منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن الكتب الدينية

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا تعرف عن المسجد الأقصى؟!! *M.moutafail.R* منتدى فلسطين وطن يجمعنا 3 2012-05-04 05:57 PM
يا أمة العرب - شىء من الغضب - الأقصى يصرخ - الأقصى يغتصب ²²dark_lordulk²² منتدى فلسطين وطن يجمعنا 10 2011-06-01 09:33 PM
150 طريقة لنصرة الأقصى سندس منتدى فلسطين وطن يجمعنا 14 2010-01-15 02:40 AM
ما هو المسجد الأقصى smail-dz منتدى فلسطين وطن يجمعنا 2 2009-12-15 09:04 PM
تجول داخل الأقصى بالماوس : Ahmed_Sat منتدى فلسطين وطن يجمعنا 4 2009-06-14 07:34 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 51 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

فَقَالَ ابْن الزبير أما دون أَن أقتل بِكُل وَاحِد من أهل الْحجاز عشرَة من أهل الشَّام فَلَا وَجعل ابْن الزبير يجْهر بذلك فَقَالَ لَهُ الْحصين أُكَلِّمك سرا وتكلمني جَهرا وأدعوك إِلَى السّلم والخلافة وتدعوني إِلَى الْحَرْب والمناجزة كذب من زعم أَنَّك داهية الْعَرَب اهـ فقد عَابَ عَلَيْهِ ذَلِك من جِهَة الرَّأْي كَمَا ترى وَأنْشد صَاحب الْكَشَّاف وَغَيره لَدَى قَوْله تَعَالَى {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} الْأَنْفَال 61 قَول الْعَبَّاس بن مرداس رَضِي الله عَنهُ
(السّلم تَأْخُذ مِنْهَا مَا رضيت بِهِ ... وَالْحَرب يَكْفِيك من أنفاسها جرع)
وَفِي كتاب الْفِتَن من صَحِيح البُخَارِيّ مَا نَصه كَانَ السّلف يستحبون أَن يتمثلوا بِهَذِهِ الأبيات عِنْد الْفِتَن
(الْحَرْب أول مَا تكون فتية ... تسْعَى بزينتها لكل جهول)
(حَتَّى إِذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزا غير ذَات حليل)
(شَمْطَاء ينكسر لَوْنهَا وتغيرت ... مَكْرُوهَة للشم والتقبيل)
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ المُرَاد أَنهم يتمثلون بِهَذِهِ الأبيات ليستحضروا مَا شاهدوه وسمعوه من حَال الْفِتْنَة فَإِنَّهُم يتذكرون بإنشادها ذَلِك فيصدهم عَن الدُّخُول فِيهَا حَتَّى لَا يغتروا بِظَاهِر أمرهَا أَولا اهـ وَلَا شكّ أَن هَذِه حَالَة الْعَامَّة الأغمار الَّذين لم تضرسهم الحروب وَلَا حنكتهم التجارب تجدهم إِذا ظَهرت مخايل فتْنَة نسْأَل الله الْعَافِيَة استشرفوا إِلَيْهَا وتمنوا خوضها وَرُبمَا تألى بَعضهم وَقَالَ وَالله لَئِن حضرتها لَأَفْعَلَنَّ وأفعلن وَقد قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو وَحَال هَذَا الْغمر المتألي هُوَ الَّذِي أفْصح عَنهُ المتنبي بقوله
(وَإِذا مَا خلا الجبان بِأَرْض ... طلب الطعْن وَحده والنزالا)
فَهَذَا الْقطر المغربي تدارك الله رمقه على مَا ترى من غَايَة الضعْف وَقلة الاستعداد فَلَا تنبغي لأَهله المسارعة إِلَى الْحَرْب مَعَ الْعَدو الْكَافِر مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من غَايَة الشَّوْكَة وَالْقُوَّة وَقد تقرر فِي علم الْحِكْمَة أَن المعاندة والمدافعة إِنَّمَا تحصل بَين المتضادين والمتماثلين وَلَا تحصل بَين المتخالفين وحالنا الْيَوْم مَعَ الْعَدو لَيْسَ من بَاب التضاد وَلَا من بَاب التَّمَاثُل وَإِنَّمَا هُوَ من
(3/189)
________________________________________
بَاب التخالف فَافْهَم بل لَو فَرضنَا أَن أهل الْمغرب الْيَوْم مماثلون لِلْعَدو فِي الْقُوَّة والاستعداد لما كَانَ يَنْبَغِي لَهُم ذَلِك لِأَنَّهُ لَيست الْعدة وَحدهَا كَافِيَة فِي الْحَرْب وَلَا كَثْرَة الرِّجَال والمقاتلة وَحدهَا بِالَّذِي يُغني فِيهَا شَيْئا بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من اجْتِمَاع الْكَلِمَة وَكَون النَّاس فِيهَا على قلب رجل وَاحِد وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من ضَابِط بِجَمْعِهِمْ وقانون يسوسهم حَتَّى تكون الْجَمَاعَة كالبدن الْوَاحِد يقوم جَمِيعًا وَيقْعد جَمِيعًا وَهَذَا معنى مَا صَحَّ فِي الحَدِيث من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان المرصوص يشد بعضه بَعْضًا فَإِن لم يكن ضَابِط وقانون فَلَا بُد من نَفاذ البصيرة فِي الدّين وَقُوَّة الْيَقِين والألفة فِيمَا بَين الْمُسلمين والغيرة على الوطن والحريم وجودة الرَّأْي والتمرس بالحروب ومكايد الْمُشْركين وَأهل الْمغرب الْيَوْم إِلَّا الْقَلِيل منسلخون من هَذَا كُله أَو جله فقد توالت عَلَيْهِم الأجيال فِي السّلم والهدنة وَبعد عهد أسلافهم فضلا عَنْهُم بِالْحَرْبِ وشدائدها ومعاناة الْأَعْدَاء ومكايدها وَإِنَّمَا هَمهمْ مأكولهم ومشروبهم وملبوسهم كَمَا لَا يخفى حَتَّى لم يبْق من هَذِه الْحَيْثِيَّة فرق بَينهم وَبَين نِسَائِهِم وَلَيْسَ الْخَبَر كالعيان فَكيف يحسن فِي الرَّأْي المسارعة إِلَى عقد الْحَرْب مَعَ أَجنَاس الفرنج وَمَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَمثل طائرين أَحدهمَا ذُو جناحين يطير بهما حَيْثُ شَاءَ وَالْآخر مقصوصهما وَاقع على الأَرْض لَا يَسْتَطِيع طيرانا وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ سَبِيلا فَهَل ترى لهَذَا المقصوص الجناحين الَّذِي هُوَ لحم على وَضم أَن يحارب ذَلِك الَّذِي يطير حَيْثُ شَاءَ وَهل يكون فِي ذَلِك إِن كَانَ إِلَّا هَلَاك هَذَا وسلامة ذَاك بل وغنيمته فَإِن ذَاك ينقر هَذَا مَتى وجد فِيهِ فرْصَة للنقر وَيبعد عَنهُ ويطير إِذا لم يجدهَا وَهَكَذَا يسْتَمر حَاله مَعَه حَتَّى يُثبتهُ أَو يملكهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ فِي طوق هَذَا إِلَّا أَن يَدْفَعهُ عَن نَفسه فِي بعض الأحيان إِذا تأتى لَهُ ذَلِك وَلَكِن إِلَى مَتى فَهَكَذَا حَالنَا مَعَ عدونا فَإِنَّهُ بقراصينه الحربية ذُو أَجْنِحَة كَثِيرَة فَهُوَ علينا بِالْخِيَارِ يهجم علينا فِي ثغورنا إِذا شَاءَ وَيبعد عَنَّا فَلَا ندركه مَتى شَاءَ وقصارانا مَعَه الدّفع عَن أَنْفُسنَا إِذا اتّفقت كلمتنا وَلم تشغلنا غوغاء الْأَعْرَاب من خلفنا وهيهات فقد جرب ذَلِك مرَارًا فصح وَالْمُؤمن لَا يلْدغ من جُحر مرَّتَيْنِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالْكَلَام فِي
(3/190)
________________________________________
هَذَا الْفَصْل أَيْضا طَوِيل وَفِيمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ كِفَايَة فَإِن قلت أَرَاك قد صيرت الْجِهَاد الَّذِي حث عَلَيْهِ الشَّرْع ووعد عَلَيْهِ بالثواب الْعَظِيم مَحْض فتْنَة وَقد زهدت النَّاس فِيهِ وَقطعت آمالهم مِنْهُ بِهَذَا الْكَلَام قلت أعلمت يَا أخي مَا هُوَ الْجِهَاد الَّذِي حث عَلَيْهِ الشَّرْع ووعد عَلَيْهِ بالثواب الْعَظِيم اعْلَم أَن الْجِهَاد الْمَذْكُور هُوَ قتال أهل الشّرك والطغيان على إعلاء كلمة الرَّحْمَن لينساقوا بذلك إِلَى الدُّخُول فِي دين الله طَوْعًا أَو كرها ولتكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَكلمَة الشَّيْطَان هِيَ السُّفْلى مَعَ نَفاذ البصيرة وخلوص النِّيَّة والغيرة على دين الله وكل ذَلِك بِشَرْط الْقُوَّة المكافئة أَو الْقَرِيبَة مِنْهَا وَمهما اخْتَلَّ ركن أَو شَرط مِمَّا ذكرنَا كَانَ إِلَى الْفِتْنَة أقرب مِنْهُ إِلَى الْجِهَاد بل نقُول إِن الْجِهَاد الشَّرْعِيّ قد تعذر مُنْذُ أحقاب فَكيف تطلبه الْيَوْم فَإِن كنت تسارع إِلَى الْحَرْب لتدركه جهلا مِنْك بِحَقِيقَة الْأَمر فَاعْلَم أَنَّك إِنَّمَا تسارع إِلَى إيقاد نَار الْفِتْنَة وايجاد الْعَدو السَّبِيل عَلَيْك وإمكانه من ثغرتك وتسليطه على السَّبي لحريمك وَمَالك ودمك نسْأَل الله الْعَافِيَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون مِمَّن اخْتَارَهُمْ الله وأهلهم لذَلِك وَكتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ كَمَا نسْمع الْيَوْم عَن أمة الْحَبَشَة والنوبة الَّذين يُقَاتلُون عَسَاكِر النجليز على تخوم صَعِيد مصر وَغَيرهَا فقد تَوَاتر النَّقْل وَصَحَّ الْخَبَر أَن دولة النجليز قد بارت حيلها مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَأَنَّهَا وجهت إِلَيْهِم العساكر من الديار المصرية بِكُل قُوَّة وشوكة مرّة بعد أُخْرَى فمحقوهم محقا مَعَ أَنهم لايقاتلونهم فِي الْغَالِب إِلَّا بالحراب على عَادَة السودَان فِي ذَلِك والنصر بيد الله وَأما الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ الْفَهم عَن الله تَعَالَى وَالنَّظَر فِي تَصَرُّفَاته سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْوُجُود بِعَين الِاعْتِبَار فَهَذَا حق الْكَلَام فِيهِ أَن يكون من أَرْبَاب البصائر المتنورة والقلوب المطهرة لَا من أمثالنا الَّذين أَصْبحُوا على أنفسهم مسرفين وَفِي أَوديَة الشَّهَوَات منهمكين تداركنا الله بِلُطْفِهِ لَكنا نقُول وَإِن كَانَ القَوْل من بَاب الفضول إِذا نَظرنَا مَا عَامل الله تَعَالَى بِهِ عَبده أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا الْحسن أيده الله وَجَدْنَاهُ وَالْحَمْد لله مصنوعا لَهُ مصحوبا بالعناية الإلهية مكلوء بِعَين الرِّعَايَة الربانية تصحبه السَّعَادَة أَيْنَمَا توجه ويختار لَهُ فِي جَمِيع مَا يحاوله وَلَا تنجلي مهماته إِلَّا عَن
(3/191)
________________________________________
مَا يسر الصّديق ويسوء الْعَدو فَالْحَمْد لله على ذَلِك حمدا كثيرا وَهُوَ مَعَ ذَلِك جميل الظَّن بربه حسن العقيدة فِي توكله عَلَيْهِ مُفردا وجهته إِلَيْهِ حَرِيصًا على استصلاح رَعيته ذَا غيرَة تَامَّة على الدّين والوطن بِحَيْثُ فاق بذلك وَغَيره من خِصَال الْخَيْر كثيرا من مُلُوك عشيرته الَّذين تقدموه وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن الرَّأْي الَّذِي لَا رَأْي فَوْقه أَن نفوض إِلَيْهِ فِي ذَلِك ونثق بِحسن رَأْيه ويمن نقيبته ونجاوبه فِي هَذِه النَّازِلَة بِأَن الْأَمر فِي ذَلِك إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره إِذْ هُوَ الَّذِي طوقه الله أمرنَا وكلفه النّظر لنا والنصح لدينا وَإِن كَانَ لَا بُد من المشورة فَلَيْسَتْ إِلَّا مَعَ أهل الْحل وَالْعقد وَقد قَالَ الْعلمَاء أهل الْحل وَالْعقد هم أهل الْعلم وَالدّين وَالْبَصَر بِهَذَا الْأَمر الْخَاص لِأَنَّهُ يشْتَرط فِي كل من ولي النّظر فِي أَمر مَا من الْأُمُور الْعلم بِهِ فَمَا اخْتَارَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ اخترناه وَمَا انْشَرَحَ لَهُ صَدره وأمضاه أمضيناه وَكَيف لَا وَمَا عوده الله إِلَّا خيرا {وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم} الْآيَة وَعَسَى أَن يكون فِيمَا طلبه هَؤُلَاءِ الْأَجْنَاس فَسَاد أَمرهم وَصَلَاح أمرنَا وَذَلِكَ الظَّن بِهِ تَعَالَى وَمَا هُوَ عَلَيْهِ بعزيز فَيكون تدميرهم فِي تدبيرهم وَقد استروحنا وَالْحَمْد لله نسيم الْفرج مِمَّا كُنَّا فِيهِ قبل الْيَوْم تمم الله علينا نعْمَته آمين وَأَيْضًا فَفِي التَّفْوِيض فِي هَذِه النَّازِلَة ضرب من التبري من الْحول وَالْقُوَّة فَحَيْثُ ساقت الأقدار إِلَيْنَا هَذَا الْأَمر فَيَنْبَغِي أَن نتلقاه بالرضى وَالتَّسْلِيم بِخِلَاف مَا إِذا استعملنا فِيهِ حيلتنا ورأينا فَيكون من بَاب الدُّخُول فِي التَّدْبِير وشتان مَا بَين التَّفْوِيض وَالتَّدْبِير وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قَالَه وَكتبه أَحْمد بن خَالِد الناصري كَانَ الله لَهُ فِي عَاشر شعْبَان سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَألف اهـ ثمَّ إِن الله تَعَالَى لطف فِي هَذِه النَّازِلَة بمنه اللَّطِيف الْجَمِيل وَكفى مؤنتها من ذَلِك الْمَطْلُوب بِشَيْء قَلِيل وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان أيده الله سرح لَهُم وسق الْقَمْح وَالشعِير ثَلَاث سِنِين وَوضع عَنْهُم من صاكتهما نَحْو الرّبع لَا غير وَلم يحصل وَالْحَمْد لله للرعية ضَرَر قطّ
ثمَّ دخلت سنة أَربع وثلاثمائة وَألف فِيهَا كتب السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده الله إِلَى عُلَمَاء فاس كتابا يستفتيهم فِي حكم التِّجَارَة فِي الأعشاب المرقدة
(3/192)
________________________________________
والمفسدة ويستشيرهم فِي تسريحها وإمساكها وَنَصّ ذَلِك الْكتاب بعد الِافْتِتَاح أحباءنا فُقَهَاء فاس الأجلة المرضيين وعلماءها المرشدين سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فطالما قدمنَا رجلا وأخرنا أُخْرَى فِي تَسْرِيح الصاكة الَّتِي هِيَ الأعشاب المرقدة والمفسدة وَنَحْوهَا وَكَانَ تسريحها من أهم الْأُمُور لدينا وآكد من تَسْرِيح غَيرهَا كالأبواب لما نجده فِي نفسنا لَهَا من الاستقباح ونستقذره من أمرهَا فِي الغدو والرواح مَعَ مزِيد ثقلهَا على فؤادنا وَكَونهَا أحرج فِي روعنا وَكَانَ أسلافنا قدسهم الله اجتهدوا فِي قطعهَا وحسم مادتها بِكُل مَا أمكنهم وأفضى بهم الْحَال إِلَى إحراقها مرَارًا وَلما رَأَوْا تمالؤ الرعاع والسفهاء والمقلين والمعدمين عَلَيْهَا ارتكبوا فِيهَا مَا يحصل بِهِ التَّضْيِيق على مستعمليها وتمنع مِنْهُم فَلَا يلْحقهَا إِلَّا من عِنْده مَا يشريها بِهِ وهم فِي أُولَئِكَ الرعاع قَلِيل مَعَ النّظر لما يحصل لبيت المَال من النَّفْع الْكثير فحيزت لجَانب المخزن لتَحْصِيل المقصدين الْمَذْكُورين وَحَيْثُ قذف الله فِي قلبنا تسريحها ورفض درن مَا يحصل مِنْهَا تعَارض لدينا أَمْرَانِ وهما إبقاؤها بيد المخزن وتسريحها أما الأول فَهُوَ الَّذِي فَرَرْنَا مِنْهُ وَبينا علله وَأما الثَّانِي وَهُوَ التسريح فمقتضاه إغراء الرعاع والسفهاء على اسْتِعْمَالهَا وَلَا سِيمَا مَعَ انحطاط ثمنهَا فيتناولها الْقوي والضعيف فَيصير ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى إِبَاحَة مَا كَانُوا ممنوعين مِنْهُ فيتجاهرون بِهِ وَلَا يَخْشونَ رقيبا وَيَأْتِي مِنْهَا من بر النَّصَارَى مَا لَا حصر لَهُ فيعشر كَسَائِر المعشرات الْمُبَاحَة وتنبني على ذَلِك مفاسد هِيَ أعظم من كَونهَا محوزة وأشكل الْأَمر فلتبينوا المخلص من ذَلِك بِمَا تَقْتَضِيه قَوَاعِد الشَّرِيعَة المطهرة حَتَّى نخرج من عُهْدَة ذَلِك فَإِن الْخطب عَظِيم وَالسَّلَام فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم عَام أَرْبَعَة وثلاثمائة وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أيده الله وَأجَاب عَنهُ عُلَمَاء فاس وفرهم الله بِجَوَاب طَوِيل مرجعه إِلَى حُرْمَة اسْتِعْمَال تِلْكَ الأعشاب وَالتِّجَارَة فِيهَا حَسْبَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء والصوفية رضوَان الله عَلَيْهِم وَلما كَانَ الْمَقْصُود الأهم للسُّلْطَان أيده الله هُوَ الْإِشَارَة بكيفية التَّخَلُّص من ورطة تسريحها والحصول على السَّلامَة مِمَّا عَسى أَن ينشأ عَنهُ من الْمَفَاسِد المرموز إِلَيْهَا فِي الْكتاب الشريف كتب
(3/193)
________________________________________
إِلَى بعض الْأَحِبَّة من فاس بِقصد المذاكرة فِي النَّازِلَة فأجبته عَنْهَا بِمَا نَصه اعْلَم حفظك الله أَن مَا أجَاب بِهِ سادتنا فُقَهَاء فاس من حرمتهَا وَوُجُوب تخلي المخزن عَن بيعهَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا محيد عَنهُ لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ تِلْكَ الأعشاب من الْمَفَاسِد العديدة الَّتِي كل وَاحِدَة مِنْهَا كَافِيَة فِي الْجَزْم بحرمتها وَقد بَينا شَيْئا من ذَلِك فِي كتاب الِاسْتِقْصَاء عِنْد الْكَلَام على حدوثها ودخولها لبلاد الْمغرب أَيَّام الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فلينظره من أَرَادَهُ فَإِنَّهُ كَاف فِي هَذَا الْبَاب وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكتاب الشريف من أَن مصلحَة احتياز المخزن لَهَا واستبداده بِبَيْعِهَا هِيَ التَّضْيِيق على مستعمليها حَتَّى لَا يَتَنَاوَلهَا مِنْهُم إِلَّا الملي بِثمنِهَا دون الْفَقِير الخ فَهِيَ مصلحَة موهوبة أَو مَعْدُومَة لجزمنا بِأَن الْحَامِل لمتعاطيها على اسْتِعْمَالهَا إِنَّمَا هُوَ التبذل وَقلة الْمُرُوءَة ورقة الدّيانَة وخسة النَّفس وَسُقُوط الهمة كَمَا أَن الْوَازِع لمن لم يتعاطاها إِنَّمَا هُوَ كَمَال الْمُرُوءَة ومتانة الدّيانَة وَشرف النَّفس وعلو الهمة لَا فقدان ذَلِك الثّمن التافه كَيفَ لَا وَهِي لَا يتعاطاها فِي الْغَالِب إِلَّا الْفُقَرَاء المقلون فمصلحة التَّضْيِيق عَلَيْهِم فِي ثمنهَا مفقودة كَمَا ترى وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْوَاجِب شرعا ومروءة هُوَ تَنْزِيه منصب الْإِمَامَة الإسلامية والخلافة النَّبَوِيَّة الَّتِي هِيَ أهم الخطط الدِّينِيَّة والمناصب الشَّرْعِيَّة عَن التِّجَارَة فِيهَا وتطهير تِلْكَ الساحة الْكَرِيمَة من التلوث بأقذارها إِذْ لَا يُنَاسب ذَلِك حَال مُطلق الْمُسلمين فَكيف بجناب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فَفِي تنَاول ذَلِك الجناب لَهَا بِالتِّجَارَة والاستبداد بِالرِّبْحِ تهييج للعامة عَلَيْهَا وإغراء لَهُم بتعاطيها كَمَا قَرَّرَهُ عُلَمَاء فاس حفظهم الله وَلَو نهوا عَنْهَا لما انْتَهوا بل رُبمَا احْتَجُّوا بِأَنَّهَا لَو كَانَت حَرَامًا مَا احتازها المخزن واستبد بربحها وَمن الْعَادة المقررة أَنه لَا يمتثل إِلَّا قَول الممتثل وَلَا يؤتمر إِلَّا بِأَمْر المؤتمر وَلما انبرم الصُّلْح بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين قُرَيْش يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَأمر أَصْحَابه أَن ينحروا ويحلقوا أَمْسكُوا وَلم يَفْعَلُوا حَتَّى قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا لم يقم مِنْهُم أحد قَامَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدخل على أم سَلمَة فَذكر لَهَا مَا لَقِي من النَّاس فَقَالَت أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا يَا نَبِي الله اخْرُج ثمَّ لَا تكلم مِنْهُم أحدا كلمة حَتَّى تنحر بدنك وَتَدْعُو حالقك فيلحقك فَخرج صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(3/194)
________________________________________
وَلم يكلم أحدا مِنْهُم حَتَّى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَامُوا فنحروا وَجعل بَعضهم يحلق بَعْضًا حَتَّى كَادُوا يقتتلون اهـ فَكَذَلِك نقُول هُنَا إِن الْعَامَّة مهما رَأَوْا الْأَمِير تعاطى شَيْئا تعاطوه وَإِذا رَأَوْهُ نبذ أمرا نبذوه لِأَن الْعَامَّة مولعون بالاقتداء بالأمير وَمن فِي مَعْنَاهُ من الكبراء حَسْبَمَا قَرَّرَهُ ابْن خلدون فِي كتاب طبيعة الْعمرَان من تَارِيخه وَأما التخوف من الْإِتْيَان بهَا من بر النَّصَارَى واشتغالهم بِالتِّجَارَة فِيهَا بأسواق الْمُسلمين وَنصب الدكاكين لبيعها وَمَا ينشأ عَن ذَلِك من الْمَفَاسِد فَهُوَ مَأْمُون بِمُقْتَضى الشُّرُوط المنعقدة بَيْننَا وَبينهمْ حَسْبَمَا تضمنه الشَّرْط الثَّانِي وَالْخَامِس وَالسَّابِع من شُرُوط التِّجَارَة المنعقدة مَعَ النجليز خُصُوصا وَغَيره عُمُوما سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فقد صرح فِي الشَّرْط الثَّانِي مِنْهَا بِأَن هَذِه الأعشاب وَنَحْوهَا من جملَة الممنوعات دُخُولا وخروجا ثمَّ نبه على ذَلِك أَيْضا فِي الْخَامِس وَالسَّابِع فلينظره من أَرَادَهُ وَإِنَّمَا يكون لَهُم بعد تخلي السُّلْطَان عَن بيعهَا أَن يجلبوا مِنْهَا مَا يحتاجونه لأَنْفُسِهِمْ فَقَط لَا أَكثر مِنْهُ كَالْخمرِ أَلا ترى أَنهم الْيَوْم إِنَّمَا يجلبون مِنْهَا مَا يشربونه ويتبايعونه فِيمَا بَينهم وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى التِّجَارَة بهَا فِي أسواق الْمُسلمين وَنصب الدكاكين لبيعها فَكَذَلِك هَذِه الأعشاب حكمهَا حكم الْخمر حَذْو النَّعْل بالنعل وَإِذا امْتنع المخزن من التِّجَارَة فِيهَا مَعَ بَقَاء منع الرّعية مِنْهَا أَيْضا فَلَا حجَّة لِلنَّصَارَى فِي ذَلِك وَلَا مُتَكَلم لَهُم فِيهِ إِذْ لَيْسَ فِي امْتنَاع المخزن حِينَئِذٍ إِلَّا تَأْكِيد الْمَنْع الَّذِي كَانَ قبل وَإِنَّمَا تكون لَهُم الْحجَّة إِذا بِيعَتْ لبَعض الرعايا دون بعض لِأَن حَاصِل شُرُوط التِّجَارَة الْخَمْسَة عشر ومدارها على أَن رعايا الْأَجْنَاس يكون لَهَا مَا لرعية الإيالة المغربية من التحجير وَالْإِطْلَاق والتخصيص والتعميم بِحَيْثُ لَا يستبد أحد من الْفَرِيقَيْنِ بِنَوْع من أَنْوَاع التِّجَارَة دون الآخر إِلَّا مَا للمخزن فِيهِ غَرَض ومصلحة فِي تثقيفه من أَشْيَاء مَخْصُوصَة فَإِنَّهُ يثقفه بنظره إِذا شَاءَ ويسرحه كَذَلِك مَتى شَاءَ وَإِن اقْتضى نظره أَن يستبد بأرباح شَيْء من ذَلِك دون رعايا الْفَرِيقَيْنِ فَلهُ ذَلِك وَإِنَّمَا الْمَمْنُوع أَن يُبِيح لرعيته دون رعايا غَيره أَو يُبِيح لبَعض الْأَجْنَاس دون بعض هَذَا هُوَ الْمَمْنُوع فِي الشُّرُوط أما هُوَ فِي خَاصَّة نَفسه ومصلحة ملكه فَلهُ أَن
(3/195)
________________________________________
يستبد من تِلْكَ الممنوعات بِمَا شَاءَ هَذَا حَاصِل تِلْكَ الشُّرُوط وَإِن طَالَتْ وامتدت إِذا علمت هَذَا فَكيف يتخوف عِنْد امْتنَاع السُّلْطَان من بيع تِلْكَ الأعشاب مَعَ اسْتِمْرَار منع الرّعية مِنْهَا أَيْضا الْإِتْيَان بهَا من بر النَّصَارَى ومتاجرتهم بهَا فِي أسواق الْمُسلمين وَنصب الدكاكين لَهَا الخ هَذَا لَا يتَوَهَّم نعم يتخوف من ذَلِك إِذا امْتنع السُّلْطَان من بيعهَا وَأذن للنَّاس فِيهِ وَأطلق لَهُم يَد التَّصَرُّف بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَاد السُّلْطَان أيده الله وَإِن أَوْهَمهُ لفظ الْكتاب الشريف حَيْثُ قَالَ طالما قدمنَا رجلا وأخرنا أُخْرَى فِي تَسْرِيح الصاكة الخ وَلَعَلَّ الْكَاتِب أَو المملي عَلَيْهِ لم يحرر مُرَاد السُّلْطَان أيده الله فنسج الْكتاب على ذَلِك المنوال وأوهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله يُرِيد أَن يمْتَنع من بيع تِلْكَ الأعشاب تقذرا لَهَا وتأففا مِنْهَا ويبيحها لرعيته من الْمُسلمين وَغَيرهم ومعاذ الله أَن يكون هَذَا مُرَاده كَيفَ وَهُوَ أيده الله من أخْشَى الْمُلُوك وأتقاهم لله وأحبهم لرعاياه وأحدبهم عَلَيْهَا وأحرصهم على جلب النَّفْع لَهَا وَدفع الضّر عَنْهَا وأعلمهم بقول جده عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يكون الْمُؤمن مُؤمنا حَتَّى يحب لِأَخِيهِ الْمُؤمن مَا يحب لنَفسِهِ فقد بَان لَك من هَذَا التَّقْرِير أَن الْوَاجِب شرعا ومروءة هُوَ الْمُبَادرَة إِلَى رفض التِّجَارَة فِي تِلْكَ الأعشاب وتطهير ساحة الْإِمَامَة الإسلامية من قذرها قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف رَسُوله صلوَات الله عَلَيْهِ {وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث} الْأَعْرَاف 157 وكما يجب على أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله تَطْهِير ساحة الْخلَافَة مِنْهَا يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي تَطْهِير ساحة الْمُسلمين أَيْضا مِنْهَا لما أسلفناه آنِفا فَإِن قلت أما مَا ذكرته من الْمُبَادرَة إِلَى تَطْهِير ساحة الْخلَافَة مِنْهَا فسهل متيسر إِن شَاءَ الله وَأما تَطْهِير ساحة الْمُسلمين مِنْهَا فَيظْهر أَنه فِي غَايَة الصعوبة لِأَن الْعَامَّة إِذا حملُوا على رفضها كرة وألجئوا إِلَى ترك اسْتِعْمَالهَا بالمرة ضَاقَ بهم المتسع وَسَاءَتْ أَخْلَاقهم وحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وَرُبمَا صدر مِنْهُم مَا لَا يَنْبَغِي من الإعلان بِالْخِلَافِ والمجاهرة بالعصيان
وَمن وَصَايَا أرسطوطاليس الْحَكِيم لتلميذه الْإِسْكَنْدَر يَا إسكندر تغافل عَن الْعَامَّة مَا أمكن وَلَا تلجئها أَن تَقول فِيك إِلَّا خيرا فَإِن الْعَامَّة إِذا قدرت
(3/196)
________________________________________
أَن تَقول قدرت أَن تفعل أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَالْحَاصِل أَن فطم الْعَامَّة عَمَّا اعتادوه من بعض الجهالات وصرفهم عَمَّا مرنوا عَلَيْهِ من بعض الضلالات فِي غَايَة الصعوبة وَلَا يَتَيَسَّر ذَلِك إِلَّا لمن هيأه الله لَهُ من نَبِي مُرْسل أَو ولي كَامِل أَو إِمَام عَادل وَإِذا كَانَ صرف الْعَامَّة عَن هَذِه الْمفْسدَة الَّتِي اعتادوها ونشؤوا عَلَيْهَا جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن يُؤَدِّي إِلَى الْهَرج وَالْخلاف جزما أَو ظنا فَالْوَاجِب هُوَ تَركهم على مَا هم عَلَيْهِ لِأَن تَغْيِير الْمُنكر لَهُ شُرُوط مِنْهَا أَن لَا يُؤَدِّي إِلَى مُنكر أعظم كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع
قُلْنَا كل مَا قَرّرته فِي هَذَا السُّؤَال حق لَا محيد عَنهُ وَلَكِن نَحن لَا نقُول إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله يحمل الْعَامَّة على رفضها كرة ويلجئهم إِلَى تَركهَا بالمرة بل يسْلك مَعَهم فِي ذَلِك سَبِيل التدريج كَمَا سلكه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَحْرِيم الْخمر على الْعَرَب فَإِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْعرب من أعشق الْأُمَم للخمر وأشدهم بهَا ولوعا وَأَكْثَرهم لَهَا حبا حَتَّى كَانَت شَقِيقَة روحهم ومغناطيس أنسهم قد اتَّخذُوا لَهَا الْمجَالِس الحفيلة واختاروا لَهَا الْقَيْنَات الجميلة وضربوا عَلَيْهَا بالمعازف والدفوف وحكموا لَهَا على غَيرهَا من مألوفاتها بغاية الشفوف حَتَّى نسبوا بهَا فِي أشعارهم وتوجوا بهَا بَنَات أفكارهم وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُؤثر عَن أمة من محبَّة الْخمر ومدحها مَا أثر عَن الْعَرَب فَلذَلِك لما انصرفت عناية الشَّرْع الْكَرِيم إِلَى تَحْرِيمهَا كَانَ ذَلِك على سَبِيل التدريج كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي الْكتاب وَالسّنة حَتَّى تمّ مُرَاد الله وَرَسُوله من الْعَرَب فرفضوها بِالْكُلِّيَّةِ وسماها الشَّارِع أم الْخَبَائِث زِيَادَة فِي التنفير مِنْهَا وَمَا حرمت آلَات اللَّهْو إِلَّا من أجلهَا ومبالغة فِي تَحْرِيمهَا إِذْ هِيَ وَسِيلَة إِلَيْهَا كَمَا حَقَّقَهُ الْغَزالِيّ رَحمَه الله فِي كتاب السماع من الْإِحْيَاء وَفِي تَفْسِير الخازن بعد سرده كَيْفيَّة التَّحْرِيم مَا نَصه وَالْحكمَة فِي وُقُوع التَّحْرِيم على هَذَا التَّرْتِيب أَن الله تَعَالَى علم أَن الْقَوْم كَانُوا قد ألفوا شرب الْخمر وَكَانَ انتفاعهم بذلك كثيرا فَعلم أَنه لَو مَنعهم من الْخمر دفْعَة وَاحِدَة لشق عَلَيْهِم فَلَا جرم اسْتعْمل هَذَا التدريج وَهَذَا الرِّفْق قَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ حرمت الْخمر وَلم يكن للْعَرَب يَوْمئِذٍ عَيْش أعجب مِنْهَا وَمَا
(3/197)
________________________________________
حرم عَلَيْهِم شَيْء أَشد عَلَيْهِم من الْخمر اهـ إِذا علمت هَذَا فَنَقُول كَذَلِك يَنْبَغِي لأمير الْمُؤمنِينَ أيده الله أَن يسْعَى فِي تَطْهِير رَعيته من خبث هَذِه الأعشاب الَّتِي لَا شَيْء أَخبث مِنْهَا كَمَا أوضحته فِي كتاب الِاسْتِقْصَاء ويسلك مَعَهم فِيهَا سَبِيل التدريج صارفا همته إِلَيْهِ ومستعينا بِاللَّه ومتوكلا فِي ذَلِك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصعب ذَلِك عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله
(إِذا كَانَ عون الله للمرء ناصرا ... تهَيَّأ لَهُ من كل صَعب مُرَاده)
وَقَالَ البوصيري لسَيِّد الْوُجُود صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَقُول ولأمير الْمُؤمنِينَ من حَال جده قسط وَالْحَمْد لله
(كل أَمر تعنى بِهِ تغلب الْأَعْيَان ... فِيهِ ويعجب البصراء)
وَكَيْفِيَّة التدريج فِي ذَلِك أَن يَأْمر أيده الله عُلَمَاء الْمجَالِس وخطباء المنابر ووعاظ الكراسي بالتواطىء على ذمّ تِلْكَ الأعشاب وتقبيحها فِي نفوس الْعَامَّة وإبداء معايبها لَهُم وَشرح مفاسدها لديهم والتغليظ فِي ذَلِك بأبلغ مَا يُمكن وَمن قدر على تأليف أَلفه أَو شعر نظمه أَو رِسَالَة أَنْشَأَهَا ويستمرون على ذَلِك ثَلَاثَة أشهر أَو أَرْبَعَة أَو أَكثر من ذَلِك فَإِن ذَلِك لَا بُد أَن يُؤثر فِي نفوس الْعَامَّة بعض التَّأْثِير فَإِن الهمم إِذا تواطأت على شَيْء أثرت فِيهِ بعون الله لَا سِيمَا همم أهل الْخَيْر وَفِي الحَدِيث يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ بعد مُضِيّ هَذِه الْمدَّة وتقرر قبحها فِي نفوس الْعَامَّة يكْتب أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله إِلَى قُضَاته وَيَأْمُرهُمْ بتفقد الشُّهُود وأئمة الْمَسَاجِد فَمن عثروا عَلَيْهِ أَنه يسْتَعْمل شَيْئا من تِلْكَ الْخَبَائِث أسقطوا شَهَادَته وحظروا إِمَامَته وَأَن لَا يقبلوه وَلَو فِي اللفيف ويوالي الْكِتَابَة والاعتناء بذلك مُدَّة مثل الأولى أَو أَكثر فَيَزْدَاد قبحها فِي نفوس الْعَامَّة وتعزف نفوس كثير مِنْهُم عَنْهَا ثمَّ بعد هَذَا كُله يكْتب لولاة الْأَمْصَار وعمال الْبَوَادِي أَن يتقدموا إِلَى رعاياهم بِمَنْع ازدراعها وادخار شَيْء مِنْهَا أَو التِّجَارَة فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِذا تمّ هَذَا الْغَرَض على هَذَا الْوَجْه تخلى هُوَ حِينَئِذٍ عَن بيعهَا وَأمر بإحراق بَاقِيهَا وسد حاناتها الْمُسَمَّاة فِي عرفنَا بالقهاوي وَيمْنَع النَّاس من اسْتِعْمَالهَا فِي المجامع الْعَامَّة كالأسواق وَنَحْوهَا ويشدد فِي ذَلِك ويعلن بالنداء فِي جَمِيع الإيالة المغربية بِأَن حكم هَذِه
(3/198)
________________________________________
الأعشاب حكم الْخمر فَكَمَا لَا يتجاهر بِالْخمرِ فِي الْأَسْوَاق وَنَحْوهَا كَذَلِك لَا يتجاهر بِاسْتِعْمَال هَذِه الأعشاب فِيهَا وَمن فعل ذَلِك أدب أدبا يَلِيق بِهِ ويرتدع بِهِ غَيره فَهَذَا أقْصَى مَا يَفْعَله السُّلْطَان والتوفيق بعد ذَلِك بيد الله وَإِذا تمّ هَذَا الْعَمَل فِي نَحْو ثَلَاث سِنِين فَهُوَ قريب وَإِذا يسر الله ذَلِك كَانَ فِيهِ بشرى للْمُسلمين وعنوانا لَهُم على تَجْدِيد دينهم ولعمري مَا كَانَ أَمر الْخمر فِي الْعَرَب إِلَّا أرسخ من أَمر هَذِه الأعشاب فِي النَّاس الْيَوْم بِكَثِير وَأَن الشُّبْهَة كَانَت فِيهَا أقوى مِنْهَا فِي هَذِه وَذَلِكَ مَظَنَّة سهولة زَوَالهَا وتطهير الْبِلَاد والعباد مِنْهَا وَمَا ذَلِك على الله بعزيز قَالَه وَكتبه أَحْمد بن خَالِد الناصري لطف الله بِهِ فِي خَامِس عشر ربيع الثَّانِي سنة أَربع وثلاثمائة وَألف
ثمَّ إِن السُّلْطَان أيده الله رفض التِّجَارَة فِيهَا وأحرق مَا كَانَ محوزا لجَانب المخزن مِنْهَا وَمنع تجار الْأَجْنَاس من جلبها إِلَى قطر الْمغرب إِلَّا الْقدر الَّذِي يستعملونه فِي خَاصَّة أنفسهم مِنْهَا بِشَرْط تعشيره وَقصر نُزُوله على مرسى طنجة دون سَائِر المراسي المغربية وَالْحَال على ذَلِك لهَذَا الْعَهْد
وَلما دخلت سنة خمس وثلاثمائة وَألف غزا السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده الله آيت ومالو من برابرة فازاز وهم بطن من صنهاجة يشْتَمل على أفخاذ كَثِيرَة مثل ظيان وَبني مكيلد وشقيرين وآيت سخمان وآيت يسري وَغَيرهم أُمَم لَا يحصيهم إِلَّا خالقهم قد عمروا جبال فازاز وملؤوا قننها وتحصنوا بأوعارها مُنْذُ تملك البربر الْمغرب قبل الْإِسْلَام بأعصار طَوِيلَة فَلَمَّا كَانَت السّنة الْمَذْكُورَة خرج السُّلْطَان من مكناسة الزَّيْتُون عَاشر رَمَضَان مِنْهَا بِقصد غَزْو هَذِه الْقَبَائِل العاصية وتدويخ بلادها إِذْ لم تكن تبذل الطَّاعَة إِلَّا للْوَاحِد بعد الْوَاحِد من مُلُوك دوَل الْمغرب فِي الْأَعْصَار المتراخية حَسْبَمَا يعلم مِمَّا أسلفناه فِي هَذَا الدِّيوَان من أخبارهم وأخبار غَيرهم فَانْتهى السُّلْطَان إِلَى تِلْكَ الْجبَال ودوخها ثمَّ إِلَى قَصَبَة آدخسان الَّتِي بناها الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله فوفد عَلَيْهِ هُنَاكَ جلّ تِلْكَ الْقَبَائِل وبذلوا الطَّاعَة وأظهروا الخضوع وبذلوا الْمُؤَن والأنزال للجيش والهدايا للسُّلْطَان إِلَّا مَا كَانَ من آيت سخمان فَإِنَّهُم أظهرُوا الطَّاعَة أَولا كغيرهم وطلبوا من السُّلْطَان أَن يبْعَث مَعَهم طَائِفَة من
(3/199)
________________________________________
الْجَيْش ليدفعوا لَهُم الْمُؤَن وَمَا وظف عَلَيْهِم من الْهَدَايَا والأنزال فَأرْسل مَعَهم السُّلْطَان مِائَتي فَارس وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِ عَمه الشريف الْفَاضِل الناسك مولَايَ سرُور بن إِدْرِيس بن سُلَيْمَان وجده سُلَيْمَان هَذَا هُوَ أحد مُلُوك هَذِه الدولة العلوية حَسْبَمَا تقدم فَلَمَّا توسطوا حلَّة آيت سخمان مَعَ الْعشي تناجوا فِيمَا بَينهم والشيطان لَا يفارقهم فاتفقوا على الْغدر بأصحاب السُّلْطَان وفرقوهم على مداشرهم وحللهم فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء الْأَخِيرَة أظهرُوا عَلامَة بَينهم وسعت كل طَائِفَة إِلَى من عِنْدهَا من أَصْحَاب السُّلْطَان فأوقعوا بهم فَقتلُوا مِنْهُم نَحْو الْعشْرين على مَا قيل وأفلت الْبَاقُونَ بجريعاء الذقن وَكَانَ فِيمَن قتل مِنْهُم كَبِيرهمْ الشريف مولَايَ سرُور الْمَذْكُور وَكَانَ من خِيَار عشيرته رَحْمَة الله عَلَيْهِ رَمَوْهُ برصاصة وطعنوه بتفالة وَكَانَت هَذِه الفعلة الشنعاء بِإِشَارَة كَبِيرهمْ عَليّ بن الْمَكِّيّ من بَقِيَّة آل مهاوش الَّذين تقدم الْخَبَر عَنْهُم فِي دولة السُّلْطَان مولَايَ سُلَيْمَان رَحمَه الله ثمَّ أَسرُّوا من ليلتهم تِلْكَ فَلم يصبحوا إِلَّا بآيت حديدو وآيت مرغاد وَغَيرهمَا من قبائل البربر وَتَفَرَّقُوا شذر مذر وَبَقِي مِنْهُم نفر يسير على مَا قيل فَقبض عَلَيْهِم من الْغَد وَضربت أَعْنَاقهم وَقَالَ بعض من حضر الْوَقْعَة إِنَّهُم لما فعلوا فعلتهم هربوا من تَحت اللَّيْل وَتركُوا زُرُوعهمْ وأمتعتهم فِي مداشرهم وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان بعث فِي طَلَبهمْ طَائِفَة من عسكره وَضم إِلَيْهِم خيل شقيرين إخْوَانهمْ وَكَانُوا راكبين مَعَ السُّلْطَان مظهرين للطاعة فانتهبوا أمتعتهم وانتسفوا رزوعهم وهدموا أبنيتهم وحرقوا بُيُوتهم وأبلغوا فِي النكاية وتحامت خيل شقيرين ذَلِك إبْقَاء على إخْوَانهمْ وتعصبا للبربرية وَرُبمَا دسوا إِلَيْهِم من أعلمهم بِالْحَال وَأمرهمْ بالإبعاد فِي الارتحال وَلما اطلع السُّلْطَان على خبيئة شقيرين أَمر بِنَهْب حللهم وَأسر من ظفر بِهِ مِنْهُم وَقَتله فأوقع بهم جَيش السُّلْطَان وقْعَة شنعاء فأسروا مِنْهُم عددا وافرا وضربوا أَعْنَاق نَحْو الثَّلَاثِينَ مِنْهُم وانتهبوا حللهم ومداشرهم حَتَّى كَأَن لم تغن بالْأَمْس وَمن الْغَد جَاءَت نِسَاؤُهُم وأطفالهم فاستجاروا بالمدافع واستغاثوا بالسلطان فرق لَهُم وسرح مساجينهم وكساهم وَعَفا عَنْهُم وَكَانَ هَذَا كُله فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي
(3/200)
________________________________________
سنة خمس وثلاثمائة وَألف ثمَّ قفل السُّلْطَان رَاجعا فَدخل مكناسة الزَّيْتُون أَوَاخِر ذِي الْحجَّة خَاتِمَة السّنة الْمَذْكُورَة
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وثلاثمائة وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان جبال غمارة فَخرج من حَضْرَة فاس عَاشر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فسلك تِلْكَ الْجبَال ودوخها وزار تربة الشَّيْخ الْأَكْبَر والكبريت الْأَحْمَر أَبَا مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ ثمَّ تقدم إِلَى مَدِينَة تطاوين فَدَخلَهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن الْمحرم من السّنة الَّتِي تَلِيهَا أَعنِي سنة سبع وثلاثمائة وَألف فَأَقَامَ بهَا نَحْو الْخَمْسَة عشر يَوْمًا وزار صلحاءها وَتَطوف فِي معالمها وتبارى وُجُوه أهل تطاوين وكبراؤهم فِي الإهداء إِلَيْهِ وبذل المجهود فِي الاعتناء بحاشيته وجيشه وأعجب ذَلِك السُّلْطَان وحاشيته وَرَأَوا مِنْهُم مَا تقر بِهِ أَعينهم وأنعم عَلَيْهِم السُّلْطَان بِعشْرَة آلَاف ريال لبِنَاء قنطرة يرتفقون بهَا فِي وَادِيهمْ الْمُحِيط بمدينتهم لَكِن لم يحصل مَقْصُود من ذَلِك لعدم إتقان بنائها فتهدمت فِي الْحَال وَضاع ذَلِك المَال ثمَّ سَار السُّلْطَان من تطاوين إِلَى طنجة ثمَّ مِنْهَا إِلَى العرائش ثمَّ عَاد إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا إِلَى أواسط شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ غزا آيت سخمان الَّذين قتلوا ابْن عَمه مولَايَ سرُور فأوقع بهم وَقبض على نفر مِنْهُم وَلم يتَمَكَّن مِنْهُم على مَا يَنْبَغِي ثمَّ سَار إِلَى مراكش فأعرس لجَماعَة من بنيه وَبنَاته ووفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من أقطار الْمغرب بالتهنئة وتباروا فِي الْهَدَايَا والتحف على مَا يَنْبَغِي وَبَالغ السُّلْطَان فِي إكرامهم وإفاضة الإنعام عَلَيْهِم وَاسْتمرّ أيده الله على كرْسِي ملكه وأريكة عزه وسلطانه وَالْأَيَّام سلم لَهُ وَالدُّنْيَا مهنأة بعزه وَنَصره والرعية طوع نَهْيه وَأمره إِلَّا مَا كَانَ من نواب أَجنَاس الدول فَإِنَّهُم أَكْثرُوا التَّرَدُّد إِلَيْهِ والاقتراحات عَلَيْهِ والتلونات لَدَيْهِ فَمرَّة بالنصائح الفارغة وَمرَّة بالتظلمات الْبَاطِلَة والحجج الْوَاهِيَة وَأُخْرَى بِطَلَب التَّخْفِيف من الأعشار والتنقيص من الصاكات إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا تكَاد تقوم لَهُ الْجبَال الراسية وَهُوَ يدافعهم ويراوغهم وحيدا لَا نَاصِر لَهُ وَلَا معِين إِلَّا الله الَّذِي أيد بِهِ الدّين وعصم بِهِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين
وَلما كَانَت سنة عشر وثلاثمائة وَألف خرج السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده
(3/201)
________________________________________
الله غازيا صحراء تافيلالت وقبائلها فَخرج إِلَيْهَا من فاس عقب عيد الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة فَقضى الأوطار من تمهيد تِلْكَ الأقطار على مَا يَنْبَغِي ثمَّ كتب كتابا إِلَى وُلَاة الْمغرب يصف فِيهِ الْحَال وَمَا قاساه فِي تِلْكَ السفرة من الْحل والارتحال فَقَالَ فِي كِتَابه بعد الِافْتِتَاح والطابع الْمُشْتَمل على اسْمه الْمُبَارك مَا نَصه وَبعد فَإِن الله تَعَالَى لما أَقَامَ عَبده بمحض الْفضل وَالِاخْتِيَار وأورثه الأَرْض وَعمر بِهِ الأقاليم والديار لم تكن لنا همة فِيمَا عدا السَّعْي فِي صَلَاح الْمُسلمين وانتظام أُمُورهم وَجمع كلمة الْمُؤمنِينَ وَلم نأل فِي ذَلِك جهدا حَتَّى يسر الله سُبْحَانَهُ قبل فِي الْوُصُول إِلَى سَائِر قبائل رعيتنا السعيدة وتخللنا أراضيهم كلهَا بجيوش الله المصحوبة بالعناية المزيدة فَلم نَتْرُك من الأقاليم إِلَّا النزر الْغَيْر الْمُعْتَبر أَو مَا كَانَ فِي الْوُصُول إِلَيْهِ إِلَّا مُجَرّد الْمَشَقَّة وَالضَّرَر وتفقدنا من أحوالها الْأُمُور وأجريناها على مَا يُرْضِي الله من الاسْتقَامَة فِي الْوُرُود والصدور وَكَانَ مِمَّا بَقِي علينا الْوُصُول إِلَيْهِ هَذِه الأصقاع الصحراوية والمعاقل البربرية الَّتِي كَانَ يفهم قبل أَنَّهَا صعبة المرتقى عديمة وُجُوه الارتقا فاستخرنا الله تَعَالَى وتوكلنا عَلَيْهِ وفوضنا الْأَمر كُله إِلَيْهِ وَعلمنَا أَنه تَعَالَى إِذا أَرَادَ أمرا هيأ لَهُ الْأَسْبَاب وَفتح إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ المغالق والأبواب وكل شَيْء مِنْهُ وَإِلَيْهِ كَمَا قَالَ ابْن عَطاء الله فِي حكمه إِذا أَرَادَ أَن يظْهر فَضله عَلَيْك خلق وَنسب إِلَيْك وَمَا من نفس تبديه إِلَّا وَله فِيك قدر يمضيه فنهضنا من حضرتنا الْعلية فاس المحمية واستقبلنا هَذِه النواحي البربرية وَنصر الله وفتحه يواليان علينا فِي كل أَوَان ويتجددان مَا تجدّد الملوان وَنعم الله لدينا متسابقة وتدبيرات قدرته الجلية لنا محكمَة العقد متناسقة فجاوزنا بِلَاد آيت يوسي مرورا وعبرنا بِلَاد بني مكيلد عبورا ووجدناهم جَمِيعًا منقادين للطاعة أتم انقياد ملقين لجانبنا العالي بِاللَّه الرسن والمقاد واقفين مَعَ النَّهْي وَالْأَمر لم يتَخَلَّف عَنْهُم فِي ذَلِك زيدهم وَلَا عَمْرو واستقبلنا بجيوش الله المنصورة وَجُنُوده الموفورة قَبيلَة آيت أزدك الَّذين هم بَيت القصيد وَعتبَة القصيد فسيقت إِلَيْهِم من الله الْهِدَايَة وطويت عَنْهُم اعلام الضَّلَالَة والغواية وتلقونا بأوائل بِلَادهمْ خَائِفين وجلين وَمن
(3/202)
________________________________________
سطوة الله فزعين فجنحنا للعفو إيثارا لَهُ وحرصا على حقن الدِّمَاء وعدولا عَن الْقِتَال نظرا للصبيان والعجائز والشيوخ وضعفاء الْحَال ومعاملة بالصفح لمن كَانَ مِنْهُم ضل وغوى أخذا بقول الله تَعَالَى {وَأَن تعفوا أقرب للتقوى} الْبَقَرَة 237 وَبعد أَن تحققت مِنْهُم التَّوْبَة وَسعوا فِي تَحْصِيل مرضات الله وخاطرنا الشريف بِمَا محا عَنْهُم الهفوة والحبوة وصير سيئاتهم حَسَنَات وأبعدهم عَن المثلات فقابلناهم بِمَا أَزَال دهشتهم وفزعهم وكشف جزعهم فانشرحوا وسايروا رِكَابنَا الشريف فِي زيهم وجموعهم بسرور ونشاط مغتبطين بمقدمنا السعيد أتم اغتباط إِلَى أَن خيمنا عَلَيْهِم بأوطاط فأظهروا من حسن الِامْتِثَال وَالطَّاعَة مَا وصلوا بِهِ إِلَى الْغَايَة وَقَامُوا بِوَاجِب الْمحلة السعيدة من الضيافات والمبرة وشرعوا على الْفَوْر فِي دفع مَا وظفناه عَلَيْهِم من الْأَمْوَال متسارعين إِلَى الْأَدَاء فِي الْحَال منقادين لكل مَا أُرِيد مِنْهُم من الْأَعْمَال فنهضنا للتخييم بمركز بِلَادهمْ على وَادي زيز وحادي الميامين يَحْدُو بِالْفَتْح الْمُبين والنصر الْعَزِيز فاستوفينا مِنْهُم فِيهِ مَا بَقِي من المفترض وحصلنا مِنْهُم بعناية الله على غَايَة الْغَرَض ثمَّ ارتحلنا عَنْهُم مصحوبين بكتيبة مِنْهُم مُعْتَبرَة وافرة الْعدَد كَثِيرَة المدد مُشْتَمِلَة على عدد لَهُ بَال من خيولهم وصناديد رِجَالهمْ وحللنا بِبِلَاد آيت مرغاد فتلقوا رِكَابنَا الشريف بِطَاعَة وخضوع وانقياد مظهرين الإذعان فِي كل مَا مِنْهُم يُرَاد وَقَامُوا بأَدَاء الْفَرَائِض والنوافل مبتهجين بطلعتنا الشَّرِيفَة فِي سَائِر الْمنَازل وكل ذَلِك بتيسير الله وتسديده وإرشاده وتوفيقه وإرادته وتسهيله كَمَا قَالَ صَاحب الحكم مَا توقف مطلب أَنْت طَالبه بِرَبِّك وَلَا تيَسّر مطلب أَنْت طَالبه بِنَفْسِك مَعَ سياسة صدقت بهَا أنباء الْكتب وادخرت بهَا المرهفات فِي الحقب وحقنت الدِّمَاء بإراقة مداد الأقلام وصينت الْأَعْرَاض وأغنى الْكَلَام السياسي عَن الْكَلَام ودوخنا بِلَادهمْ كلهَا غورها ونجدها على مَا هِيَ عَلَيْهِ من الوعورة وتعاظم الْجبَال الَّتِي يخال أَنَّهَا تنادم الْقَمَر وتصافح الْكَوْكَب مهما بزغ وَظهر فسبحان الله مَا أعظم شَأْنه وأوضح برهانه إِلَى أَن حللنا بمركز أَرضهم بتادغوست وَبهَا قَرَار قطب رحاهم فِي جاهليتهم الْمُفْسد عَليّ بن
(3/203)
________________________________________
يحيى المرغادي الَّذِي طالما حذره الْإِنْذَار ولسان حَاله يَقُول لَا حَيَاة لمن تنادي فَوَقع الْقَبْض عَلَيْهِ ووجهناه مصفدا إِلَى مراكش على سنة الله فِيمَن زلت بِهِ الْقدَم وَصَارَ حَلِيف التأسف والندم وأراح الله مِنْهُ الْعباد وطهر مِنْهُ الْبِلَاد وَفِيمَا قبل ذَلِك كُنَّا وجهنا من يَسْتَوْفِي من آيت حديدو مَا وظف عَلَيْهِم فِي المغارم وَيَأْتِي من عِنْدهم بِمَا هُوَ لَهُم لَازم فَلم يظْهر مِنْهُم مَا يُفِيد وَرجع الموجهون بِغَيْر طائل وَلَا عتيد فترصدنا من أعيانهم وَأهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم جمَاعَة وافرة تقرب من الْمِائَتَيْنِ وقبضنا عَلَيْهِم بأجمعهم جَزَاء وفَاقا حَتَّى يؤدوا جَمِيع مَا فرض عَلَيْهِم بحول الله وتوجهنا والسعادة تقدمنا والميامين تحفنا وصحبة رِكَابنَا الشريف من جَيش آيت مرغاد قدر كثير الْعدَد قوي المدد مُشْتَمل على أُلُوف من الْخَيل والأبطال وليوث الْحَرْب والنزال إِلَى أَن وصلنا إِلَى قصر السُّوق فَوَجَدنَا بِهِ جَيش خدامنا آيت عطة فِي انْتِظَار جانبنا الشريف لمصاحبة رِكَابنَا السعيد المنيف وهم فِي عدد عديد وَقُوَّة مَا عَلَيْهَا من مزِيد يقربون من الْأَرْبَعَة آلَاف فَارس وَكلهمْ لُيُوث عوابس وَمَعَهُمْ من رُمَاة إخْوَانهمْ عدد كثير مُعْتَبر كَأَنَّهُمْ سيل إِذا انحدر فنهضوا مَعَ جانبنا العالي بِاللَّه فِي جموعهم وَكَثْرَة عَددهمْ وعديدهم إِلَى مدغرة فتبركنا مِنْهَا بمواطىء الأسلاف وتعاهدنا أُمُور أَهلهَا بِحسن مُبَاشرَة وإسعاف وأنعمنا على شرفائها بِعشْرين ألفا من الريال ووجهناها إِلَيْهِم صُحْبَة ولدنَا مولَايَ عبد الْعَزِيز أصلحه الله وَفرقت فيهم صلَة لَهُم وَأَدَاء لحقوق الْقَرَابَة والاتصال وتزودنا من دُعَائِهِمْ الصَّالح بمقبول مستجاب يُرْجَى أَن لَا يكون بَينه وَبَين الله حجاب ونهضنا عَنْهُم إِلَى بِلَاد عرب الصَّباح فتلقوا مواكبنا السعيدة فِي زيهم بفرح وانشراح وَقَامُوا بالواجبات من الْميرَة والضيافات ودفعوا فِي الْحِين جَمِيع المفروضات ونهضنا من بِلَادهمْ إِلَى تافيلالت بِقصد زِيَارَة جدنا الْأَكْبَر القطب الْوَاضِح ذِي السِّرّ الْأَظْهر مَوْلَانَا عَليّ الشريف رَضِي الله عَنهُ ونفعنا بِهِ فَخرج أَهلهَا من جَمِيع الشرفاء والعامة لملاقاتنا رجَالًا وَنسَاء وصبيانا وشيوخا وكهولا أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا جموعا وفرادى وأزواجا وَحصل لَهُم ابتهاج عَظِيم برؤيتنا وامتلؤوا فَرحا وسرورا
(3/204)
________________________________________
بمقدمنا وانشرحت هُنَالك الخواطر وسرت الضمائر وأدينا وَاجِبا بصلَة رحم من هُنَالك من ذَوي الْقَرَابَة وَالرحم وَكَانَ ذَلِك عندنَا من الْأَمر المهم وأنعمنا عَلَيْهِم بِعشْرين ألف ريال أُخْرَى كَأَهل مدغرة وجهناها إِلَيْهِم مَعَ ولدينا مولَايَ عبد الْعَزِيز ومولاي بلغيث حفظهما الله وَقسمت فيهم صلَة وأقمنا هُنَاكَ ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا بِقصد الاسْتِرَاحَة والزيارة ومشاهدة آثَار الأسلاف قدسهم الله وَمَا اجلها مآثر وَأعظم سناها فِي تِلْكَ الْمظَاهر وعاينا مَا لَهُم من الْأَمْلَاك وَالْأُصُول وتفقدناها بِمَا أَحْيَا مواتها كفاحا وازدادت بِهِ بهجة ونجاحا فَللَّه الْحَمد بداية وَنِهَايَة وَله مزِيد الشُّكْر أَولا وَغَايَة نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ أَن يَجْعَل مَا ارتكبناه فِي ذَلِك كُله خَالِصا لوجهه جَارِيا على سَبيله الْمُسْتَقيم ونهجه ويتقبله بِأَحْسَن قبُول ويبلغنا فِي صَلَاح الْمُسلمين غَايَة المأمول وَيجْعَل فِي طَاعَته الْحَرَكَة والسكون وعَلى حوله وقوته الِاعْتِمَاد والركون وَقد نهضنا إِلَى حضرتنا الشَّرِيفَة المراكشية سائلين من الله سُبْحَانَهُ الْإِعَانَة وَالْقُوَّة والتيسير وبلوغ الأمنية وأعلمناكم لِتَكُونُوا مستبصرين بِمَا كَانَ وتفرحوا بِفضل الله وفتحه وَنَصره فِي الْإِسْرَار والإعلان وَهُوَ المسؤول سُبْحَانَهُ أَن يَجْعَل الْبِدَايَة عنوان الاختتام ويبلغنا من كل خير غَايَة المرام وَالسَّلَام فِي خَامِس عشر جُمَادَى الأولى عَام أحد عشر وثلاثمائة وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أيده الله
وَكَانَ رُجُوعه إِلَى مراكش على طَرِيق الفائجة وَلما انْتهى إِلَى ثنية الكلاوي أصَاب النَّاس ثلج كثير وَبرد شَدِيد تألموا مِنْهُ حَتَّى السُّلْطَان ثمَّ خلصوا مِنْهُ بعد عصب الرِّيق وَفِي مُدَّة غيبَة السُّلْطَان هَذِه حدثت حَرْب شَدِيدَة بَين زناتة الرِّيف وَبَين نَصَارَى الإصبنيول من أهل مليلية وَمَا والاها فمحقتهم زناتة محقا وشردوا بهم من خَلفهم استئصالا وقتلا وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنهم اقترحوا على السُّلْطَان أَن يزيدهم فِي مساحة أَرض مليلية على عَادَتهم فِي كَثْرَة الاقتراحات والتلونات فأسعفهم وَزَادَهُمْ من أَرض زناتة نَحْو الغلوة وَصَارَ الْحَد الْمُشْتَرك بَين الْفَرِيقَيْنِ قَرِيبا من تربة ولي الله سَيِّدي وارياش وَهُوَ عِنْد أهل تِلْكَ الْبِلَاد عَظِيم الْقدر شهير الذّكر يتناوبونه للزيارة ويتبركون
(3/205)
________________________________________
بِهِ ويدفنون عِنْده موتاهم فَلم يحل لنصارى مليلية بِنَاء العسات وَغَيرهَا إِلَّا بِمحل يشرف على تربة الْوَلِيّ الْمَذْكُور ويكشف عَنْهَا فراودهم أهل الرِّيف عَن التخلي عَن ذَلِك الْموضع وَالْبناء بِغَيْرِهِ فَأَبَوا وأصروا على الِامْتِنَاع وَرُبمَا لسعوهم بِمَا أحفظهم من الْكَلَام المؤلم على عَادَتهم فِي ذَلِك فَإِن هَذَا الإصبنيول مُنْذُ كَانَت لَهُ الْغَلَبَة فِي حَرْب تطاوين وَأهل الْمغرب مَعَه فِي عناء شَدِيد من كَثْرَة مَا يتعنت ويتجنى عَلَيْهِم وَيسْمعهُمْ من محفظات الْكَلَام وصريح الملام لَا سِيمَا أوباشهم ورعاعهم وتالله لقد سَمِعت أذناي من ذَلِك مَا يضيق لَهُ الصَّدْر وَلَا ينْطَلق بِهِ اللِّسَان وَإِذا رفعت الشكاية بهم إِلَى أكابرهم غمصوا الْحق وجادلوا بِالْبَاطِلِ هَذَا دأبهم وديدنهم وَإِلَى الله وَحده المشتكى وَله سُبْحَانَهُ العتبى حَتَّى يرضى وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ فَلَمَّا سلكوا هَذَا المسلك وَنَحْوه مَعَ أهل الرِّيف أذاقوهم من بأسهم شَدِيد الْعقَاب وأليم الْعَذَاب كَمَا هُوَ مَعْلُوم فَلَمَّا احتل السُّلْطَان أيده الله بِحَضْرَة مراكش من هَذِه السفرة قدم عَلَيْهِ وَفد الإصبنيول يطْلبُونَ الْإِنْصَاف من أهل الرِّيف فِي هَذِه النَّازِلَة واستصحبوا مَعَهم سربا من الْحمام الطيار بالمكاتيب وَالْأَخْبَار وَدَار الْكَلَام بَينهم وَبَين السُّلْطَان فِي النَّازِلَة وَحكم فِيهَا من لم يكن ذَا بَصِيرَة بمعضلات النَّوَازِل من غافل أَو متغافل فَوَقع الْفَصْل على أَن يدْفع السُّلْطَان عَن دِمَاء قتلاهم أَرْبَعَة ملايين من الريال وَتمّ الصُّلْح على ذَلِك وَكَانُوا فِي تِلْكَ الْمدَّة كلما دَار بَينهم وَبَين السُّلْطَان كَلَام فِي الْقَضِيَّة أطاروا بِهِ الْحمام إِلَى أَرْبَاب دولتهم بمادريد وَالله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد
وَفِي آخرهذه السّنة كَانَت وَفَاة السُّلْطَان مولَايَ الْحسن بن مُحَمَّد رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه فَإِنَّهُ خرج من مراكش فاتح ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة غازيا قبائل البربر الَّذين بجبال فازاز لَا سِيمَا آيت سخمان الَّذين غدروا بِأَصْحَابِهِ وَابْن عَمه حَسْبَمَا تقدم قَرِيبا وَكَانَ رَحمَه الله قد قدم من حَرَكَة تافيلالت وَهُوَ مَرِيض مَرضا خَفِيفا فِي الظَّاهِر وَلكنه مزمن فِي الْبَاطِن فَكَانَ يتَكَلَّف مَعَه الْخُرُوج للنَّاس وَينفذ القضايا وَيجْلس للوفود ويجيزهم وَيفْعل جَمِيع الْأُمُور المخزنية ثمَّ خرج من مراكش فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور على مَا بِهِ
(3/206)
________________________________________
من الْأَلَم وَالْمَرَض وتحامل حَتَّى انْتهى إِلَى وَادي العبيد من أَرض تادلا فأدركه أَجله هُنَالك فِي السَّاعَة الْحَادِيَة عشرَة من لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث ذِي الْحجَّة الْحَرَام متم عَام أحد عشر وثلاثمائة وَألف وَحمل فِي تَابُوت إِلَى رِبَاط الْفَتْح وَدفن بِإِزَاءِ جده الْأَعْلَى سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحْمَة الله على جَمِيعهم آمين
وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَكَانَ رَحمَه الله من خِيَار الْمُلُوك العلوية وأفاضلهم بِمَا نشر من الْعدْل وَأصْلح من الرعايا وَأبقى من الْآثَار بالمغرب وثغوره فَالله تَعَالَى يجْبر كسر الْمُسلمين فِيهِ ويعوضهم أجرا عَن مصابه آمين
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 52 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

وَبَايع أهل العقد والحل نجله الأرضى الأبر المرتضى مَوْلَانَا عبد الْعَزِيز ابْن مَوْلَانَا الْحسن نَصره الله نصرا عَزِيزًا وَفتح لَهُ فتحا مُبينًا آمين وَهُوَ الْآن على كرْسِي ملكه بفاس المحروسة كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي وَقد تسرب إِلَيْهِ جمَاعَة من نواب الْأَجْنَاس كعادتهم مَعَ وَالِده من قبله فقدموا عَلَيْهِ حَضْرَة فاس مظهرين أَنهم إِنَّمَا قدمُوا للتهنئة ومرادهم خلاف ذَلِك {ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين} الْأَنْفَال 30 وَمَا ظَنك بِمن يزْعم أَنه قدم للتهنئة وَهُوَ مُقيم بالحضرة هَذِه مُدَّة من أَرْبَعَة أشهر يتجسس الْأَخْبَار ويتطلع العورات ويترصد الغفلات ويحصي الأنفاس لَعَلَّه تظهر لَهُ خلة أَو تمكنه فرْصَة نسْأَل الله تَعَالَى أَن يرد كَيده فِي نَحره ويعديه بعاره وعره آمين ولعمري مَا الْحَامِل على هَذَا وَنَحْوه إِلَّا قلَّة الْحيَاء من الله وَمن النَّاس وَإِلَّا فَمَا معنى الْإِقَامَة فِي سَبِيل التهنئة أَرْبَعَة أشهر ثمَّ انْظُر مايزاد مِنْهَا بعد ذَلِك وَكَانَ مِمَّا يُؤثر من كَلَام النُّبُوَّة الأولى إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
وَاعْلَم أَن أَحْوَال هَذَا الجيل الَّذِي نَحن فِيهِ قد باينت أَحْوَال الجيل الَّذِي قبله غَايَة التباين وانعكست عوائد النَّاس فِيهِ غَايَة الانعكاس وانقلبت أطوار أهل التِّجَارَة وَغَيرهَا من الْحَرْف فِي جَمِيع متصرفاتهم لَا فِي سككهم وَلَا فِي
(3/207)
________________________________________
أسعارهم وَلَا فِي سَائِر نفقاتهم بِحَيْثُ ضَاقَتْ وُجُوه الْأَسْبَاب على النَّاس وصعبت عَلَيْهِم سبل جلب الرزق والمعاش حَتَّى لَو نَظرنَا فِي حَال الجيل الَّذِي قبلنَا وَحَال جيلنا الَّذِي نَحن فِيهِ وقايسنا بَينهمَا لوجدناهما كالمتضادين وَالسَّبَب الْأَعْظَم فِي ذَلِك مُلَابسَة الفرنج وَغَيرهم من أهل الأربا للنَّاس وَكَثْرَة مخالطتهم لَهُم وانتشارهم فِي الْآفَاق الإسلامية فَغلبَتْ أَحْوَالهم وعوائدهم على عوائد الجيل وجذبته إِلَيْهَا جذبة قَوِيَّة وَأَنا أحكي لَك حِكَايَة تعْتَبر بهَا وتستدل بهَا على مَا وَرَاءَهَا وَهِي أَنِّي ذاكرت ذَات يَوْم رجلا من أهل جيلنا فِي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ لي إِن لي راتبا سلطانيا أقبضهُ فِي كل شهر قدره ثَلَاثُونَ أُوقِيَّة قَالَ فَكنت فِي حُدُود السِّتين وَمِائَتَيْنِ وَألف أَقبض فِيهِ عشر بسائط لِأَن صرف البسيطة يَوْمئِذٍ ثَلَاث أَوَاقٍ فَلَمَّا أخذت السِّكَّة فِي الِارْتفَاع بعد السِّتين صرت أَقبض فِيهِ تسع بسائط وفلوسا ثمَّ بعد ذَلِك بِسنة أَو سنتَيْن صرت أَقبض ثَمَان بسائط وفلوسا ثمَّ سبع بسائط وفلوسا وَهَكَذَا إِلَى أَن صرت الْيَوْم فِي أَعْوَام التسعين أَقبض فِي الثَّلَاثِينَ أُوقِيَّة بسيطة وَاحِدَة وشيئا من الْفُلُوس اهـ فَانْظُر إِلَى هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم الَّذِي حصل فِي الجيل فِي مُدَّة من ثَلَاثِينَ سنة أَو نَحْوهَا فقد زَادَت السكَك والأسعار فِيهَا كَمَا ترى نَحْو تِسْعَة أعشار وَالْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ وَيكثر بِكَثْرَة الِاخْتِلَاط والممازجة مَعَ الفرنج ويقل بقلتها وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن أهل الْمغرب أقل الْأُمَم اختلاطا بهم فهم أرخص النَّاس أسعارا وأرفقهم معاشا وأبعدهم زيا وَعَادَة من هَؤُلَاءِ الفرنج وَفِي ذَلِك من سَلامَة دينهم مَا لَا يخفى بِخِلَاف مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا من الْأَمْصَار فَإِنَّهُ يبغلنا عَنْهُم مَا تصم عَنهُ الآذان فَلْيتَأَمَّل هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ وليعرف مِنْهُ سر الله فِي خلقه
وَاعْلَم أَيْضا أَن أَمر هَؤُلَاءِ الفرنج فِي هَذِه السنين قد علا علوا مُنْكرا وَظهر ظهورا لَا كفاء لَهُ وأسرعت أَحْوَاله فِي التَّقَدُّم وَالزِّيَادَة إسراعا متضاعفا كتضاعف حبات الْقَمْح فِي بيُوت الشطرنج حَتَّى كَاد يَسْتَحِيل إِلَى فَسَاد وَعلم عَاقِبَة ذَلِك وغايته إِلَى الله تَعَالَى الْمُنْفَرد بِالْغَيْبِ
(3/208)
________________________________________
(وَأعلم علم الْيَوْم والأمس قبله ... ولكنني عَن علم مَا فِي غَد عَم)
وَهَذَا مَا قصدنا جمعه من هَذَا الْكتاب وَالله الملهم للصَّوَاب {رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} الْأَعْرَاف 23 وَصلي الله وَسلم وَبَارك على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين
(3/209)
________________________________________
تقريظ الطبعة الأولى لكتاب الاستقصا

تقريظ الْعَلامَة الأديب السَّيِّد أَحْمد بن الْمَأْمُون البلغيثي الْحُسَيْنِي

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم وعَلى آله وَصَحبه ذَوي الْمجد الفخيم
الْحَمد لله الَّذِي أنعم علينا بالكمال الإنساني وتكرم إِلَيْنَا بِأَحْسَن التَّقْوِيم فِي النُّطْق اللساني نحمده وَله الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة على نعمه الَّتِي لَا تحصى ونشكره على مننه الَّتِي لَا تعد بالاستقصا وَنُصَلِّي ونسلم على نبيه سيدنَا ومولانا مُحَمَّد أفْصح من بالضاد نطق الْمنزل عَلَيْهِ فِي حَكِيم الذّكر وَكَذَلِكَ نقص عَلَيْك من أنباء مَا قد سبق وعَلى آله وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ وَمن قصّ علينا قصصهم من أَئِمَّة الدّين صَلَاة وَسلَامًا ندرك بهما مدارك الْكَمَال ونبلغ بهما مُنْتَهى الآمال أما بعد فَيَقُول العَبْد الْفَقِير إِلَى مَوْلَاهُ الْغَنِيّ الْكَبِير أَحْمد بن الْمَأْمُون الحسني الْعلوِي البلغيثي السجلماسي أصلا ودارا الفاسي منشأ وقرارا تقبل الله صَالح أَعماله وبلغه فِي الدَّاريْنِ غَايَة آماله لما أَن وقفت على هَذَا التَّارِيخ الْمُفِيد وقُوف طَالب مستفيد ألفيته مَرْغُوب اللبيب ومحبوب الحبيب قد جمع فأوعى وَبلغ من الإتقان غَايَة الْمَسْعَى حَيْثُ احتوى على أَخْبَار الأقطار المغربية واستقصى أهم الأوطار من أنبائها الشهية فطابق اسْمه مُسَمَّاهُ وَوَافَقَ لَفظه مَعْنَاهُ
(كتاب رَأَيْت الْحسن فِيهِ مفصلا ... كَمَا فصل الْيَاقُوت بالدر ناظمه)
(فَكَانَ لَهُ نشر يفوح وبهجة ... كَمَا افتر عَن زهر الرياض كمائمه)
ولعمري أَنه لتاريخ تشد إِلَيْهِ الرّحال وتعتكف بجامعه الْأَزْهَر جهابذة
(3/210)
________________________________________
الرِّجَال إِذْ أغْنى وأقنى وَبلغ النَّاظر فِيهِ مَا تمنى يُغني عَن غَيره من الموضوعات فِي فنه بِصِحَّة أسانيده المرفوعات على أَعْلَام حسنه تناديك مِنْهُ سطوره والطروس لَا تلْتَفت لغيري فَلَا عطر بعد عروس وَكَيف لَا ومؤلفه الْعَلامَة من هُوَ فِي غرَّة هَذَا الْعَصْر عَلامَة الطالع الأسعد والسند الأصعد الْمُحَقق النقاد والمشارك فِي جَمِيع الْفُنُون بالذهن الْوَقَّاد المرتوي من نهر كل فَضِيلَة بِمَا راق وحلا أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد الناصري الدرعي شمس ثغر سلا أبقى الله بركته وأدام فِي اكْتِسَاب الْمَعَالِي حركته فَللَّه دره من مؤلف ألف بَين الكمالات وشنف السّمع بأصح المقالات فِي هَذَا التَّارِيخ الَّذِي أرخت فِي صَحَائِف الْكَمَال آيَاته وخلدت فِي دفاتر الْمجد فضائله وكراماته وَقد زَاده رونق الطَّبْع نورا على نور وأفاده اجتلاء على مَنَابِر الظُّهُور فَقرب نوره لمقتبسه وَسَهل ملكه لملتمسه وَلما ملك حسنه خاطري وفؤادي وسلك بَين مَنْهَج قصدي ومرادي وصرت بِهِ أنشط من ظَبْي مقمر وأسلط عَلَيْهِ من ذِئْب متنمر تشوفت لإنشاء امتداحه وتشوقت لإملاء أمداحه بِمَا لَا أعده فِي شَيْء من طَبَقَات الفصاحة عِنْد فرسَان هَذَا الميدان وَلَكِن عُذْري عِنْد الْوَاقِع عَلَيْهِ أَنه لقطَة عجلَان مَا لَهُ فِي الْأَدَب يدان فَقلت فِي ذَلِك مؤرخا تَمام طبعه فِي بداعة صنعه ورقة طبعه بقول وسيط من بَحر الْبَسِيط
(أَخْبَار أهل الْهوى مَا زَالَ يَرْوِيهَا ... أَحْبَار كأس رحيق الراح يَرْوِيهَا)
(حَتَّى إِذا سمعُوا العشاق مخبرها ... هاموا وَقَامُوا بألحان تواتيها)
(لكِنهمْ أبدا فِي الدَّهْر مَا سمعُوا ... مَا نالني فِي هوى خود أفديها)
(خود بهَا الصب قد لذ الْعَذَاب لَهُ ... لما غَدا وَهُوَ مطروح بناديها)
(يَرْجُو رِضَاهَا وَلم تسمح بوصلته ... وبالتذلل والشكوى يناديها)
(قد استرقته فِي شرع الغرام وَمَا ... رقت لما بِهِ من نَار يقاسيها)
(حَتَّى استبان لَهَا أَنِّي على تلف ... وَأَن مَا بِي مِنْهَا لَيْسَ تمويها)
(جَاءَت إِلَيّ على فَور تعللني ... بالْعَطْف من طلعة سُبْحَانَ باريها)
(فأتحفتني بحتف الرَّمْز من مقل ... السَّيْف حاجبها وَالْحسن كاسيها)
(إِن أَوْمَأت بلحاظ جرحت كَبِدِي ... أَو أَعرَضت بلغت روحي تراقيها)
(3/211)
________________________________________
(مَا حيلتي فِي الْهوى وَمَا دوا كَبِدِي ... الْعَطف يجرحها والهجر يبليها)
(إِنِّي خلعت عِذَارَيْ فاعذروني فِي ... حب الملاح فَإِن الْقلب يبغيها)
(فَهَل ملام على من صَار ذَا وَله ... بغاة سلبت عَقْلِي مَعَانِيهَا)
(إِذا بَدَت لأولي الْأَلْبَاب شمتهم ... صرعى وطرحى جَمِيعًا فِي مغانيها)
(يَا حسن مَا حَدَّثتنِي عِنْدَمَا عطفت ... فِي شَأْن من ببعادي كَانَ يغريها)
(قَالَت لَك الْوَصْل مني لَيْسَ يعقبه ... هجر على رغم من يَبْغِي لَك التيها)
(تخال نطق لماها عِنْدَمَا نطقت ... أَخْبَار تَارِيخ الِاسْتِقْصَاء تمليها)
(ذَاك الْكتاب الَّذِي فاقت صناعته ... كل التواريخ بالإتقان عاديها)
(لله مَا قد حوى من كل وَاقعَة ... يُلْهِيك عَن نَغمَة الألحان راويها)
(وَمن محَاسِن أَحْوَال تتوق لَهَا الأسماع ... من كل ذِي لب يدانيها)
(وَمن نَوَادِر قد كَانَت لذِي أدب ... تود إِذن الْعلَا أَن لَو تحليها)
(أغْنى وأقنى بأخبار مصححة ... قد كَانَ فِي الْمغرب الْأَقْصَى دواعيها)
(كم من فَوَائِد قد كَانَت أوابد لم ... تظفر بهَا بِهِ يستدعيك قاصيها)
(مَا شِئْت من أدب غض وَمن ملح ... تشتاقها همم ترحو توافيها)
(فاعكف عَلَيْهِ ونزه فِي بدائعه ... أبصار فكرك تستجني أمانيها)
(فَإِنَّهُ رَوْضَة أشجارها قصَص ... أزهارها حكم إِن رمت تجنيها)
(أنهارها من معِين مَا بِهِ كدر ... من كل معنى غَدا للنَّفس شافيها)
(بل جنَّة جمعت آمال أَنْفُسنَا ... وتستلذ بهَا أبصار رائيها)
(لَا غرو حَيْثُ غَدا مِفْتَاح بهجتها ... من فِيهِ يُرْسل أعْط الْقوس باريها)
(ذَاك الأديب الأريب الْعَالم الْعلم الْهمام ... غَايَته من ذَا يجاريها)
(الناصري أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد من ... نَالَ الْعلَا واعتلى أَعلَى أعاليها)
(نقاد كل فنون الْعلم لَيْسَ لَهُ ... بغَيْرهَا شغل دأبا يواليها)
(فكم أَجَاد وَكم أسدى فوائدها ... فِي كل قطر من الأقطار يوليها)
(أنسى إياسا بأفكار لَهُ وقدت ... ترى شموس الْهَدْي كشفا لباغيها)
(فَهَذِهِ قبسة من نور عمله قد ... مدت إِلَيْهَا أقاصي الأَرْض أيديها)
(نَالَتْ أشعتها الْأَيْدِي على بعد ... كَالشَّمْسِ مَعَ رَفعهَا يَبْدُو تدانيها)
(3/212)
________________________________________
(تريك سيرة قطر الغرب كَيفَ مَضَت ... رأى الْحَقِيقَة فِي أفكار قاريها)
(إِن التواريخ فِي أخباره كثرت ... لَكِن ذَا قد حوى أصح مَا فِيهَا)
(بل زَاد أنباء قوم لم تكن جمعت ... مِمَّا جرى عَن قريب فِيهِ تلفيها)
(مَعَ مَا حوى من عُلُوم من مؤلفة ... بَدَت معالمهما هَديا لآتيها)
(أعظم بهَا منحة قد عَم نائلها ... وَطَاف فِي شاسع الأقطار سَاقيهَا)
(فرقة الطَّبْع قد نمت بهَا وسرت ... لطبع آياتها كَيْمَا تجليها)
(فَعَاد مِنْهَا محياها كَمَا قمر ... يهدي الضليل بهَا إِن جا يماشيها)
(كَمَال طبع حلاها جَاءَ وفْق منى ... فَالْحَمْد لله كم نعماء يسديها)
(مَعَ مُنْتَهى أرب قل كي تؤرخه ... معالم الطَّبْع بالبشرى تناهيها) 181 113 545 472 سنة 1312
هَذَا التَّارِيخ يعرف من بَين أَنْوَاعه بالمذيل وَحَقِيقَته أَن تكون جملَة التَّارِيخ نَاقِصَة فتكمل بِحرف أَو أَكثر مَعَ التَّنْبِيه عل ذَلِك بِإِشَارَة تَتَضَمَّن تورية وَبَيَان ذَلِك هُنَا أَن جَامع عدد قولي معالم الطَّبْع بالبشرى تناهيها هُوَ عشرَة وثلاثمائة وَألف فتوقف الْعدَد المؤرخ بِهِ على اثْنَيْنِ أَشرت لَهَا بِقَوْلِي مَعَ مُنْتَهى أرب ومنتهى أرب هُوَ الْبَاء الَّتِي بِاثْنَيْنِ فاستوفى عدد التَّارِيخ هَذَا وليعلم من يقف عَلَيْهِ من أدباء أهل الْمغرب أَنِّي حسبت حرف الشين من قولي بالبشرى بثلاثمائة على اصْطِلَاح المشارقة فِيهَا لَا بِأَلف كَمَا هُوَ اصطلاحنا وَهِي أحد الْحُرُوف السِّتَّة الَّتِي اخْتلف فِيهَا اصْطِلَاح الْفَرِيقَيْنِ وَقد تمذهبت بمذهبهم فِي هَذَا التَّارِيخ مُرَاعَاة لمحل الطَّبْع كَمَا يستحسن ذَلِك مني سَالم القريحة والطبع وَالله الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
(3/213)
________________________________________
تقريظ الأديب السَّيِّد إِبْرَاهِيم الْأَزْهَرِي

حمدا لمن أَضَاء عقول الْخلف بأنوار تواريخ السّلف وَصَلَاة وَسلَامًا على من قصّ عَلَيْهِ أحسن الْقَصَص فِي كِتَابه الْمكنون وَأخْبرهُ بسرائر مَا كَانَ وَمَا يكون وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين أشرقت صَحَائِف التَّارِيخ بآياتهم الباهية الباهرة وتزينت المحافل بمحاسن إحسانهم الزاهية الزاهرة أما بعد فَإِن علم التَّارِيخ كنز يجب التحلي بنفائس فرائده وَروض لَا غنية لأحد عَن مجاني فَوَائده وَكم للْعُلَمَاء فِيهِ من تصانيف مهمة عَادَتْ بالمنافع الجمة على كل أمة فَلم ترتق أمة إِلَى عرش تمدنها إِلَّا بتبحرها فِي هَذَا الْفَنّ وتفننها وَأَن أجل مَا ألف فِيهِ كتاب الاستقصا لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى فَهُوَ أول كتاب كشف الغطاء عَن هَذِه الممالك وَقرب لمن يهمه الْوُقُوف على حَقِيقَة أَخْبَارهَا جَمِيع المسالك وَأَبَان عَن أول من دَخلهَا من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لرفع أَعْلَام الْإِسْلَام وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من المعارف الَّتِي لم تطو سجلات نشرها تعاقب الْأَيَّام لَا سِيمَا بِلَاد الأندلس وَمَا لَهَا من الحضارة والأبهة والنضارة وَمَا لبلاد الجزائر من كل أثر جليل يشْهد برفعة قدرهَا جيلا بعد جيل مَعَ تَحْرِير التراجم للملوك والأعاظم وَمَا دهم هَذِه الْبِلَاد من الوقائع الحربية الَّتِي أثارت غبارها يَد الدسائس الْأَجْنَبِيَّة وَمَا ثَبت لهَذِهِ الدول من الاختراعات والاستكشافات وَمَا بَينهَا وَبَين الدول الْأُخْرَى من المواصلات والمعاهدات كل ذَلِك بعبارات صَادِقَة ومحررات شائقة
(حَدِيث الْمغرب الْأَقْصَى ... قد استقصاه الاستقصا)
(كتاب جلّ مبدعه ... على نسق بِهِ اختصا)
(بدا وَالنَّاس فِي شغف ... ليقتنص النهى قنصا)
(فتاهوا فِي محاسنه ... فَأَرْشَدَهُمْ بِمَا أوصى)
(فيالله مَا أَعلَى ... وَمَا أغْلى وَمَا أحصى)
(فَكَّيْهِ فِي فكاهته ... صَدُوق القَوْل إِن قصا)
(3/214)
________________________________________
(عَلَيْهِ فَكُن أَشد النَّاس ... فِي اسْتِقْصَائِهِ حرصا)
(تَجِد غررا حوت دررا ... عَلَيْهَا تكْثر الغوصا)
وَكَيف لَا ومؤلفه إِنْسَان عين الْأَدَب وترجمان لِسَان الْعَرَب جَوْهَر بحور المعارف وسويداء صُدُور العوارف من أَجمعت الْفَضَائِل على التباهي بسيرته وتسابقت المحامد إِلَى الاقتباس من مشكاة سَرِيرَته ألفته الْحِكْمَة فسامرها وَمَا سلا عَلامَة الْمشرق وَالْمغْرب فضلا عَن كَونه تَاج مجد سلا بَحر الْعلم الخضم الرَّاوِي شهَاب الدّين أَحْمد بن خَالِد الناصري السلاوي وَلأَجل أَن يعم النَّفْع الجزيل بِهَذَا الْأَثر الْجَلِيل قَامَ حَضْرَة مُؤَلفه بطبعه فِي إِحْدَى مطابع الْقطر الْمصْرِيّ حَتَّى أشرق بدر كَمَاله على الْكَوْكَب الدُّرِّي بمشاركة كل من صَاحب الْحسب العاطر وَالنّسب الطَّاهِر صَاحب الشّرف وَالْمجد السّني السَّيِّد الحبيب البلغيتي الحسني وحضرة من هُوَ لكل كَمَال مصطفى جناب مُحَمَّد أَفَنْدِي مصطفى فَهَؤُلَاءِ السَّادة هم السَّبَب فِي تَعْمِيم نَفعه وتعطير الْآفَاق بعبير طبعه بمطبعة حَضْرَة الأفندي الشهيرة بإتقان الصِّنَاعَة وَكَمَال رونق الطباعة جزاهم الله بمنه وفضله أكمل جَزَاء عَن الْعلم وَأَهله وَكَانَ انْتِهَاء طبعه الأنيق واستكمال حسنه الرَّقِيق فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان الْمُعظم سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف والثلاثمائة من هجرته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
تمّ الْجُزْء التَّاسِع والأخير من كتاب الاستقصا
(3/215)
________________________________________
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:59 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب