التشدد العقلي في النظر إلى الاستعارة مثلاً بوصفها إبداعاً، لم ينطلقوا هذا المنطلق كما فهم ذلك أدونيس، وبنى عليه رأياً غير دقيق( )، إنما انطلقوا من أهمية أن يرتبط المجاز بقرينة عقلية تؤدى إلى إيضاح المعنى للمتلقي، بعيداً عن الغموض، والتزاماً بشيء من الوضوح الفني وهو ما قاله المرزوقي في تناسب مكونات الاستعارة.
-ابن طباطبا:
يبدو ابن طباطبا (ت 322هـ) أقرب إلى جيل ابن قتيبة في النقد العربي القديم، لذا يراه بعض الدارسين، حلقة متممة لما كان بدأه ابن قتيبة( ). وقد جاءت مقوماته في نقد الشعر تطويراً لما كان ابن قتيبة قد انطلق منه، لكنه أقل حدة في النظر المنطقي وأقرب إلى الذائقة الأدبية.
حد الشعر عنده: "كلام منظوم بائن عن المنثور"( ) ولا بد لإتقان الشعر عنده من الإلمام بأدوات هي: "التوسع في علم اللغة، والبراعة في فهم الإعراب، والرواية لفنون الآداب، والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم، والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر( ).
وقد حرص على وصف عملية الإبداع الشعري، بدءاً من الشاعر المتلقي، إذ قال: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا كملت له المعاني وكثرت الأبيات، وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها، وسلكاً جامعاً لما تشتت منها، ثم يتأمل ما قد أدّاه إليه طبعه، ونتجته فكرته، فيستقصي انتقاده ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة، لفظة سهلة نقية... ويكون كالنساج الحاذق الذي يفوّفُ وشيه بأحسن التفويف، ويسديه وينيره، ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه"( ).
فهو يشير إلى تقسيم عملية الإبداع الشعري على أربع مراحل: المرحلة الأولى، مرحلة تفكير وإعداد، يكون فيها الشعر "فصولاً كفصول الرسائل"( ) لأنها تنطلق من فكرة أن "الشعر رسائل معقودة، والرسائل شعر محلول"( ) فالنثر الفني عنده ليس أقل من الشعر، ومن هنا يشير إلى أن "الأشعار المحكمة المتقنة إذا نقضت وجعلت نثراً، لم تبطل جودة معانيها، ولم تفقد جزالة ألفاظها"( ) ، فالمسألة الجوهرية هنا هي دور العقل أو حضور الفكر، بعيداً عن القول بنظرية الإلهام، فكأنما هو يرى العبقرية الشعرية "لا تستطيع أن تظهر نفسها دون الصنعة (الجهد الواعي)( ).
والمرحلة الثانية هي البدء بالنظم، بأن يعلق كل بيت على نحو متناسب بما يجاوره وهو في هذا يعنى بالشكل التقليدي عنايته بالمعنى، ثم المرحلة الثالثة التي هي تأليف أنساق الكلام وتنسيقها في محاولة لتحقيق حدة معينة، أما المرحلة الرابعة فهي التنقيح الذي يكون للعقل وهندسة الوعي دور كبير في إخراج العمل الفني شعرياً إلى المتلقي بأسلوب جمالي.
فهو يرى أن المضمون في الشعر يعد إعداداً مسبقاً، أما الشكل فيوضع على نحو متناسب وبوعي تام بعملية الكتابة الشعرية، وربما ألغى الفروق بين الرسالة النثرية والشعر. كأنه يحتكم إلى مقومات المضمون لاهتمامه بالمنحى التربوي الأخلاقي الذي يؤديه الشعر.
وقد كان نظره في الشعر من خلال ثنائية: اللفظ/ المعنى، متأثراً بما انطلق منه ابن قتيبة، فالشعر عنده "ما أن عري من معنى بديع، لم يَعْرَ من حسن ديباجة، وما خالف هذا فليس بشعر"( )، فتصور أن معاناة الشعراء المحدثين كبيرة لا نهم "قد سبقوا إلى كل معنى بديع، ولفظ فصيح"( ). إذ يعد، صحة المعنى وعذوبة اللفظ مع صحة الوزن، عيار الشعر المحكم الذي إذا "نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه"( ).
ثم نظر إلى أسلوب التشبيه على أنه ركن من أركان الشعرية العربية، لا غنى عنه، ولا سيما أن العرب "صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو أوصافهم ما رأوه منها وفيها"( ). ويؤكد على تناسب مكونات التشبيه –كما قال بها السابقون- ولكنه يعتمد على نظر عقلي مباشر، فأحسن التشبيهات عنده، هو الذي "إذا عكس لم ينتقض، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به، صورة ومعنى"( ).
ويكرر ما أورده ابن قتيبة في ثنائية: اللفظ/ المعنى، ويذكر أحياناً أمثلة ابن قتيبة نفسها، فهو يقسم الشعر من خلال هذه الثنائية إلى ضروب:
الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى، كقول الشاعر:
إنَّ الذينَ غَدوا بلبكَ غادروا
وَشَلاً بعينكَ ما يزالُ مَعينا

غيّضنَ من عبراتهنَ وقلنَ لي:
ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا؟

إذ يعد هذين البيتين وما شاكلهما من الأبيات الحسنة الألفاظ... الواهية المعنى( )، وهو رأي ابن قتيبة نفسه( )، ثم يقول: "إن المستحسن من هذه الأبيات حقائق معانيها الواقعة لأصحابها الواصفين لها، دون صنعة الشعر وأحكامه"( ).
-الشعر الذي لا يتناسب لفظه مع معناه، كقول كثير عزة:
فَقَلتُ لها: يا عزَّ كلُّ مَصيبةٍ
إذا وَطنتْ يوماً لها النفسُ ذُلَتِ

مشيراً إلى رأي العلماء –كما يقول- في هذا، وهو أن كثيراً لو جعل هذا في وصف حرب لكان أشعر الناس( ).
- الشعر الذي تناسب اللفظ فيه مع المعنى( )، وهو فيه متفق مع ابن قتيبة فيما قاله في الشعر الذي حسن لفظه وجاد معناه( ).
- الشعر الصحيح المعنى الرث الصياغة الذي لم يتدبر الشاعر له ما يناسبه من الصياغة( )، وهو فيه متفق مع ابن قتيبة في ضرب الشعر الذي جاد معناه، وقصرت ألفاظه( ).
- الشعر الواهي الضعيف لفظاً ومعنى الذي قصر فيه أصحابه عن الغايات التي جروا إليها ولم يسدوا الخلل الحاصل فيها( )، وهو ما عده ابن قتيبة ضرباً من الشعر واهياً في معناه وفي لفظه( ).
ثم ينظر في القافية عادا إياها عنصراً رئيساً، وتأتي في الخطاب الشعري في واحد من حالين: إما أنها تأتي قلقة في مكانها، رديئة في نسج سياقها، لم تسلم من الحشو الزائد لإقامتها( ). وإما أنها تأتي في موضعها متمكنة منه على نحو فني جميل( ).
ويعد (حسن التخلص) مقوماً رئيساً في بناء القصيدة العربية، مقدماً المحدثين على الجاهليين، لأن حال الجاهليين في (التخلص) تكاد أن تكون واحدة( )، وحين ينظر للشعر إجمالاً من جهة ضروبه وصناعته لا يراه يخرج عن خمسة أشكال فهو إما أن "يقتص فيه أشياء هي قائمة في النفوس.." أو أن تودع حكمة تألفها النفوس.. أو تتضمن صفات صادقة وتشبيهات موافقة. وأمثالاً مطابقة تصاب حقائقها.. أو تتضمن أشياء توجبها أحوال الزمان على اختلافه، وحوادثه على تصرفها"( ).
ويأخذ المقوم الأخلاقي منه حيزاً كبيراً، كما هو واقع النقد الذي سبقه، مشيراً إلى أن العرب قد بنوا مدحهم وهجائهم على مثل أخلاقية معينة وخصال محمودة( )، ومن هذا المنحى يفرد باباً لنقد (الأبيات التي زادت قريحة قائليها على عقولهم) من قبيل قول كثير عزة( ):
فإنَّ أميرَ المؤمنينَ برفقهِ
غَزا كامناتِ الودِّ مني فنالَها

أو قول جرير( ):
هذا ابن عَمِّي في دِمشقَ خليفةٌ
لو شِئتُ ساقكمُ إليَّ قَطينا

إذ ينظر إلى مكانة الشاعر الاجتماعية فيعدها لا تؤهله لأن يقول مثل هذا مقرباً مرتبته من مرتبة الخليفة، أي أنه لا ينظر إلى فنية القول الشعري، بقدر ما ينظر للمحتوى المضموني الذي يقوله وصلة ذلك المحتوى بالشاعر اجتماعياً وليس شعرياً، ومثل هذا رأيه في مراعاة مكانة المخاطب الاجتماعية في مفتتح القصيدة، ولا سيما إذا كان ممدوحاً( ).
كذلك يرى في الصدق مقوماً من مقومات الشعرية العربية لأنه أساس في الاعتدال الذي هو مبعث التناسب الجمالي لأن "الفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق، والجائز المعروف المألوف، ويتشوق إليه"( )، ومفهوم الصدق يتصل بسلامة اللفظ والتركيب من الخطأ، أو بعدم بطلان المعنى، أو بصدق النفس الكاشفة عن المعنى، أي صدق التعبير عن التجربة، أو بالصدق في التعامل مع الواقع، سواء كان قديماً أم حديثاً، إذ يرى ضرورة نقل التاريخ من غير تحريف، أو بالصدق الأخلاقي أي عدم وصف الكريم بالبخل والشجاع بالجبن وهكذا، وفي كل هذا فإن الصدق سمة تؤدي إلى أن، "ينسق الكلام صدقاً لا كذب فيه، وحقيقة لا مجاز معها فلسفياً"( ).
وقد يبدو ابن طباطبا أول ناقد في القرن الرابع أشار إلى مقومات عمود الشعر ولم يذكر المصطلح مباشرة، وهي ما يمكن أن نلحظه مثلاً في قوله: "فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة لطيفة مقبولة، حسنة، مجتلبة لمحبة السامع له، والناظر بعقله إليه، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه، فيحسنه جسماً ويحققه روحاً، أي يتقنه لفظاً، ويبدعه معنى، ويجتنب إخراجه على ضد هذه الصفة، فيكسوه قبحاً ويبرزه مسخاً، بل يسوى أعضاءه وزناً، ويعدل أجزاءه تأليفاً، ويحسن صورته إصابة، ورونقه إختصاراً، ويكرم عنصره صدقاً، ويهذب القول رقة، ويحضه جزالة، ويدنيه سلاسة وينأى به إعجازاً، ويعلم أنه نتيجة عقله، وثمرة لبه، وصورة علمه، والحاكم عليه أوله"( ).
مضمون المقومات النقدية التي يتوفر عليها هذا النص قريب من المقومات التي نص عليها المرزوقي بوصفها عناصر عمود الشعر، وإن كان الأمر متصلاً بتأثير كتاب (عيار الشعر) في التأليف النقدي، إذ نلمس أثره في الصناعتين عند أبي هلال وفي الموشح عند المرزباني وفي الحماسة عند المرزوقي، فضلاً عن عناية الدارسين المحدثين به من هذا الجانب( )، أما تأثيره في مقدمة المرزوقي كما لخصها في عناصر عمود الشعر فيمكن إيجازها في الإشارات الآتية:
- أكد المرزوقي شرف المعنى وصحته مقوماً شعرياً، وجعل عياره: العقل الصحيح والفهم الثاقب( )، وهو ما سبق أن أشار إليه ابن طباطبا بقوله: وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو واف، وما مجه ونفاه فهو ناقص"( ) وكذلك أشار إليه بقوله: "فإذا اجتمع للفهم صحة المعنى، وعذوبة اللفظ... تمَّ قبوله له، وإن نقص جزء من أجزائه... كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه( ).
- قال المرزوقي بـ: جزالة اللفظ واستقامته، وجعل عياره: الطبع والرواية والاستعمال( )، وقد قال صاحب عيار الشعر بضرورة التوسع في علم اللغة والإعراب والرواية والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر، وسلوك سبلها، وجزالة ألفاظها وعذوبة معانيها، حتى يكون الشاعر مبدعاً تسابق معانيه ألفاظه فيلتذ الفهم بحسن معانيه، كالتذاذ السمع بمونق لفظة، وتكون قوافيه كالقوالب لمعانيه"( ) وجعل جماع الأدوات الشعرية في اللفظ والمعنى "كمال العقل"( ).
- ذكر المرزوقي الإصابة في الوصف، مقوماً شعرياً عياره: الذكاء وحسن التمييز( )، وهو ما أشار إليه ابن طباطبا بقوله بضرورة أن يعنى الشاعر "بتحسين صورته إصابة"( ) وهذا ما قاله ابن قتيبة حين عد الإصابة في التشبيه معياراً شعرياً( ).
- أورد المرزوقي المقاربة في التشبيه، مقوماً شعرياً عياره: الفطنة وحسن التقدير( )، ذاكراً "أن أصدق التشبيه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما"( ) أما ابن طباطبا فقد ذكر أن العرب قد "شبهت الشيء بمثله تشبيهاً صادقاً على ما ذهبت إليه في معانيها.. فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض، بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى..."( ).
- قال المرزوقي بالتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّرٍ من لذيذ الوزن، وجعل عياره: الطبع واللسان( ). وهذا الأمر أشار إليه ابن طباطبا من أنه "ينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها... فلا يباعد كلمة عن أختها... ويتفقد كل مصراع هل يشاكل ما قبله؟"( )، وقد أشار إلى أن يسوّي الشاعر كلامه الشعري وزناً على نحو متناسب( ).
-
- أما مناسبة المستعار منه للمستعار لـه عند المرزوقي فعيارها الذهن والفطنة وملاك الأمر تقريب الشبه في الأصل( ). أي وضوح المعنى في الخطاب الشعري بعيداً عن الغموض أو المعاني التي توجب أعمال الفكر طويلاً، وقد أشار ابن طباطبا لهذا الاتجاه في سياق الحديث عن الوضوح، إذ قال: "يجب أن ينسق الكلام، صدقاً لا كذب فيه، وحقيقة لا مجاز معها فلسفياً"( ).
- ذكر المرزوقي، مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، مقوماً شعرياً، عياره: طول الدربة ودوام المدارسة( ). وهذا المفهوم أشار إليه ابن طباطبا في خلال قوله بأنه ينبغي أن يكون "للمعاني ألفاظ تشاكلها، فتحسن فيها وتقبح في غيرها"( )، ويمكن عد رأيه في الأبيات التي جاء اللفظ فيها متناسباً مع المعنى ضمن مشاكلة اللفظ للمعنى( ).
-قدامة بن جعفر:
يعد قدامة بن جعفر (ت 337هـ) أول ناقد أكد أهمية استقلال الشخصية النقدية إذ سبق أن أكد ابن قتيبة على دور الناقد، ولكن قدامة عَدَّ النقد عِلْماً، حدُّهُ: تخليص جيد الشعر من رديئه، وهو ينظر إلى علوم مثل: اللغة والنحو والعروض، غير داخلة في النقد إلاّ على نحو مساعد، لأن الذين برعوا فيها قصروا في النقد بوصفه علماً لم يزل الناس فيه يتخبطون منذ تفقهوا، وقليلاً ما يصيبون( ).
أما مقوماته في قراءة الشعر ونقده، فيقدم لها بتعريف الشعر على أنه: "قول موزون مقفى يدل على معنى"( ). وهو هنا يحد الشعر بأربعة عناصر هي: اللفظ والوزن والقافية والمعنى. حيث يقول: "إنه لما كانت الأسباب المفردات التي يحيط بها حد الشعر على ما قدمنا القول فيه، أربعة وهي: اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، وجب بحسب هذا العدد أن يكون لها ستة أضرب من التأليف، إلا أني وجدت اللفظ والمعنى والوزن تأتلف فيحدث من ائتلاف بعضها إلى بعض معان يتكلم فيها، ولم أجد للقافية مع واحد من سائر الأسباب الأخر ائتلافاً"( ).
وأول عناصر حد الشعر اللفظ الذي نعته بأنه يكون "سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة"، أما العنصر الثاني فهو الوزن الذي نعته بضرورة "أن يكون سهل العروض، من أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من أكثر نعوت الشعر"( )، مشيراً إلى الموسيقى الداخلية في الوزن من خلال بعض مظاهرها مثل: الترصيع، أي جعل مقاطع الأجزاء في البيت الواحد على سجع أو شبيه به، كما في قول امرئ القيس( ):
مخِشٍّ مِجِشٍّ مُقبلٌ مُدبرٌ معاً
كتيسِ ظباءِ الحُلَّبِ الغَذَوانِ

أما العنصر الثاني فهو القافية الذي نعته بضرورة "أن تكون عذبة الحرف سلسلة المخرج، وأن يقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها، فإن الفحول المجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك، ولا يكادون يعدلون عنه وربما صرعوا أبياتاً أخر من القصيدة بعد البيت الأول"( ).
ثم يأخذ بالحديث في نعوت المعاني الدال عليها الشعر، أي الأغراض، فيتكلم في (المديح) مشيراً إلى، أقسامه ومراتب الممدوحين من الملك حتى السوقة( ) ثم يتكلم في نعت فن الهجاء على أسلوب كلامه في المديح ثم يتبعه بالكلام في المراثي( )، مشيراً إلى عدم وجود كبير فرق بين المدحة والمرثية إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك عادا المديح صورة مضادة للهجاء( ).
واللافت للنظر عده التشبيه غرضاً( )، على أن السابقين عدوه جزءاً من البديع، و لكنه لم يخرج عما تواضع عليه السابقون بشأن تناسب أركان جملة التشبيه، فأحسنه ما وقع "بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها، وأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدني بهما إلى حال الاتحاد"( ).
أما الوصف الذي يعده غرضاً شعرياً فينعته بأن أحسن الشعراء وصفاً من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم باظهرها فيه، وأولاها حتى يحكيه بشعره، ويمثله للحسن بنعته"( ) مشيراً إلى أن المبدع من الشعراء في الوصف "هو الذي يصف من أحوال ما يجده، ما يعلم به كل ذي وجد حاضراً أو دائر، إنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر"( ).
وحين يعرض لأهم مقومات الشكل الشعري، أو ما يتصف به بناء القول من صفات، يذكر مقومات الشكل الشعري( )، صحة التقسيم، وصحة المقابلات، والتتميم، والمبالغة، والتكافؤ الذي هو الطباق عند من سبقوه، والالتفات الذي عده ابن المعتز قبله من محاسن الكلام، ولعل مما يجمع بين هذه المقومات اتصالها بالمنحى الحسي في البنية الشعرية واحتكامها إلى النظر العقلي وإمكانية النظر إليها في الخطاب الشعري والنثري على حد سواء دون أن تكون مختصة ببنية النص الشعري، ويمكن النظر إليها في الشعر بوصفها جزءاً من مكونات المقوم الصوتي.
وحين يصل إلى الاحتكام في نقده الشعر إلى الثنائيات، وما يصدر عنها من مقومات معينة، يبدأ بنعت ائتلاف اللفظ مع المعنى، هذا الائتلاف الذي يجب أن يتوفر على المساواة فلا زيادة ولا نقصان( )، والارداف بأن يأتي الشاعر بلفظ لا يدل على المعنى المراد، إنما يدل على معنى هو ردف وتابع لذلك المعنى، وهو هنا يشير إلى الكناية( ).
والتمثيل الذي هو "أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر وذلك المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه"( )وحين يذكر الطباق والجناس يوردهما على ما تواضع عليه من كان قبله، مشترطاً في ائتلاف اللفظ مع المعنى وجود، المساواة والارداف والتمثيل والطباق والتجنيس.
والثنائية الأخرى هي نعت ائتلاف اللفظ مع الوزن في خلال استقامة الأسماء والأفعال من دون اضطرار بسبب من وزن بالزيادة أو النقصان( )، والثنائية الثالثة هي نعت ائتلاف المعنى مع الوزن "بأن تكون المعاني تامة مستوفاة لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب ولا إلى الزيادة فيها عليه"( ) ثم يأتي إلى نعت ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت من خلال جملة مظاهر هي: التوشيح "بأن يكون أول البيت شاهداً بقافيته، ومعناها متعلقاً به"( ) والإيغال "بأن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر"( ).
وحين يذكر عيوب الشعر، يعد (المعاظلة) على أنها (فاحش الاستعارة) ذاكراً قول الشاعر:
وما رقدَ الولدانُ حتّى رأيتُهُ
على البكر يُسريهِ بِساقٍ وحافِرِ

فسمى (رجل) الإنسان حافراً، وما يجري هذا المجرى يعده قدامه من قبيح الاستعارة الذي لا عذر فيه( ) ناظراً إليها بوصفها أبرز عيوب اللفظ.
أما عيوب الوزن الصادرة عن مخالفة القياس العروضي فهي، التخليع والزحاف وسواهما( ) وهي داخلة في باب الخروج على علم العروض، أما عيوب القوافي فهي: التجميع والإقواء والإيطاء والسناد( )، و يذكر أن عيوب ائتلاف اللفظ مع المعنى صادرة عن الإخلال أي أن يترك من اللفظ ما يتم به المعنى ثم لا يزيد عليه أمراً آخر( ).
وقد يلفت نظر الدارس أن المصطلح النقدي عند قدامة يتسم بالصفة البلاغية، وهو في هذا يكمل مسيرة المصطلح البلاغي التي أسس لها الجاحظ ثم ابن المعتز ثم قدامة نفسه، ويبدو أن حرصه على أن يعلم المتلقي أصول علم النقد هو ما قاده إلى هذا المنحى، البلاغي ذي العناصر التعليمية.
وقد ينظر بعض الباحثين إلى قدامة بن جعفر على أنه مؤسس للنظرية الشعرية العربية( )، ولعل كتابه (نقد الشعر) تعريف للشعر موزع على أربعة أركان هي: اللفظ والمعنى والوزن والقافية، التي تشكل الأركان الرئيسة المتواضع عليها من النقاد السابقين بدءاً من الجاحظ.
والواقع أن قراءة نقد الشعر تكشف عن أن قضية تأثره بالمنطق الأرسطي أو بالفكر اليوناني على نحو خاص( )، ليست دقيقة إلا إذا قصدنا التقسيمات الشكلية لكتابه، وما اشتمل عليه من تفريعات، ولهذا نلمس بوضوح استقلال الآراء النقدية لقدامة( )، كونه قد استقاها من مقومات الشعرية العربية الرئيسة أي أنه صدر فيها عن خصوصية الشعر العربي.
أما أثره في مقومات عمود الشعر عند المرزوقي فيمكن ملاحظتها في ضوء الإشارات الآتية:
- أول مقومات حد الشعر عند قدامة اللفظ الذي رأى ضرورة توفره على الفصاحة والجزالة ليكون سهل مخارج الحروف من مواضعها بعيداً عن البشاعة، وثاني مقومات حد الشعر عند المرزوقي (جزالة اللفظ واستقامته) أي اتصافه بالجودة لا الضعف والقوة لا اللين واستقامته وفاؤه بالمراد الذي استعمل فيه من دون خطأ ولا غموض.
- ثاني مقومات حد الشعر عند قدامة الوزن والقافية، وقد نعت الوزن بضرورة أن يكون سهل العروض، مشيراً إلى المظاهر الإيقاعية الأخرى التي تكسب الوزن جمالاً وتسهم في البنية الإيقاعية للنص الشعري كالترصيع والسجع وسائر المحسنات الصوتية، كما عد القافية مقوماً رئيساً مشترطاً فيها، عذوبة الحرف وسلاسة المخرج، وقد عد المرزوقي الوزن والقافية مقومين رئيسين إذ قال بـ "التحام أجزاء النظام والتئامها على تخير من لذيذ الوزن"( )، لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه( )" أما القافية فقد اشترط فيها شدة اقتضاء اللفظ والمعنى لها، إذ قال بـ "مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية"( ).
- اتفق قدامة والمرزوقي على عد التشبيه مقوماً رئيساً، وعلى أن أحسنه ما وقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وأحسن التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، وقد رأى المرزوقي ضرورة تناسب مكونات جملة التشبيه شرطاً في شعرية التشبيه.
- اتفق قدامة والمرزوقي على عد الوصف مقوماً رئيساً، وقد قال المرزوقي بضرورة (الإصابة في الوصف) وكان المراد بالوصف عندهما معناه المصدري أي التصوير والإيضاح "فإصابة الوصف هي أن يصور المتكلم ما أراد التعبير عنه من المعنى، تصويراً مطابقاً لما عليه الشيء الموصوف في الخارج والواقع من غير انعكاس ولا انتقاص"( ).
وقد بدا واضحاً أن المرزوقي أفاد كثيراً من المعايير النقدية التي احتكم إليها قدامة بن جعفر في (نقد الشعر) وهو ما يشير إلى صدور المرزوقي في (عمود الشعر) عن المرجعية النقدية السابقة له.


رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق




(المبحث الثاني)
في التطبيق النقدي

-الآمدي:
يمثل كتاب الموازنة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت 370هـ) مرحلة جديدة في التطبيق النقدي، بعد مرحلتي، التدوين والتنظير، وقد كان طبيعياً أن يتدرج النقد العربي على هذا النحو، ومع أن المرحلة لم تتسم بالنظر الكلي في بنيات النص الشعري إلا أنها شكلت تطوراً نقدياً مثّلَ مرحلة النقد التطبيقي، وإن لم تتخلص من الاهتمام بالجزئيات إذ اعتنى الآمدي في تطبيقه بمفردات صغيرة تتصل ببعض المسائل النحوية أو اللغوية، أو النظر في صحة معنى ما، بالقياس إلى الواقع تارة أو بالخضوع لسمات شكلية اتصف بها الشعر الجاهلي تارة أخرى. كما اتسمت لغته النقدية بالانطباعية، من قبيل قوله: "فإن كنت –أدام الله سلامتك- ممن يفضل سهل الكلام وقريبه ويؤثر صحة السبك، وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق، فالبحتري أشعر عندك ضرورة، وإن كنت تميل إلى الصنعة والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على ما سوى ذلك، فأبو تمام عندك أشعر لا محالة"( )، حتى أنه لم يحاول أن يبين للمتلقي بالتحليل أو التفسير ما في لغة البحتري من صحة في السبك أو حلاوة الرونق أو كثرة في الماء على حد لغته.
وقد بدا قاصداً إظهار عدم خروج البحتري على تقاليد الشعر العربي القديم (عمود الشعر) وهو هنا أول من أسس بالنظرية والتطبيق لمصطلح (العمود) وقد أشار كثيراً إلى خروج أبي تمام على تلك التقاليد (العمود) في خلال ثلاث سمات ميزت أسلوب أبي تمام الشعري هي( ):
- إسرافه في استخدام البديع حد التصنع غير الفني.
- توخيه أساليب المجاز ولا سيما الاستعارة قصداً، حد مخالفة العرف التقليدي.
- اتصاف بعض معانيه بالغموض حد الاستعصاء على الفهم.
بدءاً لم يحاول الآمدي أنْ يقدم قراءة في العناصر أو المقومات التي تتألف في تكوين الشعر الجديد مشكلة صورته العامة، في محاولة لطرح تصور كلي لمفهوم الجديد بعامة ثم جديد أبي تمام بخاصة، إنما سار في قراءة أبي تمام عبر الوقوف عند الأبيات المفردة، أو بعض النظرات الجزئية متحدثاً في طبيعة المجاز الذي تكشف عنه لغة أبي تمام مستشهداً بأبيات مخصوصة من مثل قوله( ):
يا دهرُ قوِّمْ مِنْ أَخْدَعَيْكَ فقَدْ
أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خَرْقِكْ

وقوله( ):
فَضَربتُ الشتاءَ في أخدعيهِ
ضَربةً غادرتهُ عوداً ركُوبا

وقوله( ):
تَرُوحُ علينا كلّ يومٍ وتَغْتَدي
خُطوبٌ كأنّ الدهرَ مُنهنَ يُصْرَعُ

وقوله( ):
تَحَمَّلْتُ ما لو حمّلَ الدهرُ شَطْرهُ
لفكَّر دهراًً أيّ عبأيهِ أثقلُ

وقوله:
جَذَبتُ نداهُ غَدوةَ السبتُ جَذبةً
فَخَرَّ صَريعاً بينَ أيدي القصائدِ

وقوله:
لدى ملكٍ من أيكةِ الجودِ لم يَزل
على كبدِ المعروفِ من فعلهِ بَردُ

وقوله:
كأنني حين جَرّدتُ الرجاءَ لـهُ
غضاً، صببتُ بهِ ماءً على الزمنِ

إذ يعد الآمدي هذه الأبيات، وما شاكلها في البنية المجازية، من قبيح استعارات أبي تمام( )، إذ يبحث في هذا الأسلوب الاستعاري عن صحة الاستعارة ومدى صلتها بالواقع، من خلال الاحتكام إلى المنطق، مستنداً إلى العرف الذي تواضع عليه الرأي النقدي المتوارث في الغالب أي تقاليد القصيدة العربية التي أوجزها في مصطلح (عمود الشعر) ناظراً في لغة أبي تمام في حدود موافقتها لذاك العمود أو مخالفتها إياه من دون أن يخص سائر المقومات الفنية الأخرى التي يتوفر عليها البيت الشعري، من قبيل: التكرار، أو الجناس، أو المماثلة أو الطباق، أو سوى هذه مما يسهم في بناء الشكل الفني أو يشكل أركان الصورة الشعرية.
وحين يناقش الغموض يعمد إلى أبيات مفردة، أشار بعض الدارسين إلى غموض معانيها بسبب من حاجة المتلقي إلى توجيه لغوي أو نحوي، من مثل قوله( ):
أهنَّ عوادي يوسفٍ وصواحِبُهْ
فعزماً فقدماً أدركَ النجحُ طالِبُهْ

فيما يقتضي بعضها دراسة تامة بمناسبة القول أي الواقعة التي كانت سبباً أو باعثاً كما في قوله( ):
تِسعونَ ألفاً كآسادِ الشّرى نضَجَتْ
جلودُهُمْ قبلَ نُضْجِ التينِ والعنبِ

وأحياناً يتطلب الأمر عند نقد لغة أبي تمام، ثقافة رفيعة باتجاه معين أو مذهب كلامي كما في قوله:( )
جَهميةُ الأوصافِ إلاّ أنهمْ
قد لَقَّبوها جوهرَ الأشياءِ

وعند مناقشته لظاهرة البديع في لغة أبي تمام، ولا سيما التجنيس، يكثر من الاستشهاد بأبيات تتسم بالعبث اللفظي من دون أن يدرس الجناس بوصفه مكوناً من مكونات الشعرية ومدى انسجامه الدلالي أو الجمالي مع سائر المكونات الأخرى.
في أول موازنته يعطي (السرقة في المعاني) عناية خاصة لأنها أخذت اهتمام النقاد في عصره( )، وعلى نهجه ظل في مجال المناقشة الجزئية للبيت الواحد، وقليلاً ما يحاول إعطاء تصور نظري لمفهوم الاستعارة، أو لعلاقة المبالغة بـ (الخيال الشعري) أو ثنائية (الصدق والكذب) إنما يعتمد على قراءة في بعض الجزئيات، كما في مناقشته أخلاقياً لخطأ يراه في قول أبي تمام( ):
الودُّ للقربى، ولكن عُرفهُ
للأبعد الأوطانِ دون الأقربِ

إذ يعلق على هذا البيت بقوله: "إنه نقص الممدوح مرتبة من الفضل، وجعل وده لذي قرابته ومنهم عرفه، وجعلهم في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له في هذا عذراً يتوجه"( ).
ولم يعمد –في القسم الثالث- إلى الموازنة بين قصيدتين من شعرهما متفقتين، وزناً وقافية( )، وهو ما أفقده المنهج النقدي السليم في المقارنة بين قصائد معينة، ولكنه اكتفى بالمقارنة بين معنى ومعنى في أبيات معينة( ).
ومناقشته بين معاني أبي تمام والبحتري جاءت مرتبة على وفق بناء القصيدة الطويلة عند العرب، وما يشتمل عليه من وقوف على الطلل والديار والغزل والنسيب والوصف والمدح.
فابتدأ بالحديث عن الوقوف على الطلل مشيراً إلى "الابتداءات بذكر الوقوف على الديار التسليم على الديار... ما ابتدأ به من ذكر تعفيه الرياح للديار أو الدهور والأزمان للديار... في إقواء الديار... في البكاء عليها... سؤال الديار واستعجامها على الجواب... ما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وما يقارب معناه... ما تهيجه الديار وتبعثه من جوى الواقفين بها... الدعاء للدار بالسقيار... لوم الأصحاب في الوقوف على الديار... ما جاء عنهما في وسط الكلام من ذكر الديار والآثار... ما قالا في أوصاف الديار والبكاء عليها.."( ).
ويستمر على هذا المنهج في سائر الكتاب، على أن هذه المعاني التي تشير إلى مضامينها لا تكون في قصيدة أو مقطوعة، إنما هي أبيات مفردة أو نتفة أو مقطعة في أحسن الحالات، أي أنها منتزعة من سياقها العام، وهو أمر يتعذر معه الوصول إلى حكم نقدي سليم أو دقيق لأنه يعتمد على أحكام انطباعية تخلو من التحليل النقدي الدقيق، أو التعليل الفني المستند إلى معايير نقدية ملحوظة، إلا أننا نقرأ لـه مثلاً: "معنى ما لحسنه نهاية ولفظ غاية في البراعة والحلاوة( )... هذا ابتداء حسن جيد( )... وهذا ابتداء ليس من جيد الابتداءات ولا من رديئها( )... وهذا غاية في حسنه وصحة معناه( )..." وهذه كلها إنما تكشف عن انطباعات شخصية، قد يرضاها المتلقي وقد يرفضها.
يصعب مطالبة الآمدي بقراءة القصيدة العربية وتحليلها بوصفها نصاً شعرياً كاملاً لأن سمة النقد في عصره لم تكن قد وصلت إلى هذا الأسلوب في النقد، إنما كان يجنح نحو انتزاع الأبيات من سياقها العام لإعطاء انطباع معين أو حكم ما. وهو أمر جاء للنقد من أهل اللغة والنحو كونهم يعنون بهذا المنهج القائم على النظر في البيت مقطوعاً من سياقه النصي، والدرس النقدي يعني بالنظرة الشمولية المتكاملة.
ولما كان أكثر من عرفوا بالنقد، لغويين أو نحويين أو متأثرين بهما، فضلاً عن أن النقد ليس تخصصاً عندهما فقد مال النقد إلى النظرات الجزئية القائمة على الظواهر أو الأبيات أو المفردات أو الثنائيات مثل: اللفظ والمعنى وغيره.
ولما كان جهد الآمدي في الموازنة يمثل أساساً من أسس النقد التطبيقي المعتمد على مقومات عمود الشعر، فسأشير إلى أركانه النقدية الرئيسة التي بنى عليها موازنته، مؤسساً لعناصر عمود الشعر:

1-مفهوم السرقة أحد الأركان التي قامت عليها الموازنة، إذ قسم الآمدي المعاني التي تقع فيها السرقة إلى قسمين، ما تجوز فيها السرقة، وما لا تجوز فيها، كونها من المعاني المشتركة، وقد أخذ على أبي تمام (120) بيتاً رآه فيها سارقاً، ودافع عنه في (31) بيتاً لم يره فيها سارقاً لأنه قال في معان تواضع العرف عليها فهي من المشترك الشائع، على أن السرقة عيب لم يخل منه شعر شاعر( ).
شاع البحث عن السرقة في كتب النقد مع ابن قتيبة في الشعر والشعراء( )، ثم قعد لـه قدامة بن جعفر في نقد الشعر( )، وحين جاء الآمدي عد السرقة معياراً نقدياً في الموازنة، حين اتصل هذا الأمر بعدِّ القديم منطلقاً ينبغي على الجديد أن يبدأ منه، حتى إذا صار الشعراء صادرين عن ذاك القديم، اتضح مدى التزامهم بقواعدية اللغة العربية ودرجة انضباطها في بنائهم الشعري فكان البحث في المعنى (السرقة) أشهر ما أثير في هذا الاتجاه، حتى إذا تبين مع عبد القاهر الجرجاني، إن اللفظ والمعنى يشكلان وحدة الدلالة في العمل الأدبي خفت حدة النظر إلى الشعر في ضوء هذا الثنائية (اللفظ/ المعنى). أي أن الأمر اتصل باللفظ في المرحلة التي اشتد فيها الصراع بين القديم والجديد حين عدوا التقدم في الزمان معيار مفاضلة، وهو متصل بصفاء اللغة، بوصفها فطرة، وحين اعترف للجديد المحدث بلغته صار النظر إلى المعنى من خلال درجة تناصه مع القديم في الشكل أو المضمون هاجساً شغل النقد لمرحلة ليست بالقليلة، وحين تعمق مفهوم المعنى ومفهوم اللفظ في إنتاج الدلالة بدأ الفهم البياني للصورة الشعرية، يأخذ مجراه النقدي مع عبد القاهر الجرجاني.
2-ثنائية: اللفظ/ المعنى.
يعتمد في نقد اللفظ في البناء الشعري على ما تواضع عليه أهل اللغة والنحو. أي على القواعد القياسية للغة، أما في نقد المعنى فغالباً ما يحتكم إلى مواصفات العرف، لذا نلحظ أسلوبه في قوله: "استقصيت القول في هذا الباب وغيره وما ذكره النحويون وسيبويه
فمن خطأ أبي تمام فيه قوله:
دَارٌ أجلُ الهوى من أن أُلِمَّ بها
في الركبِ إلاّ وَعيني من مَنائحها

وهذا لفظ محال عن وجهه لأن "الا" ها هنا تحقيق وإيجاب، فكيف يجوز أن يكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام "دار أجل الهوى عن أن ألم بها"( ) وعلى هذا النحو يرى أن من خطأ أبي تمام قوله:
لقد طَلعتْ في وجهِ مصرَ بوجههِ
بلا طائرٍ سعدٍ ولا طائرٍ كهلِ

فيعد هذا من حوشي كلامه ومستكره ألفاظه، وقوله "طائر كهل" لم تسمع إلا عند أحد شعراء هذيل، وهو ما لا يحق لأبي تمام القياس عليه أو إتباعه، بوصفه غير شائع( ).
وهو في نهجه هذا لا ينظر في سياق القول أو موقع اللفظ أي دور التركيب في توجيه الدلالة لقصد الشاعر، إنما يحتكم على قاعدة مسبقة غالباً تتسم بالمنطق الحدى الذي يشذ الشعر عنه، ناظراً في أبيات مفردة، مسرفاً في نظره لجزئيات معينة، إذ يناقش في ثماني صفحات، ما يعده خطأ لغوياً لأبي تمام في استخدامه لفظ (الأيم) بمعنى (الثيب) مع أن أهل اللغة يرون أنها: من لا زوج لها، سواء أكانت بكراً أم ثيباً( ).
ومن هذا تخطئة أبي تمام في أبيات يعده فيها خارجاً على ما قالته العرب، من مثل قوله:
ظعنوا فكان بكائي حولاً بعدهم
ثم أرعويتُ وذاكَ حكمُ لبيدِ

أجدر بجمرةِ لوعةٍ إطفاؤها
بالدمعِ أن تَزدادَ طول وقودِ

فيقول: "هذا خلافَ ما عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها... فلو كان اقتصر على المعنى الذي جرت العادة به في وصف الدمع، لكان المذهب المستقيم، ولكنه استعمل الإغراب فخرج إلى ما لايعرف في كلام العرب، ولا مذاهب سائر الأمم"( ).
وفي هذا الاتجاه ما جاء في قول أبي تمام:
زارني شخصهُ بطلعةِ ضَيمٍ
عمرتْ مجْلسي من العوادِ

من أن قوله "عمرت مجلسي من العواد" معنى لا حقيقة له، لانا ما رأينا و لا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحداً أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب"( ) على أن المرتضى في (أماليه) خالف الآمدي في هذا الرأي( ).
وقد يشفع في هذه المؤاخذات ورودها عند شعراء سابقين، ولكن الآمدي لا يرضى بورودها عند واحد أو اثنين، إنما يريد الشيوع، وقد ذكر المعري، عدم التسرع في تخطئة أبي تمام في مثل هذا، لما يعرف عنه من غزارة إطلاع على التراث الشعري الذي سبقه، فهو متبحر في رواية الشعر مشتهر بحفظه، ولهذا فربما كان الذي ظنه الآمدي خطأ من باب ما سمعه أبو تمام أو كان من محفوظاته.
3-الموازنة:
تأتي الموازنة ركناً رئيساً بنى عليها كتابه، عنواناً ومضموناً، فيأخذ بالموازنة بين المعنيين المتشابهين في موضعين معينين، محاولاً أن يميز الجيد من الرديء، بالتعليل القائم على إيراد العلة أحياناً، أو إطلاق الحكم من دون تعليل، إذ يصدر حكماً بتفوق أحدهما على صاحبه في معنى بعينه من دون أن يصرح بـ "أيهما أشعر على الإطلاق"، إلا أن الموازنة في النظرية تفترق عنها في التطبيق مع تقدمه في الموازنة بين الشاعرين( )، فقد صرح في أول الموازنة، إنه يوازن نقدياً بين قصيدة وأخرى من شعرهما متفقتين في: الوزن والقافية وإعراب القافية والمعنى. ليحكم أثر ذلك، في تلك القصيدة وذلك المعنى من أراد، على ما لكل منهما من جيد، بعد إحاطة من أراد الحكم بمعرفة الجيد من الرديء( ) حتى إذا أراد أن يطبق تنظيره بمعرفة ما سبق جنح إلى التعديل فقال: "انتهيت الآن إلى الموازنة، وكان الأحسن أنْ أُوازن بين البيتين أو القطعتين إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، ولكن هذا لا يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد وهي المرمى والغرض"( ).
وهذا يدلل على التصور النقدي المسبق الذي بنى عليه آراءه في الموازنة، ولكن كم هناك من فرق بين النظرية والتطبيق؟ ثم ما كان من تغيير النظرية في ضوء التطبيق.
وقد قال الدكتور داود سلوم، أن التصور المنهجي الأول الذي بنيت عليه الموازنة والمنهج الذي خضع للتعديل لئلا يتناقض التنظير مع التطبيق، يدلل على أن الآمدي كان متأثراً بحكم عربي قديم كان مطروحاً في كتب النقد القديم ولم يشأ الآمدي أن يذكره، ودليله "أنه لو كانت فكرة الموازنة التي ملأت نفسه حماسة وليدة ذهنه لرأينا إقدامه عليها أكثر وضوحاً من البداية"( ).
وهو يشير في هذا إلى قول الإمام علي بن أبي طالب (رض) جواباً عن سؤال وجه إليه بخصوص أي الشعراء أكثر إحساناً فقال: "كل شعرائكم محسن، ولو جمعهم زمان واحد، وغاية واحدة، ومذهب واحد في القول، لعلمنا أيهم أسبق إلى لك، وكلهم قد أصاب الذي أراد وأحسن فيه، وإن يكن أحد فضلهم، فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة امرؤ القيس بن حجر، فإنه كان أصحهم بادرة وأجودهم نادرة"( ).
ويرى داود سلوم أن الآمدي أخذ بهذا القول أخذاً إذ أوحت له فكرة بناء الموازنة بين شاعرين جمعهم: زمان واحد وغاية واحدة وهو بناء القصيدة العربية لغرض المدح أو الرثاء مع إخضاعها لعمود الشعر العربي جهد الإمكان، وإن اشتراك الشاعرين في الزمن والموضوع جعل إمكانية النظر في أيهم أجود ممكنة التحقيق في المنطق النظري"( ).
هذا رأي ممكن نظرياً على ما مر من الأسباب، إلا أنه لا يكفي دليلاً قاطعاً على أن الآمدي استقى منها فكرة الموازنة وبنى عليها كتابه، لأن عصر الآمدي كان مؤهلاً للنقد التطبيقي بعد مرحلتي التدوين (التسجيل) والتنظير، ثم أن الرأي النقدي صار يوازن بين المحدثين أنفسهم والنظر في أيهم أكثر التزاماً بتقاليد القدماء في قول الشعر فكان طبيعياً ظهور (الموازنة) ثم (الوساطة) أيضاً.
وقد بدا الآمدي في مصطلح (عمود الشعر) منتصراً للبحتري لأنه أكثر التزاماً بتقليد أساليب القدماء في قول الشعر تلك الأساليب التي يشير إليها هذا المصطلح، فكان أول من أسس له، بعدما كان الجاحظ قد ألمح إليه( )، وما كان ابن طباطبا قد قال بمضمونه، ولكن الآمدي قال بالمصطلح مشيراً إلى مقوماته في خلال التطبيق الذي استعرضه:
-صحة المعنى: أخذ الكلام في (صحة المعنى) حيزاً كبيراً من حديث الآمدي، إذ عده أول مقوم في صناعة الشعر بقوله: "فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى"( )، وانطلاقاً من هذا أفرد مساحة للقول في أخطاء الشاعرين في الموازنة، وفي هذا السياق أخذ على أبي تمام قوله( ):
لو كانَ في عاجلٍ من آجلٍ بدل
لكان في وعدهِ من رفدهِ بدلُ

فيقول: ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل وإيثاره وتقديمه على الآجل( ) أي أنه يحتكم إلى المنطق العقلي، وما جرت عليه عادة الناس في قبولها للعاجل على الآجل ليجعل منه دليل حكم نقدي على الشاعر!!
من هذا ما أخذه على أبي تمام في قوله( ):
سأحمدُ نصراً ما حيَيتُ وإنني
لأعلمُ أنْ قد جَلَّ نصرٌ عن الحمدِ

لأنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه، بأن يذكروه به، وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أول سورة بذكره، وحث عليه( )... أي أنه خالف العرب في طريقتها المألوفة في مثل هذا، لأن الآمدي نظر للمعنى بمنظار ديني، ومن هذا نظره إلى دلالة اللفظ في العرف المتداول نظراً عقلياً مباشراً، فكان أن أخذ على أبي تمام قوله( ):
قد كنتَ مَعْهُوداً بأحسنِ ساكنٍ
ثاوٍ واحسنِ دَمنةٍ وَرُسومِ

لأن الربع لا يكون رسماً إلا إذا فارقه ساكنوه، ومن هذا ما أخذه على البحتري في قوله( ):
ذَنبٌ كما سحبَ الرداء يذبُّ عن
عرفٍ وعرفٍ كالقناعِ المسبلِ

لأن ذنب الفرس –إذا مس الأرض كان عيباً- فكيف إذا سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يمسسها( )، أي أنه يطلب إلى البحتري أن يطابق الأنموذج الواقعي مطابقة عقلية.
فالآمدي يؤسس لصحة المعنى مفهوماً نقدياً منطلقاً فيه من الصحة المنطقية الدالة على انطباق القول على (الواقع المشاهد) بعيداً عن الخلط أو الفساد أو الإحالة، محتكماً إلى: ما كثر عند الشعراء السابقين وما تواضع عليه العرف وما أيده العقل والمنطق، ومن هنا كان الإخلال بهذا السياق يسقط المعنى في الضعف، أي أن الآمدي لا يميز المعنى في النثر من المعنى الشعري، ولهذا قال إحسان عباس "إن نقده يحمل سمات (أهل الظاهر) فهو لا يستطيع أن يقبل ذوقياً إلا المعنى القريب الذي يسلم للقارئ نفسه، في صياغة جميلة إسلاماً مباشراً دون إعمال خيال أو إجهاد فكر"( ).
-استقامة اللفظ: تتصل استقامة اللفظ بانطباقه وانسجامه اللازمين مع القواعد التي يقاس عليها في، اللغة والنحو والإعراب والصرف فضلاً عن وضوح معناه عند الاستعمال بشكل دلالي دقيق.
وفي ضوء فهمه لاستقامة اللفظ يذكر ما يأخذه على أبي تمام من قبيل قوله( ):
يدي لمن شاءَ رهنٌ لم يذقْ جرعاً
من راحتيكَ درى ما الصاب والعسلُ؟

إذ يقول: "لفظ هذا البيت مبني على فساد، لكثرة ما فيه من الحذف، لأنه أراد بقول: "يدي لمن شاء رهن" أي أصافحه وأبايعه معاقدة أو مراهنة، إن كان لم يذق جرعاً من راحتيك، درى ما الصاب والعسل؟ ومثل هذا لا يسوغ، لأنه حذف (أن) التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها، لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف (من) وهي الاسم الذي صلته (لم يذق) فاختل البيت وأشكل معناه"( ).
أي أنه احتكم على قاعدة نحوية في عدم جواز حذف (إن) الشرطية إن كان حذفها يسقط معنى الشرط، ويبعد الدليل عليه، عادا انسجام اللفظ مع العرف النحوي القياسي أساساً في استقامته. ومن هذا الباب أخذ على أبي تمام قوله( ):
رضيتُ وهل أرضى إذا كانَ مُسْخِطي
من ا لأمرِ ما فيهِ رضى من لهُ الأمرُ

إذ يقول: "وهل أرضى. إنما هو نفي للرضا، فصار المعنى: ولست أرضى إذا كان الذي يسخطني ما فيه رضى (من له الأمر: أي رضا الله تعالى) وهذا خطأ فاحش:( ).
وفي سياق حديثه عن اللفظ أيضاً يفرد باباً لـ (وحشي الكلام وما يستنكره من الألفاظ) مفرداً الحديث في الأبيات التي عرفت عن أبي تمام ببداوة ألفاظها غير المأنوسة ولا المألوفة كما في قوله( ):
أهيس أليس لجاء إلى هممٍ
تغرِّقُ العيسُ في آذيِّها الليسا

فـ (أهيس، اليس، الليسا) ألفاظ مستكرهة. ولكن هل يصح تعميم حكم على سائر لغة أبي تمام من خلالها، وإن جاء ما يماثلها في سائر شعره على نحو قليل كقوله:( )
وإنّ بُجيريةً بانت جأرت لها
إلى ذرى جلدي فاستؤلَ الجلدُ

-بِنَداكَ يؤسى كل جرحٍ يَعتلي
رأبَ الأساةَ بدردبيس قَنطرِ

-قدك اتئب أربيت في الغلواءِ
كم تعذلونَ، وأنتم سجرائي

فألفاظ من قبيل: "بجيرية، جأرت، الدردبيس، القنطر، قدك اتئب، سجرائي..."
إذ يرى الآمدي في ورودها –وإن قال بها الجاهليون- ما يهجن الكلام الشعري لأنها "وإن كانت معروفة مستعملة، فإنها إذا اجتمعت استقبحت وثقلت"( ) فاستقامة اللفظ عند الآمدي تتصل بانسياقه مع القواعد القياسية للغة، فضلاً عن الوضوح والبعد عن البدوي الوحشي.
-الإصابة في الوصف:
الوصف غرض رئيس في الشعر، وسائر الشعر راجع إليه، وقد عد الآمدي إصابة الغرض المقصود بالوصف، ثاني أهم أربعة أشياء تجود بها صناعة الشعر وتستحكم، إذ يقول: "وأنا أجمع لك معاني سمعتها من شيوخ أهل العلم بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة، من غير نقص فيها ولا زيادة عليها"( ).
وهو هنا يوافق من سبقوه ولا سيما قدامة بن جعفر( )، لذا فهو ينسب هذا القول إلى شيوخ أهل العلم بالشعر، وقد احتكم إليه في قراءة لغة الوصف عند أبي تمام كما في قوله( ):
لو يعلمُ العافونَ كمْ لكَ في الندى
من لذةٍ وقَريحةٍ لم تُحمدِ

إذ يرى أن قولـه "من لذة وقريحة" خطأ لأن، الوصف داعية أن يتناهى الحامد له في الحمد ويجتهد في الثناء لا أن يدع حمده( ).
ومن هذا الباب نظر في قول البحتري في مدح الفتح بن خاقان( ):

إذا سارَ كفُّ اللحظِّ عن كلّ مُبصرٍ
سواهُ وغضَّ الصوتَ عن كلّ مُسمعِ

فلستَ ترى إلا إفاضةَ شاخصٍ
إليه بعينٍ أو مشيرٍ بإصبعِ

إذ يقول: "الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه، وينحو به نحوه، والإفاضة في الكلام أن يدفعوا أيضاً القول ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال، ما وراءهما غاية، وكان المتوكل أولى بهذا الوصف"( ).
فمفهوم الوصف عنده، قريب من محاولة محاكاة الواقع الموصوف، من خلال تمثيل سائر معانيه أو بعضها تمثيلاً لفظياً، أو استعراض بعض وجوهها، حتى يتمثل للمتلقي وكأنه مكشوف أو باد للنظر الواقعي، على نحو ما قال به قدامة بن جعفر( )، وهذا إنما هو وصف خارجي يتصل بالنظر المباشر للشعر، ولا يعنى بالنظر النقدي الجمالي للمعنى الشعري وهو ما ينبغي أن يكون.
-المقاربة في التشبيه:
يعد التشبيه عنصراً جمالياً، ومقوماً رئيساً من مقومات الشعرية العربية، فقد نظر إليه ثعلب في (قواعد الشعر)( ) بوصفه غرضاً وكذلك قدامة في (نقد الشعر)( ) وعد ابن قتيبة في (الشعر والشعراء)( )، الإصابة في التشبيه مما يبعث على حفظ الشعر وروايته أما الآمدي فقد عد الإصابة في التشبيه جزءاً من الوصف، لهذا أشار إليه في سياق وصف موضوعات معينة أو أغراض كان قد قال بها أبو تمام والبحتري، من قبيل: "ابتدآتهما تشبيه النساء بالظباء والبقر"( ). أو "ما قالاه في البهجة وحسن الوجوه، وتشبيه النساء بالشموس والبدور والنجوم وغير ذلك"( ) أو في "خروجهما إلى المدح بوصف الرياح وتشبيه أخلاق الممدوح بها"( ) وهو في أمثلته التطبيقية يقرأ أسلوب التشبيه بمنظار عقلي محتكماً إلى الرأي السابق (العرف) كما في رأيه في قول البحتري( ):
تحسبهُ نشوانَ أما رَنا للـ
ـفَترِ من أجفانهِ وهو صاح

إذ يقول: إن الأشهر في كلام الشعراء السابقين "تشبيههم أجفان المحبوب بطرف الوسنان لا بطرف السكران... ويجعلون طرف المحبوب هو الذي يسكر، ويقيمونه مقام الراح"( ).
-التحام أجزاء النظم:
النظم عند الآمدي هو صحة التأليف التي يقابلها رداءة التأليف، وقد عد صحة التأليف أحد أربعة أركان (عناصر) تجود بها صناعة الشعر لأن "سوء التأليف ورداءة اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره.
وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسناً ورونقاً، حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولهذا قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام"( )، وقد عد رداءة اللفظ من معاييره في الموازنة( ).
فالتحام أجزاء النظم عند الآمدي صادر عن حسن التأليف أو صحة التأليف الذي يزيد المعنى المكشوف الواضح بهاء ويضفي عليه ديباجة.
وقد درس صحة التأليف على منحيين: الأول متصل بصحة تأليف الكلام انسجاماً مع القواعد القياسية للغة، والثاني متصل بصحة البناء الفني للقصيدة العربية. وقد كان في المنحى الأول ينظر إلى ما تواضع عليه أهل اللغة والنحو والعروض والصرف. أما في المنحى الثاني فينظر إلى ما كان شائعاً عند شعراء الجاهلية مما يخص شكل نظام القصيدة.
فقد درس في المنحى الأول أمثلة من المعقد من نسج أبي تمام ونظمه، كما درس سوء نسجه وتعقيده، ووحشي ألفاظه( ). فعد من المعقد المستكره قول أبي تمام:
يومٌ أفاضَ جوى أغاضَ تعزياً
خاضَ الهوى بحري حَجاهُ المزيدِ

إذ قال: أن الشاعر جعل "اليوم أفاض جوى، والجوى أغاض تعزياً، والتعزي موصولاً به، (فاض الهوى) إلى آخر البيت، وهذا غاية ما يكون من التعقيد والاستكراه، مع أن "أفاض" و "أغاض" و "فاض" هي ألفاظ أوقعها في غير مواقعها، وأفعال غير لائقة بفاعلها"( ).
إذ يعد هذا الأسلوب من سوء النظم وفاسد التأليف، لأن الكلمة فيه لا تشاكل أختها ولم تأت مع أختها التي تقتضي أن تجاورها لمعناها لا على الاتفاق ولا على القضاء بعيداً عن أسلوب الشعر الرفيع من مثل قول امرئ القيس( ):
فإنْ تكتموا الداءَ لا تحفِهِِ
وإن تَقصدوا لدمٍ نقصدِ

لأن هذا الأسلوب الشعري عنده هو الذي "يدل بعضه على بعض، ويأخذ بعضه برقاب بعض، وإذا انشدت صدر البيت علمت ما يأتي في عجزه، فالشعر الجيد –أو أكثره- على هذا مبني"( ).
وفي المنحى الثاني المتصل ببناء القصيدة العربية، أعطى عناية خاصة لعناصر الشكل البنائي للقصيدة بدءاً من المقدمة وما تشتمل عليه من موضوعات ثم حسن التخلص (الخروج من المقدمة إلى الغرض) كما في (أبواب خروجهما من النسيب إلى المديح)( ) أو (خروجهما إلى المديح بمخاطبة النساء)( ) وهكذا حتى أفرد لـ (خروجات المتأخرين الطريفة الحلوة النادرة)( ) جانباً في حديثه عن بناء القصيدة.
ويعد الأشهر في (التخلص) عند المدح "الخروج بذكر وصف الإبل والمهامة إلى الممدوح"( ). كونه معنى عاماً في أشعار الناس كما في قول أبي تمام( ):
يُصبرني إن ضقتَ ذرعاً بحبهِ
ويَجزعُ إنْ ضاقتْ عليه خلاخلُهْ

ثم يخرج إلى مدح للمعتصم فقال:
إليكَ أميرُ المؤمنينَ وقد أتى
عليها الملا، إدماثهُ وجداولَهْ

أما في الوزن فهو يحتكم إلى القياسات العروضية المتعارف عليها، ويعد انسجام البيت في حسن تأليفه هو ما يجعل القافية تأتي طبيعية، متوقعة عند إكمال صدر البيت، إذ ما ينشدك صدره حتى علمت ما يأتي في عجزه( )، ويفرد للزحافات واضطراب الوزن عند الشاعرين باباً خاصاً، وهو في هذا النقد العروضي ينظر للشائع بين الشعراء، وما قال به علماء العروض.
-مناسبة المستعار منه للمستعار له:
نظر النقاد قبل الآمدي إلى الاستعارة بوصفها مقوماً جمالياً في الشعر، إلا أنهم تطلبوا فيها أن تكون قريبة غير بعيدة، ولا مرتبطة بإحالات معينة تسهم في غموضها، لا نهم نظروا إليها بمنظار التشبيه، وقد أعطى الآمدي استعارات أبي تمام جل اهتمامه، ولكنه أخرجها من الطريقة التي عليها العرب في الاستعارة( )، والاحتكام إلى طريقة العرب في الاستعارة ومطالبة أبي تمام بالالتزام بها يشير إلى "التدخل في التشخيص والقدرة الخيالية لدى الشاعر"( ).
وطريقة العرب في الاستعارة إنما تكون لما تقارب أو تناسب فيه المستعار منه والمستعار له" وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه نحو قول امرئ القيس:
فقلتُ لـهُ لمَّا تَمطّى بصلبهِ
وأردفَ أعْجازاً وناءَ بكلكلِ

فهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، لشدة ملائمة معناها لمعنى ما استعيرت له"( ).
فهو يتطلب في الاستعارة أن يكون المستعار منه مناسباً على نحو عقلي للمستعار له. وهو في هذا ينطلق من مبدأ عقلي لا يخضع له المعنى الشعري. وقد قال الدكتور إحسان عباس: "إن تعقب هذه الاستعارات قد أصاب الطريقة الشعرية نفسها، فإذا كان النقد ذا أثر في تربية الذوق فإن نقد الآمدي وأشباهه قد حال دون تكثير الطبقة التي تتذوق الجدة في الاستعارة، وتقبل على ما يمكن في طبيعة الخيال الخلاق من إبراز الحياة في صور جديدة"( ) .
-مشاكلة اللفظ للمعنى:
المشاكلة مقوم متصل بالدلالة أكثر من اتصاله باللفظ، على الرغم من أن القدماء قسموا المشاكلة على قسمين: مشاكلة اللفظ للفظ ومشاكلة اللفظ للمعنى. وهي عند الآمدي مشاكلة اللفظ للمعنى، أي مناسبته وموافقته على نحو عقلي ظاهر، وإن لم يفرد للمشاكلة باباً كما فعل قدامة في نقد الشعر( ).
وقد جاءت مؤاخذات الآمدي على أبي تمام في مشاكلة اللفظ للمعنى في مظاهر متعددة منها التكرار كقول الأعشى:
وقد غدوتُ إلى الحانوتِ يَتبعنيِ
شاوٍ مُشلٌ شَلولٌ شلشلٌ شولُ

إذ يرى أن هذه الألفاظ كلها بعد "شاوٍ" متقاربة المعنى( )، وتكرارها على هذا النحو لا يتناسب مع المعنى المراد التعبير عنه( ).
والمؤاخذة على ورود اللغة الشائعة في الخطاب النثري كما في كلمة "ذلك الاشتياق" في قول البحتري( ):
دَعْ دموعي في ذلكَ الاشتياقِ
تَتَنَاجى بذكرِ يومَ الفراقِ

وبعض المفردات التي شاعت عن شعراء معينين كما في كلمة (نعم) عند كثير عزة، إذ يرى البحتري مخطئاً بإيرادها في قوله( ):
ميلوا إلى الدارِ من نعمٍ نُحييها
نَعمْ ونسألها عن بعضِ أهليها

أو يرى أن اللفظ لا يشاكل المعنى لرداءة المعنى، كما يراه في قول أبي تمام( ):
فيا حسنَ الرسومِ، وما تمشى
إليها الدهرُ في صورِ البعادِ

والآمدي لم يعط لـ (مشاكلة اللفظ للمعنى) باباً خاصاً، وإنما أشار إليها على نحو ما جاء به مفهوم المشاكلة عند النقاد الذين سبقوا الآمدي، متحدثاً عنها في سياق حديثه عن المعاني أو الألفاظ أو الاستعارة.
ومن خلال ما سبق ذكره، من محاولة تأسيس مفهوم عمود الشعر في خلال استعراض تطبيق الآمدي عند الموازنة بين أبي تمام والبحتري، تتضح لنا جملة إشارات أبرزها:
- أسس الآمدي لمصطلح عمود الشعر على أنه طريقة العرب المعروفة في قول الشعر، ناسباً إليها أسلوب البحتري، ومخرجاً عنها أسلوب أبي تمام "لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف"( ) ثم ينسب للبحتري في هذا الاتجاه أنه قال: "سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام فقال: كان أغوص على المعاني مني، وأنا أقوم بعمود الشعر منه"( )، وقد حاول البحث استقراء عناصر عمود الشعر عند الآمدي كما جاءت في تطبيقاته على شعري: أبي تمام والبحتري.
- كان ينحى منحى عقلياً، ويحتكم إلى مفاهيم منطقية في قراءة الشعر ونقده، وهو ما جعله يرفض استعارات أبي تمام متدخلاً في قدرة الشاعر على التشخيص وفي قدرته الخيالية موجهاً لها في ضوء معايير مسبقة
- بدا واضحاً أن الآمدي كان يفضل طريقة البحتري في قول الشعر على طريقة أبي تمام، ويميل إلى نهجها، وكأنما جاء بمصطلح عمود الشعر الذي نسبه الأوائل، معلناً صحة من نهج سبيله ومخطئاً من خالفه، ومصرحاً بكونه ممن يذهبون مذهبه، لتأييد طريقة البحتري، وقد قال: "المطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عنده من جهة، استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني، وأخذ العفو منها كما كانت الأوائل تفعل، مع: جودة السبك، وقرب المأتى، والقول في هذا قولهم وإليه أذهب"( ).
- أما الذي قال بعناصر عمود الشعر، تنظيراً وتطبيقاً، مشيراً إلى معاييرها، ومكملاً ما بدأه الآمدي فهو عبد العزيز الجرجاني (ت 366هـ) كما سيأتي.
-الجرجاني:
إذا كان الآمدي (ت 370هـ) قد جاء بالموازنة حكماً نقدياً لإظهار الجودة الفنية في الشعر من خلال الموازنة بين شاعرين، محتكماً إلى معايير نقدية، أساسها أنها تمثل طريقة العرب في قول الشعر التي اصطلح عليها بـ (عمود الشعر) فإن عبد العزيز الجرجاني (ت 366هـ) جاء بالوساطة حكماً نقدياً لإظهار الجودة الفنية في شعر المتنبي على نحو خاص وبيان وتبرير ما أخذه عليه كثير من النقاد وأهل الأدب من مؤاخذات، معتمداً على أسلوب المقايسة مبدأ في نقد شعر المتبني، أي النظر في أشعار السابقين من الجاهليين حتى المحدثين في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وقياس شعر المتنبي إليهم فما أخذ على المتنبي وكان وارداً عند القدماء، فقياس شعر المتنبي إليهم، أولى من اتهامه بالقصور دونهم.
وقد بدا الجرجاني ناجحاً أكثر من الآمدي في مبدأ المقايسة، عند دفاعه عن المتنبي "وما كان الآمدي إلا معلماً للجرجاني، فنجح الآمدي نظرياً فقط، بينما نجح تلميذه في منهجه نظرياً وعملياً، أما في الآراء والنظرات النقدية، فإن الجرجاني لم يأت بشيء جديد، وإنما التقت عنده أكثر الآراء والنظرات السابقة، فأحسن استغلالها في التطبيق والعرض"( ).
وقد كان في وساطته مثالاً للناقد الفذ في نزاهة الحكم، وقد كان في قوله بآراء نقدية سابقة، وإهماله قضايا نقدية كقضية اللفظ والمعنى، ما يؤشر التطور النقدي والحاجة إلى طرائق جديدة في العرض النقدي.
وقد كان سعيه إلى تطبيق معايير نقدية بالاحتكام إلى شيء من القياس العلمي والذوق الفني المرهف، إظهاراً لخصوصية الناقد الأدبي، هو الذي قاده إلى وضع مقومات عمود الشعر على نحو نقدي خاص، مفيداً من الآمدي كونه أستاذه في التنظير والتطبيق لهذا العمود، على ما بين الموازنة والوساطة من فروقات، تتصل باختلاف أسلوب المقايسة في الوساطة عن الموازنة عند الآمدي، ولكن "دين الآمدي للجرجاني كبير، لأنه قد تمثل آراءه بحذق وذكاء، من دون أن يذكر الآمدي مرة واحدة"( ) إذ مهد الآمدي منظراً ومطبقاً لعمود الشعر، محدداً مقوماته في خلال صفات خص بها أبا تمام سلبياً ومدح بها البحتري إيجابياً على النحو الغالب في الموازنة، وحين جاء الجرجاني أفاد من هذا كله فصارت مقومات عمود الشعر عنده موزعة على عدد من العناصر كلها تخص المتنبي بالتقديم وهي( ):
1-شرف المعنى وصحته.
2-جزالة اللفظ واستقامته.
3-الإصابة في الوصف.
4-المقاربة في التشبيه.
5-غزارة البديهة.
6-كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة.
ليشير إلى أن العرب "لم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، "نظام القريض"( )، لأن عمود الشعر القديم يأتي بالتجنيس والمطابقة والبديع والاستعارة عن طبع وفطره في الإحساس باللغة وليس عن صناعة وقصد أو إعمال فكر وطول تأمل، وما يأتي به الطبع يتصف بالمباشرة بعيداً عن الغموض، داخلاً عندهم في (السهل الممتنع)، وهذا ما يكشف عنه أسلوب الأبيات أو النمط الشعري القديم الذي نسبه لبعض العراب مستوحياً منه طريقة العرب أو عمود شعرها ذلك الأسلوب أو النمط الذي يراه: بعيداً عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المآخذ، قريب المتناول، من مثل( ):
أقول لصاحبي والعيسُ تهوي
بنا بين المنيفةِ فالضمارِ

تمتعْ من شميمِ عرارِ نجدٍ
فما بعدَ العشيةِ من عِرارِ

ألا يا حبذا نفحاتُ نَجدٍ
وريا روضهِ غبّ القطارِ

وعيشكَ إذ يحلُّ القومُ نجداً
وأنتَ على زمانكَ غير زارِ

شهورٌ ينقضينَ وما شعرنا
بإنصافٍ لهنَ ولا سرارِ

فأما ليلهنَ فخيرُ ليلٍ
وأقصرُ ما يكونُ مِن النهارِ

إذ يقول: إن المتلقي يجد عند قراءتها، سورة من الطرب، وارتياح نفس، بسبب بعدها عن الصنعة المقصودة، كونها سهلة المأخذ، قريبة المتناول( ).
ولكنه ينفرد بالنظرة الوظيفية للطبع الشعري، مراعياً نوافذ تشترك في إبداع الشعر، ليس لأحد أن يغفلها، فالشعر عنده "علم من علوم العرب يشترك فيه: الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه"( ) فمن وظائف الطبع أنه يلهم الشاعر سلامة اللفظ، ومن هنا "سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع:( )، والوظيفة الثانية للطبع، أنه يجعل الأسلوب سلساً مترسلاً ومتى أردت أن تعرف ذلك عياناً، وتتثبته مواجهة، فتعرف فرق ما بين المصنوع والمطبوع وفضل ما بين السمع المنقاد، والعصي المستكره، فأعمد إلى شعر البحتري، ودع ما يصدر به الاختيار، ويعد في أول مراتب الجودة، ويتبين فيه أثر الاحتفال، فعليك بما قاله من عفو خاطره وأول فكرته( ).
أما الوظيفة الثالثة للطبع فهي حفظه الشعر، أي خلوده، وهذا يعني أن الطبع عامل مساعد في بقاء الشعر محافظ على جدته مع مرور الزمن "وإذا أردت أن تعرف موقع اللفظ الرشيق من القلب، وعظم غنائه في تحسين الشعر، فتصفح شعر جرير وذي الرمة في القدماء والبحتري في المتأخرين، وتتبع نسيب متيمي العرب، ومتغزلي أهل الحجاز"( ).
والعنصر الثاني الذي يشترك في تشكيل الشعرية العربية عند الجرجاني- بعد الطبع- هو الرواية التي تواضع السابقون على عدها شرطاً في الفحولة الشعرية، فقد كانت العرب تروى وتحفظ ويعرف بعضها برواية بعض، كما قيل: أن زهيراً كان راوية أوس، وأن الحطيئة راوية زهير، وأن أبا ذؤيب راوية ساعدة بن جويرية"( ).
فالرواية هي التي تخلق في الفرد الراوية، ملكة الطبع الذكي لأن "المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ العرب إلا رواية، ولا طريق للرواية إلا السمع، وملاك الرواية الحفظ"( ).
فالعنصر الثالث الذي هو الذكاء قرنه بالطبع، أما الدربة فتأتي في المرتبة الأخيرة، لأن العناصر السابقة (الطبع، الرواية، الذكاء) تسهم في خلق الدربة، لأنها الممارسة الفعلية للأداء الشعري.
كان الجرجاني في عناصر عمود الشعر، ناظراً في الشعر العربي القديم نظر ناقد متأمل مستقرئ للشعر ونقده، وهو ما جعل رأيه في وساطته مقنعاً، وقوله الذي نص فيه على عناصر عمود الشعر نلحظ جذوره عند ابن طباطبا في (عيار الشعر). إذ قال الجرجاني: "وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء، في الجودة والحسن، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه، لمن وصف فأصاب وشبه فقارب وبده فأغزر ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته"( ).
هذا التفصيل لعناصر الشعرية العربية، شكلاً ومعنى يمكن أن نلحظه في (عيار الشعر) في خلال قول ابن طباطبا: "واجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة لطيفة مقبولة، حسنة مجتلبة لمحبة السامع له، والنظار بعقله إليه، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه، فيحسنه جسماً ويحققه روحاً، أي يتقنه لفظاً، ويبدعه معنى،... يسوى أعضاءه وزناً ويعدل أجزاءه تأليفاً، ويحسن صورته إصابة، ورونقه اختصاراً، ويكرم عنصره صدقاً، ويهذب القول رقة، ويحصنه جزالة"( )، وكذلك ما جاء في قوله أيضاً من أن على صانع الشعر أن يضمنه "صفات صادقة، وتشبيهات موافقة وأمثالاً مطابقة، تصاب حقائقها"( ).
فإشارة الجرجاني إلى: شرف المعنى وصحته، مسبوقة بإشارة ابن طباطبا إلى: إتقان الشعر لفظاً وإبداعه معنى لأنه نتيجة عقل الشاعر وصورة علمه. أما جزالة اللفظ واستقامته فهي عند العلوي دعوة إلى: إتقانه لفظاً وتحصينه جزالة وسلاسة. أما الإصابة في الوصف فهي عند (صاحب عيار الشعر) دعوة إلى الشاعر بأن "يحسن صورته إصابة ورونقه اختصاراً" أما المقاربة في التشبيه فهي عنده دعوة الشاعر لأن يضمن شعره صفات صادقة وتشبيهات موافقة.
وغزارة البديهة عند الجرجاني التي توحي بقوة رد الفعل على المؤثرات الخارجية، كونها تخلق في الشاعر قوة في التعبير عما يحيط به من مؤثرات. فهي في (عيار الشعر) دعوة الشاعر لأن يجعل أشعاره متضمنة "أشياء توجبها أحوال الزمن على اختلافه، وحوادثه على تصرفها، فيكون فيها غرائب مستحسنة وعجائب بديعة مستطرفة، من صفات وحكايات ومخاطبات، في كل فن توجبه الحال التي ينشأ قول الشعر من أجلها"( ).
أما كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة فهي دعوة ابن طباطبا إلى صنعة الشعر مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه، والمتفرس في بدائعه، وأن يضمن الشاعر أشعاره أمثالاً مطابقة تصاب حقائقها.
وهذا التقارب بين الجرجاني والآمدي ثم بينه وبين ابن طباطبا يكشف عن استيعاب الجرجاني للتراث النقدي السابق له، واحتكامه في عرضه النقدي إلى ما قال به النقاد السابقون، وهو في حالتي التنظير والتطبيق أي في عناصر عمود الشعر وفي منهج المقايسة يحتكم إلى بعض ما قاله النقاد السابقون ثم يستعيد الشعر الذي سبق عصر المتنبي ناظراً في ما اشتمل عليه من صفات وخصائص في الشكل والمحتوى، ثم قياس شعر المتنبي إليها، وما يرد من مؤاخذات على المتنبي فهي مقيسة إلى ما أخذ على غيره من السابقين، فضلاً عن أن شعره أشكل بعصره قريب من طباع أهل زمانه "والنفس تألف ما جانبها، وتقبل الأقرب فالأقرب إليها"( ).
وأدوات الشعر عند الجرجاني هي الطبع والرواية والذكاء ثم الدربة أو الممارسة وهي عند ابن طباطبا، الرواية لفنون الآداب ومعرفة مذاهب العرب في تأسيس الشعر وسلوك سبلها ومناهجها والتوسع في علم اللغة والمعرفة بأيام الناس( ).
وجماع أدوات الشعر عند الجرجاني، صحة الطبع وإدمان الرياضة( )، وجماعها عند ابن طباطبا كمال العقل( ).
وخلاصة القول في هذا الباب، أن عناصر عمود الشعر مستوحاة من النقد العربي القديم الذي اتسعت قضاياه وكثرت مظاهره النقدية وظواهره المعرفية، فكان صاحب الوساطة منطلقاً من تصور نقدي متسم بالثابت، فكان في منهج المقايسة قد استوفى مقومات دفاعه عن المتنبي، ومن هنا كان ناجحاً في التنظير لاعتماده على أصول النقد الذي تقدمه، وناجحاً في التطبيق لاعتماده أساليب الشعر المتقدم وقياس المحدث عليه.
أما مقومات عمود الشعر عند عبد العزيز الجرجاني التي أراد لها أن تعبر عن طريقة العرب في قول الشعر وتكون معياراً في وساطته للدفاع عن المتنبي فهي ستة مقومات أفردها بالتنظير ثم سار على حدودها في التطبيق وهي:
-شرف المعنى وصحته: وهو ما يتصل عند الجرجاني بمناسبته لمقتض الحال، واتصافه بالصحة المنطقية، أما على صعيد المجاز فيتطلب فيه قرينة تصل بين الواقع المتخيل والحقيقة الموضوعية، متحدثاً عن فهمه للمعنى في خلال التطبيق، محتكماً إلى نظر عقلي في بعض المؤاخذات على الشعراء، بدءاً بامرئ القيس في قوله( ):
واركبُ في الروعِ خيفانة
كسى وجهها شَعَرٌ منتشرْ

إذ يرى في هذا وصفاً لفرس ليس بالكريم ولا الأصيل، لأن شعر الناصية إذا غطى وجه الفرس، لم يكن أصيلاً( ).
ويأخذ على زهير قوله( ):
فتنتج لكم غلمان أشام كلهم
كأحمر عادٍ ثم تُرضعْ فتَفطِمِ

إذ يعد هذا خطأ لأن المعنى الصحيح تاريخياً هو (أحمر ثمود) وليس (عاد)( ).
وهو في هذا ينظر إلى المعنى في الشعر محتكماً إلى الواقع المباشر من دون تمييز بين المعنى والمعنى الشعري.
ولكن له نظرة نقدية تتصف بالموضوعية، كما في إباحته المعاني للشاعر، حتى لو خالف الشاعر الخلق الديني في معانيه "ولو كانت الديانة عاراً على الشعر... لوجب أن يمحى اسم أبي نواس من الدواوين... ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية... ولكن الدين بمعزل عن الشعر"( ).
وفي موضوع السرقة قسم المعاني على قسمين: ما تقع فيه السرقة وما هو شائع متداول لا تقع فيه سرقة( ). وهو في تقسيمه هذا موافق لتقسيم الآمدي وصادر عن رأيه أيضاً( )، ولكن تميزه في أنه رأى السرقة تقع في الشعر الذي بناه قائله على شعر سابق، شكلاً ومضموناً عادا النظر فيها جزءاً من النقد في معرفة الأبيات المتشابهة المعاني، وكأنه يقدم الشكل على المضمون. إذ متى تساويا في قولين شعريين فالثاني سارق من الأول، ومتى ارتفع الشكل على المحتوى (المعنى) وظل المعنى متشابهاً مع غيره لم يكن سرقة بسبب من جهد الثاني في بناء الشكل الفني للتعبير الشعري.
أما الغموض في معاني الشعر فيعده سمة حسنة، إذ "ليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر، ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر ولم تفرد فيها الكتب المصنفة... ولسنا نريد القسم الذي خفاء معانيه واستتارها من جهة غرابة اللفظ وتوحش الكلام، ومن قبل بعد العهد بالعادة وتغير الرسم... وإنما أريد مثل قول الأعشى:
فجنبتُ العوارَ أبا زينبٍ
وجادَ على محلتهِ السحابُ

فمن يسمع هذا البيت يظنه دعاء لأرضه واستسقاء لأرضه، وإنما مراد الشاعر الدعاء عليه أن يهلك الله أبله، فلا يملك منها ما يعار عليه، وأن تجود السحاب على أرضه وهو مملق، فيشتد أسفه على ما ذهب من ماله إذا رأى الأرض مخصبة، وسائحة الحي راعية"( ).
فالغموض هنا يستدل عليه من خلال سياق الحال وسياق المقال، إذ يحسبه غموضاً فنياً، فهو غموض يكشفه متذوق اللغة شعرياً، وليس الناظر فيها عقلياً من جهة اللغة أو النحو أو الصرف التزاماً بحد القاعدة النحوية.
أما الغلو والإفراط في المعاني فيراه شائعاً في شعر الأقدمين، وهو مذهب عام في المحدثين يستقبحه قسم ويستحسنه آخر، والمحدثون في المبالغة أو الغلو ينسجون على منوال سابقيهم فإذا سمع المحدث قول الأول( ):
ألا إنّما غادرتُ يا أمّ مالكٍ
صدى أينما تذهب بهِ الريحُ يذهبُ

جسر على أن يقول( ):
أسرُّ إذا نحَلتُ وذابَ جِسمي
لعلّ الريحَ تُسفي بي إليهِ

وسهل الطريق لأبي الطيب فقال:
كفى بجِسمي نحولاً أنني رجلٌ
لولا مُخاطبتي إياكَ لم تَرَنِ( )

ومثل هذا شائع عند المحدثين كثير، لأنهم توخوا الزيادة فتجاوزوا غاية الأول( )، وقد كان المحدثون على صواب حين احتكموا إلى (مبالغات السابقين) معياراً وأساساً انطلقوا منه، وكان طبيعياً بالنسبة لهم أن يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده السابقون، متخذينه أسلوباً شعرياً خاصاً بهم، وهو من سمات المعنى الشعري فنياً.
أما الاستعارة عند الجرجاني فهي "أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر"( ) وقد كانت الشعراء حتى عصر أبي تمام تنهج سبيلاً قريباً من الاقتصاد في الاستعارة الشعرية حتى جاء أبو تمام فجنح إلى التعدي فاتبعه المحدثون بعده( ). ولكنهم جعلوا السابقين منطلقاً كما في الغلو أو المبالغة، فتميزت استعاراتهم من السابقين، ومن هنا لا يجد الجرجاني لوماً على أبي الطيب حين جعل للطيب والبيض واليلب قلوباً بقوله( ):
مسرةٌ في قلوبِ الطيبِ مِفْرقَهُا
وحسرةٌ في قلوبِ البيضِ واليلبِ

أو أن يجعل للزمان فؤاداً كما في قوله( ):
تَجمعتْ في فؤادهِ هممٌ
ملء فؤاد الزمانِ إحداها

الجرجاني يميل إلى أن تكون الاستعارة على وجه صحيح من المناسبة بين المستعار منه والمستعار لـه، وعلى طرف من الشبه والمقاربة قريب من العقل، ورأيه في استحسان الغموض في المعاني الشعرية الغلو أو الإفراط، قاد إلى فهم صحيح لأسلوب الاستعارة ينأى به عن حدود النظر المباشر كما في النثر، لأن أساليب المجاز في لغة الشعر ومنها الاستعارة متى ما "حملت على التحقيق، وطلب فيها محض التقويم، أخرجت عن طريقة الشعر، ومتى اتبع فيها الرخص، وأجريت على المسامحة، أدت إلى فساد اللغة، واختلاط الكلام وإنما القصد فيها التوسط، والاجتزاء بما قرب وعرف، والاقتصار على ما ظهر ووضح"( ).
وقد قال بمراعاة التوسط والاقتصاد في الاستعارة، حتى لا تكون بعيدة عن إدراك المتلقي مع مراعاة أن لغة الشعر تجمع بين الأضداد في كثير من الأحيان، كما في قول الشاعر:( )
عوابسُ حل يابس الماء حزمها
فهنَّ على أوساطها كالمناطقِ

أو قول بشر بن أبي خازم( ):
تراها من يبيس الماءِ شهباً
مُخالطُ درةً فيها غرارُ

أو قول المتنبي( ):
يَفضحُ الشمسَ كلما ذَّرت الشمـ
ـسُ بشمسٍ منيرةٍ سوداء

فاليبس والماء والسواد والشمس لا يلتقيان إلا في لغة الشعر.
بدا الجرجاني في فهمه للاستعارة غير بعيد عما قال به العرف النقدي الذي سبقه، إلا أنه رأى فيها مدعاة للتوسع في الكلام الشعري، وحسن التصرف، وينبغي النظر إليها في هذا الاتجاه، مشترطاً فيها شيئاً من الاقتصاد، لتكون قريبة من متناول فهم المتلقي. وقد ألمح إلى ضرورة أن يكون بين المستعار منه والمستعار له شيئاً من الصلة لا يجعلهما متباعدين في خلق صورة الاستعارة.
-جزالة اللفظ واستقامته:
يتصل هذا المقوم عند الجرجاني، بارتفاع اللفظ عن المستوى السوقي وعدم اتصافه بالطابع البدوي الوحشي، فكان الأسلوب الجزل عنده "ما ارتفع عن الساقط السوقي وانحط عن البدوي الوحشي"( )ثم انسياقه مع قواعد اللغة المؤدية إلى وضوح المعنى، وهذا الفهم قال به ثعلب في قواعد الشعر حين ذكر، أن جزالة اللفظ مشروطة فيما "لم يكن بالمعرب البدوي ولا السفساف العامي، ولكن ما اشتد أسره، وسهل لفظه، ونأى واستصعب على غير المطبوعين مراده وتوهم إمكانه"( ) أما ابن سلام فلم يعرف الجزالة( )، والجاحظ قال بها في تضاد مع اللفظ السخيف رابطاً بين اللفظ والجزل واللفظ الفخم( ).
وعنصرا، شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته متقابلان عند الجرجاني كون "عنصري المعنى يتقابلان مع عنصري المبنى، فجزالة الأسلوب تقابل شرف المعنى واستقامة اللفظ توازي صحة أداء المعنى"( ).
وقد جرت العرب على عادة في العناية باللفظ بوصفها جزءاً لا غنى عنه في الأداء الشعري الرفيع فقد جرت على تفخيم اللفظ وجمال المنطق، وقد أرجح اختلاف لغة الشعر بين، سهولة المنطق وتوعر اللفظ إلى اختلاف الطبائع بسبب من اختلاف البيئة بزمانها ومكانها( ).
ويظهر في التطبيق أن مفهوم جزالة اللفظ واستقامته، راجع إلى ثلاثة اتجاهات واحد يخص اللفظ المفرد. والثاني متصل بمنحى التعقيد في الألفاظ والثالث يخص استقامة اللفظ من جهة انسجامه مع القواعد القياسية للغة.
على صعيد الألفاظ المفردة، يأخذ على أبي تمام لفظة (زنى) في قوله( ):
لو كان كلفها عبيدٌ حاجةً
يوماً لزنى شدقماً وجديلا

إذ يعد لفظة (زنى) سوقية ساقطة غير مناسبة للمعنى( ).
ويأخذ على المتنبي لفظة (شيء) في قوله( ):
لو الفلكُ الدوارُ أبغضتَ سَعيهُ
لعوقهُ شيءٌ عن الدورانِ

معلقاً عليه بقوله: "هذا البيت من قلائده، إلا أنك تعلم ما في قوله" شيء "من الضعف الذي يجتنبه الفحول ولا يرضاه النقاد"( )، إذ يعدها لفظة تنسجم والقول النثري، مستبعداً ورودها في الشعر، وحجته عدم ورودها في أشعار القدماء كثيراً ولا سيما الجاهليين، ولذلك لا يأخذ على المتنبي جمعه (بوق على بوقات) في قوله( ):
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍ
ففي الناسِ بوقاتٌ لها وطبولُ

لأن العرب قالت بجمع (بوقات)( ).
فهو يرى بعض الألفاظ خاصة بلغة الشعر، وبعضها الآخر مختص بلغة النثر، ولذلك يأخذ على المتنبي إكثاره من اسم الإشارة (ذا) "وهو أكثر الشعراء استعمالاً لـ(ذا) التي هي للإشارة، وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت موضعاً يليق بها، فاكتسبت قبولاً"( ) فأما في مثل قوله الآتي فثقيلة مكروهة( ):
قد بلغتَ الذي أردتَ من البرِّ
ومن حقِّ ذا الشريفُ عليكا

وإذا لم تسرْ إلى الدارِ في وقتكَ
ذا خفت أن تسيرَ إليكا

ولكن قوله أيضاً( ):
أبا المسك ذا الوجهُ الذي كنتُ تائقاً
إليهِ وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا

وقوله:
وهذا أول الناعينَ طراً
لأولِ ميتةٍ في ذا الجلالِ

وقوله:
يعلّلنا هذا الزمانُ بذا الوعدِ
ويخدعُ عمّا في يديهِ من النقدِ

إذ يعد (ذا) في هذه الأمثلة وما شاكلها صالحة مقبولة( )، لأنها مناسبة لسياقها الذي جاءت فيه لهذا يعبر لموسيقى اللفظ، من حيث هو لفظ مفرد ثم تركيب، عناية خاصة لأن "الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار"( ) ولا سيما إذا عبر ضمن سياقه النصي عن معنى يتصف بالتعبير عن القوة، كما في قول أبي نواس( ):
ملكٌ تصورَ في القلوبِ مثالهُ
فكأنهُ لم يخلُ منهُ مكانُ

أما على صعيد التركيب، فالتركيب المعقد الذي لا يؤدي تعقيده وظيفة دلالية سوى التعقيد الذي يشكل معه المعنى فهو دليل ضعف، من مثل قول المتنبي( ):
وفاؤكما كالربعِ أشجاهُ طاسمهُ
بأن تسعدا والدمعُ أشفاهُ ساجمِهْ

إذ يقول: إن الذي ينظر في "هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن طيها الغنيمة الباردة، حتى إذا فتشها، وكشف عن سترها، وسهر ليالي متوالية فيها حصل على أن "وفاكما يا عاذلي بأن تسعداني إذا درس شجاني، وكلما ازداد تدارساً، ازددت له شجواً، كما أن الريح أشجاه دراسه"( ).
كون الشعر يحبب إلى النفوس بالطبع السهل، والتركيب الجزل بعيداً عن التصنع فأقل الناس حظاً في صناعة الشعر من اقتصر عند الاختيار أو الرفض "على سلامة الوزن وإقامة الإعراب وأداء اللغة، ثم كان همه أن يجد لفظاً مروقاً وكلاماً مزوقاً قد حشي تجنيساً وترصيعاً..."( ).
لأن الجمال الشعري عنده صادر عن الطبع السهل البعيد عن الصناعة، أي عن الفطرة الطبيعية على نحو ما نألف في أشعار القدماء، لهذا نرى الشاعر الذي يستكمل في رسم الصورة كل شرائط الحسن، ويستوفي أوصاف الكمال من جهة استكمال مقومات الأداء الشعري، أو أقل جمالاً في شعره من آخر لم تنتظم فيه تلك المقومات، ولم يستكمل تلك الشرائط، ولكنه أدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأنت تعجب به أكثر من إعجابك بالأول، ويمكنك تبرير إعجابك بالأول من خلال شرائط الحسن التي استكملها، وأوصاف الكمال التي اتصف بها، ولكنك مع الثاني الذي أعجبك أكثر قد لا تجد في التعبير عن إعجابك سبباً، لأنك مع الأول تحاجج بظاهر تحسه النواظر وفي الثاني تحيل إلى باطن تحصله الضمائر( ).
كأن معيار ذائقته الشعر العربي الصادر عن البديهة والارتجال، من دون إجالة فكر ولا طول نظر، فكان طبيعياً أن يأخذ عن الآمدي مصطلح "عمود الشعر".
وفي الاتجاه الثالث فقد نظر في اللفظ واستقامته محتكماً إلى التزامه بالقواعد القياسية في اللغة والإعراب، من مثل قول المتنبي( ):
أحاد أم سداس في أحادِ
لُيَيلتُنا المنوطةُ بالتنادِ

إذ يذكر لفظ (سداس) عاداً إياها خارجة عن مستوى الجزالة لعدم التزامها بالقياس اللغوي المألوف، ولكنه بعد أكثر من خمس صفحات من الحديث فيها يقول: إذا كانت مروية عن العرب فهي مقبولة من المتنبي، وإن لم تكن كذلك فهو مأخوذ بها. ومن هذا الباب ما يأخذه على المتنبي في قوله( ):
جلِّلا كما بي فليك التبريحِ
أغذاءُ ذا الرشأُ الأغنُ الشيحُ

فينقل عن أهل النحو خروج المتنبي عن قياسهم في (فليك) لأن أهل الإعراب يقولون: بأن حذف النون من تكن) إذا استقبلتها اللام خطأ، لأنها تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافاً إذا سكنت( ).
ومن هذا الباب ما أخذ على المتنبي في قوله( ):
وإني لمن قومٍ كأنَ نفوسنا
بها أنفٌ أنْ تسكنَ اللحمَ والعظما

فقالوا: "إنه قطع الكلام الأول، قبل استيفاء الكلام وإتمام الخبر أما كان يجب أن يقول: (كأنَّ نفوسهم)، ليرجع الضمير إلى (القوم) فيتم به الكلام، وهذا من شنيع ما وجد في شعره"( ).
ولكن الجرجاني يعد هذا من باب الالتفات بوصفه أسلوباً واسعاً من أساليب القول الشعري عند العرب، وله ما يسنده من أمثلة كثيرة جداً، من القرآن ومن الشعر( ).
فالجرجاني أكثر ميلاً إلى الأخذ بخصوصية الكلام الشعري، في اللفظ والمعنى أو في الشكل والمضمون، ولكنه لا يخرج عن ما كان شائعاً في العرف الثقافي/ النقدي عند العرب، ولا عند القواعد اللغوية، إذ يقول: "قد يجوز للشاعر من الكلام ما لا يجوز لغيره، لا للاضطرار إليه، ولكن للاتساع فيه، واتفاق أهله عليه، فيحذفون ويزيدون"( ).
-الإصابة في الوصف:
يتصل هذا المقوم عند الجرجاني باتجاهين، الأول: الإصابة في وصف الموصوف الخارجي عند محاكاته أو محاولة تمثيله لفظياً، والثاني الإصابة في وصف ما تجيش به أحاسيس المرء ومشاعره، وفي الحالين الإصابة تكمن في قدرة الشاعر على جعل الموصوف المادي أو المعنوي: الحسي أو المتخيل، قريباً من تمثل القارئ له. أي محاولة تقريبه للعيان. ولكنه إلى المنحى الأول أقرب لأنه فيه ينحى نحواً مألوفاً بين النقاد الذين تحدثوا "عن الإصابة في الوصف وأوضحوا خصائص كل فن شعري ورأوا أن الشاعر ينبغي أن يلتزم بها، واتفقوا على أن أجود الوصف هو الذي يحكي الموصوف حتى يكاد يمثله عياناً للسامع، وذلك بأن يأتي الشاعر، بأكثر معاني ما يصفه وبأوضحها فيه وأولاها بأن تمثله للحس، وقال بعضهم: إن أبلغ الوصف ما قلب السمع بصرا"( ).
وقد أشار الجرجاني إلى ندرة الشعراء الذين هم "أشمل للإحسان، والإصابة والتلقيح والإجادة"( )، وإلى جانب نهجه سبيل القدماء ولا سيما الجاهليين في إصابة الوصف، وما تواضعوا على الأخذ به من مسلمات عند الوصف، فقد مال إلى الوصف المعبر عن معاني القوة المتمثل لقيم الفعل البطولي في حكم الواقع والسيطرة عليه. ومن هذا السياق إعجاب الجرجاني بقول البحتري يصف أسداً قتله الفتح بن خاقان حين عرض له( ):
غداةَ لقيت الليثَ والليثُ مخدر
يحددُ ناباً للقاءِ ومخلبا

إذ يقول: إن البحتري "قد استوفى المعنى، وأجاد الصفة، ووصل إلى المراد"( ) ومن هذا السياق يرى المتنبي مقصراً في وصف السهاد بقوله( ):
يرى في النومِ رمحكَ في كلاه
ويخشى أن يراهُ في السهادِ

لأنه أراد أن يقابل بها النوم، وبذلك يتم المعنى، وليس كل يقظة سهاداً، وإنما السهاد امتناع الكرى في الليل، ولا يسمى المتصرف في حاجاته بالنهار ساهداً، وإن كان مستيقظاً"( ).
فهو يعجب بالوصف المباشر، كما في إعجابه بوصف الفلاة ودليلها- الذي هو وصف كثير في أشعار العرب- فيعد من مليح هذا الوصف قول المرار بن سعيد( ):
يسري الدليلُ بها خيفة
وما بكاتبهِ من خفاءِ

إذا هو أنكر أسماءها
وعي وحقَّ لـهُ بالعياءِ

لهُ نظرتانِ فمرفوعةٌ
وأخرى تأملُ ما في السقاءِ

وثالثة بعد طولِ الصماتِ
إلي وفي حلقهِ كالبكاءِ

وهذا الشكل في الوصف إنما هو محاكاة أو تمثيل لفظي للعناصر أو المقومات التي يتكون منها الموصوف، أي أنه وصف خارجي قائم على استعراض أسباب الفعل وعناصر القوة المتصلة بامتلاك الواقع، أكثر من التعبير عن ذاتية الفرد القائل، أو محاولة استيعاب ذاتية الموصوف على نحو من الخلق الفني، يكون فيه الكلام الشعري، حاملاً معانيه أكثر منه محمولاً إلى عناصر واقعية، ومتصلاً بالتعبير عنها حسياً أو واقعياً.
أما الشكل الثاني للوصف فهو صادر عن ما تجيش به الذات من مشاعر وأحاسيس، ومحاولة خلقها شعرياً على نحو بياني من خلال القول الشعري، وهو أدخل في الشعر كونه يتمثل الأشياء فنياً أكثر من تصويرها حسياً، ويعيد صياغة مكوناتها ذهنياً بأسلوب مجازي فيكون موغلاً في الذاتية الفنية بعيداً عن التقريرية المباشرة، حاملاً مقومات فنية صادرة عن الذاتية الكاشفة عن أسلوبها الخاص. وهو ما ينفرد به الشعراء، كل بخصوصيته وأسلوبه ومن هذا المنحى ما كان من قول المتنبي( ):
طوى الجزيرةَ حتّى جاءني خبرٌ
فَزعتُ فيهِ بأمالي إلى الكذبِ

حتّى إذا لم يدعْ لي صدقه أملاً
شَرَقتُ بالدمعِ حتّى كادَ يشرقُ بي

تَعثرتْ بهِ في الأفواهِ ألسنُها
والبُرْدُ في الطرقِ والأقلامُ في الكتبِ

هذا الأسلوب من الوصف الذاتي، أورده الجرجاني في سياق حديثه عن إصابة الوصف من دون تمييز بين وصف ذاتي ووصف موضوعي، ولكنه في سياق كلامه يقدم الوصف المعبر عن رسم مكونات الأشياء الموصوفة رسماً حسياً على الوصف ذي الطابع الذاتي الوجداني لأن الذائقة العربية سارت على تفضيل هذا الاتجاه في الوصف، كما نلمس في قصة (أم جندب)( ) وما كان من موقف كثير عزة مع عبد الملك بن مروان( ).
وهذا ما يفصح عنه تعبير (الإصابة في الوصف أو إصابة الوصف) فإذا كان مفهوم (الإصابة في الوصف) يعني مقدرة الشاعر على تصوير الموصوف تصويراً مطابقاً لصفاته ومكوناته ليحيط به إحاطة تامة، ويلم به على نحو صحيح، فإن هذا يشير إلى أن الشاعر إنما يرصد الأشياء رصداً خارجياً، ويحاول أن يحاكيها محاكاة لفظية خاصة، في محاولة تمثيلها صوتياً، على نحو لا يختلف فيه القول عن الواقع من جهة الوصف، أي المطابقة بين لغة الوصف ومكونات الموصوف من جهة الرسم.
وفي لفظة "الإصابة" ما يدلل على دقة النظر إلى الأشياء، لا باعتبارها دالة مجازياً على رؤى متعددة، أو موحية بيانياً، إنما إصابة دقائق الموصوفات المادية، بالشكل الذي يحيط بها عند الوصف. وهو ما يحافظ على (شيئية الموصوفات المادية) محافظة خارجية من دون أن يكسبها أي لون روحي بل خارجي مادي. أي تجسيم الأشياء تجسيماً لا يمنحها صفة الدلالة على آفاق معرفية أخرى.
وهذا متصل بطبيعة الوعي المجازي للغة الشعرية، ذلك الوعي الذي تدرج من إعطاء التشبيه أهمية كبيرة عند العرب "الذين صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فلا تعدو أوصافهم ما رأوه منها وفيها"( ) إلى إعطاء الاستعارة أهمية كبيرة عند المحدثين، ولا سيما عند أبي تمام الذي امتاز بالإيغال والمبالغة في لغة الاستعارة، حتى عدوا مبالغته خروجاً على طريقة القدماء في التعبير الشعري، لأن الوصف المجازي الذي تخرج إليه الاستعارة لا يتصف بالإصابة.
-المقاربة في التشبيه:
لما كان التشبيه قائماً على ملاحظة صلة ما بين شيئين حسيين أو متخيلين على نحو يقود المتلقي إلى الإحساس بما أحس به المرسل، فقد ذهب سائر النقاد إلى تفضيل التشبيه الذي يقع بين شيئين يشتركان في أكثر صفاتهما، فقد أشار قدامة بن جعفر إلى أن "أحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يداني بهما إلى حال الاتحاد"( ) كذلك قال ابن سنان الخفاجي أن "الأحسن في التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته ومعانيه، وبالضد حتى يكون رديء التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به"( ).
ولما كانت أكثر تشبيهات الشعراء السابقين ولا سيما الجاهليين، تتصف بالحسية، قريبة من الواقع، غير موغلة في التخييل، يقل فيها التشبيه العقلي القائم على الأمور المعنوية، على نحو ما نلحظ في شعر امرئ القيس من تشبيه حسي مباشر صادر عن مقومات بيئته، فقد صارت ذائقة النقاد القدماء- وقد ألفت هذا النمط من التشبيه- غير راغبة في التشبيهات الغامضة أو البعيدة، تلك التي أكثر منها المحدثون( )، أو الذين صدر شعرهم عن صنعة لافتة للنظر مثل أبي تمام، فكان التشبيه البعيد المحتاج إلى التفسير والذي لا يقوم بنفسه في المرتبة الأخيرة، كما قال المبرد، من أن العرب "تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه، وهو أخشن الكلام"( ) لأنه محتاج لإعمال العقل وطول التأمل، ومن هنا كان "أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب فيه الحقيقة، ونبه بفطنته على ما يخفى عن غيره، وساقه برصف قوي واختصار قريب"( ).
على أن أشعار القدماء لا تخلو من صفة المبالغة في التشبيه كما في قول الأعشى( ):
فلو إنّ ما أبقيتَ منّي معلق
بعودِ شمامٍ ما تأوَّدَ عودُها

إذ قال المبرد: هذا متجاوز وأحسن الشعر ما قارب فيه قائله( )، لأنه يتوخى إقامة الصلة الواضحة بين المشبه والمشبه به بالشكل الذي يظهر فيه وجه الشبه جلياً، وعلى الشاعر إبراز الصفات التي يتسم بها المشبه به، على نحو خاص لو انعكس التشبيه لم ينتقض بسبب ما بين الطرفين من الالتقاء والتقارب.
ولما صار التشبيه عند المحدثين على نحو خاص قريباً من الاستعارة متصلاً بها حتى احتاج النقاد إلى تمييز الاستعارة من التشبيه، فقد بدا أن التشبيه لم يكن محط خلاف كبير بين النقاد والبلاغيين العرب، مثلما كانت الاستعارة، وسائر فنون البديع( ).
وقد مال الشعراء المحدثون إلى التشبيهات العقلية المتصفة بالغموض حتى صاروا إلى الاستعارة عندها، صارت مأخذاً على أبي تمام، على حين أخذوا على المتنبي بعده الإيغال في التشبيه( )، ربما بسبب أن الاستعارة، بوصفها تشبيهاً محذوفاً أحد طرفيه، مما يتصف به شعر الحضارة، على حين يتصف شعر البداوة بالتشبيهات لأن عناصر عمود الشعر ومنها التشبيه المتناسب صادرة عن طريقة العرب الأوائل في قول الشعر ومعبرة عنها، فقد نظروا في (المقاربة في التشبيه) مما يحتكم إليه في معرفة مدى ارتقاء الشاعر إلى مجاراة طريقة العرب والالتزام بها، على الرغم من أن المبالغة أو الإيغال في التشبيه كثيرة في أشعار الأوائل حتى صارت عند المحدثين مذهباً عاماً( ).
وحين أسس الجرجاني في (الوساطة) لـ(عمود الشعر) أخذ بالتفريق بين الاستعارة والتشبيه لأنه رأى بعض الدارسين لا يفرق بينهما، مستشهداً بقول أبي نواس( ):
والحبُ ظهرٌ أنتَ راكبهُ
فإذا صرفتَ عنانهُ انصرفا

إذ يقول: "ولست أرى هذا وما أشبهه استعارة، وإنما معنى البيت: أن الحب كظهر تديره كيف شئت، إذا ملكت عنانه، فهو إما ضرب مثل أو تشبيه شيء بشيء، وإنما الاستعارة ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة وجعلت في مكان غيرها وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر"( ) فالاستعارة عند الجرجاني لفظ مستخدم في غير ما هو له في أصل وضعه الأول، فيكتفي المتكلم بالاسم المستعار من دون الأصل بالشكل الذي تكون فيه القرينة الدالة على الاستعارة بين المشبه والمشبه به المحذوف، موحية بعلاقة شبه، ذلك يرى ملاك الأمر في، تقريب الشبه ومناسبة المستعار منه للمستعار له، على النحو الذي يمتزج فيه اللفظ بالمعنى امتزاجاً دالاً على الطبع حتى لا تكون بينهما منافرة.
تواضع النقاد على عد التشبيه مقوماً من مقومات الشعرية العربية، حتى شاعت تشبيهات بعينها بسبب من تقليد اللاحق للسابق فقالوا، بأن بعض التشبيهات لا تقع السرقة فيها و"متى نظرت فرأيت تشبيه الحسن بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، والصب المستهام بالمخبول في حيرته والسليم في سهره والسقيم في أنينه وتألمه، أموراً مستقرة في النفوس، متصورة للعقول، يشترك فيها الناطق والأبكم والفصيح والأعجم، والشاعر والمفحم، حكمت بأن السرقة عنها منتفية"( ).
فشيوع هذا النمط من التشبيهات راجع إلى صدور المتأخر شعرياً عن المتقدم، فصار المتقدمون محور الشعرية للمتأخرين الذين أورثوها من جاء بعدهم بوصفها جزءاً لازماً من تقاليد الشعرية العربية. حتى إذا صدر بعض المحدثين- في هذا الأسلوب- عن وحي نفسه وما ترضاه ذائقة عصره مؤسساً لشعره خصوصية عد بعض النقاد تلك الخصوصية خروجاً على (عمود القدماء) أو أنه يتطلب في تشبيهات المحدثين تقليد السابقين، فإذا قال المتنبي( ):
تجاذبَ فرسانِ الصباح أعنّةً
كأن على الأعناقِ منها أفاعيا

استرجعوا قول ذي الرمة( ):
رجيعةُ أسفارٍ كأنّ زمامها
شجاعُ لدى يسري الذراعين مطرقُ

ولكن الجرجاني خالف الرأي الشائع مشيراً: إلى أن في بيت أبي الطيب معنى، يخرجه عن اتباع بيت ذي الرمة، "لأن ذا الرمة لم يزد على التشبيه، وليس هو الذي قصده أبو الطيب، وإن كان قد جرى في غرض بيته، وإنما أراد أنها لا تترك الأعنة تستقر في فرسانها، لما يزعجها من سورة المرح، فكأن الأعنة أفاعي تلدغ أعناقها، إذا باشرتها فيجاذبها الفارس فرسه وهي تجاذبه إياها، وهذا غرض آخر، ومقصد لم يتعرض له ذو الرمة"( ).
ولكن الجرجاني يرى المتنبي في قوله( ):
فكأنهُ والطعنُ من قدامهِ
مُتخوفٌ من خلفهِ أن يُطعَنا

ناظراً في قول بكر بن النطاح( ):
كأنكَ عند الكرِّ في حومةِ الوغى
تَفرُّ من الصفِ الذي من ورائكا

فالمعنى المشترك بين البيتين هو (خشية الفرد مما خلفه على الرغم من أنه يجابه عدواً أمامه) وهذا معنى يقتضي شيوعه من الناظر فيه أو إليه أن يعنى بطريقة التعبير عنه أولاً.
أي أن النظر إلى الفكرة أو المحتوى الموضوعي، وليس لشكل البناء الفني، وهذا الشكل من النقد شاع عند القدماء، على أن التقاء الشعراء في الأفكار أو المضامين، لا يضعف الفن الشعري عندهم، إذا تميز الشاعر بأسلوب شكل التعبير الفني.
-غزارة البديهة:
تأتي عند الجرجاني بوصفها موقفاً شعرياً، كونها دالة على أصالة الشاعرية في الشاعر ثم قوة رد فعله تجاه المؤثرات الخارجية، مما يشير إلى تعدد الموضوعات التي يقول فيها شعره بتعدد المؤثرات التي تحيط به، ومن هنا فإن قوة البديهية تعني غزارتها كماً ونوعاً. على أن البديهة هنا ليست الارتجال، "لأن البديهية فيها الفكرة والتأييد والارتجال ما كان انهماراً وتدفقاً، لا يتوقف فيه قائله"( ).
وغزارة البديهية- في ضوء هذا- صفة فحول الشعراء، لكشفها عن معالجاتهم لموضوعات متعددة، يبدعون فيها جميعاً، فلا يكونون في غرض أبدع منه في غيره على نحو متناسب( ).
وقد قال الجرجاني: أن العرب تسلم قصب السبق للشاعر الذي، وصف فأصاب وشبه فقارب وبده فأغزر( )، أي أصاب الحقيقة عند الوصف شعراً، والمقاربة في التشبيه من خلال توخي أن يكون الطرفان متقاربين في أكثر صفاتهما، وأن يكون الشاعر متمكناً بقوة من القول الشعري، تجاه أي مؤثر خارجي.
وفي هذا كان ذكياً حين: قدم ما يجب أن يكون عليه الشاعر في التعبير شعرياً عن الموصوف من "الإصابة في الوصف" فتكون أداة التعبير متميزة فنياً في التقريب بين مكونات الموصوف تقريباً حسياً محسوباً على نحو دقيق. ثم أشار بعد الموضوع والأداة إلى ذاتية الشاعر ومدى قدرتها الشعرية على التعبير عن تأثرها بالمحيط، أي سرعة استجابتها للمؤثرات الخارجية في خلال التعبير الشعري عنها، وغزارة تلك الاستجابة على البديهية.
فالموضوع أولاً، والأداة ثانياً، وصفة الذات الشاعرة ثالثاً. وربما كان هذا النظر النقدي متصلاً بعنايتهم بالموضوع والمضمون أكثر من لغة التعبير أو الشكل الفني، ثم كان طبيعياً أن تكون العناية بالذات الشاعرة متواضعة، لاتصاف الشعر بالوظيفية.
ومن هنا تقدمت الموضوعات ذات الأثر الجماعي، كالمديح والهجاء والفخر والرثاء وتأخرت الموضوعات المتصفة بالذاتية، وهكذا كان ذو الرمة ربع شاعر كونه يحسن صفة الدمن والآثار، ولا يجيد على نحو بارع الفخر والهجاء والمديح( ).
وهكذا تؤدي هذه المقومات الثلاثة: إصابة الوصف، المقاربة في التشبيه، غزارة البديهية، إلى المعطى الشعري الأخير وهو: (كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة).
-كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة:
وهما معاً مما تواضع العرب على عده مقوماً شعرياً، وفي قولهم، أشعر بيت، وأمدح بيت، وأهجى بيت،... ما يكشف عن هذا المنحى في النظر النقدي، ويشير إليه أي أن مصطلح (الأمثال السائرة والأبيات الشاردة) كاشف عن أصالة الشاعر وتفرده.
فالبيت الشعري الشارد فوق ما قبله وما بعده في القوة الفنية، فهو قمة في الأداء الشعري، لذا كانت الأبيات الشاردة، أمثالاً سائرة ومعان مستوفاة "لم تجد في أخواتها وجاراتها جنبها ما يصلح لمصاحبتها"( ).
على أن الأصالة في الأبيات الشاردة تستوجب من الناقد درجة من الثقافة رفيعة وإحاطة بالموروث الشعري كبيرة، مما حدا بالجرجاني إلى عدم الحكم الفصل في فرادة البيت الذي قد يراه متفرداً، إذ قال: "وليس لك أن تلزمني ذلك، وإفراده والتنبيه عليه بأعيانه كما فعله كثير ممن استهدف للألسن، ولم يحتر من جناية التهجم، فقال: معنى فرد، وبيت بديع، ولم يسبق فلان إلى كذا، وانفرد فلان بكذا، لأني لم أدع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر، بل لم أزعم أني نصفته سماعاً وقراءة"( ).
ولكن الجاحظ ذكر أن التفرد أو الأصالة، إذا كان في صورة شعرية بديعة، يسهل الإشارة إليه على نحو دقيق، فضلاً عن أن السرقة فيه صعبة يسهل كشفها وقد استشهد بوصف عنترة بن شداد للذباب، إذ وصفه بأسلوب متفرد أجاد فيه الصفة حتى تحامى معناه الشعراء، ولم يتعرضوا له، وظل متصفاً بالتفرد( ).
وقد كان الجرجاني ناجحاً في مقاربته بين غزارة البديهية والأمثال السائرة، والأبيات الشاردة، لأن البديهية أي قوة رد الفعل الشعري تجاه المؤثرات الخارجية تؤدي إلى كثرة معالجاته الشعرية بكثرة تعدد تلك المؤثرات، وهو أمر يكاد أن يكون سبباً في كثرة الأبيات الشاردة في ثنايا تلك المعالجات الشعرية.
وفي سياق انتصار الجرجاني للمتنبي، شدد على النظر إلى سيئاته مع وضع حسناته في ميزان الحكم، طالباً إلى متلقيه، أن يأخذ بكل سيئة عشر حسنات( )، ناظراً في أمثال المتنبي السائرة وأبياته الشاردة كونها مقوماً شعرياً أخذ به العرب قديماً، وتوفر شعر المتنبي عليه بشكل فني كبير، يقدمه على سواه، ويقوم حجة له على من يحط من شأنه.
ثم يأتي إلى أمثال المتنبي السائرة وأبياته الشاردة، فيستشهد لتأييد رأيه بـ(138) مئة وثمانية وثلاثين بيتاً. أكثرها أبيات مفردة، ويقل فيها البيتان، ولم يتجاوز إلى ثلاثة أبيات إلا في أربعة مواضع( )، واستشهد بأربعة أبيات في ثلاثة مواضع( ) أما سائر ما استشهد به من شعر المتنبي فيقع في البيتين، والغالب ما كان بيتاً واحداً، لهذا يعتذر عن الاستشهاد بالمقطوعة والقطعة والنتفة، بأن اقتطاع الأبيات من سياق القصيدة يقتضي الإبقاء على ما قبلها وما بعدها، إذ يقول مبرراً "التقطنا من عروض الديوان أبياتاً لم نذهب- إن شاء الله- في أكثرها عن جهة الإصابة، فإن وقع في خلالها البيت والبيتان فلأن الكلام معقود به، والمعنى لا يتم بدونه، وما يتقدمه، وما يليه مفتقر إليه، أو الغرض لا تعظم الفائدة إلا بذكره"( ).
نخلص مما سبق إلى أن النقد العربي أعطى لمصطلح (الأبيات الشاردة/ الأمثال السائرة) أهمية خاصة، كون الذائقة النقدية عند العرب أخذت به في الحكم على الشعراء، في خلال: أشعر بيت قالته العرب، أمدح بيت وهكذا، وكأن شعرية الشاعر تقوم في المحصلة الأخيرة في هذا البيت أو ذاك، ومنهج الحاتمي في (حلية المحاضرة) يكشف عن هذا الاتجاه بوضوح.


***


رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق





الفصل الثالث

النظرية



المبحث الأول: نظرية عمود الشعر عند المرزوقي
المبحث الثاني: نظرية الشعر عند كاسيوس لونجينوس
(لونجينوس- المرزوقي/ مقارنة)
المبحث الثالث: نظرية الشعر عند دونالد استوفر
(المرزوقي- استوفر/ مقارنة)







النظرية
تم في الفصل الأول قراءة أصول عمود الشعر، في النقد التوثيقي أو التسجيلي، كما تمثل في طبقات فحول الشعراء لابن سلام والشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات الشعراء لابن المعتز، إذ كانت عناية النقاد بتوثيق الأشعار وأخبار شعرائها أكبر من عنايتهم بالتنظير النقدي، أو قراءة الشعر على وفق نظرية نقدية واضحة المعالم، ثم قراءة مقومات عمود الشعر على نحو واضح في خلال الإشارة لأسس العمود من دون اعتماد المصطلح في النقد التنظيري، كما تمثل عند ابن طباطبا العلوي على نحو خاص في (عيار الشعر) ثم عند قدامة بن جعفر في (نقد الشعر) ثم اعتماد مقومات عمود الشعر بعد القول المباشر بالمصطلح في النقد التطبيقي كما تمثل عند الآمدي في (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) ثم اكتملت الصورة عند عبد العزيز الجرجاني في (الوساطة بين المتنبي وخصومه).
أما الصورة النظرية الكاملة لعمود الشعر، بمقوماتها ومعاييرها فقد قال بها أبو علي المرزوقي (ت421هـ) في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام. وهي الصورة المعبرة عن استقراء المرزوقي للنقد العربي السابق له، على نحو ما تم عرضه في الفصل الأول، ولكن هذه الصورة لها ما يشبهها ليس في النقد العربي الذي سبق المرزوقي فقط، كما سبق، إنما في النقد السامي القديم، لذا فقد توفر هذا الفصل على قراءة دراسة في التراث السامي القديم، هي دراسة الناقد العربي التدمري كاسيوس لونجينوس، الفيلسوف والبلاغي التدمري في مقالته المعنونة بـ(في السمو- Perihapus) التي وضعها باللغة اللاتينية، بعد أسره من (تدمر) إلى (روما) مع الملكة التي كان يعمل مستشاراً لها وهي (زنوبيا).
وفي مقالته (في السمو) جاء بمعايير تقارب ما جاء به المرزوقي وقبله الجرجاني، مع الفارق الزماني والمكاني بينهما، إذ عاش لونجينوس في القرن الثالث الميلادي، أما المرزوقي فمن القرن الخامس الهجري. والتقارب بين لونجينوس والمرزوقي أو الجرجاني يكشف عن خصوصية الشعرية السامية ولا سيما العربية، ولعلها تتضح أكثر عند مقاربتها بقراءة الشعرية الآرية ولا سيما عند اليونانيين القدماء مع أرسطو في (فن الشعر) ثم مع الناقد الأميركي استوفر في كتابه (طبيعة الشعر) إذ جاء بسبعة معايير أيضاً يراها مقومات للشعرية الغربية، لا يختلف فيها عن أرسطو، بل يعده أفضل ناقد للشعرية الغربية، والمقاربة بين هذه العناصر السبعة عند استوفر وعناصر المرزوقي السبعة أيضاً، تكشف عن خصوصية الشعرية العربية، على نحو متميز. وسنعرض لها كما قال بها المرزوقي ثم كما قال بها لونجينوس قبله لتبين ملامح التقارب بينهما، وصولاً إلى ما يميز الشعرية العربية من مقومات. ثم قراءة عناصر طبيعة الشعر الغربي السبعة كما قال بها استوفر مقارنة بعناصر عمود الشعر السبعة عند المرزوقي، وصولاً إلى خصوصية الشعر العربي بالقياس إلى الشعر الغربي، ثم المقاربة بين ما جاء عند المرزوقي وما قال به استوفر، وصولاً إلى تحديد خصوصية الشعر العربي، كما مثلها (عمود الشعر)، كونه يمثل مذهب الأوائل في التأليف الشعري.





(المبحث الأول)
نظرية عمود الشعر عند المرزوقي


عناصر عمود الشعر، كما استقرت عند المرزوقي، صدرت عن طريقة العرب في قول الشعر وكشفت عنها، ذلك أن المنهج النقدي عند المرزوقي حاول أن يتبين العناصر الناضجة، التي ينبغي الإبقاء عليها، للحفاظ على الشعرية العربية، لكنه كان واقعاً في أسر التقليد، إذ عد طريقة الشعراء العرب في عصور العربية التي سبقته ناظراً إلى العصر الجاهلي بوصفه المرتكز الأساس لفهم طريقة العرب في القول الشعري، أي أنه جاء بمعايير أو قواعد سابقة لأنه استقاها من جودة نص سابق، واحتكم إليها في بيان جودة كل الشعر اللاحق.
وقد نص على عمود الشعر بقوله: أن العرب في قولهم الشعر إنما "كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف- ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأبيات وشوارد الأمثال- والمقاربة في التشبيه والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار لـه، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما- فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار.
- فعيار المعنى، أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء.. خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته.
- وعيار اللفظ، الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم.
- وعيار الإصابة في الوصف، الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقاً في العلوق ممازجاً في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرؤ منه، فذاك سيماء الإصابة فيه.
- وعيار المقاربة في التشبه، الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس وأحسنه ما أوقع بين شيئين، اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة.
- وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما لم يتعثر للطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال، فذلك يوشك أن يكون القصيد منه كالبيت والبيت كالكلمة، تسالما لأجزائه وتقارنا.
- وعيار الاستعارة، الذهن والفطنة، وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل، حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفى فيه بالاسم المستعار، لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له.
- وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، طول الدربة ودوام المدارسة... وأما القافية، فيجب أن تكون كالموعود المنتظر، يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه( ).
ثم يذكر بعد عناصر العمود ومعاييره، أن هذا هو الأنموذج في الإبداع الشعري، كون هذه الخصال، إنما هي عمود الشعر عند العرب "فمن لزمها بحقها وبنى عليها شعره، فهو عندهم المفلق المعظم، والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلها، فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن"( ). ويمكن تقسيم عناصر عمود الشعر عند المرزوقي على ثلاثة أقسام:
- قسم يخص جرس اللفظ ومعناه، في خلال موقعه في البيت الشعري من السياق.
- قسم يخص المفهوم الإجرائي الجزئي المتعلق بتأليف القصيدة.
- قسم يشتمل على تصوير معان جزئية، تشتمل على علاقات خاصة، تصلها ببنية النص الشعري كله.
وبعض الدارسين قسم عناصر عمود الشعر على ثلاثة أقسام أيضاً هي:
-قسم العناصر التكوينية، ويشتمل هذا القسم على: شرف المعنى، صحة المعنى، جزالة اللفظ، استقامة اللفظ، التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.
- قسم العناصر الجمالية، ويشتمل على: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له.
- قسم العناصر الإنتاجية، ويتوفر على: غزارة البديهة، كثرة الأمثال السائرة، كثرة الأبيات الشاردة( ).
ومن النقاد من درسها على وفق المستويات الأسلوبية، كون البحث الأسلوبي يعنى بالقواعد التكوينية للشعر، تلك التي تشكل بنيته، ودراسة هذه المكونات من خلال مستويات البنية: الصوتية والتركيبية والدلالية، ويمكن إعادة تشكيل عناصر عمود الشعر أسلوبياً، بوصف تلك العناصر، مقومات البنية الشعرية، لأن العمود يرتكز على المقومات الأسلوبية الصوتية واللغوية والبلاغية، ويمكن تقسيم عناصره، على ثلاثة مستويات:
- مستوى المقوم الصوتي أو العروضي ويندرج تحته، التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما القافية حتى لا مناظرة بينهما.
- مستوى المقوم اللغوي، أو المستوى التركيبي، ويأتي ضمنه: جزالة اللفظ واستقامته وشرف المعنى وصحته.
- مستوى المقوم البلاغي، أو المستوى الدلالي، ويتضمن في سياقه: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له( ).
وعناصر عمود الشعر عند المرزوقي هي مقومات الشعرية العربية، كما يراها حتى عصره لأنها "إجماع مأخوذ به، ومتبع نهجه حتى الآن"( ).

فقد اشترط المرزوقي في اللفظ شروطاً، هي الجزالة والاستقامة والمشاكلة للمعنى، وشدة اقتضائه للقافية بالشكل الذي تكون فيه القافية كالموعود المنتظر.
واشترط في المعنى شروطاً أيضاً هي: الشرف والصحة والإصابة عند الوصف واشترط في البناء العام للقصيدة شروطاً كذلك هي: المقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.
وهذا التقسيم لعناصر العمود ظاهر عند المرزوقي كما سبق في مقولته( ).
-العنصر الأول في عمود الشعر هو: شرف المعنى، أي سمو المعنى في مناسبته لمقتضى الحال، ذلك السمو الذي يرتضيه، العقل السليم، ويتقبله الفهم النافذ، وصحة المعنى على نحو منطقي تتماشى فيه مع العرف، بالشكل الذي يرتضيه العقل السليم ويتقبله الفهم الثاقب أيضاً.
وهذا فهم صادر عن نظر عقلي منطقي، ويأخذ المعنى الذي يتقبله العقل، لأن العرف العام كان قد أثبته، وغالباً ما يتسم بالمنحى الأخلاقي التعليمي، أكثر منه بالمنحى الجمالي الباعث على اللذة.
ويقدم المعنى، ناعتاً إياه بالسمو والصحة، وهو ما يخص المتلقي، من جهة التقبل والفهم، ويخص القائل من جهة الخضوع للعرف الذي يريده المتلقي، على نحو يخضع فيه القائل لاشتراطات المتلقي، أكثر من نظر المتلقي في تجربة القائل الفنية الجمالية.
-أما العنصر الثاني وهو جزالة اللفظ واستقامته، فهو ما يقابل فيه العنصر الأول، إذ يقابل شرف المعنى جزالة اللفظ، فيما تقابل صحة المعنى استقامة اللفظ، أي أن هناك مقاربة نظرية لعنصري المعنى مع عنصري المبنى، فإذا "كانت جزالة اللفظ تخص الأسلوب أو النسيج الشعري، فإن استقامة اللفظ تتعلق بوظيفته في هذا النسيج. وهنا فإن عنصري المعنى يتقابلان مع عنصري المبنى، فجزالة الأسلوب تقابل شرف المعنى، واستقامة اللفظ توازي صحة أداء المعنى. أما المرزوقي فقد خلط بين جزالة اللفظ واستقامته"( ) فقال: "وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فلما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم"( ).
وقد اشترط الدارسون في جزالة اللفظ، اشتماله على شروط: هي أن لا يكون سوقياً مبتذلاً، ولا يتسم بالغرابة، بالشكل الذي لا تجهله العامة إذا سمعته( )، وقد تختص به الطبقة المثقفة، أما استقامة اللفظ فقد اشترطوا فيها: أن يكون اللفظ خالياً من تنافر الحروف، وأن يكون من حيث الدلالة مستقيماً، غير بعيد عن دلالة أصل الوضع اللغوي متجانساً مع الألفاظ في تأليف السياق التركيبي( ).
-أما مشاكلة اللفظ للمعنى، فهي أقرب إلى اصطلاح (المساواة)، أي أن يكون اللفظ على قدر المعنى، وممن خالف هذا عند النقاد القدماء الأعشى في قوله( ):
استأثرُ الله بالوفاءِ وبالعد
لِ وولى الملامة الرجلا

لأنه قال: (الرجل) ولم يقل (الإنسان) لأنهم يرون الملامة في العرف الاجتماعي وفي أصل الدلالة المتداولة قد تكون للرجل مثلما تكون للمرأة( ).
وامتدحوا القافية التي ترد في سياق البيت الشعري (كالموعود المنتظر) من مثل قول الحطيئة( ):
هُم القومُ الذين إذا ألمتْ
من الأيامِ مظلمةٌ أضاؤوا

إذ جاءت كلمة (أضاءوا) في مكانها، مناسبة لسياق القول في هذا البيت( ).
وقد كان العيار في (مشاكلة اللفظ للمعنى) طول الدربة ودوام المدارسة، أي أن كثرة النظر في قول الآخر والتمرس فيه وبه يخلق في المقلد قدرة على التعبير الشعري المتناسب.

ومن هذا كان شرف المعنى وصحته عند المرزوقي متصلاً بمدى موافقته لما يرتضيه الجميع، كونه الأنموذج الأفضل، والشريف من المعنى هو المتصف بالصحة والصواب إبعاداً له عن الخطأ الذي لا يمكن تبريره عند النظر في ما عليه الواقع الحاضر أو التاريخي.
فالمعنى ينبغي أن يكون شريفاً في مناسبته لمقتضى الحال من خلال أنك إذا مدحت قصدت أنبل الصفات وأعلاها، وإذا تغزلت أسبغت أجمل السمات وأحلاها، وإذا فخرت أظهرت أعلى الفضائل وأسماها، وإذا هجوت نبشت عن أقسى المساوئ وأقصاها وهكذا وكذلك ينبغي أن يكون المعنى متصفاً بالشرف صحيحاً عند قياسه إلى الواقع الذي يصدر عن تصويره. ومن مخالفة العرف عند الآمدي قول البحتري( ):
نصرتَ لها الشوقَ اللجوج بأدمعٍ
تلاحقنَ في أعقابِ وصلٍ تَصرما

كون الشوق- على رأي الآمدي( )- يشفيه البكاء، ولا يبعث على الزيادة فيه، وهذا نظر عقلي يؤيده العرف لا منطق الشعر.
ومن مخالفة العرف اللغوي لا الاجتماعي قول أبي تمام( ):
وكأن المطلَ بدء وعود
دخاناً للصنيعةِ وهي نارُ

إذ خالف عرف اللغة لأنه شبه المطل بالدخان، والصنيعة بالنار، وصرح في التشبيهين بالمشبه والمشبه به وهو كلام مستقيم، ولو جعله استعارة وقال: "أقبستني ناراً لها فإن لم يجز إذ لم يتقرر في العرف شبه بين الصنيعة والنار( ).
فإذا كان عدم مخالفة العرف الاجتماعي يؤدي إلى الجمود في التقليد، فإن عدم مخالفة العرف اللغوي البياني قد يحدد الخيال، ويقيده باشتراطات أسلوب بياني مخصوص، ذي طبيعة تقليدية.
-أما الإصابة في الوصف عند المرزوقي فتشير إلى دقة الشاعر في أن يضفي على الموصوف أعلى الصفات العالية التي عليها طبقته أو خاصة طبقته، كأنه ينطلق في هذا من تأييد النقاد لقول عمر بن الخطاب (رض) حين قال في زهير: "كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال"( ).
أي أن المادح لا يخص الممدوح بصفاته الشخصية فقط، إنما يمدحه بالصفات النبيلة المحمودة التي عليها طبقته، فإذا مدح قائداً وصفه بألصق الصفات النبيلة الممدوحة في القائد الشجاع، وإذا مدح كريماً خصه بالصفات العامة لأنموذج الرجل الكريم وهكذا.
على أن كلمة (الإصابة في الوصف) تدلل على المنحى العقلي المباشر، كأن الشاعر ينظر للشكل الخارجي المباشر للموصوف، فيمعن النظر إليه وفيه، ليصيب منه وصفاً ما يكون بارزاً ظاهراً فيه ومنه، مما يشترك في قبوله والعناية به، سائر المتلقين، وبأسلوب من البناء اللغوي والفني الشعري المؤثر، فتكون: الإصابة في الوصف كاملة، لاشتمالها على قسمي: الشكل والمضمون. وهنا يكون معنى الإصابة في الوصف، شمول الموصوف بما يتصف به ويشكل خصوصيته في النظر العام، وهذا منهج عقلي يقتضي من الشاعر ذكاء حاداً وفطنة مميزة وحسن تقدير، وهذا ما جعل المرزوقي يعد عيار الإصابة في الوصف، الذكاء وحسن التمييز.
-أما المقاربة في التشبيه، فتكشف عن المنحى التقريبي في أسلوب التشبيه، فكأنّ وظيفة التشبيه أن يكون القاسم المشترك بين المشبه والمشبه به (وجه الشبه) واضحاً متصفاً بالمقاربة، وهنا كان أصدق تشبيه عند المرزوقي "ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، ليبين وجه الشبه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه، أشهر صفات المشبه به، وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس"( ).
وهذا نظر توضيحي ذو سمات تعليمية مباشرة، يهدف إلى تبيين وجه الشبه بلا كلفة، ذلك أن التشبيه النادر عند المرزوقي هو المتصف بالوضوح من دون طول نظر، وهو يشكل ركناً من أركان الشعرية العربية المبنية على ثلاثة أقسام: "مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة"( ).
وما يجمع هذه الأقسام الثلاثة هو الوضوح والبيان، اللذان لا يقتضيان طول نظر، ولا إعمال فكر، ذلك أن المثل السائر إنما هو سائر لاتفاق الذين سار بينهم عليه، وصدوره عن خصائص وسمات تعبيرية تجعله متصفاً بالوضوح. والتشبيه النادر قريب مما سبق ذكره، فإذا ارتفع قليلاً بغياب أحد ركني جملة التشبيه الرئيسين، صار استعارة قريبة، وقربها بدلالة التشبيه، حتى كان مفهوم الاستعارة هو التشبيه الذي حذف أحد طرفيه.
-أما مناسبة المستعار منه للمستعار لـه فصادرة عما يقتضيه العرف اللغوي على الصعيد الاجتماعي أو العرف اللغوي على الصعيد المجازي، الذي أخذ به المرزوقي في عمود الشعر، وقد ذكر بعض الدارسين أن العرف اللغوي يأخذ جانبين متميزين لا ينبغي الخلط بينهما "أولهما ما تفرضه كل لغة على أهلها في وجوه المجازات، وثانيهما ما يخص الجانب التقليدي باتباع ما قاله الأقدمون في المجاز وضروب الخيال"( ).
ومن الاتجاه الأول، الذي هو العرف اللغوي الذي توجبه كل لغة على أهلها، كونه الحقيقة التي ينكشف في خلالها المجاز، ومن هنا كان العرف اللغوي أساس الاستعارة. ومن الاستعارات التي عدها المبرد شاذة على العرف قول الشاعر:
بَلْ لو رأتني أختُ جيراننا
إذ أنا في الدارِ كأني حمارْ

إذ يستبعد العرف التشبيه بالحمار لبيان القوة، إنما الشائع هو أن يشبه بالحمار في البلادة وليس في القوة( ).
والاتجاه الثاني (العرف التقليدي) يشير إلى انطلاق من يحاول التجديد مما ارتضاه العرف التقليدي من دون أن يتحدد خيال الشاعر بما ورد في كلام السابقين، فهو ينطلق من الموروث، مجدداً أكثر منه مخالفاً، ومن أمثلته قول أبي نواس، حين شدد عليه الخليفة في الخمر( ):
كبر حظي منها إذا هي دارتْ
أن أراها وأن أشمَ النسيما

فكأني بما ازين منها
قعديّ يزين التحكيما

لم يطقْ حملهُ السلاح إلى الحر
بِ فأوصى المطيق ألا يقيما

ومن أمثلة الشعر الأخرى التي خرج فيها الشعراء على العرف التقليدي أيضاً، قول أبي تمام( ):
إذا ما رحى دارتَ أدرت سماحةً
رَحى كلّ إنجازٍ على كل موعدِ

إذ جعل أبو تمام إنجاز الوعد بمثابة طحنه بالرحى، وهو قضاء عليه، وذلك لا يكون إلا بالخلاف( ).
وينظر النقاد العرب في مثل هذه الأشعار، نظراً فردياً ينحو نحو الذوق الشخصي حيناً أو يحتكمون إلى طريقة العرب في البيان أحياناً أخرى، طالبين إلى الشاعر أن يكون فطناً في قراءة الموروث السابق، مستوعباً حالات التميز الشعري فيه حتى إذا سار على نهجها كان ذا وعي فطن وذهنية يقظة، ولهذا جعل المرزوقي عيار مناسبة المستعار منه للمستعار له، الفطنة وحسن التقدير أي الذهن والفطنة.
-والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، مقوم نقدي متصل بالنظر في بنية القصيدة انطلاقاً من وحدة البيت الشعري، وبيان حسن التخلص في بناء موضوعات القصيدة وصولاً إلى الغرض الرئيس.
وأسلوب الانتقال من موضوع لآخر في القصيدة الجاهلية التي اتخذها المرزوقي أنموذجاً لا يعني بناء القصيدة على نحو من الوحدة العضوية، إنما محاولة ربط موضوعاتها، بـ(حسن التخلص) الذي ينتقل في خلاله الشاعر من موضوع لآخر، محاولاً إضفاء صفة التماسك على البناء الظاهري للقصيدة. وهو ما لم يعن به الجاهليون عناية المحدثين( ).
ولكن يمكن الإشارة إلى أن أول ناقد أشار إلى أهمية الوحدة في القصيدة العربية، بأسلوب يبدو في الظاهر أنه متأثر بالمفهوم الأرسطي لوحدة القصيدة. وليس بمتأثر، هو ابن طباطبا العلوي في عيار الشعر إذ قال: "وأحسن الشعر ما ينتظم فيه القول انتظاماً يتسق به أوله مع آخره، على ما ينسقه قائله، فإن قدم بيتاً على بيت دخله الخلل، كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقض تأليفها، فإن الشعر إذا أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها، لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وحسناً وفصاحة، وجزالة ألفاظ ودقة معان، وصواب تأليف. ويكون خروج الشاعر من كل معنى يضعه إلى غيره من المعاني خروجاً لطيفاً... حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً... لا تناقض في معانيها، ولا وهنٍ في مبانيها، ولا تكلف في نسجها"( )، ثم يكشف بوضوح عن هذا المفهوم بقوله أيضاً: "وينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه وبين تمامه فضلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنه يحترز من كل ذلك في كل بيت، فلا يباعد كلمة عن أختها، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع، هل يشاكل ما قبله؟ فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر، فلا يتنبه على ذلك إلا من دق نظره ولطف فهمه"( )، ولهذا حين صدر المرزوقي عن مفهوم ابن طباطبا أشار إلى أن عيار (التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن). الطبع واللسان فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله فذلك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة تسالماً لأجزائه وتقارناً، كما سبق ذكره، وظاهر العملية النقدية عند ابن طباطبا تكشف عن أنه يقصد، وصل الأفكار الجزئية بعضها ببعضها الآخر في البيت الشعري أو أبيات القصيدة. وليس هناك ما يدلل على أنه قصد الوحدة العضوية أو وحدة التجربة.
إنما كانت للنقاد العرب عناية بالغة بالابتداءات في الشعر والنثر، في خلال ما درسوه تحت مصطلح (براعة الاستهلال) ثم ما درسوه في (حسن التخلص) أو ما يصطلح عليه بعضهم بـ(الخروج) ثم ما درسوه ضمن ما له صلة بتأليف الكلام الشعري مثل: صحة التقسيم والاستيعاب وغيرهما( ). ثم يأتي أخيراً (المقطع) أو براعة الختام بأن يذكر الشاعر آخر ما يقف عليه من الكلام، متصفاً بالجمال والعذوبة، كونه آخر ما يعلق بالأسماع من القول( ).
يتضح من خلال ما سبق ذكره، لماذا جعل المرزوقي عيار التحام أجزاء النظم، الطبع واللسان، أي العاطفة المتقدة، والفطرة اللغوية العالية، بالشكل الذي تسهم العاطفة في أن تتركب مكونات الشكل الشعري، بدءاً من اللغة إلى تركيب أجزاء الكلام باتصال موضوعاته تركيباً متناسباً يجري الطبع بأبنيته وعقوده، ويجري اللسان في فصوله ووصوله.
ولما كان الطبع يلتذ بالتلوين الصوتي الصادر عن نظام الكلمات المرتبة في السياق النصي. والفطرة اللسانية تسهم في خلق نظام وزني منسق بأسلوب موسيقي مؤثر، فقد ذكر المرزوقي أن التركيب الخاص بانتظام أجزاء القول والتئامها يكون مشكلاً عروضياً على نحو وزني لذيذ مؤثر في المتلقي "لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه، ولذلك قال حسان:
تَغنّ في كل شعرٍ أنتَ قائلهُ
إنَّ الغناءَ لهذا الشعر مضمارُ"( )

لقد بدا واضحاً أن المرزوقي لم يطرح عناصر عمود الشعر من بنات أفكاره، إنما هي خلاصة ما صار إليه النقد العربي في عصره، إذ حاول تمثل الإرث النقدي الذي سبقه مبلوراً نظرية تجمل القول في عناصر الشعرية العربية ومعاييرها. وهذه العناصر لها ما يشبهها في التاريخ القديم عند العرب، ولها ما يمكن أن تشترك معه في التصور العام بأكثر من صلة، لارتباطها السابق بحضارة المكان (الأرض العربية) وحضارة الجنس (الأرض العربية- السامية). كما أن هناك ما تختلف عنه، وتتميز منه، لاختلافه عنها وتميزه منها في حضارة المكان والجنس (الغرب: الإغريق/ اللاتين- الآرية). وسأحاول في المبحث الثاني دراسة ما يشترك معه المرزوقي في التصور العام ثم الكشف عن عناصر التقارب.




(المبحث الثاني)
نظرية الشعر عند كاسيوس لونجينوس

إذا كان الناقد لحظة التنظير النقدي يستحضر المرجعية الحضارية التي يستند إليها حضوره الإنساني، في نفسه وفي أجداده من قبل، فإن تلك المرجعية تؤسس لحضارة الجنس الذي ينتمي إليه. ومن هنا كان النقاد الذين كتبوا في نقد الشعر العربي قد صدروا في وعيهم النقدي عن عناصر أو أسس مشتركة تجمع بينهم، مع وجود فارق زمني طالما كان هناك وعي حضاري يشتركون فيه.
من هنا فإن التقارب بين عناصر عمود الشعر كما قال بها عبد العزيز الجرجاني أولاً في القرن الرابع الهجري وبين عناصر الشعر التي قال بها كاسيوس لونجينوس في القرن الثالث للميلاد، ربما كان صادراً عن وعي حضاري تشترك فيه الشعوب السامية ولا سيما العربية التي استوطنت الأرض العربية وإن تكلمت بلسان غير لسان الضاد. ولذا قد لا يدهش المرء حين يلحظ هذا التقارب، فيجد "عناصر عمود الشعر كما أوردها أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (392هـ) في كتابه (الوساطة) وتابعه من جاء بعده من النقاد العرب، تتشابه إلى حد التطابق تقريباً، مع ما أورده في القرن الثالث للميلاد كاسيوس لونجينوس الفيلسوف والبلاغي العربي التدمري في مقالته الخالدة (في السمو) التي كتبها باللاتينية في روما، بعد ما أسرت زنوبيا ملكة تدمر، ونفيت مع حاشيتها ومستشاريها إلى روما)( )، إذ كان لونجينوس يعمل مستشاراً لها، وهذا التقارب بين عناصر عمود الشعر عند الجرجاني أو كما استقرت عند المرزوقي وبين لونجينوس، هو ما دفع بعض النقاد المعاصرين إلى القول "بأن نظرية عمود الشعر هي مفهوم عربي (سامي) يلخص تجربة العرق العربي أو الأقوام السامية في التعبير الفني"( ) ولا سيما أن "كتاب الشعر" لأرسطو يقوم بتلخيص تجربة الشعوب الغربية (الآرية) في التعبير الفني، كما يتصوره على شكل ملحمة أو مأساة أو ملهاة، وهو يختلف كل الاختلاف عن الشعر العربي، في شكله الفني الذي نجده في المعلقات مثلاً، أو فيما وصلنا من أشعار العبرانيين والفراعنة والبابليين، والفينيقيين والآراميين، الذي يكاد أن يتطابق مع الشعر العربي، ويتشابه معه حتى في وجوه اختلافه مع الشعر الآري"( ).
وهذا النظر النقدي الصادر عن تقسيم عرقي، له ما يؤيده، بحكم ما سبق قوله وبحكم اختلاف الحضارات، وأصالة كل حضارة في تميزها من سواها.
لقد حدد لونجينوس في مقالته (في السمو) العناصر التي إذا ما توفر عليها الشعر، اكتسب صفة الأصالة الفنية، وهذه العناصر هي( ):
1-قوة صياغة المفهومات العظيمة.
2-جزالة الأسلوب.
3-صياغة الصور والمجازات.
4-العاطفة الملهمة المتقدة.
5-التأليف الرفيع الجليل.
وقد يكشف هذا التحديد لمصادر السمو في النص الشعري، عن مدى عناية الناقد بالتلقي التأثري أو الاستجابة الانفعالية لجمهور الشعر بالاحتكام إلى معايير بلاغية، ثم عن مدى الأثر الشفاهي لتلقي الشعر، وهو ما قد يكون سبباً للتقارب بين لونجينوس والجرجاني ثم المرزوقي.
-يشير العنصر الأول عند لونجينوس الذي هو قوة صياغة المفهومات العظيمة إلى أن أفضل صورة للعمل الأدبي من حيث هو مضمون تكون في صياغته بشكل فني يتسم بالقوة التعبيرية التي تنحو نحواً ذا سمات أسلوبية مميزة تنأى به عن الأخطاء، وكأن قلة الأخطاء- انطلاقاً من قاعدة اللغة إلى ما تتوفر عليه طريقة العرض الأدبي من عرف فني مخصوص- تلك القلة في الأخطاء هي ما يعبر عن أصالة ذلك الكاتب أو الشاعر، لذلك يرى أن من يقع في مرتبة وسطى من الكتاب والشعراء إنما وقع فيها لقلة أخطائه وكأن الأصالة الإبداعية تتناسب عنده مع قلة الأخطاء. لذا فهو يشير إلى أن ليسياس أدنى منزلة من أفلاطون لقلة أخطاء أفلاطون.
وقد يبدو من اللافت للنظر أن يربط لونجينوس بين قول الأفكار العظيمة وبين أصالة النفس التي تطرحها إذ يقول: "إن من غير الممكن أن ينتج رجال لهم أفكار وضيعة مستعبدة شيئاً يستحق الخلود"( ) كأنه يدعو إلى تهذيب الروح الشاعرة، ومعارج النفس الإنسانية على صعيد التصور والسلوك.
وقوة صياغة المفهومات عنده بوصفها مقوماً شعرياً، قائمة على أمرين: ما يخص المعنى ثم ما يخص أداة التعبير عن ذلك المعنى، أما المعنى فيجب أن يتصف بالأصالة والسمو في مناسبته لمقتضى الحال. وأما شكل التعبير عنه، فيجب أن يتصف بالاستقامة الأسلوبية والقوة التعبيرية الفنية، ولما كان هذان العنصران يصدران عن النفس الإنسانية العالية المهذبة، فقد دعا لونجينوس الأديب إلى تهذيب نفسه، لأن الفن الرفيع لا يصدر عنده إلا عن نفس نبيلة.
وهذا التصور للأبعاد النفسية والاجتماعية في ذات الأديب يشير إلى أهمية أن يعيشها الأديب سلوكاً لتساهم في اتصاف فنه الأدبي أو الشعري بالقوة.
-أما العنصر الثاني الذي هو جزالة الأسلوب فيشير إلى العنصر الأول (قوة صياغة المفهومات) إذ ينطلق منه للتأسيس لجزالة الأسلوب، لأن قوة صياغة المفهومات في النص الشعري تكشف عن أسلوب يتصف بالجزالة، من جهة دلالته فنياً على إصابة القصد من التعبير الشعري وفيه يكشف عن مقدار الصنعة الإبداعية الكامنة في جزالة الأسلوب إذ يشير إلى إعجاب المتلقي أحياناً بالجدوى القصوى للحقيقة أو الصحة في العمل الفني بمقدار أكبر من إعجابه بأقصى حدود الحقيقة في أعمال الطبيعة.
والمتلقي الذي يعجب بالصحة في العمل الفني أكثر من إعجابه بالصحة في العمل الطبيعي يكشف عن نفس فيه، ترتفع بالفن عن حدود الطبيعة وقياساتها. ومن هنا يقول لونجينوس: "إن الطبيعة- كقاعدة عامة- حرة ومستقلة في أمور العاطفة والسمو، وإنها مع ذلك لا تنزع إلى التصرف بصورة عشوائية خالية تماماً من أي نظام أضف إلى ذلك أن الطبيعة هي المبدأ الأصلي والحيوي المستتر في كل الحالات، غير أن النظام يقدر على أن يضع الحدود والظروف الملائمة، ويستطيع أيضاً أن يقدم أضمن القواعد للاستعمال والممارسة"( ).
وتقدم قاعدة الخيال أو الإبداع الإنساني على قاعدة الطبيعة يشير إلى تفضيل المعطى الفني كونه يدلل على حرية العقل الإنساني، وروحية العاطفة الذاتية في خلق إبداعهما الخاص والعناية بسلوكهما، واشتراطات ذلك السلوك بوصفه معطى إبداعياً.
-أما العنصر الثالث وهو صياغة الصور والمجازات فيعنى بالمكون الجمالي في المعطى الشعري ذلك أن قوة صياغة الصور والمجازات تصدر عن روح فنية تتصف بالعنفوان الفني، والقدرة على الخلق الجمالي، على أنها لا تتصف بالكمال. وقد قال لونجينوس: "إنني أعلم حق العلم، بأن العبقرية الرفيعة بعيدة أشد البعد عن الكمال، لأن الصحة الدائمة تقع في خطر التفاهة وفي السامي كما في كل أمر عظيم، لا بد من وجود شيء تتجاوز عنه.
ولعل من ضرورات الأمور، أن تظل الطبائع الدنيا والمتوسطة- كقاعدة عامة- بعيدة عن الإخفاق وقائمة على أكبر مقدار من السلامة، لأنها لا تجازف أبداً، ولا تسعى إلى ارتقاء الأعالي في حين أن المواهب العظيمة تثبت أنها غير مأنوسة بسبب عظمتها ذاتها"( ).
يكشف لونجينوس هنا عن عنايته بالشكل، وهو أمر ظهر في الآداب القديمة، إذ نظرت إليه بوصفه فناً مجرداً من المضمون. فالأديب الشاعر يظهر مقدرته الفنية في خلال استعماله اللغة وسيلة، والخلق الشعري بوساطة اللغة يتوفر على كل ما يرتفع باللغة عن مستوى العرف الوضعي ليضعها في أسلوب فني فردي في خلال البناء المجازي. ذلك أن عمق العمل الشعري متضمن في الشكل بما يتكون منه، حتى أن محاولة التعبير عنه بشكل آخر تفقده خصوصيته. ولما كانت لغة الشكل الشعري هي جوهرة الفني فقد كان صعباً ترجمة النص الشعري مع المحافظة على جماله الفني.
-أعطى لونجينوس للعنصر الرابع الذي هو العاطفة الملهمة المتقدة، عناية للطبع أو الموهبة الفنية الكامنة في الروح الشاعرة، بوصفها قدرة إبداعية. وفي قوله "العاطفة الملهمة" نسبة الإبداع إلى مصدر ذاتي في الإنسان والتصاق بالأرض، وليس ارتفاعاً عنا لعالم غيبي يرتفع الإنسان في هذا بذاته المبدعة، ناظراً في ما يبدعه لا من خلال الواقع الطبيعي إنما من خلال الواقع الوجداني، وهذا اتصاف بالغنائية، أي تعبير عن التصاق الشاعر بعاطفته ووجدانه عند الإبداع الشعري أكثر من التصاقه بالطبيعة، وهو ما يرتفع بالسمو النفسي والروحي للإنسان فوق السمو الطبيعي للعالم الواقعي الذي يعيشه، وقد قال لونجينوس: "لم تخلقنا الطبيعة، نحن البشر، لنكون بهائم دنيئة وسافلة، غير أنها حين أدخلتنا إلى هذا الكون الشاسع، وكأننا ندخل في اجتماع حاشد، لنكون شهوداً على القدرة الكلية، وأشد الطامحين لهفة إلى الشرف، وغرست في أرواحنا فوراً حباً لا يتلاشى، لكل ما هو أسمى منا وأقدس.
لهذا لا يكفي الكون أجمع تفكيرنا وتأملنا اللذين في متناول عقلنا البشري، لأن مخيلاتنا غالباً ما تتجاوز ما وراء قيود المكان، وإذا فتشنا في كل جانب من جوانب حياتنا، ورأينا إلى أي حد نرتبط من كل ناحية، بما هو مدهش وعظيم وجميل، فسرعان ما سنتبين هدف مولدنا وهذا هو السبب في أننا بنوع من الحافز الفطري، لا نعجب بالجداول الصغيرة، وإن كانت مفيدة ورقراقة، وإنما نعجب بالنيل أو الدانوب أو الراين ونعجب أكثر بالمحيط، كما أننا لا ننظر إلى اللهب الرقيق في مصباحنا (ونحن نرعى نقاء ذبالته دائماً) برهبة أكبر من رهبتنا تجاه النيران السماوية، ولو كان الظلام يحجبها غالباً، ولا نعتقد أن هذا اللهب أعجب من بركان (اثنا) الذي يقذف في انفجاراته حجارة... في كل هذه الأمور نستطيع القول: بأن الناس يعتبرون كل ما هو مفيد وضروري مبتذلاً في حين يحتفظون بإعجابهم لكل ما هو مدهش وصاعق"( ).
يشير لونجينوس إلى أن ما هو سام في الطبيعة ومقدس يبعثنا إلى التعلق به حبنا وسعينا الدائبان للتعبير عن السامي المقدس في أعماقنا، أو ما تجيش به أرواحنا من سمو، لأن مخيلاتنا غالباً ما تتجاوز ما وراء قيود المكان- كما يقول- وهذا الأمر يكشف عن إعجابنا بالنيل والدانوب والراين أكثر من أي نهر صغير، وتعلقنا ورهبتنا تجاه النيران السماوية أكثر من اللهب الرقيق المنبعث من ذبالة مصباحنا، الأمر الذي جعل الناس ينظرون لكل ما هو محدود الفائدة والحجم على أنه قليل الأهمية لمحدودية أبعاده الحسية، على أنهم يحتفظون بإعجابهم لكل ما هو مدهش وصاعق.
-وقد جاء العنصر الخامس والأخير (التأليف الرفيع الجليل) نتيجة لتوافر العناصر السابقة، ذلك أن التأليف الرفيع الجليل يصدر عن قوة إبداعية كبيرة في صياغة المفهومات بأسلوب فخم جزل جميل وبالشكل الذي تصاغ فيه الصورة والمجازات على نحو فني يكشف عن مقدرة فذة في الخلق المجازي المعبر عن عاطفة ملهمة ومتقدة.
أي أن عنصر التأليف الرفيع الجليل، عنصر إنتاجي أكثر منه عنصراً جمالياً في المحصلة الأخيرة.
هذه العناصر الخمسة عند لونجينوس هي مصادر السمو الفني الرفيع، وقد بدا أن أثر مقالة لونجينوس (في السمو) كان لافتاً للنظر كونه مؤثراً في الشعوب الغربية، ذلك أن "تطور الشعر الغربي منذ عصر النهضة إلى اليوم مدين للونجينوس بخلاصة من أسرار أرسطو، كما حدد مفهوم الشعر في كتاباته، فقد استطاع تأثير هذا الناقد العربي أن يسقط الأشكال التقليدية للبناء الشعري المعروف، الملحمة والمأساة والملهاة، بحيث اختص المسرح بمفهوم فني منعزل عن الشعر، وبذلك استطاع الشعر الغربي أن يستقل ويتطور ليقدم إلينا قصائده الغنائية بشكلها المعروف منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم. وقد أخذ الغرب من لونجينوس وأفلوطين مفهوم (السامي) كما أخذ مفهوم أن الشعر لا يخضع للقواعد المقررة"( ).
إن بعض ما جاء به لونجينوس قد سبقه إليه أرسطو، لكن فضيلته مع أفلوطين أنه أثبت مفهوم (السامي) عند الغربيين في التراث اللاتيني.
وقد كانت أداة لونجينوس النقدية مهذبة بالثقافة الفلسفية الإغريقية على نحو خاص، وقد أظهر في مقالته أسلوبه البلاغي في النقد، حتى كأنه "بلاغي يفوق المألوف من حيث أنه يحاول أن يجمع طرفي المشكلة معاً، طرف الصفات أو طرف التعريفات البلاغية السائدة، وطرفاً يقوم إحساسه بشيء غير قابل للتعريف، يدعوه هو "السمو" ويحاول أن يحدده تحديداً نوعياً، خارج أجواء البلاغة، وهو الإحساس بالروح العظيمة، وما يملؤها من أفكار وعواطف، غير أن الميزان يفلت من يديه حين يجابه تعارضاً قوياً بين التقنية الصحيحة (النظام أو الصنعة) وبين عظمة الروح التي تتأبى على النظام فتقع في الإهمال"( ).
إن قراءة متأنية لعناصر الشعر عند لونجينوس، ومقارنتها بعناصر عمود الشعر عند المرزوقي تكشف عن درجات من التقارب، قد يكون سببها راجعاً إلى الصلة السامية التي تجمعهما. فضلاً عن التقارب في مفهوم الشعر عند الشعوب أو الأمم السامية ولا سيما بين العرب والشعوب القديمة من عبرانيين وفراعنة وبابليين وفينيقيين وآراميين.
ويمكن تقسيم عناصر الشعر عند كلا الناقدين على ثلاثة أقسام رئيسة هي:
-القسم الأول: يدرس اللفظ وما يصدر عن تشكيل الألفاظ من تلوين صوتي هو الإيقاع أو جرس الألفاظ، مع النظر في درجة التزام الشاعر بصحة استقامة الألفاظ لما تضفيه من جزالة تعبيرية. وهذا ما يمكن أن نلحظه عند لونجينوس في العنصر الأول الذي هو (قوة صياغة المفهومات) وهو ما يقابله عند المرزوقي: شرف المعنى وصحته..
-القسم الثاني: يدرس المعنى على وفق ما يتشكل جزئياً في مقاطع أو موضوعات القصيدة، وهو ما يشير إليه لونجينوس في: جزالة الأسلوب وصياغة الصور والمجازات ويقابله عند المرزوقي: جزالة اللفظ واستقامته ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية لأن جزالة الأسلوب تصدر عن استقامة اللفظ ومشاكلته للمعنى. وكذلك يمكن النظر إلى العنصر الرابع عند لونجينوس (العاطفة الملهمة المتقدة) لقراءة ما يقابله عند المرزوقي من إصابة للوصف ومقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له. فالعاطفة الملهمة المتقدة تسهم في إنتاج المعنى الجمالي مثلما تسهم عند المرزوقي ثلاثة عناصر هي ما يقابل العاطفة الملهمة عند لونجينوس.
-القسم الثالث الذي يدرس التركيب أو بناء القصيدة، ومدى تناسب بناء القصيدة في تصوير المعاني الجزئية وأسلوبية التأليف بينها في وحدة القصيدة شعرياً، هو ما يمكن أن نلحظه عند لونجينوس في إشارته إلى: التأليف الرفيع الجليل، إذ يشير إلى تناسب بناء العمل الشعري، ويقاربه عند المرزوقي قوله بالتحام أجزاء النظم والتئامها.
وقد درس محيي الدين صبحي التقارب بين عمود الشعر في صورته الأولية عند الجرجاني وبين عناصر الشعر عند لونجينوس، ذاكراً أن مما يؤيد حدود هذا التقارب بينهما: إمكانية تقسيم عناصر كلا النظريتين على ثلاثة أقسام رئيسة، لأن كلاً منهما "تحدد الشعر بعناصر تكوينية وعناصر جمالية وعناصر إنتاجية، وهذه العناصر تبلورت في التراث خلال مئات السنين حتى غدت تقليداً متوارثاً لا يمكن التخلي عنه إلا بالتخلي عن الذوق الرفيع"( ).
إذ درس في القسم الأول الذي يضم العناصر التكوينية: شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته. وفي القسم الذي يضم العناصر الجمالية: الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه، وفي القسم الذي يضم العناصر الإنتاجية: غزارة البديهية وكثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة. ولكن ما تضمنته العناصر الإنتاجية عند الجرجاني جاء عند المرزوقي نتيجة لاجتماع ثلاثة عناصر هي: شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه العناصر الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات( ).
ولكن هذا التقسيم عند محيي الدين صبحي لعناصر الشعر بين لونجينوس والجرجاني يمكن إيجازه بين لونجينوس والمرزوقي على قسمين فقط.
-القسم الأول: يتوفر على العناصر التكوينية التي تشتمل على أدوات صياغة الشكل الشعري، وهي عند المرزوقي: شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته ومشاكلة اللفظ للمعنى، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. وهذه العناصر التكوينية عند لونجينوس ثلاثة هي: قوة صياغة المفهومات العظيمة وجزالة الأسلوب، والتأليف الرفيع الجليل.
-القسم الثاني: يتوفر على العناصر الجمالية التي تشتمل على المعطى الجمالي الصادر عن الشكل الشعري والمكمل له، وتتضمن العناصر الجمالية عند المرزوقي: إصابة الوصف، ومقاربة التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له. وهذه عند لونجينوس: العاطفة الملهمة المتقدة وصياغة الصور والمجازات.
واللافت للنظر في كلا النظريتين، كثرة العناصر الإنتاجية، وربما كان السبب في هذا راجعاً إلى كون الناقد القديم موجهاً لإظهار طرائق إنتاج المعطى الجمالي أكثر منه قارئاً في العناصر الجمالية التي يشف عنها النص الأدبي، فالناقد القديم موجه لكيفية استثمار أدوات إنتاج الشكل الفني بأسلوب أفضل، بعد تمثل الموروث بوصفه مرجعية إبداعية.






(المبحث الثالث)
نظرية الشعر عند دونالد استوفر


يبدو أن العقلية الإغريقية- كما كانت تتجلى في خلال أطوارها الحضارية- عقلية درامية على نحو خاص، وهو أمر صادر عن أن الجذور الدرامية راسخة في طرائق تفكيرها وأساليب حياتها ومن ثم في رؤيتها لسائر أساليب الحياة، وهو ما تشير إليه الأساطير الإغريقية ومما توحي به الملاحم ذات الطابع التعليمي، على النحو الذي يمكن معه الإشارة إلى كون الشعر يأتي تكثيفاً لما يكتنف هذه العقلية( ).
وقد قدمت هذه العقلية أجناساً أدبية اختصت بها، حتى أن النضج الذي وصلت إليه تلك الأجناس لم يشهد تطوراً كبيراً بعد الإغريق، حتى أن الأدب اللاتيني لم ينظر إليه إلا على أنه تقليد لأدب الإغريق. وهذا يفسر محاولات شيشرون الفلسفية في إيجاد المصطلح اللاتيني الذي ينقل المعاني الإغريقية( ).
ومن أبرز القضايا التي قام عليها محتوى ذلك الأدب قضية العلاقة بين الإنسان والآلهة أو صلة الأرض بالسماء. وكذلك قضية التعامل مع التراث( ). فالأدب الإغريقي شفاهي حتى نهاية عصرهم حين أخذ فقهاؤهم ونحاتهم بتدوينه وربما ساعدت هذه الشفاهية على سيادة الملامح الأسطورية عليه. وإن كان سائر هذا الأدب "لا يرتكز على الآلهة كآلهة ولا على البشر وحدهم بل يمزج بين هذين العالمين... فلا وجود لحاجز يعوق اتحاد الأرض بالسماء في العقلية الإغريقية"( ).
كان الإغريق أقرب إلى الاتجاه التحقيقي، فامتاز شعرهم بسيطرة الميثلوجيا والأساطير وساد على نثرهم الخطابة والتاريخ والفلسفة، فهم يرون العبقري الذي لا يطلق عنان خياله على نحو بارز( )، والاتجاه (الكلاسيكي) لا يأخذ بحرية الخيال كثيراً، بل يحترم قوانين العقل غير خارج على ما هو محتمل، ويعني بالمجاز والصور ذات الطبيعة البصرية، فكانت عنايته بتصوير صدق العواطف مهمة، ويعنى بترتيب الأفكار ويبرع في مراعاة المقام (مقام القول). وفي هذا الاتجاه لم يطرد أفلاطون كل الشعراء من مدينته الفاضلة إنما حافظ على الذين يحكون له حديث الإنسان الخير( )، وربما كان هوراس بارعاً ومتقدماً على عصره حين جمع بين القيمة الأخلاقية أو المنحى النفعي وبين القيمة الجمالية( ).
وقد نص أرسطو على القيمة الخلقية في الشعر حين ذكر أن المأساة إنما هي محاكاة لأبطال يتصفون بعمل الخير. ثم يفضل الشعر على التاريخ لاتصافه بالمنحى التعليمي( ).
أما على الصعيد الموضوعي فيرى أن الشاعر إذا تناول "موضوعاً قديماً أم مبتدعاً فعليه أن يبدأ بتخطيط عام له، ثم يفصله قطعة قطعة ويمد أطرافه"( ) مقدماً المعقول على الممكن غير المعقول( ).
لكي يكون قريباً من الواقع، ويفصل نظرته المنطقية بقوله: "لما كان الشاعر محاكياً- شأنه في ذلك شأن الرسام وكل صانع صورة- فيجب ضرورة أن يسلك في محاكاة الأشياء، أحد طرق ثلاثة: إما أن يحاكيها كما كانت أو تكون، وإما أن يحاكيها كما تقال أو تظن، وإما أن يحاكيها كما ينبغي لها أن تكون، وهو يعبر عنها باللغة... فإذا أراد الشاعر محاكاة المستحيل لعجزه وضعف شاعريته فالخطأ راجع إلى الشعر، أما إذا أخطأ في اختياره فرسم جواداً يمد أماميتيه معاً، أو أخطأ في أمر من أمور صناعة بعينها كالطب أو غيره، فليس هذا الخطأ راجعاً إلى صناعة الشعر نفسها"( ).
وعلى الرغم من أن أرسطو لم يعرف المحاكاة تعريفاً محدداً، إلا أن النقاد أجمعوا تقريباً على أنها لا تعني التقليد أو الإشارة إليها بمعنى التصوير أو التمثيل( ). وقد ركز النقاد والفلاسفة على المحاكاة بمعنى التصوير الحسي، في كونها تشكيلاً جمالياً للواقع، مما أظهر بعدها عن التقليد أو النسخ المثلي للواقع المباشر، ومدارها الرئيس علاقة العمل الأدبي ومنه الشعري بالواقع. مع أن الفن عنده محاكاة لعالم الحياة العقلية التي يعيشها الإنسان، وهو عند أفلاطون محاكاة لمفردات العالم المحسوس. فالمحاكاة سواء عند أفلاطون أم أرسطو هي قوام الشعر.
أما وسيلة المحاكاة فهي الوزن أو الإيقاع واللفظ والنغم. وانفراد الإيقاع وسيلة محاكاة يؤدي إلى فن الرقص، بينما انفراد اللفظ بالمحاكاة يشكل فنون النثر، أما انفراد اللفظ والوزن مجتمعين معاً، فيشكل شعر المدح والملاحم. أما اجتماع الإيقاع والنغم فيؤدي إلى فن الموسيقى، ولكن اجماع وسائل المحاكاة الثلاث وهي: الوزن واللفظ والنغم يؤدي إلى تشكيل فن الشعر( ).
ويمكن أن نوجز معايير الشعرية الغربية عند أرسطو انطلاقاً مما سبق ذكره، على النحو الآتي:
-على صعيد الموضوعات أي ما (يحاكي)، ذكر أرسطو أن الشعر يحاكي الناس في أفعالهم، سواء أكان الفاعل من الناس سوياً في فعله أم فوق مستوى السوي أم دونه، وفي ذلك تصور الكوميديا جوانب غير سامية أي الناس دون المتوسط، أما التراجيديا فتصور الجوانب الرفيعة السامية أي الأخيار من الناس. وهذا فهم قائم على أساس أخلاقي، ولا يخفى أن الأداء المسرحي يحاكي الفعل بالفعل، على حين تحاكي الملحمة الأفعال بالرواية.
-أما على صعيد الشكل الفني للشعر، فما يتصل بالعروض منه، اختصت أوزان معينة بموضوعات وأغراض بعينها، فالوزن السداسي للملحمة، والايامبي للرقص والتروخائي للعمل وهكذا( )، واختصت أوزان معينة بأساليب مخصوصة، فالايامبي أليق الأعاريض بالحوار( ).
أما على صعيد لغة الشعر فقد قال أرسطو بجودة العبارة حين تكون: "واضحة غير مبتذلة"( )، ذات خصوصية في استخدام أسلوب الاستعارة "الذي لا يمكن أن يستفيد المرء من غيره، وهو آية الموهبة"( ) وهو يربط لغة الاستعارة بموضوعات معينة فالاستعارات عنده تناسب الشعر الايامبي وشعر الملاحم( ).
يعد أرسطو التشبيه ضرباً من المجاز، ولا يرى الإكثار منه في النثر حسناً لأن فيه طابعاً شعرياً( ).
-أما على صعيد البناء الشعري، فإن ميل العقلية الإغريقية إلى الدراما، طريقة تفكير وأسلوب حياة، ورؤية للأشياء، جعل نتاجهم الأدبي يبنى على السرد فقام تحليل التراجيديا عند أرسطو على النظر في الحبكة والشخصيات وفكرة العمل على النحو الذي يقتضيه السرد القصصي أو البنائي الحكائي، وهو ما جعل بناءهم الشعري متصفاً بالوحدة العضوية أكثر من النمط الغنائي.
والشعر عند أرسطو لغة إشارية صادرة عن موهبة كأنها ضرب من الجنون( )، فكأن الشعر عنده تسهم في إبداعه غيبيات معينة، كما تصور ذلك أفلاطون حين ظن أن الشعراء يلهمهم الجن قول الشعر، وعند العرب تصور من هذا القبيل حين عدوا الشعر نوعاً من الإلهام( ).
وهذا الكلام لا يستبعد الشعر الغنائي عن الإغريق أو اللاتينيين أو الأوربيين، بل نجد من النقاد الغربيين من يرفض رأي أرسطو في قيام الشعر على المحاكاة، ورأى الناس إنما يرددون هذا القول لا لصحته، إنما لصدوره عن أرسطو. إذ يرى وليم جونز الشعر الغنائي ولا سيما الشرقي ذي الطبيعة التلقائية، الأساس الجوهري الذي ينتمي إليه الشعر كله( ).
وبعد هذا المهاد النظري لنقد الشعرية الغربية، كما عرض لها النقد الإغريقي عند أرسطو على نحو خاص، وما كان لها من معايير معينة. أصل إلى قراءة المقومات التي تقوم عليها طبيعة الشعر الغربي متخذاً من كتاب دونالد استوفر (طبيعة الشعر) أنموذجاً في هذه القراءة. والذي قادني لهذا الأمر، عاملان رئيسان أولهما أن استوفر ينطلق مما قال به أرسطو ويكمله على وفق ما يراه جديداً، إذ يعد أرسطو الناقد الأول حتى الآن للشعرية الغربية (الآرية). وثانيهما: أن استوفر جاء بسبعة معايير يعدها العناصر الرئيسة لقراءة الشعر الغربي، على نحو ما فعل المرزوقي حين حدد مقومات عمود الشعر العربي بسبعة عناصر. ولهذا سأعمد إلى قراءة مقارنة بين عناصر الشعرية الغربية السبعة كما قال بها استوفر في (طبيعة الشعر) وبين عناصر عمود الشعر السبعة كما قال بها المرزوقي في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام. وصولاً إلى تحديد خصوصية عمود الشعرية العربية، كما قال بها المرزوقي.
أما دونالد استوفر فقد جاء في كتابه (طبيعة الشعر) بسبعة عناصر تمثل الشعرية الغربية وهي: اللغة الشعرية وعمق التجربة وأصالة العاطفة على نحو خاص من الذكاء، والسمة الحسية الملموسة، والتعقيد، وهذه العناصر الخمسة تخص الشعر (poetry) أما الخصيصتان الأخريان وهما: نظام الكلمات الإيقاعي (الإيقاع) والنظر إلى الشعر بوصفه بناء شكلياً، فهما متصلتان بالنظر في خصائص القصيدة.
فقد ذكر في عناصر الشعرية الخمسة الأولى، سمات جزئية لا تعطي تعريفاً متكاملاً للشعر، وإن خص بها المنحى الفكري في الشعرية الغربية، ولكنه في العنصرين الآخرين (السادس والسابع) حاول بيان قانون الإيقاع الشعري، ثم النظر إلى أن القصيدة شكل ذلك أي أن تشكيل مادة النص الشعري هو جل ما يعنى به الشاعر.
وسأعرض الآن لعناصر الشعرية الغربية السبعة، كما جاءت عند (دونالد استوفر) في كتابة (طبيعة الشعر) وصولاً إلى مقارنتها بعناصر عمود الشعر السبعة، كما جاءت عند المرزوقي لتبيين خصوصية عمود الشعر العربي.
1-لغة الشعر:
لا شك في أن الطابع الفردي للغة الشعرية، ينأى بها عن اللغة بوصفها شأناً عاماً ويكسبها دفقاً من الحيوية والخصوصية الذاتية، ويشترط استوفر في الكلمة الشعرية اشتمالها على ثلاثة عناصر( ): محتوى عقلي، وإيحاء خيالي، وصوت خالص. وتؤدي هذه العناصر مجتمعة وظيفة الخصوصية الفردية للغة الشعر، تلك الخصوصية التي تجعل هذه اللغة عصية على الترجمة، واحتمال ترجمتها يفقدها كل ما لها من خصوصية وعمق فنيين، لأن شعرية القصيدة تنعدم عند ترجمتها لتصبح نثرية، وإعادة قراءة الشعر بصورة نثرية بعد الترجمة تنأى به عن طبيعة الشعر، بل إن الحكم على شعرية القصيدة بعد ترجمتها غير صحيح فكأن المتلقي- في هذه الحالة- يترجم القصيدة إلى نثر ثم يحاول تذوق جمالها الفني، ذلك أن لغة الشعر يترابط فيها المستويان: الصوتي والدلالي لتكون "بنية وظيفية لا يمكن فهم عنصر منها خارج نظامها المتكامل،... وبينما تقوم جميع عناصر اللغة النثرية بوظيفتها التوصيلية، تكتسب في لغة الشعر استقلالاً خاصاً وقيمة مميزة وتجنح إلى استبعاد عنصر الآلية كاشفة عن نوع خاص من الدلالة الشعرية"( ). مع أن شعرية اللغة في الشعر ليست في الوزن والقافية إنما في العناصر المتماسكة التي يمنحها الوزن والقافية بعداً صوتياً جمالياً صادراً عن تلك الخصوصية الفردية في إنتاج اللغة التي بها صار الشاعر شاعراً( ).
ويؤكد استوفر على فردية لغة الشعر، لأنها تمثل صنيع الذات الشاعرة فنياً، وتعبر عنها وتكشف عن تفردها أسلوبياً، ومن هنا كانت القصيدة بنية شعرية لا نثرية، ومن هنا فهو يرى ترجمة الشعر مستحيلة، لأننا لا نستطيع أن ننقل القصيدة إلى صورة نثرية في لغتها نفسها، فكيف عند نقلها (ترجمتها) إلى لغة أخرى( ). لذلك "فإنه كلما كانت القصيدة (شعرية) قل إمكان التفكير فيها نثرياً، دون أن تتلف، فتلخيص القصيدة وصياغتها نثراً يعد جهلاً تاماً بجوهر الفن"( ).
2-عمق التجربة الشعرية (أصالتها):
تصدر خصوصية التجربة الشعرية عن إحساس متفرد ومميز لفهم الواقع، ومحاولة التعبير عنه شعرياً. وتكشف اللغة الإشارية عن عمق التجربة أكثر من التفصيلات الكثيرة، لأن إشارية اللغة الشعرية تكسبها بعداً رمزياً إيحائياً.
وينظر استوفر للشعر على أنه صياغة فنية مميزة لتجربة بشرية( ) مر بها الشاعر، "وليس في الحياة كلها أمر يمكن أن تعتبره تجربة لها قيمتها الذاتية، التي تعلو بها على سواها بل كل ما تقع عليه الحواس، وكل ما يمس العاطفة وكل ما ينفعل به الأديب، هو مادة فنه"( ) وهو مصدر من مصادر التجربة، ومن هنا تعددت التجارب الشعرية وتنوعت، إذ هناك: تجربة ذاتية وتجربة شخصية وتجربة جمالية وتجربة وطنية وهكذا.
وتسهم الصورة الفنية على تعدد أساليب أدائها في رسم مظاهر التجربة الشعرية، ويأتي تعبيرها الشعري متصفاً بالعمق، بقدر اتصاف الإحساس بها ومعايشتها بالأصالة وبقدر التفرد الأسلوبي لتعبيرها الشعري، كونها تمثل "الصورة الكاملة، النفسية أو الكونية التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور، تفكيراً ينم عن عمق شعوره وإحساسه، وفيها يرجع الشاعر إلى اقتناع ذاتي وإخلاص فني، لا إلى مجرد مهارته في صياغة القول.. ليعبث بالحقائق أو يجاري شعور الآخرين، لينال رضاهم، بل إنه ليغذي شاعريته بجميع الأفكار النبيلة ودواعي الإيثار التي تنبعث عن الدوافع المقدسة، وأصول المروءة النبيلة وتشف عن جمال الطبيعة والنفس"( ) ومن هنا فالتجربة الشعرية خصوصية ذاتية فردية وهذه الخصوصية هي التي تكشف عن أصالتها وعمقها، ذلك العمق الذي يرى استوفر أن الشعر الحقيقي يبزغ منه( ).
3-أصالة العاطفة:
توقد العاطفة الإنسانية لحظة التعبير عنها شعرياً، يقتضي ذكاء حاداً لتشكيل أسلوب شعري معبر عنها، بالشكل الذي تتبين فيه أصالة العاطفة في خلال تفرد الأسلوب وقد يظهر دور الذكاء في الشعر تشكيلاً للاتجاه التعليمي في الشعر من جهة النظر الثاقب للأشياء المتعامل بها أو معها، ولكن صفة (العاطفة الجياشة) تسهم كثيراً في إظهار جمالية اللغة الشعرية عبر تشكيل بناء جمالي مؤثر وممتع. وهو ما يجعل الشعر مفيداً وممتعاً( ).
وهذا الفهم يكشف عن أن أصالة العاطفة والذكاء الفطري في الإحساس باللغة والتعامل بها ومعها هما المصدران الرئيسان لتكوين مقومات الأسلوب الشعري المميز.
على أن النص الشعري متصل بالجانب العقلي اتصاله بالجانب العاطفي، ولا توضع له غاية محددة مسبقاً، قبل إبداعه، على أنه يحقق للمتلقي وجوداً فكرياً. والذين نظروا إلى اتصال الشعر بالجانب العقلي كثيراً حددوا من حرية الإبداع الشعري، لأنهم نظروا إلى ما يتجاوز العقل بمنظار غيبي يصله بالجن و(شياطين الشعر) والذين نظروا إلى اتصاله بالجانب العاطفي كثيراً، أغرقوا في الخيال، ونأوا به عن حدود الوعي الفني، ومن هنا جاء تشكيل النص الشعري غير منفصل عن الإحساس بالمنحى الحسي، وقد خلص استوفر في هذا إلى أن النص الشعري عمل فني متكامل، يمتع فنياً وجمالياً، مع أنه يحقق وجوداً فكرياً للمتلقي( )، وهو ما يكشف عن أهمية العاطفة في النص الشعري.
4-المنحى الحسي للشعر:
لا يكشف الشعر عن المنحى العقلي أو العاطفي للطبيعة الإنسانية فقط إنما هو متصل بالعقل والعاطفة معاً وبالجانب الحسي أو المنحى الملموس، الذي يؤديه التعبير الشعري، وهو ما ذهب إليه استوفر حين عد المنحى الحسي عنصراً يتوفر عليه الشعر بوصفه جزءاً من طبيعته الجمالية( ).
ولما كانت المادة التي يصدرُ عنها تصور الشاعر حسية، ووظيفتها جعل الأفكار حاصلة في ذهن المتلقي، على نحو من السهولة والمتعة، على أن الصورة التي يؤديها الشعر، لا تتطابق مباشرة مع الأشياء المصورة، فإن الأداة الصوتية التي يتكون منها الشعر، لا تكون هي الأخرى مطابقة للأصل الذي تصوره، كون هذه المادة الصوتية متصفة بالثبات في حين تتسم الموجودات المباشرة بالتغير على صعيد الواقع. وبالقدر الذي تنأى فيه عن التطابق، فهي توحي لكل متلق بشيء ربما كان مختلفاً عما تشي به لسواه، على وفق تعدد قراءات المتلقين، الأمر الذي يؤدي لاختلاف في تلقي الصورة الشعرية.
وقد أشار مؤلفو البلاغة العامة إلى أن أهم ما يميز الخطاب الأدبي ومنه الشعر، انقطاع وظيفته المرجعية، حين لا يرجع بنا إلى شيء، ولا يبلغنا أمراً خارجياً، إنما هو يبلغ ذاته التي هي المرجع والمنقول في الوقت نفسه. ولما كف النص عن أن يقول شيئاً عن شيء إثباتاً أو نفياً، فإنه غدا هو نفسه قائلاً ومقولاً( ).
فالشاعر حين يعمل على إعادة تمثل الواقع شعرياً، يبدع نصاً يصور ذلك الواقع الشعري الملموس، كما يراه هو، ورؤيته الشعرية لا يشترط فيها أن تتطابق مع حسية ذلك الواقع، ومن هنا كان المعنى يتخلق في أساليب متعددة شعرياً، ولكنه ليس كذلك في التعبير الشعري.
فالشعر عند استوفر حسي (concrete) لأن أفكار الشاعر وعواطفه، يتم التعبير عنها بألفاظ حسية، تعبيرها الشعري عن الموجودات الحسية يتم في خلال الصورة الموحية فنياً( ).
5-التعقيد:
يتحدد مفهوم التعقيد عند استوفر في أن القصيدة التي يسيطر فيها الشكل الفني أو بناء الصورة الفنية على الفكرة أو المفهوم، بالشكل الذي يتحدد فيه المفهوم واضحاً فإن قصيدة كهذه تتصف بالبعد عن التعقيد وبالغنائية، أما إذا كان صعباً على العقل استيعاب المفهوم وتطلب الأمر نظراً ثاقباً في وحدات أو مقاطع متعددة لنص شعري، لأجل تصور منظم تكون فيه وحدات القصيدة أو مقاطعها مفهوم ذلك النص أو القصيدة فإن قصيدة كهذه تتصف بالتعقيد( ). وهكذا يرى استوفر التعقيد عنصراً في طبيعة القصيدة الطويلة أو العمل الشعري الضخم، كما في ملحمة الإلياذة، وسائر الشعر الملحمي( ).
ثم إن التعقيد سمة سلوكية وعقلية في الشاعر، وصفة فنية في النص الشعري، فبعض الشعراء متصف بالتعقيد سلوكياً، كما أن بعض القصائد تتصف بالتعقيد أسلوباً شعرياً في بنائها.
وعندما تتحدد في القصيدة، الوحدة المفردة التي يشتغل عليها وعي الشاعر، من بدء القصيدة إلى ختامها فإن بنيتها الفنية تكون بعيدة عن التعقيد لاتصافها بالقصر. أما إذا اشتغل بناء القصيدة بوحدات متعددة، ينبغي على الوعي الإنساني أن يتفرس بها ملياً إلى أن يلم بها، لأن بنيتها الفنية مركبة فإنها تتصف بالطول الذي يراه استوفر عاملاً مساعداً رئيساً في اتصاف النص الشعري بالتعقيد.
وهذا يعني أن العاطفة العالية التي تشي بها القصيدة القصيرة، والأفكار المركبة التي توحي بها القصيدة الطويلة الضخمة، هما ما يشيران إلى عدم التعقيد في القصيدة الغنائية، واتصاف القصيدة الطويلة بالتعقيد.
6-الإيقاع:
لما كان الشعر بنية تركيبية، فإن الإيقاع لازم فيه لإظهار تركيبه الزمني أي الامتداد المنسق في الزمان لبنية الخطاب اللغوية، وتركيبة المكاني أي التناسب الجمالي لبنية الخطاب الدلالية. لذلك كانت أعمق القصائد شعرية هي تلك التي تتناسب فيها الحركات الإيقاعية الموحية مع الحركات الدلالية.
وقد أشار أرسطو إلى وسائل المحاكاة في الشعر وهي: الوزن والإيقاع واللفظ والنغم لأن المحاكاة بالصوت هي أبرز ما يميز الشعر. كون الصوت مادة الشعر الأولى( ).
وهناك فرق بين الوزن والإيقاع، فالوزن هو مجموع التفعيلات التي تؤلف بيتاً شعرياً معيناً أي أنه بنية مجردة. أما الإيقاع فهو وحدة نغمية تتكرر على نحو مخصوص في الشعر أو في الكلام، أي أنه تلوين صوتي صادر عن الكلام( )، فالإيقاع يشتمل على الوزن، وليس العكس، كما أنه قد يكون في النثر فيتصف بالجمالية الفنية، كما في بعض المظاهر البديعة في البلاغة العربية بينما الوزن قد يكون في الشعر ولا يضفي عليه شعرية، لأن "الوحدة الأساسية في الإيقاع ليست التفعيلة، وإنما البيت كله، ليس للتفعيلات وجود مستقل، وهي لا توجد إلا بحسب علاقتها بكامل القصيدة"( ) ومن هنا كان كل ارتباط بين أصوات الكلام لا يضيع شعرية خاصة ولا يحقق شعراً، إلا إذا حقق نظامه الإيقاعي المميز، وقد ذكر لورد سورث "أن الأثر الممتع للإيقاع ثلاثي: عقلي وجمالي ونفسي. أما عقلياً فلتأكيده المستمر، أن هناك نظاماً ودقة وهدفاً في العمل، وأما جمالياً فإنه يخلق جواً من حالة التأمل الخيالي الذي يضفي نوعاً من الوجود الممتلئ، في حالة شبه واعية على الموضوع كله، وأما نفسياً فإن حياتنا إيقاعية: المشي والنوم والشهيق والزفير وانقباض القلب وانبساطه"( ).
وقد أوضح استوفر أن الأبيات التي تحفل بالمعنى وتتصف بالعمق هي تلك التي يتحقق فيها الإيقاع الفني الموحي، فلا غرابة أن يكون الإيقاع قانون الشعرية الأبرز وما ينبغي أن تتصف به( ).
7-الشكل (shape):
ينطلق استوفر من مبدأ أن الشعر شكل (shape) لأن تشكيل المادة أبرز ما يعنى به الشعراء، ولما كانت اللغة مادة الشاعر فقد صارت عنده غاية، وهي بوصفها شأناً عاماً وسيلة( ).
يشمل مصطلح الشكل- في مقابل المضمون- على كل ما يؤلف الصورة الخارجية أو يشترك في تكوينها من: وزن وإيقاع وموسيقى وصياغة فنية وصورة شعرية. أي كل ما يخص جوهر الشعري، صياغة وأسلوباً وتصويراً، ومن هنا كان النظر إلى الشكل على أنه: "الصورة الخارجية، أو الفن الخالص المجرد عن المضمون، والذي تتمثل فيه وتتحقق من خلاله، شروط الفن الأدبي"( ).
وقد رأى أرسطو أن جوهر الشيء غير منفصل عن تحققه المادي، لأن التلازم حاصل بين الصورة والهيولى( ). وعملية فصل الشكل عن المضمون في العمل الأدبي ولا سيما الشعر ليست صحيحة "لأن المضمون والصورة يجب أن يميزا الفن. ولكن لا يمكن أن يوصف كل منهما على انفراده بأنه فني، لأن النسبة القائمة بينهما هي وحدها الفنية، أعني الوحدة، لا الوحدة المجردة الميتة. بل الوحدة العيانية الحية"( ).
والشكل عند استوفر هو ما ينتج مضمونه، ذلك أن تشكيل المادة الشعرية هو جل ما يعنى به الشاعر، لذا كانت الصورة هدف الشعر، لأنه معيار فني وحد جمالي على تعدد أساليب إبداع الصورة.
هذه العناصر السبعة هي بإيجاز شديد، العناصر التي رأى استوفر في كتابه (طبيعة الشعر) أن توفرها في النص الشعري، هو ما يجعله فناً إبداعياً، وقد جاءت على قسمين رئيسين: ضم الأول خمسة عناصر تخص الفكر في الشعر، أي معرفية العمل الشعري، أما القسم الثاني فقد تضمن العنصرين الأخيرين وهما يخصان القصيدة في بنائها الشكلي أو الفني.
إن قراءة نقدية تعمد إلى المقارنة بين عناصر عمود الشعر العربي، ومقومات الشعرية الغربية أي بين المرزوقي واستوفر، يمكن أن تكشف عن خصوصية عمود الشعر العربي وتشير إلى تفرده في قراءة الشعرية العربية. ويمكن إيجاز هذه القراءة في الإشارات الآتية:-
-بدا المرزوقي في مقدمته النقدية لحماسة أبي تمام، متمثلاً للتراث النقدي الذي سبقه وملماً بالتراث الشعري كأبي تمام. فكان أن رأى نفسه أقدر من سواه على صياغة نظرية نقدية، تتمثل طريقة العرب في قول الشعر. أما استوفر في كتابه (طبيعة الشعر) فقد حاول وضع عناصر رئيسة للشعرية الغربية، كان فيها متمثلاً للتراث النقدي الغربي بدءاً من الإغريق حيث يعد أرسطو أكبر ناقد( ) حتى عصره حيث وضع الكتاب في النصف الأول من هذا القرن وظهر الكتاب سنة 1947.
-العنصر الأول عند استوفر هو اللغة في الشعر (لغة الشعر) وقد نعتها بالفردية كونها غاية الشاعر، وفرديتها تستعصي على الترجمة، مؤكداً ضرورة توفرها على ثلاثة عناصر:
عنصر عقلي وعنصر إيحائي وعنصر صوتي( )، على نحو يكون فيه اتصالها النصي/ السياقي باعثاً على الإيقاع. إذ تتصف بالفردية الذاتية والأمانة التعبيرية عند تعبير التجربة شعرياً، وتتصف بامتياز الارتقاء بالتخييل إلى آفاق مجازية عند إبداع الصورة الشعرية، وتتصف ببنية إيقاعية صادرة عن انتظام منسق متناسب، لتلوين إيقاع الأصوات، في تكوين الكلمة وفي التشكيل النصي/ السياقي.
أما المرزوقي فينظر للغة الشعر على أنها أداة تكوين جمالي، متطلباً فيها: الجزالة في اللفظ والاستقامة وعيارهما: الطبع والرواية والاستعمال، واللفظة عنده تستكرم بانفرادها فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت هجيناً.
والفرق بين استوفر والمرزوقي في النظر في لغة الشعر، أنها عند الأول فردية ذاتية تتمثل فيها التجربة الشعرية والشكل والإيقاع، وهي عند الثاني جماعية تقليدية، من جهة كثرة استخدام الآخرين لها (الجزالة)، وخضوعها للقواعد القياسية التي أقرها العرف اللغوي، وقد دل هذا الفهم على التقليد، لأن الشاعر ينظر في نفسه بوحي من الآخر الماضي، مبتعداً بشكل أو بآخر عن تثبيت فرديته، حتى أنه- أحياناً- يعد الشعر نثراً ثم ينظمه، وهو ما شجَّع بعض الدارسين على ترجمة الشعر إلى النثر ثم محاولة فهمه. وهذا كله يكرس تصوراً مفاده النظر للشعر بوصفه صناعة، من جهة صدوره عن تقنية قول الشعر، وليس عن فردية مبدعة، تستلهم التجربة وتتمثلها لتقول الشعر بوحي منها.
-العنصر الثاني عند استوفر هو التجربة المتصفة بالعمق الفني، والحاملة لقيمة إنسانية رفيعة ليس على أساس المنفعة التعليمية، إنما للتعبير عن المنحى التعليمي غير الإرادي (غير المباشر) الذي يشي به النص الشعري، كونه مزيناً جمالياً بلغة الإيحاء المجازي وليس لغة الخطاب التقريري المباشر. أي أنه يطلب أن يقدم الشاعر عمق تجربته ليضفي على وعينا عمقاً مستفاداً من تخييل الواقع المباشر فنياً.
أما المرزوقي فلم يتحدث في هذا المصطلح (التجربة) إنما ذكر المعنى مشترطاً فيه: الشرف والصحة، وشرف المعنى عنده لياقته في مناسبته لمقتضى الحال، وصحة قبول العقل له، وهي تناظر عند استوفر اتصاف التجربة بقيمة إنسانية رفيعة، كما أن ارتفاع التجربة الشعرية على التعليمية المباشرة يناظرها في النقد العربي، المنحى الجمالي الذي يتصف به سائر النقد العربي، من جهة مطالبة الشاعر بالإجادة في رسم الصورة أولاً، وقد ذكر قدامة بن جعفر:
إن "على الشاعر إذا شرع في أي معنى كان، من الرفعة والصنعة، والرفت والنزاهة، والبذخ والقناعة، وغير ذلك من المعاني الجيدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة" ( ) وقد ذكر الجرجاني أن الشعر لا يحبب إلى النفوس بالأقيسة العقلية إنما بالقيم الجمالية( ).
-العنصر الثالث عند استوفر، هو أصالة العاطفة، إذ يؤكد أن الشعر بقدر ما هو ممتع فينبغي أن يكون مفيداً، فالشعر حين يوحي، يعلم؛ رابطاً بين الإمتاع الجمالي والتعليم الأخلاقي، على أن المنحى التعليمي في الشعر عرضي أما الإيحاء الجمالي أو الإمتاع الفني فجزء رئيس في بنيته أي قصدي في بنيته.
وما هو تعليمي في الشعر كامن في الأفكار التي تكون في الشعر شفرات إشارة ذات سمات فردية أولاً. بينما هي في النثر دلالات عقلية إقناعية. وحين يحدد استوفر حضور الفكر في الشعر لا يأخذ برأي أرسطو الرافض للشعر الغنائي كونه أثر وعي فردي لا يؤدي وظائف اجتماعية ملموسة. ولا يذهب مذهب أفلاطون في القول بالوظيفة الأخلاقية الاجتماعية للشعر على نحو مباشر.
وقد نظر في العاطفة بوصفها باعثاً شعرياً، بعيداً عن الإلهام الشيطاني، وغير متصل بآلهة الفنون الأفلاطونية، وكان أقرب إلى أرسطو منه إلى أفلاطون، لأنَّ أرسطو قال بتقديم العقل على الخيال، لأن النص الشعري يتحدد أحياناً بمقومات العقل، وهو ما انطلق منه استوفر إذ لا يرى الشعر كبيراً ورائعاً إذا لم يكن للفكر فيه قيمة ذات نفع للحياة الإنسانية ( ).
أما المرزوقي فقد عد العاطفة –التي هي عنده الطبع –معياراً لجزالة اللفظ واستقامته وكذلك لالتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. أي أنه عد أصالة اللفظ ودقة استقامته، وتناسب التحام أجزاء النظم شعرياً، مما يصدر عن طبع أصيل (عاطفة نبيلة). وهو فيها ناقد جمالي.
-أما العنصر الرابع فهو الطابع الحسي للشعر، لأن مادة الشاعر هي الأشياء المحسوسة والشعر لا ينقل إلينا واقعياً تلك الأشياء، إنما بواسطة صور صوتية موحية، تشكل لغة التعبير عن المحسوسات التي تكون في اللغة الشعرية موحية رامزة. ( ).
أما عند المرزوقي فيمكن ملاحظة (هيمنة الحسي) على النص الشعري العربي في خلال ثلاثة عناصر هي: الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له. لأن كل هذه العناصر تشير إلى (قانون الحسية).
فالوصف دال على هيمنة الحسي، لأن "الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء، إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان أحسنهم وصفاً من أتى في شعره، بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها ثم باظهرها فيه وأولاها، حتى يحيكه بشعره، ويمثله للحس بنعته" ( ).
أما هيمنة الحسي على أسلوب التشبيه، فيشير إليه، أن "أصدق التشبيه مالا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة" ( ).
أما في الاستعارة فإن الأمر واضح كون ملاكها تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، أي مناظرة الأوصاف بين الأشياء.
وتتضح قيمة الطابع الحسي في الأدب ولا سيما الشعر في كونها عاملاً مساعداً في تعدد قراءات النص الواحد. بتنوع الإحساس بأثره من فرد لآخر.
-والعنصر الخامس عند استوفر هو: التعقيد أو تركيبية النص الشعري، إذ ينطلق استوفر في فهم التعقيد والتعبير عنه، من أن القصيدة بما تشتمل عليه من عناصر متفاعلة ومركبة إنما تكشف عن بنية معقدة ولا سيما في القصائد الطويلة أو الملاحم، وهنا فإن التعقيد عنده لا يتصل بالغموض، إنما هو صفة تركيبية يبنى عليها العمل الأدبي، والتعقيد عنده متصل ببناء القصيدة كلها ولا سيما الملاحم، بينما هو عند العرب صفة في بناء البيت الشعري أو الجملة الشعرية أو العبارة، ومن هنا فشاعر القصيدة المتصفة بـ (التعقيد) عند استوفر هو كاتب النص الطويل القائم على بناء فكري متصف بالانتظام بين مكوناته الفنية، فهوميروس في الألياذة والأوديسة شاعر معقد، ولكن صفة التعقيد في الشعر العربي متصلة بالبيت الشعري أو الجملة الشعرية، فأبو تمام شاعر معقد، لأن بناء جملته الشعرية يتسم بما يجعله معقداً ( )، وهكذا الفرزدق في بعض شعره على ما هو معروف عنه ( ).
وقد عد استوفر الوحدة العضوية للنص الشعري جزءاً من مقوماته البنائية، لأنه أشبه ما يكون بالإنسان، وتعقيده نتيجة وليس سبباً ( ).
إذ يعد تركيب العمل الشعري الطويل (المعقد) متصلاً بتوفره على (وحدة عضوية) فهو يربط بين الطول وهذه الوحدة وبين طول العمل الشعري وجودته الفنية لأنها مبنية على أن الجزء معبر وجميل بسبب من علاقته بالكل. وهو يرجع توفر الأعمال الشعرية في التراث الغربي على الوحدة إلى عنصر الفكرة. لهذا يصل بين الفكرة والوحدة العضوية موحياً بكونهما من مقومات الشعرية الغربية، وهما مما تتميز به عن الشعرية الشرقية ولا سيما العربية.
أما المرزوقي فقد أشار إلى هذا في "التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن" ( )، ذاكراً أن النظم الذي لا يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولا يتحبس اللسان في فصوله ووصوله هو الذي تكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة تسالماً لاجزائه وتقارناً ( ).
فالتعقيد عند استوفر صفة في بناء القصيدة، فيما يأتي عند المرزوقي صفة في لغة القصيدة وهو في الشعر الغربي، بدءاً من أرسطو متصل بالوحدة العضوية الصادرة عن بناء فكري متناسب على نحو موضوعي ينبني عليه طول العمل الشعري.
وقد أخذ عز الدين إسماعيل برأي استوفر الذي عزا عدم توفر الشعر الغنائي على الوحدة العضوية إلى افتقاده لوحدة الفكر، إذ يقول: إن القصيدة الطويلة تترابط بمهارة العناصر المكونة لها، والتي تشكل انطلاقاً من التعبير عن فكرة محددة، لهذا "فإن عدم وجود الأعمال الشعرية الطويلة في الأدب العربي راجع إلى فقدان عنصر الفكرة عند الشاعر العربي: ( ).
-العنصر السادس عند استوفر هو الشكل ( shape).
الشعر عند استوفر شكلي (formal) أي يتوفر على صورة كاملة وهي جوهر ما يتضمنه العمل الشعري. والطبيعة العامة التي يتبدى فيها كل عمل شعري، كونها هدف الشاعر، لأنها تتشكل بتشكل النص الشعري، ولا تفرض عليه ( ).
وقد أعطى النقاد والشعراء الغربيون للقواعد والصور المقررة أهمية في إبداع الشعر، ولا سيما في القرن الثامن عشر على نحو خاص، ولكن تلك القواعد والصور لم تحظ بـ (القداسة) على حد قول استوفر - ( ) إنما كانت عرضة للتغير مع تعدد المذاهب الفنية.
أما شكل القصيدة العربية فلم يشهد أي تغيير، إنما ظلت صورته مستقرة، حتى عصر النهضة الحديثة، ونظرية عمود الشعر أنموذج يدل على استقرار صورة القصيدة العربية، وصدورها عن مرجعية قواعد تتسم بكثير من الثبات.
-الإيقاع
يعد استوفر الإيقاع عنصراً واجباً في النص الشعري، ومقوماً من مقومات الشعرية، على حين يرى الوزن ثانوياً، ولكن الإيقاع صعب التحقق في الشعر أما الوزن فإن صدوره عن التفعيلات بوصفها بنى مجردة، يجعل منه سهل التحقق بالصدور عن القاعدة.
وإذا كانت بعض الأغراض أو الموضوعات تختص بها أوزان معينة، كما في الشعر الإغريقي ( )، فإن الإيقاع لا يختص بأغراض أو موضوعات بعينها.
أما المرزوقي فلم يفصل في عمود الشعر بين الوزن والإيقاع، فضلاً عن أنه لم يشر إلى الإيقاع، إنما ذكر القافية مرة في العنصر السابع الذي نص فيه على "مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما" ( ) ثم جعل عياره "طول الدربة ودوام المدارسة" ( ) بحيث تتميز علاقة اللفظ بالمعنى بالتجانس والتناسب "فإذا حكما بحسن التباس بعضهما ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو ولا زيادة فيها ولا قصور، وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني.. فهو البريء من العيب، وأما القافية فتكون كالموعود المنتظر يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة لمستغن عنها" ( ).
أما الوزن فقد نص عليه في العنصر الخامس من العمود حين ذكر أهمية التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. من دون أن يحدد أو يوضح معنى التخير من لذيذ الوزن، أو تمييز لذيذ الوزن من غيره.
أما استوفر فقد كان واضحاً في التفرقة بين الوزن والإيقاع، ثم في تحديد ضرورة الإيقاع للشعر، كون الشعر بنية إيقاعية، والإيقاع عنصر واجب فيه، ثم في عدم شرطية الوزن، ثم في ذكره العناصر المحتملة والممكنة التي يتمثل فيها الإيقاع.
وقد بدا في تصوره النقدي هذا صادراً عن وعي نقدي متراكم وكما، لتعدد أجيال النقاد، وضخامة إرثها النقدي، إذ ينتمي استوفر زمنياً إلى النصف الأول من القرن العشرين فيما عاش المرزوقي حتى الربع الأول من القرن الخامس الهجري.
ولعل الملاحظات الموضوعية التي يمكن أن نسجلها، بين عناصر عمود الشعر العربي السبعة، كما جاءت عند المرزوقي، وعناصر الشعر الغربي السبعة كما نص عليها استوفر يمكن أن نوجز أبرزها فيما يأتي: -
-يتمثل مفهوم الشعر عند أرسطو في المحاكاة، متجلياً في المأساة أو الملهاة، وهذه المحاكاة هي أبرز ما يصدر عنه ويميزه، وهو لا يقيم كبير وزن للشعر الغنائي الوجداني كونه فردياً، أي أن آثاره الاجتماعية والأخلاقية محددة. أما استوفر أعار فردية الشعر اهتماماً وعدها مقوماً رئيساً له. وتتمثل فردية الشعر على نحو أسلوبي في اللغة الشعرية.
أما أهمية الفكر في الشعر فقد أكد عليه في خلال خمسة عناصر، أو مقومات هي: اللغة الشعرية، والتجربة الشعرية، والأهمية أو الذكاء، الطابع الحسي الذي يصدر عنه الشعر، والتعقيد الذي يراه نتيجة أكثر منه سبباً.
أما خصائص القصيدة فقد أكدها في خلال عنصرين هما: دراسة نظام الكلمات في السياق النصي للخطاب الشعري وصولاً لقانون الإيقاع الذي يصدر عنه الشعر. ثم الشكل ( shape) لأن تشكيل المادة يأخذ من الشاعر كل عناية، لأن النص الشعري نص شكلي ( formal).
وهذا المفهوم للشعر مختلف عنه عند العرب، إذ ينطلق مفهومه عندهم من الغنائية أولاً تلك الغنائية التي يتمثل فيها الشاعر ذاته ومشاعره أولاً، كأنه غير عابئ بالمعايير الاجتماعية أحياناً، ولكن عمود الشعر حاول أن يطرح من خلال عناصره مفهوماً للشعر بوصفه صناعة. أما استوفر فقد أفاد من النظرة التي تعد الشعر تجربة فنية وخبرة جمالية.
-نظر استوفر إلى القصيدة بوصفها بنية متناسبة أو وحدة متكاملة، تتصف بوحدة عضوية صادرة عن نمو فكري ينظم بناءها الفني، ويسهم في تماسكها العضوي. وهو في هذا الفهم متأثر بمفهوم الوحدة عند أرسطو على نحو خاص.
أما المرزوقي فقد نظر في الموضوعات التي تتوزعها القصيدة بدءاً من المطلع فالمقدمة ثم الغرض فالخاتمة، أي حسن التخلص في الانتقال من موضوع لآخر حتى ختام القصيدة، وهذا فهم صادر عن طبيعة الشعر العربي، وخصوصيته الغنائية.
-كان استوفر دقيقاً في عرض مفهومه للشعر، وفي استعراض العناصر المكونة لطبيعته، كما حرص على بيان لغة المصطلح النقدي. أما المرزوقي في شرح الحماسة فلم يفصل في عرض عناصر عمود الشعر كثيراً، وأحسبه يظن القارئ مطلعاً على المرجعية النقدية التي صدر عنها هو نفسه، مفترضاً فيه الإحاطة بها، ثم أنه حرص على وضع معيار لكل عنصر من عناصر العمود يكشف عن قصده.
-عناصر طبيعة الشعر الغربي السبعة التي قال بها استوفر، صادرة عن طبيعة الشعر الغربي وممثلةً له، وقد كان فيها مفيداً من الإرث النقدي الطويل والعميق بدءاً من أرسطو حتى عصره، أما عناصر طبيعة الشعر العربي السبعة التي قال بها المرزوقي إيجازه في سبعة عناصر أراد لها أن تكون مقومات للشعر العربي.


***

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق



الفصل الرابع

مقومات عمود الشعر السلوبية




المبحث الأول: المقوم الصوتي.
المبحث الثاني: المقوم اللغوي /التركيبي .
المبحث الثالث: المقوم الصوري /الدلالي.







مقومات عمود الشعر الأسلوبية
يبدو أن الانتماءات المرجعية المتنوعة للرؤية الأسلوبية للأدب، وما أفصحت عنه من مسارات مختلفة الطرائق في الفوز ببؤر الهيمنة والتوجيه، داخل الخطاب الإنساني، هي التي سوغت ما نلحظه من خلاف بين المقاربات المتعددة لوضع اليد على السمة الأسلوبية للنص، فإذا نظرت الألسنية إلى أن البنية الأسلوبية في نص ما، تكمن في مدى قدرة ذلك النص على تمثل القاعدة الجمالية المشاعة المشتركة، بما يحول تلك القاعدة إلى مرجعية إبداع وتقييم فنيين في آن معاً، فإن رؤى أخرى توخت وضع اليد على علاقة الأسلوب بعنصر من عناصر إنتاج الرسالة الأدبية، (المرسل + الرسالة + المرسل إليه) مما يشي بطابع الفردية الذي يميز نظرها إلى أسلوب ما، على أنه حصيلة فاعلية فردية توجه غيرها من فاعليات مشاركة في إنتاج نص أدبي ما.
ولعل المقاربة الأسلوبية، وهي تصطفي المرسل وكذا، تعنى بالنص الأدبي من خلاله، إنما كانت تصبو إلى الوقوع على أواصر الانتساب بين اللحظة الجمالية التي حفزت الفاعلية الشعرية على الإبداع، وبين بنية ما أنتج بتأثير من تلك اللحظة، ومدى قدرة الخطاب على التعبير عن أوفر قسط من محفزات تلك اللحظة، وانعكاس ذلك كله أسلوبياً.
أما عندما تنتقل دائرة اهتمامها إلى المرسل إليه، فإنها تضيء البنيات الأسلوبية على أنها محفزات أو منبهات تحمل الذات المتلقية على كشف مناحي الترابط بين الدال والمدلول أو اكتشاف مواطن ارتباط جديدة، يجود بها السياق الأدبي.
ولم تكن إشكاليات الدراسة الأسلوبية للأدب لتقف عند حدود التمييز بين ما هو جماعي وما هو فردي، بل تجاوزت ذلك إلى البحث في العلاقة التي تربط بين البنية الأسلوبية والبنية الفكرية للنص. فهل الأسلوب هو الفكر متلفعاً بعباءة الأدبية؟ وهل هو محتوى أو مدلولات سكبت في أوعية من الدلالات؟ أم هو الفكرة نفسها وقد تأسلبت متحولة إلى انبناء أدبي أكثر منه بناء أدبياً؟
ولعل هذه الأسئلة ونحوها كانت تواجه نظرية الشعرية العربية في عصرها. كما كانت تعبر عن خصوصية سياسة الكلام. تلك التي كانت أشد من الكلام نفسه ( ).
وإذا صح القول: بأن مفهوم الأسلوب لم يكن غريباً ( ) عن بيئة الثقافة العربية، لأن تتبع النصوص التي ترجع إلى القرنين، الثالث والرابع، يدل على أن مفهوم الأسلوب اقترب من الوضع الاصطلاحي أكثر من البلاغة نفسها" ( ) فإن من الممكن الإشارة إلى أن الملامح الأسلوبية التي لهجت بها نظرية عمود الشعر، لم تكن لتلغي ذاتية التجربة الشعرية، وهي تتحدث عن ضرورة الانطلاق من القاعدة الفنية، ذلك أن عمود الشعر "لو لم يكن الصيغة التي اختارها شعراء العربية، لكان في أقل تقدير، هو الصورة التي اتفق عليها النقاد( ) العرب الذي كانوا أقرب ذاتياً وموضوعياً، إلى قراءة النص الشعري القديم".
على أن المرزوقي في عمود الشعر، قد لاحظ أن أصحاب (نظرية الشكل) أو أنصار النظم يتوزعون في نظرهم النقدي إلى النص الشعري، على ثلاثة مستويات ( ):
- مستوى يرى النظم، في صفاء التراكيب، والسلامة من الوقوع في الخطأ.
- مستوى يرى النظم في ا لحرص على تتميم المقاطع وتوخي الدقة في تلطيف المطالع، ومراعاة درجة التناسب، بين الفصل والوصل، ثم الإيقاع الحسن بتعادل الأقسام والأوزان.
- مستوى يرى النظم في استثمار أنواع الصور البديعية، من ترصيع وتجنيس، وسواهما أي أن هناك من يعنى بالمستوى الصوتي من خلال صور البديع، وآخر يرى العناية بالبناء التركيبي، في تتميم المقاطع وتلطيف المطالع وسواهما. وهناك من يعنى بالمستوى النحوي الدلالي من خلال صفاء التركيب والسلامة من اللحن.
ولكنه لم يشر إلى مسألتين، غاية في الأهمية، الأولى: "أن كل معنى يمكن التعبير عنه في ثلاثة أنواع من المبنى" ( )، والمسألة الثانية هي ضرورة توفر المبنى الشعري على هذه المستويات الثلاثة، أو النظر فيه من خلال توفره عليها.
وقد توفرت عناصر عمود الشعر على هذه المستويات (الصوتي، التركيبي، الدلالي) وقصد المرزوقي أن تكشف تلك العناصر طريقة العرب في قول الشعر، من خلال معايير أراد لها أن تكون قواعد للشعر عند دراسة أدوات التعبير الشعري في اللغة، ولم يشأ لها أن يكون الشعر من خلالها شعر قواعد ينبني على دراسة آثار القواعد الشعرية كما تتمثل أثر عمل أدوات التعبير الشعري.
ويبدو أن دراسة أدوات التعبير الشعري التي يستعملها الشاعر ليفرض على المتلقي طريقة تفكيره هي موضوع الأسلوبية ( ). من جهة أن الأسلوبية "علم يهدف إلى الكشف عن العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلف الباث، مراقبة الإدراك لدى القارئ، المتقبل والتي بها يستطيع أيضاً أن يفرض علينا وجهة نظره في الفهم والإدراك، فالأسلوبية بهذا الاعتبار علم لغوي يعنى بظاهرة حمل الذهن، على فهم معين وإدراك مخصوص" ( ).
ومن هنا ينظر إلى الأسلوب الشعري على أنه: اختيار واع لأدوات التعبير الشعري ( ).
وقد اتضح ما كان من تفريق بين الأسلوب والأسلوبية، في كون الأسلوبية "دراسة للتعبير اللساني، أما كلمة أسلوب فهي طريقة للتعبير عن الفكر بوساطة اللغة" ( )، وبعض الباحثين يرى أن الأسلوب "ذو مدلول لساني ذاتي نسبي، واللاحقة تختص (بالبعد العلماني) العقلي، وبالتالي الموضوعي، ويمكن في كلتا الحالتين تفكيك الدال الاصطلاحي إلى مدلوله، بما يطابق عبارة (علم الأسلوب) لذلك تعرف الأسلوبية أحياناً، بأنها: البحث عن الأسس الموضوعية لإرساء علم الأسلوب" ( ).
واشتمال عناصر عمود الشعر على مستويات الدرس الأسلوبي الحديث، أهّلها للقراءة الأسلوبية، من جهة أن "اللسانيات النظرية تعني بدراسة الأصوات اللغوية دراسة (فيزيولوجية) وفيزيائية وسمعية ودماغية. كذلك تعنى بدراسة التراكيب اللغوية من حيث، بناء الجملة وبناء الكلمة ورتبتها داخل الجملة، ومن حيث القواعد التي تصوغ الكلام و تضبطه في الوقت نفسه، وتعني اللسانيات النظرية بالدلالة التي تفرزها هذه الأصوات والتراكيب، سواء أكانت دلالة خاصة أم عامة، معروفة ومخزونة في الدماغ أم غير ذلك. وبكلمة دقيقة إنها تعنى ببنية المعنى وكيفية توليده، في اللغة وخارج اللغة وتعنى أيضاً بالقواعد التي تولد المعنى، والضوابط الموضوعة على تلك القواعد" ( ).
وقد كان اهتمام الألسنيين كبيراً بدراسة الجمل في خلال ثلاثة مستويات:
الصوتي والتركيبي والدلالي، حيث نظروا في المستوى الصوتي من حيث مستوى الوظائف، وإلى المستوى التركيبي من حيث مستوى السرد، وإلى المستوى الدلالي، من حيث مستوى المعنى ( ).
وتحاول هذه القراءة الأسلوبية لعناصر عمود الشعر، بوصفها مقومات للشعرية العربية، أن تكشف عن المستويات التي حاول عمود الشعر، أن يقرأ القصيدة العربية في ضوئها وأن يوجه المتلقي إلى الاستضاءة بها في إنتاج النص الشعري الحامل لخصوصية أسلوبية تمثل صاحبه.
إن عناصر عمود الشعر ومعاييره لا يمكن النظر إليها على أنها سلفية "تلزم متأخر الشعراء، بعدم الخروج على سنن المتقدمين" ( ) بحجة أن النقد (الكلاسيكي) كانّ متشدداً في الدعوة إلى الالتزام بما أقره السلف من قواعد في الفنون ومنها الشعر لأن ما كان من حرص الشعراء –على صعيد النص الشعري –على عدم الشذوذ عن سنن السابقين، إنما كان إشارة إلى انطلاق الإبداع الحاضر مما أسسه الآخر السابق أولاً، ثم محاولة المنطلق في أن يؤسس لنفسه خصوصيتها. وهذا ما يشير إليه رأي القدماء في الراعي النميري، من أنه شق طريقاً في قول الشعر كان منفرداً فيه، وكان انفراده سبباً في تقديمه ( )، لأن المحافظة على سنن السابقين، لا تعني استنساخ أساليبهم، أو عدم التفرد. وهذا ما نلحظه في أجيال الشعراء المتعاقبة، التي يضيف المتأخر فيها جديداً إلى ما قاله المتقدم.
أما على صعيد النقد فقد كان طبيعياً أن يتشدد النقاد في الدعوة إلى احترام سنن الأقدمين من الشعراء، وأن نقرأ نظرات نقدية تنحو هذا المنحى، ولهذا لم يكن دقيقاً ما ذهب إليه إحسان عباس، من أن النقد والشعر قد أصيبا بالجمود من خلال تأكيد النقاد على تلك النظرات النقدية أو عناصر قراءة الشعر عند السابقين، والحرص القائم على عدم التمرد على أساليب الشعر القديم، مشيراً إلى أن الشعر العربي قد أصيب "بالتقليد أولاً عندما خاف اللغويون من تحضر اللغة فاتخذوا من القديم نماذج يحتذيها المحدثون، وثانياً عندما تبلورت نظرية عمود الشعر تبلوراً شديداً، أصيلاً لم يسمح بالثورة عليها" ( ).
والواقع أن هناك جملة مؤاخذات للنقاد على عمود الشعر منها، إنه يطلب إلى الشعراء أن يسلكوا سبيل من سبقوهم، ولا يشذوا عن سنن الأقدمين، وكذلك رأوا في عناصره قواعد الأنموذج الأرقى للشعر، ثم وجد أن على من أراد التفوق أن ينهج سبيل هذه العناصر ليكون تفوقه بقدر نصيبه منها ثم أنه لم يشر إلى التجربة الشعرية على نحو خاص وتمثيلها للذات الشاعرة.
بدءاً كانت مرحلة النقد التسجيلي، تأخذ باستنساخ الشعر الجاهلي، وتدعو إلى تقليده، بوصفه المحور المركزي للشعر العربي، فهي معنية بتوثيق الأصل، والدعوة له حتى بلغ الأمر حد القول": إن النقد الأدبي لا تنظر له، بالقدر الذي حاز عليه الجمع والترجمة للسابقين إلى الحد الذي استقر عليه العرف الثقافي العربي، على أسس معرفية لفهم الشعر السابق، وقد بلورت تلك الأسس النقد التنظيري الذي قام تأسيساً على مرحلة التسجيل، بادئاً من حيث انتهت، ولما كان نظره إلى مقومات الشعر العربي، أكثر من توثيقه أو تسجيله أو الترجمة للشعراء فقد كان ينظر لفن الشعر من خلال تلك المقومات وهو ما تعارض فيه مع مرحلة التسجيل التي اعتمدت الزمن مقوماً فنياً، كونها انطلقت من التوثيق والترجمة للنص القديم احتفاظاً به مع مرور الزمن، في حين كانت مرحلة التنظير ترى في مقومات عمود الشعر الفنية حضوراً للأنموذجات الفنية العالية الصادرة عن الشعر الجاهلي، ثم ما جاء بعده بدرجة أقل. ولما كانت تلك الأنموذجات التقويمية منطلقة من اللغة أولاً. ومن العرف الثقافي الذي يتأسس على عيار من التلقي الشعري ذي سمات جاهلية، فقد أخذ النص الشعري الجاهلي حظوة كبيرة، من جهة أن لغته أصل، وعلى أساس تلقيه تأسس العرف الثقافي الشعري عند العرب.
ولما كانت مقومات الشعر، كما قال بها التنظير النقدي، قد انطلقت من الشعر الجاهلي، أي من طبيعة تذوق الشعر العربي، فقد صار الشعر المحدث ينطلق مما ترضاه الذائقة المحدثة، أخذاً بنظر الاعتبار عناصر تقييم الشعر، كما استنبطت من قراءة الشعر الجاهلي، وفي هذه المرحلة التي صار فيها النقاد يقاربون بين النص القديم الجاهلي والمحدث لا من جهة قبول الذائقة المحدثة له، لأنها أنتجته، إنما من جهة خضوعه لقياسات المقومات الشعرية المستنبطة من قراءة القصيدة الجاهلية، فصار هناك تمييز بين شعراء قريبين من تمثل تلك المقومات وتمثيلها، وشعراء أحدثوا فيها جديداً. ومحاولات المقاربة النقدية هذه، أدخلت النقد العربي القديم، مرحلة ثالثة، هي مرحلة النقد التطبيقي. ذلك الذي تصدر عنه (القاعدة النقدية) بحكم القاعدة النقدية للشعر أكثر من سواه، تلك القواعد المحكومة بالسياق الحالي والنصي للشعر، ساهمت بقوة في تأسيس مقومات جديدة كانت قريبة من النص المحدث.
وقد بدا أن قراءة مقومات عمود الشعر بوصفها مقولات أسلوبية، من جهة محاولتها قراءة الشعر العربي القديم، أو طريقة العرب في قول الشعر، واضعة لتمييز الأسلوب العربي في الشعر، مقولات أسلوبية يتميز فيها من سواه، وتتضح طرائق القمم الشعرية فيه من سواها، تلك القراءة، تحاول أن تكشف عن مستويات نظر النقد العربي في الشعر خاصة، وإن تلك المستويات قد مثلت الشكل الفني الذي يتخلق فيه المضمون، لذا توزعت مقومات عمود الشعر، بوصفها مقولات أسلوبية، على وفق ثلاثة مقومات: مقوم صوتي، وآخر تركيبي، وثالث دلالي.





(المبحث الأول)
في المقوم الصوتي


عند استقراء مقومات عمود الشعر البنائية، سنقف عند مقولاته الأسلوبية في مستواها الصوتي، في خلال ما جاء في التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، وما كان من مظاهر صوتية في مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، وهذا كله منطلق من الصلة العضوية بين الشعر والغناء، ومؤسس عليها، فقد كان العرب يزنون الشعر بالغناء ( )، لأن "الأوزان عندهم قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار" ( ) وكتاب الأغاني دال في هذا الاتجاه، وقد قال ابن خلدون: "كان الغناء في الصدر الأول من أجزاء الفن، لأنه تابع للشعر، إذ الغناء إنما هو تلحينه، وكان الكتاب والفضلاء من الخواص يأخذون بأنفسهم به حرصاً على تحصيل أساليب الشعر وفنونه" ( ) حتى حدد صناعة الشعر بقوله: تلحين الأشعار الموزونة، بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة" ( ) وفي ضوء هذا الواقع القديم للشعر العربي نظر المحدثون إلى الشعر الجاهلي على أنه نشيد، أي "نشأ مسموعاً لا مقروءاً غناء لا كتابة، كان الصوت في هذا الشعر بمثابة النسم الحي، وكان موسيقى جسدية، كان الكلام وشيئاً آخر يتجاوز الكلام، فهو ينقل الكلام، وما يعجز عن نقله، وبخاصة المكتوب" ( ).
والواقع أن طبيعة الشعر توكّّد ارتباطه بالغناء والموسيقى، بدليل أن كل نتاجات الأمم الشعرية لم تكن خالية من الموسيقى ( )، ثم إن كل المحاولات التي دعت إلى التجديد الشعري لم تستطع الإفلات من سطوة الموسيقى وتأثيرها في بنية النص الشعري.
وبعد هذا يمكن القول: أن الشعر العربي نشأ مرتبطاً بالغناء ( )، إذ أن صرامة العروض العربي تؤكد التصاقه بالموسيقى، والتأكيد على القافية الموحدة التي تعطي الكلام الشعري طابعاً غنائياً، تؤكد هذا، وقد قال ابن رشيق: "كان الكلام كله نثراً، فاحتاجت العرب إلى الغناء، بمكارم أخلاقها وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة وأوطانها النازحة.. لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعراً، لأنهم شعروا به، أي فطنوا" ( ).
ويمكن النظر إلى ملامح المستوى الصوتي عند الجاحظ على أنها إرهاصات طيبة في الاقتراب من الأسلوبية الصوتية للنسيج الشعري، في طرحه النقدي في البيان والتبيين إلا أن "الطرح النظري لوظيفة الجانب الصوتي في شموليته باعتباره عنصراً بنائياً في الشعر إنما نجده عند الفلاسفة المسلمين، ومن تأثر بهم في إطار نظرية المحاكاة" ( )، أما على الصعيد التطبيقي، فيمكن النظر إلى قدامة بن جعفر في (نقد الشعر) على أنه متقدم على غيره، في الإحساس بما يتضمنه الصوت من عمق دلالي مؤثر شعرياً.
وقد أعطت كتب نقد الشعر تطبيقياً وكتب البديع، المقوم الصوتي الحر اهتماماً كبيراً وإن هي "لم تصل بينه وبين المقوم الصوتي المنتظم (الوزن والقافية) ويمكن ملاحظة هذا في أعمال البديعيين بدءاً من أسامة بن منقذ في كتابه (البديع).. لقد صارت أقسام المقوم الصوتي الواحد، وفروعه مثل الترصيع، تقوم باعتبارها مقومات قائمة الذات، فتعقد لها أبواب مستقلة، وانقطع ذلك الخيط بين عناصر المقوم الصوتي الإيقاعي" ( ).
وفي ضوء ما سبق نفهم قول ابن وهب في البرهان، من أن "ما يسمى به الشعر فائقاً، والذي يكون إذا اجتمع فيه مستحسناً رائقاً، صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ واعتدال الوزن... وأضداد هذه كلها معيبة، تمجها الآذان، وتخرج عن وصف البيان" ( ).
وهذا التأكيد في المستوى الصوتي في البلاغة العربية، صادر عن كونه مقوماً من مقوماتها الرئيسة، ومنطلقاً شعرياً، حتى كان الترجيع "الذي تقوم عليه كل الموسيقى.. أوضح مظهراً وأبلغ خطورة في موسيقى الألفاظ، ذلك أنه يتصل باللفظ، أي بالإطار الصوتي الذي يمثل الوحدة الدلالية الدنيا، وفي اللفظ تبدأ عملية التفاعل بين الدلالة اللغوية والدلالة السياقية" ( ) على نحو يكون فيه الصوت المقطوع، وان انقطعت صلته بالدلالة، "بمقتضى عزلة في الإطار الدلالي الأدنى، فإنه بحكم انعقاد صلة جديدة له بأصوات معزولة مثله يكتسب صلة بالمدلولات، أثر ربط هذه الأصوات بعضها ببعض، وربط المعاني بعضها ببعض" ( ).
وفي سياق دلالات الأصوات، ينبغي الانتباه إلى المحدد الآتي، وهو "أن ليس هناك معان جوهرية للأصوات، ولكن المرسل هو الذي يمنحها إياها بناء على التراكم، وعلى السياق العام والخاص" ( ) ومن هنا انطلق الباحثون الأسلوبيون من أحد ثلاثة اختيارات "بعضهم يبدأ من المرسل، فيدرس اختياراته، حال ممارسته عملية الإبداع، وبذاك فإن الأسلوب عند هؤلاء هو الاختيار أو الانتقاء.. وبعضهم من المتلقي، لذلك يدرس ردود، الأفعال والاستجابات التي يبديها المتلقي حيال المنبهات الأسلوبية في النص، وينطلق بعضهم من مبدأ عزل المرسل والمتلقي من دراسة الأسلوب، لذلك تراهم ينطلقون من النص ذاته" ( ). وهذا النظر النقدي في النص الشعري ذاته، يتركز في الإمكانات التعبيرية الكامنة في المادة الصوتية، لأنها تأثيرات صوتية "تظل كامنة في اللغة العادية، حيث تكون دلالة الكلمات التي تتألف منها والظلال الوجدانية لهذه الكلمات بمعزل عن قيم الأصوات نفسها ولكنها تنفجر حيثما يقع التوافق من هذه الناحية، وإذن فثمة مجال– بجانب علم الأصوات بمعناه الدقيق –لعلم أصوات تعبيري" ( ).
وعلم الأصوات التعبيري، ينظر في أسلوبية الكلام الشعري، في مستواه الصوتي، كونه "أول المنطلقات الأسلوبية التي تلتقي منهجياً بالوصف البلاغي، لصوتية المفردات اللغوية، وأنساقها التعبيرية، وإقرار الأثر الصوتي في تكثيف العلاقة، بين الدال والمدلول وإحداث المتغيرات اللغوية لأداء المعنى... فالصوت يختلف باختلاف ذات الشيء المحدث له" ( ) وأصوات الألفاظ "دالة على جهات الكلام، كحروف الشيء وجهاته" ( )، وفي هذا الاتجاه كان اختيار الأسلوبية الصوتية للتكرار المنظم للوحدات الصوتية، نابعاً من نهجها في وصف "صوتية المفردة اللغوية، بوصفها رمزاً دالاً بالمحاكاة، وعلى مستوى التركيب المتسم بالتردد الصوتي المولد للإيقاع المشحون بطاقة السياق الدلالية ( ) لأن الأسلوبية الصوتية تنطلق من "تصورات موضوعية للأنساق الصوتية التي يعمد الشعراء إلى إشاعتها في قصائدهم" ( ).
وفي مجال صوتيات التعبير نلحظ الأسلوبية الصوتية تميز بين ثلاثة أشكال صوتية:
الأولى هي الصوتية التمثيلية التي هي الصوائت بوصفها عناصر لغوية موضوعية. الثانية هي الصوتية الندائية أو الانطباعية التي تعنى بدراسة المتغيرات الصوتية الهادفة إلى دراسة التأثير في السامع، والثالثة هي الصوتية التعبيرية التي تعنى بدراسة المتغيرات الصوتية الصادرة عن مزاج أو سلوك عفوي لمتكلم معين ( )، وفي هذا الإطار فإن الأسلوبية الصوتية "تعتمد على مفهوم المتغيرات الصوتية الأسلوبية وبمقدار ما يكون للغة حرية التصرف ببعض العناصر الصوتية للسلسلة الكلامية، بمقدار ما تستطيع أن تستخدم تلك العناصر لغايات أسلوبية" ( ) ذلك أن اللغة تمتلك "نسقاً كاملاً من المتغيرات الأسلوبية الصوتية، ويمكن أن نميز من بينها: الآثار الطبيعية للصوت، المحاكاة الطبيعية للصوت، المد، التكرار، الجناس، التناغم،..." ( )، وفي هذا لا ينظر للصوت منفرداً، أي "ليس الصوت نفسه كشيء منعزل بالتفاصيل العضوية لنطقه ولفظه، وإنما هو الصوت من حيث تميزه عن مجموعة الأصوات الأخرى. ودخوله في تشكيل أنظمتها، ومن هنا، يمكن وضع خصائص لغة ما، لا على أساس الدور الذي تقوم به الحبال الصوتية وسقف الحلق، وإنما على أساس التقابلات الصوتية التي تميز بعض الكلمات عن بعضها الآخر، فكل صوت في لغة ما، يدرس على أنه مجموعة الملامح التي تميزه عن بقية أصوات اللغة نفسها، وتضعه في مكان من جداول القيم الخلاقة في علاقاته بها، وبهذا تصبح بنية الأصوات هي محور الدراسة لا طريقة إنتاجها" ( ).
ويمكن أن نلحظ هذه المقولات الأسلوبية في مقومات عمود الشعر، ولا سيما تلك التي تخص أسلوبية النص الشعري. فعلى الصعيد الصوتي نجد في، جزالة اللفظ واستقامته حيثيات صوتية، من جهة أن العنصر الصوتي لم يحتل مكان الصدارة، في فصاحة اللفظ المفرد إلا من جهة ما يحققه من خصوصية أسلوبية ولهذا كان ابن سنان حريصاً على تقعيده، في خلال ما اشترطه لفصاحة الألفاظ من خفة اللفظ، وحسن وقعة في السمع، وتجنب الكلمات الكثيرة الحروف، وتجنب العامي الساقط أو السوقي المبتذل، وهو يحبذ التصغير الذي لا يخلو من مزية صوتية وإن كان دلالياً في أساسه ( ).
أما الجرجاني فقد حاول الاجتهاد في إبراز "عنصر المعنى فيما اعتبره غيره لفظاً خالصاً، وفي هذا الصدد تناول التجنيس، وهو المقوم الصوتي الحر الوحيد الذي آثار انتباهه، مشيراً إلى أن لا مزية له في نفسه، أي باعتباره أصواتاً مسموعة، بل لما يدخله من اعتبارات ووظائف فنية" ( ).
ويرى أحد الباحثين أن الجرجاني "لم يطرح قضية المعنى كمبدأ متحكم في كل مكونات الفصاحة، ومنها المكون الصوتي، بل إنه جعل الصوت عوضاً لغيره، وجعل حضوره في غيره كافياً لإبعاده، ولو نظر إلى تفاصيل العنصرين: الصوت والدلالة. من دون أن يغمط أحدهما حقه، لكان لنظريته قيمة كبيرة" ( ). وهذا الملحظ عند الجرجاني سبقته إشارات في عمود الشعر، في باب التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، من جهة أن الوزن يسهم في الشعرية كونه من "الأمور التي تجعل القول مخيلاً" لاتصاله بزمن القول وعدد زمانه "أي أن التخلي عن الوزن الفاعل يجعل القصيدة تخسر مناطق في نفس المتلقي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الوزن" ( ) ذلك أن القصيدة "بترابطها الشفوي بين التحول الدلالي والإيقاع ومنه الوزن، أقدر على تجسيد ذبذبات الروح" ( ) فكلما كان الوزن عنصراً دلالياً في النص الشعري، كلما ساعد على تعميق البنية الدلالية، وتزداد قيمته الفنية حين "يلصق فوق خط الاختلاف الدلالي سلاسل من التمثلات الصوتية" ( ) وفي ضوء هذا القول نفهم إشارة هيجل إلى "أن الشعر يحتاج إلى الوزن أو القافية اللذين يمثلان هالته الحسية الوحيدة، بل يمكن القول أنه يحتاج إليهما، أكثر من حاجته إلى القول المخيل" ( )، وفي تركيب أجزاء النظم تشكيل موسيقي "يؤثر في النفس البشرية.. يلطف الخلق، ويسهل القياد" ( ) من قبيل الفصل والوصل كونه "وزناً ما، للكلام، وإن لم يكن وزناً عددياً، فإن ذلك للشعر، وهذا هو الذي يتحدد بمصاريع الأسماع" ( ) وهذا ما ألمح إليه (كروتشه) من أنه "كلما قمنا بتحليل قطاع من التعبير، وجدنا أنفسنا أمام ظاهرة جمالية، فاللغة نفسها في جميع مظاهرها، إنما هي تعبير خالص، ومن ثم فهي علم جمالي وهي أصوات منظمة مهيأة من أجل التعبير، هذا التصور للغة، إنما هو تصور أسلوبي" ( ) لأن علم الأسلوب ملتقى لدراسة كل الوسائل التعبيرية والجمالية في آن معاً ( ).
ونلحظ المقوم الصوتي في قول المرزوقي بـ "التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن "وقد جعل عياره" الطبع واللسان، فلما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستهلاه، بلا ملال ولا كلال، فذلك يوشك أن يكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة، تسالماً لأجزائه وتقارناً.. وإنما قلنا "على تخير من أللذيذ الوزن" لأن لذيذ يطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه" ( ).
فصحة النظم تتأتى من التحام أجزاء النظم والتئامها، وهذا يولده الاختيار الأمثل للوزن، أي المناسبة، ومن هذا كله تتولد اللذة التي تطمح إليها النفس، فالوزن الجميل والحسن، هو المطلوب، والاختيار تتحكم به الطبيعة النفسية للشاعر والمتلقي معاً، أي أن الشاعر يريد أن يسمع ما يتفاعل مع حالته النفسية، وهذا يؤيده كلام المرزوقي، فالاختيار الذي يقوم على أساس ما يلائم الحالة النفسية، يولد اللذة، ومن هنا كان الخلل في مكونات الشعر، وزناً أم غير وزن، يكشفه الذوق والحس، لأن العروض قد يعرف بالهاجس ( )، "والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، إن زاد أو نقص أبانة الوزن" ( ).
وقد يبدو أن حديثه عن لذيذ الوزن، دعوة على نحو غير مباشر إلى أن يكون الشاعر حراً في اختيار تجربته الإيقاعية، في خلال الألفاظ والصياغات التي تقدمها، ومثل هذا التصور نقرؤه عند الجاحظ في قوله: "أنشدني خلف الأحمر:
وبعضُ قريضِ القوم أولادُ علةٍ
تكد لسانَ الناطقِ المتحفظِ

.... أي إذا الشعر مستكرهاً، وكانت ألفاظ البيت من الشعر، لا يقع بعضها مماثلاً لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أبناء العلات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضياً موافقاً، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤنة، قال:
وأجود الشعر، ما رأيته: متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان" ( ). وهذا الأمر على صعيد بناء البيت الشعري الواحد وما يصدر عن نظمه من تلوين صوتي يسهم في تكوين ملامح المكون الصوتي وتحديدها.
أي أن المكون الصوتي المتمثل في التئام أجزاء النظم، يعتمد على مشاكلة اللفظ للمعنى في خلق تناسب صوتي متوافق، لا يجعل الجملة هجيناً، بأسلوب تأتي القافية فيه مكونة القمة التي يتصاعد إليها الأداء الإيقاعي الصوتي.
وهنا نفهم مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما، على أنها فهم مستفاد من فهمه للمعنى الذي هو "الغرض المفاد بألفاظ التراكيب، لا المعنى الموضوع له اللفظ، لأن المعنى الموضوع له اللفظ، لا يتصور في اشتراكه، مشاكلة بينه وبين اللفظ الدال عليه، فالمراد أن الغرض تناسبه الألفاظ الموضوعة لمعان حميدة، والغرض الخسيس تناسبه الألفاظ الموضوعة للمعاني الخسيسة" ( ) وهو ما ذهب إليه الجاحظ بقوله: "إلا إنني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني، وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم من الألفاظ، والشريف الكريم من المعاني" ( ) وهو ما ذهب إليه بشر بن المعتمر حين قال: أن "من أراد معنى كريماً، فليتمس له لفظاً كريماً، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما" ( ).
وفي ختام البيت الشعري بقافية على نحو متناسب ما يشير إلى عناية العرب بالقافية، تلك العناية التي تكشف عن موقعها في تشكيل الأسلوب الصوتي بوصفها خصيصة أسلوبية.
والقافية بوصفها أصواتاً تتكرر على نحو متناسب في أواخر الأشطر، وتكرارها جزءاً من بنية الموسيقى الشعريّة، فهي فواصل صوتية يتوقع السامع ترديدها، والمتلقي يستمتع بهذا التردد الذي يطرق الآذن في مدد زمنية منتظمة، وبعدد معين من مقاطع ذات نظام خاص يسمى الوزن ( ).
وعلى هذا النحو تعطي القافية للوزن "بعداً من التناسق والتمائل يضفي عليه طابع الانتظام النفسي والموسيقي والزمني" ( ) وهذا ما انطلق منه حازم القرطاجني حين عرف القافية على أنها "حوافر الشعر، عليها جريانه واطراده، وهي مواقفه، فإن صمت استقامت حريته وحسنت مواقفه ونهاياته" ( )، فالقافية أداة إيقاعية تبعث الإيقاع الأصلي للوزن، ذلك الإيقاع الذي يفترض ثباته جزءاً من الشكل الشعري. وقد أولاها النقاد والبلاغيون اهتماماً واشترطوا فيها شروطاً منها: التمكن وصحة الوضع والتمام. مما يجعل موقعها في النفس مؤثراً، بشروط: أن تكون حروف الروي في كل قافية من الشعر حرفاً واحداً بعينه، غير متسامح في إيراد ما يقاربه معه ( ).
وبلغ أمر العناية بالقافية حد الحرص على التكرار الصوتي الذي لا يتناسب مع طبيعة الشعر كما في لزوميات المعرى، التي تؤكد أهمية الدور الموسيقي إحساساً منه بمدى فاعليتها في خلق الشعرية ( ).
لأنها تؤدي إلى بنية التوازي التي "يحظى فيها الصوت حتماً بالأسبقية على الدلالة" ( )، والوظيفة الدلالية التي يؤديها الوزن للقافية تكشف عن "أننا لا نفكر في القيم الصوتية منفصلة عن المعنى بل نفكر في المعنى، من خلال مستويات متعددة، تتجاوب تجاوباً لا يسمح بالتفكير فيها، منفصلة عن غيرها" ( ).
وهذا كله يحدد شعرية الوزن والقافية في بنية الشعر العربي كونهما يعدان أحد مقومات هذه الشعرية، فهما ركنان في القصيدة "لا يمكن أن يقوم بناؤها إلا عليهما" ( ) ولا نجد ناقداً عربياً قديماً، نفى أهمية الوزن والقافية عن الشعر، بل أن الوزن عند العرب "أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية وهو مشتمل على القافية، وجالب لها ضرورة" ( ).
وقد أشار الفارابي إلى أن الجمهور وكثير من القراء يرون القول شعرياً متى كان موزوناً، مقسوماً بأجزاء، ينطلق بها في أزمنة متساوية، وإذا لم يكن موزوناً بإيقاع فليس يعد شعراً إنما هو قول شعري ( ). والفارابي يفرق بين الشعر والقول الشعري، على أساس أن الشعر هو قول مخيل موزون، والقول الشعري قول مخيل غير موزون. أما ابن سينا فيرى القول الموزون غير المخيل لنا، إنما هو شعر ناقص، أما القول المخيل الموزون فهو الشعر الكامل، والقول المخيل غير الموزون هو النثر ( ).
فالوزن بوصفه أحد مقومات الشعرية العربية إنما هو "إبراز أو إحداث لفجوة حادة في طبيعة اللغة، خلق لمسافة توتر عميقة بين المكونات اللغوية العائمة في وجودها العادي خارج الشعر ووجودها داخله، الوزن هو تناول للمادة اللغوية بأبعادها الصوتية" ( ). أما النظم فهو، حتى في الدراسات الحديثة: خطاب يكرر كلياً أو جزئياً، الصورة الصوتية نفسها متجاوزاً في الواقع حدود الشعر، إلا أن الشعر يستلزم في الوقت نفسه الوظيفة الشعرية ( ).
واقتضاء اللفظ الشعري للقافية، متصل بما لها من حضور في موسيقى الشعر وكاشف عنه، إذ أنها تطغى على البنية الموسيقية للشعر، لأنها الوقفة التي تبرز عندها النغمة الموسيقية، وأن التوازن الصوتي بين قافية البيت الشعري والبيت الذي يليه تجعل النفس في حضور دائم مع النص الشعري، والغنائية التي تحدثها القافية تولد التواصل الدائم بين المتلقي والنص الشعري.



(المبحث الثاني)
في المقوم التركيبي


يتحقق المستوى التركيبي أو المقوم اللغوي، في عنصرين من عناصر عمود الشعر، إذ يمكن عد حيثيات جزالة اللفظ واستقامته. من ضمن ما يقرأ أسلوبياً في مستوى التركيب، وكذلك شرف المعنى وصحته، ثم التحام أجزاء النظم عند اقترانها ببناء القصيدة عمودياً على مستوى الأبيات، وليس أفقياً فقط، على مستوى البيت الواحد، وما يصدر عنه من أثر إيقاعي أُشيرَ إليه في المستوى الصوتي، وكذلك مشاكلة اللفظ للمعنى واقتضائهما للقافية، من جهة تركيب البيت الشعري، أي الجملة الشعرية، لا من جهة ما يصدر عنها من تلوين صوتي سبقت الإشارة إليه في المقوم الصوتي أولاً.
أخذ المستوى التركيبي بوصفه مقوماً لغوياً أهمية في التراث النقدي، لأنه جعل جل اهتمامه منصباً على الجانب اللغوي للنص الشعري، فاللغة هي الأساس الأول الذي بني عليه النقد العربي. وهي الهاجس الأول لدى المهتمين بحقلي: اللغة والأدب، والشعر كان يمثل –لدى النقاد –وعاء يحفظ اللغة من الفوضى والضياع" فاللغة بهذا المعنى تكاد تؤلف جوهر الشعر، ولا عجب إذن. إن حظيت لدى القدماء بكل عناية واهتمام، حتى لكأن النقد اللغوي هو عمود النقد العربي برمته وكأن غرام العرب بالشعر، إنما كان منصرفاً قبل كل شيء إلى غرامهم بلغته" ( ).
ومن هنا نقرأ مكونات الشعر وصفاته وقد تركزت في لغته ( )، وقد نظر النقاد العرب في لغة الشعر من خلال اللفظ والتركيب كونهما مادته.
وقد لخص عمود الشعر الصفات التي يجب أن يتوفر عليها اللفظ في أمرين أو صفتين هما: الجزالة والاستقامة، "فاللفظ في عمود الشعر ينبغي أن يتوفر فيه أمران أو شرطان هما: الجزالة والاستقامة" ( ).
وقد أطلقت هاتان الصفتان استناداً إلى قوتين سيطرتا على العقلية النقدية وهما:
البيئة والمثال (الأنموذج) فالبيئة لها قوة تأثير وسيطرة على صفة المصطلح النقدي، إذ استمد منها، قوته ووجوده. أما المثال (الأنموذج) فقد أخذت العملية النقدية بالنظر في الأنموذج الجاهلي (الشعر الجاهلي) على أنه القمة الأعلى في فن الشعر، وبسبب الظروف التي نشأ فيها، من صحراء وخشونة أصبح يمثل شعر القوة والبطولة، ألفاظه قوية جزلة "ومرجع هذه القوة والمتانة في اللفظ الجزل، إنه من كلام العرب الفصحاء الذين يرجع إليهم في أمور اللغة فيكون ما ينقل عنهم موضع ثقة وأمان من الزيف والانحراف" ( ).
فالجزل: الحطب اليابس، وقيل الغليظ، وقيل ما عظم من الحطب ويبس ثم كثر استعماله حتى صار كل ما كثر جزلاً، واللفظ الجزل خلاف الركيك ( ).
والملاحظ أن الجزالة تدل على القوة والمتانة، فهي تدل على الحطب اليابس الكثير والغليظ، وعلى ما عظم من الحطب ويبس، ثم تطورت الدلالة من خلال الاستعمال. أما الاستقامة فهي الاعتدال. يقال: استقام له الأمر. أي اعتدل، والمتانة والاعتدال صفتان ملازمتان للفظ، يحسن بوجودهما ( ).
واللفظ بوصفه (النواة الأولى) التي يتشكل عليها البناء الشعري، أخذ حيّزاً من عناية النقاد فأكثروا من صفاته باحثين عن الجانب الجمالي وصولاً إلى تحديد ذروة الحسن، لكن الجمال ظل محكوماً بالتصور المحدود بأنماط المعيشة. ففعل (القول /الشعر) يمثل الجانب المادي الأول في فعلهم الإنتاجي. والشعر ممارسة مادية، أصبحت تشكل لديهم نسغ الحياة، لذا فهم حريصون على تجنب الغريب، والعمل على حفظ الصورة الناصعة للشعر الجاهلي، فهو يمثل اللغة النقدية الخالية من الدخيل، وهو السور الذي يحفظ اللغة من الاختلاط مع ما هو غير عربي، لذا نجد أن كل ما حدث من تليف وتدوين استهدف حفظ النظام المعرفي الأول، والثقافة التي تسورها الفطرة، وكل محاولة للخروج على هذا الذي صار قاعدة تعد خرقاً وتجاوزاً ( ). على نحو ما كان من شعراء البديع.
واستعمال أبي تمام لنمط جديد في الكتابة الشعرية، يقوم على أساس إعطاء النص الشعري، بما يحمله من لفظ وتركيب، بُعْداً جديداً، لا يقوم على أساس القراءة الأفقية، وإنما على أساس القراءة العمودية (التوليدية) القراءة التي تولد معنى يصل بك لـ (معنى المعنى) ( ) لكن سائر النقاد تأسس حكمهم على الوضوح، فالكلام الجيد هو ماتصل إلى معناه من دون كد أو أعمال فكر. يقول أبو هلال العسكري: "إن الكلام إذا كان لفظه حلواً عذباً وسلساً سهلا، وسطاً، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائج النادر" ( ).
وقد تحددت عيوب اللفظ لديهم في ضوء ما قالوه من شروط أو وضعوه من ضوابط أو معايير، فمن عيوب اللفظ: "أن يكون ملحوناً، وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة،...، وأن يركب الشاعر منه ما ليس يستعمل إلا في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذاً.." ( ).
ولما كانت الكلمة الواحدة "لا تشجو، ولا تحزن، ولا تتملك قلب السامع، إنما ذلك فيما طال من الكلام، وأمتع سامعيه، بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه" ( )أي عند التركيب، فقد نظر النقاد العرب إلى التركيب على أساس (التركيب اللغوي) و(التركيب البلاغي) ويقصد بالتركيب اللغوي ما قد يحمله الشعر من تقديم وتأخير، أو أخطاء نحوية وغيرهما. أما التركيب البلاغي فهو ما يحمله الشعر من أساليب بلاغية يعتمد عليها الشاعر، وقد أخذ هذا الجانب حيزاً كبيراً من اهتمام النقاد لأسباب منها:
- إن التمكن من اللغة أو الإحاطة (بتقنيات اللغة) لا يجعل الإنسان شاعراً، بدليل عدم صدور شعر كبير عن علماء اللغة والنحو.
- إن اعتماد الشعراء على الأساليب البلاغية جعل النقاد يبحثون في أصول هذه الأساليب ليضعوا القواعد لها، فقد صار الأسلوب البلاغي محط نظر النقاد، لأنه شكل نمطاً أسلوبياً جديداً في الكتابة الشعرية.
- إن المعنى قد يكون غامضاً ومعقداً، إذا دخل الشعر شيء من الأساليب البلاغية، وقد تقدم أن النقاد، كانوا يسعون إلى وضوح المعنى، لذلك جعلوا للأسلوب البلاغي حدوداً وقواعد، يجب على الشاعر الالتزام بها.
ومفهوم عمود الشعر للمستوى التركيبي بلاغي يتوفر على الوجهين: اللفظ والمعنى، فقد نعت اللفظ بالجزالة والاستقامة، والمعنى بالشرف والصحة، أما اللفظ فقد جعل عياره: الطبع والرواية والاستعمال، وما صدر عن كل هذا ووافقه فهو المستقيم، وخلاف هذا فإن وقوع اللفظة في نسق غير متوافق يجعل "الجملة هجيناً" ويعد الآمدي مثالاً لهذا قول أبي تمام ( ).
خانَ الصفاء أخٌ، خانَ الزمان أخاً
عنه فلم يَتَخوّن جسمهُ الكمد

إذ عده البلاغيون من الكلام المتعاضل، وما هو بذاك، لأن الشاعر "على المستوى التركيبي صاغ نسقاً جعل فيه لفظة (أخ) فاعلاً في حال، ومفعولاً به في حالة أخرى وذلك ما اقتضى هذا التداخل البنائي في السياق، لقد كان هم أبي تمام أن يجعل البنية مترابطة دلالياً لتوليد المعنى، ولم يكن همه الوضوح، لذلك كان البيت خارج عمود الشعر، ولكنه في القياس المقابل، يعد متغيراً أسلوبياً، في مفهوم الاستقامة المجرد" ( ).
على أن مؤاخذات القدماء على هذا البيت وما شاكله، إنما صدرت عن مفهوم لجزالة اللفظ واستقامته، ذلك المفهوم الذي يشترط في اللفظ أن يكون: "رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً" ( )وقد دعا الجاحظ في هذا المفهوم إلى عدم تنافر الحروف بالشكل الذي تصعب فيه على المنشد عند الإنشاد ( ) كما قال بضرورة الابتعاد عن العامي والساقط والسوقي والوحشي من الألفاظ، لأن هذه الصفات تتعارض مع جزالة اللفظ واستقامته ( )، على أن بعض النقاد القدماء يجمع بين جزالة الألفاظ واستقامتها ( ).
وقد بدا المرزوقي ومن أشار قبله لهذا الأمر، باحثاً عن اللفظ الذي يشكل بانضمامه إلى غيره سياقاً شعرياً يتسم بالتوازن والتوافق، في خلال تجانسه مع قرائنه من الألفاظ على نحو فني.
أما رأيه في شرف المعنى وصحته، فقد كان أخذاً بما تواضع عليه العرف بدءاً من بشر بن المعتمر، حين اشترط في المعنى أن يكون "طاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وأما عند العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضح بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال" ( ).
فالمعنى عند بشر متصف بثلاث صفات هي: الصواب أو الصحة ثم النفع أو الفائدة ثم المطابقة لمقتضى الحال.
والمرزوقي لم يخرج على الآمدي أو الجرجاني اللذين قالا بضرورة تناسب اللفظ والمعنى في الخطاب الشعري، فقد قال الآمدي "ينبغي أن تعلم أن سوء التأليف، ورداءة اللفظ، يذهب بطلاوة المعنى الدقيق، ويفسده ويعميه، حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في معظم شعره.. وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسناً ورونقاً.. وهذا مذهب البحتري.. وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيد، ولا لفظ حسن، كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه" ( ).
وينحو عبد العزيز الجرجاني هذا المنحى في ضرورة تناسب اللفظ والمعنى في الخطاب الشعري، إذ قال: "أقل الناس حظاً في هذه الصناعة (يعني صناعة الشعر) من إقتصر في اختياره ونفيه، وفي استجادته واستسقاطه على سلامة الوزن وإقامة الأعراب، وأداء اللغة ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يستنير ما بينها من نسب، ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب، ولا يرى اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صور له الغرض" ( ).
ولعل أوضح فهم لعملية الربط بين اللفظ والمعنى، هو ما كان عند الجاحظ أولاً، ثم ما قال به عبد القاهر الجرجاني بعد ذلك في نظرية النظم.
أما الجاحظ في (نظرية المعاني المطروحة) فلم يذهب –حين قال "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" ( ) -إلى الفصل بين اللفظ والمعنى أو تقديم إحداهما على الآخر، بدليل قوله أيضاً: "والاسم بلا معنى لغوي، كالظرف الخالي، والاسم في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح: اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح" ( ) وهذا يشير إلى عدم تصور أن من يرى صلة اللفظ بالمعنى هي صلة الجسد بالروح يمكن أن يتصور بينهما ممكناً، أو تفضيل أحدهما معقولاً، هذا يشير إلى أن براعة الشاعر، لا تتمثل في استخدامه الألفاظ دون المعاني، ولا يصح العكس. ثم إن اللفظ عند الجاحظ "لا يعني اللفظ المفرد، بل ما ينتظم بالألفاظ من العبارات، شعراً أو نثراً، الشيء الذي يجعل منه الملهم لـ (نظرية النظم) التي شهدها الجرجاني" ( )، وهذا ما يكشف عن رأى الجاحظ بقوله في الشعر الجيد، إنه: "ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"( ).
ومن هنا نفهم رأيه في لغة الشعر، كما تتمثل بقول الشاعر ( ):
لا تحسبنَ الموتَ موتُ البلى
فإنما الموتُ سؤالُ الرجالْ

كلاهما موتٌ، ولكن ذا
أفظع من ذاك لذل السؤالْ

إذ قال: أنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً".
والواقع أن الجاحظ في رأيه هذا ليس اتباعياً، إنما كان أصيلاً، إذ ألغى مبدءاً مهما ترتكز عليه الثقافة النقدية، وهو الوضوح والسهولة، فهو لا يرضى من الشعر أن يكون سهلاً واضحاً لتحقيق (شعرية النص) وإنما يريد من الشعر أن يكون باعثاً إلى الإدهاش الذي يتحقق بالابتعاد عما هو مألوف، ومتعارف عليه، فبالغرابة تتحقق (شعرية النص) إذ أن "الناس موكلون بتعظيم الغريب واستطراف البعيد، وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرؤى والهوى، مثل الذي لهم في الغريب القليل، وفي النادر الشاذ" ( ).
ولا شك في أن البيتين (لا تحسبن الموت موت البلى..) هما من الشعر الجيد، إذا ما قيسا على أساس (عمود الشعر) إذ يتوفران على جزالة في الألفاظ، وصحة في المعنى وشرف ظاهر في البعد الأخلاقي الذي يهدفان إلى تعبيره شعرياً. لكن الجاحظ ينفي أن يكونا من الشعر في شيء، والسبب أنه نظر إليهما من جهة اللغة الشعرية، فلغة البيتين لم تكن شعرية، لأنها لا تحمل من مقومات الشعرية سوى الوزن والقافية.
ونظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني قد قامت أيضاً على التآزر التام بين اللفظ والمعنى، ذلك التآزر المتناسب الذي يحتم بتبعية إحدهما للآخر من دون ترجيح أيهما أولى لأن أياً منهما لا يقوم من دون الآخر. إذ أشار إلى أن "الألفاظ لا تنفك عن المعاني، وأنه من الخطأ تصور بلاغة أو فصاحة في اللفظ، من حيث هو لفظ أي صوت مسموع، ليربط بين اللفظ والمعنى في الشعر ربطاً محكماً، إذ جعلهما، بمنزلة المادة والصورة وبمنزلة الروح والجسد" ( )، أي إنه قال بكون الجمال "ليس في اللفظ ولا في المعنى وإنما في نظم الكلام" ( ).
وقد أوضح عبد القاهر هذا في أجلى صورة حين قال: "أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، عائد في الحقيقة إلى معناه، ولو قيل: أنها تكون فيه دون معناه، لكان ينبغي، إذا قلنا في اللفظة، أنها فصيحة، وأن الفصاحة واجبة لها بكل حال، ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى اللفظة في غاية الفصاحة في موضع، ونراها بعينها، فيما لا يحصى من المواضع، وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير.. وجملة الأمر هنا إنّا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكننا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقاً معناها بما يليها" ( )، ثم يستشهد على هذا بقوله تعالى ( ):
"واشتعل الرأس شيباً" فيذهب إلى أن "اشتعل" في أعلى مرتبة من الفصاحة التي لم توجب لها وحدها، لكن موصولاً بها "الرأس" معرفاً بالألف واللام، ومقروناً إليها الشيب منكراً منصوباً ( ).
أما وحدة النص الشعري فلم ينظر إليها عمود الشعر، إلا في حدود الجملة الشعرية، أو البيت الشعري، ولعل أوضح مفهوم لهذا ما نلحظه عند الجرجاني، إذ نظر إلى الوحدة في حدود الجملة، أي ائتلاف النظم أو التركيب في حدود الجملة، والأمر هنا راجع إلى سببين رئيسين:
الأول: "أن الوحدة التي تنتقض إذا نقض جزء واحد أو غيره، هذه الوحدة، لم توجد قط في القصيدة العربية، فلم يكن أمام الجرجاني من نماذج تعينه على فهم الوحدة في نطاق أوسع من هذا المجال، والسبب الثاني: هو أن النحو –الذي أسهم في فكرة النظم بنصيب كبير –لم ينظر في القصيدة أو المقطوعة وإنما نظر في الجملة" ( ).
والواقع أن الوحدة في القصيدة العربية ليست وحدة تكامل عضوي، إنما هي وحدة تسلسل موضوعي، إذ أن الشعراء العرب، كانوا أميل إلى أن تكون الوحدة في البيت، وليس في القصيدة مجتمعة، وقد تطورت القصيدة العربية في هذا الاتجاه مع الشعراء" المحدثين إلى نوع من ترابط الأجزاء" ( ).
وقد أشار عبد العزيز الجرجاني إلى ترتيب القصيدة أو التئام أجزاء نظمها من خلال العناية بالاستهلال وحسن التخلص ثم براعة الخاتمة، أي إلى براعة الشاعر في إظهار القصيدة متلاحمة الأجزاء، إذ الشاعر الحاذق عنده هو من "يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص، وبعدهما الخاتمة، فإنها المواقف التي تستعطف أسماع الحضور وتستميلهم إلى الإصغاء ولم تكن الأوائل تخصها بفضل مراعاة، وقد احتذى البحتري على مثالهم إلا في الاستهلال، فإنه عني به فاتفقت عليه له فيه محاسن، أما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كل مذهب، واهتما به كل اهتمام، واتفق للمتنبي فيه خاصة، ما بلغ المراد، وأحسن وزاد" ( ).
والجرجاني في هذا ناظر إلى إشارات التحام أجزاء النظم والتئامها على صعيد بناء القصيدة عند الجاحظ ولا سيما في روايته، أن عبيد الله بن سالم قال لرؤبة: "مت يا أبا الجحاف إذا شئت. قال: وكيف ذاك؟ قال رأيت عقبة بن رؤبة ينشد شعراً له أعجبني قال: إنه يقول ولكن ليس لقوله قران... يريد بقوله: قران، التشابه والموافقة.
وقال عمرو بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك!! قال: وبم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه" ( ).
ويبدو أن مفهوم "القران" يتجاوز التئام أجزاء البيت الواحد ليشكل خطوة متقدمة في محاولة الوصول إلى وحدة القصيدة، ويمكن النظر في أقوال القدماء من قبيل: "صحة النسق والنظم" أو "اتساق النظم" على أنها تشكل لبنات في سياق التحام أجزاء النظم.
إذ يعرف ثعلب اتساق النظم: بأنه "ما طاب فريضة، وسلم من السناد، والإقواء، والإكفاء، والإجازة والإيطاء، وغير ذلك من عيوب الشعر" ( ).
وتعني صحة النسق والنظم عند ابن سنان "أن يستمر الشاعر في المعنى الواحد وإذا أراد أن يستأنف معنى آخر، أحسن التخلص إليه حتى يكون متعلقاً بالأول وغير منقطع عنه. ومن هذا الباب خروج الشعراء من النسيب إلى المدح، فإن المحدثين أجادوا التخلص حتى صار كلامهم في النسيب متعلقاً بكلامهم في المدح، لا ينقطع. فأما العرب المتقدمون فلم يكونوا يسلكون هذه الطريقة وإنما كان أكثر خروجهم من النسيب، إما منقطعاً وإما مبنياً على وصف الإبل التي ساروا إلى الممدوح عليها" ( ).
وهذه الأقوال في باب التئام أجزاء النظم في البيت الشعري، أي في السياق النصي للجملة الشعرية، أما رأيهم في وحدة القصيدة فلا يتجاوز التأكيد على التسلسل الموضوعي لموضوعات القصيدة، وذكاء الشاعر وفطنته في إبراز تناسبها بدءاً من المطلع وموضوعات المقدمة ثم حسن التخلص إلى الغرض الرئيس حتى الخاتمة. أما القصائد الخالية من المقدمة المبنية على غرض واحد فينظرون إلى تناسب موضوعات الغرض الواحد في خلال قدرة الشاعر على إظهار تناسبها فنياً.
على أن الآراء التي تكشف عن وجهة نطر النقاد العرب القدماء في وحدة القصيدة العربية، بشكل ينم عن فهم لطبيعة الشعرية العربية، يمكن أن نلحظها بوضوح عند: ابن طباطبا العلوي في عيار الشعر ثم الحاتمي في حلية المحاضرة ثم ابن رشيق في العمدة ثم عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز ثم حازم القرطاجني في منهاج البلغاء.
وسأوجز إشارات هؤلاء التي تكشف عن آرائهم في وحدة القصيدة العربية لملاحظة مدى صدور المرزوقي في عناصر العمود عن الآراء التي سبقته، ثم أثره في من جاء بعده، فيما يخص وحدة القصيدة.
أما ابن طباطبا العلوي فقد قال في عيار الشعر، أنه "ينبغي على الشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينهما، لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه أو بين تمامه فصلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنه يحترز من ذلك في كل بيت.
فلا يباعد كلمة عن أختها، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها وينتقد كل مصراع، هل يشاكل ما قبله؟ فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر، فلا يتنبه على ذاك إلا من دق نظره ولطف فهمه" ( ).
أي أن مفهوم الوحدة عند ابن طباطبا قائم على الربط بين أجزاء القصيدة، ومراعاة دقة الملائمة الفنية بينها في خلال العناية بالصياغة ونسيج القصيدة.
أما الحاتمي في حلية المحاضرة فقد قال بضرورة تناسب أجزاء القصيدة في خلال اشتمالها على وحدة موضوعية، بالشكل الذي تكون فيه كأعضاء جسم الإنسان، إذا اعترى أحد خلل، اختل كالجسد كله، إذ قال: أن من حكم السبب الذي يفتتح الشاعر به كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده، من مدح أو ذم، متصلاً به غير منفصل منه "فإن القصيدة مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر أو بايَنَه في صحة التركيب، غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، وقد وجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين، محترسين من مثل هذا الحال احتراساً يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان حتى يقع الاتصال، ويؤمن الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدورها واعجازها، وانتظام نسيبها بمديحها، كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء" ( ).
بدا الحاتمي حريصاً، في إشارته إلى حسن التخلص في خلال رسم الطريقة المثلى التي تحققه، وقد كان في تشبيهه و حدة القصيدة بالإنسان في تناسب اتصال أعضاء جسمه مع بعضها، مدلاً بوضوح على مفهوم الوحدة العضوية أكثر من صاحب العيار، إلا أنه خارج سياق هذا التشبيه، يبدو متحدثاً عن أهمية وصل أجزاء القصيدة بأسلوب متناسب، يؤدي إلى عدم تفككها.
أما ابن رشيق فقد نهج سبيل القدماء في النظر إلى الوحدة كما تتمثل في البيت الشعري، إلا أنه استثنى الشعر القائم على السرد القصصي، لأن الوحدة فيه جزء من بنيته الموضوعية، إذ قال: "ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض، وأنا استحسن كل بيت قائماً بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله، ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات، وما شاكلها فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد"( ).
يتضح مفهوم الوحدة عند عبد القاهر الجرجاني على نحو واضح، ولكن على صعيد البيت الشعري، وليس في القصيدة كاملة، انطلاقاً مما قال به ابن طبابا وابن سنان والحاتمي إذ قال: "أعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أنه لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لاليء فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأى العين، وذلك إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تضع فيه شيئاً غير أن تعطف لفظاً على مثله" ( ).
ويذكر في (أسرار البلاغة) المفهوم نفسه إذ يقول: "وليس إذا كان الكلام في غاية البيان، وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح، أغناك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً، فإن المعاني الشريفة اللطيفة، لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال إلى سابق" ( ).
أي أن مفهوم الوحدة عند عبد القاهر خاص بكيفية ترابط موضوعات القصيدة الواحدة على نحو متسلسل متناسب، وأن "أقصى ما يصل إليه إدراكه للوحدة لا يتعدى ما يربط بين مجموعات الأبيات التي تدور حول فكرة واحدة"( ).
أما حازم القرطاجني فيمكن أن يعد "أول ناقد عربي قديم يتحدث عن الوحدة في القصيدة كاملة، لا في الجملة والعبارة أو البيت والبيتين، وأول ناقد يكون التحام الأجزاء والتئامها عنده في القصيدة كلها، وهذا خروج على قاعدة من قواعد الشعر العربي" ( ) وقد كان لتأثره بمفهوم أرسطو طاليس للوحدة أثر واضح، حاول قراءة الشعر العربي من خلاله. على أنه في بعض أقواله يفترض في الشعر أن يكون مشتملاً على وحدة منطقية يتسلسل فيها بناء القصيدة، ليس على نحو متكامل، إنما على نحو منطقي إذ يقول: "إن الحذاق من الشعراء.. لما وجدوا النفوس تسأم التمادي على حال واحدة. وتؤثر الانتقال من حال إلى حال، ووجدوها تستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر، واستجادة الشيء بعد الشيء، ووجدوها تنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة، إذا أخذ مأخذاً واحداً ساذجاً، ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتتان في أنحاء الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهياً في الكثرة، إذا أخذه من شتى مآخذه التي من شأنها أن يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة.. اعتمدوا في القصائد أن يقسموا الكلام فيها إلى فصول ينحو بكل فصل منها منحى من المقاصد، ليكون للنفس في فسحة الكلام إلى تلك الفصول، والميل بالأقاويل فيها على جهات شتى من المقاصد، وأنحاء شتى من المآخذ، استراحة واستجداد نشاط، بانتقالها من بعض الفصول إلى بعض، وترامي الكلام بها إلى أنحاء مختلفة من المقاصد، فالراحة حاصلة بها لافتتان الكلام في شتى مذاهبه المعنوية، وضروب مبانيه النظمية. واعتنوا باستفتاحات الفصول، وجهدوا أن يهيئوها بهيئات تحسن بها مواقعها من النفوس، وتوقظ نشاطها لتلقي ما يتبعها ويتصل بها، وصدورها بالأقاويل الدالة على الهيئات التي من شأن النفوس، أن تتهيأ بها عند الانفعال" ( ).
إذ يكشف لنا هذا النص أن القرطاجني لا يرى القصيدة العربية مشتملة على وحدة عضوية ولا على وحدة عضوية تكاملية، إنما هي مبنية بناء فنياً متسلسلاً على نحو لا يبدو عليه التفكك في ترتيب موضوعات القصيدة، وهو ما يجعله قريباً من آراء النقاد العرب الذين سبقوه، على الرغم من تفوقه عليهم في التنظير لهذا الأمر، بتأثير المنهج الأرسطي في هذا الاتجاه.
ثم يبين ملامح رأيه في خلال تطبيق نقدي عن تماسك بناء القصيدة الفني، اتخذ فيه من قصيدة المتنبي "أغالب فيك الشوق" أنموذجاً تطبيقياً، ليتحدث عما يجب مراعاة اعتماده تطبيقياً في رؤوس الفصول، فيأخذ بذكر القصيدة بدءاً من طالعها ( ):
أغالبُ فيكَ الشوقَ، والشوقُ أغلبُ
وأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ

إذ يقول: "ضمن هذا البيت من الفصل الأول، تعجيب من الهجر الذي لا يعقبه وصل، ثم أكد التعجيب في البيت الثاني الذي هو تتمه الفصل الأول، ثم ذكر من لجاج الأيام في، بعد الأحباء، وقرب الأعداء، فكان مناسباً لما ذكر في الهجر" ( ).
فجاء البيت الثاني:
أما تغلطُ الأيام فيَّ بأن أرى
بغيضاً تُنائي أو حبيباً تُقربُ

ثم أخذ في الفصل الثاني بالتعجب من قرب البعاد، وسرعة سيره قائلاً:
ولله سيري ما أقلَّ تإيةً
عشيَّة شرقيّ الحدالي وغرّبُ

إذا جاء الاستفتاح مناسباً للبيتين السابقين، كونه ذكر التعجب والرحيل ثم هو يقول: بأنه "استفتح الفصل الثالث بتذكير العهود الساردة، وتعديدها فقال:
وكم لظلامِ الليل عندكَ من يدٍ
تخبّرُ أنّ المانويةَ تكذبُ

وفيه مناسبة لمفتتح الفصل الثاني من جهة ذكر موطن الفراق أو النأي ثم أعقبه بالوصل والقرب، في أول الفصل الثالث، وعلى هذا النحو يستعرض حازم فهمه لوحدة قصيدة المتنبي، إلى أن يقول: "فعلى هذا النحو يجب أن تكون المآخذ في استفتاحات الفصول ووضع بعضها من بعض، وهذا الفن من الصناعة ركن عظيم، من أركان الصناعة النظمية، لا يسمو إليه من قويت مادته، وفاق طبعه" ( ).
وقد كان هذا النقد التطبيقي عند حازم القرطاجني الذي قدم فيه النوع المتصل الغرض دون العبارة، هو ما بعث شكري عياد على القول: بأن حازماً كان "يحاول أن يوفق بين "الوحدة التسلسلية" التي يريد أن يجعلها قانوناً شعرياً، وبين الميل المأثور عند الشعراء والنقاد العرب إلى جعل البيت الواحد لا القصيدة مجتمعة وحدة الشعر، إنه يحاول التوفيق بين هذين الميلين حين يجعل، "اتصال الغرض دون العبارة" أجود أنواع الاتصال بين فصول القصيدة، ثم هو يستحسن مذهب المتنبي في المناسبة بين الفصول، والإبداع في الأبيات الأولى، إبداعاً ينبه إلى أنها تبدأ فصولاً جديدة" ( ).
وقد ذهب جابر عصفور إلى هذا الفهم حين قال: إن مفهوم الوحدة عند حازم هو "وحدة التسلسل" تلك الوحدة " التقليدية التي يفضي فيها موضوع إلى آخر، أو يفضي فيها غرض إلى آخر، بعلاقة شكلية هي "التخلص والاستطراد" بحيث تتركب القصيدة –في النهاية –من أقسام أساسية، يصل ما بينها تلطف في الانتقال من قسم إلى قسم، وبحيث يتركب كل قسم من مجموعة من "الفصول" تطول أو تقصر، لكنها تتسلسل في تدرج حتى يكتمل الغرض فيكتمل القسم، ثم توصل وصل تخلص، بالغرض التالي، حتى نصل إلى الخاتمة" ( ).
من خلال ما سبق ذكره، نخلص إلى أن، وحدة البيت الشعري هي ما كان محور الدرس والنظر النقدي، عند النقاد العرب القدماء، والتحام أجزاء النظم والتئامها خاص بالبيت الشعري لا القصيدة، وهو ما يكشف عن عنايتهم بنظام البيت، لغة ووزناً وموسيقى ونظرهم إلى بناء القصيدة، ومدى تماسك ذلك البناء لم يكن في خلال فهم مخصوص لوحدة عضوية أو موضوعية، إنما كان في تماسك موضوعات القصيدة، بدءاً من المطلع فالمقدمة فحسن التخلص ثم العرض فالخاتمة، ومراعاة ترتيب الفصول في ذلك، على نحو يوحي بتماسك بناء موضوعات القصيدة، بشكل متسلسل غير مفكك.



رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 7 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق




(المبحث الثالث)
المقوم الدلالي /الصوري


يتشكل المقوم الدلالي للخطاب الشعري من فاعلية العلاقية بين عناصر عمود الشعر البنائية في مستوى الصوت والتركيب عناصر مولدة للمعنى في: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له. غير أن نظرة في هذه العناصر ومقوماتها عند المرزوقي تكشف عن أن فهمه لها مجتمعة ينصب في القدرة الفنية على أن يكون المعنى واضحاً مفهوماً للمتلقي.
فإذا استخدم الشاعر لغة مجازية، عليه أن يعمل جاهداً على أن تكون تلك اللغة خالية من الغرابة، وأن يعتمد أسلوباً مفهوماً بعيداً عن الغموض، كأن أية قراءة لا تؤدي إلى استخراج المعنى بصورته الحقيقية تؤدي إلى ضياعه، لذلك لم يميلوا إلى التأويل لأنه يوقع القارئ في شراك الالتباس، فالإفهام مطلوب من الشاعر، والاستعارة ينبغي أن تكون مناسبة والمناسبة تعني التقارب بين المستعار منه والمستعار له، أي وجود قرينة، تعمل على إدراج المعنى ضمن المألوف، ليكون واضحاً سهلاً، ولأن الدلالة تؤدي إلى التصور، فإن مقياس عمود الشعر أن تكون هناك مقاربة بين طرفي التشبيه تساعد على التصور، بأن يكون المشبه به أجلى صفة وأخص عرفاً حتى تستقيم الصورة في الإدراك، لأن الصفة الأخص تدل على شيء وتدفع عنه الغموض والالتباس. وفي هذا السياق كانت الاستعارة مبنية على التشبيه في السياق الدلالي. وقد كان عيارها عند المرزوقي الذهن والفطنة لأن العرب "إنما إستعارت المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله أو كان سبباً من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه" ( ) ولهذا كان أبو تمام خارجاً عن عمود الشعر في قوله ( ):
تحمَّلتَ ما لو حُمِّلَ الدهرُ شَطرهُ
لفكَّرَ دهراً أيّ عبئيهِ أثقلُ

إذ جعل للدهر عقلاً مفكراً، وكان من المناسب على وفق العرف أن يقول: لانهد، أو ما شابهه مما يرضاه العرف.
ولبيان كيفية اشتمال عناصر عمود الشعر الثلاثة السابق ذكرها، على مستوى دلالي لا بد من إيضاح مفهوم الدلالة ذاتها، تمهيداً لقراءة هذه العناصر دلالياً، لإيضاح حدود المستويات الأسلوبية التي بني العمود عليها، وما نحن بصدده من المستوى الدلالي.
تتعدد وسائط التحول الدلالي إذ تشمل، الاستعارة، والتقديم والتأخير، والتمثيل والزيادة والنقصان والقلب والكناية والتعريض والمبالغة، والرمز والتلميح وسوى هذا. حتى الوزن يمكن عده عنصراً دلالياً في النص حيثما ساعد على تعميق البنية الدلالية. وتزداد قيمته الفنية حين يضفي على الاختلافات الدلالية مظاهر من تمثلات صوتية ( ). لأن الترابط العضوي الذي يتوفر عليه النص الشعري بين التحولات الدلالية والبنى الإيقاعية يستوعب التعبير عن مكنون الذات بأسلوب فني مؤثر ( ).
وفي علاقة اللفظ بالمقام من حيث الدلالة يقول الجاحظ "ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل" ( ) على أن لسان العربي الأول في القول والتلقي مبني على الارتجال في القول والاستقبال، لأن البداهة والطبع صفة الاعراب "وأحسن الكلام، ما كان معناه في ظاهر لفظه" ( ).
وقد انطلق الشريف الجرجاني من هذا المبدأ في فهم الدلالة على أنها "كون الشيء بحالة يلزم من العلم به، العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص.. فإن كان الحكم مفهوماًَ من اللفظ فهو الدلالة.. فدلالة النص عبارة عما ثبت بمعنى النص لغة، لا اجتهاداً، فقوله، لغة أي يعرفه كل من يعرف هذا اللسان بمجرد سماع اللفظ من غير تأمل" ( ).
فالمعنى الدلالي عند الجرجاني هو المبين عما في النفس بالاعتماد على المعنى المقالي أي الوظيفي (الصوتي، الصرفي، النحوي) مع ملاحظة كون المعنى الاجتماعي أساساً في فهم المعنى الدلالي وفي اكتماله أيضاً ( ) لأن الاستعمال هو ما يخلق المعنى ( ).
والوظيفة لا تتشكل إلا في سياق مخصوص ( ).
وفي ضوء هذا نفهم كيف أكد علماء العربية القدماء، على دور السياق في التحول الدلالي الصادر عن تغير السياق ( ). وهنا كان بديهياً أن يأتي بحث دلالة اللفظ المعجمية سابقاً على مراحل دراسة المعنى، من خلال السياق بنوعيه اللفظي والحالي ( )، لأن المرسل هو الذي يمنح الأصوات معانيها بناء على التراكم السياقي، العام والخاص ( ).
وقد كان التفنن في الكلام عملية تبقى في كل الحالات رهينة إشباع الدوال بالمدلولات ( ). وفي هذا السياق نجد الأسلوب صراعاً متواصلاً ضد اعتباطية الدال، "وهذا الصراع يتوقف أكثر على ما يتهيأ من إمكانيات تقليب الظاهرة اللغوية في الكلام، لتوفير أكثر ما يمكن من الدلالة فيها، وهذه نزعة إلى تجاوز الدلالة الأفقية الدنيا إلى دلالات قصوى مختلفة الاتجاهات ومتولدة عن تفاعل مختلف إمكانيات التقليب التي يخلقها الشاعر في الكلام" ( ) على أن اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول تشير إلى أن بينهما علاقة غير محللة لعدم وجود علاقة طبيعية بينهما على صعيد الواقع ( ). "فالدال هو الترجمة الصوتية لتصور ما، والمدلول هو المستشار الذهني لهذا الدال، ومن هنا تتضح الوحدة البنائية في الإشارة اللغوية بين الدال والمدلول" ( )، وفي هذا السياق نظر الدرس الأسلوبي الحديث للغة على أنها: "مجموعة علامات، والعلامة هي ما يدرك بالحس، رؤية أو سماعاً أو لمساً، وبإدراك الحس له، يدرك به شيء غيره، والعلامة الألسنية مفهوم مركب من مظهر حسي فيزيائي، تدركه العين كتابة، ويدركه السماع ملفوظاً، ويسمى الدال ومظهر مجرد هو المتصور الذهني الذي "يدلنا" عليه ذلك الدال، والذي بحصوله نقول: إننا فهمنا الدال، ويسمى هذا المظهر المدلول، أما العملية التي يقترن بها الدال بالمدلول في أذهاننا، فهي التي تسمى الدلالة، وقد ألح سوسير على الالتحام القائم بين الدال والمدلول حتى شبههما بوجهي ورقة واحدة" ( ).
ومما ميز الأسلوبية من البلاغة في البحث الدلالي "أن البلاغة اكتفت بالنظرة التبادلية للكلمات، "وضع واحدة مكان الأخرى" دون محاولة البحث في علاقاتها التتابعية "وضع الواحدة إلى جوار الأخرى" وبالنتيجة فقد استأثر محور الانتقاء بالأفضلية على محور التأليف، وواضح أن التركيز على محور الانتقاء يحصر البحث في نطاق علم الدلالة" ( ).
وقد صار النظر إلى الدلالة كونها اتحاداً شاملاً بإطار متكامل بين الدال والمدلول غير قابل للتجزئة ( ). مرتبطاً بكون دلالة الكلمة، لا تفتقر إلى مدلولها فقط "وإنما تحتوي على كل المعاني التي تتخذها ضمن السياق اللغوي، وذلك لأن الكلمات في الواقع لا تتضمن دلالة مغلقة، بل تتحقق دلالتها في السياق الذي ترد فيه، وترتبط دلالة الجملة بدلالة السياق الذي ترد فيه" ( )، والدوال في هذا السياق تؤدي وظائف معقدة من خلال ما تحمله بوصفها صوراً سمعية، من طاقة نفسية مركبة مشحونة بالرغائب والمعطيات الحسية، فتحرك تلك الدوال كل مكونات نفسية المتلقي، خالقة وجوه دلالتها الذاتية، تلك الدلالة الصادرة أحياناً عن محاكاة صوتية وأحياناً عن صفة تعبيرية في العلامات اللغوية. وفي سياق المحاكاة الصوتية "فإن الصوت المعزول –وان انقطعت صلته بالدلالة –بمقتضى عزله عن الإطار الدلالي الأدنى، فإنه بحكم انعقاد صلة له جديدة بأصوات معزولة مثله، يكتسب صلة بالمدلول، إثر ربط هذه الأصوات بعضها ببعض، وربط المعاني بعضها ببعض، فيصبح ذا طاقة دلالية، في البيت، وبعبارة أخرى نقول: رغم إيماننا الراسخ باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول عامة، فإننا نؤمن بعلاقة حقيقية بين مظاهر الدوال معزولة.. وبين إطار الدلالة"( ).
وهذا الأمر يتميز من لغة لأخرى، وأحياناً من عصر لآخر في عرف اللغة الواحدة، وهنا يأتي علم الدلالات ليعنى "بدراسة انتظام الدوال الألسنية في الظاهرة اللغوية عموماً، رغم ما يميز اللغات بعضها مع بعض، من نواميس نوعية في توليد الدلالات، فعلم الدلالات يسعى إلى عقلنة الظاهرة الدلالية أو عقلنة ظاهرة الدلالة" ( ).
ومن خلال هذا يمكن أن نميز نوعين من الدلالة، أولهما الدلالة الذاتية في لغة الخطاب، وثانيهما الدلالة الحافة، والأولى "تتكون من المضمون الإعلامي (الدلالي) المنطقي للإشارة اللغوية، ويمكن أن نحدده بالعلاقة بين الكلمة وما تدل عليه، من شخص أو شيء أو صفة أو حدث خارج النظام اللغوي، أي بمعنى الكلمة كما يفهمه جميع متكلمي اللغة الواحدة" ( ) أما الدلالة الحافة فتتكون "من مجموع الأنظمة الدالة التي يمكن اكتشافها في نص ما، إضافة إلى الدلالة الذاتية وهي تحد إجمالاً بكونها: المعنى الإضافي الذي توحي به كلمة ما، زيادة على معناها الأصلي" ( ) وهنا فإن الدلالة الحافة "توحي أكثر مما تعبر، ومنها الطاقة الإيحائية في اللغة، وتعد سمة أسلوبية ما لم تتأثر أو تتكاثف، فتصبح عائقاً في الفهم، ومفهوم الإيحاء التمازج بمفهوم الإيجاز في البلاغة العربية ويمكن تعريف سمة الإيحاء بأنها: حضور دلالة في الكلام، ليس في عناصره ما ترتبط بها مباشرة" ( ).
وقد ميز بعض الدارسين بين نوعين من الدلالة الحافة "نوع اجتماعي، ونوع نفسي، ولكنها في جميع الحالات تكون، إما حرة أو إجبارية، وهي تكون حرة على الأخص في النص الشعري، ذلك أن القصيدة غالباً ما تتضمن "فجوات منطقية" يفسرها كل قارئ أو سامع وفقاً لخياله، أو لثقافته، أو لتجربته الخاصة، أو لمعرفته بالشاعر ذاته، ولكن حرية اكتشاف دلالات حافة في قصيدة لا تكون كاملة. فالدلالة الحافة ليست بيتاً واحداً ينتخب من القصيدة ويقرأ دون سائر الأبيات، وبمعزل عنها يتضمن من الدلالات الحافة مالا يتضمنه حكماً، البيت ذاته، إذا قرأ ضمن القصيدة، أو من خلال الديوان" ( ).
وقد أشار (بارت) إلى ما أسفرت عنه نقاشات طويلة بين اللسنانيين دارت حول واقعية المدلول أجمعت تقريباً على كونه ليس شيئاً "إنما هو تمثّل نفسي للشيء" ( ) وفي هذا رأى أن مادية الدال تفرض "التميز الواضح بين المادة والماهية، فالماهية يمكن أن تكون غير مادية (مثل ماهية المحتوى) إذ يمكن القول فقط بأن ماهية الدال مادية دائماً: أصوات، أشياء، صور" ( ) وقد ذكر بارت بأن "الدلالة تنتمي لماهية المحتوى، والقيمة تنتمي إلى شكل المحتوى.. ويرتبطان بعلاقة جدلية باعتبارهما مدلولين وليس لأنهما دالان طبعاً" ( ).
وفي سياق الدلالة الحافة السابق ذكرها، يمكن النظر إلى أن مقومات عمود الشعر لم تقصر أثرها الدلالي في الاتجاه العرفي أو الذاتي فقط، إنما كانت تقترب من الدلالة الحافة على الرغم من أن عمود الشعر، في إطار المقومات الدلالية (الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له) قد حرص على وضع معيار لكل واحد من تلك المقومات، وكأن ذلك المعيار يحدد الاستعمال والكلام كما قال (بارت) ( ) إلا أن هذا التحديد إنما كان ليجعل من الدلالة الحافة، دالة على الطبع متصلة –من جهة بعدها المجازي –مع العرف اللغوي /الاجتماعي، بأكثر من سبب يجعلها ضمن سياق الخطاب الشعري، دالة على فطنة الشاعر ومقدرته الفنية على الإمتاع الجمالي بعيداً عن الغموض (السهل الممتنع) لأن سائر مقومات العمود الشعري تتوخى معنى أخلاقياً، لأن ما هو أخلاقي في عمود الشعر ينبغي أن يكون ممتعاً جمالياً حتى يكون شعرياً.
الإصابة في الوصف:
الإصابة في الوصف أول ثلاثة عناصر في عمود الشعر، تتصل بالمستوى الدلالي، إذ يكشف المفهوم عن نية مسبقة لأن يكون الواصف حاد الذكاء وحسن التمييز في أن يجعل كلامه من جهة دلالته على مقام القول، مثالاً صادقاً، في صدق ارتباطه بالواقع متصلاً بالذاكرة التي يرتضيها العرف، لأن هذا هو علامة الإصابة في الوصف، ودلالتها ما يفسره قول عمر بن الخطاب (رض) في زهير أنه "كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال" ( )، وقول علي (رض) حين سأله عمر (رض): "من أشعر الناس؟ قال: الذي أحسن الوصف وأحكم الرصف، وقال الحق" ( ).
والأمر هنا لا يعني اقتصار لغة الشعر على مستوى الدلالة الذاتية، إنما هي الدلالة الحافة مرتبطة بقرينة يعيها العرف ويدركها المتلقي، مع النظر إلى مفهوم الدلالة الأدبية على أنه "طريقة أداء العناصر لوظائفها في العمل الأدبي ضمن شبكة العلاقات المتبادلة بينها، والكيفية التي تنتظم فيها تحقيقاً لفاعلية خاصة" ( ).
وإذا قام الأدب على محاولات كشف عن المخاض الجدلي الذي يعيشه العالم، أو لما يعيشه الإنسان أولاً، فإن الدلالة الأدبية تتمثل بالدرجة الأساس في أدوات فنه وطرائق تعبيره. ومحاولة إنتاج الدلالة الأدبية، إنما تكون في السعي لها في خلال إنتاج النص الأدبي عبر ما تمثله مرجعية الكاتب الثقافية من تناص قد يتجلى في إنتاجه الدلالي، ثم ما يتمثل لدى المتلقي بوصفه منتجاً آخر للدلالة.
وفي هذا الإطار كانت "السمة المشتركة التي تجمع كل المناهج النقدية الآن، أو بين معظمها على الأقل، في هذا العصر، هي أنها جميعاً تبحث عن أبنية العمل الأدبي، كي تعثر على دلالته، وتدرج كيفية قيامه بوظيفته" ( ).
فالنقد الأدبي نظر منهجي حر ومنظم في آن معاً، يسعى دائباً لاكتشاف عالم النص الأدبي، والوقوف على القوانين التي انتظمته، وحكمتها حركة العمل الأدبي، مع ملاحظة أن نقد القدماء قد وقف في كثير من الدراسات على البنيات المكونة للأعمال الأدبية، في محاولة لدراسة العناصر الماثلة فيها، على أن ذلك النقد كان ملتزماً حداً معيارياً مستمداً من مقولاته الخاصة، والأحكام ذات القيم الخلقية، وهو ما يؤدي إلى شيوع نسب من التعميم في قراءة النص الأدبي نقدياً، ومن هنا نفهم كيف طالب العمود بأن يكون الأديب مصيباً في وصفه، مدلاً في إصابته على ذكاء يحدث حسن تميير في خلق الدلالة الأدبية.
ويجمع عنصر العمود في هذا السياق، بين ملاحظات الناقد ونتائجه ورغباته وأحكامه النقدية وهو أمر لا يخدم النقد الأدبي، لأن من مسلمات أحكامه النقدية، أو من مسلمات كل نظرية أدبية.. أن تقييم طبيعة الدراسة العلمية للأدب على ضرورة الفصل بين التقييم والتأويل، وأن تنمي مناهجها بحيث تضمن لملاحظات الناقد ونتائجه، أن لا تختلط برغباته وأحكامه... ( ).
فقد صار بديهياً في النقد الحديث عدم التركيز فيما يقوله النص الأدبي بالقدر نفسه الذي يتم التركيز فيه، على الطريقة التي يقول بها النص ما يقوله أو يريد قوله، على أن في هذا تعسّفاً صادراً عن كون الشكل (شكل النص الأدبي) إنما هو معطى فني يؤدي إلى بنيته المضمونية أو محتواه، لأن طريقة القول جزء من القول نفسه. ومطالبة القدماء بالإصابة في الوصف من جهة المضمون أو المحتوى أو ما يتصل النص به على صعيد الواقع.
ويبدو أن السبب وراء بحث القدماء في الأدب عن مضمونه أو محتواه أولاً، أي عن المضمون أكثر من طريقة التعبير عنه، كان بسبب من توخيهم –في الخطاب الأدبي –حداً نفعياً معيناً مقيساً بمعيار سابق عليه، أثبت ذلك المعيار نفعه على صعيد السلوك بوصفه مضموناً، فضلاً عن نظرهم إلى اللغة من خلال القاعدة المعيارية، التي تضمن للغة في مرحلة الخطاب (الكلام) أداء محتواها بشكل دقيق، وهذا ما جعلهم ينظرون إلى قواعد اللغة بمنظار (القداسة) وإلى معايير الكلام، الأدبي بمنظار المرجعية الخاصة.
وفي ضوء هذا نفهم قول (رولان بارت) من أن اللغة الشعرية حين تضع الطبيعة موضع التساؤل، بكيفية جذرية عن طريق التأثير الوحيد لبنيتها، من دون اللجوء إلى محتوى القول، ومن دون التوقف عند محطة أيديولوجية ما، فإنه لا تعود هناك كتابة، بل توجد فقط أساليب من خلالها يقلب الإنسان نفسه كلية، ويواجه العالم الموضوعي، من غير أن يمر بأي وجه من وجوه التاريخ أو الألفة الاجتماعية" ( ) وفي هذا السياق فإن الوضوح الذي دعا إليه (عمود الشعر) في الإصابة في الوصف إنما هو صفة بلاغية محض، وليس ميزة عامة للغة ممكنة التحقق، في جميع الأزمنة والأمكنة، بل هي مجرد ملحق مثالي لخطاب معين، هو ذات الخطاب المخضع لنية الإقناع الدائمة ( ) وهو لا يتصل بالواقعية على نحو دقيق لأن الكتابة الواقعية لا تستطيع أن تقنع أنها محكوم عليها بأن تصور حسب.. ( ).
ذلك أن أسلوب الخطاب الأدبي بما يشتمل عليه من مقومات للشكل الفني والموضوعي تجعل الناظر إليه أو فيه نقدياً يحتكم إلى مقياس الأسلوب بوصفه "المظهر الفني الذى به قوام الإبداع الأدبي" ( ). وذلك المظهر الذي تتخلق فيه وظائف أسلوبية تشير إلى المنحى الفني للخطاب وتؤدي إلى تحليله، وتكشف عن خطأ النظر إليه من خلال حرية معايير المضمون وحده، والنظر إلى الوظيفة الشعرية أو الجمالية لأنها "علاقة قائمة بين الرسالة وذاتها، إنها الوظيفة الجمالية بامتياز، إذ أن المرجع في الفنون هو الرسالة التي تكف عن أن تكون أداة اتصال لتصير هدفه ( ) وقد ذكر جاكوبسون أنموذجاً سداسياً للوظيفة الأسلوبية ( ) فهناك: الوظيفة المرجعية المتمركزة حول السياق اللفظي أو القابل لأن يكون لفظياً، ذلك الذي تحيل إليه الإرسالية، ثم الوظيفة الانفعالية المتمركزة حول المرسل ثم الوظيفة الإفهامية المتمركزة حول المرسل إليه. ثم الوظيفة الانتباهية التي تعنى بالحفاظ على التواصل بين المرسل والمرسل إليه، ثم الوظيفة الميتالغوية أي (المعجمية) والتي تعنى بالسنن المشترك بين المرسل والمرسل إليه. ثم أخيراً، الوظيفة الشعرية التي يراها جاكوبسون متمركزة حول قصد الإرسالية، باعتبارها كذلك، وهذه الوظيفة هي التي توضح الجانب الملموس من الدلائل وتعمق من هذه الوجهة نفسها، الثنائية الأساسية للدلائل والموضوعات ( ) ويذكر جاكوبسون أن هذه الوظيفة (الشعرية) تتصل بمظاهر اللغة الموصوفة من طرف الأسلوبية.
ويمكن قراءة الإصابة في الوصف في عمود، من خلال الوظيفتين: الإفهامية والانتباهية من جهة أن هذا العنصر قد أشار فيه النقاد إلى أهمية وضوح القصد، ومباشرة التوصيل وقرب التلقي في خلال الإفهام والبعد عن اللبس أو الغموض، والالتزام بوصف الأشياء بالأوصاف التي لها لإفهام المتلقي بما تواضع عليه العرف، والاستحواذ على انتباهه، بالالتقاء معه في وضوح الدلالة، من خلال إصابة الوصف المقصود، بعيداً عن الغموض.
وفي هذا السياق هنالك فارق بين الوصف من حيث هو بنية نثرية أحياناً ونثرية غالباً وبين المجاز كونه خصيصة شعرية وهو "أن الشعر يمكن أن يستخدم الوصف، والفرق بين الوصف والمجاز أساسي وكبير، الوصف هو ما يشتمل على التشبيه، يذكر الشيء بأحواله وهيئاته حتى يحكيه ويمثله للحسن( ).. فغاية الوصف أن يكشف ويظهر أوان يوضح الغامض، أما المجاز فغايته تكثير الدلالة، فهو يخرج اللفظ من وضعه الأصلي إلى حالة ثانية، فكأنه يخرج به من اليقين إلى الظن أو الاحتمال، ومن الدلالة الواحدة إلى الدلالة المتعددة. فالوصف يبلور الشعرية والمجاز يخلق حالة احتمالية في اللغة تساوي حالة الاحتمال في الشعور الوصف يخلق اللغة، والمجاز يفتحها" ( ).
ولست مع أدونيس حين ذهب إلى أن الوضوح المألوف هو مبدأ الكلام نثراً (النقد والخطابة) وشعر عمود الشعر، ويحدد الوضوح بأنه مبدأ الإصابة في الوصف وقرب المآخذ ( ) لأن قصد القدماء هنا قائم على القرائن التي يكون الشاعر بارعاً في بعثها لحظة القول أو عند التلقي في وعي المتلقي، على نحو من الطبع السمح والعاطفة المتدفقة على نحو لا يجد المتلقي فيه إلا أن يأخذ عفو الخاطر ويتناول صفو الهاجس، فلا كد لفكر، ولا تعب لنفس، وهذا ما يدعو المتلقي إلى تلمسه أو تحسسه لحظة الاستقبال، ويدلل عبد العزيز الجرجاني على هذا بقول أبي تمام ( )
لا يوحشنك ما استعجمتَ من سقمي فإنني للذي حسيتهُ حاسي

من قطعِ ألفاظهِ توصيلُ مُهلكتي
ووصلُ الحاظهِ تقطيعُ أنفاسي

إذ لا يخلو بيت فيها من معنى بديع أو صنعة لطيفة ولكن لا يجد المتلقي معها من سورة الطرب وارتياح النفس كالذي يجده لقول بعض الأعراب:
أقولُ لصاحبي، والعيسُ تهوي
بنا بينَ المنيفةِ فالضمارِ

تمتَّعْ من شميمِ عرارِ نجدٍ
فما بعدَ العشيةِ من عرارِ

فمثل هذا الكلام، بعيد الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المآخذ، قريب المتناول( ).
المقاربة في التشبيه:
يكشف التناسب بين المشبه والمشبه به عن مستوى دلالي في الخطاب الشعري مرتبط بتوجيه الشاعر إلى ضرورة أن يكون فطناً في تقديره لعملية التناسب بين طرفي التشبيه وذا تقدير حسن غير قابل للنقض في عملية تناسب جملة التشبيه، وهو ما يشير إلى عملية إنتاج الدلالة الشعرية بالصدور عن الطبع أكثر منه عن الصنعة.
ولكن نظرهم إلى التشبيه على أنه جانب من أشرف كلام العرب ودليل على الشاعرية ومقياس معرفة البلاغة( ). لم يكن موظفاً لأداء عملية التشبيه عند خلق المعنى بهدف أن يكون المعنى واضحاً بعيداً عن الكلفة فقط، لأن الكلفة التي يعانيها المتلقي عند الاستقبال لأي نص أدبي ينبغي أن تكون ملحوظة فبعض مقومات أي عمل فني تصدر عن الغموض الشفاف، إذ نلحظ "أن من الأسس المنهجية في الدراسة الأسلوبية إعطاء الأولوية للعلاقات المختلفة التي تربط بين الأشياء، والتي تنتظم العناصر على تباعد الشقة بينها، فتكون منها أنظمة متماسكة الأجزاء، وإذا كانت مختلف مظاهر الارتباط بين أشتات المكونات خفية عادة، وخفياً دورها، فإنها بينة في الصور، واضحة، وهي المحور الرئيس الذي تدور عليه عملية التصوير"( ).
وقد لاحظ العرب في التشبيه إشارة للأريحية الشعرية في خلال ما يحصل من تفاوت أحياناً بين المشبه والمشبه به، لأن "لتطوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه إليه من النيق البعيد، باباً من الظرف واللطف ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفي موضعه من العقل، وأحضر شاهد على هذا، أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات، سواء أكانت عامية مشتركة أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل، تراها لا يقع بها اعتداد ولا يكون لها موضع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك، حتى يكون الشبه مقرراً بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس عامي مشترك معروف في أجيال الناس، جارٍ في جميع العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه، من حيث الجنس وتشبيه الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام المفضض، والوشاح المفصل، وأشباه ذلك خاصي، والتباين بين المشبه والمشبه به في الجنس على ما لا يخفى، وهكذا كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتآلف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين"( ).
وللتدليل على هذا تطبيقياً يستشهد بقول ابن المعتز( ):
وكأن السحابَ مصحفُ قارِ
فانطباقاً مرةً وانفتاحا

إذ يرى شعرية هذا البيت في حصول اتفاق، حسن وجميل بين شيئين، إزاء اختلاف يميز كلاً منهما من الآخر "فمجموع الأمرين، شدة ائتلاف في شدة اختلاف، حلا وحسن وراق وفتن"( ).
ورأى الجرجاني الذي يؤكد على شعرية التشبيه الصادرة عن "اجتماع المتنافرات والمؤتلفات في التشبيه من أسباب الشعرية"( ) فيذهب إلى أن "كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ترى وتبصر، فالتشبيه المعقود عليه، نازل مبتذل، وما كان بالضد من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته، فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع"( ).
وهذا ما يقرأه تطبيقياً في قول عدي بن الرقاع العاملي:
تزجي أَغَنَّ، كأن أبرة ورقهِ
قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادَها

إذ يشير إلى أن جريراً كان قد رحم الشاعر حين ابتدأ بالتشبيه ظناً منه أنه قد وقع، فلما أكمله على هذا النحو، حسده جرير على براعته "فهل كانت الرحمة في الأولى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر، وبديهة الخاطر وفي القريب من محل الفطن، وحين أتم التشبيه وأدّاه، صادفه قد ظفر بأقرب صفة، من أبعد موصوف وعثر على خبيء مكانه غير معروف"( ) أي إدهاش المتلقي في إنتاج دلالة تصدر عن المألوف ولكنها غير متوقعة من المتلقي وهو ما يشير إلى ذكاء الشاعر وفطنته، وما كان هذا عند الجرجاني إلا لأن "مبنى الطباع، وموضوع الجبلة، مبني على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت النفوس به أكثر، وكان الشغف منها أجدر"( ).
وقد أشار الجاحظ، من قبل، إلى حدود هذا التناسب وجماليته الكامنة في الغموض الشفاف، وليس التناسب العقلي المؤدي إلى الوضوح من دون طبع فني، إذ قال: "إن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب، كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم، كان أطرف، وكلما كان أطرف، كان أعجب، وكلما كان أعجب، كان أبدع"( ) وهذا الفهم قد يكشف عن عدم دقة جابر عصفور حين ذكر، أن إيثار التشبيه وتقديمه على الاستعارة إنما كان بسبب ميلهم إلى النظرة العقلية الصارمة التي تؤمن بالتمايز والانفصال، وتنفر من التداخل والاختلاف، وترفض بحزم كل خارج عن الأطر الثابتة المتعارف عليها في أي مستوى من المستويات( ).
فوظيفة التشبيه في الشعر العربي "هي إنجاز قدر من الحقيقة، الشعرية عن طريق المحاكاة التصويرية، أي بمعدل فني من نوع متميز، لا يقاس بشكل كمي، مثل القياس المنطقي وإنما بمدى قدرته على التعبير عما لا يعبر عنه نثراً، أي بمعدل قدرته التخيلية".( )
فإذا كان ميل العرب للتشبيه كثيراً "حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد"( ) صادراً عن نظرية عقلية صارمة ـ كما ذكر جابر عصفور ـ فإن هذه النظرة عند أبي تمام أخذت تغوص وراء المعاني، بنظر عقلي صارم!! متقصدة نظرها ذاك، مستخدمة أساليب مخصوصة، قد عدها أصحاب عمود الشعر خارجة على طريق العرب في قول الشعر!!
ولكن الأمر متصل بصدور الشعرية العربية أولاً عن المرحلة الشفاهية، ويظل لحاسة البصر دور المقوم الأول في المقاربة عند التشبيه الشعري، فضلاً عن أن الشفاهية تجنح نحو التمايز والانفصال بعيداً عن التداخل الذي يكسر كثيراً حاسة البصر، محركاً البصيرة، وهذا أمر نلحظه في تشبيهات القصيدة الحديثة بأسلوب لافت للنظر، وقد "تأكد اليوم عند العلماء أن العين أبرز نافذة لنا على العالم فـ 90% من الأخبار التي يتلقاها الإنسان وسيلتها العين"( )، ومن هنا كان تطور الشعرية العربية من الشفاهية/ البصرية إلى الكتابية، تحولاً من التشبيه إلى الاستعارة.
والذين قالوا بمقومات الشعرية الشفاهية أنكروا على شعرية الكتابة ما كان من تحول التشبيه عند أبي تمام إلى استعارة، أعني من المباشرة إلى التأويل وعمق التخييل، صاروا ينظرون إليها على أنها مغرقة في الغموض، لأن التناسب صار يلمح لمحاً، ولم تعد القرينة ملحوظة بلا كلفة، إنما بطول تأمل، فصاروا ينظرون إلى الأمور بمنظار الصدق والكذب المباشرين، وهو ما لا يوقف عنده في الشعر، فإذا "كانت الاستعارة تقترب من الحقيقة الشعرية عن طريق الكذب اللغوي، فإن التشبيه يمارس هذا الاقتراب عبر الحقائق اللغوية مستثيراً قدراتها على استحضار الوقائع الحيوية في قران غير متوقع، وهذا القران يعتمد على بنيتين: إحداهما سطحية وهي العلاقة بين الطرفين، المتكئة على التشابه بمستوياته المتعددة، والأخرى عميقة، وهي التي تقوى على تقديم رؤية جديدة للموضوع على ضوء هذه العلاقة"( ).
وهذا الرأي قد يشير إلى رأي بعض العلماء في اختزال العلاقات المجازية، وحصرها في علاقتين "إحداهما تعتمد على المشابهة، والأخرى ما يعتمد على المجاورة والكتابة والمجاز المرسل في معظم أشكاله، وقد أفضى هذا التقسيم الجديد إلى افتراض مؤداه: أن الآداب التي تقوم على المشابهة ذات طابع رومانسي مثالي، كما أن الآداب التي تقوم على المجاورة تتسم بالواقعية، والقرب من الحياة"( ). (الشعر العربي رومانسي مثالي في بعض اتجاهاته. وواقعي ملتصق بالحياة في اتجاهاته الأخرى، على ما هو واضح لأي متلق للشعر العربي.
ومن خلال ما سبق ذكره، يمكن أن نلحظ أن "المقاربة في التشبيه" التي قال بها عمود الشعر العربي، إنما كانت ناظرة إلى تناسب ركني جملة التشبيه تناسباً.. ليس عقلياً فقط، وإنما عاطفي صادر عن الطبع والفطرة الشفاهية أيضاً.
والواقع أن تناسب مقومات أسلوب التشبيه في (المرحلة الشفاهية) تطور عند المحدثين فصار إلى أهمية تناسب مقومات أسلوب الاستعارة (تناسب المستعار منه والمستعار له) في (المرحلة الكتابية). والتناسب في كلا الحالتين مقوم من مقومات أي عمل فني، والنظر إليه في كلا الوجهين في خلال المنطلق الجمالي للتناسب لأنه، إذا كان التناسب ثمرة لتوازن نفس مبدع الفن فلا بد لهذا التناسب الفني "أن يحدث أثراً في المتلقي ويساعد على إحداث نوع آخر للتوازن بين القوى النفسية لذلك المتلقي"( )، ومن هنا كان النظر إلى المقاربة في التشبيه من خلال قيمة التناسب الفنية، حتى يصل المتلقي الناقد إلى فهم صحيح لأسلوب المقاربة في لغة الشعر على المستوى الدلالي، ثم إن "إدراك الشبه بين الأشياء هو موضع التفاضل بين الشاعر والشاعر، إذ كلما ازداد الشبه خفاء ازدادت دلالة اكتشافه على تميز الشاعرية"( ). وهذا الفهم أدى إلى تصور المشابهة بين المتباعدات على أنها أقوى على خلق (المفارقة الشعرية) من غيرها. وهو ما أصر عليه كولردج في العصر الحديث، من أن "المشابهة الأبهى هي تلك التي تكشف بين مختلفات وأن التشابه المطلق يعدم التشبيه أو الاستعارة أو الرمز، ويمنع تدفق الشعرية"( ) وهو أمر بعث على النظر في الاستعارة لا من خلال قيامها على المشابهة بل على المغايرة أو الاختلاف، وقد طرح ريتشاردز بعد كولردج فرضيته المعروفة: "في أن الاستعارة لا تقوم في الواقع على المشابهة، بقدر ما تقوم على المغايرة والاختلاف"( ).
مناسبة المستعار منه للمستعار له:
مفهوم مناسبة المستعار منه للمستعار له عند المرزوقي صادر عن مفهومها عند عبد العزيز الجرجاني إذ أنها عند المرزوقي "تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفي فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له"( ) وهي عند الجرجاني "ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة"( ) وهذا ما قال به عبد القاهر أيضاً، من أن الاستعارة "أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه، وتظهر، وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه"( ). وكل منهم منطلق من موضوعية الاستعارة عند العرب، تلك الموضوعية المتصفة، بالسببية والمقاربة والمشابهة، وكل منهم يدعو إلى عدم ترك أن يكون استعمال أسلوب الاستعارة واقعاً في دائرة الإطلاق، لئلا يضيع في الشعر استعمالها، في خلال اتصافها باللامعقول بعيداً عن التجريد أو التعقيد الذي يضعها في دائرة التحليل والتأويل، أي أنهم يقصدون الحفاظ على مرتكزاتها الرئيسة التي تسهم في الحفاظ على القيمة الشعرية، لأن الاستعارة بوصفها انزياحاً ينبغي أن لا تتجاوز حدود التواصل ومقوماته، لأن "اللغة الشعرية ستفقد كل مبرر لوجودها، كونها محكومة بقانون التواصل"( ) وكل هذا يجب أن يتصف بالتناسب كونه ضرورة فنية جمالية.
ولما كانت الاستعارة علامة العبقرية المميزة، لأنها تقود إلى الانحراف في لغة الشعر( )، فقد شغلت البلاغة العربية كثيراً، كونها "من مقتضيات النظم، وعنه تحدثت وبه تكون"( ) وهي "أمد ميداناً، وأشد افتتاناً، وأكثر جرياناً، وأعجب حسناً وإحساناً،... وأذهب نجداً في الصناعة وغوراً، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها"( )، فهي رأس البديع وأفضل المجاز( )، لأن المعول عليها في التوسع والتصرف( ).
فالمجاز حين يشحن اللغة بالطاقة الفنية الجديدة يجعلها قادرة على قول ما لا تقولـه إلا هي. أي أنها تتجاوز محدودية الدلالة اللغوية في أصلها الوضعي، وقد تكون أهمية المجاز في الخطاب الشعري ـ من جهة تأثيرها في المتلقي ـ نفسية أي راجعة إلى أن النفس الإنسانية عند وقوفها على كلام غير تام بالمقصود منه، كانت متشوقة إلى كماله، ومن هنا كان المجاز مولداً لتشوق النفس إلى ما هو غير معلوم، وكما كان الفن، ومنه الشعر، تشوقاً إلى كمال لا ينتهي، كان المجاز عنصراً مهماً في اللغة الشعرية( ).
ومن خلال ما سبق نفهم أن دعوة عمود الشعر إلى التناسب بين المستعار منه والمستعار له، صادرة عن الطبع الشفاهي الارتجالي الذي يتطلب أن يكون ذلك التناسب حاضراً في وعي المتلقي، ولكن التناسب في الخطاب الشعري الذي يبعث على المفاجأة أو الإدهاش (كسر التوقع) يكون مولداً للشعرية، وباعثاً على أثر دلالي جديد.
والبعد القواعدي الصادر عن تناسب جملة الاستعارة في عمود الشعر، إنما هو نهج سار عليه النقد القديم، فضلاً عن أن البلاغة ذاتها تهدف إلى وضع المعايير التي تضمن خلق الإبداع الفني، كونها وسيلة خلق فني وتوجيه جمالي، فهي مقوم الأدب ووسيلته في آن( ).
وإذا كانت البلاغة تهدف إلى وضع قواعد مخصوصة وتقنيات معينة لتحكم من خلالها لغة الشعر، فإنها لا تهدف إلى منع التطور أو الحد منه، كون اللغة الشعرية لا تخضع للتقنين والتقعيد الصارمين، لتميزها بالقدرة على التجدد والتوهج (المغايرة)، إلا أن البلاغة تسعى إلى معايير مخصوصة تحتكم إليها اللغة الشعرية للحد من الفوضى التي يمكن أن تكون حين لا تكون إشارات يهتدى بها في إنتاج الدلالة الشعرية، ومن هنا فإن "الأحكام النقدية التي ارتكزت على معايير البلاغة لتقرير حدّي: الجودة والرداءة. قد اكتسبت ماهية جديدة حولت ثبوت القياس، إلى قياس احتمال متغير، بمتغيرات الأسلوب وتنوعه"( ).
وهذا المفهوم هو ما انطلق منه الجرجاني عند قراءته لما يسميه جان كوهين بها البلاغة الحية الفعالة التي لن يكون هناك شعر من دونها"( ) وهو ذات المفهوم الذي أشار إليه حازم حين ذكر أنّ "معرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات، لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان، إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة"( )، كونها علم النص الكلي، ذلك النص الذي هو منتج البلاغة في منظور النقد( ).
ومن خلال هذا ننظر للاستعارة على أنها بنية مجازية، في خلال أن "خاصية الوعي في المجاز، هي أن يعيش الواقع كدال، كعلاقة لواقع آخر يدل عليه، والواقع الآخر، ليس معطى هنا، والآن، إنما هو احتمالي وتخييلي"( ).
فإذا كانت غاية الوصف الإظهار والوضوح فإن غاية الاستعارة تكثير الدلالة، أي أنها تبعث حالة من الخلق الاحتمالي بوساطة اللغة، أما الوصف فيطرح اللغة ذاتها. فكأن الوصف يقلب السمع بصراً( ) والاستعارة تقلب البصر بصيرة.
فالاستعارة من وسائل الإدراك الخيالي لتعبيرها عن ملاحظات متنوعة بطرائق متميزة إذ تجلى قوتها الخيالية في خلال الجانب الفردي من التجربة في محاولة استكناه موضوعية الشيء بتأمل أبعاده لأن "ما تؤسسه الاستعارة من علاقات بين العناصر يسمح بأن تتمثل الصورة الاستعارية بوصفها غير قابلة للإدراك على نحو صحيح، ما لم نأخذ في اعتبارنا، النظرة الرمزية والإشارية للغة، والاستعارة الجيدة أو الناضجة، هي التي تحقق ضرباً من المعرفة الكشفية، وتثرى العالم وتجدد روابطنا به"( ).
وفي قول زهير بن أبي سلمى الآتي ما يشير إلى هذا الأمر، على كثرة من ذكره من القدماء بدءاً من الآمدي( ):
صحا القلبُ عن سلمى وأقْصر باطلهْ
وعُرّيَ أفراسُ الصبا ورواحلَهْ

فاستعارة الأفراس العارية عما يؤهلها للعنفوان للتدليل على العمر العاري مما كان فيه من شباب يؤهله للعنفوان أيضاً. إنما هي محاولة في رسم صورة خيالية ذات دلالة مقاربة فنياً بين: القلب الذي يغفو مع سلمى، فيطول باطله وتسرج أفراسه ورواحله كل شبابها عنفواناً قوامه الحب، وبين ذات القلب الذي يصحو عن سلمى فيقصر باطله ـ بعد أن كان طويلاً ـ وتتعرى أفراسه ورواحله، شيخوخة قوامها الاتعاظ.
على ما في البيت من تقابل دلالي جميل بين: صحوة القلب وعرى الأفراس، ثم بين سلمى والأفراس، ثم بين قصر الباطل وعري الأفراس والرواحل، وهكذا:
وهو ما يكشف عن وظائف الاستعارة المتعددة والتي منها ـ كما في قول زهير ـ أنها وسيلة يحاول الذهن من خلالها الجمع بين عناصر مختلفة، لأجل التأثير في المواقف وبعث الدوافع وتوجيهها. فكان صانع الاستعارة "ذا مقدرة لفظية يستخرج من قول يفتقر إلى الانسجام لأغراض التفسير الحرفي، قولاً دالاً، من أجل تفسير جديد يستحق أن يسمى استعارياً، لأنه يولد الاستعارة، لا من حيث هي منحرفة بل من حيث هي مقبولة أيضاً"( ) وفي هذا فإن المعنى الاستعاري عند القدماء "لا يتكون من الاصطدام الدلالي، بل يتكون كذلك من المعنى الإخباري الجديد الذي يبزغ من انهيار المعنى الحرفي، أي من انهيار المعنى الذي ينتج إذ اعتمدنا على القيم الشائعة"( ).
ومن قبل استعارة زهير يذكر الآمدي قول امرئ القيس المشهور( ):
فقلتُ لـهُ لمّا تَمطى بصلبهِ
وأردفَ أعجازاً وناء بكلكلِ

إذ جعل الليل يتمطى وجعل له أردافاً، من خلال تشبيهه بالجمل، أي أنه استعار له ما يتصف به الجمل، معبراً عن معنى الإحساس بالثقل من خلال الشبه المقصود بين الليل الجاثم عليه أو على الأرض والجمل الجاثم على الأرض. قاصداً إثبات هذا الشبه، وهذا الفهم هو ما جعل الجرجاني لا يعد الاستعارة من باب التخييل "لأن المستعير ـ (من وجهة نظره) ـ لا يقصد إلى إثبات اللفظة المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك فلا يكون مخبره على خلاف خبره"( ).
ومن هذا السياق في قراءة الاستعارة ما ذكره الآمدي عند استشهاده بقول لبيد المشهور( ):
وغداة ريحٍ قد كشفَت وقرةٍ
إذ أصبحت بيدِ الشمالِ زمامُها

فجعل للشمال يداً، وغداة زماناً، إلا أن الأمر في الاستعارة أكثر من هذا إذ في قوله (يد الشمال) ولم يقل (يد اليمين أو اليسار) ما يشعر كما هو شائع عرفياً، بالمأساة أو صعوبة الأمر، إذ اليمين رمز للخير والشمال خلاف ذلك( ). أي أن الشاعر "أراد أن يثبت للشمال في الغداة تصرفاً كتصرف الإنسان في الشيء، يقبله، فاستعار لها اليد حتى يبالغ في تحقيق الشبه، وحكم الزمان في استعارته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال، إذ ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه، ولكنه وفّى المبالغة شرطها من الطرفين فجعل على الغداة زماماً، ليكون أتم في إثباتها مصرفة، كما جعل للشمال يداً، ليكون أبلغ في تصييرها مصرفة"( ).
إن لغة الاستعارة عند القدماء متصلة بقرائن تجعل قراءتها من المتلقين قريبة وقد عرفت البلاغة العربية مفهوم القرينة القائمة على المحور الاستبدالي بسبب من اعتماد البنية الغنائية التي يتصف بها الشعر العربي على الاستبدال في المجاز ومنه الاستعارة. وفي ضوء هذا نفهم كيف عد الجرجاني الاستعارة ضرباً من التشبيه ـ كما هي في الواقع ـ أو نمطاً من التمثيل ـ كما يمكن أن تكون ـ إلا أن عده التشبيه قياساً "والقياس فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستقصي فيه الإفهام والإذهان، لا الإسماع والآذان"( ) أمر فيه نظر، من جهة عدم وجود مشاكلة بين الشعر والقياس، إذا نظرنا إلى الشعر على أنه انقياد للانفعال أو ناتج عنه، أو انقياد للتعجب أو ناتج عنه، على حين أن القياس يوحي بنسبة من التطابق بين المادة والشيء أو يشير إليها مباشرة على نحو عقلي.
وقد أوضح الجرجاني "أن الاستعارة في الجملة، أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف تدل عليه الشواهد، على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر، أو غير الشاعر في ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازم فيكون هناك كالعارية"( ).
فالاستعارة تكثير لدلالة الكلمة في أصلها الوضعي، إلا أن أي جزء من جزئيات هذا التكثير لا بد أن يكون مرتبطاً أو متصلاً بالأصل الوضعي بأكثر من رابط أو سبب يكون فيه قرينة تجعله غير بعيد عن فهم المتلقي أو قراءته. وهذا ما يفسر كيف أن المرزوقي رأى الاستعارة التي هي ضرب من التشبيه أو تطوير عنه، قد يكتفي فيها بالاسم المستعار، لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. جاعلاً عيارها: الذهن والفطنة، وإنما جعل الذهن جزءاً أولاً من العيار لارتباط العملية الاستعارية بالخيال، والفطنة جزءاً ثانياً للتدليل على القرينة الاستعارية التي لا تجعل لغة الاستعارة مفتوحة من دون ضوابط تحدها، إذ تؤدي الضوابط الاستعارية وظيفة مهمة هي، التناسب بين المستعار منه والمستعار له.
***
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 8 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق




(المبحث الثالث)
المقوم الدلالي /الصوري


يتشكل المقوم الدلالي للخطاب الشعري من فاعلية العلاقية بين عناصر عمود الشعر البنائية في مستوى الصوت والتركيب عناصر مولدة للمعنى في: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له. غير أن نظرة في هذه العناصر ومقوماتها عند المرزوقي تكشف عن أن فهمه لها مجتمعة ينصب في القدرة الفنية على أن يكون المعنى واضحاً مفهوماً للمتلقي.
فإذا استخدم الشاعر لغة مجازية، عليه أن يعمل جاهداً على أن تكون تلك اللغة خالية من الغرابة، وأن يعتمد أسلوباً مفهوماً بعيداً عن الغموض، كأن أية قراءة لا تؤدي إلى استخراج المعنى بصورته الحقيقية تؤدي إلى ضياعه، لذلك لم يميلوا إلى التأويل لأنه يوقع القارئ في شراك الالتباس، فالإفهام مطلوب من الشاعر، والاستعارة ينبغي أن تكون مناسبة والمناسبة تعني التقارب بين المستعار منه والمستعار له، أي وجود قرينة، تعمل على إدراج المعنى ضمن المألوف، ليكون واضحاً سهلاً، ولأن الدلالة تؤدي إلى التصور، فإن مقياس عمود الشعر أن تكون هناك مقاربة بين طرفي التشبيه تساعد على التصور، بأن يكون المشبه به أجلى صفة وأخص عرفاً حتى تستقيم الصورة في الإدراك، لأن الصفة الأخص تدل على شيء وتدفع عنه الغموض والالتباس. وفي هذا السياق كانت الاستعارة مبنية على التشبيه في السياق الدلالي. وقد كان عيارها عند المرزوقي الذهن والفطنة لأن العرب "إنما إستعارت المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله أو كان سبباً من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه" ( ) ولهذا كان أبو تمام خارجاً عن عمود الشعر في قوله ( ):
تحمَّلتَ ما لو حُمِّلَ الدهرُ شَطرهُ
لفكَّرَ دهراً أيّ عبئيهِ أثقلُ

إذ جعل للدهر عقلاً مفكراً، وكان من المناسب على وفق العرف أن يقول: لانهد، أو ما شابهه مما يرضاه العرف.
ولبيان كيفية اشتمال عناصر عمود الشعر الثلاثة السابق ذكرها، على مستوى دلالي لا بد من إيضاح مفهوم الدلالة ذاتها، تمهيداً لقراءة هذه العناصر دلالياً، لإيضاح حدود المستويات الأسلوبية التي بني العمود عليها، وما نحن بصدده من المستوى الدلالي.
تتعدد وسائط التحول الدلالي إذ تشمل، الاستعارة، والتقديم والتأخير، والتمثيل والزيادة والنقصان والقلب والكناية والتعريض والمبالغة، والرمز والتلميح وسوى هذا. حتى الوزن يمكن عده عنصراً دلالياً في النص حيثما ساعد على تعميق البنية الدلالية. وتزداد قيمته الفنية حين يضفي على الاختلافات الدلالية مظاهر من تمثلات صوتية ( ). لأن الترابط العضوي الذي يتوفر عليه النص الشعري بين التحولات الدلالية والبنى الإيقاعية يستوعب التعبير عن مكنون الذات بأسلوب فني مؤثر ( ).
وفي علاقة اللفظ بالمقام من حيث الدلالة يقول الجاحظ "ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل" ( ) على أن لسان العربي الأول في القول والتلقي مبني على الارتجال في القول والاستقبال، لأن البداهة والطبع صفة الاعراب "وأحسن الكلام، ما كان معناه في ظاهر لفظه" ( ).
وقد انطلق الشريف الجرجاني من هذا المبدأ في فهم الدلالة على أنها "كون الشيء بحالة يلزم من العلم به، العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص.. فإن كان الحكم مفهوماًَ من اللفظ فهو الدلالة.. فدلالة النص عبارة عما ثبت بمعنى النص لغة، لا اجتهاداً، فقوله، لغة أي يعرفه كل من يعرف هذا اللسان بمجرد سماع اللفظ من غير تأمل" ( ).
فالمعنى الدلالي عند الجرجاني هو المبين عما في النفس بالاعتماد على المعنى المقالي أي الوظيفي (الصوتي، الصرفي، النحوي) مع ملاحظة كون المعنى الاجتماعي أساساً في فهم المعنى الدلالي وفي اكتماله أيضاً ( ) لأن الاستعمال هو ما يخلق المعنى ( ).
والوظيفة لا تتشكل إلا في سياق مخصوص ( ).
وفي ضوء هذا نفهم كيف أكد علماء العربية القدماء، على دور السياق في التحول الدلالي الصادر عن تغير السياق ( ). وهنا كان بديهياً أن يأتي بحث دلالة اللفظ المعجمية سابقاً على مراحل دراسة المعنى، من خلال السياق بنوعيه اللفظي والحالي ( )، لأن المرسل هو الذي يمنح الأصوات معانيها بناء على التراكم السياقي، العام والخاص ( ).
وقد كان التفنن في الكلام عملية تبقى في كل الحالات رهينة إشباع الدوال بالمدلولات ( ). وفي هذا السياق نجد الأسلوب صراعاً متواصلاً ضد اعتباطية الدال، "وهذا الصراع يتوقف أكثر على ما يتهيأ من إمكانيات تقليب الظاهرة اللغوية في الكلام، لتوفير أكثر ما يمكن من الدلالة فيها، وهذه نزعة إلى تجاوز الدلالة الأفقية الدنيا إلى دلالات قصوى مختلفة الاتجاهات ومتولدة عن تفاعل مختلف إمكانيات التقليب التي يخلقها الشاعر في الكلام" ( ) على أن اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول تشير إلى أن بينهما علاقة غير محللة لعدم وجود علاقة طبيعية بينهما على صعيد الواقع ( ). "فالدال هو الترجمة الصوتية لتصور ما، والمدلول هو المستشار الذهني لهذا الدال، ومن هنا تتضح الوحدة البنائية في الإشارة اللغوية بين الدال والمدلول" ( )، وفي هذا السياق نظر الدرس الأسلوبي الحديث للغة على أنها: "مجموعة علامات، والعلامة هي ما يدرك بالحس، رؤية أو سماعاً أو لمساً، وبإدراك الحس له، يدرك به شيء غيره، والعلامة الألسنية مفهوم مركب من مظهر حسي فيزيائي، تدركه العين كتابة، ويدركه السماع ملفوظاً، ويسمى الدال ومظهر مجرد هو المتصور الذهني الذي "يدلنا" عليه ذلك الدال، والذي بحصوله نقول: إننا فهمنا الدال، ويسمى هذا المظهر المدلول، أما العملية التي يقترن بها الدال بالمدلول في أذهاننا، فهي التي تسمى الدلالة، وقد ألح سوسير على الالتحام القائم بين الدال والمدلول حتى شبههما بوجهي ورقة واحدة" ( ).
ومما ميز الأسلوبية من البلاغة في البحث الدلالي "أن البلاغة اكتفت بالنظرة التبادلية للكلمات، "وضع واحدة مكان الأخرى" دون محاولة البحث في علاقاتها التتابعية "وضع الواحدة إلى جوار الأخرى" وبالنتيجة فقد استأثر محور الانتقاء بالأفضلية على محور التأليف، وواضح أن التركيز على محور الانتقاء يحصر البحث في نطاق علم الدلالة" ( ).
وقد صار النظر إلى الدلالة كونها اتحاداً شاملاً بإطار متكامل بين الدال والمدلول غير قابل للتجزئة ( ). مرتبطاً بكون دلالة الكلمة، لا تفتقر إلى مدلولها فقط "وإنما تحتوي على كل المعاني التي تتخذها ضمن السياق اللغوي، وذلك لأن الكلمات في الواقع لا تتضمن دلالة مغلقة، بل تتحقق دلالتها في السياق الذي ترد فيه، وترتبط دلالة الجملة بدلالة السياق الذي ترد فيه" ( )، والدوال في هذا السياق تؤدي وظائف معقدة من خلال ما تحمله بوصفها صوراً سمعية، من طاقة نفسية مركبة مشحونة بالرغائب والمعطيات الحسية، فتحرك تلك الدوال كل مكونات نفسية المتلقي، خالقة وجوه دلالتها الذاتية، تلك الدلالة الصادرة أحياناً عن محاكاة صوتية وأحياناً عن صفة تعبيرية في العلامات اللغوية. وفي سياق المحاكاة الصوتية "فإن الصوت المعزول –وان انقطعت صلته بالدلالة –بمقتضى عزله عن الإطار الدلالي الأدنى، فإنه بحكم انعقاد صلة له جديدة بأصوات معزولة مثله، يكتسب صلة بالمدلول، إثر ربط هذه الأصوات بعضها ببعض، وربط المعاني بعضها ببعض، فيصبح ذا طاقة دلالية، في البيت، وبعبارة أخرى نقول: رغم إيماننا الراسخ باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول عامة، فإننا نؤمن بعلاقة حقيقية بين مظاهر الدوال معزولة.. وبين إطار الدلالة"( ).
وهذا الأمر يتميز من لغة لأخرى، وأحياناً من عصر لآخر في عرف اللغة الواحدة، وهنا يأتي علم الدلالات ليعنى "بدراسة انتظام الدوال الألسنية في الظاهرة اللغوية عموماً، رغم ما يميز اللغات بعضها مع بعض، من نواميس نوعية في توليد الدلالات، فعلم الدلالات يسعى إلى عقلنة الظاهرة الدلالية أو عقلنة ظاهرة الدلالة" ( ).
ومن خلال هذا يمكن أن نميز نوعين من الدلالة، أولهما الدلالة الذاتية في لغة الخطاب، وثانيهما الدلالة الحافة، والأولى "تتكون من المضمون الإعلامي (الدلالي) المنطقي للإشارة اللغوية، ويمكن أن نحدده بالعلاقة بين الكلمة وما تدل عليه، من شخص أو شيء أو صفة أو حدث خارج النظام اللغوي، أي بمعنى الكلمة كما يفهمه جميع متكلمي اللغة الواحدة" ( ) أما الدلالة الحافة فتتكون "من مجموع الأنظمة الدالة التي يمكن اكتشافها في نص ما، إضافة إلى الدلالة الذاتية وهي تحد إجمالاً بكونها: المعنى الإضافي الذي توحي به كلمة ما، زيادة على معناها الأصلي" ( ) وهنا فإن الدلالة الحافة "توحي أكثر مما تعبر، ومنها الطاقة الإيحائية في اللغة، وتعد سمة أسلوبية ما لم تتأثر أو تتكاثف، فتصبح عائقاً في الفهم، ومفهوم الإيحاء التمازج بمفهوم الإيجاز في البلاغة العربية ويمكن تعريف سمة الإيحاء بأنها: حضور دلالة في الكلام، ليس في عناصره ما ترتبط بها مباشرة" ( ).
وقد ميز بعض الدارسين بين نوعين من الدلالة الحافة "نوع اجتماعي، ونوع نفسي، ولكنها في جميع الحالات تكون، إما حرة أو إجبارية، وهي تكون حرة على الأخص في النص الشعري، ذلك أن القصيدة غالباً ما تتضمن "فجوات منطقية" يفسرها كل قارئ أو سامع وفقاً لخياله، أو لثقافته، أو لتجربته الخاصة، أو لمعرفته بالشاعر ذاته، ولكن حرية اكتشاف دلالات حافة في قصيدة لا تكون كاملة. فالدلالة الحافة ليست بيتاً واحداً ينتخب من القصيدة ويقرأ دون سائر الأبيات، وبمعزل عنها يتضمن من الدلالات الحافة مالا يتضمنه حكماً، البيت ذاته، إذا قرأ ضمن القصيدة، أو من خلال الديوان" ( ).
وقد أشار (بارت) إلى ما أسفرت عنه نقاشات طويلة بين اللسنانيين دارت حول واقعية المدلول أجمعت تقريباً على كونه ليس شيئاً "إنما هو تمثّل نفسي للشيء" ( ) وفي هذا رأى أن مادية الدال تفرض "التميز الواضح بين المادة والماهية، فالماهية يمكن أن تكون غير مادية (مثل ماهية المحتوى) إذ يمكن القول فقط بأن ماهية الدال مادية دائماً: أصوات، أشياء، صور" ( ) وقد ذكر بارت بأن "الدلالة تنتمي لماهية المحتوى، والقيمة تنتمي إلى شكل المحتوى.. ويرتبطان بعلاقة جدلية باعتبارهما مدلولين وليس لأنهما دالان طبعاً" ( ).
وفي سياق الدلالة الحافة السابق ذكرها، يمكن النظر إلى أن مقومات عمود الشعر لم تقصر أثرها الدلالي في الاتجاه العرفي أو الذاتي فقط، إنما كانت تقترب من الدلالة الحافة على الرغم من أن عمود الشعر، في إطار المقومات الدلالية (الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له) قد حرص على وضع معيار لكل واحد من تلك المقومات، وكأن ذلك المعيار يحدد الاستعمال والكلام كما قال (بارت) ( ) إلا أن هذا التحديد إنما كان ليجعل من الدلالة الحافة، دالة على الطبع متصلة –من جهة بعدها المجازي –مع العرف اللغوي /الاجتماعي، بأكثر من سبب يجعلها ضمن سياق الخطاب الشعري، دالة على فطنة الشاعر ومقدرته الفنية على الإمتاع الجمالي بعيداً عن الغموض (السهل الممتنع) لأن سائر مقومات العمود الشعري تتوخى معنى أخلاقياً، لأن ما هو أخلاقي في عمود الشعر ينبغي أن يكون ممتعاً جمالياً حتى يكون شعرياً.
الإصابة في الوصف:
الإصابة في الوصف أول ثلاثة عناصر في عمود الشعر، تتصل بالمستوى الدلالي، إذ يكشف المفهوم عن نية مسبقة لأن يكون الواصف حاد الذكاء وحسن التمييز في أن يجعل كلامه من جهة دلالته على مقام القول، مثالاً صادقاً، في صدق ارتباطه بالواقع متصلاً بالذاكرة التي يرتضيها العرف، لأن هذا هو علامة الإصابة في الوصف، ودلالتها ما يفسره قول عمر بن الخطاب (رض) في زهير أنه "كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال" ( )، وقول علي (رض) حين سأله عمر (رض): "من أشعر الناس؟ قال: الذي أحسن الوصف وأحكم الرصف، وقال الحق" ( ).
والأمر هنا لا يعني اقتصار لغة الشعر على مستوى الدلالة الذاتية، إنما هي الدلالة الحافة مرتبطة بقرينة يعيها العرف ويدركها المتلقي، مع النظر إلى مفهوم الدلالة الأدبية على أنه "طريقة أداء العناصر لوظائفها في العمل الأدبي ضمن شبكة العلاقات المتبادلة بينها، والكيفية التي تنتظم فيها تحقيقاً لفاعلية خاصة" ( ).
وإذا قام الأدب على محاولات كشف عن المخاض الجدلي الذي يعيشه العالم، أو لما يعيشه الإنسان أولاً، فإن الدلالة الأدبية تتمثل بالدرجة الأساس في أدوات فنه وطرائق تعبيره. ومحاولة إنتاج الدلالة الأدبية، إنما تكون في السعي لها في خلال إنتاج النص الأدبي عبر ما تمثله مرجعية الكاتب الثقافية من تناص قد يتجلى في إنتاجه الدلالي، ثم ما يتمثل لدى المتلقي بوصفه منتجاً آخر للدلالة.
وفي هذا الإطار كانت "السمة المشتركة التي تجمع كل المناهج النقدية الآن، أو بين معظمها على الأقل، في هذا العصر، هي أنها جميعاً تبحث عن أبنية العمل الأدبي، كي تعثر على دلالته، وتدرج كيفية قيامه بوظيفته" ( ).
فالنقد الأدبي نظر منهجي حر ومنظم في آن معاً، يسعى دائباً لاكتشاف عالم النص الأدبي، والوقوف على القوانين التي انتظمته، وحكمتها حركة العمل الأدبي، مع ملاحظة أن نقد القدماء قد وقف في كثير من الدراسات على البنيات المكونة للأعمال الأدبية، في محاولة لدراسة العناصر الماثلة فيها، على أن ذلك النقد كان ملتزماً حداً معيارياً مستمداً من مقولاته الخاصة، والأحكام ذات القيم الخلقية، وهو ما يؤدي إلى شيوع نسب من التعميم في قراءة النص الأدبي نقدياً، ومن هنا نفهم كيف طالب العمود بأن يكون الأديب مصيباً في وصفه، مدلاً في إصابته على ذكاء يحدث حسن تميير في خلق الدلالة الأدبية.
ويجمع عنصر العمود في هذا السياق، بين ملاحظات الناقد ونتائجه ورغباته وأحكامه النقدية وهو أمر لا يخدم النقد الأدبي، لأن من مسلمات أحكامه النقدية، أو من مسلمات كل نظرية أدبية.. أن تقييم طبيعة الدراسة العلمية للأدب على ضرورة الفصل بين التقييم والتأويل، وأن تنمي مناهجها بحيث تضمن لملاحظات الناقد ونتائجه، أن لا تختلط برغباته وأحكامه... ( ).
فقد صار بديهياً في النقد الحديث عدم التركيز فيما يقوله النص الأدبي بالقدر نفسه الذي يتم التركيز فيه، على الطريقة التي يقول بها النص ما يقوله أو يريد قوله، على أن في هذا تعسّفاً صادراً عن كون الشكل (شكل النص الأدبي) إنما هو معطى فني يؤدي إلى بنيته المضمونية أو محتواه، لأن طريقة القول جزء من القول نفسه. ومطالبة القدماء بالإصابة في الوصف من جهة المضمون أو المحتوى أو ما يتصل النص به على صعيد الواقع.
ويبدو أن السبب وراء بحث القدماء في الأدب عن مضمونه أو محتواه أولاً، أي عن المضمون أكثر من طريقة التعبير عنه، كان بسبب من توخيهم –في الخطاب الأدبي –حداً نفعياً معيناً مقيساً بمعيار سابق عليه، أثبت ذلك المعيار نفعه على صعيد السلوك بوصفه مضموناً، فضلاً عن نظرهم إلى اللغة من خلال القاعدة المعيارية، التي تضمن للغة في مرحلة الخطاب (الكلام) أداء محتواها بشكل دقيق، وهذا ما جعلهم ينظرون إلى قواعد اللغة بمنظار (القداسة) وإلى معايير الكلام، الأدبي بمنظار المرجعية الخاصة.
وفي ضوء هذا نفهم قول (رولان بارت) من أن اللغة الشعرية حين تضع الطبيعة موضع التساؤل، بكيفية جذرية عن طريق التأثير الوحيد لبنيتها، من دون اللجوء إلى محتوى القول، ومن دون التوقف عند محطة أيديولوجية ما، فإنه لا تعود هناك كتابة، بل توجد فقط أساليب من خلالها يقلب الإنسان نفسه كلية، ويواجه العالم الموضوعي، من غير أن يمر بأي وجه من وجوه التاريخ أو الألفة الاجتماعية" ( ) وفي هذا السياق فإن الوضوح الذي دعا إليه (عمود الشعر) في الإصابة في الوصف إنما هو صفة بلاغية محض، وليس ميزة عامة للغة ممكنة التحقق، في جميع الأزمنة والأمكنة، بل هي مجرد ملحق مثالي لخطاب معين، هو ذات الخطاب المخضع لنية الإقناع الدائمة ( ) وهو لا يتصل بالواقعية على نحو دقيق لأن الكتابة الواقعية لا تستطيع أن تقنع أنها محكوم عليها بأن تصور حسب.. ( ).
ذلك أن أسلوب الخطاب الأدبي بما يشتمل عليه من مقومات للشكل الفني والموضوعي تجعل الناظر إليه أو فيه نقدياً يحتكم إلى مقياس الأسلوب بوصفه "المظهر الفني الذى به قوام الإبداع الأدبي" ( ). وذلك المظهر الذي تتخلق فيه وظائف أسلوبية تشير إلى المنحى الفني للخطاب وتؤدي إلى تحليله، وتكشف عن خطأ النظر إليه من خلال حرية معايير المضمون وحده، والنظر إلى الوظيفة الشعرية أو الجمالية لأنها "علاقة قائمة بين الرسالة وذاتها، إنها الوظيفة الجمالية بامتياز، إذ أن المرجع في الفنون هو الرسالة التي تكف عن أن تكون أداة اتصال لتصير هدفه ( ) وقد ذكر جاكوبسون أنموذجاً سداسياً للوظيفة الأسلوبية ( ) فهناك: الوظيفة المرجعية المتمركزة حول السياق اللفظي أو القابل لأن يكون لفظياً، ذلك الذي تحيل إليه الإرسالية، ثم الوظيفة الانفعالية المتمركزة حول المرسل ثم الوظيفة الإفهامية المتمركزة حول المرسل إليه. ثم الوظيفة الانتباهية التي تعنى بالحفاظ على التواصل بين المرسل والمرسل إليه، ثم الوظيفة الميتالغوية أي (المعجمية) والتي تعنى بالسنن المشترك بين المرسل والمرسل إليه. ثم أخيراً، الوظيفة الشعرية التي يراها جاكوبسون متمركزة حول قصد الإرسالية، باعتبارها كذلك، وهذه الوظيفة هي التي توضح الجانب الملموس من الدلائل وتعمق من هذه الوجهة نفسها، الثنائية الأساسية للدلائل والموضوعات ( ) ويذكر جاكوبسون أن هذه الوظيفة (الشعرية) تتصل بمظاهر اللغة الموصوفة من طرف الأسلوبية.
ويمكن قراءة الإصابة في الوصف في عمود، من خلال الوظيفتين: الإفهامية والانتباهية من جهة أن هذا العنصر قد أشار فيه النقاد إلى أهمية وضوح القصد، ومباشرة التوصيل وقرب التلقي في خلال الإفهام والبعد عن اللبس أو الغموض، والالتزام بوصف الأشياء بالأوصاف التي لها لإفهام المتلقي بما تواضع عليه العرف، والاستحواذ على انتباهه، بالالتقاء معه في وضوح الدلالة، من خلال إصابة الوصف المقصود، بعيداً عن الغموض.
وفي هذا السياق هنالك فارق بين الوصف من حيث هو بنية نثرية أحياناً ونثرية غالباً وبين المجاز كونه خصيصة شعرية وهو "أن الشعر يمكن أن يستخدم الوصف، والفرق بين الوصف والمجاز أساسي وكبير، الوصف هو ما يشتمل على التشبيه، يذكر الشيء بأحواله وهيئاته حتى يحكيه ويمثله للحسن( ).. فغاية الوصف أن يكشف ويظهر أوان يوضح الغامض، أما المجاز فغايته تكثير الدلالة، فهو يخرج اللفظ من وضعه الأصلي إلى حالة ثانية، فكأنه يخرج به من اليقين إلى الظن أو الاحتمال، ومن الدلالة الواحدة إلى الدلالة المتعددة. فالوصف يبلور الشعرية والمجاز يخلق حالة احتمالية في اللغة تساوي حالة الاحتمال في الشعور الوصف يخلق اللغة، والمجاز يفتحها" ( ).
ولست مع أدونيس حين ذهب إلى أن الوضوح المألوف هو مبدأ الكلام نثراً (النقد والخطابة) وشعر عمود الشعر، ويحدد الوضوح بأنه مبدأ الإصابة في الوصف وقرب المآخذ ( ) لأن قصد القدماء هنا قائم على القرائن التي يكون الشاعر بارعاً في بعثها لحظة القول أو عند التلقي في وعي المتلقي، على نحو من الطبع السمح والعاطفة المتدفقة على نحو لا يجد المتلقي فيه إلا أن يأخذ عفو الخاطر ويتناول صفو الهاجس، فلا كد لفكر، ولا تعب لنفس، وهذا ما يدعو المتلقي إلى تلمسه أو تحسسه لحظة الاستقبال، ويدلل عبد العزيز الجرجاني على هذا بقول أبي تمام ( )
لا يوحشنك ما استعجمتَ من سقمي فإنني للذي حسيتهُ حاسي

من قطعِ ألفاظهِ توصيلُ مُهلكتي
ووصلُ الحاظهِ تقطيعُ أنفاسي

إذ لا يخلو بيت فيها من معنى بديع أو صنعة لطيفة ولكن لا يجد المتلقي معها من سورة الطرب وارتياح النفس كالذي يجده لقول بعض الأعراب:
أقولُ لصاحبي، والعيسُ تهوي
بنا بينَ المنيفةِ فالضمارِ

تمتَّعْ من شميمِ عرارِ نجدٍ
فما بعدَ العشيةِ من عرارِ

فمثل هذا الكلام، بعيد الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المآخذ، قريب المتناول( ).
المقاربة في التشبيه:
يكشف التناسب بين المشبه والمشبه به عن مستوى دلالي في الخطاب الشعري مرتبط بتوجيه الشاعر إلى ضرورة أن يكون فطناً في تقديره لعملية التناسب بين طرفي التشبيه وذا تقدير حسن غير قابل للنقض في عملية تناسب جملة التشبيه، وهو ما يشير إلى عملية إنتاج الدلالة الشعرية بالصدور عن الطبع أكثر منه عن الصنعة.
ولكن نظرهم إلى التشبيه على أنه جانب من أشرف كلام العرب ودليل على الشاعرية ومقياس معرفة البلاغة( ). لم يكن موظفاً لأداء عملية التشبيه عند خلق المعنى بهدف أن يكون المعنى واضحاً بعيداً عن الكلفة فقط، لأن الكلفة التي يعانيها المتلقي عند الاستقبال لأي نص أدبي ينبغي أن تكون ملحوظة فبعض مقومات أي عمل فني تصدر عن الغموض الشفاف، إذ نلحظ "أن من الأسس المنهجية في الدراسة الأسلوبية إعطاء الأولوية للعلاقات المختلفة التي تربط بين الأشياء، والتي تنتظم العناصر على تباعد الشقة بينها، فتكون منها أنظمة متماسكة الأجزاء، وإذا كانت مختلف مظاهر الارتباط بين أشتات المكونات خفية عادة، وخفياً دورها، فإنها بينة في الصور، واضحة، وهي المحور الرئيس الذي تدور عليه عملية التصوير"( ).
وقد لاحظ العرب في التشبيه إشارة للأريحية الشعرية في خلال ما يحصل من تفاوت أحياناً بين المشبه والمشبه به، لأن "لتطوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه إليه من النيق البعيد، باباً من الظرف واللطف ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفي موضعه من العقل، وأحضر شاهد على هذا، أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات، سواء أكانت عامية مشتركة أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل، تراها لا يقع بها اعتداد ولا يكون لها موضع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك، حتى يكون الشبه مقرراً بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس عامي مشترك معروف في أجيال الناس، جارٍ في جميع العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه، من حيث الجنس وتشبيه الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام المفضض، والوشاح المفصل، وأشباه ذلك خاصي، والتباين بين المشبه والمشبه به في الجنس على ما لا يخفى، وهكذا كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتآلف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين"( ).
وللتدليل على هذا تطبيقياً يستشهد بقول ابن المعتز( ):
وكأن السحابَ مصحفُ قارِ
فانطباقاً مرةً وانفتاحا

إذ يرى شعرية هذا البيت في حصول اتفاق، حسن وجميل بين شيئين، إزاء اختلاف يميز كلاً منهما من الآخر "فمجموع الأمرين، شدة ائتلاف في شدة اختلاف، حلا وحسن وراق وفتن"( ).
ورأى الجرجاني الذي يؤكد على شعرية التشبيه الصادرة عن "اجتماع المتنافرات والمؤتلفات في التشبيه من أسباب الشعرية"( ) فيذهب إلى أن "كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ترى وتبصر، فالتشبيه المعقود عليه، نازل مبتذل، وما كان بالضد من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته، فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع"( ).
وهذا ما يقرأه تطبيقياً في قول عدي بن الرقاع العاملي:
تزجي أَغَنَّ، كأن أبرة ورقهِ
قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادَها

إذ يشير إلى أن جريراً كان قد رحم الشاعر حين ابتدأ بالتشبيه ظناً منه أنه قد وقع، فلما أكمله على هذا النحو، حسده جرير على براعته "فهل كانت الرحمة في الأولى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر، وبديهة الخاطر وفي القريب من محل الفطن، وحين أتم التشبيه وأدّاه، صادفه قد ظفر بأقرب صفة، من أبعد موصوف وعثر على خبيء مكانه غير معروف"( ) أي إدهاش المتلقي في إنتاج دلالة تصدر عن المألوف ولكنها غير متوقعة من المتلقي وهو ما يشير إلى ذكاء الشاعر وفطنته، وما كان هذا عند الجرجاني إلا لأن "مبنى الطباع، وموضوع الجبلة، مبني على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت النفوس به أكثر، وكان الشغف منها أجدر"( ).
وقد أشار الجاحظ، من قبل، إلى حدود هذا التناسب وجماليته الكامنة في الغموض الشفاف، وليس التناسب العقلي المؤدي إلى الوضوح من دون طبع فني، إذ قال: "إن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب، كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم، كان أطرف، وكلما كان أطرف، كان أعجب، وكلما كان أعجب، كان أبدع"( ) وهذا الفهم قد يكشف عن عدم دقة جابر عصفور حين ذكر، أن إيثار التشبيه وتقديمه على الاستعارة إنما كان بسبب ميلهم إلى النظرة العقلية الصارمة التي تؤمن بالتمايز والانفصال، وتنفر من التداخل والاختلاف، وترفض بحزم كل خارج عن الأطر الثابتة المتعارف عليها في أي مستوى من المستويات( ).
فوظيفة التشبيه في الشعر العربي "هي إنجاز قدر من الحقيقة، الشعرية عن طريق المحاكاة التصويرية، أي بمعدل فني من نوع متميز، لا يقاس بشكل كمي، مثل القياس المنطقي وإنما بمدى قدرته على التعبير عما لا يعبر عنه نثراً، أي بمعدل قدرته التخيلية".( )
فإذا كان ميل العرب للتشبيه كثيراً "حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد"( ) صادراً عن نظرية عقلية صارمة ـ كما ذكر جابر عصفور ـ فإن هذه النظرة عند أبي تمام أخذت تغوص وراء المعاني، بنظر عقلي صارم!! متقصدة نظرها ذاك، مستخدمة أساليب مخصوصة، قد عدها أصحاب عمود الشعر خارجة على طريق العرب في قول الشعر!!
ولكن الأمر متصل بصدور الشعرية العربية أولاً عن المرحلة الشفاهية، ويظل لحاسة البصر دور المقوم الأول في المقاربة عند التشبيه الشعري، فضلاً عن أن الشفاهية تجنح نحو التمايز والانفصال بعيداً عن التداخل الذي يكسر كثيراً حاسة البصر، محركاً البصيرة، وهذا أمر نلحظه في تشبيهات القصيدة الحديثة بأسلوب لافت للنظر، وقد "تأكد اليوم عند العلماء أن العين أبرز نافذة لنا على العالم فـ 90% من الأخبار التي يتلقاها الإنسان وسيلتها العين"( )، ومن هنا كان تطور الشعرية العربية من الشفاهية/ البصرية إلى الكتابية، تحولاً من التشبيه إلى الاستعارة.
والذين قالوا بمقومات الشعرية الشفاهية أنكروا على شعرية الكتابة ما كان من تحول التشبيه عند أبي تمام إلى استعارة، أعني من المباشرة إلى التأويل وعمق التخييل، صاروا ينظرون إليها على أنها مغرقة في الغموض، لأن التناسب صار يلمح لمحاً، ولم تعد القرينة ملحوظة بلا كلفة، إنما بطول تأمل، فصاروا ينظرون إلى الأمور بمنظار الصدق والكذب المباشرين، وهو ما لا يوقف عنده في الشعر، فإذا "كانت الاستعارة تقترب من الحقيقة الشعرية عن طريق الكذب اللغوي، فإن التشبيه يمارس هذا الاقتراب عبر الحقائق اللغوية مستثيراً قدراتها على استحضار الوقائع الحيوية في قران غير متوقع، وهذا القران يعتمد على بنيتين: إحداهما سطحية وهي العلاقة بين الطرفين، المتكئة على التشابه بمستوياته المتعددة، والأخرى عميقة، وهي التي تقوى على تقديم رؤية جديدة للموضوع على ضوء هذه العلاقة"( ).
وهذا الرأي قد يشير إلى رأي بعض العلماء في اختزال العلاقات المجازية، وحصرها في علاقتين "إحداهما تعتمد على المشابهة، والأخرى ما يعتمد على المجاورة والكتابة والمجاز المرسل في معظم أشكاله، وقد أفضى هذا التقسيم الجديد إلى افتراض مؤداه: أن الآداب التي تقوم على المشابهة ذات طابع رومانسي مثالي، كما أن الآداب التي تقوم على المجاورة تتسم بالواقعية، والقرب من الحياة"( ). (الشعر العربي رومانسي مثالي في بعض اتجاهاته. وواقعي ملتصق بالحياة في اتجاهاته الأخرى، على ما هو واضح لأي متلق للشعر العربي.
ومن خلال ما سبق ذكره، يمكن أن نلحظ أن "المقاربة في التشبيه" التي قال بها عمود الشعر العربي، إنما كانت ناظرة إلى تناسب ركني جملة التشبيه تناسباً.. ليس عقلياً فقط، وإنما عاطفي صادر عن الطبع والفطرة الشفاهية أيضاً.
والواقع أن تناسب مقومات أسلوب التشبيه في (المرحلة الشفاهية) تطور عند المحدثين فصار إلى أهمية تناسب مقومات أسلوب الاستعارة (تناسب المستعار منه والمستعار له) في (المرحلة الكتابية). والتناسب في كلا الحالتين مقوم من مقومات أي عمل فني، والنظر إليه في كلا الوجهين في خلال المنطلق الجمالي للتناسب لأنه، إذا كان التناسب ثمرة لتوازن نفس مبدع الفن فلا بد لهذا التناسب الفني "أن يحدث أثراً في المتلقي ويساعد على إحداث نوع آخر للتوازن بين القوى النفسية لذلك المتلقي"( )، ومن هنا كان النظر إلى المقاربة في التشبيه من خلال قيمة التناسب الفنية، حتى يصل المتلقي الناقد إلى فهم صحيح لأسلوب المقاربة في لغة الشعر على المستوى الدلالي، ثم إن "إدراك الشبه بين الأشياء هو موضع التفاضل بين الشاعر والشاعر، إذ كلما ازداد الشبه خفاء ازدادت دلالة اكتشافه على تميز الشاعرية"( ). وهذا الفهم أدى إلى تصور المشابهة بين المتباعدات على أنها أقوى على خلق (المفارقة الشعرية) من غيرها. وهو ما أصر عليه كولردج في العصر الحديث، من أن "المشابهة الأبهى هي تلك التي تكشف بين مختلفات وأن التشابه المطلق يعدم التشبيه أو الاستعارة أو الرمز، ويمنع تدفق الشعرية"( ) وهو أمر بعث على النظر في الاستعارة لا من خلال قيامها على المشابهة بل على المغايرة أو الاختلاف، وقد طرح ريتشاردز بعد كولردج فرضيته المعروفة: "في أن الاستعارة لا تقوم في الواقع على المشابهة، بقدر ما تقوم على المغايرة والاختلاف"( ).
مناسبة المستعار منه للمستعار له:
مفهوم مناسبة المستعار منه للمستعار له عند المرزوقي صادر عن مفهومها عند عبد العزيز الجرجاني إذ أنها عند المرزوقي "تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفي فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له"( ) وهي عند الجرجاني "ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة"( ) وهذا ما قال به عبد القاهر أيضاً، من أن الاستعارة "أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه، وتظهر، وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه"( ). وكل منهم منطلق من موضوعية الاستعارة عند العرب، تلك الموضوعية المتصفة، بالسببية والمقاربة والمشابهة، وكل منهم يدعو إلى عدم ترك أن يكون استعمال أسلوب الاستعارة واقعاً في دائرة الإطلاق، لئلا يضيع في الشعر استعمالها، في خلال اتصافها باللامعقول بعيداً عن التجريد أو التعقيد الذي يضعها في دائرة التحليل والتأويل، أي أنهم يقصدون الحفاظ على مرتكزاتها الرئيسة التي تسهم في الحفاظ على القيمة الشعرية، لأن الاستعارة بوصفها انزياحاً ينبغي أن لا تتجاوز حدود التواصل ومقوماته، لأن "اللغة الشعرية ستفقد كل مبرر لوجودها، كونها محكومة بقانون التواصل"( ) وكل هذا يجب أن يتصف بالتناسب كونه ضرورة فنية جمالية.
ولما كانت الاستعارة علامة العبقرية المميزة، لأنها تقود إلى الانحراف في لغة الشعر( )، فقد شغلت البلاغة العربية كثيراً، كونها "من مقتضيات النظم، وعنه تحدثت وبه تكون"( ) وهي "أمد ميداناً، وأشد افتتاناً، وأكثر جرياناً، وأعجب حسناً وإحساناً،... وأذهب نجداً في الصناعة وغوراً، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها"( )، فهي رأس البديع وأفضل المجاز( )، لأن المعول عليها في التوسع والتصرف( ).
فالمجاز حين يشحن اللغة بالطاقة الفنية الجديدة يجعلها قادرة على قول ما لا تقولـه إلا هي. أي أنها تتجاوز محدودية الدلالة اللغوية في أصلها الوضعي، وقد تكون أهمية المجاز في الخطاب الشعري ـ من جهة تأثيرها في المتلقي ـ نفسية أي راجعة إلى أن النفس الإنسانية عند وقوفها على كلام غير تام بالمقصود منه، كانت متشوقة إلى كماله، ومن هنا كان المجاز مولداً لتشوق النفس إلى ما هو غير معلوم، وكما كان الفن، ومنه الشعر، تشوقاً إلى كمال لا ينتهي، كان المجاز عنصراً مهماً في اللغة الشعرية( ).
ومن خلال ما سبق نفهم أن دعوة عمود الشعر إلى التناسب بين المستعار منه والمستعار له، صادرة عن الطبع الشفاهي الارتجالي الذي يتطلب أن يكون ذلك التناسب حاضراً في وعي المتلقي، ولكن التناسب في الخطاب الشعري الذي يبعث على المفاجأة أو الإدهاش (كسر التوقع) يكون مولداً للشعرية، وباعثاً على أثر دلالي جديد.
والبعد القواعدي الصادر عن تناسب جملة الاستعارة في عمود الشعر، إنما هو نهج سار عليه النقد القديم، فضلاً عن أن البلاغة ذاتها تهدف إلى وضع المعايير التي تضمن خلق الإبداع الفني، كونها وسيلة خلق فني وتوجيه جمالي، فهي مقوم الأدب ووسيلته في آن( ).
وإذا كانت البلاغة تهدف إلى وضع قواعد مخصوصة وتقنيات معينة لتحكم من خلالها لغة الشعر، فإنها لا تهدف إلى منع التطور أو الحد منه، كون اللغة الشعرية لا تخضع للتقنين والتقعيد الصارمين، لتميزها بالقدرة على التجدد والتوهج (المغايرة)، إلا أن البلاغة تسعى إلى معايير مخصوصة تحتكم إليها اللغة الشعرية للحد من الفوضى التي يمكن أن تكون حين لا تكون إشارات يهتدى بها في إنتاج الدلالة الشعرية، ومن هنا فإن "الأحكام النقدية التي ارتكزت على معايير البلاغة لتقرير حدّي: الجودة والرداءة. قد اكتسبت ماهية جديدة حولت ثبوت القياس، إلى قياس احتمال متغير، بمتغيرات الأسلوب وتنوعه"( ).
وهذا المفهوم هو ما انطلق منه الجرجاني عند قراءته لما يسميه جان كوهين بها البلاغة الحية الفعالة التي لن يكون هناك شعر من دونها"( ) وهو ذات المفهوم الذي أشار إليه حازم حين ذكر أنّ "معرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات، لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان، إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة"( )، كونها علم النص الكلي، ذلك النص الذي هو منتج البلاغة في منظور النقد( ).
ومن خلال هذا ننظر للاستعارة على أنها بنية مجازية، في خلال أن "خاصية الوعي في المجاز، هي أن يعيش الواقع كدال، كعلاقة لواقع آخر يدل عليه، والواقع الآخر، ليس معطى هنا، والآن، إنما هو احتمالي وتخييلي"( ).
فإذا كانت غاية الوصف الإظهار والوضوح فإن غاية الاستعارة تكثير الدلالة، أي أنها تبعث حالة من الخلق الاحتمالي بوساطة اللغة، أما الوصف فيطرح اللغة ذاتها. فكأن الوصف يقلب السمع بصراً( ) والاستعارة تقلب البصر بصيرة.
فالاستعارة من وسائل الإدراك الخيالي لتعبيرها عن ملاحظات متنوعة بطرائق متميزة إذ تجلى قوتها الخيالية في خلال الجانب الفردي من التجربة في محاولة استكناه موضوعية الشيء بتأمل أبعاده لأن "ما تؤسسه الاستعارة من علاقات بين العناصر يسمح بأن تتمثل الصورة الاستعارية بوصفها غير قابلة للإدراك على نحو صحيح، ما لم نأخذ في اعتبارنا، النظرة الرمزية والإشارية للغة، والاستعارة الجيدة أو الناضجة، هي التي تحقق ضرباً من المعرفة الكشفية، وتثرى العالم وتجدد روابطنا به"( ).
وفي قول زهير بن أبي سلمى الآتي ما يشير إلى هذا الأمر، على كثرة من ذكره من القدماء بدءاً من الآمدي( ):
صحا القلبُ عن سلمى وأقْصر باطلهْ
وعُرّيَ أفراسُ الصبا ورواحلَهْ

فاستعارة الأفراس العارية عما يؤهلها للعنفوان للتدليل على العمر العاري مما كان فيه من شباب يؤهله للعنفوان أيضاً. إنما هي محاولة في رسم صورة خيالية ذات دلالة مقاربة فنياً بين: القلب الذي يغفو مع سلمى، فيطول باطله وتسرج أفراسه ورواحله كل شبابها عنفواناً قوامه الحب، وبين ذات القلب الذي يصحو عن سلمى فيقصر باطله ـ بعد أن كان طويلاً ـ وتتعرى أفراسه ورواحله، شيخوخة قوامها الاتعاظ.
على ما في البيت من تقابل دلالي جميل بين: صحوة القلب وعرى الأفراس، ثم بين سلمى والأفراس، ثم بين قصر الباطل وعري الأفراس والرواحل، وهكذا:
وهو ما يكشف عن وظائف الاستعارة المتعددة والتي منها ـ كما في قول زهير ـ أنها وسيلة يحاول الذهن من خلالها الجمع بين عناصر مختلفة، لأجل التأثير في المواقف وبعث الدوافع وتوجيهها. فكان صانع الاستعارة "ذا مقدرة لفظية يستخرج من قول يفتقر إلى الانسجام لأغراض التفسير الحرفي، قولاً دالاً، من أجل تفسير جديد يستحق أن يسمى استعارياً، لأنه يولد الاستعارة، لا من حيث هي منحرفة بل من حيث هي مقبولة أيضاً"( ) وفي هذا فإن المعنى الاستعاري عند القدماء "لا يتكون من الاصطدام الدلالي، بل يتكون كذلك من المعنى الإخباري الجديد الذي يبزغ من انهيار المعنى الحرفي، أي من انهيار المعنى الذي ينتج إذ اعتمدنا على القيم الشائعة"( ).
ومن قبل استعارة زهير يذكر الآمدي قول امرئ القيس المشهور( ):
فقلتُ لـهُ لمّا تَمطى بصلبهِ
وأردفَ أعجازاً وناء بكلكلِ

إذ جعل الليل يتمطى وجعل له أردافاً، من خلال تشبيهه بالجمل، أي أنه استعار له ما يتصف به الجمل، معبراً عن معنى الإحساس بالثقل من خلال الشبه المقصود بين الليل الجاثم عليه أو على الأرض والجمل الجاثم على الأرض. قاصداً إثبات هذا الشبه، وهذا الفهم هو ما جعل الجرجاني لا يعد الاستعارة من باب التخييل "لأن المستعير ـ (من وجهة نظره) ـ لا يقصد إلى إثبات اللفظة المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك فلا يكون مخبره على خلاف خبره"( ).
ومن هذا السياق في قراءة الاستعارة ما ذكره الآمدي عند استشهاده بقول لبيد المشهور( ):
وغداة ريحٍ قد كشفَت وقرةٍ
إذ أصبحت بيدِ الشمالِ زمامُها

فجعل للشمال يداً، وغداة زماناً، إلا أن الأمر في الاستعارة أكثر من هذا إذ في قوله (يد الشمال) ولم يقل (يد اليمين أو اليسار) ما يشعر كما هو شائع عرفياً، بالمأساة أو صعوبة الأمر، إذ اليمين رمز للخير والشمال خلاف ذلك( ). أي أن الشاعر "أراد أن يثبت للشمال في الغداة تصرفاً كتصرف الإنسان في الشيء، يقبله، فاستعار لها اليد حتى يبالغ في تحقيق الشبه، وحكم الزمان في استعارته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال، إذ ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه، ولكنه وفّى المبالغة شرطها من الطرفين فجعل على الغداة زماماً، ليكون أتم في إثباتها مصرفة، كما جعل للشمال يداً، ليكون أبلغ في تصييرها مصرفة"( ).
إن لغة الاستعارة عند القدماء متصلة بقرائن تجعل قراءتها من المتلقين قريبة وقد عرفت البلاغة العربية مفهوم القرينة القائمة على المحور الاستبدالي بسبب من اعتماد البنية الغنائية التي يتصف بها الشعر العربي على الاستبدال في المجاز ومنه الاستعارة. وفي ضوء هذا نفهم كيف عد الجرجاني الاستعارة ضرباً من التشبيه ـ كما هي في الواقع ـ أو نمطاً من التمثيل ـ كما يمكن أن تكون ـ إلا أن عده التشبيه قياساً "والقياس فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستقصي فيه الإفهام والإذهان، لا الإسماع والآذان"( ) أمر فيه نظر، من جهة عدم وجود مشاكلة بين الشعر والقياس، إذا نظرنا إلى الشعر على أنه انقياد للانفعال أو ناتج عنه، أو انقياد للتعجب أو ناتج عنه، على حين أن القياس يوحي بنسبة من التطابق بين المادة والشيء أو يشير إليها مباشرة على نحو عقلي.
وقد أوضح الجرجاني "أن الاستعارة في الجملة، أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف تدل عليه الشواهد، على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر، أو غير الشاعر في ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازم فيكون هناك كالعارية"( ).
فالاستعارة تكثير لدلالة الكلمة في أصلها الوضعي، إلا أن أي جزء من جزئيات هذا التكثير لا بد أن يكون مرتبطاً أو متصلاً بالأصل الوضعي بأكثر من رابط أو سبب يكون فيه قرينة تجعله غير بعيد عن فهم المتلقي أو قراءته. وهذا ما يفسر كيف أن المرزوقي رأى الاستعارة التي هي ضرب من التشبيه أو تطوير عنه، قد يكتفي فيها بالاسم المستعار، لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. جاعلاً عيارها: الذهن والفطنة، وإنما جعل الذهن جزءاً أولاً من العيار لارتباط العملية الاستعارية بالخيال، والفطنة جزءاً ثانياً للتدليل على القرينة الاستعارية التي لا تجعل لغة الاستعارة مفتوحة من دون ضوابط تحدها، إذ تؤدي الضوابط الاستعارية وظيفة مهمة هي، التناسب بين المستعار منه والمستعار له.
***
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 9 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق

الفَصْل الخامس

مقوّمات عَمُود الشعْر عنْد المحْدَثيْن



ـ بشار بن برد.
ـ الحسن بن هانئ.
ـ مسلم بن الوليد.
ـ حبيب بن أوس الطائي.
ـ الوليد بن عبيد الطائي.





(البحث الأول)
ـ بشار بن برد:

شهد العصر العباسي صراعاً بين أصحاب النهج القديم في قول الشعر والمحدثين حول طريقة العرب في قول الشعر أو ما سمي لاحقاً بـ (عمود الشعر) وما تفرع عنه، إذ أن المحدثين واصلوا تطوير الحداثة الشعرية، منحرفين بدرجات معينة عن الثوابت التي اختطها النص الجاهلي، وهي تمثل عند أصحاب النهج القديم، أصول صنعة الشعر. وقد بدا واضحاً أن ذلك الصراع دار حول خصوصية التغيير في طريقة استخدام اللغة، ومن هنا نظر بعض القدماء إلى أن أشعار المولدين "إنما تروى لعذوبة ألفاظها ورقتها، وحلاوة معانيها، وقرب مأخذها"( ) فقد شاعت اللغة المولدة، وكثر الشعراء المولدون في القرن الثاني، بدءاً من الثلث الثاني منه تقريباً، وصار لهؤلاء تجربة في إبداع الشعر، نافسوا فيها العرب، فكان نمط شعرهم ذاك أول التحول نحو الشعر المحدث، فكان بشار بن برد (ت 168هـ) أبرز من حرص على تمييز نفسه من أساليب القدماء، لهذا مثلت لغة شعره الحداثة في عصرها حتى قيل عنه "أستاذ المحدثين، من بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا... سلك طريقاً لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه"( )، وهذا تقديم فني لشعره على سواه وفي أخباره ما يكشف عن وعيه لعملية الخلق الشعري، إذ سئل مرة: "بم فقت أهل عمرك؟ وسبقت أهل عصرك في حسن معاني الشعر وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري..."( )، فهو لا يأخذ ما يمليه عليه الطبع، لأنه لا يراه بذاته قيمة شعرية، وإنما يرى في كيفية خلق التعبير الشعري أثراً شعرياً، يبعث على خلق الشعرية ويدلل عليها. "وعلى الرغم من أننا نجد في شعر بشار بن برد، الكثير من رنين الأقدمين، وصوتهم، وطرائق صياغتهم، كما وعته أذن بشار المرهفة والمستجيبة، فإننا نلحظ في الوقت ذاته قدرة بشار على تطويع هذا الرنين لتجربته الجديدة، والخروج بإيقاع شعري، وصياغة شعرية تختلف اختلافاً واضحاً عن التجارب السابقة وتتبطن لغة قادرة على التفاعل مع حركة التطور الحضارية... ومع تجربة الشاعر ومواقفه الجديدة من الحياة"( ) وهذا القرب من الحياة أو الالتصاق بها هو ما أشار إليه المبرد بقوله: "هذه أشعار أخذناها من أشعار المولدين، حكيمة مستحكمة، يحتاج إليها للتمثل، لأنها أشكل بالدهر"( ).
وقد كان الاختلاف بين القديم والحديث في الشعر العربي صادراً عن النظر في تاريخ المتغير اللغوي وهو متغير أسلوبي مبعثه إرادة تهدف للحفاظ على ثبات الألفاظ وطرائق استعمالها (قانون اللغة المعيارية)( ).
ذلك أن الخروج على هذه اللغة المعيارية، إنما يشكل أخطاء مضادة، لكل ما هو حقيقي معياري، لأنهم يعدونه موقعاً في الإغراق، مؤدياً إلى "غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد، مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج"( ) لذلك كان من يعتمد التغيير وسيلة لتحقيق الإبداع الشعري، على نحو خاص، خارجاً على الطريقة المعيارية، غير ملتزم بعمود الشعر.
وهذا القصد الفني نحو التغيير في الشعر عند بشار إنما هو خاصية أسلوبية يهدف من خلالها إلى إحداث أثر غير متوقع في المتلقي، لأن "قيمة كل خاصية أسلوبية، تتناسب مع حدة المفاجأة التي تحدثها، تناسباً طردياً، بحيث كلما كانت غير منتظرة، كان وقعها على نفس المتلقي أعمق"( ) فقد ركز المحدثون على التغيير من خلال الأساليب البيانية، كالمجاز والاستعارة والتورية، وهو ما ميز أسلوب صياغة المعنى الشعري عندهم، "فبشار بن برد، وأصحابه زادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضاً"( ).
مع عصر الحداثة الشعرية الذي كان شعر بشار أوله، ظهر صراع نقدي وتباين في الآراء، واختلاف في المواقف، فمن النقاد من حاول وضع السمات الفنية. والمؤشرات الجمالية، التي يمكن أن يقاس إليها الشعر، لمعرفة الثوابت الموروثة عن الشعر الجاهلي، وصولاً إلى تحديد الخارجين عليها، لذلك حاول بعض النقاد تطبيقياً معرفة القوانين الداخلية للشعر، تلك القوانين التي تشكل إثرها عمود الشعر العربي.
وقد نظر بعض النقاد القدماء إلى جديد بشار على أنه خروج على تلك القوانين لا على أنه خصيصة أسلوبية، من جهة كونه مولداً وليس بأعرابي لأن المولد "يقول بنشاطه وجمع باله، الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن أغلت قوته، واضطرب كلامه"( )، وكأن بعضهم نظر إلى تميز المولدين على أنه اضطراب في كلامهم الشعري، فهم ليسوا بأعراب "فمن تمام آلة الشعر، أن يكون الشاعر أعرابياً"( ) على أن هذا التميز أو التغيير عند بشار أو طبقته، إنما مبعثه أمران، أولهما ذاتي وثانيهما موضوعي متصل بثقافة الشاعر، وخصوصية عصره، أما الذاتي فهو باعث أسلوبي متصل بأن روح الشاعر أو شخصيته تدخل في عمله الفني لتنقله بالضرورة "إلى شعر فيه رؤيا الشاعر المتأملة للحياة وتجربته وإحساسه إزاءها... تجربته تنبع من أعماق كيانه وتستبطن ما هو إنساني فيها، وبذلك تخرج من مجرد التجربة التي تتعلق بحدود ذات الشاعر الضيقة إلى آفاق أرحب في التعبير عما هو إنساني عام"( ).
أما الأمر الموضوعي المتصل بثقافة العصر، فهو أن النص القرآني كان قد قام "دليلاً حياً على أن النص الإبداعي: هو النص الذي ينتج عناصر إبداعية بنفسه، وليس النص الذي ينظر إلى مثال سابق ويحاول احتذاءه أو تقليده"( ) ذلك أن النص القرآني كان قد "فتح أمام الشعراء آفاق عالم شعري، بكل ما يمتاز به هذا العالم، من خيال ومبالغة وبعد عن الحقيقة، أو على وجه الدقة، هكذا تعامل الشعراء ـ ابتداء ـ مع حديث القرآن عن الجنة والنار وغير ذلك من أنباء العالم الآخر"( ) كلّ ذلك قد يرجح "تفسير كل ما حصل من تغير في الحساسية الشعرية العربية في ضوء الرؤية الجديدة التي قدمها النص القرآني الذي يحرص على تطوير الفن ونمائه، كما يحرص على تطوير لبنات الحياة الأخرى، وعند ذاك سيكون تفسيرنا للظواهر الجديدة التي رافقت تطور القصيدة العربية تفسيراً فنياً، وليس تفسيراً خارجياً أو إسقاطياً تسويغياً"( ).
أما إذا كان النقاد المتعصبون للقديم على المحدث يرون في أشعار المولدين تصنعاً أو صناعة لفظية وفي أشعار الأعراب أو البدو كما الجاهليين طبعاً سمحاً. من جهة أن "القدامى أقرب إلى الطبع والمحدثين حظهم من الطبع متفاوت، فبعضهم يقوى لديه فيحكمه في الإبداع، فيجيء كلامه أقرب إلى طرائق الاعراب، وبعضهم يحب الأغراب، وإظهار الاقتدار، لأنه يدل على كمال البراعة، ولذلك يلجأ إلى الفكر لا إلى الطبع فيحمله على الإكثار من البديع"( ) فإن كل هذا لا يعني خروجهم على طريقة العرب في إبداع الشعر، إنما يكشف عن تجديدهم وحداثتهم من جهة الزمن ومن جهة الفن، فهم حديثون زمناً مستوعبون بحداثة زمنهم الذي يعيشونه للطرائق الفنية المعبرة عنه ولا سيما الشعر، فهم في زمن مغاير لما مضى، لذا من المناسب أن يكون فنهم الشعري مغايراً لما مضى، ومن هنا لم يعد الشعر عندهم محدداً بالقاعدة إنما بالإبداع.
وقد كان للنقد اللغوي الذي يعنى بالقاعدة والحكم المسبق على النص، وتحديد الوظيفة الأسلوبية التي تعنى بالمرجعية دور بارز في النظر إلى المحدث على أنه في مرتبة ثانية وإلى المتفرد في بعض أساليبه البيانية من هذا المحدث على أنه خارج على عمود الشعر العربي، وقد قال جابر عصفور: "أن جلّ اللغويين الذين حاولوا إصدار أحكام نقدية على الشعر، كانوا من المدرسة البصرية التي لا تحترم فردية المعنى احتراماً كاملاً، وتحاول باستمرار أن تدخل النصوص المختلفة والمتمايزة في إطار واحد ثابت، إذ المهم عندها الحرص على نظام شامل للغة، فقد أدخلت اللغة بكاملها في قوالب منطقية، وحاولت أن تثبت أن الشذوذ أو الانحراف من قبيل الأعراض الطارئة، وأن لها في ذلك أسباباً عقلية، ومن هنا كان الاهتمام بأن يكون لكل نبرة، ولكل كلمة ولكل جملة أساس ترتكز إليه، من حيث حقيقة أشكالها، والمواقع التي تحتلها، داخل هذه القوالب العقلية، أو الأصول التي لا يمكن الخروج عليها"( ) وهذا ما ذهب إليه مصطفى هدارة: من أننا إذا أمعنا "النظر في أقوالهم، فإننا ندرك أن عمود الشعر ونهج القصيدة، هما السبب في تحامل الرواة على المحدثين من الشعراء لخروجهم عليها"( ).
والواقع أن قصر عمود الشعر على شكل الشعر الجاهلي ونهج القصيدة الجاهلية، وخروج المحدثين عليهما ـ وهو خروج طبيعي وصحي ـ بحكم كونهم محدثين، هو ما صدر عنه صراع الطبع والصنعة أو القديم والمحدث. وهو أمر غير صحيح إذا نظرنا إلى عمود الشعر العربي بمنظار خصوصية الشعرية العربية المتجددة فنياً على وفق خصوصية اللسان العربي مع مرور الزمان وتجدد الوعي الإنساني للفرد العربي، الشاعر أو المتلقي، وهذا ما تكشف عنه قراءة القدماء أنفسهم في شعر بشار، ومن خلال عناصر عمود الشعر التي ثبت اصطلاحها النقدي بعد عصر بشار بن برد.
فبشار معدود في نظر النقاد من المطبوعين حيناً وأحياناً "هو أول من أعاد إلى الصنعة مكانها في الشعر"( ) وهو من المجددين الذين غيروا في الأسلوب الشعري. وقد فضله الأصمعي على مروان بن أبي حفصة "لأن مروان سلك طريقاً، كثر من يسلكه، فلم يلحق بمن تقدمه، وشاركه فيه من كان في عصره، وبشار سلك طريقاً لم يسلك، وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفاً في فنون الشعر، وأغزر وأوسع بديعاً"( )، وهذا يكشف عن خصوصية أسلوبه الشعري، والمدى الذي كان فيه مجدداً بالقياس إلى طريقة الشعر الجاهلي، فهو لم يخرج على تلك الطريقة إنما أضاف لها، كونه على رأس مدرسة تمثل في شعرها وفي أسلوب حياتها ثورة نحو الجديد( ). وقد ذكر بعض الدارسين أن شعر بشار قد توزعته ثلاث نزعات "نزعة تجديد تأثر فيها ببيئته بالبصرة، فطرق الموضوعات الجديدة.. وعبر في شعره عن معان كلامية وفلسفية. ونزعة محافظة اقتضتها نشأته البدوية الأولى في حجور بني عقيل، وبين أشياخهم الفصحاء، فكان يحسن الابتداء على طريقة الجاهليين. ونزعة وسط كان يسلك فيها مسالك أهل الفن، من الشعراء الذين يلتزمون أصول الشعر الأولى، ويتأثرون بالحضارة في الزخرفة البيانية، والعناية بالصورة وتجميلها بالأسلوب وتحسينه"( ).
أي أنه غير خارج على عمود الشعر العربي، وأكثر التزاماً به من السابقين عليه، من جهة أنه التزم طريقتهم وأضاف إليها الجديد على صعيد المعنى أو اللفظ أو دقة الوصف وخصوصيته أو التشبيه وطريقة العرب فيه، أو لغة الجملة الشعرية على صعيد النظم، وحدود اختياراته للمستوى الصوتي بدءاً من لذيذ الوزن، أو في مناسبة الاستعارة وتناسب عناصر لغتها، أو في مشاكلة اللفظ للمعنى، دلالياً أو إيقاعياً.
لما كان النقاد وجلهم من أهل اللغة، ينظرون إلى الشعر القديم (الجاهلي) من جهة صدور اللفظ عنه، لأن المعاني متداولة بين الناس حتى أن منها ما لا تقع السرقة فيه إذا جاء مشتركاً لشيوعه وكثرة تداوله، فقد رأوا، أن المولدين أو المحدثين" يستشهد بهم في المعاني، كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ"( )، ومن هنا فقد اعترفوا لبشار في معان لم يسبقه إليها أحد مثل قوله( ):
أمن تجني حبيبٍ راحَ غضبانا
أصبحتُ في سكراتِ الموتِ سكرانا

لا تعرفُ النومَ، من شوقٍ إلى شَجنٍ
كأنما لا ترى للناسِ أشجانا

أود من لم ينلني من مودتهِ
إلا سلاماً يردُّ القلب حيرانا

يا قومُ أذني لبعضِ الحي عاشقة
والأذنُ تَعشقُ قبلَ العينِ أحيانا

ومما يستحسن من شعر بشار، وهو أيضاً معنى لم يسبق إليه( ):
لم يطل ليلي ولكن لم أنمْ
ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ

فأهجر الشوقَ إلى رؤيتها
أيّها المهجور إلا في الحلمْ

حَدثيني عن كتابٍ جاءني
منكِ بالذمِ وما كنتُ أُذمْ

وهو يحسن اختيار المعاني الشريفة التي يفتتح بها قصائده، حتى قال الحاتمي: إن أحسن ابتداء لشاعر محدث هو قوله( ):
أبى طلل بالجزعِ أنْ يَتكلما
وماذا عليهِ لو أجابَ مُتيما

وبالقاعِ آثارٌ بقينَ وباللوى
ملاعبُ لا يغرفنَ إلا تَوهُّما

إن بشاراً في هذه الأبيات وما شاكلها جرى على سنن سابقيه، متوخياً فصيح الألفاظ عامداً إلى الحقائق أو ما يناسبها، مدلاً بذلك على معنى صحيح وفهم ثاقب، عامداً إلى إبراز عناصر أسلوبه الشعري ليستحوذ على انتباه المتلقي، قاصداً إلى أن يخلق في ذهن المتلقي وهماً عبر أسلوبية نصه الشعري، على أن وهمه ذاك ليس بالبنية المجازية الخالصة ولا بالتصور المباشر المتصف بالمجانية، إنما هو مرتبط ببنيات النص الشعري المتصلة بمرجعية تكشف عن صلتها بالماضي وتناسبها مع واقعها.
وهذا ما يبين رأيهم في إصابة الوصف في شعر بشار، حين يصف الواقع على أنه ارتفاع باللغة على حدود دلالتها الوضعية، جاعلاً إياها زاخرة بأكثر مما تعد به، مشيرة بأكثر مما تقول، كأنه يحاول إعادة ترتيب الواقع فوق ما هو عليه مفتخراً بذلك، فقد نظروا لبشار في هذا على أنه مبالغة وإفراط، لأنهم ينظرون إلى المنحى الموضوعي بالقياس إلى الواقع وليس إلى فن الشعر من جهة صدوره عن الخيال الخلاق فكان أن عدواً من قبيل المبالغة قوله في الفخر( ):
إذا ما غضبنا غضبةً مُضريةً
هتكنا حجابَ الشمسِ أو قطرتْ دما

إذا ما أعرنا سيداً من قبيلةٍ
ذرى منبرٍ صلّى علينا وسَلما

أما لغة التشبيه عند بشار فجاءت صادرة عن القديم الجاهلي ومقلدة لها، إذ جاء أبدع تشبيه عنده محاكياً لامرئ القيس، إذ قال:


كأن مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسِنا
وأسيافنا، ليلٌ تَهاوى كواكبهْ

وقال أيضاً في قصيدة أخرى:
من كل مُشتهرٍ في كفّ مشتهرٍ
كأن غُرتهُ والسيفُ نجمانِ

وقال في قصيدة أخرى كذلك:
خلقنا سماءً فوقهم بنجومنا
سيوفاً ونقعاً يقبضُ النقعُ اقتمَا

كل هذا إعجاباً بقول امرئ القيس:
كأن قلوبَ الطير رطْباً ويابساً
لدى وكرها العنّابُ والحشف البالي

وقد أشار القدماء إلى أن امرأ القيس، قد شبه شيئين بشيئين مفصلاً: الرَّطْبَ بالعناب، واليابس بالحشف، فجاء في غاية الجودة على رأي أبي هلال. أما بشار فقد شبه ظلمة الليل بمثار النقع والسيوف بالكواكب، ويرى أبو هلال، أن بيت امرئ القيس أجود، لأن قلوب الطير، رطباً ويابساً، أشبه بالعناب والحشف، من السيوف بالكواكب( ).
وهذا النظر العقلي الموضوعي للغة التشبيه، جعل صاحب العمدة، يعد إكمال رسم صورة التشبيه، من خلال التفصيل في تناسب مكوناتها أو أجزائها، من باب الإيغال إذ يقول:
وغيران مِن دون النساءِ كأنهُ
أُسامة ذو الشبلينِ حينَ يجوعُ

إن قوله: "حين يجوع" إيغال حسن( ).
ويرى ابن رشيق: أن من عجيب تشبيهات بشار وهو أعمى( ):
وتراهُ بعد ثلاثَ عشرةَ قائماً
نظرَ المؤذنِ شكَّ يومِ سحابِ

وعلى ابتذال هذا التشبيه!! إلا أن رأي ابن رشيق يذهب إلى ما يتطلبه القدماء في هذا الأسلوب من دقة في الإخبار عن حقيقة الشيء عند الوصف، وإلى التمثيل المستند إلى قرائن واقعية، تتصل بحدود مجازية اللغة من جهة ومدى قراءة المتلقي من جهة أخرى.
كان بشار في أسلوب التشبيه فطناً، حسن التقدير، من جهة صدوره عما قد ارتضته الذائقة العربية، وما كان من جديده الذي أحدثه فهو تعبير عن خصوصيته شاعراً محدثاً، وكشفاً عن أن هذا معبر عما يراه هو، وصادر من وحي تلقيه الشعر الذي سبقه، أو تتلمذ عليه، تلك التلمذة التي جعلت الأصمعي يرى أن: "بشاراً خاتمة الشعراء" ولولا تأخر أيامه لفضله على كثير( ). والجاحظ يراه أشعر المولدين( ).
لما كان اللغويون والنقاد الذين كانوا لغويين في الغالب يقدمون الشعر الجاهلي كونه فطرة اللسان العربي الأولى، تلك الفطرة التي صار ما صدر عنها من كلام أساس القاعدة اللغوية والنحوية للسان العربي في عصر التقعيد والتدوين، فقد صار الشعراء الذين يصدرون عن طبق لساني مصنوع لا عن فطرة لغوية، مثل بشار ومن جاء بعده، أكثر التزاماً ببنية اللغة من جهة، قواعد اللغة والنحو والصرف، حتى ألجأهم التزامهم إلى القياس على ما جاء في لغة العرب مما لم يكن قد استخدمه العرب، وهذا أمر طبيعي في عصر تقعيد وتدوين يهدف للحفاظ على اللسان العربي، وببنية اللغة من جهة، انتظام وانسيابية التلوين الصوتي الصادر عن سياق الخطاب الشعري، مما نلحظه مباشرة كما في الوزن والقافية، ومما نلحظه بأسلوب آخر كما هو في التلوين الصوتي الصادر عن الجملة الشعرية مما عده المتأخرون في فنون البديع كالتجنيس والتكرار والسجع والمماثلة والترديد والترصيع ورد العجز على الصدر وغيرها. وهذه الفنون البديعية تكشف عن مدى التزام المحدثين بها، غير أن الإكثار منها عندهم يشير إلى قصدهم إياها من جهة أخذهم اللغة أو اللسان العربي صناعة أو تطبعاً وليس فطرة، في حين أن ورودها من القدماء على نحو عفوي غير مقصود متصل بكون لسانهم العربي هو فطرتهم الأولى، فإذا عبروا به، شعراً أم نثراً، اتضحت فطرتهم اللسانية طبعاً عفوياً فيهم، وانكشفت أساليب معينة جاءت طبعاً عفوياً يكشف عن أسلوب فني غير قصدي.
وهذا كله دال على التزامهم باللسان العربي المبين، وقد يتجلى ذلك الالتزام بالبنية الإيقاعية للنص الشعري، من جهة صدورها عن مكونات العروض وعناصره حيناً، وبروزها في أساليب بديعية ذات ملامح إيقاعية أحياناً أخرى. من هنا كان بشار بن برد أول المولدين وشيخ المحدثين و"أول من فتق البديع"( ) فكان إماماً في هذا ثم جاء مسلم بن الوليد فتوسع في استخدامه حتى إذا جاء أبو تمام صار فيه صاحب منهج خاص عرف به.
وفي الأوزان والقوافي، ظهر طبع بشار من خلال الأبحر القصيرة ذات الإيقاع الراقص كما هو واضح فيما وصلنا من شعره( )، وهو حتى في الأبحر الشائعة كالبسيط كان يتوخى القوافي ذات الإيقاع الغنائي كما في قصيدته التي أولها( ):
يا منيَة القلبِ أني لا أسميك
أكني بأخرى أسميّها وأعنيكِ

أو في قصيدته الأخرى التي يراها ابن المعتز مثالاً حسناً في أحكام الوصف وحسن الوصف أولها( ):
جفا جفوةً فازوَّر إذ ملَّ صاحبهُ
وازرى بهِ أن لا يزالَ يصاحبُهْ

خليلي لا تستكثرا لوعةَ الهوى
ولا لوعةَ المحزونِ شَطَّتْ حبَائبه

أما فنون البديع ذات السمات الإيقاعية كالتجنيس والتكرار وسواهما، فيمكن النظر إليهما على نحو مباشر، في البيتين السابقين ـ على سبيل المثال ـ لأن ما فيهما يمكن أن نلحظه وسواه في سائر شعره. إذ نجد في البيت الأول: الجناس غير التام في (جفا: جفوة، صاحبة: يصاحبه) والتكرار في البيت الثاني في (لوعة الهوى) غير أن البديع في شعر بشار أقرب إلى العفوية منه إلى القصدية، وإن كان في شعره ظاهر السبب الذي ذكرته في الصفحة السابقة وإذا كانت "العرب لا تنظر في أعطاف شعرها، بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي، وتلاحم الكلام بعضه ببعض"( )، فإن بشاراً أولى بهم في عدم قصد التصنع والميل إلى الطبع ذي العمق الفني والأداء الجمالي وهو ما تميز به أسلوبياً على صعيد اللغة الشعرية كما نلحظه في المجاز ولا سيما الاستعارة.
يذكر ابن المعتز، أن من بديع الاستعارة عند المحدثين قول بشار بن برد( ):
شَربنا من فؤادِ الدّنِ حتّى
تركنا الدّن ليس لـهُ فؤادُ

وقوله في قصيدة أخرى( ):
حببتُ هواكَ على قلبهِ
ففاض وأعلنَ ما قد كتَمْ

وبيضاءُ يضحكُ ماءُ الشبا
بِ في وجهها لكَ أو يَبتسِمْ

ألا أيّها السائلي جاهلاً
ليعرفني أنا أنفُ الكرمْ

وقوله أيضاً( ):
تبعثُ عطاياهُ مواهبهُ
كالسيلِ متبعاً قفا مطرِهْ

فالجمل الاستعارية مثل (حببت هواك...) و(يضحك ماء الشباب...) و(تبعث عطاياه مواهبه) كلها استعارات ذات قرائن واضحة يمكن أن يتخيلها المتلقي أو أن يعيها، وهو فيها يسلك سبيل الأوائل في سائر استعاراتهم، أما حين يتميز من الأوائل بمنحى أو خصوصية أسلوبية معينة، فسينظر إليه المتمسكون بالقديم على أنه من قبيل الخطأ، على نحو ما يرونه في قوله( ):
وجذَّتْ رقابُ الوصلِ أسيافُ هجرِها
وجذتْ لرجلِ البينِ نَعلينِ من قدي

يقول ابن رشيق: ما أهجن "رجل البين" وأقبح استعارتها، ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، وكذلك "رقاب الوصل"( ). على أن هذا وما يجري مجراه في لغة بشار، إنما هو ميزة أسلوبية عنده، من جهة أن "دراسة الخصائص الأسلوبية في النتاج الأدبي ينبغي أن تتركز على العناصر التي تحد من حرية الإدراك لدى (مفكك السنن) أكثر مما تتركز على السمات التي يدركها آخر الأمر"( ).
فضلاً عن أن استعارة الرجل للبين (رجل البين) ممكن فنياً، بحكم القرينة المكانية المتخيلة بين دلالة (الرجل) و(البين) وهو في الشعر ممكن جداً، وكذلك استعارة الرقاب للوصل (رقاب الوصل) ولكن ابن رشيق ناظر إلى مدى استساغة العرف لهاتين الاستعارتين وما جرى مجراهما. وهذا حكم أخلاقي موضوعي، وليس نظراًً جمالياً شعرياً. ولا سيما أن مهمة المبدع شاعراً كان أو ناثراً هي "خلق سمات أسلوبية غير متوقعة من لدن أغلب القراء، لأن عدم التوقع يقوي الانتباه عند القارئ، وعندما يفاجأ هذا بإدراك هذه السمات، يكون المسنن عندئذ قد حقق هدفه، بإيصال، المقصدية والتأثير الأسلوبي في آن واحد"( ).
وهذا لا يدلل على خروج بشار عن طرائق القدماء في إبداع الشعر، إنما يكشف عن مدى تمسكه بها، من جهة انطلاقه منها، ومحاولة الإضافة إليها.
وقد أشار بعض الدارسين إلى تميز بشار في رسم الصورة الشعرية من خلال أسلوب المجاز ولا سيما الاستعارة، وقد أحدث "في الشعر ما يعرف عندنا اليوم بالتشخيص (Personification) أو توسع فيه. والتشخيص هو إخراج المعاني في صورة الأشخاص وربما كان بشار أسبق شعراء العربية إليه. ومثال ذلك في شعره قوله في الأبيات التي خاطب بها يعقوب بن داود( ):
طالَ الثواءُ على تنظر حاجة
شَمطتْ لديكَ فمن لها بخضابِ

فهو يستعير لحاجته المقيمة طويلاً عند يعقوب بن داود، المرأة العجوز الشمطاء التي طال بها الزمن في حاجة إلى الخضاب تستر به شيبها.
ويقول في قطعة أخرى غزلية( ):
عندها الصبر عن لقائي وعندي
زفرات يأكلنَ قلبَ الحديدِ



فجعل الزفرات مما يأكل، وذلك أيضاً ضرب من التشخيص.
ويقول أيضاً في الغزل( ):
وبيضاءُ يضحكُ ماَ الشبابِ
في وجهها لكَ إذ تَبْتَسِمْ

فجعل للشباب ماء، ثم أضفى عليه صفة الإحياء، وجعله يضحك"( ) هذه الخصوصية الأسلوبية في رسم الصورة عند بشار، أضفت على شعره طابعاً متميزاً "يغلب فيه التصور الذاتي الذي قد يخالف الموضوعية في بعض الأحيان، ومن هنا أيضاً كان الخصب في تصويره"( ) على أنه يتميز أحياناً بضرب من الاستقصاء في التصوير وميل إلى التفصيل في التشابيه، وربما كان ذلك بسبب من كونه بصيراً( )، فهو يحرص على التعويض.
بشار بن برد، الشاعر المولد، وأشهر المحدثين، وأول من سن البديع في لغة الشعر، الشاعر الذي لا يعلم الجاحظ أحداً يجاريه في المحدثين سوى أبي نواس( )، كان أكثر المحدثين تمسكاً بأساليب القدماء في قول الشعر، حتى دفعة طبعه الصادر عن طريقة العرب في إبداع الشعر إلى العناية بالمقومات البديعية حتى صارت ميزة أسلوبية في لغته، وإلى توخي الاستعارة حتى وصفه بعض الدارسين بالمبالغة، إذ عدوا من المبالغة أنه جعل (الزمان يموق) في قوله( ):
وما أنا إلا كالزمانِ إذا صحا
صحوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أموقُ

على الرغم من أن طبيعة الاستعارة على ما يقول ابن جني "لا تكون إلا للمبالغة وإلا فهي حقيقية"( ).
وقد كان متوخياً لصحة المعنى الشعري على وفق خصوصية الفن، موصوفاً بحسن الطبع في بناء اللفظ على اللفظ، وفي إصابة الوصف، ومناسبة عناصر لغة التشبيه، بعضها لبعضها الآخر، وفي مشاكله اللفظ للمعنى في لغة جملته الشعرية، ويعنى كثيراً بإيقاعية الوزن حتى اتصف شعره بالغنائية (التلحين الموسيقي) وكان متبعاً للقدماء ومجدداً في الوقت ذاته، في الاستعارة والتشبيه.
فإذا كان الذي جاء بعده قد أخذه عن القدماء مثله وطور في أسلوبه الشعري وأخذ عنه مضيفاً إليه، فإن ذلك يشير إلى تمسك بطريقة العرب في التعبير الشعري، ليس من جهة التمسك بمقومات الشكل الشعري والجمود عليها، إنما استحضار روحية فن الشعر الدالة على التجدد والمتضمنة معاني التغيير أو الحداثة.






(المبحث الثاني)
أبو نواس:


كان أبرز علم شعري ظهر بعد بشار، وإذا كان بشار قد أسس بأن أضاف، فقد أسس أبو نواس بأن تجاوز، وإذا كان سابقه قد تنازعته أشكال متعددة، يرجع بعضها لحياته بين الأعراب أو في البادية، وبعضها لحياة الحداثة الحاضرة، وبعضها الآخر وسط بين هذا وذاك، فإن أبا نواس شغلته حياته الحادثة، فكان أقرب إلى التجاوز وأدنى إلى الإضافة وأسرع إلى الحداثة، لذا جاء شعره حلقة مهمة ومرحلة مجددة، وإذا كانت حياة الحاضرة الجديدة قد نأت به عن حياة البادية الجاهزة فقد كان حريصاً على تحرير الشعر من تقليدية الحياة الجاهزة التي توارثت أجيال الشعراء وصفها وهي حياة البادية. وهذا لا يكشف إلا عن تمسكه بطرائق العرب في قول الشعر، ليس من جهة إعادة تقليد الشكل الشعري الجاهلي، وترسم خطى القدماء في وصف حياتهم، إنما من جهة خصوصية الحياة القديمة (الجاهلية) عند أهلها وصدقهم في وصفها، وشمولية الشكل الشعري واستيعاب لمعطيات الحياة التي حدثت وتحدث، وهذا احترام للأصول وانطلاق منها وتطوير لها في وقت واحد وهو ما يعبر عن الانتماء لا الخروج.
أضاف أبو نواس على ما جاء عند بشار، من جهة نظرته إلى المعنى والمعنى الشعري وصحة المعنى الشعري، واستقامة اللفظ انطلاقاً من دلالة القاعدة المستقيم في خلالها، ضمن السياق الشعري. وتطور معه مفهوم الوصف الشعري في أسلوب شعره بالشكل الذي أضاف فيه إلى من سبقه، وفي تناسب أجزاء النظم، دلالياً وإيقاعياً أحدث تجديداً، انطلق منه أبو تمام، أما لغة الاستعارة عنده فقد أسست لحداثة شعرية، إذا قيست بما جاء عند أبي تمام بعده فسيكون متميزاً فيها من أبي تمام وإن أخذ عنه أبو تمام ما كان من تجديد في الاستعارة وهذا كله ما سيحاول هذا المبحث أن يستعرضه.
كان المعنى الأخلاقي أو المفهوم التربوي للشعرية هو السائد والموجه في النقد العربي حتى عصر أبي نواس، ولم يكن النظر إلى المعنى الشعري سائداً وموجهاً، وهو ما لا ينمي التفرد الأسلوبي من جهة أنه "دراسة للخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقه الإخباري إلى وظيفته التأثيرية والجمالية( ) من هنا فهمت نظرة أبي نواس للمعنى الشعري، في نظر من يقومونها أخلاقياً على أنها تجاوز وخروج، على حين أن هذا شكل سمة في أسلوب أبي نواس كونه جاء تلقائياً بعيداً عن التصنع، وحين يغدو نسيج الإبداع الفني لدى الشاعر تلقائياً لا يصحبه الإدراك يصبح الأسلوب، بصمات تحملها صياغة الخطاب فتكون كالشهادة التي لا تمحي "وعلى هذا كان أسلوب أبي نواس، حتى إذا أخذ بتقليد أسلوب غيره ضعف شعره، والسبب في هذا اتصال أسلوبه الشعري بحرية حياته التي صدر عنها شعره( ).
لهذا كانت عنايته بالسياق الشعري، بعيدة عن أي مقوم آخر. فقد أخذ عليه بعض النقاد مثل قوله:
"يسبقُ طرفَ العينِ في التهابه"
إذ قال الجرجاني أن هذا "هو معنى عامي مبتذل"( ) انطلاقاً من مقوم أخلاقي ناظر إلى حدود العرف العام.
وتحت هذا المقوم الأخلاقي نظروا إلى حدود التشاؤم وعدم التفاؤل في قوله:
سلامٌ على الدنيا إذا ما فقدتمْ
بني برمكٍ من رائحينِ وغادِ

إذ ينبغي على الشاعر إذا مدح أن يتجنب المعاني التي يتطير منها( ).
وكذلك يعيبون عليه تناول المعاني الفلسفية أو ما يتصل بالمذهب الكلامي، لا على نية رفض أن يتم توظيف الشعر للفكر، وإنما ينبغي أن يكون الفكر موظفاً شعرياً، بل لأنهم خصوا معاني معينة بصفة الشعرية، لذا عيب عليه قوله( ):
سخنت من شدّة البرودةِ حتّـ
ـى صرت عندي كأنكَ النارْ

لا يعجبُ السامعونَ من صفتي
كذلكَ الثلجُ باردٌ حارْ

إذ يقول ابن رشيق: إن هذا مذهب كلامي فلسفي، ومثله قوله:
فيكَ خلاف لخلافِ الذي
فيهِ خلافُ لخلافِ الجميل


في حين لا يراه إلا مجيداً حين قال في التشكيك( ):
ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم
تغص بهِ عيني ويلفظهُ وهمي

أتتْ صورة الأشياءِ بيني وبينه
فظني كلا ظن وعلمي كلا علمِ

فإعجابهم تأتى من جهة مشاكلة اللفظ للمعنى، وغلبة قوة الصياغة أو السبك الشعري، وكأنهم ينظرون للشعر على أنه تجربة في صياغة اللفظ أكثر من كونه تجربة في التعبير الشعري.
ولكن أبا نواس في قوله: (فيك خلاف لخلاف...) استطاع على المستوى الأسلوبي أن يبني نسقاً متناسباً قائماً على التكرار، ليشكل متغيراً أسلوبياً غير مألوف إذا قيس بما هو شائع في التعبير عن معنى (الخلاف أو التخالف).
ومن هنا فقد أخذ النقاد واللغويون على أبي نواس في بعض لفظه الشعري ما يرونه عدم استقامة، ناظرين إلى ما هو شائع، حتى أن بعض الدارسين حين رأى الأمر شبه شائع في لغة أبي نواس شكك بقصور النقد، محسناً الظن بثقافة أبي نواس، إذ قال ابن قتيبة: أن أبا نواس "كان يلحن في أشياء من شعره، لا أراه فيها إلا على حجة من الشعر المتقدم، وعلى علة من علل النحو"( ).
ومما يؤاخذه عليه أهل اللغة من عدم استقامة اللفظ عنده قوله( ):
وصفُ كاسٍ محدثة ملكٍ
تيهُ مغنٍ وظرفُ زنديقِ

إذ جزم بالسكون "محدثة" لما تتابعت الحركات وكثرت، وأظنه هنا ضرورة شعرية يستقيم له بها إيقاع البحر المنسرح.
ومن مؤاخذات أهل النحو عليه ما جاء في قوله( ):
يا خيرَ من كانَ ومن يكون
إلاّ النبي الطاهرُ الميمون

برفع (النبي الطاهر الميمون) لأن قافية قصيدة النونية مرفوعة الروي بالضم، ومثل هذا قوله (يا ربي الجبار) فرفع "الجبار" وحقها النصب( ).
ومن مؤاخذات الصرفيين عليه ما جاء في قوله( ):
وإذا نزعت إلى الغوايةِ فليكنْ
لله ذاك النزعُ لا للناسِ

قال عبد العزيز الجرجاني: "وإنما هو نزع عن الشيء نزوعاً، وأبيات كثيرة يضعف عذره في معظمها، وإن كان باب التأويل يتسع، ومذاهب الاحتيال في النحو لا تضيق"( ).
ومما يؤخذ عليه (اللفظ المشترك) كما في قوله:
وخبنَ ما يخبنَ من آخر
منه وللطابن أمهارُ

إذ يرى أبو هلال: أن "الأمهار هنا جمع مهر، من قولهم: مهر يمهر مهراً، والمصادر لا تجمع، ولا يشك سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه"( )، كما أنكر عليه النحويون (صغرى وكبرى) بغير ألف ولام في قوله( ):
كان صغرى وكبرى من فواقعها
حصباء در على أرضٍ من الذهبِ

وهذا التقويم النقدي الصادر عن حدود القواعد اللغوية الصارمة، إذا لم ينظر إلى دور السياق في توجيه الدلالة الشعرية، فإنه يحد من خصوصية أسلوبية النص الشعري، ولا سيما أن الأسلوب عادة ما يفهم على أنه "التعامل الخاص للكاتب مع اللغة، وأنه الخصوصية اللغوية للكاتب في استعماله اللغة، مصطلحاً أو أداة فنية، بوصفها ممثلة لجانب إضافي من جوانب البناء الفني"( ).
على أن الخروج على قواعد اللغة وأعرافها في النص الشعري، إذا حقق خصوصية أسلوبية، وحضوراً للسياق في توجيه الدلالة، لا يعد خروجاً على عمود تلك اللغة مع اتساع باب التأويل فيها، وعدم ضيق مذاهب الاحتيال على رأي الجرجاني.
ويبدو أن عناية النقاد العرب القدماء، بصدور الشعر عن تجربة في الصناعة اللفظية الصادرة عن الطبع أولاً، أو الصناعة ثانياً، هو ما قادهم إلى توجيه دلالة اللفظ في سياق النص الشعري بالقاعدة المسبقة لا بالسياق الحادث، وهذا ما يفسر إعجابهم بانسيابية الجملة الشعرية حين تصدر عن الطبع أولاً، قال أبو هلال: "ومما لا يمكن حله، بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى، قول أبي نواس:
ألاَ يا ابن الذين فنوا وبادوا
أما واللهِ ما ذهبوا لتبقى

فتحمل المصراع الأول فنقول: ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا، فيحسن، ونقول في المصراع الثاني: لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا، أما والله، فلا يكون ذلك شيئاً، فتحتاج في نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه، فنقول: ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء، أما والله ما ظعنوا لتقيم، ولا راموا إلا لتريم، ولا ماتوا لتحيا، ولا فنوا لتبقى.
وفي هذه الألفاظ طول، وليس بضمائر على ما خبرتك، فإن أردت اختصاره قلت: أما والله إن الموت لم يصبك في أبيك إلا ليصيبك فيك"( ).
والواقع أن أسلوبية رسم المعنى في الشعر، سواء أكان حسياً أم تجريدياً متميزه من أسلوبية النثر، لا من جهة تركيب الجملة الشعرية فقط، بل من جهة أن أسلوب الشعر يكشف عن معنى شعري، فإذا نظرت إليه بمنظار صياغته نثراً، وتساوى لديك ما صغته فيه نثراً وما كان عليه في سياقه الشعري، سقط عن كونه في شكله الأولي شعراً ودلت نثريته على كونه نظماً لا شعراً.
وقد كان النظر إلى الأسلوب الشعري، من خلال ممارسة أساليب في الصياغة اللفظية الصادرة عن الطبع، وإلى المعنى من خلال التفرد في رصد زوايا النظر إلى الأشياء، أو مباشرة وصف ما لم يكن قد استعرضه الآخرون شعراً، عاملاً مباشراً في أن يعدوا الأساليب، تلك التي تجمع دقة الالتزام بقواعد الصياغة اللفظية مع تفرد في رسم الشيء الموصوف أو زاوية النظر إليه لأجل أن يحقق هذا الجمع، حضوراً في ذاكرة الرأي العام، من خلال الالتزام بالعرف. لذا يعد ابن رشيق أن من روائع أبي نواس قوله( ):
إذا امتحَن الدنيا لبيب تكشفتْ
لهُ عن عدوٍ في ثيابِ صديق

ويرى صاحب الوساطة، أنه مأخوذ من قول جرير( ):
بعثنَ الهوى ثم ارتمينَ قلوبنا
بأسهم أعداءٍ، وهنَ صديق

وواضح أن أسلوب هذا ليس كذاك، إلا من جهة أن كلاً منهما منذهل من انطلاق السهم عليه من كنانة صديق، وهذا ليس مقوماً أسلوبياً.
وهذا ما يكشف بشكل أو بآخر، عن مفهوم إصابة الوصف، الذي ينبغي أن يكون صادراً عن ذكاء وحسن تمييز، وقد "قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها وأنشد المبرد قول الأعشى:
فلو إنّ ما أبقينَ مني معلق
بعودِ تمامِ ما تأودَ عودُها

فقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه، ما أصاب الحقيقة فيه"( ) وقد قال أهل النظر "كان زهير أحصفهم شعراً، وأبعدهم من سخف، ... وأشدهم مبالغة في المدح"( ) مع أن "أحسن الوصف ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عياناً للسامع"( ).
هذا الفهم لفن الوصف في الشعر، مرتبط بأعراف اللغة من جهة وبأعراف الحياة المباشرة من جهة أخرى، أكثر من ارتباطه بالكشف عن الأسلوبية الشعرية، كما يشي بها الشكل الفني للنص الشعري، لذا كان طبيعياً أن يكون أبو نواس مخطئاً في قوله( ):
ابن لي كيفَ صرتَ إلى حريمي
وجنح الليلِ مكتحلُ بقارِ

لأن الاكتحال يكون بالأثمد، ولا يكون بالقار.
وكذلك في قوله في الناقة( ):
كأنما رجلها قفا يَدِها
رجلُ وليدٍ يلهو بدبوقِ

إذ يقولون أنها إذا كانت كذلك كان بها عقال، وهو من أسوأ العيوب، وأخذ عليه قوله في وصف الدار( ):
كأنها إذا خرست جارم
بين ذوي تفنيدة مطرق

"إذ شبه ما لا ينطق أبداً، بما ينطق في حال، وإنما كان يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وأطرق وانقطعت حجته بالدار، وإنما هذا مثل قائل قال: مات القوم حتى كأنهم نيام، والصواب أن يقول: نام القوم كأنهم موتى"( ).
وفي هذا السياق يقول ابن قتيبة، إن مما يؤخذ على أبي نواس قوله واصفاً عيني الأسد( ):
كأنما عينهُ إذا نظرت
بارزةُ الجفنِ، عينُ مخنوقِ

لأنه وصفه بجحوظ العين، وإنما يوصف الأسد بغؤورهما.
وهذا النظر إلى أسلوب الوصف في الشعر، صادر عن مقومات، تتطلب في حيثيات لغة الوصف أن تكون داخلة في جزئيات الموصوف، فإذا بالغ الوصف ينبغي أن تكون هناك قرائن تكشف بوضوح وليس بإيحاء عن فنية الوصف الشعري، في حين أن الأسلوب، يصدر عن مقومات الشكل الفني الجمالي، عند التفرد في استخدامها لحظة التعبير الشعري كما هي عند أبي نواس في هذه الأبيات وما شاكلها.
وهذا الأمر انسحب على النظر إلى أسلوب التشبيه الشعري، على الرغم من أنه: "مجاز وتخييل" إلا أن بعض الدارسين صار يرى لغة التشبيه من خلال تناسب عناصره في الأسلوب النثري، من دون أن يأخذ خصوصية السياق الشعري، ومن هنا فقد أخذوا على أبي نواس التشبيه الذي ينحرف عن السياق النثري إذا قيس إليه، وقبلوا ما وافق السياق النثري على أن الأسلوب الشعري مختص بسياقه الشعري ومتصل به، وقد امتاز أسلوب أبي نواس في التشبيه بتقدير حسن وجميل لتناسب عناصر التشبيه الشعري، لذا استحسن أبي قتيبة من تشبيهاته قوله، في النرجس( ):
لدى نرجسٍ غضِ القطاف كأنهُ
إذا ما منحناهُ العيون عيون

وقوله في الرشيد( ):
ملكٌ تصورَ في القلوبِ مثالهُ
فكأنه لم يخلُ منهُ مكانُ

ما تنطوي عنه القلوبُ بفجرهِ
إلا يكلمهُ بها اللحظانُ

أما الجرجاني فيرى أبا نواس، وقد صافح السماء، وتناول النجوم، في مثل قوله في صفة الخمرة( ):
فتمشتْ في مفاصلهم
كتمشي البرء في السقمِ

ومن مثل قوله( ):
فإذا علاها الماءُ ألبسها
زبداً شبيه جلاجلِ الحجلِ

حتّى إذا سكنت جوانحُها
كتبتْ بمثلِ أكارع النملِ

خطينِ من شتى ومجتمعٍ
غفل من الأعجامِ والشكلِ

ومن مثل قوله أيضاً( ):
وكاس كمصباحِ السماء شَربتها
على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ

أتت دونها الأيامُ حتّى كأنها
تساقط نور من فتوق سماءِ

فقد تميزت أسلوبية أبي نواس في التشبيه، من جهة تناسب مقومات التشبيه لا على أساس صلتها بالواقع أو مادية الموصوف، إنما بوحي من شعرية الجمع بين ركني التشبيه لرسم الصورة الشعرية، على الرغم من أن العرب في عصر أبي نواس الحضاري أو في عصور الحضارة "قد رغبوا عن الاسترسال في التشبيه، إلا أنهم قد حافظوا على ميلهم القديم إلى حكاية المشبه به، ولكن الحياة تحولت عندهم، من إدخال صورة في صورة، إلى النقل الظاهري لصورة المشبه به"( ) وهو ما عرف بـ (المقاربة في التشبيه).
أما صحة النظم وجزالته عند أبي نواس فصادره عن طبع شعري رفيع اتصف به، لذا لم يكن مقلداً ـ على مستوى البناء ـ ونادراً ما مال في قصائده الذاتية إلى تقليد الجاهليين، وقليلاً ما يطيل في الأغراض المشهورة إلا في المديح، وقد اتسم نظمه بسمتين رئيستين: السمة الأولى هي استعماله الألفاظ غير العربية "فقد أفرط أبو نواس حتى استعمل زنمردة، وبازبندة، وباريكندة، وغير ذلك"( ) والسمة الثانية، أن نظمه الشعري يجري بانسيابية عن طبع سمح لا أثر للصفة فيه، وهو فيه أشبه بطبع شعراء البادية التي لا يبدع في وصفها قدر إبداعه في وصف حياته الحادثة، على نحو ما في قوله( ):
سكرت من لحظهِ لا من مدامتهِ
ومالَ بالنوم عن عيني تمايلهُ

وما السلاف دهتني بل سوالفه
ولا الشمول زهتني بل شمائلهُ

ألوى بصبري أصداغ لوين له
وغل صدري ما تحوي غلائلهُ

انسيابية اللغة تكشف عن طبع سمح وحس غنائي مرهف، فكان من الطبيعي أن تتشكل أجزاء النظم عنده في الجملة الشعرية ثم في البيت ثم في النص الشعري، حتى أكثر من قول الشعر على الأبحر القصيرة أو ذات الإيقاع الراقص، كما في قوله( ):
يا عاقدَ القلبِ مني
هلاّ تذَكرت حلا

تركت مني قليلاً
من القليلِ أقلا

يكادُ لا يتجزَّأ
أقلُ في اللفظِ من لا

ودقة تناسب أجزاء النظم في لغة أبي نواس، على نحو فني جمالي إنما كان بسبب كونه أحد المطبوعين( )، حتى تهبط لغته إلى العامية في سهولتها، على أن هذه السهولة هي سمة أسلوبية تميز بها أبو نواس، من مثل قوله معتذراً إلى الأمين( ):
بك استجيرُ من الردى
وأعوذُ من سطواتِ باسكْ

وحياة راسك لا أعو
د لمثلها وحياة راسكْ

فإذا قتلت أبا نوا
سك من يكون أبا نواسكْ

فكان طبيعياً أن يشهد أسلوب شعري كهذا، تجديداً في مستواه الصوتي، من جهة دخول عناصر إيقاعية أو مقومات صوتية جديدة، ولا سيما أنها كانت في عصر أبي نواس سمة عامة في الشعر. فقد جدد أبو نواس في الأوزان والقوافي، أما التجديد في الأوزان فكان سمة العصر، إذ استخدم كثير من الشعراء، المزدوج والمبسط والمخمس وغير ذلك( ).
وقد بلغ الأمر بأبي نواس أن استعاض عن القافية بأصوات لا تكتب، إذ جاء "بإشارات لم تجر العادة بمثلها، وذلك أن الأمين قال له مرة هل تصنع شعراً لا قافية له؟ قال نعم وصنع من فوره ارتجالا"( ) بقوله:
ولقد قلتُ للمليحةِ: قولي
من بعيدٍ لمن يحبكِ: "... إشارة قبلة"

فأشارتْ بمعصمٍ ثم قالتْ
من بعيدٍ خلافُ قولي: "... إشارة لالا"

فتنفستُ ساعة ثم أني
قلتُ للبغلِ عند ذاك: "... إشارة امش"


وهذا أمر يكشف عن السمات التي صار إليها الشعر في "أن يكون له موقف، وأن يتجاوز مجرد إثارة الانفعالات والأحاسيس، فهذه من أبسط الأمور، بل إن أرخص أنواع الأدب يمكن أن يثيرها، أما القضية الجديدة، فهي أن يكون للشعر موقف، ويتبنى قضية ما، أو يعمل على تقويم الحياة أو إعطائها معنى جديداً"( )، أي أن الشاعر تجاوز التعبير عن المشاعر الآنية بمعنى أن الشعر صار عنده صناعة "يتخذها فريق متخصص من الناس حرفة، حتى أصبح قرضه عملاً كسائر الأعمال العضلية أو العقلية"( ) وهو أمر يشير إلى الحرص على التميز من جهة وإلى خصوصية استخدام أدوات التعبير الشعري من شاعر لآخر، الأمر الذي يعني العناية بمقومات الشكل الشعري بدءاً من الإيقاع، انطلاقاً مما تواضع عليه السابقون والإضافة إليه أو تجديده، مما يعني عدم خضوعه لمعايير مطلقة في ثباتها قبل القول، ولا أن ينظر إليه من خلال مقومات مخصوصة يتم الاحتكام إليها حصراً في قراءة الشعر وتوجيهه.
هذه الخصوصية التي ميزت أساليب الشعراء، واتصف بها كل واحد من الكبار بالشكل الذي حقق تفرداً أسلوبياً ميزه من غيره، قد رافقها تجديد، من خلال المنبهات الأسلوبية المتحققة في اللغة الشعرية عبر أساليب رسم الصورة الفنية مجازياً، وقد كانت لغة الاستعارة، هي المحك والمنطلق البديعي الذي احتكم إليه كثير من النقاد، احتكام نظر موضوعي عقلي، وليس احتكام تأويل فني مجازي، فكان أن نظروا إلى الاستعارة موصولة بقرينة عقلية، وليس بسياق فني، كونهم يتطلبون الاستعارة القريبة التي يبدو التناسب بين المستعار منه والمستعار له واضحاً على نحو يبعده عن الغموض متصفاً بقرب المآخذ، فكانت الاستعارة القريبة المآخذ منظوراً إليها على أنها صادرة عن شاعر مطبوع جار على سنن الأقدمين بعيد عن التكلف أما الشاعر الذي تتصف لغة الاستعارة عنده بالبعد عن القرينة، والحاجة إلى طول النظر في تأمل دلالة التناسب بين عناصر الاستعارة، بالشكل الذي تكون فيه، بعيدة المآخذ، مفتوحة على التأويل فشاعرها صناع ماهر، خارج على سنن الأقدمين.
ولما كانت استعارة أبي نواس صادرة عن طبع شعري رفيع وذوق جمالي صاف، تنطلق من ذات الشاعر، غير محدودة بمعقولية القرائن، يوحي بدلالتها الجمالية سياق النص، بوصفها منبهاً أسلوبياً، فقد جاءت كثير من استعاراته موافقة لمعايير نقد القدماء، وكثير منها لم يصل معها النقد المحتكم إلى مقومات مسبقة أو غير نصية أحياناً إلى حكم نقدي جمالي.
وقد أعجبت القدماء استعارات أبي نواس من مثل قوله في الخمرة( ):
صهباء تفترسُ العقول فما ترى
منها بهنَ سوى السباتِ جراحا

وقوله أيضاً( ):
في مجلسٍ ضحكَ السرور بهِ
عن ناجذيهِ وحلت الخمرُ

وقوله كذلك( ):
عرم الزمانُ على الذين عهدتهم
بكَ قاطنين، وللزمان عرامُ

إذ يعد ابن المعتز في كتاب البديع هذه الأبيات أمثلة على جميل استعارات أبي نواس. أما أبو هلال فيذكر من جميل استعارات المحدثين قول أبي نواس( ):
فاسقني البكر التي اختمرت
بخمار الشيب في الرحمِ

ثمت إنصات الشباب لها
بعد أن جارتْ مدى الهرمِ

فهي لليوم الذي نزلتْ
وهي تلو الدهر في القدمِ

وقوله( ):
فاستنطق العود قد طالَ السكوت بهِ
لن ينطقَ اللهو حتى ينطق العود

وقوله( ):
شمولاً تخطتهُ المنون وقد أتت
سنون لها في دنها وسنونُ

أما ابن رشيق فيذكر في العمدة أبياتاً يشير بها إلى بديع استعارات أبي نواس منها في قوله( ):
بصمن خداً لم يغضِ ماؤهُ
ولم تَغضِهِ أعين الناسِ

إذ يقول: إن البديع كل البديع في الاستعارة (لم تغضه أعين الناس) وفي قوله أيضاً( ):
فإذا بدا اقتادت محاسنه
قسراً إليه أعنة الحدقِ

مشيراً إلى الاستعارة في (أعنة الحدق).
ومع الاستعارة هناك (الإشارات اللمحة) كما في قوله يصف يوماً مطيراً( ):
وشمسهُ حرّةٌ مخدرةٌ
ليس لها في سمائها نورُ

قال ابن رشيق: إن قوله: "حرة" يدل على ما أراد في باقي البيت، إذ كان من شأن الحرة الخفر والحياء، ولذلك جعلها مخدرة، وشأن القيان والمملوكات التبذل والتبرج وأما زعم من زعم أن قوله "حرة" إنما يريد خلوصها، كما تقول: هذا العلق من حر المتاع، فخطأ، لأن الشاعر قد قال: ليس لها في سمائها نور"( ).
ويذكر ابن رشيق مع الاستعارة عند أبي نواس، ما يسميه بـ (مليح الرمز) كما في قوله يصف كؤوساً ممزوجة فيها صور منقوشة( ):
قرارتها كسرى وفي جنباتها
مها تدريها بالقسي الفوارسُ

فللخمرِ ما زرت عليه جيوبها
وللماءِ ما دارت عليه القلانسُ

يقول: "إن خذ الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكؤوس إلى التراقي والنحور، وزبد الماء فيها مزاجاً، فانتهى الشراب إلى فوق رؤوسها، ويجوز أن يكون انتهاء الحباب إلى ذلك الموضع لما مزجت فأزبدت"( ).
من ذلك نخلص إلى ما يتطلبه النقد القديم من الاستعارة، أي قرب المآخذ وتناسب المستعار منه والمستعار له (المشبه والمشبه به) لأن ملاك الأمر عندهم تقريب الشبه في الأصل ولما كان هذا نظراً عقلياً ذوقياً أكثر منه شعرياً جمالياً، فقد تطلبوا فيمن يقدم عليه أن يكون فطناً ذا ذهن متقد وعقل ثاقب. على حين أن شعر المحدثين من طبقة أبي نواس صادر عن تجربة ليست هي ذاتها تجربة من سبقهم، ولكن النقد الذي يقرأ تجارب الشعرية، يحتكم عند نقدها إلى معايير نقدية مستوحاة من النص القديم، على الرغم من كون هذا النقد يرى في شعر المحدثين قرباً من الحياة الحاضرة أو الحادثة لأنه يمثلها وصادر عنها، ومن هنا فقد "ترتب على اختلاف تجربة القدماء عن المحدثين" إن المعنى عند المحدثين صار أكثر إبداعاً لا من حيث تعميق المعاني القديمة وحسب، بل أيضاً من حيث ابتكار معاني جديدة لم تخطر للأوائل. وهي أن المعنى الجديد أدى إلى استخدام ألفاظ جديدة، مما أدى بدوره إلى أن الكلام، أو أسلوب التعبير، صار أكثر رقة وسهولة، فالشعر المحدث لم يستخدم الألفاظ الصحراوية القديمة، بل استخدم ألفاظ الحياة المدنية، وهذا هو السر في تحول الناس عن الشعر القديم إلى الشعر الجديد"( ) وقد صاحبت حداثة الحياة الحاضرة والألفاظ المتداولة بنية استعارية شاع استخدامها في اللغة الشعرية عند أبي نواس ومعاصريه، حتى مهدوا لمن جاء بعدهم أن يضيف إليها حتى أخذوها على أبي نواس، فأكثر من الاستعارات التي عدوا أبا نواس فيها خارجاً على ما ألفوه.
أما الاستعارات التي أخذت على أبي نواس، بسبب من النظر إلى حدود التناسب العقلي بين المستعار منه والمستعار له، فيمكن الإشارة إلى بعضها.
فقد أخذ عليه ابن قتيبة قوله( ):
حتّى الذي في الرحم لم يك صورة
بفؤادهِ من خوفهِ خفقان

لأنه في نظر ابن قتيبة قد "جعل لما لم يخلق بعد، ولم يصور فؤاداً يخفق"( ) إذ يتوخون الاستعارة القريبة، وقد قال ابن رشيق: "لو كان البعيد أحسن استعارة من القريب، لما استهجنوا قول أبي نواس:
بحّ صوتُ المال مما
منكَ يَشكو ويصيحُ

فأي شيء أبعد استعارة من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح، مع أن له صوتاً حين يوزن أن يوضع"( ).
ومن قبيح استعارات أبي نواس ـ عند أبي هلال العسكري ـ قوله في الخمر:
توهمتها في كأسها فكأنما
توهمتُ شيئاً ليس يدركُ بالعقلِ

وصفراءُ أبقى الدهر مكنون روحها
وقد ماتَ من مخبورها جوهر الكلِّ

فما يرتقي التكييف منها إلى مدى
تحدّ بهِ إلا ومن قبلهِ قبلِ

إذ يعده فيها خارجاً إلى المحال، مشوباً بسوء الاستعارة وقبيح العبارة لأنه جعلها، لا تدرك بالعقل، وجعلها لا أول لها، وقوله: "جوهر الكل" و"التكييف" في غاية التكلف، ونهاية التعسف، ومثل هذا من الكلام مردود، لا يشتغل بالاحتجاج عنه له، والتحسين لأمره"( ).
ويأخذون عليه قوله في باب المبالغة، مادحاً الرشيد( ):
وأخفتَ أهلَ الشّركِ حتّى أنهُ
لتخافُكَ النطفُ التي لم تخلقِ

يرى الجرجاني أن هذا "من المحال الفاسد، وله باب غير هذا، وكل هذا عند أهل العلم معيب مردود، ومنفي مرذول، وإن كان أهل الأغراب، وأصحاب البديع من المحدثين، قد لهجوا به، واستحسنوه، وتنافسوا فيه، وبارى بعضهم بعضاً به".( )
لم يرض القدماء عن هكذا أسلوب استعاري، لأن الشاعر فيه، يعمد إلى رسم الصورة الشعرية، ناظراً إلى ما يراه، وصادراً فيه عن تجربته "فالصورة التي يخلقها بدءاً من الأشياء المحسوسة الفانية، لا تهدف إلى وصف هذه الأشياء الخارجية بذاتها، وإنما تهدف إلى أن تطيل حركتها الداخلية، كأن الأشياء هي التي تكشف عن نفسها في ذات الشاعر فكل صورة رمز، والكلمات جزء من حركة النفس، وحركة الشيء، وهكذا بخلق الشاعر عالماً سحرياً يسيطر فيه على الأشياء والأخلاق والعادات، خارج كل قمع أو كبت"( ).
ومن خلال هذا فإن أبا نواس لم يكن خارجاً عن سنن الأقدمين في قول الشعر لأنهم قالوا أشعارهم بوحي من تجاربهم النابعة عن عصرهم بكل مقوماته وتناقضاته، فكانوا صادقين بصدورهم عن طبق استلهم الواقع انطلاقاً من الذات وعبر شعراً. فالقدماء صادقون في طبعهم الشعري لأنهم لم يخرجوا عنه، وهكذا كان أبو نواس غير خارج على سنن الأقدمين لأنه كان صادقاً في صدوره عن طبعه الشعري هو بعيد عن تقليد طبع الأقدمين، وهو ما جعل لغته الشعرية مميزة بسمات أسلوبية كان فيها مجدداً في المستوى المعجمي والمستوى الصوتي وكذلك في المستويين التركيبي والدلالي وإن كان الذين قرأوا شعره بوحي من العرف الشعري الجاهلي قد أخذوا عليه بعض السمات الأسلوبية في المعجم أو الإيقاع أو التركيب أو الدلالة كونهم قد انطلقوا من معايير مسبقة مستوحاة من نص سابق، أما هو فلم يعبر شعرياً سوى ذاته الفردية أو الحضارية، تاركاً لذاته حرية التعبير بالشكل الذي وصلت فيه المتلقي بأسلوبها هي.


رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 10 )  
قديم 2014-04-08
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق




(المبحث الثالث)
ـ مسلم بن الوليد:


مسلم بن الوليد (ت 208هـ) الذي لقبه ابن رشيق بـ (زهير المولدين) لعنايته بصنعة الشعر، وإبطائه فيها بغية الإجادة( ) وهو أول من حاول أن يجعل بلاغة القصيدة شبيهة ببلاغة النص القرآني كما يحددها الرماني"( ) التي يعدها "إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ"( ) ذلك أن مسلماً كان سباقاً إلى تلطيف المعاني وترقيق القول، أو كما يقول ابن قتيبة من أنه "أول من ألطف في المعاني، ورقق في القول وعليه يعول الطائي في ذلك، وعلى أبي نواس"( ) ولأنه في تلطيف المعاني وترقيق القول، أول من حاول أن يجعل الشعر إبداعاً جمالياً من خلال الألفاظ، فقد نظر إليه الآمدي في الموازنة على أنه "أول من أفسد الشعر ثم اتبعه أبو تمام واستحسن مذهبه"( ) ومن هنا كان "فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع وهو لقب هذا الجنس البديع واللطيف"( ) لأنه "أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر منها، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم إلا النبذ اليسيرة"( ) حتى كان فيما يقول مهرويه" أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد جاء بهذا الفن الذي سماه الناس البديع"( ) وابن المعتز يراه تلميذاً لبشار بن برد لأن بشاراً أول من جاء به أما مسلم فقد وسعه( ).
والذي يبدو من خلال هذا، أن نهج البديع عند مسلم خصوصية أسلوبية كونه يكشف عن تعامله الخاص باللغة ومعها، على صعيد اللفظ والتركيب وما يترتب على سياقهما من آثار إيقاعية أو دلالية، لأن الأسلوب "أثر يحدد المضمون الإخباري للإشارة (بالتضاد أو بالتوافق) ولا يمكن تعريفه إلا عبر القارئ، فهو أثر على القارئ، فإما أن يكون الانتظار مخيباً، وإما أن يكون تاماً"( ) من جهة أن المتلقي حين يقرأ قصيدة ما، فسيلحظ "أن التراكيب تولد الإبدالات الخاصة، وأن هذه الإبدالات تولد التراكيب بدورها، بمعنى آخر. فإن القصيدة تولد قانونها الخاص، وتكون القصيدة فيه الرسالة الوحيدة"( ) أي أن ما جاء في لغة مسلم تجديد وأثر أسلوبي اتصفت به لغته انطلاقاً من خصوصيته الفردية في التعبير الشعري، التي لم يكن فيها خارج نظام القصيدة العربية القديمة، إنما منطلق منه، وذلك أنه لما كان النقاد في القرنين الهجريين، الأول والثاني على نحو خاص، ينظرون إلى لغة الشعر عند المحدثين على أنها مما يجوز لهم الاستشهاد بمعانيها، على حين يستشهد ـ من القدماء بالألفاظ، فقد صار الشعر "المولد أو المحدث ـ إذا صح ـ كان لصاحبه الفضل البين بحسن الاتباع ومعرفة الصواب، مع أنه أرق حوكاً وأحسن ديباجة"( ) وكان القدماء قد سبقوا المحدثين إلى كل معنى بديع، ولفظ جزل، ومن هنا كان أمام المحدثين، طريقان للتجديد أو الحداثة الشعرية: الطريق الأول، يتمثل في أساليب إنتاج الدلالة الشعرية بالشكل الذي تتميز فيه معاني المحدثين من معاني القدماء الأمر الذي جعل معاني المحدثين تتصف بالعمق وتوخي الصنعة فيها والإيغال في استخدام أساليب المجاز ولا سيما الاستعارة، الأمر الذي جعل من يقرأهم بالاحتكام إلى الشعر الجاهلي، يعدهم خارجين عن سنن الأقدمين التي انطلقوا منها مبدأ سعوا إلى تطويره وتحديثه. أما الطريق الثاني فمتصل بالأول ومكمل له، وهو:
لما كان النقاد ولا سيما اللغويون قد عدوا القدماء متقدمين في اللفظ يستشهد بهم فيه لا بالمحدثين وليس للمحدثين إلا حسن الاتباع، فهم متبعون كلام من سبقهم من الجاهليين "ولولا أن الكلام يعاد لنفد"( ) فقد دفع هذا الأمر المحدثين إلى تطوير أساليب صياغة اللفظ في خلال ما عرف بالبديع فكانوا مع أول من جاء به وهو بشار غير ملحوظين على نحو بارز لأن تقصده أو توخيه لم يكن قد صار صنعة لافتة للنظر لا مع بشار بن برد ولا مع أبي نواس، فالأول بارع في قول الشعر على ضروب شتى مع طبع تختفي معه قصدية الصنعة أو توخي البديع يتصرف في كل طريق ويبدع في كل مذهب، إن شاء جد وإن شاء هزل، مما جعل أثر الصنعة البديعية غير لافت للنظر، أما مع مسلم بن الوليد الذي نظر إلى أستاذه بشار وأخذ عن معاصره أبي نواس فقد كان توخيه البديع ظاهراً وقصده إليه لافتاً للنظر، فقد كان "مسلم يلزم طريقاً واحداً لا يتعداه"( ) ويجري "على وتيرة واحدة لا يتغير عنها"( ) الأمر الذي كشف عن صنعته البديعية وجعل الناظرين إليها بعين الشعر القديم يعدونها فساداً( ). وهذا ما يمكن أن نقرأه على نحو يؤيد ما أذهب إليه بشكل غير مباشر عند الصولي أكبر مدافع عن الشعراء المحدثين، إذ قال: "إن ألفاظ المحدثين منذ عهد بشار إلى وقتنا هذا، كالمتنقلة إلى معان أبدع، وألفاظ أقرب، وكلام أرق، وإن كان السبق للأوائل، بحق الاختراع والابتداع، والطبع والاكتفاء، وأنه لم تر أعينهم ما رآه المحدثون، فشبهوه عياناً، كما لم ير المحدثون ما وصفوه هم مشاهدة، وعانوه مدة دهرهم، من ذكر الصحارى والوحش والإبل والأخبية، فهم في هذا أبداً دون القدماء، كما أن القدماء فيما لم يروه أبداً دونهم. وقد بين أبو نواس هذا في قوله:
صفة الطلولِ بلاغة القدمِ
فاجعل صفاتك لابنة الكرمِ

وإذا وصفتَ الشيء متبعاً
لم يخلُ من زللٍ ومن وهمِ

لأن المتأخرين إنما يجرون بريح المتقدمين، ويصبون على قوالبهم، ويستمدون بلعابهم، وينتجعون كلامهم، وقلما أخذ أحد منهم معنى من متقدم إلا أجاده وقد وجدنا في أشعار هؤلاء، معاني لم يتكلم القدماء بها، ومعاني أومأوا إليها، فأتى بها هؤلاء وأحسنوا فيها، وشعرهم مع ذلك، أشبه بالزمان، والناس له أكثر استعمالاً، في مجالسهم وكتبهم وتمثلهم ومغالبهم"( ).
فالصولي يقدم المحدثين في ابتكار معان جديدة، لم يعرفها الجاهليون، ومن هنا فجودة النص الشعري، تحقق لهم السبق في هذه المعاني بعيداً عن السبق الزمني أو تقليد النهج السابق، ومن جهة أخرى كشف عن خصوصية المحدثين في صدورهم عن تجاربهم الشعرية المستوحاة من بيئتهم حتى جاءت بأساليب مخصوصة، كون خصوصية الأسلوب من خصوصية الطبع، وكشف من جهة أخرى عن أن بعض النقاد ولا سيما أصحاب المنهج اللغوي منهم، قد انطلق من مقومات النص الجاهلي في الحكم للنص المحدث فجاء حكمه على النص لا فيه غالباً.
من خلال ما سبق فإن مسلماً لم يخرج على سنن الأقدمين في صنعة الشعر، إنما أراد أن يميز نفسه من السابقين لتميز عصره عما سبقه، فكان جارياً على نهج الأوائل سوى في منحيين أخذه بعض النقاد عليهما على أنهما ميزتان أسلوبيتان في اللغة الشعرية عنده: المنحى الأول: توخي المحسنات البديعية على المستوى الإيقاعي والثاني توخي هذه المحسنات على الصعيد المجازي ولا سيما الاستعارة، كون النقاد حتى عصر مسلم وما بعده قد عدوا الاستعارة جنساً بديعياً، وفيما عدا هذين المنحيين الأسلوبيين عنده، فإنه ممدوح عند النقاد في أساليب، الوصف والتعبير عن المعنى وتناسب التشبيه وفي التحام أجزاء النظم وتركيب القصيدة.
ومن دقته في التعبير عن المعنى ما قاله (صاحب العيار) من أن "المعنى الصحيح الحسن البارع الذي قد أبرز في أحسن معرض وأبهى كسوة وأرق لفظ هو قول مسلم بن الوليد الأنصاري( ):
وإني وإسماعيل بعد فراقهِ
لكالغمدِ يوم الروع زايلهُ النصلُ

فإن أغْشَ قوماً بعدهُ أو ازرهم
فكالوحشِ يدنيها من الأنسِ المحلُ

ويقول ابن المعتز: أن في البيتين "معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة"( ) ولا شك في أن إعجاب ابن المعتز وابن طباطبا العلوي وابن قتيبة بهذا الأسلوب في التعبير عن المعنى الشعري صادر عن كونه شائعاً عند القدماء، فضلاً عن أن مكونات جملة التشبيه في كلا البيتين جاءت متناسبة على نحو جميل.
وفي هذا السياق امتدحوا قوله( ):
وردت رواق الفضلِ فضل بن خالدٍ
فحطَّ الثناء الجزل نائلهُ الجزل

بكفّ أبي العباس يستمطرُ الندى
وتستنزلُ النعمى ويُسْتَرْأفُ النصل

ويستعطف الأمر الأبيّ بحزمهِ
إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا قتل

إذ يعد أبو هلال هذا الشعر من "الجزل المختار الذي تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها"( ).
ولا شك في أن انسيابية تعبير الرؤية الشعرية وصفاً على نحو تقليدي، هو الباعث على الإعجاب عند أبي هلال، مثله مثل قوله( ):
وخال كخالِ البدر في وجهِ مثلهِ
لقينا المنى فيهِ فحاجزنا البذل

والواقع أن مسلماً يحرص في تشبيهاته على تناسب مكونات التشبيه، بفطنة وحسن تقدير، كما في قوله( ):
ولما تلاقينا، قضى الليل نحبهُ
بوجهٍ كوجهِ الشمسِ ما أن له مثل

وخالٍ كخالِ البدر في وجه مثلهِ
لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل

وماء كماء الشمس لا يقبل الأذى
إذا درجت فيه الصبا خلته يغلو

مع جزالة اللغة وجماليتها وبعدها عن التعقيد من حيث الجملة الشعرية، أو على صعيد بنية البيت الشعري، كانت هناك دقة فنية في التحام أجزاء النظم، على صعيد البيت وبناء القصيدة، فكان يعجب النقاد في حسن تخلصه أو في استطراده، إذ ذكروا له من بديع خروجه أو تخلصه من الموضوع إلى الغرض، من قبيل خروجه من وصف الخمرة إلى المدح، قوله( ):
إذا شئتما أن تسقياني مدامةً
فلا تقتلاها، كل بيتٍ محرمُ

خلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا
فأثر في الألوان منا الدم الدمُ

ويقظى ثنيت النوم فيها بسكرةٍ
لصهباء صرعاها من السكر نُوّمُ

فمن لامني في اللهو أو لام في الندى
أبا حسنٍ زيد الندى فهو ألومُ

أو كما يقول العسكري: من ظريف استطراده( ):
أجدك ما تدرين أن رب ليلةٍ
كأن دجاها من قرونكَ ينشرُ

لهوت بها حتّى تجلتْ بعرَّةٍ
كغرة يحيى حين يذكرُ جعفرُ

كل هذا يكشف عن مدى تفنن مسلم بن الوليد في طريقة قول الشعر، إذ بلغ أن جعل شعره "لا يكاد يخلو من صورة بيانية بديعة، وجمع في شعره بين مواتاة الطبع وإحكام الصنعة، حتى ليلتبس الأمر على قارئ شعره، فلا يعرف فيه موطن الصنعة... فقد بلغ بالبديع قريباً من الكمال... ولم يصل به إلى درجة التكلف( ) ولكنه فيه مستلهم للقديم أسلوباً وطريقة تعبير، إلا أنه حين عمد إلى التجديد أو ظهرت في شعره بواكير حداثة تميزه من السابقين، عده النقاد مفسداً للشعر( ) وإن كان هذا الذي يرويه إفساداً إنما هو إحداث فني أسلوبي جمالي يمكن أن نضعه في منحيين: الأول: المنحى الإيقاعي والثاني المنحى الاستعاري.
ومما أخذه عليه النقاد في باب الاستعارة قوله:
وليلة خلست للعين من سنةٍ
هتكتُ فيها الصبا عن بيضة الحجلِ

فاستعار للحجل.. يعني الكلل ـ بيضة، كما استعارها امرؤ القيس للخدر في قوله:
وبيضةُ خدرٍ لا يرامُ خباؤها
تَمتعتُ من لهوٍ بها غير معجلِ

وكلاهما يعني المرأة، فاتفق لمسلم سوء الاشتراك في اللفظ، لأن بيضة الحجل من الطير تشاركها، وهي لعمري حسنة المنظر كما عرفت، وقال في موضع آخر:
رمت السلو وناجاني الضمير بهِ
فاستعطفتني على بيضاتها الحجلُ

فما الذي أعجبه من هذه الاستعارات قبحها الله!!؟ لو قال "الكلل" لتخلص، وأبدع فكان تبعاً لامرئ القيس في جودة الاستعارة( ).
إذ يرى أن استعارة "بيضة الخدر للمرأة عند امرئ القيس مقبول، ولكن استعارة "بيضة الحجل" للمرأة عند مسلم غير مقبول. لأنه لم يكن مقلداً بدقة لامرئ القيس ثم إنه قصد بـ "الحجل" الكلل. وهي إحالة ثانية بالكلام، تبعده عن الأصل كما جاء عند امرئ القيس، وهذا نظر يقع خارج حقل الشعر الذي ينبغي أن ننظر إليه على أنه "حقل تخييل لا حقل تعقيل"( ) ومسلم في هذه الاستعارة ارتفع باللغة عن مستوى التقليد إلى ما تكون فيه خطاباً فنياً، وهو هنا كما هو في قوله الذي أعجب النقاد وهو( ):
تجري الرياح بها حسرى مولهة
حتّى تلوذُ بأطرافِ الجلاميدِ

إذ استعار للرياح صورة المرأة الحسرى المولهة، ليرسم بوساطة أسلوب الاستعارة صورة الصحراء الموحية بالغربة، وكان وضوح الصورة الصادر عن تناسب أركان جملة الاستعارة كان باعثاً على الإعجاب، في حين صار خروجه على نمط استعارة شائع كما عند امرئ القيس، عيباً في أسلوب الاستعارة عند مسلم.
أما في المنحى الإيقاعي فقد كان أسلوبه مميزاً على نحو لافت للنظر، إذ اعتمد في توليد مكونات البنية الإيقاعية في شعره ليس على عناصر تخص الأوزان الطويلة أو القصيرة الراقصة ذات الإيقاع الغنائي أو القوافي ذات الجرس المؤثر فقط كما هو شائع في اللغة الشعرية في عصره.
فقد اعتمد على محسنات بديعية ذات طبيعة إيقاعية، شكلت سمة أسلوبية بارزة في لغته، مثل: الترصيع في قوله( ):
كأنه قمرٌ أو ضيغمٌ عصر
أو حيّةٌ ذكر أو عارضٌ هطل

إذ يعد ابن رشيق هذا من بديع الترصيع، ومثل هذا قوله( ):
يورى بزندكَ أو يسعى بجدكَ أو
يفرى بحدك.. كل غير محدودِ

وكذلك يعمد كثيراً إلى بديع التجنيس كما في قوله( ):
دار الغواني بدلت أطلالها
حور المها وشوادن الغزلانِ

لعبت بها حتى مَحت آثارها
ريحان رائحتان باكرتانِ

أو كما في قوله( ):
يا صاح إن أخاكَ الصب مهمومُ
فارفق بهِ إن لومَ العاشق اللومِ

إلا أنهم يعدون من قبيح التجنيس قوله في الخمر( ):
سلت فسلت ثم سل سليلها
فأتى سليلُ سليلها مسلولا

لطف المزاج لها فزين كأسها
بقلادة جعلت لها إكليلا

قتلت وعاجلها المدير ولم تفظ
فإذا بهِ قد صيرته قَتيلا

إذ عد القدماء البيت الأول من قبيح التجنيس، وقد "أراد سلت من المعصرة، ثم سلت من الدن، وسل سليلها: البول، هذا قول الباهلي، وقال أبو علي، والذي أراه أنها سلت من المعصرة، ثم سلت من الدن، ثم سلت من الكأس عند شرابها، وقوله: جعلت لها كليلاً أي رفعها المزاج، فكان الحباب لها كالقلادة، فجعلها إكليلاً لأنها في الرأس"( ).
والواقع أن مسلماً استطاع أن يولد متغيراً أسلوبياً غير مألوف من خلال هذا التكرار المتتابع للفعل (سل/ سليلا ومسلولا) إذ يتناسب التنظيم المنسق في الزمن للأصوات، مع ما تشير إليه في الواقع، إذ أن نظم الجملة الشعرية في البيت، على الصعيد الصوتي، يجري على وتيرة ثلاثية الأصوات (س، لام، م) يكاد اللسان يتعثر بنطق هذا الأسلوب النظمي لقيامه على تكرار متشابه، يربك اللسان نطقاً، ويشكل في الإفهام وعياً، ولما كان سياق الحال للواقع الموصوف، (هو السكر) أي إرباك السلوك تصرفاً، وإشكال العقل عن الإدراك فكراً، وهذا نمط أسلوبي يوحي بتناسب أداء الأصوات عند النطق مع دلالتها التعبيرية، أي تناسب السياقين الحالي (الواقع) والنصي، فكان هذا منبهاً أسلوبياً باعثاً على شد انتباه القارئ أو المتلقي، وإثارة خياله، وفي هذا كان الكلام يعبر عن المعنى والأسلوب في سياق النص الشعري يبرز فرادة التعبير الشعرية.
ولما كانت اللغة "مجموعة شحنات معزولة والأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعل مع بعضها الآخر"( ) فإن الأسلوب في هذا السياق كامن في المفاجأة التي تحدث فتبعث على توليد غير المتوقع من المتوقع، أو غير المنتظر من المنتظر.
وهناك منحى أسلوبي عند مسلم يقع في باب البديع الإيقاعي، يعمد فيه إلى تقسيم البيت الشعري إلى أربع جمل متساوية، من مثل قوله الذي يعجب به ابن المعتز( ):
موفٍ على مهجٍ، في يومِ ذي رهجٍ
كأنّه أجلٌ، يسعى إلى أملِ

وقوله( ):
والدهرُ آخذُ ما أعطى، مكدر ما
أصفى، ومفسد ما أهوى لهُ بيدُ

وقوله أيضاً( ):
إذا أقبلتْ راعت بقلةِ قرقفٍ
وإنْ أدبرتْ راقَت بقادمتي نسر

يبدو الشاعر في هذا الأسلوب عامداً إلى إبراز بعض المكونات الصوتية للغة الشعر على نحو متميز، من خلال تشكيل عناصر في سلسلة الكلام الشعري، تحمل القارئ على الانتباه إليها، بحيث إذا غفل عنها، أو نظر إلى النص الشعري بمنظار يخرج به عن سياقه النصي يشوه جمالية النص، وإذا حلل تلك العناصر، وجد لها دلالات تمييزية خاصة، مما يبعث على تأكيد الكيفية التي يكون فيها الكلام معبراً، والأسلوب يبرز فرادة التعبير( ).
من خلال هذا كله، فإن مسلم بن الوليد كان يعنى بصنعة شعره أيما عناية، إلا أنه يحرص أن يكون ذا طبع تختفي معه الصنعة وهو في هذا مقلد شعراء الجاهلية، وجار في ركابهم، وهو يحرص على العناية باللفظ وأسلوب صياغته كأستاذه بشار ومعاصره أبي نواس، ولكن جريان أسلوبه الشعري على وتيرة واحدة، جعل تركيزه على مقومات أسلوبه الشعري ظاهراً فكان إن نظر النقاد التقليديون إلى الحداثة في أسلوبه الشعري على أنها إفساد للشعر وخروج على مذهب الأوائل.




(المبحث الرابع)
ـ أبو تمام:


تعامل أبو تمام (ت 231هـ) باللغة تعامل إبداع وإغراب، من خلال استثمار الطاقات المجازية في الكلام الشعري، وهو ما يشي به قوله لمن قدم له كأساً يسأله شيئاً من (ماء الملام) ـ: "أعطني ريشة من جناح الذل، أسقيك كأساً من ماء الملام"( ) مما يدلل على أنه وجد في النص القرآني، ما يقتدي به غير الشعر الجاهلي، ثم إن هذا يكشف عن مصدر من مصادر ثقافة أبي تمام في إقامة العلاقات غير المسبوقة بين الكلمة وأختها وبين الكلمات والأشياء، على نحو يخرج فيه على طريقة العرب، في قول الشعر، على أن تلك الطرائق في إقامة تلك العلاقات الجديدة قد تصل حد الخطأ عند الآمدي الذي يصفه بأنه يريد البديع فيخرج إلى المحال( )، لأن الآمدي يحتكم في رأيه إلى الشعر الجاهلي الذي يقدم لنا فاعلية شعرية ترسم عالماً جمالياً من خلال انفعالية الشاعر، من دون أن يكون قد تضمن موقفاً فلسفياً من العالم عبر عنايته بالمفاهيم وسعيه إلى محاولة التغيير لأن "المنفعية تفرض موضوعات معينة تعكس اهتمامات عملية، وتفرض التعبير عنها بطريقة واضحة سهلة ليفهمها العدد الأكبر، فهي تتضمن حضور الآخر وغياب الأنا"( ) في حين يحرص أبو تمام على حضور (أناه) عبر طريقة مجازية في استخدام اللغة، يكون الكلام الشعري فيها نصاً إبداعياً "تذهب فيه النفس كل مذهب"( ) أي نص الاحتمالات المتعددة أو المعاني المتعددة، وهو غير مألوف عند الآمدي وأصحابه ممن يحتكمون في نقد الشعر المحدث إلى معايير مستوحاة من الشعر الجاهلي وقياس شعر أبي تمام إليها أو قراءته عبرها تظهره "أخطاء وإخلالاً وإحالات وأغاليط في المعاني والألفاظ"( ) لأن صاحبها يريد البديع فيخرج للمحال وأنه تبع مسلم بن الوليد في قصد البديع فأفسد الشعر. والإفساد الذي يعنيه الآمدي هو "طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارة، وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها"( ) حتى "صار كثيراً مما أتى به من المعاني، لا يعرف ولا يعلم غرضه فيها، إلا بعد الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس"( ) لأنه يوغل في هذا الأسلوب إذ يجذب الألفاظ والمعاني جذباً، ويقسرها قسراً، ولا "يتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، ولا يورد من الاستعارات ما قرب في حسن ولم يفحش، ولا اقتصر من القول على ما كان محذواً حذو الشعراء المحسنين"( ) من السابقين الذين صار أسلوبهم الشعري، طريقة العرب وعمودها في قول الشعر ويقوم على: قرب المآخذ في حسن، والصدور عما يسمح به الطبع من دون تعب أو كد ذهن، والاقتصار على ما تواضع عليه العرف (حذو الشعراء). لهذا يرى الآمدي أن لو تجنب أبو تمام ما كان عليه وحذا حذو الشعراء السابقين الذين لا يرى الآمدي محسناً إلا هم، وحاول أن يسلم مما يهجن شعره، ويذهب بمائه ورونقه لكان: "عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين إحساناً... لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ"( ) أي أن الآمدي يحمد لأبي تمام لطيف معانيه التي قلد فيها السابقين وغريب ألفاظه أو مستغربها إذا كان مما تواضع العرف على حمده عند القدماء، ولكن هذا الأمر يعني إلغاء التفرد والخصوصية الأسلوبية في شعر أبي تمام.
وقد بدا أن أبا نواس وأبا تمام قد حققا تحولاً في اللغة الشعرية بالخروج من نطاق التعبير الطبيعي إلى التعبير الفني أي من الواقع المباشر إلى التخييل المجازي، ولما لم يصحب هذا الأمر تحول في الذائقة النقدية، فقد استمر النقد على قراءة الشعر عبر مقومات أو معايير أخلاقية مما شاع في الشعر الجاهلي، لذلك أخذوا على أبي نواس ما كان من تجديد شعري عنده (بديع) ولما جاء أبو تمام وبنى شعره على البديع أسلوباً شعرياً ومنهجاً محدثاً صاروا ينظرون إليه خارجاً على سنن الأقدمين وعمود الشعر العربي، وإذا كان شعره شعراً فما قالته العرب باطل( ) لأنه شديد الاتكاء على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله وإنما يستقي من نفسه( )، بينما اتكاء أبي تمام على نفسه وصدوره عن ذاته هو سر إبداعه الشعري لأنه ميز نفسه من سواها ومن هنا فقد كان متفرداً في النظر إلى الأشياء وفي طريقة التعبير عنها "فاللغة الشعرية بدءاً من تجربة أبي نواس، وأبي تمام، لا تنقل أشياء أو حوادث وإنما تنقل إشارات وتخيلات، فهي لا تهدف إلى أن تطابق بين الاسم والمسمى، وإنما إلى أن تخلق بينهما بعداً يوحي بالمفارقة"( ) وكأنهما قد نقلا العلاقة بين اللفظ والمعنى مما قال به الجاحظ بأن "أحسن الكلام ما كان معناه في ظاهر لفظه"( ) إلى أن يكون اللفظ غير محدود، كالمعنى وذلك "بأن تستخدم اللغة بطريقة تخلق في كل لفظة، بعداً يوحي بأنها تتناسخ في ألفاظ عديدة، بحيث تنشأ لغة ثانية تواكب اللغة الأولى أو تتبطن اللغة الأولى، هذه الطريقة هي المجاز، فالمجاز هو المعنى الذي يعجز ظاهر اللفظ عن الإتيان به، أنه في مجال الشعر كالتأويل في مجال الفكر"( ) إذ أن أبا تمام يرى في تجربته الشعرية طريقة لخلق العالم باللغة، من خلال البنية المجازية التي يبثها في اللغة، جاعلاً شعره يتحرك انطلاقاً من ذاته عبر عناصر الخطاب الصوتية والتركيبية والدلالية، وهو سر تفرده في أسلوبه الشعري، ذلك التفرد الذي يعده القدماء خروجاً على عمود الشعر العربي.
على أن من البديهي النظر إلى الطريقة الشخصية في الإحساس والرؤية على أنها: "ستؤدي حتماً إلى طريقة شخصية في استعمال اللغة، فالأسلوب الصادق إذن، يجب أن يكون فذاً، إذا فهمنا من عبارة (الأسلوب الصادق) التعبير المناسب تماماً في لغة الكاتب عندما يعبر عن طريقة إحساسه من هذه الزاوية، تظهر الشخصية المتميزة على أنها أساسية بالنسبة للأسلوب"( ) لأن الأسلوب هو التعبير المباشر للتجربة الشخصية، من خلال طريقة مميزة في تشكيل الاختيارات اللغوية تلك الاختيارات الفردية الحاملة لخصائص اللغة، الدلالية والتركيبية( ).
ونظر أصحاب العمود الشعري في لغة أبي تمام التي يتكئ فيها على نفسه ولا يسلك مسلك الشعراء قبله، مستقياً من نفسه ـ كما يقول إسحاق الموصلي( ) ـ هذه اللغة التي تتصف بالغموض عندهم لأن الشاعر يقول كلامه الشعري جاعلاً من لغته علامة أو دالاً توحي بواقع آخر جديد هو ليس الواقع المباشر إنما هو احتمال مجازي، وهذا في نظر الآمدي بعيد المأخذ وليس بقريبه، مما يسمه عندهم بالغموض على أن ذلك الغموض إنما هو "نتيجة لاهتزاز الصورة الثابتة في نفس القارئ لعلاقة الدال بالمدلول، وهو اهتزاز أعطى للقارئ انطباعاً بأن أبا تمام، قد أفسد، وأبطل ما كان صالحاً، ودعا إلى فوضى، أي إلى ما لا يفهم، لكن أبا تمام كان يؤسس بإفساده هذا، أي في إحلاله احتمالية المعنى محل يقينيته، مبدأً أساسياً من مبادئ الشعر"( ) أي أنه انطلق من سنن الأقدمين في قول الشعر مبدأ للتجاوز، والذين ينظرون إلى جسد الفن الشعري في سنن الأقدمين لا إلى روحه سيسمون هذا التجاوز إفساداً. فإذا كان أبو تمام قد حافظ على "الشكل الخارجي لبنية القصيدة التقليدية، فلقد غير نواته الأساسية، الكلمة، وغير علاقات الكلمة الصوتية والدلالية، ولهذا لم يعد الشكل عائقاً لبروز هذه العلاقات، بل أصبح على العكس عنصراً جديداً ضدياً، يزيد في بروزها، فلقد فجره من داخل بتراكيبه اللغوية الجديدة( ).
وهذا ما نلمسه أو نحسه عند قراءة قوله مثلاً( ):
مطر يذوب الصحو منه، وبعده
صحو، يكاد من النضارة يمطر

غيثان: فالأنواء غيث ظاهر
لك وجهه، والصحو غيث مضمر

وندى إذا ادهنت به لمع الثرى
خلت السحاب أتاه، وهو معذر

قارئ هذه الأبيات، أو ما يماثلها في شعر أبي تمام يجد أن الكلمة فيها "لا تتناول من الشيء مظهره، وإنما تتناول جوهره، وهكذا يبدو أنها تنفيه فيما تثبته، وأنها تغيبه فيما تظهره. فكما أن الكلمة بداية، بداية أن يكون ما يطابقها في العالم أو الطبيعة بداية هو كذلك، فالكلمة العذراء تقتضي شيئاً بكراً، شمسه تطابق بين بكارة الكلمة وبكارة العالم والشعر هو التطابق أو زواج الكلمة البكر بالعالم البكر... الكلمة إذن لا تعكس أشياء العالم بل تعيد خلقها، إنها تخلق العالم على طريقتها مجازياً"( ).
وقد كان غوص أبي تمام على المعاني ـ على ما يظهر ـ صادراً عن حرصه على إظهار دور الفكر في النص الشعري من خلال إكساب الفكر سمة شعرية خاصة ومميزة( ). وقد يؤيد هذا أن أبا تمام قال سائر أشعاره "في مذهب أو مناخ اعتزالي واضح، ساد منذ تولي المأمون وامتد حتى نهاية عهد الواثق، وبين هذين العهدين، وفي رجالهما الذين تأثروا بالاعتزال كتب أبو تمام أهم قصائده، وتعرف فضلاً عن فكر المعتزلة إلى فكر أول فيلسوف عربي، وأول شارح لكتاب الشعر الأرسطي وهو الكندي، الذي عاصر أبا تمام في النشاط، بل نقده في مجلس المعتصم"( ).
وأشكال الفهم الشعري ودعاوى التجديد التي انطلق منها بشار بن برد وأبو نواس هي ذاتها التي انطلق منها أبو تمام، فجاء شعره نابعاً "عن صنعة ووعي لما يفعل وأن الطبع فيه ضعيف الحظ، وهو رجل خبر الشعر ودرسه منذ الجاهلية إلى عصره"( ) وعمله في الحماسة الذي يدلل على سعة اطلاعه على التراث الشعري العربي، ربما كان قد أثبت في وعيه، أن التجديد كامن في اللغة، أي اللغة الشعرية، وصادر عن تجلياتها الشعرية، وهكذا كان "لمعانيه البعيدة الغريبة والغامضة صورة واستعارات لغوية تشخصها وتنفث فيها حياة محسوسة، ولم يكن يتحقق له ذلك، من غير استعمال اللغة بمستوى استعاري حسي، وهو ما يميز لغة أبي تمام"( ).
لأننا في خلال اللغة الشعرية نبين مدى قدرة تلك اللغة نفسها على حرية التعبير وفي هذا يكون أبو تمام قد حرر الشعر من شكل التعبير الجاهز أو المسبق، وهو في هذا ناظر في تأثير لغة القرآن الكريم، إذ يبدو أن النص القرآني/ الذي رأى فيه بعضهم نفياً للشعر، بشكل أو بآخر، إنما أدى إلى فتح آفاق للشعر لم تكن لها حدود محددة، وأسس نقداً شعرياً، ويمكن أن نلمس في دفاع الصولي عن شعرية الكتابة التي تقف عنده مقابل شعرية المشافهة، أو طريقة المحدثين (المولدين) مقابل القدماء ما يشير إلى هذا كله( ).
وقد أوجز أدونيس ملامح اللغة الشعرية عند أبي تمام في خلال أربع سمات هي( ):
- استخدم الكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، لأنه أفرغها من معناها المألوف، فلقد خلصها من الحتمية وأسلمها للاحتمال. وهذا مما حير قراءه (سامعيه) وأدى إلى الاختلافات في تفسير شعره.
- غير النسق المألوف العادي لتركيب الكلمات. وهذا مما أدى إلى اتهامه بالتعقيد.
- حذف ولم يترك ما يدل على ما حذفه. وهذا مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة.
- ابتكر معاني بعيدة، وصيغاً غير مألوفة، وسياقاً غريباً.
وهذه السمات الأربع هي مقومات أسلوبية في لغة أبي تمام الشعرية، ذلك أنه انفرد بها من خلال شيوعها في أشعاره، ولم يكن إذا قيس بمن التزموا تقليد سنن الأقدمين، قائماً على الالتزام بعمود الشعر، وكأن الأقوم بعمود الشعر هو من التزم بمقومات جسد اللغة التقليدية، على حين أن عمود الشعر هو في الالتزام بمقومات روح اللغة الباعثة على التغير والتجديد، هذه المقومات التي –إذا ما قرأنا أبا تمام في خلالها –فسيظهر ملتزماً بعمود الشعر، على وفق المقومات التي قال بها أخيراً –بعد استحضار آراء من سبقوه أحمد بن محمد المرزوقي في مقدمته الشهيرة على حماسة أبي تمام.
على صعيد معاني الشعر التي يراها المرزوقي أن حدها الشرف والصحة وعيارها الفهم الثاقب وقبول العقل الصحيح لها، لا نجد أبا تمام خارجاً على حد المعاني ولا مدلاً بغير الفهم الثاقب إلا أن قبول العقل الصحيح للمعنى الشعري مشروط بحرية التعبير الشعري في كونه تخييلاً لا تعقيلاً أي بنية تخييل لا بنية تعقيل. وقد عرف عن أبي تمام الغوص وراء المعاني حتى اشتهر بكثرة "المعاني المولدة"( )، والواقع أن قراءة معاني أبي تمام بمنظار العقل الصحيح وليس التخييل الفني لا تصل إلى قيمة المعنى الشعري جمالياً. كما نجد في رأي الآمدي في قول أبي تمام:
نَقَلْ فؤادكَ حيث شئت من الهوى
ما الحبُ إلاَّ للحبيبِ الأوّلِ

إذ يقول الآمدي أنه مسروق من قول كثير عزة( ):
إذا وصلتنا خلّة كي نَزيلها
أبينا وقلنا: الحاجبية أول

ورأيه في قول أبي تمام:
أطل على كلي الآفاق حتّى
كأن الأرض في عينيه دارا

إذ يقول أنه مسروق من قول منصور النمري( ):
وعين محيطٍ بالبرية طرفها
سواء عليه قربها وبعيدها

ويعلق على هذا بقوله: "بيت النمري أحب إليّ، لأن معناه أشرح" أي أقرب للفهم. على أن مسألة السرقة في الشعر على هذا النحو الذي لا ينظر إلى قيمة الشكل الفني للتعبير أمر لا يضعف من شعرية أبي تمام لأن "ارتباط المجازات بالنظم والسياق، هو ما يحدد نسبية فضل كلام على كلام من جهة، واستحالة تكرار المعنى نفسه في صور مختلفة، لما تنطوي عليه كل بنية لغوية من خصوصية"( ) فضلاً عن أن اللغة المعيارية لا تكشف عن فنية الخطاب الشعري بينا اللغة الشعرية هي الأساس لأنها تمثل (معنى المعنى) واللغة المعيارية في هذا الحال تمثل خلفية اللغة الشعرية( ).
ومثال القراءة غير الفنية في الشعر قول ابن رشيق في قول أبي تمام:
يقولُ في قوس صحبي وقد أخذت
منا السرى وخطى المهرية القودِ

أمطلع الشمسِ تبغي أن تؤم بنا؟
فقلتُ: كلا، ولكن مطلع الجودِ

إذ يرى أن الشاعر: "قد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك فيه إلى غيره"( ).كذلك رأي أبي في قوله:
وقمنا وقلنا بعد أن أفرد الثرى
به ما يقال في السحابة تقلعُ

إذ يرى أن "قول الناس في السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة، فمنهم من يمدحه ومنهم من يذمه، ومنهم من كان يحب إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه، على حسب ما كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم، فلم يبن بقوله ما يقال في السحابة تقلع معنى يعتمده السامع وأبين منه قول مسلم:
فاذهب كما ذهبتْ غوادي مزنةٍ
أثنى عليها السهل والأوعار( )

والواقع أن المقاربة الدلالية بين مطلع الشمس ومطلع الجود (الممدوح) في البيتين الأولين ترسم صورة فنية جميلة، لا تقبل النظر العقلي الذي قيدها به ابن رشيق، كما أن تفضيل صورة إقلاع السحابة عند مسلم على مثيلتها عند أبي تمام ليس فنياً جمالياً إنما من جهة وضوح مسلم ومباشرته والتخييل الشعري عند أبي تمام. ومثل هذا تفضيل قول مسلم أيضاً على أبي تمام عند الآمدي في( ):
قال مسلم بن الوليد:
لا يستطيع يزيدٌ من طبيعتهِ
عن المرؤةِ والمعروفِ إحجاماً

إذ يرى الآمدي أن أبا تمام أخذه فقال:
تعود بسط الكفّ حتّى لو أنّهُ
دعاها لقبضٍ لم تجبه أناملِهْ

والبادي للمتلقي أن: "البيت الأول ليس شعراً إنما هو تقرير بارد مباشر، ذلك أن مسلم بن الوليد ينقل الفكرة كما هي، ولا يضفي عليها من الشعر إلا الوزن، أما أبو تمام فيعبر بصورة شعرية، أي أنه يوحي بأن ممدوحه كريم بفطرته، حتى كأن الكرم طبيعي فيه.. وكل تعبير بالصورة يفتح أفق الحساسية والتأمل، بحيث لا يعود المعنى شيئاً محدداً منتهياً، وإنما يصبح شيئاً يتفتح ويتسع"( ).
ومن هذا القبيل رأى الأمدى في قول أبي تمام( ):
كأن الغمام الغرغبين تحتها
حبيباً فما ترقى لهن مدامعُ

إذ يراه مأخوذاً من قول الشاعر السابق:
كأن حبيبينِ باتا طولَ ليلهما
يستمطرانِ على غدرانهِ المقلا

ورأي الآمدي غير صحيح لأن "الصورة في البيت الأول جامدة خارجية مباشرة تقريرية ليس فيها إيحاء، أما أبو تمام فقد مزج بين حالتي: النفس وحلة الطبيعة، وخلق تطابقاً بين فعل الإنسان وفعل السحاب"( ).
ولا شك في أن التمكن من صياغة اللغة بالشكل الذي تستجيب فيه لتجليات الذات الشاعرة معبرة عن حاجات متطورة لدى الإنسان عبر الصورة الشعرية وصولاً لتحقيق معنى ينفتح على آفاق القيم الجمالية أكثر من خضوعه لمعايير عقلية صارمة، هذا التمكن هو ما يحقق التفرد الأسلوبي في خلق المعنى الشعري على نحو ما هو عند أبي تمام، وهو في هذا الأسلوب مطور لخلق المعنى الشعري روحياً كما جاء في عمود الشعر وليس جسدياً أي مادياً أو شكلياً.
أما على صعيد استقامة اللفظ تلك الاستقامة الصادرة عن طبع سمح جميل متطور هو الآخر لصدوره عن كثرة الرواية وطول الاستعمال، فإنه متحقق في تجربة أبي تمام الشعرية، سواء على صعيد الألفاظ المفردة أم على صعيد التركيب.
فإذا كانت الشعرية متصلة بنظم وترتيب الألفاظ على نحو متناسب يكشف عن نسق المعاني في النفس، فإن لغة أبي تمام توحي بطبع شعري يعنى كثيراً بصياغة الجملة الشعرية، إلى الحد الذي يثير حفيظة من يتطلبون أن تكون اللغة خاضعة للعرف العام أي القواعد التي تشكل النظام الشكلي لأية لغة، ومن هذا القبيل قوله( ):
أهن عوادي يوسفٌ وصواحِبُهْ
فعزماً فقدماً أدركَ النأي صاحبُهْ

وهذا من رديء إبتداءات أبي تمام عند الآمدي، لأنه لا يلائم بعضه بعضاً ولا يشابه وإنما يستقيم لو قال:
أهن عوادي يوسفٍ وصواحبُهْ
فلا يعدونكَ مطلب أنتَ طالِبُهْ

أولاً "يعدونك العزم فيما تطالبه" إذ لا يرى الآمدي عجز البيت لائقاً بصدره، وذلك قوله: فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه" فتصير جملة معنى البيت، هن صوارف يوسف فاعزم فقديماً أدرك البعد طالبه. والآمدي هنا يريد إخضاع الجملة الشعرية لحدية القاعدة النحوية ليس لأجل جمالية الجملة الشعرية، إنما لإيضاح المعنى حتى يكون قريب المأخذ، ومن هذا المأخذ ينظر الآمدي إلى قوله( ):
يدي لمن شاء رهن، لم يذق جوعا
من راحتيك درى ما الصاب والعسل؟

إذ يقول: إن البيت مبني كله على الفساد، لكثرة ما فيه من الحذف، لأنه أراد بقوله: "يدي لمن شاء رهن" أي أصافحه وأبايعه معاقدة ومراهنة، وإن كان لم يذق جُوعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل؟ ومثل هذا لا يسوغ، لأنه حذف "إن" التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها، لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف "من" وهي الاسم الذي صلته "لم يذق" فاختل البيت وأشكل معناه( ).
فسلامة اللفظ على صعيد التركيب عند الآمدي تشير إلى مراعاته القواعد القياسية للغة بالشكل الذي يكشف المعنى للمتلقي من دون طول نظر، وهذا توجيه عقلي يغفل قليلاً عن خصوصية لغة الشعر التي تنبني أحياناً على الحذف والإضمار، فإذا كان أبو تمام "يذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم، طوعاً وكرهاً، يأتي للأشياء من بعد، ويطلبها بكلفة، ويأخذها بقوة"( ) طالباً المعنى غير مبال أحياناً باللفظ من حيث الفصاحة والعجمة، قاصداً إلى أن يؤلف "ضرباً خاصاً من التأليف، يعمد فيه إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب"( ) فإن كل ذلك يشير إلى أسلوبية الشاعر في صياغة جملته الشعرية، والشكل الذي يتولد فيه رسم الصورة من خلال مقاربة دلالية بين اللفظ ومعناه الوضعي العرفي، على أن النقد القديم يتطلب في الكلام أن يكون "معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك. بأن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة وعاق دون الإبانة"( ) واللغة الشعرية لا تقوم على الإبانة بقدر قيامها على الغموض الذي يوحي بالدلالة الشعرية.
أما على صعيد الألفاظ المفردة فقد لاحظ القدماء توفر شعر أبي تمام على الألفاظ الغريبة حتى قال ابن رشيق "إن الطائي يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى، بلفظة نبطية لأتى بها"( ) ولكن شيوع هذا على نحو أو آخر في لغة الشعراء السابقين من جاهليين ومخضرمين يبيح لأبي تمام وسابقه أبي نواس. هذا، فضلاً عن أن ابن جني كان قد أشار إلى أن بعض الشعراء يتعمد الإتيان بغريب اللغة للدلالة على سعة اطلاعه على لسان قومه، إذ قال ابن جني: "متى رأيت الشاعر قد ارتكب الضرورات على قبحها، وانحراف الأصول بها، فاعلم أن ذلك.. ليس بقاطع دليل على ضعف لغته ولا قصور عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام"، فقد يبالغ( ) أبا تمام في استخدام الألفاظ الغريبة مما غاب عن لغة المولدين من مثل قوله:
قدك إتئب أربيت في الغلواءِ
كم تعذلونَ وأنتم سجرائي

فهذه الألفاظ وإن كانت صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف كلامهم ولا وحشي ألفاظهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه جمعها في مصراع واحد، وجعلها ابتداء قصيدة( ).
فالآمدي هنا يقول بصحة الألفاظ وفصاحتها واستقامتها، ولكنه ينكرها على أبي تمام لأنه حضري، فما بعثه إلى استخدامها إلا نزوعه إلى الغريب( ).
أو كما في قوله:
قد قلتَ لمَّا أطلخمَ الأبد وانبعثت
عشواءَ تاليةً غُبْساً دهاريساً

إذ أخذوا عليه في مثل هذا استخدامه لغة، لو صدرت عن جاهلي لتوقعنا قبول أهل ذلك الزمان لها، أما عصر الحضارة العباسية فقد هجر هذه الألفاظ، لأن الذوق العام لم يعد يألفها.
وقد يخرج على قياس العرف اللغوي أحياناً كما في قوله( ):
بالقائمِ الثامن المستخلفِ أطأدتْ
قواعدُ الملكِ، ممتداً لها الطولُ

لأن في قوله "أطأدت" مخالفة للقياس اللغوي، فلم يقل إتطدت الذي هو الصواب لأن وطد يطد من باب وعد يعد، فبناء افتعل منه على اتطد ولا يقال اتطأد، كما يقال اتعد ولا يقال اعأد( ).
والواقع، ليست مفارقة أن النقاد واللغويين يطلبون إلى الشعراء أن ينهجوا سبيل الأقدمين في قول الشعر، وأن يحرصوا على نهج عموده الذي ألفوه، وهذه دعوة إلى تقليد لغة السابقين، وفي الوقت نفسه ينكرون استخدام ألفاظ شاعت عند السابقين ولم يعد يألفها المحدثون، كما عند أبي تمام، لأن الأمر لا يتصل بتقليد الأقدمين فقط، إنما كان ذلك لأن لغة القدماء اتصفت بالوضوح وقرب المأخذ للمتلقي القديم، حتى ألف المتلقي الحديث وراثة هذا الوضوح وقرب المآخذ، ومن هنا لزم أن يطالبوا الشاعر المحدث بما ورثوه على صعيد التلقي الشعري عن القدماء، فصاروا ينكرون على المحدثين تقليد القدماء إذا لم يسلمهم هذا التقليد إلى الوضوح وقرب المآخذ. على أن الغرابة في أسلوب أبي تمام سمة شائعة، يريد لها أن تشكل مقوماً من مقومات لغته على المستوى المعجمي في حين تشكل دلالياً منبهاً أسلوبياً ينفرد فيه أبو تمام من بين المحدثين على نحو خاص.
وقد ذكر ابن فارس أن: "ليس في اللغة صواب مطلق، ولا خطأ مطلق، وإنما هي مسألة عرفية بحتة، فالخطأ اللغوي، هو مخالفة المألوف الشائع في الكلام في عصر من العصور"( ) أي إن رأي القدماء متصل بموافقة العرف اللغوي على صعيد التزام القواعد القياسية للغة أو عدم الأخذ بالشواذ أو الضرورة، لأن توفيق الشاعر إلى عدم مخالفة هذا، يكسب لغة شعره الوضوح وقرب المآخذ كما في قول أبي تمام( ):
تسربل سربالاً من الصبر وارتدى
عليه بعضب في الكريهة فاصل

وقد ضلّلت أعقاب رايتِهِِ ضحى
بعقبانِ طيرٍ في السماء نواهل

أقامتْ مع الراياتِ حتى كأنها
مع الجيشِ إلا أنها لم تقاتل

إذ يرى الحاتمي، أن هذا الأسلوب "أحمد مذهباً، وأسلم تركيباً.. على تأخر زمان قائلها"( ).
وهذا النظر الحسي المهيمن (هيمنة الحسي) يقال في أسلوب التشبيه القائم على مراعاة التناسب بين ركنيه (المشبه والمشبه به) أي المقاربة في التشبيه، عبر فطنة الشاعر، وحسن تمييزه، إذ يظل التشبيه قائماً على المقاربة الحسية بين ركنيه الرئيسين أي التقارب وليس الاتحاد. مما يشير إلى عدم تداخل الطرفين وتفاعلهما لأن التشبيه يحافظ على تغاير الطرفين، مبقياً على تمايزهما، أي يكشف عن الائتلاف وليس الاتحاد. من هنا أكد عمود الشعر على أهمية تناسب طرفي التشبيه "فالشيء إنما يشبه الشيء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا شابهه في أكثر أحواله، فقد صح التشبيه ولاق"( ) من هنا كان "الأحسن من التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته، ومعانيه، وبالضد يكون رديء التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به"( ) لذا أخذوا على أبي تمام الجمع بين بعيدين في التشبيه، بعيدين في النظر العقلي، كما في قوله( ):
هادية جذع من الاراكِ، وما
تحت الصلا منه صخرة جلس

لأن تشبيه عنق الفرس بالجذع بعيد، وإن كان الآمدي قد خالف هذا الرأي وأيد أبا تمام في تشبيهه( ) وضمن هذا السياق فقد عاب الجرجاني في الوساطة قوله( ):
أأتركُ حاجتي غرضَ التواني
وأنت الدلو فيها والرشاء

وعاب قوله أيضاً:
ـ ضاحي المحيا للهجير وللقنا
تحت العجاج تخالهُ محراثا

ـ تثفي الحرب منه حين تغلي
مراجلها بشيطان رجيمِ

ـ ولّى ولم يظلمْ وما ظلمَ امرؤٍ
حث النجاء وخلفهُ التنين

ويعيه الجرجاني في هذا لأبيات وما شاكلها موضوعياً عبر النظر العقلي، وذلك لمكان البعد العرفي (الاجتماعي) بين المشبه والمشبه به إذ يقول: "فهو يجعل الممدوح تارة دلوا، وتارة محراثاً، ومرة رشاء، وأخرى تنيناً، وشيطاناً رجيماً"( ) وهذا رأي ابن المعتز أيضاً إذ يشير إلى البيت الأخير فيقول: "فلو كان الشاعر أجهد نفسه في هجاء الأفشين، فهل كان يزيد على أن يسميه التنين؟ وما سمعت أحداً من الشعراء، شبه به ممدوحاً في شجاعة ولا غيرها"( ).
ويعلل عبد القاهر الجرجاني مثل هذا في شعر أبي تمام، بأن الشاعر لا يعنى في مخاطبات الممدوحين بتحسين ظاهر اللفظ، وإنما يقتصر على صميم التشبيه( ).
ولكنهم يمدحون له التشبيه الذي يماثل قوله:
وثناياك إنها أغريض
وَلآلٍ تُوْمٌ وبرق وميضِ

لأنه "شبهها بثلاثة أشياء حقيقية، لأن حكم "الواو" غير حكم "أو" ولا سيما وقد أتى التشبيه بغير كاف ولا شيء من أخواتها، فجاء كأنه إيجاب وتحقيق"( ).
قد يكون وجود مأخذ في أسلوب التشبيه عند أبي تمام –في بعض أبياته-غير كاف ولا يسوغ رأي النقاد في خروجه على سنن الأقدمين، والسبب راجع إلى تقويم قراءة التشبيه من خلال درجات المقاربة أو التناسب بين المشبه والمشبه به، التي قد تكون أخلاقية اجتماعية، كما في تشبيه الممدوح بالأسد إظهاراً لشجاعته، وليس بالتنين، على أن هناك من يرى العكس، وكذلك في تشبيه الممدوح بالبحر في الكرم أو الجود وليس بالقليب (البئر) ولا بالرشاء وهكذا، لأنهم يرون عدم تناسب بين الرجل الشجاع والتنين أو الرجل الكريم والبئر أو الرشاء بل يدعو الأمر عندهم إلى التباعد. وإن كان الجرجاني يرى في التباعد بين ركني جملة التشبيه مبعث إعجاب، إذ يقول: "إذا استقرت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب"( ) لأن للتباعد مبعث تخييل، وتشويق إذ "من المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كانت به أظن وأشغف"( ) وهذا التبعيد أو التغريب في أسلوب أبي تمام متصل بمنهجه في الغموض الشعري أو توخي الأساليب الباعثة على التخييل الشعري، وهو ما ميز أبا تمام من السابقين حتى عدوه خارجاً عنهم.
أي أن تجربة أبي تمام في صناعة الشعر، انطلقت من المحافظة على قواعد اللغة وحدود قياسها اللغوي، مع محاولته الإتيان بعلائق جديدة، تستمد من الخيال طاقتها الفنية وأبعادها المجازية فهو صاحب طريقة مبتدعة، ومعان تتصف بالغموض من جهة نظرنا العقلي، إذ يستخدم الكلمات بأسلوب يجعلها توحي بأكثر من معنى، مفرغاً إياها من معناها المألوف، مكسباً إياها حدة غير مألوفة، مما جعل شعره متصفاً بتعدد الشروح وكثرة التأويلات فهو يبني أنساقه الشعرية على نحو من التنسيق والتوزيع اللفظيين المتسمين بالمغايرة، الأمر الذي ساعد على وصفه بالغموض والتعقيد.
وقد كان أسلوب أبي تمام على صعيد تركيب أجزاء النظم الشعري، متصفاً بالحذف من دون أن يقوم مقام المحذوف ما يدل عليه "مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة، ومن هنا يتضح أن ثورة أبي تمام، ثورة شعرية قامت لتغيير الواقع الشعري، والمجيء بواقع بديل، وهي ثورة لغوية بالدرجة الأساس، ومن هنا يأتي افتراقها عن ثورة بشار وأبي نواس، لأنها ثورة لا تشهر أسلحتها بوجه الواقع الحياتي، (الديني/ الاجتماعي) وإنما بوجه الرؤية الشعرية التي لا ترى للشعر وجوداً خارج منطقة المألوف والتعاريف و"سنن العرب" ومن هنا نأخذ الحداثة عند أبي تمام بعداً مغايراً، فهي تهدف إلى خلق عالم شعري، يتجاوز العالم الشعري المتحقق، وإلى إنتاج شعر لا يلتفت إلى الوراء، إلا بالقدر الذي يؤمن له ثبات نقطة الشروع واستقامة خط السير باتجاه الأفق الجديد"( ).
ومن خلال هذا نلحظ أن أبا تمام عمد إلى إظهار مقومات الإيقاع الشعري في لغته عبر أساليب بديعية ذات مستوى صوتي معين، حتى صار في هذه الأساليب إماماً، ولعل ميزة اللغة الشعرية عنده من خلال هذه الأساليب أن الأصوات أو العناصر الإيقاعية ترد موحية بالدلالة الشعرية.
من هذا قوله:
كريمٌ متى أَمدحهُ أمدحهُ والورى
مَعي وإذا ما لمُتُهُ لمتهُ وحْدي

فقد كرر "حروف الحلق التي تسبب تخلخلاً في انسيابية الألفاظ، وتقطعاً في جريان النفس فتخيل موسيقى البيت وتنضيمه..استطاع من خلاله أبو تمام أن يبني نسقاً صوتياً متميزاً في تقابل: أمدحه/ أمدحه مع لمته/ لمته تقابلاً يتأتى منه التجنيس والتكرار والترصيع وتلك سمة فنية يمكن عزلها وتميزها قياساً على معايير عمود الشعر الثابتة، والخروج هنا عن عمود الشعر يعني الإبداع في توليد متغير أسلوبي غير مألوف"( ).
ومن هذا قوله أيضاً:
خان الصفاء أخٌ، خانَ الزمان أخا
عنه فلم يتخونْ جسمهُ الكمدُ

فقد نظر البلاغيون إليه على أنه من الكلام المتعاضل، وهو ليس كذلك أسلوبياً، إذا استطاع على مستوى التركيب، بناء جملة شعرية كانت فيه لفظة "أخ" فاعلاً حيناً ومفعولاً به حيناً آخر، على نحو مترابط دلالياً، أي أنه متغير أسلوبي مميز من سياق الاستقامة المجرد الذي يجري عليه قياس عمود الشعر( ).
وعلى هذا النحو الأسلوبي يستثمر مقومات البديع ذات الملامح الإيقاعية مثل الجناس في قوله:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي
ومحت كما محت وشائع من بردِ

وأنجدتم من بعد اتهام داركم
فيا دمع أنجدني على ساكني نجدِ

وقد أشار الجرجاني إلى خصوصية التجنيس الصوتية على نحو عفوي عند أبي تمام هنا إذ قال "لن تجد أيمن طائراً، وأحسن أولاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد، لم تكتسِ إلا ما يليق بها، ولم تلبس من العارض إلا ما يزينها"( ) والملاحظ أن تجنيس أبي تمام تارة يرد بلا أثر ظاهر للصنعة فيه، وتارة يكشف عن آثار صنعة لافتة للنظر، على "أن الجناس أصل من الأصول التي يعمل عليها"( ) ومن هنا قسموا تجنيس أبي تمام على نوعين، نوع أظهر فيه التكلف مثل قوله( ):
سيف الأنامِ الذي سمته هيبتهُ
لمّا تخرمَ أهل الأرض مخترما

إن الخليفة لما صال كنت لـهُ
خليفة الموت فيمن جار أوظلما

قرت بقران عين الدين وأنشترت
بالأشترين عيون الشرك فاصطلما

ونوع آخر، جرى على سجية جيدة وطبع حسن مثل قوله( ):
يا بعد غايةَ دمعِ العين إن بَعدوا
هي الصبابة طول الدهر والسهد

وكأن أبا تمام يرى في هذا التجنيس ذي الأثر الصوتي غير المفارق للدلالة، صياغة مقصودة للغة الشعر تميزها من لغة القدماء، فلا يستشهد بالمحدثين في المعاني فقط إنما في أساليب بديعية في التعامل مع اللغة شعرياً، كما في التجنيس، الدال من مثل قوله( ):
ليالينا بالرقمتين وأهلنا
سقى العهدَ منكِ، العهدَ والعهد والعهد

فالعهد الأول، المسقى: هو الوقت، والعهد الثاني هو الحفاظ، والعهد الثالث الوصية. والعهد الرابع هو المطر، وقيل: أراد، مطراً بعد مطر.."( ).
وقد نظروا إلى بعض تجنيس أبي تمام بهذا الفهم الوظيفي للسمات اللغوية للخطاب الشعري، فكان أن عابوا عليه ما يحتمل على الصعيد الفني قيمة جمالية من قبيل قوله:
ذهبتْ بمذهبهِ السماحة فالتوت
فيه الظنونُ أمذهبٌ أم مذهب

إذ يعد ابن المعتز هذا من عيوب أبي تمام في التجنيس( ). أما عبد القاهر الجرجاني فيقول: "لم يزد بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفاً مكررة، تروم لها فائدة، فلا تجدها إلا مجهولة منكرة"( ) لأنه ينظر الأمر نظراً شكلياً مباشراً، ومن هنا لا يراك تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً"( ) أي أن يكون ما يعطي التجنيس من الفضيلة أمر لا يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده، لما كان فيه مستحسن ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن"( ) وإجمال القول فيه أنك "لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجله لا تبتغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً، ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه وأحقه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه"( ).
وإذا كان الجرجاني قد اشترط في التجنيس أو ما شاكله من المحسنات البديعية ذات الطبيعة الإيقاعية أن يكون قد طلبه المعنى واستدعاه وساقه نحوه، فإنه يرى أجمله ما جاء عن طبع فطري من المتكلم لا أثر له فيه أي لا تصنع، ولكن الأمر في الخطاب الشعري، على ظهور التصنع فيه فإنه يوحي بدلالة فنية وقيمة جمالية لا يستطيع أن يقف عندها إلا القارئ المتأمل، من ذلك ما نجده عند أبي تمام في هذا البيت من خصوصية أسلوبه هي التناسب بين الجملة الفعلية: "التوت فيه الظنون" وما تحمله من معنى الالتواء وبين الجملة الاسمية: "أمذهب أم مذهب" أي ما توحي به من معنى الحيرة أو التردد، فقد كان مناسباً بعد جملة التعبير عن معنى (الالتواء) أن ترد جملة استفهامية يتردد اللسان في نطقها لمكان الجناس التام في (مذهب ومذهب) أي أن المستوى الإيقاعي من خلال عنصر الجناس حقق تناسباً جمالياً في الإيحاء بالمعنى بما يجعل نطق الأصوات وإيقاعية الجملة تتناسب مع خصوصية المعنى، وإيحائيته الشعرية.
وهكذا فإن النظر إلى المقومات الصوتية في لغة الشعر سواء أكانت صادرة عن العروض والقافية أم عن المحسنات البديعية (الإيقاعية) على تعدد أساليبها، مشروطاً بصدوره عن طبع فطري، لا أثر للصنعة فيه، والإيحاء بالمعنى، من دون أن يشكل على المتلقي فهمه وما خالفه فيشار عليه بأنه خارج سنن السابقين.
هذه النظرة الوظيفية لكل مقومات اللغة الشعرية، جعلت قراءة الشعر في خلال مباشرة الفهم والوضوح بعيداً عن الغرض أو ما يجعل المتلقي يطيل النظر في عملية التلقي، مما ساعد على قراءة اللغة المجازية عبر أدائها المتصف بالوضوح فكان أن اشترطوا فيها مناسبة المستعار منه للمستعار له، لأن تعبير الشاعر يجب أن يصدر عن مخيلة فطنة، وذهن تعليمي أيْ أن يحرص على تناسب مكونات اللغة الاستعارية وصولاً إلى الوضوح أو قرب المآخذ. لهذا يوصف أبا تمام بالقصور والعجز عن الإبانة( ) عند تصاعد لغة المجاز في شعره كما في قوله:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها
بالدمع أن تزداد طول وقود

إذ يعلق الآمدي على قول أبي تمام بقوله: إن هذا "خلاف ما عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها، لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبدد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجد، ويعقب راحة"( ) ولكن أبا تمام هنا يريد "أن يخيل القارئ مدى لوعته، بحيث إن ما يظن أنه يطفئها لا يزيدها إلا اشتعالاً، يريد باختصار أن يقول: البكاء أحياناً لا يجدى"( ).
وفي سياق ما يذكره الآمدي مما يراه من قبيح استعارات أبي تمام أنه قد جعل للدهر أخدعاً، يداً تقطع من الزند وكأنه يصرع في قوله( ):
ـ فضربت الشتاء في أخذعيهِ
ضرباً غادرتهُ عوداً ركوبا

ـ يا دهرُ قوّمْ أخدعيك فقد
أضْججْتَ هذا الأنام من خَرْقك

ـ تروح علينا كل يوم وتغتدي
خطوب كأن الدهر منهن يصرعُ

ـ ألا لا يمدُّ الدهرُ كفّا بسيء
إلى مجتدى نصرٍ فيقطع من الزندِ

وجعله يشرق بالكرام، ويفكر، ويبتسم وإن الأيام بثون له، كما في قوله( ):
ـ والدهر ألأمُ من شرقْت بلؤمهِِ
إلاّ إذا أشرقته بكريمِ

ـ تحملت ما لو حمل الدهر شطره لفكّرَ أدهراً أيّ عبأيهِ أثقلُ

ـ فما ذكرَ الدهر العبوس بأنهُ لهُ ابن كيوم السبتِ إلا تبسماً

وجعل الدهر أبلق، وجعل لصروف النوى قداًٍ، وجعل للأمن فرشاً كما في قوله( ):
ـ حتى إذا اسود الزمان توضحوا
فيه، فغودر وهو منهم أبلق

ـ وكم أحرزت منكم على قبح قدها
صروف النوى من مرهف حسن القد

ـ ولاجتذبت فرش من الأمن تحتكم
هي المثل في لينٍ بها والأرائكِ

وقد جعل الليالي كأنها عوارك في قوله( ):
إذاً للبستم عار دهر كأنما
لياليه من بين الليالي عوارك

وجعل للأيام ظهراً يركب كما في قوله( ):
أنزلته الأيام عن ظهرها من
بعد إثبات رجله في الركابِ

وظن أن الغيث كان دهراً حائكاً في قوله( ):
إذا الغيث عادى نسجه خلتُ أنهُ
مضت حقبةٌ حرس لهُ وهو حائك

وجعل الزمان كأنه قد صب عليه ماء في قوله( ):
إذاً للبستم عار دهر كأنما
غضا صببت بهِ ماءً على الزمن

إذ يعد الآمدي هذه الاستعارات قبيحة في لغة أبي تمام فهي كلها "في غاية القباحة والغثاثة والهجانة والبعد عن الصواب. وإنما استعارت العرب المعنى، لما ليس هو له، إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله. أو كان سبباً من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه"( ) ومفهوم الملائمة هنا يشير إلى الاقتراب من الحقيقة.
وقد أخذوا على أبي تمام استعارته في وصف الحلم:
رقيقُ حواشي الحلم لو إن حلمهُ
بكفيكَ ما ماريتَ في أنهُ بردُ

إذ يعلق الآمدي على هذا البيت ذاكراً قول ابن المعتز فيه بأنه هو القول الذي "أضحك الناس منذ سمعوه إلى هذا الوقت"( ) ثم يقول: "والخطأ في هذا البيت ظاهر، لأني ما علمت أحداً من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالرقة، وإنما يوصف بالعظم والرجحان والثقل والرزانة"( ) ثم يقول أيضاً "إن البرد لا يوصف بالرقة وإنما بالمثانة والصفاقة"( ).
وموقفه هنا ناظر إلى اتباع رأي الأقدمين، وعرفهم الشعري، وقبول ما ارتضوه، ورفض ما سواه. وقد يبدو أيضاً أنه "ناتج عن سوء فهمه، فهو يعد لفظة البرد كما هي، وكما ترسخ معناها بالاستعمال والعادة، أي أنه ينظر إليها بوصفها حقيقة، غير أن أبا تمام يفرغ اللفظة من شحنتها القديمة ويعطيها مدلولاً جديداً ثم أنه لا يقصد أن يكون الاسم (الحلم) هو المسمّى (البرد) ومن هنا لا ينطبق عليه مقياس الآمدي"( ) وكل ما دنا من المعاني من الحقائق كان الوط بالنفس، وأحلى في السمع وأولى بالاستجادة"( ) ذلك أن أبا تمام لا يعنى بنقل الحقيقة كما هي، وإنما يستخدم الحقيقة كما هي، لكي يخيل بواسطتها معنى آخر، فالتخييل هو مدار الحقيقة لا نقل الحقيقة( ) وهذا الفهم هو ما ينبغي أن يكون عليه الشعر، وأن تكون قراءته بوحي منه.
وكذلك الجرجاني يأخذ على أبي تمام هذا الأسلوب في الاستعارة فيعيب عليه قوله( ):
ـ باشرت أسباب الغنى بمدائحٍ
ضربت بأبوابِ الملوكِ طويلاً

ـ لها بين أبواب الملوكِ مزامر
من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر

ـ إذا ما الدهر جرجرت أذيال
يديهِ فغشت الدنيا ظلالا

ـ إلى ملكٍ في أيكة المجد لم يزل
على كبدِ المعروف من نيله بَرْدُ

إذ يعد عبد العزيز الجرجاني أسلوب هذه الاستعارات وما يماثل من قبيح الاستعارة وسيئها أي أنه يرى شاعرها خارجاً على سنن العرب في الاستعارة( ).حتى أنه ينصح المتلقي بعدم الإصغاء إلى هذا الأسلوب في الاستعارة إذ يقول: "فاسدد مسامعك، واستغش غيابك، وإياك والإصغاء إليه، واحذر الالتفات نحوه، فإنه مما يصدى القلب ويعميه، ويطمس البصيرة، ويشد القريحة"( ).
أما نمط الاستعارات التي امتدحها القدماء عند أبي تمام فهي من قبيل ما أشار إليه ابن المعتز، على أنه من بديع استعاراته( ):
ـ مطرٌ يذوبُ الصحو منهُ وبعده
صحوٌ يكادُ من الغضارةِ يمطرُ

ـ أمطرتهم عزمات لو رميت بها
يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما

ـ حتى انتهكت بمدّ السيف هامهم
جزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما

ـ كلوا الصبر غضاً واشربوه فإنكم
أثرتم بعير الظلم والظلم بارك

نخلص من خلال هذه الآراء في استعارات أبي تمام إلى أنه، لما كان مذهب أبي تمام يقوم على الاستكثار في الأخيلة والاستعارات( ). متكئاً على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله( )، فلا أحد يعمل المعاني ويخترعها ويتكئ على نفسه أكثر منه( ). حتى صار قبلة أهل المعاني( ) إذ يحمل على كيانه بالفكر( ). حتى كان أغوص على المعاني من سواه( ). فإن مدار هذا الأمر هو انكشاف المعنى ووضوحه في خلال الأساليب البيانية ولا سيما الاستعارة، إذ هي علامة العبقرية الشعرية كما قال أرسطو. إذ جاءت الاستعارة في شعر أبي تمام غير متقيدة بقياس القدماء، وعدم التقيد جعل الاستعارة في شعره صفة أو مقوماً أسلوبياً رأى فيه بعضهم خروجاً على ما تواضعوا عليه، ولكنه كان أقرب إلى صفة التجدد والتغيير في شعرية القدماء منه إلى التزامها حداً نهائياً فلما كان السياق أنموذج لبناء لغوي يتخلله عنصر لم يكن متوقعاً، وما ينتجه هذا العنصر أو تضاده مع عناصر السياق هو المنبه الأسلوبي( ) فقد كانت تلك الاستعارات المميزة من سنن القدماء منبهات أسلوبية في لغة أبي تمام الشعرية، بوصفها عناصر يستعملها ليوحي إلى المتلقي بخصوصية طريقة تفكيره، فكان ان شكلت هذه المنبهات الأسلوبية "انزياحاً عن النمط التعبيري المتواضع عليه، والانزياح يكون خرقاً للقواعد حيناً، ولجوءاً إلى ما ندر من الصيغ حيناً آخر"( ) لكن النقد القديم لم يحاول قراءة العناصر الشعرية التي تميزت في خلالها لغة أبي تمام من غيرها، فلم يتقبلوا وجهة نظره في فهم الأشياء وإدراكها، ومن هنا نظروا إلى خصوصيته الأسلوبية في الاستعارة على أنها خروج على سنن العرب في قول الشعر. فالاستعارة عندهم "ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستقى فيه الإفهام والاذعان"( ) لذلك كان حسن الاستعارة عندهم "بمقدار ما بين الشبه والمشبه به من التقارب والتماثل، وتصور الجمع بينهما في الذهن، ليصور المشبهة في صورة تحقق غرض القائل، ولذلك كان الأدب المسمى بالرمزي، بعيداً عن البلاغة، لأن الألفاظ فيه تستعمل كثيراً في معان يصوب إدراك الصلة بينها وبين المعاني الأولى لهذه الألفاظ"( ).
لذا كان أبو تمام في مذهبه غير موافق لمذهب القدماء في التعبير الشعري وخارجاً عن عمود الشعر، الذي هو في نظرهم الاستعارة القريبة على أن هذا الفهم فيه إسراف وغلو من جهة البعد عن الشعرية القائمة على المجاز في سائر مقوماتها، أي أن الأقرب إلى الصواب أن يكون عمود الشعر مستخلصاً من روائع الآثار بغض النظر عن قلتها بالقياس إلى غيرها( ).
ومن هنا فقد اتضح أن سائر النقاد القدماء يعتدون بالوضوح والصراحة كونهما يحققان وصول المعنى إلى المتلقي من غير تأمل أو إجهاد فكر في الصور البيانية للتعبير الشعري، وكان التفنن في الأسلوب الشعري يجعل الشعر متصنعاً مما يقلل من إيضاح الشاعر لفكرته وغرضه ويضعف من التجاوب العاطفي بين الشاعر والمتلقي في العملية الشعرية، وهذا فهم بدائي للشعرية، لذا كان أبو تمام مجيداً في إظهار المقومات الشعرية الحضارية مثل أناقة اللفظ وتنسيقه حيناً والمبالغة في الاستعارات حيناً آخر. فإذا كانت مقومات الوضوح في العملية الشعرية تغلب على مقومات المجاز، فإن هذا يكشف عن غلبة الفكر أو المضمون على الشكل الفني أو مقومات خلق الصورة الفنية، وهو ما يضفي على الشعرية سمة الوظيفية غير الجمالية، ولما كان الشعر لغة إيحاء وتخييل ومجاز وليس لغة وضوح وتقرير ومباشرة، فقد كان من المناسب أن لا يرتبط بوظيفة ذات طبيعة تعليمية أو أخلاقية وإنما يتصف بالوظيفة الجمالية فقط، وهو ما يذهب إليه فهم أبي تمام للنص الشعري، لذا كان من المناسب أن تكون القراءة النقدية في شعر أبي تمام نصية وليس مستوحاة من قراءة النص السابق.
نخلص من خلال ما سبق ذكره إلى إيجاز رأي النقد القديم في أسلوب أبي تمام الشعري الذي يرونه فيه خارجاً على عمود الشعر ثم رأي الباحث الذي لا يذهب إلى الأخذ بالرأي النقدي القديم.
أما رأي القدماء، فخلاصته قول الآمدي: "إغراقه في طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب، وتوشيح شعره بها، حتى صار كثير مما أتى به من المعاني لا يعرف، ولا يعلم غرضه فيها إلا بعد الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء، ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة، ويقتصرها مكارهة وتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامة غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ماقرب في حسن، ولم يفحش، واقتصر من القول على ما كان محذواً على حذو الشعراء المحسنين، ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر، وتذهب بمائة ورونقه، ولعل ذلك يكون ثلث شعره أو أكثر منه –لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين، وكان قليله حينئذ يقوم مقام كثير غيره، لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ، ولكن شره إلى إيراد كل ما جاش خاطره، ولجلجه فكره، فخلط الجيد بالردئ والعين النادر بالرذل الساخط، والصواب بالخطأ، وأفرط المتعصبون له في تفضيلهِ، وقدموه على من هو فوقه، من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له من خطئه وتأولوا له التأوّل البعيد فيه، وقابل المحرفون عنه إفراط بإفراط، فبخسوه حقه وأطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه، وتجاوز بعضهم ذلك إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه، واحتج بما لا تقوم حجة به"( ).
فإذا قرأنا هذا النص النقدي على وفق مستوياته المكونة للشكل الشعري وهي المستوى المعجمي والصوتي والتركيبي والدلالي، فسنجد أن الآمدي قد عاب عليه في المستوى المعجمي، مجاذبته الألفاظ وقسرها، حتى يختلط عنده الجيد بالرديء، ثم إن هناك من عاب عليه استخدام الألفاظ البدوية القديمة مما لم يعد شائعاً أو مقبولاً في عصر أبي تمام فضلاً عن استخدام ألفاظ غير عربية حتى قيل عنه أنه لم يكن يعنى بالألفاظ حتى إذا تم له المعنى بلفظة نبطية أتى بها أما شيوع الألفاظ غير العربية فمتصل بالصفة الحضارية التي صار إليها العصر العباسي ثم إن هذا الأمر كان شائعاً عند المحدثين بدءاً من بشار وأبي نواس وأما استخدام الألفاظ البدوية أو الاعرابية القديمة فهو أمر متصل بانطلاقه من اللغة القديمة، إظهاراً لتمكنه منه من جهة، وتبييناً لما يضفيه عليه من تجديد في أسلوب التعبير الشعري، إذ ينطلق في تعامله مع اللغة "من رؤية ترى الشعر نوعاً من خلق العام باللغة، مشبهاً العلاقة بين الشاعر والكلمة بالعلاقة بين عاشقين، وهكذا يقيم علاقة غير معهودة بين الكلمة والكلمة وبين الكلمة والشيء وبين الإنسان والعالم فيشوش "المعنى" و"اللفظ" معاً ويشوش المفهوم الموروث الشفوي للشعرية"( ).
وهذا "التشويش" هو في استخدام اللفظ القديم بأسلوب إستعاري محدث، فكان إن نظر إليه التقليديون على أنه خارج على عمود الشعر ولكنه انطلق من الرؤية الفنية للشعر الذي تأسس على ضوء مفهوم العمود من جهة أنه تغيير لا ثابت أو ثبات جامد. أي أنه كان أكثر التزاماً بالعمود من سواه من جهة نهجه أسلوبية التغيير فيه وليس منحى التقليد والثبات.
أما في المستوى الصوتي فقد بدا أنه كان يعنى بالمقومات الشعرية ذات الطبيعة الإيقاعية على نحو لافت للنظر، فلا تكاد قصيدة من شعره -إن لم نقل بيت – تخلو من هذه المحسنات البديعية ذات الطبيعة الإيقاعية مثل التجنيس والتكرار والتكرار السجعي والتصريح ورد العجز على الصدر وتشابه الأطراف وغيرها. فهو وإن حقق سمة أسلوبية في هذا المستوى تمثلت في هذه الاختيارات الفردية لخصائص اللغة الصوتية كاشفاً عن طريقته الشخصية للتجربة الشعرية إلا أن هذا التأكيد على هذه المقومات الإيقاعية المضافة إلى غيرها كالعروض والقافية وسائر المقومات التقليدية قد يكون الباعث إليه أمران: أولهما متصل بتجديد أساليب القدماء في هذا المستوى، ذلك أنه، لما كان النقاد واللغويون قد عدوا ما أسسه القدماء من مقومات إيقاعية ممثلة بالعروض والقافية، بنية نهائية لا يكون فيها المحدثون إلا تابعين ومقلدين، فقد دفع هذا الأمر أبا تمام إلى تحديث اللغة الشعرية من هذا المستوى من خلال إضافة هذه المقومات الإيقاعية وتأكيدها حتى صارت نهجاً متبعاً وأسلوباً لافتاً للنظر، رأى فيه التقليديون خروجاً على القديم في الوقت الذي كان فيه الشاعر منطلقاً من القديم، ومجدداً فيه فنياً وجمالياً، وثاني الأمرين، شخصي ذاتي متصل بقدرة أبي تمام على الإلقاء الشعري، فربما كانت "التمتمة" التي يعانيها عند النطق أو الإلقاء الشعري قد شكلت في ذاته هاجساً يؤرقه فيه الإحساس بالقصور على صعيد السلوك الشفاهي المباشر في التعامل مع النص الشعري، فكان أن عمد –على نحو شعوري أو لاشعوري- إلى التعويض عن الإحساس بالقصور، في خلال التأكيد على المقومات ذات الطبيعة الإيقاعية مما تؤثر مشافهة وسماعاً في المتلقي فضلاً عن ما سبق ذكره من إيراد ألفاظ بدوية قديمة أو أعجمية حديثة.
أما المستوى التركيبي، فقد كان أبرز ما عيب على أبي تمام في هذا المستوى هو الإكثار من الحذف حتى يبهم المعنى على المتلقي، إذ يبنى البيت عنده على الحذف أحياناً فيعد هذا البناء إفساداً كما أشار الآمدي إلى هذا( ). على أن الشعر الجاهلي قد عرف أسلوب الحذف والإضمار في عناصر التركيب اللغوي، وتناولها الدرس البلاغي ضمن قوانين الفصل والوصل، مشيراً إلى تحديدها عبر ما ينشأ بين الجمل من ترابط دلالي: إذ "يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها"( )، وهذا الأمر يقتضي الاحتكام فيه إلى السياق لأن، "من حق المحذوف أو المزيد أن ينسب إلى جملة الكلام لا إلى الكلمة المجاورة له"( ).
ومن هنا كان النظر النقدي الذي أخذ على أبي تمام غموضاً صادراً عن كثرة الحذف والإضمار، غير ناظر في خصوصية السياق الشعري وما يقوم عليه تركيباً من مقومات مثل التقديم والتأخير والفصل والوصل والحذف والإضمار وغيرها، إلا أن حرص بعض القدماء على تأدية الشعر وظيفياً لمعناه بأسلوب واضح هو ما بعث على مؤاخذة الأسلوب الشعري القائم على الحذف في بعض سياقاته. ثم إن هذا الأمر في تركيب الجملة الشعرية يحقق ملمحاً أسلوبياً تميزت به لغة أبي تمام إذ يعنى بالارتقاء بذهنية المتلقي إلى فهم معين وإدراك مخصوص في خلال عنصر المفاجأة عبر الانزياح عما هو مألوف من سياق التركيب الشعري المتواضع عليه إلى ما هو محتمل فنياً.
أما في المستوى الدلالي فقد أخذوا عليه الاستعارات البعيدة ودقة المعاني والمبالغة في الوصف مما أضفى على أسلوبه عندهم الغموض لهذا ما كان يعجب أحداً سوى "أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة، ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام"( ) وميل هؤلاء له يكشف عن أن الشعر عنده قضية فنية وصناعة تخييلية تصدر عن التخييل مجازاً كما يصدر الفكر في النثر عن التأويل العقلي إدراكاً. فهو لا يعنى من اللغة بخواصها المادية الطبيعية إنما بعلاقتها بالفكر، مركزاً على حقائقها المجردة وعلائقها المحسوسة من دون التقييد بصلتها بالأفراد المنتجين لها على نحو حدى وهو ما يشير إليه إخراجه المعاني في صور أشخاص عبر أسلوب التشخيص واستعماله الألفاظ في غير ما هي له احتكاماً إلى خصوصية السياق الشعري الصادر عن تجربة أبي تمام وليس عن القرائن التي تواضع العرف عليها تقليدياً، أي أن قيمة الكلمة أو اللفظ عنده تتأتى من السياق النصي للخطاب الشعري والحالي لتجربته الشعرية ومن هنا كانت العملية التواصلية لخطابه الشعري، تؤدي وظيفتها الانفعالية انطلاقاً من سياق النص وتجربة الشاعر، وتؤدي وظيفتها اللغوية انطلاقاً من إشارية اللغة وإيحائها، والوظيفة الشعرية، انطلاقاً من البنى الاستعارية التي تمثل الشعرية خلقاً فنياً، والوظيفة المعرفية، احتكاماً لنصية الخطاب الشعري، وليس لما استوحاه السابق من نصية خطاب ماض، أي أن لغته لم تكن تقول الواقع مباشرة إنما تتخيله استعارياً على نحو تقول فيه أكثر مما تقوله في غير هذا السياق، أي أنه عمد إلى المغايرة في طريقه استخدام اللغة، وإلى المفاجأة في خلال التغريب، فبنية الخطاب الشعري عنده، لا تعتمد الشكل الجاهز، إنما الشكل المتغير، معجمياً كما في حرصه على خصوصية اللغة من دون التقيد بالمألوف انطلاقاً من روحية القديم لا هيكليته، وصوتياً كما في خصوصية مقومات الإيقاع عنده ولا سيما في المحسنات البديعة، وتركيبياً كما في انطلاقه من قواعد اللغة القياسية على وفق ما يقتضيه التعبير عن تجربته، سواءاً شاعت تلك القواعد أم ندرت، ودلالياً في أسلوب الاستعارة –على نحو خاص- عندما عمد إلى فنية الشعر القديم الباعثة على التغيير، على خلاف ما صارت إليه عند بعضهم من حدود جامدة.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 12:52 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب