منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن كتب التاريخ والجغرافيا

الإنباء في تاريخ الخلفاء

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فتح عمورية في عهد المعتصم بالله ثامن الخلفاء العباسيين seifellah ركن قصص الأنبياء والصحابة والتابعين 0 2014-04-12 10:22 AM
الخلفاء الراشدون seifellah ركن الكتب الدينية 0 2014-03-10 10:05 PM
روائع رسائل الخلفاء الراشدين Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 4 2012-06-02 02:32 PM
التاريخ الاسلامي - الحلقة 3 دولة الخلفاء الراشدين - Marwa Samy منتدى الدين الاسلامي الحنيف 4 2011-05-26 04:24 PM
قد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر Ahmed_Sat ركن قصص الأنبياء والصحابة والتابعين 1 2009-09-20 09:07 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الإنباء في تاريخ الخلفاء


الكتاب: الإنباء في تاريخ الخلفاء
المؤلف: محمد بن علي بن محمد المعروف بابن العمراني (المتوفى: 580هـ)
المحقق: قاسم السامرائي
الناشر: دار الآفاق العربية، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]



قصّة الكتاب:
بسم الله الرّحمن الرّحيم ترجع معرفتي بكتاب «الإنباء» إلى الصدفة أكثر منها إلى التدبير فقد وقع بيدي حين كنت أبحث عن شيء آخر فأثار فىّ ميلى القديم إلى التاريخ العربيّ والإسلامي الّذي كان أول ما درست حين كنت في دار المعلمين العالية ببغداد فتصفحت المخطوطة ووجدتني منساقا إلى قراءتها فقرأت الكتاب كله فاستهوانى مؤلفه بأسلوبه الّذي لا يشبه أسلوب المؤرخين التقليديين فرغبت في إعداده للنشر. وقد زاد في هذه الرغبة وصول نسخة من كتاب «مختصر التاريخ» لظهير الدين الكازروني أرسلها لي أخى الكريم الدكتور يوسف عز الدين فوجدت فيه أن الكازروني قد كتب ذيلا على «الإنباء» وعند ذلك رغبت في معرفة المزيد عن الكتاب ومصنفه فوجدت أن الأستاذ عباس العزاوى- رحمه الله- قد وعد بنشره في مقاله «العمراني وتاريخه» المنشور في مجلة المجمع العلمي العربيّ بدمشق سنة 1948، فأسرعت إلى فهارس الكتب المطبوعة أبحث عنه فإذا هي خواء فاستخرت الله عز شأنه في نشره، ومنه أرجو العون، ومنه أستمد الحول إنه نعم المولى ونعم المعين.
لقد ذكر العزاوى في مقاله الآخر عن تاريخ ابن أبى عذيبة المنشور في العدد 21 من مجلة المجمع العلمي العربيّ بدمشق أنه يمتلك تاريخا مخطوطا في الدولة العباسية إلى أيام المستنجد باللَّه العباسي لم يعرف مؤلّفه وأن هذا التاريخ من جملة مراجع نقل ابن عذيبة منها وقال: «فقد كان من ذلك الحين (توفى ابن أبى عذيبة سنة 856 هـ) مجهولا ولم أتمكن من معرفته وربما عدت إلى وصفه لعل في القراء الأفاضل من يعرف بمؤلفه» . وبرّ بوعده وعاد إلى وصفه في مقاله الّذي أشرنا إليه فروى قصة
(1/3)
________________________________________
عثوره على اسم الكتاب واسم مؤلفه من إشارة عابرة وردت في كتاب مختصر التاريخ للكازروني ومن إشارة أخرى وردت عند السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ» . وأعاد ذكره في كتابه «التعريف بالمؤرخين» (المنشور في بغداد سنة 1957، صفحة 129، 248) فقال: «عثرت على تاريخ العمراني ولم أعثر على التذبيل» ، «وهو (ابن أبى عذيبة) يعول على مؤرخين عديدين ومن أهم من يستحق الذكر العمراني فإنه اعتمد ما ذكره من تاريخه للخلفاء العباسيين ولم يصرح باسمه على خلاف عادته في من نقل عنهم ولعله لم يقف على اسم مؤلفه» . وذكره مرة أخرى في مقاله «من جوامع بغداد: جامع الخلفاء» (المنشور في مجلة سومر لسنة 1966) فقال: «وتاريخ العمراني في خزانتي نسختان إحداهما صحيحة ومتقنة» .
وفي مقالة قصيرة عن العمراني وتاريخه قلت: «إن نسخة العزاوى إما أن تكون نسخة مصورة أو نسخة منتسخة من نسخة ولى الدين أو أن إحداهما في الأقل كذلك والأخرى انتسخها لنفسه من نسخة لا نعرف مصدرها» [1] لأنه حين كتب مقاله عن تاريخ ابن أبى عذيبة كان يجهل اسم الكتاب واسم مؤلفه لأن نسخة ولى الدين لا تحملهما، وصدق ظني حين كتب لي زميلي الدكتور عيسى سلمان، مدير الآثار العام، ردّا على استفسارى منه: «في خزانة العزاوى نسخة مصورة «بالفوتغراف» من المكتبة السليمانية بتركيا كتبت هذه النسخة بخط الثلث سنة 621 هـ، تقع هذه النسخة في 323 صفحة إلا أنها ناقصة بعض الصفحات وأولها مخروم» .
وهذه نسخة فاتح.
«النسخة الثانية كتبت بخط الثلث كتبها عبد الرزاق فليح البغدادي سنة 1364 هـ عن نسخة مكتوبة في 4 شوال سنة 682 هـ وتقع في 309 صفحات ...
عليها تعليقات وحواش للعزاوى ولها مقدمة» . وشفع رسالته هذه بنسخة مصورة
__________
[1] مجلة المكتبة التي تصدرها مكتبة المثنى ببغداد، الأعداد 85- 87، سنة 1972 صفحة: 3.
(1/4)
________________________________________
لمقدمة العزاوى للكتاب فوجدت أنه لم يزد فيها على ما قاله في مقاله «العمراني وتاريخه» وأنه أورد جملة من الآراء عن العمراني سوف نتعرض لها فيما بعد. وهذه النسخة مأخوذة بالتحقيق من نسخة ولى الدين.
ورجوت صديقي أمين قسم المخطوطات في مكتبة جامعة لايدن أن يحاول الحصول على «ميكروفيلم» لمخطوطتى ولى الدين وفاتح من تركيا فكتب لمكتبة السليمانية ودامت المراسلة زمنا طويلا جدا، وأخيرا جاءنا الجواب بأن مكتبة السليمانية سبق لها أن زودت مكتبة جامعة أدنبرة ب «ميكروفيلم» فأسرعنا بالكتابة إليها وجاء الجواب بأن «الميكروفيلم» يمتلكه الطالب العراقي بهجت كامل التكريتي الّذي تفضل فأعاره لنا فله أجزل الشكر والثناء. والأطرف من هذا أننا حصلنا على مصورة نسخة فاتح من الأستاذ المحقق حمد الجاسر- صاحب مجلة العرب- حيث علمت أنه ينوى نشرها فأخبرني في رسالة بأنه لا ينوى نشرها وتفضل فأرسل لي مصورته لنسخة فاتح فله المنّة وجميل الشكر.
وأخيرا شكري العميق وامتنانى الجم لكل من ساعد وأعان على إخراج هذا الكتاب وأخصّهم بالشكر والثناء صديقىّ بيتر شوردفان كوننكزفلد والدكتور عيسى سلمان وأخوىّ الدكتور يوسف عز الدين وعبد الإله السامرائي على عواطفهم الجمة وعونهم الّذي لا ينقطع.
قاسم السيد أحمد السامرائي
(1/5)
________________________________________
المؤرخ المنسىّ
عجيب أن يلف الغموض حياة مؤلف هذا التاريخ النفيس، والأعجب أن يهمله كتاب التراجم إهمالا لا مبرر له، فلم تعرف له ترجمة في ما لدينا من مصادر ولم نعثر له على ذكر بالرغم من التنقير الطويل والبحث الكثير. ولم ينفعنا النص نفسه لأن المؤلف حرص على أن لا يربط بينه وبين ما يؤرخ وكأنه فعل ذلك عن تعمد وإصرار، ولم تنفعنا الإشارات القليلة هنا وهناك للتعرف عليه أو استجلاء الغامض من شخصيته، فعسى أن يحظى غيرنا بما لم نحظ به فيعثر على ترجمته فينجلي الغموض الكثيف الّذي ما زال يحيط بشخصية هذا المؤرخ المنسي الّذي لم يترك وراءه غير هذا الأثر اليتيم.
ولئن أهمله كتاب التراجم هذا الإهمال الغريب فإنّهم ترجموا ل «على بن محمد بن على بن أحمد العمراني» الّذي قطع كل من الدكتور مصطفى جواد والأستاذ عباس العزاوى- رحمهما الله- بأبوّته لمؤرخنا ابن العمراني. فلنحاول أن نلتمس حياة مؤرخنا من دراسة حياة أبيه الّذي ترجمه كل من:
(1) السمعاني المتوفى سنة 562 هـ في: كتاب الأنساب ورقة 398 ب.
(2) ياقوت المتوفى سنة 626 هـ في: كتاب معجم الأدباء 5/ 412، وقد نقل ترجمته من تاريخ خوارزم لأبى محمد بن أرسلان.
(3) ابن الأثير المتوفى سنة 630 هـ في: اللباب في تهذيب الأنساب 2/ 151- 152. وقد اختصر ترجمة السمعاني.
(4) ابن الفوطي المتوفى سنة 723 هـ في: تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب، ترجمة 2246.
(5) الصلاح الصفدي المتوفى سنة 745 هـ في: كتاب الوافي بالوفيات، مخطوطة نور عثمانية جزء 12.
(1/6)
________________________________________
(6) القرشي المتوفى سنة 775 هـ في: كتاب الجواهر المضيئة 1/ 378.
(7) السيوطي المتوفى سنة 911 هـ في: كتاب بغية الوعاة صفحة 350- 351.
(8) أبو الحسنات اللكنوي المتوفى سنة 1304 هـ في: كتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية صفحة 123.
(9) الخوانساريّ المتوفى سنة 1313 في: كتاب روضات الجنات صفحة 485.
من هذه التراجم نستطيع أن نسقط ترجمة السيوطي والخوانساريّ والصفدي وابن الأثير لأن الخوانساريّ نقل من كتاب الصفدي وكل من الصفدي والسيوطي نقل من معجم الأدباء. أما ترجمة اللكنوي فليس فيها شيء جديد يضاف إلى ترجمة ياقوت إلا اسمه المحرف حيث جاء «على بن عبد الله بن عمران» . أما ترجمة ابن الفوطي فليست بشيء لأنها يمكن أن تلصق بأية ترجمة دون أن تغير منها شيئا. ولعله نقلها من ترجمة ياقوت. قال فيها: «من العلماء الأدباء والأفاضل النجباء، كان عارفا بالنحو والأدب والتفسير وأصول الفقه والكلام والعروض وله في الجميع المعرفة التامة واليد الباسطة» ولم يزد. أما ترجمة ابن الأثير في اللباب فهي مختصرة من ترجمة السمعاني.
بقيت لدينا ترجمات كل من السمعاني وابن أرسلان والقرشي. ففي أول هذه الترجمات يقول السمعاني في نسبة «العمراني» :
«هذه النسبة إلى شيئين أولهما: أهل بيت كبير بسرخس وهو بيت قديم، والّذي رأيت منهم الرئيس أبا الحسن على بن محمد العمراني السرخسي قرابتنا [1] .
حظي عند السلطان سنجر بن ملك شاه وارتفع قدره ثم حبس وقتل بمرو بقرية سنج، وقد تغيّر رأى السلطان عليه في سنة 545 هـ» . وقال السمعاني في النسبة إلى الشيء الثاني: «والعمرانية قرية بالموصل» . وجاء ذكر العمرانية هذه عند ياقوت في معجم البلدان فقال: «قرية وقلعة في شرق الموصل متاخمة لناحية شوش والمرج» .
__________
[1] لم يورد كل من مصطفى جواد وعباس العزاوى هذه الكلمة في ما نقلوا من ترجمة العمراني.
(1/7)
________________________________________
إن ترجمة ياقوت المنقولة من تاريخ خوارزم أطول من ترجمة السمعاني وأكثر منها تفصيلا، قال فيها: «على بن محمد بن على بن أحمد بن مروان العمراني الخوارزمي، أبو الحسن الأديب، يلقب حجة الأفاضل وفخر المشايخ، مات فيما يقارب سنة 560.
ذكره أبو محمد بن أرسلان في تاريخ خوارزم من خطه فقال: العمراني حجة الأفاضل سيد الأدباء قدوة مشايخ الفضلاء المحيط بأسرار الأدب والمطلع على غوامض كلام العرب. قرأ الأدب على فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشريّ فصار أكبر أصحابه وأوفرهم حظا من غرائب آدابه. لا يشق غباره في حسن الخط واللفظ ... سمع من فخر خوارزم والإمام عمر الترجماني، ولد الإمام أبى الحسن على بن أحمد المخى ...
والإمام الحسن بن سليمان الخجنديّ والقاضي عبد الواحد الباقرحى وغيرهم. وكان ولوعا بالسماع كتوبا وجعل في آخر عمره أيامه مقصورة وأوقاته موقوفة على نشر العلم وإفادته لطالبيه وإفاضته على الراغبين فيه ... وكان يذهب مذهب الرأى والعدل ...
وله تصانيف حسان منها كتاب المواضع والبلدان، كتاب تفسير القرآن، كتاب اشتقاق الأسماء ... » . وذكره ياقوت في معجم البلدان عند كلامه على مصنفي كتب البلدان فقال: «وأبو القاسم الزمخشريّ له كتاب لطيف في ذلك (اشتقاق البلدان) ، وأبو الحسن العمراني تلميذ الزمخشريّ وقف على كتاب شيخه وزاد عليه رأيته» [1] وقد نقل ياقوت منه كثيرا إلى معجمه (انظر فهرس معجم البلدان تحت اسم: العمراني) .
وأخيرا ترجمه القرشي فقال: «على بن محمد العمراني الملقب فخر المشايخ أستاذ علاء الأئمة الخياطى» [2] وعلاء الأئمة هذا هو علاء الدين أبو على، سديد بن أبى سابق
__________
[1] معجم البلدان 1/ 7، وذكر له حاجي خليفة تفسير القرآن 2/ 359، واشتقاق أسماء المواضع والبلدان 1/ 318، وقال عباس العزاوى إنه يمتلك أوراقا متناثرة منه (العمراني وتاريخه: 51) .
[2] الجواهر المضيئة 1/ 378.
(1/8)
________________________________________
طاهر الخياطى الخوارزمي المحتسب. قال عنه ابن الفوطي: «كان جلدا معتبرا لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان عارفا بالفقه والحديث، عالما بأمور الناس، كان يحفظ كثيرا من كلام السلف» [1] . وقال عنه الذهبي: «ومن الخياطة شيخ الإسلام علاء الدين سديد بن محمد الخياطى الخوارزمي، سمع من فخر المشايخ على بن محمد العمراني» [2] .
من كل هذا يتوضح لدينا ما يأتى:
(1) إن العمراني السرخسي كان يمت بصلة القرابة للسمعاني، وأنه كان رئيسا لسرخس، وأنه توفى بعد سنة 545 هـ لأن السلطان تغير رأيه عليه فحبس ثم قتل.
(2) إن العمراني الخوارزمي كان فقيها عالما أديبا مفسرا، حنفيا معتزليا يؤخذ عنه العلم وتوفى في حدود سنة 560 هـ.
فهل نحن أمام شخصيتين مختلفتين تماما وإن تشابهتا في الاسم واسم الأب والجد واختلفتا في النسبة؟ وهل لهاتين الشخصيتين أية علاقة بمؤرخنا المنسي؟
ذكر السمعاني وبعده ابن الأثير أن العمراني السرخسي كان ينعت ب «الرئيس» فلعله كان رئيسا لسرخس في عصر السلطان سنجر بن ملك شاه الّذي انتهى حكمه عمليا في سنة 548 هـ على أيدي الغز من التركمان [3] ولعل السلطان تغير رأيه على العمراني السرخسي فحبسه ثم قتله قبل سنة 548 هـ ومن ثم فإن السلطان سنجر نفسه توفى سنة 552 هـ كمدا وغما على ذهاب ملكه، والفرق كبير بين سنة 545 هـ وسنة 560 هـ.
لقد وصف كثير من المؤرخين الفترة التي رافقت هزيمة سنجر ووقوعه أسيرا بأيدي الغز وما تلاها من الأحداث، فقال ابن كثير: «واستحوذ أولئك الأتراك على البلاد ونهبوها وتركوها قاعا صفصفا وأفسدوا في الأرض فسادا عريضا وأقاموا
__________
[1] مجمع الآداب ترجمة أرقامها: 1507.
[2] المشتبه 176، وأعاد ابن حجر ما قاله الذهبي في تبصير المنتبه 2/ 518.
[3] زبدة النصرة 176، البداية والنهاية 12/ 231، 237.
(1/9)
________________________________________
سليمان شاه ملكا فلم تطل أيامه حتى عزلوه وولوا ابن أخت سنجر محمود خان وتفرقت الأمور واستحوذ كل إنسان منهم على ناحية من تلك الممالك وصارت الدولة دولا» [1] .
وزاد العماد الأصفهاني على ذلك فقال: «ثم استولى الأمير أي آبه بنيسابور وأخذ محمود خان وأعدمه وتولى الأمور وبقي الغز بمرو وبلخ وسائر البلاد ضالين عن نهج الرشاد عابدين للجور جائرين على سائر العباد» [2] . وروى السمعاني نفسه شيئا من حوادث تلك الفترة التي امتدت حتى سنة 555 هـ وإنه شارك في بعض أحداثها فقال في حديثه على سنج: «هي قرية من قرى مرو على سبعة فراسخ منها..
نزل عسكر الغز لمحاصرة حصن بها شهرا كاملا وكانوا يحاربون أهل الحصن فلم يقدروا عليها في رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ثم حاصروها غير مرة شهرين وثلاثة إلى أن صالحوها بعد جهد في جمادى الأولى سنة 555 وكنت المتوسط فيه» [3] .
فإذا افترضنا أن السلطان سنجر لم يقتله فلعل الغز أخذوه وحبسوه ثم صادروه وقتلوه في حدود سنة 560 هـ لأنه كان متقلدا رئاسة سرخس للسلطان سنجر والحبس والمصادرة. وإتلاف المهج إذا ذاك لم يكن غريبا. ولو كان الأمر كذلك لما أغفل السمعاني ذكره وعندها يصبح قول العزاوى متناقضا: «إننا لا نشعر منه ما يدعو للتنديد بالسلجوقيين وقد عاملوا والده بأقسى المعاملة ورأى منهم ما رأى فلم يظهر حنقا أو غيظا كأنه بعيد منه أو أنه لا يمت إليه بصلة» [4] لأنه لم يتعين لدينا ذلك على وجه التحقيق. بيد أن عبارة السمعاني صريحة في أن السلطان تغيّر رأيه عليه فحبسه سنة 545 هـ ثم قتل بمرو بقرية سنج. فإذا كان العمراني
__________
[1] البداية والنهاية 12/ 231.
[2] زبدة النصرة 284، وانظر أيضا تاريخ أبى الفداء 3/ 28.
[3] الأنساب ورقة 313 أ.
[4] العمراني وتاريخه 62.
(1/10)
________________________________________
السرخسي والد مؤرخنا وكان السلطان سنجر قد قتله فإن رأى العزاوى يصح تماما لأننا لا نجد في كتاب الإنباء تنديدا بالسلجوقيين. غير أن هناك عقبة كؤودا تعترضنا في قبول هذا الرأى وهي أن ابن أرسلان الخوارزمي وهو معاصر له ذكر أن العمراني الخوارزمي توفى في حدود سنة 560 هـ دون أن يذكر أنه مات في الحبس أو مقتولا مما يوحى أنه يترجم لشخصية أخرى وإن اتفقت مع الأولى في اسمها وكنيتها واختلفت معها في إحدى النسبتين ثم زاد على ذلك فقال: «وجعل في آخر عمره أيامه مقصورة وأوقاته موقوفة على نشر العلم ... » فإذا كان العمراني الخوارزمي هذا والد مؤرخنا فإنه كان منقطعا للعلم وإفادته حتى وفاته في حدود سنة 560 هـ فهو والحال هذه غير العمراني السرخسي ولهذا لا نشعر من مؤرخنا ما يدعو للتنديد بالسلجوقيين لأنهم لم يقتلوا أباه.
ومع كل هذه الافتراضات فقد لا تكون له صلة إطلاقا بأىّ منهما، فلعله أحد العمرانيين الموصليين أو لعله حفيد على بن أحمد العمراني الموصلي العالم بالحساب والهندسة والّذي قال فيه القفطي: «وكان فاضلا جماعا للكتب يقصده الناس للاستفادة منه ومنها، يأتى إليه الطلبة من البلاد النازحة للقراءة عليه. وتوفى في سنة 344 هـ» [1] .
إنه لمن العسير علينا أن نقرر إن كان العمراني السرخسي أو الخوارزمي [2] والد مؤرخنا لندرة المعلومات المتوفرة لدينا عنه أو عنهما، والأعسر من ذلك أن نتبين له شخصية ما في كتابه هذا وأن كل ما نستشف منه في ثنايا كتابه أنه كان مع الخليفة القائم على من يخرج عليه أو يريد به سوءا ولهذا وسم عمرو بن الليث
__________
[1] تاريخ الحكماء وهو مختصر الزوزنى 233، وانظر الفهرست 1/ 283، تراث العرب العلمي لطوقان 222.
[2] تحتفظ مكتبة شوارى ملي بإيران بنسخة مخطوطة من كتاب «المحاجاة بالمسائل النحوية» للزمخشري رواها العمراني الأدبي الخوارزمي وقرأها على الزمخشريّ ونسخ المخطوطة محمد بن يوسف في رمضان سنة 589 هـ وتعد الزميلة الدكتورة بهيجة الحسنى تحقيقا للمخطوطة الآن. وهذا دليل على أن العمراني الخوارزمي كان منقطعا للعلم وهو غير العمراني السرخسي.
(1/11)
________________________________________
ب «الخارجي» لأنه حارب الخليفة ولم يستطع كتمان حزنه وغضبه حين خلع الراشد باللَّه فقال: «وجمع السلطان مسعود القضاة والفقهاء وألزمهم أن يشهدوا على الراشد باللَّه بشرب النبيذ ولا والله ما كان واحد منهم قد رآه يشرب الماء فشهدوا خوفا من الصفع وخلعوه بالفسق» وصب غضبه على دبيس بن صدقة حين حارب الخليفة. ومع ذلك فهو لم يتورع من إيراد ما قيل في الخلفاء من هجاء ومنقصة ولم يتعرض للسلاطين البويهيين والسلاجقة حين خلعوا الخلفاء وسملوهم.
ويمكن أيضا أن نستشف جانبا آخر من شخصية مؤرخنا وهو أنه كان فقيها يميل إلى أصحاب الفقه من أهل السنة ويطنب في مديح رجالهم كالإمام أحمد بن حنبل والغزالي وأبى إسحاق الشيرازي والتنوخي القاضي وغيرهم، وأنه لم يكن معتزليا أو حنفيا فقد أورد شيئا من محنة الإمام أحمد بن حنبل في خلق القرآن مع المعتصم فقال:
«وإنما حث المعتصم على ذلك وحمله على ما فعل أحمد بن أبى دؤاد لأنه كان معتزليا وكان الإمام أحمد- رضوان الله عليه- إمام السنة» فلو كان معتزليا لأعرض عن هذا واستغفر لذنبه إلا أنه لم يستطع كتمان شماتته بابن أبى دؤاد حين فلج ومات ولهذا نستطيع أن نطمئن إلى نعت ابن الكازروني له ب «الشيخ الفقيه» . (مختصر التاريخ 244) .
إن موقفه المناصر للإمام أحمد ابن حنبل يوحى أن مؤرخنا كان حنبليا أو متحنبلا لأنه مدح الإمام أحمد أكثر من مديحه للإمام أبى حنيفة فعله أظهر هذا الميل إرضاء للوزير عون الدين بن هبيرة الحنبلي وزير المقتفى والمستنجد بل لعله كان متصلا به حين كان مستقرا ببغداد قبل رحيله عن العراق لأن الكتاب على ما يظهر قد كتب في الفترة المحصورة بين سنة 555 هـ وهي سنة تولية المستنجد وسنة 560 هـ السنة التي توفى فيها الوزير ابن هبيرة. فإن قول ابن العمراني في مقدمة كتابه «إلى أن أختم الكتاب بالأيام المستنجدية» يدل أنه كتبه إذ ذاك والخليفة المستنجد لم يزل بعد حيا لأنه توفى سنة 566 هـ. فربما ترك العراق إلى بلد لا نعرفه في أول خلافة
(1/12)
________________________________________
المستنجد لسبب ما نزال نجهله [1] .
وفي الكتاب بعض الإشارات إلى مواضع عمرانية كانت قائمة إذ ذاك وذكر نفسه مع واحدة منها مثل سامراء ودار المملكة، وباب دار الخلافة الّذي جاء به المعتصم من عمّورية. ففي كلامه على بناء سامراء وخرابها قال: «وأمر (المعتصم) ببناء المدينة وأسكن العسكر بها وطولها سبعة فراسخ وهي الآن باقية وأبنيتها جديدة إلا أنها خالية. دخلت من باب من أبوابها أول النهار وخرجت من الآخر بعد الظهر فكانت هي منزلنا في ذلك اليوم» . إلا أنه لم يذكر أن كان قد دخلها منحدرا إلى بغداد أو مصعدا منها، ومتى؟ وهذه الإشارة اليتيمة إن لم توضح لنا زمن قدومه إلى العراق أو خروجه منه فإنّها تثبت أن مؤرخنا كان في بغداد، يؤيد هذا قوله في نهاية كتابه «ولبعدى عن العراق» وإنه كان على معرفة ببغداد، فإنه أشار إلى باب دار الخلافة الّذي جاء به المعتصم من عمّورية ونصبه على باب من أبواب دار الخلافة فقال. «وهو إلى الآن موجود» ، وهذه الإشارة أوردها الخطيب البغدادي في تاريخه (3/ 344) فلعله نقلها من تاريخ بغداد وأنه لم يزل حتى أيامه وبعدها لأن ابن الطقطقى المتوفى في حدود سنة 701 هـ ذكر مثل ذلك (الفخرى 317) .
وفي إشارة أخرى إلى دار المملكة التي بناها عضد الدولة البويهي قال: «وعاد (طغرلبك) ونزل بدار عضد الدولة التي هي اليوم دار المملكة» .
وفي إشارة أخرى إلى المدينة التي بناها السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان قال:
«وفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة أمر السلطان ... أن تبنى المدينة الجديدة
__________
[1] أما قول العزاوى إنه مال إلى الرحبة وإنه ابن المتقنة فضرب من الحدس عجيب (العمراني وتاريخه 48) ، وقد رد مصطفى جواد في تعليقاته على آراء العزاوى دون أن يذكر اسمه. انظر مجمع الآداب 1/ 891 حاشية، 2/ 258 حاشية، تكملة إكمال الإكمال 167 حاشية، مختصر التاريخ 22 قال: «ولم تعرف لجمال الدين محمد بن على العمراني مؤلف هذا التاريخ النفيس ترجمة. وقد انتحل له بعض الفضلاء الباحثين من غير تعمد للتزوير ترجمة ابن المتقنة الرحبيّ الفقيه المشهور» .
(1/13)
________________________________________
تحت دار المملكة ببغداد ونقل أهل البلد كلهم إليها وحوط عليها سورا محكما هو باق إلى الآن» .
وهذه كلها إشارات لا يمكن حصرها بزمن معين وهي إلى ذلك لا تسعفنا في التعرف على شيء من حياته في بغداد. فإن المعروف أن طغرلبك وسّع دار المملكة البويهية التي بناها عضد الدولة فقد جاء في كتاب مناقب بغداد المنسوب لابن الجوزي ما نصه:
«فأما دار المملكة المختصة بالسلاطين فإنّها كانت بأعلى المخرّم وكانت دارا لسبكتكين غلام معز الدولة فنقض عضد الدولة أكثرها وأراد أن يعمل ميدانها بستانا ويأتى بماء من الخالص فشق نهرا في وسطها فبلغت النفقة خمسة آلاف ألف درهم غير ما أنفق على أبنية الدار. ولما ورد طغرلبك بغداد في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عمّر هذه الدار وبنى مدينة عند المخرّم. وتقدم ملك شاه ببناء خانات للباعة هناك وسوق ودروب وبنى الجامع هناك ثم إن دار المملكة خربت فاستجدها بهروز في سنة تسع وخمسمائة وحمل إليها أعيان الدولة الفرش الحسنة والأشياء الرائقة واستدعى القراء والصوفية فقرءوا فيها القرآن ثلاثة أيام متوالية.
فلما كانت سنة تسع عشرة وخمسمائة مرت جارية في الليل وبيدها شمعة فوقعت النار في الخيش فاحترقت الدار وكان السلطان على السطح فنزل هاربا إلى سفينة» [1] وأخيرا هدمها الخليفة الناصر لدين الله سنة 583 هـ وعفى أثرها ولم يبق إلا الجامع المعروف بجامع ملك شاه ليقطع أطماع طغرل الثالث بن أرسلان شاه السلجوقي الّذي حاول استرداد سلطة السلاجقة على بغداد.
__________
[1] لا يمكن أن يكون هذا الكتاب لابن الجوزي لأن مؤلفه يذكر سنة 614، 646، و 654 وابن الجوزي توفى في سنة 597 هـ فلعله لابن الفوطي أو أحد أولاد ابن الجوزي. وعن دار المملكة انظر المنتظم 8/ 169، 9/ 159، تاريخ أبى الفداء 2/ 211، النجوم 5/ 135 ومقال الدكتور عبد العزيز الدوري في دائرة المعارف الإسلامية (باللغة الإنكليزية) 1/ 892- 908، دليل خارطة بغداد 138- 140.
(1/14)
________________________________________
أما الباب الّذي جاء به المعتصم ونصبه على أحد أبواب دار الخلافة فقد أورد الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 هـ: «وهو باق حتى الآن منصوب على أحد أبواب دار الخلافة وهو الباب الملاصق مسجد الجامع في القصر» . وقال ابن الطقطقى: «وهو الآن على أحد أبواب دار الخلافة ويسمى باب العامة» . ودار الخلافة كما جاءت أخبارها عند الخطيب والجهشيارى وياقوت وابن الساعي ومؤلف مناقب بغداد [1] هي القصر الحسنى الّذي كان لجعفر البرمكي الّذي نزل عنه للمأمون ومن ثم صار للحسن بن سهل ثم لابنته بوران فاستنزلها عنه الموفق أو المعتمد أو المعتضد على خلاف. وكان المعتضد أول من نزلها فكثرت حولها العمارات ولم يكن هناك سور حتى سنة 488 هـ حين بنى سور لها فأعاد المسترشد باللَّه عمارته في سنة 517 هـ وجعل للسور أربعة أبواب. وكان عرض السور اثنتين وعشرين ذراعا. وتهدم هذا السور في سنة 554 هـ في خلافة المقتفى لأمر الله لازدياد ماء دجلة وانفتاح القورج فأحاط الماء بالسور فانثلمت منه ثلم عجزوا عن سدها فاتسعت فتهدم معظم محال بغداد فتقدم المقتفى بعمل مسناة حول السور فعمل بعضها وتوفى وولى المستنجد فعمل منها قطعة وتوفى فأكملها المستضيء.
إن قول المؤرخين: «على أحد أبواب دار الخلافة» يعنون أحد أبواب حريم دار الخلافة قال ياقوت في مادة «حريم» من معجم البلدان: «حريم دار الخلافة ويكون بمقدار ثلث بغداد وهو في وسطها ودور العامة محيطة به وله سور يتحيز به، ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كهيئة نصف دائرة وله عدة أبواب أولها: من جهة الغرب باب الغربة وهو قرب دجلة جدّا ثم باب سوق التمر وهو باب شاهق البناء أغلق في أول أيام الناصر لدين الله ابن المستضيء واستمر إغلاقه إلى هذه الغاية (يعنى سنة 626 هـ) ثم باب البدرية ثم باب النوبي وعنده العتبة التي تقبلها الرسل والملوك
__________
[1] تاريخ بغداد 1/ 99، كتاب الوزراء والكتاب 216، نساء الخلفاء 71- 78، مناقب بغداد 15- 18 معجم البلدان «التاج» .
(1/15)
________________________________________
إذا قدموا بغداد. ثم باب العامة وهو باب عمّورية أيضا، ثم يمتد (السور) قرابة ميل ليس فيه باب إلا باب البستان قرب المنظرة التي تنحر تحتها الضحايا، ثم باب المراتب بينه وبين دجلة نحو غلوتى سهم في شرق الحريم. وجميع ما يشتمل عليه هذا السور من دور العامة ومحالها وجامع القصر، وهو الّذي تقام فيه الجمعة ببغداد، يسمى الحريم. وبين هذا الحريم المشتمل على منازل الرعية وخاص دار الخلافة التي لا يشركه فيه أحد سور آخر يشتمل على دور الخلافة وبساتين ومنازل نحو مدينة كبيرة» . وأعاد ياقوت وصفه هذا في كتابه الآخر: «المشترك وضعا والمختلف صقعا» فقال: « ... ثم باب العامة ويقال لها باب عمّورية» [1] . من وصف ياقوت لحريم دار الخلافة يتوضح لدينا أن الباب قد نصب على سور الحريم وليس على أحد أبواب دار الخلافة. وأن دار الخلافة كان لها سور تتحيز به. قال الخطيب البغدادي:
«ثم استضاف المعتضد إلى الدار مما جاورها كل ما وسعها به وكبّرها وعمل عليها سورا جمعها به وحصّنها» [2] .
فإذا صح افتراضنا أن ابن العمراني قد نقل هذا الخبر من تاريخ بغداد، فإن الخطيب البغدادي لم يصرح بأن المعتصم جاء بباب عمّورية ونصبه على أحد أبواب دار الخلافة وكل ما قاله: «وجاء ببابها إلى العراق وهو باق حتى الآن منصوب على أحد أبواب دار الخلافة ... » ولا يصح أن ينصبه على سور بنى بعده في زمن المعتضد باللَّه (بويع سنة 279 هـ وتوفى سنة 289 هـ) ، أو على سور الحريم حيث يوجد باب عمّورية الّذي كان قائما حتى سنة 463 هـ[3] وبعدها. فلعل قول الخطيب «إلى العراق» يعنى «إلى سامراء» ، ثم نقل هذا الباب من سامراء ونصب على أحد أبواب سور حريم دار الخلافة بعد أن انتقل الخلفاء من سامراء إلى بغداد واتّخذوا القصر الحسنى دار الخلافة.
__________
[1] نشر وستنفيلد، كوتنكن- ألمانيا 1846، صفحة 129- 130.
[2] تاريخ بغداد 1/ 99، عيون التواريخ لابن شاكر الكتبي مخطوطة لايدن ورقة 52 أ.
[3] سنة وفاة الخطيب البغدادي.
(1/16)
________________________________________
نسخ المخطوطات:
لقد عثرت على خمس نسخ مخطوطة من كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء:
الأولى: في مكتبة جامعة لايدن وأرقامها.Or.595:
الثانية: في مجموعة فاتح في مكتبة السليمانية باستانبول وأرقامها: 4189.
ومنها «ميكروفيلم» في مكتبة جامعة لايدن أرقامه: 193 بن.A
الثالثة: في مجموعة ولى الدين في مكتبة بايزيد العمومية باستانبول وأرقامها:
2360.
الرابعة: في المكتبة الوطنية في باريس وأرقامها: 4842 ومنها «ميكروفيلم» في مكتبة جامعة لايدن، أرقامه.A.185:
الخامسة: نسخة عباس العزاوى. وقد آلت أخيرا إلى مكتبه الآثار في المتحف العراقي. وكل هذه النسخ ترجع إلى مصدرين، أو ربما لمصدر واحد لأن كلّا من نسخة باريس ونسخة العزاوى ونسخة ولى الدين انتسخت من نسخة لايدن، وذلك للأسباب الآتية:
(1) وردت في نسخة لايدن بعض الكلمات المطموسة بفعل الرطوبة وتلاصق بعض أوراقها في مواضع فلم يظهر من بعض الكلمات إلا جزء منها أو حدثت بعض الأخطاء والتصحيفات فنقلها الناسخ كما رآها، مثلا:
(1) جاء في نسخة لايدن: «فإنّي ذاكر في كتابي طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية فصلا من مناقب ... » . وكانت الكلمة «وفصلا» .
(ب) في الورقة 9 ب جاء: «عضد الدولة فناخسرو أمر أن يبنى» غير معجمة فكتب الناسخ «فباخرو أمر أن يبنى» .
(1/17)
________________________________________
(ج) في الورقة 29 ب ورد البيت الآتي:
ما رعى الدهر آل برمك لما ... أن رماهم بكل أمر فضيع
ويبدو أن ناسخ نسخة لايدن قد نسي الحرف «أن» وعند المقابلة وضعها فوق الراء والميم من «رماهم» فاختلط الأمر على ناسخ نسخة ولى الدين فكتبها هكذا «لماران ماهم» .
(د) في الورقة 116 ب: «وتوفى المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه- ...
وصلى عليه «رده» ، والأصل «ولده» لأن الكلمة مطموسة بفعل الرطوبة فنقلها ناسخ نسخة ولى الدين دون أن ينتبه إلى نقصانها.
(2) في الورقة 117 أجاء: «....... واستوزر المستنجد باللَّه عون الدين أبو (كذا) المظفر، يحيى بن محمد بن هبيرة وزير أبيه ومات الوزير عون الدين المذكور في جمادى الآخرة سنة ستين وخمسمائة» .
فكتب ناسخ نسخة ولى الدين: «.... واستوزر المستنجد باللَّه عون الدين المذكور في جمادى الآخرة سنة ستين وخمسمائة» وقد ترك سطرا كاملا سهوا لأن السطر العاشر والحادي عشر يبدءان بكلمة «عون الدين» ثم استدرك خطأه فضرب على السطر الخطأ.
(3) ودليل آخر وهو أن ورقة كاملة سقطت من نسخة لايدن ولعلها سقطت قبل أن تجلد وتضم أوراقها إلى بعضها وهي تقع بين الورقة 110- 111 فلم ينتبه لنقصانها ناسخ نسخة ولى الدين، وقد أضفناها من نسخة فاتح.
(4) إن أحد المتملكين لنسخة لايدن أضاف إلى بعض تراجم الخلفاء مدد خلافتهم بخط ضعيف حديث فنقلها ناسخ نسخة ولى الدين وكأنها من المتن وهي لا توجد في فاتح.
وهناك أدلة كثيرة أخرى أضربنا عن إيرادها والنسخة مع كل هذا يشيع فيها التصحيف ويكثر فيها التحريف مما يوحى أن ناسخها كان يجهل العربية كل الجهل
(1/18)
________________________________________
وإن كتب بها. ولذلك نستطيع أن نقول: إن نسخة ولى الدين قد انتسخت من نسخة لا يدن قبل أو في الفترة المحصورة بين سنة 1055 هـ/ 1645 م- 1076 هـ/ 1665 م لأن فارنر وصل إلى إستانبول سنة 1645 م وتوفى في إستانبول في سنة 1665 م وقد كان يشغل منصب القنصل الفخرى لهولندة لدى الباب العالي [1] . أما متى دخلت نسخة لايدن في حوزة فارنر فإننا لا نستطيع أن نعين ذلك لأن فارنر لم يسجل السنة التي حصل فيها على المخطوطة. بيد أننا نعلم أن هذه النسخة وصلت ضمن مجموعته النفيسة من المخطوطات العربية إلى لايدن في سنة 1668 م لأنه أوصى بإهدائها إلى الجامعة التي درس فيها أيام شبابه.
وفي نسخة ولى الدين يظهر ختم الواقف ولى الدين وهذا نصه: «وقف شيخ الإسلام ولى الدين أفندى بن المرحوم الحاج مصطفى آغا بن المرحوم الحاج حسين آغا سنة 1175» . فقد دخلت هذه النسخة في حوزة ولى الدين فوقفها بعد مائة سنة من وفاة فارنر ووصول نسخة فارنر إلى لايدن، فعلى هذا ولما قدمنا من أدلة نستطيع أن نقول: إن نسخة ولى الدين قد نسخت من نسخة لايدن في القرن العاشر أو الحادي عشر الهجريّ وليس في القرن السابع كما ورد في نهاية المخطوطة.
أما نسخة العزاوى فهي بخط الثلث كتبها عبد الرزاق فليح البغدادي سنة 1364 هـ نقلا من نسخة كتبت في 4 شوال سنة 682 هـ (وهذه النسخة هي بالتحقيق نسخة ولى الدين) وعليها تعليقات وشروح للعزاوى- رحمه الله- وكتب لها مقدمة لا تزيد على ما قاله في مقاله «العمراني وتاريخه» وكان قد أعدها للنشر فلم يتسن له نشرها.
أما نسخة باريس فإنّها أيضا نسخة أخرى انتسخت من نسخة ولى الدين
__________
[1] عن حياة فارنر ونشاطاته التجارية والسياسية والتبشيرية انظر:
P.10.b) Juynboll ,W.M.C.,Zeventiende -bischinnederland ,Utrecht 1931.بن 1954 بن a) Vogel ,J.Ph.iversityofLeiden ,OrientalResearch ,Leiden
(1/19)
________________________________________
في القرن التاسع عشر كتبها أحد الأتراك لأحد المستشرقين فكثرت فيها التصحيفات وعمّها التحريف، ولهذا أهملنا نسخة ولى الدين وما أخذ منها واقتصرنا على نسختي لايدن وفاتح. وإليك التسلسل النسخى للمخطوطات:
أما نسخة فاتح فإنّها تحمل اسم الكتاب ومصنفه «الإنباء في تاريخ الخلفاء، تأليف الشيخ الإمام العالم الع [لامة جمال] الدين محمد بن محمد العمراني» . وتحتوى في أولها على شعر توبة بن الحمير وقد شغل الأوراق 1- 29، وكتاب الإنباء الّذي شغل الأوراق 31 أ- 161 ب، وكتبت النسخة بخط الثلث سنة 621 هـ. أوراقها الأربع الأولى مخرومة ومتهرئة بفعل الرطوبة والإهمال. وهذه النسخة تزيد ورقة كاملة على نسخة لايدن وتنقص عنها ورقة كاملة وتقع الورقة الناقصة فيها بين الورقة 102 ب- 103 ب من نسخة لايدن. ولعل أحسن تعليل لحدوث هذا النقص هو أن الناسخ حين انتهى من نسخ الصفحة التي سبقت الورقة الناقصة وبدلا من أن يصفح صفحة واحدة صفح صفحتين دون أن ينتبه إلى ذلك واستمر في النسخ ولم يكلف نفسه عناء مقابلتها لأنه على ما يظهر كان وراقا يمتهن الوراقة لعيشه.
أما نسخة لايدن، وهي التي اتخذناها مع نسخة فاتح أصلا في تحقيقنا، فتحتوى على 117 ورقة كتبت بخط واضح جميل يقع بين الثلث والنسخ ويرجع إلى عصر المماليك. وجاء في آخرها ما نصه: «وكان الفراغ منه على يد العبد الفقير إلى الله
(1/20)
________________________________________
أبو بكر بن عبد الله (في الحاشية: عرف بابن الجوخى؟) في الرابع من شهر شوال سنة اثنتين وثمانين وستمائة أحسن الله خاتمتها ورحم من دعا له بالمغفرة» .
إضافة إلى اسم الكتاب ومصنفه «كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء، جمع الشيخ العلامة محمد بن على بن محمد العمراني، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه بحبوحة جنته بمنّه وكرمه آمين» . فإن النسخة تحمل جملة من التمليكات والقراءات أقدمها:
«طالع هذا التاريخ المبارك مترحما على مؤلفه وداعيا لمالكه بطول العمر ودوام العزة والارتقاء، فقير عفو الله تعالى عبد الرحمن بن مكية الشافعيّ عفا الله عنه سنة 905» .
وأهم هذه التمليكات: «سعد وتشرف بتملكه العبد الأحقر الراجي أحمد بن سعدى ابن ناجى بمدينة حلب سنة 934» . وقد أضاف هذا التملك في نهاية بعض تراجم الخلفاء المدد التي حكموا فيها وابتدأ هذه الإضافات بترجمة الأمين فكتب: «فكانت خلافته أربع سنين وس ... وثمان أيام رحمه الله» فنقلها ناسخ نسخة ولى الدين بهذه الصورة: «وكان خلافته أربع سنين ومائة وثمان أيام رحمه الله» . وهذه الإضافات التي ألحقها بتراجم الخلفاء ونقلها ناسخ ولى الدين لا تظهر في نسخة فاتح.
والظاهر أن نسخة لايدن كانت في حلب في بداية القرن العاشر الهجريّ فلعلها انتقلت بعد النصف الأول من القرن العاشر إلى إستانبول وهناك أخذت نسخة ولى الدين منها. وفي نسخة لايدن أيضا بعض الإضافات التي لم ترد في نسخة فاتح فلعلها أضيفت إلى النسخة التي نقلت نسخة لايدن منها فأدرجها الناسخ ظنّا منه أنها من المتن وقد حصرت هذه الإضافات بين عاضدتين، ومثل هذا كثير الحدوث في المخطوطات.
لعل المؤرخ ظهير الدين الكازروني، صاحب مختصر التاريخ المتوفى سنة 697 هـ، الّذي نشره مصطفى جواد، أول من عرّف بتاريخ العمراني فقال في ترجمة الإمام الهمام الناصر لدين الله العباسي: «ثم إنه جمع كتابا في الأحاديث النبويّة سماه «روح العارفين» وروى عن شيوخه بالإجازة، وقد ذكرتهم في التذييل على ما ألفه
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

الشيخ الفقيه محمد بن على بن محمد بن العمراني الّذي ابتدأت فيه بأول ولاية المستنجد وختمته بآخر إمامة المستعصم- قدس الله روحه-» [1] .
فتعيّن لدينا أن هذا التاريخ هو من تصنيف ابن العمراني وأن ابن الكازروني قد ألّف تذييلا عليه، ولو كان ابن العمراني يحمل نسبة غير «العمراني» كابن المتقّنة أو الخوارزمي مثلا لما أغفله ابن الكازروني. وزاد الأمر توكيدا أن ابن الطقطقى المتوفى في حدود سنة 701 هـ كان قد نقل منه وذكر اسم «العمراني المؤرخ» صراحة، ومثله فعل الصلاح الصفدي وابن شاكر الكتبي [2] .
ولعل شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902 هـ آخر من ذكره من المؤرخين القدماء فقال: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن المطهر» [3] . وقول السخاوي هذا كان موضع خلاف بين العزاوى ومصطفى جواد- رحمهما الله- فإن مصطفى جواد يرى أن قول السخاوي يجب أن يكون هكذا: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده (و) سديد الدين يوسف بن المطهر» [4] .
أما العزاوى فيرى أن النص ناقص مبتور وصوابه أن يكون: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني ... [والتذبيل لظهير الدين الكازروني إلى آخر أيام المستعصم باللَّه] وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن الظهير» [5] . واستطرد العزاوى للتدليل على صحة رأيه هذا فقال: «في أثناء المطالعة لكشف الظنون في مادة (قانون في الطب) عند الكلام على شرح الكليات المسمى توضيحات القانون للسديد الكازروني ... وهو شرح فرغ من تأليفه في ذي الحجة سنة 745 هـ ...
__________
[1] مختصر التاريخ 244.
[2] الفخرى 291، الوافي بالوفيات 2/ 535، فوات الوفيات 5/ 145.
[3] الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ 96 وبالنص في مخطوطة لايدن ورقة 60 ب.
[4] مختصر التاريخ 244 حاشية أرقامها 427، وانظر كذلك 21- 22.
[5] مجلة المجمع العلمي العربيّ بدمشق عدد 23، صفحة 50.
(1/22)
________________________________________
فعرفنا السديد وهو الكازروني فانكشف المغلق وإن لم يذكر في الإعلان بالتوبيخ أنه ابن المؤلف للتذييل. وإنما هو سديد الدين يوسف بن الظهير الكازروني ولم يكن ابن المطهر كما جاء مصحفا في الإعلان ... » [1] والعجيب في الأمر أن يستنتج العزاوى كل هذه النتائج من تشابه اللقب بين الاثنين وأن حاجي خليفة لم يذكر من الاسم إلا «السديدي الكازروني» فأنّى يكون هذا؟ قال حاجي خليفة في عرض كلامه على شروح كتاب «موجز القانون في الطب» لابن النفيس المتوفى سنة 677 هـ:
«ومن شروحه شرح السديدي الكازروني، جمع فيه من القانون وشروحه ... » .
وذكر بروكلمان هذا السديد مع شرّاح موجز القانون في الطب (ملحق 1/ 825) .
وذكر أيضا سديد الدين محمد بن مسعود الكازروني المتوفى سنة 758 هـ وذكر له كتبا في المولد النبوي الشريف وغيره وأشار إلى ولده عفيف بن سديد الكازروني وذكر له كتبا أيضا (ملحق 2/ 262) ولذلك استبعد روزنثال أن يكونا المعنيين في قول السخاوي [2] .
أما مصطفى جواد- رحمه الله- فلم يأتنا بدليل يثبت رأيه هذا كما حاول العزاوى ونرجح أنه أراد سديد الدين يوسف بن زين الدين على بن المطهر الحلي والد جمال الدين الحسن المعروف بالعلامة المتوفى سنة 726 هـ. وقد ذكر ابن المطهر هذا كل من ترجم لولده ومنهم من أفرده بترجمة فلم يؤثر عنه أنه كان مشتغلا بغير الفقه الشيعي وكذلك ولده ولو كان له مثل هذا الذيل لما أغفل ولده أو غيره ذكره. وذكره مستوفى في كتب التراجم الشيعية حيث وصف ب «العلم والفقه» قال صاحب منتهى المقال:
«يوسف بن على، سديد الدين ابن المطهر الحلي والد العلامة، كان مدرسا فقيها عظيم الشأن وهو من مشايخ ولده وقد أكثر من النقل عنه في كتبه. ولما ورد
__________
[1] مقدمة العزاوى الملحقة بنسخته المخطوطة والمحفوظة في مكتبة الآثار ببغداد صفحة 9.
p.410.n.5. [2] بن imHistoriography ,Leiden 1968
(1/23)
________________________________________
نصير الدين الطوسي الحلة وحضر عنده فقهاؤها سأل عن أعلمهم بالأصول فأشاروا إلى سديد الدين وإلى محمد بن جهم» [1] .
ورد في مقدمة العزاوى قوله: «إن نسخة السخاوي التي نوهنا بها هي الموجودة في خزانة لايدن» ، وقد سبق له أن قال مثل هذا في مقاله «العمراني وتاريخه» الّذي أشرنا إليه. ولا ندري كيف قرر العزاوى ذلك فإن نسخة لايدن من «الإعلان» نسخة حديثة ترجع إلى القرن الحادي عشر للهجرة وهي ليست بخط السخاوي وإنما بخط «على بن إبراهيم اليماني بلدا الحنفي مذهبا» وهي مثقلة بالتصحيفات والأخطاء. وقد جاء في الورقة 60 ب ما نصه:
«وجمع الجمال محمد بن على بن عمر (كذا) العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن المطهر» [2] .
فلربما كان نص السخاوي بهذه الصورة:
«وجمع الجمال محمد بن على بن محمد العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه الظهير على بن محمد الكازروني من أول خلافة المستنجد إلى آخر أيام المستعصم وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن الظهير» .
فلعل جملة «وذيل عليه» كانت في أحد السطور وتحتها مباشرة الجملة نفسها فأغفل الناسخ سطرا كاملا حين النسخ ومثل هذا يحدث كثيرا، ثم حدث تصحيف في كلمة «الظهير» فصارت «المطهر» وهما قريبتان من بعضهما في الرسم. وبقي هذا الخطأ ينتقل في كل نسخة تنسخ من الإعلان. وهناك نقطة أخرى وهي أنه قد تعين عندنا أن الظهير كان قد ذيل على تاريخ ابن العمراني وأن ابن العمراني كان ولم يزل مجهولا فكيف ولده إن كان له ولد؟ وأحسب أن السخاوي
__________
[1] الكربلائي، طبعة طهران 1302، صفحة 335، عمل العامل 40، روضات الجنات 171- 174، مجالس المؤمنين 76، لسان الميزان 6/ 319، الدرر الكامنة 2/ 72، 49.
[2] نسخة لايدن أرقامها 677.
(1/24)
________________________________________
قد ذكر اسم ظهير الدين الكازروني كاملا في بداية قوله لذلك لم ير ضرورة في إعادة اسمه كاملا مرة أخرى واكتفى بلقبه لأن القارئ عنده علم بهذا اللقب.
لقد أرخ ابن العمراني للفترة التي امتدت من البعثة النبويّة إلى أول خلافة المستنجد باللَّه سنة 560 هـ وبعدها اعتذر ببعده عن العراق وعدم تحققه مما يؤرخ. وقد حدد ابن العمراني منهجه التاريخي في مقدمته للكتاب فقال: «فإنّي ذاكر في كتابي هذا طرفا من أخبار الدولة العباسية ... وأبتدئ بذكر سيد البشر ... ثم بعده بالأئمة الأربعة ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أمية إلى أن عاد الحق إلى أهله» .
فذكر نسب النبي- صلّى الله عليه وسلم- ومولده وشيئا من سيرته وأولاده وبناته وأزواجه ثم وفاته وذكر مواليه وأعمامه وعماته لاتصالهم بالعباسيين. ثم انتقل إلى الخلفاء الراشدين وإلى من تولى من بنى أمية. والظاهر أنه لا يعترف بخلافتهم لذلك لم يسمهم بالخلافة وإنما بالملوك إلا أنه حين ذكر مدد خلافتهم قال: «وكانت مدة خلافته ... » فلعله فعل ذلك إرضاء للعباسيين. وقد اختصر تراجم الخلفاء من بنى أمية اختصارا مجحفا فلم يحظ واحد منه بأكثر من بضعة أسطر غير عمر من عبد العزيز فقد حظي منه ب 19 سطرا. ثم ذكر من بويع له بالخلافة في أيام بنى أمية فتوسع قليلا في حوادث ابن الزبير وخروج الحسين بن على- رضى الله عنهم- ومقتله وروى شيئا مما كان يدور في حلقات القصاص من إسلام سبعمائة راهب على رأس الحسين. ثم انتقل إلى ذكر خلافة بنى العباس وأورد كثيرا من الحوادث التي حدثت أثناء حكمهم حتى انتهى إلى خلافة المستنجد باللَّه.
وفي الكتاب ظاهرتان عجيبتان.
أولاهما: أن الكتاب، كما يظهر، قد كتبه العمراني من «الذاكرة» فلعله كان في وضع لم يتيسر معه الحصول على مصادر مدونة حين كتب الكتاب.
وثانيتهما: أن ابن العمراني وقف طويلا عند بعض الحوادث التي اتخذت شكلا أسطوريا عند العوام من الناس فروى ما كان يتناقله العوام وهو ما نطلق عليه الآن
(1/25)
________________________________________
«الإشاعة» . فإذا أصبح الناس ورأوا جثة الرجل الأول في الدولة جعفر البرمكي مصلوبة على جسرى بغداد فلا بد من تعليل وسبب ولا بد من سبب أكبر من إطلاق سراح علوي دون علم الرشيد وهنا جنح الخيال إلى «الشرف» فربطوا مقتل البرمكي بالعباسة واختلفوا لذلك قصة «رومانتيكية» ترضى الفضول وتشبع التطلع. وابن العمراني لم يختلق هذه الإشاعات وإنما وجد غيره من المؤرخين من روى مثل هذه فنقلها عنهم إلا أنه أضفى على الحادثة شيئا من خياله دون أن يخل بها فجاء أسلوبه سهلا حلوا يغرى القارئ بمتابعته.
لا يمكننا أن نقول أن ابن العمراني قد اتبع نظاما معينا يصدق على مؤرخ آخر.
ومع هذا فإننا لا نشك في أنه نقل من تاريخ الطبري والأغاني وتاريخ بغداد وغيرها إلا أنه لم يحاول أن يقلد أيّا من هؤلاء في طريقة عرضه وأسلوب روايته. ولا نشك مرة أخرى في أن جزءا كبيرا من هذا التاريخ نقله ابن العمراني من ذاكرته، ولا بأس أن نورد شيئا من ذلك ونقارنه بما سبقه وقد ذكرت الكثير من ذلك في التعليقات.
(1) جاء في تاريخ بغداد 14/ 10 ما نصه:
«وبعد أن أنشد إسحاق الموصلي قصيدته للرشيد قال: لا تخف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم، للَّه درّ أبيات تأتينا بها ما أحسن فصولها وأثبت أصولها.
فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أجود من شعرى، قال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى» .
وجاء في كتاب الإنباء، ورقة 23 أ- 23 ب من مخطوطة لايدن ما نصه:
«فقال لي: لا كيف للَّه درك وللَّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى. فقال: وهذا الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى» .
(1/26)
________________________________________
(2) جاء في كتاب الفرج بعد الشدة 1/ 148 في حكاية رؤيا المعتضد ما نصه:
« ... فدنوت منه فسلمت وقلت: من أنت يا عبد الله الصالح؟ قال: أنا عليّ ابن أبى طالب. فقلت: يا أمير المؤمنين ادع لي. قال: إن هذا الأمر صائر إليك فاعتضد باللَّه تبارك وتعالى واحفظني في ولدى ... فقلت لغلام كان معى في الحبس لم يكن معى غيره من غلماني: إذا أصبحت فامض وابتع لي فصّا واكتب عليه: أحمد المعتضد باللَّه. قال: ثم أخذت أقطع ضيق صدري في الحبس بتصفح أحوال الدنيا وإعمال فكرى في عمارة الخراب ووجه فتح المنغلق فيها وتعيين العمال للنواحى والأمراء للبلدان ثم أخذت رقعة وكتبت فيها بدرا الحاجب وعبيد الله بن سليمان الوزير وفلان أمير البلد الفلاني.
وجاء في كتاب الإنباء ورقة 63 أما نصه:
« ... رأيت في منامي وأنا محبوس أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- عليه السلام- يقول لي: أمر الخلافة يصل إليك فاعتضد باللَّه وأكرم أولادي. قال: فانتبهت ودعوت الخادم الّذي كان يخدمني في الحبس وأعطيته فص خاتم كان في يدي لأنقش عليه: المعتضد باللَّه أمير المؤمنين، فقال لي: يا سيدي هذه مخاطرة بالنفس من أبيك وعمك، أين نحن من الخلافة؟ وأين الخلافة منا؟ وإنما غاية مأمولنا أن نتخلص من هذا الحبس ونشم الهواء وتسلم لنا نفوسنا. فقلت له: لا تهذ وامض وافعل ما آمرك به فإن أمير المؤمنين عليّا ولّانى الخلافة وهو لقّبنى المعتضد. فمضى وعاد إليّ بعد ساعة والفص معه وعليه مكتوب «المعتضد باللَّه أمير المؤمنين» بأوضح خط وأبينه.
فقلت له: اطلب لي دواة وكاغدا فجاءني بهما فجعلت أقسم الدنيا وأرتب الأعمال وأولى العمال والولاة وأصحاب الدواوين ... » .
هذه بعض الأمثلة وأمثالها كثير، ونحن بعد هذا كله بين أمرين، إما أن ابن العمراني كان يكتب من ذاكرته وأنه كان يحفظ تواريخ بكاملها، وإنه حين كتب كتابه هذا لم تتيسر له المصادر لينقل منها إلى كتابه أو أنه أخذ هذه الروايات من
(1/27)
________________________________________
رواة غير رواة البغدادي والتنوخي فجاءت بهذه الصورة المختلفة في الألفاظ أو أنه تصرف في نقله من المصادر المتوفرة لديه. إلا أن ابن العمراني نفسه صرّح في نقله رسالة القائم بأمر الله إلى عميد الملك الكندري يخوله فيها أن يكون الوكيل في تزويج أخته أو ابنته من طغرلبك فقال بعد أن أورد قسما منها: «وبعد هذا كلام لم يحضرني الآن» . كل هذا وغيره مما يوحى أنه كان يكتب من ذاكرته وليس من نص مكتوب. وهناك أدلة أخرى تؤيد زعمنا هذا وتظهر في الأخطاء التاريخية الواردة في بعض الأخبار التي رواها ومنها:
(1) وقوع اضطراب في التسلسل التاريخي لمقتل كل من الحسين بن عليّ- رضى الله عنه- وعبيد الله بن زياد والمختار بن أبى عبيد ومصعب بن الزبير، فلو كان ينقل من مصدر مدوّن لما وقع في مثل هذا الخطأ. (انظر التعليقات رقم: 50) .
(2) اسم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب الّذي جاء عنده «عبد العزيز» ولما كان الكازروني ينقل من الإنباء فقد وقع في الخطأ نفسه (مختصر التاريخ صفحة 110) . (التعليقات رقم 54، 68) .
(3) في حكاية مقتل جعفر البرمكي قال: « ... ومضى وأنا معه وعبرنا الجسر حتى انتهينا إلى دار الخلافة فدخل من باب الشط ... » فإن المعروف أن جعفر البرمكي قتل بالأنبار بدير العمر وحملت جثته وصلبت على جسور بغداد.
(انظر التعليقات رقم: 154) .
(4) وجاء في ترجمة المهدي: «وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان واستطاب المكان ... ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه ... فلما كان اليوم الثالث من قدومها حكى على بن يقطين قال: اليوم أكل المهدي وأكلنا معه ثم قال لي: أريد أن أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه لنفسي ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا ... » . فإن ابن العمراني قد خلط بين
(1/28)
________________________________________
رؤيا المهدي التي رآها في قصره بالرصافة وبين موته في ماسبذان. فقد نقل رواية على ابن يقطين التي أوردها اليعقوبي والطبري والخطيب البغدادي وأجمعوا على أنها حدثت في قصره بالرصافة فربطها ابن العمراني بموته ولم يكتف بل أكّد حدوثها بماسبذان فقال: «وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام ... » . فلو كان ينقل من نص مكتوب لما وقع في مثل هذه الأخطاء. (انظر: رقم 108 من التعليقات) .
(5) في موت القاسم بن الرشيد قال: «ومات القاسم في حياة الرشيد» ، فإن القاسم لم يمت في حياة الرشيد وإنما توفى سنة ثمان ومائتين (انظر: رقم 145 من التعليقات) .
وهناك أدلة مثل هذه تجدها في ثنايا التعليقات الملحقة بالكتاب أشرت إلى مواضعها. والظاهرة الأخرى في الكتاب هي شغف ابن العمراني الشديد في رواية ما يدور من قصص اتخذت شكلا أسطوريا عند العوام ففي روايته حوادث قتل الحسين بن على- رضى الله عنهما- أورد رواية أبى مخنف لوط بن يحيى ثم زاد عليها وعلى رواية الطبري المختصرة ولا بأس أن نورد هذه الروايات لنرى مدى التوسع الّذي طرأ على هذه القصة وغيرها:
قال الطبري في حوادث قتل الحسين: « ... فأقبل به (رأس الحسين) ...
فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله ... فقالت زوجته: فو الله ما زلت انظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة ورأيت طيرا بيضا ترفرف حولها» (حوادث سنة 61) .
وقال أبو مخنف: «فلما جن الليل رفعوا رأس الحسين إلى جانب الصومعة فلما عسعس الليل سمع الراهب دويّا كدوىّ الرعد وتسبيحا وتقديسا واستأنس من أنوار ساطعة فأطلع الراهب رأسه من الصومعة فنظر إلى رأس الحسين وإذا هو يسطع نورا إلى عنان السماء ونظر إلى باب قد فتح من السماء والملائكة ينزلون كتائب ويقولون:
السلام عليك يا ابن بنت رسول الله، السلام عليك يا أبا عبد الله، فجزع الراهب جزعا
(1/29)
________________________________________
شديدا، فلما أصبحوا ... » وتستمر الرواية التي نسبت إلى أبى مخنف حتى تنتهي بإسلام الراهب على رأس الحسين [1] .
وقال ابن العمراني: « ... فاحتز رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد ... فلما كان الرسول في بعض الطريق وأجنّه الليل عدل إلى دير فيه رهبان فبات فيه. فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا بين تلك المخلاة وبين السماء فتقدم إلى المخلاة وفتشها فوجد الرأس فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء فمضى وأخبر بقية الرهبان. فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلهم على الرأس وجعلوا الدير مسجدا وكانوا سبع مائة راهب» .
لقد خلط ابن العمراني بين رواية الطبري ورواية أبى مخنف وزاد عليهما ولعل هذه الزيادة ليست من صنعه فلعله روى ما سمع، وليس غريبا أن يصبح الراهب الواحد سبعمائة راهب لأن عنصر إثارة الرغبة في القارئ كان مقصودا ومتعمدا. وإن عنصر المبالغة ليس جديدا في قصة يتداولها العوام ويرويها القصاص في المساجد والطرقات.
ولا بأس أن نروى مثل هذه المبالغة في خبر آخر:
قال الخطيب البغدادي: «حدثنا ... بن يحيى بن معاذ عن أبيه قال: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم وهو يريد بلاد الروم، قال: فمررنا براهب في صومعته فوقفنا عليه وقلنا: أيها الراهب، أترى هذا الملك يدخل عمّورية؟ فقال: لا، إنما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا. قال: فأتينا المعتصم فأخبرناه فقال: أنا والله صاحبها، أكثر جندي أولاد زنا إنما هم أتراك وأعاجم» (تاريخ بغداد 3/ 344- 345) .
وروى ابن العمراني: « ... واجتاز بين أنقرة وعمّورية بدير وعلى سطح الدير راهب قد أتت عليه السنون فكلمه وهو لا يعرفه فقال له: يا راهب كم أتى عليك من
__________
[1] مصرع الشين في قتل الحسين. مخطوطة لايدن، ورقة 128 أ. وأبو مخنف مطعون في عدالته.
(1/30)
________________________________________
العمر؟ قال: رأيت المسيح بن مريم. فقال له المعتصم: هل وجدت في كتب الملاحم التي تكون عندكم أن مدينة عمّورية يفتحها أحد من المسلمين؟ قال: حيث كتبت الملاحم ما كان أحد من المسلمين وإنما رأيت في كتب الملاحم أنه لا يفتحها إلا أولاد الزنا. فقال المعتصم: الله أكبر عسكري كلهم الأغلب عليهم الأتراك والأتراك كلهم أولاد الزنا.» .
فقد تحول الراهب الواحد عند أبى مخنف إلى سبع مائة عند ابن العمراني ويحيى ابن معاذ ويحيى بن أكثم أبدلهم ابن العمراني بالمعتصم ليزيد استهواء القارئ وإلا فمن غير المقبول عقلا أن يرى راهب يعيش في زمن المعتصم- المسيح بن مريم وبينهما أكثر من 800 سنة. من كل هذا يمكننا أن نقول إن ابن العمراني قد كتب تاريخه هذا للعوام من الناس وسوقتها فضلا عن خواصها وإنه كان متأثرا، إن لم يكن مشاركا، بحلقات القصاص التي توسعت في عصره إلى درجة كبيرة مما اضطر معها ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ أن يكتب كتابه «القصاص والمذكرين» للتفريق بين القاص والواعظ والمذكر فقال: «إن عموم القصاص لا يتحرون الصواب ولا يحترزون من الخطأ لقلة علمهم وتقواهم» [1] . فمما لا ريب فيه أن ابن العمراني قد روى ما سمعه من أفواه العوام، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب لأن ابن العمراني كان أمينا في نقل ما كان يدور على ألسنة العوام من الناس وهو بهذا حفظ لنا تفسيرهم لبعض الحوادث التاريخية التي رواها المؤرخون بشكل آخر، فالكتاب كتاب تاريخ «فولكاورى» وسياسى معا. وهو بعد هذا كتاب تاريخ وأدب وسياسة رواه مصنفه بأسلوب فصيح سلس فيه عذوبة وخلابة تقرب كل القرب من لغة متأدبي كتاب الدواوين وهو إلى ذلك ينقل لنا كثيرا من الألفاظ البغدادية الأصيلة التي ما تزال تجرى على ألسنة الظرفاء والمتظرفين من متأدبي بغداد لما فيها من حلاوة في الأدب وطرافة في النكتة وإن كانت لا تخلو من الأدب «المكشوف» .
__________
[1] كتاب القصاص والمذكرين، تحقيق مارلين شفارتز، بيروت 1971، صفحة 10- 11.
(1/31)
________________________________________
ولم يقتصر مؤرخنا على كتب التاريخ وحدها ينقل منها ما يشاء إلى كتابه بل تعداها إلى كتب النوادر والمتعة كنشوار المحاضرة والفرج بعد الشدة للتنوخى ولطائف المعارف وثمار القلوب للثعالبي ودواوين الشعراء وكتب تراجمهم كطبقات الشعراء لابن المعتز والأغاني لأبى الفرج الأصفهاني وغيرها، وقد أشرت إلى ذلك كله في محال ورودها. ثم أورد في كتابه الحوادث السياسية وما دار من دسائس القواد ورؤساء الجند من الأتراك والديالم وخفايا دار الخلافة بأسلوب المؤرخ الواثق مما يروى، وهو في الوقت نفسه كان يحسب لقارئه حسابا فأشفق من ملله من التاريخ السياسي وسرد حوادث السنين كما فعل الطبري وغيره فأورد له في ثنايا كلامه بعض النكت الأدبية والحكايات التي تدور حول الخلفاء وما قيل من شعر في بعض الوزراء مما يغمزون به، ولم ينس أن يورد أنا شيد العامة أو تعليقاتهم إذا ما شهر وزير منكوب أو خارجي مأسور، كقول صبيان بغداد حين شهر ابن زهمويه:
أيا وزير الوزرا ... كذا تقاد الأسرا
أو غناء العامة في أسواق بغداد حين أخفق رسول الخليفة سديد الدولة ابن الأنباري في دفع السلطان محمود بن ملك شاه من دخول بغداد:
يا جلال الدين ذا شرح يطول ... وابن الأنباري فما يرجع رسول
والقرايا كلها صارت تلول ... تزرع الكر وتحصد كارتين
فإن في هذا الغناء من الهجاء الدفين ما لا يخفى على اللبيب. أورد كل ذلك ليطرد السأم عن قارئه وليغريه بالمتابعة، لهذا لا يحسّ القارئ معه بغرابة لما يورد أو نبوّ لما يروى في مكانه.
ومع هذا كله فالكتاب ليس كتابا في النوادر كما شاء دى خويه، مصنف فهرس المخطوطات العربية القديم في لايدن، أن يسميه وتبعه بروكلمان ومنه نقل هلموت رتر هذه التسمية وأضاف: «ومن الكتب التي تعنى بالنوادر أكثر مما تعنى بسرد الوقائع التاريخية» كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء «الّذي كتبه محمد
(1/32)
________________________________________
العمراني في عهد المستنجد باللَّه الّذي تلا المقتفى في الحكم (555 هـ- 566 هـ) وتوجد نسخ من هذا الكتاب في مكتبة فاتح تحت رقم 4189 ومكتبة ولى الدين تحت رقم 2360. ولم يهتم المؤرخون حتى الآن كثيرا بأمثال هذه الكتب غير أنى أعتقد أنها لا تخلو من فوائد لأنها تعطينا صورة حية عن الحياة (كذا: يعنى للحياة) الاجتماعية في بلاطات الملوك لذلك العهد خلافا لأكثر كتب التاريخ التي لا تعنى إلا بسرد الوقائع السياسية والوفيات فحسب» [1] .
من قول رتر هذا نستخلص أنه لم ير الكتاب أو في الأقل لم يقرأه وإنما ردد ما قاله بروكلمان [2] الّذي نقل هذا القول من فهرس دى خويه [3] الّذي قال: «إن الكتاب ذو فائدة قليلة» بيد أنه تراجع عن قوله هذا في الفهرس الثاني له حيث قال:
«إن للكتاب أهمية كبيرة في التعرف على التاريخ الأموي والعباسي بالرغم من وضوح ميل مصنفه للعباسيين واهتمامه الكثير بالحكايات والنوادر وشعر المجون» [4] .
ونقطة أخرى لا تخلو من فائدة في عرضها وهي أن رتر وأمثاله من المستشرقين يرى «أن تحقيق النصوص التاريخية هو عمل «فيلولوجى» وطريقة هذا العمل تطورت في المائة سنة الأخيرة على أيدي محققي النصوص «الكلاسيكية» اليونانية واللاتينية ... الذين يهتمون في هذه الحلقات بإيضاح المتون وفحص اختلاف روايات المتون واستخراج الصحيح منها ... ولما جاء «الفيلولوجى» العربيّ متأخرا عن «الفيلولوجى الكلاسيكى» كان لا بد له من أن يستقى منه ويتبع الطرق التي كشف هو عنها» (مجلة الأبحاث صفحة 359- 361) .
__________
[1] مجلة الأبحاث، السنة 12، الجزء 3، أيلول 1959، صفحة 364- 365، بيروت.
[2] ملحق 1/ 586.
[3] لايدن 1851 صفحة 162.
[4] لايدن 1907 صفحة 48- 49.
(1/33)
________________________________________
وعرضت رأى رتر هذا على صديقي شورد فان كوننكزفيلد، أمين قسم المخطوطات العربية في مكتبة جامعة لايدن، فكتب ما يأتى:
كلمة «فيلولوجى» معناها: الدراسة العلمية الشاملة لأية لغة، وتشمل إطار بنائها وتطور اشتقاقاتها وتاريخ هذا التطور وعلاقة هذه اللغة بغيرها من اللغات ومدلول هذه العلاقة واختلافه بالنسبة لهذه اللغة أو تلك، وإن تحقيق النصوص ليس عملا «فيلولوجيا» فقط وإن كان جزءا مهما منه، أما إن المحقق (ولا أريد أن استعمل «الفيلولوجى» ) العربيّ جاء متأخرا عن المحقق التقليدي (ولا أقول «الكلاسيكى» ) الغربي ففيه أكثر من سؤال لأن دارسى المخطوطات العربية لا يمكن أن يركنوا إلى رأى رتر هذا لأنه من الخطأ الكبير الظن أن العرب، وبقدر ما يتعلق الأمر بتحقيق المخطوطات، كانوا يتّبعون خطى المحققين الغربيين مع أنهم يفعلون ذلك في وقتنا هذا. فإنه على النقيض من ذلك تماما لأن المشتغلين بالمخطوطات العربية يعرفون جيدا كم كان العرب يعنون بإخراج النصوص الصحيحة الموثوقة الثابتة عناية تفوق ما يفعله محققو اليوم من العرب أو المستشرقين، وإليك أمثلة قليلة من كثيرة تجدها في نفائس مخطوطات لايدن العربية:
(1) مخطوطة الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذانيّ (المتوفى سنة 320/ 922) بخط عالم بغداد موهوب بن أحمد بن محمد بن خضر الجواليقيّ (المتوفى سنة 539/ 1144) والغريب أن هذه النسخة لم تستعمل في الطبعات العديدة للكتاب مع أنها قوبلت وصححت على نسخة بخط ابن خالويه نفسه وعلى نسخة سماها الجواليقي «نسخة أخرى» إضافة إلى ذلك فإن الجواليقيّ قابل هذه النسخة مع النسخة التي نقل منها وأصلح كل خطأ حدث فيها وعلقه في الحاشية وهذا الشيء المعهود والمعروف عند العرب وهو ما يسمى ب «المقابلة» . فإن ما فعل الجواليقيّ قبل ثمانية قرون هو بالضبط ما نفعله الآن، وهذا العمل يدور حول تجميع النسخ المخطوطة لأى كتاب ومقابلتها مع بعضها وبالتالي إخراج نص موثوق صحيح منها. (رقم المخطوطة في لايدن. (OR 1070
(1/34)
________________________________________
(2) مخطوطة كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان (المتوفى سنة 681/ 1282) .
الشيء الّذي لا يعرفه كثير من الباحثين هو أن ابن خلكان، وبعد أن أنهى تصنيف الوفيات ودفعها إلى الوراقين، قد احتفظ بنسخة من كتابه هذا فأضاف إليها وأصلح فيها الكثير وقد آلت هذه النسخة أخيرا إلى المتحفة البريطانية (رقمها (Add.25735 ومن مقارنة هذه النسخة مع النسخ المخطوطة والمطبوعة منها نجد أن نسخة لندن تحتوى على زيادات كثيرة لا توجد في ما لدينا من بعض نسخ الوفيات. وفي لايدن نسخة من الوفيات تشبه تلك التي في لندن إلا أن إضافات نسخة لايدن كتبت بخط حديث مما يعطينا الدليل على أن العرب كانوا على علم بما نسميه اليوم «نقد النص» وأنهم قد عنوا كثيرا بحفظ النصوص وطريقة إخراج أصح نص منها. وهذه النسخة للأسف الشديد لم تستعمل أيضا في نشر كتاب الوفيات حتى الآن. (رقمها. (Acad.193
(3) وهناك دليل آخر أكثر نصوعا وإقناعا وهو «الإجازات» وهذه نراها غالبا ملحقة بالمخطوطات وتعنى أن هذا الكتاب قد قرئ على مصنفه أو راويه فوجده صحيحا فأجاز روايته لغيره وأن هذه الإجازة في حقيقتها ليست كما نسميه اليوم «حقوق الطبع» ولكنها حلقة قوية في سلسلة حلقات نقل النص صحيحا بالرواية (انظر مقال الدكتور صلاح الدين المنجد حول الإجازة) [1] .
(4) من هذه الأمثلة القليلة وأمثالها كثيرة يظهر بوضوح أن العرب قد أوجدوا الأسس والقواعد الأولى لتحقيق النصوص الحديث ولعل أحسن مثال يمكن أن يورد هنا ما نجده في نهاية مخطوطة أشعار الهذليين (رقمها (OR.549 فقد ورد ما نصه:
__________
[1] إجازات السماع في المخطوطات، مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد الأول الجزء الثاني لسنة 1375/ 1955 صفحة 232- 251.
وانظر كذلك مقالة محمد مرسى الخولي في المجلة نفسها المجلد العاشر، جزء 1، 1964 صفحة 167.
(1/35)
________________________________________
«من أشعار الهذليين عن أبى سعيد السكرى- رحمة الله- والحمد للَّه أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما، كنت ابتدأت بكتابة هذا الكتاب منذ مدة طويلة فكتبت المجلد الأول وقرأته على شيخنا أبى منصور ابن الجواليقيّ أمتع الله به ثم تركت وعدت إلى الكتابة والقراءة فكان مدة ذلك بضع عشرة سنة آخرها آخر شعبان سنة تسع وثلاثين وخمس مائة وكتب محمد بن على العتّابيّ» .
وفي الزاوية اليسرى من الصفحة كتب:
«كتبته من خط السمسمى وقابلت به نسخة الحميدي وبعضه مقابل بنسخة شيخنا (يعنى الجواليقيّ) التي بخط يده وبغيرها من النسخ الموثوق بها فصحت بحمد الله ومنته» .
وبعد، أيصح لنا أن نقول: إن المحقق العربيّ جاء متأخرا؟.
وكلمة أخيرة: فإن الأرقام المحصورة بين عاضدتين مثل [1 أ] تشير إلى مخطوطة لايدن لأنها أكمل من مخطوطة فاتح وقد استعنت بها على تقويم النص الوارد في نسخة فاتح، أما إذا تعارض النصان فقد اخترت ما رأيته أصوب وأجرى مع المعنى وإنك واجد هذا كله في جريدة اختلاف القراءات.
(1/36)
________________________________________
مصادر الكتاب:
ذكر ابن العمراني مصدر بن فقط صراحة من المصادر التي استقى منها أخباره وهما:
(أ) كتاب الأوراق للصولي نقل منه خبرين، أولهما لابن المعتز وما جرى له وكان الصولي نفسه حاضرا (خلافة المقتدر ورقة 74 ب) وخبرا آخر للراضى مع الصولي نفسه لأنه كان مؤدب الراضي (انظر: أخبار الراضي والمتقى 77- 78) ، (التعليقات رقم: 456) .
(ب) كتاب الوزراء الضائع للصولي أيضا (انظر: خلافة المكتفي 71 ب) .
ويظهر أنه نقل الكثير من كتابي الصولي هذين ومن مصادر أخرى لم يصرح بها ومن المرجح أنه نقل من المصادر الآتية إما مباشرة أو من مصادر نقلت منها:
(1) تاريخ اليعقوبي. (2) تاريخ الطبري. (3) كتاب الوزراء والكتاب للجهشياريّ. (4) كتب القاضي التنوخي: الفرج بعد الشدة وكتاب نشوار المحاضرة. (5) كتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني. (6) كتب الثعالبي: ثمار القلوب ولطائف المعارف. (7) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. (8) صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي، وذلك للتشابه الواضح بين بعض الأخبار الواردة في الإنباء ومثيلاتها في هذه المصادر، ولما كان ابن العمراني متأخرا زمنيا عن كل هؤلاء فإنه من المعقول أن ينقل من كتبهم أو أنهم استقوا جميعا من مصادر مشتركة، إلا أنه من المرجح جدا أن ابن العمراني نقل كثيرا من تاريخ الطبري ونشوار المحاضرة وكتب الصولي، لأن التنوخي والصولي يبرزان في كتاب الإنباء لأن مشربيهما في رواية الحوادث يشبهان مشرب ابن العمراني، وقد أشرت إلى هذا النقل وتشابه الروايات في مواضعها.
(1/37)
________________________________________
ونقل من الإنباء كثير من المؤرخين الذين جاءوا بعده فمنهم من ذكره صراحة وهم:
(1) ابن الطقطقى في كتابه الفخرى في الآداب السلطانية فقد ذكر اسم العمراني مرة واحدة ونقل منه كثيرا (انظر صفحة 290 طبعة باريس) وانظر التعليقات رقم 1570.
(2) الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات ذكره مرة واحدة أيضا (انظر ج 2/ 535) .
(3) ابن شاكر الكتبي نقل من الصفدي ما نقله من تاريخ ابن العمراني (انظر الفوات 5/ 145) .
ومن المؤرخين من لم يذكر ابن العمراني صراحة ونقلوا من كتاب الإنباء، وهم:
(1) العماد الأصفهاني المتوفى سنة 597 هـ في كتابه «نصرة الفترة وعصرة القطرة» الّذي اختصره البنداري وسماه زبدة النصرة ونخبة العصرة، نقل نصا طويلا تجده في صفحة 74- 75، وانظر: الإنباء ورقة: 103 أ- 103 ب نسخة لايدن، لأن العماد الأصفهاني انتهى من تأليفه سنة 579 هـ[1] .
(2) ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة 697 هـ نقل من كتاب الإنباء نصوصا كثيرة إلى كتابه «مختصر التاريخ» وكتب ذيلا عليه ومن مختصر التاريخ نقل عبد الرحمن سنبط قنيتو الإربلي إلى كتابه خلاصة الذهب المسبوك.
(3) ابن أبى عذيبة المتوفى سنة 856 هـ نقل منه كثيرا إلى كتابه «تاريخ دول الأعيان» الّذي لم يزل مخطوطا. انظر: مقالة العزاوى «العمراني وتاريخه» صفحة 36، «ابن أبى عذيبة وتاريخه» صفحة 316. وكتابه «التعريف بالمؤرخين» صفحة 129، 248. وأصل تاريخ ابن أبى عذيبة المخطوط في بعض خزائن
__________
[1] زبدة النصرة 136، وعن الاختلاف في قراءة «نصرة الفترة وعصرة القطرة» ، انظر: مقدمة بهجة الأثري في كتاب خريدة القصر (القسم العراقي) 1/ 73.
(1/38)
________________________________________
المخطوطات (انظر: مجلة الهلال 28/ 617، 710، 926، 30/ 862) ومن إحدى هذه النسخ توجد مصورة في مكتبة الآثار ببغداد كانت ملكا للعزاوى.
وقد استفاد بعض المستشرقين وغيرهم من مخطوطة لايدن في نشرهم بعض النصوص التاريخية العربية وهم:
(1) دى يونك ودى خويه في نشرهم الجزء الثالث من كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، المطبوع في لايدن سنة 1869، واسم الكتاب كما ظهر لي بعد كشف الورقة الملصقة على صفحة العنوان «تاريخ الخلفاء من كتاب العيون والحدائق ومضمار الحقائق» .
(2) دى يونك في نشره كتاب لطائف المعارف المطبوع في لايدن سنة 1867.
(4) دوزى في نشره معجمه المشهور والمطبوع في لايدن سنة 1877.
(5) لامانس في مقالة عن زياد بن أبيه.
4 بن 99 -250 and 653 -693 HLammens ,ZiadibnAbihi ,in ,listudiOrientali بن (6) [Roma 19:2] P.1 -45 هوتسما في نشره كتاب تاريخ اليعقوبي المطبوع في لايدن سنة 1883.
(7) وذكره كل من بروكلمان (ملحق 1/ 586) ، وهلموت رتر في مقاله المنشور في مجلة الأبحاث اللبنانية، وفاروق عمر في كتابه «الخلافة العباسية بين سنة 132- 170 هجرية والمطبوع في بغداد سنة 1969 (باللغة الانكليزية) ص: 50، حيث قال: «إن المؤلف كان تركيا في الأصل لأنه أورد حديثا نبويا في مدح الأتراك لكونهم أنصار العباسيين» ، ولم يفطن إلى أنه وصمهم ب «أولاد الزنا» في حديثه على خلافة المعتصم وفتح عمّورية.
وذكر الكتاب ومؤلفه المستشرق كلود كاهن حين وصف بعض المخطوطات التاريخية في مكاتب إستانبول فقال: «كان ابن العمراني يعرف ابن حمدون (يعنى:
صاحب التذكرة) وقد اقتبس من الصولي ومن محمد بن عبد الملك الهمذانيّ
(1/39)
________________________________________
(ت 521) » ، ثم استطرد في وصف مخطوطة فاتح فقال: «إن الأوراق الأولى ممزقة وفي المخطوطة فراغ لسقوط بعض الأوراق بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» :
p 337.CI.Cahen ,concernantSyrieI Egypteetبن IaMesopotamie ,EtudesIslamiques 1936 لقد اقتبس ابن العمراني فعلا من كتب الصولي كما بيّنا من قبل، أما إنه اقتبس شيئا من تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذانيّ أو إنه كان يعرف ابن حمدون فليس في الكتاب دليل يثبت هذه الدعوى، ومن ثم فإن الأخبار التي رواها بنو حمدون، ندماء الخلفاء، فمروية في أكثر كتب التاريخ والنوادر وقد أشرت في التعليقات إلى مناجم ورودها.
أما قول كاهن: «في المخطوطة فراغ بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» فليس كذلك فإن الناقص من المخطوطة يبدأ من منتصف الكلام على مولده (ص) إلى بداية الكلام على أعمامه ثم من بداية خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى «أنت أحوجتنى..» من خلافة مروان بن الحكم. ثم سقط قسم من خلافة عمر بن عبد العزيز لا يزيد على السطرين والساقط من المخطوطة لا يزيد على ورقتين، إضافة إلى الحروم الكثيرة بفعل الماء والإهمال في الأوراق الأربع الأولى.
(1/40)
________________________________________
الإنباء في تاريخ الخلفاء محمد بن على بن محمّد المعروف بابن العمراني المتوفى سنة 580 هجريّة تحقيق وتقديم الدكتور قاسم السّامرائى
(1/41)
________________________________________
[مقدمة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم اللَّهمّ عونك، يا كريم..
الحمد للَّه المتفرد بالأزلية والقدم، المبدع لكل ما سواه بعد العدم، الّذي لا تحده الصفات، ولا تحويه الجهات، المتفرد بعز جلاله عن مشاركة الأنداد واتخاذ الصاحبة والأولاد، والصلاة على سيد الأمم محمد المبعوث إلى العرب والعجم، وعلى خلفائه الأربعة الراشدين أهل الجود والكرم، وعلى آله وعترته الطاهرين ما اختلفت الأنوار والظلم، وعلى عمّه وصنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب أبى الخلفاء الراشدين وجد سيدنا ومولا [نا] [1] «1» المستنجد باللَّه أمير المؤمنين، أعزّ الله بدوام دولته الإسلام والمسلمين وجعل كلمة النبوّة باقية في عقبه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنّي ذاكر في [كتا] بى هذا طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية وفصلا من مناقب الدعوة الهادية الهاشمية- وأبتدئ بذكر سيد البشر والشفيع [المشفّع] يوم العرض الأكبر، ثم بعده بالأئمة الأربعة، ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أميّة إلى أن عاد الحق إلى أهله ورجع إلى من هو أولى به وهم آل النبي- عليه الصلاة والسلام- وبنو عمّه وورّاث علمه وأمناؤه على وحيه، القائمون بنصرة السنة، والمهديون أهل الرأفة والرحمة [و] نبدأ بمن بدأ [الله بذ] كره وفضّله على سائر خلقه وهو سيّد المرسلين [1 ب] وخاتم النبيين، أبو القاسم محمد- صلوات [الله] عليه وسلامه.
وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وجواريه ومواليه وخدمه وأعمامه، ثم الخلفاء الراشدين بعده، ثم أنزل على الترتيب إلى أن أختم الكتاب بالأيام المستنجدية أدامها الله تعالى.
__________
[1] راجع التعليقات في نهاية النص.
(1/43)
________________________________________
نسبه «2» ، صلوات الله عليه وسلامه:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وهذا هو المتفق عليه، وما بعد عدنان فقد اختلفت الروايات فيه فقال الأكثرون: عدنان بن أدّ بن أدد بن الهميسع بن يشجب بن نبت بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر بن ناحور ابن أشوع بن [ارغو] بن فالخ بن عابر بن شالخ، وهو هود- عليه السلام- بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن مالك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس- عليه السلام- ابن يزد بن مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم- عليه السلام- وكان النبي- صلّى الله عليه وسلم- لا يتجاوز عدنان، ويقول: كذب النسّابون بعده.
مولده، صلوات الله وسلامه عليه:
ولد عام الفيل، يوم الاثنين لثمان خلون من شهر [2 أ] ربيع الأول، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج آمنة عبد الله بن عبد المطلب فحملت برسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يوم الاثنين ومات أبوه وله ثلاث سنين، وكان في حجر جدّه عبد المطلب وأرضعته امرأة من بنى سعد يقال لها حليمة، وبقي عندها في حيّها إلى أن شبّ وسعى فمضى جده عبد المطلب وأخذه منها وردّه إلى مكة.
ولما قرب من مكة ضاع منه فتطلبه فوجده تحت شجرة ساجدا نحو الكعبة. فلما أبصره على تلك الحال قال: سيكون لهذا الطفل شأن، ثم أخذه من هناك وردّه إلى أمه، ولما أتت عليه ست سنين ماتت أمه، ولما أتت عليه ثمان سنين وشهران [و] عشرة أيام توفى جده عبد المطلب فرباه عمّه أبو طالب وكان أخا عبد الله لأبويه، وكان يعرف- صلّى الله عليه وسلم- بين العرب بيتيم أبى طالب. وكان أبو طالب به رفيقا ولذلك وعد الله تعالى بتخفيف العذاب عن أبى طالب وعن حاتم الطائي، ذاك لبرّه برسول الله
(1/44)
________________________________________
- صلّى الله عليه وسلم- وهذا لجوده وكرمه «3» حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهما يعذبان في ضحضاح من النار» . ولما أتت عليه اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام. فلما نزل تيماء رآه حبر من [رهبان] تيماء يقال له بحيرا الراهب، فقال لأبى طالب: من هذا الغلام الّذي معك؟ [2 ب] قال: إنه ابن أخى فقال له: أشفيق أنت عليه؟ قال: نعم. قال:
فو الله إن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود فإنه عدوّ لهم، فوجّه به إلى مكة. فلما أتت عليه خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام خطب إلى خديجة نفسها فحضر أبو طالب ومعه عمها «4» وسائر رؤساء مضر وخطب أبو طالب وتزوجها. وكان ولده منها سبعة: القاسم وبه كان يكنّى، والطاهر وكان أيضا يكنّى أبا الطاهر، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم. وأتته النبوة وهو في غار حراء وهو ابن أربعين سنة. وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة فأقام عندهم عشر سنين. وتوفى صلوات الله عليه وسلامه بالمدينة وقبره بها في المسجد، في حجرة عائشة أم المؤمنين- صلوات الله عليها- ودفن في موضعه الّذي مات فيه وصلى عليه المسلمون أفرادا، وكفّن «5» في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل «6» ، وسوى لحده وتولى غسله عليّ والعباس والفضل بن العباس وقثم ابن العباس وأسامة بن زيد مولاه وشقران مولاه، ودخل «7» قبره عليّ والفضل وقثم وشقران، وسجى ببرد حبرة. ومات صلى الله عليه وسلم وله ثلاث وستون سنة، وكان مولده يوم الإثنين، ونبّئ يوم الإثنين لأيام خلت من ربيع الأول، وهاجر يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين مستهل ربيع الأول ودفن ليلة الأربعاء وكانت مدة مرضه أربعة [3 أ] عشر يوما- صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الطيبين الأكرمين، صلاة دائمة أبدا سرمدا إلى يوم الدين.
(1/45)
________________________________________
أزواجه- صلى الله عليه وسلم-:
خديجة، بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب، وهي أول امرأة تزوج بها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج في حياتها غيرها، فبقيت عنده قبل الوحي خمس عشرة سنة، وماتت ولرسول الله- صلى الله عليه وسلم- تسع وأربعون سنة سنة وثمانية أشهر.
سودة بنت زمعة «8» ، بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن النضر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب، تزوج بها بعد خديجة.
عائشة بنت أبى بكر الصديق «9» - رضى الله عنهما- لم يتزوج بكرا غيرها، تزوجها بمكة وهي بنت ست سنين وبنى بها بعد الهجرة بسنة وهي بنت تسع سنين، وماتت سنة ثمان وخمسين من الهجرة.
حفصة بنت عمر بن الخطاب «10» تزوجها قبل الهجرة بسنتين وتوفيت بالمدينة في خلافة عثمان بن عفان.
زينب بنت خزيمة «11» بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد مناف ابن هلال بن عامر بن صعصعة، وتوفيت في حياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
أم سلمة «12» ، بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
زينب [3 ب] بنت جحش «13» ، كانت أول نسائه موتا.
جويرية بنت الحارث «14» بن أبى ضرار، من بنى المصطلق.
أم حبيبة بنت أبى سفيان «15» صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس.
صفية بنت حيىّ بن أخطب «16» من بنى النضير، من ولد هارون بن عمران، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا.
ميمونة بنت الحارث «17» ، وهي خالة عبد الله بن العباس.
عمرة «18» .
وكان صداق نسائه- صلى الله عليه وسلم- خمس مائة درهم ورقا.
(1/46)
________________________________________
أسماء جواريه- عليه السلام-:
مارية القبطية، وأم أيمن «19» ، وكانت حاضنته، وزوجها زيد بن حارثة وهي أم أسامة بن زيد، ورضوى، وسلمى.
مواليه «20» - صلى الله عليه وسلم-:
زيد، بركة، أسلم، أبو كبشة، أنسة، ثوبان، شقران، يسار، فضالة.
أبو مويهبة، سفينة، [أبو] رافع. وخدمه من الأحرار، أنس بن مالك، [هند] وأسماء، ابنتا خارجة.
وأما أولاده- صلى الله عليه وسلم-:
فإنّهم كانوا كلهم من خديجة [و] قد مضى ذكرهم إلا إبراهيم وحده فإنه ابن مارية القبطية.
أعمامه، صلوات الله عليه وسلامه-:
حمزة سيد الشهداء، أبو لهب واسمه عبد العزّى، ضرار، الزبير، المقوم، الحارث، الغيداق، العباس، أبو طالب، قثم.
عماته «21» - صلى الله عليه وسلم-:
أميمة، أم حكيم وهي البيضاء، برّة، عاتكة، صفية أم الزبير [4 أ] بن العوام، أروى.
الخلفاء الراشدون بعده «22»
[فسيدهم وأفضلهم وأعلمهم الّذي قدمه الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم] [1] «23»
أبو بكر الصديق- رضى الله عنه-:
هو أبو بكر، عبد الله بن عثمان بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، بويع له يوم وفاة المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- في سقيفة بنى ساعدة بنص النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قدمه للصلاة، وحين قال: أقيلونى لست بخيركم، قالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لديننا أفلا نرتضيك لدنيانا؟
__________
[1] ما بين العاضدتين [] لم يرد في نسخة فاتح.
(1/47)
________________________________________
وتوفى لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام، ومضى سعيدا حميدا.
الفاروق- رضى الله عنه-:
هو أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط «24» بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ ابن غالب، بويع له بنص الصديق عليه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة وعمره ثلاث وستون سنة «25» .
ذو النورين عثمان- رضى الله عنه-:
هو أبو عمرو، عثمان بن عفان بن أبى العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد [4 ب] مناف، بويع له أول سنة أربع وعشرين، وقتل في يوم الجمعة، ثامن عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وعمره تسعون سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلّا اثنى عشر يوما- رضى الله عنه- «26» .
المرتضى، أبو الحسن، على بن أبى طالب- رضى الله عنه-:
واسم أبى طالب، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، بويع له سنة خمس وثلاثين من الهجرة، ولم تصف له الخلافة، فإن وقعة الجمل كانت له مع عائشة بالبصرة سنة ست وثلاثين، وكانت وقعة صفين مع معاوية بن أبى سفيان في سنة سبع وثلاثين، وقتل يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
ولده الحسن- رضى الله عنه-:
وكنيته أبو محمد، بويع له في سنة أربعين، وبقي له الأمر أربعة أشهر، ثم خلع نفسه وسلم الأمر إلى معاوية بن أبى سفيان.
وتوفى الحسن بالمدينة سنة خمسين وكان عمره ثمان وأربعين سنة «27» .
(1/48)
________________________________________
دولة بنى أميّة
وأول من تولى الأمر منهم: معاوية بن أبى سفيان:
كنيته، أبو عبد الرحمن، بويع له سنة إحدى وأربعين، في جمادى الأولى وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان يصل الحسن بن عليّ- صلوات الله عليهما- بثمانين ألف دينار [5 أ] وعائشة- رضوان الله عليها- بمثلها في كل سنة. وتوفى بدمشق في رجب سنة ستين من الهجرة، وعمره ثمانون سنة.
ابنه يزيد،
كنيته أبو خالد، بويع له في ربيع الأول سنة إحدى وستين، وتوفى لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت خلافته ثلاث سنين تنقص أياما.
ابنه معاوية،
كنيته أبو ليلى، وبقي له الأمر أربعين يوما وخلع نفسه ومات.
مروان بن الحكم، بن العاص بن أمية،
كنيته أبو عبد الملك، بويع له في ذي القعدة سنة أربع وستين ومات وله ثلاث وستون سنة من العمر، وكان سبب موته «28» أن زوجته كانت أم خالد بن يزيد بن معاوية فجرى بينه وبين خالد يوما كلام فقال له مروان: يا ابن الرطبة، فجاء إلى أمه وبكى وقال: أنت أحوجتنى إلى أن أسمع هذا بتزويجك بعد أبى. فقالت له: يا بنى ما تعود مرة أخرة تسمع منه كلاما جافيا.
وفي تلك الليلة قصدت مضجعه ووضعت وسادة على وجهه وقعدت عليها مع عدة من جواريها فلما أحس قال: من أنت؟ قالت: أنا الرطبة واختنق من ساعته، وكانت خلافته أحد عشر شهرا.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

الشيخ الفقيه محمد بن على بن محمد بن العمراني الّذي ابتدأت فيه بأول ولاية المستنجد وختمته بآخر إمامة المستعصم- قدس الله روحه-» [1] .
فتعيّن لدينا أن هذا التاريخ هو من تصنيف ابن العمراني وأن ابن الكازروني قد ألّف تذييلا عليه، ولو كان ابن العمراني يحمل نسبة غير «العمراني» كابن المتقّنة أو الخوارزمي مثلا لما أغفله ابن الكازروني. وزاد الأمر توكيدا أن ابن الطقطقى المتوفى في حدود سنة 701 هـ كان قد نقل منه وذكر اسم «العمراني المؤرخ» صراحة، ومثله فعل الصلاح الصفدي وابن شاكر الكتبي [2] .
ولعل شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902 هـ آخر من ذكره من المؤرخين القدماء فقال: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن المطهر» [3] . وقول السخاوي هذا كان موضع خلاف بين العزاوى ومصطفى جواد- رحمهما الله- فإن مصطفى جواد يرى أن قول السخاوي يجب أن يكون هكذا: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده (و) سديد الدين يوسف بن المطهر» [4] .
أما العزاوى فيرى أن النص ناقص مبتور وصوابه أن يكون: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني ... [والتذبيل لظهير الدين الكازروني إلى آخر أيام المستعصم باللَّه] وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن الظهير» [5] . واستطرد العزاوى للتدليل على صحة رأيه هذا فقال: «في أثناء المطالعة لكشف الظنون في مادة (قانون في الطب) عند الكلام على شرح الكليات المسمى توضيحات القانون للسديد الكازروني ... وهو شرح فرغ من تأليفه في ذي الحجة سنة 745 هـ ...
__________
[1] مختصر التاريخ 244.
[2] الفخرى 291، الوافي بالوفيات 2/ 535، فوات الوفيات 5/ 145.
[3] الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ 96 وبالنص في مخطوطة لايدن ورقة 60 ب.
[4] مختصر التاريخ 244 حاشية أرقامها 427، وانظر كذلك 21- 22.
[5] مجلة المجمع العلمي العربيّ بدمشق عدد 23، صفحة 50.
(1/22)
________________________________________
فعرفنا السديد وهو الكازروني فانكشف المغلق وإن لم يذكر في الإعلان بالتوبيخ أنه ابن المؤلف للتذييل. وإنما هو سديد الدين يوسف بن الظهير الكازروني ولم يكن ابن المطهر كما جاء مصحفا في الإعلان ... » [1] والعجيب في الأمر أن يستنتج العزاوى كل هذه النتائج من تشابه اللقب بين الاثنين وأن حاجي خليفة لم يذكر من الاسم إلا «السديدي الكازروني» فأنّى يكون هذا؟ قال حاجي خليفة في عرض كلامه على شروح كتاب «موجز القانون في الطب» لابن النفيس المتوفى سنة 677 هـ:
«ومن شروحه شرح السديدي الكازروني، جمع فيه من القانون وشروحه ... » .
وذكر بروكلمان هذا السديد مع شرّاح موجز القانون في الطب (ملحق 1/ 825) .
وذكر أيضا سديد الدين محمد بن مسعود الكازروني المتوفى سنة 758 هـ وذكر له كتبا في المولد النبوي الشريف وغيره وأشار إلى ولده عفيف بن سديد الكازروني وذكر له كتبا أيضا (ملحق 2/ 262) ولذلك استبعد روزنثال أن يكونا المعنيين في قول السخاوي [2] .
أما مصطفى جواد- رحمه الله- فلم يأتنا بدليل يثبت رأيه هذا كما حاول العزاوى ونرجح أنه أراد سديد الدين يوسف بن زين الدين على بن المطهر الحلي والد جمال الدين الحسن المعروف بالعلامة المتوفى سنة 726 هـ. وقد ذكر ابن المطهر هذا كل من ترجم لولده ومنهم من أفرده بترجمة فلم يؤثر عنه أنه كان مشتغلا بغير الفقه الشيعي وكذلك ولده ولو كان له مثل هذا الذيل لما أغفل ولده أو غيره ذكره. وذكره مستوفى في كتب التراجم الشيعية حيث وصف ب «العلم والفقه» قال صاحب منتهى المقال:
«يوسف بن على، سديد الدين ابن المطهر الحلي والد العلامة، كان مدرسا فقيها عظيم الشأن وهو من مشايخ ولده وقد أكثر من النقل عنه في كتبه. ولما ورد
__________
[1] مقدمة العزاوى الملحقة بنسخته المخطوطة والمحفوظة في مكتبة الآثار ببغداد صفحة 9.
p.410.n.5. [2] بن imHistoriography ,Leiden 1968
(1/23)
________________________________________
نصير الدين الطوسي الحلة وحضر عنده فقهاؤها سأل عن أعلمهم بالأصول فأشاروا إلى سديد الدين وإلى محمد بن جهم» [1] .
ورد في مقدمة العزاوى قوله: «إن نسخة السخاوي التي نوهنا بها هي الموجودة في خزانة لايدن» ، وقد سبق له أن قال مثل هذا في مقاله «العمراني وتاريخه» الّذي أشرنا إليه. ولا ندري كيف قرر العزاوى ذلك فإن نسخة لايدن من «الإعلان» نسخة حديثة ترجع إلى القرن الحادي عشر للهجرة وهي ليست بخط السخاوي وإنما بخط «على بن إبراهيم اليماني بلدا الحنفي مذهبا» وهي مثقلة بالتصحيفات والأخطاء. وقد جاء في الورقة 60 ب ما نصه:
«وجمع الجمال محمد بن على بن عمر (كذا) العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن المطهر» [2] .
فلربما كان نص السخاوي بهذه الصورة:
«وجمع الجمال محمد بن على بن محمد العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه الظهير على بن محمد الكازروني من أول خلافة المستنجد إلى آخر أيام المستعصم وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن الظهير» .
فلعل جملة «وذيل عليه» كانت في أحد السطور وتحتها مباشرة الجملة نفسها فأغفل الناسخ سطرا كاملا حين النسخ ومثل هذا يحدث كثيرا، ثم حدث تصحيف في كلمة «الظهير» فصارت «المطهر» وهما قريبتان من بعضهما في الرسم. وبقي هذا الخطأ ينتقل في كل نسخة تنسخ من الإعلان. وهناك نقطة أخرى وهي أنه قد تعين عندنا أن الظهير كان قد ذيل على تاريخ ابن العمراني وأن ابن العمراني كان ولم يزل مجهولا فكيف ولده إن كان له ولد؟ وأحسب أن السخاوي
__________
[1] الكربلائي، طبعة طهران 1302، صفحة 335، عمل العامل 40، روضات الجنات 171- 174، مجالس المؤمنين 76، لسان الميزان 6/ 319، الدرر الكامنة 2/ 72، 49.
[2] نسخة لايدن أرقامها 677.
(1/24)
________________________________________
قد ذكر اسم ظهير الدين الكازروني كاملا في بداية قوله لذلك لم ير ضرورة في إعادة اسمه كاملا مرة أخرى واكتفى بلقبه لأن القارئ عنده علم بهذا اللقب.
لقد أرخ ابن العمراني للفترة التي امتدت من البعثة النبويّة إلى أول خلافة المستنجد باللَّه سنة 560 هـ وبعدها اعتذر ببعده عن العراق وعدم تحققه مما يؤرخ. وقد حدد ابن العمراني منهجه التاريخي في مقدمته للكتاب فقال: «فإنّي ذاكر في كتابي هذا طرفا من أخبار الدولة العباسية ... وأبتدئ بذكر سيد البشر ... ثم بعده بالأئمة الأربعة ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أمية إلى أن عاد الحق إلى أهله» .
فذكر نسب النبي- صلّى الله عليه وسلم- ومولده وشيئا من سيرته وأولاده وبناته وأزواجه ثم وفاته وذكر مواليه وأعمامه وعماته لاتصالهم بالعباسيين. ثم انتقل إلى الخلفاء الراشدين وإلى من تولى من بنى أمية. والظاهر أنه لا يعترف بخلافتهم لذلك لم يسمهم بالخلافة وإنما بالملوك إلا أنه حين ذكر مدد خلافتهم قال: «وكانت مدة خلافته ... » فلعله فعل ذلك إرضاء للعباسيين. وقد اختصر تراجم الخلفاء من بنى أمية اختصارا مجحفا فلم يحظ واحد منه بأكثر من بضعة أسطر غير عمر من عبد العزيز فقد حظي منه ب 19 سطرا. ثم ذكر من بويع له بالخلافة في أيام بنى أمية فتوسع قليلا في حوادث ابن الزبير وخروج الحسين بن على- رضى الله عنهم- ومقتله وروى شيئا مما كان يدور في حلقات القصاص من إسلام سبعمائة راهب على رأس الحسين. ثم انتقل إلى ذكر خلافة بنى العباس وأورد كثيرا من الحوادث التي حدثت أثناء حكمهم حتى انتهى إلى خلافة المستنجد باللَّه.
وفي الكتاب ظاهرتان عجيبتان.
أولاهما: أن الكتاب، كما يظهر، قد كتبه العمراني من «الذاكرة» فلعله كان في وضع لم يتيسر معه الحصول على مصادر مدونة حين كتب الكتاب.
وثانيتهما: أن ابن العمراني وقف طويلا عند بعض الحوادث التي اتخذت شكلا أسطوريا عند العوام من الناس فروى ما كان يتناقله العوام وهو ما نطلق عليه الآن
(1/25)
________________________________________
«الإشاعة» . فإذا أصبح الناس ورأوا جثة الرجل الأول في الدولة جعفر البرمكي مصلوبة على جسرى بغداد فلا بد من تعليل وسبب ولا بد من سبب أكبر من إطلاق سراح علوي دون علم الرشيد وهنا جنح الخيال إلى «الشرف» فربطوا مقتل البرمكي بالعباسة واختلفوا لذلك قصة «رومانتيكية» ترضى الفضول وتشبع التطلع. وابن العمراني لم يختلق هذه الإشاعات وإنما وجد غيره من المؤرخين من روى مثل هذه فنقلها عنهم إلا أنه أضفى على الحادثة شيئا من خياله دون أن يخل بها فجاء أسلوبه سهلا حلوا يغرى القارئ بمتابعته.
لا يمكننا أن نقول أن ابن العمراني قد اتبع نظاما معينا يصدق على مؤرخ آخر.
ومع هذا فإننا لا نشك في أنه نقل من تاريخ الطبري والأغاني وتاريخ بغداد وغيرها إلا أنه لم يحاول أن يقلد أيّا من هؤلاء في طريقة عرضه وأسلوب روايته. ولا نشك مرة أخرى في أن جزءا كبيرا من هذا التاريخ نقله ابن العمراني من ذاكرته، ولا بأس أن نورد شيئا من ذلك ونقارنه بما سبقه وقد ذكرت الكثير من ذلك في التعليقات.
(1) جاء في تاريخ بغداد 14/ 10 ما نصه:
«وبعد أن أنشد إسحاق الموصلي قصيدته للرشيد قال: لا تخف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم، للَّه درّ أبيات تأتينا بها ما أحسن فصولها وأثبت أصولها.
فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أجود من شعرى، قال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى» .
وجاء في كتاب الإنباء، ورقة 23 أ- 23 ب من مخطوطة لايدن ما نصه:
«فقال لي: لا كيف للَّه درك وللَّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى. فقال: وهذا الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى» .
(1/26)
________________________________________
(2) جاء في كتاب الفرج بعد الشدة 1/ 148 في حكاية رؤيا المعتضد ما نصه:
« ... فدنوت منه فسلمت وقلت: من أنت يا عبد الله الصالح؟ قال: أنا عليّ ابن أبى طالب. فقلت: يا أمير المؤمنين ادع لي. قال: إن هذا الأمر صائر إليك فاعتضد باللَّه تبارك وتعالى واحفظني في ولدى ... فقلت لغلام كان معى في الحبس لم يكن معى غيره من غلماني: إذا أصبحت فامض وابتع لي فصّا واكتب عليه: أحمد المعتضد باللَّه. قال: ثم أخذت أقطع ضيق صدري في الحبس بتصفح أحوال الدنيا وإعمال فكرى في عمارة الخراب ووجه فتح المنغلق فيها وتعيين العمال للنواحى والأمراء للبلدان ثم أخذت رقعة وكتبت فيها بدرا الحاجب وعبيد الله بن سليمان الوزير وفلان أمير البلد الفلاني.
وجاء في كتاب الإنباء ورقة 63 أما نصه:
« ... رأيت في منامي وأنا محبوس أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- عليه السلام- يقول لي: أمر الخلافة يصل إليك فاعتضد باللَّه وأكرم أولادي. قال: فانتبهت ودعوت الخادم الّذي كان يخدمني في الحبس وأعطيته فص خاتم كان في يدي لأنقش عليه: المعتضد باللَّه أمير المؤمنين، فقال لي: يا سيدي هذه مخاطرة بالنفس من أبيك وعمك، أين نحن من الخلافة؟ وأين الخلافة منا؟ وإنما غاية مأمولنا أن نتخلص من هذا الحبس ونشم الهواء وتسلم لنا نفوسنا. فقلت له: لا تهذ وامض وافعل ما آمرك به فإن أمير المؤمنين عليّا ولّانى الخلافة وهو لقّبنى المعتضد. فمضى وعاد إليّ بعد ساعة والفص معه وعليه مكتوب «المعتضد باللَّه أمير المؤمنين» بأوضح خط وأبينه.
فقلت له: اطلب لي دواة وكاغدا فجاءني بهما فجعلت أقسم الدنيا وأرتب الأعمال وأولى العمال والولاة وأصحاب الدواوين ... » .
هذه بعض الأمثلة وأمثالها كثير، ونحن بعد هذا كله بين أمرين، إما أن ابن العمراني كان يكتب من ذاكرته وأنه كان يحفظ تواريخ بكاملها، وإنه حين كتب كتابه هذا لم تتيسر له المصادر لينقل منها إلى كتابه أو أنه أخذ هذه الروايات من
(1/27)
________________________________________
رواة غير رواة البغدادي والتنوخي فجاءت بهذه الصورة المختلفة في الألفاظ أو أنه تصرف في نقله من المصادر المتوفرة لديه. إلا أن ابن العمراني نفسه صرّح في نقله رسالة القائم بأمر الله إلى عميد الملك الكندري يخوله فيها أن يكون الوكيل في تزويج أخته أو ابنته من طغرلبك فقال بعد أن أورد قسما منها: «وبعد هذا كلام لم يحضرني الآن» . كل هذا وغيره مما يوحى أنه كان يكتب من ذاكرته وليس من نص مكتوب. وهناك أدلة أخرى تؤيد زعمنا هذا وتظهر في الأخطاء التاريخية الواردة في بعض الأخبار التي رواها ومنها:
(1) وقوع اضطراب في التسلسل التاريخي لمقتل كل من الحسين بن عليّ- رضى الله عنه- وعبيد الله بن زياد والمختار بن أبى عبيد ومصعب بن الزبير، فلو كان ينقل من مصدر مدوّن لما وقع في مثل هذا الخطأ. (انظر التعليقات رقم: 50) .
(2) اسم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب الّذي جاء عنده «عبد العزيز» ولما كان الكازروني ينقل من الإنباء فقد وقع في الخطأ نفسه (مختصر التاريخ صفحة 110) . (التعليقات رقم 54، 68) .
(3) في حكاية مقتل جعفر البرمكي قال: « ... ومضى وأنا معه وعبرنا الجسر حتى انتهينا إلى دار الخلافة فدخل من باب الشط ... » فإن المعروف أن جعفر البرمكي قتل بالأنبار بدير العمر وحملت جثته وصلبت على جسور بغداد.
(انظر التعليقات رقم: 154) .
(4) وجاء في ترجمة المهدي: «وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان واستطاب المكان ... ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه ... فلما كان اليوم الثالث من قدومها حكى على بن يقطين قال: اليوم أكل المهدي وأكلنا معه ثم قال لي: أريد أن أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه لنفسي ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا ... » . فإن ابن العمراني قد خلط بين
(1/28)
________________________________________
رؤيا المهدي التي رآها في قصره بالرصافة وبين موته في ماسبذان. فقد نقل رواية على ابن يقطين التي أوردها اليعقوبي والطبري والخطيب البغدادي وأجمعوا على أنها حدثت في قصره بالرصافة فربطها ابن العمراني بموته ولم يكتف بل أكّد حدوثها بماسبذان فقال: «وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام ... » . فلو كان ينقل من نص مكتوب لما وقع في مثل هذه الأخطاء. (انظر: رقم 108 من التعليقات) .
(5) في موت القاسم بن الرشيد قال: «ومات القاسم في حياة الرشيد» ، فإن القاسم لم يمت في حياة الرشيد وإنما توفى سنة ثمان ومائتين (انظر: رقم 145 من التعليقات) .
وهناك أدلة مثل هذه تجدها في ثنايا التعليقات الملحقة بالكتاب أشرت إلى مواضعها. والظاهرة الأخرى في الكتاب هي شغف ابن العمراني الشديد في رواية ما يدور من قصص اتخذت شكلا أسطوريا عند العوام ففي روايته حوادث قتل الحسين بن على- رضى الله عنهما- أورد رواية أبى مخنف لوط بن يحيى ثم زاد عليها وعلى رواية الطبري المختصرة ولا بأس أن نورد هذه الروايات لنرى مدى التوسع الّذي طرأ على هذه القصة وغيرها:
قال الطبري في حوادث قتل الحسين: « ... فأقبل به (رأس الحسين) ...
فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله ... فقالت زوجته: فو الله ما زلت انظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة ورأيت طيرا بيضا ترفرف حولها» (حوادث سنة 61) .
وقال أبو مخنف: «فلما جن الليل رفعوا رأس الحسين إلى جانب الصومعة فلما عسعس الليل سمع الراهب دويّا كدوىّ الرعد وتسبيحا وتقديسا واستأنس من أنوار ساطعة فأطلع الراهب رأسه من الصومعة فنظر إلى رأس الحسين وإذا هو يسطع نورا إلى عنان السماء ونظر إلى باب قد فتح من السماء والملائكة ينزلون كتائب ويقولون:
السلام عليك يا ابن بنت رسول الله، السلام عليك يا أبا عبد الله، فجزع الراهب جزعا
(1/29)
________________________________________
شديدا، فلما أصبحوا ... » وتستمر الرواية التي نسبت إلى أبى مخنف حتى تنتهي بإسلام الراهب على رأس الحسين [1] .
وقال ابن العمراني: « ... فاحتز رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد ... فلما كان الرسول في بعض الطريق وأجنّه الليل عدل إلى دير فيه رهبان فبات فيه. فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا بين تلك المخلاة وبين السماء فتقدم إلى المخلاة وفتشها فوجد الرأس فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء فمضى وأخبر بقية الرهبان. فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلهم على الرأس وجعلوا الدير مسجدا وكانوا سبع مائة راهب» .
لقد خلط ابن العمراني بين رواية الطبري ورواية أبى مخنف وزاد عليهما ولعل هذه الزيادة ليست من صنعه فلعله روى ما سمع، وليس غريبا أن يصبح الراهب الواحد سبعمائة راهب لأن عنصر إثارة الرغبة في القارئ كان مقصودا ومتعمدا. وإن عنصر المبالغة ليس جديدا في قصة يتداولها العوام ويرويها القصاص في المساجد والطرقات.
ولا بأس أن نروى مثل هذه المبالغة في خبر آخر:
قال الخطيب البغدادي: «حدثنا ... بن يحيى بن معاذ عن أبيه قال: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم وهو يريد بلاد الروم، قال: فمررنا براهب في صومعته فوقفنا عليه وقلنا: أيها الراهب، أترى هذا الملك يدخل عمّورية؟ فقال: لا، إنما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا. قال: فأتينا المعتصم فأخبرناه فقال: أنا والله صاحبها، أكثر جندي أولاد زنا إنما هم أتراك وأعاجم» (تاريخ بغداد 3/ 344- 345) .
وروى ابن العمراني: « ... واجتاز بين أنقرة وعمّورية بدير وعلى سطح الدير راهب قد أتت عليه السنون فكلمه وهو لا يعرفه فقال له: يا راهب كم أتى عليك من
__________
[1] مصرع الشين في قتل الحسين. مخطوطة لايدن، ورقة 128 أ. وأبو مخنف مطعون في عدالته.
(1/30)
________________________________________
العمر؟ قال: رأيت المسيح بن مريم. فقال له المعتصم: هل وجدت في كتب الملاحم التي تكون عندكم أن مدينة عمّورية يفتحها أحد من المسلمين؟ قال: حيث كتبت الملاحم ما كان أحد من المسلمين وإنما رأيت في كتب الملاحم أنه لا يفتحها إلا أولاد الزنا. فقال المعتصم: الله أكبر عسكري كلهم الأغلب عليهم الأتراك والأتراك كلهم أولاد الزنا.» .
فقد تحول الراهب الواحد عند أبى مخنف إلى سبع مائة عند ابن العمراني ويحيى ابن معاذ ويحيى بن أكثم أبدلهم ابن العمراني بالمعتصم ليزيد استهواء القارئ وإلا فمن غير المقبول عقلا أن يرى راهب يعيش في زمن المعتصم- المسيح بن مريم وبينهما أكثر من 800 سنة. من كل هذا يمكننا أن نقول إن ابن العمراني قد كتب تاريخه هذا للعوام من الناس وسوقتها فضلا عن خواصها وإنه كان متأثرا، إن لم يكن مشاركا، بحلقات القصاص التي توسعت في عصره إلى درجة كبيرة مما اضطر معها ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ أن يكتب كتابه «القصاص والمذكرين» للتفريق بين القاص والواعظ والمذكر فقال: «إن عموم القصاص لا يتحرون الصواب ولا يحترزون من الخطأ لقلة علمهم وتقواهم» [1] . فمما لا ريب فيه أن ابن العمراني قد روى ما سمعه من أفواه العوام، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب لأن ابن العمراني كان أمينا في نقل ما كان يدور على ألسنة العوام من الناس وهو بهذا حفظ لنا تفسيرهم لبعض الحوادث التاريخية التي رواها المؤرخون بشكل آخر، فالكتاب كتاب تاريخ «فولكاورى» وسياسى معا. وهو بعد هذا كتاب تاريخ وأدب وسياسة رواه مصنفه بأسلوب فصيح سلس فيه عذوبة وخلابة تقرب كل القرب من لغة متأدبي كتاب الدواوين وهو إلى ذلك ينقل لنا كثيرا من الألفاظ البغدادية الأصيلة التي ما تزال تجرى على ألسنة الظرفاء والمتظرفين من متأدبي بغداد لما فيها من حلاوة في الأدب وطرافة في النكتة وإن كانت لا تخلو من الأدب «المكشوف» .
__________
[1] كتاب القصاص والمذكرين، تحقيق مارلين شفارتز، بيروت 1971، صفحة 10- 11.
(1/31)
________________________________________
ولم يقتصر مؤرخنا على كتب التاريخ وحدها ينقل منها ما يشاء إلى كتابه بل تعداها إلى كتب النوادر والمتعة كنشوار المحاضرة والفرج بعد الشدة للتنوخى ولطائف المعارف وثمار القلوب للثعالبي ودواوين الشعراء وكتب تراجمهم كطبقات الشعراء لابن المعتز والأغاني لأبى الفرج الأصفهاني وغيرها، وقد أشرت إلى ذلك كله في محال ورودها. ثم أورد في كتابه الحوادث السياسية وما دار من دسائس القواد ورؤساء الجند من الأتراك والديالم وخفايا دار الخلافة بأسلوب المؤرخ الواثق مما يروى، وهو في الوقت نفسه كان يحسب لقارئه حسابا فأشفق من ملله من التاريخ السياسي وسرد حوادث السنين كما فعل الطبري وغيره فأورد له في ثنايا كلامه بعض النكت الأدبية والحكايات التي تدور حول الخلفاء وما قيل من شعر في بعض الوزراء مما يغمزون به، ولم ينس أن يورد أنا شيد العامة أو تعليقاتهم إذا ما شهر وزير منكوب أو خارجي مأسور، كقول صبيان بغداد حين شهر ابن زهمويه:
أيا وزير الوزرا ... كذا تقاد الأسرا
أو غناء العامة في أسواق بغداد حين أخفق رسول الخليفة سديد الدولة ابن الأنباري في دفع السلطان محمود بن ملك شاه من دخول بغداد:
يا جلال الدين ذا شرح يطول ... وابن الأنباري فما يرجع رسول
والقرايا كلها صارت تلول ... تزرع الكر وتحصد كارتين
فإن في هذا الغناء من الهجاء الدفين ما لا يخفى على اللبيب. أورد كل ذلك ليطرد السأم عن قارئه وليغريه بالمتابعة، لهذا لا يحسّ القارئ معه بغرابة لما يورد أو نبوّ لما يروى في مكانه.
ومع هذا كله فالكتاب ليس كتابا في النوادر كما شاء دى خويه، مصنف فهرس المخطوطات العربية القديم في لايدن، أن يسميه وتبعه بروكلمان ومنه نقل هلموت رتر هذه التسمية وأضاف: «ومن الكتب التي تعنى بالنوادر أكثر مما تعنى بسرد الوقائع التاريخية» كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء «الّذي كتبه محمد
(1/32)
________________________________________
العمراني في عهد المستنجد باللَّه الّذي تلا المقتفى في الحكم (555 هـ- 566 هـ) وتوجد نسخ من هذا الكتاب في مكتبة فاتح تحت رقم 4189 ومكتبة ولى الدين تحت رقم 2360. ولم يهتم المؤرخون حتى الآن كثيرا بأمثال هذه الكتب غير أنى أعتقد أنها لا تخلو من فوائد لأنها تعطينا صورة حية عن الحياة (كذا: يعنى للحياة) الاجتماعية في بلاطات الملوك لذلك العهد خلافا لأكثر كتب التاريخ التي لا تعنى إلا بسرد الوقائع السياسية والوفيات فحسب» [1] .
من قول رتر هذا نستخلص أنه لم ير الكتاب أو في الأقل لم يقرأه وإنما ردد ما قاله بروكلمان [2] الّذي نقل هذا القول من فهرس دى خويه [3] الّذي قال: «إن الكتاب ذو فائدة قليلة» بيد أنه تراجع عن قوله هذا في الفهرس الثاني له حيث قال:
«إن للكتاب أهمية كبيرة في التعرف على التاريخ الأموي والعباسي بالرغم من وضوح ميل مصنفه للعباسيين واهتمامه الكثير بالحكايات والنوادر وشعر المجون» [4] .
ونقطة أخرى لا تخلو من فائدة في عرضها وهي أن رتر وأمثاله من المستشرقين يرى «أن تحقيق النصوص التاريخية هو عمل «فيلولوجى» وطريقة هذا العمل تطورت في المائة سنة الأخيرة على أيدي محققي النصوص «الكلاسيكية» اليونانية واللاتينية ... الذين يهتمون في هذه الحلقات بإيضاح المتون وفحص اختلاف روايات المتون واستخراج الصحيح منها ... ولما جاء «الفيلولوجى» العربيّ متأخرا عن «الفيلولوجى الكلاسيكى» كان لا بد له من أن يستقى منه ويتبع الطرق التي كشف هو عنها» (مجلة الأبحاث صفحة 359- 361) .
__________
[1] مجلة الأبحاث، السنة 12، الجزء 3، أيلول 1959، صفحة 364- 365، بيروت.
[2] ملحق 1/ 586.
[3] لايدن 1851 صفحة 162.
[4] لايدن 1907 صفحة 48- 49.
(1/33)
________________________________________
وعرضت رأى رتر هذا على صديقي شورد فان كوننكزفيلد، أمين قسم المخطوطات العربية في مكتبة جامعة لايدن، فكتب ما يأتى:
كلمة «فيلولوجى» معناها: الدراسة العلمية الشاملة لأية لغة، وتشمل إطار بنائها وتطور اشتقاقاتها وتاريخ هذا التطور وعلاقة هذه اللغة بغيرها من اللغات ومدلول هذه العلاقة واختلافه بالنسبة لهذه اللغة أو تلك، وإن تحقيق النصوص ليس عملا «فيلولوجيا» فقط وإن كان جزءا مهما منه، أما إن المحقق (ولا أريد أن استعمل «الفيلولوجى» ) العربيّ جاء متأخرا عن المحقق التقليدي (ولا أقول «الكلاسيكى» ) الغربي ففيه أكثر من سؤال لأن دارسى المخطوطات العربية لا يمكن أن يركنوا إلى رأى رتر هذا لأنه من الخطأ الكبير الظن أن العرب، وبقدر ما يتعلق الأمر بتحقيق المخطوطات، كانوا يتّبعون خطى المحققين الغربيين مع أنهم يفعلون ذلك في وقتنا هذا. فإنه على النقيض من ذلك تماما لأن المشتغلين بالمخطوطات العربية يعرفون جيدا كم كان العرب يعنون بإخراج النصوص الصحيحة الموثوقة الثابتة عناية تفوق ما يفعله محققو اليوم من العرب أو المستشرقين، وإليك أمثلة قليلة من كثيرة تجدها في نفائس مخطوطات لايدن العربية:
(1) مخطوطة الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذانيّ (المتوفى سنة 320/ 922) بخط عالم بغداد موهوب بن أحمد بن محمد بن خضر الجواليقيّ (المتوفى سنة 539/ 1144) والغريب أن هذه النسخة لم تستعمل في الطبعات العديدة للكتاب مع أنها قوبلت وصححت على نسخة بخط ابن خالويه نفسه وعلى نسخة سماها الجواليقي «نسخة أخرى» إضافة إلى ذلك فإن الجواليقيّ قابل هذه النسخة مع النسخة التي نقل منها وأصلح كل خطأ حدث فيها وعلقه في الحاشية وهذا الشيء المعهود والمعروف عند العرب وهو ما يسمى ب «المقابلة» . فإن ما فعل الجواليقيّ قبل ثمانية قرون هو بالضبط ما نفعله الآن، وهذا العمل يدور حول تجميع النسخ المخطوطة لأى كتاب ومقابلتها مع بعضها وبالتالي إخراج نص موثوق صحيح منها. (رقم المخطوطة في لايدن. (OR 1070
(1/34)
________________________________________
(2) مخطوطة كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان (المتوفى سنة 681/ 1282) .
الشيء الّذي لا يعرفه كثير من الباحثين هو أن ابن خلكان، وبعد أن أنهى تصنيف الوفيات ودفعها إلى الوراقين، قد احتفظ بنسخة من كتابه هذا فأضاف إليها وأصلح فيها الكثير وقد آلت هذه النسخة أخيرا إلى المتحفة البريطانية (رقمها (Add.25735 ومن مقارنة هذه النسخة مع النسخ المخطوطة والمطبوعة منها نجد أن نسخة لندن تحتوى على زيادات كثيرة لا توجد في ما لدينا من بعض نسخ الوفيات. وفي لايدن نسخة من الوفيات تشبه تلك التي في لندن إلا أن إضافات نسخة لايدن كتبت بخط حديث مما يعطينا الدليل على أن العرب كانوا على علم بما نسميه اليوم «نقد النص» وأنهم قد عنوا كثيرا بحفظ النصوص وطريقة إخراج أصح نص منها. وهذه النسخة للأسف الشديد لم تستعمل أيضا في نشر كتاب الوفيات حتى الآن. (رقمها. (Acad.193
(3) وهناك دليل آخر أكثر نصوعا وإقناعا وهو «الإجازات» وهذه نراها غالبا ملحقة بالمخطوطات وتعنى أن هذا الكتاب قد قرئ على مصنفه أو راويه فوجده صحيحا فأجاز روايته لغيره وأن هذه الإجازة في حقيقتها ليست كما نسميه اليوم «حقوق الطبع» ولكنها حلقة قوية في سلسلة حلقات نقل النص صحيحا بالرواية (انظر مقال الدكتور صلاح الدين المنجد حول الإجازة) [1] .
(4) من هذه الأمثلة القليلة وأمثالها كثيرة يظهر بوضوح أن العرب قد أوجدوا الأسس والقواعد الأولى لتحقيق النصوص الحديث ولعل أحسن مثال يمكن أن يورد هنا ما نجده في نهاية مخطوطة أشعار الهذليين (رقمها (OR.549 فقد ورد ما نصه:
__________
[1] إجازات السماع في المخطوطات، مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد الأول الجزء الثاني لسنة 1375/ 1955 صفحة 232- 251.
وانظر كذلك مقالة محمد مرسى الخولي في المجلة نفسها المجلد العاشر، جزء 1، 1964 صفحة 167.
(1/35)
________________________________________
«من أشعار الهذليين عن أبى سعيد السكرى- رحمة الله- والحمد للَّه أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما، كنت ابتدأت بكتابة هذا الكتاب منذ مدة طويلة فكتبت المجلد الأول وقرأته على شيخنا أبى منصور ابن الجواليقيّ أمتع الله به ثم تركت وعدت إلى الكتابة والقراءة فكان مدة ذلك بضع عشرة سنة آخرها آخر شعبان سنة تسع وثلاثين وخمس مائة وكتب محمد بن على العتّابيّ» .
وفي الزاوية اليسرى من الصفحة كتب:
«كتبته من خط السمسمى وقابلت به نسخة الحميدي وبعضه مقابل بنسخة شيخنا (يعنى الجواليقيّ) التي بخط يده وبغيرها من النسخ الموثوق بها فصحت بحمد الله ومنته» .
وبعد، أيصح لنا أن نقول: إن المحقق العربيّ جاء متأخرا؟.
وكلمة أخيرة: فإن الأرقام المحصورة بين عاضدتين مثل [1 أ] تشير إلى مخطوطة لايدن لأنها أكمل من مخطوطة فاتح وقد استعنت بها على تقويم النص الوارد في نسخة فاتح، أما إذا تعارض النصان فقد اخترت ما رأيته أصوب وأجرى مع المعنى وإنك واجد هذا كله في جريدة اختلاف القراءات.
(1/36)
________________________________________
مصادر الكتاب:
ذكر ابن العمراني مصدر بن فقط صراحة من المصادر التي استقى منها أخباره وهما:
(أ) كتاب الأوراق للصولي نقل منه خبرين، أولهما لابن المعتز وما جرى له وكان الصولي نفسه حاضرا (خلافة المقتدر ورقة 74 ب) وخبرا آخر للراضى مع الصولي نفسه لأنه كان مؤدب الراضي (انظر: أخبار الراضي والمتقى 77- 78) ، (التعليقات رقم: 456) .
(ب) كتاب الوزراء الضائع للصولي أيضا (انظر: خلافة المكتفي 71 ب) .
ويظهر أنه نقل الكثير من كتابي الصولي هذين ومن مصادر أخرى لم يصرح بها ومن المرجح أنه نقل من المصادر الآتية إما مباشرة أو من مصادر نقلت منها:
(1) تاريخ اليعقوبي. (2) تاريخ الطبري. (3) كتاب الوزراء والكتاب للجهشياريّ. (4) كتب القاضي التنوخي: الفرج بعد الشدة وكتاب نشوار المحاضرة. (5) كتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني. (6) كتب الثعالبي: ثمار القلوب ولطائف المعارف. (7) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. (8) صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي، وذلك للتشابه الواضح بين بعض الأخبار الواردة في الإنباء ومثيلاتها في هذه المصادر، ولما كان ابن العمراني متأخرا زمنيا عن كل هؤلاء فإنه من المعقول أن ينقل من كتبهم أو أنهم استقوا جميعا من مصادر مشتركة، إلا أنه من المرجح جدا أن ابن العمراني نقل كثيرا من تاريخ الطبري ونشوار المحاضرة وكتب الصولي، لأن التنوخي والصولي يبرزان في كتاب الإنباء لأن مشربيهما في رواية الحوادث يشبهان مشرب ابن العمراني، وقد أشرت إلى هذا النقل وتشابه الروايات في مواضعها.
(1/37)
________________________________________
ونقل من الإنباء كثير من المؤرخين الذين جاءوا بعده فمنهم من ذكره صراحة وهم:
(1) ابن الطقطقى في كتابه الفخرى في الآداب السلطانية فقد ذكر اسم العمراني مرة واحدة ونقل منه كثيرا (انظر صفحة 290 طبعة باريس) وانظر التعليقات رقم 1570.
(2) الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات ذكره مرة واحدة أيضا (انظر ج 2/ 535) .
(3) ابن شاكر الكتبي نقل من الصفدي ما نقله من تاريخ ابن العمراني (انظر الفوات 5/ 145) .
ومن المؤرخين من لم يذكر ابن العمراني صراحة ونقلوا من كتاب الإنباء، وهم:
(1) العماد الأصفهاني المتوفى سنة 597 هـ في كتابه «نصرة الفترة وعصرة القطرة» الّذي اختصره البنداري وسماه زبدة النصرة ونخبة العصرة، نقل نصا طويلا تجده في صفحة 74- 75، وانظر: الإنباء ورقة: 103 أ- 103 ب نسخة لايدن، لأن العماد الأصفهاني انتهى من تأليفه سنة 579 هـ[1] .
(2) ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة 697 هـ نقل من كتاب الإنباء نصوصا كثيرة إلى كتابه «مختصر التاريخ» وكتب ذيلا عليه ومن مختصر التاريخ نقل عبد الرحمن سنبط قنيتو الإربلي إلى كتابه خلاصة الذهب المسبوك.
(3) ابن أبى عذيبة المتوفى سنة 856 هـ نقل منه كثيرا إلى كتابه «تاريخ دول الأعيان» الّذي لم يزل مخطوطا. انظر: مقالة العزاوى «العمراني وتاريخه» صفحة 36، «ابن أبى عذيبة وتاريخه» صفحة 316. وكتابه «التعريف بالمؤرخين» صفحة 129، 248. وأصل تاريخ ابن أبى عذيبة المخطوط في بعض خزائن
__________
[1] زبدة النصرة 136، وعن الاختلاف في قراءة «نصرة الفترة وعصرة القطرة» ، انظر: مقدمة بهجة الأثري في كتاب خريدة القصر (القسم العراقي) 1/ 73.
(1/38)
________________________________________
المخطوطات (انظر: مجلة الهلال 28/ 617، 710، 926، 30/ 862) ومن إحدى هذه النسخ توجد مصورة في مكتبة الآثار ببغداد كانت ملكا للعزاوى.
وقد استفاد بعض المستشرقين وغيرهم من مخطوطة لايدن في نشرهم بعض النصوص التاريخية العربية وهم:
(1) دى يونك ودى خويه في نشرهم الجزء الثالث من كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، المطبوع في لايدن سنة 1869، واسم الكتاب كما ظهر لي بعد كشف الورقة الملصقة على صفحة العنوان «تاريخ الخلفاء من كتاب العيون والحدائق ومضمار الحقائق» .
(2) دى يونك في نشره كتاب لطائف المعارف المطبوع في لايدن سنة 1867.
(4) دوزى في نشره معجمه المشهور والمطبوع في لايدن سنة 1877.
(5) لامانس في مقالة عن زياد بن أبيه.
4 بن 99 -250 and 653 -693 HLammens ,ZiadibnAbihi ,in ,listudiOrientali بن (6) [Roma 19:2] P.1 -45 هوتسما في نشره كتاب تاريخ اليعقوبي المطبوع في لايدن سنة 1883.
(7) وذكره كل من بروكلمان (ملحق 1/ 586) ، وهلموت رتر في مقاله المنشور في مجلة الأبحاث اللبنانية، وفاروق عمر في كتابه «الخلافة العباسية بين سنة 132- 170 هجرية والمطبوع في بغداد سنة 1969 (باللغة الانكليزية) ص: 50، حيث قال: «إن المؤلف كان تركيا في الأصل لأنه أورد حديثا نبويا في مدح الأتراك لكونهم أنصار العباسيين» ، ولم يفطن إلى أنه وصمهم ب «أولاد الزنا» في حديثه على خلافة المعتصم وفتح عمّورية.
وذكر الكتاب ومؤلفه المستشرق كلود كاهن حين وصف بعض المخطوطات التاريخية في مكاتب إستانبول فقال: «كان ابن العمراني يعرف ابن حمدون (يعنى:
صاحب التذكرة) وقد اقتبس من الصولي ومن محمد بن عبد الملك الهمذانيّ
(1/39)
________________________________________
(ت 521) » ، ثم استطرد في وصف مخطوطة فاتح فقال: «إن الأوراق الأولى ممزقة وفي المخطوطة فراغ لسقوط بعض الأوراق بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» :
p 337.CI.Cahen ,concernantSyrieI Egypteetبن IaMesopotamie ,EtudesIslamiques 1936 لقد اقتبس ابن العمراني فعلا من كتب الصولي كما بيّنا من قبل، أما إنه اقتبس شيئا من تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذانيّ أو إنه كان يعرف ابن حمدون فليس في الكتاب دليل يثبت هذه الدعوى، ومن ثم فإن الأخبار التي رواها بنو حمدون، ندماء الخلفاء، فمروية في أكثر كتب التاريخ والنوادر وقد أشرت في التعليقات إلى مناجم ورودها.
أما قول كاهن: «في المخطوطة فراغ بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» فليس كذلك فإن الناقص من المخطوطة يبدأ من منتصف الكلام على مولده (ص) إلى بداية الكلام على أعمامه ثم من بداية خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى «أنت أحوجتنى..» من خلافة مروان بن الحكم. ثم سقط قسم من خلافة عمر بن عبد العزيز لا يزيد على السطرين والساقط من المخطوطة لا يزيد على ورقتين، إضافة إلى الحروم الكثيرة بفعل الماء والإهمال في الأوراق الأربع الأولى.
(1/40)
________________________________________
الإنباء في تاريخ الخلفاء محمد بن على بن محمّد المعروف بابن العمراني المتوفى سنة 580 هجريّة تحقيق وتقديم الدكتور قاسم السّامرائى
(1/41)
________________________________________
[مقدمة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم اللَّهمّ عونك، يا كريم..
الحمد للَّه المتفرد بالأزلية والقدم، المبدع لكل ما سواه بعد العدم، الّذي لا تحده الصفات، ولا تحويه الجهات، المتفرد بعز جلاله عن مشاركة الأنداد واتخاذ الصاحبة والأولاد، والصلاة على سيد الأمم محمد المبعوث إلى العرب والعجم، وعلى خلفائه الأربعة الراشدين أهل الجود والكرم، وعلى آله وعترته الطاهرين ما اختلفت الأنوار والظلم، وعلى عمّه وصنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب أبى الخلفاء الراشدين وجد سيدنا ومولا [نا] [1] «1» المستنجد باللَّه أمير المؤمنين، أعزّ الله بدوام دولته الإسلام والمسلمين وجعل كلمة النبوّة باقية في عقبه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنّي ذاكر في [كتا] بى هذا طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية وفصلا من مناقب الدعوة الهادية الهاشمية- وأبتدئ بذكر سيد البشر والشفيع [المشفّع] يوم العرض الأكبر، ثم بعده بالأئمة الأربعة، ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أميّة إلى أن عاد الحق إلى أهله ورجع إلى من هو أولى به وهم آل النبي- عليه الصلاة والسلام- وبنو عمّه وورّاث علمه وأمناؤه على وحيه، القائمون بنصرة السنة، والمهديون أهل الرأفة والرحمة [و] نبدأ بمن بدأ [الله بذ] كره وفضّله على سائر خلقه وهو سيّد المرسلين [1 ب] وخاتم النبيين، أبو القاسم محمد- صلوات [الله] عليه وسلامه.
وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وجواريه ومواليه وخدمه وأعمامه، ثم الخلفاء الراشدين بعده، ثم أنزل على الترتيب إلى أن أختم الكتاب بالأيام المستنجدية أدامها الله تعالى.
__________
[1] راجع التعليقات في نهاية النص.
(1/43)
________________________________________
نسبه «2» ، صلوات الله عليه وسلامه:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وهذا هو المتفق عليه، وما بعد عدنان فقد اختلفت الروايات فيه فقال الأكثرون: عدنان بن أدّ بن أدد بن الهميسع بن يشجب بن نبت بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر بن ناحور ابن أشوع بن [ارغو] بن فالخ بن عابر بن شالخ، وهو هود- عليه السلام- بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن مالك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس- عليه السلام- ابن يزد بن مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم- عليه السلام- وكان النبي- صلّى الله عليه وسلم- لا يتجاوز عدنان، ويقول: كذب النسّابون بعده.
مولده، صلوات الله وسلامه عليه:
ولد عام الفيل، يوم الاثنين لثمان خلون من شهر [2 أ] ربيع الأول، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج آمنة عبد الله بن عبد المطلب فحملت برسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يوم الاثنين ومات أبوه وله ثلاث سنين، وكان في حجر جدّه عبد المطلب وأرضعته امرأة من بنى سعد يقال لها حليمة، وبقي عندها في حيّها إلى أن شبّ وسعى فمضى جده عبد المطلب وأخذه منها وردّه إلى مكة.
ولما قرب من مكة ضاع منه فتطلبه فوجده تحت شجرة ساجدا نحو الكعبة. فلما أبصره على تلك الحال قال: سيكون لهذا الطفل شأن، ثم أخذه من هناك وردّه إلى أمه، ولما أتت عليه ست سنين ماتت أمه، ولما أتت عليه ثمان سنين وشهران [و] عشرة أيام توفى جده عبد المطلب فرباه عمّه أبو طالب وكان أخا عبد الله لأبويه، وكان يعرف- صلّى الله عليه وسلم- بين العرب بيتيم أبى طالب. وكان أبو طالب به رفيقا ولذلك وعد الله تعالى بتخفيف العذاب عن أبى طالب وعن حاتم الطائي، ذاك لبرّه برسول الله
(1/44)
________________________________________
- صلّى الله عليه وسلم- وهذا لجوده وكرمه «3» حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهما يعذبان في ضحضاح من النار» . ولما أتت عليه اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام. فلما نزل تيماء رآه حبر من [رهبان] تيماء يقال له بحيرا الراهب، فقال لأبى طالب: من هذا الغلام الّذي معك؟ [2 ب] قال: إنه ابن أخى فقال له: أشفيق أنت عليه؟ قال: نعم. قال:
فو الله إن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود فإنه عدوّ لهم، فوجّه به إلى مكة. فلما أتت عليه خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام خطب إلى خديجة نفسها فحضر أبو طالب ومعه عمها «4» وسائر رؤساء مضر وخطب أبو طالب وتزوجها. وكان ولده منها سبعة: القاسم وبه كان يكنّى، والطاهر وكان أيضا يكنّى أبا الطاهر، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم. وأتته النبوة وهو في غار حراء وهو ابن أربعين سنة. وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة فأقام عندهم عشر سنين. وتوفى صلوات الله عليه وسلامه بالمدينة وقبره بها في المسجد، في حجرة عائشة أم المؤمنين- صلوات الله عليها- ودفن في موضعه الّذي مات فيه وصلى عليه المسلمون أفرادا، وكفّن «5» في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل «6» ، وسوى لحده وتولى غسله عليّ والعباس والفضل بن العباس وقثم ابن العباس وأسامة بن زيد مولاه وشقران مولاه، ودخل «7» قبره عليّ والفضل وقثم وشقران، وسجى ببرد حبرة. ومات صلى الله عليه وسلم وله ثلاث وستون سنة، وكان مولده يوم الإثنين، ونبّئ يوم الإثنين لأيام خلت من ربيع الأول، وهاجر يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين مستهل ربيع الأول ودفن ليلة الأربعاء وكانت مدة مرضه أربعة [3 أ] عشر يوما- صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الطيبين الأكرمين، صلاة دائمة أبدا سرمدا إلى يوم الدين.
(1/45)
________________________________________
أزواجه- صلى الله عليه وسلم-:
خديجة، بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب، وهي أول امرأة تزوج بها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج في حياتها غيرها، فبقيت عنده قبل الوحي خمس عشرة سنة، وماتت ولرسول الله- صلى الله عليه وسلم- تسع وأربعون سنة سنة وثمانية أشهر.
سودة بنت زمعة «8» ، بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن النضر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب، تزوج بها بعد خديجة.
عائشة بنت أبى بكر الصديق «9» - رضى الله عنهما- لم يتزوج بكرا غيرها، تزوجها بمكة وهي بنت ست سنين وبنى بها بعد الهجرة بسنة وهي بنت تسع سنين، وماتت سنة ثمان وخمسين من الهجرة.
حفصة بنت عمر بن الخطاب «10» تزوجها قبل الهجرة بسنتين وتوفيت بالمدينة في خلافة عثمان بن عفان.
زينب بنت خزيمة «11» بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد مناف ابن هلال بن عامر بن صعصعة، وتوفيت في حياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
أم سلمة «12» ، بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
زينب [3 ب] بنت جحش «13» ، كانت أول نسائه موتا.
جويرية بنت الحارث «14» بن أبى ضرار، من بنى المصطلق.
أم حبيبة بنت أبى سفيان «15» صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس.
صفية بنت حيىّ بن أخطب «16» من بنى النضير، من ولد هارون بن عمران، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا.
ميمونة بنت الحارث «17» ، وهي خالة عبد الله بن العباس.
عمرة «18» .
وكان صداق نسائه- صلى الله عليه وسلم- خمس مائة درهم ورقا.
(1/46)
________________________________________
أسماء جواريه- عليه السلام-:
مارية القبطية، وأم أيمن «19» ، وكانت حاضنته، وزوجها زيد بن حارثة وهي أم أسامة بن زيد، ورضوى، وسلمى.
مواليه «20» - صلى الله عليه وسلم-:
زيد، بركة، أسلم، أبو كبشة، أنسة، ثوبان، شقران، يسار، فضالة.
أبو مويهبة، سفينة، [أبو] رافع. وخدمه من الأحرار، أنس بن مالك، [هند] وأسماء، ابنتا خارجة.
وأما أولاده- صلى الله عليه وسلم-:
فإنّهم كانوا كلهم من خديجة [و] قد مضى ذكرهم إلا إبراهيم وحده فإنه ابن مارية القبطية.
أعمامه، صلوات الله عليه وسلامه-:
حمزة سيد الشهداء، أبو لهب واسمه عبد العزّى، ضرار، الزبير، المقوم، الحارث، الغيداق، العباس، أبو طالب، قثم.
عماته «21» - صلى الله عليه وسلم-:
أميمة، أم حكيم وهي البيضاء، برّة، عاتكة، صفية أم الزبير [4 أ] بن العوام، أروى.
الخلفاء الراشدون بعده «22»
[فسيدهم وأفضلهم وأعلمهم الّذي قدمه الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم] [1] «23»
أبو بكر الصديق- رضى الله عنه-:
هو أبو بكر، عبد الله بن عثمان بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، بويع له يوم وفاة المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- في سقيفة بنى ساعدة بنص النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قدمه للصلاة، وحين قال: أقيلونى لست بخيركم، قالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لديننا أفلا نرتضيك لدنيانا؟
__________
[1] ما بين العاضدتين [] لم يرد في نسخة فاتح.
(1/47)
________________________________________
وتوفى لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام، ومضى سعيدا حميدا.
الفاروق- رضى الله عنه-:
هو أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط «24» بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ ابن غالب، بويع له بنص الصديق عليه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة وعمره ثلاث وستون سنة «25» .
ذو النورين عثمان- رضى الله عنه-:
هو أبو عمرو، عثمان بن عفان بن أبى العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد [4 ب] مناف، بويع له أول سنة أربع وعشرين، وقتل في يوم الجمعة، ثامن عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وعمره تسعون سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلّا اثنى عشر يوما- رضى الله عنه- «26» .
المرتضى، أبو الحسن، على بن أبى طالب- رضى الله عنه-:
واسم أبى طالب، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، بويع له سنة خمس وثلاثين من الهجرة، ولم تصف له الخلافة، فإن وقعة الجمل كانت له مع عائشة بالبصرة سنة ست وثلاثين، وكانت وقعة صفين مع معاوية بن أبى سفيان في سنة سبع وثلاثين، وقتل يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
ولده الحسن- رضى الله عنه-:
وكنيته أبو محمد، بويع له في سنة أربعين، وبقي له الأمر أربعة أشهر، ثم خلع نفسه وسلم الأمر إلى معاوية بن أبى سفيان.
وتوفى الحسن بالمدينة سنة خمسين وكان عمره ثمان وأربعين سنة «27» .
(1/48)
________________________________________
دولة بنى أميّة
وأول من تولى الأمر منهم: معاوية بن أبى سفيان:
كنيته، أبو عبد الرحمن، بويع له سنة إحدى وأربعين، في جمادى الأولى وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان يصل الحسن بن عليّ- صلوات الله عليهما- بثمانين ألف دينار [5 أ] وعائشة- رضوان الله عليها- بمثلها في كل سنة. وتوفى بدمشق في رجب سنة ستين من الهجرة، وعمره ثمانون سنة.
ابنه يزيد،
كنيته أبو خالد، بويع له في ربيع الأول سنة إحدى وستين، وتوفى لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت خلافته ثلاث سنين تنقص أياما.
ابنه معاوية،
كنيته أبو ليلى، وبقي له الأمر أربعين يوما وخلع نفسه ومات.
مروان بن الحكم، بن العاص بن أمية،
كنيته أبو عبد الملك، بويع له في ذي القعدة سنة أربع وستين ومات وله ثلاث وستون سنة من العمر، وكان سبب موته «28» أن زوجته كانت أم خالد بن يزيد بن معاوية فجرى بينه وبين خالد يوما كلام فقال له مروان: يا ابن الرطبة، فجاء إلى أمه وبكى وقال: أنت أحوجتنى إلى أن أسمع هذا بتزويجك بعد أبى. فقالت له: يا بنى ما تعود مرة أخرة تسمع منه كلاما جافيا.
وفي تلك الليلة قصدت مضجعه ووضعت وسادة على وجهه وقعدت عليها مع عدة من جواريها فلما أحس قال: من أنت؟ قالت: أنا الرطبة واختنق من ساعته، وكانت خلافته أحد عشر شهرا.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

عبد الملك بن مروان،
كنيته أبو الوليد، وكان يكنّى أبا الذبّان لاجتماع الذبّان على فمه لأنه كان أبخر «29» . بويع له في رمضان سنة خمس [5 ب] وستين، وتوفى
(1/49)
________________________________________
في يوم الخميس منتصف شوال سنة ست وثمانين، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأياما. وسلط الحجاج بن يوسف على العراق والحرمين وخراسان فقتل وفتك وهدم الكعبة ورماها بالمنجنيقات، وصلب عليها عبد الله بن الزبير، وأمه «30» أسماء بنت أبى بكر الصديق، وبقي سنة مصلوبا إلى أن حج عبد الملك بن مروان فوقفت له أسماء بنت أبى بكر الصديق- رضى الله عنها- على الطريق. وقالت له «31» :
أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فأمر بخطّه وتسليمه إليها. فوضعت عظامه في حجرها وفي الحال حاضت ودرّ لبنها «32» وكان لها من العمر زائدا على السبعين سنة، فلما رأت ذلك من نفسها- رضوان الله عليها- قالت: حنّت إليه مواضعه ودرّت عليه مراضعه.
وجرى في أيام عبد الملك بن مروان على يد الحجاج بن يوسف، لعنه الله تعالى، من هتك حرمة الإسلام والمسلمين ما لا فائدة في ذكره. وجملة الأمر أن الحجاج- لعنه الله تعالى- قتل ألف ألف وست مائة ألف مسلم في ولايته، ومات، لا رضى الله عنه وأخزاه، وفي حبسه ثمانية عشر ألف نفس يسقيهم السرجين المداف في بول الحمير، وأراح الله سبحانه وتعالى المسلمين منه. وكان مع ذلك فصيحا سخيا، وكان قصير القامة، مشوّه الخلقة أعمش العينين.
الوليد بن عبد الملك، [6 أ]
وكنيته أبو العباس، بويع له في المنتصف من شوال سنة ست وثمانين، وتوفى في يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر. وفي خلافته مات الحجاج بن يوسف- لا رضى الله عنه-.
سليمان بن عبد الملك،
وكنيته أبو أيوب، استخلف يوم وفاة أخيه الوليد.
وتوفى لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام «34» .
عمر بن عبد العزيز بن مروان،
أبو حفص- رضى الله عنه- كنيته أبو حفص، وهو التقى النقي الصوّام القوّام، بويع له في صفر سنة تسع وتسعين، وكان حسن
(1/50)
________________________________________
السيرة عادلا في الرعية، يعود المرضى، ويشيّع الجنائز ويأخذ مال الله من وجهه ويصرفه في حقه. وكان عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- جده لأمه. وكان قبل خلافته يلبس الحلة بألف دينار ويقول: ما أخشنها، وحين ولى الخلافة كان قميصه وعمامته وجميع ما يكون على بدنه من ثوب واحد خشن وتحته جبّة صوف تلاقى جلده على بدنه ويقول: هذا لمن يموت كثير. وبعد وفاته رئي في المنام وهو على حالة حسنة وعليه ثياب فاخرة وهو جالس في روضة نزهة فقال له الرائي له في المنام: يا أمير المؤمنين قل لي ما أعيده عنك إلى أهلك ورعيتك. فقال له عمر: قل لهم: «لمثل هذا فليعمل العاملون» [6 ب] ثم تلا بعد ذلك قول الله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» . 28: 83 وكان بنو أميّة كلهم يلعنون عليّا- صلوات [الله] عليه وسلامه- على المنبر فمذ ولّى عمر بن عبد العزيز قطع تلك اللعنة وبقيت هذه السنة بعده إلى اليوم «35» . ومات بدير سمعان لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام- رضى الله عنه وقدس روحه-.
يزيد بن عبد الملك،
بويع له لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وتوفى يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة. فكانت خلافته أربع سنين وشهرا واحدا.
هشام بن عبد الملك،
أبو الوليد، ويعرف بهشام الأحول، بويع له بالخلافة في رمضان سنة خمس ومائة وكانت وفاته لعشر خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك،
كنيته أبو العباس، بويع له في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين ومائة. وحين بلغته وفاة هشام كان يقرأ في المصحف فوضعه من يده وقال: هذا فراق بيني وبينك «36» ثم قال: والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر فأخذ رطلا وشربه وثنّى وثلّث حتى سكر ونام، وكان فاجرا [7 أ] فاسقا
(1/51)
________________________________________
خمّارا قليل الدين جدا، وكان يخطب أيام الجمع وهو سكران إلى أن أراح الله الإسلام والمسلمين منه وقتل في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وكانت خلافته سنة واحدة وشهرين وعشرين يوما.
الوليد بن عبد الملك،
كنيته أبو خالد، بويع له في مستهل رجب سنة ست وعشرين ومائة وبقي الأمر له خمسة أشهر.
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك،
ويعرف بإبراهيم الناقص «37» ، تولى الخلافة سبعين يوما ومات.
مروان بن محمد بن مروان،
كنيته أبو عبد الملك ويعرف بالحمار، وهو آخر ملوك بنى أمية، بويع له في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكانت خلافته خمس سنين وثمانية أشهر ويومين «38» ، وانقرضت أيام بنى أمية. وكان عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العباس عم السفاح لقيه على الزاب الكبير وكسره واستباح عسكره وقتل أكثرهم وغرق في الزاب من نجا من السيف منهم «39» . ونجا هو بنفسه وقصد نصيبين فأغلق الباب في وجهه فمضى على تلك الحالة إلى دمشق وكانت سرير ملكه وفيها خزائنه وذخائره فأغلق الباب في وجهه فمضى من هناك إلى مصر وحين وصلها بلغه الخبر بأن عبد الله بن عليّ مجدّ في طلبه على أثره [7 ب] فارتحل منها وأوغل في بلاد المغرب «40» حتى انتهى إلى قرية يقال لها بوصير «41» فنزل في دار رئيسها وكان وصوله إليها ضحوة النهار، واتفق أنه انهم قائدا من قواده بأنه يكاتب بنى العباس ويميل إليهم فأمر بسلّ لسانه من قفاه ففعل به ذلك في دار ذلك الرئيس فنزلت سنّورة من الدرجة فرأت اللسان فاختطفته وأكلته، وفي عشية ذلك اليوم وصل عسكر عبد الله بن عليّ إلى تلك القرية ودخلوا الدار التي فيها مروان وسلّوا لسانه من قفاه ورموه على الأرض فجاءت تلك السنّورة بعينها فأخذته وأكلته. ثم بلغهم ما فعل بذلك القائد في صبيحة ذلك اليوم فتعجبوا من ذلك حتى قال واحد
(1/52)
________________________________________
منهم: لو لم يكن من عجائب الزمان إلا أنّا رأينا لسان مروان بن محمد ملك الشرق والغرب في فم هرّة تمضغه لكفانا ذلك «42» . وكان معه خادم يختص به فقدّم ليقتل فقال: لا تقتلوني، فأنا أفتدي نفسي. قالوا: بماذا؟ قال: بميراث النبوة فإنه عندي قيل له: وما ميراث النبوة؟ قال: البردة والقضيب والخاتم فقالوا: أحضره فأحضر ذلك وسلّمه إليهم فخلوا عنه «43» . وحملوا البردة والقضيب والخاتم إلى الكوفة وسلّموها إلى أبى العباس السفّاح، وزال ملك بنى أمية، فسبحان من لا يزول ملكه.
ذكر من بويع له بالخلافة في أيامهم «44»
أبو عبد الله، الحسين بن عليّ بن أبى طالب- قدس الله روحه- بايعه أهل الكوفة سنة تسع [8 أ] وخمسين وهاجر إليها في ذي القعدة من سنة إحدى وستين، ونصحه أهل المدينة وقالوا له: تريّث فإن هذا موسم الحاج فإذا وصلوا فاخطب في الناس وادعهم إلى نفسك فيبايعك أهل الموسم ويتذكر بك الناس جدّك وتمضى حينئذ في جملتهم في جماعة ومنعة وسلاح وعدة. فلم يصبر وخرج ومعه سبعون نفرا أكثرهم أولاده وأقاربه وأهل بيته. فلما كان في بعض الطريق لقيه الفرزدق الشاعر فقال له الحسين- كرّم الله وجهه-: يا أبا فراس، كيف تركت الناس وراءك؟ فعلم عن أي شيء يسأله. فقال له: يا ابن بنت رسول الله تركت القلوب معك والسيوف مع بنى أمية. [فقال] : ها إنها لمملوءة كتبا، وأشار إلى حقيبة كانت تحته. ثم وصل يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين إلى الطف فتلقاه عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف مقاتل «45» ، وعلم أنه ليس له به طاقة فنفذ إليه وقال: أنا معك بين ثلاثة أمور: إما أن تدعني أذهب من حيث جئت، وإما أن تعين لي موضعا آخر أقصده وأعيش به، وإما أن أسلم نفسي إليك نازلا على حكم يزيد بن معاوية فتحملني إليه ليفعل في أمرى ما يشاء. فقال عبيد الله بن زياد: أما
(1/53)
________________________________________
الإفراج لك عن الطريق لتذهب من حيث جئت فلا سبيل إليه، وأما تعيين موضع تقصده فليس ذلك إليّ، وأما نزولك على حكم يزيد فلا والله ما تنزل إلا على حكمي.
فقال الحسين- كرم الله وجهه-: الموت تحت ظلال السيوف أحب إليّ من النزول [8 ب] على حكمك، وتواعدوا للقتال فحين التقى القوم لم يرم أحد من عسكر عبيد الله سهما ولم يسل سيفا. فقال عبيد الله بن زياد: من أتانى برأس الحسين فله الرىّ. فتقدم إليه عمر «46» بن سعد بن أبى وقّاص وقال له: أيها الأمير اكتب لي عهد الرىّ حتى أفعل ما تأمر في الحال فكتب وسلّم إلى عمر فتقدم وانتزع سهما من كنانته ورمى به الحسين فوقع في نحره فسال دمه على صدره ولحيته فأخذ الدم بيده ورمى به إلى فوق وصاح: اللَّهمّ هذا فعالهم بابن بنت نبيّك. ثم تكاثروا عليه وجاء الشمر- لعنه الله- فاحتزّ رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد وكان يزيد نازلا على أنطاكية محاصرا لها.
فلما كان الرسول في بعض الطريق [و] أجنّه الليل عدل إلى دير فيه رهبان فبات فيه فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا بين تلك المخلاة وبين السماء «47» فتقدم إلى المخلاة وفتّشها فوجد الرأس فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء، فمضى وأخبر بقية الرهبان، فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلّهم على الرأس وجعلوا الدير [مسجدا] وكانوا سبع مائة راهب. ثم لما حمل رأسه إلى يزيد قال: إني كنت أقنع من طاعتكم بدون هذا، لعن الله ابن مرجانة، يعنى عبيد الله، لو كان له في قريش نسب لما فعل مثل هذا الفعل [9 أ] ثم أمر فغسل بماء الورد دفعات وكفّن في عدة أثواب دبيقية. وكان بحضرة يزيد جماعة من أهل عسقلان فسألوه أن يدفن عندهم فسلّمه إليهم فدفنوه بمدينتهم وبنوا عليه مشهدا وهو إلى الآن يزار من الآفاق ويعرف بمشهد الرأس «48» . ودفن بدنه الشريف المقدس بكربلاء. وفي أيام عضد الدولة فناخسرو أمر أن يبنى عليه مشهد فبنى وهو إلى الآن عامر فيه نحو من ألف دار [و] يعرف بمشهد الحسين «49» .
(1/54)
________________________________________
ومن جملة من بويع له بالخلافة في زمن بنى أمية، أبو بكر، عبد الله بن الزبير ابن العوام بويع له بالخلافة واستولى على الحرمين والعراق والجبال وخراسان ثلاث عشرة سنة ولم يبق في يد عبد الملك سوى الشام ومصر والمغرب إلى أن قتله الحجاج وصلبه على الكعبة على ما سبق شرحه. وكان أخوه مصعب بن الزبير زوج سكينة بنت الحسين أميرا من قبله على العراق إلى أن قتله المختار بن أبى عبيد وحين قتل الحجاج المختار بن [أبى] عبيد. قال شيخ من أهل الكوفة: لقد رأيت عجبا، دخلت إلى قصر الإمارة بالكوفة في يوم قتل الحسين وعبيد الله بن زياد جالس وبين يديه رأس الحسين على ترس ثم طالت المدة حتى دخلت قصر الإمارة بالكوفة فرأيت مصعب بن الزبير جالسا في ذلك الموضع بعينه وهو الرواق وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد على ترس ثم بعد مدة يسيرة دخلت إلى ذلك القصر بعينه ورأيت المختار بن [أبى] عبيد [9 ب] جالسا في ذلك الرواق بعينه وبين يديه رأس مصعب بن الزبير على ترس واليوم دخلت إلى ذلك القصر ورأيت الحجاج جالسا في ذلك الرواق وبين يديه رأس المختار على ترس «50» .
ومن جملة من بويع له بالخلافة في أيامهم محمد بن الحنفية والضحاك بن قيس بن خالد وعمرو بن سعيد بن العاص [بن سعيد بن العاص] بن أمية «51» . وحين قتله عبد الملك بن مروان قال رجل من أهل الشام: اليوم ضحّى بنو أمية بالكرم كما ضحّوا يوم كربلاء بالدين «52» . ومنهم عبد الرحمن بن الأشعث الكندي ويزيد «53» بن المهلب بن أبى صفرة الأزدي وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب «54» . ولم يتم لواحد من هؤلاء أمر، إلى أن انتقل الحق إلى أهله ورجع إلى مستحقّه، وأفضت الخلافة إلى من وعد الله ورسوله بها لورثته. فإنه روى في الصحاح عن النبي- صلّى الله عليه وسلم- أنه حين استسقى ليلة الجن أتاه العباس بماء فشربه ثم قال فيه العباس- رضوان الله عليه- يمدحه بأبيات طويلة منها «55» :
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث تخصف الورق
(1/55)
________________________________________
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا نطفة ولا علق
فلما بلغ إلى قوله:
وأنت لما ولدت أشرقت ... الأرض وضاءت بنورك الأفق
قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا عم ألا أصلك!؟ ألا [10 أ] أحبوك؟! قال: بلى يا رسول الله، ما أحوجنى إلى ذلك!!. قال: إن الله تعالى افتتح هذا الأمر بى وسيختمه بولدك. وفي رواية أخرى: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما نزل عليه جبريل- عليه السلام- وعليه قباء أسود وعمامة سوداء قال له: ما هذا الزي يا جبريل؟ فقال جبريل: يا محمد يأتى على الناس زمان يعز الله الإسلام بهذا السواد فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: رئاستهم ممن تكون؟ فقال له جبريل- عليه السلام-: من ولد عمك العباس. فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-:
فأتباعهم ممن يكونون؟ فقال جبريل- عليه السلام-: أهل المناطق من وراء جيحون، دهاقنة الصغد والترك «56» . وفي يوم الزاب لما التقى عبد الله بن عليّ ومروان الحمار نظر مروان إلى الرايات السود فراعته فالتفت إلى وزيره وقال: هذه والله هي الرايات التي يسلمونها إلى عيسى بن مريم وولّى هاربا وكان يقول في طريقه: أركبت سبعين ألف عربي على سبعين ألف عربي «57» ولكن إذا نفدت المدة لم تنفع العدة. وكان لما أراده الله وقدّره في سابق علمه أن احتاج مروان في تلك الساعة إلى إراقة الماء فهمّ بالنزول فقال له وزيره: بل على سرجك فإنك إن نزلت انكسر العسكر فقال: أو يتحدث عنى بمثل ذلك؟ ونزل.
فيقال: مروان باع الدولة ببولة «58» . وانقضت دولتهم.
(1/56)
________________________________________
الدولة العباسيّة القاهرة
زادها الله تمكينا وإعزازا إلى يوم القيامة أول من بويع له منهم بالخلافة وهو مستتر خوفا على نفسه [10 ب] من بنى أمية:
محمد الإمام،
وهو محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وكان لعلىّ بن عبد الله ابن العباس ثمانية بنين وهم: محمد وعبد الله وصالح وسليمان وعيسى وداود وإسماعيل وعبد الصمد. وعبد الصمد هو الّذي دخل القبر برواضعه ما سقط له سن بتّه «59» .
وحين بويع محمد بالخلافة وانتشر أمره بخراسان وكان واليها نصر بن سيّار من قبل مروان الحمار، كتب إلى مروان:
من مبلغ عنى الإمام الّذي ... قام بأمر بيّن ساطع
إني نذير لك من دولة ... قام بها ذو رحم قاطع
والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الصانع
كنا نداريها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع «60»
فحين قرأ مروان الأبيات وقّع إلى عامل الكوفة بتطلب محمد بن على فوجده فقبض عليه ونفذه إلى مروان فبقي في حبسه إلى أن مات، وكان قد قال للداعي وهو أبو مسلم:
إن تمّ عليّ أمر فالأمر بعدي إلى ابني إبراهيم. فلما مات دخل أبو مسلم على إبراهيم ابن محمد وهو مستتر بالكوفة فبايعه وبث الدعاة بخراسان ولم يذكر اسمه خيفة من أن يتم عليه ما تمّ على أبيه. وإنما كان الدعاة يدعون إلى الإمام الهادي من آل محمد.
ثم إن أصحاب الأخبار بالكوفة رفعوا إلى مروان خبر إبراهيم فنفذ إلى والى الكوفة يأمره بطلبه فتطلبه فوجده في بيت مستترا فأخذه ونفذه إلى دمشق ومات أيضا في حبس مروان [11 أ] وبقي أبو مسلم متحيّرا لا يدرى ماذا يصنع فدخل الكوفة وإبراهيم بعد حىّ في حبس مروان، واستخبر عن إخوة إبراهيم وهم أبو العبّاس عبد الله
(1/57)
________________________________________
وأبو جعفر عبد الله فدلّه بعض شيعتهم على رجل باقلاني وقال: هو يعرف أحوالهم.
فقصد الباقلاني فحين رآه عرف أنه الداعي إلى آل محمد وقال له: أريد وديعتي التي عندك.
فقال له الباقلاني: قم معى وتسلّمها وقام من دكانه ومضى معه إلى بيته وأنزله إلى سرداب مظلم وهما فيه فسلّم عليهما وتحدث معهما في أمر الخلافة وأنه إن حدث بالإمام إبراهيم في الحبس حادث فالإمام بعده من يكون؟ فقال أبو العباس: أنا، وقال أبو جعفر: أنا. فقال: الآن بعد ما اختلفتما فلا بدّ من الرجوع إلى الإمام ليعين على أحدكما. وخرج «61» من عندهما ومضى راجلا إلى دمشق ووقف لمروان في الميدان يدعو له ويسأله أن يجمع بينه وبين إبراهيم بن محمد. فقال له مروان: وما لك وله؟
فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين إني امرؤ فقير ولى عيال وكان في يدي شيء أعود به على عيالي فدخلت الكوفة بنيّة الحج فأودعته عند إبراهيم بن محمد وهو في حبسك وما أظنه يستحل مالي ولا شك أنه قد سلّمه من إنسان أو وضعه في مكان. وأسأل أمير المؤمنين أن يأمر بالجمع بيني وبينه لأسأله عنه. فقال مروان لبعض حجابه:
امض به إلى الحبس واجمع بينه وبين إبراهيم واحفظ ما يجرى بينهما وأعلمنى به.
فمضى معه إلى أن دخلا على إبراهيم فسلّم عليه أبو مسلم فرد عليه السلام [11 ب] فقال له أبو مسلم: وديعتي التي أودعتها عندك عند من هي حتى أتسلّمها منه؟ فقال له إبراهيم: وديعتك عند ابن الحارثية وكانت أم السفاح، ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله الحارثية. فقام وخرج ومضى الحاجب وأخبر مروان بما جرى بينهما. ورحل أبو مسلم عن فوره من دمشق فلما كان في بعض الطريق وصلته وفاة إبراهيم في الحبس فجاء حتى قدم الكوفة وقصد دكان الباقلاني ووقف بإزائه فحين رآه عرفه وقام معه وجاء به إلى ذلك السرداب فدخل إليه وهما فيه فعزّاهما عن إبراهيم وقال: أيكما ابن الحارثية؟
فقال أبو جعفر: أخى. وقال أبو العباس: أنا. فقال لأبى العباس: مدّ يدك بايعتك على كتاب الله وسنّة رسول الله وسيرة الشيخين أبى بكر وعمر، قبلت؟ قال: قبلت ذلك. فقال أبو مسلم: يا أبا جعفر بايع أخاك فمدّ إليه يده وبايعه واحتقدها أبو جعفر
(1/58)
________________________________________
على أبى مسلم وكانت هذه أول ما حصل في نفسه منه وأتبعها أبو مسلم بأمور أخرى أكّدت العداوة بينه وبينه حتى كان من أمره ما كان وسيأتي ذكره.
وخرج أبو مسلم في يومه من الكوفة ومضى على وجهه إلى خراسان وقد قوى بها أمر المسوّدة جدا وانتشرت الدعوة العبّاسية إلى أن صار في كل بلد من شيعة بنى العباس من يحمل السلاح أضعاف ما فيه من جند مروان فضلا عن العوام والرعاع فتواعدوا على قتل ولاة بنى أمية في سائر بلاد خراسان في يوم واحد. وذلك في مستهل ربيع الآخر سنة [12 أ] اثنتين وثلاثين ومائة. فثاروا في ذلك اليوم وقتل أهل كل بلد واليهم وصعدوا بالسواد إلى المنابر وخطبوا للإمام أبى العباس الهادي المهدي من آل محمد ووصل الخبر إلى مروان على البريد من العراق. فكتب إلى أمير الكوفة يأمره بقتل كلّ من يظفر به من ولد العباس فتطلبهم فلم يجد أحدا وأعماه الله عن بيت الباقلاني وذلك لما أراده الله تعالى من نصرة دينه وردّ الحق إلى مستحقّه ومستوجبه. ثم إن المسوّدة بخراسان اجتمعوا في سبعين ألف فارس وسبعين ألف راجل يحملون الرايات السود وذلك بمرو في جمادى الأولى وأبو مسلم قائدهم ومقدمهم. وقصدوا العراق وحين أحسّ بقدومهم أصحاب مروان تهاربوا ودخل أبو مسلم الكوفة في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وقصد دكان الباقلاني على عادته واصطحبا إلى السرداب وهما فيه على ما عهدهما فهنأهما بتمام الأمر وظهر من كان استتر من عمومتهما وجاءوا بأجمعهم إلى الجامع بالكوفة فأخذ أبو مسلم «62» بيد أبى العباس ورقّاه المنبر ثم قال: يا أهل الكوفة ما رقى على منبركم هذا خليفة إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب وهذا الإمام بعده. وصعد عمه داود بن عليّ وأخوه أبو جعفر على أربع درج من المنبر «63» ووقفا هناك. وتكلم داود بن عليّ قبل السفاح «64» وقال: الحمد للَّه والصلاة على نبيّه محمد وآله، إنّا والله ما خرجنا لنبنى [12 ب] عندكم قصرا ولا لنحفر في أرضكم نهرا ولا لنسير سيرة الجبابرة، والآن عاد الحق إلى نصابه وطلعت الشمس من مطلعها وأخذ القوس باريها وصار
(1/59)
________________________________________
السهم إلى النزعة ورجع الحق إلى مستقره، إلى أهل بيت نبيكم وورثته أهل الرأفة والرحمة. ثم قام أهل خراسان واحدا واحدا وأهل الكوفة بجملتهم وكل من كان مجاورا للكوفة من البوادي لمبايعة أبى العباس. فيقال إنه وضع يده في يد أربع مائة ألف إنسان. ثم في أثناء ذلك قام أعرابى «65» فأنشد:
دونكموها يا بنى هاشم ... فجدّدوا من آيها الطامسا
دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم لها لابسا
لو خيّر المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا
والملك لو شوور في ساسة ... ما اختار إلا منكم سائسا
ونزل أبو العباس من المنبر وخرج من الجامع إلى المضارب السود التي حملها أبو مسلم من خراسان برسمه وعسكروا بباب الكوفة ثم اشتوروا في قصد الشام وأشار أبو مسلم أن الإمام لا يقصد الشام بنفسه بل ينفذ العسكر ويقيم بموضعه إلى إن يقيّض الله الفتح على أيدي أوليائه. وكان الرأى ما أشار به. ثم اشتوروا فيمن يكون مقدما على الجيش فقال أبو العباس «66» : من لها فداه أبى وأمى؟ فقال عمه عبد الله ابن عليّ: أنا لها يا أمير المؤمنين. فشكره على ذلك، واستحسن الجماعة ذلك منه.
وسار عبد الله بن عليّ في سبعين ألف [13 أ] فارس وراجل ولقي مروان على الزاب وكان من الأمر ما قدمنا ذكره. ثم إن أبا العباس بقي في الخلافة أربع سنين وستة أشهر.
(1/60)
________________________________________
[خلافة] السفاح
هو أبو العباس، عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس. بويع له في سنة اثنتين وثلاثين ومائة في جمادى الآخرة وتوفى في أول ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة. وكان وزيره أبو سلمة الخلال، وقائد جيشه أبو مسلم، وكان على شرطته عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، وعلى قضائه عبد الرحمن بن أبى ليلى، وحاجبه أبو غسّان، صالح بن الهيثم. وأبو سلمة الخلال قتل في أيامه. وإنما أبو مسلم دسّ عليه من قتله لأنه جرى بينه وبين أبى مسلم ملاحاة في أمر من الأمور فقال له أبو مسلم: هذه الدولة أنا أظهرتها فإن لزمت معى ما يلزمه التابع للمتبوع وإلا أعدتها فاطمية «67» . ثم ندم أبو مسلم على ما بدر منه وخاف أن يوصله أبو سلمة إلى سمع السفاح. وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح إلى هزيع من الليل فأوقف له أبو مسلم جماعة تحت ساباط وبأيديهم السيوف فلما عبر هناك قطعوه إربا وفيه يقول القائل:
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
ولما مات السفاح صلى عليه عمه عيسى بن عليّ ودفن بالموضع الّذي مات فيه بالأنبار وسنّه أربع وثلاثون سنة. وكان آخر ما [13 ب] تكلم به: «إليك يا رب لا إلى النار» .
وكان نقش خاتمه: «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» .
(1/61)
________________________________________
خلافة أمير المؤمنين المنصور
هو أبو جعفر، عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وأمه أم ولد يقال لها سلامة البريرية. وكان يعرف بعبد الله الطويل. وكان مولده بإيذج من أعمال خوزستان فإن أباه كان قصد عبد الله بن معاوية [بن عبد الله] بن جعفر بن أبى طالب وهو وال على أصفهان من قبل بنى أمية «68» ليستميحه ومعه أمه فولد هناك «69» . ووصل إليه الخبر بوفاة أخيه السفاح وهو عائد من مكة وأمير الحاج أبو مسلم وكان ضميمة إلى أبى مسلم وكان إذا دخل على أبى مسلم لا ينهض له ولا يوفيه حق كرامته. وكان الخبر بموت أبى العباس وصل إلى أبى مسلم أولا فاستشعر من أبى جعفر لأنه ولى العهد فتقدم قبله إلى صوب العراق وكاتبه من الطريق يخبره بوفاة أخيه وكان عنوان الكتاب: «من أبى مسلم إلى أبى جعفر» ولم يخاطبه فيه بالخلافة فاحتقد المنصور هذه الأشياء عليه. وكان المنصور عالما عاقلا راويا للأحاديث أديبا شاعرا.
وكان يقول: إذا مدّ عدوّك إليك يده فاقطعها فإن لم تقدر على قطعها فقبّلها «70» . وكان يقول: لا يقوم الملك إلا بأربع كما لا يقوم هذا السرير إلا بقوائمه الأربع. قيل له:
وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينتصف للضعيف من القوى [14 أ] ، وصاحب خراج يستوفي لي ولا يظلم الرعية فإنّي مستغن عن ظلمهم، ثم قال: آه ومن لي بالرابع وهو صاحب بريد يعرّفنى أخبار هؤلاء على الصحة «71» .
وحكى «72» المنصور قبل وصول الأمر إلى بنى العباس قال: «رأيت في نومي أيام حداثتي كأنّا حول الكعبة، أنا وأخى أبو العباس وعمى عبد الله بن عليّ وإذا مناد ينادى من داخل الكعبة بصوت عال: أبو العباس! فقام أخى ودخل ثم خرج وبيده لواء أسود إلا أنه كان قصيرا على قناة قصيرة ومضى. ثم نودي: أبو جعفر! فنهضت أنا وقام عبد الله عمى ورائي فلما وصلت إلى باب الكعبة تقدم ليدخل قبلي فدفعته عن الدرجة فسقط إلى أسفل ودخلت الكعبة فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
(1/62)
________________________________________
جالس فسلمت عليه فردّ عليّ وعقد لي بيده لواء أسود طويلا وقال: خذ هذا بيدك حتى تقاتل به الدجال. قال: فأخذته وخرجت فوجدت أخى أبا العباس واقفا ينتظرني.
فذرعت لوائى فكان اثنين وعشرين ذراعا وذرعت لواءه فكان أربعة أذرع» . وكان هذا المنام شبيها بالوحي فإن عدد الأذرع كانت عدد سنى الخلافة. وعبد الله بن عليّ طلب الخلافة ولم يصل إليها فإنه خرج على المنصور بالشام ونفذ المنصور إليه أبا مسلم فكسره وأسره وجاء به إلى المنصور فمات في حبسه «73» . وكان المنصور قد بايع بالخلافة بعده لابن أخيه عيسى بن موسى فلما ولد له المهدي أحب أن يكون الأمر في [14 ب] ولده فسأله خلع نفسه وبذل له على ذلك مالا جليلا فلم يفعل فاحتال عليه بحيلة وما تمت «74» ، وذلك أن عبد الله بن عليّ عم المنصور لما جاء به أبو مسلم أسيرا دعا المنصور عيسى بن موسى وقال له: كيف موضع السر منك؟ قال: كما تحب، قال: فإنّي أسرّ إليك أمرا، قال: قل ما بدا لك، قال: أنت ولىّ عهدي وقد علمت ما كان من أمر عمى عبد الله بن على وتسمّيه بالخلافة وإن ذلك لو تمّ له ما جعل العهد فيك بعده بل لأولاده وقد عوّلت على إهلاكه. فقال له عيسى بن موسى: الصواب ما تراه. فقال له المنصور: وأريد أن تتولى أنت قتله. قال عيسى: أفعل ما تأمرنى به. فسلّمه إليه فأخذه وحمله معه إلى بيته وفكّر في نفسه «75» وقال: والله ما أراد المنصور إلا أن أقتل عبد الله بن عليّ ثم يطالبني به فإذا ذكرت له: إنك أمرتنى بقتله كذّبني وتبرأ من ذلك وسلّمني إلى إخوته فقتلوني به والصواب أن أحتفظ به لأنظر ما يكون، فأكرمه وأحتفظ به وأخبر المنصور بأنى قد قتلته. فلما كان بعد ذلك بأيام دسّ المنصور إلى عمومته من يجسّرهم على السؤال في أخيهم واستيهاب دمه من المنصور. وجلس جلوسا عاما ودخل عليه عمومته بأسرهم يسألونه في أخيهم فقال: قد وهبته لكم.
ثم التفت إلى عيسى بن موسى وكان حاضرا وقال: سلّمه إليهم. فقال عيسى: يا أمير المؤمنين ألست أمرتنى بقتله؟ وقد قتلته. قال له المنصور: أو قتلته؟ قال: نعم. فالتفت إليهم وقال: إنما سلّمته إليه [15 أ] ليحفظه عنده لا ليقتله فدونكم وإياه فاطلبوه منه
(1/63)
________________________________________
أو خذوا بثأره فتمسكوا به وسحبوه من بين يدي المنصور إلى أن أخرجوه إلى الرحبة وشهروا السيوف لقتله فقال لهم: يا قوم لا تعجلوا فإن أخاكم حىّ يرزق فصيروا إلى منزلي حتى أسلّمه إليكم. فساروا معه إلى منزله وتسلّموه منه وعرفوا حقيقة الحال في أمره وبطلت حيلة المنصور. ثم قبض عليه بعد ذلك وحبسه في بيت فسقط عليه البيت فمات «76» .
وفي سنة خمس وأربعين ومائة شخص المنصور إلى بيت المقدس فصلى فيه وعاد.
وفي هذه السنة خرج «77» محمد بن عبد الله بن حسن بن عليّ بالمدينة وادعى الخلافة وقتل أميرها رباح بن عثمان ونفذ إليه المنصور عيسى بن موسى فحاربه وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى المنصور وبسلبه وكان في جملة سلبه ذو الفقار. فحين رآه المنصور طار فرحا وكان عرضه ثلاثة أشبار ونيفا وعدّوا فقره فكانت ستا وثلاثين فقرة من الجانبين، من كل جانب ثماني عشرة. وبعد قتله خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بالكوفة فنفذ إليه المنصور عيسى بن موسى فلقيه بقرية تعرف بباخمرى «78» وكسره وأسره وقتله وجاء برأسه إلى المنصور.
وفي سنة سبع وأربعين [ومائة] طلب المنصور من عيسى بن موسى أن يخلع نفسه «79» عن العهد ويقدم عليه المهدي بن المنصور ويكون ولىّ العهد بعد المهدي فلم يفعل فبذل له عن ذلك ثمانين ألف دينار ومائة [تخت] [15 ب] من الديباج الخسروانى وإمارة الكوفة [ففعل] . وكان المنصور قد شغّب عليه الجند فخاف على نفسه منهم فبادر إلى الخلع «80» . وفيه يقول الشاعر «81» :
كره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاء وكرم
خلع الملك وأضحى لابسا ... ثوب ذل لا ترى منه القدم
ورحل ومضى إلى عمله فحين دخل الكوفة عارضته امرأة «82» وهي تقول لأخرى: هذا الّذي كان غدا فصار بعد غد «83» .
وفي هذه السنة حج المنصور بالناس وحين عاد نزل بالأنبار وكان الإمام أبو حنيفة- رحمه الله- بالكوفة فدعاه وسأله أن يتقلد قضاء القضاء فأبى فقال: لا بد من
(1/64)
________________________________________
أن تعمل لي عملا. فقال أبو حنيفة للمنصور: أما غير القضاء فأفعل ما تشاء. فقال:
تتولى لي بناء بغداد فقبل ذلك وانحدر إليها واشتغل بتأسيسها وبناء القصر الّذي يسمى الخلد على دجلة برسم المنصور «84» .
واستدعى المنصور أبا مسلم وكان بخراسان وقد بثّ الدعاة في البلاد لنقض ما كان أسّسه من ملك بنى العباس وأراد أن يعيدها فاطمية كما كان في نفسه. فحين وصل إلى الرىّ استشار وزيره في قصد المنصور فقال له: لا تعبر الرىّ فهي حد ولايتك وإذا عبرتها صرت بحكم القوم فما قبل استهانة بالمنصور لأنه قدم من خراسان في أربعين ألف فارس. وبلغه خبر المنصور أنه مقيم بالأنبار في أربعة آلاف وأكثرهم من أتباع أبى مسلم وأجناده وقواده فصمّم على دخول العراق. وحين وصل جسر النهروان قال [16 أ] لوزيره: ما ترى من الرأى؟ قال: خلّفت الرأى بالرّي «85» . وقدم على المنصور في أحسن زيّ وعدّة وكان المنصور قد واطأ جماعة من خواصه على قتل أبى مسلم وقال لهم: إذا دخل عليّ أبو مسلم فإنما يكون وحده فإذا رأيتموني قد صفّقت بيديّ فاعلوه بالسيوف. فحين دخل عليه قبّل البساط ووقف وكان متقلدا سيفا.
فقال له المنصور: يا أبا مسلم سيفك هذا [يماني] أو هندي؟ قال: بل هندي يا أمير المؤمنين. فقال له المنصور: سلّه من قرابه وهزّه لأراه ففعل ما أمر به.
فقال له: يا أبا مسلم ما تقول في من شهر سيفه في وجه إمامه؟ فقال: يقتل به «86» .
وفطن أبو مسلم لمراد المنصور إلا أنه ما خطر بباله أنه يقدم على الفتك به مع تلك المنعة وذلك العسكر وخاصة والمنصور من وراء خرقة «87» . ثم ابتدأ المنصور يذكّره بما كان يعامله في أيام أخيه [السفاح] ثم قال له المنصور في جملة ما قال: يا ابن اللخناء ألست الّذي نفذت إليّ تخطب عمتي آمنة بنت عليّ بن عبد الله بن العباس؟ وتزعم أنك كفؤ لها «88» ؟ فقال له أبو مسلم: يا أمير المؤمنين ألست الّذي أظهرت هذه الدولة ومهّدت لكم هذا الأمر؟ فقال له المنصور: يا ابن اللخناء ذاك لما أراد الله تعالى من إظهار
(1/65)
________________________________________
دعوتنا ونصرة [دو] لتنا ورد حقنا إلينا وإلا فلو قامت مقامك أمة سوداء [لأغنت] غناك. ثم صفّق بيده فشهر القوم سيوفهم وقصدوه. فآخر ما سمع منه أنه قال:
يا أمير المؤمنين [16 ب] استبقني لعدوك. فقال المنصور: وأيّ عدو لي أعدى منك.
وعلوه بالسيوف وقطعوه والمنصور ينشد وهو على تلك الحال:
زعمت أن الدين لا يقتضي ... فاكتل بما كلت أبا مجرم
واشرب كؤوسا كنت تسقى بها ... أمرّ في الحلق من العلقم
حتى متى تضمر بغضا لنا ... وأنت في الناس بنا تنتمى «89»
ثم أمر المنصور فلفّ في بساط. وكان عيسى بن موسى قد خرج لاستقباله وحين دخل إلى المنصور دخل معه. ثم إن عيسى بن موسى خرج من عند المنصور لبعض شأنه وأبو مسلم هناك وعاد فلم يره، فقال: يا أمير المؤمنين وأين أبو مسلم؟ فقال له المنصور: هو في ذلك البساط ملفوف. فقال عيسى بن موسى: أو فعلتها؟ قال:
نعم فعلتها نعم فعلتها نعم فعلتها يكرر ذلك ثلاث مرات وأنشد:
إذا همّ ألقى بين عينيه همه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
فقال عيسى: وما عذرنا إلى أهل خراسان؟ وكيف لنا بعذر يقبل الناس باطنه وظاهره، وخاصة وعلى باب السرادق أربعون ألف متسلح ينتظرون خروجه؟ فقال المنصور: يا عيسى إنه كان ما كان وقد كنت أعددت قبل وصوله سبعين بدرة في كل بدرة عشرة آلاف دينار وها هي فخذها واخرج إليهم فانثرها عليهم مع رأسه فإن القوم ما أطاعوه إلا تقرّبا إلينا ومحبة لنا. ففعل ما أمره به ونثر الدنانير عليهم مع رأس أبى مسلم فالتقطوا الدنانير [17 أ] وتركوا رأس أبى مسلم يتدحرج على الأرض.
ودخل عيسى بن موسى على المنصور وأخبره بذلك، فقام من ساعته وصعد المنبر واجتمع الناس وخطب فقال: معاشر المسلمين، إنه من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبء هذا الغمد وإن أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أن من نكث بنا حلّ دمه ثم نكث هو بنا فحكمنا عليه لأنفسنا عليه حكمه على غيره لنا ولم تمنعنا رعاية الحق له
(1/66)
________________________________________
من إقامة الحدّ عليه «90» .
وكان أبو مسلم يلقّب بصاحب الدولة واسمه عبد الرحمن، وكان لقيطا رباه رجل من أهل الكوفة. وإنما قيل له أبو مسلم الخراساني لأنه أقام كثيرا بخراسان «91» .
وحين أفضت الخلافة إلى بنى العباس كان هو والى خراسان. وكان رجلا عاقلا لبيبا حسن التدبير فصيح اللهجة كريما حليما.
حكى: أن رجلا دخل عليه وهو بخراسان في زمان إمارته فسأله في حاجة فتوقف، فألحّ عليه وأغلظ له في القول وقال له: يا لقيط. فأطرق أبو مسلم ولم يجبه وندم الرجل على ما بدر منه وخاف على نفسه وأخذ يعتذر ويتنصّل من هفوته. فضحك أبو مسلم إليه وقبل عذره وقال: ما تحتاج إلى هذا الاعتذار كلّه. فقال له: أيها الأمير ما يقرّ قلبي وإني لأخافك على نفسي فأعطنى أمانا أثق إليه. فقال له: يا هذا إذا كنت قد قابلتك بإحسان وأنت مسيء فكيف أقابلك بإساءة وأنت محسن؟ ومن شعر أبى مسلم لما ظهر أمر بنى العباس وانتشر بخراسان [17 ب] :
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بنى مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى علوتهم بالسيف فانتبهوا ... من رقدة لم ينمها بعدهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد «92»
وفي أول سنة ثمان وخمسين ومائة فرغ الإمام أبو حنيفة من بناء القصر المعروف بالخلد على دجلة وانتقل المنصور إليه «93» .
وفي هذه السنة حج المنصور بالناس وكان قبل خروجه قال للمهدي: إني سائر عنك وأرانى غير راجع فاقض عنى ثلاث مائة ألف درهم لا من بيت المال بل من مالك فإن الّذي يصل إليك من الأمر أعظم منها «94» . وكان سبب هذه الوصية أن المنصور رأى في منامه كأن منشدا ينشده «95» :
ما أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى دساكره
(1/67)
________________________________________
وبمن أذلّ الدهر مصرعه ... فتبرأت منه عشائره
وبمن خلت منه أسرّته ... وبمن عفت منه منابره
أين الملوك وأين عزّهم ... صاروا مصيرا أنت صائره
نل ما بدا لك أن تنال من ... الدنيا فإن الموت آخره
وتوفى المنصور في هذه السنة بالمدينة وكان في تلك الليلة التي مات في صبيحتها رأى في نومه كأن ذلك الشخص الّذي رآه في نومه «96» أيضا ببغداد ينشده [18 أ] :
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا شك واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجّم ... لك اليوم من حرّ المنية دافع
ودفن ببئر ميمون. وكان سنّه يوم مات أربعا وستين سنة، وكانت خلافته اثنتين وعشرين [سنة] . وكان مولده في أيام الوليد بن عبد الملك سنة خمس وتسعين من الهجرة وهو اليوم الّذي مات فيه الحجاج. ووزر له ثلاثة من الوزراء، أولهم خالد بن برمك وكان مجوسيا فأسلم، وكان داهية من الرجال، كافيا فصيحا حسن السيرة، ثم بعده أبو أيوب المورياني «97» ، ثم بعده الربيع حاجبه وكان لقيطا ولذلك قال له المنصور يوما- وقد قال لإنسان يقسم برأس أبيه دفعات-: إلى كم تحلف برأس أبيك يا ربيع؟ أنت معذور فإنك ما ذقت حلاوة الآباء «98» . إلا أنه كان كافيا حسن التدبير منفذا للأمور جلدا في حالتي الحجبة والوزارة.
وانقضت أيام المنصور- رحمه الله-.
(1/68)
________________________________________
أمير المؤمنين المهدي
هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس. بويع له بالخلافة حين وصل الخبر بوفاة المنصور. وأمه أم موسى بنت منصور «99» بن عبد الله الحميري. وكان المنصور أراد قبل موته أن يعقد البيعة بعد المهدي لابنه صالح المعروف بالمسكين. فوجّه إليه المهدي وقال له: يا أمير المؤمنين لا تحملني على قطيعة الرحم، وإن كان لا بدّ لك من إدخال أخى في هذا الأمر فأدخله قبلي [18 ب] فإن الأمر إذا صار إليّ أحببت أن لا يخرج عن ولدى كما أحببت حيث صار الأمر إليك أن لا يخرج عنى وبذلت ما بذلته لعيسى بن موسى وهو ابن أخيك حتى خلع نفسه من ولاية العهد بعدك «100» . فقال المنصور: الأمر كما ذكرت ورجع عن ذلك.
وحين جلس المهدي للعزاء ثلاثة أيام على العادة، جلس بعد ذلك جلوسا عاما للهناءة ودخل الناس على طبقاتهم. فحكى «101» بشّار، وكان أعمى، قال: كان إلى جنبي وأنا بالمجلس أشجع السلمي «102» الشاعر فقلت له: يا أشجع أسمع حسّا وأظنه حسّ أبى العتاهية فقال: هو كما ظننت. فقلت له: أترى يحمله جهله على أن يقوم وينشد في مثل هذا المجلس؟ قال بشّار: فو الله ما استتممت كلامي حتى قام وأنشد شعرا يشبّب بجارية الخليفة، وهو:
ألا ما لسيدتى ما لها ... أدلّت فأجمل إدلالها
وإلا ففيم تجنّت وما [قد] ... جنيت سقى الله أطلالها
فلما بلغ إلى قوله:
ألا إن جارية للإمام وقد ... سكن الحسن سربالها
وقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب باللوم عذّالها
كأن بعيني في أين ... ما نظرت من الأرض تمثالها
قلت: يا أشجع هل جروا برجله؟ فقال: لا بعد. قال: فلما بلغ أبو العتاهية إلى قوله [19 أ] :
(1/69)
________________________________________
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... وما كان يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوب ... ما قبل الله أعمالها
وكانت يد الجود مغلولة ... ففك الخليفة أغلالها
وإن الخليفة من بغض لا إليه ليبغض من قالها
قلت: يا أشجع هل طار الخليفة عن دسته؟ قال أشجع: لا ولكنه قد زحف حتى صار على طرف السرير. قال بشار: وأنشدنا بعده كلنا وما أصغى الخليفة إلى إنشادنا، وما خرج في ذلك اليوم منا أحد بجائزة غير أبى العتاهية. وكان المهدي أديبا شاعرا، ومن جملة شعره «103» ما كتب به إلى الخيزران أم أولاده موسى وهارون وهي بمكة:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودّى ... أنكم غيّب ونحن حضور
فأجدّوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
ومن شعره وقد دخل ميدان كسرى بالمدائن في يوم المهرجان:
إذا ما كنت في الميدان يوما ... أجوّل في السرور مع الغواني
خرجت كأننى كسرى إذا ما ... علاه التاج يوم المهرجان [1]
وفي أول خلافته قتل بشار الأعمى لأنه اتهم بالزندقة، فنفاه إلى البصرة فبلغه الخبر أن بشارا عمل في طريقه هذين البيتين [19 ب] :
خليفة يزني بعمّاته ... يلعب بالتبوك والصولجان
أعضه الله ببظر امه ... ودس موسى في حر الخيزران «104»
وأخبر المهدي بعض الثقات أنه رأى بشارا واقفا على باب المهدي والخلائق ينتظرون ركوبه وهو ينشد:
__________
[1] البيت منسوب لآدم بن عبد العزيز الآمدي في الوافي بالوفيات 5/ 294.
(1/70)
________________________________________
يا قوم لا تطلبوا يوما خليفتكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
«105» ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناى والعود
فأمر المهدي أن ينحدروا وراءه ويقتلوه، فانحدر إليه مولى للمهدي فلحقه في بعض الطريق في سفينة منحدرا إلى البصرة فحنقه ورماه في الماء.
قال أبو عبيدة «106» : ما رأيت قط أكرم من المهدي ولا أسمح خلقا منه. كان يصلى بنا الصلاة الخمس حين قدم البصرة بالجامع، فأقيمت الصلاة فقال أعرابى:
يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك. فوقف ينتظره إلى أن أقبل. فعجب الناس من كرم طبعه وفرط تواضعه.
وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان واستطاب المكان فأقام به ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه في مائة هودج ملبسة بالوشي والديباج وذلك في المحرم سنة تسع وستين ومائة وبقيت عنده يومين وهو فرح بها وبطيب الموضع وصفاء الزمان من الأكدار. فلما كان اليوم الثالث من قدومها حكى «107» [على بن يقط] ين قال: اليوم أكل المهدي وأكلنا معه [20 أ] ثم قال لي: أريد أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه لنفسي، ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا «108» واقفا على باب هذا البهو وهو يقول:
كأنى بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه دوره ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادى بويل معولات حلائله
قال عليّ بن يقطين: وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام «109» . وكانت وفاة المهدي بماسبذان في قرية يقال لها الرذ «110» لثمان ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة. فكانت خلافته عشر سنين وشهرا واحدا وستة وعشرين يوما. وكان سنه ثلاثا وأربعين سنة، وصلى عليه ابنه هارون.
(1/71)
________________________________________
وكان المهدي- رحمه الله- طويلا أسمر اللون تعلوه صفرة. وعادت قباب الخيزران «111» وهوادجها كلها إلى بغداد ملبسة بالمسوح. فحين رآها أبو العتاهية قال- رحمه الله تعالى-:
رحن في الوشي وأقبلن عليهنّ المسوح ... كل نطّاح على الدهر له يوما نطوح
لتموتن ولو عمّرت ما عمّر نوح ... فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح
وكان وزير المهدي في أول خلافته أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله بن يسار «112» . ثم بعده يعقوب بن داود ثم بعده الفيض «113» بن أبى صالح «114» «115» [20 ب] ثم انقضت أيام المهدي- رضوان الله عليه-.
(1/72)
________________________________________
أمير المؤمنين الهادي
هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور. توفى المهدي وهو بجرجان يحارب أهل طبرستان، فنفذ إليه أخوه هارون برأي يحيى بن خالد بنصير الوصيف ومعه الخاتم والقضيب والبردة بالتعزية والتهنئة «116» . فوصل إلى جرجان في ثمانية أيام.
وكان وصول موسى الهادي إلى بغداد بعد ثلاثة وعشرين يوما، وذلك في صفر من سنة تسع وستين ومائة. وكان يوم بويع له بالخلافة بجرجان يوم الخميس لثمان من المحرم من هذه السنة. وحين وصل إلى بغداد وجلس على سرير الخلافة وبايعه أخوه وأهله وبنو هاشم كلهم وأهل الحل والعقد أخذ يتعنّت أخاه هارون ويسومه خلع نفسه من العهد ليولى ابنه وكان له ابن صغير سماه «الناطق بالحق» وهمّ بقتل هارون إلا أنه منع من ذلك، وقيل له «117» : تقتل أخاك وابنك بعد لم يبلغ فإن حدث بابنك حادث ذهب الأمر من ولد أبيك. واستشعر هارون منه فما كان يأتيه ولا يسلّم عليه، ثم دخل الأولياء بينهما واصطلحا صلحا على دخل. وقد كان المهدي في حياته ولّى هارون المغرب كله من الأنبار إلى إفريقية. وأمر المهدي يحيى بن خالد بن برمك أن يتولى ذلك له ويخلفه عليه وكان موسى الهادي [21 أ] يتعنّت يحيى بن خالد وينسب ما يجرى من هارون من امتناعه عن خلع نفسه عن الخلافة إلى يحيى وكان يحيى مستشعرا منه جدا. وكانت أمه الخيزران مستشعرة منه لأنه نفذ لها أرزا مسموما «118» وفطنت له ولم تأكل منه وعلم أنها قد علمت بذلك فتمكّنت الوحشة واتفقت آراء الجماعة على الفتك به فسمّوه «119» في ليلة النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة. ونفذت «120» الخيزران حال وفاته إلى يحيى بن خالد تقول: أحضر ابني هارون إلى قصر الخلد، فأحضره في الحال. وكان بيت هارون في الجانب الشرقي، فبينا هو على الجسر لحقه خادم يخبره بولادة المأمون.
فيقال «121» : إنها ليلة مات فيها خليفة وجلس خليفة وولد خليفة. فكانت خلافة موسى الهادي سنة وشهرا وثلاثة عشر يوما ودفن بعيساباذ وصلى عليه أخوه
(1/73)
________________________________________
هارون. وكان «122» طويلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه. وكانت شفته قصيرة وكان فمه أبدا يكون مفتوحا فوكل به خادم في حال صغره كلما فتح فمه يقول له: موسى أطبق وكان يعرف، إلى أن مات، بموسى أطبق «123» .
وكان نقش خاتمه: «الله ثقة موسى وبه يؤمن» .
وكان أسمح الناس بما تحويه يده. حكى: أنه لما دخل بغداد، دخل إليه سلم الخاسر وأنشده «124» :
موسى المطر غيث بكر ثم انهمر ... وكم قدر ثم غفر خير البشر [21 ب]
فرع مضر بدر بدر لمن نظر ... هو الوزر لمن حضر والمفتخر لمن غبر
فأمر له بمائة ألف درهم. وهو أول من وصل بذلك. وهي أول مائة ألف وصل بها شاعر في ولد بنى العباس.
وحكى: أن أعرابيا «125» دخل إليه وأنشده:
يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلّدته أمرها مضر
فقطع عليه وما تركه يتم وقال له: إلّا من؟ ويلك! فقال الأعرابي:
إلا النبي رسول الله إن له ... فخرا وأنت بذاك الفخر تفتخر
فأعجبته بديهته وقوله، وأمر له بمائة ألف درهم «126» . ومات وعلى شرطته عبد الله بن مالك الخزاعي، وعلى قضائه أبو يوسف تلميذ الإمام أبى حنيفة، وعلى حجبته الفضل بن الربيع، وعلى حرسه عليّ بن عيسى بن ماهان. ووزيره الربيع بن يونس ويخلفه عمر بن بزيع «127» . وكان إلى عمر الأزمة. وعلى ديوان الخاتم والبريد على بن يقطين.
وانقضت أيام الهادي- رحمة الله عليه-.
(1/74)
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

أمير المؤمنين الرشيد
هو أبو جعفر، هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس.
مولده بالريّ سنة ثمان وأربعين ومائة «128» . [أمه الخيزران أم أخيه. وما ولدت امرأة خليفتين من [22 أ] ولد العباس غيرها «129» .
وقيل: إن ابتداءه في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، وانتهاءه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. عمره خمس وأربعون سنة. ومدّة نظره ثلاث وعشرون سنة.
نقش خاتمه: باللَّه يثق هارون] [1] «130» .
وكان مولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام فأرضعته أم الفضل وهي زينب «131» بنت منير.
وبويع له ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة.
واستوزر يحيى بن خالد لوقته. وفيهما قيل «132» :
ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جلالا يملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
وكان الرشيد يغزو عاما ويحج عاما. وفيه يقول ابن أبى السعلى «133» :
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمرّ ... وفي أرض الثنيّة فوق كور
وكان يحج على ناقة والحادي يحدو ويقول بين يديه «134» :
أغيثا تحمل الناقة ... أم تحمل هارونا
__________
[1] ما بين الأقواس لم يرد في نسخة فاتح فلعله أسقط منها أو أضيف إلى نسخة لا يدن.
ولعل هذه الزيادة كانت في حاشية النسخة التي انتسخت نسخة لا يدن منها فأضافها الناسخ إلى المتن جهلا وغفلة.
(1/75)
________________________________________
أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا
ولما حج الرشيد في سنة ست وسبعين ومائة بايع لابنه محمد بالعهد ولعبد الله بعده ولقّب محمدا بالأمين وعبد الله بالمأمون وكان المأمون أكبر سنّا وهمة وأرجح عقلا وعلما وتهدّيا إلى الأمور. وإنما قدّم عليه محمدا لأن أم محمد كانت أم جعفر زبيدة [22 ب] بنت جعفر بن المنصور بنت عم الرشيد. فقدم ولدها تقربا إليها وشرط عليهما إن حدث به الأمر المحتوم أن تكون بغداد والعراق والحجاز واليمن والجبال وفارس بحكم الأمين وهو الخليفة وأن تكون الرىّ وطبرستان وخراسان والسند والترك بحكم المأمون ويكون ولىّ العهد للمسلمين. وكتب بذلك كتابا «135» وأشهد فيه أكابر أهل الإسلام ووجوه الكتّاب والقوّاد وسائر أركان الدولة وعلّقه في الكعبة فسقط من ساعته فقال الناس: هذا الأمر لا يتم «136» . وكان كما قالوا على ما سيأتي ذكره وشرحه.
وحين عقد البيعة لهما دخل إليه أعرابى «137» في غمار الناس فأنشده أبياتا يهنّئه فيها بتمام الأمر. وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: يا أعرابى سمعت مستحسنا ثم اتهمتك منكرا، فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل فيهما أبياتا، وأومأ إلى الأمين والمأمون، وكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال الأعرابي: ما أنصفتنى يا أمير المؤمنين. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قال الأعرابي: هيبة الخلافة وقهر البديهة وروعة الامتحان ونفور القوافي عن الرويّة. فقال المأمون: قد جعلنا حسن اعتذارك بدلا من امتحانك. فقال الأعرابي: الآن نفّست خناقى ببسطك لي وحديثك معى وأنشأ يقول:
بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها [23 أ]
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقام الرشيد قائما لما لحقه من الطرب وقال: سل يا أعرابى قال: مائة ألف درهم «138» .
فقال الرشيد، يمازحه: أنقصنا منها شيئا. فقال الأعرابي: قد حططتك منها ألفا.
(1/76)
________________________________________
فقال له الرشيد: ما أقل هذه الحطيطة؟ فقال له الأعرابي: يا أمير المؤمنين قلت لي سل فسألت على قدرك ثم قلت لي حط فحططت على قدري. فقال الرشيد: أعطوه مائتي ألف لشعره ومائة ألف لحسن كلامه.
وحكى «139» إسحاق الموصلي قال: ما رأيت أكرم طبعا من الرشيد، دخلت يوما عليه فأنشدته: هذه الأبيات من شعرى:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال خيرا أن يقال منيل
عطائي عطاء المكثرين تكرما ... ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال لي: لا تخف، للَّه درك وللَّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة. قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى فقال: وهذا [23 ب] الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى «140» .
فأحضرت في الحال عشرون بدرة فيها مائتا ألف درهم وسلمت إليّ. وكان الأصمعي حاضرا فتغيّر وجهه وعرف الرشيد منه ذلك فقال: يا أصمعى، أبو محمد تلميذك ومن بحرك يغترف وأنت شيخ الكلّ وأستاذهم. فقال: يا أمير المؤمنين ولكنه أحذق بصيد الدراهم منى. فضحك الرشيد وقال: أعطوا الأصمعي مائة ألف درهم فأحضرت وسلمت إليه. فقال الأصمعي: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» 4: 11 فضحك الرشيد وقال:
أعطوا الأصمعي مائة ألف أخرى.
وحكى إسحاق أيضا قال: كنّا يوما عند الرشيد في خلوة فدخل عليه الأصمعي وكان يعلّم ولديه الأمين والمأمون وكان يوما شديد الحر فقال له الرشيد: يا أصمعى
(1/77)
________________________________________
ضع قلنسوتك فقد مسّك الحر. فوضع قلنسوته. فقال له الرشيد: يا أصمعى علا رأسك الشيب فقال: نعم يا أمير المؤمنين هو أول الميتين. فقال: تغار على قول زيد «141» ابن عليّ بن الحسين حيث يقول؟ قال: ماذا يا أمير المؤمنين يقول؟ قال:
قد تعجّلت أول الميتتين ... بمشيب القذال والعارضين
فتنبّه فشيبك الأجل الأول ... والموت آخر الأجلين
من يرجّى الخلود والموت بالمرصاد ... للمرء كلّ طرفة عين
لا يغرّنك اجتماع من الشمل ... تراه كل اجتماع لبين [24 أ]
فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في استفادة هذه الأبيات؟ فقال الرشيد: نعم، اكتبوا كل بيت على رأس بدرة واحملوها إليه.
وكان الرشيد فقيها أديبا شاعرا حلو النظم. ومن شعره في ثلاث جوار كنّ له:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه غلبن أعزّ من سلطاني «142»
[1] وله في جارية غاضبها ثم صالحها:
دعي عدد الذنوب إذا التقينا ... تعالى لا نعدّ ولا تعدّى
فأقسم لو مددت بحبل وصلى ... إلى نار الجحيم لقلت مدّى
وله في جاريته ماردة أم المعتصم:
وإذا نظرت إلى محاسنها ... فلكل موضع نظرة نبل
وتنال منك بسهم مقلتها ... ما لا ينال بحدّه النصل
شغلتك وهي لكل ذي بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
ولقلبها حلم يباعدها ... من ذي الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل «143»
__________
[1] أبيات الرشيد في الأغاني 16/ 345، نظم النثر للثعالبي (القاهرة 1317) 160.
(1/78)
________________________________________
وكان للرشيد ولد صغير اسمه القاسم، كان في حجر عبد الملك بن صالح الهاشمي يربّيه. فلما كبر وترعرع كتب عبد الملك إلى الرشيد:
يا أيها الملك الّذي ... لو كان نجما كان سعدا
للقاسم اعقد بيعة ... واقدح له في الملك زندا [24 ب]
الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا «144»
فعقد الرشيد للقاسم البيعة بالرقة وسماه المؤتمن وجعله ولىّ العهد بعد المأمون وجعل له بعد موته الشام والجزيرة ومصر والمغرب. ومات القاسم «145» في حياة الرشيد.
وكان حين عقد البيعة قال أبو العتاهية من قصيدة طويلة:
وشدّ عرى الإسلام منهم بفتية ... ثلاثة أملاك ولاة عهود
هم خير أولاد لهم خير والد ... له خير آباء مضت وجدود
يقلّب ألحاظ المهابة فيهم ... عيون ظباء في قلوب أسود
تعلق ضوء من محاسن وجهه ... بحرّ عرانين لهم وخدود «146»
ولما مات المؤتمن بقي العهد في الأمين والمأمون.
ولما دخلت سنة سبع وثمانين نكب الرشيد البرامكة وكانت لذلك أسباب منها:
استيلاؤهم على الدولة وتغلبهم على الدنيا بالكلية، ثم تزويج جعفر بأخت الرشيد «147» بغير علمه وأمور أخرى قد حكيت، فإن كان لها صحة فقد قوبلوا عليها في الدنيا باستباحة الدم والمال والله تعالى لا يغفل في الآخرة عن أمثالها. وإن لم يكن لها صحة فلا فائدة من ذكرها.
ولما تغيّر الرشيد على جعفر قال جعفر لإبراهيم بن المهدي، وكان يحبه حبّا شديدا، إني أرى من أمير المؤمنين تغيّرا، ومن الصواب أن أبعد عنه شخصي، أفترى لي من الرأى أن أطلب منه أن يوليني خراسان وأخرج إليها وأقيم بها مدة أطرى بها نفسي وأجدد حرمتي؟ وقد كان أخوه [25 أ] الفضل وليها قبله وبان من كفايته وشهامته ما حمد أثره فيها. فقال له إبراهيم بن المهدي: يا حبيبي، أما تغيّره عليك فإنّي تفطّنت
(1/79)
________________________________________
له قبلك. أما كنت تراه يجدّ إذا هزلت ويهزل إذا جددت؟ وأما خروجك إلى خراسان فهو عين الصواب فخاطبه فيه ومنى لك المساعدة. فخاطب الرشيد في ذلك فأجابه إليه ليستريح من تحكّمه في دولته وتسحّبه عليها.
وحين استقر الأمر في مسيره جرى بين جعفر وبين مسرور السّياف ملاحاة في أمر فقال له: يا حجّام يا مخنث فقال مسرور: لو لم أكن كما قلت ما خنت مولاي مذ عشر سنين تقربا إليك. وعلم جعفر مقصوده فليّن له الكلام واعتذر إليه وطيّب نفسه ووعده بمائتي ألف دينار يوصلها إليه قبل خروجه. ثم دسّ عليه من وقته من يغتاله ويقتله وفطن مسرور لذلك من بعض الجهات فدخل على الرشيد وطلب خلوة، وقال «148» :
يا مولاي أنا صاحب سيفك قد جعلتني أمينا على حرمك وقد حدث في دارك حادث ولا بدّ لي من إعلامك به إن أذنت. قال: قل. قال: أختك ميمونة تزوّج بها جعفر من عشر سنين وولدت له ثلاثة بنين الأكبر ابن سبع سنين والأوسط ابن ست والأصغر ابن أربع. وقد نفذ بهم إلى مكة وهم ينتظرون بك الدوائر. وما أبقى في دارك جارية ولا خادما «149» إلا وارتكب معه المعصية. وكلما ذكرت له قال:
أراحنا الله من نذالة بنى هاشم. وقد بذل لي مائتي ألف دينار وسألني كتمان ذلك عليه. وقد كان من سبيلي إطلاعك على هذه الأمور [25 ب] حال تجددها إلا أنى كنت أخاف أن ألقاك بمثل ذلك وأقول لعلك تطّلع عليه من جهة غير جهتي وإلا فحيث صمم العزم على خروجه إلى خراسان فأخاف أن يحدث منه في الدولة حادث يعسر تلافيه. فقال له الرشيد: امض إليه برسالتي وقل له يتوقف أياما حتى تصل الفيوج «150» من خراسان بما يتجدد من الأخبار هناك. فمضى إليه برسالة الرشيد يأمره بالتوقف فتوقف واستشعر وأرجف الناس به حتى إن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: دخلت يوما على الرشيد فقال لي: يا إسحاق بماذا يرجف العامة؟ قلت: أراهم يتحدثون بإرجاف الفضل بن الربيع بالبرامكة وأنه يلي مكانهم. فقال لي: أبلغ من أمرك أن تدخل فيما بين هؤلاء؟ وغضب، ثم قال: إياك وما أشبه هذا وصرف وجهه عنى
(1/80)
________________________________________
وأنا أعلم يقينا أنه ما سألني إلا لأخبره بمثل ذلك. فعملت هذين البيتين في الحال وغنّيته بهما:
إذا نحن صدقناك ... فضرّ عندك الصدق
طلبنا النفع بالباطل ... إذ لم ينفع الحق
[1] فضحك وقال لي: صرت حقودا يا ابن الخبيثة؟
ثم إن جعفر بن يحيى جمع المنجّمين وأخذوا له الطالع للخروج إلى خراسان واتفقوا على اختيار يوم السبت السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وثمانين ومائة. ولما كان في ليلة السبت كان عند الرشيد ينادمه. وكان إذا ركب يركب معه أربعة آلاف ومن عسكر الرشيد [26 أ] أكثر منهم ومن عسكر خراسان الذين كانوا مقيمين بالحضرة خلق عظيم. ولما سكر خرج من دار الرشيد عائدا إلى داره وهم معه، فلما دخل داره تفرقوا وجلس في داره مع خواصّه وجماعته ممن كان ينادمهم في الخلوة. وجمع وكلاءه ونوّابه وكان يوصيهم بما يعتمدونه بعد خروجه في أملاكه وأسبابه والرشيد قد وكلّ به من يعلمه بخبره، فأخبر الرشيد أنه قد بقي وحده وتفرّق الجند عنه فأمر الرشيد مسرورا «151» السّياف بضرب خيمة كبيرة في وسط صحن الدار ففعل ثم أمره باختيار أربع مائة غلام من خواص مماليكه فاختارهم ثم أمرهم بحمل السلاح وإدخالهم الخيمة ثم قال لمسرور: امض الآن إلى جعفر وقل له عنى قد وصلتني الخرائط وفيها أخبار بنى رافع الخوارج وما جرى منهم في أعمال ما وراء النهر وكنت قد ودّعتنى وما شبعت من توديعك فأحب أن تصير إليّ حتى أودعك ثانيا وأوقفك على الكتب الواصلة. فإذا جاء معك فاعدل به إلى الخيمة وخذ رأسه وجئني به ولا تراجعني فيه. قال مسرور: فمضيت إلى دار جعفر ولم يبق فيها سوى الخواص من خدمه والخصيان وعدة من المماليك الصغار. فسألت عنه أنائم هو؟ قيل: لا ولكنه جالس في البيت الفلاني وعنده أبو زكّار الأعمى القوّال يغنّيه فقصدت البيت الّذي كان فيه
__________
[1] الأبيات في الأغاني 5/ 398، فوات الوفيات 2/ 617.
(1/81)
________________________________________
فحين حصلت على باب البيت سمعت أبا زكّار الأعمى يغنّيه [26 ب] :
يا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا «152»
وهو يقول له: يا بارد أيش هذا مما يتغنى به؟ وأبو زكّار يقول له: وكان منبسطا عليه، البارد والله من قد قتلنا منذ شهرين بهذا الاستشعار الفاسد، بقي لك أمر تخاف أو تستشعر منه وقد ودّعت الخليفة وأنت بكرة على رأس الطريق؟ قال:
فتوقفت بقدر ما فرغوا من الكلام وابتدأ أبو زكّار في الغناء ثم هجمت عليه وسلمت فقال لي: ما الّذي جاء بك؟ فأديت إليه رسالة الرشيد فقال لي: الآن جئت وأنا والله تعبان وسكران وقد اختاروا لي الطالع الفلاني وركوبي يكون وقت السحر وبيني وبين الخليفة شقة بعيدة وأحتاج إلى عبور دجلة ولى أيضا مهمات لخاصتى أحتاج إلى تحريرها قال مسرور: فقلت له: يا سيدي دع عنك هذه الأعذار فإن الّذي يستدعيك مولاك الخليفة ولا بدّ من الانتهاء إلى أمره وأراك تخاطبه بمثل ما تخاطب به الأمثال. فقال لي: يا أسود يا حجّام وبلغ من أمرك أن تخاطبني بهذا؟ فقلت له:
يا سيدي أنت تعلم أن الخليفة لا يفرّق بينك وبين أعزّ إخوته بل ربما فضّلك عليهم وقد استدعيتك إلى داره «153» دفعات ليلا ونهارا، فبادر مسرعا من غير عذر وبعد هذا فأنت أخبر، وإنما عليّ البلاغ. وأخذت ألين له في الكلام لئلا يفطن وأبو زكّار يعاوننى إلى أن أجاب وقال لأبى زكّار: تم على ما أنت حتى أعود إليك ونهض وخرج من باب الدار وركب فرس النوبة وليس معه أحد سوى ثلاثة خدم صغار [27 أ] وأنا، ومضى وأنا معه وعبرنا على الجسر حتى انتهينا إلى دار الخلافة «154» فدخل من باب الشط وأنا معه فلما انتهينا إلى صحن الدار أخذ في صوب باب الحجرة التي يكون فيها الرشيد. فقلت له: يا سيدي على يمينك قليلا. فقال لي: ما الّذي أصنع هناك؟ ثم التفت فرأى الخيمة مضروبة ونظر إليّ وتغيّر وجهه وندم على ركوبه. ثم قال لي: يا أخى مسرور هل فيك موضع لاصطناعى؟ فقلت له: أنت ما كنت ترفعني وتخفضني إلا بالأسود الحجّام والآن أنا أخوك؟ ولكن يا جعفر
(1/82)
________________________________________
ما غيّر الله نعمة على عبد إلا باستحقاق وليس الله بظلّام للعبيد وإن الله يمهل ولا يهمل ولقد أملى الله لك ولأهل بيتك لا رضى بفعلك ولكن ليزيد إثمك وعقابك، وأنا أقول له ما أقول ونحن نمشي نحو الخيمة وهو ينصت إلى كلامي ولا يجيب بشيء حتى إذا صرنا إلى الخيمة وأحسّ بنا القوم الذين بها نهضوا فأحس بقعقعة السلاح فبكى وبكى الجماعة لبكائه حتى أبكانى مع انحرافى عنه وعداوتي له.
ودخل الخيمة فرأى النطع مبسوطا وسيفي ملفوفا في منديل فأخذت سيفي وجذبته من غمده وأمرت خادما كان معى بأن ينزع ثياب جعفر فنزعها عنه وتركه بغلالة كتان وهو ينتحب وينوح على نفسه. ثم قال لي: يا حبيبي لو عاودته في أمرى وأكبّ على يدي يقبّلها. فقلت له: قد أمرنى أن لا أعاوده، فتشفّع إليّ الغلمان بأسرهم أن أعاوده. فقمت وقصدت الحجرة التي فيها الرشيد فحين أحس بوطء قدمي في الدهليز قال: مسرور؟ قلت لبّيك يا أمير المؤمنين. قال: [27 ب] جئت برأس جعفر قلت: لا ولكنى جئت لأستأذنك مرة أخرى، فصاح بأعلى صوته: لا تريني وجهك وعد من حيث جئت وائتني برأسه، وأنا نفى من المهدي إن لم تجئنى برأسه نفذت في ساعتي هذه من يجيئني برأسك، فعدت إلى جعفر وأخبرته الخبر فتشاهد وقال:
أمهلنى أصلى ركعتين فإذا سجدت السجود الأخير فشأنك وما تريده. فقلت: ذاك لك. فقام وصلى فلما بلغ إلى السجود الأخير كان يبكى والجماعة يبكون لبكائه فضربت عنقه ضربة أبنت بها رأسه عن بدنه وأخذت رأسه ووضعته في طشت «155» ذهب ووضعته بين يدي الرشيد، فحين رآه قال: قرّبه منى فقربته منه فكان يقول له: يا جعفر أما فعلت بك كذا، أما صنعت كذا، وأنت قابلتنى بكذا، وأنا واقف وهو هكذا يعاتب الرأس لم تنم عينه إلى الفجر. وكان الرشيد عند حصول جعفر في الدار نفذ السندي بن شاهك، وهو أحد القواد الكبار، إلى دار يحيى بن خالد وإلى دار الفضل فقبض عليهما وأوقع النهب والغارة في دورهما. وكان السندي بن شاهك عدوّا للبرامكة.
(1/83)
________________________________________
ولما أصبح الصباح أمر الرشيد السندي بن شاهك أن يصلب رأس جعفر على أحد جسور بغداد وأن يقطع بدنه قطعتين ويصلب على الجسرين الآخرين ففعل ذلك.
وكان السندي في ليلة السبت قد دخل على جعفر مودّعا وأراد أن يستلّ ما في نفسه من بغضه فقال له جعفر: إلى الآن ما جازيتك بفعلك وإن أمهل [28 أ] الله في الأجل أقمت فيك وفي أمثالك السياسة. فقال له السندي: يا مولانا وأيّ ذنب لي وأي سياسة تقام عليّ؟ فقال له جعفر: سياسة مثلك أن تقطع ثلاث قطع وتصلب على ثلاثة جسور. فخرج من عنده وهو ميت في جلده.
وفي بكرة يوم السبت قطع السندي بدن جعفر قطعتين وصلبه على ثلاثة جسور مع رأسه وانقلب ما كان ذكره جعفر للسندى عليه.
وحكى السندي قال: بقي بدن جعفر ورأسه مصلوبا إلى وقت العصر ثم أمر الرشيد بإحراقه فأحرق «156» . قال: فدخلت في ذلك اليوم إلى الديوان لبعض مهامى فرأيت روزنامجا في يد بعض الكتّاب فتأمّلته وإذا فيه: «في يوم الجمعة شرف [جعفر بن] يحيى بن خالد بخلعة قيمتها أربع مائة ألف دينار» وتحته مكتوب، في تلك الورقة:
«وفي عشية يوم السبت أطلق لثمن بواري ونفط أحرق بها جعفر أربعة دراهم» فتعجبت من ذلك وسألت الله تعالى العافية وحسن العاقبة «157» .
ثم إن الرشيد أمر بإحضار أولاد جعفر من الحجاز وأهلكهم وأهلك أمّهم وقيل: إنه أحرقهم وقال: النار ولا العار «158» .
وأما ما كان من أمر الفضل فإنه قتل في الحبس «159» وأما يحيى فبقي مدة في الحبس وطمع في الحياة بعد أولاده فكتب إلى الرشيد القصيدة «160» المعروفة التي منها:
قل للخليفة ذي الصنائع والعطايا الفاشية ... وابن الخلائف من قريش والملوك الهادية [28 ب]
إن البرامكة الذين رموا لديك بداهية
(1/84)
________________________________________
عمّتهم لك سخطة لم تبق منهم باقيه ... بعد الإمارة والوزارة والأمور العالية
وهي طويلة يقول في آخرها:
يا عطفة الملك الرضىّ عودي علينا ثانيه
فكتب الرشيد في جوابه «161» :
يا آل برمك إنما كنتم ملوكا عاتيه ... فطغيتم وكفرتم وجحدتم نعمائيه
هذا الجزاء لمن عصى معبوده وعصانيه
ثم كتب تحت الأبيات: «ضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ... 16: 112 الآية» «162» إلى آخرها. فلما قرأ يحيى الأبيات أيس من نفسه، وسمّوه بعد ذلك بأيام.
ولما أحس بالسم أدخل يده في دواة كانت عنده ورفع المداد على إصبعه وكتب على الحائط: «قد تقدم المدعى والمدعى عليه على الأثر والحاكم لا يحتاج إلى بيّنة» «163» .
وانقضت دولة البرامكة وزال ملكهم، فسبحان من لا يزول ملكه، وفيهم يقول القائل «164» .
يا بنى برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبله
كانت الدنيا عروسا بكم ... وهي الآن ثكول أرمله
وللرشيد «165» حين قتل جعفر:
لو أن جعفر هاب أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمرّ ملجم
ولكان من حذر المنية حيث لا ... يسمو لموضعه العقاب القشعم [29 أ]
لكنه لما أتاه يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجّم
وقيل فيهم لما تقلد بعدهم الفضل بن الربيع وزارة الرشيد:
كل وزير أغير مرتبة ... من بعد يحيى مشف على غرر
صالت عليه من الزمان يد ... كان بها صائلا على البشر
(1/85)
________________________________________
وقال آخر «166» :
ما رعى الدهر آل برمك لما ... [أن] رماهم بكل أمر فضيع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيى ... غير راع حقّا لآل الربيع
ثم إن أمور الرشيد بعد البرامكة اضطربت وندم على ما فرط منه في أمرهم حيث لم تنفعه الندامة وقوى أمر بنى رافع الخوارج بخراسان واختلت أمور الحضرة وخلت بيوت الأموال. ثم إن الرشيد عوّل على قصد خراسان بنفسه، ولما صمّم عزمه على ذلك رأى في المنام «167» كأن يدا سوداء قد خرجت من تحت سريره وفيها كف تراب أحمر وكأن صاحب تلك الكف يقول له: يا هارون هذه التربة التي تدفن بها وهي بطوس. فارتاع من ذلك وأراد إبطال العزيمة وما تهيأ له ذلك لأنه ما كان يتم صلاح خراسان إلا بقصده لها بنفسه. فخرج على كره منه، فلما صار إلى حلوان مرض ووصف له الطبيب الجمار وكان على باب حلوان نخلتان متقاربتان فأمر بقطعهما وأكل جمّارهما. فدخلت إليه في ذلك اليوم جارية مغنية كان استصحبها معه فأمرها بالغناء فابتدرت تغني [29 ب] :
أسعدانى يا نخلتى حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان
واعلما ما بقيتما أن نحسا ... سوف يأتيكما فتفترقان «168»
[1] فقال الرشيد: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، 2: 156 أنا والله كنت النحس وتطيّر من ذلك وما زال يردّد البيتين إلى أن وصل إلى خراسان. وحين وصل إليها اشتدت علّته في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وانهزم بنو رافع من بين يديه وما أمكنه أن يتبعهم بنفسه لاشتداد مرضه فنفذ العساكر وراءهم فهزموهم وجاءوا بهم أسرى فأمر بالاحتفاظ بهم.
ولما كان في بعض الأيام والرشيد بطوس نصب له سرير على بستان في الدار التي نزل بها فقال لبعض الخدم: أرنى تربة هذا المكان، فمد يده وقبض على حفنة من التراب وأخرجها من تحت السرير ليراها الرشيد فحين فتح أصابعه قال الرشيد:
__________
[1] ورد ذكر النخلتين في شعر أبى نواس في الأوراق للصولي 11، وانظر الأغاني 13/ 331- 335
(1/86)
________________________________________
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156 فنيت والله الأيام وانقضت المدة، هذه والله تلك اليد التي رأيتها في منامي. وآيس من نفسه. ثم أمر فأخرجت المضارب إلى الصحراء وعسكر بباب طوس وبقي أياما. وكان يحب من الثياب الخز وكان قد وصله في تلك الأيام من العراق ألف ثوب خز كلها أسود كان أمر باستعمالها، بعضها لأجل الكسوة وبعضها لأجل المضارب وبعضها لأجل الفرش وأمر بتفصيلها وخياطتها واتخذ منها سرادقا وخيمة كبيرة «169» . وكان حين اشتد به الأمر خاف أن يموت ويتخلص بنو رافع من [30 أ] الحبس ويخرجون على أولاده. فأمر يوما بإحضارهم فدخلوا عليه يحجلون في قيودهم وهو في خيمة كبيرة من الخز الأسود وتحته مطرح خز أسود وهو متكئ على مخادّ خز أسود وفرش السرادق والخيمة كله من الخز الأسود وعلى بدنه عدة جباب بعضها فوق بعض كلها من الخز الأسود وعلى رأسه عمامة خز أسود، فأخذ يذكّرهم بأفعالهم ويوافقهم على ما صدر منهم من إخراب خراسان واقتطاع الأموال وظلم الرعية وهو يحدثهم وهو في النزع ثم أمر بالأكبر منهم وكان رئيسهم ومقدمهم فسلخ جلده وحين انتهى السلخ إلى سرته مات فخرجت روحه وروح الرشيد في وقت واحد «170» وذلك في يوم السبت ثانى جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكان للرشيد في ذلك اليوم خمس وأربعون سنة وشهور. وكان قد أمر بجميع ما معه من المضارب والأسلحة والجواهر وسائر ما كان في الخزائن للمأمون وكان في صحبته «171» ، وقال: إن لي ببغداد مثل ما معى ها هنا وأكثر فيكون ذلك للأمين. إلا أن الفضل ابن الربيع غلب المأمون على ذلك وأخذ الجميع وعاد به إلى بغداد. وكان ذلك أول استشعار الفضل بن الربيع من المأمون لتقبيحه عليه وأسرّها المأمون في نفسه.
وحين واروه ودفنوه، صعد المأمون منبر طوس وحمد الله وأثنى عليه وذكر المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- وأصحابه الأكرمين بعده [30 ب] ثم ترحم على الرشيد ودعا لأمير المؤمنين محمد الأمين وأخذ البيعة لأخيه بالخلافة وله بولاية العهد بعده وقام إنسان «172» فأنشده:
(1/87)
________________________________________
لقد أصبحت تختال في كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر
ولو لم تسكّن باسمه بعد موته ... لما برحت تبكى عليه المنابر
وانصرف الفضل بن الربيع بتلك المضارب السود وبسائر ما كان مع الرشيد إلى العراق وسلّمه إلى محمد الأمين وحين انصرفوا بمضاربه إلى بغداد رئي على عمود من أعماد الخيم مكتوب:
منازل العسكر معمورة ... والمنزل الأعظم مهجور
خليفة الله بدار البلى ... يسفى على أجدائه المور
أقبلت العير تباهي به ... وانصرفت تندبه العير
(1/88)
________________________________________
أمير المؤمنين الأمين
هو أبو عبد الله، محمد بن هارون وأمه زبيدة، واسمها أمة العزيز وإنما زبيدة لقب وقع عليها وهو أن جدّها المنصور كان يحبها وكانت بيضاء سمينة فكان يقبّلها ويرقّصها ويقول لها: أنت زبيدة، فعرفت بذلك. وكنيتها أم جعفر، ولم يتول الخلافة هاشمي الأبوين إلا عليّ بن أبى طالب، أمير المؤمنين- صلوات الله عليه وسلامه- ومحمد الأمين. فإن أم أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه- فاطمة بنت أسد بن هاشم «173» . وأم محمد الأمين، زبيدة بنت جعفر بن المنصور.
ووصلت الخلافة إلى محمد الأمين قبل وصول الفضل بن [31 أ] الربيع مع رجاء الخادم «174» كان نفذه الفضل من الطريق فوصل ليلة الخميس النصف من جمادى الآخرة فكتم الأمين هذا الخبر يوم الخميس وتحوّل ليلة الجمعة من قصر الخلد إلى مدينة المنصور وأظهر وفاة الرشيد يوم الجمعة وخطب بالناس وصلّى بهم الجمعة. ولما خطب حمد الله وأثنى عليه ونعى الرشيد وعزّى نفسه وعزّى الناس عنه ثم أخذ البيعة له بالخلافة ثم نزل من المنبر «175» وما عاد رقاه بل اشتغل بلذّاته وأخذ ينهمك في الشرب وأساء التدبير في جميع الأمور حتى نفذ إلى المأمون يسومه النزول عن الرىّ وعن بعض كور خراسان التي كان أبوه في حياته ولّاه إياها. ثم نكث العهد الّذي عاهد أخاه عليه فجعله من العهد وبايع بالعهد لولده موسى وكان طفلا «176» . ثم نفذ إلى المأمون يأمره بالقدوم عليه فما امتثل أمره فنفذ إلى محاربته عليّ بن عيسى بن ماهان في أربعين ألف مقاتل. وكانت زبيدة تحب المأمون لنجابته وعقله وبرّه بأهله فنفذت إلى عليّ ابن عيسى بن ماهان قيدا من ذهب وقالت «177» : إن ابني محمدا الأمين أمرك أن تجيئه بعبد الله المأمون مقيدا وأنا أعزّه وهو عندي بمنزلة محمد فإذا قبضت عليه فلا تقيّده بقيد من حديد بل بهذا. قال: السمع والطاعة. ثم خرج من بغداد يطلب خراسان وحين سمع المأمون بذلك ندب لمحاربته طاهر «178» بن الحسين فلقيه بالريّ فكسر طاهر عليّ ابن عيسى واستباح عسكره وقتله. وكتب إلى المأمون على البريد رقعة [31 ب]
(1/89)
________________________________________
لطيفة فيها: «كتبت هذه الرقعة ورأس عليّ بن عيسى بين يدىّ وخاتمه في إصبعي وأنا منه لخبر لا معتدّ بأثر» «179» فحين وصلت الرقعة إلى المأمون وقرأها استحسن بلاغته واختصاره وقال لمن كان حاضرا عنده: سيجيء كتاب الفتح في طوامير ولا يكون فيه هذه البلاغة. وكان كما قال.
وحين نفذ الرأس إلى المأمون [كتب] يستأذنه فيما يعتمده بعد ذلك [ف] أمره المأمون أن يتوجّه إلى بغداد ويأتيه بأخيه محمد الأمين مقيدا كما أمر الأمين عليّ بن عيسى أن يعتمده في حقه. وحينئذ صعد المأمون المنبر وكان بمرو وخلع أخاه وذكر نكثه وغدره وفسقه وفجوره ودعا إلى نفسه فبايعه الناس. وكتب إلى طاهر بن الحسين عهدا بولاية خراسان وسائر بلاد المشرق وعقد له لواء ذا شعبتين ولقبه ذا اليمينين «180» .
وفيه يقول الشاعر:
يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة
وحين وصل الخبر بهزيمة [عليّ بن] عيسى وأسره وقتله إلى محمد الأمين وتوجه طاهر بن الحسين إلى بغداد كان على شاطئ دجلة يصطاد سمكا مع جماعة من الخدم وكان فيهم خادم يسمى «كوثرا» كان يعشقه. فقال: دعوني من صداع العسكر ومن هزم منهم ومن قتل، كوثر اصطاد ثلاث سمكات وما اصطدت إلا سمكتين «181» .
وفي هذا الخادم يقول الأمين:
ما يريد الناس من صب بمن يهوى كئيب [32 أ] ... أظلم الناس الّذي يلحى محبّا في حبيب
كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي «182»
ولما كان بعد أيام قلائل جاء طاهر بن الحسين وحاصر الأمين ببغداد، ودرست محاسن بغداد في ذلك الحصار واستولى طاهر على جميع محال بغداد ولم يبق شيء سوى الخلد الّذي كان الأمين ينزل فيه وهو مع ذلك لا يفيق من الشراب لحظة.
حكى «183» أن كوثرا خرج يوما يبصر الحرب فوقع فيه سهم فجاء إلى الأمين والدم
(1/90)
________________________________________
يسيل على وجهه فقام إليه يقبّل موضع الجرح ويمسحه بكمه ويقول:
ضربوا قرّة عينىّ ... ومن أجلى ضربوه
أخذ الله لقلبي ... من أناس أوجعوه
ثم قال للمغنين غنوا بها، ثم أراد أن يتمها أربعة فاعتاصت القافية عليه فاستدعى الفضل بن الربيع وقال له: من على بابنا من الشعراء؟ فقال: والله ما أعلم أن أحدا بقي عندنا منهم إلا عبد الله بن أيوب التيمي وهو على باب القصر. قال: فقل له يجيز هذين البيتين. فخرج إليه الفضل وأمره أن يجيز البيتين فأجازهما ببيتين آخرين وقال:
من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه ... مثل ما قد حسد القائم بالملك أخوه «184»
فاستحسنها ثم قال: والله هذا خير مما أردت. ثم قال: سلوه هل جئت على الظهر أو في الماء؟ فقال: لا بل على الظهر. قال: وكم كان معك حمل؟ قال: [32 ب] ثلاثة. قال: أوقروها له دراهم ففعل ذلك. قال التيمي: واتفق أنى بعد قتل الأمين قصدت المأمون بخراسان فلما دخلت عليه ووقعت عينه في عيني قال: هيه يا تيمى:
مثل ما حسد القائم بالملك أخوه
قلت له: اسمع يا أمير المؤمنين تمامها وارتجلت في الحال:
نصر المأمون عبد الله لما ظلموه ... نقضوا العهد الّذي كانوا قديما أكّدوه
لم يعامله أخوه بالذي أوصى أبوه
قال: فاستحسن بديهتى ووصلني «185» .
ثم إن الأمين حين ضاق به الأمر أرسل إلى طاهر بن الحسين يطلب منه الأمان ويسأله أن يؤمّنه ليمضي إلى أخيه المأمون فينزل على حكم أخيه «186» ، فكان جوابه بل تنزل وفي حلقك ساجور أو تنزل على حكمي. فلما سمع الأمين جوابه قال: لا والله
(1/91)
________________________________________
لا أنزل على حكم عبد السوء العاض بظر أمه وما أبالى وقعت على الموت أو وقع الموت عليّ وخرج «187» من وقته إلى منظرة كانت له على دجلة وقال: ادعوا لي عمى إبراهيم ابن المهدي فدعوه له فقال له: يا عم قد عوّلت في بكرة غد أن أخرج وأسلّم نفسي إلى هرثمة، وكان من جملة قواد المأمون الواصلين في صحبة طاهر، وإنما يحملني على تسليم نفسي إليه لأني آمن على روحي إذا كنت عنده فهو يحملني إلى أخى فيرى رأيه في أمرى ولست آمن على روحي إذا حصلت عند الأعور. فقال له [33 أ] عمه إبراهيم: فراسل هرثمة وأعلمه بأنك تخرج إليه ليكون مستعدا لخروجك. فنفذ إلى هرثمة يعلمه بذلك فأظهر له السرور بانضمامه إليه وأمّنه على نفسه وقال: أنا أقف في حراقتى على باب القصر مما يلي دجلة، فاخرج وانزل معى لأحملك معى إلى خيمتي.
ثم قال الأمين «188» : باللَّه يا عم ما ترى هذه الليلة وصفاء الجو فيها وحسن القمر على دجلة فلو وافقتني فشربنا ونمنا وإلى غد ألف فرج. فقال له إبراهيم: الرأى لك.
فأمر بإحضار الشراب وتناول رطلا ثم قال لإبراهيم: يا عم غنّنى لأشرب على غنائك فقال إبراهيم: ليس عودي معى. فقال: أحضر جارية تضرب عليك؟ فقال إبراهيم:
نعم. قال: فأحضر جارية اسمها ضعف فجاءت تحمل عودا فحين رأيتها تطيّرت من اسمها للحال التي كنّا عليها ثم أمرها فضربت وغنّيت ثم أمرها بالغناء فاندفعت تغني:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فإن لا يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا ممسكاه وضاربه «189»
فاغتاض الأمين وتطيّر وقال لها: غنّى غير هذا، فاندفعت تغنّي:
أبكى فراقهم عيني فارقها ... إن التفرّق للأحباب بكّاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
فقال لها الأمين: يا مشئومة كيف وقعت إلى هذا؟ غنّنى غيره فاندفعت تغني:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا سريعة الدّرك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فلك [33 ب]
(1/92)
________________________________________
إلا بنقل النعيم من ملك ... عات بسلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك
فضجر منها وكان بين يديه قدح بلّور اسمه زب رباح «190» وكان يحبه ويحب الجارية حبا شديدا فضربها به فانكسر وأدمى ساقها وتنغّص عليه عيشه وما كان فيه وقال: يا عم هذا والله آخر مدتي ومنتهى أيامى. قال إبراهيم: فقلت: الله، الله، بل الله يكفيك كل محذور، وإذا بصوت من ذلك الجانب من دجلة يخاطب آخر ويقول له: «قضى الأمر الّذي فيه تستفتيان» فقال: يا عم أسمعت؟ قلت: لا يا سيدي ما سمعت شيئا.
ولما كان في عشية اليوم الثاني دخل خادم إليه وقال له: الأمير هرثمة قد جاء في الحراقة ووقف بإزاء القصر فقام وحوله جواريه وخدمه وأولاده يبكون وهو يبكى حتى خرج من باب القصر فعطش واستسقى ماء فلم يكن هناك ما يسقى فيه الماء فجاءوا بكوز مكسور الرأس فشرب منه ونزل إلى حراقة هرثمة وسلم نفسه إليه. وكان خبره وخبر تنفيذه إلى هرثمة قد نمّ إلى طاهر فأنفذ عدة حراقات مشحونة بالرجال وأوقفهم في طريقه ليأخذوه من هرثمة فحين بعدت حراقة هرثمة عن باب القصر قليلا عارضهم أصحاب طاهر وتمسكوا بالحراقة ليأخذوا الأمين وتجاذبوا وتناوشوا فغرقت حراقة هرثمة.
فحكى «191» أحمد بن سلام، صاحب المظالم ببغداد، قال: كنت مع محمد الأمين في الحراقة فلما غرقنا وكان قد جننا الليل، سبحت وصعدت [34 أ] بعد الجهد الجهيد وكان الزمان باردا فلما صرت على الساحل وإذا برجل خراسانى من أصحاب طاهر قد وضع حبلا في عنقي وهو يجرنى وأنا حافى وهو يركض بالفرس فأجهدنى وعنّاني.
فقلت له: أيها الإنسان مالك في قتلى من حاجة وأنا رجل من أبناء النعم وما تعوّدت المشي على هذه الصفة التي تعاملني بها فأردفنى خلفك واحملني إلى حيث تشاء فإذا كان من الغد افتديت نفسي منك بعشرة آلاف دينار. فلما سمع ذلك منى أردفنى وراءه وحملني إلى دار لا أعرفها وأقعدنى في بيت منها وأغلق الباب عليّ ومضى وبقيت أرتعد
(1/93)
________________________________________
من البرد فبينا أنا على تلك الحالة إذ سمعت جلبة وإذا بقوم يدخلون الدار فطالعت من خصاص الباب وإذا بقوم معهم شموع ومشاعل وبأيديهم الأسلحة ومحمد الأمين بينهم عريان كان قد خرج من الماء وأسروه كما أسرونى إلا أنهم لا يعرفونه فجاءوا به إلى البيت الّذي كنت فيه وفتحوا الباب وأدخلوه إليّ وأنا قد رأيته وهو لا يراني لظلمة البيت الّذي كنت فيه ثم أغلقوا الباب ومضوا فسمع في البيت حسا فكأنه أنس بذلك وقال: من تكون؟ قلت: عبدك، قال: أيّ العبيد أنت؟ قلت: أحمد بن سلام. قال: تقدم إليّ فإنّي أجد وحشة فتقدّمت إليه ثم قال لي: قد بقي عليّ الوتر وأنا أصلّيه الآن. فقام ليصلي فإذا بالجماعة قد عادوا وهم يقولون بالفارسية «پسر زبيدة، پسر زبيدة» «192» فلما سمع آيس من نفسه ثم جاءوا إلى البيت الّذي كنا فيه وفتحوه فلو أنه ثبت [34 ب] في مكانه لما عرفوا أينا الأمين إلا أنه لما رآهم أخذ مخدة كانت في البيت يتترس بها ويقول:
يا قوم إني ابن عم رسول الله وابن الرشيد وأخو المأمون. فقال أحدهم: لك نطلب وضربه على المخدة فسقط على وجهه فأكب عليه وذبحه من قفاه وأخذ رأسه وخرج وتركونى ما طعمت غمضا من هول ما رأيت. فلما كان وقت الصبح جاء الخراساني الّذي أسرنى وقال لي: أين أسيرى؟ قلت: أنا هو، قال: تكذب. أنت هرّبته وقعدت مكانه. قلت له: يا هذا ألست كنت وعدتك بعشرة آلاف دينار؟ فأنا أسلّمها إليك اليوم وهبنى كنت هو أو غيره. فلما سمع ذلك منى قال لي: يا هذا أسيرى البارحة كان شابا وأراك شيخا فمددت عيني نحو لحيتي وتأمّلتها وإذا قد وخطني الشيب من هول ما رأيت تلك الليلة وعرف الرجل صدق قولي فقال لي: قم امض لحال سبيلك وقد جعلتك في أوسع الحل من المال والله لا كنت سببا لأن أجمع عليك بين الفقر والشيب «193» .
ثم إن طاهر أخذ رأس الأمين ونفذه إلى مرو إلى المأمون فأدخلوه إليه على ترس وعنده ذو الرئاستين الفضل بن سهل وزيره. فقال المأمون: إنّا للَّه، أمرناهم أن يأتوا به أسيرا فأتوا به عقيرا «194» . فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين إنه قد كان ما كان فاحتل لنا في العذر وحينئذ تمثل المأمون بهذين البيتين:
(1/94)
________________________________________
شفيت النفس من حمل ابن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني [35 أ]
فإن أك قد بردت بهم غليلى ... فلم أقطع بهم إلا بنانى «195»
ثم بكى، فقال له الفضل: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: تذكّرت لمحمد مع عقوقه قليل برّه، أمر لي الرشيد يوما بمائة ألف دينار وأمر له بمائتي ألف ولم يعلم بذلك فبادرت فبشّرته بها فقال: يا أخى لعل في نفسك شيئا من تفضيلي عليك قد جعلتها بأسرها لك جزاء بشارتك لي فصرف الثلاث مائة ألف إليّ. فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين كيف تحمد على بذل مال من سمح بسفك الدماء ونقض العهد والميثاق وآثر الغدر على الوفاء؟ فقال المأمون: ذلك هو الّذي يسلّينى عنه.
وكان مولد الأمين بالرصافة سنة إحدى وسبعين ومائة. وقتل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. وعمره ثمان وعشرون سنة، وكان جميلا لم يكن في زمانه أصبح وجها منه، وكان أقنى أنزع طويل القامة والعنق، أبيض الوجه أسود العينين أسود الشعر بعيد ما بين الكتفين متواضعا في كلامه وجلوسه، سخيّا بكل ما يملك. وفيه يقول عليّ بن الجهم في قصيدته المزدوجة التي ذكر فيها الخلفاء بأسرهم «196» :
وبايعوا محمد الأمينا ... فنكثوا البيعة أجمعينا
وأمّنوه ثم قتلوه ... ما هكذا عاهدهم أبوه
ثم انقضت أيام الأمين. وحكى «197» شيخ كان يتردد إلى يحيى بن خالد وهو في الحبس. قال: قال لي يوما يحيى بن خالد: قتل هارون أولادي والله [35 ب] ليقتلنّ ولده. واستباح حريمي والله ليستباحن حريمه. وكنت أستبعد هذا وأقول من يقتل ولده ويستبيح حريمه إلى أن جاء طاهر ونهب دار هارون وقتل ولده محمدا وأخرج جواريه وحرمه حافيات حاسرات، فصحّ عندي ما قاله يحيى وصدقت قول القائل «198» :
من ير يوما يربه ... والدهر لا يغتر به
[قضاة الأمين: إسماعيل بن حمّاد [بن] أبى حنيفة [و] أبو البختري] [1] «199» .
__________
[1] ما بين الأقواس لم يرد في نسخة فاتح ولعله من إضافات أحد الذين وقع الكتاب بأيديهم ولعل هذه الإضافات حدثت في النسخة التي منها انتسخت نسخة لا يدن. انظر المقدمة.
(1/95)
________________________________________
أمير المؤمنين المأمون
هو أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد. وأبو العباس كنيته كنّاه بها أبوه فأما هو فإنه تكنّى بعد موت أبيه بأبي جعفر وهي كنية الرشيد وكنية المنصور.
وأمه أم ولد كانت طبّاخة واسمها «مراجل» وأصلها من باذغيس، وكان أكبر من الأمين وكانت زبيدة بقيت مع الرشيد مدة لم تحبل فشكا ذلك إلى بعض خواصه فقال:
يا أمير المؤمنين نبّه رحمها بإحبال بعض جواريك. فدخل يوما إلى المطبخ فرأى مراجل المقدم ذكرها فجذبها وجامعها ونفذ إلى زبيدة من يعلمها بذلك. ونفذ إليها بعد أيام من يخبرها بأن مراجل حبلت. فلما كان بعد أيام قلائل حبلت زبيدة بالأمين «200» .
وتقلّد المأمون الخلافة وسنه سبع وعشرون سنة، وكان مولده ببغداد في الليلة التي استخلف فيها الرشيد وهي ليلة النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة. ولم تلبث أمه بعد ولادته إلّا قليلا وماتت وهو طفل فصيّره الرشيد في حجر الجوهري «201» [36 أ] مولاهم فأرضعته زوجة سعيد، ثم كبر فأدّبه أبو محمد اليزيدي «202» وجمع له الرشيد الفقهاء والمحدثين من الآفاق فبرع وفاق في سائر العلوم على سائر أبناء جنسه وعصره وكان يسمى نجيب بنى العباس، وكان الرشيد معجبا به شديد الحب له. وكان إذا رآه يصطنع الناس بأقواله وأفعاله ورأى محمد بن زبيدة يشتغل بجمع المال وبنى الدور والقرى يتمثّل بهذا البيت:
يبنى الرجال وغيره يبنى القرى ... شتّان بين قرى وبين رجال
وكانت زبيدة تعاتبه دائما وتقول: أنت تحب عبد الله أكثر من ابني. فقال لها يوما وقد ذكرت له ذلك: تريدين أن أعرفك الفرق بين محمد وبين عبد الله؟
قالت: الأمر لك. فدعا «203» خادمين وقال لأحدهما: امض إلى محمد واجلس عنده وانبسط في الحديث ثم قل له في أثناء كلامك: يا سيدي إذا أفضت الخلافة إليك ماذا تصنع معى؟ وقال للآخر: امض إلى عبد الله واجلس عنده وتحدّث معه وقل له في أثناء حديثك مثل هذا وأعد عليّ ما يكون في جوابه فمضيا ولبثا ساعة وعاد
(1/96)
________________________________________
الخادم الّذي نفذه إلى محمد فقال له الرشيد: هات ما عندك، قال: يا أمير المؤمنين دخلت على محمد وعنده جماعة من المطربين والمساخر والصفاعنة والمخانيث وهو يشرب وهم يتصافعون ويتشاتمون وهو يضحك فجلست وتحدّثت كما أمرتنى ثم قلت له في أثناء كلامي: يا سيدي إن أفضت الخلافة إليك ما تصنع بى؟ فقال لي: [36 ب] أعطيك كذا [و] كذا ألف دينار وأقطعك الضيعة الفلانية وأفعل معك وأصنع.
وبيناهم في الحديث جاء الخادم الآخر، فقال له الرشيد: هات ما عندك قال:
يا أمير المؤمنين دخلت على عبد الله فرأيت مجلسه مغتصّا بالفقهاء والشعراء والقرّاء وأصحاب الحديث وهو يفاوضهم فصبرت حتى تقوّض المجلس ودنوت منه ودعوت له وقلت: يا سيدي أرى والله مخايل النجابة عليك وإني لأشمّ من أعطافك روائح الخلافة فإن أفضت إليك فماذا تصنع معى؟ فلما سمع هذا الكلام منى استشاط غضبا وأخذ دواة كانت بين يديه فرماني بها وقال: بل يطيل الله بقاء أمير المؤمنين ويديم دولته ويمدّ في عمره ويجعلنا فداه. ويلك قد جئت تبشّرني بموت أبى وتطلب منى عند ذلك مراعاتى لك وإحساني إليك؟ لا أرانا الله يومه وقدّمنا قبله «204» . فلما سمع الرشيد جوابهما وزبيدة أيضا تسمع قال لها: أتلومينني على الميل إلى عبد الله أكثر من محمد؟ والله ثم والله لولا مراقبتى لك وإشفاقي على قلبك لخلعت محمدا من العهد وقدمت عبد الله عليه.
وحين سافر الرشيد إلى الشام ولّاه الرقة وظهر من شهامته ما حمد أثره فيه.
وحين غزا الرشيد في سنة تسعين ومائة وهي غزاة هرقلة استصحبه معه وبان من شجاعته وإقدامه وتدبيره ما أدهش الناس.
وكانت بيعته بالخلافة ببغداد بعد قتل الأمين لأنه كان قد تسمّى بها وهو بخراسان لما وصله الخبر بقتل عليّ بن عيسى بن ماهان [37 أ] .
ولما قتل الأمين وبويع المأمون ببغداد بالخلافة نفذ طاهر بن الحسين إليه مع
(1/97)
________________________________________
رأس الأمين ولديه عبد الله وموسى والبردة والقضيب والخاتم. وحين رأى المأمون ولدى الأمين ضمّهما وقبّلهما وأكرم مثواهما وأحضر الفقهاء والقضاة وزوّجهما ابنتيه.
وفي هذه السنة نفذ المأمون من خراسان جابر بن الضحاك وفرناس الخادم إلى المدينة لإحضار عليّ «205» بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبى طالب- رضوان الله عليهم أجمعين- فوصل إليه وهو بمرو فنهض له وأجلسه معه على السرير وولّاه العهد من بعده وضرب الدراهم والدنانير باسمه وكتب إلى الآفاق ببيعته وخلع السواد ولبس الخضرة الأسمانجونية، وزوّجه المأمون ابنته أم حبيب. وتزوج المأمون بورّان بنت الحسن بن سهل زوّجه إياها عمّها الفضل بن سهل وزير المأمون، كل ذلك في يوم واحد. وكان الفضل بن سهل وأخوه الحسن منجمين مجوسيين، كانا يدوران القرى ومعهما زنبيل فيه الأصطرلاب وقوت يقتاتان به فأفضى أمرهما إلى أن صار أحدهما وزير المأمون وهو الفضل وصار أخوه الحسن أمير العراق وهما من قرية من سواد واسط يقال لها فم الصّلح «206» .
وحين عقد المأمون البيعة بالعهد لعلىّ بن موسى الرضا قال له: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لا يتم فأعفنى منه فلم يعفه. ولما وصل توقيع المأمون إلى بغداد بالبيعة لعلىّ ابن موسى الرضا شق ذلك على بنى [37 ب] العباس وقالوا: إن تمت البيعة لعلىّ ابن موسى فهو لا يعهد إلى عباسي قط وإنما يعهد إلى ولده أو إلى أحد من أهل بيته.
فاجتمع أمرهم على شق العصا على المأمون وخلعه من الخلافة فخلعوه وبايعوا بالخلافة إبراهيم بن المهدي الأسود المعروف بابن شكلة ثم لإسحاق بن موسى الهادي بولاية العهد بعده وذلك في المحرم سنة اثنتين ومائتين، واتصل الخبر بالمأمون فندم على ما كان صدر منه. واتفق أن المأمون في يوم عيد أمر عليّ بن موسى الرضا على باب مرو بالخروج والخطبة والصلاة بالناس، فخرج وعلى بدنه قميص أبيض وعلى رأسه قطعة كرباس «207» بيضاء وهو يمشى بين الصفوف ويقول: اللَّهمّ صلّ عليّ وعلى أبويّ
(1/98)
________________________________________
آدم ونوح، اللَّهمّ صلّ عليّ وعلى أبويّ إبراهيم وإسماعيل، اللَّهمّ صلّ عليّ وعلى أبويّ محمد وعليّ، فحين شاهده عسكر المأمون وهو على هذه الحال ترجّلوا كلهم وسجدوا له ووافقوه رجالة إلى المصلّى. وفي تلك الساعة دخل بعض قواد المأمون على المأمون وأخبره بصورة الحال فهاله الأمر وخاف أن تخرج الخلافة من يده في حال حياته، فنفذ من ردّ عليّ بن موسى قبل أن يصل إلى المصلّى وخرج هو وخطب بالناس.
واتفق في عقيب ذلك وفاة عليّ بن موسى فنفذ المأمون إلى بغداد وطيّب قلوب بنى العباس وأعلمهم برجوعه عما كان عليه من بيعة عليّ بن موسى وأخبرهم بموته وطلب من إبراهيم أن يخلع نفسه فما فعل فسار [38 أ] المأمون بنفسه إلى العراق.
وحين وصل إلى سرخس قتل الفضل بن سهل وزيره بها في الحمام. ويقال: إن المأمون ألّب عليه والله أعلم بجلية الحال «208» . وأراد المأمون أن يدفع عن نفسه هذه التهمة لئلا ينسب إلى قلة الحفاظ وسوء العهد فقلّد أخاه الحسن بن سهل الوزارة بعده ودخل بنفسه على أمه فعزّاها عنه وقال لها: إن ذهب أحد بنيك فقد بقي الابن الآخر، وأومأ إلى نفسه. فقالت: يا أمير المؤمنين كيف لا أبكى على ابن جعل لي ابنا مثلك «209» ؟
وكان قدوم المأمون إلى بغداد في رابع عشر صفر سنة أربع ومائتين ولباسه ولباس أصحابه الخضرة. ولما رأى نفرة بنى العباس من الخضرة خلعها وعاد إلى السواد فما بقيت الخضرة إلا ثمانية أيام. وحين دخل المأمون واستقر ببغداد قصد دار زبيدة وعزّاها عن أخيه وبكى معها بكاء شديدا ولعن طاهرا كيف أقدم على قتله. ثم سألته أن يتغدّى عندها ففعل وأخرجت إليه جواري محمد ابنها يغنونه، فغنّته إحداهنّ:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فإن لا يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا ممسكاه وضاربه
فوثب المأمون مغضبا، فقالت له زبيدة: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علّمتها أو دسست إليها. فصدّقها وتعجّب من ذلك الاتفاق «210» .
(1/99)
________________________________________
وجلس يوما جلوسا عاما فدخل عليه عمه إبراهيم «211» [38 ب] بن المهدي فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلام عليك يا إبراهيم فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين لقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب كما إن عفوك فوق كل عفو، فقال له المأمون: إن هذين أشارا عليّ بقتلك، وأومأ إلى الحسن بن سهل الوزير وإلى ولده العباس بن المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد نصحاك وما غشّاك ولكنك إن قتلتني كنت قد عاقبتني على ذنب قد عاقبت عليه الناس قبلك وإن عفوت عنى فقد عفوت عن ذنب ما عفى عنه أحد قبلك. فقال المأمون: إن من الكلام ما يفوق السحر وإن كلام عمى منه، يا عم قد عفوت عنك. وأمّنه على نفسه وماله «212» .
وكان المأمون يقول: إني أحب العفو حتى أخاف أن لا أؤجر عليه، ولو علم الناس حبي للعفو لتقربوا إليّ بالذنوب «213» . وصار إبراهيم بن المهدي بعد ذلك من ندمائه والمتخصصين بخدمته، وكان يداعبه ويقول له: أنت الخليفة الأسود فقال له إبراهيم يوما: يا أمير المؤمنين أما سمعت قول سحيم «214» عبد بنى الحسحاس الأسود:
أشعار عبد بنى الحسحاس قمن له ... يوم الفخار مقام الأصل للورق
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
وأنا أقول لك: «والشعر لإبراهيم» :
ليس يزرى السواد بالرجل الندب ... ولا بالفتى الأريب الأديب
إن يكن للسواد فىّ نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي [39 أ]
فاستحسن البيتين ووصله.
واختفى الفضل بن الربيع من المأمون والمأمون يتطلبه ويطرح عليه الأعين وذلك لما كان في نفسه منه عند موت الرشيد ولأنه هو الّذي ألبّ عليه بنى العباس ببغداد حتى بايعوا إبراهيم وحسّن لإبراهيم فعله، وفي آخر الأمر ظفروا به وجاءوا به إلى المأمون فلما وقعت عليه عين المأمون قام وسجد ثم رفع رأسه وقال «215» : أتدري
(1/100)
________________________________________
لم سجدت؟ قال: نعم، قال: لماذا؟ قال الفضل: شكرا للَّه على أن أظفرك بعدوّك.
قال: لا والله بل شكرا للَّه تعالى كيف رزقني حلما أعفو به عن جرم مثلك «216» .
امض لحال سبيلك فقد عفوت عنك، ثم أمر فردّ عليه ما كان قد قبض في الديوان من أملاكه وخلع بعد ذلك عليه وأحسن إليه.
ثم إن المأمون أراد أن يبنى ببوران وكان قد أمهرها ألف ألف دينار، فقال أبوها للمأمون: يا أمير المؤمنين تجعل مهرها أن تبنى بها في قريتنا بفم الصّلح «217» فأجابه إلى ذلك. وأمر المأمون بعد ذلك لها بألف ألف دينار فأمر الحسن بن سهل فنثرت على العسكر يوم وصول المأمون إلى فم الصّلح.
وحكى «218» بعض وكلاء المأمون قال: انحدر في جملة المأمون إلى فم الصلح ثلاثون ألفا من الغلمان الصغار والخدم الصغار والكبار وسبعة آلاف جارية. وكان من يتبعهم يزيد على مائتي ألف نفس سوى سفن العسكر أربعة آلاف شبارة كبار وصغار فكنا نجري على ستة وثلاثين ألف ملاح.
وحين وصل المأمون إلى فم الصلح عرض العسكر [39 ب] الّذي انحدر معه فكان أربع مائة ألف فارس وثلاث مائة ألف راجل. وكان الحسن بن سهل كل يوم يذبح في مطبخه ثلاثين ألف رأس من الغنم ومثليها من الدجاج وأربع مائة بقرة وأربع مائة فرس وأربع مائة جمل مدة مقامهم هناك ونفد الحطب من الرحال والآجام وأشجار الكروم فصاروا يعمدون إلى الخيم الكبار ويضربون النفط في أعمدتها وآلاتها من الأخشاب ويوقدونها تحت القدور «219» ، وجاف المعسكر من نتن كبود الحملان والدجاج وصار من ذلك على باب القرية مثل الجبل العظيم حتى احتاج الحسن بن سهل إلى أن نفذ إلى البوادي ومكارية القرى فأحضروا الجمال والبغال والحمير ونقلوا ذلك من موضعه في مدة ثلاثة أشهر ورموا به إلى دجلة وأراحت حافة دجلة إلى حد لم يمكن شرب الماء منها أياما عدة وكانت هذه الدعوة تسمى دعوة الإسلام. وحين بنى المأمون ببوران نثروا «220» من سطح دار الحسن بن سهل على العسكر بنادق عنبر
(1/101)
________________________________________
فاستركّ «221» الناس ذلك وقالوا: في مثل هذا العرس ينثر بنادق عنبر؟! وإذا بصائح يصيح من السطح: كل من وقعت بيده بندقة فليكسرها وكل ما وجد فيها فهو له.
فكسر الناس البنادق و [وجدوا] في وسط كل بندقة رقعة وفي الرقعة مكتوب ألف دينار وفي أخرى خمس مائة وهكذا إلى مائة، وفي بعضها فرس وفي بعضها قرية وفي بعضها عشرة أثواب من الديباج أو خمسة [40 أ] وأقل أو أكثر وفي بعضها بستان وفي بعضها غلام وفي بعضها جارية، فكل من وقعت بيده رقعة حملها إلى الديوان وأخذ ما فيها. ولما كان ساعة الزفاف جلست بوران على حصير منسوج من الذهب، ودخل «222» المأمون عليها ومعه عماته وعدة من نساء بنى هاشم فنثر الحسن بن سهل عليهما ثلاث مائة لؤلؤة وزن كل واحدة مثقال فما مدّ أحد يده إليه فقال المأمون لعماته:
أكرمن أبا محمد بلقطة ومدّ يده فأخذ منه واحدة فحينئذ مدوا أيديهم ولقطوه.
وقال المأمون: قاتل الله أبا نواس كأنه كان حاضرا مجلسنا هذا حيث قال في وصف الخمرة:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
ثم إن الحسن بن سهل بنى للمأمون في أيام كونه بفم الصلح القصر المعروف بالحسنى «223» بالجانب الشرقي. وحين عاد المأمون من فم الصلح وبوران في صحبته نزل به وهو اليوم دار الخلافة ومن ذلك اليوم انتقل الخلفاء من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي. وامتدت أيام المأمون إلى سنة ثماني عشرة ومائتين.
فلما كان في هذه السنة غزا الروم وقهرهم وأخذ حصونهم وسبى ذراريهم وعاد من الغزو وأقام أياما بطرسوس وأعجبه المكان. ولما دخل رجب من هذه السنة خرج يوما إلى متنزه على باب طرسوس فرأى ماء جاريا وأشجارا مشتبكة ونسيما رقيقا، فقال لأصحابه: ننزل ونتغدّى [40 ب] ها هنا. فقالوا: الصواب ما يراه أمير المؤمنين. فنزل ونزلوا وأمر فحمل الغداء إليه إلى ذلك الموضع فحين توسط الأكل قال: إن نفسي تطالبنى الآن برطب جنيّ ويكون أزاذ، فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن في بلاد الروم من أين يكون ها هنا رطب أزاذ؟ فقال: نفسي كذا تطلب وهكذا تشتهي. فبينا هم في الحديث إذا سمعوا قعقعة جلاجل البريد الواصل
(1/102)
________________________________________
من بغداد وإذا على البريد أربع كنثات «224» من الخوص ملؤها رطب أزاذ عهده ببغداد أربعة أيام ما تغيّر كأنه جنيّ في تلك الساعة من النخلة. فقدمت بين يديه فأكل منها. وكان ينعى نفسه في تلك الأيام ويقول: ملكت الدنيا وذلت لي صعابها وبلغت آرابى منها ويذكر وصول الرطب في ذلك اليوم ويقول: أظنه آخر عهدي بأكل الرطب، وكذلك كان فإنه مرض بعد أيام وعهد إلى أخيه أبى إسحاق، محمد بن الرشيد «225» . ولما كان في يوم الثلاثاء السادس عشر من رجب، اشتدت علّته وكان نازلا في دار خاقان المفلحي خادم الرشيد المرابط بطرسوس. فأمر أن يفرش له الرماد وينقل عن الفرش التي كان نائما عليها ويوضع على الرماد عريانا ففعل به ذلك، وكان يتقلب على الرماد ويقول: يا من لا يزول ملكه «226» ارحم من زال ملكه. وتوفى من ساعته- رحمه الله- وكان عمره ثمان وأربعين سنة وأربعة أشهر، وصلى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم [باللَّه] ودفن في داره المعروفة بالإمارة بطرسوس المعروفة [41 أ] أيضا بخاقان المفلحي، وفيه يقول الشاعر «227» :
هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون أو عن ملكه المأنوس ... خلفوه بعرصتي طرسوس مثلما خلفوا أباه بطوس
أما وزراء المأمون: فأولهم الفضل «228» بن سهل، ذو الرئاستين، ثم أخوه الحسن بن سهل، ثم أحمد بن أبى خالد الأحول، ثم أبو جعفر، أحمد بن يوسف «229» ، ثم أبو عباد ثابت بن يحيى «230» ، ثم محمد بن يزداد «231» .
[قضاته «232» : الواقديّ، ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومي، ثم بشر بن الوليد، ثم يحيى بن أكثم.
كتّابه: الفضل بن سهل، ثم أخوه الحسن، ثم أحمد بن أبى خالد الأحول «233» ، ثم أبو جعفر [أحمد] بن يوسف «234» ، [ثم ثابت بن] يحيى، [ثم محمد بن يزداد] [1] وانقضت أيام المأمون- رضى الله عنه-.
__________
[1] ما بين الأقواس لم يرد في نسخة فاتح ولعله من إضافات أحد الذين وقع الكتاب بأيديهم في النسخة التي انتسخت نسخة لا يدن منها.
(1/103)
________________________________________
أمير المؤمنين المعتصم باللَّه
هو أبو إسحاق، محمد بن هارون الرشيد، ولد بالرافقة «235» في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائة، واسم أمه ماردة وقيل ماريّة من مولدات الكوفة. وهو أول من أضاف اسم الخلافة إلى اسم الله عز وجل.
بويع بالخلافة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبعد ذلك بأيام اجتمع جماعة الجند وشغّبوا وتحدّثوا في بيعة العباس بن المأمون وأظهروا خلاف المعتصم ومضوا بأسرهم إلى مضارب العباس فخرج إليهم وقال لهم: أيّ شيء تريدون منى؟ قالوا: نبايعك بالخلافة، قال: أنا قد بايعت عمى ورضيت به وهو كبيرى وعندي بمنزلة المأمون فانصرفوا خائبين «236» .
ورحل المعتصم [41 ب] من بلاد الروم ودخل بغداد في شهر رمضان من هذه السنة وأحمد بن أبى دؤاد معه يسايره، وأقرّه على ما كان عليه في زمان المأمون من قضاء القضاة. وجلس على السرير الّذي في صدر الإيوان الكبير الّذي من دار الخلافة وكانت فيه صورة العنقاء وكان السرير من ذهب مرصّع بأنواع الجواهر، كان من جهاز بوران بنت الحسن بن سهل. ووضع على رأسه تاجا فيه الدر اليتيم، وهو أول خليفة تتوّج وما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، واستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له فأنشد قصيدة أولها:
يا دار غيّرك البلى فمحاك ... يا ليت شعرى ما الّذي أبلاك
فتطيّر المعتصم وجعل الناس يتغامزون ويتعجّبون كيف خفي ذلك على إسحاق مع فضله ونبله وما كان يومأ إليه به فإنه لم يكن في زمانه فقيه ولا شاعر ولا مقرئ ولا راو للأحاديث ولا نسّابة ولا نحوىّ ولا لغويّ يدانى إسحاق في ذلك الفن الّذي تفرّد به، وكان الغناء أقل فضائله ومع ذلك فإنه فاق فيه على كل من بعده «1236» .
وكان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا أول من بيّن عهد الواثق للناس فإن المعتصم بقي مدة في الخلافة لم يعهد إلى أحد من أولاده وكنت قد حلفت أننى لا أغنى إلا لخليفة
(1/104)
________________________________________
أو لولىّ عهد، فاستدعاني يوما هارون بن المعتصم، وهو الواثق، فلما حضرت عنده قال لي: أحب أن تغنّينى فامتنعت فنفذ إلى المعتصم وشكاني فأحضرنى المعتصم [42 أ] وقال لي: ويلك يا إسحاق بلغ من أمرك أنك تتكبّر على هارون؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إني حلفت أنى لا أغنى إلا لخليفة أو لولىّ عهد. فقال: امض وغنّ له فلا شيء عليك. فعلم الناس أنه قد ولّاه العهد.
وفي سنة عشرين ومائتين جرى على الإمام أحمد بن حنبل «237» - قدس الله روحه ونوّر ضريحه- ما جرى من الإخراق والحبس. وإنما حثّ المعتصم على ذلك وحمله على ما فعل به أحمد بن أبى دؤاد لأنه كان معتزليّا وكان الإمام أحمد- رضوان الله عليه- إمام السنّة. وحين أحضره المعتصم بين يديه سلّم وتكلّم بكلام أعجب الناس، ثم قال في أثناء كلامه: يا أمير المؤمنين إن لآبائى سبقا في هذه الدعوة فليسعني ما وسع أصحاب رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- من السكوت والرضى من جميعهم بأن القرآن كلام الله. فقال له ابن أبى دؤاد: أتقول إن الله خالق كل شيء أم لا؟ فقال الإمام أحمد- رضوان الله عليه-: بلى الله خالق كل شيء قال له: القرآن شيء أم لا شيء؟
قال الإمام أحمد: القرآن أمر الله وقد فرّق الله تعالى بين خلقه وأمره فقال- عزّ وجل-:
«لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... » 7: 54 فالتفت المعتصم إلى ابن أبى دؤاد وقال: ذكرتم أن الرجل عامي وأراه يذكر بيتا قديما وشهد له كل من حضر بأنه من سراة بنى شيبان، ثم قال:
وذكرتم لي أنه جاهل وما أراه إلا معربا فصيحا، وأكرمه وأنعم عليه. وكان الإمام أحمد بن حنبل- رضوان الله عليه- إلى أن مات يثنى على المعتصم ويذكر فعله به ويترحّم عليه.
وقيل: لما مات الإمام أحمد [42 ب]- رضى الله عنه- صلّى عليه ألف ألف وستمائة ألف رجل وأسلم وراء نعشه أربعة آلاف ذمي من هول ما رأوا.
وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين كان المعتصم بسامراء بعد بنائه القصر المعروف بالجوسق «238» جالسا فيه فجاء كتاب على البريد من ثغر الروم يذكر أن ملك الروم تطرق إلى نواحي الإسلام ومدّ يده إلى بعض القرى وأنه أسر منها جماعة وأنه كان
(1/105)
________________________________________
في جملة الجماعة امرأة هاشمية. وأنها صاحت: «وا معتصماه» فحين قرأ الكتاب نهض من ساعته وعبر إلى الجانب الغربي وأمر العسكر فخرجوا وسار ليلته والعساكر تتلاحق به وكان في مقدمته إيتاخ في أربعين ألف فارس أمره أن لا يركب أحد من عسكره إلا أبلق لأن ملك الروم لما سمع قول الهاشمية «وا معتصماه» أمر بتقييدها وقال: نفذى إلى المعتصم حتى يركب الأبلق ويخلصك من يدي. وحين وصل إلى أنقرة خرّبها وأحرقها، واجتاز بين أنقرة وعمّورية بدير وعلى سطح الدير راهب قد أتت عليه السنون، فكلّمه وهو لا يعرفه فقال له: يا راهب كم أتى عليك من العمر؟ قال:
رأيت المسيح بن مريم، فقال له المعتصم: هل وجدت في كتب الملاحم التي تكون عندكم أن مدينة عمّورية يفتحها أحد من المسلمين؟ قال: حيث كتبت الملاحم ما كان أحد من المسلمين وإنما رأيت في كتب الملاحم أنه لا يفتحها إلا أولاد الزنا.
فقال المعتصم: الله أكبر، عسكري كلهم الأغلب عليهم الأتراك والأتراك كلهم أولاد الزنا فإنه ليس بينهم شريعة ولا [43 أ] سياسة «239» ، ثم سار متوجها إليها ونزل بها أياما قلائل وأحرقها وهدم سورها وجاء بأبوابها إلى بلاد الإسلام ونصب منها مصراعين على الرقة ومصراعين على باب من أبواب دار الخلافة ببغداد وهما إلى الآن موجودان «240» . وحين دخل إليها قصد في الحال البيعة الكبيرة وكسّر الأصنام وصلّى بالناس التراويح هناك، وكان دخوله إليها في رمضان، وأخذ ملك الروم أسيرا وطلب منه الهاشمية وأمر بإحضارها على الحالة التي كانت عليها فأحضرت تحجل في قيودها، فحين وقعت عينه عليها قام على قدمه وقال: لبّيك، لبّيك يا بنت العم أجبت دعوتك في أربعين ألف أبلق.
وكان المعتصم أميّا لا يحسن الخط والكتابة، وفي خلافته تعلّم أن يكتب العلامة على التوقيعات فكانت تلك العلامة أحسن من خط كل خليفة تقدّمه. وكان السبب في أنه ما كان يحسن الكتابة أنه كان في المكتب مع إخوته ومعهم جماعة من الخدم الصغار فتوفى أحد الخدم الذين كانوا معهم في المكتب فقال المعتصم: استراح والله
(1/106)
________________________________________
من الكتّاب، فسمع الرشيد بذلك فقال: وكأن أبا إسحاق يشقّ عليه الكون في المكتب إلى حد يفضل عليه الموت، أخرجوه من المكتب «241» فلي أولاد عدة فإن كان فيهم واحد لا يحسن الخط جاز.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات «242» قال: لقد رأيت عجبا لما بايع أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي وبايعه جماعة بنى العباس بايعه أبو إسحاق المعتصم في [43 ب] جملة القوم وقبّل ركابه فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم لما عاد المعتصم من بلاد الروم واستقر بدار الخلافة بايعه بنو هاشم وجماعة من أهل الحل والعقد فركب يوما فجاء إبراهيم وقبّل ركابه في ذلك الموضع الّذي قبل هو فيه ركاب إبراهيم. فقال المعتصم:
حمّروها له فأعطى عشرة آلاف دينار.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كنت أيام حداثتي مع أبى في معصرة الزيت فجرى بيني وبين أبى كلام في شيء فقال: اخرج من بيتي واطلب رزقا لنفسك فأخذتني الحميّة وكنت أقول الشعر فقصدت الحسن بن سهل وامتدحته فأمر لي بعشرة آلاف درهم فأخذتها وصرفتها في مصالحي واشتغلت بالأدب وبرعت في صناعة الكتابة وترقّت بى المراتب إلى الوزارة «243» .
وكان «244» القاضي أحمد بن أبى دؤاد ولد حائك ترقّت به المراتب إلى أن صار قاضى قضاة العالم وصار يتحكم في الدول ويولّى الوزراء وولاة الأمصار ويعزلهم.
ولقد خرج المعتصم باللَّه يوما ليتنزه وكنّا نسايره، أنا على يمينه وأحمد بن أبى دؤاد على شماله، فتبسم المعتصم وقال: رحم الله الرشيد، [رحم الله الرشيد] هكذا يكررها دفعات، فقلنا له: يا أمير المؤمنين يرحمه الله ويطيل عمرك، هل تذكّرت من أحواله شيئا؟ قال: إي والله، أخذنى يوما في حجره وكنت صغيرا وقبّلنى، وكان يحبني حبا شديدا، وضرب بيده على كتفي وقال لي: أنت يا أبا إسحاق تكون أمير السفل، فلما رأيتك الآن [44 أ] على يميني وأنت ابن زيات ورأيت القاضي على شمالي وهو ابن نسّاج ذكرت قوله فترحّمت عليه «245» .
(1/107)
________________________________________
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين استشعر المعتصم من ابن أخيه وهو العباس ابن المأمون فأمر فلفّ في دواج سمّور وشد طرفاه فاختنق فيه «246» .
حكى محمد بن عبد الملك الزيات بعد وفاة المعتصم قال: ما رأيت أشهم من المعتصم ولا أشجع منه ولا أقوى قلبا وعهدي به يوم حريق عمّورية وهو أول من قفز إلى النار كأنه عقاب كاسر. وكان يمدّ يده إلى الأترج الأخضر في رءوس الشجر وهو مجتاز مستعجل فيأخذ من كل أترجّة نصفها في يده من غير أن يكسر الغصن ولا يميله.
وكان يضع السيوف المسللة في الميدان على الأرض ويجرى بالفرس فكلما قرب من واحد منها مال إليه وأخذه بذبابه بين أصابعه ثم رماه من يده حتى إذا قرب من الآخر فعل به مثل ذلك الفعل. وكان يعالج الحجر فيه أربعمائة رطل بالكبير. وكان يكون أبدا في يده عمود حديد عوض المقرعة فيه ثلاثون رطلا بالشامي. وكان في بكرة كل يوم إذا وقف يتعمّم يلقمه خادم السنبوسك «247» فعدوا عليه إلى أن فرغ من التعميم مائة وخمسين سنبوسكة.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: أذكر يوما والمأمون جالس على سرير الخلافة وأبو إسحاق أخوه واقف بين يدي السرير إذا انفلت سبع من السباعين وقطع السلاسل ودخل الدار وكان الناس وقوفا بين يدي المأمون سماطين فهربوا [44 ب] كلهم ولم يثبت أحد ونهض المأمون من السرير ليهرب مع القوم فتعلّق ذيله في قائمة السرير فبقي معلّقا وقصده الأسد فبادر المعتصم وتلقى الأسد بنفسه وليس معه سلاح فلكمه في وجهه فخسف جبهته ووقع الأسد في صحن الدار وركبه المعتصم وأخذ يركله برجله إلى أن استرخى وضعف ثم قام من فوقه وأخذ يدوسه حتى قتله، إلا أن يد المعتصم التي لكم بها جبهة الأسد انفركت عن ساعده قليلا إلى أحد الجوانب فأمر المأمون بإحضار طبيب يعالجها على عجلة لتعود إلى مكانها بسرعة. فلما حضر الطبيب ورآها قال: أيها الأمير تأمر جماعة يمسكونك فإنّي أحتاج إلى جذب يدك عن تلك الجهة التي مالت إليها وربما آلمك ذلك ولم تثبت له فتضطرب فلا يتم لي ما أريد من معالجتك. فقال: وليس إلا هذا؟ قال: نعم وبعد ذلك أضمدها بضماد يقوّى المفصل.
(1/108)
________________________________________
فعمد المعتصم إلى أسطوانة صخر كانت في الدار فلكمها بيده في غير الجهة التي لكم بها الأسد فعادت يده إلى مكانها «248» .
وكان المعتصم هو الثامن «249» من ولد العباس، لأنه محمد بن هارون الرشيد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وكان الثامن من الخلفاء لأن أولهم السفاح ثم المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين ثم المأمون ثم المعتصم، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.
وحكى المنجّمون أنه توفى في اليوم التاسع على ثماني ساعات من النهار. وخلّف [45 أ] ثمانية بنين وثماني بنات، وخلّف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار وثماني مائة ألف ألف درهم. وكانت فتوحاته ثمانية:
ولما دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين، مرض واشتدت علّته. قال زنام الزامر «250» : قال لي المعتصم، وهو مريض، تركب معى في السفينة حتى نتنزّه ساعة؟
فقلت: الأمر لك يا سيدي، فركبت معه وكان كلما اجتاز على الأبنية التي بناها بسامرّاء بكى، ثم قال لي: يا زنام ازمر لي هذا الصوت:
يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك حاشاك بل ... بكيت عيشي فيك إذ ولّى
فجعلت أزمر وهو يبكى ويقول: ذهبت الحيل، أأوخذ أنا وحدي من بين هذا الخلق «251» ؟
وكان سبب بناء «252» المعتصم مدينة سامراء أنه كان عسكره المقيمون بالحضرة لا يفارقونه سبع مائة ألف فارس وضاقت بهم بغداد وتنزّلوا على الناس في دورهم حتى هلك عدة أطفال تحت أرجل الخيل من شدة الزحمة في الأسواق. فخطب المعتصم يوما على منبر الرصافة فقام إليه شيخ وقال: مالك يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا أيتمت أولادنا ورملت نساءنا بإسكانك هؤلاء العلوج بين أظهرنا، والله لنقاتلنك بما لا قبل لك به، فلم يتغيّر ومضى في خطبته. ولمّا نزل وصلى طلب الرجل وظن أنه هرب وإذا به واقف بإزائه فالتفت إليه غير مغضب وقال له: يا شيخ صدقت
(1/109)
________________________________________
فيما قلت وأنا أريحكم من هؤلاء العلوج ومن نفسي أيضا [45 ب] ولكن بماذا كنت تقاتلني بما لا قبل لي به؟ فقال له الشيخ: بسهام الليل يا أبا إسحاق، قال:
صدقت. ومن ساعته رحل من بغداد إلى الموضع الّذي بنى فيه سامراء. وأمر ببناء المدينة وأسكن العسكر بها وطولها سبع فراسخ وهي الآن باقية وأبنيتها جديدة إلا أنها خالية، دخلت من باب من أبوابها أول النهار وخرجت من الآخر بعد الظهر فكانت هي منزلنا في ذلك اليوم.
وتوفى المعتصم بها لثمان بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ومائتين، [1] وكان مولده في سنة ثمان وسبعين ومائة، وكان عمره ثمان وأربعين سنة، ودفن بسامراء وصلّى عليه ابنه هارون الواثق.
قال محمد بن عبد الملك الزيّات «253» :
قد قلت إذ غيبّوك واصطفقت ... عليك أيدي التراب والطين
لا يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
أما وزراؤه: فأولهم الفضل بن مروان «254» ، وبعده أحمد بن عمّار «255» ، وبعده محمد بن عبد الملك الزيات «256» .
[قضاته: أحمد بن أبى دؤاد «257» .
ابتداؤه: في رجب لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه لثمان عشرة ومائتين بالبدندون «258» .
انتهاؤه وموته: في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه بسرّ من رأى، ودفن بالجوسق وصلّى عليه ابنه هارون ويكنى أبا إسحاق.
عمره: سبع وأربعون سنة.
حاجبه: وصيف التركي.
نقش خاتمه: سل الله يعطيك.
كتّابه: الفضل بن مروان، ثم أحمد بن عمّار، ثم [محمد بن] عبد الملك الزيّات] [2] .
__________
[1] «وتوفى المعتصم ... سنة سبع ... » وسبق له ان قال سنة ثمان ... كما هو مشهور.
[2] ما بين العاضدتين [] من الإضافات التي أشرنا إليها في ما سبق. لا حظ التناقض بين المتن والإضافات هنا.
(1/110)
________________________________________
أمير المؤمنين الواثق باللَّه
[46 أ] هو أبو جعفر، هارون بن المعتصم باللَّه، بويع له يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وأمه جارية اسمها «قراطيس» رومية.
ووقّع إلى بغداد إلى واليها الأمير إسحاق بن إبراهيم المصعبي «259» ليأخذ البيعة على الناس ببغداد فأخذها في يوم السبت «260» وجلس الواثق للناس جلوسا عاما للهناءة فدخل إليه الشعراء وكان فيهم على بن الجهم فأنشده «261» :
وثقت بالملك الواثق باللَّه النفوس ... ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس
أسد تضحك عن شدّته الحرب العبوس ... أنس السيف به واستوحش العلق النفيس
يا بنى العباس يأبى الله إلا أن تروسوا
وكان الواثق شاعرا أديبا كريما حليما حافظا لأشعار العرب، عارفا بالغناء، يدعى المأمون الصغير. وكان المأمون يجلسه وأبوه المعتصم واقف. وهو ربّاه. وكان يقول للمعتصم: يا أبا إسحاق لا تؤدّب هارون فإنّي أرضى أدبه. وكان قد تبنّى به «262» حتى كان يعلّمه الأدب والخط بنفسه ويقرئه القرآن بنفسه. وكانت أحواله كلها وتصاريفه شبيهة بأحوال المأمون. وكان الواثق لبلاغته يصعد المنبر ويرتجل الخطب على البديهية من غير أن يروّى فيها.
ومن شعره في إنسان من أهل بيته:
أنت الوضيع بنفسه لا بيته ... ما أنت من أعلى العيوب بسالم [46 ب]
ولكل بيت دقة وقمامة ... تلقى وأنت قمامة من هاشم «1262»
وكان أكرم الناس طبعا وأجود الخلق بالمال، أما كرم طبعه فيدل عليه ما حكى عنه المسدود «263» المغنى وكان أخشم لا يشم شيئا ولذلك سمى المسدود. قال: كان الواثق على عينه اليمنى كوكب صغير قلّ ما كان يظهر إلا لمن يقرب منه فاتفق يوما
(1/111)
________________________________________
أن عملت أبياتا أولها:
من المسدود في الأنف إلى المسدود في العين
وغنّيت بها وذكرت اسمه فيها فأوصلها بعض من يعاندني إلى سمعه فدخلت عليه يوما فقال لي، وهو يضحك: أنت يا مسدود أحب هؤلاء كلهم إليّ للمناسبة التي بيننا، أنت في أنفك وأنا في عيني فمتّ فزعا فمازحنى وبسطنى وقال لي: لم تخاف منى؟
أترى حلمي لا يسع للذنوب الكثيرة فكيف لمثل هذا؟ ويحك ألست تربية المأمون؟
والله يا مسدود لقد جئت بها حلوة وسوف تبقى بعدنا على الدهر ولكن أعفنى من أخرى فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وإذا أردت أن تمجن فاستطرد بغيري.
وأما سخاوته، فيدل عليها ما حكاه إسحاق «264» بن إبراهيم الموصلي بعد وفاة الواثق قال: كنت في أيام الواثق قد علت سنى وضعف بصرى وكان ديوان الراتب على الخلفاء قبله سوى الجوائز التي كانت تصلني في النواريز والأعياد وفي أعراسهم وأفراحهم سوى ما كان يصلنى من أتباعهم وخدمهم، خمسين ألف درهم. فقيل له:
وكم كان يكون كلما يصل [47 أ] إليك من الوجوه كلها؟ فقال: أربع مائة ألف درهم.
قال: فلما ضعف بصرى في أيام الواثق لزمت بيتي ببغداد فكان الواثق يأمر والى بغداد من قبله وهو الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بإيصال ديواني إليّ ما نقصني منه شيئا. فاتفق في بعض السنين أن ذكروني في مجلسه وقالوا: قد بقيت فيه بقية حسنة فلو أمرت بإحضاره لحصل لك به أتم أنس. فنفذ إليّ قاصدا من سامراء يستحضرني وتوقيعا إلى إسحاق بن إبراهيم بإزاحة علّتى في كل ما أحتاج إليه فامتثلت أمره وصرت إليه وأقمت عنده شهرا ثم إنه عنّ له أن يتصيد فخرج وخرجنا معه وكان يتصيد في نواحي عكبرا فلما وصلنا إلى عكبرا وقربنا من بغداد ذكرت أولادي واشتقت إليهم فقلت له: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان قال: هاتهما فأنشدته:
طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاج لي الهوى قرب المزار
وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار «265»
(1/112)
________________________________________
فأذن لي في المسير وأمر لي بمائة ألف درهم خارجة عن مرسومى. ولما كان العام القابل نفذ إليّ فشخصت إليه وبقيت عنده شهرا ثم استأذنته في أن أدخل مع القضاة بالسواد وأصلّى يوم الجمعة معه في المقصورة فقال: يا أبا محمد ولا كل هذا ولكنى اشتريت هذا منك بمائة ألف درهم ولا تحسبها المائة ألف التي أصلك بها عند عودتك فهذه خارجة عنها، وأمر لي بمائتي ألف درهم. وقال يوم توديعه: يا إسحاق [47 ب] قد قلت بيتين في فلان الخادم، وكان يحبه، وقد صنعت فيهما لحنا من خفيف الرمل وأريد أن تسمع الشعر واللحن فقلت له: الأمر لك، فأخذ العود وغنّى:
يا ذا الّذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجازينا على قدر ... وإن أفق منه يوما واحدا سترى «266»
فسمعت والله ما لم أسمع مثله فصاحة وطيبا فقلت له: يا سيدي أنت والله تغنّى أطيب منى فماذا تصنع بى وودّعته وانحدرت إلى بغداد وكان آخر عهدي به.
ومات الواثق بعلة الاستسقاء في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة «267» ، ودفن بقصره المعروف بالهارونى بسامراء، وصلّى عليه قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد، وكانت خلافته خمس سنين وستة أيام.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كان في مرضه يهذى بالشعر لاستجابة خاطره له. فاتفق أن دخل عليه في مرضه الحسن بن وهب كاتب إنشائه وكان قد تأخر عنه أياما لأنه كان مستهترا بالشرب، فلما رآه أنشد:
خدمة الواثق والكاسات في أيدي الملاح ... ليس يلتامان فاختر خدمة أو كاس راح
وحين توفى، كان وزيره ابن الزيات وديوان الخراج إلى عمر بن فرج الرّخجى «268» وديوان البريد إلى الفضل بن مروان. وابن أبى دؤاد [48 أ] قاضى القضاة، والحسن بن وهب «269» كاتب الإنشاء، وعارض الجيش أشناس المعتصمى، ووالى
(1/113)
________________________________________
العراق إسحاق بن إبراهيم بن مصعب «270» . وفيه يقول وزيره ابن الزيات يرثيه:
سقى قبرك الهاطل المسبل ... وجادت له الديم الحفّل
وأسكنك الله خلد الجنان ... وجاورك المصطفى المرسل
فقد بنت منّا على حاجة ... وهل يدفع القدر المنزل «271»
[حكى «272» عن عليّ بن الحسين الإسكافي قال: دخل إيتاخ «273» إلى الواثق ليعرف هل مات أو لا فلما دنا منه نظر إليه الواثق بمؤخر عينه ففزع إيتاخ فرجع القهقرى إلى أن وقع سيفه في ملبن الباب فاندلق وسقط إيتاخ على قفاه هيبة منه لنظره.
قال: فلم تمض ساعة حتى مات فعزل في بيت ليغسل فيه فجاء جرذ فأكل عينه التي نظر بها إلى إيتاخ فكثر تعجّب من رأى ذلك، أن تكون العين التي فزع إيتاخ من لحظها له حتى تراجع وانكسر سيفه وسقط على قفاه يأكلها جرذ بعد ساعة] [1] .
وانقضت أيام الواثق باللَّه- رحمة الله عليه-.
__________
[1] ما بين العاضدتين [] لم يرد في نسخة فاتح فلعله من الإضافات التي أشرنا إليها في ما سبق.
(1/114)
________________________________________
أمير المؤمنين المتوكل على الله
هو أبو الفضل، جعفر بن المعتصم باللَّه. وكان الواثق عند موته منحرفا عنه، ما نص عليه ولا على غيره. وحين توفى الواثق تولّى تغميض عينيه وتوجيهه نحو القبلة القاضي أحمد بن أبى دؤاد. وخرج من عنده إلى دار العامة فوجد الوزير محمد بن عبد الملك الزيات قد [48 ب] نفذ إيتاخ الطبّاخ لإحضار محمد بن الواثق وجاء به وألبسه السواد ومنطقه فأنكر ذلك ابن أبى دؤاد وقال: لو كان أبوه يعلم أنه يصلح للأمر لعهد إليه. ونفذ هو فأحضر جعفر بن المعتصم فشقّ ذلك على ابن الزيات لما كان في نفس جعفر منه، ولما كان يعامله به في حياة الواثق فإن ابن الزيات حلق شعر جعفر وضرب به وجهه وقطع أرزاقه وألزمه بيته. فشق عليه مبايعته بعد إساءته إليه وخاف منه على نفسه وقال لابن أبى دؤاد: نشدتك الله في أمر الرعية أن تولّى عليها مثل جعفر.
فقال له ابن أبى دؤاد: أنا ما أعرف فيه ما تعرف لأني ما أسأت إليه، وإن يكن قليل الخبرة بالأمور فالخلافة تهذّبه وليس في الجماعة أكبر سنّا منه. وحين حضر جعفر قام ابن أبى دؤاد وألبسه السواد ومنطقه بيده ووضع الرصافية «274» على رأسه وعمّمه عليها وأخذ بيده وأقعده على السرير وتقدم فقبّل بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فردّ السلام عليه وشكره وأثنى عليه.
وأمر ابن أبى دؤاد الحجّاب بالإذن للناس فدخلوا على طبقاتهم للمبايعة وأمر ابن أبى دؤاد بأن يكتب بيعته إلى الآفاق فقال ابن الزيات: السمة تكون ماذا؟ فأخذ ابن أبى دؤاد رقعة وكتب فيها ألقابا تصلح للخلافة وسلّمها من يده إلى يد جعفر فاختار منها المتوكل على الله «275» .
وحكى ابن الزيات قال: أخرج من خفّه دواة [49 أ] نظيفة وكتب إلى الآفاق كتبا كانت تزيد على مائة يذكر بيعة المتوكل وهي في معنى واحد ليس فيها لفظة تشبه الأخرى، وكتبها وهو قائم على قدمه.
وبايع المتوكل في ذلك اليوم سبعة من أولاد الخلفاء وهم: محمد بن الواثق وأحمد
(1/115)
________________________________________
ابن المعتصم وموسى بن المأمون وعبد الله بن الأمين وأبو أحمد بن الرشيد والعباس بن الهادي ومنصور بن المهدي «276» . وكان يكنى المتوكل أبا الفضل وكانت بيعته يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وأمه جارية اسمها «شجاع» وكان في نفسه ما كان من محمد بن عبد الملك الزيات فأقره على الوزارة أربعين يوما ونكبه «277» بعد أن واقفه مواجهة وقال له: ألست الّذي قطعت أرزاقى في أيام أخى؟ ألست الّذي حلقت شعرى وضربت به وجهي على ملأ من الناس؟ وقيل: لم ير في زمان المتوكل أصبح وجها ولا أحسن شعرا منه، وحين فعل به ابن الزيات ما فعل لعنه الناس واستركّوه واستقلّوا عقله بإقدامه على أن يفعل هذا بابن خليفة وأخى خليفة وابن سيد الخلفاء. وكان من أقوى ما قرّعه به أن قال له: ألست كنت إذا جئت إليك أقف فلا تأذن لي في الجلوس وأنت ابن زيّات وأنا ابن المعتصم. وكان ابن الزيات شديد الظلم، كثير المصادرة للناس قل ما يرحم أحدا، وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة «278» .
وحكى عنه بعض من كان يختص بمنادمته، قال: دخل عليه بعض [49 ب] أولاد المتصرفين وقد امتدت عطلته واشتدت فاقته فطلب منه أن يصرّفه في أمر يعيش به.
فقال له: ما عندي ما أصرّفك فيه. فقال له: فتقدم إلى بعض الأجناد باستخدامي، قال: امض إليهم واطلب ذلك منهم. وكان في المجلس جماعة رقّوا له وتشفّعوا إلى الوزير حتى وعده وقال: يكون ما تطلب بعد وقت فأما الآن فلا تعرض. فلما تقوّض المجلس ونهض الناس قام ذلك الفتى معهم فدعاه الوزير ابن الزيات وحده وقال له:
لا تنتظر منى شيئا مما وعدتك به ولا تعد إليّ بعدها. فانصرف المسكين منكسرا.
قال ذلك الرجل: فقلت له: يا مولانا ما الّذي حملك على عدته وكسر قلبه وإياسه بعد ذلك؟ فقال محمد بن عبد الملك الزيات: إنما فعلت ذلك حتى لا يبيت الليلة على أمل.
وكان «279» محمد بن عبد الملك الزيات قد عمل في آخر أيام الواثق تنّور حديد مشبك بقطعتين وله مسامير إلى داخل ليقعد فيه المصادرين فاتفق لقضاء الله تعالى وقدره أن
(1/116)
________________________________________
كان هو أول من أقعد فيه فلما دخلت المسامير في لحمه قال: آه، فقال له الخادم الموكّل بعذابه: أما سمعت أن من حفر لأخيه المؤمن بئرا أوقعه الله فيها، أما علمت أن من لا يرحم لا يرحم؟ فقال «280» : وأيّ شيء نفع البرامكة وقد فعلوا من الخيرات ما فعلوا وكانت عاقبتهم مثل هذا، فقال له ذلك الخادم: يكفيهم ذكرك لهم بفعل الجميل وأنت على مثل هذه الحال وهل يبقى بعد الإنسان [50 أ] إلا ذكر جميل أو قبيح وهل بعد الموت سوى منزلين: إما الجنّة أو النار. وبيناهما في ذلك إذ اطلع عبادة المخنث «281» من روزنة البيت وكان نديما للمتوكل ومقرّبا عنده. فقال له: يا سيدي الوزير خبزوك في التنور الّذي أردت أن تخبز الناس فيه؟! وكان يقول المتوكل بعد قتله: لقد كان الملك مفتقرا إلى ابن الزيات وإنما وقف قبح أفعاله في وجهي فحملني على إهلاكه وكان أخى الواثق يعظّمه حتى بلغ من إعظامه لمكانه ورفعه لقدره أن أمر أن يضرب اسمه على الدنانير والدراهم ويكتب على الطرز والتراس والأعلام، إلا أنه لم يرتبط نعمة الله بالشكر، وبودى لو كان حيّا كنت أفزّع به الناس.
وكان المتوكل كريم الطبع سهل الحجاب مليح الأخلاق، وكان يقول: كانت الخلفاء قبلي تتصعّب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني «282» ، وكان زمانه صافيا وأيامه لحسنها أعيادا، دانت له الدنيا شرقا وغربا وجبى إليه خراج الهند والصين والترك والزنج والحبشة وأقاصى ثغور المغرب وهو مقيم بسامراء يشرب ويلعب. وكان يركب في سبع مائة ألف فارس فإذا أراد النزول ترجّلوا أربعة أميال واجتاز فيما بينهم فارسا وحده. وبايع ثلاثة من أولاده وجعلهم ولاة العهود، وكان يوما مشهودا وذلك في يوم الاثنين غرّة المحرم سنة ست وثلاثين ومائتين، وهم: محمد ولقّبه المنتصر، والزبير ولقّبه المعتز، وإبراهيم [50 ب] ولقّبه المؤيد، ونصب سماطا طوله أربعة فراسخ في البستان الّذي غرسه بسامراء ويعرف بالجعفري وكان طوله سبعة فراسخ ممتدا على شاطئ دجلة في عرض فرسخ «283» . فقيل: إنه امتلأ ذلك اليوم
(1/117)
________________________________________
من الخلق ووضعت التماثيل العنبر والكافور ونوافج المسك بين أيدي الناس في جملة الرياحين والمشمومات وكانت تنقل من الخزائن بالزبل والغرائر، وكل من شرب قدحا تناول منها شيئا فشمّه وأدخله في كمّه أو سلّمه إلى غلامه. وكلما نفدت أعيد بدلها، هكذا من طلوع الشمس إلى غروبها، وكان المتوكل جالسا على سرير من ذهب مرصّع بالجواهر فيه ألف من وولاة العهود وقوف بين يديه وعليهم التيجان المرصعة والناس على طبقاتهم قعودا وقياما. وكان طلوع الشمس على الأواني الذهب التي في المجلس والمناطق الذهب والسيوف والتراس المحلاة بالذهب تختطف الأبصار. وفي ذلك اليوم قام إبراهيم بن العباس الصولي أمير الأهواز وأنشد بين السماطين:
أضحت عرى الإسلام وهي منوطة ... بالنصر والإعزاز والتأييد
«284» بخليفة من هاشم وثلاثة ... كنفوا الخلافة من ولاة عهود
كنفتهم الآباء واكتنفت بهم ... فسعوا بأكرم أنفس وجدود
وفي سنة أربعين ومائتين مات القاضي ابن أبى دؤاد بعد ما فلج، وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين مات الإمام أحمد بن حنبل [51 أ]- قدس الله روحه ونوّر ضريحه-.
وحيث ذكرنا دعوة الجعفري فنذكر دعوة بركوارا «285» وهذه الدعوة اتخذها المتوكل حين طهّر المعتز بالموضع المعروف ببركوارا ونصب للمعتز منبر مرصع بالجواهر فصعد وخطب عليه. ونصب السماط على حافة دجلة وأكل الناس على طبقاتهم ثم قدّم مجلس الشرب فأمر المتوكل أن تنقل الدراهم والدنانير المختلطة في الغرائر وتصب قبايا بين أيدي الناس وأمر مناديا ينادى فيهم: كل من شرب قدحا فليحفن ثلاث حفنات، فكانوا كذلك إلى آخر النهار فكل ما فرغ مكان ملئوه. ثم أمر المتوكل حتى صبت الدراهم والدنانير في وسط المجلس بحيث حالت بينهم أن يرى بعضهم بعضا. ثم نادى مناد: إن أمير المؤمنين أباح لكم نهب هذا المال فليأخذ كل من أراد شيئا مما أراد فتناهبوها. وحين أظلم الليل أشعلت الشموع العنبر وكان في الجملة شمعة مثل النخلة وكانت على ساحل دجلة وإنسان من الجانب الآخر في ضوئها يقرأ كتابا.
(1/118)
________________________________________
وبعد فراغ المتوكل من هذا الطهر سأل شيخا قد شاهد أيام المأمون فقال له: أين دعوة بركوارا من دعوة فم الصلح؟ فقال: يا أمير المؤمنين أعفنى من جواب هذا الكلام. فقال له: والله لا أعفيك، وألحّ عليه وحلّفه برأسه فقال له: لا يمكنني ذكر التفضيل ولكنى أذكر جملة يستدل بها على ما وراءها: شاهدت في عرس بوران بفم الصلح على باب القرية كالجبل العظيم من القوانس [51 ب] والكبود للدجاج والبط والوز والحملان والصيود وأنواع الطير بحيث جاف العسكر واحتاج الحسن بن سهل إلى أن نفذ إلى البادية وأحضر جمال العرب لنقلها في مدة مديدة، وحين رميت في دجلة لم يمكن شرب الماء من دجلة أياما لنتن روائحها، وشاهدت خدمك وغلمانك في دعوة بركوارا يتخاصمون على القوانس والكبود. فقال المتوكل: الله أكبر ما تركوا لنا ما نذكر به.
ولما دخلت سنة سبع وأربعين قرأ «286» المتوكل في كتب الملاحم أن العاشر من بنى العباس يقتل، وكان هو العاشر، فاغتم لذلك وتنغّص عيشه حتى قال له بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين هذه كلها موضوعات أليس العاشر كان أخاك الواثق ومات على فراشه؟ قال: وكيف؟ قال: فجعلت أعدّهم عليه وعددت إبراهيم بن المهدي فيهم فطابت نفسه. وكان محمد المنتصر قد واطأ باغر «287» التركي غلام المتوكل وجماعة من الغلمان على قتل المتوكل فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكل يشرب مع الفتح بن خاقان «288» في رواق الجعفري «289» ، ولما جنّ الليل غلّقت الأبواب كلها إلا باب الماء وهو الباب الّذي دخلوا عليه منه وكان المتوكل يأمر الغلمان والخدم أن يفزّعوا الجلساء والمطربين والمساخر بأشياء يعملونها من الطين والشمع والخرق على أشكال الحيّات والعقارب فلما كان في تلك [52 أ] الليلة أقبل باغر من باب الماء ومعه عدد من الغلمان الذين كان واطأهم على قتل المتوكل وبأيديهم السيوف المسللة وبين أيديهم المشاعل والشموع، فحين رآهم الندماء والمطربون يقبلون من بعد ظنوا أنهم يريدون يفزعونهم فقالوا: مضت نوبة الحيّات والعقارب والليلة
(1/119)
________________________________________
ليلة السيوف. فقال المتوكل للفتح بن خاقان: والله ما أمرتهم الليلة بتخويفهم ولكنهم يعلمون أننى أحب ذلك فقد فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم. فلما قربوا رأوا الأمر جدّا فبادر باغر- لعنه الله- وضرب المتوكل على عاتقه فرمى الفتح نفسه على المتوكل فقطعوهما إربا «290» . وكان الفتح حين رمى بنفسه على الخليفة قال: لا حياة بعدك يا أمير المؤمنين. فلما رأى عبادة المخنث صورة الحال قفز وقال: ألف حياة بعدك يا أمير المؤمنين «291» . والتفّ البحتري الشاعر في بساط إلى نصف النهار من يوم الأربعاء ما تحرّك من الفزع حتى سمع الضوضاء وأصوات الخلق فقام فرأى المنتصر على السرير والناس وقوف بين يديه.
وكانت خلافة المتوكل أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. وقتل وقد نيّف على الأربعين سنة.
وكان وزراؤه: محمد بن عبد الملك الزيات، وزر له أربعين يوما، وبعده محمد ابن الفضل الجرجرائى «292» وبعده الفتح بن خاقان ينوب عنه عبيد الله «293» بن يحيى بن خاقان.
وفي المتوكل- رحمه الله- يقول إبراهيم [بن] المهدي [52 ب] :
لم يذل نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلنا ودبّ إليه ... في كسور الدجى بحد الحسام
والمنايا مراتب يتفاضلن ... وبالمرهفات موت الكرام (192 أ)
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

أمير المؤمنين المنتصر باللَّه
هو أبو جعفر، محمد بن المتوكل، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية. بويع له يوم الأربعاء وتحول من الجعفري إلى سامراء، وولى وزارته يحيى بن الخصيب «294» ونفذ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وسائر بنى خاقان إلى بغداد. وأراد المعتز أن يمتنع من البيعة فقال «295» له بغا الشرابي: أخوك محمد أقدم على قتل أبيك وأخاف أن يقتلك فبايع فبايعه وألزم المعتز أن قال: «إن أبى عقد البيعة لي بعد أخى وكنت صغير السن والآن فحيث تبينت رشدي وعقلت علمت أنى لا أصلح لهذا الأمر ولا أقوم به واشهدوا عليّ أننى قد خلعت نفسي عن ما كان رشحنى له أبى» وألزم المؤيد بمثل ذلك.
وكان الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخا المؤيد لأمه يراصد يغلون «296» الصغدي وكان أحد قتلة المتوكل. فوقف له يوما ينتظر دخوله إلى دار الخلافة فدخل فحين رآه ضربه بعمود حديد كان في يده فسقط ميتا وأنهى الخبر إلى المنتصر فقبض على أخيه وحبسه وأطلقه وكان الناس إذا لقي بعضهم بعضا يقولون: «ما يبقى المنتصر إلا ستة أشهر كما بقي شيرويه بعد قتل أبيه أبرويز ستة أشهر» «297» فإن [53 أ] شيرويه قبض على أبيه أبرويز وحبسه وقتله في الحبس ويقال: إن أبرويز استدعى خادما كان يختص به وقال: امض إلى خزانة المعاجن واحمل إليّ البرنية «298» التي فيها المعجون الفلاني من غير أن تعلم ابني، فمضى وجاء به. ففرّغ البرنية وملأها سم ساعة ثم كتب على الكاغد الّذي وضعه على رأسها: «هذا معجون يقوّى على الجماع من تناول منه وزن درهمين جامع في كل يوم كذا وكذا مرة» ثم أمر بردّها إلى مكانها. ولما قتل أبرويز في الحبس استعرض ابنه شيرويه ما في الخزائن فلما وصل إلى تلك الخزانة ورأى المكتوب على رأس تلك البرنية بادر مسرعا وأخذ منه وزن درهمين وأكله فانتفخ في الحال ومات. فيقال: ما رئي أحد أخذ بثأر نفسه بعد موته بستة أشهر إلا أبرويز من ابنه شيرويه «299» .
كان هذا الحديث خارجا عن غرضنا إلا أنه يشبهه.
(1/121)
________________________________________
ثم إن المنتصر كان إذا جلس للشرب مع قتلة أبيه يعربد عليهم ويقول: أنتم قتلتم أبى فيقولون: قتله من قتله، نحن ما ندري. ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا وقالوا:
ما نلقى من هذا الرجل خيرا وإن أمكنه فرصة أهلكنا بأسرنا فتعالوا نعاجله قبل أن يعاجلنا. فاجتمع رأيهم على أن بذلوا لجبرائيل «300» بن بختيشوع الطبيب مالا وقالوا له:
إن المنتصر معوّل على الفصد في هذا الفصل فأفصده بمبضع مسموم ولك هذا المال.
فأخذ المال منهم وفصده بمبضع مسموم فمات وذلك في يوم السبت لأربع خلون من ربيع الآخر [53 ب] سنة ثمان وأربعين ومائتين «301» ودفن بالجوسق، وصلى عليه أحمد بن [محمد بن] المعتصم «302» ، وكان له خمس وعشرون سنة.
وكان القاضي في أيامه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي «303» ، وواليه على خراسان الّذي كان في زمن أبيه طاهر بن عبد الله بن طاهر. وعلى شرطته ببغداد أخوه محمد ابن عبد الله بن طاهر.
ومن العجائب أن جبرائيل بن بختيشوع احتاج إلى الفصد فاستدعى فاصدا ليفصده فأخرج الفاصد مبضعا ما ارتضاه فقال: أنا أعطيك مبضعا تفصدنى به وأخرج دست المباضع الّذي له وفتحه وأعطاه ذلك المبضع الّذي فصد به المنتصر بعينه وهو لا يعلم أنه هو ففصده به فمات من ساعته «304» .
(1/122)
________________________________________
أمير المؤمنين المستعين باللَّه
وهو أبو العباس، أحمد [بن محمد] بن المعتصم. وحين مات المنتصر باللَّه آخر نهار يوم السبت اجتمع الأتراك وهم: بغا الشرابي المعروف ببغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش «305» وحلّفوا الأتراك والمغاربة وجماعة الجند على أن يرضوا بمن رضوا به فحلفوا وقالوا: ليس من الصواب أن نولّى أحدا من ولد المتوكل لئلا يطلب بثأر أبيه.
فاجتمعوا على أحمد بن محمد [بن] المعتصم وقالوا: هو ابن مولانا، لأن هؤلاء كلهم كانوا غلمان المعتصم، وقالوا: قد كان هو أولى بالأمر من المتوكل لولا ابن أبى دؤاد قدّم المتوكل عليه. فقال لهم بغا الكبير: صدقتم في أنه ابن مولانا إلا أنه ليست له هيبة ويجب أن نولّى علينا من [54 أ] نهابه لنبقى معه وإن ولّينا علينا من يخافنا حسد بعضنا بعضا فهلكنا. فقالوا له: إن جئنا بمن نهابه قتلنا وأفنانا ورآنا بصورة من قتلنا خليفة قبله واستشعر منّا فأهلكنا واستبدل بنا غيرنا والصواب أن نولّى من يهابنا ولا يقدم علينا ثم نحن إذا نتناصف فيما بيننا. وأجمعوا على اختيار أحمد بن محمد بن المعتصم فبايعوه في يوم الاثنين، سابع ربيع الآخر ولقّبوه المستعين باللَّه وسنّة ثمان وعشرون سنة «306» .
وفي يوم الثلاثاء لبس السواد وتعمّم على الرصافية وقعد على السرير وأدخل إليه الخلق فبايعوه. ودخل البحتري فأنشده:
ما الغيث يهمى صوب أسباله ... والليث يحمى خيس أشباله
كالمستعين المستعان الّذي ... تمّت لنا النعمى بأفضاله
تلو رسول الله في هديه ... وابن النجوم الزهر من آله
من يحسن الدهر بإحسانه ... وتجمل الدنيا بأجماله «307»
وكتبوا ببيعته إلى الآفاق. وأمه أم ولد اسمها «مخارق» . ثم أمر بأن يحمل الفرش الّذي كان للمتوكل في الجعفري، فكان ذلك الفرش على ثلاث مائة جمل.
وقلد أوتامش «308» مصر والمغرب. ومات طاهر بن عبد الله بن طاهر فقلد المستعين
(1/123)
________________________________________
ابنه محمدا خراسان. وقلد محمد بن عبد الله بن طاهر عم المذكور أولا العراق وفارس «309» .
وكان المستعين أسمح خلق الله تعالى بالمال يعطى المستحق وغير المستحق، لا يمكنه أن يرى لنفسه درهما ولا دينارا، وفي أقرب مدة فرّق جميع ما كان أدخره الخلفاء قبله من [54 ب] العين والورق والجواهر والفرش والأسلحة والطّيب وآلات الحرب، حتى قال له بغا الكبير: يا أمير المؤمنين هذه الخزائن مادة المسلمين أدخرها الخلفاء قبلك لملم يسنح أو عارض يعرض في الإسلام فلم يلتفت إليه ولا إلى قوله. ومن جملة ما كان قد أخرج فيه الأموال قلاية «310» عملها على هيئة قلالى الرهبان وما أبقى شيئا من الجواهر النفيسة والآلات الفاخرة المرصعة إلا وضعها فيها وأمر فصيغ من الذهب صور كل حيوان خلقه الله تعالى من الوحوش والطيور والناس وأمر أن تعمل فيها الحباب «311» المملوءة من الغالية والأواني الفاخرة كالأصطال والقماقم المصاغة من الذهب مملوءة من المسك والعنبر. وأمر فصيغت له قرى من الذهب كل قرية منها خمس مائة ألف دينار وأقل وأكثر. وفي القرية البقر والجواميس والأكرة والغنم والكلاب والزرع، كل هذا من الذهب المرصع وكذلك جميع الفواكه كالبطيخ والسفرجل والرمان والأترج والنارنج «312» مصاغا من الذهب المرصع بالجواهر.
قال أحمد بن حمدون النديم «313» : كنت يوما عنده وعنده إنسان من بنى هاشم كان ينادمه أيام إدباره يقال له «أترجة» «314» فقلنا له: يا أمير المؤمنين نشتهي أن نبصر القلاية فقال: قوموا اصعدوا إليها قال: فصعدنا فرأينا أمرا هائلا ما كنا نظن أن الله عز وجل يخلق مثله إلا في الجنة فمددت يدي وأخذت غزالا من عنبر قد عملت [55 أ] عيناه [من] حبّتي جوهر وعليه سرج ولجام وركاب من ذهب في غاية الحسن والملاحة ووضعته في كمي ثم خرجنا فقال: كيف رأيت القلاية؟ فذكرت له أنى رأيت ما هالني. فقال له أترجة: يا سيدي في كمه غزال عنبر قد سرقه من القلاية
(1/124)
________________________________________
فقال لأترجة: كأنى نفذتكم إلى هناك لترون القلاية وتنصرفون بالحسرة وإنما نفذتكم حتى إذا استحسن أحد منكم شيئا منها أخذه، وأنت يا أترجة ما أخذت شيئا؟ قال: لا! قال: أخطأت قم وخذ كل ما تريد. ثم قال لي: قم معه وخذ ما أحببت. قال: فقمنا ودخلنا القلاية وملأنا أكمامنا وخفافنا وفتحنا أقبيتنا وحشوناها بما قدرنا عليه من تلك الجواهر المثمنة والآلات النفيسة. ثم قلت:
ويلك يا أترجة متى نجد مثل هذا اليوم ومن أين يقع لنا مثل هذا المثكل يطلق أيدينا في ما جمعه الخلفاء في الدهور الطويلة؟ فقال لي: أيّ شيء أعمل ما بقي معى شيء آخر أحمل فيه. فقلت له: اخلع سراويلك وخلعت سراويلي وعقدنا أطراف التكك وملأناها وأخذناها تحت آباطنا وخرجنا نمشي مشى الحبالى فلما رآنا ضحك وكان قد دخل إليه ونحن في القلاية جماعة الجلساء فقالوا له: نحن ما ذنبنا؟ فقال: قوموا أنتم أيضا فقال المطربون: ونحن يا مولانا؟ فقال: وأنتم أيضا. فقاموا من بين يديه كالمجانين فانتهبوا القلاية وهو يضحك «315» .
قال ابن حمدون: فلما رأيت الأمر على هذه الصورة خرجت [55 ب] مسرعا فاجتزت عليه كالمجنون أقصد القلاية فصاح بى: ويلك إلى أين؟ فقلت له: قد نسيت شيئا وصعدت القلاية والغارة قد وقعت فيها فمددت «316» يدي إلى سطل من ذهب كبير مملوء من المسك فأخذته معلقا في يدي وأنا أعالج الجهد الجهيد في حمله فاجتزت عليه وأنا على تلك الحال فقال لي: إلى أين؟ قلت: إلى الحمام يا سيدي وخرجت فأعطيته لغلماني فذهبوا بالجميع إلى بيتي.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين واستشعر المستعين من باغر «317» وقيل له: إنه قد اجتمع جماعة من الأتراك وتبايعوا وتحالفوا على قتلك وقتل بغا ووصيف.
فاستدعى وصيفا وبغا الصغير وانحدر إلى بغداد في رابع محرم من هذه السنة وهما في صحبته وبقي الأتراك بسامراء متحيّرين فنفذوا جماعة لترضّيه واستلال ما في نفسه منهم فردّهم ولم يعد، فاجتمعوا وتشاوروا وقالوا: نبايع غيره. فاجتمع رأيهم على
(1/125)
________________________________________
مبايعة المعتز فبايعوه وأجلسوه على سرير الخلافة. وضعف أمر المستعين ببغداد لأن دار الملك إذ ذاك كانت سامراء والمعتز بها مع جمهور العسكر وبها خزائن الأموال والسلاح. وخاف على نفسه منهم فنفذوا إليه وطلبوا منه أن يخلع نفسه فأبى ثم لما رأى ضعف أمره وقلة المال والعساكر عنده أجابهم إلى ذلك بشرط أن يعطوه خمسين ألف دينار ويقطعوه ما يرتفع منه ثلاثون ألف دينار ويقيم بالبصرة. فلما جرى ذلك قال له بعض خدمه: يا سيدي [56 أ] إن البصرة وبيئة. قال: ويلك أيما أوبأ البصرة أو ترك الخلافة «318» ؟ وكان الّذي تولى أخذ البيعة على الناس ببغداد للمعتز القاضي ابن أبى الشوارب «319» وذلك بعد ما سمع من المستعين خلع نفسه وكان ذلك بالمسجد الجامع ببغداد. فإن الرسول المنفذ من سامراء جمع الخلائق بالجامع والقضاة والعدول وحضر المستعين فقال له القاضي ابن أبى الشوارب: يا أمير المؤمنين أشهد عليك بأنك قد خلعت نفسك من جميع ما كنت تتولّاه من أمور المسلمين، وإنك قد بايعت ابن عمك أبا عبد الله الزبير بن المتوكل على الله؟ قال: نعم اشهد عليّ بذلك. فقال له القاضي: خار الله لك أيها الأمير «320» وسلّم إليهم القضيب والبردة وانحدر يريد البصرة فنفذوا وراءه من قتله بنواحي واسط «321» وجاء برأسه إلى المعتز وذلك في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين [ومائتين] وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر. وقتل وله ثلاث وثلاثون سنة.
وكان وزراءه «322» : أحمد بن الخطيب، ثم أبو صالح بن يزداد، ثم محمد بن الفضل الجرجرائى.
وكان- رحمه الله- يدّعى معرفة الأدب ولم يكن يحسن شيئا منه ويتشاعر ولم يكن شاعرا. وكان مغرى بالتصحيفات «323» وكان إذا جلس في مجلس الأنس يقول لندمائه: أيّ شيء يكون تصحيف مجدّة؟ فيقولون: لا نعلم فيقول هو: مخدّة فيقولون: أحسنت يا مولانا عين الله عليك. وكان يقول: أيّ شيء يكون تصحيف ناب ويومئ بيده إلى الباب، وأشياء من هذا وشبيهه.
(1/126)
________________________________________
وكان من شعره [56 ب] الّذي أمر المغنّين أن يغنوا به:
يا قوم أنا المستعين ... عشقت ظبيا سمين
كأنه غصن تين ... بالمصحف أي عالمين
ما في السما مسلمين «324»
[1] وكان يقول للمطربين غنّوا بشعري فيغنون به والجلساء يتضاحكون «325» .
فعمل يوما هذين البيتين وأمر المغنين أن يغنوا بهما، وهما:
شربت كأسا كشفت عن ناظري الخمرا ... فنشطتنى ولقد كنت حزينا حائرا
[1] ثم قال باللَّه عليكم أجيزوها ببيت آخر فقال واحد منهم:
هذا خرا، هذا خرا، هذا خرا، هذا خرا
وكان لاحتماله ولطافة أخلاقه يسمع مثل ذلك ولا يؤاخذهم به.
__________
[1] نسب الأصفهانيّ الأبيات للمنتصر باللَّه، الأغاني 9/ 300- 301.
(1/127)
________________________________________
أمير المؤمنين المعتز باللَّه
هو أبو عبد الله، الزبير بن المتوكل وأمه أم ولد روميّة تسمى قبيحة. بويع له يوم الخميس لأربع خلون من المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، وجلس جلوسا عاما للناس وما رئي في زمانه أصبح وجها منه ولا من أمه قبيحة. وكان أمرد حين ولى الخلافة وفي ذلك اليوم دخل عليه البحتري وأنشده قصيدته «326» التي أولها:
يجانبنا في الحب من لا نجانبه ... ويبعد عنّا في الهوى من نقاربه
ومنها:
عجبت لهذا الدهر أعيت صروفه ... وما الدهر إلا صرفه وعجائبه
وكيف رددنا المستعار مذمما ... إلى أهله واستأنف الحق صاحبه [57 أ]
وكيف رأيت الحق قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه
ولم يكن المغترّ باللَّه إذ سرى ... ليعجز والمعتز باللَّه طالبه
بكى المنبر الشرقي إذ خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلّت غباغبه
رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعرى من برد النبيّ مناكبه
ومنها في مدح المعتز:
تدارك دين الله من بعد ما عفت ... معالمه فينا وغارت كواكبه
وضم شعاع الملك حتى تجمّعت ... مشارقه موفورة ومغاربه
مدبر دنيا أمسكت يقظاته ... بآفاقها القصوى وما طرّ شاربه
فكيف إذا ثابت إليه أناته ... وراضت صعاب الحادثات تجاربه
إذا حصّلت عليا قريش تناظرت ... مآثره في فخرها ومناقبه
وبعد أيام جلس المعتز باللَّه للمنادمة وخلع على جميع الأولياء ولبس التاج المرصع بالجواهر النفيسة وكان يوما مشهودا.
قال البحتري: فكنت أصعّد بصرى وأصوّبه في صباحته وأتعجّب من صنع الله تعالى في إبداع صورته ففطن بى والتفت إليّ وقال لي: يا بحترى في أيّ شيء تتأمّل
(1/128)
________________________________________
منى؟ قلت له: يا مولاي التاج يزين الوجوه كلها إلا وجهك فإنه يزين التاج ولو وضعته لكنت أجمل، فوضعه من رأسه فرأيت من سواد شعره على بياض جبهته ما أدهشنى.
فقال لي: يا بحترى أتستحسن صورتي؟ قلت: نعم قال: أفتشتهي أن تقبّلنى؟ قلت:
نعم أقبّل رجلك قال: لا ولكن خذ يدي ومدّها إليّ فقبّلتها. فلما شربنا وانتشينا أخذنى إلى [57 ب] زاوية وقال: يا بحترى بحياتي عليك وبتربة جعفر المتوكل إلا ما قبّلت وجهي فامتثلت أمره وقبّلته وقال لي: هذا لك عليّ رسم مستمرّ كلما سكرنا. وكان بعد ذلك يقول: يا بحترى قد اجتمعت لك عليّ ديون متى تقبضها «327» ؟
وقال البحتري: دخلت يوما عليه والتاج على رأسه فأنشدته:
برّح بى الطيف الّذي يسرى ... وزادني سكرا على سكرى
ونشوة الحب إذا أفرطت ... بالصب جازت نشوة الخمر
للَّه ما تجنى صروف النوى ... على حديث العهد بالهجر
مهزوزة القدّ إذا ما انثنت ... في مشيها مهضومة الخصر
يلومني في حبّها من يرى ... أن لجاج اللوم لا يغرى
لم أر كالمعتز في حلمه ... الوافي وفي نائله الغمر
يستصغر البحر إذا استمطرت ... له يد تربى على البحر
علاه أقصى في محل العلى ... وفخره في منتهى الفخر
خليفة تخلف أخلاقه ... القطر إذا غاب حيا القطر
حيا الندى من كفه يبتدى ... وماؤه في وجهه يجرى
كأنما التاج إذا ما علا ... جبينه بالدرر الزّهر
كواكب أفلاكه أفقها ... جاءت فحفت غرّة البدر «328»
فحين أنهيت القصيدة أمر لي بمائة ألف درهم وقال: لا تعلم بها الشعراء فإنّي قد أمرت لهم بخمس مائة ألف درهم فإذا علموا بما أعطيتك لم يفرزوا نصيبك فخذ هذه وامض وخذ نصيبك معهم.
(1/129)
________________________________________
وحكى «329» البحتري، قال: [58 أ] كنّا يوما مع المعتز باللَّه في الصيد فعطش فطلب ماء وكان جنبه يونس بن بغا، وكان ثانى المعتز في الحسن، وكان المعتز مستهترا به، شديد العشق له. فقال له: يا أمير المؤمنين إن قريبا منّا ديرا فيه راهب أعرفه ويعرفني فإن رأيت أن تنفرد من العسكر ونقصده فإن الدير لا يخلو من ماء بارد ثم نستريح عنده ساعة ثم نعود إلى شغلنا. قال: أفعل. قال يونس بن بغا: فقصدنا الدير وإذا بالراهب جالس على باب الدير فطلبت منه ماء فجاء به ثم سألني عن المعتز باللَّه فقلت له: هو من أولاد الجند وأنا كذلك. فقال للراهب: بل أنتما والله من أزواج الحور العين. فقلت له: يا راهب ليس هذا من دينك فقال: الآن هذا من ديني فضحك المعتز باللَّه. ثم قال الراهب: أتأكلان شيئا؟ فقال له المعتز: نعم، فقال:
انزلا. فنزلنا عن الخيل وقعدنا على دكّة على باب الدير وجاءنا بطعام من أطعمة الرهبان فأكلنا. فقال المعتز ليونس: قل له لمن تشتهي أن تجامع منّا؟ فقال له يونس ذلك.
فقال الراهب: كلاكما وتمرا «330» ، فضحك المعتز حتى استلقى على الحائط. فقال له يونس: لا بدّ أن تختار واحدا. فقال الراهب: الاختيار والله في هذا دمار، والله ما بقي لي عقل يميّز بينكما. وما كان لحظة حتى سالت تلك الشعاب بالمراكب قاصدين صوب الدير لأنهم رأوا المعتز ويونس قد أخذا في ذلك الصوب. فحين رأى الراهب ذلك ارتاع قليلا فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عما كنّا فيه فإنّي لهم ثمّ مولى، ولمن ها هنا صديق «331» . وأمر له بخمس مائة [58 ب] ألف درهم فحلف لا يقبلها أو يجيبه في مسألة يسأله إياها فقال: سل ما شئت، قال: تكون في دعوتي أنت وجميع عسكرك في اليوم الفلاني قال: ذلك لك. فلما كان في ذلك اليوم مضى إلى دعوته فأخرج عليه الخمس مائة ألف درهم.
وكان للمعتز شعر لا بأس به، فمن ذلك أنه كان يشرب «332» يوما على بستان مملوء بالنمّام وبين النّمام شقائق النعمان، فدخل يونس بن بغا وعليه قباء أخضر وهو سكران وقد احمرّت وجنتاه، فقال المعتز:
(1/130)
________________________________________
شبهت حمرة وجهه في ثوبه ... بشقائق النعمان في النّمام «333»
ثم قال: أجيزوه فابتدر بنان «334» المغنّى وقال:
والقدّ منه إن بدا في قرطق ... كالغصن في لين وحسن قوام
وغضب عليه يوما فتنغّص عيشه وبعد ذلك حضر فقال المعتز «335» :
تغيب فلا أفرح ... فليتك لا تبرح
وإن جئت عذّبتنى ... لأنك لا تسمح
وألفيت ما بين ذين (م) ... لي كبد تجرح
على ذاك يا سيدي ... دنوك لي أصلح
وكان المعتز باللَّه يحب من بين إخوته الموفق أبا [أحمد] طلحة بن المتوكل لأنه كان أنجب الجماعة، وكان المعتز خلع عليه وتوّجه وأمره بالجلوس على كرسي بين يدي سدّته «336» .
ولما كان في يوم الاثنين سابع وعشرين رجب سنة خمس وخمسين ومائتين شغّب الجند وطلبوا المال وركب صالح «337» بن وصيف وبايكباك «338» ومحمد بن بغا وهو أبو نصر، ووافوا باب الجوسق بسامراء ونفذوا إلى المعتز أن اخرج [إلينا] فقال:
إني قد تناولت [95 أ] الدواء. فعاودوه فأدخلهم إلى عنده فلما رأوه جرّوا برجله وأقاموه في الشمس وقالوا له: اخلع نفسك فخلع نفسه وأدخلوا القضاة والشهود فشهدوا عليه بالخلع. وهربت أمه قبيحة من سرداب كان في الدار فنجت. وكان السبب في ما جرى عليه، بعد قضاء الله تعالى، أمه قبيحة فإنّهم طلبوا منها خمسين ألف دينار فقالت: ما في الخزائن شيء ولا عندي مال فليقتنع كل منكم بإقطاعه ومرسوماته فحين خلعوا ابنها وقتلوه أخذوا من خزانة واحدة ثلاث مائة ألف دينار. ونفذ الأتراك إلى بغداد من جاء بمحمد بن الواثق فوصل ليلة الأربعاء تاسع وعشرين رجب فبويع بالخلافة ولقّبوه المهتدي باللَّه، واستصفوا جميع ما كان للمعتز باللَّه ولأمه ولجميع أسبابهم من النعمة والأموال حتى أخذوا من الخزائن جميعا ما كان قدره
(1/131)
________________________________________
ثلاثة آلاف ألف دينار من العين وثلاثة آلاف ألف أخرى من الجوهر. ولما علموا أنه لم يبق له شيء أدخلوه حمّاما وسدّوا عليه أبوابه حتى مات. وكانت وفاته يوم الاثنين ثانى عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
وكانت خلافته مذ بويع له بسرّ من رأى أربع سنين وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما. وكان مولده في الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فعمره على هذا الحساب اثنتان وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأيام.
وقد روى: أن عمره كان أربعة وعشرين سنة «339» [59 ب] .
(1/132)
________________________________________
أمير المؤمنين المهتدي باللَّه «340»
[هو] محمد بن الواثق ويكنى [أبا] عبد الله، وأمه أم ولد اسمها «قرب» .
وحين وصل من بغداد إلى سامراء فوافاها يوم الأربعاء تاسع وعشرين رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وأرادوا أن يبايعوه في اليوم المقدم ذكره، قال: لا أفعل حتى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه فالمثل السائر: «لا يجتمع فحلان في شول ولا سيفان في غمد» «341» ، فأدخلوه إليه فسلّم عليه بالخلافة وجلس بين يديه، فقالوا له: ارتفع، قال: لا ارتفع إلّا أن يرفعني الله بخلافته. ثم قال له: يا أمير المؤمنين خلعت أمر البرّية عن عنقك طوعا ورغبة، وكل من كانت لك في عنقه بيعة فهو بريء منها؟
فقال من الخوف: نعم! فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبد الله. ثم ارتفع حينئذ إلى صدر المجلس وبايعه الناس واستوزر أبا صالح جعفر بن احمد بن عمّار «342» .
وكان المهتدي زاهدا ورعا صوّاما قوّاما، لم تعرف له زلّة «343» . وكان سهل الحجاب كريم الطبع يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه ويجلس للمظالم بنفسه. وكان يلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده. وكان يقول: لو لم يكن الزهد في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلّفته وتصنّعته فإن منصبي يقتضيه فإنّي خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسوله النائب عنه في أمته، وإني «344» لأستحي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز وليس لبني العباس مثله وهم آل الرسول- صلّى الله عليه وسلم- وبه ألزم وإليه أقرب. وكان الناس [60 أ] يروون عن سفيان الثوري أنه كان يقول: «الخلفاء الراشدون خمسة، ويعدّ فيهم عمر بن عبد العزيز» «345» . ثم أجمع الناس في أيام المهتدي من فقيه ومقرئ وزاهد وصاحب حديث أن السادس هو المهتدي باللَّه.
واتفق أنه سمع يوما، وهو بأعلى القصر يشرف على الناس وهم لا يرونه، رجلا يقول لرجل: نصبت ميزاب سطحك في ملكي؟ بيني وبينك أمير المؤمنين، فسجد وبكى ورفع رأسه وقال: الحمد للَّه الّذي أرانى الدنيا هكذا، هذا والله قد طيّب عليّ الموت.
(1/133)
________________________________________
وحكى «346» أن رجلا من الرملة تظلّم إلى المهتدي من عاملها فأمر بإنصافه وكتب له كتاب إليه فأخذه المهتدي ووقّع فيه أسطرا بخطه وختمه بيده وسلّمه إلى الرجل وهو يدعو له. ورأى الرجل في ذلك المجلس أشياء من هذا الفن وشاهد من رحمة المهتدي وبرّه بالرعية وتولية أمورهم بنفسه ما لم ير مثله فاستخفّه الطرب لذلك حتى سقط مغشيّا عليه فنهض المهتدي يعاينه بنفسه فلما أفاق قال له: ما شأنك؟ أبقيت لك حاجة؟ قال: لا والله ولكنى ما رجوت أن أعيش حتى أرى هذا العدل. قال له: كم لزمك منذ خرجت من بلدك؟ قال: أنفقت عشرين دينارا قال المهتدي: إنا للَّه! كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة وإذ لم يتّفق ذلك فهذه خمسون دينار من بيت مال المسلمين فإنّي لا أملك مالا فخذها لنفقتك قادما وراجعا واجعلنا في حل من تعبك وتأخّر حقك. قال: فبكى الرجل حتى غشي عليه ثانيا وأجهش بعضهم بالبكاء [60 ب] وبهت البعض فقال واحد من الجماعة:
يا أمير المؤمنين أنت والله كما قال الأعشى:
حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر «347»
فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به ولكنى أذكر قول الله عز وجل: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين» فما بقي في المجلس إلا من استغرق في الدعاء والبكاء جهده ودعا له بطول العمر ونفاذ الأمر.
وللبحترى فيه قصيدة «348» بديعة يصف فيها زهده وسيرته ولبسه للصوف وأوّلها:
إذا عرضت أحداج ليلى فنادها ... سقتك غوادى المزن صوب عهادها
أما لبثة تقضى لبانة عاشق ... بها أو يروّى هائم باتئادها
(1/134)
________________________________________
وددت وهل نفس امرئ بملومة ... إذا هي لم تعط الهوى من ودادها
«349» لو أن سليمى أسجحت أو لو أنه ... أعير فؤادي سلوة من فؤادها
وأحسد أن تسرى إلى من الهوى ... عقابيل تعتاد الجوى باعتيادها
فكم نافسوا في حرقة إثر فرقة ... تعجّب من أنفاسها وامتدادها
وفي ليلة بعنا لطارق شوقنا ... كرى أعين مطروقة بسهادها
غدا المهتدي باللَّه والغيث ملحق ... بأخلاقه أو زائد في عدادها
حمدنا به عهد الليالي وأشرقت ... لنا أوجه الآمال بعد اربدادها [61 أ]
إذا كرّت الآمال فيه تلاحقت ... مواهب مكرور الأيادي معادها
وقد أعجز العذال أن يتداركوا ... لهى تسبق الألحاظ قبل ارتدادها
سرت تتبغاه الخلافة رغبة ... إليه بأوفى قصدها واعتمادها
إمام إذا أمضى الأمور تتابعت ... على سنن من قصدها أو سدادها
متى يتعمّم بالسحاب تلث على ... كفيّ لها يجتاز إرث اسودادها
وإن يتقلد ذا الفقار يضف إلى ... شجاع قريش في الوغى وجوادها
له عزمة ما استبطأ الملك نجحها ... ولا استعتب الأيام ورى زنادها
إذا شوهدت بالرأي بان اختيارها ... وإن غاب ذو الرأى اكتفت بانفرادها
رشيدية في نجرها واثقية ... يرى الله إيثار التقى من عتادها
وما نقلت منه الخلافة شيمة ... وقد مكّنته عنوة من قيادها «350»
وما مالت الدنيا به حين أشرقت ... له في تناهى حسنها واحتشادها
قال البحتري: فلما بلغت إلى قولي:
لسجادة السجّاد أحسن منظرا ... من التاج في أحجاره واتّقادها
وللصوف أولى بالأئمة من سبا ... الحرير وإن راقت بصبغ جسادها «351»
استحسن هذين البيتين.
قال البحتري: فلما فرغت من إنشاد القصيدة قال لي: والله لقد أحسنت في تينك
(1/135)
________________________________________
البيتين، إلا أننى علمت أنك قصدت بهما المعتز وما كنت أحب أن تنشدهما على الملأ فأنسب إلى سماع غيبة أهلي وأنت إلى قلة المحافظة وسوء العهد وليس لي مال أصلك به ولا أرى لك في بيت مال المسلمين حقّا ولكنى أفعل معك [61 ب] فعلا آخر، وأمر بإحضار أهله وأقاربه وقال لهم: أبو عبادة خطيب بيتنا وشاعر دولتنا وليس في يدي شيء سوى الأموال التي في بيت مال المسلمين وهي وديعة في يدي والله يسألنى عنها يوم القيامة ويحاسبني عليها فأجيزوا أبا عبادة عنى، فجمعوا لي بينهم في الحال مائة ألف درهم. فقال المهتدي: يا أبا عبادة والله ما ملكت عشرها قط ولا أملكه إن شاء الله.
وكان بايكباك التركي في أيامه قد خرب الدنيا ونهب العالم وقتل الرعية، وشكى ذلك إليه فأمره دفعات بالكفّ عن ذلك فلم يقبل فأمر بقتله وجرى على لسانه أن قال:
أريد قلع هؤلاء الأتراك وتطهير الدنيا منهم. فاجتمع الأتراك كلهم وخرجوا عليه وقصدوه بسامراء فخرج إليهم إلى الميدان في نحو من عشرة آلاف فارس كلهم ترك وبعضهم عرب وبعضهم مولّدون وبعضهم مغاربة وكانوا هم في نحو من سبعين ألفا فحاربهم فكسروه لأن الأتراك الذين كانوا في عسكره غدروا به وانضموا إليهم «352» ، وانهزم ودخل وفي حلقه مصحف معلّق والبردة على كتفيه إلى بيت رجل من أهل سامراء يعرف بابن جميل فدخلوا خلفه وقالوا: اخلع نفسك فما فعل فأخذ أحدهم خصاه في يده وجعل يمرسها ساعة فمات «353» . وكان قصيرا عريض المنكبين واسع الجبهة طويل اللحية. وكان مولده بالقاطول.
فأما وزراؤه: فأولهم جعفر بن محمود [الإسكافي] وأبو صالح [جعفر بن أحمد] ابن عمّار، وسليمان بن وهب «354» .
(1/136)
________________________________________
أمير المؤمنين المعتمد على الله
[62 أ] هو أبو العباس، أحمد بن جعفر المتوكل وأمه أم ولد يقال لها «فتيان» «355» .
بويع له في اليوم الّذي مات فيه المهتدي، في رجب سنة ست وخمسين [ومائتين] .
وزر له عبيد الله بن يحيى بن خاقان «356» بعد أن امتنع فألزم ودبّر الأمور وأحسن التدبير وتوسّع في الإنفاق من ماله حتى مات وعليه ست مائة ألف دينار وذلك لخلو الخزائن من المال. ولم يكن للمعتمد من الخلافة سوى الاسم والتدبير إلى وصيف وبغا. والشاعر فيهما يقول:
وملك مستعبد ... بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا «357»
وتغلّب آخر الأمر على الدولة أبو أحمد الموفق أخو المعتمد، وساس الأمور أحسن سياسة وأصلح العالم بعد ما فسد وله الحق العظيم على الإسلام بما رابط الزنج أربع عشرة سنة، فإن صاحب الزنج خرج وأخذ البصرة وبنى عشر مدن حواليها ولولا الموفق لذهب ملك بنى العباس وملك الناس الزنج إلى يومنا هذا وكان له من النجدة والشهامة وكبر الهمة ما فاق به أهل بيته من إخوته وعمومته وكان يسمّى السفاح الثاني «358» لأن السفاح كان ابتداء الدولة وهذا أيضا ابتداء الدولة وقد أشرفت على الزوال. وكان ابنه المعتضد يسمّى المنصور الثاني لشجاعته ودهائه وخبرته بالأمور، وسيجيء ذكره. وولّى وزارته أبا الصقر إسماعيل بن بلبل الشيباني «359» ، ولم يبق للمعتمد على الله تصرف في أمر من الأمور وإنما كان مستهترا بالشرب لا يبرح من الجوسق [62 ب] بسامراء ولا يخرج منه إلا إلى متصيّد أو متنزّه حتى إنه بعد في الصيد إلى نواحي الشام وكان الموفق يرابط الزنج بالبصرة فسمع بذلك فوقع على البريد إلى إسحاق بن كنداجيق «360» والى الشام أن يمنعه من العبور عليه ونفذ إلى العسكر الذين معه يأمرهم أن يعيدوه فأعادوه صاغرا إلى سامراء «361» . وحين قتل صاحب الزنج تلقّب بالناصر لدين الله، وكان بلى بشيء لو بلى به المنصور أو المأمون
(1/137)
________________________________________
لبعل به «362» . فمن جملة ما بلى به ما كان أخوه منهمكا فيه من العشرة وترك النظر في أمور المسلمين وكان يحتاج أن يتولّى ذلك بنفسه. ومن جملة ذلك: خروج صاحب الزنج «363» واستيلاؤه على قطعة كبيرة من بلاد الإسلام، فلما أراحه الله منه وأظفره به، خرج عمرو بن الليث «364» بفارس وكرمان واحتاج إلى قصده بنفسه وانتزاعها من يده، ثم بعد ذلك عصى أحمد بن طولون عليه بمصر، هذا كله مع ذهاب الأموال وفراغ الخزائن وتضاعف النفقات فحسم هذه المواد وقهر هؤلاء كلهم ودانت له الدنيا وأصلحها بعد فسادها.
وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد على الله ابنه العهد ولقّبه «المفوض إلى الله» «365» . وفي سنة ثمان وسبعين اشتدت علّة الموفق وكان ابنه أحمد محبوسا فأخرجه القواد من الحبس فدخل عليه فحين رآه أدناه وقبّله وأومأ إليهم أن يكون هو بعده «366» أمين الدنيا، ثم أراد أن يكلّمه فقال: أحمد، ومات وذلك في ليلة الخميس لثمان ليال بقين من صفر من هذه السنة ودفن [63 أ] بالرصافة وقام ابنه أحمد مقامه.
وحكى «367» أحمد بن الموفق قال: رأيت في منامي وأنا محبوس أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- عليه السلام- يقول لي: أمر الخلافة يصل إليك فاعتضد باللَّه وأكرم أولادي. قال: فانتبهت ودعوت الخادم الّذي كان بخدمتي في الحبس وأعطيته فص خاتم كان في يدي لا نقش عليه وقلت له: امض إلى الحكّاك وقل له ينقش عليه:
المعتضد باللَّه أمير المؤمنين فقال لي: يا سيدي هذه مخاطرة بالنفس مع أبيك وعمك، أين نحن من الخلافة وأين الخلافة منّا وإنما غاية مأمولنا أن نتخلص من هذا الحبس ونشم الهواء وتسلم لنا نفوسنا. فقلت له: لا تهذ وامض وافعل ما آمرك به فإن أمير المؤمنين عليّا ولّاني الخلافة وهو لقّبنى المعتضد باللَّه. فمضى وعاد إليّ بعد ساعة والفصّ معه وعليه مكتوب «المعتضد باللَّه أمير المؤمنين» بأوضح خط وأبينه، فقلت له: اطلب لي دواة وكاغدا فجاءني بهما فجعلت أقسّم الدنيا. وأرتب الأعمال وأولّي العمال والولاة وأصحاب الدواوين، فبينا أنا في ذلك جاء القوم وأخرجونى.
(1/138)
________________________________________
وبعد موت الموفق أبى أحمد بأيام، دخل أحمد بن الموفق على عمه المعتمد على الله بسامراء وقصّ عليه المنام وقال: إن لم تخلع ابنك من العهد برضاك فأنا أخلعه بعدك فإن أمير المؤمنين عليّا- كرم الله وجهه- ولّانى هذا الأمر. فخلع ابنه وولّاه العهد بعده.
وقدم المعتمد بغداد ونزل بالقصر الحسنى «368» الّذي هو اليوم دار الخلافة ومات به في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وكان موته [63 ب] بعد موت الموفق بسنة وكان أسنّ من الموفق بستة أشهر. والبحتري لم يدرك خلافة المعتضد وإنما أدرك إمارته. ورثى الموفق بالنونية وهي:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تطلّبنا ما ليس يعنينا
نروض أنفسنا أقصى رياضتها ... على مواتاة دهر لا يواتينا
إن أنت أحببت أن تلقى ذوى أسف ... على فقيدهم فاحلل بوادينا
رزية من رزايا الدهر شاغلة ... لناصر الدين عن أن ينصر الدينا «369»
وكان الخليفة بالحقيقة في زمان المعتمد هو الموفق الناصر لدين الله، ولم يكن للمعتمد منها إلا الاسم.
أما وزراء المعتمد «370» : فأولهم عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وثانيهم الحسن بن مخلد ثم سليمان بن وهب ثم إسماعيل بن بلبل ثم صاعد بن مخلد ثم إبراهيم بن المدبر، هؤلاء كلهم إنما كان يوليهم الموفق ومرجعهم إليه.
(1/139)
________________________________________
أمير المؤمنين المعتضد باللَّه
هو أبو العباس [أحمد] بن الأمير الموفق الناصر لدين الله، أبى أحمد، طلحة ابن جعفر المتوكل على الله.
بويع للمعتضد يوم الاثنين ثالث رجب من سنة تسع وسبعين ومائتين وله سبع وثلاثون سنة لأن مولده كان في ربيع الأول سنة أربعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها «ضرار» «371» .
وكان المعتضد باللَّه أكمل الناس عقلا وأعلاهم همّة، حلب الدهر أشطره وعاقب بين شدته ورخائه. وكان مقداما عادلا سخيّا، اجتمع فيه من محاسن [64 أ] الشّيم ومكارم الأخلاق ما تفرق في جماعة من أهل بيته وما كان يقر في دار الملك بل قطع أيامه بالأسفار في شرق الأرض وغربها لغزو الكفار أو لقمع الخوارج.
وكان قد أبطل المضارب الكبار. وكانت غزواته شبيهة بالكبسات. وكان [قد] أمر جميع عسكره أن يستصحب كل واحد منهم تحت ركابه الزاد والماء والمقدحة والحراق. وكان يقول: ما أقصد أحدا على غفلة باسم الخلافة إلا هاله أمرى. وكان إذا قصد ثغرا أو عدوّا لا يعرف له خبر قبل وصوله إليه. وكان يبقى عليه القباء السنة والأقل والأكثر لا ينزعه عن بدنه. وكان يقول: أن الّذي أصلحت الدنيا بعد ما فسدت ورددت ملك بنى العباس بعد ما ذهب، وكان صادقا في قوله.
وذكر مناقبه لا يتسع لها مجلدات، إلا أننى أذكر من ذلك ما يحتمل هذا المختصر.
حكى «372» أن تاجرا عامل بعض الأمراء أيام المعتضد باللَّه فمطله فشكا ذلك إلى بعض أصدقائه فقال له: عليك بفلان الخياط إمام المسجد الفلاني فهو يستخرج لك الحق منه. قال: فقصدت الخياط وسلّمت عليه وشرحت له حالي وسألته في استخلاص حقي فقال: حبّا وكرامة ونفذ معى إليه رقعة لطيفة فعرضتها عليه فتغيّر وجهه ثم أمر فسلّم إليّ المال في الحال فأخذته ووضعته في بيتي وعدت إلى الخيّاط
(1/140)
________________________________________
وقلت له: يا سيدي ما الّذي كان في رقعتك إلى هذا التركي وو الله ما أنت إلا ساحر فإنّي قد تشفّعت إليه بكل كبير من أركان الدولة وما نفعني ذلك شيئا. فقال [64 ب] لي: أليس قد وصل إليك حقك؟ قلت: بلى! قال: فما لك ولهذا؟ قلت: والله ما أفارقك أو تخبرني. قال: أنا رجل مؤذّن وأصلى بالناس في هذا المسجد فخرجت ليلة على عادتي لغلق الباب فرأيت غلاما تركيّا سكران وهو يجاذب امرأة ويجرّها وهي تستغيث وهو لا يتركها فتقدّمت إليه وتشفّعت إليه في أمرها فلم يقبل منى واجتمع أهل المحلة واجتهدوا بكل حيلة أن يخلصوها من يده فلم يقدروا على ذلك وأخذها وأدخلها إلى بيته فصعدت المنارة وأذّنت وهذا المسجد كما تراه ملاصق لدار الخلافة فسمع المعتضد باللَّه أذانى ولم يكن وقت الأذان وكان بعد جالسا ما نام. فبينا أنا بعد على رأس المنارة وإذا بخادم يطلبني ويقول: أجب أمير المؤمنين فقلت: السمع والطّاعة فأخذني وحملني إلى الخليفة وهو جالس فقبّلت الأرض ووقفت. فقال لي:
ما هذا الأذان في غير وقته؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنما هذا شيء قصدته تعمّدا لتسمعه وعلمت من همتك العالية أنك لا تغفل السؤال عن مثله فإذا سألتني عنه أخبرتك بسببه. قال: هات ما عندك، فقصصت عليه القصة فأمر في الحال فأحضر التركي وأمر به فجعل في غرارة مملوءة نورة ودقّ بمداق حتى اختلطت عظامه بها ورمى به في دجلة. وقال لي: كلما شاهدت منكرا أخبرنى به والعلامة بيني وبينك الأذان في غير وقته. وقد تسامع الناس بذلك فكل من كانت له حاجة يقصدني فأؤذّن في غير وقت الأذان فيسمع المعتضد فيحضرني ويسألنى عن سبب [65 أ] الأذان فأخبره بحال صاحب الحاجة فيأمر بقضاء حاجته. وحين قصدتني شاكيا من غريمك كتبت إليه رقعة أقول فيها: «تعطيه حقه أو أؤذّن؟» فأعطاك حقّك.
ومن جملة ما يحكى عن سياسة المعتضد باللَّه وعدله، أنه لما سافر إلى بلاد فارس اجتاز بقراح «373» بطيخ وإذا جماعة من الغلمان الأتراك قد تناولوا منه عدة وصاحب القراح يستغيث وهم غير مكترثين به فحين وقعت أعينهم على المعتضد رموا ذلك من
(1/141)
________________________________________
أيديهم وتهاربوا فوقف مكانه وأمر بهم فشدّت أيديهم وأرجلهم وضرب كل واحد منهم مائة مقرعة وهو يقول لهم: يا أولاد الزنا أنتم زرعتموه، أنتم سقيتموه، أنتم تؤدّون خراجه، أليس هذا ملك هذا الإنسان، أليس هو الّذي تعب فيه وحرثه وسقاه وأدّى خراجه؟ أما كان في نعمتي عليكم سعة فتشترون ذلك منه؟ حتى جئتم تأخذونه مجانا؟ وذلك الرجل واقف يضج بالدعاء له ويسأل في الغلمان وهو لا يجيب سؤاله ثم التفت وقال له: كم عليك من الخراج كل سنة؟ قال: كذا وكذا درهما، فأمر بأن يوقع له برفع الخراج عنه ثلاث سنين وقال له: اجعلني في حلّ مما صدر منهم فهو بالحقيقة منى وأنا المطالب به في الآخرة والمعاتب عليه في الدنيا. ثم سار حتى إذا وصل إلى المنزل أمر بالغلمان فصلبوا بعد أن أمر أن تلثّم وجوههم. ولما عاد من تلك السفرة إلى بغداد أمر بقتل طبيبة أحمد «374» بن الطيب وكان زنديقا. فقال له:
يا أمير المؤمنين إذا لم يكن لك بد من قتلى فلا تقتلني بالسيف فقال له [65 ب] المعتضد:
فيما ذا؟ قال: تأمر أن أطعم كبابا وأسقى شرابا فإذا سكرت فصدت من كلتى يدي إلى أن يستصفى دمي حتى لا أتألم بالموت. قال: لك ذلك، ثم أمر بما سأل فيه، فحين فصد من كلتى يديه أصابته الصفراء وقام كالمجنون من أول ذلك المجلس الّذي كان فيه إلى آخره يومه أجمع ولم يتألم أحد بالموت كتألمه وما نفعه طبّه.
وحكى «375» ابن حمدون النديم «376» قال: كان له أصحاب أخبار يرفعون إليه كل ما يجرى في الأسواق فرفع إليه بعض أصحاب الأخبار أن إسكافا قال لقطّان، وقد طالبه بدين كان له عليه وكان يمطله به، ما بقي للمسلمين من ينظر في أحوالهم «377» .
قال ابن حمدون: وكنا في مجلس الأنس فحين قرأ الرقعة احمرّت وجنتاه وقامت عيناه في رأسه وقال: هاتم سوادي ومنطقتي وسلاحي فجاءوا به فلبس السواد وتمنطق وتقلّد سيفا وأخذ في يده حربة وأمر بالقواد فأدخلوا إلى المجلس الّذي كان يجلس فيه للسلام. وخرج فجلس على السرير وقال لبدر الحاجب الكبير: عليّ بفلان الإسكاف فما كان بأسرع من أن جاءوا به، فلما رأى المعتضد ارتعد وأبلس. فقال له المعتضد:
(1/142)
________________________________________
ويلك ما الّذي قلت اليوم لفلان القطّان؟ فلم يحره جوابا وأعاد عليه القول ثانيا فقال: يا مولانا ما قلت شيئا، قال: كذبت بل قلت له: ليس للمسلمين من ينظر في أمورهم. ثم قال المعتضد له: ويلك فإن كان الأمر كما قلت فأين أنا وأيّ شيء شغلي؟
فسقط الإسكاف على وجهه مغشيّا عليه [66 أ] ونهض المعتضد ثم أمر أن ينتصف له من خصمه.
قال ابن حمدون: وكنا لما قام قد تبادرنا نحو المجلس الّذي خرج إليه ونحن ننظر ما يجرى من خصاصات الأبواب. فلما نهض بادرنا مسرعين وجلسنا في الموضع الّذي كنا فيه ومضى وخلع السواد والمنطقة وعاد إلينا فوقع علينا كلنا الضحك فقال: ممّ تضحكون؟ فقلنا بأسرنا: يا مولانا رجل دائص عامي «378» يجرى بينه وبين عامي آخر كلام في السوق كان يمكنك حيث أردت حسم المادة في مثله أن تأمر أقل غلمان الحجاب بزجره وكان ذلك يكفى، فقمت بنفسك ولبست سوادك وشهرت سلاحك وخاطبته بنفسك وقد كان في بعض هذا بلاغ ومقنع. فقال: ليس الأمر كما تظنون فإن العوام إذا أمرجوا في مثل هذا القول تجسّروا على أمثاله وتناقلته الألسن واشتهر عنى في البلاد فحسم مادته أول الأمر أشبه بالحزم وإنما تولّيت خطابه بنفسي ليعلم الخاصة والعامة أن مثل هذا الأمر الحقير لا أهمله ولا أكله إلى وزير ولا إلى حاجب فيكون مراقبتهم لي وخوفهم منى في الأمور الكبار أشد وأعظم. قال: فحين سمعنا كلامه لم يبق فينا إلا من ضجّ بالدعاء له والرغبة إلى الله تعالى في إدامة دولته.
وحكى «379» ابن حمدون قال: كنّا يوما عنده ونحن على مجلس المنادمة فوضع خادم له رقعة بين يديه فقرأها ثم أمر بالدواة فأحضرت وأخذ درجا وكتب فيه ونحن نرى ما يكتبه: «عامل كرج «380» أهمل أمر عمله حتى دخل ديلميّان إلى مدينته في يوم كذا، اسم كل واحد منهما وحليته كذا [66 ب] وقد نزلا في موضع كذا فساعة وقوفه على هذا التوقيع يقبض عليهما وينفذهما مقيّدين على خيل البريد والسلام» .
ثم قال للخادم: احمل هذا التوقيع إلى الديوان ومرهم بتنفيذه على البريد. قال:
(1/143)
________________________________________
فتواقحت عليه وقلت: يا مولانا وإن دخل ديلميّان إلى كرج أو عشرة من الديالم ماذا يكون؟ قال: أقول لك ماذا يكون؟ قلت: نعم قال: إذا دخل اليوم ديلميّان ولم يتعرّض لهم دخل غدا أربعة وصاروا بعد غد مائة وصعب على والى البلد إخراجهم فتمكّنوا وربما أخرجوه واستولوا على مدينة من مدن المملكة وإذا استولى خارجي على مدينة قوى على غيرها بها وإذا أهملت مثل ذلك أفضى الأمر إلى أن ينازعونى على هذا السرير الّذي ورثته من آبائي. فقلت له: يا أمير المؤمنين أنت أعرف بوجه المصلحة والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
قال ابن حمدون «381» : وكنت قد حلفت أيمانا بالمصحف والطلاق كلما يحصل لي من القمار لا أصرفه إلا في القمار أو في ثمن نبيذ أو إلى جذر «382» مطرب فاتفق أنى لعبت يوما مع المعتضد بالنرد فغلبته ألف دينار ثم لعبنا ندبا آخر فغلبته ألف [دينار] أخرى ثم هكذا حتى غلبته سبعة أنداب في كل ندب غلبته ألف دينار وقلت له: أريد المال فالتفت عنى فأعدت القول عليه فقال لي: يا أحمق وأنت تتوقّع الآن منى سبعة آلاف دينار؟ قلت: نعم! قال: والله ما يكون هذا أبدا. قلت له:
أتضغوا؟ قال: نعم والتفت إلى الحاضرين وقال لهم: اشهدوا عليّ أنى قد ضغوت «383» . ثم قام وصلّى فلما فرغ من الصلاة [67 أ] عاد إلينا وأمر فحمل من الخزانة سبعة آلاف دينار فصبّت على نطع بين يديه وقال لي: يا ابن حمدون، قلت:
لبّيك! قال: كنت سمعت منك أنك حلفت بأيمان لا مخلص لك منها أن كل ما يحصل لك بالقمار لا تخرجه إلا في القمار وفي ما يشبه ذلك ولو أنى أعطيتك هذا المبلغ بالقمار لما أمكنك صرفه إلا في القمار وإنما ضغوت عليك وتفرقنا عن ذلك المجلس لأدفعه إليك هبة منى وصلة فتصرفه في ثمن قرية يعود عليك دخلها وأيضا حتى لا يحكى عنى أنى قامرت في سبعة آلاف دينار من بيت مال المسلمين. قال: فقمت وقبّلت البساط ودعوت له وأخذتها واشتريت بها قرية كما أمرنى تغل في كل سنة ألف دينار «384» .
(1/144)
________________________________________
قال «385» : وكان قد أمرنا إذا رأينا شيئا ننكره أن نقوله له وإن أطلعنا له على عيب واجهناه به. فقلت له يوما، ونحن على مجلس أنس: يا مولانا، في قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين. قال: ولم أخّرته إلى هذه المدة؟ قلت: استصغاري لنفسي وهيبة الخلافة منعانى عن ذكره. قال: قل ولا تخف. قلت: ذلك اليوم حين اجتزت في بلاد فارس وأمرت بضرب الغلمان وحبسهم قد كان ذلك كافيا فلم أمرت بصلبهم وما اعتمدوا ما يستوجبون عليه القتل؟ قال: أو تحسب أن المصلّبين كانوا هم الغلمان؟ وبأىّ وجه كنت ألقى الله تعالى يوم القيامة لو صلبتهم جزاء على غصب البطيخ وإنما أمرت بإخراج أقوام من قطّاع الطريق قد وجب عليهم القتل وأمرت بأن يلبسوا أقبية الغلمان وقلانسهم «386» إقامة للهيبة في قلوب العسكر حتى [67 ب] إذا علموا أنى إذا كنت أصلب أخصّ غلماني على غصب بطيخ فكيف أكون مع غيرهم في غصب ما زاد على ذلك؟ وإنما أمرت عند صلبهم بتلثيمهم ليتستّر الأمر على الناس. ثم قال لي: أبقى عندك شيء؟ قلت: لا، قال: بلى والله أرى في وجهك كلاما، قلت: أقول عن إذنك؟ قال: قل، قلت: أحمد بن الطيّب طبيبك وخاصك وغرس دولتك لم قتلته؟ قال: ويلك إني كنت سمعت أنه زنديق ولم أصدّق ذلك عليه فجاءني في خلوة يدعونني إلى دين الزندقة فقلت له: إني ابن عم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقائم في مقامه وخليفة الله في أرضه فإذا تزندقت من أكون؟
فأخذ يراجعني ويلحّ عليّ ففعلت به ما فعلت ولم أعلم أحدا بسبب ذلك حتى لا يكون ذلك عارا على أعقابه واحتملت ما عليّ في ذلك من قلة الوفاء وسوء العهد وقد أحوجتنى الآن إلى ذكره واكتم أنت ذلك أيضا عليه.
وقال «387» ابن حمدون: ما رأيت في عمري أقوى قلبا ولا أشجع من المعتضد.
انفرد يوما عن العسكر وكنت معه لا ثالث لنا فلما بعدنا عن الخيم وصرنا في وسط الصحراء خرج علينا الأسد وقرب وقصدنا فقال لي: يا ابن حمدون أفيك خير؟ قلت:
(1/145)
________________________________________
لا يا سيدي قال: ولا تلزم لي فرسي؟ قلت: بلى! فنزل عن فرسه ولزمتها وتقدم إلى الأسد وأنا أراه وجذب سيفه فوثب الأسد عليه ليلطمه فتلقّاه بضربة وقعت في جبهته فقسمها نصفين ثم وثب الأسد وثبة أخرى إلا أنها كانت أضعف من الأولى فتلقّاه بضربة أخرى أبان بها يده ثم رام أن يثب [68 أ] أخرى فصار المعتضد وراءه وركبه ورمى بالسيف عن يده وأخرج سكّينا كانت في وسطه فذبحه من قفاه ثم قام وهو يمسح السكين والسيف بشعر الأسد وعاد وركب فرسه وقال: إياك أن تخبر بهذا أحدا فإنما قتلت كلبا.
قال ابن حمدون: وإلى أن مات المعتضد والله ما تحدّث بهذا ولا قال يوما على صحو ولا سكر إني قتلت الأسد ولا عاتبني على ترك معاونتى له ولا أظهر لي تغيّرا.
وقد كان المعتضد يستشعر من عبد الله بن المعتز وأراد القبض عليه وحبسه فقال له وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن المعتز لا يحدّث نفسه بالخلافة وإنما همته في شعر ينظمه أو كتاب يصنّفه وليس موضعا للاستشعار منه حتى قال فيه عبد الله بن المعتز:
رب أستبقيك نفس ابن وهب ... وسميعا قد دعوت مجيبا
رب خطب كان منه مجّنى ... فوقى الخوف وجلّى الكروبا
لست ما عشت ألين لدهر ... بل ألاقيه عبوسا قطوبا
رب ليل نمته وابن وهب ... ساهر يطرد عنى الخطوبا «388»
وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين مات عبيد الله بن سليمان وولّى المعتضد ابنه القاسم بن عبيد الله مكانه. ولابن المعتز يرثيه من كلامه:
قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال
يا حارس الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال [68 ب]
وفي هذه السنة وقع المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد بن سامان واليه بما وراء النهر
(1/146)
________________________________________
بقصد عمرو بن الليث الخارجي بخراسان فقصده وتلاقيا على شط جيحون فكسره الأمير إسماعيل وأخذه أسيرا ونفذ به إلى الحضرة «389» وكان قبل ذلك قد نفذ عمرو رسولا إلى بغداد بالتحف والهدايا للمعتضد وأركان دولته ليزول عنه اسم العصيان وكان في جملة ذلك الحمل مما أهداه إلى الخليفة جمال. فحين جيء به أسيرا أمر [المعتضد] فأركب جملا وشهر في الأسواق والدبادب تضرب بين يديه وكان ذلك الجمل مما أهداه إلى الخليفة. وفي ذلك يقول أبو الحسن عليّ بن الفهم «390» :
ألم تر هذا الدهر كيف صروفه ... يكون يسيرا أمره وعسيرا
وحسبك يا ابن الليث نبلا وعزة ... تروح وتغدو في الجيوش أميرا
حباهم بأجمال ولم يدر أنه ... على جمل منها يقاد أسيرا
وكان ابن الليث صفارا من أهل فارس تغلّب على خراسان وأخذها من بنى طاهر حتى نفذ المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد فكفاه أمره ولمحمد «391» بن بسّام فيه، وقد أركب الجمل وسوّد وجهه وكان يرفع يده إلى السماء ويدعو بكلام لا يسمعه أحد:
أيها المغترّ بالدنيا أما أبصرت عمرا ... مقبلا قد ركب الفالج بعد الملك قسرا
رافعا كفّيه يدعو الله إسرارا وجهرا ... أن ينجّيه من القتل وأن يعمل صفرا [69 أ]
وكان المعتضد يستحسن قول سلم الخاسر في موسى الهادي: «موسى المطر غيث بكر» ، ويقول: هذا صعب لأنه كلما تحرك القائل لحقته القافية، فقال يحيى ابن عليّ المنجّم يمدحه «392» :
طيف ألمّ بذي سلم بين الخيم ... يطوى الأكم يشفى السقم
ثم انصرم فلم أنم شوقا وهم
(1/147)
________________________________________
ومنها في المدح:
أحمد لم سد الثلم حوى الهمم ... وما احتلم جلّى الظلم
رعى الذمم حمى الحرم ... له النعم مع النقم فالخير جم
إذا ابتسم والماء دم إذا انتقم
ولما دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين مرض المعتضد من كثرة أكل الصحناء والكوامخ والسموك «393» المملّحة ومات في يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في بغداد بدار محمد بن عبد الله بن طاهر «394» . وكان ابن خمس وأربعين سنة. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر. وقال فيه ابن عمه عبد الله ابن المعتز يرثيه «395» :
يا دهر ويحك ما أبقيت لي جلدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا
يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالطاهريّة مقصى الدار منفردا
أين الجيوش التي قد كنت تصحبها ... أين الكنوز التي أحصيتها عددا
أين السرير الّذي قد كنت تملؤه ... مهابة من رأتها عينه ارتعدا
أين الأعادي الّذي ذللت صعبهم ... أين الليوث التي صيّرتها نقدا
أين الوفود على الإيوان عاكفة ... ورد القطا صفو ماء جال واطردا
أين القصور التي شيّدتها فعلت ... ولاح فيها سنا الإبريز واتّقدا
أين الجنان التي تجرى جداولها ... وتستحثّ إليها الطائر الغردا [69 ب]
أين الوصائف كالغزلان رائحة ... يسحبن من حلل موشيّة جددا
أين الملاهي وأين الراح تحسبها ... ياقوتة كسيت من فضة زبدا
أين الجياد التي حجّلتها بدم ... وكن يحملن منك الضّيغم الأسدا
أين الرماح التي غذّيتها مهجا ... مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا
أين السيوف وأين النبل مرسلة ... يصبن ما شئت من قرن وإن بعدا
أين المجانيق أمثال الفيول إذا ... رمين حائط حصن قائما قعدا
(1/148)
________________________________________
أين الوثوب على الأعداء مبتغيا ... صلاح ملك بنى العباس إذ فسدا
قد انقضيت فلا عين ولا أثر ... حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
وله فيه من أخرى:
ألست ترى موت العلى والمحامد ... وكيف دفنا الخلق في قبر واحد
وللدهر أيام تسيء عوامدا ... ويحسنّ إن أحسنّ غير عوامد
وأما وزراء المعتضد باللَّه: فهم عبيد الله «296» بن سليمان بن وهب، وكان يرمى بالأبنة، وابنه القاسم «397» بن عبيد الله وكان كذلك وكان جده سليمان بن وهب من المشهورين بهذه العلّة، وفيهم يقول الشاعر:
إذا رأيت بنى وهب بمنزلة ... لم تدر أيهم الأنثى من الذكر
قميص أنثاهم ينقدّ من قبل ... وقمص ذكر انهم تنقد من دبر «398»
[1] وفي سليمان بن وهب خاصة يقول الشاعر:
يا من يقلب طومارا وينشره ... ماذا بقلبك من حب الطوامير
شبّهت شيئا بشيء أنت تأمله ... طولا بطول وتدويرا بتدوير [70 أ]
وفيه أيضا قيل:
إن في الديوان شيخا ... يشتهي في الاست داخل
يا سليمان بن وهب ... في حرام المتغافل
وكان الحاجب الكبير وقائد الجيش في أيام المعتضد باللَّه بدر «399» المعتضدي ويكنى أبا النجم.
وانقضت أيام المعتضد باللَّه- رحمة الله عليه-.
__________
[1] الأبيات لدعبل الخزاعي وهي في ديوانه وأوردها الجرجاني الثقفي في المنتخب من كنايات الأدباء (القاهرة 1326/ 1908) 47.
(1/149)
________________________________________
أمير المؤمنين المكتفي باللَّه
هو أبو محمد، عليّ بن المعتضد باللَّه. وأمه جارية تركية اسمها «ججك» «400» .
بويع له بعد وفاة أبيه بيومين ولم يل الخلافة بعد النبيّ- صلّى الله عليه وسلم- من اسمه عليّ إلا عليّ بن أبى طالب- صلوات الله عليه- والمكتفي باللَّه «401» . وكان أبوه، حين اشتدت علّته، سئل في أن يعهد إلى أحد فقال: والله ما أسمّى لها أحدا ولقد كفاني ما تقلّدت منها فبايعوا من شئتم. فأجمعوا على المكتفي.
وحين استقرّ في الخلافة أكرم أهله ووصلهم وسائر بنى هاشم وخلع على عبد الله ابن المعتز وأمره أن يركب إلى المواكب في سواد وبسيف بحمائل ففعل ما أمره به ثم أراده لمنادمته فاعتذر «بأن بى سلس البول وإني أحتاج إلى القيام في كل يوم دفعات ولا يليق ذلك بمجالس الخلفاء» .
وكان المكتفي يجلس للمظالم بنفسه وردّ حقوقا كثيرة.
وكان بدر المعتضدي مستشعرا من المكتفي ببلاد الجبل لمنافسة كانت بينهما في أيام المعتضد فكتب إليه المكتفي كتابا بيده «402» هذه نسخته: «أمتعنى الله ببقائك، ثق باللَّه عز وجل وبما لك عندي [70 ب] فإنّي عالم بنيّتك واثق بأمانتك ولا تستشعر مما كان بيننا فإن تلك كانت حال منافسة وهذه حال خلافة وأنا أحق من عبد الملك بن مروان بقول الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
فلما قرأ خطّه طابت نفسه وبادر إلى بغداد فلما وصل إلى النهروان أوقف له القاسم ابن عبيد الله الوزير من اغتاله وقتله وحسّن ذلك للمكتفى لأنه كان غالبا على أمره.
ومن أعجب الأشياء أن المعتضد باللَّه لما مات عبيد الله بن سليمان ذكروا عنده جماعة للوزارة فقال بدر، وكان هو المعتضد على الحقيقة: يا أمير المؤمنين القاسم عبدك وربيب نعمتك ونشؤ دولتك وفيه كفاية وله دربة بالعمل، ولو راعيت حق أبيه مع كفايته لكان أولى من غيره وردّد عليه القول حتى استوزره على كره منه. فلما خرج بدر
(1/150)
________________________________________
من حضرة المعتضد باللَّه قال المعتضد لمن حضر: والله ما يقتل بدرا سوى القاسم فكان كما قال «403» . وحين جيء برأس بدر إلى المكتفي وأظهر القاسم أنه كان عدوّا لدولته قال يحيى بن عليّ المنجّم تقربا إلى قلب القاسم:
بعدا لمن لا يشكر الإنعاما ... ويرى لمولاه عليه ذماما
أولى الأنام بأن يهان ويسلب ... الإكرام من لا يعرف الإكراما
لم يدر لما أرضعته درّها ... الدنيا بأن مع الرضاع فطاما
ولم تطل بعده مدة القاسم بن عبيد الله فإنه توفى في سنة إحدى وتسعين [71 أ] ومائتين وانتشر موته في دولة المكتفي. وكان «404» إذا التفت إلى وزيره بعده وأصحابه ينشد:
ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
تسلّى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلّى بها تغرى بليلى ولا تسلى
وولى المكتفي بعده العباس بن الحسن.
وحكى «405» محمد بن يحيى الصولي في كتاب الوزراء، قال: لقد رأيت عجبا، كنّا في عزاء القاسم وفيه جميع أهل بغداد وأركان الدولة وأرباب المناصب وفي الجملة العباس بن الحسن، فحين صلّينا عليه وأردنا الانصراف تقدّم العباس بن الحسن إلى ولديه فقبّل يديهما، ولما كان قريبا من الظهر استوزر المكتفي العباس بن الحسن وجلس في الديوان ينظر إلى بعد العصر ثم نهض وعاد إلى العزاء وكان القاسم قد دفن في داره فمضى لزيارة القبر فتلقّاه ولدا القاسم وقبّل كلّ واحد منهما يده، هذا في يوم واحد وما طالت المدة.
وحكى الصولي قال: ما رأيت أكرم من المكتفي، كنّا يوما بين يديه فقال ليحيى ابن عليّ المنجّم «406» : يا يحيى باللَّه عليك كيف أشرت على أبى أن يولّى العهد غيري وقلت في ذلك شعرا؟ فحلف واجتهد وقال: يا سيدي لقد كذب عليّ وكيف كنت أقول ذلك؟ ألست القائل لمولانا المعتضد لما سار إلى آمد في قصيدة طويلة أولها:
(1/151)
________________________________________
ينتثر الدرّ من تكلّمها ... ويلمع البرق من تبسّمها
وقلت فيها [71 ب] :
إن عليّا علا بهمّته ... حيث الثريا في بعد أنجمها
حكى أباه بفضله وغدا ... من العرى آخذا بأحزمها
فقال له: يا يحيى قلت له ذاك أولا وحيث لم يصغ إلى كلامك قلت هذا ولست محتقدا عليك بذلك ولا أريد أن أجازيك على ذلك بسوء، معاذ الله أن يكون عندي من المسألة ما لا أحتمل به مثل هذا وإنما ذكّرتك به لأمر لك بصلة في مقابلته فإنه ما أساء إليّ أحد إلا أحسنت إليه وأمر له بخمسين ألف درهم.
ومات المكتفي باللَّه في يوم السبت ثانى عشر ذي القعدة [من] سنة خمس وتسعين ومائتين ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وقيل «407» له في مرضه: لو وكلت بعبد الله بن المعتز ومحمد بن المعتمد، قال: ولم؟ قيل له: لأن الناس يرجفون بهما للخلافة بعدك فتستظهر لئلا يخرج الأمر من أخيك جعفر، فقال: هل سمعتم من أحدهما أنه أحدث علينا خلافا؟ فقيل له: لا، فقال: فأىّ ذنب لهما بإرجاف الناس لهما بهذا الأمر؟ أليس هما من أولاد الخلفاء؟ فلا تعرضوا لهما.
وكان وزيره حين مات العباس بن الحسن «408» ، وحين دخل عليه ورآه ميتا تمثّل ببيتى أعشى همدان:
وما تزوّد مما كان يجمعه ... سوى حنوط غداة البين في خرق
وغير نفحة أعواد تشب له ... وقلّ ذلك من زاد لمنطلق (408)
وانقضت أيام المكتفي- رحمة الله عليه-.
(1/152)
________________________________________
أمير المؤمنين المقتدر باللَّه
[72 أ] هو أبو الفضل، جعفر بن المعتضد، بويع له يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين. وأمه أم ولد روميّة اسمها «شغب» وكان سنّه ثلاث عشرة سنة. واختلفوا في بلوغه. و [لما] كان وقت فراغهم من أمر المكتفي ودفنه بادر صافى «409» الحرمي لاحدار المقتدر من بيته بالجانب الغربي بالموضع المعروف بدار ابن طاهر وحمل معه شبّارة وأجلسه فيها وأحدره فاجتازوا على دار الوزير العباس بن الحسن، وكانت داره على شاطئ دجلة، فلما حاذوا الدار خرج العباس ووجوه أصحابه بالشموع يتوقّعون أن يدخل المقتدر إلى داره ليكون أخذ البيعة بها فخاف صافى الحرمي من حيلة فصاح بالملّاحين فما عرجوا بل انحدروا وجها واحد إلى الحسنى «410» . وحين دخل الحسنى صلّى أربع ركعات وجلس على السرير وحضر الوزير والقواد وبايعه الناس. وتولّى حجبته نصر القشوري.
وكان أول حادث حدث في أيامه قتل الوزير العباس بن الحسن «411» وكان الوزير قد سمع أن جماعة من القوّاد يريدون الفتك به إذا ركب إلى دار السلطان.
وكان إذا كرر ذلك عليه يتمثّل بهذا البيت:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
وكان شيخ الكتّاب وزمام الدواوين كلها في أيام المقتدر وفي أيام المكتفي وفي أيام المعتضد عليّ [بن عيسى] بن داود [بن] الجراح «412» ، فدخل ابن الجراح يوما على الوزير العباس بن الحسن وخوّفه وقال له: قد عزم [72 ب] الجماعة على الفتك بك وكل واحد منهم قد صار رأسا بنفسه لصغر سنّ الخليفة فقال له الوزير:
هذا تقوله من خور طبعك وضعف قلبك، وهب كان الأمر على ما ذكرت كيف أخاف من هؤلاء الذين تذكرهم والحسين بن حمدان يسايرنى ويركب معى كل يوم.
وكان لقضاء الله وقدره هو الّذي قتله. فإنه ركب يوما إلى دار السلطان وكان المقتدر في ذلك اليوم قد ركب إلى الحلبة ليضرب بالصوالجة وتأدّى الخبر إلى صافى الحرمي بما
(1/153)
________________________________________
عزم عليه القوم فبادر إلى المقتدر وهو بالحلبة فأعلمه بذلك وأدخله سالما إلى الدار وتأدّى مثل ذلك إلى الوزير فلم يرتقع به «413» وسار على عادته من ناحية الثريا والعساكر تسايره وعلى يمينه الحسين بن حمدان وعلى شماله فاتك المعتضدي، فلما بلغ إلى مكان يعرف بمقسم الماء «414» سلّ الحسين بن حمدان سيفه وضربه ضربة حلّ بها عاتقه فقال له: فاتك أيّ شيء تفعل؟ فثنى به وعاد وضرب الوزير ثانية وثالثة وضربه بعده وصيف بن سوارتكين فسقط ميتا ووقع النهب في دوره وما يليها من دور العامة «415» . وكان لذلك سببان «416» :
أحدهما: تغلّبه على الخلافة لصغر سنّ المقتدر وقلة اكتراثه بالجند.
والثاني: أنه كان عشق جارية للحسين بن حمدان وراسلها في أن تحضر عنده وكتب إليها رقاعا بخطه وعرضتها الجارية على سيدها وكانت أم أولاده ومقرّبة عنده فاحتقد ذلك عليه مع أشياء لا يحسن ذكرها «417» .
وحين صلّيت الظهر قصدوا بأسرهم دار عبد الله بن المعتز وبايعوه [73 أ] وحضرت صلاة المغرب ولا يشك أحد في تمام الأمر له «418» وضربت النوبة على بابه وسمعت أيضا أصوات دبادب من دار السلطان تضرب للمقتدر وكذلك ضربت النوبة من الجانبين في صلاة العتمة وصلاة الفجر من يوم الأحد. لأن بيعة ابن المعتز كانت وقت الظهر من يوم السبت وسمّى نفسه «المنتصف باللَّه» واستوزر محمد بن داود ابن الجراح «419» . وكان قد تخلّف في دار السلطان مع المقتدر سوسن الحاجب وصافى الحرمي ومؤنس الخازن ومؤنس الخادم المعتضدي وعدّة من الغلمان. وأما سائر الجند من العرب والترك وغيرهم وسائر الكتّاب والقضاة فكلهم أصبحوا ومضوا إلى دار الخليفة المنتصف باللَّه أبى العباس عبد الله بن المعتز «420» .
وكان ابن المعتز دبّر في الليل وقسّم الجند قسمين: قسم يقصدون الدار من جانب الماء وقسم يقصدون الدار من جانب البر إن امتنع المقتدر والجماعة الذين في الدار عن تسليمها.
(1/154)
________________________________________
وفي بكرة يوم الأحد وجّه الوزير إلى صاحب خزانة الكسوة [يأمره] بتنفيذ البردة والقضيب والخاتم فجاء الرسول يقول: إن مولانا المقتدر قد لبسها. فلما بلغ ذلك إلى ابن المعتز التفت إلى من حوله من الكتّاب والقضاة والأجناد وقال: قد آن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح. فقال له محمد بن خلف المعروف بوكيع «421» :
أمير المؤمنين أعزّه الله كما قال أبو العتاهية لجده المهدي:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
وأنشده الأبيات إلى آخرها. ثم قال ابن المعتز: ادعوا لي الحسين بن حمدان فدعوه فقال له: تركب إلى الحسنى فقال: الأمر لأمير المؤمنين. فقال له: قدّم قوما يركبون من جهة الماء في السفن ليشغلوهم ونركب نحن من البر وتقدّم قبلي قال:
الأمر لك. وخرج الحسين وأمر قوما من الجند بالركوب في الحراقات والزبازب لقصد الدار من ناحية الماء فتكاسلوا تهاونا لمن بالدار وركب هو من ناحية الحلبة فرأى ما لا يعدّ من العامة حول الدار بالأسلحة يعاونون من بها وقد قويت قلوبهم بهم وخرجوا يناوشون أصحاب الحسين بن حمدان فحاربهم ساعة فأصابه حجر مقلاع شجّ وجهه وسهم في جنبه فكرّ راجعا إلى داره ليشدّ جراحته وكان هو مقدم الجيش فلما رآه العسكر كذلك كرّوا راجعين وانهزموا. وقصد داره وشدّ جراحته ودخل إليه إنسان من عسكره فأعلمه أنه لم يبق من العسكر أحد حول الدار وأن الغلبة للعامة وأن المقتدر قد ركب، فقام الحسين بن حمدان وركب وحده وأخذ طريق سامراء عائدا إلى ولايته «422» وهي الموصل ثم إن العامة تكاثروا ورموا من كان قد بقي من العسكر بالأجر وصاحوا: المقتدر باللَّه يا منصور. وسمع ابن المعتز الضجة فقال: ما الخبر؟ دخل ابن حمدان الحسنى؟ ثم قال: قدّموا الفرس لأركب فقيل له: إن ابن حمدان قد هرب على وجهه والجند قد تبدّدوا فقال: العامة معنا أو علينا؟ فقالوا له: بل علينا، فأنشد هذا المصراع:
ليس يومى بواحد من ظلوم
[74 أ]
(1/155)
________________________________________
يعنى أن عامة بغداد كانوا عونا على أبيه المعتز في نوبة للمستعين. ثم قربت منه الأصوات حتى قربوا من داره ورموها بالمقاليع فأراد أن يأخذ لنفسه من جانب الماء فاطلع على الروشن فرأى ما أراد أن يفعله هو قد فعله أصحاب المقتدر وإذا بنحو خمس مائة قطعة من السفن تقبل مصعدة إلى داره من نحو دار السلطان وفيها الدبادب والبوقات والغلمان بالعدّة والأسلحة وجماعة من النفّاطين بالزراقات والمقدّم عليهم غريب خال المقتدر. فحين رآهم نحب قلبه وأيقن بالهلاك وجعل من بقي من الناس عنده في الدار يتسلمون واحدا واحدا ويخلطون أنفسهم بالعامة وبعضهم رمى بنفسه إلى الماء فسبح ونجا. وجاء القوم وأخذوا عبد الله بن المعتز وأحدروه إلى دار السلطان على أقبح حال «423» .
قال أبو بكر، محمد بن يحيى الصولي في كتاب الأوراق: كنت واقفا تحت دار السلطان في جملة النظّارة وأنا أراه وقد أخرجوه من الشبارة التي كان فيها وعليه جبّة مصمت تبنية وهو حافى وكان سوسن الخادم واقفا على باب الماء فصفعه صفعة وقع على وجهه فلعنه كل من حضر وقالوا له: الّذي يراد به أكثر من هذا فما معنى هذه الإهانة؟ وأدخل الدار ولفّ في كساء وشدّ طرفاه حتى اختنق وحمل إلى داره ودفن بها. وكان آدب بنى العباس وأشعرهم وأعرفهم بالفقه والأحاديث والقرآن، إلا أن حرفة الأدب أدركته «424» .
وخلع المقتدر على أبى الحسن عليّ بن محمد بن موسى بن الفرات وقلّده الوزارة يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة خمس [74 ب] وتسعين ومائتين وركب في الخلع والناس معه إلى داره.
وفي يوم الأربعاء رابع ذي الحجة قبض المقتدر باللَّه على ابن الفرات وعلى جميع أسبابه وقلّد الوزارة أبا عليّ محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان المعروف بدق صدره «425» وخلع عليه وقلّده سيفا وانصرف إلى منزله بباب الشماسية والقوّاد بين يديه. وولى ابنه عبد الله بن محمد خلافة أبيه في الوزارة.
(1/156)
________________________________________
وفي سنة إحدى وثلاث مائة عاد عليّ بن عيسى بن الجرّاح من مكة، شرّفها الله تعالى، وقبض المقتدر على الخاقانيّ وابنه وولى عليّ بن عيسى الوزارة «426» .
في سنة أربع وثلاث مائة قبض المقتدر على عليّ بن عيسى في ذي الحجة وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة وهي وزارته الثانية. ويقال «427» إنه حين خلع عليه بالغداة زاد في آخر النهار في ثمن الشمع والكاغد والثلج في كل من قيراط لكثرة استعماله لها وكان يخرج في كل يوم إلى دار العامة من الثلج أربعون ألف من سوى ما كان لخاصته وبيت شرابه.
وفي سنة ست وثلاث مائة قبض على ابن الفرات واستدعى حامد بن العباس من واسط، وكان واليا عليها فقلّد الوزارة وأضيف إليه عليّ بن عيسى لتنفيذ الأمور وفيهما قيل:
ذاك سواد بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد «428»
وفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة قبض على حامد بن العباس وأعيد ابن الفرات إلى الوزارة وهي وزارته الثالثة ونفى حامد بن العباس إلى واسط فدسّ عليه ابن الفرات من قتله بالسم «429» .
وفي أيام حامد بن العباس صلب [75 أ] الحسين بن منصور الحلّاج بعد ما ظهرت منه أمور اقتضت إباحة دمه فصلبوه بفتوى قاضى القضاة أبى عمر «429» وجماعة الفقهاء. وكان جماعة من أهل بغداد يحتفظون ببوله في القوارير وبنجاسته في البراني. وكان من جملة هؤلاء القوم نصر «430» القشوري الحاجب وعدّة من خواص الدار. وظهرت له فضائح لا يحسن ذكرها «431» .
وفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة قبض على ابن الفرات في ربيع الأول وولى مكانه أبو القاسم عبد الله «432» بن أبى عليّ الخاقانيّ وهرب المحسن بن الفرات واختبأ عند امرأة فظفروا به وحملوه إلى دار السلطان وقطعوا رأسه ووضعوه بين يدي أبيه ثم حزّوا رأس أبيه وحملوا الرأسين إلى المقتدر «433» .
(1/157)
________________________________________
[قيل لمّا ورد الحسين بن حمدان إلى بغداد مع مؤنس وشهر على جمل فدوّروه جميع البلد وعلى رأسه البرنس امتنع ولده عن وضع البرنس على رأسه فقال الحسين: ألبسه يا بنى فإن أباك ألبس البرانس أكثر هؤلاء الذين تراهم. ونصبت القباب بباب الطاق وركب أبو العباس بن المقتدر وبين يديه نصر الحاجب ومعه الحربة وخلفه مؤنس وعليهم السواد. ولما صار الحسين بن حمدان بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين:
الحمد للَّه الّذي أمكن منك. فقال الحسين: والله لقد امتلأت صناديقى من الخلع والألوية وأفنيت أعداء الدولة وإنما أصار بى إلى ما ترى الخوف على نفسي وما الّذي نزل بى إلا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من أوليائه مثلي. وبلغ به الدار ووقف بين يدي المقتدر ثم سلّم إلى بدر الحرمي [75 ب] فحبسه في حجرة في الدار] [1] «434» .
وفي سنة سبع عشرة وثلاث مائة شغب الجند على المقتدر باللَّه وكان رئيسهم نازوك وكبسوا الدار عليه وذلك لاستيلاء أمه على الدولة فهربت أمه وأولاده وهرب هو ودخل دار مؤنس المظفر خادم المعتضد وكان شيخ الدولة ومقدمها فدخلوا وراءه وألزموه الخلع فخلع نفسه وقصدوا دار الأمير أبى منصور محمد بن المعتضد باللَّه وهو أخوه فحملوه إلى دار السلطان وبايعوه بالخلافة وتسمّى ب «القاهر باللَّه» . وبعد ذلك بيومين طالب الجند بأرزاقهم وقصدوا الدار وشتموا نازوك فأغلظ عليهم في القول فقتلوه ودخلوا وأخرجوا القاهر من الدار وردّوه إلى داره ومضوا كلهم رجّالة إلى دار مؤنس وأخذوا المقتدر على رءوسهم وحملوه إلى دار السلطان وجدّدوا له البيعة. فيقال: ما رئي ولا عهد أن خليفة خلع دفعتين وعاد إلى الخلافة إلا المقتدر باللَّه. وكان من جملة من واطأ نازوك على فعله وحسّن له خلع المقتدر أبو الهيجاء بن حمدان فحين أعادوا المقتدر وكان في الدار وخاف على نفسه انهزم إلى باب الماء ليهرب فتبعوه وقطعوه «435» . واستولى مؤنس المظفر على الدولة وخلاله الجو وصار أمير الأمراء واستشعر منه المقتدر واستشعر هو أيضا من المقتدر وخرج مغاضبا «436»
__________
[1] ما بين العاضدتين [] لم يرد في نسخة فاتح فلعله من الإضافات التي أشرنا إليها في ما سبق.
(1/158)
________________________________________
وذلك في سنة عشرين وثلاث مائة وضرب مضاربه بباب الشماسيّة وبقي أياما ينتظر أن يترضّاه المقتدر فلم يلتفت إليه فنفذ إليه بخادم اسمه بشرى برسالة فاعتقله المقتدر وحبسه ولم ير مؤنس [76 أ] للصلح وجها فتمّ إلى الموصل وكتب الخليفة إلى بنى حمدان يولّيهم على مؤنس فحاربوه ونصره الله تعالى عليهم ووصل (سعيد) بن حمدان هاربا إلى بغداد مع جماعة من أهله فخلع عليه المقتدر وأكرمه.
وكان المقتدر قد استوزر الحسين «437» بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان فعزله واستوزر أبا الفتح الفضل «438» بن جعفر بن الفرات فتقلّد الوزارة على أمور مضطربة وقلّة جند وعدة ونفاد الأموال. ثم إن مؤنس قصد مصر وجمع خلائق من البربر «439» وسار بهم مع جند الشام وديار بكر الذين تبعوه بعد هرب بنى حمدان يريد الحضرة. وحين قرب من بغداد ركب المقتدر في يوم الأربعاء لثلاث خلون من شوال وحوله عساكره وألوية الملك وأعلامه بين يديه والبردة على كتفيه والقضيب في يده وحوله كل عالم وزاهد ببغداد في أيديهم المصاحف والناس يدعون له، فلما انتهى إلى باب الشماسية وقف هناك وعبّأ الجيش أحسن تعبئة ونفذهم إلى حرب مؤنس فعادوا منهزمين وأسر هارون بن غريب خال المقتدر وأحمد بن كيغلغ وصافى النصري «440» .
وكان المقتدر واقفا على تلّ مع نفر قليل وفيهم ابنا ياقوت الحاجب وابنا رائق.
فقالوا: نحمل على ابن يلبق؟ وكان هو وأبوه من جملة من خرج مع مؤنس، فحملوا عليه فاقتطعتهم الخيل وفرّقت بينهم وبين المقتدر فبقي مع عدة من الخدم فأدركه عليّ ابن يلبق- لعنه الله- فحين رآه ترجّل وقبّل الأرض ثم أومأ بعينه إلى بربرى كان معه أسود فضرب المقتدر ضربة [76 ب] أبان بها رأسه عن بدنه وحمل رأسه على ذبابة سيفه وجاء به مع عمامته إلى مؤنس، فلما رأى رأسه وعمامته لطم على وجهه وبكى وبقيت جثّته مرميّة على الأرض إلى أن اجتاز شوكى فرأى عورته مكشوفة فغطّاه بحشيش، ولا يعرف له قبر «441» وكان سنّه يوم بويع له ثلاث عشرة سنة وشهرا واحدا، ويوم قتل ثمان وثلاثين وشهرا وخمسة أيام. فكانت خلافته أربعا
(1/159)
________________________________________
وعشرين سنة وأشهرا. ولم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا هو وجده المتوكل وقتلا جميعا- رحمة الله عليهما-.
وفيه يقول ابنه الراضي [باللَّه] يرثيه:
بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى ... لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا
فلو أن حيّا كان قبرا لميّت ... لصيّرت أحشائى لأعظمك القبرا
ولو أن عمري كان طوع مشيئتى ... وساعدني المقدار قاسمتك العمرا
«442» وقال يرثيه ويذكر حاله في حبس القاهر:
عصيت الهوى وعدمت الودادا ... وأبلى الجديدان منى الجديدا
وقد كنت دهرا أطيع الهوى ... وأجرى مع اللهو شأوا بعيدا
فحرمت كأسى على لذّتى ... وأزمعت عن كل لهو صدودا
أبعد إمام الهدى أرتجي ... سلوّا وأبغى لعيني هجودا
وقد ظل بين سيوف العدي ... صريع الفلاة وحيدا فريدا
كأن لم يكن قط في جحفل ... يغيض العدي ويجر الجنودا
يعزّ على ملك قد ثوى ... بأنى أقاد أسيرا وحيدا [77 أ]
وأفرشت خدي لوطء العدي ... وأفرش أهلي لأجلى الخدودا
فيا ليت ركبا إلينا نعوك ... نعونا إليك وتعطى الخلودا «443»
(1/160)
________________________________________
أمير المؤمنين القاهر باللَّه
لما قتل المقتدر أرادوا كلهم مبايعة محمد بن المكتفي وقالوا: هو أتم الجماعة عقلا.
فقال مؤنس: الخزائن فارغة والأجناد يطالبون بالأرزاق وليس في أيدينا شيء وأخاف أن ينتقض الأمر علينا، والقاهر كنّا أقعدناه في الخلافة وتسمّى بها مرة فإن شغّب الجند وطلبوا الأموال هدّدونا به. ونحن إذا أقعدنا القاهر استرحنا. فقالوا له:
الصواب ما تراه.
واتفق أن القاهر ومحمد بن المكتفي ناما في تلك الليلة في مضارب مؤنس فقال القاهر بالليل لمحمد بن المكتفي: أنا فقير وما لي شيء فتولّها أنت، فقال له: أنت شيخي وعمّى وقد ولّيت هذا الأمر مرة فأنت أحق به منى «444» . وبايعوا لهذا القاهر بالخلافة في يوم الخميس في مضارب مؤنس. وانحدر القاهر إلى الدار ومعه مؤنس والعسكر كلهم.
وأم القاهر جارية اسمها «قبول» «445» .
وقلّد الحجبة عليّ «446» بن يليق وقلّد إمارة الأمراء لمؤنس وقلّد الشرطة ببغداد ليلبق. ثم إن يلبق ومؤنس وعليّ بن يلبق ضيّقوا على القاهر جدّا وما كانوا يرونه إلا بعين تابع لهم «447» . وكانوا يوكلون بالدار من يعلمهم بأحواله. وما كان القاهر قد طاب له ما فعلوا بأخيه من قتله وهتك حرمة الخلافة.
وقلّد القاهر وزارته أبا عليّ، محمد «448» بن عليّ بن مقلة، وكان العامة يرجفون بأن القاهر [77 ب] يريد الفتك بقتلة المقتدر واستشعروا هم منه واضطرب الجند ببغداد لدخول القرامطة مكة وهدم الكعبة. ووصل الخبر بأنهم قلعوا الحجر الأسود وحملوه إلى هجر وإنهم قتلوا سبعين ألف مسلم في الحرم وطمّوا بئر زمزم بالقتلى وانقطع طريق الحج «449» .
فلما كان في يوم الأحد ثانى شعبان سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة جاء عليّ
(1/161)
________________________________________
ابن يلبق الحاجب على العادة إلى الدار فنفذه القاهر إلى أبيه وإلى مؤنس يقول لهم:
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 7 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

قدّموا حضوركم لندبّر في أمر القرامطة فحضروا فلما حصلوا في الدار أمر بالقبض عليهم وأمر فقطع رأس عليّ بن يلبق وقدّم بين يدي أبيه في طست ثم قطع رأس أبيه وجعلا جميعا في طست وأمر فجرّ مؤنس إلى البالوعة وذبح كما تذبح الغنم والقاهر يقول له:
يا معيوب يا مخرق الأسفل أنت تقدم على قتل الخلفاء؟ ثم أخرجت رءوسهم وبين أيديهم الدبادب والبوقات فطيف بها في البلد ومناد ينادى: «هذا جزاء من أقدم على هتك حرمة الخلافة. فما بقي أحد إلا لعنهم وأحرق العامة أبدانهم وحملت رءوسهم إلى خزانة الرءوس «450» فوضعت فيها.
وفي هذا اليوم مات الإمام أبو بكر بن دريد الأزدي «451» - رحمه الله-.
ولما دخل رمضان من هذه السنة شغّب الجند وطلبوا الأرزاق فأعطوا شيئا فسكنوا ورجعوا راضين وجرى الأمر على ذلك إلى جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وفي يوم السبت ثانى جمادى [الأولى] اجتمع أبو محمد، الحسن بن أبى الهيجاء بن حمدان وهو الّذي تلقّب أخيرا بناصر الدولة [78 أ] وهو أخو سيف الدولة الأكبر وواطأ جماعة من الغلمان الساجيّة والحجريّة وأحاطوا بالدار ووكلوا بالأبواب وطلبوا القاهر فهرب منهم ففتّشوا عليه وإذا به فوق حمّام وعلى رأسه شرّب قصب وعليه غلالة كتان «452» . فقال له بعضهم: انزل، فقال: ما أنزل ففوّق سهما وقال له: إن لم تنزل رميتك، ولم يكن له مفرّ فنزل فمسكوه وقالوا له:
اخلع نفسك. وتبادر قوم إلى الدار التي كان فيها الأمير أبو العباس بن المقتدر محبوسا فأخرجوه منها وأجلسوه على سرير أبيه وأدخلوا إليه القاهر حتى بايعه بالخلافة وسملوه بعد ذلك.
فكانت خلافته سنة ونصفا.
ووزر له: أبو على، ابن مقلة، ثم بعده أحمد بن الخصيب «453» .
(1/162)
________________________________________
أمير المؤمنين الراضي باللَّه «454»
هو أبو العباس، محمد بن المقتدر باللَّه، بويع له في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وأمه جارية اسمها «ظلوم» .
واستحضر عليّ بن عيسى بن الجرّاح وندبه للوزارة فاعتذر بكبر سنّه، ورغب ابن مقلة في الوزارة وبذل خمس مائة ألف دينار فخلع عليه وقلّد الوزارة.
ونفذ الراضي باللَّه محمد بن ياقوت لمحاربة هارون بن غريب الخال فخرج لمحاربته وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى الراضي فخلع عليه وطوّقه وسوّره «455» .
وولى الراضي أبا بكر محمد بن رائق إمارة الأمراء ببغداد واستولى على الدولة وتغيّر الوزير ابن مقلة له وصار خصمه.
وفي سنة أربع وعشرين [وثلاث مائة] صلّى الراضي باللَّه بالناس [78 ب] في الجامع بدار الخلافة وخطب.
قال أبو بكر الصولي «456» : وكان مؤدّب الراضي، لما فرغ من الخطبة وانقضت الصلاة وعدت إلى بيتي جاءتني رقعة بخطه وإذا فيها: «يا محمد بن يحيى وقع عليك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق بن المعتمد «457» قريب منى غير بعيد عنى فعرّفني على تحرّى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجّن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع زلل في لفظه أو إحالة في معناه جاريا في ذلك على عادتك في حال الإمرة غير مقصّر عنها للخلافة والسلام» ، فكتبت إليه رقعة أذكر فيها:
«إنني ما أحسن وصف ذلك إلا ببيت حسان بن ثابت في جدك عبد الله بن العباس- صلى الله عليه وعلى سلالته الطيبة الطاهرة- فإنه قال فيه:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا ترى بينهما فصلا» «458»
وفي سنة خمس وعشرين [وثلاث مائة] قبض الراضي على عليّ بن مقلة لأنه اتهمه بأنه كاتب بجكم «459» التركي بقصد الحضرة واستيلائه على أمر الخلافة معاندة لابن رائق، وظفروا بكتاب بخطه إلى مرداويج «460» الديلميّ الخارجي يحسّن له قصد
(1/163)
________________________________________
الحضرة ويهوّن عليه أمر الخلافة وكان إماميّا لا يرى خلافة بنى العباس. واتفق رأى الخليفة وابن رائق على إن قطعت يده «461» على ملأ من الناس وكتب رقعة من الحبس إلى أخيه أبى عبد الله بيده اليسرى وما تغيّر خطّه عما عهده. وكتب من الحبس رقعة إلى بعض الكتّاب من أصدقائه «462» :
ترى حرمت كتب الأخلّاء بينهم ... أبن لي أم القرطاس أصبح غاليا [79 أ]
فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
أخوك الّذي يرعاك عند شديدة ... وكلّا تراه في الرخاء مراعيا
فهبك عدوّى لا صديقي فربما ... يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا
وله وهو في الحبس بعد ما قطعت يمينه:
ما طلبت الحياة لكن ... توثّقت بأيمانهم فبانت يميني
كم تحرّيت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذّة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيتي «463»
وفي سنة سبع وعشرين تغيّر الخليفة على ابن رائق فاستتر ووصل بجكم إلى بغداد فولّاه الخليفة إمارة الأمراء وطوّقه وسوّره «464» .
وفي هذه السنة خرج الراضي باللَّه لمحاربة بنى حمدان ومعه الأمير بجكم، وحين وصلوا إلى تكريت وصل الخبر إليهم بظهور ابن رائق ببغداد واستيلائه عليها والتحاق أكثر القرامطة به فتمّوا إلى الموصل فهرب بنو حمدان من الموصل. وكان الراضي يقول: «حصلنا من الخلافة على قصبة الموصل» . ثم صولح ابن حمدان على مال أدّاه وعاد الخليفة. وتقرر أمر ابن رائق على أن ولّى الشام والعواصم وقنسرين فسار إليها «465» .
ثم وصل الخبر بظهور بنى بويه «466» الديلم وأنهم ثلاثة إخوة تقاسموا بلاد الإسلام، وكان الأكبر منهم عماد الدولة أبو الحسن، عليّ بن بويه، والأوسط ركن الدولة أبو عليّ، الحسن بن بويه، والأصغر أبو الحسين، أحمد بن بويه. وكانوا أولاد صيّاد.
وجاء الخبر من واسط بأن أحمد بن بويه قصد نواحيها فانحدر [79 ب] إليه
(1/164)
________________________________________
بجكم ونفذ إلى الراضي يقول له: «أمر هذا لا يجيء إلا بك» . فانحدر الراضي إلى واسط. فحين أحسّ الديلميّ به رجع إلى الأهواز وعاد الراضي إلى بغداد.
ومات الراضي- رحمه الله- في غرة ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
وكان مولده في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر. فكانت خلافته ست سنين وخمسة أشهر.
وكان أديبا فاضلا شاعرا أحسن الخلق خلقا متواضعا كريم الطبع سخيّا له وفاء وذمّة وإنما أدركته حرفة الأدب فلم تطل أيامه ولا عمره. ومن محاسن نظمه قوله:
ضحك الزمان إليّ من اعتاب ... وأعارنى سمعا لبثّ عتاب
سابق بلذّتك الشباب فإنني ... أصبحت فيه مجررا أثوابى
وعلمت أن الدهر حرب شبيبتى ... فخلست في غفلاته آرابى «467»
وقال لما تغيّر لابن رائق:
صغرت عن الأمر الّذي رمت فعله ... فطالعنى بالصغر من كل جانب
وأظهر لي حبّا يطيف به قلى ... كخلّب برق في عراض سحائب
أيقعد لي كيد النساء بمرصد ... وإني فتىّ السن شيخ التجارب «468»
وله أيضا:
سقى الله أطلالا رعيت بها الصبا ... سحابة غيث لا يكف سكوبها
ظعنت وقد خلّفتني نهبة الأسى ... لعلة وجد لا يصاب طبيبها
ليهنك لوعات تردد في الحشا ... وعصيان عين ما تطيع غروبها [80 أ]
وتضييع رأى في اصطناع معاشر ... تسوّد وجه الاصطناع عيوبها
أنا ابن الأولى من هاشم زنت هاشما ... كما زانها العباس قبلي نسيبها
سلى تخبري من كان طفلا ويافعا ... فعزّت به الدنيا وذلّت خطوبها
ألم أطل الأملاك علما وسؤددا ... وتفخر بى شبان فهر وشيبها
وإني إن ضل الغريم غريمها ... وإن أفحم الخطاب يوما خطيبها
(1/165)
________________________________________
وسيفي على أعدائها سيف نقمة ... جريء على الأعمار في ما ينوبها «469»
وله أيضا:
وسيف ظلام تدرعته ... أهب له يقظا حين هبّا
أأشهر سيفي على نابح ... وأفرش للثأر قردا وكلبا
إذا لا ارتوى من دم حده ... ولا سار بالعدل شرقا وغربا «470»
وله أيضا:
أهوى الفراق وإن رأيت ... الموت في شخص الفراق
لتقارب عند الوداع ... وقبلة عند التلاقي «471»
وله أيضا:
من ذا يقيم دعائم الإسلام ... ويعمّ بالإفضال والإنعام
فينا النبوة والخلافة حكمنا ... ماض كما شئنا على الأيام
أمضى من الأجل المعجّل أمرنا ... يأتيك قبل الفكر والإلهام
لا ينقض الأعداء مبرم أمرنا ... وبنا تمام النقض والإبرام «472»
وأما وزراؤه: فهم أبو على، محمد بن عليّ بن مقلة، وكان وزر للمقتدر باللَّه [80 ب] ثم للقاهر باللَّه ثم للراضى باللَّه.
وكان «473» لما قطعت يده ينوح عليها ويبكى ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا من المصاحف ونقلت بها كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ووقّعت بها عن ثلاثة من الخلفاء وتقطع هكذا كما تقطع أيدي اللصوص.
وفي آخر زمان الراضي بعد موت ابن مقلة استعرضوا ما في خزانة الرءوس وكانت قد امتلأت بها الخزانة ورموها كلها إلى دجلة وكان بعضها في أسفاط وبعضها في صناديق رصاص، ووجد في الجملة سفط وفيه رأس ويد ورقعة فيها مكتوب: «هذا رأس أبى الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان وزير المكتفي» ، وهو الوزير بن الوزير بن الوزير بن الوزير لأن القاسم أباه كان وزير المكتفي والمعتضد
(1/166)
________________________________________
وعبيد الله كان وزير المعتضد وسليمان بن وهب كان وزير المعتمد. وفي تلك الرقعة مكتوب: «وهذه اليد التي مع هذا الرأس يد الوزير أبى عليّ بن مقلة وهذه اليد هي التي وقّعت بقطع هذا الرأس» .
ثم بعد ابن مقلة وزر للراضى عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح «474» أخو الوزير عليّ بن عيسى المقدّم ذكره. ثم أبو جعفر الكرخي «475» وكان قصيرا جدا فقطع لأجله من سرير الخلافة أربعة أصابع ثم سليمان «476» بن الحسن دفعتين.
(1/167)
________________________________________
أمير المؤمنين المتقى للَّه
هو أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر باللَّه، بويع له يوم الأربعاء العشرين «477» من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وأمه أم ولد اسمها «خلوب» [81 أ] .
وحين مات الراضي انحدر المتقى للَّه من داره بدار ابن طاهر من الجانب الغربي إلى دار السلطان والناس على شاطئ دجلة يدعون له والمقرءون يقرءون بين يديه.
ولما صعد من الزبزب جلس لحظة على رواق الخورنق وقام وصلّى ركعتين على الأرض ثم ارتقى السرير وبايعه الناس. وعرضت الوزارة على عليّ بن عيسى فأباها واعتذر بضعفه وكبر سنّه «478» .
ونفذ الخليفة بجكم إلى قتال الأكراد والديلم بنواحي واسط فمضى وهزمهم وفي عوده كان يتصيّد وعليه غلالة كتّان فبادره كردى ورماه بحربة فوقعت في ظهره وخرجت من صدره «479» . ووجد المتقى في دار بجكم أموالا لا تحصى «480» . فيقال:
إن الآلات والفرش نقل إلى دار الخلافة في السفن والزواريق في مدة أربعين يوما.
والمال كان ألف ألف وست ومائة ألف دينار هذا سوى ذخائر بجكم التي ضاعت فإنه كان يحمل الصناديق وفيها الدنانير على البغال ويخرج معها وحده وعلى كل بغل رجل مسدود العين فإذا بلغ إلى المكان الّذي يريده من الصحراء فتح أعينهم وأمرهم بدفن الصناديق، ثم عاد وشدّها بيده وأركبهم على البغال وأعادهم إلى البلد فإذا حصلوا في داره عاد وفتح أعينهم حتى لا يعلموا أيّ مكان دفنوا تلك الأموال. وكان هذا دأبه مدة ولايته. وضاعت تلك الأموال كلها ولم يعرف لها خبر «481» .
وكان بجكم من أعقل الناس وأحسنهم تدبيرا ولذلك بلغ إلى ما بلغ. وكان الخلفاء يعتمدون عليه ويفوّضون أمر دولهم إليه ويقدّمونه على الوزراء. وكان لا يتكلم [81 ب] إلا بالفارسية وله ترجمان يعرف بمحمد بن ينال «482» .
واستوزر المتقى أبا عبد الله ابن البريدي عامل واسط «483» ، وتزوّج ابن الخليفة المتقى، أبو منصور بابنة أبى عبد الله «484» ، ثم استشعر منه المتقى لأنه كان قد جاء معه
(1/168)
________________________________________
من واسط عشرون ألف من الديلم. فنفذ المتقى وألّبهم عليه وضمّهم إلى عسكره فانحدر ابن البريدي هاربا إلى واسط ونهبت أمواله وذخائره وقتل خلق من أصحابه «485» .
واستوزر المتقى أبا إسحاق «486» [1] القراريطي حتى قال الناس: قد انسحقت الخلافة في أيام المتقى، هو أبو إسحاق وزيره أبو إسحاق وذكروا جماعة من خواصه اسم كل واحد منهم إما أبو إسحاق أو إسحاق، وذكروا في الجملة أمه وأنها سحاقة.
ثم إن القراريطي قال للخليفة: لا طاقة لي بالعسكر وإنما أنا كاتب فانظر في من يدبّر أمر عسكرك فاختار المتقى كورتكين الديلميّ «487» وجعله أمير الأمراء وطوّقه وسوّره. وهو كان أحد الديلم الذين أصعدوا مع البريدي من واسط.
وخلع المتقى على بدر الخرشنى واستحجبه وذلك كله في شوال من سنة تسع وعشرين وثلاث مائة «488» . وورد الخبر بقدوم أبى بكر بن رائق من الشام إلى الحضرة فاستشعر كورتكين من أن يولّيه المتقى إمارة الأمراء مكانه لأنه كان تسمّى بها أيام الراضي.
فاستأذن الخليفة في الخروج إليه ودفعه فأذن له قولا باللسان وقلبه مع ابن رائق، ونفذ إلى ابن رائق يأمره بسرعة القفول. فدخل ابن رائق بغداد وهرب منه كورتكين ونودي في جانبي بغداد: يا معاشر العامة قد أبحناكم مال الديلم، فما بقي عيّار ولا ملّاح ولا مكدى [82 أ] إلا وانتهب دورهم وقتلوا من وجد منهم «489» ونفذ ابن رائق خلف كورتكين من أسره «490» .
وكان العامة إذا أخذوا ديلميّا شوّهوا به، إما قطعوا أذنيه أو يديه أو أنفه وهو حىّ يرى ما يفعل به. وبعض العيّارين أخذوا جماعة من الديلم وطبخوهم وأكلوهم وجرى عليهم من النكال ما لم يجر على مخلوق قبلهم. وصار كل من له في إنسان غرض أو له معه عداوة يقول له: أنت كنت مع الديلم فإما يقتل أو يصادر، حتى قال الناس كلهم: كان يمكن السلطان أن يبلغ من الديلم ما يريده بأحسن من هذا الوجه «491» .
وخلع السلطان على أبى بكر محمد بن رائق يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة وقلّده إمارة الأمراء وعقد له لواءين: أحدهما على المشرق والآخر على المغرب وطوّقه
__________
[1] أضف: المنتظم 6/ 318 رواية عن التنوخي.
(1/169)
________________________________________
وسوّره وأنزله دار مؤنس المظفر المعتضدي «492» .
وكان ابن البريدي حين طرد من بغداد على ذلك الوجه انحدر إلى الأهواز وكاتب الديلم بنى بويه «493» . وكان أول ظهورهم [أنهم] استولوا على فارس وكرمان ونفذوا إلى الحضرة بالأموال والتحف وسألوا أن ينفذ إليهم العهد واللواء بتلك البلاد ولعجز الراضي عن مقاومتهم أقرّهم على ما استولوا عليه واستفحل أمرهم في أيام المتقى. فلما انصرف ابن البريدي على ذلك الوجه من بغداد نفذ إليهم يهوّن في أعينهم أمر الخلافة ويحسّن لهم قصد الحضرة فما أقدموا على ما أراد منهم إلا أنهم أمدّوه بمائة ألف من الديلم خيّالة ورجّالة وقالوا: إن تمّ على أيديهم فتح كان لنا ولك. فوصل الديلم إلى واسط ولم يقدم أبو عبد الله بن البريدي على التهجم على الحضرة فنفذ العسكر [82 ب] مع أخيه أبى الحسين ابن البريدي. فحين قاربوا بغداد هرب المتقى منهم ومعه ابن رائق إلى ناحية الموصل، واستولى أبو الحسين ابن البريدي على بغداد. ونفذ إلى الخليفة يقول له: إني عبدك ويحلف بالأيمان المغلظة إني لا أريد بك سوءا وإنما أربد أن أكون مكان ابن رائق. ولم ينزل دار الخلافة إعظاما لها بل نزل دار مؤنس التي ينزلها ابن رائق «494» .
ولما وصل الخليفة إلى الموصل وفيها من قبله الأمير ناصر الدولة بن حمدان خرج إلى مراحل واستقبله وخدمه الخدمة التامة وعرف أن الخليفة محتاج إلى بنى حمدان وأنه لا يمكنه أن يغضبهم وهو على تلك الحال ولو فعلوا فيها ما فعلوا فبادر وفتك بابن رائق لمعاداة كانت بينهم، ولم يظهر من المتقى إنكار.
وقلّد الخليفة ناصر الدولة إمارة الأمراء مكان ابن رائق وجمع سائر بنى حمدان وانحدر وهم في جملته إلى بغداد. وكان في جملة ابن البريدي الأمير أبو الوفاء توزون التركي فغدر بابن البريدي وانضم إلى عسكر المتقى للَّه وهرب ابن البريدي ودخل المتقى إلى بغداد وخلع على توزون التركي وطوّقه وسوّره ولقّبه بالمظفر، فشقّ ذلك على ناصر الدولة. وكان يوم دخول السلطان المتقى للَّه إلى بغداد ضربت مائة قبّة
(1/170)
________________________________________
مجللة بالديباج عبر تحتها كلها وهي طبقات وفي كل طبقة الأغاني والمساخر والناس على طبقاتهم «495» وزيّن البلد حتى رئي في دكاكين الصيارف الدنانير موضوعة على الأكسية على هيئة الحنطة وفيها المكاييل كالقفيز والعشير والكيلجة «496» وما [83 أ] أشبه ذلك ورئي مثل ذلك في دكاكين الجوهريين وفيها من المكاييل الربع والثمن.
وحكى إنسان للمتقى أن أبواب الحمّامات زيّنت وكانت ستين ألف حمّام فما كان يخلو باب حمّام من خمسين أو أقل أو أكثر من الأسطال ولا تخلو هذه الأساطل من واحد أو اثنين ذهب أو فضة، فقيل: لو لم يكن على باب كل حمّام إلا واحد منها لكان بمدينة واحدة ستون ألف سطل ذهب وفضة فما ظنك بالأواني التي يكون استعمالهم لها أكثر من استعمالهم للأسطال «497» .
واستوزر المتقى أبا الحسين ولد الوزير أبى عليّ بن مقلة وخرج من دار السلطان وعليه الخلع وذلك في رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة «498» .
وقدّم المتقى للَّه أبا نصر، محمد بن ينال الترجمان وقوّده وأراد أن يولّيه إمارة الأمراء فخاف من ناصر الدولة. وعلم ناصر الدولة بباطن الحال فاستشعر وطلب الإذن له في أن يخرج إلى عمله. فأذن له فخرج على وجه جميل. ثم إن الخليفة حسب ما يحتاج إليه في كل شهر لخرج العسكر الذين بالحضرة سوى من هو مرابط في المراكز فكان خمس مائة ألف دينار ولم يكن في الخزائن شيء، وكان يحتاج في مئونة مطبخه كل يوم إلى خمسة آلاف درهم سوى نفقات الحواشي وسوى كسوته الخاصة وما يحتاج إليه من خلع وتشريفات وسائر أنواع التجمّل فضمن له توزون التركي «499» أنه يقوم بذلك إن ولّاه إمارة الأمراء فولّاه ذلك وطوّقه وسوّره فقام بما كان ضمن على نفسه إلا أنه ضيّق على المتقى جدا واستشعر المتقى منه لغلبته على الأمر واستبداده [83 ب] بالملك واستشعر أيضا توزون وانحدر إلى واسط بإذن المتقى لتقرير أمر البلاد السفلى ومحاربة بنى البريدي والديلم «500» فحين بعد توزون عن بغداد نفذ المتقى
(1/171)
________________________________________
إلى بنى حمدان يستدعيهم فأجابوه وانحدروا إلى بغداد وضربوا مضاربهم على باب الشماسية. وخرج الخليفة وضرب مضاربه عندهم ورحل من فوره وترك بغداد ونزل الرقّة وصيّر محمد بن ينال الترجمان أمير الأمراء وطوّقه وسوّره.
وحين وصل الخليفة إلى الرقّة وكان واليه على مصر أبو بكر محمد «501» بن طغج سمع بوصوله إلى الشام فجاء إليه ولقيه بالرقّة في العدّة الحسنة والعسكر الكثير وأهدى له من تحف مصر ولوزيره أبى الحسين بن مقلة ما ملأ عينهما. ثم أمره الخليفة بالعود إلى عمله فعاد إليه. وكان قد قال للمتقى: يا مولانا قد فسدت أمور العراق باستيلاء بنى حمدان على طرف وبنى بويه على طرف وباستشعارك من توزون، فلو جئت إلى مصر وأقمت بها وأنا كنت أكفيك كل ما تريده. فقال له «502» المتقى: كيف أقيم في زاوية من الدنيا وأترك باقي الدنيا يخرب؟ هذا لا يمكنني. فعاد وتركه في الرقّة.
ثم إن توزون راسل المتقى للَّه يستسل ما بقي في نفسه فما التفت إلى رسالته ونسب ذلك إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان اجتمعوا عند المتقى واشتوروا على جمع العساكر وقصد توزون ولم يطب لهم أن يكون الترجمان مقدّما عليهم فدخلوا يوما على المتقى وخرجوا من الدار فلما صاروا في بعض الدهاليز غمز ناصر الدولة أخاه سيف الدولة فاخترط سيفه وضرب به رأس [84 أ] الترجمان فأبانه عن بدنه. وسمع المتقى الضجة فقال: ما هذا؟ قالوا: سيف الدولة قتل الترجمان فقال كالمغضب: أمس ابن رائق واليوم الترجمان؟ «503» ولم يطل القصة لحاجته إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان خدموه بأموالهم وأنفسهم وأنسوه الترجمان.
ووصل الخبر من العراق بأن أحد بنى البريدي وهو أبو عبد الله قتل أخاه الآخر وهو أبو يوسف وأن أمر الديلم قوى بالبلاد السفلى وأن أبا عبد الله البريدي الّذي كان يقاومهم توفى عقيب قتله لأخيه وأن الأمير أبا الحسين أحمد بن بويه قصد بغداد وبها توزون وأظهر أن الخليفة المتقى: «كاتبني وأمرنى بذلك» وأن توزون حاربه وهزمه ومرّ الديلميّ هاربا «504» .
(1/172)
________________________________________
وقوى أمر توزون ثم تواصلت رسل توزون إلى الخليفة يطلب منه الصلح «505» وأن يعود الخليفة إلى دار الملك، فشرط الخليفة عليه أن ينتزح هو إلى واسط حتى يدخل الخليفة بغداد. فقال توزون: هذا الشرط لا التزمه لأني أريد أن أزيل عنى اسم العصيان فإذا انتزحت إلى واسط فالناس يرونني بعين عاص وأكون قد شهدت على نفسي بخلع الطاعة، ولكن إذا استقر في دار الخلافة يأمرني بما شاء حتى أنتهي إلى أمره. وأحضر الأمير توزون القضاة والعلماء والأشراف وحلف بمحضر من رسول المتقى على كل ما يريده ووقع الصلح وانصرف الناس مسرورين وذلك في يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة «506» .
ولما كان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة صح عزم المتقى على دخول بغداد فركب توزون إلى دار الخلافة وأمر [84 ب] بتجديد ما يحتاج إلى تجديده منها وعمارة ما تشعّث فيها وكان يتردّد بنفسه كل يوم دفعات إلى الدار. وحين قرب الخليفة من بغداد أمر توزون أن تنصب القباب كما نصبت في المرة الأولى ففعل ذلك وزيّنت بغداد وهو يتولّى ذلك بنفسه ولا يكله إلى أحد واختاروا لدخول المتقى يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. وخرج كل من ببغداد من القضاة والأشراف والعامة والتجار ولم يبق في البلد إلا شيخ مقعد أو زمن. فلما وصلوا إلى السندية أقاموا هناك ينتظرون وصول المتقى وهو على ستة فراسخ من بغداد. وركب الأمير توزون في أحسن زيّ وعدّة وحين توثّق الخليفة من توزون صرف جميع عساكر الشام وبقي في خواصه وخدمه. وحين أشرفت عمارية الخليفة عليهم قاموا كلهم ودعوا وكبّروا، وكان في عمارية مبطّنة بنمور أهداها إليه أبو بكر ابن طغج أمير مصر. فلما وقعت عليه عين توزون أكبّ على الأرض فقبّلها دفعات فقال له المتقى: لا تفعل يا أبا الوفاء ومشى بين يدي العمارية شوطا بعيدا فقال له:
اركب فركب. فلما قربوا من المضارب، وكان قد ضرب للخليفة سرادق أحمر ديباج جاء معه من الشام، أحدق ديلم توزون بعمارية الخليفة وعدلوا بها إلى مضارب توزون
(1/173)
________________________________________
والناس لا يعلمون ما الّذي يريدونه إلى أن أدخلت العمارية إلى سرادق توزون وضربت الدبادب والبوقات على باب السرادق وأصحاب الخليفة كلهم وقوف لا يعلمون أين ذهب [85 أ] به وكذلك كل من خرج لتلّقيه من أهل بغداد «507» . وبيناهم في ذلك إذ خرج الأمير أبو القاسم عبد الله بن المكتفي من سرادق توزون وعليه القباء الأسود والمنطقة والعمامة على الرصافية «508» وهو متقلّد سيفا بحمائل فركب جنيبا من الجنائب التي كانت تقاد بين يدي المتقى للَّه، وكان قد أحضره توزون ليلا والناس لا يعلمون، وركب الأمير توزون وسايره وهو يقول للناس: ادعوا لخليفتكم فنزل القوم كلهم وقبّلوا الأرض وبايعوه وسمّى نفسه «المستكفي باللَّه» ثم سار في صحراء السندية والأمير توزون على يمينه والعساكر تسايره ونزل في سرادق المتقى وجلس على سريره. ثم رحل من فوره وركب والأمير توزون يسايره حتى دخل بغداد والخلائق الذين خرجوا لاستقبال المتقى في صحبته واجتاز تحت تلك القباب التي ضربت للمتقى ودخل دار الخلافة.
ثم إن الناس سمعوا من بعد ذلك أن عمارية المتقى لما عدلوا بها إلى مضارب توزون اعتقد المتقى أن توزون يريد بذلك أن يتشرّف بنزول الخليفة عنده في ذلك اليوم.
فحين دخلت العمارية إلى المضارب ووقعت عين المتقى على ابن عمه أبى القاسم بن المكتفي ما فطن أيضا بالقصة فاعتقد أنه قد خرج لتلقّيه مع من خرج إلى أن قال له توزون:
بايع أمير المؤمنين، فقال المتقى: ومن أمير المؤمنين؟ قال توزون: هذا الّذي تراه فعلم حينئذ أنه قد غدر به وقال: ما أبايعه ولا أخلع نفسي فأمسكوه وسملوا عينيه في الحال وكانت تلك الدبادب التي ضربت لئلا يسمع صياحه [85 ب] .
وحين استقر المستكفي باللَّه في دار الخلافة سلّم المتقى إليه فحبسه وما طاب له ما جرى عليه من توزون ولا سكنت نفسه إلى توزون مع نكثه الأيمان التي حلفها للمتقى وأسرّ في نفسه ما انتهى أمر توزون إليه.
(1/174)
________________________________________
أمير المؤمنين المستكفي باللَّه
هو أبو القاسم، عبد الله بن المكتفي. وأمه أم ولد اسمها «غصن» «509» . بويع له ساعة كحل المتقى في يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة.
وكان السفير له في الخلافة امرأة تعرف ب «حسن الشيرازية» «510» وكانت زوجة بعض كتاب الأمير توزون وكانت تدخل دار الأمير أبى القاسم بن المكتفي وتختلط بأهله قبل خلافته فقالت يوما لزوجها: لو خاطبت الأمير توزون في استعطاف المتقى للَّه بكل ما يجد إليه سبيلا حتى يحصل في يده ثم يقبض عليه ويبايع ابن المكتفي.
وقالت له: إنه يعطى الأمير توزون مائتي ألف دينار من خاصته وخمس مائة ألف دينار من وجوه يعرفها، وجسّرت زوجها على الخطاب في هذا الباب حتى خاطب به توزون ووافق ذلك ما كان في نفس توزون من المتقى وأنه دفعة كاتب بنى حمدان ودفعة كاتب بنى بويه يولّيهم. وكان هذا الرجل قد ألقى إلى سمع توزون وثبت في نفسه: إنك إن أتمت هذا الأمر كان هذا الرجل خليفة من قبلك وكان طوع أمرك ونهيك ورأى نفسه من صنائعك.
ولما وصل الخليفة إلى صحراء السندية ورآه توزون استحيا منه وأراد الرجوع عما عزم عليه أو تأخير الأمر إلى أن يستقر في [86 أ] الدار فقال له ذلك الرجل:
إن كنت تريد أن تفعل شيئا فافعله الآن فهذا وقته قبل أن يدخل الدار وتحول بيننا وبينه الحيطان وقبل أن ينمّ إليه شيء من أمرنا فيهلكنا، فأقدم حينئذ توزون على ما أقدم عليه.
وصيّر المستكفي هذه المرأة قهرمانة الدار وغيّر اسمها وسمّاها «علم» فصارت تعرف ب «علم القهرمانة» .
وكان الأمير توزون يركب كل يوم مع المستكفي إلى باب الشماسية على الظهر ثم يعود في الماء وهو معه حتى يصعد إلى الدار. ثم إن المستكفي خاف أن يجرى عليه من توزون ما جرى على المتقى وكان قد بقي في بنى البريدي أبو الحسين وهو الّذي جاء إلى بغداد وهتك حرمة الخلافة وهرب منه المتقى إلى الموصل، فأمر المستكفي الأمير
(1/175)
________________________________________
توزون باستعطافه ومكاتبته وبذل الأمان له ليحصل في أيديهم ففعل توزون ذلك وكتب له الأمان ونفذ إليه الرسل حتى ورد الحضرة فلما دخل على المستكفي أمر بإحضار النّطع والسيف وقدم البريدي وأمر بضرب عنقه بين يديه «511» واستشعر توزون من المستكفي فبادر المستكفي فسمّ توزون فمات في تلك الأيام «512» .
واستوزر أبا جعفر، محمد «513» بن يحيى بن شيرزاد ولقّبه أمير الأمراء وزاد في ألقابه إمام الحق وأمر أن يكتب ذلك على التراس والطرز والأعلام.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة عاد الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه الديلميّ إلى نواحي العراق وقصد بغداد طمعا في أن يكون مكان الأمير توزون فأظهر [86 ب] المستكفي الفرح به والسرور بقدومه وخلع عليه وطوّقه وسوّره وجعله أمير الأمراء ولقّبه «معز الدولة» «514» .
ثم نمّ الخبر إلى معزّ الدولة بأن علم القهرمانة تريد أن تتخذ دعوة وتجمع فيها وجوه بغداد من القضاة والأئمة وتدعو في الجملة معزّ الدولة ووجوه أصحابه فإذا حصلوا عندها في الدار أدخلت إليهم العامة من باب آخر فعلوهم بالسيوف. فاستشعر معز الدولة من الخليفة وقال: مثل هذه المرأة تلعب بالدول؟ ودبّر أمره بحيث لم يعلم به أحد ودخل في يوم الموكب على العادة إلى خدمة المستكفي وهو يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. فحين وقعت عليه عينه قبّل الأرض ووقف بين يدي السرير وأمره فصعد على درجة السرير وأخذ يده فقبّلها ثم كان بعد ذلك يصعد اثنان اثنان فيقبّلان يد المستكفي وينزلان ويصعد آخران، فانتهت النوبة إلى أن صعد ديلميّان لتقبيل يده أحدهما اسمه بكران وهو خال معزّ الدولة والآخر من أقاربه فحين مدّ يده إليهما جذباه جذبة سقط منها على الأرض وبادر معز الدولة وترك عمامته في حلقه وسحبه على وجهه وأمر بضرب البوقات والدبادب على شاطئ دجلة تحت الدار وانتهبت الدار وكل من حضر في ذلك الموكب وأخذت علم القهرمانة «515» .
ثم مضى معزّ الدولة إلى دار الأمير أبى القاسم، الفضل بن المقتدر باللَّه وأخرجه منها وأجلسه على السرير وبايعه بالخلافة وسلّم إليه المستكفي باللَّه فسمل عينيه وحبسه [87 أ] .
(1/176)
________________________________________
أمير المؤمنين المطيع للَّه
هو أبو القاسم، الفضل بن جعفر المقتدر. بويع له بالخلافة في يوم خلع المستكفي من سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. واستولى معز الدولة على المملكة ورتّب له كل يوم خمسة آلاف درهم.
وفي سنة ست وثلاثين وثلاث مائة عصى بنو البريدي على معز الدولة، وهم أولاد أبى عبد الله الّذي تقدم ذكره، فانحدر الخليفة المطيع للَّه ومعه معز الدولة إلى البصرة واستخلصوها من أيديهم.
وفي سنة سبع وثلاثين [وثلاث مائة] وقع الخلف بين بنى حمدان ومعز الدولة وصعد معز الدولة إلى الموصل وهرب منه ناصر الدولة بن حمدان ووقع الصلح بينهم على أن يؤدّى ناصر الدولة كل سنة ثلاث مائة ألف دينار وعلى أن يكون أولاده في خدمة معز الدولة.
وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت عماد الدولة أبى الحسن عليّ «516» بن بويه، وهو أخو معز الدولة والأكبر من إخوته، وكان أمير فارس ولم يكن له ولد فقلّد الخليفة فارس لولد الأمير ركن الدولة، وكان ركن الدولة واليا على الرىّ والجبال وأصفهان وهمدان، وكان له عدّة أولاد وهم شرف الدولة وفخر الدولة وعضد الدولة. فطلب معز الدولة من أخيه أن يولّى أحد أولاده فارس فولّاها عضد الدولة وأمروا المطيع للَّه أن يقلّده ذلك ففعل ما أمروه به ضميمة إليهم.
وفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة مات الأمير سيف الدولة، أبو الحسن عليّ ابن أبى الهيجاء بن حمدان ودفن بميّافارقين [87 ب] وجلس مكانه ابنه الأمير سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة.
وفيها مات معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلميّ بعلّة الذرب في ربيع الأول وجلس مكانه ببغداد ولده الأمير عز الدولة أبو منصور بختيار «517» .
(1/177)
________________________________________
وقبض الأمير عدة الدولة أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه وعلى إخوته وحبسهم في بعض الحصون واستولى على ملك أبيه. ونفذ عز الدولة والمطيع للَّه وتشفّعوا إليه في أمرهم وما أجاب. وتزوّج «518» عدّة الدولة أبو تغلب بنت عز الدولة وأمهرها ثلاث مائة ألف دينار «519» وكان لها ثلاث سنين وحملت إليه إلى الموصل مع بدر الحرمي. وبادر عز الدولة إلى هذه الوصلة خوفا من أن يتغيّر عليه شيء من الخليفة فأراد أن يستظهر ببني حمدان.
وفي سنة ثلاث وستين وثلاث مائة «520» استشعر عز الدولة بختيار من حاجبه سبكتكين المعزى «521» ومن جماعة الأتراك وبعد عن بغداد فقصد الحاجب سبكتكين وجماعة العسكر دار الخليفة وطلبوا منه أن يخرج إليهم وحسّنوا له قلع الديلم فلم يجبهم إلى ذلك نظرا في عواقب الأمور فانصرفوا وقصدوا ابنه وولىّ عهده ولده الأمير أبا بكر عبد الكريم بن المطيع وخاطبوه في ذلك فأجابهم وخرج معهم وأظهروا خلاف الديلم. ودخل الأمير أبو بكر عبد الكريم على أبيه المطيع للَّه وسامه خلع نفسه فرأى الجد منه وخاف على نفسه من القتل فخلع نفسه وسلّم الأمر إلى ولده. ولم ينله سوء في بدنه ولا في حرمته [88 أ] .
(1/178)
________________________________________
أمير المؤمنين الطائع للَّه
هو أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع للَّه. بويع له يوم خلع أبوه في سنة ثلاث وستين وثلاث مائة وطرد الديلم عن العراق وعاد أمر الخلافة إلى ما عهد. واسم أم الطائع «عتب» روميّة. وكان صاحب جيشه والمدبّر لأمره سبكتكين المعزى، ولقّبه الطائع ب «نصر الدولة» .
ثم إن عز الدولة بختيار انحدر إلى خوزستان واستنجد بابن عمه الأمير عضد الدولة أبى شجاع فنّا خسرو «522» بن ركن الدولة فأنجده والتقيا بواسط. ثم نفذوا إلى الموصل من استنجد بعدّة الدولة فأنجدهم ووصل إلى تكريت، فتحيّر الطائع لأنه بقي بينهما. وجاء عليه عيد النحر فخرج بنفسه وصعد المنبر وخطب، وكان مجدّر الوجه كبير الأنف، وكان كما يزعمون، أبخر. وفيه يقول ابن الحجاج «523» :
يا رب عيد النحر هو ذا ترى ... ما أفظع الأمر الّذي قد جرى
صلّى بنا فيه إمام فسا ... في أول الصيف كما كبّرا
خليفة في وجهه روشن ... خربشته قد ظلل العسكرا
عهدي به يمشى على رجله ... وأنفه قد صعد المنبرا «524»
وقام يدعونا إلى نفسه ... وذكر العباس واستفخرا
بخطبة صنّفها باقل ... قد كسر الناس لها دفترا
نثرت بعرا من سروري وما ... نثرت لا لوزا ولا سكّرا
خلافة أقصى مدى ملكها ... من حد كلواذا إلى عكبرا «1524» [88 ب]
في قفص لو أنها قنبر ... لضاق عن أن يسع القنبرا
لكنها بالعرض قد أمعنت ... فعمّت الأبيض والأحمرا
صلت بجسر النهروان الضحى ... فعاقها حسّون أن تعبرا
ووجدت ضبّة في صرصر ... فحلفت لا جاوزت صرصرا
فأنفه أكبر من ملكه ... في الطول والعرض إذا قدرا
يحط في المنديل خيشومه ... ضفادعا خضرا إذا استنثرا
(1/179)
________________________________________
قلت وقد أبصرته راكبا ... مقطبا في الجيش مسحنفرا
سبحان من يعلم هذا الصبا ... في وجه مولانا متى جدّرا
وكان في الجيش سبال آضرطى ... ووجهه مثل القفا من ورا «525»
قد كتب الشؤم على وجهه ... هذا أخو الغفلاء قد أدبرا
من أي ما جنب تأمّلته ... لم تدر أعمى هو أم أعورا
يغالط الناس على أنه ... قد أغلق الدست وقد ششدرا «1525»
يا معشر الديلم أنتم إذا ... تلظّت الحرب أسود الشّرى
بنى بويه يا نجوم العلى ... لا تنكروا ما لم يكن منكرا
غرستم الدفلي فلا تعجبوا ... من شجر الدفلي إذا بزّرا
وله أيضا فيه:
يا سادتي للإمام حق ... لا بد والله أن يوفّى
لا سيما أكبر الهداة ... من الأئمة الراشدين أنفا
فعاتبوه ففي فؤادي ... نار من الخوف ليس تطفأ [89 أ]
قولوا له يا حبيب قلبي ... دلائل الشوم ليس تخفى
فاليوم مع من تريد تبقى ... يا خرب البيت يا برنفا
جيشك مستأمن وهذا ... باب لقاط الصفع المشفّا (كذا)
وكان قد جرى ذكر ابن الحجاج عند بختيار بواسط وأنشدوه هذه الأبيات فأثنى عليه ومدحه، فكتب إليه:
رويدك لا تشمت بحالي يا دهري ... وإن كنت في حال تسرّ بنى البظر
وفي قصص مثل الخرا لو ذكرتها ... لكنت كأنى قد تكلمت من جحرى
موالي ما لي طاقة مذ فقدتكم ... بعيش على صبر أمرّ من الصبر
موالي قد أسكرتمونى فهل لكم ... طريق إلى صحو يعين على سكرى
سترت من الآفات فيكم فإنني ... ببعدكم أصبحت منهتك الستر
سأبكي على عزّى الّذي ذلّ بعدكم ... فأصبح قدر الكلب أشرف من قدري
(1/180)
________________________________________
وأبكى على حالي التي أعرض الغنى ... ببعدكم عنها فآلت إلى الفقر
وكيف السبيل للتلاقي وبيننا ... مهامه من برّ مخوف ومن بحر
وإن طريق البر والماء أبهما ... بجيش أمير المؤمنين أبى بكر
لعل الليالي السود تصحو فينجلي ... سواد الغمام الجون عن مطلع البدر
ثم إن الطائع للَّه صمّم العزم على الانحدار إلى واسط لقتال الديلم، فانحدر ومعه نصر الدولة سبكتكين. وسمع بذلك الديلم فأصعدوا لاستقباله فالتقوا بديالى على فرسخين من بغداد فحمل سبكتكين حملة صدق فيها فبدّد عساكر الديلم وقطع أعلامهم وفرّق جمعهم ثم [89 ب] جال بين الصفّين فتقنطرت به فرسه فوقع ميتا «526» فاضطرب العسكر وانكسروا وأخذ الخليفة هاربا على وجهه إلى الرقّة، ودخل الديلم بغداد.
ثم إن عضد الدولة «527» خلا له الأمر وطابت له بغداد فقتل ابن عمه عزّ الدولة «528» ونفذ إلى الطائع وبذل له كل ما يريده وصالحه وأعاده إلى دار الخلافة.
واشتمل ملك عضد الدولة على فارس وكرمان وخوزستان والعراق وديار ربيعة والشام وحمل إليه الخراج من الروم واجتمع على بابه من العلماء والشعراء والأدباء ما لم يجتمع على باب ملك قبله. وكان شاعرا أديبا كاتبا حاسبا مهندسا نحويّا لغويّا كريم الطباع ذا همة عالية، مكرما للعلماء محبّا لأهل التخصص حتى إنه كان يقدم نعل أبى عليّ الفارسي «529» ويحمل له المسينة «530» إلى بيت الماء بنفسه. ومات- رحمه الله- في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة في خلافة الطائع، ودفن بتربة أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- رضوان الله عليه- بوصيّة منه.
وولى بعده ابنه صمصام الدولة «531» أبو كاليجار بن عضد الدولة سنتين إلى أن زحف إليه أخوه شرف الدولة أبو الفوارس فأخذ الملك من يده. ولم تطل مدته حتى زحف إليه أخوه بهاء الدولة أبو نصر خسرو فيروز «532» بن عضد الدولة وغلب على الملك ولقّب نفسه بملك الملوك. وهذا كله في خلافة الطائع للَّه «533» .
(1/181)
________________________________________
ولما كان يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، دخل بهاء الدولة على العادة إلى خدمة الطائع للَّه فقبّل الأرض ووقف ثم أومأ إلى جماعة كان واطأهم [90 أ] فجذبوا الطائع من سريره ولفّوه في كساء وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر وحملوه إلى دار المملكة «534» ملفوفا في الكساء على قفا فرّاش «535» .
ونفذوا إلى البطائح من أحضر الأمير أبا العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر وكان ينزل بالصليق «536» . وحين وصل إلى بغداد بايعوه بالخلافة وسلّموا إليه الطائع فسمل عينيه.
وكانت خلافة الطائع للَّه سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام.
(1/182)
________________________________________
أمير المؤمنين القادر باللَّه
هو أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه. بويع له بالخلافة في يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة وهو بعد بالبطائح.
وفي يوم الجمعة خطب له بالخلافة على المنابر ببغداد ولم يصل إليها بعد. وشغّب العامة والجند ومنعوا الخطيب من الخطبة له. وطالب الجند بمال البيعة فوعدوا بذلك فسكنوا وركب من الجند قوم وسكّنوا العامة فسكنوا أيضا بعضهم بالرغبة وبعضهم بالرهبة وتمّت الخطبة للقادر باللَّه.
وفي يوم الجمعة العاشر من رمضان من السنة وصل القادر باللَّه إلى بغداد فخرج بهاء الدولة والعساكر كلهم لتلقّيه «537» وأقرّ أصحاب المراتب والقضاة وكل أرباب المناصب على ما كانوا عليه وكان زاهدا ورعا لا يشرب الخمر ولا يظلم أحدا، لا جرم دام له الأمر إحدى وأربعين سنة وانتقل من عزّ الخلافة إلى نعيم الآخرة.
وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مائة ورد الخبر باستيلاء ملك [90 ب] الترك الملقّب بشهاب الدولة على ما وراء النهر وهرب الأمير نوح بن منصور الساماني من يده، واسمه بغرا قراخان «538» .
وفي هذه السنة تزوّج القادر باللَّه بسكينة بنت بهاء الدولة وذلك في ذي الحجة وأصدقها مائة ألف دينار «539» وكان الولىّ الشريف أبو أحمد الموسوي أمير الحاج وهو والد الرضى والمرتضى. وخطب الخطبة أبو الحسن البتّي «540» .
وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة توفى القاضي أبو عليّ التنوخي «541» وذهب عن الدنيا رونقها وبهاؤها لمّا حرمت من فضله، وهو مصنف «نشوار المحاضرة» وكتاب «الفرج بعد الشدّة» وكان له النثر والنظم الّذي فاق بهما كتّاب زمانه فضلا عن قضاته.
وفي هذه السنة توفى عليّ بن عيسى الرمّانى «542» النحويّ والأستاذ أبو إسحاق الصابي.
(1/183)
________________________________________
وفي المحرّم [من] سنة خمس وثمانين وثلاث مائة توفى كافى الكفاة الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالريّ، ووصل الخبر إلى بغداد بوفاته ففرش أكثر الخلق الرماد في الأسواق وقعدوا عليه. وبلغ الخبر إلى بغداد أنه حين أخرج تابوته إلى المصلّى خرج خلفه أرباب المناصب وأصحاب المراكز وأهل العلم والأدب وأنهم حين شاهدوا التابوت قبّلوا الأرض بين يديه إجلالا له «543» . وكان مخدومه الأمير فخر الدولة أبو الحسن عليّ «544» بن ركن الدولة أبى الحسن بويه قد عاده في مرضه فالتفت إليه وقال له: أيها الأمير قد خدمتك خدمة استوعبت الوسع فيها وسرت سيرة حصلت لك حسن الذكر بها فإن أجريت الأمور بعدي على رسمها علم أن ذلك كان منك فينسب الجميل فيه [91 أ] إليك واستمرت الأحدوثة الطيبة بذلك لك وكنت أنا في جملة ما يثنى عليك به، وإن غيّرت ذلك بعدي كنت أنا المذكور بحسن السّيرة دونك وأنت بعد هذا أعلم بشأنك. ولما مات الصاحب المذكور لم يقبل فخر الدولة شيئا مما وصّاه الصاحب به.
وفي العاشر من رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مائة توفى فخر الدولة بالريّ وخلف في الخزانة ثلاثة آلاف ألف دينار فأفناها ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم «545» في أسرع مدة وكان متخلّفا منهمكا في لذّاته غير مفكّر في أمر المملكة. وكان وصل الخبر إليه بأن ابنا لسبكتكين والى غزنة قد استولى على خراسان وأفنى آل سامان وقد تلقّب ب «يمين الدولة» وأن الرسل لا تنقطع بينه وبين القادر باللَّه وأنه ربما قصد المملكة، فما أكثرت مجد الدولة بهذا القول حتى جاء الملك يمين الدولة، أبو القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين وأخذ الملك منه وأسره ونفذه مقيّدا إلى خراسان «546» .
وكتب إلى القادر باللَّه بذلك فكتب له القادر العهد على خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان ولقّبه «يمين الدولة وأمين الملّة، ناصر الحق، نظام الدين، نصير أمير المؤمنين» ، وقبل ذلك ما كان يعرف اللقب المنسوب إلى أمير المؤمنين إلا «مولى أمير المؤمنين» . فهو أوّل من غيّر ذلك.
(1/184)
________________________________________
وعاد إلى خراسان وتسمّى بالسلطان وجلس على التخت ولبس التاج، ودخل إليه البديع الهمذانيّ فأنشده «1546» :
تعالى الله ما شاء وزاد الله إيماني [91 ب] ... أأفريدون في التاج أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت إلينا بسليمان ... أطلّت شمس محمود على أنجم سامان
وأضحى آل بهرام عبيدا لابن خاقان ... إذا ما ركب الفيل لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا على منكب شيطان ... أمن واسطة الهند إلى ساحة جرجان
ومن حاشية السند إلى أقصى خراسان ... على مفتتح العمر وفي مقتبل الشان
يمين الدولة العقبي لبغداد وغمدان ... وما يقعد بالمغرب عن طاعتك اثنان
إذا شئت ففي يمن وفي أمن وإيمان
وفي سنة ثلاث وأربع مائة توفى بهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز وعمره اثنتان وأربعون سنة، وجعل ابنه الكبير أبا شجاع فنا خسرو ولىّ عهده في الملك. وعهد القادر باللَّه إلى فنا خسرو ولقّبه «سلطان الدولة» «547» .
وفي سنة أربع وأربع مائة مات الأمير قابوس بن وشمكير ودفن في تابوت زجاج مملوء من الصبر وعلّق في القبة التي هي الآن تربته بالسلاسل «548» وعلى باب القبّة مكتوب: «هذا القبر العالي للأمير شمس المعالي الأمير بن الأمير قابوس بن وشمكير» وذلك بظاهر جرجان [92 أ] .
وفي هذه السنة توفى أبو نصر عبد العزيز «549» بن نباتة الشاعر البغدادي.
وفي سنة ست وأربع مائة توفى الشريف نقيب النّقباء ذو الحسبين الرضى «550» .
(1/185)
________________________________________
وفي سنة سبع وأربع مائة قصد السلطان محمود بن سبكتكين خوارزم وملكها.
وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة مات ولىّ العهد ابن القادر باللَّه وكان أبوه قد لقّبه في حياته «الغالب باللَّه» «551» .
وفي هذه السنة خرج الحاكم بأمر الله «552» سلطان مصر وحده راكبا حمارا يريد الصحراء وفقد ولم يعلم له خبر بعد ذلك، وجلس مكانه ابنه في الملك ولقّب نفسه «الظاهر لإعزاز دين الله» .
وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة مات سلطان الدولة فنا خسرو بتخمة النبيذ وجلس مكانه الأمير أبو كاليجار «533» ابنه ولقّبه الخليفة ب «محيي دين الله» .
وفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان محمود ابن سبكتكين وجلوس ابنه مسعود مكانه.
وخرج التركمان من باديتهم إلى بلاد الإسلام وكانوا ثلاثة إخوة، محمد وهو طغرلبك وداود وهو جغري بك وإبراهيم وهو ينال. وكتبوا إلى القادر باللَّه وطلبوا أن يولّيهم بلدا من بلاد خراسان، وكان محمد أكبرهم وكان يخاطب من ديوان القادر ب «الدهقان الجليل محمد بن ميكائيل» . فنفذ القادر باللَّه إلى مسعود بن محمود يأمره أن يخلى لهم بلدا من بلاد خراسان ليكفوا شرهم عن بلاد المسلمين وأن يكون واحد منهم أبدا في خدمته. وقبل وصول الكتاب قتل مسعود بن محمود واستولى التركمان على بلاد [92 ب] خراسان ووقع بأس المحمودية بينهم لطلب الملك فانحجزوا إلى غزنة وقوى أمر التركمان.
ومات القادر باللَّه في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة وجلسوا له للعزاء في ذلك اليوم إلى وقت العصر. ثم قام ابنه من وراء سبنية وصلّى بهم العصر ثم بعد ذلك صلّى على تابوت القادر باللَّه.
وكان القادر- رحمه الله- طلق النفس [1] واسع المعروف معروفا بالعدل والزهد،
__________
[1] فلعلها كانت: ظلف النفس، أي: كان يمنعها هواها، انظر: فقه اللغة للثعالبي (باريس 1861) 170.
(1/186)
________________________________________
شائع الخير في الخلق، لم تعرف له زلّة مذ ولى الخلافة. وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة.
ووزر له «554» جماعة منهم: أبو الفضل محمد بن أحمد العارض، ثم أبو الحسن سعد بن نصر، ثم أبو الفضل أيوب بن سليمان، ثم عليّ بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، ثم عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب.
ودفن القادر باللَّه في الدار «555» سنة ثم حمل إلى الرصافة على العادة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 8 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

قدّموا حضوركم لندبّر في أمر القرامطة فحضروا فلما حصلوا في الدار أمر بالقبض عليهم وأمر فقطع رأس عليّ بن يلبق وقدّم بين يدي أبيه في طست ثم قطع رأس أبيه وجعلا جميعا في طست وأمر فجرّ مؤنس إلى البالوعة وذبح كما تذبح الغنم والقاهر يقول له:
يا معيوب يا مخرق الأسفل أنت تقدم على قتل الخلفاء؟ ثم أخرجت رءوسهم وبين أيديهم الدبادب والبوقات فطيف بها في البلد ومناد ينادى: «هذا جزاء من أقدم على هتك حرمة الخلافة. فما بقي أحد إلا لعنهم وأحرق العامة أبدانهم وحملت رءوسهم إلى خزانة الرءوس «450» فوضعت فيها.
وفي هذا اليوم مات الإمام أبو بكر بن دريد الأزدي «451» - رحمه الله-.
ولما دخل رمضان من هذه السنة شغّب الجند وطلبوا الأرزاق فأعطوا شيئا فسكنوا ورجعوا راضين وجرى الأمر على ذلك إلى جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وفي يوم السبت ثانى جمادى [الأولى] اجتمع أبو محمد، الحسن بن أبى الهيجاء بن حمدان وهو الّذي تلقّب أخيرا بناصر الدولة [78 أ] وهو أخو سيف الدولة الأكبر وواطأ جماعة من الغلمان الساجيّة والحجريّة وأحاطوا بالدار ووكلوا بالأبواب وطلبوا القاهر فهرب منهم ففتّشوا عليه وإذا به فوق حمّام وعلى رأسه شرّب قصب وعليه غلالة كتان «452» . فقال له بعضهم: انزل، فقال: ما أنزل ففوّق سهما وقال له: إن لم تنزل رميتك، ولم يكن له مفرّ فنزل فمسكوه وقالوا له:
اخلع نفسك. وتبادر قوم إلى الدار التي كان فيها الأمير أبو العباس بن المقتدر محبوسا فأخرجوه منها وأجلسوه على سرير أبيه وأدخلوا إليه القاهر حتى بايعه بالخلافة وسملوه بعد ذلك.
فكانت خلافته سنة ونصفا.
ووزر له: أبو على، ابن مقلة، ثم بعده أحمد بن الخصيب «453» .
(1/162)
________________________________________
أمير المؤمنين الراضي باللَّه «454»
هو أبو العباس، محمد بن المقتدر باللَّه، بويع له في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وأمه جارية اسمها «ظلوم» .
واستحضر عليّ بن عيسى بن الجرّاح وندبه للوزارة فاعتذر بكبر سنّه، ورغب ابن مقلة في الوزارة وبذل خمس مائة ألف دينار فخلع عليه وقلّد الوزارة.
ونفذ الراضي باللَّه محمد بن ياقوت لمحاربة هارون بن غريب الخال فخرج لمحاربته وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى الراضي فخلع عليه وطوّقه وسوّره «455» .
وولى الراضي أبا بكر محمد بن رائق إمارة الأمراء ببغداد واستولى على الدولة وتغيّر الوزير ابن مقلة له وصار خصمه.
وفي سنة أربع وعشرين [وثلاث مائة] صلّى الراضي باللَّه بالناس [78 ب] في الجامع بدار الخلافة وخطب.
قال أبو بكر الصولي «456» : وكان مؤدّب الراضي، لما فرغ من الخطبة وانقضت الصلاة وعدت إلى بيتي جاءتني رقعة بخطه وإذا فيها: «يا محمد بن يحيى وقع عليك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق بن المعتمد «457» قريب منى غير بعيد عنى فعرّفني على تحرّى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجّن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع زلل في لفظه أو إحالة في معناه جاريا في ذلك على عادتك في حال الإمرة غير مقصّر عنها للخلافة والسلام» ، فكتبت إليه رقعة أذكر فيها:
«إنني ما أحسن وصف ذلك إلا ببيت حسان بن ثابت في جدك عبد الله بن العباس- صلى الله عليه وعلى سلالته الطيبة الطاهرة- فإنه قال فيه:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا ترى بينهما فصلا» «458»
وفي سنة خمس وعشرين [وثلاث مائة] قبض الراضي على عليّ بن مقلة لأنه اتهمه بأنه كاتب بجكم «459» التركي بقصد الحضرة واستيلائه على أمر الخلافة معاندة لابن رائق، وظفروا بكتاب بخطه إلى مرداويج «460» الديلميّ الخارجي يحسّن له قصد
(1/163)
________________________________________
الحضرة ويهوّن عليه أمر الخلافة وكان إماميّا لا يرى خلافة بنى العباس. واتفق رأى الخليفة وابن رائق على إن قطعت يده «461» على ملأ من الناس وكتب رقعة من الحبس إلى أخيه أبى عبد الله بيده اليسرى وما تغيّر خطّه عما عهده. وكتب من الحبس رقعة إلى بعض الكتّاب من أصدقائه «462» :
ترى حرمت كتب الأخلّاء بينهم ... أبن لي أم القرطاس أصبح غاليا [79 أ]
فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
أخوك الّذي يرعاك عند شديدة ... وكلّا تراه في الرخاء مراعيا
فهبك عدوّى لا صديقي فربما ... يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا
وله وهو في الحبس بعد ما قطعت يمينه:
ما طلبت الحياة لكن ... توثّقت بأيمانهم فبانت يميني
كم تحرّيت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذّة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيتي «463»
وفي سنة سبع وعشرين تغيّر الخليفة على ابن رائق فاستتر ووصل بجكم إلى بغداد فولّاه الخليفة إمارة الأمراء وطوّقه وسوّره «464» .
وفي هذه السنة خرج الراضي باللَّه لمحاربة بنى حمدان ومعه الأمير بجكم، وحين وصلوا إلى تكريت وصل الخبر إليهم بظهور ابن رائق ببغداد واستيلائه عليها والتحاق أكثر القرامطة به فتمّوا إلى الموصل فهرب بنو حمدان من الموصل. وكان الراضي يقول: «حصلنا من الخلافة على قصبة الموصل» . ثم صولح ابن حمدان على مال أدّاه وعاد الخليفة. وتقرر أمر ابن رائق على أن ولّى الشام والعواصم وقنسرين فسار إليها «465» .
ثم وصل الخبر بظهور بنى بويه «466» الديلم وأنهم ثلاثة إخوة تقاسموا بلاد الإسلام، وكان الأكبر منهم عماد الدولة أبو الحسن، عليّ بن بويه، والأوسط ركن الدولة أبو عليّ، الحسن بن بويه، والأصغر أبو الحسين، أحمد بن بويه. وكانوا أولاد صيّاد.
وجاء الخبر من واسط بأن أحمد بن بويه قصد نواحيها فانحدر [79 ب] إليه
(1/164)
________________________________________
بجكم ونفذ إلى الراضي يقول له: «أمر هذا لا يجيء إلا بك» . فانحدر الراضي إلى واسط. فحين أحسّ الديلميّ به رجع إلى الأهواز وعاد الراضي إلى بغداد.
ومات الراضي- رحمه الله- في غرة ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
وكان مولده في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر. فكانت خلافته ست سنين وخمسة أشهر.
وكان أديبا فاضلا شاعرا أحسن الخلق خلقا متواضعا كريم الطبع سخيّا له وفاء وذمّة وإنما أدركته حرفة الأدب فلم تطل أيامه ولا عمره. ومن محاسن نظمه قوله:
ضحك الزمان إليّ من اعتاب ... وأعارنى سمعا لبثّ عتاب
سابق بلذّتك الشباب فإنني ... أصبحت فيه مجررا أثوابى
وعلمت أن الدهر حرب شبيبتى ... فخلست في غفلاته آرابى «467»
وقال لما تغيّر لابن رائق:
صغرت عن الأمر الّذي رمت فعله ... فطالعنى بالصغر من كل جانب
وأظهر لي حبّا يطيف به قلى ... كخلّب برق في عراض سحائب
أيقعد لي كيد النساء بمرصد ... وإني فتىّ السن شيخ التجارب «468»
وله أيضا:
سقى الله أطلالا رعيت بها الصبا ... سحابة غيث لا يكف سكوبها
ظعنت وقد خلّفتني نهبة الأسى ... لعلة وجد لا يصاب طبيبها
ليهنك لوعات تردد في الحشا ... وعصيان عين ما تطيع غروبها [80 أ]
وتضييع رأى في اصطناع معاشر ... تسوّد وجه الاصطناع عيوبها
أنا ابن الأولى من هاشم زنت هاشما ... كما زانها العباس قبلي نسيبها
سلى تخبري من كان طفلا ويافعا ... فعزّت به الدنيا وذلّت خطوبها
ألم أطل الأملاك علما وسؤددا ... وتفخر بى شبان فهر وشيبها
وإني إن ضل الغريم غريمها ... وإن أفحم الخطاب يوما خطيبها
(1/165)
________________________________________
وسيفي على أعدائها سيف نقمة ... جريء على الأعمار في ما ينوبها «469»
وله أيضا:
وسيف ظلام تدرعته ... أهب له يقظا حين هبّا
أأشهر سيفي على نابح ... وأفرش للثأر قردا وكلبا
إذا لا ارتوى من دم حده ... ولا سار بالعدل شرقا وغربا «470»
وله أيضا:
أهوى الفراق وإن رأيت ... الموت في شخص الفراق
لتقارب عند الوداع ... وقبلة عند التلاقي «471»
وله أيضا:
من ذا يقيم دعائم الإسلام ... ويعمّ بالإفضال والإنعام
فينا النبوة والخلافة حكمنا ... ماض كما شئنا على الأيام
أمضى من الأجل المعجّل أمرنا ... يأتيك قبل الفكر والإلهام
لا ينقض الأعداء مبرم أمرنا ... وبنا تمام النقض والإبرام «472»
وأما وزراؤه: فهم أبو على، محمد بن عليّ بن مقلة، وكان وزر للمقتدر باللَّه [80 ب] ثم للقاهر باللَّه ثم للراضى باللَّه.
وكان «473» لما قطعت يده ينوح عليها ويبكى ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا من المصاحف ونقلت بها كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ووقّعت بها عن ثلاثة من الخلفاء وتقطع هكذا كما تقطع أيدي اللصوص.
وفي آخر زمان الراضي بعد موت ابن مقلة استعرضوا ما في خزانة الرءوس وكانت قد امتلأت بها الخزانة ورموها كلها إلى دجلة وكان بعضها في أسفاط وبعضها في صناديق رصاص، ووجد في الجملة سفط وفيه رأس ويد ورقعة فيها مكتوب: «هذا رأس أبى الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان وزير المكتفي» ، وهو الوزير بن الوزير بن الوزير بن الوزير لأن القاسم أباه كان وزير المكتفي والمعتضد
(1/166)
________________________________________
وعبيد الله كان وزير المعتضد وسليمان بن وهب كان وزير المعتمد. وفي تلك الرقعة مكتوب: «وهذه اليد التي مع هذا الرأس يد الوزير أبى عليّ بن مقلة وهذه اليد هي التي وقّعت بقطع هذا الرأس» .
ثم بعد ابن مقلة وزر للراضى عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح «474» أخو الوزير عليّ بن عيسى المقدّم ذكره. ثم أبو جعفر الكرخي «475» وكان قصيرا جدا فقطع لأجله من سرير الخلافة أربعة أصابع ثم سليمان «476» بن الحسن دفعتين.
(1/167)
________________________________________
أمير المؤمنين المتقى للَّه
هو أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر باللَّه، بويع له يوم الأربعاء العشرين «477» من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وأمه أم ولد اسمها «خلوب» [81 أ] .
وحين مات الراضي انحدر المتقى للَّه من داره بدار ابن طاهر من الجانب الغربي إلى دار السلطان والناس على شاطئ دجلة يدعون له والمقرءون يقرءون بين يديه.
ولما صعد من الزبزب جلس لحظة على رواق الخورنق وقام وصلّى ركعتين على الأرض ثم ارتقى السرير وبايعه الناس. وعرضت الوزارة على عليّ بن عيسى فأباها واعتذر بضعفه وكبر سنّه «478» .
ونفذ الخليفة بجكم إلى قتال الأكراد والديلم بنواحي واسط فمضى وهزمهم وفي عوده كان يتصيّد وعليه غلالة كتّان فبادره كردى ورماه بحربة فوقعت في ظهره وخرجت من صدره «479» . ووجد المتقى في دار بجكم أموالا لا تحصى «480» . فيقال:
إن الآلات والفرش نقل إلى دار الخلافة في السفن والزواريق في مدة أربعين يوما.
والمال كان ألف ألف وست ومائة ألف دينار هذا سوى ذخائر بجكم التي ضاعت فإنه كان يحمل الصناديق وفيها الدنانير على البغال ويخرج معها وحده وعلى كل بغل رجل مسدود العين فإذا بلغ إلى المكان الّذي يريده من الصحراء فتح أعينهم وأمرهم بدفن الصناديق، ثم عاد وشدّها بيده وأركبهم على البغال وأعادهم إلى البلد فإذا حصلوا في داره عاد وفتح أعينهم حتى لا يعلموا أيّ مكان دفنوا تلك الأموال. وكان هذا دأبه مدة ولايته. وضاعت تلك الأموال كلها ولم يعرف لها خبر «481» .
وكان بجكم من أعقل الناس وأحسنهم تدبيرا ولذلك بلغ إلى ما بلغ. وكان الخلفاء يعتمدون عليه ويفوّضون أمر دولهم إليه ويقدّمونه على الوزراء. وكان لا يتكلم [81 ب] إلا بالفارسية وله ترجمان يعرف بمحمد بن ينال «482» .
واستوزر المتقى أبا عبد الله ابن البريدي عامل واسط «483» ، وتزوّج ابن الخليفة المتقى، أبو منصور بابنة أبى عبد الله «484» ، ثم استشعر منه المتقى لأنه كان قد جاء معه
(1/168)
________________________________________
من واسط عشرون ألف من الديلم. فنفذ المتقى وألّبهم عليه وضمّهم إلى عسكره فانحدر ابن البريدي هاربا إلى واسط ونهبت أمواله وذخائره وقتل خلق من أصحابه «485» .
واستوزر المتقى أبا إسحاق «486» [1] القراريطي حتى قال الناس: قد انسحقت الخلافة في أيام المتقى، هو أبو إسحاق وزيره أبو إسحاق وذكروا جماعة من خواصه اسم كل واحد منهم إما أبو إسحاق أو إسحاق، وذكروا في الجملة أمه وأنها سحاقة.
ثم إن القراريطي قال للخليفة: لا طاقة لي بالعسكر وإنما أنا كاتب فانظر في من يدبّر أمر عسكرك فاختار المتقى كورتكين الديلميّ «487» وجعله أمير الأمراء وطوّقه وسوّره. وهو كان أحد الديلم الذين أصعدوا مع البريدي من واسط.
وخلع المتقى على بدر الخرشنى واستحجبه وذلك كله في شوال من سنة تسع وعشرين وثلاث مائة «488» . وورد الخبر بقدوم أبى بكر بن رائق من الشام إلى الحضرة فاستشعر كورتكين من أن يولّيه المتقى إمارة الأمراء مكانه لأنه كان تسمّى بها أيام الراضي.
فاستأذن الخليفة في الخروج إليه ودفعه فأذن له قولا باللسان وقلبه مع ابن رائق، ونفذ إلى ابن رائق يأمره بسرعة القفول. فدخل ابن رائق بغداد وهرب منه كورتكين ونودي في جانبي بغداد: يا معاشر العامة قد أبحناكم مال الديلم، فما بقي عيّار ولا ملّاح ولا مكدى [82 أ] إلا وانتهب دورهم وقتلوا من وجد منهم «489» ونفذ ابن رائق خلف كورتكين من أسره «490» .
وكان العامة إذا أخذوا ديلميّا شوّهوا به، إما قطعوا أذنيه أو يديه أو أنفه وهو حىّ يرى ما يفعل به. وبعض العيّارين أخذوا جماعة من الديلم وطبخوهم وأكلوهم وجرى عليهم من النكال ما لم يجر على مخلوق قبلهم. وصار كل من له في إنسان غرض أو له معه عداوة يقول له: أنت كنت مع الديلم فإما يقتل أو يصادر، حتى قال الناس كلهم: كان يمكن السلطان أن يبلغ من الديلم ما يريده بأحسن من هذا الوجه «491» .
وخلع السلطان على أبى بكر محمد بن رائق يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة وقلّده إمارة الأمراء وعقد له لواءين: أحدهما على المشرق والآخر على المغرب وطوّقه
__________
[1] أضف: المنتظم 6/ 318 رواية عن التنوخي.
(1/169)
________________________________________
وسوّره وأنزله دار مؤنس المظفر المعتضدي «492» .
وكان ابن البريدي حين طرد من بغداد على ذلك الوجه انحدر إلى الأهواز وكاتب الديلم بنى بويه «493» . وكان أول ظهورهم [أنهم] استولوا على فارس وكرمان ونفذوا إلى الحضرة بالأموال والتحف وسألوا أن ينفذ إليهم العهد واللواء بتلك البلاد ولعجز الراضي عن مقاومتهم أقرّهم على ما استولوا عليه واستفحل أمرهم في أيام المتقى. فلما انصرف ابن البريدي على ذلك الوجه من بغداد نفذ إليهم يهوّن في أعينهم أمر الخلافة ويحسّن لهم قصد الحضرة فما أقدموا على ما أراد منهم إلا أنهم أمدّوه بمائة ألف من الديلم خيّالة ورجّالة وقالوا: إن تمّ على أيديهم فتح كان لنا ولك. فوصل الديلم إلى واسط ولم يقدم أبو عبد الله بن البريدي على التهجم على الحضرة فنفذ العسكر [82 ب] مع أخيه أبى الحسين ابن البريدي. فحين قاربوا بغداد هرب المتقى منهم ومعه ابن رائق إلى ناحية الموصل، واستولى أبو الحسين ابن البريدي على بغداد. ونفذ إلى الخليفة يقول له: إني عبدك ويحلف بالأيمان المغلظة إني لا أريد بك سوءا وإنما أربد أن أكون مكان ابن رائق. ولم ينزل دار الخلافة إعظاما لها بل نزل دار مؤنس التي ينزلها ابن رائق «494» .
ولما وصل الخليفة إلى الموصل وفيها من قبله الأمير ناصر الدولة بن حمدان خرج إلى مراحل واستقبله وخدمه الخدمة التامة وعرف أن الخليفة محتاج إلى بنى حمدان وأنه لا يمكنه أن يغضبهم وهو على تلك الحال ولو فعلوا فيها ما فعلوا فبادر وفتك بابن رائق لمعاداة كانت بينهم، ولم يظهر من المتقى إنكار.
وقلّد الخليفة ناصر الدولة إمارة الأمراء مكان ابن رائق وجمع سائر بنى حمدان وانحدر وهم في جملته إلى بغداد. وكان في جملة ابن البريدي الأمير أبو الوفاء توزون التركي فغدر بابن البريدي وانضم إلى عسكر المتقى للَّه وهرب ابن البريدي ودخل المتقى إلى بغداد وخلع على توزون التركي وطوّقه وسوّره ولقّبه بالمظفر، فشقّ ذلك على ناصر الدولة. وكان يوم دخول السلطان المتقى للَّه إلى بغداد ضربت مائة قبّة
(1/170)
________________________________________
مجللة بالديباج عبر تحتها كلها وهي طبقات وفي كل طبقة الأغاني والمساخر والناس على طبقاتهم «495» وزيّن البلد حتى رئي في دكاكين الصيارف الدنانير موضوعة على الأكسية على هيئة الحنطة وفيها المكاييل كالقفيز والعشير والكيلجة «496» وما [83 أ] أشبه ذلك ورئي مثل ذلك في دكاكين الجوهريين وفيها من المكاييل الربع والثمن.
وحكى إنسان للمتقى أن أبواب الحمّامات زيّنت وكانت ستين ألف حمّام فما كان يخلو باب حمّام من خمسين أو أقل أو أكثر من الأسطال ولا تخلو هذه الأساطل من واحد أو اثنين ذهب أو فضة، فقيل: لو لم يكن على باب كل حمّام إلا واحد منها لكان بمدينة واحدة ستون ألف سطل ذهب وفضة فما ظنك بالأواني التي يكون استعمالهم لها أكثر من استعمالهم للأسطال «497» .
واستوزر المتقى أبا الحسين ولد الوزير أبى عليّ بن مقلة وخرج من دار السلطان وعليه الخلع وذلك في رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة «498» .
وقدّم المتقى للَّه أبا نصر، محمد بن ينال الترجمان وقوّده وأراد أن يولّيه إمارة الأمراء فخاف من ناصر الدولة. وعلم ناصر الدولة بباطن الحال فاستشعر وطلب الإذن له في أن يخرج إلى عمله. فأذن له فخرج على وجه جميل. ثم إن الخليفة حسب ما يحتاج إليه في كل شهر لخرج العسكر الذين بالحضرة سوى من هو مرابط في المراكز فكان خمس مائة ألف دينار ولم يكن في الخزائن شيء، وكان يحتاج في مئونة مطبخه كل يوم إلى خمسة آلاف درهم سوى نفقات الحواشي وسوى كسوته الخاصة وما يحتاج إليه من خلع وتشريفات وسائر أنواع التجمّل فضمن له توزون التركي «499» أنه يقوم بذلك إن ولّاه إمارة الأمراء فولّاه ذلك وطوّقه وسوّره فقام بما كان ضمن على نفسه إلا أنه ضيّق على المتقى جدا واستشعر المتقى منه لغلبته على الأمر واستبداده [83 ب] بالملك واستشعر أيضا توزون وانحدر إلى واسط بإذن المتقى لتقرير أمر البلاد السفلى ومحاربة بنى البريدي والديلم «500» فحين بعد توزون عن بغداد نفذ المتقى
(1/171)
________________________________________
إلى بنى حمدان يستدعيهم فأجابوه وانحدروا إلى بغداد وضربوا مضاربهم على باب الشماسية. وخرج الخليفة وضرب مضاربه عندهم ورحل من فوره وترك بغداد ونزل الرقّة وصيّر محمد بن ينال الترجمان أمير الأمراء وطوّقه وسوّره.
وحين وصل الخليفة إلى الرقّة وكان واليه على مصر أبو بكر محمد «501» بن طغج سمع بوصوله إلى الشام فجاء إليه ولقيه بالرقّة في العدّة الحسنة والعسكر الكثير وأهدى له من تحف مصر ولوزيره أبى الحسين بن مقلة ما ملأ عينهما. ثم أمره الخليفة بالعود إلى عمله فعاد إليه. وكان قد قال للمتقى: يا مولانا قد فسدت أمور العراق باستيلاء بنى حمدان على طرف وبنى بويه على طرف وباستشعارك من توزون، فلو جئت إلى مصر وأقمت بها وأنا كنت أكفيك كل ما تريده. فقال له «502» المتقى: كيف أقيم في زاوية من الدنيا وأترك باقي الدنيا يخرب؟ هذا لا يمكنني. فعاد وتركه في الرقّة.
ثم إن توزون راسل المتقى للَّه يستسل ما بقي في نفسه فما التفت إلى رسالته ونسب ذلك إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان اجتمعوا عند المتقى واشتوروا على جمع العساكر وقصد توزون ولم يطب لهم أن يكون الترجمان مقدّما عليهم فدخلوا يوما على المتقى وخرجوا من الدار فلما صاروا في بعض الدهاليز غمز ناصر الدولة أخاه سيف الدولة فاخترط سيفه وضرب به رأس [84 أ] الترجمان فأبانه عن بدنه. وسمع المتقى الضجة فقال: ما هذا؟ قالوا: سيف الدولة قتل الترجمان فقال كالمغضب: أمس ابن رائق واليوم الترجمان؟ «503» ولم يطل القصة لحاجته إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان خدموه بأموالهم وأنفسهم وأنسوه الترجمان.
ووصل الخبر من العراق بأن أحد بنى البريدي وهو أبو عبد الله قتل أخاه الآخر وهو أبو يوسف وأن أمر الديلم قوى بالبلاد السفلى وأن أبا عبد الله البريدي الّذي كان يقاومهم توفى عقيب قتله لأخيه وأن الأمير أبا الحسين أحمد بن بويه قصد بغداد وبها توزون وأظهر أن الخليفة المتقى: «كاتبني وأمرنى بذلك» وأن توزون حاربه وهزمه ومرّ الديلميّ هاربا «504» .
(1/172)
________________________________________
وقوى أمر توزون ثم تواصلت رسل توزون إلى الخليفة يطلب منه الصلح «505» وأن يعود الخليفة إلى دار الملك، فشرط الخليفة عليه أن ينتزح هو إلى واسط حتى يدخل الخليفة بغداد. فقال توزون: هذا الشرط لا التزمه لأني أريد أن أزيل عنى اسم العصيان فإذا انتزحت إلى واسط فالناس يرونني بعين عاص وأكون قد شهدت على نفسي بخلع الطاعة، ولكن إذا استقر في دار الخلافة يأمرني بما شاء حتى أنتهي إلى أمره. وأحضر الأمير توزون القضاة والعلماء والأشراف وحلف بمحضر من رسول المتقى على كل ما يريده ووقع الصلح وانصرف الناس مسرورين وذلك في يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة «506» .
ولما كان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة صح عزم المتقى على دخول بغداد فركب توزون إلى دار الخلافة وأمر [84 ب] بتجديد ما يحتاج إلى تجديده منها وعمارة ما تشعّث فيها وكان يتردّد بنفسه كل يوم دفعات إلى الدار. وحين قرب الخليفة من بغداد أمر توزون أن تنصب القباب كما نصبت في المرة الأولى ففعل ذلك وزيّنت بغداد وهو يتولّى ذلك بنفسه ولا يكله إلى أحد واختاروا لدخول المتقى يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. وخرج كل من ببغداد من القضاة والأشراف والعامة والتجار ولم يبق في البلد إلا شيخ مقعد أو زمن. فلما وصلوا إلى السندية أقاموا هناك ينتظرون وصول المتقى وهو على ستة فراسخ من بغداد. وركب الأمير توزون في أحسن زيّ وعدّة وحين توثّق الخليفة من توزون صرف جميع عساكر الشام وبقي في خواصه وخدمه. وحين أشرفت عمارية الخليفة عليهم قاموا كلهم ودعوا وكبّروا، وكان في عمارية مبطّنة بنمور أهداها إليه أبو بكر ابن طغج أمير مصر. فلما وقعت عليه عين توزون أكبّ على الأرض فقبّلها دفعات فقال له المتقى: لا تفعل يا أبا الوفاء ومشى بين يدي العمارية شوطا بعيدا فقال له:
اركب فركب. فلما قربوا من المضارب، وكان قد ضرب للخليفة سرادق أحمر ديباج جاء معه من الشام، أحدق ديلم توزون بعمارية الخليفة وعدلوا بها إلى مضارب توزون
(1/173)
________________________________________
والناس لا يعلمون ما الّذي يريدونه إلى أن أدخلت العمارية إلى سرادق توزون وضربت الدبادب والبوقات على باب السرادق وأصحاب الخليفة كلهم وقوف لا يعلمون أين ذهب [85 أ] به وكذلك كل من خرج لتلّقيه من أهل بغداد «507» . وبيناهم في ذلك إذ خرج الأمير أبو القاسم عبد الله بن المكتفي من سرادق توزون وعليه القباء الأسود والمنطقة والعمامة على الرصافية «508» وهو متقلّد سيفا بحمائل فركب جنيبا من الجنائب التي كانت تقاد بين يدي المتقى للَّه، وكان قد أحضره توزون ليلا والناس لا يعلمون، وركب الأمير توزون وسايره وهو يقول للناس: ادعوا لخليفتكم فنزل القوم كلهم وقبّلوا الأرض وبايعوه وسمّى نفسه «المستكفي باللَّه» ثم سار في صحراء السندية والأمير توزون على يمينه والعساكر تسايره ونزل في سرادق المتقى وجلس على سريره. ثم رحل من فوره وركب والأمير توزون يسايره حتى دخل بغداد والخلائق الذين خرجوا لاستقبال المتقى في صحبته واجتاز تحت تلك القباب التي ضربت للمتقى ودخل دار الخلافة.
ثم إن الناس سمعوا من بعد ذلك أن عمارية المتقى لما عدلوا بها إلى مضارب توزون اعتقد المتقى أن توزون يريد بذلك أن يتشرّف بنزول الخليفة عنده في ذلك اليوم.
فحين دخلت العمارية إلى المضارب ووقعت عين المتقى على ابن عمه أبى القاسم بن المكتفي ما فطن أيضا بالقصة فاعتقد أنه قد خرج لتلقّيه مع من خرج إلى أن قال له توزون:
بايع أمير المؤمنين، فقال المتقى: ومن أمير المؤمنين؟ قال توزون: هذا الّذي تراه فعلم حينئذ أنه قد غدر به وقال: ما أبايعه ولا أخلع نفسي فأمسكوه وسملوا عينيه في الحال وكانت تلك الدبادب التي ضربت لئلا يسمع صياحه [85 ب] .
وحين استقر المستكفي باللَّه في دار الخلافة سلّم المتقى إليه فحبسه وما طاب له ما جرى عليه من توزون ولا سكنت نفسه إلى توزون مع نكثه الأيمان التي حلفها للمتقى وأسرّ في نفسه ما انتهى أمر توزون إليه.
(1/174)
________________________________________
أمير المؤمنين المستكفي باللَّه
هو أبو القاسم، عبد الله بن المكتفي. وأمه أم ولد اسمها «غصن» «509» . بويع له ساعة كحل المتقى في يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة.
وكان السفير له في الخلافة امرأة تعرف ب «حسن الشيرازية» «510» وكانت زوجة بعض كتاب الأمير توزون وكانت تدخل دار الأمير أبى القاسم بن المكتفي وتختلط بأهله قبل خلافته فقالت يوما لزوجها: لو خاطبت الأمير توزون في استعطاف المتقى للَّه بكل ما يجد إليه سبيلا حتى يحصل في يده ثم يقبض عليه ويبايع ابن المكتفي.
وقالت له: إنه يعطى الأمير توزون مائتي ألف دينار من خاصته وخمس مائة ألف دينار من وجوه يعرفها، وجسّرت زوجها على الخطاب في هذا الباب حتى خاطب به توزون ووافق ذلك ما كان في نفس توزون من المتقى وأنه دفعة كاتب بنى حمدان ودفعة كاتب بنى بويه يولّيهم. وكان هذا الرجل قد ألقى إلى سمع توزون وثبت في نفسه: إنك إن أتمت هذا الأمر كان هذا الرجل خليفة من قبلك وكان طوع أمرك ونهيك ورأى نفسه من صنائعك.
ولما وصل الخليفة إلى صحراء السندية ورآه توزون استحيا منه وأراد الرجوع عما عزم عليه أو تأخير الأمر إلى أن يستقر في [86 أ] الدار فقال له ذلك الرجل:
إن كنت تريد أن تفعل شيئا فافعله الآن فهذا وقته قبل أن يدخل الدار وتحول بيننا وبينه الحيطان وقبل أن ينمّ إليه شيء من أمرنا فيهلكنا، فأقدم حينئذ توزون على ما أقدم عليه.
وصيّر المستكفي هذه المرأة قهرمانة الدار وغيّر اسمها وسمّاها «علم» فصارت تعرف ب «علم القهرمانة» .
وكان الأمير توزون يركب كل يوم مع المستكفي إلى باب الشماسية على الظهر ثم يعود في الماء وهو معه حتى يصعد إلى الدار. ثم إن المستكفي خاف أن يجرى عليه من توزون ما جرى على المتقى وكان قد بقي في بنى البريدي أبو الحسين وهو الّذي جاء إلى بغداد وهتك حرمة الخلافة وهرب منه المتقى إلى الموصل، فأمر المستكفي الأمير
(1/175)
________________________________________
توزون باستعطافه ومكاتبته وبذل الأمان له ليحصل في أيديهم ففعل توزون ذلك وكتب له الأمان ونفذ إليه الرسل حتى ورد الحضرة فلما دخل على المستكفي أمر بإحضار النّطع والسيف وقدم البريدي وأمر بضرب عنقه بين يديه «511» واستشعر توزون من المستكفي فبادر المستكفي فسمّ توزون فمات في تلك الأيام «512» .
واستوزر أبا جعفر، محمد «513» بن يحيى بن شيرزاد ولقّبه أمير الأمراء وزاد في ألقابه إمام الحق وأمر أن يكتب ذلك على التراس والطرز والأعلام.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة عاد الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه الديلميّ إلى نواحي العراق وقصد بغداد طمعا في أن يكون مكان الأمير توزون فأظهر [86 ب] المستكفي الفرح به والسرور بقدومه وخلع عليه وطوّقه وسوّره وجعله أمير الأمراء ولقّبه «معز الدولة» «514» .
ثم نمّ الخبر إلى معزّ الدولة بأن علم القهرمانة تريد أن تتخذ دعوة وتجمع فيها وجوه بغداد من القضاة والأئمة وتدعو في الجملة معزّ الدولة ووجوه أصحابه فإذا حصلوا عندها في الدار أدخلت إليهم العامة من باب آخر فعلوهم بالسيوف. فاستشعر معز الدولة من الخليفة وقال: مثل هذه المرأة تلعب بالدول؟ ودبّر أمره بحيث لم يعلم به أحد ودخل في يوم الموكب على العادة إلى خدمة المستكفي وهو يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. فحين وقعت عليه عينه قبّل الأرض ووقف بين يدي السرير وأمره فصعد على درجة السرير وأخذ يده فقبّلها ثم كان بعد ذلك يصعد اثنان اثنان فيقبّلان يد المستكفي وينزلان ويصعد آخران، فانتهت النوبة إلى أن صعد ديلميّان لتقبيل يده أحدهما اسمه بكران وهو خال معزّ الدولة والآخر من أقاربه فحين مدّ يده إليهما جذباه جذبة سقط منها على الأرض وبادر معز الدولة وترك عمامته في حلقه وسحبه على وجهه وأمر بضرب البوقات والدبادب على شاطئ دجلة تحت الدار وانتهبت الدار وكل من حضر في ذلك الموكب وأخذت علم القهرمانة «515» .
ثم مضى معزّ الدولة إلى دار الأمير أبى القاسم، الفضل بن المقتدر باللَّه وأخرجه منها وأجلسه على السرير وبايعه بالخلافة وسلّم إليه المستكفي باللَّه فسمل عينيه وحبسه [87 أ] .
(1/176)
________________________________________
أمير المؤمنين المطيع للَّه
هو أبو القاسم، الفضل بن جعفر المقتدر. بويع له بالخلافة في يوم خلع المستكفي من سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. واستولى معز الدولة على المملكة ورتّب له كل يوم خمسة آلاف درهم.
وفي سنة ست وثلاثين وثلاث مائة عصى بنو البريدي على معز الدولة، وهم أولاد أبى عبد الله الّذي تقدم ذكره، فانحدر الخليفة المطيع للَّه ومعه معز الدولة إلى البصرة واستخلصوها من أيديهم.
وفي سنة سبع وثلاثين [وثلاث مائة] وقع الخلف بين بنى حمدان ومعز الدولة وصعد معز الدولة إلى الموصل وهرب منه ناصر الدولة بن حمدان ووقع الصلح بينهم على أن يؤدّى ناصر الدولة كل سنة ثلاث مائة ألف دينار وعلى أن يكون أولاده في خدمة معز الدولة.
وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت عماد الدولة أبى الحسن عليّ «516» بن بويه، وهو أخو معز الدولة والأكبر من إخوته، وكان أمير فارس ولم يكن له ولد فقلّد الخليفة فارس لولد الأمير ركن الدولة، وكان ركن الدولة واليا على الرىّ والجبال وأصفهان وهمدان، وكان له عدّة أولاد وهم شرف الدولة وفخر الدولة وعضد الدولة. فطلب معز الدولة من أخيه أن يولّى أحد أولاده فارس فولّاها عضد الدولة وأمروا المطيع للَّه أن يقلّده ذلك ففعل ما أمروه به ضميمة إليهم.
وفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة مات الأمير سيف الدولة، أبو الحسن عليّ ابن أبى الهيجاء بن حمدان ودفن بميّافارقين [87 ب] وجلس مكانه ابنه الأمير سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة.
وفيها مات معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلميّ بعلّة الذرب في ربيع الأول وجلس مكانه ببغداد ولده الأمير عز الدولة أبو منصور بختيار «517» .
(1/177)
________________________________________
وقبض الأمير عدة الدولة أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه وعلى إخوته وحبسهم في بعض الحصون واستولى على ملك أبيه. ونفذ عز الدولة والمطيع للَّه وتشفّعوا إليه في أمرهم وما أجاب. وتزوّج «518» عدّة الدولة أبو تغلب بنت عز الدولة وأمهرها ثلاث مائة ألف دينار «519» وكان لها ثلاث سنين وحملت إليه إلى الموصل مع بدر الحرمي. وبادر عز الدولة إلى هذه الوصلة خوفا من أن يتغيّر عليه شيء من الخليفة فأراد أن يستظهر ببني حمدان.
وفي سنة ثلاث وستين وثلاث مائة «520» استشعر عز الدولة بختيار من حاجبه سبكتكين المعزى «521» ومن جماعة الأتراك وبعد عن بغداد فقصد الحاجب سبكتكين وجماعة العسكر دار الخليفة وطلبوا منه أن يخرج إليهم وحسّنوا له قلع الديلم فلم يجبهم إلى ذلك نظرا في عواقب الأمور فانصرفوا وقصدوا ابنه وولىّ عهده ولده الأمير أبا بكر عبد الكريم بن المطيع وخاطبوه في ذلك فأجابهم وخرج معهم وأظهروا خلاف الديلم. ودخل الأمير أبو بكر عبد الكريم على أبيه المطيع للَّه وسامه خلع نفسه فرأى الجد منه وخاف على نفسه من القتل فخلع نفسه وسلّم الأمر إلى ولده. ولم ينله سوء في بدنه ولا في حرمته [88 أ] .
(1/178)
________________________________________
أمير المؤمنين الطائع للَّه
هو أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع للَّه. بويع له يوم خلع أبوه في سنة ثلاث وستين وثلاث مائة وطرد الديلم عن العراق وعاد أمر الخلافة إلى ما عهد. واسم أم الطائع «عتب» روميّة. وكان صاحب جيشه والمدبّر لأمره سبكتكين المعزى، ولقّبه الطائع ب «نصر الدولة» .
ثم إن عز الدولة بختيار انحدر إلى خوزستان واستنجد بابن عمه الأمير عضد الدولة أبى شجاع فنّا خسرو «522» بن ركن الدولة فأنجده والتقيا بواسط. ثم نفذوا إلى الموصل من استنجد بعدّة الدولة فأنجدهم ووصل إلى تكريت، فتحيّر الطائع لأنه بقي بينهما. وجاء عليه عيد النحر فخرج بنفسه وصعد المنبر وخطب، وكان مجدّر الوجه كبير الأنف، وكان كما يزعمون، أبخر. وفيه يقول ابن الحجاج «523» :
يا رب عيد النحر هو ذا ترى ... ما أفظع الأمر الّذي قد جرى
صلّى بنا فيه إمام فسا ... في أول الصيف كما كبّرا
خليفة في وجهه روشن ... خربشته قد ظلل العسكرا
عهدي به يمشى على رجله ... وأنفه قد صعد المنبرا «524»
وقام يدعونا إلى نفسه ... وذكر العباس واستفخرا
بخطبة صنّفها باقل ... قد كسر الناس لها دفترا
نثرت بعرا من سروري وما ... نثرت لا لوزا ولا سكّرا
خلافة أقصى مدى ملكها ... من حد كلواذا إلى عكبرا «1524» [88 ب]
في قفص لو أنها قنبر ... لضاق عن أن يسع القنبرا
لكنها بالعرض قد أمعنت ... فعمّت الأبيض والأحمرا
صلت بجسر النهروان الضحى ... فعاقها حسّون أن تعبرا
ووجدت ضبّة في صرصر ... فحلفت لا جاوزت صرصرا
فأنفه أكبر من ملكه ... في الطول والعرض إذا قدرا
يحط في المنديل خيشومه ... ضفادعا خضرا إذا استنثرا
(1/179)
________________________________________
قلت وقد أبصرته راكبا ... مقطبا في الجيش مسحنفرا
سبحان من يعلم هذا الصبا ... في وجه مولانا متى جدّرا
وكان في الجيش سبال آضرطى ... ووجهه مثل القفا من ورا «525»
قد كتب الشؤم على وجهه ... هذا أخو الغفلاء قد أدبرا
من أي ما جنب تأمّلته ... لم تدر أعمى هو أم أعورا
يغالط الناس على أنه ... قد أغلق الدست وقد ششدرا «1525»
يا معشر الديلم أنتم إذا ... تلظّت الحرب أسود الشّرى
بنى بويه يا نجوم العلى ... لا تنكروا ما لم يكن منكرا
غرستم الدفلي فلا تعجبوا ... من شجر الدفلي إذا بزّرا
وله أيضا فيه:
يا سادتي للإمام حق ... لا بد والله أن يوفّى
لا سيما أكبر الهداة ... من الأئمة الراشدين أنفا
فعاتبوه ففي فؤادي ... نار من الخوف ليس تطفأ [89 أ]
قولوا له يا حبيب قلبي ... دلائل الشوم ليس تخفى
فاليوم مع من تريد تبقى ... يا خرب البيت يا برنفا
جيشك مستأمن وهذا ... باب لقاط الصفع المشفّا (كذا)
وكان قد جرى ذكر ابن الحجاج عند بختيار بواسط وأنشدوه هذه الأبيات فأثنى عليه ومدحه، فكتب إليه:
رويدك لا تشمت بحالي يا دهري ... وإن كنت في حال تسرّ بنى البظر
وفي قصص مثل الخرا لو ذكرتها ... لكنت كأنى قد تكلمت من جحرى
موالي ما لي طاقة مذ فقدتكم ... بعيش على صبر أمرّ من الصبر
موالي قد أسكرتمونى فهل لكم ... طريق إلى صحو يعين على سكرى
سترت من الآفات فيكم فإنني ... ببعدكم أصبحت منهتك الستر
سأبكي على عزّى الّذي ذلّ بعدكم ... فأصبح قدر الكلب أشرف من قدري
(1/180)
________________________________________
وأبكى على حالي التي أعرض الغنى ... ببعدكم عنها فآلت إلى الفقر
وكيف السبيل للتلاقي وبيننا ... مهامه من برّ مخوف ومن بحر
وإن طريق البر والماء أبهما ... بجيش أمير المؤمنين أبى بكر
لعل الليالي السود تصحو فينجلي ... سواد الغمام الجون عن مطلع البدر
ثم إن الطائع للَّه صمّم العزم على الانحدار إلى واسط لقتال الديلم، فانحدر ومعه نصر الدولة سبكتكين. وسمع بذلك الديلم فأصعدوا لاستقباله فالتقوا بديالى على فرسخين من بغداد فحمل سبكتكين حملة صدق فيها فبدّد عساكر الديلم وقطع أعلامهم وفرّق جمعهم ثم [89 ب] جال بين الصفّين فتقنطرت به فرسه فوقع ميتا «526» فاضطرب العسكر وانكسروا وأخذ الخليفة هاربا على وجهه إلى الرقّة، ودخل الديلم بغداد.
ثم إن عضد الدولة «527» خلا له الأمر وطابت له بغداد فقتل ابن عمه عزّ الدولة «528» ونفذ إلى الطائع وبذل له كل ما يريده وصالحه وأعاده إلى دار الخلافة.
واشتمل ملك عضد الدولة على فارس وكرمان وخوزستان والعراق وديار ربيعة والشام وحمل إليه الخراج من الروم واجتمع على بابه من العلماء والشعراء والأدباء ما لم يجتمع على باب ملك قبله. وكان شاعرا أديبا كاتبا حاسبا مهندسا نحويّا لغويّا كريم الطباع ذا همة عالية، مكرما للعلماء محبّا لأهل التخصص حتى إنه كان يقدم نعل أبى عليّ الفارسي «529» ويحمل له المسينة «530» إلى بيت الماء بنفسه. ومات- رحمه الله- في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة في خلافة الطائع، ودفن بتربة أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- رضوان الله عليه- بوصيّة منه.
وولى بعده ابنه صمصام الدولة «531» أبو كاليجار بن عضد الدولة سنتين إلى أن زحف إليه أخوه شرف الدولة أبو الفوارس فأخذ الملك من يده. ولم تطل مدته حتى زحف إليه أخوه بهاء الدولة أبو نصر خسرو فيروز «532» بن عضد الدولة وغلب على الملك ولقّب نفسه بملك الملوك. وهذا كله في خلافة الطائع للَّه «533» .
(1/181)
________________________________________
ولما كان يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، دخل بهاء الدولة على العادة إلى خدمة الطائع للَّه فقبّل الأرض ووقف ثم أومأ إلى جماعة كان واطأهم [90 أ] فجذبوا الطائع من سريره ولفّوه في كساء وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر وحملوه إلى دار المملكة «534» ملفوفا في الكساء على قفا فرّاش «535» .
ونفذوا إلى البطائح من أحضر الأمير أبا العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر وكان ينزل بالصليق «536» . وحين وصل إلى بغداد بايعوه بالخلافة وسلّموا إليه الطائع فسمل عينيه.
وكانت خلافة الطائع للَّه سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام.
(1/182)
________________________________________
أمير المؤمنين القادر باللَّه
هو أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه. بويع له بالخلافة في يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة وهو بعد بالبطائح.
وفي يوم الجمعة خطب له بالخلافة على المنابر ببغداد ولم يصل إليها بعد. وشغّب العامة والجند ومنعوا الخطيب من الخطبة له. وطالب الجند بمال البيعة فوعدوا بذلك فسكنوا وركب من الجند قوم وسكّنوا العامة فسكنوا أيضا بعضهم بالرغبة وبعضهم بالرهبة وتمّت الخطبة للقادر باللَّه.
وفي يوم الجمعة العاشر من رمضان من السنة وصل القادر باللَّه إلى بغداد فخرج بهاء الدولة والعساكر كلهم لتلقّيه «537» وأقرّ أصحاب المراتب والقضاة وكل أرباب المناصب على ما كانوا عليه وكان زاهدا ورعا لا يشرب الخمر ولا يظلم أحدا، لا جرم دام له الأمر إحدى وأربعين سنة وانتقل من عزّ الخلافة إلى نعيم الآخرة.
وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مائة ورد الخبر باستيلاء ملك [90 ب] الترك الملقّب بشهاب الدولة على ما وراء النهر وهرب الأمير نوح بن منصور الساماني من يده، واسمه بغرا قراخان «538» .
وفي هذه السنة تزوّج القادر باللَّه بسكينة بنت بهاء الدولة وذلك في ذي الحجة وأصدقها مائة ألف دينار «539» وكان الولىّ الشريف أبو أحمد الموسوي أمير الحاج وهو والد الرضى والمرتضى. وخطب الخطبة أبو الحسن البتّي «540» .
وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة توفى القاضي أبو عليّ التنوخي «541» وذهب عن الدنيا رونقها وبهاؤها لمّا حرمت من فضله، وهو مصنف «نشوار المحاضرة» وكتاب «الفرج بعد الشدّة» وكان له النثر والنظم الّذي فاق بهما كتّاب زمانه فضلا عن قضاته.
وفي هذه السنة توفى عليّ بن عيسى الرمّانى «542» النحويّ والأستاذ أبو إسحاق الصابي.
(1/183)
________________________________________
وفي المحرّم [من] سنة خمس وثمانين وثلاث مائة توفى كافى الكفاة الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالريّ، ووصل الخبر إلى بغداد بوفاته ففرش أكثر الخلق الرماد في الأسواق وقعدوا عليه. وبلغ الخبر إلى بغداد أنه حين أخرج تابوته إلى المصلّى خرج خلفه أرباب المناصب وأصحاب المراكز وأهل العلم والأدب وأنهم حين شاهدوا التابوت قبّلوا الأرض بين يديه إجلالا له «543» . وكان مخدومه الأمير فخر الدولة أبو الحسن عليّ «544» بن ركن الدولة أبى الحسن بويه قد عاده في مرضه فالتفت إليه وقال له: أيها الأمير قد خدمتك خدمة استوعبت الوسع فيها وسرت سيرة حصلت لك حسن الذكر بها فإن أجريت الأمور بعدي على رسمها علم أن ذلك كان منك فينسب الجميل فيه [91 أ] إليك واستمرت الأحدوثة الطيبة بذلك لك وكنت أنا في جملة ما يثنى عليك به، وإن غيّرت ذلك بعدي كنت أنا المذكور بحسن السّيرة دونك وأنت بعد هذا أعلم بشأنك. ولما مات الصاحب المذكور لم يقبل فخر الدولة شيئا مما وصّاه الصاحب به.
وفي العاشر من رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مائة توفى فخر الدولة بالريّ وخلف في الخزانة ثلاثة آلاف ألف دينار فأفناها ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم «545» في أسرع مدة وكان متخلّفا منهمكا في لذّاته غير مفكّر في أمر المملكة. وكان وصل الخبر إليه بأن ابنا لسبكتكين والى غزنة قد استولى على خراسان وأفنى آل سامان وقد تلقّب ب «يمين الدولة» وأن الرسل لا تنقطع بينه وبين القادر باللَّه وأنه ربما قصد المملكة، فما أكثرت مجد الدولة بهذا القول حتى جاء الملك يمين الدولة، أبو القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين وأخذ الملك منه وأسره ونفذه مقيّدا إلى خراسان «546» .
وكتب إلى القادر باللَّه بذلك فكتب له القادر العهد على خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان ولقّبه «يمين الدولة وأمين الملّة، ناصر الحق، نظام الدين، نصير أمير المؤمنين» ، وقبل ذلك ما كان يعرف اللقب المنسوب إلى أمير المؤمنين إلا «مولى أمير المؤمنين» . فهو أوّل من غيّر ذلك.
(1/184)
________________________________________
وعاد إلى خراسان وتسمّى بالسلطان وجلس على التخت ولبس التاج، ودخل إليه البديع الهمذانيّ فأنشده «1546» :
تعالى الله ما شاء وزاد الله إيماني [91 ب] ... أأفريدون في التاج أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت إلينا بسليمان ... أطلّت شمس محمود على أنجم سامان
وأضحى آل بهرام عبيدا لابن خاقان ... إذا ما ركب الفيل لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا على منكب شيطان ... أمن واسطة الهند إلى ساحة جرجان
ومن حاشية السند إلى أقصى خراسان ... على مفتتح العمر وفي مقتبل الشان
يمين الدولة العقبي لبغداد وغمدان ... وما يقعد بالمغرب عن طاعتك اثنان
إذا شئت ففي يمن وفي أمن وإيمان
وفي سنة ثلاث وأربع مائة توفى بهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز وعمره اثنتان وأربعون سنة، وجعل ابنه الكبير أبا شجاع فنا خسرو ولىّ عهده في الملك. وعهد القادر باللَّه إلى فنا خسرو ولقّبه «سلطان الدولة» «547» .
وفي سنة أربع وأربع مائة مات الأمير قابوس بن وشمكير ودفن في تابوت زجاج مملوء من الصبر وعلّق في القبة التي هي الآن تربته بالسلاسل «548» وعلى باب القبّة مكتوب: «هذا القبر العالي للأمير شمس المعالي الأمير بن الأمير قابوس بن وشمكير» وذلك بظاهر جرجان [92 أ] .
وفي هذه السنة توفى أبو نصر عبد العزيز «549» بن نباتة الشاعر البغدادي.
وفي سنة ست وأربع مائة توفى الشريف نقيب النّقباء ذو الحسبين الرضى «550» .
(1/185)
________________________________________
وفي سنة سبع وأربع مائة قصد السلطان محمود بن سبكتكين خوارزم وملكها.
وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة مات ولىّ العهد ابن القادر باللَّه وكان أبوه قد لقّبه في حياته «الغالب باللَّه» «551» .
وفي هذه السنة خرج الحاكم بأمر الله «552» سلطان مصر وحده راكبا حمارا يريد الصحراء وفقد ولم يعلم له خبر بعد ذلك، وجلس مكانه ابنه في الملك ولقّب نفسه «الظاهر لإعزاز دين الله» .
وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة مات سلطان الدولة فنا خسرو بتخمة النبيذ وجلس مكانه الأمير أبو كاليجار «533» ابنه ولقّبه الخليفة ب «محيي دين الله» .
وفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان محمود ابن سبكتكين وجلوس ابنه مسعود مكانه.
وخرج التركمان من باديتهم إلى بلاد الإسلام وكانوا ثلاثة إخوة، محمد وهو طغرلبك وداود وهو جغري بك وإبراهيم وهو ينال. وكتبوا إلى القادر باللَّه وطلبوا أن يولّيهم بلدا من بلاد خراسان، وكان محمد أكبرهم وكان يخاطب من ديوان القادر ب «الدهقان الجليل محمد بن ميكائيل» . فنفذ القادر باللَّه إلى مسعود بن محمود يأمره أن يخلى لهم بلدا من بلاد خراسان ليكفوا شرهم عن بلاد المسلمين وأن يكون واحد منهم أبدا في خدمته. وقبل وصول الكتاب قتل مسعود بن محمود واستولى التركمان على بلاد [92 ب] خراسان ووقع بأس المحمودية بينهم لطلب الملك فانحجزوا إلى غزنة وقوى أمر التركمان.
ومات القادر باللَّه في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة وجلسوا له للعزاء في ذلك اليوم إلى وقت العصر. ثم قام ابنه من وراء سبنية وصلّى بهم العصر ثم بعد ذلك صلّى على تابوت القادر باللَّه.
وكان القادر- رحمه الله- طلق النفس [1] واسع المعروف معروفا بالعدل والزهد،
__________
[1] فلعلها كانت: ظلف النفس، أي: كان يمنعها هواها، انظر: فقه اللغة للثعالبي (باريس 1861) 170.
(1/186)
________________________________________
شائع الخير في الخلق، لم تعرف له زلّة مذ ولى الخلافة. وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة.
ووزر له «554» جماعة منهم: أبو الفضل محمد بن أحمد العارض، ثم أبو الحسن سعد بن نصر، ثم أبو الفضل أيوب بن سليمان، ثم عليّ بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، ثم عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب.
ودفن القادر باللَّه في الدار «555» سنة ثم حمل إلى الرصافة على العادة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 9 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

أمير المؤمنين القائم بأمر الله
هو أبو جعفر، عبد الله بن القادر [باللَّه] بويع له في اليوم الثاني من وفاة القادر وأخذ البيعة على الناس المرتضى أبو القاسم الموسوي أخو الرضى، ونظام الحضرتين أبو الحسن الزينبي «556» نقيب النّقباء، وقاضى القضاة الحسين «557» بن عليّ بن ماكولا، وحضر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر وبايع «558» .
ووصل الخبر إلى بغداد بموت الظاهر لإعزاز دين الله بمصر في سنة سبع وعشرين وأربع مائة وتولّى بعده [ولده] أبو تميم معدّ وتلقّب بالمستنصر باللَّه «559» .
وفي سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة انتشر التركمان في بلاد الإسلام، وكان [93 أ] الناس يسمّونهم الغز. وجاء طغرلبك إلى الرىّ وملك الجبال وطبرستان وحاصر أصفهان وأخذها من قرامرز بن رستم الديلميّ وأعطاه يزد عوضها «560» .
وكان قد جلس في ملك غزنة مكان مسعود بن محمود [ابنه] مودود بن مسعود «561» ...... وفي هذه السنة، وصل الخبر إلى العراق بوفاته واستيلاء جغري بك على جميع بلاد خراسان.
ثم إن الأمور ببغداد اختلّت وصار كل جندي فيها رأسا بنفسه وانقطعت موارد الأموال باستيلاء الخوارج على أكثر بلاد الإسلام. وتقدم بحضرة الخليفة ببغداد أبو الحارث أرسلان البساسيري وصار أمير الأمراء. وجرت بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء، أبى القاسم عليّ «562» بن الحسين بن المسلمة منافسة على الأمور وصارا عدوّين.
وكان رئيس الرؤساء صدرا يملأ العين منظرا وفضلا وبراعة وسياسة وعقلا وتدبيرا، وحين استشعر رئيس الرؤساء من البساسيري راسل التركمان السلجوقية وكتب كتابا إلى أبى طالب بن ميكائيل يخاطبه فيه بالأمير الجليل ركن الدولة، ويحسّن له دخول الحضرة، وفر البساسيري بذلك فاستشعر ومرّ هاربا إلى الشام
(1/188)
________________________________________
وأقبل ركن الدولة السلجوقي يريد بغداد. فحين وصل [إلى] النهروان، وهو في خمسين ألف فارس، خرج رئيس الرؤساء لاستقباله وذلك في يوم الأحد ثامن شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربع مائة، وكان معه الملك الرحيم أبو نصر خسرو فيروز «563» ، وهو آخر من بقي من بنى بويه، ولم يكن إليه حلّ ولا عقد. وحين وصلوا إلى نهربين «564» استقبلهم عميد الملك «565» ، أبو نصر الكندري [93 ب] وزير ركن الدولة يطلب صوب البلد، فلما رأى موكب رئيس الرؤساء والعساكر خلفه والقضاة والأشراف والخطباء ووجوه بغداد بالسواد والمناطق عن يمينه وشماله والجنائب تقاد بين يديه وأكثر من مائة جوق من المقرءين يقرءون بين يديه هاله ذلك وتقدّم للسلام عليه. وحين وقعت عينه عليه ترجّل ظنّا منه أن رئيس الرؤساء يترجّل له فما فعل، فلما رأى ذلك منه قدّم جنيب من جنائبه وقال: ركن الدولة حيث علم أنك خرجت لاستقباله أمرنى باستقبالك وقد أمر بأن تقدّم لك هذه الجنيبة فنزل رئيس الرؤساء عن فرسه وركب الجنيبة. وإنما كانت الجنيبة لعميد الملك وأراد بذلك الحيلة على رئيس الرؤساء لينزل فيراه الناس من بعد فيعتقدون أنه ترجّل له، ثم تسايرا إلى أن وصلا إلى ركن الدولة. وحين دخل عليه رئيس الرؤساء نهض وأجلسه معه على سريره وقال له رئيس الرؤساء: يا ركن الدولة إن الله- تعالى- أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها. فقال: إنما قصدت هذا الجانب لثلاثة أمور: أحدها: لأقبّل العتبة الشريفة النبويّة وأنتمي إلى خدمتها. والثاني:
لأحجّ إلى بيت الله تعالى وأفتح طريق الحج من صوب العراق. والثالث: لأقصد مصر وأنتزعها من يد الخارج الّذي بها وأقيم الدعوة على منابرها لبني العباس. ثم عاد رئيس الرؤساء وأخبر الخليفة بذلك.
ولما كان في اليوم الثاني، دخل ركن الدولة على القائم بأمر الله وهو جالس من وراء شبّاك [94 أ] وحين رآه سجد سبع مرات وأمر له بكرسي صغير فوقف عليه. وكان الخليفة يخاطب عميد الملك وهو يترجم عليه. وخرج من حضرة الخليفة
(1/189)
________________________________________
ونزل دار مؤنس المظفر التي كان ينزلها من يتولّى إمارة الأمراء. ولقّبه الخليفة ب «ركن الدين ملك الإسلام والمسلمين، برهان أمير المؤمنين» .
وفي هذه السنة توفى قاضى القضاة أبو عبد الله، محمد «566» الدامغانيّ- رحمة الله عليه-.
وفي يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وأربعين وأربع مائة عقد الخليفة عقدا على خديجة «567» المدعوّة أرسلان خاتون بنت الأمير جغري بك والى خراسان، وهو أخو ركن الدولة، وكانت خديجة هذه مسمّاة لابن الخليفة ذخيرة الدين «568» . وكان ولىّ عهد المسلمين، وكان قد جرى بين الخليفة وبينهم في ذلك مراسلات قبل دخولهم بغداد، واتفق موت ذخيرة الدين قبل دخولهم فخطبها الخليفة لنفسه. وحين توفى ذخيرة الدين كانت له جارية حامل فوضعت في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ابنا سمّى عبد الله وكنّى أبا القاسم ولقّب بعدّة الدين وعمدة الإسلام والمسلمين وأقيم اسمه على المنابر مقام اسم أبيه وهو المقتدى بأمر الله.
ومات القاضي أبو الطيب الطبري «569» وقاضى القضاة أبو الحسن الماوردي «570» في سنة خمسين وأربع مائة قبل عود البساسيري إلى بغداد بأيام.
أما البساسيري فإنه انضم إليه نور الدولة أبو الأغر دبيس بن عليّ بن مزيد الأسدي وقريش بن بدران صاحب الموصل وديار ربيعة. وكاتب المستنصر يحسّن له [94 ب] ما في نفسه من قلع دولة بنى العباس وإزالة ملكهم ويطلب منه العساكر والعدّة. فجاءته العساكر تتقاطر وأمدّوه بالأموال والأسلحة وأقيمت الدعوة للمستنصر باللَّه بالموصل والشام ونقلوا جميع المنابر ببلاد الشام وديار ربيعة من يسار القبلة إلى يمينها وتظاهروا بالأعلام البيض وانضاف إليهم كل عسكر كان بين الموصل ومصر إلا نصر الدولة أحمد «571» بن مروان فإنه افتدى نفسه منهم بالأموال بعد ما أقام الدعوة للمستنصر وخوطب من حضرته بالأمير الأجلّ عزّ الدولة وعمادها، ذي الصرامتين سعد الدين، مولى أمير المؤمنين.
(1/190)
________________________________________
وحين تكامل جمعهم بسنجار عوّلوا على قصد بغداد فوصل الخبر إلى بغداد بذلك فنفذ السلطان طغرلبك جماعة العسكر مع الأمير قتلمش ابن عمه لمحاربتهم واتفق اللقاء في رمضان من سنة ثمان وأربعين وأربع مائة على باب سنجار فانكسر جيش السلطان وانهزم الأمير قتلمش وبلغت هزيمته إلى همذان وكانت الهزيمة ليلة عيد الفطر.
ونفذ البساسيري الفيوج والرسل إلى مصر يخبر بالفتح، ونفذ أسلاب الأتراك وخيلهم وأعلامهم إلى المستنصر فوقع ذلك منه أوفى موقع. وسحبوا الأعلام السود على التراب منكوسة في أسواق القاهرة وزيّنوا البلد أياما. وفي ذلك يقول ابن حيّوس:
عجبت لمدّعى الآفاق ملكا ... وغايته ببغداد الركود
يصول على رعاياها اعتداء ... ويحجم كلما صلّ الحديد [95 أ]
يدبّره ابن مسلمة سفاها ... برأي غيره الرأى السديد
وأعجب منهما سيف بمصر ... تقام له بسنجار الحدود «572»
وحين وصل هذا الخبر إلى بغداد ركب ركن الدولة ودخل دار القائم بأمر الله في أحسن زيّ وتعبئة وبين يديه الأمراء من الأتراك والعرب والديلم. فخرج رئيس الرؤساء إلى صحن الدار لاستقباله فدخل البهو، وهو مجلّل بستور الديباج السود وفي صدره سبنية «573» سوداء مسبلة فكشفت وإذا بالخليفة وراءها على سدّة عالية ارتفاعها من الأرض سبعة أذرع وعليه السواد والمنطقة وهو معمّم على رصافية وبردة النبي- صلّى الله عليه وسلم- على كتفيه وخاتمه في إصبعه وهو حلقة فضة عليها فصّ غروى أسود مربّع نقشه سطران: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» والقضيب الخيزران في يده والخدم على طبقاتهم وقوف وفي أيدي بعضهم الشموع وفي أيدي الباقين مجامر البخور من الطّيب. وحين رفعت الستارة ووقعت عين ركن الدين على القائم أكبّ على الأرض يقبّلها فعل ذلك مرارا عدّة. وكان بين يدي الشبّاك كرسي خشب وكان رئيس الرؤساء واقفا عليه، فقال له الخليفة: خذ إليك ركن الدين فنزل رئيس الرؤساء
(1/191)
________________________________________
وأخذ بيده ورقّاه وأوقفه معه على الكرسي ثم قال الخليفة: ومنصور بن محمد، يعنى عميد المملك، فصعد أيضا ووقف معهما. ثم قال القائم بأمر الله لرئيس الرؤساء:
يا عليّ قل لركن الدين: أمير المؤمنين! [95 ب] حامد لسعيك شاكر على فعلك معتدّ بخدمتك، أنس بقربك وقد ولّاك جميع ما ولّاه الله من بلاده وردّه إليه من أمر عباده فاتق الله تعالى في ما ولّاك واعرف نعمته عندك، فقبّل الأرض ودعا وقال: أنا عبد أمير المؤمنين ووليّه. ثم أسبلت السبنيّة وجيء بالخلع وأفيضت عليه وهي سبعة أقبية سود بزيق واحد وعمامة مسكيّة وتاج مرصّع فيه قطعتان ياقوت كبار حول كل قطعة خمس عشرة حبّة كبار، وسوّر وطوّق وكان شيخا قد بلغ السبعين «574» ، وكان أقرع فأثقله الطوق والسّواران وكان يعانيهما بجهد جهيد.
وأمر الخليفة له بثلاثة ألوية: أحدها لواء الحمد أسود مكتّب بالذهب والآخران أحمران بكتابة صفراء. وكتب له عهد بولاية الدنيا بأسرها وخوطب فيه ب «شاهنشاه ملك المشرق والمغرب» وأمره الخليفة بالتوجّه نحو البساسيري. وكانت هديّته للخليفة في ذلك اليوم خمسين غلاما أتراكا على خيول بسيوف ومناطق محلّاة وعشرين رأسا من الدواب والآلات مصاغة مرصعة قوّمت بخمسين ألف دينار، وخمس مائة ثوب أنواعا من كل جنس، وخرج من فوره وسار نحو البساسيري. وكان البساسيري بالرحبة.
وحين سار ركن الدين متوجّها إلى صوب الرحبة ومعه أخوه إبراهيم ينال، وهو أخوه لأمه، وصله الخبر في بعض الطريق بأن إبراهيم كاتب البساسيري وصاحب مسر فاستشعر منه ركن الدين واستشعر هو أيضا. ولما قربوا من البساسيري وصاحب مسر فاستشعر منه ركن الدين واستشعر هو أيضا. ولما قربوا من البساسيري وتوعدوا للقتال [96 أ] عاد إبراهيم ينال إلى وراء طالبا صوب العراق ومعه نصف العسكر فتجبّنت قلوب الباقين وعاد ركن الدين منهزما من غير حرب ولكن خوفا من أخيه أن يسابقه إلى همذان ويدخلها ويستولى على المملكة. وكان من العجائب أن ركن الدين سار من نصيبين إلى همذان في ثمانية أيام ودخلها قبل أخيه إبراهيم بعد ما عطبت خيله وتقطع أصحابه. وحين دخلها كان في نفر قليل، وأدركه إبراهيم فاحتمى ركن الدين بالبلد فحاصره إبراهيم.
(1/192)
________________________________________
ولما اتصل الخبر بالبساسيري وقريش بن بدران هجما على بغداد في هذه السنة وهي سنة خمسين [وأربع مائة] ووصلا إليها في مستهل ذي القعدة فقاتلهما العامة ومن تخلّف ببغداد من الجند أياما ثم عجزوا عنهما ودخلا بغداد في سادس ذي القعدة وأمر جا العسكر في القتل والنهب وأغلقت أبواب دار الخلافة فجاء قريش بن بدران وقصد الدار وكان الخليفة ورئيس الرؤساء على برج في ركن باب النوبي «575» ، فاطلع رئيس الرؤساء وصاح بقريش: يا علم الدين! أمير المؤمنين يستدعيك، فدنا من الباب فقال له: إن الله تعالى قد أتاك رتبة لم يؤتها أمثالك فإن أمير المؤمنين يطلب منك الذمام على نفسه وأهله وأصحابه فقال قريش: أمير المؤمنين قد أذمّ الله له، فقال رئيس الرؤساء: ولى، قال: ولك، قال: فأين الذّمام؟ فخلع عمامته وأخرج قلنسوة كانت تحتها ورماها إليهم وقال: هذا الذمام. فأمر الخليفة ففتح الباب ونزل ومعه رئيس الرؤساء وجماعة من الخدم وسلّموا أنفسهم إليه، فحين رأى الخليفة طيّب نفسه وأمّنه [96 ب] مشافهة ووعده بالجميل وكانت مخاطبته له: «يا شريف» .
وسمع بذلك البساسيري، وكان نازلا بالجانب الغربي، فاغتاظ ونفذ إلى علم الدين يقول: ما هذا الأمان الّذي انفردت به دوني؟ وقد كنّا تعاهدنا على أن لا يستبد أحد منّا بشيء دون رضى أصحابه، فأجابه قريش ب: إني ما عدلت عن ما استقر بيننا، والخليفة فما بينك وبينه عداوة، عدوّك ابن المسلمة فخذه إليك وأنا آخذ الخليفة وقد كنا شرطنا أن نتساوى في القسمة في كل شيء نظفر به والآن واحد لي وواحد لك فرضى البساسيري بذلك. ووجّه علم الدين برئيس الرؤساء إلى البساسيري- لعنه الله-.
فلما وقعت عليه عينه قال: مرحبا بمدمّر الدولة ومهلك الأمم ومخرّب البلاد ومبيد العباد، تعال يا ابن الكافرة، فقال له رئيس الرؤساء: ملكت فاسجح، فجعل البساسيري يكرر قوله: «ملكت فاسجح» . ثم التفت إليه وقال له: أنت ملكت فما أسجحت بل صادرت وعاقبت وقتلت وأنت صاحب قلم فكيف أعفو عنك وأنا
(1/193)
________________________________________
صاحب سيف؟ ثم إني أسألك عن شيء آخر، هب أن جرمي كان مما لا يغفر، فما كان جرم حرمي وأطفالى وعيالي وبناتي حتى نكلت بهم وكشفت ستر الله عنهم؟
وأيّ ذنب كان لجوارىّ حتى علقتهنّ بثديهنّ وقد جئت الآن تستعفينى من هذه الجرائر وأنا رجل جندي صاحب سلاح فإذا كنت ما أبقيت [عليّ] فلم أبقى عليك؟ وأمر به فسوّد وجهه وأركب حمارا ومعه على الحمار نفّاط يصفعه بقطعة جراب وداروا به في الأسواق والدبادب والبوقات [97 أ] تضرب بين يديه. ثم أمر فعلّق كلاب في حلقه وصلب على شاطئ دجلة وذلك بعد أن ألبسه جلد ثور وترك قرونه على رأسه فبقي يتحرك ويضطرب إلى آخر النهار ومات في عشية ذلك اليوم «576» وفيه يقول ابن نحرير الكاتب «577» :
أقبلت الرايات مبيضة ... يقدمهن الأسد الباسل
وولّت السوداء منكوسة ... ليس لها من ذلة شائل
انظر إلى الباغي على جذعه ... والدم من أوداجه سائل
ثم حطّ جسده بعد ثلاثة أيام وأحرق.
ثم جرى في أمر الخليفة بين قريش والبساسيري خلاف، فقال البساسيري: لا بد من تنفيذه إلى مصر وتسليمه إلى المستنصر باللَّه ليرى فيه رأيه فقال علم الدين: بل يعتقل في بعض القلاع حتى يموت. وخاف الخليفة أن يغلب البساسيري على قريش فقام من الخيمة التي كان معتقلا فيها وقصد خيمة قريش بن بدران وقال له: لقد أعطيتنى الذّمام على أن لا أفارقك وأن لا تخرجني من بغداد وهذا الدخول إلى خيمتك الآن أمان ثان فاللَّه الله أن تسلّمنى إلى غيرك فهذا غير معهود في ذمام العرب ولا مألوف في المروءة والطريقة. فقال له قريش: لا بأس عليك والصواب في ما دبّرته في أن تنفذ إلى بعض القلاع «578» . وإنما كان مقصود قريش تسكينه بذلك وإلا فقد كان قريش يعلم أنه إذا خرج من بغداد وسلّم إلى من يحتفظ به، أن البساسيري ينفذ من يأخذه في بعض الطريق وينفذه إلى مصر. والخليفة خاف أن يسلّم إلى [97 ب] المستنصر
(1/194)
________________________________________
فيفعل به بمصر ما فعل البساسيري برئيس الرؤساء ببغداد.
وحين أيس الخليفة من قريش وعلم أنه لا بد من أن يسلّم إلى من يحتفظ به في بعض الحصون التفت إليه وقال له: يا قريش لا شدّ الله لك حزاما. ونهض وعاد إلى خيمته وسلّم إلى مهارش «579» المستحفظ بقلعة الحديثة ليحفظه عنده وكان أمر بذلك في الظاهر وقيل له في الباطن: تحمله إلى مصر وتسلّمه إلى المستنصر. فحين خرج به مهارش من بغداد، وكان مهارش يرجع إلى دين وتألّه ومروءة وذمام، فقال له:
يا مولانا كن على أتم ثقة أن رأسي يمضى دونك وإني لا أسلّمك إلى عدوّ قط ولقد خار الله تعالى لك وللمسلمين ولذرية بنى العباس بكونك عندي. ثم حمله إلى قلعته وخدمه الخدمة التامة.
ثم إن طغرلبك بقي في الحصار بهمذان وأخوه إبراهيم ينال على بابها يحاصره فاتصل الخبر بإبراهيم أن خاتون زوجة طغرلبك توجّهت في تلك الأيام من بغداد إلى همذان ومعها عميد الملك ومعهم أموال الدنيا ظانّين أن الغلبة لزوجها طغرلبك. وخاف إبراهيم أن يتصل بها خبر زوجها في بعض الطريق فتعود إلى بغداد فنفذ جماعة من العسكر لأخذ الطريق عليها. وحين انفصلوا من معسكره بباب همذان وتسامع بقية العسكر بذلك لم يبق منهم إلا القليل والباقون تبعوا العسكر المنفذ إلى صوب العراق لطلب الغارة. فلما خف جمعه خرج طغرلبك مع العسكر الذين كانوا معه في البلد وشباب همذان فكبسوا إبراهيم ونهبوا معسكره وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب [98 أ] هو وحده إلى قزوين. وكان ذلك كله بتدبير السيد أبى هاشم العلويّ «580» ومعاونته، وعرف له السلطان ذلك وولّاه رئاسة همذان.
ثم إن ركن الدين خرج وضرب مضاربه على باب البلد والتحقت به العساكر من كل فج. ووصلت خاتون على جملة السلامة لأن العسكر المنفذ لأخذ الطريق عليها سمعوا بهذا الخبر على مرحلتين من همذان فبعضهم هرب وقصد إبراهيم وبعضهم استأمن إلى السلطان.
(1/195)
________________________________________
ثم إن السلطان ركن الدين قصد أخاه بقزوين وظفر به وقتله. ووصل إليه في تلك الأيام ابن أخيه من خراسان وهو محمد بن داود بن ميكائيل وهو المعروف بألب أرسلان وجعله ولىّ عهده.
ولم يكن بعد فراغه من أمر إبراهيم شغل إلا قصد العراق، فتوجّه إلى بغداد ونفذ إلى مهارش يطلب الخليفة فسار مهارش في خدمة الخليفة إلى صوب بغداد، والتقوا كلهم على ماء النهروان.
وحين أحسّ البساسيري بوصولهم وكان والى بغداد من قبل المستنصر هرب إلى حلة نور الدين دبيس بن عليّ بن مزيد. وخرج كل من كان ببغداد من صغير وكبير إلى النهروان لتلقّي الخليفة والسلطان وخلا البلد في تلك الليلة وهي ليلة الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين [وأربع مائة] . ولما كان وقت إسفار الصبح ركب القائم بأمر الله وركن الدين بين يديه وعلى رأسه الغاشية وجماعة الأمراء والقواد والعساكر وأهل البلد كلهم رجّالة وكان يوما مشهودا، وذلك لأنه لم يكن فارسا سوى الخليفة والباقون [98 ب] كلهم رجّالة مشاة. ثم إن الخليفة قال لركن الدين: اركب يا أبا طالب، فقبّل الأرض وما ركب، فقال له ثانيا: اركب يا أمير الجيش، فقبّل الأرض ولم يركب، فقال ثالثا: اركب يا ركن الدين، فقبّل الأرض وركب. وحين قربوا من البلد عاد وترجّل وأخذ الغاشية على رأسه إلى أن دخل الخليفة الدار، وحين وصل إلى باب الحرم التفت إليه وقال: ارجع يا ركن الدين شكر الله سعيك ورسوله- صلّى الله عليه وسلم- وأمير المؤمنين، وعاد ونزل بدار عضد الدولة، التي هي اليوم دار المملكة «581» .
ومن العجائب أن دخول البساسيري إلى بغداد وإخراج الخليفة من داره كان في هذا اليوم من شهر ذي القعدة وهو اليوم الّذي دخل فيه.
وفي اليوم الثاني من الدخول رتّب الحشم في الدار والحواشي والحراس والبوّابون على العادة وعاد من كان بعد منهم أو استتر وفرشت الدواوين وجلس الكتّاب على
(1/196)
________________________________________
العادة كأنهم ما أصيبوا. وجاء عميد الملك إلى ديوان الخليفة لتقرير الأمور وإقرار ما يختص بديوانه من البلاد وجرى في ذلك كلام طويل فقال عميد الملك: أمير المؤمنين قد ولّى ركن الدين من وراء بابه وركن الدين هو الّذي أعاد هذه الدولة بعد ما زالت وقد كان بجكم قرر للراضى باللَّه لنفقة داره في كل يوم خمس مائة دينار وكذلك توزون في أيام المتقى وكان الباقي يصرف إلى العسكر وأمير المؤمنين ليس له عسكر سوانا ولا حاجة به إلى أكثر من خمس مائة دينار في كل يوم. فقيل له:
هذا [99 أ] لا يكفى، فقال: نجعلها ألفا، فقيل له: ولا يكفى فإن أمير المؤمنين يحتاج إلى تشريفات وخلع وصلات للملوك والأمراء والقضاة والأشراف وسائر طبقات الناس، وما زالوا به حتى قرر للخليفة كل يوم ألفى دينار، فقيل له: ويجب أن تقرر بذلك بلادا أو ضياعا يختارها الخليفة فاختاروا ما يكون ارتفاعه في كل سنة سبع مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وكتبوا بذلك السجلات وأشهدوا عليه الشهود.
واستدعى الخليفة أبا الفتح بن دارست «582» من بلاد فارس واستوزره وفتحت الدواوين على العادة وعاد أمر الخلافة إلى أوفى ما كان عليه.
وأما قريش فذبح على فراشه «583» في هذه السنة وهي سنة [إحدى وخمسين] «584» وأربع مائة لا يدرى من ذبحه واستجاب الله تعالى فيه دعوة القائم بأمر الله.
وحين أسر القائم حمل ولد ولده، ذخيرة الدين إلى حرّان، وكان طفلا فاحتفظوا به هناك وراعوه وخدموه أوفى خدمة «585» ، ثم لما عاد الخليفة إلى مستقر عزّه أعادوه إليه وبقي القائم بأمر الله تعالى إلى أن بلغ هذا الصبىّ مبلغ الرجال وصار ولىّ العهد وبقيت الخلافة إلى الآن في أعقابه.
ثم إن السلطان ركن الدين طغرلبك أراد أن ينحدر بنفسه إلى حلة نور الدين أبى الأغر دبيس بن مزيد الأسدي لطلب البساسيري فجاء إليه سرايا بن منيع وقال:
اعطونى ألفى فارس لأمضى إلى الكوفة وآخذ على البساسيري طريق الشام وأخاف إن أحسّ بحركتكم إليه هرب إلى الشام وقصد مصر وتقوّى بالعساكر ثم عاد إلى
(1/197)
________________________________________
العراق بعد خروجكم عنه فنفذ السلطان ركن الدين طغرلبك معه [99 ب] أزدمر الحاجب ونوشروان [ربيبه] «586» وكمشتكين دواتي عميد الملك في ثلاثة آلاف فارس فصادفوه منفصلا عن حلة دبيس بن مزيد قاصدا إلى الشام فحاربوه وكسروه ووقعت فيه طعنة فسقط، فنزل كمشتكين العميدي وحزّ رأسه ونهبوا عسكره وجاءوا برأسه فطيف به في البلد والدبادب والبوقات تضرب بين يديه ونصب على باب دار الخليفة سنة كاملة.
وماتت أم القائم بأمر الله في ذلك اليوم وكانت عجوزا قد أنافت على المائة وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربع مائة.
وفي سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة رغب السلطان طغرلبك في التزويج بمريم أخت «587» القائم بأمر الله وكان كل واحد منهما قد أناف على السبعين «588» وإنما أراد بذلك التبجّح والتفاخر على أبناء جنسه. وكان بباب تبريز فنفذ الخليفة إليه في إتمام الوصلة ابن المحلبان فتكلّفوا له أمورا عظيمة ونثروا أموالا جمّة.
وفي يوم الخميس ثالث عشر شعبان سنة أربع وخمسين وأربع مائة قام عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري بباب تبريز وأخذ توقيع الخليفة بالوكالة في أمر التزويج «589» وقرأه على السلطان طغرلبك وفسّره له وعقد النكاح على مقتضى التوقيع وكانت نسخة التوقيع:
«بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله- صلّى الله عليه وسلم- وذكر آثاره وآثار أهل بيته، ثم إن أمير المؤمنين نصر الله تعالى ألويته وأنفذ في المشارق والمغارب كلمته لما اتضح لدى شريف سدّته وبمقر العزّ [100 أ] من سامى حضرته من ولائك يا أبا نصر محمد بن منصور مولى أمير المؤمنين، ومخالصتك ووثق به من دينك وأمانتك وتحقّق جميل سعيك في الخدمة الشريفة ومناصحتك، رسم أعلى الله مراسمه أن يجعل أمر هذه الوصلة الشريفة المقدسة إليك وزمام تدبيرها بيديك وأن يعوّل في أمرها عليك وأن تجرى ما تبرمه من هذا الأمر الشريف موضعه
(1/198)
________________________________________
والعقد العظيم موقعه على سنة الرسول- صلّى الله عليه وسلم- على أربع مائة درهم ودينار واحد مهر سيدة النساء فاطمة البتول، ليعلم الكافة من العامة والخاصة تنزّه أمير المؤمنين- رضوان الله عليه وعلى آبائه الطاهرين- عن التلبّس بحطام الدنيا. وأن مكان شاهنشاه المعظم، ملك المشرق والمغرب ركن الدين أمتع الله به لا يوازيه شيء من الأشياء» . وبعد هذا كلام لم يحضرني الآن «590» . فغلب البكاء على السلطان عند ذلك وعلى أكابر الحاضرين وجرى أمر عظيم رقّق القلوب.
ثم سلّمت إليه ببغداد بعد امتناع شديد من تسليمها وذلك في الخامس عشر من صفر سنة خمس وخمسين وأربع مائة، وكان معها من الفرش والآلات والجواهر والأواني سوى ما صرف إلى الحجاب وحواشي الدار ما قوّمه الثقات بألفي ألف دينار. وكان يدخل عليها وهي جالسة على السرير فيخدمها ويقبّل الأرض بين يديها وينصرف. وأخذها معه إلى حلوان ثم أعادها من هناك.
وقصد الرىّ في هذه السنة وهي سنة خمس وخمسين وأربع مائة ومات بها في رمضان، وأخذ عميد الملك أبو نصر محمد بن [100 ب] منصور الكندري بعده البيعة للأمير مشيّد الدولة أبى القاسم سليمان «591» بن دواد، وكان يلقّب بأمير الأمراء، وهو ابن أخيه الأصغر. ثم بعد أيام وصل ابن أخيه الأكبر من خراسان وهو الأمير ألب أرسلان «592» بن داود فانحلّ أمر هذا الصبىّ واستولى ألب أرسلان على الأمر واحتقد ذلك على عميد الملك، وجاءه اللواء والعهد من بغداد بالسلطنة ولقّب ب «ملك المشرق والمغرب، عضد الدولة القاهرة العباسية» . وأقرّ عميد الملك على الوزارة ثم قبض عليه وحبسه في دار عميد خراسان واستصفى أمواله ثم نفذه إلى قلعة، وأمر فقتل بها «593» .
واستوزر بعده أبا عليّ، الحسن بن عليّ بن إسحاق الطوسي ولقّبه «قوام الدين نظام الملك صدر الإسلام شمس الكفاة سيد الوزراء رضى أمير المؤمنين» وكان لهذا الصدر من الخيرات في بلاد الإسلام من المدارس والقناطر والرباطات والوقوف
(1/199)
________________________________________
ما هو موجود إلى الآن يشهد لنفسه. وفتح الله تعالى على يديه الفتح الّذي عزّ به الإسلام بباب منازجرد «594» سنة ثلاث وستين وأربع مائة وأسر ملك الروم. وكان الثغر على باب خوى «595» ففتحوا بذلك الفتح نحوا من مائتي مدينة حتى صار الثغر على باب القسطنطينية «596» . واستشهد «597» هذا الصدر على أيدي الملاحدة بباب نهاوند في العاشر من رمضان سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وكانت مدة وزارته ثلاثين سنة منها عشر سنين للسلطان ألب أرسلان وعشرون سنة لولده جلال الدولة، أبى الفتح ملك شاه.
ومات القائم باللَّه- رحمة الله عليه- في سنة سبع [101 أ] وستين وأربع مائة.
وكانت خلافته خمسا وأربعين سنة. وقبل وفاته بسنة واحدة كان غرق بغداد «598» .
(1/200)
________________________________________
أمير المؤمنين المقتدى بأمر الله
هو أبو القاسم، عبد الله بن ذخيرة الدين أبى العباس محمد بن القائم بأمر الله.
ولما مات جدّه القائم بأمر الله جلس أكابر الدولة والدين للعزاء بباب الفردوس «599» وحضر الفقهاء والقرّاء والأجناد على طبقاتهم وصلّى عليه المقتدى، وصلّى بهم صلاة العصر من وراء السبنية ودفن في الدار وفي صبيحة اليوم الثاني والثالث جلسوا للعزاء. وفي اليوم الثالث وقعت البيعة للمقتدى بأمر الله وكتبت الكتب ببيعته إلى الآفاق. وأمه حبشيّة تعرف بالأرجوانية «600» وكانت تقيّة زاهدة صوّامة كثيرة المروءة والصدقة محبّة لأهل الستر والصلاح.
وكان المقتدى بأمر الله شهما شجاعا ذا بصيرة وجدّ، وكان يرجع إلى فضل وافر وعقل كامل. وكان نفذ إلى ديار بكر لطلب فخر الدولة أبى نصر محمد بن محمد ابن جهير وزير بنى مروان فلما حضر استوزره «601» ولم يكن كما سمع عنه ولا كان فيه فضل ولا كفاية وإنما ستر نقصه بكثرة المال فإنه فرق في مدة قريبة سبع مائة ألف دينار وخدم الخليفة ببعضها والباقي انصرف إلى حواشي داره وخدمه ثم إلى العسكر الواردة إلى حضرته ثم إلى الشعراء والقضاة والطارقين من أهل العلم وغيرهم «602» .
وحكى جماعة شاهدوا طبقة في داره التي أمر ببنائها بحرم [دار] [101 ب] الخلافة فكان على طبقة كل يوم مائة صحن في كل صحن عشرة أرطال لحم وكان راتبه كل يوم ألف رطل لحم هذا سوى الشوايا والدجاج والحلواء والفاكهة. وكان يفصّل في يوم النيروز مائة وعشرين جبّة ويلفّق «603» مائة وعشرين عمامة ثم يلبس في كل ثلاثة أيام جبّة وعمامة ويخلعها، ولم يعهد أنه وقع على جسده قميص أو رفيقه يومين بل يجدّد ذلك كل يوم، وأكثر هذه النعمة إنما أظهرها ببغداد بعد انفصاله عن ديار بكر. ثم عزله الخليفة، واستوزر مكانه أبا شجاع، محمد «604» بن الحسين الروذراوريّ، وكان كاتبا بليغا، وله الشّعر الحسن والرسائل البديعة ونثره أجود من نظمه وخطّه أجود منهما. وكان له معرفة بعلم الأدب والحساب والفقه، وكان راوية للأخبار متألّها متديّنا لا يظلم
(1/201)
________________________________________
ولا يشرب الخمر ولا يلبس الحرير، ولم تطل مدّته في الوزارة لأن فخر الدولة بن جهير قصد السلطان جلال الدولة أبا الفتح ملك شاه ومعه أولاده الثلاثة وهم عميد الدولة أبو منصور وزعيم الرؤساء أبو القاسم «605» والكافي جهير.
وكان نظام الملك معتقدا فيهم مراعيا لهم فزوّج بنت بنته «606» وهي بنت رئيس جرجان من عميد الدولة وكان اسمها «صفيّة» ونفذ إلى الخليفة المقتدى بأمر الله يلزمه بعزل الوزير أبى شجاع وتولية عميد الدولة مكانه ولم يكن للخليفة بدّ من إجابة سؤاله، فعزل الوزير أبا شجاع وولّى عميد الدولة. وفيه يقول القائل «607» :
قل للوزير إذا باهى برتبته ... كل البريّة واستعلى بمنصبه [102 أ]
لولا صفيّة ما استوزرت ثانية ... فاشكر حرا صرت مولانا الوزير به
ثم إن الوزير أبا شجاع حج وجاور بالمدينة وكان هو بنفسه يتولّى خدمة التربة الشريفة المقدسة، وكان يكنسها كل يوم، وجمع من ترابها ما عمل منه لبنة وأمر أن توضع إذا مات تحت خدّه ففعل به ذلك، وتربته بالبقيع- رحمة الله عليه ورضوانه- «608» .
ثم ولى نظام الملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر ونفذ معه العساكر فسار إليها وفتحها وأزال ملك بنى مروان ظنّا منه أن ذلك يبقى عليه وعلى عقبه. وبعد مدة يسيرة عزل عنها وولّى مكانه القوام أبو على التكشى «609» .
وكان يتفاخر ويقول: أنا إذا قمت لبعض شأنى بادر وزير الخليفة لتقديم نعلى يعنى عميد الدولة ولده. وكان في عميد الدولة من الكبر وقلة المبالاة بالناس ما لم يكن في أحد قبله من الوزراء ولا من الخلفاء «610» .
حكى إنسان من كتّاب واسط يعرف بابن العرمرم قال: صحبته من أصفهان إلى بغداد وكنت أتوكّل له وأخدمه في خاصّه فما كان يأمرني إلا مكاتبة أو مراسلة وما كان يشافهنى بشيء إلا في الندرة. ونفذ إليّ يوما وقال: إذا رفعت إليّ قصة لصاحب حاجة فكتبت على رأس القصة «يتعهّد» فأعطه عشرة دنانير، وإن كتبت
(1/202)
________________________________________
«يتفقد» فأعطه خمسة دنانير، فإن كتبت «يراعى» فأعطه ثلاثة دنانير فإن هذه المقادر لا أكتبها بخطي. قال: فلما وصلنا إلى بغداد شكوت ما جرى عليّ منه في الطريق إلى بعض خدمه المختصين به فأوصل ذلك إليه فقال [102 ب] :
أو يستزيدنى هذا الأحمق في إيناسي له وكلامي معه وقد تكلّمت معه من باب أصفهان إلى بغداد أربع عشرة كلمة؟ وإذا به عدّها وأنا أظنّه يكذب فإنّها لم تبلغ هذا القدر.
وكان له فرّاش، له في خدمته السنين الطويلة ما فاتحه قط، فصبّ يوما على يده ماء حارّا فقال لخادم كان بين يديه: ادع بحاجب فدعا بحاجب فلما حضر قال للحاجب:
مره يمزجه فأمره فمضى الفرّاش ووضع المسينة من يده وحلف بالطلاق الثلاث: إنني لا خدمت هذا الرجل أبدا. قيل له: ولم؟ قال: لي قريب من ثلاثين سنة في خدمته وقد استنكف أن يأمرني بمزج الماء فاستدعى الحاجب وأمره ليأمرنى، وخرج وما عاد إلى داره.
وفي «611» سنة خمس وسبعين [وأربع مائة] سار الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي رسولا «612» من المقتدى إلى السلطان ملك شاه بعد أن أوصله الخليفة إليه وفاوضه شفاها وشكا من العميد أبى الفتح ابن أبى الليث «613» شفاها ووصل [إلى خراسان] وناظره الإمام أبو المعالي الجويني «614» ، وكان في صحبته من أكابر تلامذته الشاشي وابن قنان والطبري وكان معه جمال الدولة عفيف الخادم «615» وإليه تنسب المكارم، وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد والقلوب إلى حضرته متعطّشة والعيون من غيبته مستوحشة، ثم توفى- قدس الله روحه- ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربع مائة، ورتّب مؤيد الملك «616» أبا سعد المتولي «617» مدرسا فلم يرض نظام الملك وجعل التدريس للشيخ الإمام أبى نصر الصبّاغ «618» صاحب كتاب الشامل والمحتوى على الفضائل، فاتفق [103 أ] خروج مؤيد الملك وخرج معه المتولّي وعاد متولّيا في رتب السمو متعلّيا وقد نعت ب «شرف الأمة» ، وكان من أكابر الأئمة.
(1/203)
________________________________________
واتفقت وفاة أبى نصر بن الصبّاغ في تلك السنة يوم الخميس النصف من شعبان وفقده عادة عادية الزمان، وبقي المتولّي متولّيا إلى أن توفى سنة ثمان وسبعين [وأربع مائة] في شوال، وأصبحت ولاية العلم بغير وال.
ودرّس «619» بعده الشريف العلويّ الدبوسي «620» ، أبو القاسم وعاد العلم إلى المعالم وتوفى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين [وأربع مائة] .
وفي «621» ثالث محرم هذه السنة ولّى الإمام أبو بكر الشاشي وكان في المدرسة «622» التي بناها تاج الملك ببغداد.
وفي محرم سنة ثلاث وثمانين [وأربع مائة] جلس عبد الله الطبري بمنشور نظام الملك «623» متولّيا للتدريس متحرّيا معاني الشريعة بالتأسيس.
ثم وصل بعده القاضي أبو محمد، عبد الوهاب [الشيرازي] «624» للتدريس بالنظاميّة أيضا، وتقرر أن يدرس هذا يوما والطبري يوما ليزيد العلم بتحريهما فيضا «625» .
وفي سنة أربع وثمانين [وأربع مائة] قدم الإمام أبو حامد الغزالي للتدريس في النظامية وكان للعلم بحرا زاخرا وبدرا زاهرا وأشرقت غرايبه في المشرقين والمغربين وملأت حقائب الملوين وأثقلت غوارب الثقلين، ولم يزل واحد عصره وهو بنور علمه ثالث القمرين] «526» .
وفي سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة أمر السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه ابن ألب أرسلان أن تبنى المدينة الجديدة «627» تحت دار المملكة ببغداد ونقل أهل البلد كلهم إليها وحوّط عليها سورا محكما هو باق إلى الآن، وجعل بغداد سرير الملك وسام الخليفة [103 ب] أن يتحول عنها إلى مكة أو إلى المدينة فلم يمكنه الوزير نظام الملك.
وأما وفاة نظام الملك المذكور فإنه قتل على يد الملاحدة في عاشر يوم من رمضان قبل أن يفطر بتأليب من جماعة «628» . والموفّق النظامى «629» يقول في مرثيته له التي أولها:
(1/204)
________________________________________
مصاب أصاب جميع الأمم ... فأثّر في عربها والعجم
ويستطرد فيها بذكر الجماعة بقوله:
وشارك عثمان في قتله ... فكل بقتلته متّهم
وبادر جلال الدولة مسرعا إلى بغداد فوصلها في شوال وطلب من الخليفة المقتدى بأمر الله أن يترك عليه بغداد وينتقل عنها إلى حيث أراد، إما المدينة أو مكة أو البصرة أو أصفهان فاختار أصفهان، وكان في عمل الآلات والتهيؤ للمسير. ولما كان اليوم السادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربع مائة توفى السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان. قيل: مات موتا طبيعيّا، وقيل: مات مسموما على يد خردك الخادم، والله أعلم بجليّة الحال.
وتوفى الإمام المقتدى بأمر الله، أبو القاسم عبد الله في المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وشهورا.
(1/205)
________________________________________
أمير المؤمنين المستظهر باللَّه
هو أبو العباس، أحمد بن المقتدى بأمر الله. بويع له في رابع المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مائة، وهو اليوم الثالث من وفاة أبيه بعد الجلوس [103 ب] للعزاء على العادة.
وكان مولده بدار الخلافة سنة سبعين وأربع مائة. وكانت أمه تركية «630» ولم ير في زمانه أصبح وجها منه.
وحين دخل عليه أهل الحلّ والعقد للبيعة وسائر وجوه الأشراف والأجناد والقضاة، كان الوزير عميد الدولة «631» واقفا بين يدي سدّته ومعه قاضى القضاة أبو الحسن عليّ «632» بن محمد الدامغانيّ ونقيب النّقباء أبو القاسم عليّ «633» بن طراد الزينبي وبايعه الخلق كافة.
وحكى شرف الدين، نقيب النّقباء، قال: لما بايعه حجّة الإسلام أبو حامد، محمد ابن محمد الغزالي- قدّس الله روحه- تلجلج وتوقّف فسألته بعد ذلك عن السبب في في توقّفه مع ما أعرفه من جرأة لسانه، فقال لي: والله لقد عنيت «634» في نفسي كلاما ألقاه به عند البيعة فلما وقعت عيني عليه بهتّ لجمال صورته فانقطع خاطري.
وجرت أموره كلها على السداد، وكان مشغولا بشأنه محبّا للترفّه والتنعّم، آخذا من لذّات الدنيا بأوفر الأنصباء، ولم يكن يشره إلى أموال الرعيّة ولا يطمع لا في صغير ولا في كبير وكانت الدنيا والعراق خاصة في أيامه هادئة والعين نائمة وأمور دولته مستقيمة، إلا أنه احتقد على عميد الدولة بن جهير أشياء كان يعامله بها أيام أبيه، فحين أفضت الخلافة إليه أقرّه على الوزارة ثم قبض عليه بعد ذلك وأدخله حمّاما وسمّر عليه حتى مات فيه، وحين فتحوه رأوه ميتا وقد وضع أنفه على مسيل الماء كأنه يستنشق منه الهواء فنقلوه من الحمّام إلى مكان آخر وألبسوه ثيابا وأدخلوا عليه جماعة من القضاة والمعدلين حتى يشهدوا بما رأوا من [104 أ] حاله وأنه لا أثر فيه وأنه مات حتف أنفه، ودخل في الجملة أخواه، الزعيم والكافي، فصاح الكافي:
(1/206)
________________________________________
يا أخى يا أبا منصور! قتلوك أو متّ؟ كذا يردّدها دفعات ثم التفت إليهم وقال:
ما أراه يجيبني؟ فصفع مكانه بالنّعال، فيقال: إن خمس مائة خادم خلعوا مداساتهم وخفافهم وصفعوه بها فوقع ميتا، ولم يعهد قبله من مات هذه الموتة. وكان الناس يقولون: قتل الكافي قتل العقارب.
وأما الزعيم فما زاد على أنه بكى وقال: يرحمك الله يا أبا منصور، ما زالت بك المراقبة حتى قتلتك. وحكى الزعيم للناس في تلك الساعة قال: هذا أخى من أمى وأبى ونحن مشايخ والله ما رأيت قدمه مكشوفة إلى ساعتي هذه. وحمله وواراه ودفنه في تربته المعروفة به في شارع قراح بن رزين «635» .
واستوزر الخليفة السديد أبا المعالي «636» العارض لجيش السلطان ملك شاه ولقّبه «عضد الدين» ولم يكن له أمر وإنما كان يدبّر الأمور ولىّ الدولة أبو المعالي «637» ابن المطّلب، صاحب ديوان الزمام.
وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مائة عزل المستظهر السديد أبا المعالي «637» ، ابن المطّلب، صاحب ديوان الزمام.
وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مائة عزل المستظهر السديد أبا المعالي واستوزر الزعيم أبا القاسم عليّ «638» بن فخر الدولة ولقّبه «قوام الدين» .
وفي سنة إحدى وخمس مائة استوزر السلطان محمد «639» بن ملك شاه أحمد «640» بن نظام الملك ولقّبه «قوام الدين» وهو لقب أبيه- رحمه الله- فنقل الخليفة لقب وزيره الزعيم من قوام الدين إلى «مجير الدين» .
وفي هذه السنة قتل سيف الدولة أبو الحسن صدقة «641» [بن] «642» بهاء الدولة أبى كامل منصور وحمل [104 ب] رأسه إلى بغداد وطيف به في الأسواق وأخذ ابنه دبيس أسيرا واختفى منصور ابنه الآخر وهرب بدران ابنه الأكبر إلى مصر.
وفي سنة خمس وخمس مائة عزل أحمد بن نظام الملك عن الوزارة ورتّب الخطير محمد بن أحمد مكانه.
وفي سنة سبع وخمس مائة مات الزعيم بن جهير واستوزر الخليفة ولد الوزير أبى شجاع، ربيب الدولة المعروف بالقيراطى ولقّبه «نظام الدين» «643» .
(1/207)
________________________________________
وفي سنة ثمان وخمس مائة أمر السلطان محمد بذكر اسم ابنه محمود على المنابر بعد اسمه وضرب الدنانير والدراهم باسمه وجعله ولىّ عهده. وكان يخطب للخليفة المستظهر باللَّه ثم لولىّ عهده، عمدة الدنيا والدين وعدة الإسلام والمسلمين أبى منصور الفضل بن أمير المؤمنين ثم لصنوه وأخيه وشقيقه وتاليه ذخيرة الدنيا والدين أبى الحسن عبد الله ابن أمير المؤمنين ثم بعد ذلك لمحمد بن ملك شاه ثم لابنه محمود.
ونفذ السلطان محمد إلى خراسان يخطب من أخيه سنجر ابنته لمحمود ولده فنفذها إليه إلى أصفهان مع خاتون أم سنجر وهي أم محمد أيضا.
ونفذ السلطان محمد يطلب من الخليفة أن ينفذ وزيره وجماعة أركان دولته إلى أصفهان لتلقى المدد القادم من خراسان فخرجوا كلهم، الوزير الربيب نظام الدين ونقيب النّقباء شرف الدين الزينبي ونقيب العلويّين مجد الدين عليّ «644» بن المعمر وظهير الدولة أبو طاهر بن الخرزي «645» صاحب المخزن وأمير الحاج يمن القائمي «646» . ولم يبق في دار الخلافة سوى المستظهر باللَّه وقاضى القضاة عليّ بن محمد الدامغانيّ ينفذ الأمور [105 أ] في الديوان نيابة عن الخليفة.
وحين وصلوا إلى أصفهان وانقضى أمر العرس عادوا إلا الوزير فإن السلطان محمد استوزره «647» . وكان عودهم في رمضان من سنة إحدى عشرة وخمس مائة.
وفي هذه السنة توفى السلطان محمد بن ملك شاه بأصفهان، وفي ربيع الأول سنة اثنتي عشرة توفى المستظهر باللَّه- رحمه الله- بعلّة الاستسقاء. وحين اشتدت به العلّة في الليلة التي مات فيها قال: ادعوا لي ولىّ عهد المسلمين فجاءوا بأبي الحسن ففتح عينه فرآه فقال: ما أريد هذا أريد أخاه الأكبر، وكان ميل الجماعة إليه لأنه كان صاحب لهو وهزل، وكان المسترشد- رحمه الله- صاحب جدّ، فخلوه ساعة ثم اقتضاهم فقالوا:
قد ثقل وهو لا يعلم ما يقول ولا يفرّق بين الأخوين فجاءوا بأبي الحسن ثانيا، فقال:
لست أريد هذا، أريد أبا منصور الفضل ابني الأكبر فلما رأوا الجد منه مضوا وجاءوا به فحين رآه استدناه وقبّل بين عينيه وقال له: يا عزيزي أنا ماض إلى جوار الله تعالى
(1/208)
________________________________________
وسعة رحمته فارفق بأهلك وأحسن السيرة في رعيّتك وانظر في ما وصل إليك واعلم أنك مسئول عن القليل والكثير في آخرتك والله خليفتي عليك ومات في تلك الساعة- رحمه الله-.
وكان الأمير أبو منصور من منتصف ذلك اليوم قد ملأ الدار بالخيّالة والرجّالة بالأسلحة التامة واستظهر على الأبواب وأركب الغلمان الأتراك يدورون في البلد.
وحين عرف أخوه أبو الحسن ذلك وتحقّق موت أبيه خاف على نفسه «648» واستوحش مما جرى في تلك الليلة [105 ب] فقصد روشن التاج «649» مما يلي دجلة وصادف منه موضعا مظلما خاليا فشدّ طرف عمامته في الدرابزين وتسرّح إلى شاطئ دجلة ونزل في سميرية فيها ملّاح يعرف بابن المراكبي فعرّفه نفسه وقال له: اجدف وما كان بعد ساعة إلا وهو في المدائن فصعد إلى دار أبى مضر العلويّ النقيب «650» وطلب منه خيلا ورجالا وركب فصبّح الحلة.
وكانت خلافة المستظهر باللَّه- رحمة الله عليه- خمسا وعشرين سنة، وكانت سنّه يوم مات اثنتين وأربعين سنة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 10 )  
قديم 2014-04-19
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الإنباء في تاريخ الخلفاء

أمير المؤمنين المسترشد باللَّه
هو أبو منصور، الفضل بن المستظهر باللَّه فحل بنى العباس ونجيبهم وفاضلهم وكاتبهم وأشجعهم. بويع له بعد موت المستظهر- رحمه الله- بثلاثة أيام وذلك بعد الفراغ من العزاء على الرسم والعادة. وكانت بيعته في صبيحة يوم الخميس السادس والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. وتولّى أخذ البيعة على الناس القاضي الأكمل ذو الحسبين أبو القاسم عليّ «651» بن نور الهدى أبى طالب الزينبي وشرف الدين نقيب النّقباء ذو الفخرين أبو القاسم عليّ بن أبى الفوارس طراد بن محمد الزينبي. وقرّر أمر الوزارة على ربيب الدولة نظام الدين وكان بأصفهان وابنه ينوب عنه ببغداد ولقبه «عضد الدين شمس الدولة» .
وكان مولد المسترشد باللَّه في يوم الاثنين سابع شعبان سنة ست وثمانين وأربع مائة في حياة المقتدى [106 أ] جده.
ثم لما وصل الخبر إلى بغداد بموت الوزير الربيب نظام الدين بأصفهان استوزر الخليفة عميد الدولة أبا عليّ بن صدقة «652» ولقّبه «جلال الدين صدر الوزراء، صفيّ أمير المؤمنين» . وكان كاتبا بليغا فصيحا كريما كافيا يملأ العين والقلب. وكان له رواء ومنظر وسكينة وكان حسن التدبير للأمور محبّا لأهل العلم كثير الميل إلى أرباب الصلاح والدين.
وفي أول وزارته مات قاضى القضاة عماد الدين أبو الحسن عليّ «653» بن محمد الدامغانيّ فرتّب الخليفة في منصبه الأكمل «654» ابن نور الهدى ولقّبه «فخر الدين» وجعله قاضى القضاة شرقا وغربا وقبض على أبى طاهر بن الخرزي صاحب المخزن وصادره ثم أطلقه وأعاده إلى شغله ثم افتقدوه من داره وأصبح والناس يتطلّبونه فما عرف له خبر إلى الآن. ويقال: إنهم اغتالوه بحيلة تمّت عليه والله أعلم بجليّة الحال.
ورتّب في مكانه القاضي فخر القضاة ابن السيبي «655» ولقّب ب «خالصة الدولة»
(1/210)
________________________________________
وقلّد الخليفة أبا الفتوح حمزة «656» بن طلحة، ابن دايته «657» ، الحجبة الخاصة والشرطة بجانبي مدينة السلام والمظالم ولقّبه ب «الأجلّ أثير الدولة» . ثم بعد ذلك بسنة نقله من الحجبة إلى المخزن وزاد في ألقابه «كمال الدين عضد الإسلام» وقدّمه حتى جعله في درجات الوزراء واستحجب مكانه ضياء الدولة أبا الفضل هبة الله «658» ابن محمد بن الحسن بن الصاحب ولقّبه ب «الأجلّ مجد الدين قوام الإسلام» .
وأما ما كان من أمر مغيث الدنيا والدين أبى الثناء محمود بن السلطان [106 ب] غياث الدنيا والدين أبى شجاع محمد بن ملك شاه فإنه حين توفى أبوه في سنة إحدى عشرة وخمس مائة بأصفهان وأجلسوه على سرير الملك، استوزر الربيب نظام الدين «659» وزير أبيه، وحين مات الربيب المذكور في ذلك العام استوزر عز الدين، مشرف الممالك المعروف بالكمال عليّ بن أحمد بن عليّ السميرمى «660» ولقّبه «نظام الدين» واجتمع عليه عسكر الدنيا من العراق والجبال والشام ولقي بهم عمّه سنجر بن ملك شاه فانهزم محمود على باب ساوة وكرّ راجعا إلى أصفهان ثم تقرّر الصلح بينهما على أن يخاطب سنجر بالسلطان الأعظم سلطان السلاطين، ومحمود بالسلطان الأعظم سيد السلاطين وأن يقرّر على محمود ولاية العراق والجبال والشام سوى همذان والرىّ وساوة وخوى وأشياء اقتطعوها من أصفهان كانت في زمن السلطان محمد مقطعة لأمه، وسوق الغنم وسوق الظباء ببغداد ومبلغ ذلك كله في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار «661» ، وأن يتسمّى محمود باسم السلطنة وتضرب له النوب الخمس وينفرد عن العسكر بالمضارب الحمر والرايات السود. وحين وقع الصلح زوّجه عمه السلطان معزّ الدنيا والدين أبو الحارث سنجر بن ملك شاه المذكور بابنته «مهملك خاتون» وعاد إلى خراسان «662» .
وأما ما كان من أمر الأمير أبى الحسن عبد الله بن المستظهر باللَّه فإنه حين قدم الحلة وبها دبيس «663» بن سيف الدولة صدقة خيّره بين المقام عنده ليكون في خدمته أو الانتزاح ليزيح علّته في جميع ما يحتاج إليه من العدّة والسلاح [107 أ] والكراع
(1/211)
________________________________________
فاختار الرحيل وطلب منه العسكر فأزاح علّته وضرب له سرادقا من الديباج وعدة خيم من الديباج وخدمه بألف ثوب من الأنواع ونفذ معه ألفى فارس فانحدر إلى واسط وملكها وملك جميع البلاد السفلى واجتمعت عليه العساكر وقويت شوكته.
وكان أول أمره يخطب لنفسه بعد أخيه فلما قوى خلع الطاعة وخطب لنفسه بالخلافة ولقّب نفسه «المستنجد باللَّه» . واضطرب الناس ببغداد وقامت القيامة على المسترشد باللَّه وخاف أن يقصد بغداد وهي خالية من العسكر ويستولى على الأمر وكان السلطان محمود مشغولا بعمّه لا يتفرغ لإنجاده. فنفذ الخليفة إلى دبيس بن صدقة وبذل له إن جاء بأخيه ثلاثين ألف دينار. فطلب أن يكون في جملته من بحضرة الخليفة من العسكر فنفذ المسترشد باللَّه معه الأمير نظر «664» في خمس مائة فارس، وقصده دبيس ولم يلقه بنفسه حياء لأنه كان ضيفه ونزيله فنفذ العسكر مع الأمير نظر وتخلّف دبيس فمضوا وهجموا عليه وحاربوه وكسروه ومرّ هاربا فتبعه بدوي برمح فقال له: ويلك أنا أمير المؤمنين، فقال له البدوي: أمير المؤمنين قاعد على روشن التاج ببغداد.
ثم لحقه الأمير نظر فترجّل وقبّل الأرض وقبّل ركابه وأخذ بعنان فرسه وأدخله سرادقه واحتاط عليه وحمله إلى بغداد وأدخل إليها ليلا في الزبزب والوزير جلال الدين والنقيب شرف الدين وقاضى القضاة الأكمل وجماعة أرباب المناصب في خدمته وصعد من الزبزب إلى داره واحتاطوا [107 ب] عليه كجارى العادة في أمثاله.
وقد كان استوزر الرئيس أبا دلف بن زهمويه «665» الكاتب فأسروه معه. وفي صبيحة تلك الليلة خلع المسترشد باللَّه، أمير المؤمنين، على وزيره جلال الدين الجبّة الممزج على العادة والفرجيّة النسيج فوقها والعمامة والمركب اليشم على فرس أدهم والكوس والعلم وركب من باب الحجرة والخلع عليه وأرباب المناصب كلهم مشاة بين يديه حتى انتهى إلى داره بباب العامة.
وفي تلك الساعة أمر الخليفة فأخذ ابن زهمويه المقدّم ذكره وألبس قميصا أحمر
(1/212)
________________________________________
وسراويل صفر وعلّق في أذنيه أربع بصلات وألبس في رجليه نعلان من الخشب وترك على رأسه برنس قد علّقت فيه التواسيم وأذناب الثعالب والفار الموتى وأركب على جمل وجعل ذنب الجمل في يده وأركب خلفه نفّاط يصفعه بجراب وسوّد وجهه وضربت الدبادب والبوقات بين يديه في الأسواق والصبيان يدبدبون بالصوانى والأطباق وبعضهم بالخزف المكسّر ويصيحون:
أيا وزير الوزرا ... كذا تقاد الأسرا
ثم لما طيف به جميع البلد حطّوه من الجمل إلى الحبس وخنقوه في الليل.
ثم إن دبيس بن صدقة طالب المسترشد باللَّه بالمال الّذي كان وعد به فماطله ودافعه فأمرج أصحابه في نواحي الخليفة ونهب السواد وأحرق الغلّات وركب يوما إلى الميدان فجرى بينه وبين الأمير علم الدين عفيف كلام فقال له دبيس: والله لأنقضنّ الدار حجرا حجرا [108 أ] وما أنا بدون البساسيري، قال له ذلك وتم على وجهه إلى الحلة. وبلّغ عفيف ما سمع إلى الخليفة فنفذ الخليفة إلى همذان واستدعى بالسلطان محمود فوصل في أسرع مدة وذلك في ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمس مائة.
وحين وصل النهروان خرج الوزير جلال الدين وجماعة أرباب المناصب لاستقباله على العادة ودخل البلد وجلال الدين على يمينه وقيصر الخادم «666» على يساره، وكان أتابكه، وما تركه الخليفة يستقر ببغداد إلا أياما ونفذه إلى الحلة لدفع دبيس عن العراق وذلك بعد أن خلع عليه وطوّقه وسوّره وتوّجه وخلع على وزيره نظام الدين السميرمى وعلى جماعة أرباب دولته وعلى سائر الأمراء الذين كانوا في جملته.
وحين توجهوا إلى الحلة وقربوا منها هرب دبيس عنها طالبا طريق ديار بكر وقصد إلى حميّه الأمير نجم الدين إيلغازي بن أرتق «667» فوصل إليه وهو متوجّه إلى غزاة الكرج منجدا للملك طغرل وكان المسلمون في قريب من مائة ألف فارس فلحقهم شؤم دبيس فهزموا وقتل بعضهم وأسر بعضهم ودخل بتلك الواقعة على الإسلام من الخلل ما صعب تلافيه. فإنّهم تجرءوا على محاصرة تفليس وأخذوها من أيدي المسلمين وأخذوا عدة حصون تجاورها «668» .
(1/213)
________________________________________
ثم إن السلطان محمود بعد ذلك قصدهم وعاد بالعجز. وما أظن ذلك كله بعد قضاء الله تعالى إلا لشؤم دبيس.
وحكى جماعة من الثقات: أنه حين هرب في تلك السنة من الحلة كان [108 ب] معه ألف مولّد في وسط كل واحد هميان فيه ألف دينار كانت رزق الكرج ومضى منه هذا المال وانقلع بيته وخسر من الحلة في كل سنة ألف ألف وسبع مائة ألف وخمسين ألف دينار، كل هذا لأجل ثلاثين ألف دينار لجّ مع الخليفة في طلبها وباع بها دينه ومروءته وذمام العربية، فلا جرم ما حصلت له [من الأمور] ولا بقي عليه ما كان فيه، وصار مشردا طريدا تتقاذف به العراق وخراسان وسائر بلاد الإسلام.
ثم لما عجز عن الخليفة التحق بالأفرنج ورفع الصّليب على رأسه وشدّ الزنار ودعاهم إلى حصار حلب وجاء معهم ونزل عليها حتى كفى الله المسلمين أمره وأجراهم على جميل عوائده.
وأما الكرج فإنّهم لما فتحوا تفليس وذلك في سنة ست عشرة وخمس مائة مضى السلطان محمود لاستخلاصها ووزيره شمس الملك عثمان «669» بن نظام الملك. و [لما] وصل إلى شروان عجز عنهم وتقدّم ملك الكرج دمطرى بن داود عدة مراحل ونفذ إليه رسولا وقال له: قد سمعت عنك أنك قلت أنا أمضى وأقلع بيت داود، وابن داود قد تقدّم إليك خمسين فرسخا، فإن كنت رجلا فتقدّم إليه خمسة فراسخ ولولا أنك صاحب تخت وتاج وقد جرت عوائدنا بحفظ حرمة الملوك وإلا لهجمت عليك وأسرتك فاذهب بحرمتك ولا تحدّث نفسك بعد هذا بقصدي، فعاد متوجها إلى بلاد الإسلام.
وحين انقطعت أخباره عن العراق لإيغاله في بلاد الكرج وجد دبيس فرصة فهجم على الحلة ودخلها من طريق الشام [109 أ] وملكها واجتمع عليه في أسبوع واحد من الأعراب ما لا يحصى عدده، وخاف المسترشد باللَّه من مثل نوبة البساسيري فنفذ قسيم الدولة آقسنقر البرسقي «670» لدفعه قبل أن يستفحل أمره، فسار إليه في
(1/214)
________________________________________
خمسة آلاف لابس فهزمهم دبيس ونهبهم وعادوا عراة حفاة إلى بغداد فحينئذ أمر الخليفة بمكاتبة الأطراف واستدعى أصحابها فقدم عليه السعدية من واسط وزنكي بن آقسنقر من البصرة وطغان رسلان من ديار بكر وبنو صلتق وبنو بوقة وقفجاق التركماني «671» وإخوته واجتمع ببغداد اثنا عشر ألف فارس وظهر الخليفة بنفسه يوم الجمعة بعد الصلاة وهو اليوم الرابع والعشرون من ذي الحجة سنة ست عشرة وخمس مائة. وعزل وزيره جلال الدين واستوزر قوام الدين أحمد «672» بن نظام الملك وغيّر لقبه وجعله «نظام الدين» وسار إلى الحلة والعساكر في جملته وكسر دبيس وفرّق جمعه وقتل على دم واحد ستة آلاف بدوي. ومضى دبيس على وجهه آخذا طريق الشام «673» .
وكان قد خرج مع الخليفة من بغداد نحو من ثلاثين ألف شاب بعضهم بالسلاح وبعضهم رماة البندق وبعضهم بأيديهم المقاليع. وحين انهزم دبيس قتل من عسكره الذين قتلوا، والأتراك اشتغلوا بالنهب، وهؤلاء الرجّالة ما اشتغلوا بشيء سوى أسر الأعراب فأسروا أكثر من خمسين ألف بدوي وأخلوا منهم البلد والقرى والصحراء وجاءوا بهم إلى بغداد وكانوا يشوّهون بهم ويقطعون أوصالهم وهم أحياء [109 ب] وربما قالوا لأحدهم أيّ شيء تريد أن نطبخك فلا يجيبهم فيعاقبونه ويعذّبونه بأنواع العذاب حتى يقول من تحت العذاب: حصرمية أو سكباج أو هريسة أو أيّ شيء فيطبخونه ذلك اللون ويرمونه للكلاب.
وكان هؤلاء الأسرى كلهم رجّالة فبعضهم يقاتل وبعضهم يضرب بالدف بين الصفّين وكانوا يصيحون بصوت واحد: العنوا زقلى ومقلي، والعنوا شيخ الضلالة.
فلما أسروا استخبروهم عن هذه الأسامي فقالوا: كنّا نعنى بزقلى أبا بكر وبمقلى عمر، وبشيخ الضلالة عثمان. ووجدوا في أكثر خيمهم جربا مملوءة من الأيور الخشب فقيل لهم: ما تصنعون بهذه؟ قالوا: أعددناها لنسائكم حتى إذا كسرنا الخليفة وقتلناه ودخلنا بغداد ونهبناها فكل من كانت شابة افترشناها وكل من كانت عجوزا دسسنا هذه فيها.
(1/215)
________________________________________
وحكى بعضهم قال: لما التقى الجمعان نظر دبيس فرأى الخليفة على تل ومعه السواد من القضاة والفقهاء والقرّاء والأشراف فقال: لعلّهم سمعوا أن عندي إملاكا فقد جاءوني بهذه الطيالسة والله لأنسينّ الكشاخنة «674» نوبة البساسيري ولأجعلنّ لحاهم كلها براجم وما استتم كلامه حتى نصر [هم] الله عليه ثم أنزل سكينته على خليفته وأشياعه وأجراهم على جميل عوائده فهزموهم بإذن الله. والتفت المسترشد باللَّه إلى وزيره وقال له: هذا بيمن نقيبتك يا نظام الدين.
وعاد الخليفة من تلك الوقعة ودخل بغداد في يوم الأحد عاشر المحرم سنة سبع عشرة وخمس مائة. فكان مضيّه وعوده في سبعة عشر يوما [110 أ] .
[وفي سنة عشرين وخمس مائة عزم السلطان مغيث الدنيا والدين أبو الثناء محمود ابن ملك شاه على دخول بغداد «675» ، فنفذ إليه المسترشد بسديد الدولة ابن الأنباري «676» يقول له: إن العراق بعد ما خرّبها دبيس بن صدقة لا تفي بى وبكم فإما أنا أو أنتم، وعندي عساكر وأحتاج إلى الإنفاق عليهم ومعكم عساكر والبلاد خراب لا تفي بالجميع فعاد الجواب: لا بد من الدخول. وتردّد سديد الدولة دفعات من بغداد إلى همذان في هذا المعنى وما أجابوه. وصار العامة يغنّون في الأسواق:
يا جلال الدين ذا شرح يطول ... وابن الأنباري فما يرجع رسول
والقرايا كلها صارت تلول ... تزرع الكرّ وتحصد كارتين
ولما علم الخليفة بهجومهم على البلد خرج من داره في ذي الحجة سنة عشرين وخمس مائة وعسكر بالجانب الغربي وخطب في يوم عيد النحر وصلّى بالناس [110 ب] وجاء السلطان محمود ونزل بالجانب الشرقي، ثم وقع الصلح بينهم في المحرم سنة إحدى وعشرين وخمس مائة.
وفي رجب سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة مات الوزير جلال الدين أبو عليّ ابن صدقة. واستوزر الخليفة شرف الدين أبا القاسم عليّ بن طراد الزينبي ولقبه معزّ الإسلام عضد الإمام سيد الوزراء، صدر الشرق والغرب.
(1/216)
________________________________________
وفي شوال سنة خمس وعشرين وخمس مائة توفى السلطان مغيث الدنيا والدين أبو الثناء محمود «677» بن ملك شاه بن ألب أرسلان واستولى المسترشد باللَّه على جميع ما كان للأتراك بالعراق وأقطعها. ونفذ إقبال «678» خادمه المعروف بجمال الدولة إلى الحلة وأمّره على بلاد بابل وضم إليه عشرة آلاف فارس من العرب والترك والأكراد وطوّقه وسوّره ولقّبه حسام الدين، سلطان الأمراء ملك العرب.
وجاء إلى طاعته صاحب فارس وجاءته العساكر من الشام وديار ربيعة، وانضم إليه من التركمان والأعراب والأكراد خلق لا يحصى، ووقعت الهيبة في قلوب الملوك.
وفي سنة ست وعشرين وخمس مائة قصد السلطان معزّ الدنيا والدين أبو الحارث سنجر بن ملك شاه بن ألب أرسلان العراق ونزل بكشك همذان ورتّب ابن أخيه طغرل مكان محمود وأراد قصد بغداد فقبّحوا له قصد الخليفة. وقيل: إن خوارزم شاه لم يساعده على ذلك وكان هو جمرة العسكر فعاد السلطان إلى خراسان «679» .
وفي رجب من هذه السنة اجتمع رأى دبيس بن صدقة وزنكي بن آقسنقر صاحب الموصل على قصد بغداد «680» ، فانحدروا إليها في اثنى عشر ألف فارس، فخرج المسترشد باللَّه إليهما بنفسه ولقيهما بنفسه ولقيهما بتل عقرقوف وكان يوما مشهودا فإنه لم يبق في البلد صغير ولا كبير إلا خرج وضاع العسكر بين الخلق وأخرجوا كل ربعة ومصحف في البلد ونشروا المصاحف وأخذوها على أيديهم مفتّحة يقرءون فيها بين الصفّين ووقعت الهزيمة على زنكي ودبيس وقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف من الأكراد وأسر الباقون وعاد الخليفة إلى داره] «681» [111 أ] مظفرا منصورا.
وقبض على وزيره شرف الدين أبى القاسم ابن طراد الزينبي وصادره على مائتي ألف دينار.
واستوزر مكانه شرف الدين نوشروان «682» بن خالد في رجب سنة سبع وعشرين وخمس مائة.
وفي شعبان من هذه السنة توجّه المسترشد باللَّه نحو الموصل وكان نزوله على بابها
(1/217)
________________________________________
في شهر رمضان وهرب زنكي بن آقسنقر وأقام بسنجار واستخلف بالموصل جغر ابن يعقوب والملكين ولدى السلطان محمود وهما ألب أرسلان وفروخ شاه «1682» وأقام الخليفة على باب الموصل إلى ثالث ذي الحجة ما حصل له من النزول عليها إلا سماع الشتيمة وانخراق الهيبة. ورحل عنها في ثالث ذي الحجة عائدا إلى بغداد ودخلها في يوم عرفة.
وفي سنة ثمان وعشرين وخمس مائة توجّه القاضي ابن الشهرزوريّ «683» من الموصل إلى بغداد ومعه التحف والهدايا والخيل والسلاح يطلب الصلح فخرج خط الخليفة إلى الديوان في جواب ذلك الإنهاء الّذي أنهاه الوزير شرف الدين نوشروان «بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون» فأعاد الوزير القول وكرّر الشفاعة فرضى الخليفة عنه وقبل عذره بشرط أن يكون ابنه غازى دائما على الأبواب في ألف فارس فالتزم هذا الشرط ونفذه مع ألف من التركمان جمعهم ابن الكرباوى «684» له من نواحي البوازيج «685» ، وبعد دخوله بعشرة أيام لم يبق منهم أحد وصار ابن زنكي يدور وحده في الأسواق.
وفي جمادى الآخرة من هذه السنة [111 ب] عزل المسترشد باللَّه نوشروان ابن خالد عن الوزارة وأعاد شرف الدين الزينبي إليها.
وقبض على نظر أمير الحاج وصادره على ثمانين ألف دينار وحبسه.
وفي سنة تسع وعشرين وخمس مائة «686» وصل السلطان مسعود بن محمد بن ملك شاه إلى بغداد هاربا من أخيه طغرل فأكرمه الخليفة وخلع عليه وطوّقه وسوّره ونفذ معه جماعة من عسكره لدفع أخيه «687» . فحين وصلوا إلى النهروان جاء الخبر من همذان بموت الملك طغرل فجدّ مسعود في السير إلى همذان ودخلها واستولى على الملك واستوزر شرف الدين نوشروان بن خالد «688» .
وخاف المسترشد أن يتمكّن مسعود في المملكة فيقصد الحضرة ويستولى عليها فأخرج المسترشد باللَّه مضاربه إلى الثريّا في شعبان من هذه السنة المذكورة واجتمع معه
(1/218)
________________________________________
خلائق من العرب والترك والأكراد والتركمان وقصد همذان فحين وصل إلى كرمانشاه وصله الخبر بأن السلطان غياث الدنيا والدين أبا الفتح مسعود بن ملك شاه متوجّه نحوه ومحدّث نفسه بدفعه ومحاربته فحينئذ استدعى المسترشد باللَّه الوزير شرف الدين أبا القاسم عليّ بن طراد الزينبي وكمال الدين أبا الفتوح حمزة بن طلحة صاحب المخزن وسديد الدولة بن الأنباري وجماعة من خواصّ دولته ووجوه أجناده وقوّاده وقال لهم: كنّا نظن أن هؤلاء القوم لا يحاربون الله ورسوله بإشهار السيوف في وجوهنا وقد بلغنا قصدهم لنا وتوجههم نحونا بنيّة المحاربة. وكان ألقى إلى سمعنا أنّا إذا جاوزنا حلوان تتقاطر [112 أ] عساكر الدنيا إلينا وقد بان لنا أن الأمر بالضد من ذلك فإن كل من كنّا نظنه ينضاف إلينا قد انضاف إليهم وصار معهم. ثم معنا عسكر ثقيل والخزائن فارغة وإن أمرجناهم في أموال المسلمين خفنا عواقب الظلم.
فقال له شرف الدين الزينبي: يا مولانا ها هنا موضع الاستشارة، قد كنّا أشرنا عليك وأنت ببغداد أن تلزم سرير ملكك ولا تجعل هؤلاء خصومك فإنّهم يرون أنفسهم بعين عبيدك وأتباعك فلم تقبل وحيث خرجت ووصلت إلى هذا المكان وقد بقي بيننا وبين القوم مرحلة فليس الصواب إلا أن تصمّم العزم على لقائهم والنصر من عند الله تعالى.
وكان هذا الحديث يوم السبت عاشر شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمس مائة، فلما كان صبيحة يوم الأحد ركب الخليفة بنفسه ورتّب الميمنة والميسرة، ونشروا الأعلام وضربوا الدبادب والبوقات وكانوا على تلك الهيئة إلى وقت الظهر وما جاءهم أحد فقالوا هرب العدوّ وتباشروا وطابت نفوسهم وأصبحوا يوم الاثنين وفعلوا مثل فعلهم يوم الأحد وساروا صفّا واحدا والخليفة في القلب مع أتراك بغداد والقرّاء وأصحاب السواد والسلاحية الخاصة وشرف الدين عن يمينه وكمال الدين عن يساره والجنائب تنقاد بين يديه وهم لا يظنون أن أحدا يثبت بين أيديهم. فلما تعالى النهار أمر الخليفة بضرب سرادق أسود فضرب ظنّا منه أن هذه النوبة تكون مثل نوبة
(1/219)
________________________________________
الحلة أو نوبة عقرقوف، ثم علت غبرة فتأمّلوها وإذا بالعسكر قد خرج من [112 ب] لحف الجبل من عدة مواضع وقرب بعضهم من بعض ووقعت العين في العين وحمل من كان في ميمنة الخليفة فكسر ميسرة السلطان، ثم حملت ميمنة السلطان فكسرت ميسرة الخليفة ولما رأى أصحاب ميمنة الخليفة أن الميسرة قد انكسرت نكصوا على أعقابهم هاربين وبقي القلب فغدر جماعة ممن كان فيه والتحقوا بعسكر السلطان. وقيل للخليفة: أنج بنفسك فقال: مثلي لا يهرب إما لحد ضيّق أو ملك الدنيا وحمل بنفسه مع الشرذمة التي بقيت معه، فحين حمل عليهم أحاطوا به فحصل في وسطهم فقبض آيدغمش أمير باز «689» على عنان فرسه وأدخله إلى دهليز سرادق كان ضرب للخليفة لينزل فيه. ولما كمل ضرب الخيم ونزلوا أركب من هناك وأدخل سرادق السلطان فحين رآه قام قائما وقبّل الأرض بين يديه وقال له: يا مولانا أليس الله تعالى كان قد أغناك عن هذا؟ وهب [أنك] احتويت على ملك الدنيا أكان يمكنك المقام بكل مكان تستولى عليه أو تقيم بمدينة الملك وتولّى عليها غلمانك الذين ربما نصحوك وربما خانوك وقد تأدّى إليك ما تمّ على الخلفاء قبلك من غلمانهم، ونحن كنا عبيدك وطوع أمرك وجدّنا أعاد هذه الدولة بعد ما ذهبت فما الّذي حملك على ما فعلت؟ والآن أقم أياما عندي حتى أسير في ركابك إلى بغداد وأدخلك دار الخلافة وآخذ الغاشية على رأسي بين يديك كما أخذها طغرلبك بين يدي جدّك القائم بأمر الله. ولم يتكلّم الخليفة بشيء إلا أنه قال: «كل ذلك في الكتاب مسطور» . وبقي الخليفة معتقلا معه كل يوم يركب [113 أ] في المحفّة ويوكل به الأمير الّذي يكون تلك الليلة في النوبة إلى أن وصلوا إلى باب مراغة فأمر السلطان مسعود فخيّط للخليفة سرادق أسود ونصب فيه تخت وعليه دست وركب الخليفة من سرادق السلطان والسلطان راجل بين يديه وجماعة الأمراء حتى انتهى إلى السرادق الأسود ودخل إليه فارسا ونزل على التخت واجتمع عليه من كان تفرّق من أصحابه وكانوا على عزم المسير إلى بغداد.
فلما كان يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مائة قدم
(1/220)
________________________________________
يرنقش الفخرى «690» رسولا من عند السلطان معزّ الدنيا والدين أبى الحارث سنجر ابن ملك شاه وهو يومئذ بخراسان إلى الخليفة المسترشد باللَّه وإلى السلطان غياث الدنيا والدين أبى الفتح مسعود بن محمد بن ملك شاه فلم يبق في المعسكر إلا من خرج لاستقباله وخلت الخيم فجاء شاب إلى باب سرادق الخليفة وقال لشريف كان على باب السرادق: أوصل هذه القصة إلى الخليفة فأخذها من يده ودخل ليسلّمها إلى خادم فدخل وراءه فلما أحسّ به عاد يمنعه من الدخول فأخرج سكّينا كانت معلقة بسير في كمه فضربه بها فسقط ثم صاح وإذا بخمسة عشر نفسا في أيديهم السكاكين فخرقوا بها شقاق السرادق وصاحوا: الحج، الحج وقصدوا الخركاه التي كان فيها الخليفة فقام في وجوههم ابن سكينة المقرئ «691» وكان أستاذه الّذي لقّنه القرآن وقال:
ويلكم هذا مولانا، قالوا: له نطلب وضربوه سكّينا سقط ميتا على باب الخركاه لأنه كان شيخا ضعيفا. وكان الخليفة حين [113 ب] رآهم قال: شهيد والحمد للَّه.
ولما قتلوا ابن سكينة دخلوا عليه الخركاه فأخذ دورباشا وضرب به واحدا منهم وثنى وثلث فوقع الملعون على وجهه وصاح برفقائه: قتلني فدخل بعده شيخ عليه صدرة زرد تحت ثيابه فضرب الخليفة فتترّس منه بمصحف كان عنده وضربه الخليفة بالدورباش فصرعه فجاء آخر من ورائه فضرب عينه اليمنى بنصاب السكّين فأسالها على خدّه وما وقع على الأرض حتى وقعت فيه ثلاث عشرة ضربة. ووقعت الصيحة في العسكر فما أقدم أحد على القرب منهم إلا أنهم قطعوا أطناب الخيمة حتى وقعت عليهم ثم رموا بالسهام فقتلوا منهم سبعة وهرب الباقون. ولفّ الخليفة في السندسة التي كانت تحته ودفن بدار الإمارة بمراغة فهي الآن تربته «692» .
ووصل الخبر إلى بغداد في عشية يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة من السنة وهي سنة تسع وعشرين وخمس مائة. وجلس الناس للعزاء على العادة ثلاثة أيام ثم في ضحوة اليوم الثالث بايعوا ولده بالخلافة.
وانقضت أيام المسترشد باللَّه- رضوان الله عليه- عاش سعيدا ومات شهيدا.
(1/221)
________________________________________
أمير المؤمنين الراشد باللَّه
هو أبو جعفر، المنصور بن المسترشد باللَّه. بويع له بالخلافة في يوم الاثنين مستهلّ ذي الحجة سنة تسع وعشرين وخمس مائة. وأخذ البيعة على الناس وزيره جلال الدين أبو الرضا محمد بن أحمد بن صدقة «693» وأستاذ داره ناصح الدولة أبو عبد الله ابن الكافي «694» بن جهير. وبايعه عمومته [114 أ] وعمومة أبيه ثم إخوته ثم أهل بيته ثم أهل العلم والجند ثم الناس على طبقاتهم.
واجتمع عليه من كان تفرّق من غلمان أبيه وأقطع العراق واستدعى زنكي من الشام وداود بن محمد من أذربيجان وبوزابه «695» من بلاد فارس وجمع ببغداد ثلاثين ألف فارس وعوّل على قصد السلطان مسعود والأخذ بثار أبيه. وحين عرف السلطان مسعود باجتماع هؤلاء قصدهم في سبعة آلاف فارس فتخاذلوا ووقع بأسهم بينهم واستشعر كل واحد منهم من الآخر وأخذ زنكي طريق الشام وداود بن محمد طريق أذربيجان وبوزابه كان نازلا على النهروان فلما رأى ذلك منهم أخذ طريق فارس وبقي الخليفة الراشد باللَّه في ثلاثة آلاف فارس من خواصّه «696» ، فبات بعدهم ليلة واحدة ببغداد وأخذ طريق الموصل ودخل السلطان مسعود إلى بغداد وفي صحبته شرف الدين الزينبي فاستشاره السلطان مسعود في أن يقصد الخليفة بنفسه ويترضّاه ويعيده إلى بغداد فهوّن أمره عليه وقال: أنا أكفيك هذا الأمر. وجمع القضاة والفقهاء وألزمهم أن يشهدوا على الراشد باللَّه بشرب النبيذ، ولا والله ما كان واحد منهم قد رآه يشرب الماء، فشهدوا خوفا من الصفع وخلعوه بالفسق «697» ثم دخل الزينبي على ختنه الأمير أبى عبد الله، محمد بن المستظهر باللَّه وألبسه سوادا ومنطقة وعمّمه على رصافية وأخرجه إلى دار العامة وأدخل الخلق إليه وقال: بايعوا أمير المؤمنين وتقدّم السلطان مسعود ومعه أخوه سلجوق شاه [114 ب] وقبّلا الأرض وبايعا فما توقّف بعدهما أحد.
(1/222)
________________________________________
وأما الراشد باللَّه فإنه قصد الموصل ونزل [في] دار الإمارة فأقام بها أياما ثم خرج منها وضرب مضاربه بالمغرفة «698» تحت تلّ العقارب وسار منها بعد أيام إلى نصيبين وبعدها إلى سنجار وطلب من الأرتقية أن ينجدوه ونفذ إلى مسعود بن قلج أرسلان وإلى الملك محمد الدانشمند «699» يطلب منهم المدد فلم ينجده أحد فعاد إلى الموصل وسار منها إلى أذربيجان ودخل مراغة وبقي بها أياما في تربة أبيه. وكان قد كاتب أتابك منكوبرس «700» بفارس فجاء حتى وصل إلى حدود أذربيجان فلقيه السلطان مسعود فكسره وقدّمه فضرب عنقه واشتغل العسكر بالنهب وبقي السلطان مسعود في شر ذمة قليلة فخرج عليه بوزابه من الكمين وحمل عليه فانهزم وبلغت هزيمته إلى أرّجان وأسر كل أمير كان معه وقتل الكل بحيث ما استبقى منهم واحدا. وكان فيهم محمد بن أتابك قراسنقر وصدقة بن دبيس فحين قدّم محمدا ليضرب عنقه بكى وتذلّل له وسأله أن يهب له دمه فقال صدقة بن دبيس: يا مخنّث أتذل لهذا الكلب؟
فالتفت إليه بوزابه وقال له: اسكت يا مؤاجر فقال له دبيس: العرب لا يكون فيهم مؤاجر وإنما هذا شيء خصّ به الأتراك، فأمر بهما فقتلا جميعا «701» .
ثم نفذ إلى الخليفة يدعوه فسار الخليفة من مراغة ولقيه على باب همذان والتحق بهم خوارزم شاه وكل عسكر كان بالجبال [و] خوزستان وقصدوا أصفهان ونزلوا على بابها أياما وعوّلوا على قصد [115 أ] بغداد وأراد الخليفة الّذي ببغداد وهو المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه- أن يهرب إلى البطائح، واستدعى المظفر بن حمّاد أمير البطائح وأعدّ السفن تحت الدار ينتظر هجومهم عليه حتى يهرب.
ثم إن الراشد باللَّه ركب على باب أصفهان ليتنزّه في ثلاثين ألف فارس وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة وعاد ولما دخل السرادق وانصرف كل واحد من العسكر إلى مضاربه وثب عليه جماعة كانوا في ركابه وعلوه بالسيوف ووقعت الصيحة في العسكر وتفرّقوا أيدي سبإ، فأما دواد فعاد إلى عمه وطلب منه الصّلح وتصالحا وأقطعه عمه أذربيجان وسار إليها. وأما بوزابه فعاد إلى بلاد
(1/223)
________________________________________
فارس. وأما خوارزم شاه فعاد إلى خراسان وقتله الملاحدة في تلك السنة في صحن دار السلطان سنجر.
ودفن الراشد باللَّه- رضى الله عنه- في جامع شهرستان. وكانت سنّه ثلاثين سنة وكان هو الثلاثين من بنى العباس. وكانت خلافته سنة وثمانية أشهر. وكان أشقر الشعر أشهل العينين ربع القامة كأبيه المسترشد باللَّه.
(1/224)
________________________________________
أمير المؤمنين المقتفى لأمر الله
هو أبو عبد الله، محمد بن المستظهر باللَّه، بويع له في اليوم الثالث من رحيل الراشد باللَّه إلى الموصل، وهو يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثلاثين وخمس مائة. وأمه أم ولد اسمها «ست السادة» ، وتولّى أخذ البيعة له على الناس السلطان غياث الدنيا والدين أبو الفتح [115 ب] مسعود واخوه سلجوق شاه وشرف الدين أبو القاسم على بن طراد الزينبي.
واستوزر شرف الدين المذكور وكل من كان على عمل أقرّه على عمله. ثم جرت بينه وبين شرف الدين الزينبي المذكور أمور نسبه فيها إلى مواطأة الأتراك عليه فاستشعر الزينبي منه وهرب والتجأ إلى دار السلطان ثم أصلح بينهما ثم عزله «702» بعد ذلك ورتّب مكانه غرس الدولة ولد الزعيم بن جهير ولقّبه «نظام الدين» «703» وما تمشّى له أمر في الوزارة فاستأذن في الحج ثم عاد ولزم بيته.
فاستوزر الخليفة بعده أبا القاسم عليّ «704» بن صدقة بن عليّ بن صدقة ولقّبه «قوام الدين» ولم تطل مدته وعزله.
واستوزر أبا المظفر يحيى «705» بن محمد بن هبيرة الفزاري ولقّبه «عون الدين» وكان كافيا يملأ العين والقلب، وكان كاتبا بليغا فصيحا عالما بالنحو واللغة والفقه والأحاديث والقرآن العظيم المجيد وتفسيره، وصنّف كتبا في ذلك كله. وكان حسن التدبير للأمور والسياسة محبّا لأهل العلم كثير الميل إلى أرباب الصلاح والدين، ولو أخذت في ذكر مناقبه وحسن سيرته لجاءت مجلدات عظيمة ولم أقدر أستقصى على بعضها ولم يسمع بأن كان لبني العباس وزير مثله قبله ولا بعده «706» رضى الله عنه وأرضاه-.
وفي سنة أربع وخمسين وخمس مائة غرقت بغداد الغرق الثاني «707» .
وتوفى المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه- في مستهلّ شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة وصلّى عليه [ولده] المستنجد باللَّه ودفن في داره سنة ثم نقل إلى الترب بالرصافة [116 أ] . وانقضت أيام المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه-.
(1/225)
________________________________________
أمير المؤمنين المستنجد باللَّه
هو أبو المظفر، يوسف بن المقتفى لأمر الله. بويع له في يوم الاثنين ثانى ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة وهو اليوم [الثالث] من وفاة أبيه بعد الجلوس للعزاء على العادة وتولى أخذ البيعة على الناس عون الدين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة وزير أبيه وابن رئيس الرؤساء «708» أستاذ داره، ودخل إليه الفقهاء والقضاة وسائر أرباب الدولة والمناصب. وكان عمه الأمير هارون بن المستظهر باللَّه واقفا.
وكان يوما مشهودا.
واستوزر المستنجد باللَّه عون الدين أبا المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة وزير أبيه.
ومات الوزير عون الدين المذكور في جمادى الآخرة سنة ستين وخمس مائة.
وكانت وفاة سديد الدولة ابن الأنباري قبله بسنة وذلك في سنة تسع وخمسين وخمس مائة.
ولبعدى عن العراق وطول غيبتي عنها لم أتحقق من أخبارها شيئا أؤرخه والله تعالى العالم بما يتجدّد بعد ذلك، والحمد للَّه أولا وأخيرا وباطنا وظاهرا، والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الأكرمين الطيبين، صلاة دائمة أبدا سرمدا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان الفراغ منه على يد العبد الفقير إلى الله أبو بكر بن عبد الله [عرف بابن الجوخى؟] في الرابع من شهر شوال سنة اثنتين وثمانين وست مائة، أحسن الله خاتمتها ورحم من دعا له بالمغفرة [1] [116 ب] .
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الإنباء في تاريخ الخلفاء



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 11:14 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب