منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن كتب التاريخ والجغرافيا

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ملف سقوط الأندلس(فيديو) Emir Abdelkader منتدى الثقافة الجزائرية والعربية 1 2015-07-23 07:51 PM
المخزن في قلب فضيحة جديدة: المغرب حرّف البيان المشترك بين أوباما ومحمد السادس Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-12-09 10:56 PM
الحرب المؤجلة بين الجزائر والمغرب Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-11-07 02:50 PM
حقائق-مختار بلمختار القيادي في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-03-03 06:01 PM
التاريخ الاسلامي - الحلقة 67 الإمارة في الأندلس(2) - Marwa Samy منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2011-08-29 02:26 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 11 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

نبذ من وقعة باب تونس أحد أبواب القيروان
وذلك أن العرب دفعت إلى هذا الباب، فخرج إليهم العامة منهم بسلاح، ومنهم من بيده عصا لا يدفع بها أضعف الكلاب، فحملت عليهم فرسان العرب وتمكنت منهم سيوفهم ورماحهم، فتساقطوا على وجوههم وجنوبهم، وسطحوهم من حد أفران الآجر إلى هذا الباب ولم يبق منهم إلا من حصنه أجله، ولم يتركوا على حي ولا ميت خرقه تواريه. وخرج أهل القتلى عند انصراف العرب، فرفعوا قتلاهم، فقامت النوائح والنوادب بكل جهة ومكان من أزقة القيروان، تنصدع لمناظرهم وسماعها الجبال. وبقى خلق من الغرباء في المقتلة، وجرح من الناس خلق كثير، ورأى الناس ما أذهلهم من قبيح تلك الجراحات، فتفتتت الأكباد، وذابت القلوب والأجساد، لبنيات قد سودن وجوههن وحلقن ورؤوسهن على أبنائهن وإخوانهن. فكان هذا يوم مصائب وأنكاد ونوائب. ولم ير الناس مثله في سائر الأمصار، فيما مضى من الأعصار. وبات الناس في هم وغم. تم كلام ابن شرف مختصرا.

هزيمة صنهاجة أيضا بجبل حيدران
وهزيمة المعز بن باديس من وجه آخر
قال أبو الصلت: ثم برز المعز إلى لقاء العرب الواصلة من المشرق، وجرد عساكره، وقدم عليه أبو سلبون، وزكنون بن واعلان، وزيري الصنهاجي، وعاد هو إلى القيروان. فلما كان عيد النحر، انهزمت صنهاجة، وقتل منها كثير، فخرج هو بنفسه إليهم، وانتشبت الحرب بينه وبين العرب، فهزمته العرب، وثبت المعز طائفة من عبيده، ثم عاد إلى المنصورية. فأحصى من
(1/292)
________________________________________
قتل من صنهاجة في هذه الوقعة: فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة. ثم أقبلت العرب حتى نزلت على القيروان، ووقعت الحرب هنالك، فقتل بين رقادة والمنصورية خلق كثير.
وفي سنة 444، ذهب المعز بن باديس إلى رفع الحرب بينه وبين العرب، وأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. وبقى هو مستوطنا المنصورية من بقي من عسكره. فلما دخلوها، استطالت العامة عليهم، وأوسعتهم إهانة وشتما، فقتل العرب منهم خلقا كثيرا. وكان عدد العرب الواصلين من المشرق سبعة آلاف فارسا وخمسمائة. وقدر المعز أن العرب عائدون من حيث أتوا فخرج له الأمر بخلاف ظنه.
وفي هذه السنة، بنى المعز سور القيروان، وسور زويلة، وجعل السور مما يلي صبره كالفيل: حائطان متصلان إلى صبره، وبينهما نحو نصف ميل.
وأما القيروان، فهي في بسيط من الأرض، ممدودة في الجوف منها نحو تونس، وفي الشرق نحو سوسة والمهدية وفي القبلة نحو سفاقس، ويقرب منها البحر الشرقي: فبينها وبين البحر مسيرة يوم، وسائر جوانبها أرض طيبة. ولا سبيل الموارد أن تدخل القيروان إلا بعد جوازه على صبرة. وأما صبرة فبناها إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمنصور وسماها المنصورية واستوطنها سنة 337 ثم كانت منزل الولاة بالقيروان إلى حين خرابها.
وفي سنة 445، ولى المعز بن باديس ابنه تميم مدينة المهدية. وفيها، نافق على المعز بن باديس أهل سوسة. وهي مدينة منيعة حاصرها أبو يزيد شهورا ثم انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألفا. وفي ذلك يقول سهل ابن إبراهيم كامل:
إن الخوارج صدها عن سوسة ... أبدا طعان السمر والإقدام
وفي سنة 446 حاصرت العرب مدينة القيروان وضيقة عليها تضيقا
(1/293)
________________________________________
شديدا يطول ذكره. وفيها أخذ مؤنس بن يحيى سلطان العرب مدينة باجة وأطاعه أهلها.
وفي سنة 447 تولى بلقين الصنهاجي قلعة حماد. وفيها نافق ابن أب زمان على المعز بن باديس. وفيها، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة وجهد مفرط.
وفي سنة 448، وقع بين عبيد المعز الساكنين بالمهدية وبين عبيد تميم أبنه منازعة أدت إلى الاقتتال والمحاربة فقامة عامة زولية وسائر من كان من البحريين وغيرهم معاضدة لعبيد تميم فهزموهم وأخرجوهم من المهدية وقتلوا منهم عددا كثيرا. وسار الذين بقوا منهم يردون اللحاق بالقيروان، فدس تميم خبرهم إلى العرب، فقتل منهم في الطريق خلق كثير، وسبب هذه المقاتلة قتل تميم عبيد أبيه بالمهدية، ويقال أن الذي قتله منهم سبعمائة. وذكر أن المحرك لقتلهم واستئصالهم قصيد محمد بن حبيب التي أولها (بسيط) :
السيف يسبق قبل الحادث العذلا ... لا تغمد السيف حتى تقتل السفلى
نقل عداتك من دنيا لآخرة ... فكلهم ظن هذا الملك منتقلا
وفي سنة 449، خرج المعز بن باديس من المنصورية منتقلا إلى المهدية، الميلتين بقيتا من شعبان. وفي أول يوم من رمضان، انتهبت العرب مدينة القيروان وخربتها. وكانت من أعظم مدن الدنيا. وذكر أبو عبيد أنه انتهى ما ذبح منها من البقر خاصة في اليوم الواحد سبعمائة رأس وخمسين رأسا. وقال: في سنة 52 بنيت القيروان وأخليت.
وفي سنة 450 خرج بلقين ومعه الأذبج ودعي لحرب زناتة، فكسرها وقتل منها عددا كثيرا.
وفي سنة 451 قتل منصور البرغواطي صاحب سفاقس قتله غدرا حمو ابن ومليل البرغواطي، وولى مكانه وذلك يوم السبت الثاني لشوال.
وفي سنة 452 وقعت بين العرب والقيروان وبين هوارة حرب كان الغلب فيها للعرب. وقتلت هوارة بباب الصوم أحد أبوابها.
(1/294)
________________________________________
وفي سنة 453، قتل أهل تقيوس مائتين وخمسين من العرب. وكان سبب ذلك أن العرب دخلت إلى تقيوس متشوفة، فسمع رجل منهم رجلا من أهل المدينة يذكر المعز بخير، ويثني عليه، فقتله العربي، وكان مقدما في المدينة، فقام عليه أهل البلد، فغزوهم وقتلوا من العرب العدد المذكور.
وفي سنة 454 ن غدر الناصر بن علناس لبلقين بن محمد الصنهاجي صاحب القلعة، وكان ذلك أول يوم من رجب وولى مكانه. وفيها، توفي المعز ابن باديس.

بعض أخبار المعز بن باديس
كنيته: أبو تميم. ولقبه: أولا شرف الدولة بن أبي مناد باديس نصير الدولة بن أبي الفتح المنصور عبد العزيز بالله بن أبي الفتوح بلقين سيف العزيز بالله بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي. وفي هذه الأسماء والكنى يقول ابن شرف (خفيف) :
شرف الدولة المعز بن باديس ... النصير المظفر المقدام
من له في العلا ثلاثة آباء ... نصير وعدة وحسام
وابن زيري أبو الفتوح الذي أعدى ... أعاديه في الورى الإحجام
وأبو الفتح بعده السيد المنصور ... من صوب راحتيه سجام
مولده سنة 399. وللي الملك سنة 407، وسنة سبعة أعوام وشهران. وتوفي سنة 455، وعمره ثماني وخمسون سنة. فكانت مملكته سبعا وأربعين سنة. وفي سنه وتاريخ ولايته يقول ابن شرف (رجز) :
لما انقضت من المئين أربع ... وبعدها ست سنين تتبع
وأول العام الشريف السابع ... دار إليها أيمن طوالع
(1/295)
________________________________________
باسم المعز الملك الميمون ... مذل كفر ومعز الدين
فقلد الأمر الشديد المنعة ... منتهضا بحمله ابن سبعه
صفته: أسمر جميل الوجه جهير الصوت حسن الخلق بعيد الغور في الأمور قتل الشيعة وقط دعوتهم من أفريقية، ولغن أمراءهم بني عبيد على سائر منابر أفريقية ووفى كل واحد من الصحابة حقه، وأقام السنة، وكانت متروكة منذ مائة وأربعين سنة.

حكاية في ابتداء دولة صنهاجة
لما تغلب أل عبيد الله على مصر وأراد معد بن إسماعيل الرحيل أليها من إفريقية دعا زيري بن مناد وكان له عشرة أولاد، فقال له: (ادع إلي بنيك. فقد عملت رأي فيهم وفيك) وكان أصغرهم سنا بلقين. فدعا أولاده ما دعاه، والقدر لا يريد سواه. وكانت عند معد بن إسماعيل أثارة من علم الحدثان، قد عرف بها بصائر أحوالها وأهل الغناء من أعيان رجاله. وكانت عنده لخليفته على أفريقية والمغرب، إذا صار إليه ملك مصر، علامة. فنظر في وجوه بني زيري، فلم يرها، فقال لزيري: (هل غادر من بنيك أحدا؟) فقال له: (غلاما صغيرا) فقال المعز: (لا أراك حتى أراه! فلست أريد سواه!) فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه، واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، وبعدت أسفاره واشتهرت أخباره، وبلغ بغزاوته سبتة في خبر طويل. ثم أجاب صوت مناديه وخلعها على أعطاف بنيه حتى أنتها أمره إلى المعز بن باديس شرف العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة. ومن العجب أنهما راقا في الاسم والكنية، أعني المعز ابنا تميم معد بن إسماعيل العبيدي صاحب الحدثان، والمعز أبا تميم هذا.
(1/296)
________________________________________
فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به ما زعم سلطانه قتل الرافضة ومراسلة أمير المؤمنين العباسي يومئذ ببغداد، فكتب إليه بعهده وجاءته الخلعة واللقب من عنده رأيا اغتر ببادئه، وذهل عن عواقبه وبواديه. واتصل ذلك بالعبيدي بمصر، وأمره يومئذ يدور على الجرجرائي، فاسطنعها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه. وكان بطون من عامر بن صعصعة: زغبة، وعدي، والأثبج ورياح وغيرهم، تنزل الصعيد لا يسمح بالرحيل ولا بإيجازه النيل، فأجازهم الجرجرائي، وأذن لهن في المعز أمينة طالما تخلت إليهم أطماعهم وعكفت عليها أبصارهم، فغشاه منها سير العرم، ورماه بذلول ابنة الرقم فشغل المعز بعضهم أولا بخدمته، وحملهم أعباء نعمتهم، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته وبون إلى حماته، ويطلعون على عوراته، حتى بان لهم شأنه، وهان عليه سلطانه، فجاهروه بالعداوة حتى جرت بينهم تلك الحروب، التي تقدم ذكرها مختصرا فأورثته البوار، وضربت عليه الحصار.
وفي أثناء ذلك، أعطاهم الدنيا، وناشدهم التقية، واشترط المهدية، وزف إلى أحد زعمائهم من بناتهم، فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا. فما استحكم باسمه، وأهمته بنفسه، واستجاش من قبله، وأحتمل أهله وثقله وخلا الملك لمن حماه وحمله، وجاء أصهاره يمنعونه ممن عسى أن يكيده، حتى بلغ المهدية، فأقام بها أسقط من الشمس بالميزان، وأهون من الفقير القيان، ولم يكن أحد في زمانه أشد بأسا في الملاحم، ولا أطول يدا بالمكارم ولا أعني بالسان العرب ولا أحنى على أخل الأدب ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعة مائة ألف دينار إلي ما وصله من مركب أثيل، وزي حفيل وكان متوقد الذهن حاضر الخاطر حاذقا بطرائف الألحان عالما بالمنثور والمنظوم من الكلام. ومدح كثير من الشعراء، فأجزل لهم العطاء: منهم على بن يوسف التونسي، ويعلا ابن إبراهيم الأركشي، وأبو علي بن رشيق، والقرشي وابن شرف، وغيرهم يطول
(1/297)
________________________________________
الكتاب بذكرهم، لا سيما لا ذكرت من نظمهم ونثرهم. وذكر أبو الحسم الخذلاني المعروف بالحداد: اشتملت على الكثير من أيامه ووقائعه وصفت حاله في خروجه من القيروان، وتسليمه للعرب معظم ملكه، في قصيدة أولها (طويل) :
سرت تتهادى بعد ما رحل الركب ... وقد قلدت جيدا الدجا الأنجم الشهب
ومنها
وإن خانني صبري علي به ... فقد خان مولانا العشائر والصحب
ولو شاء تأليف الجنود وجمعها ... لجاءته من أقطارها العجم والعرب
ولكنة أغذى الجفون لعلمه ... بما سطرت فيه الملاحم والكتب.
ولم يمكث بالمهدية إلا نحو سنتين، وانقضت أيامه، ووافاه أجله، وتوفى يوم السبت لخمس بقين من شعبان سنة 454 هكذا ذكر أبو الصلت، وقد تقدم قول ابن شرف أنه توفى في سنة 455. أولاده: تميم، ونزار، وعبد الله، وعلو، وحماد، وبلقين، وحمامة، والمنصور.

دولة الأمير تميم بن المعز
ونبذ من أخبارها
مولده بالمنصورية في رجب سنة 422. وأبرزه والده للناس ابن سنتين وركب، والعسكر وراءه، وطاف مدينتي القيروان والمنصورية، وولي المهدية سنة 445، وعمره ثلاث وعشرون سنة. وأقام بها إلى أن خرج والده من المنصورية متجها نحوها، فلما دنا منها، خرج إليه فيمن معه، وترجل عند رؤيته له، وقبل الأرض بين يديه، ومشى راجلا أمامه، وأظهر من طاعته له ما أبان كذب ما نسب إليه، وزور من النفاق عليه، فدعا له والده، وأمره
(1/298)
________________________________________
بالركوب، فركب وسار معه إلى المهدية فنزل المعز القصر وأقام ابنه تميم متكفلا بأمر الدولة.
وفي سنة 455 فتح مدينة سوسة. وكان أهلها قد نافقوا على أبيه، فعفا عنهم، وفي سنة 456، زحف إلى المهدية حمو بن ومليل البرغواطي الثائر بمدينة سفاقس، بمن استعان بالعرب، فورد خبره على تميم فسار إليه ومعه طائفة كثيرة من زغبة ورياح. وكان مع حمو طائفة من عدي والأثبج، فاقتتل الفريقان. ثم ولت طائفة حمو أدبارها، فأخذتها السيوف، وتولتها الحتوف وفي سنة 457، كسر عسكر الناصر بن حماد وكان قد خرج في عدد كثير من صنهاجة وزناتة وعدي والأثيج، فلقيتهم رياح وزغبة وسليم، فانهزم الناصر وقتل من أصحابه خلق كثير ونهبت أمواله ومضاربه، وقتل أخوه القاسم بن علناس. وكان من أعظم الأسباب في ذلك ما أبرمه تميم في أمره.
وفي 458، جرد تميم عسكرا كبيرا إلى مدينة تونس، فأقام محاصرا لها، آخذا بمخنقها أربعة عشر شهرا، حتى رقع الاتفاق بينه وبين ابن خراسان صاحبها، على ما اقتضاه إقلاع العسكر عنها.
وفي سنة 459 قام بالمغرب، الأقصى محمد بن إدريس بن يحيى بن علي ابن حمود الحسني، المستدعى من ميلية، فعبر إليها، وقال به جماعة بني ورتدي في ميلية ونواحيها. وكان قد خطب له بالخلافة بمالقة، وتسمى بالمستعلي، فأقام بها إلى، تغلب عليه باديس بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة سنة 447، فانقرضت دولة بني حمود يومئذ بالأندلس، واختفى بالمرية إلى أن استدعي.
وفي سنة 460 حاصر الناصر بن علناس بن حماد مدينة الأربس، وكان معه الأثيج من العرب، وبقي عليها حتى افتتحها وأمن أهلها، وقتل عاملها ابن مكراز. وفيها، وصل الناصر المذكور إلى القيروان مع العرب ودخلها.
(1/299)
________________________________________
وفيها، استبد أمير لمتونة على زناتة المستوطنين هنالك.
وفي سنة 461، عاد الناصر بن علناس بن حماد من القيروان إلى قلعته، خوفا من جموع العرب، وفيها، شرع أبو بكر بن عمر اللمتوني في بناء مراكش على ما يأتي في موضعه.
وفي سنة 465، وصلت إلى سفاقس مراكب شرقية، فأخرج إليها السلطان تميم بن المعز أسطوله من المهدية، فأفسدها.
وفي سنة 466، وقيل 467 طردت زغبة من أفريقية: طردتهم رياح منها، وباعت القيروان بن الناصر بن علناس بن حماد الصنهاجي صاحب القلعة.
وفي سنة 468، وصلت إلى أفريقية عرب برقة ونزلت حول القيروان وما والاها. وفي سنة 469، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة ووباء عظيم، مات فيه من الناس خلق كثير.
وفي سنة 470 اصطلح تميم بن المعز والناصر ابن عمه وزجه بنته بلارة وجزها إليه من المهدية في عساكر عظيمة ومال وأسباب وذخائر. وفي سنة 474، حاصر تميم مدينة سفاقس. وعاث عسكره في أجنتها المعروفة بالغابة وأفسدها، وولى تميم ابنه مقلدا مدينة طرابلس سنة 470.
وفي سنة 476، حوصرت المهدية، نزل عليها مالك بن علوي في جموع عظيمة من العرب، فخرج إليه السلطان تميم فهزمه، وأقلع عنها منهزما، ودخل اقيروان.
وفي سنة 479، حاصر تميم مدينة قابي وسفاقس معا في زمن واحد، مما لم يسمع مثله.
(1/300)
________________________________________
وفي سنة 480، كسفت الشمس كسوفا كليا. وجرى فيها ما جرى من نزول الروم على المهدية في ثلاثمائة مركبا حربية، على ظهورها ثلاثون ألف مقاتل.

ذكر دخول النصارى مدينة المهدية
وسبب ذلك، مع قدر الله تعالى غيبة عسكر سلطانها عنها ومفاجأة الروم قبل استقدامه إليها وأخذ الأهبة للقائهم، وخلوا كافة الناس من الأسلحة والعدد وقصر الأسوار وتهدمها. وتكذيب تميم بخبرهم وسوء تدبير عبد الله بن منكور متولي أمور الدولة في قصده مخالفة قائد الأسطول في الخروج إليهم للقائهم في الماء ومنعهم من النزول في البر. فكا كل ذلك سبب تغلبهم على المدينتين المهدية وزويلة، ونهبهم أياهما، وقتلهم الناس فيهما، وإحراقهم بالنار ما هو مشهور بالمهدية إلى الآن. وقد استوعب ذلك ابو الحسن الحداد في قصيدته التي أولها (منسرح) .
أنى يلم الخيال أو يقف ... وبين أجفان ثوى الدنف
غزا حمانا العدو في عدد ... هما الدما كثرة أو اللّعف
عشرون ألفا ائتلفوا ... من كل أوب وليت ما اتلفوا
جاءوا على غرة إلى نفر ... قد جهلوا في الحروب ما عرفوا
وهي طويلة.
وفي سنة 481، مات الناصر بن علناي بن حناد الصنهاجي، وولي ابنه المنصور.
وفي سنة 482، عزا مالك بن علوي مدينة سوسة، ودخلها في طائفة من أصحابه، ولم يتمكن له شيء من مراده فيها فخرج منها منهزما، وقتل جماعة من رجاله وأسر بعضهم.
(1/301)
________________________________________
وفي سنة 483، غلت الأسعار في أفريقية، وكانت بها مجاعة شديدة.
وفي سنة 484، صلحت أحوال أفريقية في الخصب والرخاء.
وفي سنة 486، حاصر عسكر تميم مدينة قابس وأقام عليها حتى فتح ربضها. 488، كان ما كان من غدر شاه مالك الغزي ليحيى بن السلطان تميم بن المعز، وسبب ذلك أن تميما خاف الغزيّ وأوحش منه نفسه ونفس أصحابه لكلام قاله، فأضمر ذلك شاه مالك في نفسه، وكان داهية مكرا، وخرج يحيى بن تميم أثناء ذلك متصيدا، وفي صحبته نفر من أهل مؤانسته ومنادمته. وكان شاه مالك مع كثير من أصحابه، فظفر به وقبض عليه وعلى جماعة من أصحابه. ولما بلغ تميما ذلك، أنفذ الخيل في الغزيّ فوجدوه قد فات وسار إلى سفاقس ودخلها. فركب صاحبها حمو بن ومليل وتلقى يحيى بم تميم مع الغزيّ الذي قبض عليه، فأقام عنده أياما، وكتب إلى السلطان تميم يلتمس منه عيال الغزّ وأولادهم، فأمر تميم بإنفاذهم إليهم، ودعا يحيى وأصحابه إلى المهدية. وفي سنة 489 فتح تميم مدينة قابس، وأخرج منها عمر بن المعز أخاه وقد كان ولاه أهلها، وفي سنة 491، كانت بأفريقية مجاعة شديدة. وفي هذه السنة، فتح تميم مدينة قرنقة ومدينة تونس. وخرج عدى من أفريقية أمام رياح.
وفي سنة 493، فتح تميم مدينة سفاقس وخرج منها حمو بن ومليل هاربا إلى قابس فقبله صاحب مجن بن كامل الدهماني وآواه حتى مات وفي سنة 498 مات المنصور بن ناصر بن علسان، صاحب القلعة والباجية وما والاهما وولى ابنه باديس وأقام قليلا ومات. ثم ولى أخيه العزيز بالله بن المنصور. وفيها وصل المرمانيون إلى المهدية بأجفان كثيرة حربية، تسمى الشزاني ومعهم ثمانية وعشرون مركبا. وكان قصدهم أن يجدوا فرصة
(1/302)
________________________________________
كما وجدها الروم المتقدم ذكرها. فقصدوا إلى باب دار الصناعة ليمنعوا أسطول المهدية إليهم فخاب ظنهم وخرجت أسطول المهدية إليهم فهزموا وقتلوا كثيرا منهم. وفي سنة 499 وجه السلطان تميم أبا الحسن النهري إلى جزيرة جربة في عدد جم وأسطول كثير فوجد أهلها قد أخوا الأهبة له، واستعدوا واستمدوا فلم يتم له شيء من أمرها.
وفي سنة 500 غدرت مدينة باجة وقتل خلق كثير. وفيها رحل المهدي بن تومرت القائم بدعوة من البربر المسمين بالموحدين بجبل هرغة بأقصى المغرب إلى المشرق في طلب العلم فجاز إلى الأندلس وصل قرطبة وسار منها إلى المرية ومها دخل في مركب إلى الشرق وفاب في مركب خمسة عشر عاما.
وفي سنة 501 ظهر في أفق المغرب كوكب عظيم من ذوات الذوائب وأقام ليلي كثيرة. وفيها مات السلطان تميم بن المعز فكانت مدته سبع وأربعين سنة.

بعض أخبار تميم بن المعز
كان رحمه الله شهما شجاعا حازما عازما، يستصغر صعاب الأمور ويستسهل عظام الخطوب ويغلب عليه شدة البطش والمبادرة. وهو أحد فحول شعراء الملوك وذو السبق والتقدم في معانيه وبدائعه حوى فيه الجودة والكثرة. وله ديوان كبير من شعره؛ فمن قوله (وافر) :
فإما الملك في شرف وعز ... على التاج في أعلى السرير
وأما الموت ببين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبدا الدهور
وله في غلام اسمه مدام من قصيدة طويلة (متقارب) :
(1/303)
________________________________________
مدام يطوف بكاس المدام ... فلم أدر أيهما أشرب
فهذا الصديق وهذى الرحيق ... وهذا الهلال وذي الكوكب
وهذا يجود بألحاظه لي ... وهذى بألبابنا تلعب
وما البدر والنجم من ذا وذاك ... ولكنه مثل يضرب
وكان تميم بن المعز جميلا وسيم مدير القامة دري اللون أشم ابلج. وكان يكثر من استغفار بدنه ويرى ذلك أنه تمم صحته. وكان يستعمل كل حار من الأغذية والأدوية ويكثر الاصطلاء بالنار ويدخل الحمام الحر ويكثر الجماع ويشرب الأدوية القوية كالمحمودة وغيرها، ويجاوز في ذلك المقدار حتى جف لحمه وفسدت حركاته الطبيعية. وأقعد ثم مات في منتصف رجب من سنة 501 فكان عمره تسعا وسبعين سنة وولايته من وفاة جاوز عددهم المائة. وقيل أنه كان له من الولد وولد الولد نحو ثلاثمائة.

دولة يحيى بن تميم بن المعز
ونبذ من أخباره وسيرته
مولده بالمهدية سنة 457. وولى سنة 501 وعمره إذ ذاك ثلاثة وأربعون سنة. وكان حاذقا بتدبير دولته ساهرا في سياسة رعيته كثير المطالعة لكتب السيرة والأخبار أديبا شاعرا ذا حظ في اللغة العربية صالح. وكان حسن الوجه أشهل العينين أهجر الصوت. وتوفى ثاني عيد النحر من سنة 509 فجأة مقتولا في قصره بالمهدية فكانت مدة ملكه ثماني سنين وستة أشهر، وخلف من الأولاد ثلاثين ولدا ذكور. ومما حدث في أيامه من الوقائع ما أذكرها ملخصا، مؤرخة بأوقاته. وفي سنة 503 فتح يحيى بن تميم قلعة أقبلية. قال ابن القطانم كان لتميم بن المعز من الولد ثلاثمائة فنفى يحيى أكبرهم إلى المشرق والمغرب
(1/304)
________________________________________
والأندلس. وكانت أيام يحيى هادنه ووادعه. وكان يطلب عمل الكيمياء وجعل لها دارا تردها الطلبة وأجرى عليها الإنفاق ومكنهم من الآلات.
وفي سنة 503 جرد يحيى بن تميم كمن أسطوله خمسة عشر غرابا للغزو في بلاد الروم فأصيب منها ستة وعادة البقية إلى المهدية.
وفي سنة 504 كان بالمغرب زلازل عظيمة دامت شهر شوال كله.
وأمير أفريقية يحيى بن تميم بن المعز.
وفقي سنة 505 وصل سوار صاحب مصر بهدية إلى أمير أفريقية يحيى بن تميم فتلقاه بغاية الإكرام والاهتمام وأقام عنده حتى صرفه وأصحبه من الذخائر والألطاف ما لا يحيط به الوصف.
وفي سنة 507 وصلت أسطول المهدية بسبي كثير من بلاد الروم في ربيع الآخر فسر بذلك يحيى بن تميم والمسلمين.
وفي سنة 508 ولى يحيى ابنه عليا مدينة سفاقس وولى أخاه عيسى مدينة سوسة. وفيها حجم الروم على مدينة ميورقة وهي بيد مبشر الفتى مولى ابن مجاهد ودخلها عنوة وقتلوا رجالها وسبوا ذراريها ونساءها وذلك بعد حصار شديد ثم استرجعها علي بن يوسف من أيدي الروم.
وفي سنة 509 وصل إلى المهدية رجلان أو ثلاثة ذكروا أنهم طلبة المصامدة عارفين بصناعة الكيمياء فأبيح لهما بالدخول إلى دار العمل. فما أحكما ما أرادا استأذنا على السلطان يحيى بن تميم. فقال لهما: (أوقفاني على الطرح وحقيقة السر!) فقال: (على أن لا يحظر إلا أنت ووزيرك!) فحظر هو ووزيره وعبده أبو خموس فصنعا البوط وألقيا الرصاص وأحميا عليه وجعلا كنهما يخرجان الإكسير. فأخرجا خناجيرهما وقتلا الوزير وأبا خنوس وأكثر في السلطان الجراحات. فبقى يعاني جراحه حتى مات وقالا له حين جرحاه: (أيها الكلب تعجب نحنو أخواك فلان وفلان نفيتنا وبقيت في الملك!) وثارت الصيحة إذ ذاك فدخل العبيد وقتلا الرجلان للحين.
(1/305)
________________________________________
ومات يحيى يوم العيد الأضحى من سنة 509، وكان الأمير يحيى، مدة مرضه إثر هذه النوبة والغدر، ونفي ابنه الفتوح إلى قصر زيادة، وأظهر اتهامه في القضية. فأقام هناك إلى حين وفاة أبيه وولاية على أخيه. ثم نفاه علي أيضا إلى المشرق، فتوفى هنالك. وفي هذه السنة، عقد الأمير يحيى نكاح العزيز بالله بن المنصور، صاحب القلعة وبجاية، على بنته بدر الدجا، وجهزها إليه.

دولة علي بن يحيى بن تميم بن المعز
بالمهدية وبعض بلاد أفريقية
لما توفي الأمير يحيى، أجتمع أهل الدولة على نفاذ كتاب إلى علي على لسان أبيه، وكان علي يلي سفاقس، فكتبه الكاتب، وكتب علامة يحيى كانت: (الحمد لله وحده!) فوصل الخبر إلى علي ليلا، فخرج لوقته، فوصل إلى المهدية ثالث عيد النحر، ودخل الناس إليه معزين ومهنئين، وعمره ثلاثون سنة، فاستأبت له الأمر، واستوسق له الملك. وكان كريما جوادا، يركن إلى الراحة واللذات، واتكل على قوم فوض إليهم تدبير دولته، فعاجلته منيته في ربيع الآخر من سنة 515، فكانت دولته خمس سنين وأربعة أشهر وأثنى عشر يوما. وخلف من الولد الذكور أربعة: الحسن، والعزيز، وباديس، واله (؟) .
وفي سنة 510، أمر بعمارة الأسطول إلى جرية، فحاصرها إلى أن أقر أهلا بالطاعة له، ونزلوا على حكمه.
وفي سنة 511، أرجف العوام بأنه سيكون في رمضان حادث كبير، وأن السلطان يموت فيه. وفشا القول بذلك، وانتشر. فأكذب الله أحاديثهم. وقال الشعراء في ذلك كثيرا. فمنه طويل:
(1/306)
________________________________________
وأشاعوا أباطيل وبثوا زاخارفا ... دعتهم لها آمالهم والمطامع
فلو يستطيع الناس من فرط حبهم ... لضمتك أحشاء لهم وأضالع
ومنها:
أصبح قول المبطلين مكذبا ... ومد لك الرحمن في أمد العمر
فأين الذي حد المنجم كونه ... إذا مر للصوام عشر من الشهر
وفيها، وصل رسول صاحب مصر بهدية إلى المهدية. وفيها، حاصر علي ابن يحيى مدينة قابس، ودون بعض قبائل العرب، فلما بلغ ذلك رافعا صاحبها، خرج متطارحا على وجوه الجيش، راغبا في الصلح، فلم يجيبه علي إلى ذلك، وفي أثناء ذلك، نزل على المهدية بيوته، ومن ساعده من عشيرته، فخرج من كان بالمهدية، فهجموا على بيوته، فتصايحن نساء العرب، فغارت العرب لذلك، وقعت الحرب بين الفريقين، والأمير على باب زويلة. أن عليا دون على رافع ثلاثة أخماس العرب من جيشه، فصمد رافع نحوهم، والتقى الجمعان. ثم ولى رافع قاصدا إلى القيروان. واجتمعت شيوخ دهمان، واقتسموا البلاد بينهم، فأعطوا رافعا مدينة القيروان. ووصلت العرب المدونة إلى الأمير علي بن يحيى، فوهبها أموالا جمة وأمره بالمسير إلى القيروان. فوقع بينهم وبين رافع قتال شديد، وكان الظهور فيه لحزب علي بن يحيى، في خبر طويل.
وفي سنة 512، وصل إلى الأمير علي بن يحيى، من قبل صاحب صقلية رجار، رسول له يلتمس تجديد العقود، وتأكيد العهود ويطلب أموالا كانت له موقفة بالمهدية وذلك بعنف وغلظة. فرد على رسوله جواب وجبهه بالقول. فتزايدت الوحشة بينه وبين رجال، فأوسع شرا، وحال بعد ذلك مكرا قال ابن القطان: وكان في هذه السنة غلاء عظيم، ووباء، وبلغ ربع الدقيق بتلسمان عشرين درهما.
وفي سنة 513 أغزى إبراهيم بن يوسف أخو علي بن يوسف بن تاشفين
(1/307)
________________________________________
ملك الغرب، قورية بالأندلس ففتحها الله عليه. وأمير أفريقية علي ابن يحيى ابن تميم.
وفي سنة 514 كانت وقعة بالأندلس انهزم فيها المسلمون وهي وقعة قتندة، قال ابن القطان: مات فيها نحو عشرين ألفا وفيها، كان حلول ابن تومرت المتلقب بالمهدي بأغمات، محرضا على الخروج على السلطان وتفريق الكلمة المنتظمة.
وفي سنة 515، خرج علي بن يوسف من مراكش إلى الأندلس، فوصلها في ربيع الأول وأخر ابن رشد عن القضاء، وولى أبا القاسم بن حمدين، ثم رجع إلى مراكش. وفيها، توفي أمير أفريقية علي بن يحيى بن تميم.

دولة الأمير الحسن بن علي
ابن يحيى بن المعز بأفريقية
كان أبوه فوض إليه الأمر في حياته وعمره أثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر، ومولده بمدينة سوسة في رجب سنة 502. فلما مات أبوه، دخل الناس أليه مهنئين ومعزين بالملك والوفاة، وانشده الشعراء وتكفل بأمر دولته صندل الخادم، لا لمعرفة ولا سياسة.
وفي سنة 516، غزى أبو عبد الله بن ميمون قائدا علي بن يوسف ن ملك البرين، جزيرة صقلية، فافتتح بها مدينة نقوطرة من عمل رجار صاحب صقلية، وسبى نساءها وأطفالها، وقتل شيوخا، وسلب جميع ما وجد فيها. فلم يشك صاحب صقلية أن المحرك والمسبب له هو أمير أفريقية الحسن بن علي، لما تقدم بينه وبين أبيه من الوحشة العظيمة فاستنفر أهل بلاد الروم قاطبة فالتأم له ما لم يعهد مثله كثرة فعلم بذلك الحسن بن علي، فأمر بتشييد الأسوار واتخاذ الأسلحة وحشد القبائل واستقدام العرب. فجاءت الحشود من كل وجه ومكان والناس متأهبون لما يطرقهم منهم.
(1/308)
________________________________________
وفي سنة 517، في أواخر جمادى الأولى، وصلت أسطول الإفرنج إلى جزيرة الأحاسي، وخرج منهم إلى البر خلق كثير وابسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا. وفي اليوم الثاني، خاء إلى المهدية ثلاثة وعشرين شينيا، فعينوا العساكر والحشود ثم انصرفوا إلى الجزيرة، فوجدوا العرب قد انكشفوا من كان بها من الروم عن مواضعهم، ومزقوا مضاربهم فقويت نفوس المسلمين بذلك. وكان رجار قد أمر أسطوله أن يدخل تلك الجزيرة، ويأخذ قصر الديماس، وأن يسير الخيل والرجال من هنالك على تعبئة في البر إلى المهدية، لليلتين خلتا من جمادى الأولى، في أخر ليلة منه كبر المسلمون ودخلوا الجزيرة فانهزم الروم إلى أجفانهم، بعد ما قتلوا بأيديهم كثيرا من خيولهم. وأخذ المسلمون فيما يحتاجونه إليه نحو أربع مائة فرس، وآلات كثيرة وأسلحة. وأحاطت العساكر بقصر الديماس، تقاتله، وأهل الأسطول في البحر يعاينون ذلك، إلى أن طلب الروم الأمان من السلطان الحسن بن على بن يحيى بن تميم، فلم تساعد العرب على ذلك. وخرجوا من منتصف جمادى الآخرة ن فأخذتهم السيوف، وقتلوا عن أخرهم. وكان عدد الأجفان نحو ثلاثمائة، وعدد لخيل فيها نحو ألف فارس.
أخبر أبو الصلت قال: أخبرني عبد الرحمن عبد العزيز قال: رأيت على باب رجار بصقلية رجرا من الإفرنجة طويل الحية يتناول طرف لحيته بيده، ويقسم بالإنجيل أنه لا يأخذ منها شعرة حتى يأخذ ثأره من أهل المهدية فسألت عنه، فقيل لي أنه لما انهزم، جذب بها حتى أدمته. إلى أن انتهى كلام ابن الصلت في أخبار المهدية وأميرها الحسن بن علي بن يحيى ابن تميم إلى سنة 517 وبقى الحسن بن علي ملكا للمهدية وبلاد تلك الجهات إلى سنة 543. ثم خرج باستيلاء صاحب صقلية عليها.
وفي سنة 518، استفحل أمر المهدية والموحدين بالمغرب وأمير أفريقية الحسن بن علي بن يحيى. ومات في هذه السنة العزيز بالله صاحب بجاية، وولى
(1/309)
________________________________________
ابن يحيى. وكان لبني الناصر بن علناس بن حماد ببجاية والقلعة وتلك البلاد وزراء يعرفون ببني حمدون، وتوارثوا وزرارتهم، منهم ميمون بن حمدون عند يحيى هذا، فنشأ ليحيى ولد ولاه الأمر بعده وفوض الأمور إليه في حياته، فجعل الولد يستنقص الوزير ميمونا، ويقبح أفعاله، ويسميه الشيخ الكذاب. فخاف منه ميمونا على نفسه، وخاطب أبا محمد عبد المؤمن وفي سنة 519، كان أمير أفريقية الحسن بن علي على حاله. وخرج الطاغية ابن ردمير إلى بلاد المسلمين، فدوخها بلدا بلدا، وضيق عليها.
وفي سنة 520 اجتمعت عساكر المسلمين بالأندلس، فتلاقوا مع عدو الله ابن ردمير، وكان قد أذاق المسلمين شرا منذ سنين، فدارت بين الفريقين حرب عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين. ثم أخبر الناس أن تميما رجع فارا بنفسه، فانهزم المسلمون، وركبهم النصارى بالقتل واحتووا على المحل بما فيها وسار تميم إلى غرناطة، وانبسطت خيل النصارى على المسلمين يقتلونهم كيف شاءوا وتفرق الناس أيدي سبا ولجئوا إلى المعاقل، وكانت قريبا منهم، فوافاهم الله شرهم.
وفي سنة 521، وقيل في سنة 520 نهض أبو الوليد بن رشد إلى مراكش للاجتماع بعلي بن يوسف في المصالح، وعز تميم عن غرناطة.
وفي سنة 523، أشر ابن رشد ببناء سور مراكش فبناه علي بن يوسف وأنفق فيه سبعين ألف دينار وفيها، بعث العزيز بالله بن المنصور صاحب بجاية عسكرا إلى المهدية قود عليه ابن المهلب فنزل عليها ثم انصرف ناكصا على عقبه وفيها، وصل مطرف بن علي بن خزرون الزناتي إلى تونس وأخرج منها احمد بن عبد العزيز بن عبد الحق بن خرسان، وقفل إلى الحجاز وبها مات على ما يأتي. وولي تونس في هذه السنة كرامة بن المنصور الصنهاجي من قبل صاحب بجاية.
(1/310)
________________________________________
وفي سنة 523 كان الأمير بأفريقية حسن بن علي على ما كان عليه في السنة قبلها، وصاحب بجاية يحيى بن العزيز بالله، ووزيره ميمون بن حمدون.
وفي سنة 524 قتل أمير مصر الملقب بالأمر، وكان جبارا عنيدا، قتله الغلام الذي أسمه حرز الملوك، وكان الأمر ولي عهده عبد المجيد.
وفي سنة 527، قال الوراق في (مقابسه) : بعث الله قوما تحالفوا على قتل الجبار العنيد بمصر الملقب بالأمر. قيل أنه قصدوا إليه من بلاد الشام احتسابا وكانوا عشرة أناس، فأقاموا بمصر، وعلموا بيوم ركوبه، وكان إذا ركب سدة الحوانيت والديار في ممره ولا يمر في طريقه أحد سواه ويجعل نصف عسكره أمامه، ونصفه ورائه، وفي وسط تلك المسافتين التي أمامه وخلفه فارسان، بينهما وبينه ما بينهما وبين العسكر وحمله أربعة من عبيده فقصد هؤلاء القوم إلى طريقة وفيه فرن، فقصدوا إلى الفران، ومعهم دقيق وقالوا له: (نريد منك أن تخبز لنا هذا الدقيق، فأنا قوم غرباء مسافرون) فاعتذر لهم بالسلطان فرغبوه، وشارط عليهم العجلة، ثم أشغلوه بالحديث إلى أن مر عليه مقدم العسكر الأول فأعنف عليهم في الخروج فلما رأوا ذلك ادخلوه داخل الفرن وسدوا فمه بغطائه وغلقوا باب الفرن عليهم إلى أن سمعوا حوافر فرسه. فأول من خرج من الفرن كلها منهم، فجعل يسجد إلى الأرض، وينادي: (أنا بالله وبعدل مولانا) وسجد مرة بعد أخرى إلى أن ألقى بيده في شكائم الفرس، وأخرج سكينا وضرب بها بطن الفرس فسقط إلى الأرض وخرج أصحابه من الفرن مبادرين، فضربوه بسكاكينهم إلى أن فرغوا من قتله. وقتلوا في الحين أجمعين وأراح الله من الفاجر الطاغي وهو الذي أكثر في زمانه دعوى الباطل ونصرة الظالم وعمل
(1/311)
________________________________________
جهنم يعذب فيها الناس، وأباح المحظورات جهارا في النزهات، وغير ذلك من قبائحهم - لعنهم الله - أعني الشيعة العبيدية.
وفي سنة 528 كان ولاة أفريقية على ما كانوا عليه في السنة قبلها.
وفي سنة 529، صرخ الموحدون بموت المهدي، وسموا عهد المؤمن بأمير المؤمنين، وفيها، ولي القضاة قاضي عبد الحق بن عبد الله بن معيشة، فأراق الخمر وكسر الدنان، وشدد على أهلها، وزاد في الجامع الكبير فكان البناء فيه في أخر هذه السنة.
وفي سنة 530 نزل على حمود على المهدية، بعسكر من قبل صاحب بجاية العزيز بن المنصور ومال برسم العرب فنزل بظاهر زويلة وناشب القتال برا وبحرا، فأخرج إليهم صاحب المهدية أسطوله فأخذوا من أسطول بجاية غرابي أمر بسجن قائدهما، فأما الواحد فمات بسهم أصابه ثم وصلت العرب لنصرة المهدية فرحل عسكر بجاية عن المهدية بعد أقامته سبعين يوما. وأمر الحسن بن علي قائده بقتل القائدين فقتل أحدهما بين يديه ووجد الآخر قد مات من سهم كان أصابه. وفيها جهز رجار صاحب صقلية أسطولا، فقصدوا جزيرة جربة، واستولوا عليها وسبوا أهلها. وفي سنة 533، كان موت عبد المجيد صاحب مصر وكان للشيعة في تولية خليفة عليهم خبر طريف يذكره في موضعه ز وفي سنة 536 توفى أبو عبد الله المازري وأبو الصلت. وفيها أخذ صاحب المهدية المركب الذي أنشأه صاحب بجاية، وبعثة بهدية إلى صاحب مصر، وسبب ذلك أنه كان في الإسكندرية مركب للحسن صاحب المهدية عطله عن السفر صاحب الديوان لأنه سعى في الشتاة بين الحسن وبين صاحب مصر، وقصد المواصدة بين صاحب مصر وصاحب بجاية، فأقلعت المراكب وبقى هو محبوسا. واقلع في جملتها المركب البجائي ببضائع عظيمة لها شأن وأثمان للتجار وهدية إلى صاحب بجاية. فعمل عليه الحسن، وأخذه، وأمر
(1/312)
________________________________________
بتفريغه. وبقي المركب فارغا حتى جاءت صدمة أكتوبر، فأنكسر وفي هذه السنة، خرج جرجي من صقلية في خمسة وعشرين غرابا، وضرب على مرسى المهدية ن فأخذ جميع ما كان فيه من المراكب وفيه مركب جديدا أنشأه الحسن من خشب المركب الذي انكسر لصاحب مصر.
وفي سنة 537، خرج أسطول صاحب صقلية، فضرب على مدينة أطرابلس، فخيبه الله.
وفي سنة 538، دخل مدينة سفاقس ودخلت في عمل رجار صاحب صقلية.
وفي سنة 543، كان تغلب الروم على مدينة المهدية، وخرج منها صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بسلجين ابن زبرى بن مناد بن منقوش صنهاجي بحملته وحاشيته. وتبعه أهل البلد فارين بإهليهم. وكان قائد رجار صاحب صقلية جرحى بن ميخايل الأنطاكي وكان أبوه علجا من علوج أبيه تميم. فكان هذا اللبعين عارفا بعورات المسلمين بالمهدية وغيرها فلم يزل رجار وقائده جرجا بحيلان على المهدية بحيلهما إلى أن استولوا عليها في هذه السنة. وتعرف هذه الكائنة الشنعاء بكائنة يوم الاثنين فبقيت بأيد الروم حتى أفتتحها الموحدون، على ما أذكر في دولتهم، ولما استولى صاحب صقلية على هذه المدينة كانت بأفريقية مجاعة عظيمة، فخاف أهل تونس من أهل هذه السواحل من النصارى. وكان صاحب صقلية افتتح سفاقس ودخل بونة، وسبى أهلها، فأخذ أهل تونس في الاستعداد والأهبة والوقوف بجماعاتهم وقتا بعد وقت عند باب البحر، بمحضر واليهم معد بن المنصور وهو من الديوان الذي على الباب فخرجوا يوما من أيام عرضهم، فوجوا قاربا يسوق زرعا، فأبكرت العامة خروج الزرع من بلدهم في تلك الشدة إلى موضع تحت مملكة الروم، واجتمعوا على منعهم، وضجت العامة وارتفع صياحهم، فتعرض لهم رجال معد بن المنصور، فوضعوا السلاح
(1/313)
________________________________________
فيهم وفي عبيد معد واليهم وقتلوهم قتلة الشيعة وأطلقوا النار تحت برج الديوان، فنزل معد عنه، واستسلم للعامة، فوقفوا عنه، فكانوا يأخذون رجاله وعبيده من تحت ركابه، ويقتلوهم. وبقى معد ذلك بتونس على حال قهر من العامة، وكتب إلى بجاية، فجاءه غراب منها، فطلع فيه مع بنيه، وسار إلى بجاية، ورجع النظر في تونس لقائد من قواد صنهاجة مدة يسيرة، ثم انصرف، وبقى البلد في حكم العامة، فكانت الفتنة المشهورة فيهم، والقتال بين أهل باب السويقة وأهل باب الجزيرة، ومدبرهم في تلك المدة قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن الأمام أبي الحسن - رحمه الله - ولما اشتد خوف أهل تونس من صاحب صقلية ومما سمعوه من غضب بجاية واستعداده لهم، أخذوا في تمليك محمد بن زياد العربي بإرادة قاضيهم. فلما عزموا على ذلك، ووصل ابن زياد إلى تونس، وخرج القاضي والأشياخ إلى لقائه، صاح رجل من العامة: (لا طاعة لعربي ولا غزيّ) وقامت الفتنة. فرجع ابن زياد إلى القلعة، وأراد القاضي الرجوع إلى المدينة، فمنعه العامة وأخرجته، فسار مع ابن زياد إلى القلعة، ولأقام بها مدة طويلة، إلى أن مات - رحمه الله - فيقال أنه كان راقدا في الصيف في طلق علو، فوقع منها ومات، ويقال أنه رمي منها، ثم إن العامة وجهوا إلى أبي بكر إسماعيل بن عبد الحق بن خراسان، فوصل إلى تونس بالليل، فرفع قفي قفة من السور وولي تونس، فأقام عليها نحو سبعة أشهر، ثم غدر به عبد اله ابن أخيه عبد العزيز، على ما يأتي، وإذ قد وقع ذكر بني خراسان، ولايتهم تونس على النسق ومن وليها من غيرهم إلى دخول الموحدين إليها، بحول الله تعالى.
(1/314)
________________________________________
ذكر من ولي تونس من الأمراء
من بعد زوال ملك المعز بن باديس منها
لما انتقل المعز من القيروان والمنصورية إلى مدينة المهدية، وأسلمها إلى العرب، واختل ملكه بفتنة العرب الواصلين من المشرق، كما تقدم، واستحوذوا على كثير من حواضر تونس وما يليها من البلدان ما كان، مثل باجة والأربس وما يليها، وكان بنو حماد قد طمعوا في ملك أفريقية، وصارت عمالة القيروان في أيديهم مدة بمداخلتهم العرب وإحسانهم إليهم وانقطع ملك المعز عن توني وغيرها، وضعفت دولتهم بالمهدية عن حمايتها، فمشى أشياخ من أهلها لى الناصر بن علناس، وهو إذ ذاك في القلعة دار ملكهم، وناظمة سلكهم، فاستدعوا منه النظر إلى مدينتهم وتقديم وال من قبله عليهم، فأمرهم أن يختاروا شيخا منهم، يقوم بأمرهم خلال ما ينظر إليهم، فيقال أنهم راموا تقديم كبير منهم، فاستعفى وتوقف. فوليها من قبل الناصر عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، فأقام بها إلى أن مات سنة 488، ثم وليها بعده ولده عبد العزيز بن عبد الحق، فأقام بها إلى أن، مات في سنة 500، ثم وليها ولده أحمد بن عبد العزيز بن عبد الحق، فبقى واليا عليها اثنين وعشرين سنة، حتى أخرجه عنها مطوف بن علي بن حمدون إلى بجاية، وكان قد بنى قصرا بتونس، سمى قصر بني خراسان، وطالت مدته كما ذكرنا، فاشتدت وطأته، وخرج عن سيرة الأشياخ إلى آثار جبابرة الملوك، وقتل عمه إسماعيل بن عبد الحق، وكان أحق منه بالأمرة. وفر ولده أبو بكر بن إسماعيل إلى بنزرت، فلأقام بها خوفا منه، وأخرج جماعة من لأهل تونس وأشياخها، ونفاهم إلى المهدية وغيرها، واستبد برأيه في أمور تونس، إلى أن وصلت أخباره إلى المنصور صاحب بجاية، فجهز إليه عسكرا قدم عليه مطوف بن علي بن حمدون، فوصل إلى تونس عام 522، فخرج أحمد إليه، واستسلم في يديه، فنقله إلى بجاية
(1/315)
________________________________________
من تونس كرامة بن المنصور من بني حماد، إلى لأن مات في سنة كذا وخمسمائة، ثم وليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور، إلى أن مات، ثم وليها بعده محمد بن أبي الفتوح، فلم تستحسن سيرته، فأخرج عنها ووليها معد بن المنصور وكان آخرهم فأقام عليها إلى سنة 543 حين استيلاء الروم على المهدية، فخاف أهل تونس منهم، وثاروا على أميرهم معد كما تقدم، وثارت العامة بها، وكانت الفتنة المشهورة فيها. ثم انهم وجهوا إلى بنزرت، وقدموا أبا بكر بن إسماعيل بن عيد الحق، غدره عبد الله ابن أخيه عبد العزيز بعد إقامته في ولايته سبعة أشهر، وأخرجه في قارب في البحر، فرماه البحر ميتا عند قلعة ابن غبوش. فيقال: غرق، ويقال: غُرِقَ. فوليها عبد الله المذكور نحو عشر سنين، وهو الذي قتل القاضي أبا الفضل جعفر بن حلوان وقتل معه ولده وولد أخته ابن الباد، لما خشي أن يجمعوا عليه العرب. وفي أيامه وجه عبد المؤمن عبد الله بن سليمان في قطع من أسطول سبتة وأمره بالكشف عن تونس وقوتها والمجاورين لها من الأعراب، وبعد ذلك بعام وصل السيد أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن إلى تونس، ونازلها وحاصر عبد الله بن خراسان فيها مدة، ثم أقلع عنها إلى بجاية، وذلك في سنة 553، وفي سنة 551، في شوال كان القيام على النصارى بالمهدية وحاصرهم فيها.
وفي سنة 552 استولت الروم على زويلة.
وفي سنة 554، دخل عبد المؤمن أفريقية المرة الثانية، ونازل تونس ثم أقلع عنها وحاصر النصارى بالمهدية، وفي سنة 555، دخل أبو محمد عبد المؤمن مدينة صلحا، واستولى الموحدين عليها في العاشر من شهر محرم.
وفي سنة 558، كانت كائنة يوم السبت بنزول الروم على المهدية، وأخذوا مدينة سوسة ثم خرجوا عنها.
وفي سنة 573، كانت يوم الجمعة بنزول النصارى على المهدية
(1/316)
________________________________________
ثم غادرها عبد الكريم في ربيع الآخر منها، ودخلها يحيى بن غانية الميورقي في شعبان من سنة 578، فلم يزل بها هو وأصحابه لمتونة، ومسوقة، يغيرون منها على أفريقية، حتى تملكوا بعض بلادها، إلى أن دخلها الناصر مع الموحدين، في جمادى الأولى من علم 602.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 12 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر الأمراء والولاة بأفريقية لخلفاء بني أمية
عقبة بن نافع، ثم أبو المهاجر، ثم عقبة ثانية، ثم زهير بن قيس، ثم حسان بن النعمان الغساني ثم موسى بن نصير ثم محمد بن يزيد ثم إسماعيل ابن عبد الله ثم يزيد بن أبي مسلم الثقفي ثم محمد بن أوس الأنصاري ثم بشر بن صفوان ثم عبيدة بن عبد الرحمن السلمي ثم عبد الله الحبحاب ثم كلثوم بن عياض ثم حنظل بن صفوان ثم عبد الرحمن بن حبيب القرشي ثم الياس بن حبيب ثم حبيب بن عبد الرحمن.
فهؤلاء الثمانية عشر هم الولاة عليها من بين أمية.
ووليها للصفوية عاصم الورفجومي، وعبد الملك بن أبي جعد. وكانت مدتهم سنة واحدة وشهرين ووليها للأباضية أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، مولى المعافر، وكانت مدته سنتين اثنتين ووليها أبو العباس محمد بن الأشعث الخزاعي. ثم عيسى بن يوسف القيسي. ثم الأعلب بن سالم التميمي ثم الحسن بن حرب الكندي ثم الأغلب. ثم سالم ثاني ثم عمر بن حفص المهلبي. ثم يزيد بن حاتم السلمي ثم داود بن يزيد ثم روح
(1/317)
________________________________________
بن حاتم. ثم الفضل بن روح بن حاتم، ثم هرثمة بن أعين، ثم محمد بن مقاتل العكي، ثم تمام بن تميم التميمي، ثم محمد بن مقاتل ثانية.
ووليها من بني الأغلب إبراهيم بن الأغلب وعبد الله بن إبراهيم بن الأغلب. والأغلب بن إبراهيم بن الأغلب. ومحمد بن الأغلب بن إبراهيم وأحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وزيادة اله بن محمد بن الأغلب ين إبراهيم. ومحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وإبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وعبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وزيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وهو آخر بني الأغلب بإفريقية وكان انقراض دولتهم سنة 296.
ومن الشيعة العبيدية أبو عبد الله الداعي. ثم عبيد اله المهدي. وإليه نسب العبيدية بمصر، ثم ابنه القاسم بن عبد الله، ثم ابنه إسماعيل بن أبي القاسم وهو الذي ملك مصر ورحل إليها في أخر أيامه.
ومن صنهاجة القائمين بدعوة العبيدية ومن ولايتهم بلجين بن زيري. المنصور بن بلجين. باديس المنصور. المعز بن باديس تميم بن باديس. علي بن يحيى. الحسن بن علي. وعليه دخل الروم.
(1/318)
________________________________________
ذكر صِفة الأندلس وأوَّليَّتها
أما صفة الأندلس، فإنها جزيرة مُركنة، ذات ثلاث أركان، قريبة من شكل المثلَّث: الركن الواحد منها عند صنم قَادِس، والركن الثاني في بلاد حليقيَّة، وهو مقابل لجزيرة بركانية حيث الصِّنم المشبه بصنم قادس، والركن الثالث بناحية الشرق، بين مدينة أربونة ومدينة برذيل حيث هو قرب البحر المحيط الغربي من البحر المتوسط الشامي، وكاد البحران هناك أن يجتمعا في ذلك الموضع، فتصير الأندلس في جزيرة أولا يسير ما بقي منها، وهو مسيرة يوم كامل، وفيه مدخل يقال له الأبواب، وفيه تتصَّل الأندلس بالأرض الكبيرة. فالأندلس كلُّها محدقة بالبحر: البحر المحيط الغربي والبحر المتوسط القبلي، ويصعد منه قليل إلى ناحية الشرق؛ فحدُّ الأندلس في الشرق والغرب وبعض الجوف البحر المحيط، وحدُّها في بعض القبلة والشرق البحر المتوسِّط، إلا أنَّه يتوسط الأرض كلَّها. وقيل إنه قي آخر الأقاليم السبعة.
وقيل إن أوَّل من نزل الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش (بشين معجمة) ؛ فسميت بهم الأندلس (بالسين غير معجمة) . وقيل إنهم كانوا مجوساً؛ فأراد الله قلعهم منها؛ فحبس المطر عنهم حتى غاضت مياههم وعيونهم وأنهارهم، وخرجوا منها، وافترقوا في البلاد؛ وأقامت خالية مائة سنة، من حدّ إفرنجة إلى البحر؛ ثمّ دخلها بعد ذلك قومٌ من الأفارقة، أجلاهم صاحب
(2/1)
________________________________________
إفريقية من الجوع؛ فلما نزلوا الأندلس، وجدوا أنهارها قد جرت؛ فملكوها نحو مائة وخمسين سنة. وعدد ملوكهم أحد عشر ملكا، ودار ملكهم مدينة طالفة. ثم غلبت عليهم الإسبانية، حتى أخرجوهم عن الملك، وصار الملك إليهم؛ وبهم سميت إشبيلية؛ فبنوها وسكنوها؛ وخربت طالقة. وهجم عجم رومة، فكانوا ملوكا، حتى دخل البشترلقات على الرومانيين، وقد بعث الله المسيح - عليه السلام! - فبعث الحواريين إلى البلدان كلها، وظهر دين النصرانية وغلب. قمَّ كان دخول البشترلقات من رومة. وكانوا يملكون إفرنجة، ويبعثون عمالهم إليها. ودار ملكهم ماردة؛ فكانت عدَّة ملوكهم سبعة وعشرين ملكا.
ثم ظهر بإشبيلية إشبان؛ وكان رجلا ضعيفا حرَّاثا؛ فوقف به الخضر - عليه السلام! - وهو يحرث؛ فقال له: (إذا غلبت علي إيلياء، فأرفق بأولاد الأنبياء!) فقال له: (كيف يكون هذا، وأنا ضعيف، من غير بيت ملك؟) . فقال له: (يُقدر ذلك من قدَّر في عصاك ما قدَّر!) . فلما نظر إلى عصاه، إذا بها قد أورقت؛ ففزع. وغاب عنه الخضر. ووقع ذلك نبنفس إشبان؛ فلم يزل يصطنع الرجال حتى علاَ اسمه، وشاع ذكره، وتغلب على الأندلس؛ فخرج في السفن إلى أيلياء؛ فغنمها وهدمها، وقتل فيها مائة ألف من اليهود، وباع منهم مائة ألف؛ وانتقل رخامها إلى الأندلس. وكان ملكه نحو عشرين سنة؛ وبعد سنتين من ملكه، غزا إيلياء. ويقال إنَّ إشبان اسمه إصبهان، لأنه ولد بإصبهان؛ فسمى بها، والله أعلم. فعدة ملوكهم خمسة وخمسون ملكاً.
ثم دخل القوط الأندلس، وقطع الله ملك رومة منها. وعدة ملوك القوطيين ستَّة عشر ملكا، آخرهم لذريق، الذي دخل عليه المسلمون. وجعلوا دار ملكهم طليطلة. ووجدت في بعض كتب العجم أنَّ آخر ملوك الأندلس كان يسمى وخشندش، ولم يكن في النصرانية أحكم منه ولا أحسن إصابة
(2/2)
________________________________________
لسنَّتهم؛ وعلى سنته أمضت النصرانية أحكامها، وهي الأربعة الأناجبل. التي يحلفون بها وينتهون إلى ما فيها. وقالوا إنَّ لذريق. الذي دخلت عليه العرب والبربر، وثب علي وخشندش هذا وقتله، وغلب على ملك الأندلس، ودانت له طليطلة وغيرها.
وفي كتب العجم: إنَّ رذريق هذا لم يكن من بيت المملكة. وإنما كان زنيما؛ وكان من عمَّال الملك بقرطبة؛ وقتل وخشندش بعدما خالف عليه. فغير الحكم، وأفسد سنن الملك، وفتح البيت الذي كان فيه التابوت. وكان إذا مات الملك منهم، يكتب اسمه، وكم ولِيَ، ويوضع في ذلك البيت مع تاجه، ولا سبيل بعد عندهم لفتحه. فلما فتحه رذريق، أنكرت النصرانية ذلك عليه. وجعلوا له مثله ذهباً وفضة، ولا يفتحه؛ فلم يقبل ذلك منهم، وعزم على فتحه؛ ففتحه، ووجد في البيت تيجان الملوك وتابوتا فيه صور العرب متنكبة قسيها، وفي رؤوسها عمائمها، وعليها مكتوب: (إذا فتح هذا البيت، وأخرجت هذه الصور، دخل الأندلس قوم في صورهم، فغلبوا عليها!) فلما دخلت العرب والبربر مع طارق، والتقوا برذريق، أسلمته النصرانية، وانهزمت عنه حتى قتل. وكان دخول طارق بعد سنة من ولاية رذريق؛ فقتله طارق بقرطاجنة من كور الجزيرة؛ وافتتح البلاد حتى انتهى طارق إلى طليطلة؛ فوجد بها مائدة سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام! - ووجد فيها صور العرب والبربر على خيولهم، وهي الصور التي وضعت على القطر بقرطبة وقيل أيضاً إنها طلسمات، كانت العرب قد نصبتها على مساجد الأندلس؛ فنقلها عبد الرحمن بن معاوية إلى القطر بقرطبة.
وهذا القدر كاف هنا من صفة الأندلس وذكر ملوكها الأولين.
(2/3)
________________________________________
ذكر دخول المسلمين إلى الأندلس
وانتزاعها من أيدي الكفار
أما دخول المسلمين لها، فذكر فيه أربعة أقوال: أحدها أنَّ الأندلس، أول من دخلها عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن الحصين الفهريان. من جهة البحر، في زمن عثمان - رضي الله عنه - قال الطبري: أتوها من برها وبحرها؛ ففتحها الله تعالى على المسلين هي وإفرنجة، وازداد في سلطان المسلمين مثل إفريقية؛ ولم يزل أمر الأندلس لإفريقية، حتى كان زمن هشام بن عبد الملك؛ فمنع البربر أرضهم، وبقى من في الأندلس على حالهم. هذا نصه. وإنَّ ذلك كان سنة 27 من الهجرة الكريمة. وثانيها أنَّ موسى بن نصير افتتحها عام 91. وهو قول الطَّبري أيضاً. فيظهر منه أنه جاز بنفسه، وتولى هذه الغزوة والفتح. وثالثها أنَّ طريقاً دخلها وفتحها في عام 91. ورابعها أن طارقا أوَّل من دخلها، سنة 91، ودخل موسى بعده سنة 92.
فهذا الخلاف واضح في هؤلاء الأربعة مواضع: قيل إن أول من دخلها الفهريان؛ ثمّ ابن نصير؛ ثم طريف؛ ثم طرايق؛ فظهر من هذا إن الفهريين أثرا فيها في زمن عثمان - رضي الله عنه - وغنما من جهة البحر، وطريفا دخلها سنة 91 مغيراً ومخربا، ونسب فعله إلى موسى بن نصير، نسبة فعل المأمور إلى الآمر؛ فصدق عليه إضافته لموسى، فيكون قول الطبري صادقا؛ وصدَّق عليه أيضا قول الرازي بأخرى وأولى، وطارق دخلها دخول المستفتح لها، المكافح، سنة 92، وموسى دخلها بعد ذلك متمما للفتح.
وقال عَرِيب: إن العلج يُليان، صاحب الجزيرة الخضراء، داخل موسى ابن نصير، صاحب إفريقية، عام 91، على يد طارق بن زياد عامل موسى على طنجة وما والاها؛ فراسل يليان موسى، يُزين عنده دخول الأندلس، ويُقرب
(2/4)
________________________________________
له أمرها، وقيل: بل، سار إليه بنفسه في البحر، حتى اجتمع به في ذلك؛ فاستشار موسى الوليد بن عبد الملك، إمَّا مراسلة (وهو الأكثر الأظهر) وإما بأن نهض بنفسه إليه؛ فأشار الوليد بأن يختبرها بالسرايا، ولا يغرر بالمسلمين؛ فبعث موسى بن نصير عند ذلك رجلا من البربر، يسمّى طريفا ويكنى أبا زرعة، في مائة فارس وأربعمائة راجل؛ فجاز في أربعة مراكب، حتى نزل في ساحل البحر بالأندلس، فيما يحاذي طنجة، وهو المعروف اليوم بجزيرة طريف، سميت باسمه لنزوله هنالك؛ فأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة الخضراء، وأصاب سبيا ومالا كثيرا، ورجع سالما. وكانت إجازته في شهر رمضان من سنة 91.
وقد اتفق الجميع فيما يظهر على أنَّ مُتولي كبر فتح الأندلس وجله ومعظمه طارق بن زياد. وقد اختلف في نسبه؛ فالأكثرون على أنه بربري من نفزة، وأنه مولى لموسى بن نصير، من سبى البربر. وقال آخرون إنه فارسي.
قال صالح بن أبي صالح: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رفهو بن ورفجوم بن ينزغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو، وكأنهم أيضا انفقوا على أنَّ طارقا كان عاملا لموسى، قبل محاولة الأندلس، على المغرب الأقصى، وترك عنده رهائن برابر المغرب في سنة 86 من الهجرة. وقيل أيضا إن طارقا جاز إلى الأندلس برهائن البربر سنة 92.
قال ابن القطان: فالأكثرون يقولون: كان مستقره بطنجة، ومنهم من يقول سجلماسة، وإن سلا وما وراءها من فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى؛ وكانت طنجة ليليان منهم؛ فكان طارق إذا نائبا عن موسى بن نصير. واختلفوا أيضاً هنا هل إنما سار إلى الأندلس عن أمر موسى، أو سار إليها لأمر دهمه، لم يمكنه إلا إنفاذه. والقول الأول هو المشهور المتفق عليه.
(2/5)
________________________________________
قال الرازي عن الواقدي: إنَّ الوليد بن عبد الملك استعمل موسى بن نصير على إفريقية، واستعمل موسى بن نصير طارق بن زياد على طنجة. وكان يليان مجاورا له بالجزيرة الخضراء التي تلي طنجة؛ فداخله طارق حتى صار معه إلى الرضى، ووعده يليان بإدخاله الأندلس هو وجنوده. وكان اجتمع لطارق اثنا عشر ألفا من البربر؛ فأجمع طارق على غزو الأندلس، بعد أن أخذ إذن ابن نصير مولاه في ذلك؛ فكان يليان يحتمل أصحاب طارق في مراكب التجار التي تختلف إلى الأندلس: ولا يشعر أهل الأندلس بذلك، ويظنون أن المراكب تختلف بالتجار. فحمل الناس فوجا بعد فوج إلى الأندلس. فلما لم يبق إلاَّ فوج واحد، ركب طارق ومن معه، حتى أجاز البحر إلى أصحابه وتخلف يليان بالجزيرة الخضراء، ليكون أطيب لنفسه ونفوس أصحابه. فنزل طارق جبلا من جبال الأندلس، يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة 92، كما تقدَّم ذكر ذلك. فسمّي ذلك الجبل باسمه إلى اليوم.
وذكر عيسى بن محمد من ولد أبي المهاجر، في كتابه السبب في دخول طارق الأندلس، وهو أنَّ طارقا كان واليا لموسى على طنجة؛ وكان يوما جالسا، إذ نظر إلى مراكب قد طلعت في البحر؛ فلما أرست، خرجوا إليها، فنزعوا ارجلها، وأنزلوا أهلها؛ فقالوا: (إليكم جئنا عامدين!) وعظيمهم معهم يقال له يليان. فقال طارق: (ما جاء بك؟) فقال له (إنَّ أبي مات. فوثب على مملكتنا بطريق يقال له لذريق؛ فأهانني، وأذلَّني؛ وبلغني أمركم؛ فجئت إليكم أدعوكم إلى الأندلس، وأكون دليلا لكم!) فأجابه طارق إلى ذلك، واستقر اثني عشر ألفا من البربر. فحملهم يليان في المراكب فوجا بعد فوج، كما تقدم ذكره.
وذكر غير هؤلاء أنَّ السبب في ذلك أنَّ طنجة وسبتة والخضراء وتلك النواحي كانت في مملكة صاحب الأندلس، على نحو ما كانت السواحل كلها
(2/6)
________________________________________
بالعدوة وما قرب منها الروم، يسكنونها، إذ كان البربر يرغبون عن سكنى المدن والقرى، وإنما بغيتهم سكنى الجبال والصحارى، إذ كانوا أصحاب إبل وسائم. وكان النصارى في صُلحهم. وكانت السنة في الأندلس في ملوك النصارى أن يستخدموا بني بطارقتهم وكبار رجالهم: فالرجال منهم يخدمون خارجا، والنساء جوار يخدمن داخلا. وها كذا سنتهم إلى اليوم في الرجال خاصة، يخدمون صبيانا يتأدبون بأدبهم. ويتعلمون سنتهم؛ فإذا أدركوا وكبروا، ألحقوا برجالهم وأهليهم. وكان ملك الأندلس من القوطيين يسمى رذريق، قد مدَّ يده إلى ابنة يليان، وكانت عنده؛ فاغتصبها نفسها؛ فأرسلت إلى أبيها، ودست إليه. فلما بلغه ذلك، أحفظه، وكتمه، وارتصد به الأيام، ونصب له الغوائل، حتى كان من دخول العرب المغرب ما كان. وأرسل رذريق إلى يليان في بزاة وطيور وغيرها، فأرسل إليه: (لأوردن عليم طيرا لم تسمع قطُّ بمثلها) ، وهو ينوي الغدر به؛ فحينئذ دعا طارقا إلى ما كان من جواز البحر.
واختلفت الروايات في قتال طارق أهل الأندلس. فقيل إن رذريق زحف إلى طارق بجميع أهل القوة من أهل مملكته بنفسه، وهو على سرير ملكه على بغلين يحملانه، وعليه تاجه وجميع الحلية التي كانت تلبسها الملوك، حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه طارق. فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجالة، ليس فيهم راكب إلا القليل؛ فاقتتلوا قتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء. ثم صرف الله وجوه أعدائه؛ فانهزموا؛ وأدرك رذريق؛ فقتل في وادي الطين. ومضى حتى دخل قرطبة. وفتح الله الأندلس على المسلمين. هكذا ذكر عيسى في كتابه.
وذكر الواقدي أنهم اقتتلوا من حين طلعت الشمس إلى أن غربت؛ فلم تكن قطُّ بالمغرب مقتلة أعظم منها، بقيت عظامهم في المعركة دهراً طويلا لم تذهب.
وذكر الواقدي أيضاً، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت
(2/7)
________________________________________
رجلا من أهل الأندلس يحدث سعيد بن المسيب ويذكر له قصتهم. فقال: (لم يرفع المسلمون السيف عنهم ثلاثة أيام، حتى أوطئوهم غلبة.) ثم ارتحل المسلمون إلى قرطبة، وهي مدينة الأندلس التي كان بها رذريق؛ وبينها وبين الساحل مسيرة خمسة أيام. وكان سلطان رذريق إلى ازيونة ثغر الأندلس، وهي إذ ذاك أقصى مملكة الأندلس. مما يلي إفرنجة؛ ومن أرثونة إلى قرطبة ألف ميل. وكان الذي أصابه طارق ومن معه من السَّبي، في أوَّل فتح لهم، عشرة آلاف رأس؛ وكان سهمانهم من الذهب والفضة لكل واحد من الرجال مائتا دينار وخمسون ديناراً.
وذكر الرازي أنه، لما بلغ رذريق خبر طارق ومن معه، ومكانهم الذي هم فيه، بعض إليهم الجيوش جيشاً بعد جيش؛ وكان قد قوَّد على أحدهم ابن أخت له يسمى بنج، وكان أكبر رجاله؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون؛ وقتل بنج، وهزم عسكره؛ فقوى المسلمون، وركب الرجاَّلة الخيل، وانتشروا بناحيتهم التي جازوا بها؛ ثم زحف رذريق إليهم بجميع عساكره ورجاله وأهل مملكته، وهو على سرير ملكه كما تقدَّم. فلما انتهى إلى الموضع الذي فيه طارق، خرج إليه؛ فاقتتلوا على وادي لكُّه من كورة شذونة يومهم ذلك، وهو يوم الأحد لليلتين بقيتا من رمضان، من حين بزغت الشمس إلى أن توارت بالحجاب؛ ثمَّ أصبحوا يوم الاثنين على الحرب، حتَّى إلى المساء. وتمادت أيامهم كذلك إلى يوم الأحد الثاني؛ فتمت ثمانية أيَّام. وقتل الله رذريق ومن معه، وفتح للمسلمين الأندلس، ولم يعرف لرذريق موضع، ولا وجدت له جثة، وإنما وجد له خف مفضض؛ فقالوا إنه غريق، وقالوا إنه قتل؛ والله أعلم.
ثم تحرك طارق إلى مضيق الجزيرة؛ ثم نهض إلى مدينة إسنجة؛ فوجد فيها فلَّ العسكر؛ فقاتلوه فتالا شديداً، حتى كثر القتل والجراح في المسلمين؛ ثمَّ نصرهم الله، وقطع دعوة العجمة، وقذف الله الرعب في قلوب المشركين، إذ
(2/8)
________________________________________
تُقحم عليهم البلاد؛ فهرب أكثرهم إلى مدينة طليطلة، وتركوا مدائن الأندلس وراءهم قليلة الأهل.
وقدم يليان على طارق من الخضراء مشتقره؛ فقال له: (قد فتحت الأندلس؛ فخذ من أصحابي أدلاء، ففرق معهم جيوشك وسر أنت إلى مدينة طليطلة!) ففرَّق جيوشه من إسنجة.

ذكر ما افتتح طارق بن زياد من بلاد الأندلس
سنة 92 من الهجرة
أوَّل فتوحاته جبل الفتح المسمى بجبل طارق، وذلك لما جار المسلمون ونزلوا في المرسى، وهم عرب وبربر، حاولوا الطلوع في الجبل، وهو حجارة حرش؛ فوطئوا الدواب بالبراذع وطلعوا عليها؛ فلما حصلوا في الجبل، بنوا سورا على أنفسهم يسمى سور العرب. وقيل إنهم فتحوا من حينهم حصن قرطاجنة، وكان في سفح هذا الجبل من نظر الجزيرة الخضراء. فلما بلغ ذلك ملوك الأندلس، نفروا إلى رذريق، وكان جباراً طاغية؛ فاستقر النصرانية. فقيل إنه بعث إلى المسلمين الجيش بعثا بعد بعث؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون. فقوى المسلمون، وركب رجالهم، وانتشروا في البلاد. وبعد هذا زاحفهم رذريق بنفسه. وقال آخرون بل زاحفهم لأول مرة بنفسه. ثم اختلفوا أيضا كم أيام المزاحفة التي أعقبها الفتج وانهزم آخرها رذريق؛ فقيل: يوم كامل، وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة، وقيل: ثمانية؛ واختلفوا هل ظفر برأس رذريق أم لا؛ فقيل: ظفر به، وقيل: مات غريقا.

فتح قُرطُبة
بعث طارق مغيثاً، مولى عبد الملك بن مروان، من لإسنجة إلى قرطبة في سبعمائة فارس، وهي من مدنهم العظام؛ ولم يكن معه راجل إذ كان الرجال
(2/9)
________________________________________
قد ركبوا. فلما بلغ مغيث شقندة وقرية طرسيل، وهي على ثلاثة أميال من قرطبة، بعث الأدلاء كي يلقون من عنده خبر؛ فألقوا راعي غنم، فأتوا به إلى مغيث، وهو في الغيضة؛ فسأله عن قرطبة؛ فقال له: (انتقل. عنها عظماء أهلها، ولم يبق فيها إلاَّ بطريقها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها.) ثم سأله عن حصانة سورها؛ فأخبره أنه حصين، إلا أن فيه ثغرة فوق باب الصورة، وهو باب القنطرة، ووصف لهم الثغرة.
فلما جنَّ الليل، تحرك مغيث بمن معه، وعبروا النهر، وقابلوا السور، وراموا التعلق به؛ فتعذر عليهم؛ فرجعوا إلى الراعي، وأتوا به معهم؛ فدلهم على الثغرة؛ فراموا التعلق بها؛ فصعب عليهم، حتى صعد رجل من المسلمين في دروتها، ونزع مغيث عمامته، فناوله طرفها، وارتقوا بها حتى كثروا بالسور؛ ثم جاء مغيث إلى باب القنطرة، وهي يومئذ مهدومة، وأمر أصحابه بالحوم على أحراس السور، فكسروا الأقفال، ودخل مغيث بمن معه. فلما بلغ الملك الذي بها دخولهم. خرج في كماة أصحابه، وهم نحو الأربعمائة؛ فدخلوا كنيسة بغربي المدينة؛ فتحصنوا فيها؛ فحاصرهم مغيث، وكتب إلى طارق بالفتح. وتمادى على حصار العلوج في الكنيسة المذكورة ثلاثة أشهر. فبينا هو ذات يوم جالس إذ قيل له: (خرج العلج - يعني الملك - هاربا وحده، وهو ينوي التحصين في جبل قرطبة، ليلحق به أصحابه!) فأتبعه مغيث وحده دون أحد من أصحابه؛ فلما برز له وأبصره هاربا، وتحته فرس أصفر، وهو يتبعه، خرج من طريقه؛ فأتى خندقا؛ فوثب به الفرس، وسقط في الخندق، واندقت عنقه؛ فأقبل مغيث، والعلج جالس على ترسه مستأسرا؛ فأسره. ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن منهم من عقد لنفسه أمانا، ومنهم من هرب إلى أقاصي البلاد مثل حليفية وغيرها. ورجع مغيث إلى بقية العلوج؛ فاستنزلهم أسراً، وضربت أعناقهم صبراً؛ وسميت كنيسة الأسرى. وأبقى العلج صاحب قرطبة، ليقدم به على أمير المؤمنين.
(2/10)
________________________________________
فتح مالقة
بعث إليها طارق من إسنجة جيشاً، وقوَّد عليه قائدا، وجعل معه ودليلا من رجال يليان؛ فاستفتحها وجميع أعمال ربه. ولجأ علوجها إلى جبال ربُّه الشامخة المنيعة.

فتح غرناطة قاعدة البيزة
بعث إليها طارق الجيش من إسنجة؛ فحاصرها حتى افتتحها

فتح مرسية
ثم تقدم هذا الجيش بعد فتح إغرناطة إلى تدمير، وهي مرسية، وإنما سميت تُدمير باسم العلج صاحبها؛ وكان اسمها أوربولة، وهي كانت مدينتها القديمة. فقاتل العلج تدمير المسلمين قتالا شديداً؛ وكان في قوّضة. ثم انهزم في فحص لا يسترهم شيء؛ فوضع المسلمين فيهم السلاح حتى أفنوهم؛ ولجأ من بقى منهم إلى مدينة أربولة. وكان تدمير بصيرا بأبواب الحرب؛ فلما رأى قلة من معه من أصحابه، أمر النساء؛ فنشرن شعورهن، وأعطاهن القصب، ووقفن على سور المدينة، ووقف معهن بقية الرجال. ثمَّ قصد بنفسه إلى جيش المسلمين كهيئة الرسول، واستأمن؛ فأمن وانعقد له الصلح ولأهل بلده؛ فافتتحت مدينة تدمير صلحا. فلما انعقد الصلح وتمَّ، أبرز لهم نفسه وقال: (أنا تدمير صاحب المدينة.) ثمّ أدخلهم البلد؛ فلم يروا فيه أحداً عنده مدفع؛ فندم المسلمون وأمضوا على ما أعطوه من الأمان؛ وكتبوا بالفتح إلى الأمير طارق؛ وأقام بتدمير رجال من أهل العسكر، وصاروا مع أهلها؛ وتقدّم معظم الجيش إلى طليطلة؛ فلحق بطارق، وهو عليها.
(2/11)
________________________________________
فتح طُليطُلة
وألقى طارق طليطلة خالية، ليس فيها إلاَّ اليهود في قوم قلة، وفرّ علجها مع أصحابه، ولحق بمدينة خلف الجبل. وتبعهم طارق، بعد أن ضمّ اليهود، وخلى معهم بعض رجالة وأصحابه بطليطلة؛ فسلك إلى وادي الحجارة؛ ثمّ استقبل الجبل؛ فقطعه من فج يسمى به إلى اليوم؛ فبلغ مدينة خلف الجبل، تسمى مدينة المائدة.
ثمّ فتح مدينة المائدة؛ فوجد فيها مائدة سليمان بن داود - عليهما السلام! وكانت من زبرجدة خضراء، حافاتها وأرجلها منها؛ وأصاب بها مالا وحليا كثيراً؛ ثم انصرف إلى طليطلة. هكذا آثر الناس هذا كله، على أنَّ طارقا صنعه. وقال آخرون: بل، أقام طارق حيث كانت الوقعة، وجاز إليه موسى. وقيل: بل، وجده بقرطبة.
وفي سنة 92 من الهجرة، دخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان، بعد دخول طارق بسنة، ومضى غازيا فيها، مفتتحا لحصونها هذه السنة وسنة أربع وبعض سنة خمس؛ فافتتح جميع حصونها، وهزم جميع من لقيه من أمرائها؛ فلم يلق كيداً من أحد، ولا انهزمت له راية، حتى انتهى إلى مدينة من مدن إفرنجة، يقال لها لوطون، وقد ملك ما سواها ودونها إلى أقصى برسلونة. فلما انتهى إلى مدينة لوطون، ضاق المسلمون، وخافوا أن يحاط بهم؛ فكلموه في ذلك؛ فقفل بهم راجعا. قال مُؤلِف (كتاب بهجة النفس) : ورأيت في بعض كتب العجم أن المسلمين انتهوا إلى مدينة لوطون قاعدة الإفرنج، ولم يبق لأهل الإسلام شيء لم يتغلبوا عليه مما وراء ذلك، إلاَّ جبال قرقوشة وجبال بنبلونة وصخرة حليقية؛ فأما الصخرة، فلم يبق فيها مع ملك حليقية سوى ثلاثمائة رجل،
(2/12)
________________________________________
تلفوا بالموت والجوع والحصار؛ فلما لم يبق منهم إلا ثلاثمائة رجل، ورأى ذلك المرتبون معهم على حصارهم، استقلوهم؛ فتركوهم؛ فلم يزالوا يزدادون حتى كانوا سبب إخراج المسلمين من حليقية، وهي قشتيلة. وأما قرقوشة، فذكر عبد الملك ابن حبيب أنها افتتحت في زمن هشام بن عبد الملك صلحا. وكان الافتتاح كما ذكرته في بقية سنة 92 وبعض سنة 93 من الهجرة.
وكان السبب في جواز موسى بن نصير إلى الأندلس أنه أغرى بطارق عبده. وذكر له ما أفاء الله عليه؛ فكتب له موسى بأقبح السبّ، وأمره ألاَّ يتجاوز قرطبة، حتى يقدم عليه. قال ابن القطان: قيل: إنما حمله على الجواز للأندلس تعدّى طارق ما أمره به ألاَّ يتعدَى قرطبة، على قول، أو موضع هزيمة لذريق، على قول. وقيل أيضاً: إنما حمله على ذلك الحسد لطارق على ما أصاب من الفتوح والغنائم. وقيل أيضاً: إنما جاز باستدعاء طارق اياه؛ فكان جوازه في رمضان، كما تقدّم.
قال الرازي: وحدّث الواقدي عن موسى بن عليّ بن رباح، عن أبيه، قال: خرج موسى بن نصير في عشرة آلاف من إفريقية، مغضبا على طارق، وتقدّم يريد الأندلس؛ فدخلها ونزل الجزيرة. فقيل له: (أسلك طريق طارق!) فقال: (لا، والله، أسلك طريقه!) فقال له الأدلاء من الأعلاج: (نحن ندلك على طريق هي أشرف من طريقه، وعلى مدائن هي أعظم خطرا من مدائنه، لم تفتح، يفتحها الله على يديك إن شاء الله!) فامتلأ موسى سرورا؛ فساروا به إلى مدينة شذونة؛ فافتتحها عنوة؛ وهي أوّل فتوحاته.

فتح قَرْمُونَة
ونهض موسى مع أدلائه من شذونة إلى قرمونة؛ ولم يكن بالأندلس أحصن منها ولا أبعد من أن تنال بحصار أو قتال. فسأل موسى عن أمرها؛ فقيل له: (لا تؤخذ إلا باللطف والحيل!) فقدَّم إليها علوجا كانوا من أصحاب يليان
(2/13)
________________________________________
وغيرهم؛ فأتوهم في هيئة المنهزمين، ومعهم السلاح؛ فأدخلوهم المدينة؛ فلما علم موسى بدخولهم، بعث الخيل إليهم ليلا؛ ففتحوا لهم باب المدينة، وهو الباب المعروف بباب قرطبة؛ فوثبوا على الأحراس؛ فقتلوهم. ودخل المسلمون المدينة عنوة.

فتح إشبيلية
لما فتح موسى قرمونة، تقدم إلى إشبيلية، وهي من أعظم قواعد الأندلس شأنا، وأتقنها بنيانا، وأكثرها آثارا. وكانت دار ملك روم رومة قبل غلبة القوطيين على الأندلس؛ فلما غلب القوطيون عليها، استوطنوا طليطلة، وأقروا بها ملكهم؛ وبقى بمدينة إشبيلية علماء أهل رومة وكُتابهم ورؤساؤهم. فاحتلَّ بها موسى بن نصير، وحاصرها أشهرا؛ ففتحها الله عليه، وهرب منها علوجها إلى مدينة باجة.

فتح ماردة
وتقدم موسى إلى مدينة ماردة؛ وكانت دار ملك في سالف الأيام. وكانت فيها آثار عجيبة، وقنطرة، وقصور، وكنائس، تفوق وصف الناظرين؛ وهي إحدى القواعد الأربع بالأندلس التي ابتناها أكتبيان قيصر. وهي قرطبة، وإشبيلية، وماردة، وطليطلة. فخرج أهلها إلى حربه نحو الميل منها؛ فحاربهم حتى صرفهم إلى المدينة. فلما انجلت الحرب، وكفَّ عن القتال، طاف موسى بالمدينة؛ فرأى نقبا كان لمقاطع الصخر؛ فكمن فيه الرجال ليلا. فلما أصبح، زحف إليهم؛ فخرجوا كخروجهم في اليوم قبله؛ فخرج عليهم الكمين وزحف إليهم المسلمون؛ فركبوهم؛ فقتلوا أبرح قتل، ولجأ من بقى منهم إلى المدينة؛ فحاصرهم أشهراً، حتى عمل دبابة؛ فدب المسلمون تحتها إلى برج من أبراجها؛ فنقبوا صخرة؛ فلما نزعوها، أفضوا إلى صخرة صماء نبت المعاول عنها ويئسوا منها؛ فبينا هم يضربون عليها، إذ استثار العلوج عليهم؛ فاستشهد المسلمون تحت الدبابة. فسمى ذلك البرج
(2/14)
________________________________________
برج الشهداء، وبه يعرف إلى اليوم؛ فحميت عند ذلك نفوس العلوج، وثابت إليهم أنفسهم. ثم خرجت إليهم رسل، وتعرضت للصلح؛ فساروا إلى موسى؛ فرأوا رجلا أبيض الرأس واللحية؛ فكلموه بما لم يوافقهم عليه ولم يرضه؛ فرجعوا عنه، ولم يعقدوا شيئاً؛ ثم عاودوه يوما آخر؛ فألفوه قد حمر رأسه ولحيته بالحناء؛ فعجبوا منه، وراعهم ما رأوه؛ ولم يتم لهم أمر؛ ثم عاودوا إليه في اليوم الثالث، وذلك يوم عيد الفطر؛ فألقوه قد سود رأسه ولحيته؛ فرجعوا إلى المدينة، وقالوا لمن فيها: (ويحكم! إنها تقاتلون أنبياء يتشببون بعد المشيب! قد عاد ملكهم حدثا بعد أن كان شيخا!) فقالوا!: (اذهبوا إليه وأعطوه ما سألكم!) فوصلوا إليه، وصالحوه، وانعقد أمرهم على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الغائبين بجليقية وأموال الكنائس، ذلك كله للمسلمين. ثم فتحوا له الباب من يومهم ذلك، وهو مستهل شوال من سنة 94 من الهجرة.

فتح إشبيلية ثانية
وذلك، لمّا اشتغل موسى بن نصير بحصار ماردة، ثار عجم إشبيلية، وارتدوا، وقاموا على من كان فيها من المسلمين. وتجالب فلهم إليهم من مدينتي ليلة وباجة؛ فقتلوا من المسلمين نحو ثمانين رجلا. وبلغ الخبر بذلك إلى موسى بن نصير؛ فلما استتم فتح ماردة، بعض ابنه عبد العزيز بجيش إلى إشبيلية؛ فافتتحها، وقتل أهلها.

فتح لبلة
لما استتم فتح إشبيلية، تقدم عبد العزيز بن موسى بجيشه إلى لبلة؛ فافتتحها، وانصرف إلى إشبيلية؛ فدخلها أيضا.
(2/15)
________________________________________
ذكر اجتماع الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير
مع مولاه طارق بن زياد على طليطلة
اتفق الأكثرون على أن التقاءهما كان على طليطلة. وذكر الطبري أنه كان على قرطبة. وذكر الرازي أن طارقا خرج من طليطلة لما بلغه مسيره إليه، فلقبه بمقربة من طلبيرة. وكان موسى، لما فرغ من أمر ماردة، نهض يريد طليطلة؛ فخرج إليه طارق معظما له، ومبادرا لطاعته؛ فوبخه موسى، وغضب عليه. وقيل إنه وضع السوط على رأسه؛ وقيل إنه ضربه أسواطا كثيرة وحلق رأسه. ثم سار به إلى طليطلة، وقال له: (ايتني بما أصبت وبالمائدة!) فأتاه بها، وقد اقتلع رجلا من أرجلها؛ فقال له: (أين الرجل؟) فقال له: (هكذا وجدتها!) فأمر موسى؛ فعمل لها رجل من ذهب، وأدخلها في سفط.
واختلفت الروايات لم فعل موسى مع طارق ما فعل من السخط عليه؛ فقيل: إنما فعل ذلك بغيا ونفاسة عليه؛ واستدلوا على ذلك بادعائه خصال طارق وأخذ المائدة عند الخليفة. ومنهم من عذره وقال: إنما فعل ذلك به لتقدمه دون رأيه، وهو مولاه، وعلى توغله بالمسلمين، وتغريره بهم. واتصل بهذا في كتاب الرازي أن الوليد بعث إلى موسى رسولا؛ فأخذ بعنان دابته، وأخرجه من الأ، دلس، ومعه طارق ومغيث. وخلف ابنه على الأندلس، وأبقى معه وزيرا حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع.
ولما التقى موسى بطارق، وجرى له معه ما جرى، تقدم من طليطلة إلى سرقسطة؛ فافتتحها، وافتتح ما حولها من الحصون والمعاقل. وذكروا أن موسى خرج من طليطلة غازيا، بفتح المدائن، حتى دانت له الأندلس. وجاءه أهل حليقية يطلبون الصلح؛ فصالحهم. وفتح بلاد البشكنش، وأوغل في بلادهم حتى أتى قوما كالبهائم. وغزا بلاد الإفرنج. ثم مال حتى انتهى إلى سرقسطة؛
(2/16)
________________________________________
فأصاب فيها ما لا يعرف قدره. وبين سرقسطة وقرطبة مسيرة نحو شهر. وافتتح هنالك حصونا كثيرة. وكانت أساقفة الروم تجد صفة موسى في كتبهم؛ فإذا رأوه، قالوا: (هو، والله!) فأعطوه المعقل. ولم يهزم له جمع قط.
وقال يوسف بن هشام: انتهى موسى إلى صنم؛ فوجد في صدره مكتوبا: (يا بني إسماعيل! فإلى هنا منتهاكم! وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبرناكم: ترجعون إلى اختلاف ذات بينكم، حتى يضرب بعضكم رقاب بعض، وقد فعلتم.) قال الليث: ولقد جاء رجل إلى موسى بن نصير؛ فقال له: (ابعث معي أدلك على كنز!) فبعث معه رجالا؛ فوقف بهم على موضع؛ فقال: (اكشفوا عن هذا!) فكشفوا؛ فإذا حوض مترع من الياقوت والجوهر والزبرجد ما لم تر عين مثله قط؛ فلما رأوا ذلك، بهتوا وأرسلوا إلى موسى ليحضر.

ذكر ما أفاء الله على فاتحي الأندلس
من ذلك مائدة سليمان - عليه السلام! - قيل إنها كانت من ذهب وفضة خليطين، مطوَّقة بثلاثة أطواق: طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق زبرجد، وإنها حملت على بغل عظيم لا بغل أقوى منه؛ فما بلغ بها مرحلة حتى تفتحت قوائمه؛ ومنها ياقوته ذي القرنين وجدها بماردة؛ ومنها البيتان اللتان فتح في طليطلة، وجد في إحداهما أربعة وعشرون تاجا عدد ملوكهم، لا يدري ما قيمة تاج منها، وعلى كل تاج اسم صاحبه ومبلغ سنه؛ وفيه وجدت المائدة؛ وكان السبب في حصولها بطليطلة أن ملك الروم، لما زحف إلى بيت المقدس ليقاتل بني إسرائيل، أخذ بلادهم وسبى ما فيها، ووجد فيها مكارم الأنبياء - عليهم
(2/17)
________________________________________
السلام! - منها عصا آدم، والتابوت الذي فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وعصا موسى ونعلاه، ومائدة سليمان، وهي من ذهب، قد كلل أعلاها وأسفلها بالدر والياقوت. فحمل جميع ذلك إلى رومة. فلما مرّ ملك الروم بمصر، رغب إليه أهلها أن يجعلها عندهم يتبركون بها، وقالوا له: (رومة تبعد عنا!) وكانوا قد أمدوه، وقاتلوا معه بني إسرائيل؛ فطلبوا منه شيئاً من تلك المكارم؛ فدفع لهم المائدة؛ فحملتها الأساقفة إلى الإسكندرية. فلما غزا عمرو بن العاصي بمصر، هربوا بها إلى مدينة إطرابلس. فلما نزل عمرو بن العاصي برقة، هربوا بها إلى مدينة قرطاجنة. فلما دخل المسلمون طنجة، هربوا بها إلى مدينة طليطلة، ولم يكن لهم أمتع منها؛ ولا وجدوا حيث يهربون بها بعدها.
قال أبو شبة الصدفي: لقد نظرت إلى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ؛ فلما ثقلت عليهما، أنزلاها؛ ثم حملا عليها الفأس؛ فقطعاها بنصفين؛ فأخذا نصفا، وتركا نصفا. فلقد رأيت الناس يمرون على نصفها؛ فلا يلتفتون إليه اشتغالا بما في أيديهم مما هو أرفع منها.
وحدّث عبد الحميد عن أبيه، قال: قدمت الأندلس امرأة عطارة؛ فخرجت منها خمسمائة رأس من السبي؛ فأما ما خرجت به من الذهب والفضة والجوهر والآنية، فذلك ما لا يحاط بعلمه. قال: وقدم علينا شيخ من المدينة، جيد التجربة واللسان؛ فجعل يحدثنا عن الأندلس؛ فقلت له: (كيف علمت هذا؟) قال: (لأني، والله! كنت ممن اشترى بها بحبات فلفل أقل من القبضة ما يساوي عددا) .
وأقام موسى بالأندلس سنتين وشهرا؛ ثم رجع إلى إفريقية، وتحته بغل أشهب يسمى الكوكب. ولما انصرف عن قرطبة متوجها نحو إفريقية، حول وجهه إلى قرطبة؛ فقال: (واها لك! يا قرطبة! ما أطيب تربتك، وأشرف بقعتك، وأعجب أمرك! ولعنك الله بعد الثلاثمائة سنة!) ثم مضى حتى وصل الخضراء، وأمر بالعجل؛ فحملت الذهب والفضة والجوهر والمتاع وأصناف متاع
(2/18)
________________________________________
الأندلس. وكان دخول موسى الأندلس سنة 92، وهو ابن ستين سنة، وأقام واليا بإفريقية ست عشرة سنة، وقفل منها سنة 95.

أخبار الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير
رحمه الله تعالى
لما دخل موسى إفريقية، وجدها قد قحطت قحطا شديداً؛ فأمر الناس بالصيام والخروج إلى المصلَّى، الرجال على حدة، والنساء على حدة، والصبيان على حدة، وكذلك جميع البهائم مع أصنافها. فاجتمعوا في موضع واحد، ودعا الله تعالى، ودعا الناس معه، وبكى، وبكوا، وبكى الصبيان والنساء، وصاحت البقر والعجل والغنم والخرفان وأهل الذمة. فأقاموا كذلك حتى انتصف النهار. ثم خطب الناس؛ فلم يلبث أن سقوا سقا شافيا.
وخرج موسى من إفريقية، واستخلف عليها عبد الله ابنه. وحمل موسى معه من إفريقية من وجوه البربر مائة رجل وعشرين ملكا من ملوك الروم؛ فخرجوا معه بأصناف ما كان في كل بلد من طرائفها وذهبها وفضتها وجوهرها وياقوتها، ما لا يحصى ولا سمع بمثله، حتى انتهى إلى مصر؛ فلم يبق بها شريف، ولا فقيه، ولا عظيم، إلا ودفع إلى سليمان بن عبد الملك عشرة آلاف دينار. ثم خرج من مصر؛ فتوجه إلى فلسطين؛ فتلقاه آل روح بن زنباع الجذامي؛ فنزل بهم؛ فنحروا خمسين جملا. ثم خرج من عندهم، وترك بعض أصحابه وصغار ولده عندهم، وأفرغ على آل روح بن زنباع كثيرا من الكسي والوصائف والوصفات، وغير ذلك من الأموال.
وكان موسى، قبل خروجه من المغرب، قدم عليه ولده مروان من السوس الأقصى، وهو يجر الدنيا جرا. ولما وصل رسوله إلى أبيه، يعلمه به وبما يأتي به من السبي، خرج إليه في وجوه الناس يتلقاه؛ فلما التقيا، قال مروان بن موسى: (مروا لكل من يلقاني مع أبي بوصيفة وصيفة!) فلما أمر بذلك، سمع موسى
(2/19)
________________________________________
صياح الناس وضجيجهم، ورأى حركاتهم؛ فقال: (ما هذا؟) فقالوا: (ابنك مروان أمر للناس بوصيفة وصيفة!) فقال لهم: (مروا لهم انتم بوصيف وصيف!) فانصرفوا الناس كلهم، ومع كل واحد منهم وصيف ووصيفة.
وكان الوليد بن عبد الملك مرض مرضه الذي مات منه. وكتب إلى موسى يأمره بشد السير إليه ليدركه قبل الموت. وكتب إليه سليمان أن يبطؤ في سيره. فعمل موسى بكتاب الوليد، ولم يعمل بكتاب سليمان، وجدّ في شيره. فغضب عليه سليمان، وقال: (والله! لئن ظفرت به، لأصلبنه!) وكان سبب أمر الوليد لموسى بالعجلة ليحرم سليمان ما جاء به؛ وكان أمر سليمان له بترك الاستعجال ليحرم الوليد وولده ما جاء به. فقدم موسى قبل موت الوليد وأتاه بالطرائف من الدُّر والياقوت والزبرجد، والوصفاء والوصائف، ومائدة سليمان، والتيجان المكللة لدُّر والياقوت. فاستغرب الوليد ذلك، وأمر بمائدة سليمان؛ فكسرت، وعمد إلى أرفع ما كان فيها من الجوهر وكلّ ما كان في التيجان وغيرها؛ فجعله في بيت المال. ثم لم يلبث أن مات وأفضت الخلافة إلى سليمان أخيه؛ فبعث في موسى؛ فعنَّفه بلسانه، وقال: (والله لأفلنَّ غربك! ولأفرقن جمعك! ولأصغرن من قدرك!) فقال موسى: (أما قولك تفل من غربي وتخفض من قدري، فإن ذلك بيد الله، وإلى الله لا إليك! وبه أستعين عليك!) فأمر به سليمان؛ فوقف في يوم صائف شديد الحر؛ وكان موسى رجلا ضخما، بادنا، ذا نسمة؛ فوقف حتى سقط مغشيا عليه؛ فنظر شليمان إلى عمر ابن عبد العزيز - رضي الله عنه -؛ فقال له: (يا أبا حفص! ما أراني إلا وقد بررت في يميني وخرجت عنه!) فقال عمر: (أجل! يا أمير المؤمنين!) فقال سليمان: (من يضمه إليه؟) فقام يزيد بن المهلب؛ فقال (أنا يا أمير المؤمنين أضمه إليَّ!) قال: (فضمه إليك ولا تضيق عليه!) فانصرف يزيد، وقدَّم
(2/20)
________________________________________
إليه دابَّة؛ فركبها موسى، وأقام عنده أياما حتى حسن ما بينه وبين سليمان وافتدى منه موسى بمال كثير، قيل: ألف ألف دينار، وقيل غير ذاك. ثم إن يزيد بن المهلب سهر ليلة عند موسى؛ فقال له: (يا أبا عبد الرحمن! في كم كنت تعتدُّ من مواليك وأهل بيتك؟) فقال له موسى: (في كثير!) فقال يزيد: (يكونون ألفا؟) فقال له موسى: (ألف وألف وألف إلى منقطع النفس!) فقال له يزيد: (كنت على ما وصفت، وألقيت بيدك إلى التهلكة! أفلا أقمت في قرار عزّك وموضع سلطانك، وامتنعت بما قدمت به؟ فإن أعطيت الرضى، وإلاَّ كنت على عزك وسلطانك!) فقال له: (والله! لو أردت ذلك، لما نالوا من أطرافي طرفا! ولكنّي آثرت الله ورسوله! ولم أر الخروج عن الطاعة والجماعة!) وذكر أنَّ سليمان قال لموسى: (ما الذي كنت تفزع إليه عند حروبك ومباشرة عدوك؟) قال: (كنت أفزع إلى التضرُّع والدعاء والصبر عند اللقاء!) قال: (فأيُّ الخيل رأيتها في تلك البلاد أسبق؟) قال: (الشقر!) قال: (فأيُّ الأمم كانوا أشد قتالا؟) قال: (هم أكثر من أن أصفهم!) قال: أخبرني عن الروم!) قال: (أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء في مواكبهم، إن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة، فأوعال تذهب في الجبال، لا يرون الهزيمة عاراً.) قال: (فأخبرني عن البربرا) قال: (هم أشبه العجم بالعرب لقاء ونجدة وصبرا وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، لا وفاء لهم ولا عهدا!) قال: (فأخبرني عن الأندلس!) قال: (ملوك مترفون، وفرسان لا يخيبون.) قال: فأخبرني عن الإفرنج!) قال: (هناك العدد والعدة، والجلد والشدة، والبأس والنجدة!) قال: (فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم: أكانت لك أو عليك؟) فقال: (أما هذا، فوالله! ما هزمت لي راية قط، ولا بدد جمعي، ولا نكب المسلمون معي، منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين!) فضحك سليمان، وعجب من قوله. ثم دعا سليمان بطست
(2/21)
________________________________________
من ذهب؛ فجعل يردد بصره فيه؛ فقال له موسى: (إنك لتعجب من غير عجب! واله! ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينارّ والله! لقد بعثت إلى أخيك الوليد بشنور من زبرجد أخضر، كان يصب فيه اللبن، فيخضر وترى فيه الشعرة البيضاء؛ ولقد قوم بمائة ألف مثقال، وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه! ولقد أصبت كذا وأصبت كذا!) وجعل يعدد ما أصاب من الدُّر والياقوت والزبرجد، حتى بهت سليمان من قوله.
وخرج سليمان يوما يتصيد، ومعه موسى بن نصير؛ فمرَّ في منية له بذود غنم يكون فيها نحو ألف شاة؛ فالتقت إلى موسى، وقال له: (هل كان لك مثل هذا؟؟ فضحك موسى وقال: (والله! لقد رأيت لأدنى موالي أضعاف هذا! فقال سليمان: (لأدنى مواليك؟) فقال: (نعم والله! نعم والله!) ورددَّها مرارار؛ ثم قال: (وما هذا فيما أفاء الله على! لقد كانت الألف شاة تباع بعشرة دراهم، كلُّ مائة بدرهم! ولقد كان الناس يمرون بالبقر والغنم؛ فلا يلتفتون إليها! ولقد رأيت الذود من الإبل بدينار! ولقد رأيت العلج الفاره وامرأته وأولاده يباعون بخمسين درهما!) قال: فعجب سليمان.
ثمّ حجَّ سليمان، وخرج موسى معه؛ وكان موسى من أعلم الناس بالنجوم. فلما احتل بالمدينة، قال لبعض إخوانه: (ليموتنَّ بعد غد رجل قد ملأ ذكره المشرق والمغرب!) فظنَّ الرجل أنه الخليفة؛ فمات موسى في اليوم الثاني. وصلَّى عليه مسلمة بن عبد الملك. وكان مولد موسى سنة 19، في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. قيل إنه من لخم؛ وقيل: من بكر بن وائل.
وقال ابن بشكوال في (كتاب الصلة) له: إنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد. وقال غيره: كان نصير ولاه معاوية بن أبي سفيان على خيله؛ فلم يقاتل معه علياّ؛ فقال له: (ما منعك من الخروج معي على عليّ؟ وبدى عليك، ولم تكافئني عليها؟) فقال: (لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو
(2/22)
________________________________________
أولى بشكري!) فقال: (ومن هو؟) فقال: (الله - عز وجل!) قال: فأطرق معاوية مليا؛ ثم قال: (أستغفر الله!) وعفا عنه.
وقال الليث بن سعد: لما قدم موسى بن نصير إفريقية حين الفتح، أخرج ابنا له يسمى عبد الله إلى بعض نواحيها؛ فأتاه بمائة ألف رأس من السبي، أكثرهن وجوه كالبدور؛ ثم وجه ابنا له يسمى مروان إلى ناحية أخرى؛ فأتاه كذلك؛ ثم خرج هو بنفسه؛ فأتى بنحو ذلك. قال الليث: فبلغ الخمس ستين ألفا. قال: فلم يسمع بمثل سبايا موسى في الإسلام.
وفي سنة 95، كان خروج موسى من الأندلس إلى الشأم، واستخلف ابنه عبد العزيز عليها.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 13 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ولاية عبد العزيز بن موسى بن نصير
واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز، وترك معه حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع وزيرا له، ومعينا. وأقام معهما بالأندلس من أراد سكناها. فلما وصل موسى إلى إشبيلية، أقرَّ فيها ولده؛ فارتضاها قاعدة ملكه؛ وتزوج بعد خروج أبيه أمَّ عاصم امرأة رذريق (واسمها أيله) وسكن معها بإشبيلية. فلما دخل بها، قالت له: (إن الملوك، إذا لم يتوجوا، فلا ملك لهم! فلو عملت لك مما بقى عندي من الجوهر والذهب تاجا؟ فقال لها: (ليس ذلك في ديننا.) فقالت له: (ومن أين يعرف أهل دينك ما أنت فيه في خلوتك؟) فلم تزل به حتى فعل. فبينما هو ذات يوم جالس معها، والتاج على رأسه، إذ دخلت عليه امرأة كان قد تزوجها زياد بن نابغة التميمي، من بنات ملوكهم؛ فعاينته، والتاج على رأسه. فقالت لزياد (ألا أعمل لك تاجا؟) فقال لها: (ليس في ديننا استحلال لباسه!) فقالت له: (ودين المسيح!
(2/23)
________________________________________
إنه على رأس ملككم وإمامكم!) فأعلم بذلك زياد حبيب بن أبي عبدة ثم تحدثا بذلك حتى علمه خيار الجند؛ فلم يكن له هم إلا كشف ذلك، حتى رأوه عيانا. فقالوا (قد تنصر!) ثم هجموا عليه، فقتلوه. وأكثر الناس على أنَّ هذه الحكاية لا تصح، وإنما قتلوه بأمر سليمان لهم بذلك إذ نكب والده.
وقال الواقدي: إن التي نكح بعد خروج أبيه هي ابنة رذريق؛ فجاءته من الدنيا بما لا يوصف. فلما دخلت عليه، قالت له: (ما لي لا أرى أهل مملكتك يعظمونك، ولا يسجدون لك، كما كان أهل مملكة أبي يفعلون له؟) فأمر بباب، فنقب في ناحية قصره، وجعله قصيرا؛ فكان يأذن للناس منه؛ فيدخل الداخل منكسا رأسه قبالته لقصر الباب؛ وقد جعل لها مجلسا، تنظر منه إلى الناس إذا دخلوا عليه من حيث لا يرونها. فلما رأتهم على ذلك، ظنت أنهم يسجدون له. فقالت لعبد العزيز: (الآن قوي ملكك) وبلغ الناس ما أراد بذلك الباب؛ فثار به حبيب بن أبي عبدة الفهري، وزياد بن عذرة البلوي، وزياد بن نابغة التميمي، ومن معهم من الناس، فقتلوه. وقيل أيضا: إنما قتلوه لأنه خلع طاعة سليمان بن عبد الملك، إذ بلغه قتل أخيه وما صنع بأبيه.
قال الرازي: لما قفل موسى بن نصير، استخلف ابنه عبد العزيز على الأندلس؛ فضبط سلطانها، وسد ثغورها، وافتتح مدائن كثيرة. وكان من خير الولاة، إلا أن مدته لم تطل، لوثوب الجند عليه وقتلهم له، لأشياء نقموها عليه. وكان قتله صدر رجب من سنة 97، بمدينة إشبيلية، بمسجد رفينة. ولما دخل المحراب، قرأ فاتحة الكتاب؛ ثم قرأ سورة الواقعة؛ فعلاه من خلفه زياد ابن عذرة البلويُّ بالسيف، وهو يقول: (قد حقت عليك يا ابن الفاعلة؟) فكانت ولايته سنة واحدة وعشرة أشهر.
وذكر أيضا أن سليمان بعث إلى الجند يأمرهم بقتله، عند سخطه على أبيه، وأنهم، لما قتلوه، حزوا رأسه. وقدم به على سليمان حبيب بن أبي عبدة الفهري.
(2/24)
________________________________________
فقيل إنه عرض الرأس على والده، وهو في محبسه؛ فتجلد لحرّ المصيبة، وقال: (هنيئا له الشهادة؟ فتلثم، والله؟ صواما قواما؟) قال الرازي: فكانوا يعدون فعل سليمان هذا بموسى وابنه من كبار زلاته التي لم تزل تنقم عليه. ومكث أهل الأندلس شهورا لا يجمعهم وال، حتى اجتمعوا على أيوب بن حبيب اللخمي، ابن أخت موسى بن نصير.

ذكر ولاية أيوب بن حبيب الأندلس
ثم اجتمع أهل الأندلس على تقديم أيوب هذا، يومهم لصلاتهم؛ وكان رجلا صالحا. وأقاموا مدة دون أمير، ونقلوا دار السلطان إلى قرطبة. فتقدم أيوب ابن حبيب، واحتل بقصر قرطبة؛ وكان مغيث قد اختطه لنفسه. فذكر أن موسى ابن نصير، حين أقلعه رسول الوليد، رجع في قفوله على طريق طارق ليختبر الأندلس؛ فنزل قرطبة وقال لمغيث: (إن هذا القصر لا يصلح لك. وإنما يصلح للعامل الذي يكون بقرطبة.) فتنحى عنه يومئذ. ونزله بعد ذلك أيوب ابن حبيب. فكانت ولايته ستة أشهر.

ولاية الحرّ بن عبد الرحمن الثَّقفيّ
لما ولي سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد، مولى ابنة الحكم بن العاصي، إفريقية، كانت الأندلس وطنجة إلى صاحب إفريقية. فوجه محمد بن يزيد الحرّ ابن عبد الرحمن هذا عاملا على الأندلس، في أربعمائة رجل من وجوه إفريقية. فبقى الحرُّ واليا. عليها ثلاث سنين؛ فنقل الحرُّ هذا الإمارة من إشبيلية إلى قرطبة. وكان قدوم الحرّ الأندلس سنة 99 من الهجرة.
(2/25)
________________________________________
ولاية السَّمح بن مالك الخولانيّ
ثم ولى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - السمح بن مالك على الأندلس، وأمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا يعدل بهم عن منهج الرفيق، وأن بخمس ما غلب عليه من أرضها وعقارها، ويكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها. وكان رأيه نقل المسلمين منها وإخراجهم عنها، لانقطاعهم عن المسلمين واتصالهم بأعداء الله الكفار؛ فقيل له: (إنّ الناس قد كثروا بها، وانتشروا في أقطارها؛ فأضرب عن ذلك) فقدم السمح الأندلس، وامتثل ما أمره به عمر - رضي الله عنه - من القيام بالحق، وإتباع العدل والصدق؛ فأنفرد السمح بولايتها؛ وعزلها عمر عن ولاية إفريقية، اعتناء بأهلها، وتهمما بشأنها.
وكان المسلمون، إذ فتحوا قرطبة، وجدوا بها آثار قنطرة فوق نهرها، على حنايا وثاق الأركان من تأسيس الأمم الدائرة، قد هدمها مدود النهر على مرّ الأزمان. فتقدم إلى فضيلة النظر فيها عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - عندما اتصل به خبرها؛ فأمر السمح بابتنائها؛ فصنعت على أثمَّ وأعظم مما بنى عليه جسر من حجارة سور المدينة.
وفي سنة 101، ورد كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على السمح بن مالك بالأندلس، يأمره ببناء القنطرة بصخر السور، وبناء السور باللبن، ويأمره بإخراج خمس. قرطبة. فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالربض. فأمر الخليفة عمر أن يتخذ بها مقبرة للمسلمين؛ فتمَّ ذلك.
وقتل السمح - رحمه الله - بطرسونة، وذلك أنه غزا الروم في سنة 102؛ فاستشهد - رحمه الله - يوم عرفة؛ فكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين.

ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الأندلس
ثم ثدَّم أهل الأندلس على أنفسهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي هذا؛ فدخلها في شهر ذي الحجة سنة 102.
(2/26)
________________________________________
ولاية عنبسة بن سُحيم الكلبي
ثم ولّي يزيد بن أبي مسلم عامل إفريقية على الأندلس عنبسة بن سحيم هذا؛ فدخلها في شهر صفر. فلما قُتل يزيد بن أبي مسلم، كان على إفريقية محمد بن يزيد، مولى الأنصار، على ما ذكره الطَّبري، بتقديم أهل إفريقية، وإقرار يزيد بن عبد الملك إياه.
وفي سنة 103، كان العامل على إفريقية من قبل يزيد بن عبد الملك بشر بن صفوان، أخو حنظلة؛ فأقر عنبسة على الأندلس؛ فكانت ولاية عنبسة كلها أربع سنين وثمانية أشهر؛ وقيل غير ذلك.
وفي سنة 105، خرج عنبسة غازيا للروم بالأندلس، وأهلها يومئذ خيار، فضلاء، أهل نية في الجهاد وحسبة في الثواب؛ فالح على الروم في القتال والحصار، حتى صالحوه. وتوفي عنبسة في شعبان سنة 107؛ فكانت ولايته كما ذكرنا.

ولاية يحيى بن سلمة الكلبي
وذلك أنه، لما توفي عنبسة، قدم أهل الأندلس على أنفسهم رجلا من العرب، يقال له عذرة، إلى أن ورد بعد شهرين يحيى بن سلمة الكلبي واليا من عند أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك، في آخر سنة 109؛ فكانت ولايته سنتين وستة أشهر.
ومات بشر بن صفوان بإفريقية؛ فولى هشام بن عبد الملك مكانه عبيدة ابن أبي الأعور السلميَّ.

ولاية حذيفة بن الأحوص
ثم ولي الأندلس حذيفة بن الأحوص الأشجعي؛ وقيل: القيسي؛ ولاه عليها عبيدة بن عبد الرحمن السلمي عامل إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك، في سنة 110؛ فكانت ولايته ستة أشهر.
(2/27)
________________________________________
ولاية عثمان بن أبي نسعة
ثم ولى عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأعور السلمي على الأندلس عثمان ابن أبي نسعة الخثعميّ؛ فقدمها في شعبان سنة 110، وكانت ولايته خمسة أشهر؛ وقيل: ستة أشهر؛ ثم عزل وانصرف إلى القيروان؛ فمات بها.

ولاية الهيثم بن عبيد الكناني
ثم ولي الأندلس الهيثم بن عبيد الكناني، في صدر سنة 111؛ وكانت ولايته عشرة أشهر؛ وقيل غير ذلك؛ وهو الذي غزا منوسة. وأقام واليا عشرة أشهر، كما ذكرنا؛ وقيل: سنة وشهرين؛ ثم توفي.

ولاية محمد بن عبد الله الأشجعي
ثم قدم أهل الأندلس على أنفسهم محمد بن عبد الله الأشجعي؛ فكانت ولايته شهرين؛ وقيل غير ذلك.

ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ثانية
ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا ثانية؛ فكان دخوله إليها في صفر سنة 112؛ فأقام واليا سنتين وسبعة أشهر؛ وقيل: وثمانية أشهر. واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة 114.

ولاية عبد الملك بن قطن
ثم ولى عبد الملك بن قطن بن نفيل بن عبد الله الفهري؛ فدخلها في شهر رمضان المذكور الذي توفي فيه عبد الرحمن الغافقي. فألفاه قد استشهد. وقيل: دخلها في شوال من سنة 114. وكانت ولايته سنتين؛ وقيل غير ذلك.
(2/28)
________________________________________
ولاية عقبة بن الحجاج السَّلولي
ثم ولي عقبة بن الحجاج السلولي في شوال سنة 116. وقالوا: في ولايته كان عبيد الله بن الحبحاب عامل مصر وإفريقية؛ فقدم عليه عقبة بن الحجاج، وكان مولاه؛ فأكرمه، وبرَّه، ورفع شأنه وقدره، وأنزله في مكانه، وخبره في ولاية ما شاء من سلطانه. وكان الحجاج أبو عقبة قد أعنق الحبحاب أبا عبيد الله؛ فولى هشام بن عبد الملك عبيد الله بن الحبحاب مصر وإفريقية والأندلس؛ فكان له من العريش إلى طنجة إلى السوس الأقصى إلى الأندلس وما بين ذلك؛ وكان أحد بنيه بمصر، والثاني بالسوس وطنجة، والثالث بالأندلس؛ وكان عبيد الله بإفريقية. فلما شرف عبيد الله، وعلت منزلته، وانتشر ذكره، وفد عليه مولاه عقبة؛ فأجلسه معه على فراشه، وأدناه من نفسه، وقربه، حتى عظمت منزلته في الناس؛ فكان يقصده الطالبون وذوو الحاجات، يتوسلون به إلى عبيد الله. فغص به بنو عبيد الله، وقالوا لوالدهم: (اصرفه عنا لئلا يكسر شرفنا!) فما زاده ذلك عنده إلا تعظيما وتكريما، وخبره في ولاية ما شاء من سلطانه؛ فاختار الأندلس؛ فولاه عليها. وكان يجاهد المشركين في كل عام، ويفتتح المدائن. وهو الذي فتح مدينة أربونة، وافتتح جليقية وبنبلونة، وأسكنها المسلمين. وعمت فتوحاته جليقية كلها غير الصخرة؛ فإنه لجأ إليها ملك جليقية، وكان بها في ثلاثمائة راجل. فما زال المسلمون يضيقون عليهم، حتى صاروا ثلاثين رجلا، وحتى فنيت أزودتهم، ولم يتقوتوا إلا بعسل يجدونه في خروق الصخرة. وأعبى المسلمين أمرهم؛ فتركوهم. وأقام عقبة بالأندلس بأحسن سيرة وأجملها، وأعظم طريقة وأعدلها، إلى أن غزا أرض إفرنجة؛ فلقيته جيوش الأعداء؛ فقتل هو ومن معه ببلاط الشهداء. وذكر عنه أنه كان صاحب بأس ونجدة، ونكاية للعدو وشدة. وكان إذا أسر الأسير، لم يقتله حتى يعرض عليه دين الإسلام، ويفتح له عبادة الأصنام. فيذكر أنه أسلم على يديه بهذا الفعل ألف رجل. وكانت ولايته خمسة أعوام وشهرين.
(2/29)
________________________________________
وقيل إن أهل الأندلس شاروا على عقبة بن الحجاج وخدموه. قال ابن القطان: وقيل إن عقبة بن الحجاج، لما حانت وفاته، استخلف عبد الملك بن قطن. قال: وأقام عقبة على الأندلس واليا إلى سنة 121.

ولاية عبد الملك بن قطن الفهري ثانية
وفي سنة 122، ولي عبد الملك بن قطن ثانية، حتى كان من أمر البربر وبلج بن بشر، ابن أخي كلثوم بن عياض عامل إفريقية، ما أذكره. قال ابن القطان: وذلك أن هشام بن عبد الملك كان قد ندب كلثوما لقتال البربر، وولاه إفريقية، وبعث معه ثلاثين ألف فارس: عشرة آلاف من صلب بني أمية؛ وعشرين ألفا من العرب؛ وعهد إليه في سد إفريقية وضبطها، إذ كانوا يجدون في الروايات أن ملكهم يزول، وأن ملك بني العباس لا يجاوز الزاب. فتوحمته بنو أمية زاب مصر، وإنما كان زاب إفريقية. فأمره بالجد في أمر إفريقية، ليلجؤوا إليها إذا ذهب ملكهم؛ وعهد، إن حدث بكلثوم حدث، أن يكون ابن أخيه يلج مكانه؛ فدارت بينه وبين البربر حروب عظيمة، هزموا في بعضها كلثوما وقتلوه. وصار أمر العرب بإفريقية إلى بلج بالعهد المذكور.
ولجأ فلهم إلى سبتة، حتى ضاق عليهم الأمر ضيقا عظيما؛ فكاتب بلج وأصحابه عبد الملك بن قطن صاحب الأندلس، وسأله إدخاله وإدخال من معه من الجند. وذكروا له ما صروا إليه من الجهد، وأنهم قد أكلوا دوابهم. فأبى عبد الملك من إدخالهم، ولم يأمنهم، ومطلهم بالميرة والسعن. واتفق أن تطاولت البربر أيضا بالأندلس، وفاضحوا العرب، وظهروا على الساكنين منهم بجليقية وغيرها؛ فقتلوهم، وطردوهم. فلما ورد فل العرب على عبد الملك بن قطن، ورأى عادية البربر، اضطر لأجل ذلك إلى إدخال بلج وأصحابه؛ فكاتبهم، وشرط عليهم مقام سنة بالأندلس، ثم يخرجون عنها؛ فرضوا بذلك. فأخذ منهم رهائن أنزلهم بجزيرة أم حكيم، وهي على الخضراء. ثم أدخل بلجا وأصحابه عراة،
(2/30)
________________________________________
لا يواريهم إلا دوابهم، وقد بلغ بهم الجهد غايته. وكانوا نحو عشرة آلاف من عرب الشام. فلما دخلوا، كساهم عرب الأندلس على قدر أقدارهم؛ قرب رجل يكسو مائة رجل، وآخر عشرة، وآخر واحدا، إلى ما بين ذلك.
فلما حلوا بالخضراء، اجتمع بهم عبد الملك بن قطن؛ وكان بشذونة جمع من البربر، عليهم رجل زناتي؛ فبدأ عبد الملك يمقاتلتهم في وادي الفتح من شذونة، فلم يكن العرب فيهم إلا نهضة، حتى أبادوهم، وأصابوا أمتعتهم ودوابهم. فاكتسى أصحاب بلج، وانتعشوا، وأصابوا الغنائم. ثم نهضوا مع عبد الملك إلى قرطبة؛ ثم ساروا بأجمعهم إلى جهة طليطلة، وقد اجتمع هنالك معظم البربر؛ فكانت هزيمتهم العظمى هنالك بوادي سليط من حوز طليطلة، بعد أن زحف عبد الملك وبلج إليهم بعرب الأندلس، حاشا عرب سرقسطة وثغورها. وزحف البربر بأجمعهم، فهزمهم العرب، وقتلوا منهم في الهزيمة آلافا.

ذكر ولاية بلج بن يسر القشيري الأندلس
قال من له عناية بالأخبار: دخل بلج الأندلس سنة 123 في ذي القعدة منها، وملكها بعد ذلك؛ وذلك أنه، لما أباد ابن قطن البربر بالأندلس، بمن كان معه من العرب، وبأصحاب بلج، قال لبلج وأصحابه: (اخرجوا من الأندلس على ما شورطتم عليه!) فقال بلج: (احملنا إلى ساحل البيرة أو ساحل تدمير!) فقال لهم عبد الملك: (ليست لنا مراكب إلا بالجزيرة!) فقالوا له: (إنما تريد أن تردنا إلى البربر ليقتلونا في بلادهم!) فلما ألجَّ عليهم في الخروج، نهضوا إليه؛ فأخرجوه من قصر قرطبة إلى داره بالمدينة. ودخل بلج القصر عشية يوم الأربعاء في صدر ذي قعدة من السنة. وكان بلج، وقت جوازه عن سبتة، قد أعطى رهائن لابن قطن، جعلهم ابن قطن بجزيرة أم حكيم؛ فضاعوا مدة الفتنة بين بلج وابن قطن، والجزيرة المذكورة دون ماء؛ فمات رجل من غسان عطشا، وكان من الرهائن، من أشراف دمشق.
(2/31)
________________________________________
مقتل عبد الملك بن قطن الفهري
لما ملك بلج الأندلس، واستولى عليها، طلب منه الجند أن يعطيهم ابن قطن في الغسانيّ المذكور؛ فتوفق بلج؛ فألحّ الجند، وثارت اليمن كلها على كلمة واحدة. وكان ابن قطن شيخا هرما، قد بلغ التسعين؛ وكان قد حضر يوم الحرَّة، ومنها فرَّ إلى إفريقية؛ وكان يومئذ بداره بقرطبة؛ فأخرجه الجند منها، كأنه فرخ نعامة من الكبر، وهم ينادونه: (أفلت من سيوفنا يوم الحرة؛ فطلبنا بثأرنا في أكل الدواب والجلود! ثم أردت إخراجنا إلى القتل!) ثم قتلوه، وصلبوه، وصلبوا خنزيرا عن يمينه، وكلبا عن شماله.
ثم إن أمية وقطنا ابني عبد الملك بن قطن حشدا في جهة سرقسطة. وكانا قد هربا من قرطبة وقت إخراج أبيهما منها، وجاءا إلى بلج طالبين يثأرهما، وهما في نيف على مائة ألف من العرب القدماء والحدث؛ فخرج إليهما بلج، وهو في أقل من خمس عددهما؛ فاقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزم ابنا عبد الملك ومن معهما هزيمة عظيمة؛ وانصرف أصحاب بلج ظافرين، وقد امتلأت أيديهم وأنفسهم غنما ونصرا وسرورا، إلا أن يلجأ أميرهم وفيه من جراحة أصابته في المعركة، ومات بعد أيام. وكانت مدة إمارته اثني عشر شهرا. واختلف في ذلك. فقال أبو عمر السالمي: إن تلك المعركة انجلت عن أحد عشر ألف قتيل، وإن عبد الرحمن بن علقمة فوق سهما إلى بلج؛ فأصاب مقتله. قال هذا في (كتاب درر القلائد وغرر الفوائد) . وقال في (كتاب بهجة النفس) : إن عبد الرحمن ابن علقمة المذكور قتله بالسيف، وإن ولايته ستة أشهر. والأول أصح.

ولاية ثعلبة بن سلامة العامليّ الأندلس
وفي سنة 123، في شوال، ولي الأندلس ثعلبة بن سلامة، ولاه أهل الشام؛ وذلك أن هشام بن عبد الملك كان قد عهد أن يتولى أمر الجيش، إذ جهزه
(2/32)
________________________________________
من الشام، كلثوم بن عياض؛ فإن أصيب، فأين أخيه بلج؛ فإن أصيب، فثعلبة. فأقعد أصحابه ثعلبة بن سلامة بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. وثار من بقى من البربر بماردة في أيامه؛ فغزاهم، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو الألف؛ وانصرف إلى قرطبة. فسار بأحسن سيرة. وكانت ولايته عشرة أشهر. هذا مساق ابن القطان. ومن (درر القلائد) : كان يبيع ذراري أهل البلد، ويحملهم أسرى، ويرهقهم من أمرهم عسرا. فكان ثعلبة معهم على هذه الحال، إلى أن ورد أبو الخطار.

ذكر ولاية أبي الخطار
الحسام بن ضرار الكلبي الأندلس
وفي سنة 125، ركب أبو الخطار البحر من ناحية تونس في المحرم، وحل بقرطبة؛ فألقى ثعلبة بن سلامة بالمصارة، ومعه الأسرى والسبي من عرب قرطبة، قد اشتبك في الحبال الولد بالوالد؛ فأمر أبو الخطار باطلاقهم، وحلهم من وثاقهم؛ وجمع الناس بعد افتراقهم، وصرفهم إلى معهود إيقافهم؛ فدانت له جماعتهم، وفرق أهل الشام على الكور، ونظر لسواهم أيضا بأحسن النظر؛ فأنزل أهل دمشق بالبيرة، أهل الأردن برية، وأهل فلسطين بشذونة، وأهل حمص بإشبيلية، وأهل قنسرين بجبان، وأهل مصر بباجة، وبعضهم بتدمير. وكان إنزالهم على أموال العجم من أرض ونعم. ودخل في ذلك الوقت الصُّميل بن حاتم - وسيأتي ذكره - وتعصب المضربون معه، وأتوا إلى قرطبة، حيث أبو الخطار؛ فخرج إليهم دون عدة؛ فهزمه القوم، وقبضوا عليه، وأثقلوا بالحديد رجليه. ثم إنه أفلت من كبله، ومد ما انقبض من حبله.
ومن (كتاب بهجة النفس) ، قال: (لما هزم ثعلبة البربر، سبي ذراريهم، ولم يكن قبل بلج ولا غيره يتعرض للذرية بسباء. فأقبل إلى قرطبة بعدد من السبي كثير، حتى نزل طرف المصارة من قرطبة، ومعه الأسرى والسبي من
(2/33)
________________________________________
عرب البلد والبربر، وهو يبيع السبي في النداء، ويعبث ويبطر؛ فكان يبيع الشيوخ والأشراف ممن ينقص، لا ممن يزيد، وكان فيهم عليُّ بن الحصين، والحارث بن أسد من أهل المدينة، فابتدأ المنادي عليهما بعشرة دنانير؛ فلم يزل ينادي: (من ينقص؟) حتى باع أحدهما بعتود، والآخر بكلب. فبينا هو على هذه الحال من العبث والبغي، وقد أوقف رجالهم، وأبرزهم للقتل، وذلك يوم جمعة، إذ قدم أبو الخطار؛ فألقاهم بهذه الحال. فأمر بإطلاقهم؛ فسمى ذلك العسكر عسكر العافية. وكان أهل الأندلس طلبوا من صاحب إفريقية حنظلة ابن صفوان عاملا يجمع كلمتهم، إذ كانت الكلمة مفترقة، والقتل ذريعا، ولا يأمنون تغلب العدو عليهم؛ فأرسل إليهم أبا الخطار هذا. واجتمع على أبي الخطار أهل الشام وعرب البلد، ودانت له الأندلس. ثم أنه أمن ابني عبد الملك بن قطن، وأنزل أهل الشام في الكور، وتعصب لليمانية، واعتزل قيسا؛ فكان ذلك سبب توثب الصميل بن حاتم عليه مع مضر، بعد أن ولي سنتين؛ وقيل: وتسعة أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين.

ذكر الصميل بن حاتم وسبب الفتنة
قال في (كتاب بهجة النفس) : كان الصميل بن حاتم هذا جده شمر قاتل الحسين - رضي الله عنه - وهو من أهل الكوفة؛ فلما قتله، تمكن منه المختار بن أبي عبيد؛ فقتله، وهدم داره؛ فارتحل مع ولده من الكوفة، وصاروا بالجزيرة؛ ثم صاروا في جند قنسرين. فرأس الصميل بالأندلس، وفاق بالنجدة والسخاء. فاغتم أبو الخطار به؛ فدخل عليه يوما، وعنده الجند؛ فأحب كسره؛ فأمر عليه؛ فشتم، ولكز؛ فخرج عنه مغضبا، وأتى داره؛ ثم بعث إلى خيار قومه؛ فشكا إليهم ما لقى؛ فقالوا: (نحن تبع لك!) فقال: (والله ما أحب أن أعرضكم للقضاعية ولا لليمانية! ولاكني سأتلطف، وأدعو إلب مرج راهط، وأدعو
(2/34)
________________________________________
لخما وجذاما، وتقدم رجلا يكون له الاسم ولنا الحظ.) فكتبوا إلى ثوابة بن سلامة الجذامي من أهل فلسطين؛ ثم وفدوا عليه؛ فأجابهم، وأجابتهم لخم وجذام. فبلغ ذلك أبا الخطار؛ فغزاهم؛ فلقيه ثوابة، وأسره. وسار ثوابة حتى دخل قصر قرطبة، وأبو الخطار معه في قيوده. ثم إنه أفلت، كما ذكرنا.
ثم ولي ثوابة سنتين. ولما ولي ثوابة سنة 128، استجاش أبو الخطار اليمانية، ودعاهم للنصرة على المضرية؛ فاجتمع له إذ ذاك حفل وعسكر ضخم، وأقبل إلى قرطبة؛ فخرج ثوابة بن سلامة إلى لقائه. فافترق الناس عن أبي الخطار، ونفروا عن تلقائه. وتوفي إثر ذلك ثوابة في السنة المذكورة؛ وكانت ولايته كما ذكرنا. فلما توفي ثوابة، عادت الحرب إلى ما كانت عليه؛ فأرادت اليمن أن تعيد أبا الخطار؛ فأبت ذلك مضر مع الصميل؛ وتشاكس الفريقان. وأقامت الأندلس أربعة أشهر من غير وال، إلا أنهم قدموا عبد الرحمن بن كثير اللخمي للنظر في الأحكام. وصار أمر الشام وملوكه متغير الحال؛ فقال يزيد الوليد، وصارت إليه أحوال بني مروان.

ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري الأندلس
لما تفاقم الأمر، وكثر الاختلاف بين أهل الأندلس، تراضوا واتفقوا على تولية يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وعلى أن يدعوا ليحيى بن حريث كورة رية؛ فتركت له طعمة. وقد كانت قضاعة اجتمعت قبل ذلك، وقدموا على أنفسهم عبد الرحمن بن نعيم الكلبي؛ فجمع مائتي راجل وأربعين فارسا؛ فبيت القصر بقرطبة، وقاتل الأحراس، وهجم على السجن؛ فأخرج أبا الخطار، وهرب به إلى لبلة؛ فأقام في كلب وقبائل من حمص؛ فاكتنفوه ومنعوه، ولم يحدث شيئا حتى اجتمع الناس على يوسف. فلما استقام له الأمر، غدر يحيى بن
(2/35)
________________________________________
حريث، وعزله عن كورة رية؛ فغضب ابن حريث، وكاتب أبا الخطار حينا. فقال أبو الخطار: (أنا الأمير المخلوع! فأنا أقوم بالأمر!) وقال ابن حريث: (بل أنا أقوم به، لأن قومي أكثر من قومك!) فلما رأت جذام ما يدعو إليه ابن حريث، قدموه وأجابوه؛ فأصفقت يمن الأندلس وحميرها وكندتها على تقديمه والطوع له، وانحازت مضر وربيعة إلى يوسف بقرطبة حضرة الملك. وأقبلا حتى نزلا شقندة.
وكان الصميل مع يوسف الفهري، وهو الذي سأله الناس أن ينظر لهم في وال يلي عليهم، لشغل أمير المؤمنين مروان بن محمد بالمشرق عنهم وبعده عنهم. فاختار لهم يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الفهري؛ وكان يومئذ بالبيرة؛ فرضيه الناس كما ذكرنا. ووقع اختلاف بعد ذلك في أمره بين مصر واليمن؛ فانضوت اليمن إلى أبي الخطار، من جميع البلاد والأقطار، وزحف بهم إلى يوسف الفهري بقرطبة؛ فكره يوسف الفتنة، وخاف البغضاء والشحناء. فنزل الصميل بن حاتم بالمحلات، وشك السلاح والآلات؛ وأقبل أبو الخطار بمن معه، ونزل موضعه؛ فالتقت بشقندة الفئتان، وتصادمت الفرقتان؛ فلا تسمع إلا صهيلا وصليلا، ولا ترى إلا قتيلا، حتى تكسرت الخطية وتفللت المشرقية، والتفت الساق بالساق، وانضمت الأعناق إلى الأعناق؛ فلم يعهد حرب مثلها في المسلمين، بعد حرب الجمل وصفين، إلى أن انهزمت اليمانية مع أبي الخطار بعد حين. وهرب أبو الخطار، وركب ظهر الفرار؛ واستتر في رحى للصميل هنالك؛ فظفر به وقتل إذ ذلك. فرأس الصميل بن حائم في الناس، وشهر بالنجدة والبأس؛ وصرف يوسف الفهري إليه الأمور، وأوقف عليه الرياسة والتدبير. فكان ليوسف الاسم، وللصميل الرسم.

مقتل أبي الخطَّار
ولما أخذ أبو الخطار، وأرادوا قتله، قال: (ليس على فوت! ولاكن دونكم
(2/36)
________________________________________
ابن السوداء!) يريد ابن حريث. فدل عليه، وقتلا جميعا. وكان ابن حريث يقول: (لو أن دماء أهل الشام سقيت، لشربتها في قدح!) فلما استخرج من تحت الرحى ليقتل، قال له أبو الخطار: (يا ابن السوداء! هل بقى في قدحك شيء لم تشربه؟) ثم قتلا. وأتى بالأسرى؛ فقعد لهم الصميل، وضرب أعناقهم جميعا.
ثم أتبع الله الأندلس بعد ذلك بالوباء والموت في السنة الثانية، حتى كاد الخلق أن ينقرض منها.
وولي يوسف عن (رضى من) عامة الجند من مضر ويمن والشام؛ فصفت له الأندلس بعد يوم شقندة، وخلصت له القلوب والأنفس. وعاد الصميل بن حاتم قائده الأعلى، وقدحه المعلى، يقرب منه ما شاء، ويدفع عنه ما ساءه، إلى أن تمكن بالدولة، وتملك رقاب تلك الجملة. فشرق به يوسف وقلق، وخشي من جانبه وأرق؛ فرأى أن يبعده من مكانه، ويوليه بعض سلطانه؛ فولاه سرقسطة وبلادها سنة 133؛ فكان فيها إلى أن قام عليه فيها الحباب بن رواحة من بني زهرة بن كلاب؛ فحاصره مدة من سبعة أشهر. وقعد يوسف عن إغاثته، واعتذر بشدة الأندلس في ذلك الوقت ومجاعته، رغبة في تلافه وهلاكه، وحرصا على الراحة منه لاستحواذه واستملاكه، إلى أن اجتمع قومه بالبيرة وجيان، وساروا إلى نصرته، وتفريج كربته.
وقيل إن الذي قام على يوسف بسرقسطة تميم بن معبد الزهري وعامر العبدري. فغزاها يوسف في سنة 138؛ فكان عليها، إلى أن دخل عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس.
وفي سنة 130، كانت وقعة شقندة، واجتمع على يوسف. وكان يوم ولايته ابن خمس وسبعين سنة؛ وملك تسع سنين. وكان قبل ولايته معتزلا في بادية، من أهل الديانة والإظهار للخير.
(2/37)
________________________________________
وفي سنة 131، أمحلت الأندلس، وعم المحل، وتمادى إلى سنة 138 وذلك سنة محل وسنة غيث. وأتصل المحل الشديد سنة أو اثنتين؛ ثم سقى الناس سنة 133، وعادت إلى بعض الصلاح.
وفي سنة 133، ثار أهل جليقية، وترددت الغارات عليها. ثم استحكم الجوع والقحط في سنة أربع وثلاثين وسنة خمس وبعض سنة 136؛ فخرج أكثر الناس إلى طنجة وزويلة وريف البحر في العدوة؛ وكانت إجازتهم من وادي شذونة، وهو المعروف بوادي برباط؛ وبه سميت السنة.

تسمية من ثار على يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس
منهم: عبد الرحمن بن علقمة اللخمي، ثار عليه بأربونة؛ فحاربة، ولم يمكث في حربه إلا يسيرا حتى أمكنه الله منه وثار عليه عروة بباجة؛ فوجه إليه يوسف من هزمه وقتل أصحابه. وثار عليه تميم بن معبد سنة 136. وفي سنة 137، اجتمع تميم بن معبد وعامر بن عمرو بن وهب بسرقسطة؛ فتولى محاربتهما الصميل بن حاتم. وفي سنة 138، خرج يوسف بنفسه إلى تميم بن معبد وعامر ابن عمرو بسرقسطة؛ فحاصرهما؛ ثم ظفر بهما وقتلهما. وفي هذه السنة، انقضت أيام يوسف بن عبد الرحمن الفهري.

جامع أخبار بني أمية بالمشرق
وذلك أن جميع خلفائهم من لدن معاوية إلى آخرهم أربعة عشر رجلا. وكانت مدة دولتهم، منذ خلص الأمر إلى معاوية إلى أن قتل مروان بن محمد، إحدى وتسعين سنة، وتسعة أشهر، وخمسة أيام، منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما. ثم تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم. وهرب
(2/38)
________________________________________
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى الأندلس؛ فبايعه أهلها، وتجددت لهم بها دولة استمرت إلى بعد الأربع والعشرين والأربعمائة. والناس يعتقدون أن دولتهم كانت انقطعت من حين قتل مروان إلى أن جددها عبد الرحمن الداخل سنة 136 أو نحوها؛ وقيل إنها كانت متصلة، لم تنقطع من زمن عثمان - رضي الله عنه - إلى زمن المعتد بالله بقرطبة آخر خلفائهم سنة 424. وهذا القول ينبني على ما قاله بعضهم إن عهد عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية من قبل بني أمية وصل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري المتغلب على الأندلس، الذي دخل عبد الرحمن بن معاوية وهو أميرها. فتأمل هذا؛ فإنه، إن صح، نكتة غريبة وفائدة عجيبة.
قال أبو محمد بن حزم: وانقطعت دولة بني مروان بالمشرق بمروان بن محمد الجعدي. وكانت، على علاتها، دولة عربية، لم يتخذ ملوكها قاعدة لأنفسهم، إنما كان سكنى كل أمير منهم في داره وضيعته اللتان كانتا له قبل الخلافة، ولا أكثروا احتجان الأموال، ولا بناء القصور، ولا طلبوا مخاطبة الناس لهم بالتمويل والعبودية والملك، ولا تقبيل أرض، ولا يد، ولا رجل، إنما كان غرضهم الطاعة الصحيحة والتولية والعزل في أقاصي بلاد الدنيا؛ فكانوا يعزلون العمال، ويولون الأخر في السند والهند، وفي خراسان، وفي أرمينية، وفي العراق، وفي اليمن، وفي المغرب الأدنى والأقصى وبلاد السوس وبلاد الأندلس؛ وبعثوا إليها الجيوش، وولوا عليها من ارتضوا من العمال، وملكوا أكثر الدنيا. فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض، إلى أن تغلب عليهم بنو العباس بالمشرق، وانقطع بها ملكهم. فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى الأتدلس، وملكها هو وبنوه، وقامت بها دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة. فلم يك في دول الإسلام أنبل منها، ولا أكثر نصرا على أهل الشرك، ولا أجمع لخلال الخير؛ وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها.
(2/39)
________________________________________
قال أبو محمد: وانتقل الأمر بالمشرق إلى بني العباس؛ فكانت دولتهم أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر ملكا عضوضا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة - رضهم - بخلاف ما كانوا عليه بنو أمية من استعمال ذلك في جانب عليّ - رضي الله عنه -، وكفاهم ذلك قبحا وباطلا، حاشا عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ويزيد بن الوليد؛ فإنهما لم يستجيزوا ذلك. وافترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين؛ فتغلبت في البلاد طوائف من الخوارج وشيعة ومعتزلة، ومن ولد إدريس وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب - رضهم -؛ ومنهم من بني أمية تغلبوا على الأندلس، وكثير من غيرهم. وفي خلال هذه الأمور من اختلاف الكلمة، تغلب الكفار على نحو نصف الأندلس، وعلي نحو نصف السند؛ فأما ما لم يملكه العباسيون، فهو ما وراء الزاب من بلاد المغرب وتلمسان وأنظارها، كان فيها شيعة، ثم آل ملكها إلى إدريس؛ وأما تامسنا، ففيها أولاد صالح بن طريف على ضلالتهم؛ وأما سجلماسة، فنزلها رئيس الصفرية. هذه هي البلاد المتفق عليها، وأما المختلف فيها، فإفريقية؛ قيل إنه كان فيها عبد الرحمن بن حبيب ثائراً، وفي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهريُّ.

ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية
ابن هشام إلى الأندلس وهروبه من الشام
قال الرازي: وفي سنة 136، ابتدأ عبد الرحمن بن معاوية بمداخلة مواليه من الأمويين بالأندلس. وفي هذه السنة، تفرق ولد معاوية، وولد هشام، وكل من فيه بقية من ولد مروان وأمية. فخرج عبد الرحمن بن معاوية مختفيا
(2/40)
________________________________________
من موضع إلى موضع، وهمه الأندلس، لما كان في نفسه من أمرها ومن الأثر المروي عنه فيها. فوصل إلى مصر؛ ثم سار منها إلى برقة؛ فبقى فيها مستترا مدة. ثم رحل عنها؛ فأوغل في المغرب. قال بدر مولاه: (فأدركته في الطريق، وجهتني إليه أم الأصبغ أخته شقيقته بدنانير وشئ من الجوهر يستعين بها على النفقة والوصول؛ فوصل إلى إفريقية، وصاحبها عبد الرحمن بن حبيب، ومعه يهودي قد خدم مسلمة بن عبد الملك؛ وسمعه يحدث بخبر القرشي الذي يكون من بني أمية يتغلب على الأندلس، اسمه عبد الرحمن، ذو ضفيرتين؛ فنظر إلى عبد الرحمن؛ فوجده بضفرتين؛ فقال لليهودي: (ويحك!) هذا هو المذكور، وأنا قاتله!) فقال له اليهودي: (إن يك ذلك، لم تقتله!) ثم صار ابن حبيب يقتل الواصلين إليه من بني أمية، ويأخذ أموالهم. فهرب عبد الرحمن عن القيروان، ونجا يريد الأندلس، ويشغل نفسه بها لما كان عنده من الروايات في علم الحدثان من قبل مسلمة بن عبد الملك أخي جده وغيره. فسار حتى أتى تادلا من قبائل المغرب؛ فناله عندهم تضييق وأخبار يطول ذكرها. ثم هرب من عندهم حتى أتى نفزة، وهم أخواله؛ فإن أمه كانت من سبيهم. قال بدر: (فجزت إلى الأندلس، واجتمعت بعبيد اله بن عثمان بساحل البيرة، في آخر سنة 136؛ ثم انصرفت في سنة سبع بعدها، وأقمت عنده مدة؛ ثم كررت منصرفا إلى الأندلس في موالي عبد الرحمن.
حدَّث عبد الرحمن، قال: (دخلت الأندلس، وأنا أضبط جلية مسلمة ابن عبد الملك؛ فإنه أتى جدي هشاما يوما؛ فوجدني عنده صبيا؛ فأمر جدي بتنحيتي عنه؛ فقال له مسلمة: (دعه يا أمير المؤمنين! فإنه صاحب بني أمية ومحيي دولتهم بعد زوالها!) فلم أزل أعرف لي مزية من جدي بعد.)
قال الرازي: وفي سنة 137، ثار الحبحاب بن رواحة بجهة سرقسطة؛
(2/41)
________________________________________
وتظافر معه على ذلك عامر بن عمرو العبدري من بني عبد الدار بن قصي؛ وكان قد هرب من قرطبة خوفا من يسوف؛ وكان عامر هذا أحد رجال مضر، (وقد فشا) بالأندلس نجدة وشرفا وعلما وأدبا؛ وكان يلي المغازي بالصوائف من قبل يوسف الفهري؛ وكان سلطان الفهري يومئذ قد ضعف لأجل المحل المتوالي بالأندلس. وكان الصميل قد لزم الثغر في تلك الأعوام، لأنه كان أشبه من غيره في الخصب؛ فلما خاف عامر هذا على نفسه من الفهري والصميل، خرج فارا بنفسه، وقصد الحبحاب بن رواحة، واستجاشا. فأجابهما رجال من اليمانية وناس من البربر؛ فحصرا الصميل بسرقسطة حصارا شديدا، حتى يئس من الحياة، وهم بالإلقاء بيده؛ وكتب إلى يوسف يسأله الإمداد؛ فلم يجد في الناس منهضا. فلما أبطأ عليه مدد يوسف، واشتد الحصار، كتب إلى قومه من جند قنسرين ودمشق، يعظم عليهم الخطب، ويناشدهم الرحم؛ فقام له بذلك عبيد بن عليّ الكلائي؛ وأكثر كلاب وهوازن وغطفان والأزد تقدم رجلا وتؤخر أخرى، ولم يكن لهم رأس يجمعهم. فلما نهض عبيد بن عليّ ومضى داعيا في الجندين إلى نصر الصميل، تحركت جماعة كلاب ومحارب، إلا كعب بن عامر وعقيل وقشير والحريش؛ فإنهم كانوا منافسين لبني كلاب، لأن الرياسة يومئذ بالأندلس كانت فيهم؛ وكان بلج قشيريا؛ فضمهم الصميل.
ولم يجتمع من هذه القبائل إلا نحو أربعمائة فارس؛ فاستقلوا أنفسهم؛ ثم صمموا، وخف معهم يومئذ قوم من بني أمية في نحو ثلاثين فارسا؛ وخرج معهم أبو عثمان عبيد الله بن عثمان مولاهم، وخرج أيضا معهم عبد الله بن خالد بن أبان بن أسلم، مولى عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ وكان عبد الله وعبيد الله يتواليان حمل لواء بني أمية بالأندلس بعد، ويتعاقبان في ذلك. وكان لهما ولبني أمية في هذا المجتمع يومئذ بلاء معروف مشهور، وإنما أراد أن يقدما بذلك يدا عند الصميل، لما كانا بنيا عليه من اطلاعه على أمر
(2/42)
________________________________________
عبد الرحمن بن معاوية؛ وكانا واثقين بالصميل، وأنه، إن لم يجبهما، كتم عليهما؛ وكذلك فعل؛ فإنه كتم عليهما كتمانا عجيبا. فكان هذا هو الذي دعاهم إلى إمداد الصميل واستنفاذه لاعتداد اليد عليه؛ ورأسوا على أنفسهم ابن شهاب استئلافا له؛ ومشى الجميع. فلما بلغوا وادي طليطلة، بلغهم أن الحصار اشتد وأضر بالصميل، وأنه على الهلكة؛ فقدموا رسولا من قبلهم، وقالوا له: (ادخل في جملة المحاربين للسور. فإذا قربت منه، ارم بهذه الأحجار!) وفي كل واحد منها بيتان، وهما (وافر) :
ألاَ أبشِرْ بالسَّلامةِ يا جِدَارُ ... أتَاكَ الغَوْثُ وانْقَطَعَ الحِصارُ
أتَتْكَ بَنَاتُ أعْوَجَ مُلْجَمَات ... عليها الأكْرَمُونَ وَهُمْ نِزارُ
ففعل الرسول ذلك. فلما وقعت الحجارة، أتى بها الصميل أو ببعضها؛ فقرئت عليه؛ وكان أميا. فلما سمع ما فيها، قال: (ابشروا يا قوم! فقد جاءكم الغوث، ورب الكعبة!) ومضى القوم يستحيشون كل من استجاب لهم، ومعهم الأمويون، وفي جملتهم بدر رسول ابن معاوية. وكان عبد الرحمن قد بعث إليهم خاتمة ليكتبوا به عنه إلى كل من رجوا نصره؛ فكتبوا عنه للصميل، يذكرون له أيادي بني أمية عنده، وبعده، ويمنيه. فلما سمع العبدري والعذري بالمدد الواصل إليه، ارتفعوا عنه، وانكشف وجه الصميل؛ فخرج، وتلقى القوم، ووصلهم على أقدارهم، وكساهم، وقفل معهم بماله وحشمه. فلما زال الصميل عن سرقسطة، دخلها الحبحاب وملكها.
ثم أطلع الأمويون الصميل على قصة ابن معاوية، وعرضوا عليه بدرا رسوله؛ فأحسن إليه وقال لهم: (أروى في أمره.) وأقبل قافلا حتى دخل قرطبة. وانصرف الأمويون إلى منازلهم، وبدر معهم. وقد كان الصميل اتفق مع الأمويون على نصرة ابن معاوية، وأن يزوجه من ابنته. ثم رجع في قوله، وقال:
(2/43)
________________________________________
(تأملت الأمر؛ فوجدته صعب المرام؛ فبارك الله لكما في رأيكما ومولاكما! فإن أحب غير السلطان، فله عندي أن يواسيه يوسف، ويزوجه ويحبوه! انطلقا راشدين!) فانقطع رجاؤهم يومئذ من ربيعة ومضر، ورجعوا إلى اليمن. قال بدر: فلم نمر بيمني إلا دعوناه؛ فوجدنا قوما قد وغرت صدورهم، يتمنون سبيلا لطلب ثأرهم؛ ثم رجعنا إلى جندنا؛ فابتعنا مركبا، ووجهنا فيه أحد عشر رجلا مع بدر. قال: ومضى يوسف حتى أتى طليطلة، وأمضى بعثين إلى جليقية والبشكنش، وأراد القفول إلى قرطبة؛ فلم يبعد حتى أدركه الرسول بهزيمة الجيش وقتل عامته. فبينما هو ينظر في ذلك، إذ أتاه رجل من عند ولده من قرطبة، يعلمه أن فتى من قريش، من ولد هشام بن عبد الملك، نزل بساحل المنكب؛ فاجتمع إليه موالي القوم والأموية؛ فانتشر الخبر في العسكر، وشمت به الناس لما فعل بالقرشيين؛ فانقض الناس من العسكر، وتنادوا بمشاعرهم، وتقدموا إلى كورهم. فأصبح يوسف، وليس في عسكره غير قيس والصميل؛ فقال الصميل: (ما الرأي؟) قال: (بادره الساعة، قيل أن يستعجل أمره!) فساروا إلى قرطبة؛ فكلما رجوا أن يجتمع لهم بمن يخرجون لاستئصال شوكة ابن معاوية، لم يتجه لهم عمل.
وفي سنة 138، دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس في غرة ربيع الأول؛ وهو أبو الملوك. وكان خروجه من المركب بموضع يعرف بالمنكب؛ ثم نزل بقرية طرش من كورة إلبيرة. فأقبل إليه جماعة من الأمويين، وقد أعد للأمير ما يصلحه من المركب والمنزل والملبس. فغلظ أمر ابن معاوية، وأقبل الناس من كل مكان إليه. فكتب يوسف الفهري إلى جماعة الأمويين، يحذرهم ويخوفهم؛ فقالوا له: (إنما أقبل ابن معاوية إلينا وإلى جماعة مواليه، يريد المال، ليس فيما يظن الأمير - أصلحه الله! - ولا فيما رفع إليه.) واعتذروا له
(2/44)
________________________________________
بما أمكنهم. وأقبل وجوه الناس إلى ابن معاوية، وقالوا له: (خفنا مكر الصميل، ولم نأمن غائلته؛ فعرفنا الفهري بكذا وكذا.) وكان ابن معاوية ببيت في الجبال.
ومضى يوسف بن بخت إلى جند الأردن؛ فأخذ بيعة جميعهم؛ ومضى عبد الله بن خالد إلى جند حمص؛ ومضى تمام بن علقمة إلى أهل فلسطين؛ وأقبل الناس من كل مكان. فلما ضاقت الأحوال بالفهري، ولم يأته من الأجناد إلا اليسير، أدار له الصميل الرأي، وأمره بالمكر بابن معاوية والمخادعة له، ورجا ذلك منه لحداثة سنه، وقال له: (هو قريب عهد بزوال النعمة؛ فهو يغتنم ما تدعوه إليه؛ ثم أتت بعد ذلك متحكم فيه وفي الذين سعوا له بما تحب!) فأجمع رأيه على تأنيسه بأن يزوجه ابنته ويسكنه في أي الجندين شاء، من دمشق أو الأردن، أو يسكن بينهما، ويصير إليه أمر الكورتين. وبعث إليه بكسوتين ومطيتين وخمسمائة دينار، ووجه إليه كاتبه خالد بن يزيد، وقال له: (اعرف أمره وأي جند عنده، وتأمل أخباره وأخبار من معه!) فخرج في الليل مع أصحابه، وأصبحوا على ابن معاوية بالمال والكسوة والمطيتين. ووجه أيضا إلى بدر فرسا ومائة دينار وكسوة. فقبل ابن معاوية الهدية، وكره التزويج؛ فتكلم خالد بكلام غليظ لابن معاوية إذ أبى التزويج؛ فأمر به؛ فضم إلى وثاق، ورد غيره إلى يوسف؛ ولم يرد عليه جوابا.
وكان يوسف قد كتب إلى ابن معاوية كتابا. وهذه بعض فصول منه: (أما بعد، فقد انتهى إلينا نزولك بساحل المنكب، وتأبش من تأبش إليك ونزع نحوك من السراق وأهل الختر والغدر ونقض الأيمان المؤكدة، التي كذبوا الله فيها وكذبونا! وبه - جل وعلا! - نستعين عليهم! ولقد كانوا معنا في ذرى كنف ورفاهية غبش، حتى عصموا ذلك، واستبدلوا بالأمن خوفا، وجنحوا إلى النقض! والله من ورائهم محيط! فإن كنت تريد المال وسعة الجناب،
(2/45)
________________________________________
فأنا أولى لك ممن لجأت إليه! أكنفك، وأصل رحمك، وأنزلك معي إن أردت وبحيث تريد! ثم لك عهد الله وذمته في ألا أغدر بك، ولا أمكن منك ابن عمي صاحب إفريقية ولا غيره!) في كلام كثير.
قال ابن عيسى: فحدثني تمام بن علقمة أن عبد الرحمن، لما أتاه كتاب الفهري بما فيه وبتزويجه ابنته، أشار عليه كل من أتاه من العرب والأمويين ألا يقبل ذلك منه، إلا أن يعتزل له عن الملك ويبايعه، وإلا حاكمه إلى الله؛ وقالوا له: (إنما يمكر بك، ولا يفي لك بشئ، لأن وزيره ومالك أمره الصميل، وهو غير مأمون!) قال: فلما انكشف أمرنا عنده بما أظهرنا من الإباية ويحبس كاتبه خالد ابن يزيد، رأينا أن تشهر أمرنا. فخرجنا إلى جدار بن عمرو وإلى جند الأردن، واجتمعنا إليه، فأتيناه في ثلاثمائة فارس من جماعة الأمويين، وممن أقبل إليه من وجوه العرب. ثم كاتبنا أهل قنسرين وفلسطين. فلما أقبلت إلينا رسلهم بما أردنا، نهضنا إليهم؛ وكنا قد وطنا على الموت، وعزمنا على أن نقتل دونه، وعقدنا له لواء. وأقمنا معه ستة أشهر، نبرم له أموره، ونكاتب له الناس. وكنا خرجنا إليه في زي حسن عند خروجنا إليه بساحل البحر؛ ثم انتقل من البيرة إلى كورة رية، إلى شذونة، إلى مورور، إلى كورة إشبيلية، والناس يتلقونه بالبشر والترحيب، ويعطونه من الانقياد والطاعة أوفى نصيب. قال تمام: فدخلنا رية في ستمائة فارس، وخرجنا منها في ألفي فارس؛ وخرجنا من إشبيلية إلى قرطبة في ثلاثة آلاف فارس. فلما اجتمعت لنا الجموع، وبلغنا ما يريد الفهري من الخروج إلينا، كتب الأمير عبد الرحمن الكتائب، وعبا الأجناد، وخرج إليه؛ ودعا برجل من الأنصار؛ فعقد لواءه؛ وارتحل في جنوده، حتى احتل بقرية على نهر قرطبة يوم الاثنين لست خلون من ذي الحجة.
وخرج الفهري إلى المصارة. وأقاما ثلاثة أيام متناطرين، والنهر حاجز بينهما بحمله؛ ثم أصبح النهر يوم الخميس، وقد حسر ماؤه. فعبأ الأمير عبد
(2/46)
________________________________________
الرحمن كتائبه، وتهيأ للحرب؛ فقدم على قبائل العرب أحدا من قواده، وعلى البربر كذلك، وهو إبراهيم بن شجرة. وترجل حماة بني أمية؛ فحفوا بالأمير، والأمير على فرسه متنكبا قوسه؛ فجاوز النهر، واقترب من المصارة؛ فتجاوز العسكران، وتقارب المضطربان. وأقاما بقية يومهما في سكون وهدؤّ، والرسل تختلف من قبل يوسف، يرجو عقد الصلح. فلما أصبح يوم الجمعة، التقى الجمعان، واستحرت الحرب والقتال. فمشى العلاء بن جابر العقيلي إلى الصميل؛ فقال له: (يا أبا جوشن اتق الله! فوالله! ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج! وإن عاره لباق علينا إلى اليوم؛ فإن الأمور يهتدي لها بالأقران والأمثال: أموي وفهري وقيس واليمن! وهذا يوم عيد، ويوم جمعة؛ ويم المرج أيضا يوم جمعة! والأمر، والله! علينا، لا شك في ذلك! فاتق الله، واغتنم لنا الأمر لنكون فيه أعزاء لا أتباعا!) وكان العلاء هذا من وجوه قيس. ثم انهزم الفهري وأصحابه، واستقبل القصر؛ فاعترض له عبد الأعلى بن عوسجة، وحال بينه وبين دخوله، ورده عنه؛ فولى منهزما إلى سفح جبل قرطبة. واستولى الأمير عبد الرحمن يومه ذلك على الملك، وتمت له بيعة العامة بقرطبة. وتمادى يوسف الفهري في الفرار إلى البيرة.

خلافة عبد الرحمن بن معاوية
ابن هشام بن عبد الملك
نسبه: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية. كنيته: أبو المطرف. أمه: بربرية من سبى المغرب، تسمى راحا أو رداحا. وفي عبد شمس بن عبد مناف يلتقي نسبه بنسب رسول الله - صلعم -. مولده: بموضع يعرف بدير حسينة من دمشق سنة 113؛ مات أبوه وتركه صغير السن. وتوفي يوم الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر؛ وقيل: لعشر خلون من جمادى الأولى سنة 172؛ ودفن بقصر
(2/47)
________________________________________
قرطبة؛ وقد بلغ تسعا وخمسين سنة؛ وقيل: ستين سنة. فكانت مدة خلافته ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر ونصفا؛ ودخل الأندلس وهو ابن خمس وعشرين سنة أو نحوها. بويع له بقرطبة يوم الأضحى من سنة 138.
وزراؤه أربعة: عبد الله بن عثمان، وعيد الله بن خالد، ويوسف بن بخت، وحسان بن مالك. حجابه خمسة: تمام بن علقمة، ويوسف بن بخت، وعبد الكريم بن مهران، وعبد الحميد بن مغيث، ومنصور فتاه. قضاته خمسة: يحيى بن يزيد النجيبي، ومعاوية بن صالح، وعبد الرحمن بن طريف، وعمر بن شراحيل، والمصعب بن عمران. وكان له قاض خامس في صوائفه يسمى جدار ابن مسلمة بن عمرو المذحجي. نقش خاتمه: عبد الرحمن بقضاء الله راضي. صفته: طويل القد، أصهب، أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان. وكان يسمى، صقر بني أمية. ولده الذكور أحد عشر، والإناث تسع.
وفي سنة 139، خرج الأمير عبد الرحمن طالبا للفهري والصميل. فلما اتصل بالفهري قصده إليه، لاذ عنه، وزال عن إغرناطة، فاقتفى الأمير عبد الرحمن أثره، حتى إذا أوفى عليه، عاد إلى إغرناطة متحصنا بها؛ ونزل الأمير عبد الرحمن عليه وحاصره. فلما تمادى به الحصار، سأل الفهري الأمان، وأن يعطي ابنته رهنا؛ فأعطاه الأمير الأمان، وقبل منه ذلك، وكذلك الصميل. وانصرفا في جملته إلى قرطبة، على أن يسكن الفهري منزله بالمدينة، والصميل داره بالريض. واستوسق الأمر للأمير عبد الرحمن، وأمر بلعن المسودة وقطع الدعاء لأبي جعفر المنصور. ودخل يوسف الفهري في عسكر الأمير كأحد رجاله؛ فأنزله على ماله، وأطلق له عياله.
وفي هذه السنة ولد هشام بن عبد الرحمن الملقب بالرضي؛ وذلك لأربع خلون من شوال.
(2/48)
________________________________________
وفي سنة 140، تودع الأمير عبد الرحمن بقرطبة؛ فلم تكن له فيها حركة. ودخل رجال من المشرق ومن بني أمية في هذه السنة؛ فأنزلهم الأمير، وأكرمهم، وأحسن جوائزهم.
وفي سنة 141، هرب الفهري من قرطبة، ناكثا، ناقضا للأيمان بعد توكيدها؛ فاجتمع إليه الناس، وبلغ جمعه عشرين ألفا من البربر وغيرهم. فلما رأى كثرة ما اجتمع له، تحرك من ماردة، يريد الأمير عبد الرحمن. فلما بلغ الأمير خبره، برز من القصر، وتقدم إلى المدور. وكان عبد الملك بن عمر المرواني عاملا بإشبيلية، وابنه بكورة مورور؛ فحشدا من كان قبلهما من أهل الكورتين، وتوافى الحشدان؛ فبرز به. واتصل بالفهري خروج الأمير إلى المدور وتوافى الحشود على عبد الملك؛ فتوقع الفهري التشبك بين العسكرين؛ فصرف راياته إلى عبد الملك؛ فالتقيا، ووقعت بينهما حرب شديدة؛ فانهزم يوسف، وتفرق أصحابه عنه، وأتبعوا بالقتل. واتصل الفتح بعبد الرحمن، وهو بالمدور منتظرا لتوافي الحشود؛ فأغناه عاجل الفتح؛ وفر الفهري بنفسه مختفيا.
وفي سنة 142، كان هلاك يوسف الفهري ومقتله بناحية طليطلة؛ وكان قد نهض إليها، وتردد بناحيتها شهورا؛ فاغتاله بعض أصحابه، وقتله، واحتز رأسه، وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن؛ فشكر الله على موته، وأمر بنصب رأسه على جسر قرطبة، وأمر بقتل ابنه المرتهن، ونصب رأسه مع رأس أبيه. وتوفي الصميل في الحبس؛ وقيل إنه خنق؛ وقيل إن الذي قتل الفهري عبد الله ابن عمرو الأنصاري، لقيه على أميال من طليطلة، بقرية من قراها. فلما عرفه، قال لمن معه: (هذا الفهري! وفي قتله الراحة له ومنه!) فتقدم إليه؛ فقتله، واحتز رأسه، وتقدم به إلى الأمير. فلما قرب من قرطبة، وأعلم الأمير بخبره، أمر أن يتوقف به دون القنطرة، وأمر بقتل ابنه المرتهن، وأخرج رأسه إلى رأس أبيه؛ ووضعا في قناتين، وتقدم بهما إلى باب القصر.
(2/49)
________________________________________
واختلف في أمر يؤسف الفهري؛ فقال بعضهم إنه لم ينكث بغيا، وإنما خوفا؛ فخرج هاربا؛ فأخرج الأمير الخيل في طلبه؛ فأدركته بفحص البلوط؛ ثم أفلت؛ وحشد ولده البربر بالشرق كله، وأقبل في جمع عظيم يريد قرطبة؛ فخرج إليه الأمير؛ فالتقوا بمخاضة الفتح؛ فكان القتال بينهم حتى كاد الأمير عبد الرحمن أن ينهزم؛ وقيل إنه أنهزم نحو الميل؛ فثبت ابنه سليمان في آخر الناس؛ ثم تراجع الأمير حتى انهزم يوسف، ومضى في طلبه إلى قلعة رباح.
وقال بعضهم: إن يوسف، لما هرب إلى طليطلة، قبض الأمير عبد الرحمن على أبي الأسود ابنه؛ فسجنه. وقام على يوسف موال له؛ فقتلوه، وأتوا به إلى الأمير عبد الرحمن؛ فقال لهم: (عرفتم من هو؟) قالوا: (نعم! هو يوسف الفهري!) قال: (أنتم لم تحفظوا مولاكم؛ فكيف تحفظونني وتنتظمون في طاعتي؟) فأمر بصرب أعناقهم؛ وأمر بأبي الأسود إلى السجن؛ وكان السجن يومئذ يخرج الناس منه إلى النهر لما يكون من الحاجة مع الموكلين بهم؛ فادعى ولد الفهري العمى، وفشا له ذلك؛ فكان يقول: (من يقود الأعمى؟ يرحمه الله!) وكان يختلف إليه مولى اسمه مفرج يقضي حوائجه ويلقاه على النهر تحت القنطرة. فلما اطمئن إليه، ولم يستنكر خروجه، وشاع عليه العمى، قال لمفرج مولاه: (ابتع لي فرسا أنج عليه!) ففعل وأعده له؛ فهرب عليه، ولحق بطليطلة. فغزاه الأمير عبد الرحمن ولقيه مرارا، فكان آخر هزيمته إياه بقسطلونه؛ ومضى إلى ركانة، ولم يزل بها حتى مات. فقام القاسم بن يوسف، أخو أبي الأسود؛ فأعقب على زوجته، وتولى ما كان أبو الأسود يتولاه؛ فخرج إليه الأمير؛ فأجابه على أن يرد إليه أمواله، ويستوثق منه بالعهود؛ ففعل الأمير ذلك، وانصرف معه إلى قرطبة.
وثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليماني بإشبيلية، وتغلب على ما جاور قرطبة؛ فخرج إليه الأمير؛ فخالفه عبد الغافر ونهض يريد قرطبة، رجاء أن يجدها خالية، والإمام عبد الرحمن في الثغر يسدُّ خلله، ويحسم علله؛ فقدم
(2/50)
________________________________________
مسرعا حين وافاه الخبر، ولم يلو على ما تعذر، ومحلة عبد الغافر على وادي قيس قد ملأت السهل والوعر. فداخل الإمام عبد الرحمن البربر؛ وكانوا العدد الوافر الأكبر؛ فنزع الأكثر منهم إليه، وصاروا في حزبه ولدبه. ووقعت الهزيمة على عبد الغافر، وأخذ من معه في الفرار والنفار؛ فلم يرفع الإمام عنهم سيفا، وقتل منهم ثلاثين ألفا. وكانت هزيمة هي مدّ الدهر مذكورة، والحفرة التي جمعت رؤوسهم بذلك المكان مشهورة. ومن (كتاب بهجة النفس) قال: لما كان في النيل، تسرع عبد القادر إلى ناحية لقنت؛ وأسرع الأمير القتل في جملته. ولم يذكر عددا.
وثار على الأمير عبد الرحمن حبوة من ملامس، وتغلب على إشبيلية وإسنجة وأكثر الغرب، وحشد جموعا؛ فخرج إليه الأمير، وقاتله أياما، حتى همّ الأمير بالهزيمة. ثم إن حبوة انهزم ومضى إلى ناحية فريش، وكتب راغبا في العفو.
وفي سنة 146، ثار العلاءبن مغيث الجذامي بباجة، ودعا إلى طاعة أبي جعفر المنصور ونشر الأعلام السود؛ فاتبعه الأجناد، وتطلعه العباد، إلى أن كادت دولة الأمير أن تنصرم، وخلافته أن تنخرم. فخرج إليه من قرطبة، وصار بقرمونة؛ فتحصن بها مع مواليه وثقات رجاله؛ فنازله العلاء بن مغيث منازلة شديدة، وحاصره بها أياما عديدة؛ فلما طال الحصار هنالك، وتخلخل عسكر العلاء لذلك، وعلم عبد الرحمن ما هم عليه من الانزعاج، وأنهم قد هموا بالإلجام والإسراج، أمر بنار، فأوقدت، ثم أمر بأغمدة سيوف أصحابه، فأحرقت؛ وقال لهم: (اخرجوا معي لهذه الجموع، خروج من لا يحدث نفسه بالرجوع!) وكانوا نحو سبعمائة مفحصين إلى أعاديهم. فدارت الحرب بينهم طويلا، إلى أن صنع الله جميلا؛ وزلزل قوم العلاء وأصحابه، فولوا منهزمين، وصار أمرهم
(2/51)
________________________________________
آية للعالمين؛ وقتل العلاء فيمن قتل من أولئك الأقوام، وطيف برأسه في ذلك المقام.
وقيل إن أبا جعفر المنصور كان أرسل إلى العلاء بن مغيث بولاية الأندلس. فنشر الأعلام السود، وقام بالدعوة العباسية بالأندلس؛ فانحشر إليه الناس. ولما ظفر به الإمام على ما تقدم، أخذ رأسه، وفرغ وحشي ملحا وصبرا، وجعل معه لواء أبي جعفر المنصور، وأدخل في سفط؛ وبعثه مع رجال، وأمرهم أن يضعوا السفط بمكة؛ فوافقوا المنصور بها حاجا في تلك السنة؛ فجعل السفط عند باب سرادقه. فلما نظر إلى ما فيه، قال: (إنا لله! عرضنا بهذا المسكين للقتل! الحمد لله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان!) يعني عبد الرحمن. هذا مساق السالمي في (درر القلائد) .
ومن (بهجة النفس) قال: وكانت ثورة العلاء بموضع يقال له لقنت من عمل باجة. فأظهر سجل المنصور ولواءه، وجمع إلى نفسه من أجابه، ونهض إلى باجة؛ فأخذها، وتغلب منها على جميع الغرب، وخرج يريد الأمير عبد الرحمن؛ فسار حتى انتهى إلى المدور. وكان الأمير يومئذ قد خرج غازيا إلى شرق الأندلس؛ فرجع إذ بلغه أمر العلاء؛ فلما دنا من قرطبة، أمر من كان معه من أهل إشبيلية أن يفروا في المدور، إذ كان قد اتهمهم لميل أهل إشبيلية إلى العلاء؛ ثم نهض، وكتب سرا إلى بدر مولاه يأمره بقتلهم، كان الظفر له أو عليه. ومضى العلاء؛ فالتقى معه. فكانت بينهما حروب وزحوف. ثم قتل العلاء بمقربة من قرمونة، وقضت جموعه. وقتل من أصحابه نحو ستة آلاف. وأمر الأمير بحز رأس العلاء ورؤوس أشراف أصحابه؛ وقرطت فيها صكوك بأسمائهم، وجعلت في أوعية؛ وندب الأمير بها قوما توجهوا بها إلى القيروان؛ فطرحوها في الليل في الأسواق. فتسمع الناس أمرها، وأتصل الأمر بأبي جعفر؛ فانكسرت حدته. وقيل إن الذي هزم العلاء بدر مولى عبد الرحمن بن معاوية، والله أعلم.
(2/52)
________________________________________
وفي سنة 147، وجه الأمير عبد الرحمن بدرا مولاه وتمام بن علقمة في جيش كثيف إلى طليطلة، وبها هشام بن عروة ثائر؛ فحاصراه حتى سئم أهل طليطلة الحصار؛ فكاتبوا بدرا وتماما، وسألوهما الأمان على أن يسلموا لهما ابن عروة وهشام بن حمزة بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وحيوة ابن الوليد؛ وكانوا يدا واحدة. فأسلموهم إليهما، وخرج بهم تمام إلى قرطبة؛ فلقيه عاصم بن مسلم؛ فقبض منه الأسرى، وعهد إليه عن الأمير أن يكر إلى طليطلة واليا عليها، ويقبل بدر إلى قرطبة. وأقبل عاصم بالأسرى؛ فلما احتل بقرية حلزة، خرج إليه ابن الطفيل، ومعه حجام وحباب صوف وسلال؛ فحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم جباب الصوف، وأدخلهم في السلال، وحملهم على الحمر؛ فأتى على تلك الحال إلى خشب قد أعدت لهم، فصلبوا فيها. وكتب إلى البلدان بفتح طليطلة.
وفي سنة 149، ثار سعيد البحصي المعروف بالمطري بكورة ليلة؛ واجتمعت اليمانية إليه، ولاذوا بحقوبه. ثم سار إلى إشبيلية، وتغلب عليها قسرا، ولم يجد أهلها في مدافعته نصرا. فكثر عدده، وتأزر عضده؛ وعاد عسكره مهولا، قد أخذ وعورا وسهولا. فسار إليه الأمير عبد الرحمن في جيوش عظيمة المدد، مجهولة العدد، حتى نزل عليه بقلعة زعواق؛ وكان المطري قد تحصن بها، ولاذ بجانبها؛ فحصره فيها حصرا، وأرهقه من أمره عسرا، حتى خرج متعرضا للحرب في جماعة من فرسانه الأكابر، ومن اختصه من أولئك البرابر؛ فلم تنشب الحرب بينهم إلا قليلا، وقتل المطري ومن معه تقتيلا. وجئ برأسه إلى الأمير عبد الرحمن؛ فأمر للحين برفعه في طرف سنان.
وفيها، قتل الأمير عبد الرحمن أبا الصباح بن يحيى البحصبي. وكان قد ولاه إشبيلية، ثم عزله عنها؛ فجمع إليه أهل الخلاف وصار عليه؛ فوجه إليه الأمير مولاه تماما ملاطفا له؛ فقدم معه قرطبة في أربعمائة رجل على غير عهد؛
(2/53)
________________________________________
فأوصله تمام إليه؛ فعاتبه؛ فأغلظ له أبو الصباح في الجواب؛ فأمر بقتله؛ ثم أمر بإخراج رأسه والهتف عليه.
وفي سنة 150، هاجت فتنة البربر بشنت برية.
وفيها، غزا بدر إلى الثغر، وتقدم إلى ألبة؛ فحاربها؛ فأذعنت له، وأدت إليه الجزية. وأمر بامتحان الرجال بتلك الناحية، واختبار بصائرهم؛ فاستقدم منهم من اطلع له على سوء سريرة وشبهة في الثغر.
وفي سنة 152، ثار رجل من البربر، ادعى أنه من ولد الحسن بن علي - رضي الله عنه -؛ وكان أصله من مكناسة العدوة؛ وكانت أمه تسمى فاطمة؛ فادعى أنه فاطمي؛ وتجمع له الغوغاء. فخرج إليه الأمير من قرطبة، وخلف بها ابنه هشاما؛ فتقحم الجبال أمامه بمن كان معه، وانصرف الأمير إلى قرطبة. فأقبل الفاطمي، وقتل عامل شنت برية؛ وغلظ أمره. فكان الأمير يرسل إلى قتاله بعض الفيالق؛ فيتعلق بالجبال الشواهق.
وفي سنة 152، خرج الأمير عبد الرحمن لغزو الداعي الفاطمي؛ فهرب وركب الوعر؛ فانصرف الأمير. فرجع الفاطمي؛ فغراه بدر بالصائفة؛ فوجده بجهة شبطران؛ فأتبعه رجاء أن يدركه. فدخل المفاوز، وانقطع أثره. ومضى هذا الفاطمي إلى مدلين؛ وكان عامله أبو زعبل الصدفوري. فتمادت فتنته من سنة 150 إلى سنة 160، إلى أن اغتاله بعض أصحابه؛ فقتله، وعفره هناك وجدله.
وفي سنة 154، تهدن الإمام عبد الرحمن بقرطبة، ولم تكن له بها حركة.
وفي سنة 155، خرج الإمام عبد الرحمن من قرطبة؛ فحل بشنت برية. وقدم عليه هلال من أبناء المديوني؛ فكتب له عهدا على قومه، وأقره على موضعه؛
(2/54)
________________________________________
وكان رأس البربر في شرق الأندلس. وقلده أمر الفاطمي المتقدم الذكر؛ فكان في ذلك الراحة منه، وتفرقت بفعله ذلك كلمة البربر، وانحلت عقدة الفاطمي، وانصرف من شنت برية إلى الجوف.
وفي سنة 156، ثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليحصبي، وخلع طاعته. وكان الأمير بناحية الشرق؛ فكتب إليه بدر من قرطبة؛ فطوى المراحل إليه؛ ثم تقدم إلى إشبيلية؛ فوضع السيف فيه وفي أصحابه؛ فقتلوا قتلا ذريعا. وأفلت عبد الغافر؛ فركب البحر، ونجا إلى المشرق.
وفي سنة 157، خرج الأمير عبد الرحمن إلى ناحية الغرب، واحتل بإشبيلية، وقتل بها خلقا كثيرا ممن كان بسيل عبد القادر، وقطع آثارهم، ووطد الطاعة. ثم انصرف معجلا، لأنه إنما قصد امتحان أهل إشبيلية وتمحيصهم. وقيل: كان ذلك سنة 158.
وفي سنة 159، غزا الإمام عبد الرحمن قورية، وقصد في طريقه ذلك البربر الذين غدروا بأبي زعبل ومكنوه من الفاطمي، فقتله؛ فدوخ بلد البربر، وقتل منهم خلقا كثيرا وأذلهم. وأخذ أبا مزكانة المصمودي، وهو عباس ابن قلعوش.
وفي سنة 160، أخرجت الصائفة إلى الفاطمي؛ وكان في أحواز شنت برية؛ فعورض بالخيل، وقطعت عاديته.
وفي سنة 161، وقيل سنة 162، دخل إلى الأندلس عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي؛ فنزل كورة تدمير؛ فاستقر بها، ولم تبد منه في تلك السنة عادية؛ وإنما لقب بالصقلبي لأنه كان طويلا، أشقر، أزرق، أمعر.
(2/55)
________________________________________
وفيها، حمل نهر قرطبة حملا عظيما، حتى سد حنايا القنطرة وهدم بعضها وزلزلها؛ وبقى كذلك يومين.
وفي سنة 163، ثار عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المتقدم الذكر في السنة قبل هذه، في ناحية تدمير؛ فغزاه الأمير عبد الرحمن؛ فهرب ابن حبيب وتعلق بالوعر؛ فجال العسكر في كورة تدمير، وتقدم إلى كورة بلنسية، بعد أن أحرق المراكب بساحل البحر. ثم إن مشكارا البربري فتك بابن حبيب الصقلبي وقتله.
وفيها، ثار ابن شجرة بمورور؛ فخرج إليه بدر يوم الأضحى؛ فألقاه على غرة فقتله، وكتب إلى الإمام بالفتح. وقيل: بل كان ذلك في سنة 162.
وفي سنة 164، غزا الإمام عبد الرحمن الرماحس بن عبد العزيز؛ وكان على شرط مروان بن محمد؛ فلحق بالأندلس؛ فولاه الإمام الجزيرة؛ فخلع طاعته؛ فخرج إليه واحتل بالجزيرة؛ فوجد الرماحس في الحمام؛ فلم يشعر إلا وخيل الإمام تجوس الديار؛ فأعجل الرماحس عن لبس ثيابه، وخرج في ملحفة مصبغة؛ فدخل في قارب، ونجا إلى العدوة. ووجد الأمير عبد الرحمن في سجنه جماعة من الأمويين؛ فأطلقهم.
وفي سنة 165، ثار على الأمير عبد الرحمن الحسين بن يحيى بن سعد بن عيادة الأنصاري بسرقسطة؛ فسار إليه بالجماهير؛ والعسكر الشهير؛ فحاصره بسرقسطة حصارا، وقدم لقتاله أحزابا وأنصارا، إلى أن خرج طائعا إليه، متراميا عليه؛ فقبل إنابته، ولم يحرم إجابته. فلما عفا عنه، وأغضى عما كان منه، أبقاه بسرقسطة واليا. وقفل الأمير إلى قرطبة سامي اللواء، قاهر الأعداء. ثم إن الحسين خفر الذمة، وكفر النعمة، وأعلن بالنفاق إعلانا، وأرسل في
(2/56)
________________________________________
الشقاق عنانا؛ فسار إليه الإمام أيضا، ونازله نزالا، وأذاق سرقسطة نكالا، إلى أن فتحها بنقب سورها فتحا شنيعا، وقتل الحسين وأصحابه قتلا ذريعا. وولى عليهم عليّ بن حمزة، وقفل إلى قرطبة طاهر العزة.
ومن (كتاب بهجة النفس) قال: وفي سنة 167، غزا الإمام سرقسطة إلى حسين بن يحيى؛ فحاصره حتى أخذ المدينة عنوة، وقتل حسينا بالدمغة وجماعة معه؛ وأخرج أهل المدينة عنها إلى قرية على ثلاثة أميال ليمين لزمته فيهم؛ ثم صرفهم إليها بعد أيام، وقفل إلى قرطبة.
وفي سنة 168، أراد المغيرة بن الوليد بن معاوية القيام على الإمام؛ وكان وطنه يومئذ بالرصافة؛ فانكشف له يومئذ أمره من قبل بعض من تعاقد معه؛ فأحضرهم بين يديه، وأقروا؛ فأمر بقتلهم، واستبقى الناضح لهم. وتحول الإمام عبد الرحمن يومئذ من الرصافة إلى قصر قرطبة.
وفي سنة 169، ثار على الأمير عبد الرحمن محمد بن يوسف الفهري، الذي كان في تعامه وهرب؛ وكان قد تحرك من طليطلة وجهة الشرق بالحشود. وبلغ الإمام خبره؛ فأمر بحشد الكور، والتقى معه في مخاضة الفتح؛ فكان بينهم زحف وقتال أياما؛ ثم انهزم محمد المذكور؛ فقتل رجاله، وأفنى عدده. وكانت هذه الوقعة يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول من السنة. قال الرازي قتل فيها أربعة آلاف رجل، سوى من تردى في الوادي، وهلك في المهاوي. وهرب محمد بن يوسف هذا إلى قورية.
وفي سنة 170، خرج الأمير عبد الرحمن إلى محمد بن يوسف الفهري، حتى بلغ قورية. ففر أمامه، وأدركت الخيل عياله وأصحابا له؛ فقتل من أدرك
(2/57)
________________________________________
وأحرقت دوره. وانقطع محمد بن يوسف وحده، وانحاش إلى غياض. وأوقع الأمير ببربر نفزة؛ فأذلهم، وأذهب عاديتهم. ثم مات محمد بن يوسف بقرية ركانة من عمل طليطلة.
وفي سنة 171، قام قاسم بن عبد الرحمن الفهري، عم محمد بن يوسف أخو يوسف الفهري، وخلع الطاعة؛ فلما تحرك أمره، وجه إليه الأمير عبد الرحمن الجيوش؛ فأذعن له بالطاعة.
وفي سنة 170 المتقدمة، أمر الأمير عبد الرحمن بتأسيس المسجد الجامع بحضرة قرطبة؛ وكانت بموضعه كنيسة؛ فأنفق فيه مائة ألف بالوازنة.
وفي سنة 172، مات الإمام عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - وذلك يوم الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر من السنة المذكورة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 14 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر بعض أخباره على الجملة
كان الإمام عبد الرحمن فصيحا، بليغا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر. مما أملاه على كاتبه إلى سليمان بن الأعرابي: (أما بعد، فدعني من معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق! لتمدن يدا إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لألقين بنابها على رضف المعصية نكالا بما قدمت يداك! وما الله بظلام للعبيد!) .
وكتب عنه أمية بن زيد كتابا إلى بعض عماله، يستقصره فيما فرط من عمله؛ فأكثر وأطال الكتاب. فلما لحظه عبد الرحمن بن معاوية، أمر بقطعه، وكتب بخط يده: (أما بعد، فإن يكن التقصير لك مقدما، فعد الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا. وقد علمت بما تقدمت؛ فاعتمد على أيهما أحببت!)
(2/58)
________________________________________
وثار عليه ثائر؛ فغزاه وظفر به. فبينا هو في الطريق، إذ نظر إلى الثائر، وهو على بغل في كبوله، وتحت الأمير عبد الرحمن فرس له؛ فلما لحقه، قنع رأسه بالقناة، وقال: (يا بغل! ماذا تحمل من الشقاق والنفاق!) فقال الثائر: (يا فرس! ماذا تحمل من العفو والإشفاق!) فقال: (والله! لا ذقت موتا على يدي!) فأطلقه.
ومن شعره البديع الرائق، ما كتب به إلى بعض من طرأ عليه من قريش؛ وكان قد استقل جرايته، واستطال بقرابته، وسأله الزيادة له والتوسعة؛ فكتب إليه بهذه الأبيات (بسيط) :
سِيَّانِ مَنْ قَام ذَا امْتعاضِ ... بِمُنْتَضَى الشَّفْرَتَيْنِ نَصْلاَ
فَجَابَ قَفْراً وشَقَّ بَحْراً ... مُسَامِياً لُجَّةً وَمَحْلاً
فَبَزَّ مُلْكاً وشَادَ عِزًّا ... ونَاثِراً للخِطَاب فَصْلاً
وَجَنَّدَ الجُنْدَ حِينَ أوْدَى ... ومَصْرَ المِصْرَ حينَ أجْلاَ
ثُمَّ دَعَا أَهْلَهُ جميعاً ... حَيْثُ أنْتَؤوا أنْ هَلُمَّ أهْلاَ
فَجَاء هذا طَريدَ جُوعٍ ... شَرِيدَ سَيْفٍ أبيدَ قَتْلاً
فَنَالَ أمْناً وَنَالَ شَبْعاً ... ونَالَ مالاً وحَازَ أهْلاَ
وذكر أن أيا جعفر المنصور قال يوما لبعض جلسائه: (أخبروني: من صقر قريش من الملوك؟) قالوا: (ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء!) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (فمعاوية؟) قال: (لا!) قالوا: (فعبد الملك بن مروان؟) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (يا أمير المؤمنين! فمن هو؟) قال: (صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه؛ فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكا عظيما
(2/59)
________________________________________
بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة سكيمته. إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه؛ وعبد الملك ببيعه أبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين يطلب عنزته، واجتماع شيعته. وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين!) فقال الجميع: (صدقت، والله، يا أمير المؤمنين!) وكان الإمام عبد الرحمن من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قوله رحمه الله!) يتذكر وكنه (خفيف) :
أيُّها الراكبُ المُيَمّمِ أَرْضِي ... اقْرأ بَعْضَ السلامِ عَنّي لبَعْضِي
إنّ جِسْمِي كَمَا تَرَاهُ بأرْضِ ... وَفُؤادِي ومَالِكيِهِ بأرْضِ
قُدْرَ البَيْنُ بَيْنَنَا فافْتَرَقْنا ... وطَوَى البَيْنُ عن جُفوني غَمْضِ
قدْ قَضَى اللهُ بالبِعادِ عَلَينا ... فَعَسَى باقْتِرابِنا يَوْفَ يَقْضِي
وله من الشعر كثير مشهور. وذكر الرازي أن الإمام عبد الرحمن، أول نزوله بمنية الرصافة واتخاذه لها، نظر فيها إلى نخلة؛ فهاجت شجنه، وتذكر وطنه؛ فقال على البديهة (طويل) :
تَبَدَّت لَنَا وَسْطَ الرُّصافَةِ نَخْلةٌ ... تَنَاءت بأرضِ الغَرْبِ عن بَلَدِ النَّخْل
فقُلتُ شَيِهي في التَغَرُّبِ والنَّوَى ... وطُولِ التَّنَاءي عن بُنّيَّ وعن أهلي
نشَأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غَريَبةٌ ... فمِثْلُكِ في الإقصاء والمُنتاي مثلي
سَقَاكِ غَوَادِي المُزْنِ مِن صوبها الذي ... يسحُّ ويستمرِي السِماكين بالوّبْلِ
وكان - رحمه الله! - قد عقد العهد لابنيه هشام وسليمان. فولى بعده هشام، على ما أذكره.
(2/60)
________________________________________
خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل
كنيته: أبو الوليد. مولده: سنة 139. أمه تسمى جمال. نقش خاتمه: (بالله يثق عبده هشام وبه يعتصم) . صاحب شرطته: عبد الغافر بن أبي عبدة. وزراؤه: ثمانية. كتابه: اثنان: فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد. قاضيه: المصعب بن عمران. صفته: أبيض مُشرب بحمرة، بعينيه حول. حاجبه: عبد الرحمن بن مغيث. بنوه: الذكور ستة، والإناث خمس.
بويع يوم الأحد مستهل جمادى الأولى من السنة. وكان عند موت أبيه بمدينة ماردة؛ فوافاه الخبر؛ فطرق، ووصل قرطبة بعد ستة أيام. فبايعه الخاصة والعامة. وكان أخوه بطليطلة؛ وكان أكبر سنا منه فلما اتصل به خبر أبيه، حشد الحشود، وجند الجنود، يريد قرطبة، مخالفا لأخيه. فلما حصل بجيان، خرج إليه هشام في أجناده، والتقى معه بجهة بلج؛ فوقعت بينهم حرب شديدة؛ فانهزم سليمان، وأسلم عسكره، وفرَّ على وجهه. وقفل هشام إلى قرطبة ظافرا في أجناده.
وتوفي هشام ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة 180؛ فكان عمره أربعين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام؛ فكانت مدة دولته وخلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام.
وقيل إن عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - لما حضرته الوفاة، وابنه هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال له: (من سبق إليك من أخوتك، فأرم إليه بالخاتم والأمر! فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه!) فقدم هشام من ماردة قبل سليمان؛ فنزل بالرصافة، وخاف من عبد الله أخيه، إذ صار
(2/61)
________________________________________
متمكنا من قرطبة والقصر والأموال، أن يدافعه. فخرج إليه أخوه عبد الله، وسلَّم عليه بالخلافة، ودفع إليه الخاتم، كما أوصاه أبوه، وأدخله القصر.
قال الرازي: ولما صار الأمر إلى هشام، واتصل ذلك بسليمان أخيه، أخذ بيعة أهل طليطلة وما جاورها لنفسه، وغلب عليها. وشغله أمر أخيه هشام. فثار سعيد بن الحسين الأنصاري بساغنت من إقليم طرطوشة، وأقبل إلى سرقسطة؛ فأخرج منها وإليها، وضرب بين الناس، ودعا إلى نفسه وإلى الفتنة؛ فأرسلها مضرية ويمانية. وحشد موسى بن فرتون إلى سرقسطة؛ فأخذها؛ وكان على دعوة المضرية؛ فالتقى مع اليمنيين. وكانت بينهم حرب؛ فقتل منهم جماعة، ودخل سرقسطة. ثم قدم مطروح بن سليمان بن الأعرابي على دعوة أبيه من برسلونة؛ فتغلب على وشقة وسرقسطة والثغر كله.
وفي سنة 173، طمحت نفس عبد الله البلنسي أخي هشام إلى الإمارة؛ وقد كانت في يده أولا، ولم يرض منه إلا بمشاركته، وذلك بعد سبعة أشهر من وفاة والدهما. وكان هشام يبرُّه، ويترضاه، ويفضله على الكثير من اخوته؛ فلم يقنعه ذلك، وخرج يريد أخاه سليمان بطليطلة. فلما بلغ الأمر إلى هشام، أشفق من ذلك، وأخرج إليه من يرضيه ويرده؛ فلم يدركه. ومضى حتى قدم طليطلة.
وفي هذه السنة، خرج هشام إلى أخيه سليمان بطليطلة. فلما نزل عليه، خرج سليمان مستخفيا، وخلف أخاه عبد الله وابنه داخل المدينة، ونهض يريد انتهاز الفرصة؛ فطوى المراحل، حتى احتل بشقندة. فخرج أهل قرطبة مدافعين له. وبلغ هشاما خبره؛ فلم يكترث لذلك. ووجه ابنه عبد الملك يقفو أثره؛ فلما قرب منه، ولى سليمان منهزما، وقطع إلى غير وجهة حتى خرج متعسفا إلى ناحية ماردة؛ وكان عاملها حدير المعروف بالمذبوح؛ فخرج إليه؛ فهزمه. وتمادى الأمير هشام في حصار طليطلة شهرين وأياما؛ ثم قفل عنها.
(2/62)
________________________________________
وفي سنة 174، انصرف عبد الله البلنسي إلى أخيه هشام بلا عهد ولا أمان؛ فأنزله الإمام هشام عند ابنه الحكم.
وفيها، أغزى هشام ابنه معاوية إلى تدمير، وقائداه شهيد بن عيسى وتمام ابن علقمة؛ فدوخوا تدمير (وهي مرسية) ، وبلغوا البحر. وكان سليمان (يعني أخا هشام) قد حصل في بعض ثغور تدمير؛ فطلب سليمان الأمان؛ فاشترط عليه الأمير هشام الخروج عن الأندلس، ويعطيه ستين ألف دينار؛ فركب سليمان البحر بأهله وولده، واحتل ببلاد البربر. فكفاه الله أمر إخوته.
وفي سنة 175، أغزى هشام بن عبد الرحمن عبيد الله إلى سرقسطة، وبها يومئذ مطروح المذكور؛ فحاصرها عبيد الله؛ ثم احتل بمدينة طرسونة، وألح عليها بالمحاصرة، حتى ضاق ذرع أهل سرقسطة، وضجوا من تمادي الحصار؛ فخرج مطروح في بعض الأيام متصيدا، ومعه عمروس بن يوسف وابن صلتان؛ فلما أرسل بازيه على طائر ونزل على الصيد، تعاوراه بسيوفهما حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وتقدما به إلى ابن عثمان، وهو بطرسونة؛ فتحرك إلى سرقسطة؛ فلم يمتنع عليه أحد من أهلها؛ ودخل المدينة؛ فنزلها، وبعث برأس مطروح إلى الأمير هشام.
وفي سنة 176، أغزى الإمام هشام أبا عثمان عبيد الله بن عثمان إلى ألبة والقلاع؛ فلقي بها أعداء الله بجموعهم متوافين؛ فهزمهم الله على يديه، وقتلوا في السهل والوعر؛ وانتهى ما حيز من رؤوسهم إلى تسعة آلاف رأس ونيف.
وفي هذه السنة، غزا يوسف بن بخت إلى جليقية؛ فالتقى ببرمود الكبير، وواضعه الحرب؛ فانهزم عدو الله، وانتهب المسلمون عسكره، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وحز من رؤوسهم عشرة آلاف، سوى من لم يتمكن منه ممن
(2/63)
________________________________________
قتل في الوعر. وأتى هذا الفتح قرطبة بعد فتح أبي عثمان. ذكر ذلك الرازي وغيره.
وفي سنة 177، أغزى الإمام هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث بالصائفة إلى أرض الروم، وهي غزوة شهيرة الخبر، جليلة الخطر، انتهى فيها إلى إفرنجة؛ فحاصرها، وثلم بالمجانيق أسوارها، وأشرف على بلاد المجوس؛ وجال في بلاد العدو، وبقى شهورا يحرق القرى ويخرب الحصون. وأوقع بمدينة أربونة؛ وكان فتحا عظيما، بلغ فيه خمس السبي إلى خمسة وأربعين ألفا من الذهب العين.
وفي سنة 178، هاجت الفتنة بتاكرنا، وخالف بربرها، وغاروا على الناس، وقتلوا وسبوا. فبعث الإمام هشام إليهم الأجناد بعد الإعذار إليهم. فقتل أكثرهم، وفرّ سائرهم إلى طلبيرة وترجيلة. وأقامت تاكرنا، وهي إقليم رندة، وبلادها خالية قفرا سبع سنين.
وفي سنة 179، أغزى الإمام هشام بن عبد الرحمن عبد الكريم بن مغيث بالصائفة، حتى انتهى إلى مدينة أسترقة داخل جليقية. فبلغه أن إذفونش قد حشد بلاده، واستمد البشكنش وأهل تلك النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم، وأنه عسكرهم ما بين حيز جليقية والصخرة، وأنه أذن لسكان السهل بالتفرق في شواهق جبال السواحل. فقدم عبد الكريم فرج بن كنانة في أربعة آلاف فارس؛ ثم رحل في إثره؛ فألقى أعداء الله؛ فواضعهم الحرب حتى هزمهم الله؛ فقتل حماتهم، وأسر جماعة منهم؛ ثم أمر بعد انحلال الحرب بقتلهم، وبث الخيل في القرى؛ فانتسفت جميع ما ألفته من زروعهم، وخربت ما مرت عليه من عمارتهم. وتقدم بعد ذلك إلى واد يقال له كوثية؛ فلقى به غندماره
(2/64)
________________________________________
وهو في ثلاثة آلاف فارس فقاتله حتى انهزم عسكره، وأخذ غندماره أسيرا، وقتل من أصحابه عدد كثير. وأصاب العسكر جميع ما في تلك الناحية. وتقدم مستنجزا لإذفونش؛ فلما بلغه قصده إليه، تنحى عن الجبل الذي كان فيه منحازا عنه إلى حصن له، كان قد بناه وأتقنه على وادي نلون؛ فتقرب منه عبد الكريم مقتفيا لأثره، ولا يمر بمنزل فيما بينه وبينه إلا حرقه، ولا بمال إلا أصابه، حتى أطل على الحصن. فانتقل منه إلى حصن ملكه. واحتل عبد الكريم بالحصن الذي انتقل منه؛ فألقى فيه الأطعمة وضروب الذخر، وبعث في اليوم الثاني من حلوله به فرج بن كنانة، في عشرة آلاف فارس، يقفو أثره؛ فلما قرب منه، انهزم عنه وأسلم جميع عدته وذخره؛ فغنم المسلمون جميع ذلك.
وفي سنة 180، توفي الإمام هشام بن عبد الرحمن - رحمة الله عليه! - ودفن بقصر قرطبة؛ وصلى عليه ابنه الحكم؛ وذلك ليلة الخميس، كما تقدم ذكره. وبايع الناس ابنه الحكم؛ وكان ابنه عبد الملك أسن منه.

ذكر بعض أخباره على الجملة
كان - رحمه الله! بسط البنان، فصيح اللسان، وسبع الجناب، حاكما بالسنة والكتاب؛ قبض الزكوات من طرقها، ووضعها في حقها؛ لم يأخذه في الله لوم ولا تعلق به ظلم. ارتفع أخوه عن مبايعته، وامتنع عن طاعته، واستبد بطليطلة استبدادا، واستنفر للخلاف والنفاق أجنادا؛ فما زال يشتغل بالفتنة بالا، ويذيق الناس وبالا؛ قد عظمت عليه به المحنة، وعدمت منه الهدنة، حتى مات الأمير هشام، وحكمت بخلافة ابنه الحكم الأحكام؛ فحاربه في تلك القطار، إلى أن اختطفته الأسنة والشفار؛ فأمن بعد ذلك الجانب، ولم يكن في ذلك التأريخ هنالك ما جنب.
(2/65)
________________________________________
وكان هشام يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال، ثم ينصرفون إليه بما عندهم؛ فيقع نظره بهدم ما تكشفه المحنة له منهم. واعترض له يوما متظلم من أحد عماله؛ فبدر إلى الشاكي من رجال العامل من ترخاه شنقة منه على العامل. فبعث إلى الشاكي وقال له: (احلف على كل ما ظلمك فيه؛ فان كان ضربك، فاضربه؛ أو هتك لك سترا، فاهتك ستره؛ أو أخذ لك مالا، فخذ من ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حدا من حدود الله!) فجعل الرجل لا يحلف على شيء إلا أقيد منه. فكان زجره هكذا العماله، أبلغ فيهم من النكال والأدب. وكان كريما، عادلا، فاضلا، متواضعا، عاقلا، لم تعرف منه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه. (ومن كرمه أنه كان يصر أموالا في صرور، ويخرج بها بين المغرب والعشاء يتفقد المسجد؛ فإذا وجد واحدا يصلي في مسجد أو لا يصلي، وضع بين يديه صرة، حتى كثرت عمارة المساجد وكان - رحمه الله! - قد نظر في بنيان قنطرة قرطبة، وأنفق في إصلاحها أموالا عظيمة. وتولى بناءها بنفسه، وتعطى الأجرة بين يديه. قال ابن وضاح: لما ينى هشام القنطرة، تكلم بعض الناس فيه، وقالوا: (إنما بناها لتصيده ونزهته!) فحلف حين بلغه ذلك ألا يجوز عليها إلا لغزو أو مصلحة.
قال القاضي أبو معاوية: أدركت صدرا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا كانت من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يعلم لها مثل. وكان يحضر الجنائز، ويزاحم فيها، كأنه أحد من الناس، تواضعا. وكان لبعض رجال هشام خصومة في دار عند القاضي مصعب بن عمران؛ فسجل عليه القاضي فيها وأخرجه منها؛ فنهض الرجل إلى هشام، وقال له: (إن القاضي سجل عليَّ في داري التي كنت أسكنها، وأخرجني عنها!) فقال له هشام: (وماذا تريد مني؟ والله لو سجل عليّ القاضي في مقعدي هذا، لخرجت عنه!) انقيادا منه للحق - رحمة الله عليه!.
(2/66)
________________________________________
قصة الكناني مع هشام بن عبد الرحمن
كان قبل خلافته يقعد في علبة مطلة على النهر، ينظر منها إلى الربض، وتقع عينه على من يخطر. فنظر يوما في الهاجرة إلى رجل من بني كنانة؛ وكان من صنائعه، مقبلا من باديته بجيان؛ وكان أخوه سليمان واليا عليها؛ فدعا فتى له وقال له: (أرى الكناني صنيعنا مقبلا في هذه الظهيرة، وما أحسب ذلك إلا لخطب أقلقه من أبي أيوب أخي. فإذا وصلك، فأدخله على كما هو.) ففعل الفتى ما أمره. وكانت مع هشام جارية له. فلما دنا الكناني، رفع سترا كان أمامه؛ فدخلت الجارية خلفه؛ ثم قال له، بعد أن سلم عليه: (يا كناني، لا أحسبك إلا قد دهمك أمر!) فقال له الكناني: (قتل رجل من بني كنانة رجلا خطاء؛ فحملت الدية على العاقلة؛ فأخذت بنو كنانة عامة، وحيف عليّ من بينهم خاصة، لما عرف أبو أيوب مكاني منك. فعذت بك من ظلامتي!) فقال له: (يا كناني! ليفرج روعك وليسكن جأشك لا جرم قد تحمل هشام عنك وعن قومك جميع الدية!) ثم مد يده إلى خلف الستر؛ فأخرج عقدا كان على الجارية، ثمنه ثلاثة آلاف دينار؛ فقال له: (خذ هذا العقد؛ فأد من ثمنه عنك وعن قومك، وتوسع في الباقي!) فقال الكناني: (يا سيدي! إنه لم آتك مستجديا ولا ضاق لي مال عن أداء ما حملته؛ ولكني أتيتك مستجيرا بك لما أصبت بالعدوان والظلم؛ فأحببت أن تظهر على من عز نصرك!) قال له: (فما وجه نصرك؟) قال له: (أن يكتب الأمير - أصلحه الله! - إلى أبي أيوب في الإمساك عن أخذي بما لم يجب عليّ، وأن يحملني محمل عامة أهلي!) فقال له هشام: (خذ العقد لأهلك ولنفسك، إلى أن ييسر الله فيما ذهبت إليه من أمرك!) ثم أمر هشام بإسراج دابته من فوره، وركب إلى أبيه الأمير عبد الرحمن. فلما مثل بين يديه، قال له: (رجل من بني كنانة، هو لي صنيعة،
(2/67)
________________________________________
عدا عليه أبو أيوب بجيان في دبة حملت على العاقلة!) قال الأمير: (فما تحب في أمره؟) قال: (الكتب إليه بالكف عنه، وأن لا يؤخذ بغير ما لزمه!) فقال الأمير: (أو خير من ذلك! يؤدي الدية عنه وعن قومه من بيت المال، إذ هو منك بهذه المنزلة، وإذ أنت له بهذه العناية!) فأكثر هشام الشكر لوالده؛ ثم أمر الإمام بأداء الدية من بيت المال، وبالكتب إلى أبي أيوب بترك التعرض للكناني. ولما حان توديع الكناني لهشام، قال له: (يا سيدي، إني قد بلغت فوق الأمنية، وجاوزت أقصى غاية العز والنصرة! وهذا العقد النفيس قد أغنى الله عنه!) فقال له هشام (يا كناني، إنه لا سبيل إلى رد شئ قد خرج عنا. فخذه مباركا لك فيه!) وهشام هذا هو الذي أكمل سقائف المسجد الجامع بقرطبة، ورفع منارته القديمة، وبنى الميضأة العجيبة، وعقد من الجسر ما كان تثلم بالسيل - رحمه الله!

خلافة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن
كنيته! أبو العاصي. أمه: زخرف. مولده: سنة 154. بويع بعد موت أبيه بليلة، يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة 180، وهو ابن ست وعشرين سنة؛ فكانت خلافته ستا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا. كتابه: ثلاثة: فظبس، وخطاب بن زيد، وحجاج العقيلي؛ حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث؛ وزراؤه وقواده: خمسة: إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد المذكور، وفطبس بن سليمان، وسعيد بن حسان. قضاته: مصعب بن عمران، ومحمد بن بشير، والفرج بن كنانة، وبشر بن قطن، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى. نقش خاتمه: (بالله يثق الحكم وبه يعتصم! صفته: آدم، شديد الأدمة، طويل، أشم، نحيف، لم يخضب. بنوه الذكور: تسعة عشر، والبنات: إحدى وعشرون. توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة 206؛ فكان عمره اثنان وخمسون سنة.
(2/68)
________________________________________
ولما بلغ موت هشام الرضى إلى سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن بن معاوية، وهما بالعدوة، تقدم عبد الله؛ فجاز البحر إلى ريف الأندلس.
ولما بويع الحكم بالخلافة، واستوسق له الأمر، وجه عبد الكريم بن عبد الواحد غازيا إلى دار الحرب، في جيش عظيم؛ فاحتل عبد الكريم بالثغر؛ وتوافت عليه الجيوش. ثم تقدم، فاحتل على شاطئ البحر، وقسم الجيش على ثلاثة أقسام، وقدم على كل قسم رئيسا، وأمر كل واحد منهم بأن يغير على الناحية التي قصدها ووجه إليها؛ فمضوا، وأغاروا، واستباحوا، وانصرفوا غانمين ظافرين. ثم عادوا ثانية إلى الإغارة، وجاوزوا خلجا كانت تمد وتحصر؛ وكان أهل تلك النواحي قد تحرزوا بها، ونقلوا إليها العيال والماشية والأموال؛ فأغاروا عليها، واحتووا على جميع ما وجدوا فيها، وانصرفوا سالمين غانمين.
وفي سنة 181، ثار على الأمير الحكم بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر، ودخل سرقسطة، وملكها. وحل به عبد الله بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية؛ وكانت وجهته إلى إفرنجة.
وفيها، ثار عبيدة بن حميد بطليطلة؛ فنصب الحكم عمروس بن يوسف لحربه من طلبيرة؛ فكان يتردد لحربهم؛ ثم إن عمروس كاتب رجالا من أهل طليطلة، واستلطفهم حتى مالوا إليه؛ فدعاهم إلى القيام على عبيدة، والفتك به؛ ووعدهم على ذلك بمثوبة جليلة من الأمير؛ فبدروا إليه، وقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى عمروس؛ فأنزلهم عند نفسه بطلبيرة. فلما علم بهم بعض بربر طلبيرة، وكانت بينهم دماء، دخلوا عليهم تلك الليلة الدار؛ فقتلوهم. فبعث عمروس برأس عبيدة وبرؤوس المذكورين، وهم بنو مخشي إلى الحكم بقرطبة، وكتب إليه يخبرهم. ثم إن عمروس أعمل جهده في استجلاب أهل طليطلة بمكاتبتهم، حتى أدخلوه المدينة. فلما تمكن منها، بنى القصر على باب جسرها؛ فأحكمه، وأتقن أمره؛ ثم سعى في قتل رجال طليطلة، وقطع شرهم، وحسم دائهم، توطيدا للمملكة. فأعد للكيد
(2/69)
________________________________________
صنيعا، أظهر أنه يذبح فيه البقر، وأمر أن يكون دخول الناس على باب، وخروجهم على باب. فكان كل من دخل وتجاوز الباب قتل، حتى أفنى من أشرافهم سبعمائة.
وفي سنة 182، كان السيل العظيم بقرطبة، ذهب بربض القنطرة؛ ولم يبق فيه دارا إلا هدمها، حاشى غرفة عون العطار. وبلغ السيل شقندة.
وفيها، دخل سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية الأندلس من العدوة، وتقدم متعرضا لحرب الحكم، في شوال منها؛ فانهزم سليمان، بعدما دارت بينهما حرب شديدة. وفيها، عاد سليمان ثانيا للقتال؛ والتقى مع الحكم أيضا ببنجبطة؛ فانهزم سليمان.
وفي سنة 183، خرج سليمان، ومعه برابر اجتمعوا إليه، إلى ناحية إستجة؛ فغزاه الحكم، والتقيا بمقربة من إستجة؛ فدارت بينهم حروب شديدة أياما. ثم انهزم سليمان بمن كان معه. ثم التقيا أيضا في هذا العام؛ فانهزم سليمان.
وفي سنة 184، حشد أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن من الشرق، فاحتل بجيان، ثم بإلبيرة. فاتبعه جماعة من الكورتين، والتقى معه الحكم؛ فدام القتال بينهم أياما، حتى هم الحكم بالهزيمة. ثم انهزم سليمان، وأفلت. وقتل في المعترك بشر كثير. وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلبه؛ فلحقه بجهة ماردة، وأخذه أسيرا، وأتى به إلى الحكم؛ فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة.
وفي سنة 186، أخرج الحكم إلى عمه عبد الله البلنسي أمانا؛ وهو أول خروج كان إليه، وأول مكاتبة كانت بين الحكم وبينه بعد حلوله ببلنسية.
وفي سنة 187، انعقد أمان عبد الله البلنسي وصلحه بإجزاء الأرزاق عليه، وذلك ألف دينار لكل شهر، وبإجراء المعارف، وذلك ألف دينار لكل عام.
(2/70)
________________________________________
وخرج إليه بهذا الأمان يحيى بن يحيى وابن أبي عامر؛ فعقد الصلح على ذلك وعلى أن يسكن عبد الله بلنسية. وقدم يحيى وابن أبي عامر بولد عبد الله على الحكم؛ فزوجه أخته شقيقته.

مقتل أهل الربض أولا قبل هيجه ثانية
وفي سنة 189، صلب الإمام الحكم اثنين وسبعين رجلا بقرطبة، منهم أبو كعب بن عبد البر، ويحيى بن مضر، ومسرور الخادم. وكان السبب في ذلك أنهم أرادوا الغدر به، وهموا بالخلاف عليه؛ وطلبوا رئيسا يقومون به. فوقع الخبر علي محمد بن القاسم عم هشام بن حمزة، وأطلعوا على أمرهم، ودعوه للقيام معهم؛ فخذلهم، وأفشى سرهم، وتقرب إلى الحكم بدمائهم. فتثبت الحكم، وسأله تصحيح ما رفع إليه؛ فقال له: (هات أمناءك!) فأخفاهم عنده، ووجه عنهم لميعاده؛ ثم قال لهم: (هذا الذي تدعونني إليه لا أثق بمن سميتم، دون أن أسمع منهم كما سمعت منكم؛ فتطيب نفسي، وأدخل في الأمر على قوة وبصيرة!) فأتوه، وسمه مقالتهم، والأمناء بحيث يرون ويسمعون. فلما صح عند الحكم أمرهم بشهادة الأمناء عليهم، أخذهم وصلبهم جميعا بمردة واحدة. ثم أتقن سور قرطبة وحفر خندقها، وتوجه غازيا إلى بلاد المشركين.
ومن قوله (طويل) :
رأيتُ صُدُوعَ الأرضِ بالسيفِ رافِعاً ... وقِدماً لأمتُ الشعثَ مُذْ كُنتُ يافعاَ
فَسَائلْ ثغوري هل بها الآن ثُغْرةٌ ... أبادرها مستنْضِيَ السيف دارعاَ
وشَافِه على الأرض الفضاء جماجِماً ... كأقحاف شريان الهبيدِ لَوامِعاَ
تُنَبِئك أني لم أكُن عن قراعِهم ... بِوانِ وأنِي كنتُ بالسيف قارِعَا
فإني إذا حادوا جِزاعا عن الرَّدَى ... فلم أكُ ذا حيدٍ عن الموت جازِعَا
حَمَيتُ ذماري وانتهكتُ ذِمارَهم ... ومَنْ لا يحامي ظلَّ خَزيان ضَارِعَا
(2/71)
________________________________________
ولما تساقينا سِجالُ حُروبِنَا ... سقَيْتُهُمُ سَمَّا من الموت نافِعَا
وهل زِدتُ أن وقَّيتُهُمْ صاعَ قرضِهم ... فوافوا مَنَاياَ قُدّرَت ومَصَارِعَا
فَهَاكَ بِلادي إنّني قد تركتُها ... مِهَاداً ولم أتْرُكْ عليها مُنَازِعَا
وفي سنة 190، خرج الأمير الحكم غازيا إلى ماردة. فلما وصلها، احتلها وحاصرها (وكان بها أضبغ بن عبد الله بن وانسوس ثائرا) وإذا بالخبر وصله أن سواد أهل قرطبة أعلنوا بالنفاق، وتداعوا إلى صاحب السوق بالسلاح؛ وكتب المخلفون إلى الحكم بما حدث بعده وبما ظهر من ضمائر السفلة؛ فصدر قافلا، وطوى المراحل، وقطع الطريق في ثلاثة أيام، ودخل القصر. فهدأ الناس، وسكنت الأحوال، وصار الناس في هدوء وسكون من سنة 190 إلى سنة 202، والتزموا الدعة اثني عشر سنة.
وترددت الغزوات سبعة أعوام إلى ماردة، وبها أصبغ بن عبد الله ثائرا متمنعا. وكان سبب ثورته أن عدوا لأصبغ طالبه عند الحكم وأغراه عليه. ثم مشى إلى أصبغ بمثل ذلك، وروعه منه؛ فتوقع العقوبة والسطوة به. فكان ذلك سبب دخوله ماردة وقيامه بها. وتكررت الغارات عليه سبعة أعوام؛ فافتتحت في العام السابع بمحاولة انجلت عن طلب الأمان لأصبغ فأمن، وخرج من ماردة، وصار في مصف الحكم؛ فسكن قرطبة؛ ثم فسح له في الاختلاف إلى ضياعه بماردة حتى التاث أمرها، واضطربت حالها.
وفي سنة 192، خرج رذريق صاحب إفرنجة إلى جهة طرطوشة؛ فأغزى الحكم ابنه عبد الرحمن في جيش كثيف، وكتب إلى عمروس وعبدون عاملي الثغر بالغزو معه بجميع أهل الثغر. فتقدم عبد الرحمن بالجنود، وتوافت عليه الحشود، وحفت به المطوعة. فألفوا الطاغية خارجا إلى بلاد المسلمين. ودارت
(2/72)
________________________________________
بينهم حروب شديدة، ثبت الله فيها أقدام المسلمين. فانهزم المشركون؛ وكانت فيهم مقتلة عظيمة؛ ففنى أكثرهم.
وفي سنة 194، غزا الحكم إلى أرض الشرك. وكان السبب في هذه الغزاة أن عباس بن ناصح الشاعر كان بمدينة الفرج (وهي وادي الحجارة) . وكان العدو، بسبب اشتغال الحكم بماردة وتوجيه الصوائف إليها مدة من سبعة أعوام، قد عظمت شوكته، وقى أمره. فشن الغارات في أطراف الثغور، يسبي ويقتل. وسمع عباس بن ناصح امرأة في ناحية وادي الحجارة، وهي تقول: (واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا!) فلما وفد عباس على الحكم، رفع إليه شعرا يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به؛ وأنهى إليه عباس ما هو عليه الثغر من الوهن والتياث الحال. فرثى الحكم للمسلمين، وحمى لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازيا إلى أرض الشرك؛ فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيرا، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم، يصلحون به أحوالهم ويفدون سباياهم؛ وخص المرأة وآثرها، وأعطاهم عددا من الأسرى عونا. وأمر بضرب رقاب باقيهم، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: (هل أغاثكم الحكم؟) قالوا: (شفا والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا إذ بلغه أمرنا! فأغاثه الله وأعز نصره!) وفي سنة 196، غزا الحكم إلى بلاد المشركين، وأوغل فيها، وأوقع بهم، وقفل. وفيها، مات تمام بن علقمة الثقفي.
وفي سنة 199، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات أكثر الخلق جهدا.
(2/73)
________________________________________
وفي هذه السنة، أغرى الحكم عمه عبد الله البلنسي الغزوة الشنيعة المشهورة، وكانت ببرشلونة: ألفي المشركين قد حلوا بها يوم احتلاله، وكان يوم الخميس؛ فأراد من معه مناشبة الحرب، وتشوقوا للقتال؛ فمنعهم حتى إذا كان في اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة وقت الزوال، أمر بتعبئة الكتائب، ونصب الردود؛ وقام، فصلى ركعتين؛ ثم نادى في الناس، وركب هو ومن معه، وناهض أهل الشرك. وما أحسبه فعل ذلك إلا ففها وعلما وتأسيا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر بالقتال في تلك الساعة: فإن فيها تهب الأرواح، وتفتح أبواب الجنة، وتستجاب الدعوات، فمنحهم الله أكناف المشركين، وانهزموا. وقتل عامتهم، وفرق جمعهم. فلما أقلع عن القتال وانجلت الحرب، نصب قناة طويلة، فأثبتت في الأرض؛ وأمر بالرؤوس؛ فجمعت وطرحت حواليها حتى غابت القناة فيها (ولم تظهر) .

ذكر دخول الحكم طليطلة حين خالفت عليه
وذلك أنه أظهر الغزو إلى بلاد المشركين، وقصد تدمير، وهو يريد في نفسه طليطلة. فنزل تدمير، واضطرب فيها، ونازل بعض حصونها. وكتب إلى عمال الثغر بنزوله فيها وحربه لها؛ فأمن أهل طليطلة، وانتشروا في بسائطهم، ونظروا في زروعهم، وله عليهم عيون. فلما صحَّ عبده انبساطهم، جعل يتغرب من أحواز تدمير، وأخبار طليطلة ترد عليه. فلما أمكنته الفرصة فيها، جدَّ السير إليها، وطوى المراحل؛ فوصل إليها ليلا، وسبق بقطيع من الحشم. فدخل طليطلة ليلا، ولم يعلم بدخوله، وأهلها في غفلة، وأبوابها مفتحة. وتتابع العسكر عليه بمقدار قوة كل أحد. فملكها، وحال بين أهلها وبينها، وقطع الخروج عمن كان بها إلى من كان بخارجها. فاستوسق له ملكها دون مئونة ولا قتال.
(2/74)
________________________________________
فاستنزل أهلها من الجبال إلى السهل، وحرق ديارها، وسكنهم في الصحراء. ثم ردهم إليها.
وفي سنة 200، أغزى الحكم وزيره عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد المشركين؛ فدخلها، وتوسطها، وأهلك معائشها ومرافقها، وحطم زروعها، وهدم منازلها وحصونها، حتى استوفي جميع قرى وادي أرون. فحشدت إليه الطاغية - دمرها الله! - وانجلبت النصرانية من كل مكان، وأقبلت الجموع، ونزلت بعدوة نهر أرون؛ وصار النهر حاجزا بينهم وبين المسلمين. فلما أصبح، نهض عبد الكريم بمن معه إلى مخائض الوادي؛ ونهض أعداء الله إليهم؛ فقاتلوهم على كل مخاضه منها؛ فجالدهم المسلمون عليها مجالدة الصابرين المحتسبين. واقتحم أعداء الله النهر إليهم؛ فاقتتلوا على مخاضته. ثم حمل المسلمون عليهم حملة صادقة؛ فأضغطوهم في المضايق، وأدخلوهم على غير طريق؛ فأخذتهم السيوف والطعن بالرماح والغرق في المياه؛ فقتل من المشركين عدد عظيم لا يحصى كثرة، ومات أكثرهم بالتردي ودرس بعضهم بعضا، وصاروا بعد المطاعنة والمجالدة بالرماح والسيوف إلى القذف بالحجارة؛ وأكثروا الحراس بالمخائض، ووعروها بالخشب، وحفروا الحفائر، وخندقوا الخنادق. ونزلت الأمطار؛ وكان قد فرغ ما كان لأعداء الله من المرافق؛ وضاقت الحال أيضا بالمسلمين؛ فقفل عبد الكريم ظافرا لسبع خلون من ذي القعدة.
ولم يكن في سنة 201 صائفة ولا حركة مشهورة.

ذكر هيج أهل الربض ثانية في سنة 202
كان من أهل ربض قرطبة في هذه السنة ما نستعيذ بالله من الخذلان في مثله، وذهاب التوفيق. وقد اختلفت الروايات في سبب قيام الناس وهيجهم؛ فمنهم
(2/75)
________________________________________
من يقول إن ذلك الهيج كان أصله الأشر والبطر، إذ لم يكن ثم ضرورة من إجحاف في مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسف في ملكة، والحال تدل على صحة ذلك: فإنه لم يكن على الناس وظائف، ولا مغارم، ولا سخر، ولا شئ يكون سببا لخروجهم على السلطان، بل كان ذلك أشرا وبطرا، وملالا للعاقبة، وطبعا جافيا، وعقلا غبيا، وسعيا في هلاك أنفسهم - أعاذنا الله من الضلال والخذلان، وأسباب البوار والخسران! ولما اهتاجوا وقاموا على السلطان، ناصبهم الحكم القتال، وواضعهم الحرب. وانحاش إليه حاشيته وجنده، وتألب من كل وجه رجاله. وقامت الحرب بين الجند وعامة قرطبة على ساق. ثم تكاثرت العامة، وهاجت الدهماء السوداء؛ فلم يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم إلى أمل فلما اشتغلوا بالقتال، احتيل عليهم بمثل حيلة يوم الحرة، وهم لا يشعرون لاشتغالهم بالقتال؛ فخرج عبيد الله بن عبد الله البلنسي المعروف بصاحب الصوائف، وإسحاق بن المنذر القرشي إلى باب الجسر، مع من أمكنهما من الفرسان والرجالة، والتقوا مع العامة، وجالدوهم حتى أزاحوهم وأدخلوهم الجسر؛ وفتح باب المدينة عند الجسر، ودخل الذين سمينا على باب الحديد؛ ثم اقتحموا على الزقاق الكبير، وخرجوا على الرملة إلى مخاضة هناك، وجازوا النهر، واجتمعوا مع من توافى عليهم من حشود الكور، إذ كانوا قد أنذروا قبل ذلك بما كان بدا منهم، وظهر من علاماتهم. فلما اجتمعوا، أقبل بعضهم من وراء الربض، وشرع بعض في طرح النار في الدور، ودسوا من أخبر العامة بما نزل بهم في دورهم وذراريهم وعيالهم؛ فلم يبق أحد منهم دون أهله ومنزله، وانصرفوا راجعين نحوها. فأخذتهم السيوف من أمامهم وورائهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا، وتتبعوا في الأزقة والطرق، يقتلون؛ ونجا منهم من تأخر أجله، ففرَّ، فلم يلو على
(2/76)
________________________________________
أهل ولا ولد. وأخذ منهم ثلاثمائة رجل؛ فصلبوا على الوادي، صفا واحدا من المرج إلى المصارة.
وكان الحكم قد عزم على تتبعهم بالأندلس، وقتلهم حيث وجدوا؛ فكسر عليه بعض أصحابه، وذكره صنع الله له فيهم؛ فارعوى وكف. فخرجوا أفواجا بأهاليهم وأولادهم. ولم يعرض لأحد منهم في شئ من بلاد الأندلس، وهي طاعته وملكه، ولا نالهم ضر بعد وقت المعركة وغليان الحال، كرما وعفوا من الأمير الحكم - رحمه الله! - وعف الحكم عن الأموال والحرم. وتفرق أهل الربض في جميع أقطار الأندلس؛ ومنهم من جاز البحر إلى العدوة بالأهل والواد؛ فاحتلوا بعدوة فاس، فهم عدوة الأندلس منها؛ فصيروها مدينة. ومنهم أهل جزيرة إقربطش؛ فذكر أنه لم يخرج منهم طائفة بناحية من نواح الدنيا إلا وتغلبوا عليها، واستوطنوها على قهر من أهلها. وأكثر من هرب من أهل العلم والخير ممن اتهم أو خاف على نفسه إلى ناحية طليطلة، ثم أمنهم الحكم، وكتب لهم أمانا على الأنفس والأموال، وأباح لهم التفسح في البلدان حيثما أحبوا من أقطار مملكته، حاشى قرطبة أو ما قرب منها.
وفي سنة 206، اشتد مرض الحكم بن هشام؛ فأخذ البيعة لابنه عبد الرحمن، ثم للمغيرة من بعده. وانعقدت البيعة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة. فبويع له ذلك اليوم في القصر؛ واختلف الناس بعد ذلك اليوم إلى دار عبد الرحمن بن الحكم يبايعونه؛ وبايعوا المغيرة في دار أخيه عبد الرحمن أيضا؛ ثم ركب المغيرة إلى الجامع، ونزل فيه يوما بعد يوم لمبايعة الناس له؛ وكانوا يبايعونه عند المنبر؛ ثم بايعوه في داره. ولما انقضت البيعة لعبد الرحمن والمغيرة بعده، أمر الحكم بن هشام بهدم الفندق الذي كان بالربض؛ وكان متقبله من أهل الإضرار والفسق؛ فهدم. وتوفي الأمير الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة من السنة؛ وصلى عليه ابنه عبد الرحمن؛ ودفن بالقصر.
(2/77)
________________________________________
بعض أخباره وسيره
كان الحكم - رحمه الله! - شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتقى. وكان حسن التدبير في سلطانه، وتوليه أهل الفضل والعدل في رعيته؛ وكان مبسوط اليد. وكان له قاض كفاه بورعة وعلمه وزهده؛ فمرض مرضا شديدا؛ فاغتم الحكم لمرضه؛ فذكر بعض خاصته أنه أرق ليلة أرقا شديدا، وجعل يتململ على فراشه؛ فقيل له: (أصلح الله الأمير! ما الذي عرض؟) فقال: (ويحكم! إني سمعت في هذه الليلة نادبة، وقاضينا مريض، وما أراه إلا وقد قضى نحبه. فأين لي بمثله، ومن يقوم بالرعية مقامه؟) فمات القاضي في تلك الليلة، وهو المصعب بن عمران قاضي أبيه. فولى بعده محمد بن بشير.
فكان أقصد الناس إلى حق، وأبعدهم من جور، وأنقذهم بحكم. ورفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية، وصيرها إلى الحكم؛ فوقعت من قلب الحكم كل موقع؛ فأثبت الرجل أمره عند القاضي، وأتاه بينة تشهد على معرفة ما تظلم منه ويملكه للجارية وبمعرفتهم بها. فأوجبت السنة أن تحضر الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم؛ فأذن له؛ فلما دخل عليه، قال له: (أيها الأمير! أنه لا يتم عدل في العامة دون إقامته في الخاصة!) وحكى له أمر الجارية، وخيره بين إبرازها للبينة ليشهد على عينها، أو عزله. فقال له الحكم: (أولا. أدعوك إلى خير من ذلك! تبتاع الجارية من صاحبها بأبلغ ما يطلب فيها.) فقال القاضي: (إن الشهود قد شهدوا من كورة جبان، وأتى الرجل يطلب الحق في مظامه؛ فلما صار ببابك، تصرفه دون إنفاذ الحق له؛ ولعل قائلا يقول: باع ما لا يملك بيع مقور!) فلما رأى عزمه على ذلك، أمر بإخراج الجارية من قصره؛ فشهد الشهود عنده على عينها، وقضى بها لصاحبها. وكان هذا القاضي محمد بن بشير، إذا خرج للمسجد، وجلس للأحكام،
(2/78)
________________________________________
جلس في رداء معصفر، وشعر مفرق؛ فإذا طلب ما عنده، وجد أفضل الناس وأورعهم.
وكان الحكم يقول: (ما تحلى الخلفاء بمثل العدل!) وكانت فيه بطالة، إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفو. وكان يسلط قضاته وحكامه على نفسه، فضلا عن ولده وخاصته. وكانت للحكم ألف فرس مرتبطة بباب قصره على جانب النهر، عليها عشرة من العرفاء، تحت يد كل عريف مائة فرس؛ فإذا بلغه عن ثائر ثار في أطرافه، عاجله قبل استحكام أمره؛ فلا يشعر حتى يحاط به. وجاءه الخبر يوما أن جاب بن لبيد محاصر لجيان، وهو يلعب بالصولجان في القصر؛ فدعا بعريف من أولئك العرفاء، وأسر إليه أن يخرج بمن تحت يده إلى جابر بن لبيد؛ ثم فعل كذلك مع أصحابه من العرفاء. فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه مسربلين في الحديد؛ فلما رأى العدو ذلك، سقط في يده، وظن أن الدنيا قد حشرت إليه؛ فولى بمن معه منهزما.
وكان الحكم فصيحا بليغا شاعرا مجيدا. فمن شعره - رحمه الله! - يتغزل، وذلك أنه كان له خمس جوار قد استخلصهن لنفسه وملكهن أمره؛ فذهب يوما إلى الدخول عليهن؛ فأبين عليه، وأعرضن عنه. وكان لا يصبر عنهن. فقال (البسيط) :
قُضْب من البازِ مَلسَت فَوقَ كُثْبانِ ... أعْرَضْنَ عَنّي وقد أزْمَعْنَ هِجْرانِي
ناشَدتُّهَنَّ بحقِي فاعْتزَمْن علي ... الهِجْرانِ حتَّى خَلا مِنْهنَّ هيْمانِي
مَلكنني مُلكَ مَنْ ذَلتْ عَزِيمَتُهُ ... للحبِّ ذُلَّ أسِير موثَّقٍ عانِي
مَنْ لي بُمغْتَصباتِ الرُّوح من بَدنِي ... عصبنب في الهوى عِزّي وسلطانِي
ثم إنهنَّ عدن عليه بالوصل؛ فقال (خفيف) :
نِلْتُ كُلَّ الوصال بعد البِعَادِ ... فكأنِي مَلكْتُ كُلَّ العِبادِ
وتَنَاهَى السُّروُر إذْ نِلتُ مَا لَمْ ... يُغنِ فيه تَكاشُفُ الأجْنَادِ
(2/79)
________________________________________
ومن مليح قوله فيهن - رحمه الله! - (خفيف) :
ظَلَّ مِنْ فَرْطِ حُبِّهِ مَمْلوكا ... ولقد كان قَبْلَ ذَاكَ مَليِكا
إن بكَى أو شَكَا الهَوى زِيدَ ظُلماً ... وبعاداً يُدنِى حماماً وشَيكا
تَرَكَته جاذر القصر صَبَّا ... مُستهاما على الصَّعِيدِ تَريكَا
يجْعَل الخَدَّ ماثلاً فوق تُربٍ ... وَهْوَ لا يرتَضِي الحَرِيرَ أريكا
هكذا يَحْسُنُ التذَلُلُ للحُرِّ ... إذا كان في الهَوَى ممْلُوكا
وله - رحمه الله! - أشعار كثيرة في الربضيين القائمين عليه، لا يجاريه فيها حد. وقد تقدم منها ما يستدل به على فضله. ولما دنت وفاته، عتب نفسه فيما تقدم منه عتابا، وتاب إلى الله مثابا، ورجع إلى الطريقة المثلى، وقال: إن الآخرة هي الأبقى والأولى؛ فتزين بالتقوى، واعتصم بالعروة الوثقى؛ وأقر بذنوبه واعترف، وأنس إلى قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. وكان من عباد الله المتقين، إلى أن أتاه من ربه اليقين. فتوفي - رحمه الله! - سنة 206.

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 15 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر بعض أخباره على الجملة
كان الإمام عبد الرحمن فصيحا، بليغا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر. مما أملاه على كاتبه إلى سليمان بن الأعرابي: (أما بعد، فدعني من معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق! لتمدن يدا إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لألقين بنابها على رضف المعصية نكالا بما قدمت يداك! وما الله بظلام للعبيد!) .
وكتب عنه أمية بن زيد كتابا إلى بعض عماله، يستقصره فيما فرط من عمله؛ فأكثر وأطال الكتاب. فلما لحظه عبد الرحمن بن معاوية، أمر بقطعه، وكتب بخط يده: (أما بعد، فإن يكن التقصير لك مقدما، فعد الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا. وقد علمت بما تقدمت؛ فاعتمد على أيهما أحببت!)
(2/58)
________________________________________
وثار عليه ثائر؛ فغزاه وظفر به. فبينا هو في الطريق، إذ نظر إلى الثائر، وهو على بغل في كبوله، وتحت الأمير عبد الرحمن فرس له؛ فلما لحقه، قنع رأسه بالقناة، وقال: (يا بغل! ماذا تحمل من الشقاق والنفاق!) فقال الثائر: (يا فرس! ماذا تحمل من العفو والإشفاق!) فقال: (والله! لا ذقت موتا على يدي!) فأطلقه.
ومن شعره البديع الرائق، ما كتب به إلى بعض من طرأ عليه من قريش؛ وكان قد استقل جرايته، واستطال بقرابته، وسأله الزيادة له والتوسعة؛ فكتب إليه بهذه الأبيات (بسيط) :
سِيَّانِ مَنْ قَام ذَا امْتعاضِ ... بِمُنْتَضَى الشَّفْرَتَيْنِ نَصْلاَ
فَجَابَ قَفْراً وشَقَّ بَحْراً ... مُسَامِياً لُجَّةً وَمَحْلاً
فَبَزَّ مُلْكاً وشَادَ عِزًّا ... ونَاثِراً للخِطَاب فَصْلاً
وَجَنَّدَ الجُنْدَ حِينَ أوْدَى ... ومَصْرَ المِصْرَ حينَ أجْلاَ
ثُمَّ دَعَا أَهْلَهُ جميعاً ... حَيْثُ أنْتَؤوا أنْ هَلُمَّ أهْلاَ
فَجَاء هذا طَريدَ جُوعٍ ... شَرِيدَ سَيْفٍ أبيدَ قَتْلاً
فَنَالَ أمْناً وَنَالَ شَبْعاً ... ونَالَ مالاً وحَازَ أهْلاَ
وذكر أن أيا جعفر المنصور قال يوما لبعض جلسائه: (أخبروني: من صقر قريش من الملوك؟) قالوا: (ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء!) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (فمعاوية؟) قال: (لا!) قالوا: (فعبد الملك بن مروان؟) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (يا أمير المؤمنين! فمن هو؟) قال: (صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه؛ فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكا عظيما
(2/59)
________________________________________
بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة سكيمته. إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه؛ وعبد الملك ببيعه أبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين يطلب عنزته، واجتماع شيعته. وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين!) فقال الجميع: (صدقت، والله، يا أمير المؤمنين!) وكان الإمام عبد الرحمن من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قوله رحمه الله!) يتذكر وكنه (خفيف) :
أيُّها الراكبُ المُيَمّمِ أَرْضِي ... اقْرأ بَعْضَ السلامِ عَنّي لبَعْضِي
إنّ جِسْمِي كَمَا تَرَاهُ بأرْضِ ... وَفُؤادِي ومَالِكيِهِ بأرْضِ
قُدْرَ البَيْنُ بَيْنَنَا فافْتَرَقْنا ... وطَوَى البَيْنُ عن جُفوني غَمْضِ
قدْ قَضَى اللهُ بالبِعادِ عَلَينا ... فَعَسَى باقْتِرابِنا يَوْفَ يَقْضِي
وله من الشعر كثير مشهور. وذكر الرازي أن الإمام عبد الرحمن، أول نزوله بمنية الرصافة واتخاذه لها، نظر فيها إلى نخلة؛ فهاجت شجنه، وتذكر وطنه؛ فقال على البديهة (طويل) :
تَبَدَّت لَنَا وَسْطَ الرُّصافَةِ نَخْلةٌ ... تَنَاءت بأرضِ الغَرْبِ عن بَلَدِ النَّخْل
فقُلتُ شَيِهي في التَغَرُّبِ والنَّوَى ... وطُولِ التَّنَاءي عن بُنّيَّ وعن أهلي
نشَأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غَريَبةٌ ... فمِثْلُكِ في الإقصاء والمُنتاي مثلي
سَقَاكِ غَوَادِي المُزْنِ مِن صوبها الذي ... يسحُّ ويستمرِي السِماكين بالوّبْلِ
وكان - رحمه الله! - قد عقد العهد لابنيه هشام وسليمان. فولى بعده هشام، على ما أذكره.
(2/60)
________________________________________
خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل
كنيته: أبو الوليد. مولده: سنة 139. أمه تسمى جمال. نقش خاتمه: (بالله يثق عبده هشام وبه يعتصم) . صاحب شرطته: عبد الغافر بن أبي عبدة. وزراؤه: ثمانية. كتابه: اثنان: فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد. قاضيه: المصعب بن عمران. صفته: أبيض مُشرب بحمرة، بعينيه حول. حاجبه: عبد الرحمن بن مغيث. بنوه: الذكور ستة، والإناث خمس.
بويع يوم الأحد مستهل جمادى الأولى من السنة. وكان عند موت أبيه بمدينة ماردة؛ فوافاه الخبر؛ فطرق، ووصل قرطبة بعد ستة أيام. فبايعه الخاصة والعامة. وكان أخوه بطليطلة؛ وكان أكبر سنا منه فلما اتصل به خبر أبيه، حشد الحشود، وجند الجنود، يريد قرطبة، مخالفا لأخيه. فلما حصل بجيان، خرج إليه هشام في أجناده، والتقى معه بجهة بلج؛ فوقعت بينهم حرب شديدة؛ فانهزم سليمان، وأسلم عسكره، وفرَّ على وجهه. وقفل هشام إلى قرطبة ظافرا في أجناده.
وتوفي هشام ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة 180؛ فكان عمره أربعين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام؛ فكانت مدة دولته وخلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام.
وقيل إن عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - لما حضرته الوفاة، وابنه هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال له: (من سبق إليك من أخوتك، فأرم إليه بالخاتم والأمر! فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه!) فقدم هشام من ماردة قبل سليمان؛ فنزل بالرصافة، وخاف من عبد الله أخيه، إذ صار
(2/61)
________________________________________
متمكنا من قرطبة والقصر والأموال، أن يدافعه. فخرج إليه أخوه عبد الله، وسلَّم عليه بالخلافة، ودفع إليه الخاتم، كما أوصاه أبوه، وأدخله القصر.
قال الرازي: ولما صار الأمر إلى هشام، واتصل ذلك بسليمان أخيه، أخذ بيعة أهل طليطلة وما جاورها لنفسه، وغلب عليها. وشغله أمر أخيه هشام. فثار سعيد بن الحسين الأنصاري بساغنت من إقليم طرطوشة، وأقبل إلى سرقسطة؛ فأخرج منها وإليها، وضرب بين الناس، ودعا إلى نفسه وإلى الفتنة؛ فأرسلها مضرية ويمانية. وحشد موسى بن فرتون إلى سرقسطة؛ فأخذها؛ وكان على دعوة المضرية؛ فالتقى مع اليمنيين. وكانت بينهم حرب؛ فقتل منهم جماعة، ودخل سرقسطة. ثم قدم مطروح بن سليمان بن الأعرابي على دعوة أبيه من برسلونة؛ فتغلب على وشقة وسرقسطة والثغر كله.
وفي سنة 173، طمحت نفس عبد الله البلنسي أخي هشام إلى الإمارة؛ وقد كانت في يده أولا، ولم يرض منه إلا بمشاركته، وذلك بعد سبعة أشهر من وفاة والدهما. وكان هشام يبرُّه، ويترضاه، ويفضله على الكثير من اخوته؛ فلم يقنعه ذلك، وخرج يريد أخاه سليمان بطليطلة. فلما بلغ الأمر إلى هشام، أشفق من ذلك، وأخرج إليه من يرضيه ويرده؛ فلم يدركه. ومضى حتى قدم طليطلة.
وفي هذه السنة، خرج هشام إلى أخيه سليمان بطليطلة. فلما نزل عليه، خرج سليمان مستخفيا، وخلف أخاه عبد الله وابنه داخل المدينة، ونهض يريد انتهاز الفرصة؛ فطوى المراحل، حتى احتل بشقندة. فخرج أهل قرطبة مدافعين له. وبلغ هشاما خبره؛ فلم يكترث لذلك. ووجه ابنه عبد الملك يقفو أثره؛ فلما قرب منه، ولى سليمان منهزما، وقطع إلى غير وجهة حتى خرج متعسفا إلى ناحية ماردة؛ وكان عاملها حدير المعروف بالمذبوح؛ فخرج إليه؛ فهزمه. وتمادى الأمير هشام في حصار طليطلة شهرين وأياما؛ ثم قفل عنها.
(2/62)
________________________________________
وفي سنة 174، انصرف عبد الله البلنسي إلى أخيه هشام بلا عهد ولا أمان؛ فأنزله الإمام هشام عند ابنه الحكم.
وفيها، أغزى هشام ابنه معاوية إلى تدمير، وقائداه شهيد بن عيسى وتمام ابن علقمة؛ فدوخوا تدمير (وهي مرسية) ، وبلغوا البحر. وكان سليمان (يعني أخا هشام) قد حصل في بعض ثغور تدمير؛ فطلب سليمان الأمان؛ فاشترط عليه الأمير هشام الخروج عن الأندلس، ويعطيه ستين ألف دينار؛ فركب سليمان البحر بأهله وولده، واحتل ببلاد البربر. فكفاه الله أمر إخوته.
وفي سنة 175، أغزى هشام بن عبد الرحمن عبيد الله إلى سرقسطة، وبها يومئذ مطروح المذكور؛ فحاصرها عبيد الله؛ ثم احتل بمدينة طرسونة، وألح عليها بالمحاصرة، حتى ضاق ذرع أهل سرقسطة، وضجوا من تمادي الحصار؛ فخرج مطروح في بعض الأيام متصيدا، ومعه عمروس بن يوسف وابن صلتان؛ فلما أرسل بازيه على طائر ونزل على الصيد، تعاوراه بسيوفهما حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وتقدما به إلى ابن عثمان، وهو بطرسونة؛ فتحرك إلى سرقسطة؛ فلم يمتنع عليه أحد من أهلها؛ ودخل المدينة؛ فنزلها، وبعث برأس مطروح إلى الأمير هشام.
وفي سنة 176، أغزى الإمام هشام أبا عثمان عبيد الله بن عثمان إلى ألبة والقلاع؛ فلقي بها أعداء الله بجموعهم متوافين؛ فهزمهم الله على يديه، وقتلوا في السهل والوعر؛ وانتهى ما حيز من رؤوسهم إلى تسعة آلاف رأس ونيف.
وفي هذه السنة، غزا يوسف بن بخت إلى جليقية؛ فالتقى ببرمود الكبير، وواضعه الحرب؛ فانهزم عدو الله، وانتهب المسلمون عسكره، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وحز من رؤوسهم عشرة آلاف، سوى من لم يتمكن منه ممن
(2/63)
________________________________________
قتل في الوعر. وأتى هذا الفتح قرطبة بعد فتح أبي عثمان. ذكر ذلك الرازي وغيره.
وفي سنة 177، أغزى الإمام هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث بالصائفة إلى أرض الروم، وهي غزوة شهيرة الخبر، جليلة الخطر، انتهى فيها إلى إفرنجة؛ فحاصرها، وثلم بالمجانيق أسوارها، وأشرف على بلاد المجوس؛ وجال في بلاد العدو، وبقى شهورا يحرق القرى ويخرب الحصون. وأوقع بمدينة أربونة؛ وكان فتحا عظيما، بلغ فيه خمس السبي إلى خمسة وأربعين ألفا من الذهب العين.
وفي سنة 178، هاجت الفتنة بتاكرنا، وخالف بربرها، وغاروا على الناس، وقتلوا وسبوا. فبعث الإمام هشام إليهم الأجناد بعد الإعذار إليهم. فقتل أكثرهم، وفرّ سائرهم إلى طلبيرة وترجيلة. وأقامت تاكرنا، وهي إقليم رندة، وبلادها خالية قفرا سبع سنين.
وفي سنة 179، أغزى الإمام هشام بن عبد الرحمن عبد الكريم بن مغيث بالصائفة، حتى انتهى إلى مدينة أسترقة داخل جليقية. فبلغه أن إذفونش قد حشد بلاده، واستمد البشكنش وأهل تلك النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم، وأنه عسكرهم ما بين حيز جليقية والصخرة، وأنه أذن لسكان السهل بالتفرق في شواهق جبال السواحل. فقدم عبد الكريم فرج بن كنانة في أربعة آلاف فارس؛ ثم رحل في إثره؛ فألقى أعداء الله؛ فواضعهم الحرب حتى هزمهم الله؛ فقتل حماتهم، وأسر جماعة منهم؛ ثم أمر بعد انحلال الحرب بقتلهم، وبث الخيل في القرى؛ فانتسفت جميع ما ألفته من زروعهم، وخربت ما مرت عليه من عمارتهم. وتقدم بعد ذلك إلى واد يقال له كوثية؛ فلقى به غندماره
(2/64)
________________________________________
وهو في ثلاثة آلاف فارس فقاتله حتى انهزم عسكره، وأخذ غندماره أسيرا، وقتل من أصحابه عدد كثير. وأصاب العسكر جميع ما في تلك الناحية. وتقدم مستنجزا لإذفونش؛ فلما بلغه قصده إليه، تنحى عن الجبل الذي كان فيه منحازا عنه إلى حصن له، كان قد بناه وأتقنه على وادي نلون؛ فتقرب منه عبد الكريم مقتفيا لأثره، ولا يمر بمنزل فيما بينه وبينه إلا حرقه، ولا بمال إلا أصابه، حتى أطل على الحصن. فانتقل منه إلى حصن ملكه. واحتل عبد الكريم بالحصن الذي انتقل منه؛ فألقى فيه الأطعمة وضروب الذخر، وبعث في اليوم الثاني من حلوله به فرج بن كنانة، في عشرة آلاف فارس، يقفو أثره؛ فلما قرب منه، انهزم عنه وأسلم جميع عدته وذخره؛ فغنم المسلمون جميع ذلك.
وفي سنة 180، توفي الإمام هشام بن عبد الرحمن - رحمة الله عليه! - ودفن بقصر قرطبة؛ وصلى عليه ابنه الحكم؛ وذلك ليلة الخميس، كما تقدم ذكره. وبايع الناس ابنه الحكم؛ وكان ابنه عبد الملك أسن منه.

ذكر بعض أخباره على الجملة
كان - رحمه الله! بسط البنان، فصيح اللسان، وسبع الجناب، حاكما بالسنة والكتاب؛ قبض الزكوات من طرقها، ووضعها في حقها؛ لم يأخذه في الله لوم ولا تعلق به ظلم. ارتفع أخوه عن مبايعته، وامتنع عن طاعته، واستبد بطليطلة استبدادا، واستنفر للخلاف والنفاق أجنادا؛ فما زال يشتغل بالفتنة بالا، ويذيق الناس وبالا؛ قد عظمت عليه به المحنة، وعدمت منه الهدنة، حتى مات الأمير هشام، وحكمت بخلافة ابنه الحكم الأحكام؛ فحاربه في تلك القطار، إلى أن اختطفته الأسنة والشفار؛ فأمن بعد ذلك الجانب، ولم يكن في ذلك التأريخ هنالك ما جنب.
(2/65)
________________________________________
وكان هشام يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال، ثم ينصرفون إليه بما عندهم؛ فيقع نظره بهدم ما تكشفه المحنة له منهم. واعترض له يوما متظلم من أحد عماله؛ فبدر إلى الشاكي من رجال العامل من ترخاه شنقة منه على العامل. فبعث إلى الشاكي وقال له: (احلف على كل ما ظلمك فيه؛ فان كان ضربك، فاضربه؛ أو هتك لك سترا، فاهتك ستره؛ أو أخذ لك مالا، فخذ من ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حدا من حدود الله!) فجعل الرجل لا يحلف على شيء إلا أقيد منه. فكان زجره هكذا العماله، أبلغ فيهم من النكال والأدب. وكان كريما، عادلا، فاضلا، متواضعا، عاقلا، لم تعرف منه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه. (ومن كرمه أنه كان يصر أموالا في صرور، ويخرج بها بين المغرب والعشاء يتفقد المسجد؛ فإذا وجد واحدا يصلي في مسجد أو لا يصلي، وضع بين يديه صرة، حتى كثرت عمارة المساجد وكان - رحمه الله! - قد نظر في بنيان قنطرة قرطبة، وأنفق في إصلاحها أموالا عظيمة. وتولى بناءها بنفسه، وتعطى الأجرة بين يديه. قال ابن وضاح: لما ينى هشام القنطرة، تكلم بعض الناس فيه، وقالوا: (إنما بناها لتصيده ونزهته!) فحلف حين بلغه ذلك ألا يجوز عليها إلا لغزو أو مصلحة.
قال القاضي أبو معاوية: أدركت صدرا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا كانت من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يعلم لها مثل. وكان يحضر الجنائز، ويزاحم فيها، كأنه أحد من الناس، تواضعا. وكان لبعض رجال هشام خصومة في دار عند القاضي مصعب بن عمران؛ فسجل عليه القاضي فيها وأخرجه منها؛ فنهض الرجل إلى هشام، وقال له: (إن القاضي سجل عليَّ في داري التي كنت أسكنها، وأخرجني عنها!) فقال له هشام: (وماذا تريد مني؟ والله لو سجل عليّ القاضي في مقعدي هذا، لخرجت عنه!) انقيادا منه للحق - رحمة الله عليه!.
(2/66)
________________________________________
قصة الكناني مع هشام بن عبد الرحمن
كان قبل خلافته يقعد في علبة مطلة على النهر، ينظر منها إلى الربض، وتقع عينه على من يخطر. فنظر يوما في الهاجرة إلى رجل من بني كنانة؛ وكان من صنائعه، مقبلا من باديته بجيان؛ وكان أخوه سليمان واليا عليها؛ فدعا فتى له وقال له: (أرى الكناني صنيعنا مقبلا في هذه الظهيرة، وما أحسب ذلك إلا لخطب أقلقه من أبي أيوب أخي. فإذا وصلك، فأدخله على كما هو.) ففعل الفتى ما أمره. وكانت مع هشام جارية له. فلما دنا الكناني، رفع سترا كان أمامه؛ فدخلت الجارية خلفه؛ ثم قال له، بعد أن سلم عليه: (يا كناني، لا أحسبك إلا قد دهمك أمر!) فقال له الكناني: (قتل رجل من بني كنانة رجلا خطاء؛ فحملت الدية على العاقلة؛ فأخذت بنو كنانة عامة، وحيف عليّ من بينهم خاصة، لما عرف أبو أيوب مكاني منك. فعذت بك من ظلامتي!) فقال له: (يا كناني! ليفرج روعك وليسكن جأشك لا جرم قد تحمل هشام عنك وعن قومك جميع الدية!) ثم مد يده إلى خلف الستر؛ فأخرج عقدا كان على الجارية، ثمنه ثلاثة آلاف دينار؛ فقال له: (خذ هذا العقد؛ فأد من ثمنه عنك وعن قومك، وتوسع في الباقي!) فقال الكناني: (يا سيدي! إنه لم آتك مستجديا ولا ضاق لي مال عن أداء ما حملته؛ ولكني أتيتك مستجيرا بك لما أصبت بالعدوان والظلم؛ فأحببت أن تظهر على من عز نصرك!) قال له: (فما وجه نصرك؟) قال له: (أن يكتب الأمير - أصلحه الله! - إلى أبي أيوب في الإمساك عن أخذي بما لم يجب عليّ، وأن يحملني محمل عامة أهلي!) فقال له هشام: (خذ العقد لأهلك ولنفسك، إلى أن ييسر الله فيما ذهبت إليه من أمرك!) ثم أمر هشام بإسراج دابته من فوره، وركب إلى أبيه الأمير عبد الرحمن. فلما مثل بين يديه، قال له: (رجل من بني كنانة، هو لي صنيعة،
(2/67)
________________________________________
عدا عليه أبو أيوب بجيان في دبة حملت على العاقلة!) قال الأمير: (فما تحب في أمره؟) قال: (الكتب إليه بالكف عنه، وأن لا يؤخذ بغير ما لزمه!) فقال الأمير: (أو خير من ذلك! يؤدي الدية عنه وعن قومه من بيت المال، إذ هو منك بهذه المنزلة، وإذ أنت له بهذه العناية!) فأكثر هشام الشكر لوالده؛ ثم أمر الإمام بأداء الدية من بيت المال، وبالكتب إلى أبي أيوب بترك التعرض للكناني. ولما حان توديع الكناني لهشام، قال له: (يا سيدي، إني قد بلغت فوق الأمنية، وجاوزت أقصى غاية العز والنصرة! وهذا العقد النفيس قد أغنى الله عنه!) فقال له هشام (يا كناني، إنه لا سبيل إلى رد شئ قد خرج عنا. فخذه مباركا لك فيه!) وهشام هذا هو الذي أكمل سقائف المسجد الجامع بقرطبة، ورفع منارته القديمة، وبنى الميضأة العجيبة، وعقد من الجسر ما كان تثلم بالسيل - رحمه الله!

خلافة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن
كنيته! أبو العاصي. أمه: زخرف. مولده: سنة 154. بويع بعد موت أبيه بليلة، يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة 180، وهو ابن ست وعشرين سنة؛ فكانت خلافته ستا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا. كتابه: ثلاثة: فظبس، وخطاب بن زيد، وحجاج العقيلي؛ حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث؛ وزراؤه وقواده: خمسة: إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد المذكور، وفطبس بن سليمان، وسعيد بن حسان. قضاته: مصعب بن عمران، ومحمد بن بشير، والفرج بن كنانة، وبشر بن قطن، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى. نقش خاتمه: (بالله يثق الحكم وبه يعتصم! صفته: آدم، شديد الأدمة، طويل، أشم، نحيف، لم يخضب. بنوه الذكور: تسعة عشر، والبنات: إحدى وعشرون. توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة 206؛ فكان عمره اثنان وخمسون سنة.
(2/68)
________________________________________
ولما بلغ موت هشام الرضى إلى سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن بن معاوية، وهما بالعدوة، تقدم عبد الله؛ فجاز البحر إلى ريف الأندلس.
ولما بويع الحكم بالخلافة، واستوسق له الأمر، وجه عبد الكريم بن عبد الواحد غازيا إلى دار الحرب، في جيش عظيم؛ فاحتل عبد الكريم بالثغر؛ وتوافت عليه الجيوش. ثم تقدم، فاحتل على شاطئ البحر، وقسم الجيش على ثلاثة أقسام، وقدم على كل قسم رئيسا، وأمر كل واحد منهم بأن يغير على الناحية التي قصدها ووجه إليها؛ فمضوا، وأغاروا، واستباحوا، وانصرفوا غانمين ظافرين. ثم عادوا ثانية إلى الإغارة، وجاوزوا خلجا كانت تمد وتحصر؛ وكان أهل تلك النواحي قد تحرزوا بها، ونقلوا إليها العيال والماشية والأموال؛ فأغاروا عليها، واحتووا على جميع ما وجدوا فيها، وانصرفوا سالمين غانمين.
وفي سنة 181، ثار على الأمير الحكم بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر، ودخل سرقسطة، وملكها. وحل به عبد الله بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية؛ وكانت وجهته إلى إفرنجة.
وفيها، ثار عبيدة بن حميد بطليطلة؛ فنصب الحكم عمروس بن يوسف لحربه من طلبيرة؛ فكان يتردد لحربهم؛ ثم إن عمروس كاتب رجالا من أهل طليطلة، واستلطفهم حتى مالوا إليه؛ فدعاهم إلى القيام على عبيدة، والفتك به؛ ووعدهم على ذلك بمثوبة جليلة من الأمير؛ فبدروا إليه، وقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى عمروس؛ فأنزلهم عند نفسه بطلبيرة. فلما علم بهم بعض بربر طلبيرة، وكانت بينهم دماء، دخلوا عليهم تلك الليلة الدار؛ فقتلوهم. فبعث عمروس برأس عبيدة وبرؤوس المذكورين، وهم بنو مخشي إلى الحكم بقرطبة، وكتب إليه يخبرهم. ثم إن عمروس أعمل جهده في استجلاب أهل طليطلة بمكاتبتهم، حتى أدخلوه المدينة. فلما تمكن منها، بنى القصر على باب جسرها؛ فأحكمه، وأتقن أمره؛ ثم سعى في قتل رجال طليطلة، وقطع شرهم، وحسم دائهم، توطيدا للمملكة. فأعد للكيد
(2/69)
________________________________________
صنيعا، أظهر أنه يذبح فيه البقر، وأمر أن يكون دخول الناس على باب، وخروجهم على باب. فكان كل من دخل وتجاوز الباب قتل، حتى أفنى من أشرافهم سبعمائة.
وفي سنة 182، كان السيل العظيم بقرطبة، ذهب بربض القنطرة؛ ولم يبق فيه دارا إلا هدمها، حاشى غرفة عون العطار. وبلغ السيل شقندة.
وفيها، دخل سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية الأندلس من العدوة، وتقدم متعرضا لحرب الحكم، في شوال منها؛ فانهزم سليمان، بعدما دارت بينهما حرب شديدة. وفيها، عاد سليمان ثانيا للقتال؛ والتقى مع الحكم أيضا ببنجبطة؛ فانهزم سليمان.
وفي سنة 183، خرج سليمان، ومعه برابر اجتمعوا إليه، إلى ناحية إستجة؛ فغزاه الحكم، والتقيا بمقربة من إستجة؛ فدارت بينهم حروب شديدة أياما. ثم انهزم سليمان بمن كان معه. ثم التقيا أيضا في هذا العام؛ فانهزم سليمان.
وفي سنة 184، حشد أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن من الشرق، فاحتل بجيان، ثم بإلبيرة. فاتبعه جماعة من الكورتين، والتقى معه الحكم؛ فدام القتال بينهم أياما، حتى هم الحكم بالهزيمة. ثم انهزم سليمان، وأفلت. وقتل في المعترك بشر كثير. وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلبه؛ فلحقه بجهة ماردة، وأخذه أسيرا، وأتى به إلى الحكم؛ فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة.
وفي سنة 186، أخرج الحكم إلى عمه عبد الله البلنسي أمانا؛ وهو أول خروج كان إليه، وأول مكاتبة كانت بين الحكم وبينه بعد حلوله ببلنسية.
وفي سنة 187، انعقد أمان عبد الله البلنسي وصلحه بإجزاء الأرزاق عليه، وذلك ألف دينار لكل شهر، وبإجراء المعارف، وذلك ألف دينار لكل عام.
(2/70)
________________________________________
وخرج إليه بهذا الأمان يحيى بن يحيى وابن أبي عامر؛ فعقد الصلح على ذلك وعلى أن يسكن عبد الله بلنسية. وقدم يحيى وابن أبي عامر بولد عبد الله على الحكم؛ فزوجه أخته شقيقته.

مقتل أهل الربض أولا قبل هيجه ثانية
وفي سنة 189، صلب الإمام الحكم اثنين وسبعين رجلا بقرطبة، منهم أبو كعب بن عبد البر، ويحيى بن مضر، ومسرور الخادم. وكان السبب في ذلك أنهم أرادوا الغدر به، وهموا بالخلاف عليه؛ وطلبوا رئيسا يقومون به. فوقع الخبر علي محمد بن القاسم عم هشام بن حمزة، وأطلعوا على أمرهم، ودعوه للقيام معهم؛ فخذلهم، وأفشى سرهم، وتقرب إلى الحكم بدمائهم. فتثبت الحكم، وسأله تصحيح ما رفع إليه؛ فقال له: (هات أمناءك!) فأخفاهم عنده، ووجه عنهم لميعاده؛ ثم قال لهم: (هذا الذي تدعونني إليه لا أثق بمن سميتم، دون أن أسمع منهم كما سمعت منكم؛ فتطيب نفسي، وأدخل في الأمر على قوة وبصيرة!) فأتوه، وسمه مقالتهم، والأمناء بحيث يرون ويسمعون. فلما صح عند الحكم أمرهم بشهادة الأمناء عليهم، أخذهم وصلبهم جميعا بمردة واحدة. ثم أتقن سور قرطبة وحفر خندقها، وتوجه غازيا إلى بلاد المشركين.
ومن قوله (طويل) :
رأيتُ صُدُوعَ الأرضِ بالسيفِ رافِعاً ... وقِدماً لأمتُ الشعثَ مُذْ كُنتُ يافعاَ
فَسَائلْ ثغوري هل بها الآن ثُغْرةٌ ... أبادرها مستنْضِيَ السيف دارعاَ
وشَافِه على الأرض الفضاء جماجِماً ... كأقحاف شريان الهبيدِ لَوامِعاَ
تُنَبِئك أني لم أكُن عن قراعِهم ... بِوانِ وأنِي كنتُ بالسيف قارِعَا
فإني إذا حادوا جِزاعا عن الرَّدَى ... فلم أكُ ذا حيدٍ عن الموت جازِعَا
حَمَيتُ ذماري وانتهكتُ ذِمارَهم ... ومَنْ لا يحامي ظلَّ خَزيان ضَارِعَا
(2/71)
________________________________________
ولما تساقينا سِجالُ حُروبِنَا ... سقَيْتُهُمُ سَمَّا من الموت نافِعَا
وهل زِدتُ أن وقَّيتُهُمْ صاعَ قرضِهم ... فوافوا مَنَاياَ قُدّرَت ومَصَارِعَا
فَهَاكَ بِلادي إنّني قد تركتُها ... مِهَاداً ولم أتْرُكْ عليها مُنَازِعَا
وفي سنة 190، خرج الأمير الحكم غازيا إلى ماردة. فلما وصلها، احتلها وحاصرها (وكان بها أضبغ بن عبد الله بن وانسوس ثائرا) وإذا بالخبر وصله أن سواد أهل قرطبة أعلنوا بالنفاق، وتداعوا إلى صاحب السوق بالسلاح؛ وكتب المخلفون إلى الحكم بما حدث بعده وبما ظهر من ضمائر السفلة؛ فصدر قافلا، وطوى المراحل، وقطع الطريق في ثلاثة أيام، ودخل القصر. فهدأ الناس، وسكنت الأحوال، وصار الناس في هدوء وسكون من سنة 190 إلى سنة 202، والتزموا الدعة اثني عشر سنة.
وترددت الغزوات سبعة أعوام إلى ماردة، وبها أصبغ بن عبد الله ثائرا متمنعا. وكان سبب ثورته أن عدوا لأصبغ طالبه عند الحكم وأغراه عليه. ثم مشى إلى أصبغ بمثل ذلك، وروعه منه؛ فتوقع العقوبة والسطوة به. فكان ذلك سبب دخوله ماردة وقيامه بها. وتكررت الغارات عليه سبعة أعوام؛ فافتتحت في العام السابع بمحاولة انجلت عن طلب الأمان لأصبغ فأمن، وخرج من ماردة، وصار في مصف الحكم؛ فسكن قرطبة؛ ثم فسح له في الاختلاف إلى ضياعه بماردة حتى التاث أمرها، واضطربت حالها.
وفي سنة 192، خرج رذريق صاحب إفرنجة إلى جهة طرطوشة؛ فأغزى الحكم ابنه عبد الرحمن في جيش كثيف، وكتب إلى عمروس وعبدون عاملي الثغر بالغزو معه بجميع أهل الثغر. فتقدم عبد الرحمن بالجنود، وتوافت عليه الحشود، وحفت به المطوعة. فألفوا الطاغية خارجا إلى بلاد المسلمين. ودارت
(2/72)
________________________________________
بينهم حروب شديدة، ثبت الله فيها أقدام المسلمين. فانهزم المشركون؛ وكانت فيهم مقتلة عظيمة؛ ففنى أكثرهم.
وفي سنة 194، غزا الحكم إلى أرض الشرك. وكان السبب في هذه الغزاة أن عباس بن ناصح الشاعر كان بمدينة الفرج (وهي وادي الحجارة) . وكان العدو، بسبب اشتغال الحكم بماردة وتوجيه الصوائف إليها مدة من سبعة أعوام، قد عظمت شوكته، وقى أمره. فشن الغارات في أطراف الثغور، يسبي ويقتل. وسمع عباس بن ناصح امرأة في ناحية وادي الحجارة، وهي تقول: (واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا!) فلما وفد عباس على الحكم، رفع إليه شعرا يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به؛ وأنهى إليه عباس ما هو عليه الثغر من الوهن والتياث الحال. فرثى الحكم للمسلمين، وحمى لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازيا إلى أرض الشرك؛ فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيرا، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم، يصلحون به أحوالهم ويفدون سباياهم؛ وخص المرأة وآثرها، وأعطاهم عددا من الأسرى عونا. وأمر بضرب رقاب باقيهم، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: (هل أغاثكم الحكم؟) قالوا: (شفا والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا إذ بلغه أمرنا! فأغاثه الله وأعز نصره!) وفي سنة 196، غزا الحكم إلى بلاد المشركين، وأوغل فيها، وأوقع بهم، وقفل. وفيها، مات تمام بن علقمة الثقفي.
وفي سنة 199، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات أكثر الخلق جهدا.
(2/73)
________________________________________
وفي هذه السنة، أغرى الحكم عمه عبد الله البلنسي الغزوة الشنيعة المشهورة، وكانت ببرشلونة: ألفي المشركين قد حلوا بها يوم احتلاله، وكان يوم الخميس؛ فأراد من معه مناشبة الحرب، وتشوقوا للقتال؛ فمنعهم حتى إذا كان في اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة وقت الزوال، أمر بتعبئة الكتائب، ونصب الردود؛ وقام، فصلى ركعتين؛ ثم نادى في الناس، وركب هو ومن معه، وناهض أهل الشرك. وما أحسبه فعل ذلك إلا ففها وعلما وتأسيا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر بالقتال في تلك الساعة: فإن فيها تهب الأرواح، وتفتح أبواب الجنة، وتستجاب الدعوات، فمنحهم الله أكناف المشركين، وانهزموا. وقتل عامتهم، وفرق جمعهم. فلما أقلع عن القتال وانجلت الحرب، نصب قناة طويلة، فأثبتت في الأرض؛ وأمر بالرؤوس؛ فجمعت وطرحت حواليها حتى غابت القناة فيها (ولم تظهر) .

ذكر دخول الحكم طليطلة حين خالفت عليه
وذلك أنه أظهر الغزو إلى بلاد المشركين، وقصد تدمير، وهو يريد في نفسه طليطلة. فنزل تدمير، واضطرب فيها، ونازل بعض حصونها. وكتب إلى عمال الثغر بنزوله فيها وحربه لها؛ فأمن أهل طليطلة، وانتشروا في بسائطهم، ونظروا في زروعهم، وله عليهم عيون. فلما صحَّ عبده انبساطهم، جعل يتغرب من أحواز تدمير، وأخبار طليطلة ترد عليه. فلما أمكنته الفرصة فيها، جدَّ السير إليها، وطوى المراحل؛ فوصل إليها ليلا، وسبق بقطيع من الحشم. فدخل طليطلة ليلا، ولم يعلم بدخوله، وأهلها في غفلة، وأبوابها مفتحة. وتتابع العسكر عليه بمقدار قوة كل أحد. فملكها، وحال بين أهلها وبينها، وقطع الخروج عمن كان بها إلى من كان بخارجها. فاستوسق له ملكها دون مئونة ولا قتال.
(2/74)
________________________________________
فاستنزل أهلها من الجبال إلى السهل، وحرق ديارها، وسكنهم في الصحراء. ثم ردهم إليها.
وفي سنة 200، أغزى الحكم وزيره عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد المشركين؛ فدخلها، وتوسطها، وأهلك معائشها ومرافقها، وحطم زروعها، وهدم منازلها وحصونها، حتى استوفي جميع قرى وادي أرون. فحشدت إليه الطاغية - دمرها الله! - وانجلبت النصرانية من كل مكان، وأقبلت الجموع، ونزلت بعدوة نهر أرون؛ وصار النهر حاجزا بينهم وبين المسلمين. فلما أصبح، نهض عبد الكريم بمن معه إلى مخائض الوادي؛ ونهض أعداء الله إليهم؛ فقاتلوهم على كل مخاضه منها؛ فجالدهم المسلمون عليها مجالدة الصابرين المحتسبين. واقتحم أعداء الله النهر إليهم؛ فاقتتلوا على مخاضته. ثم حمل المسلمون عليهم حملة صادقة؛ فأضغطوهم في المضايق، وأدخلوهم على غير طريق؛ فأخذتهم السيوف والطعن بالرماح والغرق في المياه؛ فقتل من المشركين عدد عظيم لا يحصى كثرة، ومات أكثرهم بالتردي ودرس بعضهم بعضا، وصاروا بعد المطاعنة والمجالدة بالرماح والسيوف إلى القذف بالحجارة؛ وأكثروا الحراس بالمخائض، ووعروها بالخشب، وحفروا الحفائر، وخندقوا الخنادق. ونزلت الأمطار؛ وكان قد فرغ ما كان لأعداء الله من المرافق؛ وضاقت الحال أيضا بالمسلمين؛ فقفل عبد الكريم ظافرا لسبع خلون من ذي القعدة.
ولم يكن في سنة 201 صائفة ولا حركة مشهورة.

ذكر هيج أهل الربض ثانية في سنة 202
كان من أهل ربض قرطبة في هذه السنة ما نستعيذ بالله من الخذلان في مثله، وذهاب التوفيق. وقد اختلفت الروايات في سبب قيام الناس وهيجهم؛ فمنهم
(2/75)
________________________________________
من يقول إن ذلك الهيج كان أصله الأشر والبطر، إذ لم يكن ثم ضرورة من إجحاف في مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسف في ملكة، والحال تدل على صحة ذلك: فإنه لم يكن على الناس وظائف، ولا مغارم، ولا سخر، ولا شئ يكون سببا لخروجهم على السلطان، بل كان ذلك أشرا وبطرا، وملالا للعاقبة، وطبعا جافيا، وعقلا غبيا، وسعيا في هلاك أنفسهم - أعاذنا الله من الضلال والخذلان، وأسباب البوار والخسران! ولما اهتاجوا وقاموا على السلطان، ناصبهم الحكم القتال، وواضعهم الحرب. وانحاش إليه حاشيته وجنده، وتألب من كل وجه رجاله. وقامت الحرب بين الجند وعامة قرطبة على ساق. ثم تكاثرت العامة، وهاجت الدهماء السوداء؛ فلم يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم إلى أمل فلما اشتغلوا بالقتال، احتيل عليهم بمثل حيلة يوم الحرة، وهم لا يشعرون لاشتغالهم بالقتال؛ فخرج عبيد الله بن عبد الله البلنسي المعروف بصاحب الصوائف، وإسحاق بن المنذر القرشي إلى باب الجسر، مع من أمكنهما من الفرسان والرجالة، والتقوا مع العامة، وجالدوهم حتى أزاحوهم وأدخلوهم الجسر؛ وفتح باب المدينة عند الجسر، ودخل الذين سمينا على باب الحديد؛ ثم اقتحموا على الزقاق الكبير، وخرجوا على الرملة إلى مخاضة هناك، وجازوا النهر، واجتمعوا مع من توافى عليهم من حشود الكور، إذ كانوا قد أنذروا قبل ذلك بما كان بدا منهم، وظهر من علاماتهم. فلما اجتمعوا، أقبل بعضهم من وراء الربض، وشرع بعض في طرح النار في الدور، ودسوا من أخبر العامة بما نزل بهم في دورهم وذراريهم وعيالهم؛ فلم يبق أحد منهم دون أهله ومنزله، وانصرفوا راجعين نحوها. فأخذتهم السيوف من أمامهم وورائهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا، وتتبعوا في الأزقة والطرق، يقتلون؛ ونجا منهم من تأخر أجله، ففرَّ، فلم يلو على
(2/76)
________________________________________
أهل ولا ولد. وأخذ منهم ثلاثمائة رجل؛ فصلبوا على الوادي، صفا واحدا من المرج إلى المصارة.
وكان الحكم قد عزم على تتبعهم بالأندلس، وقتلهم حيث وجدوا؛ فكسر عليه بعض أصحابه، وذكره صنع الله له فيهم؛ فارعوى وكف. فخرجوا أفواجا بأهاليهم وأولادهم. ولم يعرض لأحد منهم في شئ من بلاد الأندلس، وهي طاعته وملكه، ولا نالهم ضر بعد وقت المعركة وغليان الحال، كرما وعفوا من الأمير الحكم - رحمه الله! - وعف الحكم عن الأموال والحرم. وتفرق أهل الربض في جميع أقطار الأندلس؛ ومنهم من جاز البحر إلى العدوة بالأهل والواد؛ فاحتلوا بعدوة فاس، فهم عدوة الأندلس منها؛ فصيروها مدينة. ومنهم أهل جزيرة إقربطش؛ فذكر أنه لم يخرج منهم طائفة بناحية من نواح الدنيا إلا وتغلبوا عليها، واستوطنوها على قهر من أهلها. وأكثر من هرب من أهل العلم والخير ممن اتهم أو خاف على نفسه إلى ناحية طليطلة، ثم أمنهم الحكم، وكتب لهم أمانا على الأنفس والأموال، وأباح لهم التفسح في البلدان حيثما أحبوا من أقطار مملكته، حاشى قرطبة أو ما قرب منها.
وفي سنة 206، اشتد مرض الحكم بن هشام؛ فأخذ البيعة لابنه عبد الرحمن، ثم للمغيرة من بعده. وانعقدت البيعة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة. فبويع له ذلك اليوم في القصر؛ واختلف الناس بعد ذلك اليوم إلى دار عبد الرحمن بن الحكم يبايعونه؛ وبايعوا المغيرة في دار أخيه عبد الرحمن أيضا؛ ثم ركب المغيرة إلى الجامع، ونزل فيه يوما بعد يوم لمبايعة الناس له؛ وكانوا يبايعونه عند المنبر؛ ثم بايعوه في داره. ولما انقضت البيعة لعبد الرحمن والمغيرة بعده، أمر الحكم بن هشام بهدم الفندق الذي كان بالربض؛ وكان متقبله من أهل الإضرار والفسق؛ فهدم. وتوفي الأمير الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة من السنة؛ وصلى عليه ابنه عبد الرحمن؛ ودفن بالقصر.
(2/77)
________________________________________
بعض أخباره وسيره
كان الحكم - رحمه الله! - شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتقى. وكان حسن التدبير في سلطانه، وتوليه أهل الفضل والعدل في رعيته؛ وكان مبسوط اليد. وكان له قاض كفاه بورعة وعلمه وزهده؛ فمرض مرضا شديدا؛ فاغتم الحكم لمرضه؛ فذكر بعض خاصته أنه أرق ليلة أرقا شديدا، وجعل يتململ على فراشه؛ فقيل له: (أصلح الله الأمير! ما الذي عرض؟) فقال: (ويحكم! إني سمعت في هذه الليلة نادبة، وقاضينا مريض، وما أراه إلا وقد قضى نحبه. فأين لي بمثله، ومن يقوم بالرعية مقامه؟) فمات القاضي في تلك الليلة، وهو المصعب بن عمران قاضي أبيه. فولى بعده محمد بن بشير.
فكان أقصد الناس إلى حق، وأبعدهم من جور، وأنقذهم بحكم. ورفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية، وصيرها إلى الحكم؛ فوقعت من قلب الحكم كل موقع؛ فأثبت الرجل أمره عند القاضي، وأتاه بينة تشهد على معرفة ما تظلم منه ويملكه للجارية وبمعرفتهم بها. فأوجبت السنة أن تحضر الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم؛ فأذن له؛ فلما دخل عليه، قال له: (أيها الأمير! أنه لا يتم عدل في العامة دون إقامته في الخاصة!) وحكى له أمر الجارية، وخيره بين إبرازها للبينة ليشهد على عينها، أو عزله. فقال له الحكم: (أولا. أدعوك إلى خير من ذلك! تبتاع الجارية من صاحبها بأبلغ ما يطلب فيها.) فقال القاضي: (إن الشهود قد شهدوا من كورة جبان، وأتى الرجل يطلب الحق في مظامه؛ فلما صار ببابك، تصرفه دون إنفاذ الحق له؛ ولعل قائلا يقول: باع ما لا يملك بيع مقور!) فلما رأى عزمه على ذلك، أمر بإخراج الجارية من قصره؛ فشهد الشهود عنده على عينها، وقضى بها لصاحبها. وكان هذا القاضي محمد بن بشير، إذا خرج للمسجد، وجلس للأحكام،
(2/78)
________________________________________
جلس في رداء معصفر، وشعر مفرق؛ فإذا طلب ما عنده، وجد أفضل الناس وأورعهم.
وكان الحكم يقول: (ما تحلى الخلفاء بمثل العدل!) وكانت فيه بطالة، إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفو. وكان يسلط قضاته وحكامه على نفسه، فضلا عن ولده وخاصته. وكانت للحكم ألف فرس مرتبطة بباب قصره على جانب النهر، عليها عشرة من العرفاء، تحت يد كل عريف مائة فرس؛ فإذا بلغه عن ثائر ثار في أطرافه، عاجله قبل استحكام أمره؛ فلا يشعر حتى يحاط به. وجاءه الخبر يوما أن جاب بن لبيد محاصر لجيان، وهو يلعب بالصولجان في القصر؛ فدعا بعريف من أولئك العرفاء، وأسر إليه أن يخرج بمن تحت يده إلى جابر بن لبيد؛ ثم فعل كذلك مع أصحابه من العرفاء. فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه مسربلين في الحديد؛ فلما رأى العدو ذلك، سقط في يده، وظن أن الدنيا قد حشرت إليه؛ فولى بمن معه منهزما.
وكان الحكم فصيحا بليغا شاعرا مجيدا. فمن شعره - رحمه الله! - يتغزل، وذلك أنه كان له خمس جوار قد استخلصهن لنفسه وملكهن أمره؛ فذهب يوما إلى الدخول عليهن؛ فأبين عليه، وأعرضن عنه. وكان لا يصبر عنهن. فقال (البسيط) :
قُضْب من البازِ مَلسَت فَوقَ كُثْبانِ ... أعْرَضْنَ عَنّي وقد أزْمَعْنَ هِجْرانِي
ناشَدتُّهَنَّ بحقِي فاعْتزَمْن علي ... الهِجْرانِ حتَّى خَلا مِنْهنَّ هيْمانِي
مَلكنني مُلكَ مَنْ ذَلتْ عَزِيمَتُهُ ... للحبِّ ذُلَّ أسِير موثَّقٍ عانِي
مَنْ لي بُمغْتَصباتِ الرُّوح من بَدنِي ... عصبنب في الهوى عِزّي وسلطانِي
ثم إنهنَّ عدن عليه بالوصل؛ فقال (خفيف) :
نِلْتُ كُلَّ الوصال بعد البِعَادِ ... فكأنِي مَلكْتُ كُلَّ العِبادِ
وتَنَاهَى السُّروُر إذْ نِلتُ مَا لَمْ ... يُغنِ فيه تَكاشُفُ الأجْنَادِ
(2/79)
________________________________________
ومن مليح قوله فيهن - رحمه الله! - (خفيف) :
ظَلَّ مِنْ فَرْطِ حُبِّهِ مَمْلوكا ... ولقد كان قَبْلَ ذَاكَ مَليِكا
إن بكَى أو شَكَا الهَوى زِيدَ ظُلماً ... وبعاداً يُدنِى حماماً وشَيكا
تَرَكَته جاذر القصر صَبَّا ... مُستهاما على الصَّعِيدِ تَريكَا
يجْعَل الخَدَّ ماثلاً فوق تُربٍ ... وَهْوَ لا يرتَضِي الحَرِيرَ أريكا
هكذا يَحْسُنُ التذَلُلُ للحُرِّ ... إذا كان في الهَوَى ممْلُوكا
وله - رحمه الله! - أشعار كثيرة في الربضيين القائمين عليه، لا يجاريه فيها حد. وقد تقدم منها ما يستدل به على فضله. ولما دنت وفاته، عتب نفسه فيما تقدم منه عتابا، وتاب إلى الله مثابا، ورجع إلى الطريقة المثلى، وقال: إن الآخرة هي الأبقى والأولى؛ فتزين بالتقوى، واعتصم بالعروة الوثقى؛ وأقر بذنوبه واعترف، وأنس إلى قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. وكان من عباد الله المتقين، إلى أن أتاه من ربه اليقين. فتوفي - رحمه الله! - سنة 206.

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 16 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

خلافة عبد الرحمن بن الحكم بن هشام
كنيته: أبو المطرف. أمه: تسمى حلاوة. مولده: سنة 76. حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد. وزراؤه: تسعة؛ رزق كل واحد ثلاثمائة دينار. كتابه: ثلاثة: عبد الكريم المذكور، وسفيان بن عبد ربه، وعيسى بن شهيد. قضاته: أحد عشر؛ منهم: يحيى بن مغمر، وقبله مسرور بن محمد بن بشير، ثم سعيد ابن محمد بن بشير، ثم يحيى المتقدم الذكر، وغير هؤلاء؛ وإنما كثر القضاة في أيامه لأن المشاور في عزلهم وولايتهم يحيى بن يحيى الليثي؛ فكان لا يولى رجلا إلا برأيه؛ فكان يحيى بن يحيى، إذا أنكر من القاضي شيئا، قال له: (استعف وإلا رفعت بعزلك!) فكان يستعفي أو يشير يحيى بعزله، فيعزل.
(2/80)
________________________________________
نقش خاتمه: (عبد الرحمن بقضاء الله راض.) وكان له قبل ذلك خاتم باسمه؛ فتلف؛ وأمر بطلبه، فلم يوجد؛ فأعاد نقش خاتم جده عبد الرحمن، بعد أن خرج نصر الفتى من عند الأمير هذا بالخاتم للنقش، وبعث في عبد الله بن الشمر الشاعر، وقال له: (إن الأمير أمر بنقش هذا الخاتم؛ فقل ما ينقش فيه!) فقال (رمل) :
خاتَمٌ للمُلْكِ أضْحَى ... حُكمُه في الناسِ مَاضِ
عابِدُ الرَّحمنِ فِيهِ ... بقَضَاء اللهِ رَاضِي
فاستحسن ذلك الأمير عبد الرحمن، وأمر بنقشهما في الخاتم.
صفته: طويل، أسمر، أقنى، أعين، أكحل، عظيم اللحية يخضب بالحناء والكتم. بويع بعد موت أبيه بيوم واحد، وذلك يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 206، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة 238. عمره: اثنان وستون سنة. خلافته: إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام. بنوه الذكور: خمسة وأربعون، وبناته: اثنتان وأربعون.
وفي سنة 207، ثارت بتدمير فتنة بين مضر ويمن، ودامت سبع سنين؛ فأغزى إليهم الأمير عبد الرحمن في هذا العام يحيى بن عبد الله بن خلف؛ ثم كان يبعث إليهم المرة بعد المرة بالقواد؛ فيفترقون؛ فإذا قفلوا، عادوا إلى الفتنة. وكانت بينهم وبين يحيى بن عبد الله وقبعة تعرف بوقعة المصارة بلورفة، انتهى مبلغ القتلى فيهم إلى ثلاثة آلاف.
وفيها كان بالأندلس جوع شديد، مات به كثير من الخلق.
وفي سنة 208، كانت الغزاة المعروفة بغزاة ألبة والقلاع، غزاها عبد الكريم ابن عبد الواحد بالصائفة، واحتل بالثغر؛ وتوافت عليه عساكر الإسلام، واختلفوا في الدخول على أي باب يكون إلى دار الشرك؛ ثم اجتمعوا على أن يكون
(2/81)
________________________________________
من باب ألبة، إذ كان ذلك الباب أنكى للعدو وأحسم لدائه؛ فاقتحموا من فج يقال له جرنيق؛ وكان وراءه بسيط للعدو، فيه خزائنه وذخره. فوقع أهل العسكر على تلك البسائط، فاستصفوها، وعلى ذخر تلك الخزائن، فانتهبوها؛ واستوعبوا خراب كل ما مروا عليه من العمران والقسرى، وأقفروها. وانصرف المسلمون غانمين ظافرين. والحمد لله! وفي سنة 209، توفي عبد الكريم بن عبد الواحد؛ وكان قد أخذ في الحركة إلى أرض العدو؛ فاعتل. وعوض منه الأمير عبد الرحمن بن الحكم أمية ابن معاوية بن هشام. فغزا بالصائفة إلى أوريط؛ فاحتل بها، وهي يومئذ للإسلام؛ فأخذ أهل الذنوب والريب، وعفا عن الباقين؛ ثم تقدم إلى شنت برية وتدمير. وكان أبو الشماخ رئيس اليمانية يقوم بدعوة الأمين على المضرية. وكانت بينهم وقعة بمرسية كوقعة يوم المصارة بلورقة، فنى فيها من المسلمين أعم. وكان انبعاث هذه الفتنة وسببها بين المضرية واليمانية على ورقة دالية أخذها مضري من جنان يماني؛ فقتله اليماني؛ فكان ذلك سبب الحروب التي دارت بين الفريقين؛ واتصلت أعواما؛ وكانت الدوائر تدور أكثرها على اليمانية والقتلى منهم، وذلك أحد عجائب الدهر.
وفي سنة 210، أمر الأمير عبد الرحمن ببنيان الجامع بمدينة جيان. وفيها، كتب إلى عامل تدمير أن ينزل بمرسية ويتخذها موطنا؛ فكانت حينئذ موضع نزولهم وموضع قرارهم؛ وأمر بهدم مدينة آله من تدمير، ومنها ثارت الفتنة أولا. وفيها، افتتح فرج بن مسرة في أرض العدو حصن القلعة؛ وكان مسرة عامل جيان.
وفي سنة 211، ثار طوريل بتاكرنا؛ فأخرج إليه الأمير عبد الرحمن معاوية ابن غانم في حشد؛ فظفر به، وقطع عاديته.
(2/82)
________________________________________
وفي سنة 213، غزا عبيد الله بن عبد الله البلنسي بالصائفة إلى دار الحرب؛ فجال في أرض العدو حتى بلغ برشلونة، وتردد في تدريخها وانتسافها ستين يوما.
وفي سنة 213، انقطعت الفتنة بتدمير، واستنزل أبو الشماخ وغيره من القلاع، وانقطعت عاديتهم؛ وصار أبو الشماخ من ولاة الأمير عبد الرحمن ومن ثقاته.
وفي سنة 214، ثار الضراب بطليطلة؛ واسمه هاشم؛ وسمى الضراب لأنه لما أحرق الحكم طليطلة، وأنزل أهلها منها إلى السهل، أخذ رهائنهم. فدخل حينئذ هاشم الضراب قرطبة، وصار يضرب بالمعول في الحدادين أجيرا؛ فعرف بالضراب. ثم خرج من قرطبة إلى طليطلة؛ فاستدعى أهل الشر والفساد، وأليهم؛ فتألب إليه منهم نفر؛ فخرجوا يغيرون على العرب والبربر. وتسامع أهل الشر به؛ فقطعوا إليه، حتى اجتمع له منهم جمع عظيم وخلق كثير؛ فعلا ذكره، وانتشر صيته. وأوقع بالبربر بشنت برية، ودارت له عليهم دوائر. فأخرج الأمير عبد الرحمن إليه محمد بن رستم، وأمره بحربه؛ فحاربه في هذه السنة.
وفي سنة 216، توافت الجنود لمحمد بن رستم عامل الثغر؛ فناهض هاشما الضراب. وكان قد تغلب على جانب الثغر. وكان عبد الرحمن قد استقصر محمد ابن رستم في حقه، وكتب إليه يعنفه؛ فتقدم ابن رستم، والتقى مع هاشم الضراب؛ فوقعت بينهم حرب شديدة أياما؛ ثم انهزم هاشم، وقتل هو ومن كان معه؛ وكانوا آلافا.
وفي سنة 217، حوصرت ماردة وضيق عليها، حتى فرَّ عنها خلق كثير، وقتل منهم كثير.
وفي سنة 218، كان الكسوف العظيم، الذي توارت معه الشمس، وبدا
(2/83)
________________________________________
الظلام؛ وكان ذلك قبل زوال الشمس، في أواخر رمضان. وفيها، استوزر الأمير عبد الرحمن ابن شهيد واستحجبه. وفيها، قامت الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة من الأرجل التي بين السواري إلى القبلة.
وفي سنة 219، غزا بالصائفة أمية بن الحكم إلى طليطلة وحاصرها؛ ثم قفل العسكر بعد أن أتلف زروعهم وقطع ثمارهم. وأبقى بقلعة رباح ميسرة الفتى لمحاصرة طليطلة؛ فخرج جمع عظيم من طليطلة يريدون قلعة رباح؛ فبلغه خبرهم؛ فجمع الجموع، وكمن الكمائن. فلما قربوا منها، وفرقوا خيلهم في الغارة، خرجت عليهم الكمائن؛ فقتلوا، وحزت رؤوسهم؛ فجمعت بين يدي ميسرة؛ واجتمع منها جملة عظيمة. فلما رأى ذلك، ارتاع وداخله الندم؛ فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات ندما وأسفا.
وفي سنة 220، غزا الأمير عبد الرحمن؛ فجعل صدر وجهته على طليطلة، وولى أبا الشماخ قلعة رباح، وأبقى عنده خيلا كثيفة ورجلا كثيرة لمناهضة طليطلة، وتقدم هو إلى كور الغرب. وكان سليمان بن مرتين قد تحيل علية يحيى الماردي؛ فأخرجه من ماردة؛ فكان في قنن الجبال حينا؛ فحل عليه الأمير في هذه الغزاة، وحاصره حتى ضاق سليمان بن مرتين في الحصن؛ فخرج ليلا؛ فبينا هو يمشي، إذ وافق صخرة ملساء على وجه الأرض؛ فزلق به الفرس؛ فسقط، ومات. ووجده رجل؛ فاحتز رأسه، وادعى قتله؛ ثم عرف أمره.
وفي سنة 221، افتتحت طليطلة. وكان السبب في ذلك أن ابن مهاجر خرج عنها، ونزع إلى قلعة رباح، واستدعى القؤاد؛ فخرجوا إليه. فنهض بهم إلى أبواب المدينة، وقطع عنهم مرافقهم. فكان ذلك أقوى الأسباب في افتتاحها. وكان عبد الواحد الإسكندراني بعثه الأمير الأيهم؛ فوجدهم قد بلغ بهم الجهد.
(2/84)
________________________________________
ثم أطل عليهم الأمير؛ فافتتحها قهرا، ودخلها على حكمه، وأمر بتجديد القصر الذي كان بناه عمروس في أيام الحكم على باب الجسر. وقيل إن الذي افتتح طليطلة الوليد بن الحكم، وجهه إليها أخوه عبد الرحمن.
وفي سنة 222، افتتحها عنوة، ودخلها في شهر رجب من هذه السنة على حكمه.
وفي سنة 223، أعزى الأمير عبد الرحمن بن الحكم أخاه الوليد بن الحكم إلى جليقية؛ فدخل من باب الغرب مع قطيع من العسكر؛ فدوخها. وكانت له فتوحات كثيرة.
وفي سنة 224، أغزى الإمام عبد الرحمن ابنه الحكم إلى دار الحرب، وأمره بالتجوال في جهات الثغور، ليتعرف أخبارها ومصالحها. وأمر بإصلاح قنطرة سرقسطة. ودخل الحكم بالصائفة إلى دار الحرب؛ فدوخها، وقتل من المشركين ما لا يحصى. واجتمع من رؤوسهم أكداس كالجبال، حتى كان الفارس يقف من ناحية؛ فلا يرى صاحبه من ناحية أخرى من عظمها.
وفيها، كانت رجوم بالنجوم، في جمادى الآخرة؛ وتناثرت الكواكب من قبلة إلى جوف، ومن شرق إلى غرب، بجزيرة الأندلس.
وفي سنة 225 غزا الإمام عبد الرحمن بنفسه أرض جليقية. ففتح حصونها، وجال في أرضها. وطالت غزاته، وتعب كثيرا؛ فأرق في بعض الليالي؛ فلما كان في بعض الليل، حضر عبد الله بن الشمر الشاعر؛ فوصف له أرقه، وأنه تذكر بعض من حن إليه؛ فقال عبد الرحمن بن الشمر (متقارب) :
(2/85)
________________________________________
عَدَانِيَ عَنْكَ مَزَار العِدَى ... وقَودِي إليهم لُهَاماً مَهيبَا
وكَمْ قَدْ تعسفتُ من سَيْسَبٍ ... وجاوَزتُ بعد دُروبِ دُرُوبا
وادَّرعُ النَّقْعَ حتى لَبِستُ ... من بَعْدِ نَضْرةِ وَجهي شُحُوبا
ألاقِي بوجهب سموم الهجِيرِ ... وقد كادَ مِنْه الحَصَى أن يَذُوبا
أنا ابن الهِشامَين مِن غالبٍ ... أشُبُّ حُرُوبا وأطِفْي حُرُوبا
وَبي أدَّرَكَ الله دينَ الهُدَى ... فأحْيُيْتُهُ واصطلَمْتُ الصَّلِبا
سموتُ إلى الشِرْكِ في جَحفَل ... مَلأتُ الحُزُونَ بِهِ والسُّهُوبَا
وفي سنة 226، غزا بالصائفة إلى جليقية من بلاد العدو مطرف بن عبد الرحمن؛ فتوسط بسيطهم، وذهب بنعمتهم؛ وكان القائد عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني.
وفي سنة 227، خرج، عبيد الله بن عبد الله صاحب الصوائف؛ فلما حصل بين أربونة وسرطانية، تجالب الأعداء من كل ناحية، وأحاطوا بالعسكر ليلا؛ فقاتلهم المسلمون الليل كله؛ فلما انبلج الضوء، أيد الله المسلمين، وهزم الأعداء.
وفي سنة 228، خرج الأمير عبد الرحمن بنفسه إلى أرض العدو، وخلف في القصر ولده المنذر، وجعل على ميمنته ولده محمدا وعلى الميسرة ولده المطرف. فلقي جيشا كبيرا من المشركين؛ فناشبهم الحرب؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، وهزموا المشركين، وأثخنوا فيهم القتل. وأفاء الله على المسلمين من ذراري أهل بنبلونة وخيلهم وأسلحتهم ما عظم به من الله سبحانه المن. وقفل غزيرا في منتصف شوال. وكان خروجه من قرطبة لتسع بقين من شعبان.
(2/86)
________________________________________
وفي سنة 229، خرج الأمير عبد الرحمن لمحاصرة موسى بن موسى بتطيلة؛ فدوخ بلاده، ثم صالحه. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فكانت له بها وقعة عظيمة على المشركين، فني فيها أعداء الله؛ وكان معهم موسى بن موسى؛ فناله ورجاله ما نالهم.
وفيها، ورد كتاب وهب الله بن حزم عامل الأشبونة، يذكر أنه حل بالساحل قبله أربعة وخمسون مركبا من مراكب المجوس، معها أربعة وخمسون قاربا؛ فكتب إليه الأمير عبد الرحمن وإلى عمال السواحل بالتحنظ.

دخول المجوس إشبيلية في سنة 230
فخرج المجوس في نحو ثمانين مركبا، كأنما ملأت البحر طيرا جونا؛ كما ملأت القلوب شجوا وشجونا. فحلوا بأشبونة؛ ثم أقبلوا إلى قادس، إلى شذونة؛ ثم قدموا على إشبيلية؛ فاحتلوا بها احتلالا، ونازلوها نزالا، إلى أن دخلوها قسرا، واستأصلوا أهلها قتلا وأسرا. فبقوا بها سبعة أيام، يسقون أهلها كأس الحمام. واتصل الخبر بالأمير عبد الرحمن؛ فقدم على الخيل عيسى بن شهيد الحاجب، واتصل المسلمون به اتصال العين بالحاجب. وتوجه بالخيل عبد الله ابن كليب وابن رستم وغيرهما من القواد واحتل بالشرف. وكتب إلى عمال الكور في استنفار الناس؛ فحلوا بقرطبة، ونفر بهم نصر الفتى. وتوافت للمجوس مراكب على مراكب، وجعلوا يقتلون الرجال، ويسبون النساء، ويأخذون الصبيان، وذلك بطول ثلاثة عشر يوما. ذكر ذلك في (بهجة النفس) . وفي كتاب (درر القلائد) : سبعة أيام، كما تقدم. وكانت بينهم وبين المسلمين ملاحم. ثم نهضوا إلى قبطيل؛ فأقاموا بها ثلاثة أيام، ودخلوا قورة، على اثني عشر ميلا من إشبيلية؛ فقتلوا من المسلمين عددا كثيرا؛ ثم دخلوا إلى طلياطة، على ميلين من إشبيلية؛ فنزلوها ليلا، وظهروا بالغداة بموضع يعرف بالنخارين؛ ثم
(2/87)
________________________________________
مضوا بمراكبهم، واعتركوا مع المسلمين. فانهزم المسلمون، وقتل منهم ما لا يحصى. ثم عادوا إلى مراكبهم. ثم نهضوا إلى شذونة، ومنها إلى قادس، وذلك بعد أن وجه الأمير عبد الرحمن قواده؛ فدافعهم ودافعوه؛ ونصبت المجانيق عليهم، وتوافت الأمداد من قرطبة إليهم. فانهزم المجوس وقتل منهم نحو من خمسمائة علج؛ وأصيبت لهم أربعة مراكب بما فيها؛ فأمر ابن رستم بإحراقها وبيع ما فيها من الفيء. ثم كانت الوقعة عليهم بقربة طلياطة يوم الثلاثاء لخمس بقين من صفر من السنة، قتل فيها منهم خلق كثير، وأحرق من مراكبهم ثلاثون مركبا. وعلق من المجوس بإشبيلية عدد كثير، ورفع منهم في جذوع النخل التي كانت بها. وركب سائرهم مراكبهم، وساروا إلى لبلة؛ ثم توجهوا منها إلى الأشنونة؛ فانقطع خبرهم.
(وكان احتلالهم بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم من سنة 230) . وكان لبن دخولهم إلى إشبيلية وخروج من بقى منهم وانقطاعهم اثنان وأربعون يوما؛ فقتلهم الله وأبادهم، وبدَّد عددهم وأعدادهم؛ وقتل أميرهم نقمة من الله وعذابا، وجزاء بما كسبوا وعقابا. ولما قتل الله أميرهم، وأفنى عديدهم، وفتح فيهم، خرجت الكتب إلى الآفاق بخبرهم. وكتب الأمير عبد الرحمن إلى من بطنجة من صنهاجة، يعلمهم بما كان من صنع الله في المجوس، وبما أنزل فيهم من النقمة والهلكة؛ وبعض إليهم برأس أميرهم وبمائتي رأس من أنجادهم.
وفي سنة 231، غزا بالصائفة جليقية محمد ابن الأمير عبد الرحمن؛ فحصرها، وحصر مدينة ليون، ورماها بالمجانيق. فلما أيقنوا بالهلاك، خرجوا ليلا، ولجئوا إلى الجبال والغياض؛ فأحرق ما فيها، وأراد هدم سورها؛ فوجد سعته ثمان عشرة ذراعا؛ فتركه؛ وأمعن في بلاد الشرك قتلا وسبيا.
(2/88)
________________________________________
وفي سنة 232، قحطت الأندلس قحطا شديدا؛ وكانت فيها مجاعة عظيمة، حتى هلكت المواشي، واحترقت الكروم، وكثر الجراد.
وفي سنة 234، أمر الأمير بتوجيه العساكر إلى أهل جزيرة ميورقة، لنكايتهم، وإذلالهم، ومجاهرتهم بنقضهم العهد، وإضرارهم بمن مر عليهم من مراكب المسلمين. فغرتهم ثلاثمائة مركب؛ فصنع الله للمسلمين جميلا، وأظفرهم بهم، وفتحوا أكثر جزائرهم.
وفي سنة 34 المذكورة، توفي يحيى بن يحيى؛ فاستراح القضاة من همه.
وفي سنة 235، ورد كتاب أهل ميورقة ومنورقة إلى الأمير عبد الرحمن، يذكرون ما نالهم من نكاية المسلمين لهم؛ فكتب إليهم كتابا أذكر هنا فصولا منه، وهو: (أما بعد، فقد بلغنا كتابهم، تذكرون فيه أمركم، وإغارة المسلمين الذين وجهناهم إليكم لجهادكم، وإصابتهم ما أصابوه منكم من ذراريكم وأموالكم، والمبلغ الذي بلغوه منكم، وما أشفيتم عليه من الهلاك. وسألتم التدارك لأمركم، وقبول الجزية منكم، وتجديد عهدكم على الملازمة للطاعة، والنصيحة للمسلمين، والكف عن مكروههم، والوفاء بما وتحملونه عن أنفسكم. ورجونا أن يكون فيما عوقبتم به صلاحكم، وقمعكم عن العود إلى مثل الذي كنتم عليه. وقد أعطيناكم عهد الله وذمته!) وفيها، كان سيل عظيم بجزيرة الأندلس، حمل وادي شيل، وخرب فوسين من حنايا قنطرة إستجة، وخرب الأسداد والأرحاء. وذهب السيل بست عشرة قرية من قرى إشبيلية على النهر الأعظم. وحمل وادي تاجه؛ فأذهب ثمان عشرة قرية؛ وصار عرضة ثلاثين ميلا.
وفي سنة 236، ثار رجل من البربر، يقال له حبيب البرنسي، بجبال
(2/89)
________________________________________
الجزيرة؛ وتأبش إليه جماعة من أهل الشر والفساد؛ فأخرج إليه عبد الرحمن الأجناد. فلما وصلوا إليه، ألقوا البربر قد قصدوا حبييا ومن تأبش إليه؛ فتغلبوا على المعقل الذي كان انضوى إليه، وأخرجوه عنه، وقتلوا عدة كثيرة من أصحابه. وافترق بقيتهم عنه، ودخل حبيب في غمار الناس. فكتب الأمير عبد الرحمن إلى عمال الكور بالبحث عنه.
وفي سنة 237، قام رجل من المعلمين بشرق الأندلس؛ فادّعى النبوءة، وتأول القرآن على غير تأويله؛ فاتبعه جماعة من الغوغاء، وقام معه خلق كثير. وكان من بعض شرائعه النهي عن قص الشعر وتقليم الأظفار، ويقول: [لا تغيير لخلق الله!] فبعث إليه يحيى بن خالد؛ فأتى به. فلما دخل عليه، كان أول ما خاطبه به إن دعاه إلى اتباعه والأخذ بما شرع؛ فشاور فيه أهل العلم؛ فأشاروا بأن يستناب فإن تاب، وإلا قتل. فقال: (كيف أتوب من الحق الصحيح!) فأمر بصلبه. فلما رفع في الخشبة، قال: (أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله!) فصلبه، وكتب إلى الأمير يخبره.
وفي سنة 238، توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله! - ليلة الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من السنة. وما زال يقتني المآثر، وبيني المكارم والمفاخر، حتى قبضته شعوب، وأرداه مردى القبائل والشعوب.

ذكر بعض أخباره على الجملة وسيره
لما ولي الأمير عبد الرحمن، بعث في اخوته وأهله ووزرائه؛ فبايعوه، وبايعته العامة. ثم صلى على أبيه الحكم. فلما قضى صلاته وواراه، جلس بالأرض متطأطئا، ليس تحته وطاء، وجلس من كان معه. ثم افتتح القول؛ فقال: (الحمد لله، الذي جعل الموت حتما من قضائه، وعزما من أمره، وأجرى الأمور على مشيته؛ فاستأثر بالملكوت والبقاء، وأذل خلقه بالفناء؛ تبارك
(2/90)
________________________________________
اسمه وتعالى جده) ! وصلى الله على محمد نبيه ورسوله، وسلم تسليما! وكان مصابنا بالإمام - رحمه الله! - مما جلت به المصيبة، وعظمت به الرزية؛ فعند الله تحتسبه، وإياه نسأل إلهام الصبر، وإليه ترغب في كمال الأجر والذخر! وعهد إلينا فيكم بما فيه صلاح أحوالكم ولسنا ممن يخالف عهده، بل لكم لدينا المزيد إن شاء الله!) ثم قام عنهم، وخرجت لهم الأموال والكسي على قدر أقدارهم.
وكان شاعرا، أديبا، ذا همة عالية. وكانت له غزوات كثيرة، وفتوحات في دار العدو شهيرة، يخرج إليها في العدد الجم، والعسكر الضخم، يخرب ديارهم، ويعفى آثارهم، ويقفل ظاهر الاعتلاء، قاهر الأعداء. لم يلق المسلمون معه بؤسا، ولم يروا في مدته يوما عبوسا. وهو أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل، وترتيب الخدمة. وكسى الخلافة أبهة الجلالة (فشيد القصور، وجلب إليها المياه، وبنى الرصيف، وعمل عليه السقائف؛ وبنى المساجد الجوامع بالأندلس؛ وعمل السقاية على الرصيف، وأحدث الطرز، واستنبط عملها؛ واتخذ السكة بقرطبة. وفخم ملكه. وفي أيامه دخل الأندلس نفيس الوطاء وغرائب الأشياء؛ وسبق ذلك إليه من بغداد وغيرها. وعندما قتل محمد الأمين، ابن هارون الرشيد، وانتهب ملكه، سبق إلى الأندلس كل نفيس غريب من جوهر ومتاع. وقصد بالعقد المعروف بعقد الشفاء؛ وكان لزبيدة أم جعفر.
ومن مآثره أنه كان ورد عليه يوما أموال من بلاده، لعطبات أجناده؛ فأدخلت إليه، وجعلت الخرائط بين يديه. وكان بعث فتيانه؛ فخلا مجلسه إذ ذاك، ولم يبق أحد هناك، حاشى فتى كان بين يديه واقفا، وعلى خدمته الخاصة عاكفا؛ فغشيت الأمير عبد الرحمن نعسة، ظنها الفتى تهزة وخلسة؛ فقبض على خريطة من ذلك المال، وأسدل عليها كمة أسبغ إسدال، والأمير يلاحظه بطرف خفيّ، ويصمت عنه صمت برّ حفيّ؛ ففاز الفتى بماله، وناط به أسباب
(2/91)
________________________________________
آماله. فلما رجع الفتيان، أمرهم الأمير عبد الرحمن برفع تلك الخرائط المبسوطة؛ فوجدوا نقصان تلك الخريطة؛ فتدافعوا فيها إذ ذاك، كل يقول لصاحبه: (أنت أخذتها من هناك!) فقال لهم الأمير: (أسكنوا عن هذا! فقد أخذها من لا يردها، وعاينه من لا يقولها!) فكان هذا مما عدَّ من كرمه وفضله.
وكانت له جارية تسمى طروب، كان بها دنفا؛ فصدت عنه يوما، وأبدت هجرانه. فأرسل فيها؛ فامتنعت عليه، وأغلقت على نفسها بيتا. فأمر ببنيان الباب بالخرائط المملؤة من الدراهم، استرضاء لها، واستعطافا لوصلها. فلما فتحت الباب، تساقطت الخرائط من كل جانب؛ فأخذتها؛ فألفت فيها نحوا من عشرين ألفا؛ وأمر لها يعقد قيمته عشرة آلاف دينار؛ فجعل بعض من حضر من وزرائه يعظم الأمر عليه؛ فقال له الأمير عبد الرحمن: (إن لابسه أنفس منه خطرا وأرفع قدرا! ولئن راق من هذه الحصباء منظرها، ورصف في النفس جوهرها، فلقد برأ الله من خلقه جوهرا يغشى الأبصار، ويذهب بالألباب. وهل على وجه الأرض من زبرجدها وشريف جوهرها أقر لعين، وأجمع لزين، من وجه أكمل الله فيه الحسن ونضرته، وألقى عليه الجمال بهجته؟) ثم قال لعبد الله بن الشمر الشاعر وكان حاضرا: (هل يحضرك شئ في المعنى؟) فأنشد (طويل) :
أتُقرَنُ حَصباءُ البواقِيت والشذرِ ... بِمَنْ يتَعَالى عن سَنَا الشَمسِ والبَدْرِ
بِمَن قَد بَرَت قِدما يَدُ الله خلقَهُ ... وَلَم يَكُ شيئاً قَبَلهُ أبَداً يَبْرِى
فأكْرِمْ به مِنْ صَنْعةٍ اللهِ جَوهراً ... تَضَاءلَ عنه جَوَهَرُ البَرِّ والبحرِ
فأعجبت الأمير الأبيات وطرب لها طربا شديدا. وأنشد الأمير مرتجلا (طويل) :
فَريضُكَ يَا ابن الشَّمر عني على الشِعرِ ... وجَلَّ عن الأوهامِ والذِّهْنِ والفِكرِ
إذا شافَهتْهُ الأذنُ أدَّى بسحرها ... إلى القلب إبداعاً فجَلَّ عن السِحرِ
وَهَل بَرأ الرّحْمنُ من كلِّ ما برأ ... أقرَّ لعِينٍ من منَهمةٍ بِكرِ
تَرَى الوردَ فوقَ اليَاسَمينِ بخدِّها ... كَمَا فوق الرَّوْضُ المُنَعَّمُ بالزَّهرِ
فَلَو أنَّني ملكتُ قَلبي وناظِري ... نَظَمُتُهما مِنها على الجِيدِ والنَّحرِ
(2/92)
________________________________________
ثم أمر لابن الشمر ببدرة فيها خمسمائة دينار؛ فخرج مع الوصيف يحملها له تحت إبطه. فلما تواريا عن الأمير، قال له الوصيف: (أين لذات العمر، يا ابن الشمر؟) فقال: (تحت إبطك يا سيدي!) ودخل عليه الغزال الشاعر يوما؛ فقال الأمير (كامل) : جاء الغزال بحسنة وجماله فقال له الوزير: أجز. ما بدأ به الأمير! فقال الغزال (كامل) :
قالَ الأميرُ مُدَاعِباً بِمَقَالهِ ... جاء الغَزَالُ بحُسنِهِ وَجَمَاله
أين الجَمَالُ من أمري أربي على ... مُتَعَدِّدِ السَّبعِينَ من أحوالهِ
وهَلْ الجَمالُ لهُ؟ الجمالُ مِنْ امرِئ ... ألقاهُ رَيبُ الدَّهرِ في أغلالِهِ
وأعَادهُ من بَعْدِ جِدَّتِهِ بِلَى ... وأحالَ رَوْنَقَ وَجهِهِ عَن حالِهِ
وهي طويلة.
ومن قول الإمام عبد الرحمن - رحمه الله! - يصف حال المعزول، فأبدع (طويل) :
أرى المَرءَ بَعدَ العزلِ يَرجِعُ عَقلُهُ ... وقد كان في سُلطَانِهِ لَبسَ بَعقِلُ
فتلفيهِ جَهْمَ الوَجهِ ما كانَ وَالياً ... وَيَسهُلُ عَنه ذَاكَ ساعَةَ يُعزَلُ
وكتب إليه بعض عمناله يسأله عملا رفيعا ليس من شاكلته؛ فوقع له في أسفل كتابه: (من لم يصب وجه مطلبه، كان الحرمان أولى به!) ومثل هذا كثير مما يدل على فضله.

خلافة محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام
كنيته: أبو عبد الله. أمه: بهير. مولده: في شهر ذي القعدة سنة 207. وزراؤه وقواده: اثنا عشر. حجابه: اثنان، ابن شهيد وابن أبي عبدة. كتابه:
(2/93)
________________________________________
ثلاثة، عبد الملك بن أمية، وحامد بن محمد الزجالي، وموسى بن ابان. قضاته: أحمد بن زياد، ثم عمرو بن عبد الله المعروف بالقبعة، ثم سليمان بن أسود الغافقي. نفش خلقه: بالله يثق محمد وبه يعتصم. صفته: أبيض، مشرب بحمرة: ربعة، أوقص، وافر اللحية يخضب بالحناء والكتم. بنوه: ثلاثة وثلاثون. بناته: إحدى وعشرون. بويع يوم الخميس لأربع خلون لربيع الآخر سنة 238، وهو ابن ثلاثين سنة وخمسة أشهر. وتوفي يوم الخميس لليلة بقيت من شهر صفر سنة 273. عمره: خمس وستون سنة وأربعة أشهر. وكانت خلافته أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما.
وفي سنة ولايته، ثار عليه أهل طليطلة، وحبسوا العامل عندهم، حتى أطلقت رهائنهم من قرطبة، وحينئذ أطلقوه.
وفي سنة 239، خرج الحكم ابن الأمير عبد الرحمن إلى طليطلة بالصائفة. وكانت قلعة رباح قد أقفرت، خوفا من أهل طليطلة. فاحتلها الحكم، وأمر ببنيان سورها، واسترجاع من فرَّ من أهلها إليها.
وفيها أخرج الأمير محمد إلى شندلة قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف صاحب الخيل، ومعهما الحشم. فلما حلا بأندوجر، خرجت عليهم كمائن أهل طليطلة، ووقعت الحرب، وكثر القتل؛ فانهزم قاسم وتمام، وأصيب ما في العسكر. وفي ذلك يقول صفوان بن العباس أخو قاسم المذكور (رمل) :
ضَرَطَ القاسمُ يَوماً ... ضَرطَةً في القَرْمِيطِ
مَاتَ مِنْها كلُّ حُوتٍ ... كَانَ في البَحْرِ المُحِيطِ
وكانت هذه الوقعة في شوال.
وفي سنة 240، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة في المحرم. فلما اتصل بأهلها ذلك، أرسلوا إلى أردن بن إذفونش صاحب جليقية، يعلمونه بحركته
(2/94)
________________________________________
ويستمدون به. قبعث إليهم أخاه غثون في جمع عظيم من النصارى. فلما اتصل ذلك بالأمير محمد، وقد كان قارب طليطلة، أعمل الحيلة والكيد، واستشعر الحزم؛ فعبأ الجيوش، وكمن الكمائن بناحية وادي سليط؛ ثم نصب الردود، وطلع في أوائل العسكر في قلة من العدد. فلما رأى ذلك أهل طليطلة، أعلموا العلج بما عاينوه من قلة المسلمين؛ فتحرك العلج فرحا، وقد طمع في الظفر والغنيمة وانتهاز الفرصة. فلما التقى الجمعان، خرجت الكمائن عن يمين وشمال، وتواترت الخيل أرسالا على أرسال، حتى غشى الأعداء منهم ظلل كالجبال؛ فانهزم المشركون وأهل طليطلة، وأخذتهم السلاح، هذا بالسيوف، وطعنا بالرماح؛ فقتل الله عامتهم، وأباد جماعتهم. وحيز من رؤوسهم مما كان في المعركة وحواليها ثمانية آلاف رأس، وجمعت ورصعت؛ فصار منها جبل علاه المسلمون، يكبرون ويهللون ويحمدون ربهم ويشكرون. وبعث الأمير محمد بأكثرها إلى قرطبة، وإلى سواحل البحر، وإلى العدوة. وانتهى عدد من فقد منهم في هذه الوقعة إلى عشرين ألفا. وكانت في شهر محرم من السنة.
وفي سنة 241، شحن الأمير محمد قلعة رباح وطلبيرة بالحشم، ورتب فيها الفرسان؛ وترك فيها عاملا حارث بن بزيع.
وفيها، جدد الأمير محمد طرز الجامع بقرطبة وأتقن نقوشه.
وفيها، حشد الأمير محمد ودخل إلى ألبة والقلاع، وبلغ إلى أقصاها وافتتح كثيرا من حصون المشركين.
وفي سنة 242، كتب الأمير محمد إلى موسى بن موسى بحشد الثغور والدخول إلى برشلونة؛ فغزا إليها، واحتل بها، وافتتح في هذه الغزاة حصن طراجة، وهي من آخر أحواز برشلونة؛ ومن خمس ذلك الحصن زيدت
(2/95)
________________________________________
الزوائد في المسجد الجامع بسرقسطة؛ وكان الذي أسسه ونصب محرابه حنش الصنعاني - رضي الله عنه - وهو من التابعين.
وفيها وجه الأمير محمد ابنه المنذر بالجيوش إلى طليطلة؛ فحاصرها، وأقام عليها ينسف معائشها.
وفي سنة 243، كانت وقعة عظيمة في أهل طليطلة، وذلك أنهم خرجوا إلى طلبيرة؛ فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله العريف، بعد أن كمن لهم الكمائن؛ فقتلهم قتلا ذريعا، وبعث إلى قرطبة بسبعمائة رأس من رؤوس أكابرهم.
وفي سنة 244، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة، وعددهم قد قل، وحدهم قد قل، بتواتر الوقائع عليهم، ونزول المصائب بهم؛ فلم تكن لهم حرب إلا بالقنطرة. ثم أمر الأمير بقطع القنطرة، وجمع العرفاء من البنائين والمهندسين، وأداروا الحيلة من حيث لا يشعر أهل طليطلة. ثم نزلوا عنها؛ فبينما هم مجتمعون بها، إذ اندقت بهم، وتهدمت نواحيها، وانكفأت بمن كان عليها من الحماة والكماة؛ فغرقوا في النهر عن آخرهم. فكان ذلك من أعظم صنع الله فيهم.
وفي سنة 245، دعا أهل طليطلة إلى الأمان؛ فعقدة الأمير لهم؛ وهو الأمان الأول.
وفيها، خرج المجوس أيضا إلى ساحل البحر بالغرب، في اثني وستين مركبا؛ فوجدوا البحر محروسا، ومراكب المسلمين معدة، تجري من حائط إفرنجة إلى حائط جليقية في الغرب الأقصى. فتقدم مركبان من مراكب المجوس؛ فتلاقت بهم المراكب المعدة؛ فوافوا هذين المركبين في بعض كسور باجة؛ فأخذوهما بما كان فيهما من الذهب والفضة والسبي والعدة. ومرت سائر مراكب المجوس في الريف حتى انتهت إلى مصب نهر إشبيلية في البحر؛ فأخرج الأمير الجيوش، ونفر الناس من كل أوب: وكان قائدهم عيسى بن الحسن الحاجب.
(2/96)
________________________________________
وتقدمت المراكب من مصب نهر إشبيلية حتى حلت بالجزيرة الخضراء؛ فتغلبوا عليها، وأحرقوا المسجد الجامع بها؛ ثم جازوا إلى العدوة؛ فاستباحوا أريافها؛ ثم عادوا إلى ريف الأندلس، وتوافوا بساحل تدمير؛ ثم انتهوا إلى حصن أوربولة؛ ثم تقدموا إلى إفرنجة؛ فشتوا بها، وأصابوا بها الذراري والأموال، وتغلبوا بها على مدينة سكنوها، فهي منسوبة إليهم إلى اليوم، حتى انصرفوا إلى ريف بحر الأندلس، وقد ذهب من مراكبهم أكثر من أربعين مركبا. ولقيهم مراكب الأمير محمد؛ فأصابوا منها مركبين بريف شذونة، فيها الأموال العظيمة. ومضت بقية مراكب المجوس.
وفي سنة 246، أغزى الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى أرض بنبلونة أحد قوَّاده؛ فخرج في هذه الغزوة خروجا لم يخرج قبله مثله جمعا وكثرة، وكمال عدة، وظهور هيبة. وكان غرسية إذ ذاك متظافرا مع أزدون صاحب جليقية؛ فأقام هذا القائد يدوخ أرض بنبلوبة، مترددا فيها اثنين وثلاثين يوما، يخرب المنازل، وينسف الثمار، ويفتح القرى والحصون. وافتتح في الجملة حصن قشتيل، وأخذ فيه قرتون بن غرسية المعروف بالأنفر، وقدم به إلى قرطبة؛ فأقام بها محبوسا نحوا من عشرين سنة؛ ثم رده الأمير إلى بلده، وعمر فرتون مائة وست وعشرون سنة.
وفي سنة 247، قال الرازي: غزا محمد بن السديم أرض الحرب، وعامل الثغر إذ ذاك عبد الله بن يحيى. وكان كتب موسى بن موسى يذكر ما ناله ونال أهل بلده في إداختهم أرض الجليقيين، وما وصل إليهم من النصب، وسأل أن يكون دخول العسكر على غير ناحيته؛ فأسعف في ذلك، ودخلت العساكر على غير بلده.
وفي سنة 248، تقدم موسى بن موسى لمقاتلة ابن سالم في وادي الحجارة؛ فنالته جراح منعته الركوب بعدها؛ وكانت سببا لهلاكه؛ فتوفي في هذه السنة.
(2/97)
________________________________________
وفي سنة 249، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد إلى حصون ألبة والقلاع؛ وكان القائد عبد الملك بن العباس؛ فافتتحها، وقتل الرجال، وهدم البنيان؛ وانتقل في بسائطها من موضع إلى موضع يحطم الزروع، ويقطع الثمار. وأخرج أردون بن إذفونش أخاه إلى مضيق الفج ليقطع بالمسلمين، ويتعرضهم فيه؛ فتقدم عبد الملك؛ فقاتلهم على المضيق، حتى هزمهم وقتلهم وبددهم؛ ثم وافنهم بقية العساكر، وأظلتهم الخيل من كل الجهات؛ فصبر أعداء الله صبرا عظيما؛ ثم انهزموا. ومنح الله المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا؛ وقتل لهم تسعة عشر قومسا من كبار قوادهم.
وفي سنة 250، كملت مقصورة المسجد الجامع بقرطبة؛ وبنى فيها الأمير محمد بنيانا كثيرا في القصر الكبير والمنى الخارجة عنه. ولم تكن في هذه السنة صائفة، استغنى بالغزوة المتقدمة، وأريح العسكر فيها.
وفي سنة 251، كانت غزوة ألبة والقلاع أيضا (هزيمة المركويز - أخزاه الله! -) خرج إلى هذه الغزاة عبد الرحمن بن محمد، وتقدم حتى حل على نهر دوبر. - وتوالت عليه العساكر من كل ناحية، فرتبها. ثم تقدم؛ فاحتل بفج برذنش؛ وكانت عليه أربعة حصون؛ فتغلب العسكر عليها، وغنم المسلمون جميع ما فيها وخربوها؛ ثم انتقل من موضع إلى موضع، لا يمر بمسكن إلا خربه، ولا موضع إلا حرقه، حتى اتصل ذلك في جميع بلادهم. ولم يبق لرذريق صاحب القلاع، ولا اردمير صاحب توفة، ولا لعندشلب صاحب برجية، ولا لغومس صاحب مسانقة، حصن من حصونهم إلا وعمه الخراب. ثم قصد الملاحة، وكانت من أجل أعمال رذريق؛ فحطم ما حواليها وعفا آثارها.
ثم تقدم يوم الخروج على فج المركوبز؛ فصد العسكر عنه، وتقدم رذريق بحشوده وعسكره؛ فحل على الخندق المجاور للمركوبز. وكان رذريق قد عانى
(2/98)
________________________________________
توعيره أعواما، وسخر فيه أهل مملكته، وقطعه من جانب الهضبة؛ فارتفع جرفه، وانقطع مسلكه؛ فنزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد على وادي إبره بالعسكر، وعبا القائد عبد الملك للقتال؛ وعبا المشركون، وجعلوا الكمائن على ميمنة الدرب وميسرته. وناهض المسلمون جموع المشركين بصدورهم؛ فوقع بينهم جلاد شديد. وصدق المسلمون اللقاء؛ فانكشف الأعداء عن الخندق، وانحازوا إلى هضبة كانت تليه. ثم نزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد، ونصب فسطاطه، وأمر الناس بالنزول وضرب أبنيتهم؛ فأقامت المحلة. ثم نهض المسلمون إليهم؛ فصدقوهم القتال، وضرب الله في وجوه المشركين، ومنح المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا أبرح قتل؛ وأسر منهم جموع. واستمروا في الهزيمة إلى ناحية الأهزون، وافتحموا نهر إنره باضطرار في غير مخاضه؛ فمات منهم خلق كثير غرقا. وكان القتل والأسر فيهم من ضحى يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب إلى وقت الظهر. وسلم الله المسلمين ونصرهم على المشركين. وكان قد لجأ منهم إلى الوعر والغياض، عندما أخذتهم السيوف، جموع؛ فتتبعوا وقتلوا؛ ثم هتك الخندق وسوى حتى سهل، وسلكه المسلمون غير خائفين ولا مضغطين. وأعظم الله المنة للمسلمين بالصنع الجميل، والفتح الجليل. والحمد لله رب العالمين. وكان مبلغ ما حيز من رؤوس الأعداء في تلك الوقيعة عشرين ألف رأس وأربعمائة رأس واثنين وسبعين رأسا.
وفي سنة 252، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد غازيا إلى ألبة والقلاع؛ فحارب أهلها، وأفسد زروعها، وغادرها هشيما. وكان أهل هذا الجانب في ضعف ووهن شديد ألجأهم إلى المنع من التجمع والاحتشاد، لما نالهم في العام الفارط من النهب والقتل الذريع.
وفي سنة 253، خرج الحكم ابن الأمير محمد غازيا إلى جرنيق؛ فجال في أرض الأعداء، وحل على حصن جرنيق، وحاصره حتى فتحه عنوة.
(2/99)
________________________________________
وفيها كانت بالأندلس مجاعة عظيمة متوالية
وفي سنة 254، خرج الأمير محمد إلى ماردة، وأظهر أن استعداده لطليطلة. وكان بماردة قوم من المنتزين. فلما فصل من قرطبة، وتقدم بالمحلات إلى طريق طليطلة، نكب إلى ماردة؛ فاحتل بهم، وهم في أمن وعلى غفلة. فتحصنوا في المدينة أياما. ثم ناهض القنطرة؛ فوقع القتال، واشتد الحرب حتى غلبوا عليها؛ فأمر الأمير بتخريب رجل منها؛ فكان ذلك سببا إذعان أهل ماردة؛ فطاعوا على أن يخرج فرسانهم، وهم يومئذ عبد الرحمن بن مروان، وابن شاكر، ومكحول، وغير هؤلاء؛ وكانوا أهل بأس ونجدة وبسالة مشهورة. فخرج المذكورون ومن هو مثلهم إلى قرطبة بعيالهم وذراريهم. وولى عليها سعيد ابن عباس القرشي، وأمر بهدم سورها؛ ولم تبق إلا قصبتها لمن برد من العمال.
وفي سنة 255، خرج الحكم ابن الأمير محمد، وقصد مدينة سرية. وكان قد تغلب بها سليمان بن عبدوس، وخالف فيها؛ فبادرته الصائفة، وحلت به العساكر، وأحدقت بالمدينة، ورميت بالمجانيق، حتى هتكت أسوارها. فقام أهلها على سليمان بن عبدوس؛ فطاع، ونزل؛ فقدم به قرطبة؛ فسكنها.
وفي سنة 256، غدر عمروس عامل وشقة وملكها، وظهرت عاديته في الثغر؛ فأخرج الأمير إليه قطيعا من الحشم والعدة، وقصد بها لاردة ابن مجاهد المعروف بالتدميري؛ فلزمها. وحشد عبد الوهاب بن مغيث الحشود، وقدم عليهم عبد الأعلى العريف، وبعثه إلى وشقة. فلما بلغ عمروس خبره، خرج عن وشفة، وأسر بها لب بن زكرياء بن عمروس؛ وكان أحد قتلة عامل السلطان بها موسى بن غلند؛ فقتل لب وعلق من السور.
(2/100)
________________________________________
وفي سنة 257، خرج إلى الثغر عبد الغافر بن عبد العزيز؛ وكان بتطيلة. فقبض على زكريا. بن عمروس وعلى أولاده وجماعة من أهل بيته، ونزل بهم على باب مدينة سرقسطة، وقتلهم بها. وقفل إلى قرطبة بالرؤوس.
وفي سنة 258، كانت في الثغر ثورات وحركات، منها أن مطرفا وإسماعيل ابني لبّ، ويونس بن زنباط غدروا بعبد الوهاب بن مغيث، عامل تطيلة، وابنه محمد عامل سرقسطة. فتقبضوا عليهما، وملكوا في هذا العام الثغر. وكان توفي مطرف في صفر، ودخل إسماعيل سرقسطة في ربيع الأول.
وفي سنة 259، خرج الأمير محمد بنفسه إلى الثغر، وحل في وجهته بطليطلة، وأخذ رهائنهم، وعقد أمانهم، وقاطعهم على قطيع من العشور يودونه في كل عام، وهو الأمان الثاني. واختلفت أهواؤهم في عمالهم؛ فطلب قوم منهم تولية مطرف بن عبد الرحمن، وطلب آخرون تولية طربيشة؛ فولى كل واحد منهما جانبا، وتقسما المدينة وأقاليمها على حدود مفهومة معلومة؛ ثم تنازعا، وأراد كل واحد منهما الانفراد بملك طليطلة. ثم غلب الداعون إلى تقديم طربيشة ابن ماسوية، وتأخير مطرف المذكور. وكان الأمير محمد تتلقاه في وجهته هذه، في الارتحال والاحتلال، طلائع الظفر، وبوادر النجح والنصر. وتجول في الثغر محاصرا لبني موسى، ومضيقا عليهم. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فوطئ أرضها، وأذل أهلها، وخربها؛ قم قفل؛ فحل بقرطبة، ومعه جماعة من الثوار الناكثين المفسدين. فلما أخذ راحته، أمر بقتل مطرف بن موسى وبنيه، وأمر بإطلاق كاتبهم، وكان لا ذنب له. فلما أخرج مطرف وبنوه للقتل، وأخرج كاتبهم للإطلاق، وكان يعرف بالأصبحي، قال: (لا خير في العيش بعد هؤلاء!) فقدم للقتل قبلهم، ورفعت رؤوسهم.
(2/101)
________________________________________
وفي سنة 260، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى سرقسطة وبنبلونة؛ وكان القائد هاشم بن عبد العزيز. فاحتل سرقسطة، وانتهب زروعها، وأذهب ثمارها وأشجارها، ونقل أطعمتها إلى وشفة، وتقدم إلى بنبلونة؛ فجال في أرضها، وأتلف معايش أهلها.
وفيها، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات فيها أكثر الخلق.
وفي سنة 261، هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة مع رجال ماردة المنزلين منها، واستقروا بقلعة الحنش. فغزاه الأمير محمد، وحاصره حصارا قطعه وضيق عليه مدة من ثلاثة أشهر، ألجأه فيها إلى أكل الدواب؛ وقطع عنه الماء، ورماه بالمجانيق، حتى أذعن، وطلب الأمان، وشكى ثقل الظهر وضيق الحال؛ فأباح له الأمير محمد الرحيل إلى بطليوس والحلول بها؛ وهي يومئذ قرية؛ فخرج إليها، وقفل عنه.
وفي سنة 262، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى ابن مروان؛ وكان القائد هاشم بن عبد العزيز؛ وهو الذي كان سبب هروب ابن مروان، لأنه قال له من بين الوزراء: (الكلب خير منك!) وأمر يصفع قفاه، واستبلغ في خزيه؛ فهرب مع أصحابه، وذلك في خبر طويل. وكان ابن مروان قد ابتنى بطليوس حصنا، وجعله موطنا، وأدخل فيه أهل ماردة وغيرهم من أهل المكانفة له على الشر. فلما انتهى إلى ابن مروان تحرك العسكر إليه، تنقل عن بطليوس، وحل بحصن كركي؛ واجتمع أهل ماردة إليه فيه؛ فنزل العسكر بمقربة من الحصن. وكان هاشم قد يعث إلى منت شلوط خيلا ورجلا لضبطه. وكان سعدون الرماري قد دخل إلى بلاد الشرك مستمدا؛ فجاء بمدد من المشركين، وأظهر أنه في قلة؛ فكتب بذلك عامل حصن منت شلوط إلى
(2/102)
________________________________________
هاشم؛ فرأى هاشم أن ذلك فرصة في سعدون؛ فبادر بالخروج من العسكر على غير تعبئة ولا أهبة، في خيل قليلة. وأفحص هاشم، وجاوز الوعر، وأبعد عن العسكر؛ فأخذت المضايق عليه، وناشبوه القتال؛ فأخذته جراح، وقتل من أصحابه جماعة؛ وأسر هاشم المذكور. ولما اتصل خبر هاشم بالأمير محمد، وقع في جانبه، وقال: (هذا أمر جناه على نفسه بطيشه وعجلته!) ثم رد ولده عوضا منه. وحصل هاشم أسيرا بيد ابن مروان الذي صنعه في أسره في قرطبة؛ فبره ابن مروان، وأكرمه، وأحسن إليه، ولم يعاقبه بما فعل معه.
وفي سنة 263، خرج المنذر بن الأمير محمد، وجعل طريقه على ماردة فلما انتهى ذلك إلى ابن مروان، زال عن بطليوس؛ واحتل بها قائد المنذر الوليد بن غانم؛ فخرب ديارها. وتقدم ابن مروان إلى بلاد العدو.
وفي سنة 264، حارب المنذر سرقسطة، وأفسد ما ألقى من زروعها؛ ثم تقدم إلى تطيلة والمواضع التي صار فيها بنو موسى؛ فانتسقها، وأجال العسكر عليها.
وفيها، دخل البراء بن مالك من باب فلنبرية إلى جليقية بحشود الغرب، وتردد هنالك حتى أذهب نعيمهم.
وفيها، أطلق هاشم من الأسر.
وفي سنة 265، ظهرت الفتنة وظهر الشر في جانب كورة ربة والجزيرة وتاكرنا؛ وظهر يحيى المعروف بالجزيري؛ فغزاه هاشم؛ فأذعن له، وقدم به إلى قرطبة.
وفي سنة 266، خرج عبد الله بن الأمير محمد إلى كورة ربة ونواحي الجزيرة، وبنى حصونا في تلك النواحي؛ ثم قفل.
وفيها، أمر الأمير محمد بإنشاء المراكب بقرطبة ليتوجه بها إلى البحر
(2/103)
________________________________________
المحيط عبد الحميد الرُّعبطي المعروف بابن مغيث؛ وكان قد رفع إليه رافع أن جليقية من ناحية البحر المحيط لا سور لها، وأن أهلها لا يمتنعون من جيش إن غشيهم من تلك الناحية. فلما كملت المراكب بالإنشاء، قدم عبد الحميد بن مغيث عليها. فلما دخل البحر، تقطعت المراكب كلها وتفرقت، ولم يجتمع بعضها إلى بعض. ونجا ابن مغيث.
وفي سنة 267، التاثت الحصون المبتناة برية وتاكرنا وجهة الجزيرة. وفيها، ابتدأ شر اللعين عمر بن حفصون، الذي أعبى الخلفاء أمره، وطالت في الدنيا فتنته، وعظم شره؛ فقام في هذه السنة على الأمير محمد بناحية رية. فتقدم إليه عامر بن عامر؛ فانهزم عامر وأسلم قبته؛ فأخذها ابن حفصون، وهو أول رواق ضريه؛ فاستكن إليه أهل الشر. وعزل الأمير عامرا عن كورة رية، وولاها عبد العزيز بن عباس؛ فهادنه ابن حفصون، وسكنت الحال بينهما. ثم عزل عبد العزيز، وتحرك ابن حفصون، وعاد إلى ما كان عليه من الشر. وخرج هاشم بن عبد العزيز إلى كورة رية يطلب كل من كشف وجهه في الفتنة وأظهر الخلاف، وأخذ رهائن أهل تاكرنا على إعطاء الطاعة.
ومن العجائب في هذا العام، ما ذكره الرازي وغيره. قالا: زلزلت الأرض بقرطبة زلزالا شديدا، وهاجت ريح عند صلاة المغرب؛ فأثارت سحابا فيه ظلمات ورعد وبرق؛ فصعق ستة نفر، وانقلبوا على ظهورهم، مات اثنان؛ وخر جميع الناس سجدا إلا الإمام، فإنه ثبت قائما؛ وكان الرجلان اللذان ماتا أقرب الناس إلى الإمام؛ فاحترق شعر أحدهما واسود وجهه وشقه الأيسر؛ والآخر ظهر بشقه الأيمن سواد؛ والأربعة الصرعى مكثوا حتى فرغ الإمام؛ فسئلوا عما أحسوا؛ فقالوا: (أحسسنا نارا كأنها الموج الثقيل.) ووجد أهل المسجد رائحة النار، ولم يوجد للصاعقة أثر في سقف ولا حائط. واهتزت لهذا
(2/104)
________________________________________
الزلزال القصور والجبال، وهرب الناس إلى الصحارى، ضارعين إلى الله تعالى. وعم هذا الزلزال من البحر الشامي إلى آخر الجوف وإلى آخر أرض الشرك، لم يختلف في ذلك مختلف.
وفي سنة 268، خرج المنذر ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز؛ فقصد الثغر الأقصى، وحطم سرقسطة، وافتح حصن روطة؛ ثم تقدم إلى ألبة والقلاع، وافتتح حصونا كثيرة، وأخلى حصونا كثيرة، خوفا من مهرة العسكر، وتوقعا من تغلبه.
وفيها، فسد ما بين المنذر وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز.
وفي سنة 269، قال الرازي: وفي سنة 269، غزا محمد بن أمية بن شهيد إلى كورة رية وكورة إلبيرة. وكانوا بحال توحش ونفار؛ فسكن أحوال أهلها، وهدن الناس بها، ونظر في استنزال رجال بجبال رية وغيرها من بني رفاعة وغيرهم.
وفي سنة 270، استتم محمد بن أمية بن شهيد استنزال بني رفاعة. وأتاه في هذه الغزاة كتاب الأمير محمد بتولية عبد العزيز بن العباس كورة إلبيرة؛ فولاه، وقفل.
وفيها، غزا هاشم كورة رية، وإستنزل عمر بن حفصون من جبل بربشتر وقدم به قرطبة؛ فأنزله الإمام، وأوسع له في الإكرام.
وفي سنة 271، هرب عمر بن حفصون من قرطبة، ولجأ إلى جبل بربشتر؛ فانتدب الأمير محمد إلى حربه؛ وحوصر في السنة الآتية.
وفي سنة 272، خرج عبد الله ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز. وقصد الغرب إلى ابن مروان، وهو بجبل اشبرغزة؛ فنازله وحاربه.
(2/105)
________________________________________
قال حيان بن خلف في عمر بن حفصون: هو كبير الثوار بالأندلس ونسبه: عمر بن حفص، المعروف بحفصون، بن عمر بن جعفر بن شتيم بن ذيبان ابن فرغلوش بن إذفونش، من مسالمة الذمة، من كورة تاكرنا من عمل رندة. وكان الذي أسلم منهم جعفر بن شتيم؛ ففشا نسله في الإسلام. وكان له من الولد الذكور عمر وعبد الرحمن؛ فولد عمر بن جعفر حفصا. وولد حفصون هذا عمر هذا الثائر الملعون؛ فعمر هذا هو الذي ثار على الأمير محمد أولا، ثم بلغ بعد ذلك في الشقاق والفتن مبلغا لم يبلغه ثائر بالأندلس. واستوطن لأول نفاقه حصن بربشتر قاعدة وحضرة، وهي أمنع قلاع الأندلس قاطبة، وذلك في هذه السنة، وهو تأريخ صعوده الآخر إليها الذي توطد له ملكه فيه، وخالف على السلطان حتى رضى عنه بالمناركة. واتصلت أيامه في ظهور وعزة حتى قدم فيها ثلاثة من خلفاء المروانيين أئمة الجماعة بالأندلس - رحمهم الله! - أولهم هذا الأمير محمد؛ وتخلف بعدهم إلى أن هلك على يد الرابع منهم، وهو عبد الرحمن الناصر، على ما يأتي مفسرا.
وفي سنة 273، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى كورة رية، والقائد محمد ابن جهور. فقصد مدينة الحامة، وفيها حارث بن حمدون من بني رفاعة؛ وكان مظاهرا لعمر بن حفصون، وكانا قد اجتمعا بالحامة. فنازلهم، وناهضهم، وأحدق بهم من كل ناحية؛ وأقام محاصرا لهم شهرين. فلما وصل إليهم الضيق، برزوا إلى باب المدينة خارجا، مستقبلين للحرب. وقام بها؛ فنالته جراح، وشلت يده؛ ثم انهزم هو وأصحابه، وصاروا بين قتيل وفليل. ودخل باقيهم في الحامة. فبينا المنذر في هذه الحال من السرور، إذ أتاه الخبر بموت أبيه الأمير محمد بن عبد الرحمن، ليلة الخميس لليلة بقيت من شهر صفر من السنة؛ ودفن في القصر. وأدركه المنذر قبل مواراته وصلى عليه.
(2/106)
________________________________________
بعض أخباره وسيره
كان الأمير محمد - رحمه الله! - فصيحا، بليغا، عظيم الأناة، متنزها عن القبح، يؤثر الحق وأهله، لا يسمع من باغ، ولا يلتفت إلى قول زائغ. وكان عاقلا، على أخلاق جميلة ومكارم حميدة، ذا بديهة وروية، يرى كل من باشره وحدثه أن له الفضل المستبين في إدراكه، وفهمه، ودقة ذهنه، ولطيف فطنته، وجزالة رأيه. وكان أعلم الناس بالحساب وطرق الخدمة. وكان متى أعضل منها شئ، رجع إليه فيه؛ وإذا أخل أحد من خزانه وأهل خدمة الحساب بشيء من ذلك، لم يجز عليه بأدنى لحظة أو نظرة. ولقد استدرك على بعض خزانه في صك يشتمل على مائة ألف دينار خُمُسَ درهم؛ فرد الصك، وأمر بتصحيحه؛ فتجمع الخدمة والكتاب عليه؛ فلم يقعوا على ذلك النقصان لدقته وخفائه؛ فرجعوا إليه معترفين بالتقصير، وأعلموا الرسول؛ فرد الصك إليه وأعلمه باعترافهم؛ فعلم لهم على موضع الخطاء؛ فإذا هو خُمُسَ درهم.
وقال هاشم بن عبد العزيز: كان الأمير محمد - رحمه الله! - أصح الناس عقلا، وأحسنهم تمييزا، وأبصرهم بوجه الرأي. وكان يستشيرنا؛ فنجتهد ونقول ونحصل؛ فإن أصبنا، أمضى ذلك؛ وإن كان في الرأي خلل، قام فيه بالحجة، وأبانه بما تعجز الأوهام عنه تنقيحا وتهذيبا.
ومما يحفظ عنه أنه قال لهاشم في شئ أنكره عليه من عدم التثبت: (يا هاشم! من آثر السرعة أمضت به إلى الهفوة. ولو أنا أصغينا إلى محو زلاتك، وأصخنا إلى هفواتك، لكنا شركاءك في الزلة، وقسماءك في العجلة! فمهلا عليك، ورويدا بك! فإنك إن يعجل يعجل لك!) وكان، مع تشبثه وأناته، وافيا لمواليه في أنفسهم وأعقابهم، لا يكدح عنده كادح في شئ عن أحدهم، فيسمعه أو يسمِعه.
ولقد ولي الكناية عبد الملك بن عبد الله بن أمية اصطناعا له، وعائدة
(2/107)
________________________________________
عليه؛ فرد عليه يوما جوابا يقول فيه: (قد فهمنا عنك، ولم نأت ما أتيناه عن جهل بك، لكن اصطناعا لك، وعائدة عليك. وقد أبحنا لك الاستعانة بأهل اليقظة من الكتاب. فتخير منهم من تثق به وتعتمد عليه. ونحن نعينك على أمرك بتفقد كتبك والإصلاح عليك، إلى أن تركب الطريقة وتبصر الخدمة إن شاء الله تعالى!) فحسده على الخطة لشرفها من رأى نفسه أولى بها لاستكمال أدواتها؛ فطولب عليها. وكان أشد الناس في ذلك هاشم بن عبد العزيز، يثير سقطانه، ويتتبع هفواته، ويشنع عليه؛ والأمير محمد بفطنته يتغافل له. فلما طال عليه الصبر، دعا هاشما، وقال له: (قد أكثر أهل خدمتنا وأكثرت في هذا الكاتب: تذكرون جهله وفدامته، وقد ضممنا إليه من الكتاب من يستعين به، ويستظهر على خدمته بمكانه؛ وإنما تقفو بخدمتنا، وننسلك بمراتبنا طريق من ابتدأها وأسسها ووضع أهلها فيها. وإذا كنا لا نخلف آباءكم بكم، ولا نخلفكم بأبنائكم، فعند من نصنع إحساننا ونرب أيادينا؟ أعند أبناء القرانين أو الجزارين أو أمثالهم من الممتهنين) ؟ وأنت كنت أحق بالحص على هذا، وتصويب الرأي فيه، لما ترجو من مثله في أولادك وعقبك!) فرجع هاشم إلى الشكر له وتقبيل يده ورجله.
وكان - رحمه الله! - مأمولا محبوبا في جميع البلدان. وكان محمد بن أفلح صاحب ناهرات لا يقدم ولا يؤخر في أموره ومعضلاته إلا عن رأيه وأمره؛ وكذلك بنو مدرار بسجلماسة. وكان قرولش ملك إفرنجة يسترجح عقله؛ فيهاديه ويتحفه؛ وهو (أعني قرولش) الذي عمل صورة عبسي من ثلاثمائة رطل من ذهب خالص، وصفها بالياقوت والزبرجد، وجعل لها كرسيا من ذهب خالص مفصص بالياقوت والزبرجد أيضا؛ فلما اكمل ذلك، سجد له وأسجد له جميع أهل إفرنجة في ذلك التاريخ؛ ثم دفعه إلى صاحب كنيسة الذهب برومة.
(2/108)
________________________________________
وكان الأمير محمد - رحمه الله! - مهتبلا بأمور رعيته، مراقبا لمصالحها. ووضع عن أهل قرطبة ضريبة الحشود والبعوث. وقال ابن حبان: كانت عدة الفرسان المستنفرين لغزو الصائفة المجردة إلى جليقية في مدة الأمير محمد مع الولد عبد الرحمن ابنه على هذه التسمية المفصلة: من ذلك كورة إلبيرة: ألفان وتسعمائة؛ جيان: ألفان ومائتان؛ قبرة: ألف وثمانمائة؛ باغه: تسعمائة؛ تاكرنا: مائتان وتسعة وتسعون؛ الجزيرة: مائتان وتسعون؛ إسنجة: ألف ومائتان؛ قرمونة: مائة وخمسة وثمانون؛ شذونة: ستة آلاف وسبعمائة وتسعون؛ رية: ألفان وستمائة؛ فحص البلوط: أربعمائة؛ مورور: ألف وأربعمائة؛ تدمير: مائة وستة وخمسون؛ ربينة: مائة وستة؛ قلعة رباح وأوربط: ثلاثمائة وسبعة وثمانون. قال: ونفر من أهل قرطبة لهذه الغزوة عدد لم يوقف على قدره. وكان هذا العدد الذي غزا به بعد أن رفع الضريبة التي كانت على أهل قرطبة وأقاليمها وغيرها من البلاد؛ وقطع عنهم الحشود التي كانوا يؤخذون بتجديدها في كل سنة للصوائف الغازية لدار الحرب، وأسقطها منهم ووكلهم إلى اختيار أنفسهم في الطواعية للجهاد من غير بعث. فحسن موقع ذلك منهم، وتضاعف حمدهم له وشكرهم واغتباطهم بدولته.
وذكر جماعة من المؤرخين، عن بقى بن مخلد، أنه قال: ما كلمت أحدا من ملوك الدنيا أكمل عقلا ولا أبلغ فضلا من الأمير محمد. دخلت عليه يوما في مجلس خلافته؛ فافتتح الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحلى كل واحد منهم بتحليته، ووصفه بصفته، وذكر مآثره ومناقبه بأفصح لسان وأبلغ بيان، حتى انتهى إلى نفسه؛ فسكت.
وفي صدر دولته سعى ببقى بن مخلد إلى الأمير محمد؛ وذلك أنه لما قدم بقى بن مخلد من المشرق عن رحلته الطويلة بما جمع من العلوم الواسعة والروايات العالية والاختلافات النقهية، أغاظ ذلك فقهاء قرطبة أصحاب الرأي والتقليد،
(2/109)
________________________________________
الزاهدين في الحديث، الفارين عن علوم التحقيق، المقصرين عن التوسع في المعرفة؛ فحسدوه، ووضعوا فيه القول القبيح عند الأمير، حتى ألزموه البدعة، وشنؤوه إلى العامة. وتخطى كثير منهم برميه إلى الإلحاد والزندقة، وتشاهدوا عليه تغليظ الشهادة، داعين إلى سفك دمه؛ وخاطبوا الأمير محمدا في شأنه، يعرفونه بأمره، ويكثرون عليه بكل ما يرجون به الوصول إلى سفك دمه، ويسألونه تعجيل الحكم فيه. فاشتد خوف بقي بن مخلد جدا، واستتر خوفا على دمه، وعمل على الفرار عن الأندلس إن أمكنه ذلك. فأرشده الله إلى التعلق بحبل هاشم بن عبد العزيز، وسؤاله الأخذ بيده؛ وكتب إلى الأمير محمد، ينشده الله في دمه، ويسأله التثبت في أمره، والجمع بينه وبين خصومه، وسماع حجته، فيأتي في ذلك بما يوفقه الله له. فألقى الله في نفس هاشم الإصغاء إلى شكواه، والاعتناء بأمره؛ فشمر له عن ساعده، وأوصل كتابه إلى الأمير محمد يشرح حاله؛ فعطف عليه، وإنهم الساعين به إليه؛ فأمر بتأمين بقي بن مخلد، وإحضاره مع الطالبين له؛ فتناظروا بين يديه؛ فأدلى بقي بحجته، وظهر على خصومه؛ واستبان الأمير محمد حسدهم إياه لتقصيرهم عن مداه. فدفعهم عنه، وتقدم إليه يطأطأه قدمه، ونشر علمه. وأمر بإيصاله إليه في زمرة من الفقهاء، والرفع من منزلته؛ فاعتلى ذروة العلم، ولم يزل عظيم القدر عند الناس وعند الأمير محمد إلى أن مات - رحمه الله! وفي صدر دولته، توفي عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، وذلك في رمضان سنة 239. وهو عبد الملك بن سليمان بن مروان بن جيهلة بن عباس ابن مرداس السُّلميُّ، يُكنى أبا هارون؛ أوله من كورة إلبيرة، ونقله الأمير محمد إلى قرطبة، بل نقله أبوه عبد الرحمن بن الحكم. وكان محمد بن عمر بن لبابة يقول: عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى، وفقيهها عيسى بن دينار. قال ابن وضاح وغيره: لم يقدم الأندلس أحد أفقه
(2/110)
________________________________________
من سحنون، إلا أنه قدم علينا من هو أطول لسانا منه، يعني ابن حبيب. وكان ابن حبيب أديبا، نحويا، حافظا، شاعرا، متصرفا في فنون العلم من الأخبار والأنساب والأشعار. وله مؤلفات حسان في الفقه والأدب والتواريخ كثيرة. قال ابن العزبى: بضاعته في الحديث مزجاة. وكانت علته التي مات منها الحصى. وتوفي وسنه أربع وستون سنة. وكتب إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم في ليلة عاشوراء (بسيط) :
لا تَنْسَ، لا يَنسَكَ الرَّحْمنُ، عَاشُورَا ... وَأذْكُرهُ لا زلْتَ في الأخبارِ مّذكُورَا
مَنْ بَاتَ في لَيْلِ عَاشُوراء ذَا سَعةٍ ... يَسكُنْ بعِيِشَتِهِ في الحَولِ مَحسُورَا
فأرغَبْ، فَديتُكَ، فِيمَا فيِهِ رَغبَنَا ... خَيرُ الوَرَى كُلّهِمْ حَيِّا وَمَقبُورَا
وخرج الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى الرصافة يوما متنزها، ومعه هاشم ابن عبد العزيز؛ فكان بها صدر نهاره على لذته؛ فلما أمسى، واختلط الظلام انصرف إلى القصر، وبه اختلاط. فأخبر من سمعه وهاشم يقول له: (يا ابن الخلائف! ما أطيب الدنيا لولا الموت!) فقال له الأمير: (يا ابن اللخناء! لحنت في كلامك! وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت؟ فلولا الموت، ما ملكناه أبدا!) وكان الأمير محمد - رحمه الله! - غزاه لأهل الشرك والاختلاف. وربما أوغل في بلاد العدو الستة الأشهر والأكثر، بحرق وبنسف. وله وقعة وادي سليط، وهي من أمهات الوقائع؛ ولم يعرف بالأندلس قبلها مثلها. وفيها يقول عباس بن فرناس، وشعره يكفينا من صفتها؛ وهو (طويل) :
ومُختَلِفِ الأصواتِ مؤتَلفِ الزَّحفِ ... لهومِ الفَلاَ عَبلِ القَنَابل مُلتَفِ
إذَا أومَضت فِيهِ الصَّوَارِمُ خِلتَهَا ... بُرُوقاً تَرَاءى في الجَهَامِ وتَسْتَخْفِي
(2/111)
________________________________________
كأنَّ ذُرَى الأعلامِ في مَيَلاَنِهِ ... قَرَاقِيرُ في يَمِّ عَجَزْنَ عن القَذْفِ
وإن طحَنَت أرحاؤها كان قُطبُها ... حِجَى مَلِكٍ نَدبٍ شَمَائُله عَفِّ
سَمِيُّ ختام الأنبياء مُحمِّدٌ ... إذا وُصِفَ الأملاكُ جَلَّ عَن الوَصفِ
فَمِن أجله يومَ الثلاثاء غُدْوةً ... وقد نفضَ الإصبَاحُ حَبلَ عُرى السِّجْفِ
بَكَى جبلاً وادي سَلِيطِ فَأعوَلاَ ... على النَّفَرِ العُبدَانِ والعُصبةِ الغُلفِ
دَعَاهُم صريخ الحينِ فاجتمَعَوا لًهُ ... كَمَا اجتمَعَ الجُعلانُ للبَعرِ في وَقفِ
فَمَا كَانَ إلا أن رَمَاهم ببعضِها ... فَوَلوا على أعقَابِ مهزولة كُشفِ
كانَّ مسَاعيرَ الموَالي علَيهِمُ ... شَوَاهِينُ جادت للغرانيِقِ بالنَّسفِ
بنفِسي تنانيِنَ الوَغى حيِنَ صمَّمَت ... إلى الجَبَلِ المسحونِ صفَّا عَلَى صَفِّ
يَقُول ابن بُولبش لمُوسَى وَفَدوَني: ... أرى المَوتَ قُدَّامِي وتَحتيِ ومن خَلفي
قتلنا لَهُم ألفاً وألفاً وَمِثلَهَا ... وألفا وألفاً بَعدَ ألفٍ إلى ألفٍ
سِوَى مَن طواهُ النَّهرُ في مُسلحِبهِ ... فأغِرقَ فيه أو تذأذأ مِن جُرفٍ
قال أبو عمر السالمي: كانت أول غزواته إلى بلد العدو، وقد حشد لها وجند، وصوب كيف شاء وصعد، ألقى العدو وقد ضاق بخيله الفضاء الواسع، والمكان الداني والشاسع، وهو متأهب للقائه! متوجه إلى تلقائه. فخامر الأمير محمدا الجزع، وشابه الروع والفزع، وظن أن لا منجاة من الكفار، وأن المسلمين هناك طعن الشفار؛ فرأى من الحزم الأوكد، والنظر الأحمد الأرشد، الرجوع عن تلك الحركة، لقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؛ فقام رجل؛ فقال: (أيها الأمير! قال الله تبارك وتعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم الآية. فقال له الأمير محمد: (والله! ما جبنت نفسي، إلا أنه لا زأى لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي!) فقال له العتبي: (والله! ما أراه قذف بها على لسانه إلا ملك! فأستخر الله في ليلك
(2/112)
________________________________________
هذا وفي يومك!) فأراه الله في مقابلة العدو الرشاد، وألهمه التوفيق والسداد. فندب الناس إلى لقاء أعداء الله ونصر دينه، وأن يكون كلُّ على حسن ظنه من الظفر ويقينه. فلما انعقدت راياتهم، وتأكدت على المقارعة نياتهم. قدَّم عليهم الأمير محمد ابنه المنذر، إذ كان مشهورا بالبأس، محبوبا في الناس. فسار المسلمون إلى أن التقى الجمعان، والتفَّ الفريقان فأعقب الله لأوليائه ظفرا ونصرا، وجعل بعد عسر يسرا. قال: ولم يؤذن مؤذن الظهر إلا ومن رؤوس الأعداء جملة آلاف مقطوعة لأعداء الله؛ وذلك من فضل الله. وفي هذا الفتح يقول العنبي، يمدح الأمير محمدا في قصيد طويل أذكر هنا بعضه، وهو (كامل) :
سَايِلْ عَنِ الثَّغرِ الصَّوارِمَ تَصدُقِ ... واستَنطِقِ السُّمرَ العوَاليِ تنَطِقِ
تَرَكَتْ وَقَائعَ في الثُّغورِ وَقَد غَدَتْ ... مَثَلاً بِكُلِّ مُغَرِبٍ ومُشَرِّقِ
وأدّاخَ أرْضَ المُشْرِكِينَ بِوقعَةٍ ... تَرَكَتهُمْ مِثلَ الأشاء المُحرَقِ
جَادَت عَليهِم حَربُهُ بِصَوَاعقٍ ... تَرَكَتهُم مِثلَ الرَّمَادِ الأزرَقِ
خلافة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم كُنيته: أبو الحكم. مولده: سنة 229. أمه: تسمى أثل، ولدته لسبعة أشهر. وزراؤه: أحد عشر. كتابه: اثنان: سعيد بن مبشر، وعبد الملك بن عبج الله بن أمية بن شهيد. حاجبه: عبد الرحمن بن أمية بن شهيد. قوَّاده: سبعة. قاضبه: أبو معاوية عامر بن معاوية اللخمي. نقش خاتمه: المنذر بقضاء الله راض. صفته: أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، يخضب بالحناء والكتم. أولاده الذكور: خمسة، والإناث: ثمان. بويع يوم الأحد لثمان خلون من ربيع الأول سنة 273، وهو ابن أربع وأربعين سنة، وسبعة عشر يوما؛ وتوفي في
(2/113)
________________________________________
غزاة له على بربشتر يوم السبت للنصف من صفر سنة 275. عمره: ستة وأربعون سنة. خلافته: سنتان إلا سبعة عشر يوما. ودفن بقصر قرطبة، وصلى عليه أخوه عبد الله، جد الناصر.
واتصل به موت أبيه، وهو على حصن الحامة يقاتل المرتد اللعين عمر ابن حفصون؛ فقفل إلى قرطبة. وتمت له البيعة في اليوم الثاني من وصوله؛ ففرق العطاء في الجند، وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر العام وما يلزمهم من جميع المغرم.
وكانت أكثر حصون رية قد حصلت في طوع ابن حفصون؛ فبعث إليها الإمام المنذر الأجناد؛ فانصرفت إلى الطاعة.
ولما بلغ ابن حفصون موت الأمير محمد، وانصرف عنه المنذر على ما تقدم، نهض من فوره؛ فراسل الحصون التي بينه وبين الساحل كلها؛ فأجابته وطاعت له. ونهض إلى باغه وجبل شيبة؛ فأخذ من الأموال ما لا يوصف، كل ذلك منه بلا قوة، ولا كثرة من مال، ولا عدد؛ ولكنه كان عذابا من الله ونقمة انتقم بها من عبيده. وانفق له زمان هرج وقلوب قاسية فاسدة ونفوس خبيثة، متطلعة إلى الشرّ، مشرئبة إلى الفتنة. فلما ثار، وجد من الناس انقيادا وقبولا للمشاكلة والموافقة؛ فتألبت له الدنيا، ودخل إلى الناس من جهة الألفة، وقال: (طال ما عنَّف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وأخرجكم من عبوديتكم!) فكان ابن حفصون لا يورد هذا على أحد إلا أجابه وشكره. فكانت طاعة أهل الحصون بهذا الوجه. وكان أتباعه شطار الناس وشرارهم. فكان يمنيهم بفتح البلاد، وغنائم الأموال. وكان مع ذلك متحببا لأصحابه، متواضعا لألافه. وكان، مع شره وفسقه، شديد الغيرة، حافظا للحرمة؛ فكان ذلك مما يميل النفوس إليه. ولقد كانت المرأة في أيامه تجئ بالمال والمتاع من بلد إلى بلد منفردة، لا يعترضها أحد من خلق الله. وكانت عقوبته السيف، يصدق المرأة
(2/114)
________________________________________
والرجل والصبي أو من كان على من كان، لا يطلب على ذلك شاهدا أكثر من الشكوى. وكان يأخذ الحق من ابنه، ويبر الرجال، ويكرم الشجعان؛ وإذا قدر عليهم، عفا عنهم. وكان يسورهم بأسورة الذهب إذا اختصلوا. فكانت هذه الأشياء كلها عونا له. وانتهى ابن حفصون بعاديته إلى قبرة وما أمامها إلى قرية الجالية، وأغار على القبذيق من إلبيرة، وعلى أحواز جيان، وأسر عبد الله ابن سماعة عامل باغه.
وكان اجتمع إلى حصن آشر من حوز رية وبمقربة من قبرة جمع الشر من أصحاب ابن حفصون. فراع أهل قبرة أمرهم وهابوهم. واتصل بالأمير المنذر خبرهم؛ فأرسل أصبغ بن فطيس في خيل كثيفة إلى حصن آشر؛ فحاصرهم حتى افتتحه، وقتل من كان فيه. وأخرج الأمير المنذر عبد الله بن محمد بن مضر وأبدون الفتى بخيل إلى ناحية لجانة من قبرة؛ وكان بها مسلحة لابن حفصون؛ فنازلوهم وقاتلوهم حتى أفنوهم.
قال الرازيّ: وفي سنة ولاية الإمام المنذر، غزا محمد بن لبّ إلى ألبة والقلاع ومعه جموع المسلمين؛ ففتح الله للمسلمين، وقتلوا المشركين قتلا ذريعا.
وفي هذه السنة، أعني سنة 273، في جمادى الأولى، أمر الأمير المنذر بسجن هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه وخاصته، وأمر بقتله في جمادى الأولى؛ وسبب ذلك أن هاشما كان يجسد لمكانه من الأمير محمد وخاصته به؛ فكانوا يسعون به عند المنذر، ويكررون ذلك عليه، حتى تنافرت النفوس. فلما مات الأمير محمد، وولى المنذر، أراد أن يفي له ويتبع فيه فعل أبيه؛ فولاه الحجابة. ثم تمالئوا عليه، وأمثروا، وحرفوا عليه الكلام، وتأولوا عليه أقبح التأويل، حتى نفذ قضاء الله فيه. وكان مما تأولوا عليه أن هاشما أنشد عند مواراة الأمير محمد - رحمه الله! - (وافر) :
(2/115)
________________________________________
أعَزّى يَا مُحَمِّدُ عَنكَ نَفسِي ... أمين الله ذَا المِنَنِ الجِسَامِ
فَهَلاً مَاتَ قَومٌ لَم يَمُوتُوا ... وَدُوفِعَ عَنكَ لِي كاسُ الحِمَام
فتأوَّلوا أنه يريد بقوله (لم يموتوا) المنذر. وكتب هاشم من حبسه إلى جاريته عاج (طويل) :
وَإنّي عَدَاني أن أزُورَكِ مَطبَقٌ ... وبَابٌ مَنِيعٌ بالحديدِ مُضّبَّبُ
فإن تَعجبِي يا عَاجُ ممَّا أصابني ... فَفِي رَيبِ هذا الدَّهرِ مَا يُتعَجبُ
تَرَكتُ رَشادَ الأمِر إذ كنتُ قادِراً ... عَليهِ فَلاقَيتُ الذِي كُنت أرهَبُ
وكم قَائِلٍ قَالَ: أنجُ وَيحَكَ سَالماً ... فَفِي الأرضِ عَنهمُ مسترادٌ ومذهبُ
فَقُلتُ لَهُ: إنَّ الفِرارَ مّذَلةٌ ... ونَفسِي علَى الأسواء أحلَى وأطيَبُ
سأرضَى بِحُكمِ الله فِيمَا يَنُوبُنِي ... ومَا مِن قضَاء اللهِ للِمَرء مَهرَبُ
فَمَن يَكُ أمسَى شَامِناً بي فإنَّهُ ... سَيَنهَلُ في كاسِي وَشِيكاً وَيشرَبُ
ثم بعث فيه الأمير ليلا؛ فقتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وهدم داره، وألقى أولاده في السجن، وألزمهم غرم مائتي ألف دينار؛ فلم يزالوا في السجن والغرم إلى موت المنذر وولاية أخيه عبد الله؛ ثم أطلقهم عبد الله، وصرف عليهم ضياعهم، وولى أحدهم الوزارة والقيادة.
وفيها، كانت الوقعة على أهل طليطلة وكانوا قد جيشوا البربر المنفيين من ترجيله، فقتل منهم ألوف.
وفي سنة 274، خرج الأمير المنذر بجيوشه إلى عمر بن حفصون؛ فافتتح حصونه برية، والحصون التي بجهة قبرة؛ ثم توجه إلى حضرته بربشتر؛ فحاصره فيها، وأفسد ما حواليه، وضيق عليه؛ ثم انتقل عنه إلى أرجذونة، وبها عيشون؛ فأقام عليها محاصرا لها ومضيقا على أهلها، إلى أن نبذوا عيشونا وأهله، وأسلموه بذنبه؛ فدخلها الأمير المنذر، وقبض على عيشون وأصحابه. وظفر أيضا ببني مطروح، وهم: حرب، وعون، وطالوت، وافتتح حصونهم بجبل باغه، وأتى بهم
(2/116)
________________________________________
إلى الأمير أسارى؛ فبعث ببني مطروح إلى قرطبة، وأمر بقتلهم وصلبهم؛ وكانوا اثنين وعشرين رجلا؛ فصلبوا بأجمعهم؛ وصلب مع عيشون في الخشبة خنزير وكلب. وكان السبب في ذلك أن عيشونا كان يقول: (إذا ظفر بي، فليصلبني وليصلب عن يميني خنزيرا وعن يساري كلبا!) وكان يثق بنفسه في القتال ثقة شديدة، ويأمن من أن يؤخذ لشدته وشجاعته. فلما يئس الأمير منه، دس إلى بعض أهل أرجذونة بأن يتحيل في أخذ عيشون؛ فأجابه، ووعده بأخذه. فلما كان في يعض الأيام، دخل بيت أحدهم بغير سلاح، وقد استعد له بكبل؛ فأوثق به وبعث به إلى الأمير المنذر.
شأن عمر بن حفصون في أيام المنذر - رحمه الله! ولما كان في العام الثاني من ولايته وهي هذه السنة المؤرخة، خرج في عديده الأكثر، وقصد بربشير. فحل عليها أحفل احتلال، وقاتل ابن حفصون بها أشد قتال؛ وانتشرت خيله في تلك الأقطار، واستولت على السهول والأوعار. ثم عطف الأمير إلى مدينة أرجذونة ليتبرها تتبيرا، ويولي أهلها يوما عبوسا قمطريرا، لدخولهم في طاعة ابن حفصون، ونزوعهم إلى ما نزع إليه أهل تلك الحصون، فخرجت رسلهم إلى الأمير؛ فتلقته بالسمع والطاعة، والدخول في جمهور الجماعة؛ فتقبل نزوعهم، وأنس جميعهم. وتغلب على القصبة إثر ذلك؛ وأسر عامل ابن حفصون هنالك. واستمر اللعين ابن حفصون على ضلالته وغيه، ولم يئن عنانا عن عاديته وبغيه. فخرج إليه الأمير ثانية وحاصره حصارا، وقد عدم ابن حفصون أعوانا وأنصارا. فلما رأى الأمير أخذ بمخنقه، وسدَّ أفواه طرقه، أعمل سوانح الفكر، في الخديعة والمكر، ليعتصم بذلك من تلك الجبال المنصوبة، والأشراك المعترضة المضروبة؛ فأظهر الإنابة إلى الطاعة، وشهر النصيحة جهد الاستطاعة، على أن يكون عند الأمير من خاصة جنده، ويسكن قرطبة بأهله وولده، وأن يلحق أبناءه في الموالي، ويتابع الإحسان قبله ويوالي. فأجابه
(2/117)
________________________________________
الأمير إلى مطلبه بأكبد الأيمان؛ وكتب له بذلك مبادرا عقد أمان، وقطع لأولاده أرفع الثياب؛ وأوفرت لهم الدواب، بالأموال والأسباب، إسباغا عليهم بالإفضال، وتوسيعا لهم في الأماني والآمال. وسألا اللعين مائة بغل يحمل عليها جملة متاعه وعياله، وجعل طلبها قوة لمكره واحتياله. فأمر الأمير بالبغال أن تحمل إليه، وتوضع بين يديه؛ وقد جعل عليها عشرة من العرفاء بمائة وخمسين فارسا إتماما للإكرام، وإنعاما على إنعام. فأرسل عمر بن حفصون جميعهم إلى بربشتر حيث أهله وولده، وطريفة من المال ومتلده. وانحل العسكر عن الحصن إذ ذاك، وقفل القاضي والفقهاء عن تمام الصلح من هناك، وظنهم قد غلب أن لا كذب ولا مين، وأن قد نيل من الراحة من شغبه أملا وقرة عين. فلما انفض جمع ذلك العسكر، وانتفض ذلك المعسكر، ودخل الليل، وامتد للفاتك الذَّبل، هرب عمر بن حفصون من ذلك الحصن، وسار إلى بربشتر في ظل الأمن. فلقي العرفاء؛ فناصبهم القتال، وأخذ تلك البغال، وعاد إلى سيرته الأولى، وقال لشيعته: [أنا ربكم الأعلى!] فأقسم الأمير المنذر أن يقصده ويحل عليه، ولا يقبل منه أو يلقى بيده إليه؛ فأعمل الغزو إلى بربشتر، وجمع لها الجمع الأكبر. فلما احتل عليها، أمر أن يحدق بها، ويحاط بجوانبها، وأن يعتزم لقتالها اعتزاما، ويلتزم محاصرتها التزاما.
فظهر من حزم الأمير المنذر وعزمه ما يئس معه ابن حفصون، من البقاء في تلك الحصون. فبقى الأمير على حصن بربشتر، برومه روما، مدة من ثلاثة وأربعين يوما. وكان قد أصابته علة أكرثت نفسه، وكدرت أنسه؛ فبعث في أخيه عبد الله لينوب منابه، وينتدب في تلك الحال انتدابه. فلما وصل إليه، وحصل في المظلة لديه، خرجت في الحين روحه، وبكاه من كان يغدوه ويروحه. فوقع الخرم في العسكر إثر موته، وتفرق الناس عند فوته. ولم يقدر أخوه عبد الله على ضبطهم، وعقد ما انحل من ربطهم. واستطال عمر بن حفصون
(2/118)
________________________________________
في المحلة، وانتهبها بالجملة. وحمل الأمير المنذر على جمل إلى قرطبة؛ فدفن مع أجداده هنالك، وصار عند الناس أهون مفقود وأيسر هالك، إذ كان قد اضطرهم في ذلك المقام، وندبهم إلى الثبات هنالك والمقام.
وفي هذه السنة، كان القحط الشديد بالأندلس؛ فاستسقى الناس. فنزل ثلج كثير في أول يوم من ينير، ولم ينزل غيث. ثم استسقوا مرارا؛ فلم يمطروا؛ فخامر الناس القنط. فلما دخل من فبرير بعض أيام، سقى الناس، وارتفع الناس؛ فاستبشروا بفضل الله، وأعلنوا بشكره. فقال العكي في ذلك، يمدح الأمير المنذر (كامل) :
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 17 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

نَزَلَ الحَيَا المُحيي وطابَتْ أنفُسُ ... إذ كان سُوء الظَّنِّ فيها يَهجِسُ
أحْيَى الإلهُ عِبَادَهُ من بَعْدِ ما ... كانت من القنطِ النفوسُ تُوسَوِسُ
مُتلافياً فيه بعائدِ رَحمةٍ ... لَولا عَوَائدُها طَوَتنَا الأبْؤُسُ
مَلِك الملوك تقدَّسَت أسماؤهُ ال ... حُسنى وعَزَّ جَلالَه المُتَقَدِّسُ
ومنها:
بالمنُذرِ المَيمُونِ طَلبَ زَمانُنا ... ويِطيبِ دَولَتِهِ تِطيبُ الأنفُسُ
إلى قوله:
خُذْها أمِين الله وابن أمِينِهِ ... من شاكِرٍ في الشُّكرِ لَيْسَ يُدَلِسُ
وفي سنة 275، توفي الأمير المنذر - رحمه الله! - وقد ذكر موته على حصن بربشتر محاصرا للخبيث ابن حفصون. وكانت وفاته منتصف شهر صفر من السنة المذكورة، وهو ابن ست وأربعون سنة. وملك سنتين إلا أياما.
(2/119)
________________________________________
بعض سيره وأخباره
كان الأمير المنذر - رحمه الله! - يحبُّ إخوته، ويكرمهم، ويدنى مجالسهم، ويصلهم، ويحضرهم مجالس أنسه. وكان يجزل العطاء للشعراء؛ فينشدونه غازيا وراجعا. وكان من شعرائه أحمد بن عبد ربه، والعكي، وغيرهما. ولم يكن أحد من الخلفاء قبله مثله شجاعة وصرامة وعزما وحزما. ولقد بلغ في سنة بذلك ما لم يبلغه غيره في الدهر. ولقد كان أبطال الرجال وأنجادهم من أهل الفتنة يذعنون إليه دون محنة، ويرسلون إليه بالطاعة قبل أن يطلبها. وإن الخبر المستفيض عن الشيوخ أنه، لو عاش المنذر عاما واحدا زائدا، لم يبق برية منافق؛ وأخباره تدل على ذلك. وأول أخباره الدالة على ذلك أنه، لما أتاه موت أبيه، لم يمنعه ذلك من التعريج عن القصد واختصار الطريق، ولا شغله أمر مهم ولا أمر جليل عن آخر؛ فجعل طريقه على رية؛ فهذب أمورها، وولى عليها سليمان بن عبد الملك بن أخطل، وعبد الرحمن بن حريش، وأدخل معهما أهل المعاقل من العرب والحشم. ثم جمع في يوم ولحد مبايعته، وإعطاء الجند، والنظر فيما أسقط من الأزمة عن الرعية، وما فعله من الاستحماد إلى أهل قرطبة بإسقاط العشور عنهم، والنظر في الندب وإخراج القائد. وهكذا كان فعله في جميع أسبابه؛ ويحسب ذلك كان انقياد الأشياء له.

خلافة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم
كنيته: أبو محمد. مولده: في النصف من ربيع الآخر سنة 229. أمه: تسمى بهار وقيل: عشار. حجابه: اثنان: عبد الرحمن بن شهيد وابن السليم. وزراؤه: ستة وعشرون. كتابه: ثلاثة: عبد الله بن محمد الزجالي، وعبد الله بن محمد بن أبي عبدة، موسى بن زياد. صفته: أبيض، مشرب
(2/120)
________________________________________
بحمرة، أصهب، أزرق، أقنى الأنف، ربعة، يخضب بالسواد. بنوه: أحد عشر، أحدهم محمد المفتول، والد عبد الرحمن الناصر. بناته: ثلاث عشرة. بويع في اليوم الذي مات فيه أخوه المنذر في المحلة على بربشتر، وذلك يوم السبت في النصف من شهر صفر سنة 275. ثم قفل إلى قرطبة بأخيه المنذر ميتا؛ فاستتم البيعة بقرطبة، ودفن أخاه بعدها. وتوفي عبد الله سنة 300، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة؛ فكانت خلافته خمسا وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ومن قول ابن عبد ربه فيه (طويل) :
خِلافَةُ عَبدِ الله حَجٌ عَلَى الوَرَى ... فلا رَفَثٌ في عَصِرهِ وفُسُوقُ
تَجَلَّت دَياجِي الحيفِ عَن نُورِ عَدلِهِ ... كَمَا ذَرَّ في جَنحِ الظَّلامِ شُرُوقُ
ونثَقَّفَ شَهمَ الدينِ بالعَدِل والتُّقَى ... فهَذَا لَهُ نَصلٌ وذَلِك فُوقُ
وأعلنَ أسبَابَ الهُدَى بضَمِيرهِ ... فلَبسَ لَهُ إلاَّ بهِنَّ عُلُوقُ
ومَا عَاقَهُ عَنها عَوائقُ مُلكِهِ ... وأمثالُها عَن مِثلهِنَّ تعُوقُ
وأفضت الخلافة إليه، وقد تحيفها النكث، ومزقها الشقاق، وحل عراها النفاق؛ والفتنة مستولية، والدجنة متكاثفة، والقلوب مختلفة، وعصى الجماعة متصدعة، والباطل قد أعلن، والشر قد اشتهر؛ وقد تمالا على أهل الإيمان حزب الشيطان؛ وصار الناس من ذلك في ظلماء ليل داج، لا إشراق لصباحه، ولا أقول لنجومه. وتألب على أهل الإسلام أهل الشرك ومن ضاهاهم من أهل الفتنة، الذين جردوا سيوفهم على أهل الإسلام؛ فصار أهل الإسلام بين قتيل ومحروب ومحصور، يعيش مجهودا، ويموت هزلا؛ قد انقطع الحرث، وكاد ينقطع النسل. فناضل الأمير بجهده، وحمى بجده، وجاهد عدو اله وعدوه. وانقطع الجهاد إلى دار الحرب، وصارت بلاد الإسلام بالأندلس هي الثغر المخوف؛ فكان قتال المنافقين وأشباههم أوكد بالسنة، وألزم بالضرورة.
فأول ما تناوله، ونظر فيه، أن وجه إبراهيم بن خمير لأخذ بيعة ابن حفصون وبيعة من قبله. فقصد إبراهيم إليه، وطلب طاعته؛ فظهر منه حسن
(2/121)
________________________________________
مذهب؛ فأخذ بيعته، وصدر عنه؛ وقدم معه حفص ابنه وجماعة من أصحابه؛ فأخذت عليهم البيعة، وردهم الأمير محبوين بالكرامة والرعاية. فبقى ابن حفصون سامعا مطيعا منتهيا عما نهى عنه، واقفا عندما أمر به. ثم تعدى بعد ذلك حده، ومد يده إلى ما نهى عنه؛ فلم يدع مالا عند من أمكنه، واستحوذ على أهل الكور في أموالهم، وأمضى نفسه على عادته الذميمة من الفساد وقطع السبل، وذلك في سنة ولاية الأمير عبد الله.
وفي سنة 276، خرج الأمير عبد الله بنفسه إلى بربشتر وحصون رية؛ فانتسف معايشها، وقفل عنها، وقد شد تلك الناحية؛ وأبقى بحاضرة رية محمد بن ذنين من أهل قرطبة؛ فخرج ابن حفصون في إثره، وتألف إليه المفسدون؛ فأتوا إلى إسنجة، فاحتلوها، ثم إلى حصن إستبة، فأخذوه؛ فأخرج إليهم الأمير جيشا؛ فنزل ابن حفصون، واعترف بذنبه؛ فعقد له الأمير أمانا.
وفي هذه السنة، ولي محمد ابن الأمير عبد الله كورة إشبيلية؛ فخرج في أيامه بعض عرب إشبيلية إلى قرمونة؛ فضبطوها.
وفيها، ثار أبو يحيى محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز النجيبي المعروف بالأنقر.
وفيها، نقض ابن حفصون وقصد بيانة؛ فحارب أهلها، ثم أعطاهم العهد؛ فلما نزلوا إليه، غدرهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذراريهم.
وفيها، انتفض أهل جيان، وأخرجوا عاملها عباس بن لقيط، وملكها ابن شاكر.
وفي سنة 277، ولد عبد الرحمن الناصر.
وفيها، غزا القائد ابن أبي عبدة إلى جيان، وفيها ابن شاكر مخالفا؛ فحاربه، وحاصره، وقتل جماعة من أصحابه، وأحرق كثيرا من دور جيان.
(2/122)
________________________________________
وفيها، خرج حفص بن المرة إلى سوار، وكمن له الكمائن، وأغار عليه؛ فلما خرج سوار في طلبه، خرجت عليه الكمائن؛ فقتل: وفيها، قتل ابن شاكر الثائر بجيان. وسبب قتله أن ابن حفصون أزاد أن يراجع طاعة الأمير، وأن يتقرب إليه بقتل ابن شاكر؛ فبعث إليه خيلا يريه أن يمده على عدوه؛ فأقبل المدد إليه؛ فلما خرج إليهم، فتكوا به وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى ابن حفصون؛ فبعث به إلى الأمير عبد الله. وعند ذلك توجه ابن حفصون إلى جيان؛ فأغرم أهلها الأموال الجسيمة. وأقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير.
وفي سنة 278، خرج الأمير عبد الله إلى بلاي من عمل قبرة، وبها عدو الله ابن حفصون مع جماعة كبيرة من أصحابه أهل الفساد والارتداد. وكانوا قد أضروا بأقاليم قرطبة، وضيقوا عليهم حتى أغاروا على أغنام قرطبة. فخرج إليهم الأمير مستهل صفر، واحتل به؛ فناهضه وصادقه القتال؛ فانهزم هو ومن معه، ولجأ إلى حصنه مع ملأ من أصحابه، وعوجل عشيره عن الدخول معه، واتبعوا؛ فلم يخلص منهم أحد. فبات الأمير قرير عين، والمسلمون كذلك، وقد أخذوا عليه تلك الليلة الباب رجاء أن يأتي الصباح، فيؤخذ داخل الحصن. ثم خرج منه مع بعض أصحابه، ونجا ونجوا. ولما أصبح، أعلم السلطان بخبره؛ فأرسل الخيل في أثره؛ فلم يعلم له خبر. ودخل الأمير الحصن يوما آخر؛ فوجده مترعا بالذخر، ملآن من العدد؛ وكان عدد عسكر الأمير ثمانية عشر ألف فاري. وقيل إن ابن حفصون ألب أهل حصون الأندلس كلها، وأقبل إليه في ثلاثين ألفا. ووقعت الحرب بينهم؛ فانهزم عدو الله، وقتل أكثر من كان معه. ودخلت جملة منهم في محلة الأمير؛ فأمر بالتقاطهم؛ فأتى بألف رجل منهم؛ فقتلوا صبرا بين يديه. هكذا ذكر في (بهجة النفس) .
ثم قصد الأمير إستجة؛ فنازلهم؛ وحاربهم، وقتل لهم عددا كثيرا. فلما أخذهم
(2/123)
________________________________________
الجهد، رفعوا الأطفال على الأيدي في الأسوار، مستصرخين، ضارعين، راغبين في العفو؛ فعفا عنهم.
وفي سنة 279، غدر أهل ارجذونة بأحمد بن هاشم. ونقض ابن حفصون ما كان انعقد من السلم والطوع.
وفي سنة 280، توجه المطرف بن الأمير عبد الله بالجيش إلى ابن حفصون ببرنشتر؛ فحاصرها، وهتك جميع ما حواليها.
وفيها، أمر الأمير عبد الله ببنيان حصن لوشة، وأبقى عليه إدريس بن عبيد الله.
وفيها، دخل إذفونش بن أردون مدينة سمورة وبناها؛ وكانت من بنيان عجم طليطلة.
وفي سنة 281، أغزى الأمير عبد الله عبد الملك بن أمية؛ فتقدم إلى حصون ابن مستنة، ونازل حصن آشر، وحاربه، وقتل من أهله عددا كثيرا، وهدم حصن السهلة. ثم قفل إلى قرطبة.
وفي سنة 282، غزا بالصائفة المطرف ابن الأمير عبد الله. وقاد الصائفة عبد الملك بن أمية. فلما كان بمقربة من إشبيلية، قبض على القائد عبد الملك، وقتله، وقدم على قيادة العسكر أحمد بن هاشم. وأقام العسكر في الموضع أربعة أيام، وكتب أمانا لأهل إشبيلية، وأمانا لأهل شذونة؛ فدانت له، وقبض جبايتها، ودوخ تلك البلاد. ثم رحل إلى إشبيلية؛ فناشبهم الحرب؛ فانهزم أهل إشبيلية، ووقع فيهم القتل إلى سور المدينة. ثم أجاز الوادي؛ فتتبع القرى بالنسف والتغيير.
وفي هذه السنة، ضمَّ المطرف ابن الأمير عبد الله إبراهيم بن حجاج وابن
(2/124)
________________________________________
خلدون وابن عبد الملك الشذوني إلى السجن، وأوثقهم في الحديد. وقطع لسان سحنون الكاتب، وضرب ظهره.
وفيها، أتت جباية إشبيلية. وعندما أتت، أطلق ابن حجاج وابن خلدون والشذوني من سجن قرطبة.

ذكر ثورة بني حجاج بإشبيلية
وذلك أن إبراهيم بن حجاج ترك ولده رهينة بقرطبة، ورجع إلى بلده إشبيلية؛ فتوزع كورتها على نصفين: خرج إبراهيم بالنصف، وابن خلدون بالنصف. وبقيا كذلك أعواما. وكان الأمير عبد الله قد أخذ في الضرب بينهما، وبكاتب كل واحد منهما بما يراه من صاحبه. فلما كان في بعض الأيام، كتب إبراهيم بن حجاج وكريب بن خلدون إلى الأمير عبد الله في مصالحهما؛ وكتب معهما خالد بن خلدون أخو كريب كتابا يغري فيه إبراهيم بن حجاج عند الأمير، ويقول إنه في قبضتهم. فكتب له جوابه على نص كتابه. وخرج الحامل بالكتب إليهم؛ فسقط له كتاب خالد الذي كان بعث للأمير؛ فأخذه بعض فتيان القصر؛ فقرأه وعلم ما فيه؛ فدفعه لرسول إبراهيم بن حجاج، وقال له: (اسبق به مولاك!) فلما وصل الرسول والكتاب إلى إبراهيم، علم حقيقة ما يحتوي عليه ابنا خلدون من سوء الباطن. وكان هذا في سنة 286. فعند ذلك، تلطف إبراهيم في طعام، ودعا ابني خلدون؛ فوصلا إليه. فلما استقر المجلس بهم، أخذ إبراهيم في عتاب كريب وأخيه خالد، وأخرج الكتاب الذي بعث به الأمير إليهما، وأوقفهما عليه، وأبلغ في عتابهما، وأكثر في ذلك عليهما. فأخرج خالد سكينا كانت في كمه؛ فضرب بها رأس إبراهيم بن حجاج؛ فمزق قلنسوته، وضربه في وجهه. فلما صدر منه ذلك، نهض إبراهيم، ودعا من حضر من رجاله؛ فعلوهما بالسيوف، حتى قتلوهما. وألقى رأسيهما إلى أصحابهما ورجالهما؛ فتفرقوا. وتتبعهم إبراهيم بالقتل والنهب، ودفن جسدي ابني
(2/125)
________________________________________
خلدون؛ وانقاد له جميع أهل الكور الملاصقة لإشبيلية. وخاطب عند ذلك الأمير عبد الله، يتبرأ له من دمهما، ويقول إنهما كانا يحملانه على النكث، وإنه الآن على الطاعة؛ وطلب منه ولاية إشبيلية. فأجابه الأمير إلى ذلك. وانفرد إبراهيم بولاية إشبيلية؛ فاجتبى الأموال، واصطنع الرجال، وارتقى في الأحوال، وامتدت لفضائله الآمال. وكان له حميد آثار، وجميل أخبار، فاق بها أهل عصره، وحسن في الآفاق طيب ذكره.
ولم يزل بعد ذلك إبراهيم بن حجاج يشتط على الأمير عبد الله، إلى أن سأله إطلاق ولده عبد الرحمن الرهين عنده. فلم يسعفه الأمير عبد الله في ذلك. فنبذ إبراهيم الطاعة عند ذلك، وظاهر ابن حفصون، وأمده بالمال والرجال، نكاية للأمير عبد الله. فقويت شوكة ابن حفصون، وازداد به طماعية؛ وفي خلال ذلك، لم يزل إبراهيم يدسس ويرسل من يشير على الأمير بإطلاق ولده، ويتضمن له عوده إلى الطاعة، حتى وافق السلطان على ذلك؛ فأطلق عبد الرحمن ابن إبراهيم، وأعظم الإحسان إليه، وجدد له التسجيل على بلده إشبيلية. فعاد إبراهيم إلى ما كان أولا عليه من الطاعة، واستقامت أحوال تلك النواحي على يديه.
قال حيان بن خلف: لما ملك إبراهيم بن حجاج إشبيلية وقرمونة وما والاهما، ارتفع ذكره، وبعد صيته، واتخذ لنفسه جندا، ورتب لهم الأرزاق كنعل السلطان؛ فكمل في مصافه خمسمائة فارس. وكان لإبراهيم بن حجاج في بساط السلطان بقرطبة قوم يقفون في حقه، ويعلمونه بما عند السلطان من حاله، وينصحونه في أمره. فعند ذلك، أقلع عما كان عليه من موافقة ابن حفصون، واعترف بحق أمير الجماعة؛ فعامله الأمير بما شهر له من الفضل. وكانت منزلته عنده أعلى منزلة، إلى أن توفي - رحمه الله! وذكر حيان أيضا قال: كان لإبراهيم بن حجاج في بلده إشبيلية قاض يقوم
(2/126)
________________________________________
بالحكم، وصاحب مدينة يقيم الحدود، جرى في ذلك كله مجرى السلطان في حضرته. قال: وكان فظا على أهل الريب، قامعا لأهل الشرّ؛ وكان منجعا على البر والبحر، مقصودا بالغرائب والطرف. وكانت له بإشبيلية طرز يطرز فيها على اسمه كفعل السلطان إذ ذاك؛ وكانت قرمونة تحت مملكه؛ وهو الذي حصنها وحسن بنيان سورها؛ وفيها كان مربط خيله المتخذة لركوبه؛ وبينها وبين إشبيلية كان ترداده سائر أوقاته. وكان جوادا، ممدحا، يرتاح للثناء، ويعطي الشعراء، ويضاهي في فعله كبار الأمراء، ويتفقد أهل البيوتات والشرف بالعطاء. وكان أهل قرطبة متعرضين لسيبه، فيكرمهم ويصلهم. وقد انتجعه شاعرهم الأكبر أبو عمر أحمد بن عبد ربه من بين جميع ثوار ذلك الوقت بالأندلس؛ فعرف قدره، وأفضل عليه.
ومن قوله فيه، يصف تنقله من إشبيلية إلى قرمونة (طويل) :
ألا أن إبراهيم لُجِّةُ ساحِلِ ... مِن الجودِ أرسَت فوق لُجَّةِ ساحِلِ
فإشْبِيَلةُ الزّضهراءُ تُزْهَى بمجدِهِ ... وقَرمُونةُ الغَرَّاءُ ذاتُ الفَضَائِل
إذا مَا تجَلَّت تِلكَ من نِور وَجهَهِ ... غَدَت هذِهِ للناسِ في زِيّ عاطِلِ
وإن حلَّ هذِي فَهوَ يُوحسُ هذِهِ ... فَنَهدِي بُرسلٍ نَحوَه ورَسائِلِ
وهي طويلة. ومن قوله أيضا من قصيد طويل (وافر) :
كتابُ السوقِ يَطوِيهِ الفُؤادُ ... ومن قبض الدّثموعِ لَه مِدادُ
تخطُّ يَدُ البكاء به سطوراً ... على كبِدِي ويمليها السُّهادُ
وكَيفَ وبي فؤادٌ مستطيرٌ ... لمِن لا يستطيرُ له فُؤادُ
أمِن يُمنِ يكون الجودُ خلوا ... وإبراهيم حاتِمُها الجَوَادُ
زيارته لِمَن يأتيهِ حَجٌ ... ومِدحتُه رِباطٌ أو جِهَادُ
وما لي في التخلُّف عَنه عذرٌ ... ولي في الأرض راحلِةٌ وَزَادُ
(2/127)
________________________________________
ولأحمد بن عبد ربه في إبراهيم بن حجاج أشعار كثيرة، ولغيره من الشعراء. وذكر ابن أبي الفياض أن محمد بن يحيى القلقاط الشاعر القرطبي قصد الأمير إبراهيم بن حجاج بمدحه بقصيدة نونية، أولها (خفيف) :
أزفت رحلتي فَاهْمَتْ جُفُونَا
ثم أخذ في هجاء عشيرته أهل قرطبة، وكبرائها، وعظماء دولتها؛ فأفحش عليهم. فلما أنشد القصيدة إبراهيم بن حجاج، زها به، وحرمه وأساء ذكره؛ فانصرف خائبا من نواله، جانيا ثمره فعاله ومقاله. فلما وصل قرطبة، أخذ يهجو إبراهيم بن حجاج بقصيدة أولها (كامل) :
لا تُنكِري للبين طولَ بُكاءي
فلما بلغت إبراهيم، أغضبته؛ فأوصى من قال له عنه يمينا مغلظة: (إنه إن عاد لما وقع فيه، لآمرن بأخذ رأسه بقرطبة على فراشه!) فارتاع القلقاط المذكور لذلك، وكف. فكان هذا الفعل لإبراهيم في حق أهل قرطبة أجل مكرمة، وعد في جملة فضائله. ولأجل هذا ساقه القاضي ابن أبي الفياض - رحمه الله! - وقد قصده العذري من الحجاز؛ فراعى حقه، وأكرم مثواه، وأناله جزيل خيره. ورفع الناس ذكره.
وقد ذكر أبو عامر السالمي في كتابه المسمى ب (درر القلائد وغرر الفوائد) أن الأمير الرئيس الهمام الجواد الحسيب أبا إسحاق إبراهيم بن حجاج سمع بجارية بغدادية اسمها قمر؛ فوجه بأموال عظيمة إلى المشرق في ابتياع هذه الجارية، إلى أن استقرت بدار مملكته إشبيلية؛ وكانت كالبدر المنير، ذات بيان وفصاحة ومعرفة بالألحان والغناء؛ فوجدها قمرا عند اسمها؛ وكان لها شعر يستحلى ويستحسن. فمن قولها ترد على من عاذلها (بسيط) :
قالُوا أتتْ قَمَرٌ في زِيِّ أطمَارِ ... مِنْ بَعدِما هَتَكَتْ قَلباً بِأشفَارِ
تُمسِي علىَ وَحَلٍ تغدو على سُبُلٍ ... تَشُقُّ أمصارَ أَرْضٍ بعدَ أَمصَارِ
(2/128)
________________________________________
لا حُرَّةٌ هَيَ مِن أحرار مَوضِعِها ... وَلاَ لَهَا غَيرُ تَرسيلٍ وأشعَارِ
لَو يعقلون لَمَا عَابُوا غَريبتهم ... لله مِن أمَةٍ تُزرِي بأحرارِ
ما لابنِ آدمَ فخرٌ غَيرَ هِمتِهِ ... بَعدَ الديَانةِ والإخلاصِ للبارِي
دَعنِي من الجهلِ لا أرضىَ بِصَاحِبهِ ... لاَ يَخلُصُ الجَهلُ من سَبٍّ ومن عَارِ
لَو لَم تَكُن جَنةٌ إلاَّ لجَاهلةٍ ... رَضيتُ من حُكمِ رَبِّ الناسِ بالنّارِ
ولم تزل مدة إبراهيم تتمشى على أحسن حال وأجزله، وأهذب زيّ وأكمله، تقضت زينا لعصره، وفخرا له بها على أهل مصره، لم يلحقه في ذلك أحد في وقته، ولا قدر على نيل مرتبته، إلى أن وافته منيته فجأة، وذلك عام 288. وولى أبنه عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج بعد أبيه، وطالت مدته ثلاث عشرة سنة، وتوفي سنة 301. وكان أخوه محمد بن إبراهيم بن حجاج - رحمه الله - صاحب قرمونة في حياة أبيه وبعد موته إلى أن مات أخوه، ولم يستقر بإشبيلية، ولا حكمها. وقيل إنه دسَّ على أخيه عبد الرحمن جارية سمته؛ فمات من ذلك.
قال ابن أبي الفياض: كان محمد بن إبراهيم بن حجاج صاحب قرمونة بعد موت أبيه؛ وكانت له بها دولة حسنة وأيام صالحة، شهر في الفضل ذكره، وانبسط على ألسنة الناس شكره، قصد من الأقطار، ومدح يجيد الأشعار؛ فأنال القاصدين، ومنح المادحين. ولما توفي أبوه، ولي إشبيلية أخوه عبد الرحمن، إذ كان كبيره. وكان محمد يزيد على عبد الرحمن بأشياء من المحامد، خص بها في وقته فحمد، وظهر أثر الإمارة في فعاله فشكر وحسد. وكانت دولته بقرمونة أضخم من دولة أخيه بإشبيلية وأطول، وذلك أربع عشرة سنة بعد موت أبيه. وتوفي عام 302.
قال الرازي: افتتح الناصر لدين الله إشبيلية سنة 301. وكان سبب ذلك موت عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج المنقزي فيها بعد والده، واجتماع أهلها من بعده على تقديم أحمد بن مسلمة، ودفعهم لأخي عبد الرحمن محمد بن إبراهيم
(2/129)
________________________________________
صاحب قرمونة، ومخالفة محمد ومن معه بقرمونة، ولياذه بسلطان الجماعة. فبعث الناصر عسكرا إلى إشبيلية؛ فجرت بينهم حروب عظيمة. ثم بعث الأمير عبد الرحمن الناصر إلى محمد بن إبراهيم بن حجاج، وأمره بالتضيق على أهل إشبيلية، وعقد له على ذلك، وأشرك معه فيه قاسم بن الوليد صاحب شرطته في ذلك الوقت؛ وكان بينه وبين محمد صداقة. فخرجا معا من قرطبة إلى قرمونة، ومنها دنوا إلى إشبيلية. فتردد محمد وقاسم بالجموع على إشبيلية، وملكا أقاليم الشرف، وأقاليم طالقة، وإقليم البر وغيرها، وأخذا بمخنق ابن مسلمة صاحب إشبيلية؛ فاستجاش ابن مسلمة برأس النفاق اللعين ابن حفصون؛ فأتاه بنفسه، وخرج معه من مدينة إشبيلية، وجاز النهر؛ وكان الجيش يحصن قبرة، وفيه محمد بن إبراهيم بن حجاج، وقاسم بن وليد؛ فخرجا إليهما بمن معهما من حشم السلطان؛ فانهزم ابن حفصون، وفر على وجهه، حتى لحق بقلعته. فتأمل ابن مسلمة منتشبه مع ابن عمه محمد بن حجاج، ودخوله معه في وراثة أبيه، وأنه لا طاقة له به. فأخذ في إصلاح ما بينه وبين السلطان الناصر؛ فراسله بأن يعطيه إشبيلية. فوصله الحاجب بدر، وتملك السلطان إشبيلية دون إراقة دم ولا قتال. فلما استقر الحاجب بإشبيلية، أحضر أهلها، ووعدهم عن السلطان بكل جميل، وأن يجري عليهم عوائدهم مع بني حجاج وزيادة على ذلك؛ فرضى القوم، وتم الأمر للحاجب وابن مسلمة. وأخذ الحاجب في مخاطبة محمد بن حجاج، يعرفه بتملك السلطان إشبيلية، وأن السلطان أمره بالكف عن حصارها. فعند وقوف محمد على الكتاب، ساءه ذلك، وتغير له، وخرج من حصن قبرة الذي كان به مع قاسم بن وليد ناكثا للطاعة؛ وسرى ليلته مع جموعه قاصدا بلده قرمونة؛ فالقى في طريقه أغناما لأهل قرطبة؛ فأغار عليها، وحملها معه إلى قرمونة؛ فدخلها، وأظهر التمتع بها. فأخرج إليه الناصر لدين الله صاحب الحشم؛ فلما وصله وخاطبه بما أمره به السلطان، رد عليه الأغنام بجملتها.
ولما رجع صاحب الحشم إلى قرطبة، خرج محمد بن حجاج من قرمونة
(2/130)
________________________________________
بجيشه؛ فوصل إشبيلية عند الصباح؛ فهجم عليها. وكان بعض سورها مهدما؛ فطمع فيها؛ فخرج إليه العامل عليها من قبل السلطان؛ فهزمه عنها؛ فرجع إلى قرمونة. فلما علم الناصر بذلك، وجه عسكرا إلى عامل إشبيلية تقوية له؛ فحصن البلد على نفسه، وأمن من عادية محمد بن حجاج. ولما طال على الناصر تمادي محمد بن حجاج على العناد، بعث إليه صديقه ابن وليد، طالبا منه العودة إلى الطاعة؛ فلم يزل به حتى أظهر الإنابة له؛ فأنفذ محمد بن حجاج خاصته إلى الناصر؛ فوصل إليه؛ فألحقه الناصر بنفسه، وشافهه بما ألقاه إليه محمد، وأعلمه أنه ينعزل عن قرمونة ويسكن قرطبة، على أن يترك بها نائبه. فأجابه الناصر لذلك كله، ووعده بتتميم أغراضه. فلما وصل الرسول إلى محمد بما ألقاه إليه الأمير الناصر، خرج من قرمونة في شهر رمضان المعظم من عام 301، ووصل قرطبة مع وجوه قومه وعدَّة من رجال. فأمر لهم الناصر بالكسى ووصلهم على أقدارهم ومنازلهم عند محمد، وأجزل لهم الصلة، وأعطى محمدا العطاء الجزل، وقربه من نفسه، وولاه من حينه خطة الوزارة، منوها، مرفع الذكر. قم خرج الناصر لدين الله غازيا؛ فأغزاه معه وزيرا.
وكان حبيب بن عمر الوالي على قرمونة من قبل السلطان قد امتنع بقرمونة. فحاصر الناصر قرمونة، ومحمد بن حجاج معه وزيرا؛ فسعى به عند السلطان من كان يحسده، وقال له: (إنما نافق ابن عمر مع محمد وبأمره!) فعزله عن الوزارة، وحبسه، وحبس معه ابن وليد صاحب الشرطة. ثم أطلقا بعد ذلك. فلم يلبث محمد بن حجاج بعد ذلك إلا يسيرا، وتوفي في شوال سنة 302.

أخبار عمر بن حفصون في أيام الأمير عبد الله
وعندما ولي عبد الله الخلافة، ووافته الكتب من البلاد؛ واجتمعت على طاعته جميع العباد، رأى عمر بن حفصون على فرط عناده، وتوه في الأرض وفساده، أن يدخل في جماعته، ويلتزم بفروض طاعته. فأرسل ابنه حفصا
(2/131)
________________________________________
إلى قرطبة مع جماعة من أصحابه، على أن يعقدوا مع الأمير سلما منتظما، وصلحا مبرما، لا يحيله حال، ولا يلحقه محال، على أن يستقر عمر بن حفصون ببربشتر على الطوع، ويقيم بها على الطاعة والسمع. فقبل الأمير نزاعه، وسمح بإبقائه هنالك، وأصدر ابنه ورسله إصدارا جميلا؛ ومنحهم برا جزيلا، ووجه معهم عبد الوهاب بن عبد الرؤوف واليا على كورة رية، ومشاركا لابن حفصون في عقده وحله، ومساهما له في توليته وعزله. فمكثا شريكين في الأمر والنهي، إلى أن غلب ابن حفصون على عبد الوهاب، وأخرجه من الكورة منبت الأسباب. واشتدت معرَّته، وتأكدت عاديته ومضرته، حتى همت القرى بالخلاء، والناس بالجلاء. ولم يبق بالقنبانية قرية إلا غشيتها الخيل، وعمتها الذلة والوبل، وقد ملك اللعين إستجة وأرجذونة، وأجتدهمت ثقافا، وصير فيهما من الآلات أصنافا.
فلما رأى الأمير عبد الله ما أحاط بقرطبة من ابن حفصون، ودار عليها من الحرب الزبون، أمر بإخراج السرادق إلى فحص الربض بشقندة. فلما اشتدت أطنابه، ومدت حبائله وأسبابه، بعث ابن حفصون خيلا ترمي على شقندة لعلها تأخذ السرادق السلطاني وتفوز به، وتهجم على البلد وتحيط بجانبه. فخرجت لهم الخيل إثر ذلك، وطردتهم طرادا من هنالك، ووصلت إلى ابن حفصون؛ فدفعته عن الجهة، ومنعته من تلك الوجهة، وأوى إلى حصن بلبى بقبرة؛ فجمع له الأمير أهل قرطبة، وسار إليه في نحو أربعة عشر ألفا. وحشد ابن حفصون نحو ثلاثين ألفا؛ فصدمه الأمير بمن معه؛ فنثر عقده وفرق جمعه؛ فعملت السيوف في رقابهم، وتبعت سيل أعقابهم، حتى رويت الأرض من دمائهم. ودخل الأمير عبد الله القلاع الثائرة عليه؛ وصارت يومئذ في يديه.
وفي ذلك يقول ابن عبد ربه (كامل) :
رَامَ ابن حفصُونَ النجاةَ فَلَمْ يَسِرْ ... والسَّيْفُ طالِبُهُ فَلَيْسَ بِنَاجِ
في لَيلَةٍ أَسرَتْ بِهِ فَكَأنَّما ... خِيلَتْ نَقيضَةَ لَيلةِ المِعراجِ
مَا زَالَ يُلقِحُ كُلَّ حَربٍ حَامِلٍ ... فالآنَ أنْتَجَها بشَرِّ نَتاجِ
(2/132)
________________________________________
رَكِبُوا الفِرَارَ بهُضبةٍ قَدْ جَرَّبوا ... غِبَّ السُّرَى وعَواقِب الإدلاجِ
وإذا سَألتُهم مَوَالِي مَن هُمُ ... قَالُوا: موَالِي كُلِّ لَيلٍ دَاجٍ
ولمّا رجع ابن حفصون إلى بربشتر، حشد أعوانه، وجدد للعرض ديوانه، وخرج بجمعه إلى إلبيرة، وأدار بها حربا مبيرة، إلى أن تغلب عليها بأيده، وقبض على عاملها بكيده. فأخرج الأمير عبد الله العسكر إليه، وقدَّم ابن أبي عبدة عليه. فلما تدانى الفريقان، وتراءى الجمعان، هجمت خيل ابن أبي عبدة على خيل ابن حفصون؛ فعكستهم عسكا، وطمست آثارهم طمسا؛ وأثقل ابن حفصون بالجراح، وآب من النصر صفر الراح، قد ركب الأوعار، واجتمل الخزي والعار؛ ويبلغ حصن بربشتر مفلولا، خاسرا ذليلا. ثم عاد إلى عاده، وسبيل بغيه وفساده. وفي كل ذلك كان الأمير عبد الله يهزم جيشه، ويروع ببأسه جأشه، حتى خمدت نيرانه، وملت أنصاره وأعوانه. فلما توفي الأمير عبد الله، وولى الناصر لدين الله، بادر إلى الطاعة، والدخول في الجماعة. ثم نكث وخان، حتى هلكته الأزمان.

جملة الثُّوَّار ببلاد الأندلس في أيام الأمير عبد الله
الخارجين عن الجماعة المضرمين لنار الفتنة
أولهم ابن حفصون؛ وقد تقدّم ذكره. وتأتي بقية أخباره بحسب السنين. وثار سوَّار بن حمدون بحصن منت شاقر؛ فقام إلى جعد عامل إلبيرة بمن معه؛ فهزم جمعه، وأخذه أسيرا، وأراه يوما عسيرا. ثم أطلقه من عقاله، وعمه بإفضاله، وانصرف إلى إلبيرة بلده، ومقر أهله وولده. وسار سوار إلى غرناطة، وأغار على حصون ابن حفصون؛ فاجتمع أهل إلبيرة في نحو ثلاثة وعشرين ألفا؛ فلقيهم سوَّار في عدد قليل؛ فلاذوا بالفرار والنفور، وصاروا كالهباء المنثور؛ ونيطت بهم الحتوف كسفا، وقتل منهم على ما ذكر اثنا عشر ألفا، وذلك
(2/133)
________________________________________
في سنة 276. وكانت بين سوَّار هذا وابن حفصون ملاقاة انقلب فيها ابن حفصون مهزوما، وتولى ملوما مذموما، قد أثقل بالجراح، وقتل قوّاده في ذلك الكفاح. وكان جعد الثائر بالبيرة منفقا مع ابن حفصون على النفاق، منعقدا معه على الفساد في تلك الآفاق؛ فأعمل جعد الحبلة في الغدر بسوار جهده، وأظهر في ذلك نصبه وجهده؛ فأغار على جهته يوما، وقد أكمن هنالك قوما. وخرج هو بنفسه في نفر يسير؛ فاكتسح وأغار، وأنجد في الجهة وغار. وظن سوّار أن ليس وراءه أجناد تنجده، ولا أمداد تمده؛ فبز إليه بأهل المكان، وقد أيقن بالظفر والإمكان. فلما انبسط من هنالك كالفرخ الأشر، ثارت الكمائن عليه كالجراد المنتشر، وأحدقت الخيل بسوار؛ فقتل ثقتيلا، وعاد عسكره مهزوما مفلولا. وأرسل جعد صاحب إلبيرة إلى ابن حفصون برأس سوار، وأعلمه بالكبت الشامل لأعدائهم والبوار.
وثار سعيد بن جودي في ذلك التأريخ بالعرب، وعارض ابن حفصون بالحرب والحَرَب، حتى أغصه بريقه، وضايقه في سبيله هناك وطريقه؛ فرجع ابن حفصون إلى الحيلة فيه والكيد، إذ عجز عنه بالقوة والأيد، حتى قبض عليه، وصار أسيرا لديه، وأقام عنده بببشتر شهورا مكبولا، إلى أن قبل فيه ابن حفصون مالا جزلا قبولا؛ فأطلقه من وثاقه؛ فجد في خلافه على الأمير عبد الله وشقاقه، إلى أن مكر به مكرا، وقتل في دار عشيقة له يهودية غدرا. وتولى أمر العرب بجانب إلبيرة محمد بن أضحى؛ فأمسى على طاعة الأمير عبد الله وأضحى؛ فناصب ابن حفصون الحرب، وعارضه بالطعن والضرب، إلأى أن ظفر به ابن حفصون في تلك المسالك، وصار عنده أسيرا هنالك؛ ففداه العرب منه بمال جسيم، ومشى من طاعة الأمير على منهاج قويم.
وثار العرب بإشبيلية ثورة، وقبضوا على عاملها عنوة، وانتهبوا طارفه ومشلده، ولم يتركوا إلا أهله وولده، وقتلوا كثيرا من أعوانه، وعانوا ما شأوا في سلطانه؛ فاجتمعت العساكر من قرمونة وسائر الأقطار، وأحاطت بإشبيلية إحاطة
(2/134)
________________________________________
الفلك الدوار؛ فغلبوا على القائمين فيها. وقتلوا منهم فرقة؛ فكانت الوقعة المعروفة بالدعقة.
وتغلب إبراهيم بن حجاج على إشبيلية تغلبا، ونصب لأحواز قرطبة منها حربا وحربا؛ وارتبط مع ابن حفصون على العبث التام، والاحتلال بقرطبة في ذلك العام. وتغلبا على الحصون والقلاع، وجدا في الكفاح والقراع، إلى أن انتقض ما بينهما من السلم المنتظم، والعهد المحكم المنبرم. وصالح ابن حجاج الأمير عبد الله؛ فأقره بإشبيلية، وصرف إليه زمامها، وأوقف عليه أعمالها وأحكامها.
وثار دبسم بن إسحاق، وغلب على مدينتي لورقة ومرسية، وما يليهما من كورة تدمير. وكان مودودا من طبقات الناس، رفيقا برعيته، جوادا، منتجعا، له إفضال على الشعراء والأدباء.
وثار عبيد الله بن أمية، وملك كورة جيان، ودخل حصن ابن عمر وغيره.
ومنهم، عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليقي، اقتعد مدينتي بطليوس وماردة؛ ففارق الجماعة، وجاور أهل الشرك، ووالاهم على أهل القبلة.
ومنهم، عبد الملك بن أبي الجواد، اقتعد مدينة باجة وملكها، وتحصن بحصن مارتلة، وله حظ من المنعة تشييدا وعدة. وكان معاقدا لابن مروان، صاحب بطليوس في هذا التأريخ، وابن بكر صاحب أكشونبة؛ فكانوا متأبين على من خالفهم.
وثار ابن السديم، وهو منذر بن إبراهيم بن محمد بن السليم، بمدينة ابن السليم، المنسوبة إلى جده، من كورة شذونة؛ فاقتصد في سيرته، ولم يظهر نبذ الطاعة، إلى أن قتله مملوك له يسمى غلنده. وخلفه وليد بن وليد، وصار إلى الطاعة عند هبوب ريحها بالخليفة عبد الرحمن الناصر.
(2/135)
________________________________________
ومنهم، محمد بن عبد الكريم بن إلياس، امتنع بقلعة ورد من كورة شذونة، وسعى للفتنة سعيه، وتمادى، حتى استنزله الناصر فيمن استنزل من الثُّوَّار. ومات بقرطبة.
وثار خير بن شاكر بحصن شوذر من كورة جيان، زظاهر زعيم الثوار عمر ابن حفصون؛ ففتك بخير المذكور، وأرسل برأسه إلى الأمير عبد الله.
ومنهم، عمر بن مضم الهترولي المعروف بالملاحي؛ وكان جنديا متدونا عند العامل بحضرتها؛ فوثب عليه؛ فغدره، وضبط القصبة.
ومنهم، سعيد بن هذيل. كانت ثورته بحصن المنتلون من كورة جيان؛ فبنى قصبته، وحصنها، وأعلن بالخلاف، حتى استنزله الناصر؛ فلحق بقرطبة إلى أن مات.
وثار سعيد بن مستنة بكورة باغة، واقتعد حصونها؛ فاستفحل أمره وشره، وعمَّ أذاه واصطفى من حصونها التي ظهر عليها أربعة لا مثيل لها في الحصانة والمنعة.
وثار بنو هابل الأربعة: أكبرهم منذر بن حريز بن هايل، وأخوه أبو كرامة هابل بن حريز، وأخوه عامر، وأخوه عمر؛ ثاروا ببعض حصون جيان في أيام الأمير عبد الله، وخلعوا طاعته، وأطلقوا الغارة، وأطلعوا أهل الفساد. ثم استنزلوا؛ فنزلوا على حكم الأمان؛ فحسنت طاعتهم وخدمتهم.
وثار إسحاق بن إبراهيم بن عطاف العقيلي بحصن متتيشة؛ فبناه وحصنه وامتنع به، إلى أن استنزله الخليفة الناصر إلى قرطبة؛ وبها توفي.
ومنهم، سعيد بن سليمان بن جودي؛ أمرته عرب إغرناطة وإلبيرة؛ فضبط أمرهم، حتى دبر عليه كبيران منهم بحيلة؛ فقتلاه بها. فلم ينتظم للعرب هناك أمر بعده.
(2/136)
________________________________________
وثار محمد بن أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، من أكابر أبناء العرب بكورة إلبيرة، إلى أن هلك الأمير عبد الله؛ فاستنزله الناصر لدين الله عن حصنه، فيمن استنزله من الثوار. وكان ابن أضحى هذا مع رجوليته أديبا بليغا، يقوم بين أيدي الأمراء في المحافل، فيحسن القول، ويطيب الثناء. وله أخبار معروفة.
وثار بكر بن يحيى بن بكر، واقتعد مدينة شنت مرية من كورة أكشونبة، وبناها حصنا اتخذ عليها أبواب حديد. وكان له ترتيب وأهبة، ورجال شجعان، وعدة موفورة. وكان يتشبه - بزعمه - في سلطانه بإبراهيم بن حجاج. وكان له أصحاب للرأي وكتاب للعمل. وكان له عهد مؤكد إلى جميع من في طاعته بإضافة أبناء السبيل، وقراء النزيل. وحفظ المجتازين؛ فكان السالك بناحيته كالسالك بين أهله وأقاربه.
وثار ابنا مهلب، من وجوه قبائل البربر بكورة إلبيرة؛ وهما خليل وسعيد؛ ثارا ثورة نظرائهما بجهتهما؛ فأقاما على سبيلهما إلى أن استنزل الناصر أولادهما بعد وفاتهما.
وثار سليمان بن محمد بن عبد الملك الشذوني بشربش شذونة؛ وهو الذي بنى نبريشة وحصنها.
وثار ابنا جرج بحصن بكور؛ ففسدت سيرتهما؛ فأخرجا عن الحصن. فمات عبد الوهاب، ولحق محمد بن عبد الرحمن بن جرج بابن الشالية؛ وكان مصافيا له؛ فتقبله، واستخدمه، وبنى له حصن مورينة من كورة جيان؛ فأقام فيه إلى أن استنزله الناصر ونقله إلى قرطبة.
وثار أبو يحيى النجيبيُّ المعروف بالأنقر بمدينة سرقسطة وأعمالها، وقتل أحمد ابن البراء القرشي عامل الأمير على سرقسطة، واستولى عليها؛ وأظهر التمسك
(2/137)
________________________________________
بطاعة الأمير عبد الله، وخاطبه، وهو ينسب ابن البراء إلى الخلاف. فأظهر الأمير تصديقه، وسجل له على سرقسطة. فثبت بها قدمه.
وفي سنة 283، أخرج الأمير عبد الله على العسكر هشام بن عبد الرحمن ابن الحكم إلى كورة تدمير، في أواخر ربيع الأول. وكان القائد معه على الجيش أحمد بن أبي عبدة. ولما احتل بوادي بلون، تقدم قطيع من الخيل؛ فافتتح هنالك حصنا، وغنم ما كان فيه. وتوافت على العسكر حشود أهل الكور. ثم انتقل وطوى المراحل حتى حل بمرسية. ثم انتقل إلى لورقة. فخرج إليه ديسم بن إسحاق؛ فحاربه؛ فهزم ديسم؛ ورجع إلى لورقة وأقام محاصرا حتى فقل عنه العسكر. ثم خرج ديسم بمن معه؛ فضرب في الساقة؛ فرجع إليه؛ فهزم واتبع حتى اشتغاث بالوعر ونجا راجلا، وأخذ فرسه. وقفل العسكر سالما. وفقد في هذه الغزاة الماء، ومات فيها اثنان وثلاثون رجلا عطشا، وهلكت دواب كثيرة.
وفي سنة 284، أخرج الأمير عبد الله ابنه أبان إلى لبلة. وكان ابن خصيب بحصن منت ميور، وكان قد ثار به؛ فحاصره، ونصب عليه المجانيق، ورماهم بها حتى ضجوا ودعوا إلى الطاعة؛ وانعقد أمانهم. وفي خلال ذلك، دخل ابن حفصون إسنجة الدخلة الثانية؛ فورد كتاب الأمير باستعجال القفول بسبب إسنجة؛ فقفل العسكر. وكانت مدة هذه الحركة شهرين ونصفا، وهي أول حركة أبان.
وفي سنة 285، غزا أبان ابن الأمير عبد الله إلى ابن حفصون، والقائد ابن أبي عبدة.
وفيها أيضا، غزا عباس بن عبد العزيز إلى حصن كركي وجبل البرانس؛ وقتل ابن بامين وابن موجول، وأخذ حصونهما.
(2/138)
________________________________________
وفيها، تقدم لب بن محمد بن طليطلة إلى حيز جيان، ونازل حصن قسكلونة؛ وكان فيها نصارى يحاربون عبيد الله بن أمية المعروف بابن الشالية؛ فأخذ الحصن، وقتل العجم. ووافاه فيه قتل أبيه محمد بن لبَّ في محاصرته لسرقسطة.
وفيها، كانت المجاعة الشديدة التي سميت السنة 285 بها سنة لم أظن.
وفي سنة 286، أظهر ابن حفصون النصرانية؛ وكان قبل ذلك يسرها؛ وانعقد مع أهل الشرك وباطنهم، ونفر عن أهل الإسلام، ونابذهم؛ فتبرأ منه خلق كثير. ونابذه عوسجة بن الخليع، وبنى حصن قنبط، وصار فيه مواليا للأمير عبد الله، محاربا لأبن حفصون. واتصلت عليه المغازي من ذلك الوقت، ورأى جميع المسلمين أن حربه جهاد؛ فتتابعت عليه الغزوات بالصوائف والشواني، ولا بني القواد عنه في الحل والترحال. وفي ذلك قال ابن فلزم للقائد ابن أبي عبدة (متقارب) :
فَفِي كُلِّ صيفٍ وفي كُلِّ مَشتَى ... غَزَاتانِ مَنكَ عَلَى كُلِّ حالِ
فَتِلكَ تُبِيدُ العَدّوَّ وَهذِي ... تُفيدُ الإمامَ بها بَيتَ مَالِ
وفي سنة 287، كانت الصائفة مشجولة ما بين كورة موزور وكورة شذونة وكورة رية.
وفيها، قتل القائد ابن أبي عبدة طالب بن مولود الموروري.
وفيها، صلب إسحاق وصاحبه؛ وكانا من رجال ابن حفصون؛ وفيهما جرى المثل في الناس: (غررتني يا إسحاق!) وذلك أن أحدهما قال هذه الكلمة لصاحبه، وهو يرفع في الخشبة.
وفي سنة 288، قبضت رهائن ابن حفصون. وتجولت الصائفة بشذونة وغيرها من الكور.
(2/139)
________________________________________
وفيها، عظم السيل بقرطبة، وانهدم رجل من قنطرتها.
وفيها، خرج من قرطبة أحمد بن معاوية ابن الإمام هشام إلى فحص البلوط. ثم تقدم إلى ترجيله؛ فأقام فيها مدة يسيرة. وانحشدت إليه الحشود؛ فدخل إلى سمورة وبها قتل في شهر ربيع الأول.
وفي سنة 291، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - إلى رية؛ وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم الخميس لخمس خلون من جمادي الآخرة؛ ونهض حتى احتل بوادي نسقانية، واضطرب في هذه المحلة. وخرج إليه عمر بن حفصون؛ ثم التقيا؛ فوقعت بينهما حرب شديدة؛ ثم انكشفت الهزيمة على أصحاب ابن حفصون؛ فقتل منهم عدد كثير؛ ثم أضرم قرى وادي نسقانية وما حواليها نارا. ثم انتقل وحل على وادي بينش المجاور لببشتر، ووقعت الحرب بين أهل العسكر وبين ابن حفصون؛ فانهزم ابن حفصون، وقتل له رجال، وعقرت له خيل. واتصل الحريق في جميع قرى تلك الناحية. ثم انتقل إلى محلة طلجيرة؛ فأقام بها أياما، يحارب فيها ابن حفصون كل يوم، وينال منه. وفي هذه الأيام، أحرقت منية لجعفر بن عمر بن حفصون. وفي هذه الغزاة، حوربت طرش والرجل، وقتل أخو زيني وجماعة من حماة ابن حفصون. ونصب المنجنيق على الرجل؛ فأثر فيه
(2/140)
________________________________________
وثلم في سوره. ثم تقدم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة من حصن لوشة إلى حصن الخشن، في جرائد الخيل، وأبقى أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - معسكرا بمحلة لوشة؛ فحارب حصن الخشن، وقتل عددا من أهله، وأسر منهم جماعة، وانصرف بالرؤوس والأسرى إلى لوشة. ثم قفل بالعسكر، ودخل قرطبة يوم الجمعة لخمس بقين لرمضان؛ فكانت هذه الغزاة ثلاثة أشهر وعشرين يوما.
وفيها، خرج لُبُّ بن محمد إلى بايش من أحواز آلبة، وذلك في رمضان؛ فافتتح حصن بايش وما يليه، والعلج إذفنش يومئذ على حصن غزنون محاصرا لأهله. فلما بلغه دخول لُبّ بن محمد بحصن بايش، ولَّى هاربا.
وفيها، ثم في ذي الحجَّة، خرج لبُّ بن محمد إلى ناحية بليارش؛ فافتتح حصن لحروسه؟، وحصن إيلاس، وحصن قشتيل شنت، وحصن مولة، وقتل بهذه الحصون نحوا من سبعمائة علج، وسبى بها نحوا من ألف سبية.
وفيها، توفي جعفر بن يحيى بن مزين الفقيه من أهل قرطبة؛ وكانت له رواية عن أبيه وغيره. وفيها، توفي أحمد بن هاشم القائد بمدينة غرناطة، ودفن هنالك، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وفيها، توفي إسحاق بن عبد الله الطبيب. وفيها، مات عامر بن موصل الأصبحيّ بحصن ناجرة) .
وفي سنة 292، كان خروج الصائفة إلى عمر بن حفصون. وتجوَّل العسكر على حصونه؛ فهتك بعضها. وقوطع البعض على وظيف يودونه. وفيها، كانت الوقعة العظيمة على عمر بن حفصون بوادي بلُّون من جيان. وكان قد توافى إليه أهل الخلاف والخلعان، وخرج مغيرا على المسلمين؛ فهزمه الله، وقتل كثيرا ممن كان معه. وأدبره في شرذمة قليلة، وأفنى أكثر رجاله في ذلك المعترك.
(2/141)
________________________________________
وفيها، خرج لبُّ بن محمد لمحاصرة مدينة سرقسطة، وأخذ في ردم الخندق المجاور لسورها وشرع في البنيان عليها. فلما كمل له ردم الخندق وبنيان ما فيه، رحل عنه وأدخل ندبة فيه من رجاله.
وفيها، توفي عبد الله بن قاسم بن هلال؛ وكانت له رحلة؛ وأدخل الأندلس كتب داوود العباسي وغيره. وفيها، وتوفي الوزير سليمان بن محمد بن وانسوس، وعبد الرحمن بن أمية بن عيسى بن شهيد المعروف بدحيم، وتوفي أخواه عثمان ابن أمية وعيسى بن أمية.
وفي سنة 293، كان خروج الصائفة إلى فهر بن أسد، وهو بحصن تشّ من كورة جيان؛ فافتتح الحصن، وأخذ فهرا أسيرا، وقدم به إلى قرطبة؛ فأمر الإمام عبد الله - رحمه الله - بصلبه عند القصابين في بيع الآخر.
وفيها، عزل محمد بن أمية بن شهيد عن المدينة؛ ووليها محمد بن غانم؛ فكانت ولايته شهورا؛ ثم عزل، وولى مكانه موسة بن محمد بن حُدير.
وفيها، حبس حزمير القومس، وعذب وأدهق حتى مات.
وفي جمادى الآخرة، دخل القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن قنيط من ناكرنا، وندب فيه جيشا، واستنزل من كان فيه من بنى الخليع، وأدخل فيه الحشم.
وفيها، توفي يونس بن هاشم بن عبد العزيز. وفيها، توفي ديسم بن إسحاق صاحب تدمير. وفيها، قتل يحيى بن قسيّ، ومحمد بن إسماعيل، وأيوب ابن سليمان بطليطلة وفي سنة 294، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - الصائفة إلى الجزيرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وحل بالجزيرة
(2/142)
________________________________________
يوم الجمعة لتسع بقين من رجب. ثم تقدّم إلى حصن لوزة يوم السبت لانسلاخ رجب؛ فحارب الحصن وحاصره، وقتل جماعة ممن فبه؛ ثم تقدم إلى حاضرة رية، فيها مساور بن عبد الرحمن؛ فأحرقت أرباض الحاضرة وحوصر من كان فيها؛ فدعا مساور إلى السلم، وبذل الرهائن. فأجيب إلى ذلك، وقبضت رهائنه؛ ثم تقدم القائد إلى الساحل؛ فجال عليه أجمع، وخرج على حصون إلبيرة، وقفل منصرفا إلى قرطبة؛ فدخلها يوم السبت لليلتين خلتا من ذي القعدة.
وفيها، خرج لُبُّ بن محمد إلى جانب بنبلونة؛ فبذل في تهوره، وشرع في البنيان بحصن هريز؛ فحشد إليه العلج شانجه جميع أهل بلده، وكايده بالمكامن؛ ثم وجه إليه خيلا يسيره؛ فلما سمع الصيحة، بدر إلى الركوب؛ فلقى بكمين، فهزمه؛ ثم بكمين، فهزمه؛ ثم أحدقت به الكمائن. فقتل وقتل من كان معه، ممن آثر الشهادة؛ وذلك في ذي الحجة لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه. فنزل تطيلة أخوه عبد الله بن محمد. وكان لبٌّ، يوم قتل، ابن ثمان وثلاثين سنة.
وفيها، ظهر محمد بن عبد الملك الطويل في الثغر، ودخل حصن بربشتر وحصن القصر وحصن بربطانية.
وفي سنة 295، كان غزاة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة إلى جهة رية؛ وقاد الخيل أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ببشتر، وحارب ابن حفصون، ونكاه، وأنزل به، وحارب ما حواليه من الحصون.
وفيها، غدر سعيد بن الوليد المعروف بأبن مستنة، وتخلى عن حصن بلدة إلى عمر بن حفصون، وظافره، وأبدى ما كان بصميره من العصيان.
(2/143)
________________________________________
وفيها، ولي المدينة محمد بن عبيد الله بن أبي عثمان، وذلك يوم خميس؛ فاستعفى عنها؛ فأعفي يوم الجمعة ثاني ولايته، وولى مكانه عليُّ بن محمد المعروف بالباسه؛ وكان عليها ثلاثة أيام. ثم عزل وأعيد إليها موسى بن حدير؛ فكان واليا عليها إلى آخر أيام الإمام عبد الله؛ وأقره أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى سنة 303.
وفيها، دخل محمد بن عبد الملك الطويل حصن منتشون ومدينة لاردة في المحرم.
وفيها، دخل محمد بن عبد الرحمن النجيبيُّ مدينة شية.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بربطانية؛ فافتتح حصونا جمة، وسبى سبيا كثيرا.
وفيها، توفي الفقيه يحيى بن عبد العزيز بن الجرَّار، والفقيه محمد بن غالب ابن الصفار، ومحمد بن يحيى بن أبي غسان صاحب السوق. وولى أحكام السوق يحيى بن سعيد بن حسَّان. وفيها، توفي موسى بن محمد بن موسى بن قطبس الخازن.
وفي سنة 296، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله بالصائفة إلى حصون رية وغيرها. وقاد الخيل معه أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ناحية بهشتر، ونازل ابن حفصون، وحاربه ونكاه، وتحرك عيسى بن أحمد القائد غازيا إلى حصون سعيد بن مستنة؛ فنازله أيضا، حتى قفل القائد أحمد ابن محمد من ببشتر. ثم نازل حصن لك من حصون ابن مستنة؛ فأقام عليه حتى افتتحه.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بليارش في شهر رمضان؛ فقتل هنالك مقتلة عظيمة. ووفد عليه رسل أهل حصن روطة، يرغبون الصلح ويسمحون بالرهائن والجزية؛ فلم يجبهم إلى ذلك؛ فخرجوا هاربين من الحصن،
(2/144)
________________________________________
وأخلوه. وتقدم إليه؛ فهدمه. وفيها، تغلب على حصن منت بطروش، وهو المعروف بجبل الحجارة.
وفيها، توفي محمد بن سليمان بن تليد المعافري قاضي مدينة وشقة. وفيها، توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ وكان حج قبل وفاته بثلاثة أعوام، هو ويحيى بن سعيد بن حسان صاحب السوق. وفيها، توفيت السيدة ابنة مطرف ابن الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمهما الله -. وفيها، توفي أحمد بن حفص بن رفاع الفقيه المقري.
وفي سنة 297، كان غزو العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - الغزاة المعروفة بغزوة رية وفريرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم الخميس لتسع بقين من شعبان؛ فتقدم إلى بلدة؛ فحاربها. ثم احتل على نهر طلجيرة؛ فدارت بينه وبين أصحاب ابن حفصون حرب، عقرت فيها خيل السلطان، وقتل عدد من أصحاب ابن حفصون. ثم تقدم إلى حصون إلبيرة؛ فنزل على حصن شبيلش؛ فكانت هنالك حرب شديدة، ونالت بعض حماة العسكر جراح. وتجول في كورة إلبيرة، وحل بمحلة بجانة؛ ثم قفل على كورة جيان؛ فنازل حصن المنتلون يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة؛ فأقام عليه محاصرا أياما؛ ثم ضحى فيه يوم الأحد، وقفل يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، ودخل قرطبة يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وفيها، افتتحت بياسة؛ واستنزل منها محمد بن يحيى بن سعيد بن بزيل.
وفيها، كان سيل عظيم غرقت منه أركان بيت الله الحرام، وفاضت بئر زمزم؛ ولم يرَ مثل هذا السيل في قديم الأزمان.
وفيها، اجتمع عمر بن حفصون، وسعيد بن مستنة، وسعيد بن هذيل، وضمهم عسكر واحد؛ فضربوا بناحية جيان وأغاروا؛ فأصابوا وغنموا،
(2/145)
________________________________________
وانصرفوا إلى حصن جريشة؛ فاتبعهم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فلحقهم، وهزمهم، وقتل جماعة منهم، فيهم تسريل العجمي من قواد ابن حفصون.
وفيها، افتتح القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن الزبيب، وابتنى حصن ترضيض تضييقا على ابن هذيل، وحصن قلعة الأشعث، ووضع فيه ندبا من الرجال. وشتى القائد هذه السنة بجبل ارنيش من كورة قبرة. وكانت له في هذه الشتوة حركات بالغت في نكاية أهل النفاق.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بار بليارش؛ فافتتح حصن أوربوالة، وأصاب من المشركين ثلاثمائة سبية، وقتل كثيرا منهم، وهدم الحصن وحرقه. وتقدم إلى حصني علتير والغبران؛ فهدمهما. وكان مبلغ الفيء في هذه الغزاة ثلاثة عشر ألفا.
وفيها، قتل إبراهيم بن حجاج ابن عمه أحمد بن سيد بن عمر بن عُمير، وهو ابن خمس وأربعين سنة.
وفيها، وذلك يوم الخميس لسبع بقين من ذي الحجة، اعتقل موسى ابن محمد بن حدير صاحب المدينة إبراهيم ومحمدا وسعيدا بني الأمير محمد - رحمه الله - وابن أخيهم محمد بن عبد الملك ابن الأمير محمد - رحمه الله - وحبسهم في دار مطرف ابن الأمير عبد الله. وكان سبب ذلك أنّ الإمام عبد الله - رحمه الله - عهد إليه ألا يترك أحدا يجوز القنطرة إذا كان له خروج للصيد. وكان يصيد الإمام في تلك الجهة بعدوة النهر. فخرج الإمام في هذا اليوم متصيدا. وخرج هؤلاء من المدينة متروحين؛ فردهم واعتقلهم. فلما انصرف الأمير - رحمه الله - من صيده، أنهى إليه أمرهم وما فعله فيهم؛ فاستحسن ذلك منه، وشكر له، وعهد إليه بإطلاقهم.
(2/146)
________________________________________
وفي سنة 298، خرج العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فتقدم إلى حصن ببشتر وغيره من حصون الساحل بكورة رية. ثم تقدّم بالعسكر إلى كور إلبيرة؛ فحطم زرعها، وهشم ثمارها.
وفيها، أقام عيسى بن أحمد بن أبي عبدة في طقيع من الخيل بمدينة بيانة؛ فأغار عمر بن حفصون وسعيد بن مستنة في بسيط قبرة وقرى قرطبة. وأخذوا الغنائم؛ فخرج عيسى بن أحمد طالبا لهما؛ فالتقى بهما على نهر ألبة؛ فدارت بينهم حرب شديدة، وإنهزم عمر بن حفصون وابن مستنة؛ فقتل من أصحابهما خلق كثير، وافترقوا أيادي سبا. وبعث عيسى بن أحمد من رؤوسهم عددا كثيرا.
وفيها، غزا الوزير عباس بن عبد العزيز إلى مدينة قلعة رباح؛ وكان أهلها قد خالفوا، وخلعوا الطاعة؛ فافتتحها. وكان فضل بن سلمة، ختن سعيد ابن مستنة، قد خالف بحصن أشر؛ فتقرب أهل حصن أشر بقتله إلى الإمام عبد الله - رحمه الله! - فقدم منهم قوم برأسه إلى باب السدة؛ فشكر لهم ذلك.
وفيها، خرج عباس بن أحمد بن أبي عبدة قائدا على خيل كثيفة إلى المنشلون لحرب سعيد بن هذيل. وفيها، تداعى البربر الطنجيون الذين كانوا غزوا مع القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى النزوع إلى مدينة بلدة إلى ابن حفصون؛ وتداعى الطنجيون الذين كانوا مع عباس بن أحمد على المنتلون إلى النزوع إلى ابن هذيل؛ فخرجوا عن العسكر، ولحقوا بأهل الكفر والخلعان. ثم دارت الدائرة على هؤلاء وهؤلاء في الموضعين جميعا لأمور أحدثوها، واستدرجهم الله - عز وجل - بها؛ فقتلوا ببهشتر والمنتلون. وعاد من بقى منهم إلى الطاعة. وكان صاحب الصائفة العاصي ابن الأمير عبد الله؛ وكان
(2/147)
________________________________________
فصوله لهذه الغزاة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان، وهو يوم النصف من أبريل. وكانت في هذه الغزاة أمراض ووباء.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى أرغون يريد بنبلونة وأن يجتمع هنالك مع عبد الله بن محمد بن لب. فانتهى إلى حصن البربر؛ فأحرق ما حواليه، وهدم كنائس تلك المواضع، وذلك في شهر رمضان. وعرج عن ملاقاة ابن لب وعن القصد إلى بنبلونة، وانصرف؛ فاحتل حصنا من حصونه يعرف بشار قشتيله؛ فأنذر بأن ابن شانجه يريد الهجم عليه؛ فخرج في بعض أصحابه متسللا. فلما أيقن أهل العسكر بهروب ابن الطويل، تخاذلوا؛ فكان سببا لانهزام أهل الحصن. فلما بلغ عبد الله بن لب الخبر، وأن ابن الطويل كعَّ عن ملاقاة شانجه، نزل بمن معه من المسلمين على حصن لوازة من حصون شانجه؛ فقتل جماعة منهم وكر راجعا؛ فالتقى ببعض الخيل التي كان فيها شانجه؛ فقتل فيهم وسبى.
وفيها، استشهد ابن أبي الخصيب التطيلي، واسمه نعم الخلف؛ وكان نبيلا أديبا، وفقيها محدثا.
وفيها، مات إبراهيم ابن الإمام محمد - رحمه الله - وفيها، توفي معاوية ابن محمد بن هشام القرشي؛ وعثمان ابن الأمير محمد - رحمه الله -؛ ومطرف ابن أحمد بن مطرف ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله -؛ وأبان بن عبد الملك ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله -. وفيها، توفي محمد بن أمية بن عيسى بن شهيد الوزير، صاحب المدينة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الرحيم السذوني الكاتب؛ وأبو يحيى يزيد بن محمد النجيبي الخازن؛ وموسى بن العاصي بن ثعلبة؛ وأبو مروان عبيد الله بن يحيى بن أبي عيسى؛ وأصبغ بن عيسى بن فطيس؛ وإبراهيم بن حجاج صاحب إشبيلية، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وعمر بن قومس الكاتب؛ وريان الفتى صاحب الطراز؛ وأفلج الوصيف.
(2/148)
________________________________________
وفي سنة 299، كان غزاة القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى حصن فننجالة من حصون ابن هذيل، بالقرب من جبل المنتلون، وذلك في صدر المحرم؛ فحاصره أشد الحصار، حتى افتتح الحصن.
وفيها، غزا بالصائفة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - وقاد الخيل عباس بن عبد العزيز الوزير. وفصل يوم الاثنين لتسع بقين من شعبان، وقصد حصن ببشتر، وحارب ابن حفصون، وأوقع به. ثم خرج بإثره أحمد ابن محمد بن أبي عبدة؛ فتولى القيادة مكانه، واستقدم عباس بن عبد العزيز إلى قرطبة؛ فقصد القائد حصون ابن حفصون، وحارب من كان فيها.
وفي هذه السنة، كسفت الشمس جميعا قبل وقت الغروب، وذلك يوم الأربعاء لليلة بقيت من شوال؛ وظهرت النجوم. وبدر أكثر أهل المساجد؛ فأذنوا لصلاة المغرب، وصلوا. ثم انجلى ذلك، وعادت الشمس مضيئة. ثم توارت للمغيب.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطّويل إلى وادي برشلونة؛ فأغار بوادي طراجة. فخرج عليه العلج شنير؛ فأخذ عليه المضايق. فلما كرّ عسكر المسلمين، ألفوا أعداء الله على تلك المضايق؛ ففتح الله للمسلمين عليهم، وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة.
وفيها، توفي عبد الله بن أبي زيد صاحب الخيل. وفيها، توفي أصبغ بن مالك الزاهد الفقيه. وفيها، هلك العلج إذفنش؛ وكانت مدّة أيامه أربعا وأربعين سنة؛ وولى ابنه غرسية مكانه.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 18 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

شأن ابني الأمير عبد الله محمد ومطرف
كان الأمير عبد الله قد رشح ابنه محمدا لولاية عهده، وأثره بما عنده؛ فعظم الأمر على أخيه مطرف، وبعدما بينهما كل البعد، وقابل الواحد الثاني بالهجران والصد. فوجد مطرف يوما فارسا من فرسان محمد؛ فاغتاله وقتله؛ ثم فرق من أبيه عبد الله وحذر سطوته، ولم يأمن طولته؛ فسار إلى السجن وفتقه، وحلّ من شده أبوه وأوثقه، وخرج بمن فيه من أهل الذعارة والفساد، ولحق ببربشتر قاعدة أهل الضلال والعناد، وصار عند ابن حفصون، في حرز من الأمن مصون. ثم إن الأمير عبد الله أباه خاطبه بالأمان، وقال: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان!) فقبل من أبيه، وانصرف إلى أهله وذويه. ولم يزل بعد ذلك مطرف يغري بمحمد إغراء، ويطوي له عداوة وبغضاء، ويزعم أنه يخاطب ابن حفصون ويداخله، ويداهنه على القيام على أبيه ويواصله. فسجن الأمير عبد الله ابنه محمدا في دار البنيقة، وامتحن خلال ذلك عين الحقيقة. فلما واصل في البحث صباحه ومساءه، لم يقرع سمعه من جهته ما ساءه فأسرع إطلاقه، وحلَّ وثاقه؛ فدخل مطرف إليه، وأجهز في الحين عليه، وتركه متخبطا في دمه، ملقى على وجهه وفمه. فلما علم ذلك الأمير عبد الله، أعظم ذلك منه، وهم بقتله عنه؛ فلم يعدم من كسر عليه لذلك؛ فتركه. وقيل: قتله فيه: والله أعلم. وكان ذلك في سنة 277.

شأن القاسم أخي الأمير عبد الله
كان الأمير عبد الله قد اتهم أخاه بالقيام عليه في الملك، وإيراده موارد الهلك. فلما كثر بذلك الرفع إليه، وتتابع الكلام فيه عليه، رأى بمقتضى الرياسة، وحكم التدبير والسياسة، أن يجبسه في دار البنيقة من القصر، حتى
(2/150)
________________________________________
يكشف من هذا الأمر. ثم نقله منها إلى حبس الدويرة؛ فمنع النوم هنالك؛ فأرسلت له أمه مرقدا لذلك، وأمرته أن يقسمه على ثلاثة أيام؛ فشرب الجميع في يوم واحد؛ فأصبح رهن الحمام.
وفي سنة 300، كان وفاة الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - ليلة الخميس مستهل ربيع الأول، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ودفن في قصر قرطبة مع أجداده الخلفاء - رضي الله عنه وعنهم! - وصلى عليه أمير المؤمنين عبد الرحمن ابن محمد - رضه.

صفة الإمام عبد الله بن محمد
كان أبيض، أصهب، مشربا بحمرة، أزرق أقنى بخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، عظيم الكراديس.
تسمية أولاد الإمام عبد الله: ممن ولد له قبل الخلافة: محمد أبو أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رحمهما الله -، أمه: دُرّ؛ وأحمد، أمّه: تمام؛ ومطرف، وسليمان، أمهما: غزلان؛ وأبان، لأم ولد تسمى شأن؛ وعبد الرحمن؛ وعبد الملك؛ والسيدة؛ وعائشة؛ والسيدة أخرى، أمهن: غزلان؛ وهشيمة، أمها: قريش؛ وأسماء؛ أمها قتيان؛ وحكيمة، أمها: ملك؛ والبهاء، أمها: درّ؛ وفاطمة، وكانت أسن ولده. وممن ولد له بعد الخلافة: العاصي لمستظرف، وعبد الرحمن لخديع، ومحمد الأصغر، أمهما: ملحة، ورقية، وزينب لملحة، وفاطمة لماجن، وزينب لشارق، وفاطمة الصغرى لدرّ.
ذكر حجابه ووزرائه وكتابه وأصحاب شرطه: ألفي الإمام عبد الله على الحجابة وقت وفاة الإمام المنذر - رحمهما الله - عبد الرحمن بن أمية بن شهيد؛ فأمضاه عليها؛ ثم عزله، وولي مكانه سعيد بن محمد بن السليم؛ ثم عزله، ولم يول بعده الحجابة أحدا. والوزراء: براء بن مالك القرشي؛ عباس ابن عبد العزيز القرشي؛ سعيد بن محمد بن السليم؛ عبد الملك بن عبد الله
(2/151)
________________________________________
ابن أمية. وقاد الخيل بالصوائف عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة. وولي الكتابة أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وقاد بالصوائف سلمة بن عليّ بن أبي عبدة؛ عبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبدة؛ حفص بن محمد بن بسيل. ولي المدينة مع الوزارة محمد بن وليد بن غانم. ولي المدينة مع الوزارة أصبغ بن عيسى بن فطيس؛ عبد الله بن محمد الزجالي، وكان كاتبا ووزيرا؛ سليمان بن محمد بن وانسوس؛ أحمد بن هاشم. وقاد الخيل جعفر بن عبد الغافر. وقاد الخيل العاصي بن عبد الله بن ثعلبة؛ تمام بن عمرو بن علقمة وكان وزيرا لثلاثة من الخلفاء؛ عبد الله بن حارث بن بزيع؛ إبراهيم بن خمير؛ محمد ابن أمية بن شهيد. وولي المدينة نضر بن سلمة، وولي القضاء موسى بن زياد؛ وولي الكتابة والشرطة والقضاء. ومن أصحاب الشرط موسى بن زياد، ثم ولي مكانه، لما ولي القضاء، يحيى بن زياد عمه؛ ثم مات يحيى بن زياد، وبقيت الشرطة دون والٍ سنتين؛ ثم وليها قاسم بن وليد الكلبي؛ فبقى عليها حتى توفي الإمام - رحمه الله! ومن كتابه: عبد الله بن محمد الوزير؛ عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ موسى بن زياد. ومن قضاته: النضر بن سلمة القيسي؛ ثم موسى بن زياد؛ ثم محمد بن سلمة أخو النضر؛ ثم أعيد النضر بن سلمة ثانية؛ ثم عزل وولي محمد بن سلمة؛ ثم مات، وولي بعده أحمد بن محمد بن زياد اللخمي.

بعض أخبار الأمير عبد الله بن محمد على الجملة
كان الإمام عبد الله مقتصدا، يظهر ذلك في ملبسه وشكله وجميع أحواله. وكان حافظا للقرآن، كثير التلاوة له. وكانت له صدقات كثيرة ونوافل
(2/152)
________________________________________
جزيلة. وكان متقدما في ورعه وفضله، محبا للخير وأهله، كثير الصلاة، دائم الخشوع والذكر الله عز وجل، كثير التواضع، منكرا للسرف ومبعدا لأهله، شديد الوطأة على ذوي الظلم والجور. وكان متفننا في ضروب العلوم، بصيرا بلغات العرب، فصيح اللسان، حسن البيان وكان لا يخلو في أكثر أيامه من مقاعدة وزرائه ووجوه رجاله؛ فإذا انقضى خوضهم في الرأي والتدبير لأسباب مملكته وما كان يحاوله من حسم علق الفتنة، خاض معهم في الأخبار والعلوم. ولم يكن ممن اشتغل بلذة، أو قارف شيئا من الأنبذة في أيام خلافته ولا قبلها. وهو ابتنى الساباط بين القصر والجامع بمدينة قرطبة، رغبة في شهود الجمعة، ومحافظة على الصلوات، وحبا للصالحات. وكان يقعد في الساباط قبل صلاة الجمعة وبعدها؛ فيرى الناس، ويشرف على أخبارهم وحركاتهم، ويسر بجماعاتهم، ويسمع قول المتظلم؛ ولا يخفى عليه شئ من أمور الناس. وكان يقعد أيضا على بعض أبواب قصره في أيام معلومة؛ فترفع إليه فيه الظلامات، وتصل إليه الكتب على باب حديد قد صنع مشرجبا لذلك؛ فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده، ولا إنهاء مظلمة على لسانه. وكان أهل المكانات وذوو المنازل والأقدار يتحفظون من كل أمر يوجب الشكوى بهم، وينقبضون عن التحامل على من دونهم، ويهابون عقابه، ويحذرون إنكاره، ويتحرون موافقة مذاهبه. وكانت اللذات مهجورة في أيامه، واللهو غير مقترف من جميع خاصته وعامته، وإعمال الخير وإظهار البرّ والتقوى فاش في كل طبقة من رجاله ورعيته. وكان - رحمه الله - كثير الاستغفار لله عز وجل، ومتحفظا من اليمين باسمه؛ فإذا حلف له حالف بالله، صدقه؛ وإذا شفع به إليه شافع، شفعه؛ أو خائف، أمنه؛ أو مذنب، صفح عنه. ومآثره كثيره، وفضائله محفوظة مذكورة. وكان قد فتح بابا في القصر، سماه باب العدل. وكان يقعد فيه للناس يوما معلوما في الجمعة، ليباشر أحوال الناس بنفسه، ولا يجعل بينه وبين المظلوم سترا. وكان بصيرا باللغات، حافظا لأشعار العرب وأيامها وسير الخلفاء،
(2/153)
________________________________________
راوية للشعر. وكانت اللذات في أيامه مهجورة؛ فأنه لم يشرب قط نبيذا ولا مسكرا. واعتذر إليه يوما بعض مواليه؛ فقال له: (إن مخايل الأمور لتدل على خلاف قولك وتنبئ عن باطل تنصلك. ولو أقررت بذنبك، واستغفرت لجرمك، لكان أجمل بك، وأسدل لستر العفو عليك! فقال: (قد اشتمل الذنب على، وحاق الخطاء بيَّ! وإنما أنا بشر، وما يقوم لي عذر!) فقال: (مهلا عليك، رويدا بك! تقدمت لك خدمة، وتأخرت لك توبة؛ وما للذنب بينهما مدخل. وقد وسعك الغفران!) وأملى كتابا إلى بعض عماله: (أما بعد، فلو كان نظرك فيما خصصناك به، واهتبالك به على حسب مواترتك بالكتب واشتغالك بذلك عن مهم أمرك، لكنت من أحسن رجالنا عناء، وأتمهم نظرا، وأفضلهم حزما. فأقلل من الكتب فيما لا وجه له ولا نفع فيه، واصرف همتك وفكرتك وعنايتك إلى ما يبدو فيه اكتفاؤك، ويظهر فيه غناؤك، إن شاء الله!) وكتب أحد الوزراء إليه كتابا في أمر. فوقع فيه (خفيف) :
أنتَ يا نَضْر آبدَة ... لَسْتَ تُرجَى لِفائِده
إنَّما أنْتَ عُدَّةْ ... لكَنيفِ ومائِدَهْ
وكان - رحمه الله - تقيا نقيا. بنى الساباط من القصر إلى الجامع، محافظة منه على الصلوات. والتزم الصلاة مع الجماعة إلى جانب المنبر دائما حتى لقي ربَّه. وكان - رحمه الله - شاعرا مطبوعا؛ له أشعار حسان. فمن قوله يتغزل في صباه (متسرح) :
ويَحي عَلَى شادِنٍ كَحبِلٍ ... في مِثْلِه يُخْلَعُ العِذَارُ
كأنَّما وَجْنَتَاهُ وَرْدٌ ... خالَطَهُ النَّوْرُ والبَهَارُ
قَضِيبُ بَانٍ إذا تَشَنَّى ... بُدِيرُ طَرفاً بهِ احْورَارُ
فَصفْوُ وُدِّي عليه وَقفٌ ... ما اطَّرَدَ اللّيلُ والنّهارُ
(2/154)
________________________________________
ومن قوله أيضا في مثل ذلك - رحمه الله - (رجز) :
يَا مُهجَةَ المُشتاقِ ما أَوجَعَكْ ... ويَا أسِيَر الحُبِّ ما أخضَعَك
ويَا رَسُولَ العين مِنْ لَحظها ... بالرَّدِ والتبليغِ ما أسرَعَك
تَذهَبُ بالسِّرِّ فَتاتِي بِهِ ... في مجلِسٍ تَخفى عَلَي مَن مَعَك
كَم حاجةٍ أنجزتَ أسرارَها ... تَبَاركَ الرَّحمانُ مَا أطوَعَك
ومن قوله في الزهد (كامل) :
يَا مَن يُراوغه الأجَل ... حتى مَ بُلهِبكَ الأمَل
حتَّى مَ لا تَخشَى الرَّدَى ... وَكَأنَّه بِكَ قد نَزَل
أغفَلتَ عن طَلَبِ النَّجاةِ ... وَلا نَجَاةَ لِمَن غَفَل
هَيهَاتَ يَشغلك المُنَى ... وَلَمَا يدومُ لَكَ الشَّغَل
فكأنَّ يَومَك لم يَكُن ... وكأنَّ نَعيَك قَد نَزَل
وله أيضا في الزُّهد (وافر) :
أرَى الدُّنيا تَصِيرُ إلى فَنَاء ... وَمَا فيها لشيء من بَقَاء
فبَادِر بالإنابة غير وَانٍ ... على شَئٍ يصِير إلى فَنَاء
كَأنَّكَ قد حُمِلتَ على سَرِيرٍ ... وغُيبَ حُسنُ وَجهك في الثَّرَاء
فَنَافِس في التُّقى واجنح إليه ... لَعَلك تُرضينَّ رَبَّ السَّماءِ
ولم يزل - رحمة الله عليه - يرفع منار الدين، ويسلك سبيل المهتدين، لم تمنعه الفتن عن النظر لنفسه، والعمل ليوم فاقته وحلول رمسه. وكانوا يعدونه من أصلح خلفاء بن أمية بالأندلس، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وأمتنهم ديانة؛ إلا أنه كان منغص الحال بدوام الفتنة، وتضييق نطاق الخطة، ونقصان مقدار التزكية، حتى كان يتخلله الرياء تحت قناع تقواه، والبخل بطوقه طبيعة ليست له تحط من هواه؛ وغمض دينه لما كان من هوان الدماء عليه، بسبب
(2/155)
________________________________________
الفتن الطارئة حتى من ولديه، آخذا لأكبرهما بالظنة. وقد صرح النقية أبو محمد بن حزم بذم هذا الأمير، وقال إنه كان قتالا تهون عليه الدماء مع كثرة إقباله على الخيرات، وإعراجه عن المنكرات؛ فإنه احتال على أخيه المنذر على إيثاره له، وواطأ عليه حجامه بأن سمَّ له المبضع الذي قصده به، وهو نازل بعسكره على ابن حفصون. ثم قتل ولديه معا بالسيف واحدا بعد واحد: قتل محمدا والد الناصر لدين الله، وقتل أخاه المُطرف؛ ثم قتل أخوين له معا أيضا: قتل هشاما منهما بالسيف، والقاسم بالسم.) والله أعلم بحقيقة أمره.)

خلافة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد
الناصر لدين الله
نسبه: هو عبد الرحمن بن محمد، الذي قتله أخوه مطرف، ابن الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل. كنيته. أبو المطرف. لقبه: الناصر لدين الله. أمه: أم ولد تسمى مزنة. عمره: ثلاث وسبعون سنة وسبعة أشهر. ولي في اليوم الذي توفي فيه جده الأمير عبد الله وبويع فيه، وذلك يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300. وتوفي يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شهر رمضان المعظم سنة 350؛ فكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام. صفته: أبيض، ربعة، أشهل، حسن الجسم، جميل، بهي، يخضب بالسواد.
قضاته: أحمد بن محمد بن زياد؛ ثم عزله وولي أسلم بن عبد العزيز بن هاشم؛ ثم أحمد بن محمد بن زياد ثانية؛ ثم أحمد بن بقي؛ ثم منذر بن سعيد البلوطي.
نقش خاتمه: (عبد الرحمن بقضاء الله راض) . وكان أبوه وليَّ عهد أبيه عبد الله وأكبر بنيه؛ فقتله أخوه مُطرف، وقتله أبوه به. وقيل في ذلك كلام كثير.
(2/156)
________________________________________
وكان مولد الناصر قبل قتل أبيه محمد بأحد وعشرين يوما، وذلك يوم الخميس لثمان بقين من رمضان سنة 277. وكان جده الأمير عبد الله يحظيه دون بنيه، ويومئ إليه، ويرشحه لأمره، وربما أقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه لتسليم الجند عليه. فتعلقت آمال أهل الدولة به، ولم يشكوا في مصير الأمر إليه. فلما مات جده، أجلسوه مكانه في الخلافة دون ولده لصلبه، لما أراد الله من ضخامة الملك ونصر الإسلام وإبادة الشرك؛ اتفق له في ذلك ما لم يتفق لملك قبله ولا بعده. وكان يسكن القصر مع جده دونهم؛ فتهيأ إجلاسه دونهم مكانه بغير منازعة. وقيل إن جده رمى بخاتمه إليه إبانة منه لاستخلافه.
فكان أول من بايعه أعمامه أولاد الإمام عبد الله، وهم: أبان، والعاصي، وعبد الرحمن، ومحمد، وأحمد. وتلاهم اخوة جده، وهم: العاضي، وسليمان، وسعيد، وأحمد. وكان أحمد متكلمهم. فلما بايعه، أقنى عليه بكل جميل.
والناصر هذا هو أول من تسمى منهم بأمير المؤمنين، وتلقب بأحد الألقاب السلطانية، وهو الناصر ثم تسمى منهم من كان بعده من خلفائهم بإمرة المؤمنين وآثر اللقب السلطاني، وذلك حين هاجت الخلافة العباسية، وضعفت، وظهرت الدولة التركية والديلمية؛ فصارت إمرة المؤمنين لائقة بمنصبه، وكلمة باقية في عقبه. فاستهل الخطيب بجامع قرطبة أحمد بن بقيّ بن مخلد، بذكر هذا الاسم المخلد، يوم الجمعة مستهل ذي الحجة من سنة 316. وفي يوم ولايته يقول أحمد بن عبد ربه من قصيدة (بسيط) :
بَدَا الهِلالُ جَديِدَا ... والمُلكُ غَضٌّ جَدِيدُ
يا نِعمَةَ اللهِ زِيدِي ... فَمَا علَيكِ مَزِيدُ
وولي، والأندلس جمرة تحتدم، ونار تضطرم شقاقا ونفاقا؛ فأخمد نيرانها، وسكن زلازلها، وغزا غزوات كثيرة. وكان يشبه بعبد الرحمن الداخل؛
(2/157)
________________________________________
ومن وقت دخوله الأندلس سنة 138 إلى ولاية عبد الرحمن الناصر، مات من بني أمية سبعة خلفاء وعبد الرحمن ثامنهم؛ ومات في المدَّة المذكورة من بني العباس اثنان وعشرون ملكا.
وفي سنة 300، استخلف الإمام الناصر لبدين الله أمير المؤمنين عبد الرحمن ابن محمد - رحمه الله - يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300، وهو ابن ثلاث وعشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكنيته: أبو المُطرف. وأمه: أم ولد تسمى مزنة. وجلس للبيعة في محراب المجلس الكامل بقصر قرطبة، وتولي أخذها له على الخاصة والعامة بدر بن أحمد مولاه، وموسى بن محمد بن حدير صاحب المدينة. وأحضر أعمامه، وأعمام أبيه، وطبقات قريش، وصنوف الموالي، وعامة الناس؛ فبايعوا مبايعة رضى واغتباط، بوجوه متهللة، وصدور منشرحة، وألبسة داعية شاكرة لله - عز وجل - على ما قلده من أمرهم، وأصاره إليه من رعايتهم، والذّبِّ عن حرماتهم؛ قد استبشر جميعهم بيمن نقيبته واعتلاء همته، ورجوا ما قد حققه الله لهم من بركة دولته، وصلاح الأحوال على يديه، وتجرده لاستئصال علق الفتنة، والتمهيد الطاعة. وكان الخلاف قد عم أقطار الأندلس، وطبق القاصي والداني منها، واستولي أهل النفاق على كورها ومعاقلها بفترة طاولتهم، وهمل تراخت أيامه بهم؛ فحسم الله - عز وجلَّ - منه على يديه ما سيأتي الخبر عنه، وتتصل الحاية له.
وعهد - رحمه الله - بالكتاب ببيعته إلى الكور والأطراف. وولي في يوم مبايعته بدرا مولاه الحجابة مع الوزارة وخطة الخيل، إلى ما كان إليه من خطة البرد. وولي موسى بن محمد الوزارة، إلى ما كان إليه من خطة المدينة. وكان على الكتابة عبد الله بن محمد الزجالي؛ فأقره عليها، وأقر أحمد بن محمد ابن أبي عبدة على القيادة؛ وأقرَّ قاسم بن وليد الكلبي على الشرطة العليا؛ وكان مع ذلك خازنا؛ فصرف الخزانة عنه وولاها عبد الملك بن جهور. وولي الخزانة أيضا محمد بن عبيدة بن مبشر، ومحمد بن عبد الله بن أبي عبدة، وعزل
(2/158)
________________________________________
عنها عيسى بن شهيد، وولي مكانه سعيد بن سعيد بن حدير. وولي عمر بن محمد ابن غانم، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، ومحمد بن سليمان بن وانسوس خطة العرض. وولي محمد بن عبد الله الخروبي خزانة السلاح مع العقل، وحسين بن أحمد الكاتب خزانة السلاح أيضا، ويحيى بن إسحاق ومسلمة بن عبد القاهر المعرف بابن الشرح. ثم ولي - رضي الله عنه - عيسى بن أحمد بن أبي عبدة الشرطة العيا، وصرف عنها قاسم بن وليد الكلبي، وولي فطيس بن أصبغ خطة البيازرة، وصرفها عن الحاجب بدر بن أحمد، إلى أعمال وخطط ولاها من استحق عنده من مومليه ووجوه مواليه.
وأخرج - رحمه الله - عباس بن عبد العزيز القرشي في قطيع من الجند إلى برابر كركي وجبل البرانس؛ وأخرج القائد أحمد بن أبي عبدة في من ضمَّ إليه من الجند إلى كورة قبرة لمعاجلة من كان في هاتين الجهتين من أهل الشرّ والفتنة. فالتقى عباس بن عبد العزيز بالفتح بن موسى بن ذي النون بقلعة رباح؛ فهزمه، وقتل كثيرا ممن كان انضوى إليه. وورد كتاب عبيد الله بن فهر عامل قلعة رباح يذكر ظفره بمحمد بن أرذبلش بناحية عمله؛ وكان من العصاة المفسدين؛ فقتله، وبعث برأسه؛ وكان أول رأس رفع لمارق في دولة أمير المؤمنين - رحمه الله -، وذلك يوم الأحد لعشر خلون من ربيع الآخر. وبدت تباشير الصنع، ودلائل الإقبال على أوائل نظره - رحمه الله
ولثمان بقين من ربيع الآخر، ولي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - أحمد بن محمد ابن حدير الوزارة والقيادة؛ وكان قبل ذلك يلي الشرطة الصغرى. وولي هذه الشرطة محمد بن محمد بن أبي زيد. وأجرى الرزق على عبد الرحمن وعبد الله ابني بدر الحاجب، وذلك لكل واحد منهما ثلاثون دينارا وازنة. وولي إسماعيل بن بدر كتابته خاصة، أرتبه لها. وولي - رحمه الله - جهور بن عبد الملك الوزارة وولاَّها أيضا عبد الله بن مضر. وولي عبد الرحمن بن بدر الخيل، وعبد الله بن محمد بن عبد الخالق بن سوادة قضاء كورة إلبيرة. وهو
(2/159)
________________________________________
أول قاض خرج إلى كورة في أيامه - رحمه الله - ولأربع بقين من ربيع الآخر، عزب أحمد بن محمد بن أبي عبدة عن الوزارة والقيادة، وابنه عيسى بن أحمد عن الشرطة العليا، وصرف إليها قاسم بن وليد الكلبي؛ وعزل محمد بن وليد ابن غانم عن الوزارة، وعمر بن محمد بن وليد عن العرض.
وفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي، افتتحت مدينة إسنجة، ودخلها الحاجب بدر بن أحمد والوزير أحمد بن محمد بن حدير؛ وكان أول موضع افتتح في أيام الناصر - رحمه الله -؛ وضبطت المدينة، وهدم سورها. وبقى أحمد بن محمد الوزير قائدا بها ومسكنا لأحوال أهلها. وولي عمالتها حمدون بن بسيل.
وفي يوم السبت لسبع بقين من جمادى الأولي منها، ولي الوزارة محمد بن عبد الله بن أمية.
ولست خلون من جمادى الآخرة، طلب رجل من المفسدين، يعرف بمحمد ابن يونس الجيانيّ: كان محبوسا في أيام الإمام عبد الله - رحمه الله -؛ فأطلقه أمير المؤمنين الناصر رضه - بعد أن عاهد الله ألا يواقع منكرا؛ فنكث، وخرج يبغي الفساد في أيامه - رحمه الله! ولتسع بقين من جمادى الأخرى، عزل أحمد بن محمد بن زياد عن قضاء الجماعة بقرطبة، وعن الصلاة، لأمور أنكرت عليه. وتولي القضاء أسلم بن عبد العزيز، والصلاة محمد بن عمر بن لبابة الفقيه.
وفيها، كانت غزاة أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى معاقل جيان، وهي أول غزواته: برز الناصر - رضي الله عنه - من قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة 300، وفصل غازيا إلى كورة حيان يوم السبت لسبع خلون من رمضان بعد بروزه بثلاثة وعشرين يوما. واستخلف في القصر موسى ابن محمد بن حدير الوزير صاحب المدينة، وعبد الرحمن بن بدر، ونهض
(2/160)
________________________________________
- رضي الله عنه - في جيوش كثيفة وعدد كاملة. وكان قد نزع إليه قبل فصوله محمد ابن فروة صاحب أبذة في جملة فرسانه؛ فتقبلهم أحسن قبول، وأنزلهم أتم إنزال؛ وصاروا في جملة رجاله ومن يضمه عسكره. وسار - رحمه الله - لوجهه. فلما احتل بحصن مارتش من عمل جيان، ورده الخبر بمضايقة عمر بن حفصون لأهل حاضرة رية، وأنه أطمع نفسه عند تخاذلهم بانتهاز الفرصة فيهم. فوجه لتلافي ذلك سعيد بن عبد الوارث، في قطيع من الجند، وأمره أن يغذ السير، ويطوي المراحل، حتى يحتل مدينة مالقة، ويقطع بابن حفصون عما كان رامه منها وأطمع نفسه فيها؛ فتوصل القائد إلى الموضع، وضبطه، وحمى تلك الجهة عن ابن حفصون وحزبه.
ونهض أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى حصن المنتلون واحتله يوم الأحد للنصف من شهر رمضان؛ وحارب سعيد بن هذيل فيه حتى افتتحه يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت منه. وأنزل سعيد بن هذيل من الحصن، وأوسعه الأمان. وولي عمله محمد بن عبد الوهاب. ثم تقدم - رحمه الله - إلى حصون شمنتان؛ فاستأمنه عبيد الله بن أمية بن الشالية، وإسحاق بن إبراهيم صاحب منتيشة، وعكاشة بن محصن صاحب وادي بني عبد الله، وسلمة بن عرام صاحب بحيلة، ومنذر بن حريز صاحب بغتويرة، وأفلح بن عروس صاحب بكور، وفحلون ابن عبد الله صاحب سانة؛ ونزلوا عن معاقلهم إليه، وكلهم مذعن بطاعته ومحكم في نفسه؛ فأوسعهم أمير المؤمنين - رحمه الله - فضله، وألبسهم عفوه، وأخلى تلك المواضع منهم، وقدم أولادهم ونساءهم إلى قرطبة. واستعمل في الحصون ثقات رجاله. واستنزل عبد العزيز بن عبد الأعلى من حصن الشارة،
(2/161)
________________________________________
ودحّثون بن هشام. ثم انتقل - رحمه الله - منها إلى كورة إلبيرة. فلما احتلها، تداعى أهل حصون تاجلة وبسطة ومربيط والبراجلة والأسناد إلى النزول والطوع، وأخلوا حصونهم. فأحكم الناصر - رحمه الله - أمر ذلك الجانب كله، وضبط المعاقل برجاله، وأتقن الجميع بنظره. ثم انتقل - رحمه الله - إلى حصون وادي آش؛ فأخلى أكثرها رهبة له، ونزل على حصن فنيانة يوم الخميس لأربع خلون من شوال؛ وكان فيه من شيعة ابن حفصون من آوى أهله وأضلهم؛ فتمنعوا من النزول، ورجوا أن يعتصموا بوعر الحصن؛ فأحاطت العساكر بهم، وأضرمت أرباضهم نارا؛ فضرعوا في قبول الإنابة، على أن يسلموا من كان عندهم من شيعة ابن حفصون؛ فاجيبوا إلى ذلك، وتقبض على أصحاب ابن حفصون، وشدوا وثاقا.
ثم انتقل أمير المؤمنين يتقرى تلك المعاقل بجهة بشيرة وأجبلها، حتى توغل بالعساكر في جبل الثلج، وهو ممتنع السلوك؛ فجازه الناس، ويسر الله ذلك عليهم، وسهله لهم. وافتتحت حصون تلك الجهة، ولم يبق بها معقل ممتنه.
واتصل بأمير المؤمنين - رحمه الله - إنَّ ابن حفصون أقبل في جماعة أصحابه إلى حاضرة إلبيرة، طامعا في انتهاز الفرصة فيها. فأخرج عباس بن عبد العزيز قائدا نحوه. فلما قرب من مدينة غرناطة، أقبل ابن حفصون لما كان رجاه وطمع به؛ فخرج أهل إلبيرة واثقين بالمدد الذي وردهم، والقائد المصرح لهم؛ فهزموا ابن حفصون، وقتلوا جماعة من رجاله، وأسروا عمر بن أيوب حفيده. وجرح أحد أولاده جراحا أثخنته.
وتقصى أمير المؤمنين - رحمه الله - ما كان بقي من معاقل تلك الجهة، حتى احتل بحصن شبيلش؛ وكان من أعظم حصون ابن حفصون منعة، وأصعبها مراما، وأوعرها مكانا؛ وإليه كان انضوى كلُّ مشرك تفلت من الحصون المتقدمة الذكر فاحتلت العساكر عليه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال؛ فقطعت ثمارهم، واستهلكت زروعهم ومعايشهم؛ وحوصروا خمسة عشر
(2/162)
________________________________________
يوما، حتى نادوا بالطاعة، وضرعوا في قبول الإنابة؛ وأسلموا أصحاب ابن حفصون الذين كانوا عندهم؛ فتلقى ذلك أمير المؤمنين - رحمه الله - بالقبول، وأخرج إليه جميع من كان في الحصن من المشركين؛ فأمر بضرب رقابهم حتى أبيحوا عن آخرهم.
ثم أمَّ - رحمه الله - مدينة شلوبينية، وفعل فيها مثل فعله فيما تقدم ذكره؛ وضبط برجاله كل حصن افتتحه. وانحسم الداء في كورة إلبيرة، وتألفت كلمتهم، واستقامت طاعتهم. وصدر - رحمه الله - قافلا على طريق حصن أشنبين وحصن بنة فراطة؛ وكانا قد أضرا بأهل غرناطة وحاضرة إلبيرة، وهما في غاية الحصانة والمنعة. فنزلت الجيوش عليهما، وأحدقت بهما؛ وحوربوا أشد محاربة وأنكاها عشرين يوما. ثم أخذت عليهم الحصون وشحنت بالرجال. وقفل أمير المؤمنين - رحمه الله - بعد إيعابه النظر في كلّ ما شخص له من استصلاح أمر كورة جيان وإلبيرة وما والاهما، ودخل القصر بقرطبة يوم الأضحى؛ وقد استتم في غزاته اثنين وتسعين يوما.
وفي هذه السنة، توفي هشام بن محمد القرشي المعروف بابن الشبانسية.
وفي سنة 301، توفي بإشبيلية عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج صاحبها، في المحرم؛ فاجتمع أهلها على تقديم أحمد بن مسلمة مكانه؛ وكان من الشجعان فأخرج أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - أحمد بن محمد بن حدير الوزير قائدا نحوها؛ فكان أول من حاربها وأوقع بأهلها. وكان محمد بن إبراهيم بن حجاج عند ذلك بمدينة قرمونة؛ فقصد باب السدة، وعرض نفسه على أمير المؤمنين لمحاربة أهل إشبيلية. فأخرجه لذلك مع قاسم بن وليد الكلبي؛ وحاصراها شهورا. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فدخلها يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي من هذه السنة، وهدم
(2/163)
________________________________________
أسوارها، واستصلح أمور أهلها، وأخرج مع نفسه سعيد بن المنذر عاملا عليها.
وفيها، ولي محمد بن سليمان بن وانسوس الوزارة. ووليها أيضا عيسى بن أحمد بن أبي عبدة. وولي محمد بن عبد الله الخروبي، ومحمد بن أحمد بن حدير، وفند الكبير، ودرى مولي الناصر خطة العرض. وعزل عمر بن أحمد ابن فرج عن السوق، وصرف النظر فيها إلى محمد بن عبد الله الخروبي؛ وذلك في ربيع الآخر. وولي أحمد بن مسلمة الشرطة العليا. واستقدم محمد بن إبراهيم بن حجاج من مدينة قرمونة، وولي الوزارة، وقعد مع الوزراء يوما واحدا. واستقدم سعيد بن المنذر من إشبيلية، ووليها فطيس بن أصبغ في شعبان وأعيد إلى الشرطة العليا قاسم بن وليد الكلبي. وولي خزانة المال موسى بن سليمان الخولاني المعروف بأبي الكوثر، وعبد الملك بن سليمان أخوه خزانة السلاح.
وفي هذه السنة، افتتح أهل الثغر حصن قلهرة؛ وكان بأيدي المشركين؛ وذلك يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.
وفيها، كانت محاصرة لبّ بن محمد مدينة سرقسطة، وبنيان الردم عليها. وفيها، قتل محمد بن عبد الملك الطويل.
وفيها، خرج الناصر غازيا إلى كورة رية والجزيرة وقرمونة، وهي الثانية من غزواته: برز - رحمه الله - من قصر قرطبة يوم الخميس لثمان خلون من شهر رمضان، وفصل غازيا لثمان خلون من شوال. وتخلف في القصر موسى بن محمد ابن حدير صاحب المدينة. وكانت الكتب تنفذ إلى هشام الولد - رضي الله عنه -، وهو ضغير. فكان أوَّل مقصده حصن طرش، بعد أن قدم حاجبه بدر بن أحمد في قطيع من الجند إلى حصن بلدة؛ فألقى أهله غرَّة، وقتل منهم، وسبى، وأسر جملة كثيرة. واحتل الناصر - رضي الله عنه - بجيوشه على حصن طرش يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال؛ فحصر من كان فيه، وأقام عليه خمسة أيام، يغاديهم الحرب ويماسيهم، ويقطع ثمارهم، ويحطم معايشهم، ويقتل من تظاهر منهم. ثم أبقى عليها من يحاصرها، وتنقل إلى حصون رية ومعاقل ابن
(2/164)
________________________________________
حفصون، يتتبعها معقلا معقلا، وينزل نأسه ومعرة جيوشه بكل ما ينزل به منها. وأوقع بابن حفصون ومن انحشد إليه من النصرانية في حصن طرش وقبعة عظيمة ذهب فيها كثير منهم. وبعث برؤوسهم إلى قرطبة. وألقيت للمشرك عمر بن حفصون مراكب في البحر، كانت نميره من العذرة؛ فأحرق جميعها. وسارع كل من كان بتلك الناحية من أهل شانر، وفج وسيم، وقلبيرة، والقصر، وما انتظم بها من أحواز الجزيرة إلى الدخول في الطاعة والاعتصام بها من الهلكة؛. فقبلهم الناصر - رضي الله عنه - وأمنهم، وسكن أحوالهم.
وتنقل منها إلى حاضرة الجزيرة؛ ثم إلى كورة شذونة؛ ثم إلى كورة مورور، حتى أوفى على مدينة قرمونة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة. وكان حبيب بن سوادة قد أظهر الخلاف فيها عند قدوم محمد بن إبراهيم بن حجاج قرطبة؛ فنازلته جيوش أمير المؤمنين - رحمه الله - وحوصر بها عشرين يوما، حتى عضته النكاية، وأخذت بمخنقة المحاصرة؛ ثم استأمن؛ فأمن، وسأل أن يمهل لانتقال أهله وثقله إلى قرطبة؛ فأجابه الناصر - رحمه الله - إلى ذلك، ولم يرهقه من أمره عسرا؛ وقفل إلى قرطبة؛ فدخلها يوم الأثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة وقد استتم في غزاته اثنين وثمانين يوما.
وفي هذه الغزاة، بعث في قاسم بن وليد الكلبي صاحب الشرطة، وكان قد خلف قرطبة؛ فسجن وسجن معه محمد بن إبراهيم بن حجاج، ومحمد بن وهيب، وعبيد الله بن محمد الرهانيُّ، وسكن بن جديدة. وعزل ابن مسلمة عن الشرطة العليا، ووليها عباس بن أحمد بن أبي عبدة.
وفيها، استقود الناصر عيسى بن أحمد بن أبي عبدة، وأعاده إلى كورة إشبيلية.
وفي هذه السنة، توفي عبد الله بن محمد الزجالي الوزير الكاتب، في ربيع الأول؛ فولي رسم الكتابة عبد الله بن بدر؛ وكان سكن بن إبراهيم، وعمر بن ناجيت كاتبي بدر الحاجب يقيمان خدمة الكتابة.
(2/165)
________________________________________
وفيها، توفي العاصي ابن الإمام محمد - رحمه الله - في ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وتوفي عباس بن عبد العزيز القرشي في جمادى الأولي. وتوفي الوزير أبو الحارث سلمة بن علي، ومحمد بن وليد بن غانم الوزير، وأيوب بن سليمان بن صالح الفقيه، وسعيد بن خمير الفقيه.
وفيها، قتل ببرشلونة عبد الملك بن عبد الله بن شبريط. وأغار المشركون بوادي الحامة في الثغر. وكانت ملحمة أرنيط يوم الأحد لعشر بقين من شعبان؛ وهلك فيها غرسية بن إذفنش صاحب حجليقية؛ وصار الأمر إلى أخيه أردون ابن إذفنش.
وفي سنة 302، كانت ولادة أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أطال الله بقاءه - ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رضي الله عنه - وذلك يوم الجمعة مستهل رجب وقت أذان الظهر.
وفيها، أغزى أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في الصائفة عمه أبان ابن الإمام عبد الله؛ ففصل في شوال إلى كورة رية، وتردد بالجيوش فيها، ونازل حصونها، وحطم زروعها، وقطع ثمارها.
وفيها، أمحل الناس، وتوالى القحط وعمَّ. فبرز إلى مصلى الربض محمد بن عمر بن لبابة صاحب الصلاة، واستسقى بالناس خمس مرات في أيام مختلفة؛ فلم تكن سقيا؛ وغلت الأسعار، وقلت الميرة في الأسواق. ثم برز أحمد بن أحمد ابن زياد للاستسقاء بالناس يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وهو أول شهر مايه؛ فنزل رذاذ تماسك به بعض الزرع، وذهب الأكثر. وكان القحط عاما شاملا بالأندلس وأطرافها وثغورها؛ وغلت الأسعار في جميع جهاتها.
وفي هذه السنة، قدم الناصر - رحمه الله - محمد بن عبد الله الخروبي من ولاية السوق إلى ولاية المدينة، وعزل عنها موسى بن محمد بن حدير. وولي
(2/166)
________________________________________
السوق أحمد بن حبيب بن بهلول، وذلك يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال؛ وفي هذا اليوم عزل عبد الله بن بدر عن الكتابه، ووليها عبد الملك بن جهور؛ وعزل محمد بن محمد بن أبي زيد عن الشرطة الصغرى ووليها يحيى بن إسحاق.
وفيها، عزل عبد الرحمن بن بدر عن خطة الخيل، ووليها عبد الله بن مضر. وفيها، ولي المواريث قند ودرى موليا أمير المؤمنين الناصر.
وفي يوم الأحد مستهل ذي الحجة، قتل عباس بن أحمد بن محمد بن أبي عبدة صاحب الشرطة العليا؛ وكان أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - قد أرتبه على محاصرة منت روبي؛ فواقعته ضربة في حرب باشرها وغرَّر بنفسه فيها. فولي الناصر أخاه عبد الله بن أحمد بن محمد الشرطة العليا، وولي محمد بن محمد ابن أبي عبدة خزانة المال.
وفيها، توفي مروان بن المنذر ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة؛ وكان قد توفي قبله عمر ابن الإمام عبد الرحمن لست بقين من جمادى الأولي.
وفيها، توفي سعيد بن السليم؛ وكان حاجبا في أيام الإمام عبد الله - رحمه الله - وكانت وفاته لأربع خلون من ربيع الآخر. وتوفي النضر بن سلمة، وكان قاضيا في أيام الإمام عبد الله، وذلك يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة. وفيها، توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عثمان لثلاث خلون من شهر رمضان. وتوفي حمدون بن بسيل في شعبان، وعبد الله بن محمد بن عبد الخالق الغساني قاضي إشبيلية لست بقين من جمادى الأولي. وتوفي الفقيه خالد بن وهب يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الآخر؛ وفيها، توفي محمد بن يحيى النحوي المعروف بالقلفاط في جمادى الآخرة؛ وكان من العلماء الحفاظ والشعراء الفصحاء؛ وكان هجاء للناس، سبابة للأشراف، كثير البذاء والسفه في شعره.
وفي سنة 303، كانت المجاعة بالأندلس، التي شبهت بمجاعة سنة ستين؛
(2/167)
________________________________________
وبلغت الحاجة بالناس مبلغا لا عهد لهم بمثله؛ وبيع قفيز قمح بكيل سوق قرطبة بثلاثة دنانير دخل أربعين. ووقع الوباء في الناس، وكثر الموتان في أهل الفاقة والحاجة، حتى كاد أن يعجز عن دفنهم. وكثرت صدقات أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - على المساكين في هذا العام، وصدقات أهل الحسبة من رجاله؛ فكان الحاجب بدر بن أحمد أكثرهم صدقة، وأعظمهم بماله مواساة. ولم يمكن في هذا العام، لضيق الأحوال فيه، أن يكون غزاة أو إخراج جيش، غير أنَّ الناصر - رضه - أخذ بالجدّ والحزم في ضبط أطرافه، والتحفظ بالمسلمين من عادة أهل الخلاف والخلعان، إذ كانوا مع استيلاء الجوع يغاورون من قرب منهم، ويغدرون على من مر بهم من رفاق المسلمين وطالبي المعاش ومستجلبي المير.
وفي هذه السنة، ولي إسحاق بن محمد القرشي الوزارة؛ وكان ذا رأي وعناء. وفيها، ولي محمد بن محمد بن أبي زيد الشرطة العليا؛ وكان يلي الشرطة الصغرى من قبل.
وفي هذه السنة، توفي أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. وهو ابن خمس وخمسين سنة؛ ودفن بمقابر قريش في الربض. ومات فيها لأمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - ولدٌ يسمى هشاما ويكنى بأبي الوليد؛ وكان بكر ولده.
وتوفي فيها أحمد بن هشام ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - يوم الجمعة لعشر بقين من شوال؛ والقرشي العثماني الطارئ من المشرق في أيام الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان. وتوفي القرشي العبدي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شعبان. وتوفي يحيى بن إسحاق بن يحيى بن أبي عيسى الفقيه؛ وكانت له رحلة روى فيها الحديث؛ ولم يكن بالثقة، غير أنه كان نبيلا مفوَّها. وتوفي فيها الفقيه النميري، واسمه أحمد بن عبد الله بن فرج. وتوفي أحمد بن بيطير الفقيه
(2/168)
________________________________________
يوم الخميس لليلتين هلتا من ذي الحجة. وتوفي فيها مفوز بن غريب.
وفيها، أسر مطرف بن محمد بن لب بن قسي؛ أسره العدو بالثغر.
وفيها، توفي بالثغر عبد الله بن محمد بن لب بن قسي؛ وكان من أهل البأس والشجاعة والنكاية للعدو. وقتل ابنه محمد بن عبد الله عمه مطرفا. ووقعت بين بني لب فتون وحروب، واختلف أمرهم.
ومات في هذا العام بقرطبة جملة من وجوهها وبياض أهلها، يطول الأخبار عنهم والاجتلاب لهم، إلى من مات في الكور والمواضع البعيدة ممن لم يأخذه إحصاء ولا عد. وكانت للعدو مع بني قسي جولات في الثغر هذا العام.
وفي سنة 304، كان إغزاء أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - أحمد بن محمد بن أبي عبدة القائد إلى أرض الحرب. وفصل يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم، وهو اليوم الثامن عشر من يوليه، وضم إليه من الموالي والأجناد عدد كثيرا. ودخل أرض المشركين؛ فبكى، وغنم، وسبى؛ وخرج من أرض العدو بالمسلمين سالمين غانمين.
وفيها، ولي عبد الحميد بن بسيل الخزانة. وفيها، غزا إسحاق بن محمد القرشي إلى كورة تدمير؛ فافتتح حصن أوربوالة واستصلح أحوال أهل الكورة. وفيها، ولي فطيس بن أصبغ الخزانة ولايته الأولى.
وفيها، غزا الحاجب بدر بن أحمد إلى مدينة لبلة؛ فحاصرها وافتتحها يوم الاثنين لعشر بقين من شهر رمضان.
وفيها، عزل عبد الملك بن جهور عن الكناية، ووليها عبد الحميد بن بسيل؛ ولم يطل أمد ولايته؛ ثم أعيد إليها عبد الملك بن جهور.
وفيها، ولي إسماعيل بن بدر العرض. وفيها، نُقل عليُّ بن حسين عن خزانة السلاح إلى خطة العرض، لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر. وفيها، ولي العرض محمد بن عبد الله بن مضر.
(2/169)
________________________________________
وفيها، توفي منذر ابن الإمام المنذر - رحمه الله - سلخ شعبان؛ وكان مولده بعد موت أبيه إلى ستة أشهر؛ وعبد الملك بن حوزة القرشي، يوم الثلاثاء لتسع خلون من ربيع الآخر؛ وأخوه الأحدب، وكان يتنجم، في عقب ربيع الآخر؛ والعارض صاحب المواريث قند مولى أمير المؤمنين الناصر، يوم الثلاثاء لثلاث خلون من رجب؛ فولي مكانه المواريث إسماعيل بن بدر.
وتوفي المؤدب محمد بن أرقم يوم الجمعة لست خلون من رجب؛ وفيه توفي الولد محمد ابن أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - والولد سليمان الأكبر.
وفي عشر خلون من شوال من هذا العام، ولد الولد أبو مروان عبيد الله شقيق أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أيده الله! وفيها، توفي الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الزراد لأربع خلون من جمادى الأولي؛ مولده سنة 242؛ وكان قد روى علم ابن وضاح. وتوفي الفقيه المحدث طاهر بن عبد العزيز الرعيني. وتوفي أبو القاسم محمد بن عبد السلام بن قلمون ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر؛ وكان نبيلا، مرسلار، حسن الخط؛ وولي الخزانة؛ وكان له لسان وبيان.
وفي سنة 305، غزا بالصائفة إلى دار الحرب أحمد بن محمد بن أبي عبدة الوزير القائد؛ وفصل يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وخرج معه طبقات الناس من المجاهدين وأهل الديوان؛ وحشد إليه رجال الثغر؛ فدخل أرض العدو في جمع كبير، ونازل حصن قاشتر مورش الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وجد المسلمون في محاربة المشركين حتى كانوا قد أشرفوا على الظفر بمن كان في الحصن؛ فاحتشدت النصرانية من جميع جهاتها ممدين لكفرتهم، ومجلبين على المسلمين بخيلهم ورجلهم. فتداعى بعض أهل المداهنة في الدين من أهل الثغر إلى إظهار الهزيمة وجروها على المسلمين؛ فانهزم كثير
(2/170)
________________________________________
منهم. وثبت القائد أحمد بن محمد بنفسه، وأظهر الصبر، ودافع مدافعة الموطن. وقيل إنه كان قد اعتقد مذهبا في طلب الشهادة؛ فاستشهد القائد المذكور الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. واستشهد من المسلمين معه من آثر الشهادة ورغب عن خزي الفرار. ولم يول المشركين دبرا، ولا أراهم نكوصا ولا فرارا. وانعقد سائر أهل الجيش، وصاروا يدا واحدة؛ فسلموا وخرجوا إلى أرض المسلمين بدوابهم وأثقالهم وأبنيتهم.
وفيها، غزا إسحاق بن محمد الوزير إلى مدينة قرمونة؛ فحاصر فيها حبيب بن عمر، وضايقه، وأخذ بمخنقه. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فتمادى على حصارها حتى فتحها قسرا، ودخلها يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر.

ذكر موت عمر بن حفصون
وفي هذه السنة، هلك عمر بن حفصون، عميد الكافرين، ورأس المنافقين، وموقد شعل الفتنة، وملجأ أهل الخلاف والمعصية. فعد هلاكه من أسباب الإقبال، وتباشير الصنع، وانقطاع علق المكروه. ولما توفي افتتحت أبذة إلبيرة، وهي المعروفة بأبذة فروة؛ وكان فيها سليمان بن عمر بن حفصون؛ فاستنزل عنها، وقدم به قرطبة يحيى بن إسحاق في شوال؛ فأنزل وتوسع له.
وفيها، ولي الوزارة عبد الملك بن جهور يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وفيها، توفيت البهاء بنت الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - في رجب؛ فلم يتخلف أحد عن جنازتها. وتوفيت للناصر - رضي الله عنه - ابنة تسمى بعائشة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الوارث الأيسر؛ وكان من أهل الشجاعة والعناء في الخدمة. وتوفي الفقيه محمد بن إبراهيم المحدث الحجازي. وتوفي عمر بن أحمد بن فرج؛ وكان كاتب الرأي؛ وولي السوق.
(2/171)
________________________________________
وفي هذه السنة، حشد أرذون بن إذفنش، وشائجه بن غرسية صاحب النصرانية، بجليقية وبنبلونة، وخرجها في جموعهم واحتفال من كفرتهم إلى مدينة ناجرة بالثغر الأقصى؛ فنزلا عليها في عقب ذي الحجة، وأقاما عليها ثلاثة أيام. وعانت النصرانية في ذلك الثغر. وأفسدت الزروع؛ ثم تنقلت إلى تطيلة. وبلغ العدو إلى نهر مالس، وجزائر مسقبرة، ووادي طرسونة. وخلف شانجة نهر إبرة، وقاتل حصن بلتبرة، وقهره على أهل الربض، وأحرق المسجد الجامع؛ فكان ذلك مما أحفظ الناصر وحركة لمجاهدتهم والأنصار منهم، على ما سيأتي ذكره.

غزوة مطونية
وفي سنة 306، كان غزاة الحاجب بدر بن أحمد إلى دار الحرب، وهي عزاة مطزنية. وكان أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - لما اتصل به تطاول المشركين على من كان بازائهم من أهل الثغور بامتناع الصوائف عن غزوهم، والإيغال في بلادهم بالحرب المتقدم الذكر، أحفظه ذلك، وأذكى عزمه، وأكد بصيرته في مجاهدة أعداء الله وأعداء دينه في هذا العام؛ فأمر بالاحتفال في الحشد وجمع الرجال والتكثير من الأجناد والفرسان الأبطال. وعهد إلى حاجبه بالغزو بنفسه في الصائفة. ونفذت كتبه إلى أهل الأطراف والثغور بالخروج إلى أعداء الله، والدخول في معسكره، والجدّ في نكاية أهل الكفر، والإيقاع بهم في أواسط بلادهم، ومجتمع نصرانيتهم. ففصل الحاجب بالجيوش، يوم الثلاثاء لخمس بقين من المحرَّم؛ وانثالت إليه العساكر من كل جهة في أٌرب ثغور المسلمين؛ ودخل بهم دار الحرب، وقد انحشد المشركون، وتجمعوا من أقاصي بلادهم، واعتصموا بأمنع أجبلهم؛ فنازلهم الحاجب بدر بن
(2/172)
________________________________________
أحمد بأولياء الله وأنصار دينه؛ فكانت له على أعداء الله وقائع اشتفت فيها صدور المسلمين، وانتصروا على أعداء الله المشركين. وقتل في هذه الغزاة من حماتهم، وأبطالهم، وصلاة الحروب منهم، جملة عظيمة لا يأخذها عدٌّ، ولا يحيط بها وصف. وكان الفتح يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول ويوم السبت لخمس خلون من ربيع الأول، في معارك جليلة، لم يكن أعظم منها صنعا، ولا أكثر من أعداء الله قتيلا وأسيرا. وورد الكتاب بذلك على أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ فأكثر من شكر الله عز وجل على ما منَّ به، وفتح فيه. وقُرى (كتاب الفتح) في الجوامع وكتب به إلى الأطراف.
وفي يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، في العام المؤرخ، ولد أبو الأصبغ عبد العزيز بن عبد الرحمن، شقيق أمير المؤمنين المستنصر بالله - أيده الله -.

غزاة الناصر لدين الله إلى بلدة
وفي شهر ذي الحجة من هذه السنة، غزا الناصر بنفسه مدينة بلدة من كورة رية؛ فبرز لها يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة؛ وفصل يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة بعد بروزه بستة وعشرين يوما؛ وتخلف في القصر بقرطبة ابنه وولي عهده وقبلة الآمال من بعده، أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله - ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدبر. فلما قرب الناصر من مدينة بلدة، قدم من ثقات رجاله، وإخفاء أجناده من يمنحن إمكان زرعها وموضع المضطرب عليها؛ فألقى الزرع متأخرا؛ وأتته الأنباء بإمكان زروع فحص رعين؛ فرأى التعريج إليه بعد أن أمر بابتناء صخرة فوزان، لتكون موفية على بسيط بلدة. ثم ارتحل إلى حصن
(2/173)
________________________________________
دوش امانتش؛ فنازله وحاربه حتى افتتحه. ثم نهض إلى مدينة بلدة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي الحجة، وأحاطت العساكر بها؛ فتداعى من كان من المسلمين فيها إلى النزول بأنفسهم وذراريهم؛ وذكروا أنهم كانوا مغلوبين على أمرهم؛ فأمنهم الناصر، وقاتل الكفرة المتغلقين في المدينة، حتى أظفره الله بهم؛ فقتلوا عن آخرهم وملكت المدينة، وتدب فيها الرجال. ثم انتقل إلى حصون رية، يتقرَّاها معقلا معقلا، ويفتتح ما مر به منها. ونزل على جبل ببشتر؛ فحاصر أهله، وقطع ثمراتهم، واستبلغ في نكايتهم؛ فسأله جعفر بن عمر بن حفصون قبض رهائنه، استيثاقا من طاعته، على أن يؤدى من الجباية ما فرض عليه؛ فأجابه الناصر إلى ذلك، وفيضت رهائن جعفر وشيعته، وصارت في قبضته وداخل معسكره. ثم قفل الناصر لدين الله عن جبل ببشتر، ودخل القصر لثلاث بقين من المحرم من سنة 307، وقد استتم في غزاته أربعين يوما.
وفي هذه السنة، عهد الناصر بعمل الفوَّارة إزاء باب القصر المعروف بباب العدل، وإقامة محراب مصلى المصارة بقرطبة.
وفيها، توفي عبد الله بن كليب بن عبد السلام، لخمس خلون من ربيع الآخر. وفيها، توفي للناصر ابن يسمى بمحمد، ويكنى بأبي القاسم. وفيها، توفيت رقية ابنة الإمام محمد. وتوفي فيها موسى بن أزهر الفقيه الإسنجي لثلاث خلون من ربيع الأول؛ وكان من أهل الفصاحة والبيان والخط الحسن. وتوفي فيها حزب الله بن رباعي بن عبد الله الخشني الزاهد، وكانت له رواية.
وفي سنة 307، كان احتلال الناصر أمير المؤمنين بمدينة ببشتر، على ما تقدم ذكره في العام قبله، ودخوله قرطبة قافلا من غزاته في التاريخ المتقدم ذكره.
وفي هذه السنة، افتتح حصن طرش؛ وكان فيه عبد الرحمن بن عمر بن
(2/174)
________________________________________
حفصون؛ فأسلم الحصن إلى رجال أمير المؤمنين الناصر لدين الله، ودخل قرطبة؛ فأنزل ووسع عليه. وكان غير داخل في الحرب والفتنة مدخل أبيه؛ وإنما كان صاحب كتب، وكان حسن الخط ضعيف العقل. قال عريب: وقد صار بعد ذلك وراقا.
وفيها، ولي أمير المؤمنين الناصر محمد بن عبد الله بن محمد الزجالي خزانة المال لتسع خلون من شهر رمضان.
وفيها، توفي محمد بن أحمد بن زياد، يوم السبت لأربع عشرة خلت من رجب؛ وكان جارا لمحمد بن وضاح الفقيه؛ فأوصى أن يصلي عليه؛ فقام له بذلك ذكر. وفيها، مات محمد بن سليمان بن وانسوس الوزير، يوم الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان. وفيها، مات حمدون بن بسيل وفيها، أمر الناصر بقتل موسى بن زياد، ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر؛ وكان قد ولي الوزارة في أيام الإمام عبد الله، وكثرت مطالبته للناس، ورفعه عليهم، وتحككه بهم؛ وكان يجاهر بكراهة أمير المؤمنين الناصر، ويرفع عليه إلى جده - رحمهما الله -، ويغري الإمام عبد الله برجاله؛ فحبسه أمير المؤمنين الناصر في يوم بيعته؛ ولم يزل محبوسا إلى أن أمر بقتله؛ وقتل معه حبيب بن عمر بن سوادة، وولداه، ومحمد بن وليد المعروف بالغليلي؛ وكانت لهم ذنوب وجرائم أحردته عليهم.

غزاة مويش
وفي سنة 308، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى دار الحرب، وهي غزاة مويش؛ فبرر - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة 307؛ ثم فصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 308، وهو اليوم الثالث من شهر حزيران،
(2/175)
________________________________________
ذلك بعد بروزه بثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم أمير المؤمنين المستنصر بالله - أيده الله -. ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدير. فلما كان في اليوم الرابع من فصوله، ونزل بمخاضة الفتح، ورد عليه بها كتاب فتح من قبل عامل مدينة الفرج، يذكر أن المشركين من أهل جليقية أتوهم في جمع كثير؛ فأغاروا على ما لاقوه في بسيطهم من الدواب والسوام، ثم عرجوا على حصن بقربهم، يعرف بالقليعة؛ فأحدقوا به طامعين في التغلب عليه؛ فانحشد إليهم جميع أهل المدينة بفارسهم وراجلهم، وواضعوهم القتال بأثبت بصائرهم؛ فمنحهم الله - عز وجل - أكتاف الكفرة، وأطال أيديهم عليهم؛ فقتلوا وأسروا كثيرا منهم، واتبعوهم من أول النهار إلى آخره، والسيف يعمل فيهم، وبعثوا بجملة من رؤوسهم؛ فاستبشر الناصر بما ورده وتفأل باسم المحلة التي كان فيها عند ورود الفتح عليه.
ونهض آما لوجهته، والحشود والعساكر تتلاحق به من سائر أقطار الأندلس، وجميع جهاتها. ونزل - رحمه الله - على مدينة طليطلة، وخرج إليه لبُّ بن الطربيشة صاحبها، مبادرا إليه، وغازيا معه؛ وكان يظهر طاعة تحتها معصية. ثم تنقل - رحمه الله - في مناقله، حتى نزل بمدينة الفرج؛ فنظر لأهلها، وعزل بني سالم عنهم، إذ شكوا بهم. واستوزر - رضي الله عنه - في هذه المحلة سعيد بن المنذر، وقدمه قائدا وضابطا لمدينة الفرج، وأغزاه مع نفسه، واستعمل على الموضع ابن غزلان القرشي صهره، واستقصى عليهم محمد بن مسور الفقيه. فصلحت أحوالهم، وعم الرضى جميعهم؛ وخرج للجهاد أكثرهم. ونهض أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في جيوش تغص بها السبل، ويضيق بها القضاء الأوسع، حتى احتل بثغر مدينة سالم، وأظهر - رحمه الله - التوجه إلى الثغر الأقصى. وقدمت المقدمة نحوه. ثم عرج بالجيوش إلى طريق آلية والقلاع، وطوى من نهاره ثلاث مراحل، حتى احتل بوادي دوبر؛ فاضطربت العساكر
(2/176)
________________________________________
فيه، وباتت عليه. ثم أخرج صباح تلك الليلة سعيد بن المنذر الوزير، في جرائد الخيل وسرعان الفرسان، إلى حصن وخشمة؛ فأغدَّ السير حتى قرب من الحصن، وسرح الخيل المغيرة يمنة ويسرة، والمشركون في سكون وغفلة، إذ كان العلج الذي يلي أمورهم قد كاتب أمير المؤمنين - رحمه الله -، مكايدا له في إزاحته عن بلده بمواعيد وعدها من نفسه؛ فأظهر أمير المؤمنين - رحمه الله - قبول ذلك منهم، وأضمر الكيد بهم؛ فغشيتهم الخيل المغيرة على حين غفلة، وأصابوا نعمهم وسوامهم ودوابهم مسرحة مهملة؛ فاكتسحوا جميع ذلك، وانصرفوا إلى العسكر سالمين غانمين. فلما كان في صباح يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، اندفعت الخيل في أكمل تعبئة، وأهذب ترتيب، وأوكد ضبط، وأبلغ حزم وعزم، إلى حصن وخشمة؛ ففر عنه الكفرة، وأخلوه، ولاذوا بالغياض الأشبة، والصخور المنقطعة. ودخل المسلمون الحصن، وغنموا جميع ما فيه وأضرموه نارا. وبات أمير المؤمنين - رحمه الله - في محلته على وخشمة ليلة السبت؛ ثم رحل عنها في اليوم الثاني إلى حصن قاشتر مورش، وهي شنت أشتبين، بيضة المفرة، وقاعدتهم، والموضع الذي كانوا تعودوا فيه الاستطالة على من وردهم. فلما رأوا أن أنصار دين الله قد أطلوهم، وأولياءه قد يمدوا نحوهم، أخلوا الحصن وخرجوا هاربين عنه؛ فدخله المسلمون، وغنموا جميع ما فيه؛ وخربوا حصن القبيلة المجاور له، ولم يترك لأعداء الله في تلك الجهة نعمة يأوون إليها.
واضطرب العسكر بشرقي حصن قاشتر مورش. وبات المسلمون ليلة الأحد بأسر ليلة كانوا بها، والحمد لله. ثم انتقل أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في صبيحة اليوم الثاني من مكان المضطرب شرقي الحصن إلى غربيه، ولم يكن بين الموضعين إلا قدر ميل؛ فكسر العسكر في ذلك المكان يوم الأحد متقصيا لآثار الكفرة، ومستبيحا لنعمهم. ثم ارتحل إلى مدينة لهم أولية تعرف بقلونية، وكانت من أمهات مدنهم؛ فلم تمر الجيوش إليها إلا على قرى منتظمة وعمارة بسيطة؛ فغنمت جميع ما كان بها، وقتلت من أدركت فيها، حتى أوفت العساكر على المدينة؛ فألقيت
(2/177)
________________________________________
خالية، قد شرد عنها أهلها إلى الأجبل المجاورة لهم؛ فغنم المسلمون جميع ما أصابوا فيها، وعملت الأيدي في تخريب ديارها وكنائسها. وكسر الناصر - رحمه الله - عليها ثلاثة أيام، مطاولا لنكاية المشركين، وانتساف نعمهم. ثم ارتحل - رحمه الله - من مدينة قلونية يوم السبت لخمس بقين من صفر إلى ثغر تطيلة، لغياث صريخ المسلمين به، إذ كان العلج شانجه قد ضايقهم، وتردد بكفرته عليهم؛ فأخذ الناصر - رحمه الله - بالرفق في نهوضه، لئلا يعنف على المسلمين بحث السير مع اتصال سفرهم؛ فاستقبل بالجيوش قطع المفاز الأعظم، مسايرا لوادي دوير، وقطع في ذلك خمس محلات، حتى احتل حوز تطيلة؛ ثم قدم الخيل مع محمد ابن لبّ عاملها إلى حصن قلهرة الذي كان اتخذه شانجه على أهلها. فلما قصدته الخيل، أخلاه من كان فيه، وضبطه المسلمون.
ثم نهض - رحمه الله - إلى حصن قلهرة. وكان شانجه قد اتخذه معقلا، وتبوَّأه مسكنا. فلما فجأته العساكر، أخلاه العلج، وزال عنه؛ فغنمه المسلمون بأسره؛ وكسر الناصر - رحمه الله - عليه يومين حتى خرب جميعه، وانتسف كل ما كان حواليه. ثم رحل بالجيوش يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول إلى دي شره، وأجاز إليها وادي إبره؛ فخرج شائجه من حصن أرنيط في جموعه وكفرته، متعرضا لمن كان في مقدمة العسكر؛ فتبادر إليه شجعان الرجال، تبادر رشق النبال؛ فانهزم الكفرة، وركبتهم الخيل، تقتل وتجرح، حتى تواروا في الجبال، ولاذوا بالشعاب وأيقنوا بالدمار والهلاك. وحيز كثير من رؤوس المشركين؛ فتلقوا بها أمير المؤمنين - رحمه الله -، ولا علم عنده المعركة التي دارت بينهم وبين أعداء الله. واضطرب العسكر بهذا الموضع، وبات المسلمون ظاهرين على عدوهم، ومنبسطين في قراهم ومزارعهم.
وورد الخبر على الناصر - رحمه الله - باجتماع العلجين أرذون وشانجه، واستمداد بعضهما ببعض، طامعين في اعتراض المقدمة، أو انتهاز فرصة في
(2/178)
________________________________________
الساقة. فأمر الناصر - رحمه الله - بتعبئة العساكر، وضبط أطرافها؛ ثم نهض بها موغلا في بلاد الكفرة؛ فتطللوا على كدّي مشرفة وأجبل منيعة؛ ثم تعرضوا من كان في أطراف الجيش، وجعلوا يتصابحون، ويولولون ليضعنوا من قلوب المسلمين؛ فعهد الناصر - رحمه الله - بالنزول والاضطراب وإقامة الأبنية. ثم تبادر الناس إلى محاربة الكفرة، وقد أسهلوا من تلك الأجبل؛ فواضعوهم القتال، واقتحم عليهم حشم أمير المؤمنين ورجاله وأبطال الثغر وحماته، ويضعون أسلحتهم فيهم، ويمطرون رماحهم عليهم، حتى انهزم المشركون، لا يلوون على مكان مضطربهم، ولا يهتدون لوجه متقلبهم، والمسلمون على آثارهم، يقتلون من أدركوا منهم، حتى حجز الظلام بينهم.
ولجأ عند الهزيمة أزيد من ألف علج إلى حصن مويش، ورجوا التمتع فيه. فأمر الناصر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى الحصن؛ فأحبط به من جميع جهاته، وحوربوا داخله حتى تغلب عليه، واستخرج جميع العلوج منه، وقدموا إلى الناصر - رحمه الله -؛ فضربت رقاب جميعهم بين يديه، وأصيب في الحصن والمحلة التي كانت للكفرة بقربه من الأمتعة والأبنية والحلية المتقنة والآنية ما لا يحصى كثرة؛ وأصيب لهم نحو ألف وثلاثمائة فرس. وكسر أمير المؤمنين - رحمه الله - بهذه المحلة أربعة أيام، يغير جميع ما حواليها من نعم المشركين وثمراتهم ومزارعهم؛ ثم انتقل - رحمه الله - يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول إلى حصن كان أتخذه شانجه على أهل بقيرة؛ فألقاه خاليا، قد فرَّ عنه أهله؛ فعهد بهدمه، ولم يبرح أمير المؤمنين - رحمه الله - من محلته هذه حتى انتقل إلى حصن بقيرة من أطعمة الكفرة ألف مُدي تقوية لأهله.
ثم انتقل إلى حصون المسلمين يسكنها وينظر في مصالح أهلها؛ فكلما ألفى بقربها معقلا للمشركين، هدمه وأحرق بسيطه، حتى لقد اتصل الحريق في بلاد المشركين عشرة أميال في مثلها. واجتمع عند الناس من الأطعمة والخيرات ما عجزوا عن حمله، ولم يجدوا لها ثمنا تباع بع؛ وكان القمح في العسكر تبذل
(2/179)
________________________________________
ستة أقفزة بدرهم؛ فلا يوجد من يشتريه؛ فجمعت الأطعمة وأدخلت النار إليها حتى أخرجت عن آخرها. وقفل الناصر - رحمه الله - يوم الثلاثاء. لثلاث بقين من ربيع الأول، حتى انتهى إلى مدينة أنتيشة؛ فكسر - رحمه الله - بها يوما، ووصل رجال الثغر، وكساهم، وحملهم، وأذن لهم في الرجوع إلى مواضعهم. وبعث إلى قرطبة من رؤوس الكفرة التي أصيبت في المعارك المذكورة أعدادا عظيمة، حتى لقد عجزت الدواب عن استيفاء حملها. ودخل - رحمه الله - القصر بقرطبة يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه تسعين يوما.
وفي هذه السنة، بعد القفل، عزل الناصر - رحمه الله - محمد بن محمد بن أبي زيد عن الشرطة العليا، وولاها دريا مولاه.
وفي هذه السنة، قتل جعفر بن عمر بن حفصون بجبل ببشتر، قتله أصحابه غيلة، ودخله أخوه سليمان وضبطه.
وفيها، ولي العرض عبد الرحمن بن عبد الله الزجالي.
وفيها، افتتحت المندات بحذر فرطمة من كورة رية، وبنى حصن فاشتره ذكوان، وألزمه الرجال والقوة.
وفي هذه السنة، توفي أبو عمرو سعد بن معاذ بن عثمان بن حسان بن بخامر الشعباني الفقيه بقرطبة في جمادى الأولي؛ وكان معظما في أهل العلم؛ وفيها، توفي عبد الغافر بن هاشم بن عبد العزيز.
وفي سنة 309، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة رية، وهي غزاة طرُّش. وبرز لها - رحمه الله - يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة سنة 308، وهو اليوم العاشر من أيار. وفصل من قصر قرطبة غازيا يوم السبت لثمان خلون من المحرم سنة 309، وهو اليوم العاشر من حزيران بعد بروزه إلى أحد وثلاثين يوما. وتخلف في النصر ولي عهده أمير المؤمنين المستنصر
(2/180)
________________________________________
بالله - أطال الله بقاءه - فسار - رضي الله عنه - في احتفال من جيوشه، وطبقات من رجاله، حتى احتل على حصن طرُّش؛ وكانت النصرانية قد احتشدت إليه، وتحصنت فيه؛ فأحدقت العساكر به من جميع جهاته، وعهد بمحاربتهم والتضييق عليهم ونصب المجانيق على مرتقى تصل منه حجارته إلى الكفرة. وكانوا في أول المنازلة لهم يبرزون للحرب، ويظهرون المدافعة، حتى مزقتهم الحرب، وقللت عددهم، وقلت حدهم؛ فعاذوا بالاستغلاق في داخل حصنهم. ثم تمادى التضييق عليهم، والحصار لهم، حتى أخذهم الجهد، وأشفوا على الهلاك؛ فخاطبوا أمير المؤمنين ضارعين إليه في تأمينهم، على أن يسلموا الحصن، ويخرجوا عنه؛ فأجابهم إلى ذلك، وقيل إنابتهم؛ ودخل رجاله الحصن، وخرج عنه جميع من كان به من النصرانية داخله. وهدمت قصابه وألقيت أحجارها في النهر؛ وبني في موضع الكنيسة مسجد جامع. ونظر الناصر - رحمه الله - أيام محاصرته لحصن طرش في توجيه القوَّاد والأجناد إلى حصن ببشتر وحصن أقوط وجبل الحجارة، لمحاربة سليمان وحفص ابني عمر بن حفصون، والتضييق عليهم، والانتقاص لعددهم. ثم قفل الناصر - رحمه الله - من محلته على حصن طرش يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودخل قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وقد استتم في غزاته هذه تسعة وستين يوما.
وفي هذا العام، استنزل بنو سعيد بن ناصح بن مستنة من حصون باغه المعروفة بعالية وربرش. واستنزل موسى بن يزيد، أخو حمصي، من الصخرة التي كان بها. واستنزال بنو مهلب من حصونهم المعروفة بقرذبرة وإشبرغيرة وغيرهما، وهدم جميعها.
وفي هذه السنة، أمر الناصر - رحمه الله - بقتل العاصي ابن الإمام عبد الله، ومحمد بن عبد الجبار ابن الإمام محمد - رحمهما الله -، إذ شهد كلُّ واحد منهما
(2/181)
________________________________________
على صاحبه بمطالبة الخلافة ونقض البيعة، وكثرا في ذلك؛ وكان لهما غليان. فقتلا ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب.
وفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب، مات الحاجب بدر بن أحمد وولي الحجابة موسى بن أحمد بن حدير.
وفيها، مات محمد بن عبد الله بن أمية الوزير؛ وعبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني في شوال؛ وفيها، توفي الفقيه محمد بن أحمد المعروف بابن الزراد، ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.
وفي سنة 310، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة إلبيرة، وهي غزاة منت روبي، وبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 309، وهو الرابع من نيسان، وفصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت لعشر خلون من المحرم، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، بعد بروزه بسبعة وثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله -، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وغزا معه في هذه السنة الحاجب موسى بن محمدا؛ فسار - رضي الله عنه - حتى احتل بحصن منت روبي يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم؛ وكان جبلا ممتنعا، بعيد المرام، كثير السكان من عجمة، قد لاذت به، وامتنعت فيه؛ وهو متوسط بين كورة إلبيرة وكورة جيان، وعلى طريق مدينة بجانة. فكان من سلك السبيل من وارد أو صادر لا يسلم من عادية ذلك الحصن. وكانوا يسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، ويخيفون السبل. فأقام عليهم أمير المؤمنين - رحمه الله - خمسة وثلاثين يوما محاصرا، حتى أباد كثير منهم، وقطع ثمراتهم، وغير نعمهم. ثم أبقى على الحصن من رجاله وأجناده من استمر على محاصرتهم، حتى كان لا يدخل إليهم داخل، ولا يخرج عنهم خارج. وتقدم عنه إلى حصون كورة إلبيرة؛ فعم جميعها بالنكاية. ثم عرج منها إلى كورة رية، ونزل على جبل ببشتر يوم السبت لسبع خلون من ربيع الأول؛ فحاربهم أشد محاربة، ونكاهم أبلغ نكاية
(2/182)
________________________________________
وقطع ما كان بقي في أسناد الجبل من الثمار، ورتب لمحاصرتهم أكابر القواد. وقصد رحمه الله - كورة تاكُرُنَّا؛ فاستصلح أحوال أهلها، واستوثق من طاعتهم ونقل من رأى نقله إلى قرطبة من وجوههم. ثم وصل نظره فيها بالنظر في كورة مورور، وطالع في طريقه كورة إشبيلية وقرمونة، وقفل بعد إحكامه جميع الأمور في تلك الجهات؛ فاحتل قصره يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وثمانين يوما.
وفي هذه السنة، ولي الوزارة أبو سعيد عبد الملك بن محمد الشذونيُّ، يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر. وولي فيها الوزارة أيضا يحيى بن إسحاق؛ وكانت بيده الشرطة الصغرى؛ فوليها مكانه محمد بن محمد بن أبي زيد، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شوال.
وفيها، عزل أفلح بن عبد الرحمن عن الخيل، ووليها صاحب المدينة محمد ابن عبد الله الخروبي أياما يسيرة؛ ثم أعيد إليها أفلح.
وفيها، ولي أحمد بن موسى بن حدير، ونمارة بن سليمان الخزانة، في شوال.
وفيها، ولي أحمد بن عبد الله الخروبي العرض.
وفيها، مات سالم بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن أبا الفقيه؛ وعبد الله بن أبي الوليد ابن أخت محمد بن الصفار الفقيه، وكانت له رواية عن سحنون؛ ومحمد بن عبد الحكم؛ وفيها، توفيت علية بنت الإمام عبد الرحمن ابن الحكم - رحمه الله -.
وفي سنة 311، كان غزو أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - إلى مدينة ببشتر وحصون رية؛ فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة 310، وهو اليوم السابع عشرين من أذار؛ وفصل غازيا يوم الاثنين مستهل المحرم، وهو اليوم الثاني عشرين من نيسان، بعد بروزه بخمسة وعشرين يوما؛ فسار - رحمه الله - حتى احتل على حصن ببشتر؛ وبادر سليمان بن عمر بن حفصون بمكاتبته، راجيا لصرف عزمه عنه؛ فأعرض الناصر عن محاربته،
(2/183)
________________________________________
وقبول ما تعرض له من مكايدته، وأخذ بالجد والعزم في محاصرته، وقطع باقي ثمراته وكرماته، واصطلام معائشه. وأقام عليه سبعة أيام، يصل الغدو بالرواح في التغيير والتدمير والنكاية والاستبلاغ؛ وفعل كذلك فيما بقى من حصونه، كحصن قرذارش، وحصن نجارش، وحصن ألجش، وشنت ببطر؛ فخرج إليه حفص بن عمر بن حفصون، وتبرأ من حصن قامرة؛ فأمنه أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله -، وأقره في بعض حصونه، لما رآه من السياسة ووجه المصلحة فيه وفي سليمان أخيه. ثم تقدم إلى مرسى شاط والمنكب، وحصن مشكريل، ونهض بعساكره في وعر لم يقتحمه جيش قبله؛ فاستنزل جميع أهل تلك الحصون، واستصلح تلط الجهات. ثم قصد جبل ببشتر، وقد كان أهله أرادوا الفتك بسليمان بن حفصون، وضبطوا القصبة دونه، وأطلقوا من كان في حبسه، وانتهبوا أكثر أمتعته؛ ثم إنه احتال مع بقية أصحابه، حتى دخلوا المدينة، وفتحوا له بابها؛ فدخل منه متلثما، وأطمع السواد في أموال القائمين عليه؛ فثاروا معه، وبادروا إلى قتل من ظفر به منهم؛ فأفنى أكثرهم؛ وسلط الله بعض الكفرة على بعض، ليمحو آثارهم. وبقى سليمان بجبل ببشتر مشغولا بنفسه، مرتابا ممن حوله؛ فاحتل به أمير المؤمنين مرَّة ثانية في غزاته هذه، وذلك يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول؛ فلم يكن لأحد من الكفرة إطلال عند اضطراب العسكر على ما كانوا تعودوا من قبل؛ وأرتب على الجبل أمير المؤمنين من وثق به من رجاله، وألزمهم مواضع في جميع جهاته. ثم قفل، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وقد استتم في غزاته تسعة وستين يوما.
وفي هذه السنة، كانت وقيعة بقيرة ومحاصرة أهل بنبلونة لعبد الله محمد ابن لب، حتى تغلب عليه وعلى من كان معه، وأسرهم العلج شانجه؛ ثم قتلهم. وكان مع ابن لب في حصن بقيرة مطرف بن موسى بن ذي النون، ومحمد بن محمد ابن عمه، ووجوه رجالهم؛ فذهبوا في هذه الوقيعة بأجمعهم. وشنع الحادث
(2/184)
________________________________________
فيها على الناصر - رحمه الله - فأخرج عبد الحميد بن بسيل قائدا إلى الثغر الأقصى، بعد أن استوزره؛ وكان على خزانة المال؛ فنهض حتى احتل الثغر بجيوش كثيفة، أخرجت معه، وحشدت إليه من الثغر وغيره؛ فدخل مدينة تطيلة وملكها.
وفيها، افتتحت قصبة مورور.
وفيها، ولي محمد بن أحمد بن حدير خطة العرض، وعزل محمد بن محمد ابن أبي زيد عن الشرطة الصغرى، ووليها يحيى بن يونس القبرسي.
وفيها، توفي عبد الرحمن ابن الإمام المنذر - رحمه الله -. وتوفي جهور بن عبد الملك، وهو قائد شذونة. وفيها، قتل عبد الله بن محمد بن مروان الجليقي، صاحب بطليوس، دخل عليه بعض أهل الموضع، فقتلوه. وفيها هلك أرذون بن إذفنش صاحب جليقية، وولي مكانه فلوبرة.

غزاة الناصر إلى بنبلونة
وفي سنة 312، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - إلى دار الحرب، وهي الغزوة المعروفة ببنبلونة؛ فبرز - رحمه الله - لهذه الصائفة مبكرا قبل ميقات الصوائف، إذ أحفظه ما دار على بني لب وبنى ذي النون بحصن بقيرة؛ فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة، وهو اليوم الثاني عشر من شباط سنة 311. وفصل من قرطبة يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة 12، وهو اليوم السابع عشرين من نيسان، وذلك بعد بروزه بثلاثة وأربعين يوما. فاحتل لأول خروجه بمحلة بالش، وكسر بها يومين، متلوما على المجاهدين معه من أجناده ورعيته، والمحشودين من أقطار كورة. وتخلف - رحمه الله - بالقصر بقرطبة وليَّ عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله -، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وأم الناصر رضه
(2/185)
________________________________________
في أول خروجه كورة تدمير وكورة بلنسية، واستصلح أحوال أهلهما، واستنزل عبد الرحمن بن وضاح، ويعقوب بن أبي خالد التوبري، وعامر بن أبي جوشن، وغيرهم، من مواضعهم التي كانوا متأمرين فيها، ومتعاصين عن النزول منها. وأرتب القواد والجيوش على محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ، إذ يمنع من النزول إليه والغزو معه؛ وكان يمدينة العسكر من أحواز بلنسية.
ثم نهض أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في عساكر كعدد الحصى، حتى دخل ثغر تطيلة. وخرج إليه النجيبيون وغيرهم، وتلقاه عمال الثغر في جنود عظيمة، وعدة كاملة؛ فدخل - رحمه الله - بلاد المشركين يوم السبت لأربع خلون من ربيع الآخر بأنقذ عزم، وأوكد حزم، وأقوى نية في الانتقام لله عز وجل ولدينه من الأرجاس، الكفرة الأنجاس. فحل من أول بلادهم حصن قلهرة؛ وكان العلج شانجه قد أخلاه؛ فأمر بهدمه وإحراق جميع ما فيه وحوله؛ ثم تنقل عنه إلى موضع يعرف ببيطرة التة؛ وكانت حوله حصون مانعة؛ فأخلاها الكفرة، وتخلقوا في بسيطها جميع أمتعتهم وأطعمتهم، إذ عوجلوا عن انتقالها. ولجأ علوج منهم بأهلهم وولدهم إلى ثلاثة غيران في شفير جرف على النهر؛ فلم يزل أهل العسكر يتعلقون إليهم فيها، ويتسورون عليهم من أعاليها، حتى فتح الله تلك الغيران عليهم؛ فقتلوا العلوج وسبوا الذرارى، وغنموا الأمتعة. وكان ذلك أول ما أفاء الله - عز وجل - على أهل العسكر، وغنمهم إياه. وهدمت حصون الكفرة التي كانت في تلك الجهة؛ ولم يبق منها صخرة قائمة.
ثم تنقل - رحمه الله - من هذه المحلة، بعد أن كسر بها يوما، إلى حصن فالجش؛ فأضرمت أرباضه نارا، واستقصيت زروعه ونعمه انتساقا وتغييرا. ثم ارتحل رضه إلى حصن نفالية؛ وكان من حصونهم الشريفة؛ فألقيت الأطعمة به كثيرة، والنعم فيه فائضة؛ فانتهب المسلمون جميع ذلك، ودأبوا في تخريب الديار، وتغيير الآثار. ثم ارتحل منه إلى حصن قرقستال على وادي أرغون؛ ثم استعزم الناصر - رضي الله عنه - على الإيغال في بلدهم، والتوصل إلى موضع قرارهم،
(2/186)
________________________________________
ومجتمع كفارهم، ونكايتهم في عقر دارهم، ومكان أمنهم؛ فأخذ في الحزم، وعهد بضبط مجنيات العسكر، وتقدم من فج المركوبر في أمكّ تعبئة وأهذب ترتيب، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر؛ فدخلت الجيوش مواضع لم تدخل قبل ذلك، وأحرقت الحصون، وهدمت الديار، حتى نزل بقرية بشكونشة، التي إليها ينسب العلج، ومنها أصله؛ فهدمت مبانيها، أحرق كلُّ شئ كان فيها.
فجمع العلج شانجه كفرته، واستمد بنصرانيته من كل مكان، طمعا أن بغاث منه حتى توافى له جمع رجا أن يكافح المسلمين به؛ فتطلعت له خيل على تلك الأجبل المنيفة على العسكر، وذلك ليلة الأربعاء للنصف من شهر ربيع الآخر؛ فأمر الناصر - رحمه الله - بالتعبئة للرجال، وشك العسكر، وإتقان النظر؛ وصابح النهوض والتقدم لوجهته، واثقا بالله - عز وجل - ومتوكلا عليه؛ فسلكت الجيوش بين أجبل شامخة وشواهق منقطعة. ورجا أعداء الله مع ذلك بانتهاز الفرصة والاعتراض للمسلمين في مجنبة أو ساقة؛ فلما توسط الجيش بعض تلك المواضع المتضايقة على واد يعرف بوادي هيغة، هبطت للمشركين خيل من الأجبل؛ فحالت بينهم وبين أهل العسكر مناوشة يسيرة. فعهد أمير المؤمنين - رحمه الله - برفع المظل والتعبئة للحرب، ونهض المسلمون إلى أعدائهم نهوض الأسود؛ فعبروا النهر إليهم، وصمموا بالحملة عليهم، حتى اقتلعوهم عن موضعهم، وهزموهم، ووضعوا سيوفهم ورماحهم فيهم، حتى اضطروهم إلى مرتقى وعر وجبل منقطع؛ فتقحم المسلمون عليهم، وسهل الله وعره لهم؛ فقتلوا جملة منهم، وبسطت الأرض بأجسادهم. واستمرت الخيل المغيرة في بسيطهم؛ فأصابت الغنائم والسوام وضروب النعم، وانصرفوا سالمين، لم يصب منهم غير يعقوب بن أبي خالد التوبري، ونفر يسير من الحشم فازوا بالشهادة، وختم الله لهم بالسعادة.
(2/187)
________________________________________
واجتمع من رؤوس المشركين عدد عظيم منع من البعثة بها إلى قرطبة بمنع الطريق وبعد المسافة.
ثم ارتحل أمير المؤمنين رضه إلى محلة لتبيرة؛ ثم إلى محلة لغين؛ والجيوش لا تمر بموضع إلا اصطلمته، وتعلقت زروعه، وهدمت قراه وحصونه، إلى أن بلغ رضه مدينة بنبلونة؛ فوجدها خالية مقفرة؛ فدخلها - رحمه الله - وجال بنفسه عليها، وأمر بهدم جميع بنيانها، وتخريب كنيسة الكفرة بها، التي كانت يبعثهم موضع نسكهم، حتى لقد جعلت قاعا صفصفا. ثم تنقل - رضي الله عنه - منها إلى صخرة قبس؛ وكانت بها كنيسة قد شيدها العلج، وأتقنها، وطاول الأيام بالتأنق فيها، والتحصين لها؛ فلما حلت بها الجيوش وأخذت في هدمها، تطلع الكلب من جبل كان أسد إليه، طامعا في حمايتها؛ فداخله أولياء الله بأسرع من لحظة الطرف. حتى اقتلعوه مهزوما موليا، وصرع من فرسانه ووجوه أصحابه من كان عنه محاميا ودونه مستهلكا؛ وأخربت الكنيسة وما أحاط بها، وعادت القرية نارا موقدة.
ثم تنقل منها إلى محلة اسارية؛ وكان في ممره إليها فج يقال له هرقلة ضيق المسلك، وعر المجاز؛ فرام الكفرة انتهاز فرصة من المسلمين فيه؛ فأمر الناصر - رحمه الله - بالتعبئة والاحتراس، ونهض على أتم التحفظ والضبط، حتى جاورت العساكر ذلك المضيق، وخرجت عنه وتظاهر أعداء الله لأخل الساقة، متسنمين لأعلى جبل؛ فنهضت الخيل إليهم، وهزمتهم، وقتلت طائفة منهم. وانقشعوا مدبرين لا يلوون ولا يعرجون. وتقدم المسلمون بعزة القهر، وسرور النصر، حتى نزلوا محلة إسارية. ثم ارتحل الناصر - رحمه الله - منها إلى محلته بقرية منيير؛ ثم تنقل إلى محلته بدى شره المجاورة لشنت اشتبين؛ وكان موضع " استركاح " العلج شانجه، ومكان طمأنينته؛ فحلت الجيوش بهذه المحلة يوم الأربعاء لثمان بقين من ربيع الآخر، وتظاهر الكلب على الجبل، قد جمع جموعه، وحشد رجاله، واستجاش بمدود انته من آلبة والقلاع، طامعا في معارضة المسلمين، يقيم
(2/188)
________________________________________
بها عذره عند كفرته، وأهل ملته؛ فناشبهم المسلمون الحرب، والتحم بينهم القتال؛ فهزم الله جموع المشركين، وانقبضوا إلى أعلى جبلهم، وتفرقوا في شعراء متصلة بهم. وبات أهل العسكر في مجلتهم. وانبسطت العلاقة في القرى؛ فانتسفت ما فيها. ثم انتقل الناصر إلى محلته بموضع يعرف بربية سرته، وهو يريد فلهرة. وتظاهر العلج بجموعه مرة ثانية في الموضع الذي كان مشرفا فيه، ومعتصما به؛ فتبادر إليه الفرسان؛ فانهزم أقبح انهزام. وقتل له رجال وعقرت له خيل.
وتنقل الناصر - رحمه الله - إلى حصن قلهرة؛ فألقاه خاليا، وأمر بهدمه ثم تنقل إلى حصن بلتميرة، وهو من حصون المسلمين المجاورة للمشركين؛ فعهد بادخار الأطعمة عندهم، وتفريق الأموال فيهم. واحتل بمدينة تطيلة. وكسر بها، وذلك يوم الأثنين لثلاث بقين من ربيع الآخر، ورحل عنها قافلا، وجعل مروره ببني ذي النون؛ وكان يحيى بن موسى قد استراب، وتوقف عن الجهاد، فدارت عليه معرة الجيش، حتى أذعن منقادا، وخرج خائفا وجلا، وتلقى أمير المؤمنين معترفا بذنبه؛ فأوسعه عفوه؛ وفعل مثل ذلك يحيى بن أبي الفتح ابن أخيه، ودخل أمير المؤمنين - رحمه الله - قرطبة يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولي، وقد استتم في غزاته هذه أربعة أشهر.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 19 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

وفي سنة 313، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة إلبيرة، ومنازلته حصن اشتين، وإستصلاحه الأحوال بكورة جيان وما والاها؛ فبرز - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 313، وهو اليوم السابع من نيسان، وفصل غازيا يوم الخميس لثمان بقين من صفر، وهو اليوم السابع من أيار، وذلك بعد بروزه بإثنتين وأربعين يوما؛ وتخلف في القصر بقرطبة وليَّ عهده الحكم المستنصر بالله. ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة محمد بن عبد الله الخرَّوبي؛
(2/189)
________________________________________
واستقدم سعيد بن المنذر الوزير من كورة تدمير، ليغزو معه. وأخرج محمد ابن إسحاق مديلا له؛ فاحتل في طريقه بحصن المنتلون من كورة جيان، وأنزل عنه عبد الله بن سعيد بن هذيل، وعزله عن سائر الحصون التي كانت بيده؛ واستعمل على الجميع عبد العزيز بن مسلمة وعبد الله بن عمرو بن مسلمة؛ وعهد بهدم أكثر حصون جيان وقصابها، إذ كانت مستركحا لأهل الشر والخرف، وضررا على أهل الطاعة والاستقامة؛ وكذلك ما فعل بحصون إلبيرة، حتى احتل بحصن اشنين يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ وكان أهله على مكايدة باطنة، وإظهار طاعة تحتها مداهنة؛ فعرض عليهم الناصر النزول عن حصنهم إلى البسيط حوله؛ فاضطربوا في أمرهم، ولاذوا عن رشدهم؛ فاحتلت العساكر بهم، وأخذ بالجد والعزم في محاصرتهم، وأحيط بهم من جميع جهاتهم، وبنيت عليهم ستة حصون يقابل بعضها بعضا، حتى عادوا في مثل حلقة الخاتم ضيقا وحصارا. وبقى الناصر على محاصرتهم خمسة وعشرين يوما، وهو يدأب مع ذلك في استصلاح أمور رعيته، وتأمين سبلهم، وقطع المخاوف عنهم، ويشخص بنفسه إلى مل جهة من جهاتهم.
وفي هذه الغزاة، استجلب الناصر وليَّ عهده وعماد أنسه الحكم المستنصر بالله من قصر قرطبة إلى معسكره، وهو في ذلك الوقت ابن عشرة أعوام وثمانية أشهر ونصف، إذ استوحش له، وتاقت نفسه الكريمة إليه؛ فقدم عليه - أبقاه الله - بهذه المحلة مع ثقات رجاله وفتيانه؛ واستخلف له في القصر أخوه عبد العزيز لينفذ الكتب باسمه إلى وقت منصرفه. فأنس - رحمه الله - به، وسر بقربه. وقفل الناصر من هذه الغزاة يوم الجمعة لست خلون من ربيع الآخر، بعد أن أرتب الوزيرين سعيد بن المنذر وعبد الحميد بن بسيل على حصن اشتين، محاصرين لأهله في كثف من الحشم. ودخل القصر بقرطبة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وقد استتم في غزاته خمسين يوما.
(2/190)
________________________________________
وفي هذه السنة، ولي خلف الفتى الكبير الطراز.
وفي شوال منها، ولي يحيى بن يونس القبرسي السوق. إذ اعتل أحمد بن بهلول على أبطلته عن الحركة؛ ثم ولي يحيى بن يونس المواريث في ذي القعدة، وولي عبد الله بن محمد الخروبي خزانة السلاح.
وفيها، صلب على الرصيف بباب قصر قرطبة الرامي المعروف بأبي نصر؛ وكان قد ذهب به الصوت في الرماية والإصابة أيام عمر بن حفصون؛ فصلب؛ ثم رمى بالنبل حتى أصيبت جوارحه ومقاتله؛ وبقي في الجذع أياما؛ ثم أحرق.
وفيها، توفي ابن الناصر يسمى بمحمد. وفيها، مات بن حزم العوفي من أهل سرقسطة، في شهر رمضان؛ وكان كثير الرواية، بصيرا باللغة؛ وله رحلة سمع فيها من بعض الفقهاء بالمشرق. وفيها، هلك فلويرة صاحب جليقية، وولي إذفنش؛ ثم ترهب، وولي أخاه رذمير مكانه في سنة 19.
وفي سنة 314، كان إغزاء الناصر - رحمه الله - قواده بالصوائف؛ ولم يكن له غزو بنفسه في هذا العام لمحل كان فيه، وقحط شديد؛ فأخرج عبد الحميد بن بسيل الوزير إلى الثغر الذي كان به بنو ذي النون؛ فأوقع بهم إذ كانوا قد مرقوا عن الطاعة، وأكثروا الفساد في الأرض، والاستطالة على من جاورهم من المسلمين؛ فقتل منهم من استحق القتل، وافتتحت مدينة سرتة؛ وكان أهلها على خلاف وخلعان للطاعة؛ فدرت جبايتها من ذلك الوقت، وصارت بسيل سائر الكور المستقيمة الأحوال. ثم صدر عبد الحميد بن بسيل من ذلك الثغر، وقد استقامت على يديه أحوال أهله؛ فأخرجه الناصر إلى مدينة ببشتر، محاصرا لسليمان بن حفصون في جملة القواد المحاصرين له؛ وأخرج - رحمه الله - أفلح صاحب الخيل مولاه إلى سليمان بن حفصون أيضا؛ فنازله وحاصره، وفتح حصن منت روبي؛ وكان من أمنع معاقله.
(2/191)
________________________________________
ذكر قتل سليمان بن حفصون
وفي هذه السنة، قتل سليمان بن عمر بن حفصون؛ وكان قد ركب وخرج عن مدينة ببشتر معارضا لبعض الحشم المغاورين له من العسكر؛ فتبادرت إليه الخيل من الجهة التي كان فيها عبد الحميد الوزير؛ فصرع سليمان عن فرسه؛ فاحتز رأسه سعيد بن بعلي العريف المعروف بالشفة؛ وكانت قد واقعته قبل ذلك طعان على يدي محمد بن يونس العريف وبعض بني مظاهر العجم؛ وقطعت يداه ورجلاه، وذلك يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة من سنة 314. وبعث الوزير عبد الحميد برأسه وجثته ويديه مبعضة مفترقة؛ فرفعت على باب السدة بقرطبة في خشبة عالية؛ وكان الفتح فيه عظيما سارا لجميع المسلمين.
وفيها، ورد الخبر بهلاك العلج شانجه صاحب بنبلونة.
وكان القحط في هذا العام شديدا، والمحل عاما؛ فاستسقى بالناس الخطيب أحمد بن بقى صاحب الصلاة مرارا؛ ونفذت الكتب إلى الكور في الاستسقاء؛ فوافى نزول الغيث مع رفيع جثة سليمان بن حفصون صليبة على باب السدة. فقالت في ذلك الشعراء أشعارا كثيرة، منها (طويل) :
سَحابٌ يَمُورُ الغَيْثُ وَدِيمةٌ ... دِماء العِدَى تَهمِي بها وتَفلإورُ
غِياثانِ فينا واكِفانِ من الحَبَا ... ولكِن ذا رِجْسٌ وذاكَ طَهورُ
وَذَاكَ نَجِيعٌ لَيسَ يقبلهُ الثَّرى ... وذا ناجِعٌ يَسرِي بِهِ وبَغورُ
تَدَنستِ الدُّنيَا به فتطَهَّرَت ... بُطونٌ لها من رِجِسِهِ وظُهُورُ
وفيها، ولي محمد بن عبد الله الزجالي الوزارة يوم السبت للنصف من جمادى الأولي.
(2/192)
________________________________________
وفيها، عزل أسلم بن عبد العزيز عن قضاء الجماعة بقرطبة لعلة أقعدته وولي أحمد بن بقيّ القضاء مع الصلاة.
وفيها، ولي أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف خزانة المال. وولي عبيد الله بن عبد الله الزجالي العرض. وولي خزانة السلاح حسين بن محمد بن عاصم، وأحمد بن يحيى بن حسان، وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف.
وفيها، توفي أصبغ ابن الأمير المنذر، وفيها، توفي محمد بن عمر بن لبابة الفقيه، ليلة الاثنين لخمس بقين من شعبان؛ وكان مولده مستهل رجب سنة 226؛ وكان عالما بالفتيا، حسن الدين، مستقيم الحال من حداثته إلى وقت وفاته.
وفيها، توفي محمد بن عبد الله الخروبي، صاحب المدينة، مستهل صفر؛ وولي المدينة مكانه عيسى بن أحمد بن أبي عبدة بعد وفاته إلى ثمانية أيام.
وفي سنة 315، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - إلى مدينة ببشتر لمحاربة حفص بن عمر بن حفصون؛ فبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة 315، وهو اليوم التاسع عشر من نيسان، وفصل غازيا يوم الاثنين للنصف من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، وذلك بعد بروزه باثنين وثلاثين يوما. وأغزى مع نفسه ولي عهده الحكم المستنصر بالله، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وتسعة أشهر ونصف، وتخلف في القصر عبد العزيز شقيق ولي العهد، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه عيسى بن أحمد الوزير. فنزل الناصر بجيوشه وخيله وعدده على مدينة ببشتر يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الآخر، وزاد عزما في البنيان عليها، والجد في محاصرتها، وأرتب بها من الفؤاد من يلازمها، وتنقل منها إلى مدينة الحنش؛ فاستنزل من كان فيها، وأخلاها من ساكنيها، وأمر بهدم أسوارها وتعفية آثارها؛ وباشر ذلك ولي عهده مع الحاجب موسى بن محمد مولاه.
ثم أم الناصر حصن شنت بيطر وما قرب منه من الحصون؛ فنازلهم) ،
(2/193)
________________________________________
وقطع ثمارهم وكرومهم، واصطلم معايشهم؛ ثم تنقل بجيوشه إلى مدينة مالقة؛ فنظر بمثل ذلك في الحصون المجاورة لها، وولي مدينة مالقة عبد الملك بن العاصي، وألزم معه جملة من الحشم لمغاورة أهل تلك الحصون، وأمره بحمل السيف على كل داخل إليهم أو خارج عنهم. ثم صدر إلى مدينة ببشتر؛ فاضطرب عليها ثانية من ناحية لماية، ورأى أن البنيان بها من أنكى الأمور للكفرة وأشدها عليهم؛ فأمر ببنيان صخرة للأول تعرف بالمدينة، وقدم لذلك أحمد بن محمد بن إلياس، وصرف إليه كورة تاكرنا، وما اتصل بها من لماية. وألزم عبد الحميد بن بسيل الوزير مكانا يشرف منه على مجمع الطرق، ويحترس فيه بالمنتشرين من أهل العسكر في العلاقات وطلب المرافق، والمختلفين إليه من كل موضع. وأقام بمحلته هذه سبعة أيام، لم يدع فيها للكفرة مرتفقا ولا معاشا. ثم انتقل إلى محلة طلجيرة؛ فعهد بالبنيان فيها، وأقام بها حتى كمل بها شأن مدينة ألزمها سعيد بن المنذر الوزير. ورأى الناصر صرف ولي عهده إلى قصر قرطبة إيثارا لصيانته ومعاودته إلى تأدبه؛ فوجهه مع ثقات رجاله، وفيهم درى بن عبد الرحمن، صاحب الشرطة العليا، ومحمد بن أحمد بن حدير العارض؛ فبلغوه القصر وانصرفوا عن باب السدة إلى العسكر؛ ولم يتقدم أحد منهم إلى داره، ولا دخل منزله، ولا رأى أحدا من أهله. ثم قفل - رحمه الله - يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، ودخل قصر قرطبة يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وستين يوما.
وفي هذه السنة، أغزى الناصر دُرِّيَّ بن عبد الرحمن، صاحب الشرطة. مولاه، إلى ابن الزيات؛ فلما قرب منه، خرج هاربا؛ وظفر دُرِّي في وجهته هذه بهابل، قائد كان لابن حفصون، وبأصحاب له؛ فأسرهم وأوثقهم بالحديد، وقدم بهم قرطبة؛ فصلبوا في المرج الذي بين يدي القصر، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر رمضان.
(2/194)
________________________________________
وفيها، ولي فطيس بن أصبغ الوزارة، وعيسى ابنه الخزانة، وعبد الله بن محمد بن عبد الله الخروبي العرض، وعبيد الله بن عبد الله الزجالي المواريث.

ذكر افتتاح مدينة ببشتر
ولما اشتدت المحاصرة على حفص بن عمر بن حفصون بمدينة ببشتر، وأحبط به بالبنيان عليه من كل جانب، ورأى من الجد والعزم في أمره ما علم ألا بقاء لبه معه في الجبل الذي تعلق فيه، كتب إلى أمير المؤمنين الناصر، يسأله تأمينه والصفح عنه، على أن يخرج عن الجبل مستسلما لأمره، راضيا بحكمه. فأخرج إليه الناصر الوزير أحمد بن محمد بن حدير، وتولى هو وسعيد ابن المنذر إنزاله من مدينة ببشتر. ودخلها رجال أمير المؤمنين الناصر وحشمه، يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة من السنة. واستنزل حفص والة وجميع النصارى الذين كانوا معه، وقدم بهم أحمد بن محمد الوزير إلى قرطبة مع أهلهم وولدهم. ودخلها حفص في مستهل ذي الحجة؛ وأوسعه أمير المؤمنين صفحة وعفوه، وصار في جملة حشمه وجنده. وبقي الوزير سعيد بن المنذر بمدينة ببشتر ضابطا لها، وبانيا لما عهد إليه من بنيانه وإحكامه منها.
وفيها، مات أحمد ابن الأمير محمد - رحمه الله - بمدينة إستجة. وتوفي الوزير محمد بن عبد الله الزجالي في شعبان، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وتوفي العارض محمد بن أحمد بن حدير في آخر هذا العام؛ وكان حدثا، قد توجه ذكره، وتمكن محله؛ فعظم أسف الحاجب عمه والوزير أبيه عليه؛ وولي الناصر خطته أخاه موسى بن أحمد بن حدير، وهو صغير، لم يبلغ الحل، تعزية لأبيه وعمه عن المفقود وإحياء لذكره. وفيها، مات أبو سليمان داود بن هذيل ابن منان من أهل طليطلة بقرطبة؛ وكان راوية للنسائي وغيره، وحمل عنه الحديث جماعة من أهل قرطبة.
(2/195)
________________________________________
وفي سنة 316، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى مدينة ببشتر، بعد افتتاحها، لتدبير أمرها وإحكام ضبطها؛ ففصل من قرطبة دون بروز، يوم الثلاثاء للنصف من المحرم، وهو السابع من آذار؛ وأغرى مع نفسه وليَّ عهده الحكم المستنصر بالله؛ وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه عيسى بن أحمد؛ وكان الحاجب موسى بن محمد عليلا، فلم يغز في هذا العام. وكانت الطريق على مدينة إسنجة، ثم إلى أشونة. واحتل بحصن ببشتر يوم الأحد لعشر بقين من المحرم؛ فدخل المدينة، وجال في أقطارها، وعاين من شرفها وحصانتها، وعلو مرتقاها، وانقطاع جبلها مع جميع جهاته، ما أيقن معه ألا نظير لها في الأرض حصانة ومنعة واتساع قراراة. فأكثر من حمد الله - عز وجل - على ما افتتح له منها، ويسر له فيها؛ والتزم الصوم أيام مقامه بها. ثم دبر بنيان قصبتها على أحسن ما دبره وأحكمه في غيرها؛ وفرق رجاله على هدم كل حصن كان حواليها وعلى الديارات الخارجة عنها. وأمر بنبش جيفتي عمر بن حفصون وابنه؛ فكشفت قبورهما؛ فألقيا مدفونين على ظهورهما، كما يتدافن النصارى؛ وشهد ذلك عامة الفقهاء الغازين مع الناصر - رحمه الله -، وأيقن جميع من شهد ذلك بهلاكهما على دين النصرانية؛ فأستخرجا من لحودهما، وأتى بأعطمهما الرجسة إلى باب السدة بقرطبة؛ فرفعت في جدوع عالية إلى جنب الملحد سليمان بن عمر، وصاروا عظة للناظرين، وقرت بهم عيون المسلمين.
وقلد الناصر أمر مدينة ببشتر والضبط لها وإكمال البنيان فيها سعيد بن المنذر. واستنزل أهل حصون شنت بيطر ويمارش وجطرون وغيرها من المعاقل، وهبطوا من أجبلهم، وتفرقوا في بسيطهم، واستقصيت الحصون خرابا ونسفا؛ ولم يبق للنصرانية بتلك الجهة حصن مذكور، ولا معقل معمور. وعادت
(2/196)
________________________________________
كورة رية، على كثرة ما كان فيها من الحصون المانعة والمعاقل القائمة، ليس فيها جبل مضبوط، ولا بها عدو محذور. واحتمل على مثل ذلك في حصون تاكرنا وحصون مغيلة، إلا ما وجب التمسك به منها. ونظر في إزعاج من وجب إزعاجه إلى قرطبة، ممن كانت نفسه تائقة إلى الفتنة، ليكون الناس أمة واحدة، ورعية ساكنة وادعة. وقدم عبد الحميد بن بسيل الوزير إلى كورة شذونة، لهدم حصونها، وتبسيط أهلها، وجمعهم إلى مدينة قلسانة، التي هي قاعدة الكورة. وأمر باستنزال بني داود عن الحصون التي كانوا فيها، وولاها من عماله وثقات رجاله من يحسن السيرة في رعية تلك الجهة. وكانت سفرته أيمن سفره، وأجمعها لكل خير وصلاح. والحمد لله! ثم قفل بوم الأحد لخمس خلون من صفر؛ فدخل منية الناعورة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وقد استتم في سفرته هذه ستة وعشرين يوما.
وفيها، افتتح أحمد بن إسحاق القائد القرشي مدينة لفنت من تدمير، ومدينة قليوشة؛ واستنزل عنها وعن القصاب التي كانت حواليها بني الشيخ، وقدم بهم إلى قرطبة، يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شعبان. واستنزل في هذا العام بنو أبي جوشن من معاقل بلنسية، وكانوا في نحو ستين رجلا، وقد أهملوا أنفسهم في الفتنة، وتعرضوا لما نزل بهم من النقمة؛ فأمر الناصر بتمييز أهل الجرائر منهم، والتشريد بهم؛ فقدم من استحق القتل منهم إلى المرج بين يدي قصر قرطبة، وضربت رقابهم فيه يوم دخولهم.
وفي هذه السنة؛ عزل فطيس بن أصبغ عن الوزارة، وولي أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف المدينة وعزل عنها عيسى بن أحمد بن أبي عبدة؛ وقيل ذلك ما كان عزل جميع خزان المال، وكانوا خمسة، وهم: سعيد بن سعيد بن حدير، وأحمد بن موسى بن حدير، وأحمد بن عبد الوهاب المنقول إلى المدينة، وخالد بن أمية بن شهيد، وعيسى بن فطيس؛ وولي الناصر مكانهم أربعة خزان، وهم: محمد بن جهور، وأحمد بن عيسى بن أبي عبدة، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، وأحمد بن محمد بن أبي قابوس.
(2/197)
________________________________________
وفيها، أمر الناصر بإقامة دار السكة داخل مدينة قرطبة، لضرب الدنانير والدراهم؛ وولي الخطة أحمد بن موسى بن حدير يوم الثلاثاء عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان؛ وأقام الضرب فيها من هذا التأريخ من خالص الذهب والفضة؛ وصحح في ذلك أحمد بن موسى وتحفظ. وكانت مثاقيله ودراهمه عيارا محضا.
وفيها، خرج أحمد بن إلياس القائد غازيا إلى كور الغرب؛ فافتتح مدينة ماردة، ومدينة شنترين بلا حرب، ونزلوا إليه بالأمان، ووفاهم غاية الإحسان.
وفي هذه السنة، رأى الناصر أن تكون الدعوة له في مخاطباته والمخاطبات له في جميع ما يجري ذكره فيه، بأمير المؤمنين، لما استحقه من هذا الاسم الذي هو له بالحقيقة، ولغيره بالانتحال والاستعارة؛ فهو أبر أمراء المؤمنين والهداة الفاضلين، والأبرار المنقين، من كل منتخب في المشرق والمغرب، وقائم بالحق، وسالك لسبيل الهدى والرشد؛ فعهد إلى أحمد بن بقيّ القاضي صاحب الصلاة بقرطبة بأن تكون الخطبة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بذلك. ونفذت الكتب إلى العمال فيه، بما اجتلبنا نسخته لما فيها من إيعاب القول، واستبقاء الحجة، وظهور الحقيقة. ونسخة الرسالة النافذة في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنا أحق من استوفي حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على أيدينا إدراكه، وسهل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا. والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه! وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه. وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه. فأمر الخطيب
(2/198)
________________________________________
بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله. والله المستعان! وكتب يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة 316.
وفيها، عزل أفلح ودرى موليا الناصر عن الخيل والشرطة. وولي الخيل عبيد الله الزجالي، والشرطة أحمد بن أبي قابوس. ثم أعيد أفلج إلى الخيل، ودريٌّ إلى الشرطة بعد شهر.
وفيها، تولي إبراهيم بن محمد بن اللبرقي خطة العقل.
وفيها، عزل غالب بن محمد بن عبد الرؤوف عن خطة الضياع، ووليها محمد بن عبيد الله بن مضر، في انسلاخ جمادى الآخرة. ثم عزل عنها ابن مضر، ووليها خلف بن أيوب بن فرج الكاتب؛ وكان يكتب للحاجب موسى بن محمد، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وفيها، توفي محمد ابن الإمام المنذر؛ وتوفي أحمد بن يحيى بن قاسم بن هلال الفقيه؛ وكان منقبضا، خيرا، صالحا، بصيرا بالوثائق وعللها؛ وتوفي سعيد ابن إبراهيم الفقيه، وكان يلبي الصلاة بكورة رية؛ وتوفي محمد بن هشام القرشي المعروف بابن الشبانسية بكورة شذونة، وهو وعاملها.
وفي سنة 317، كان ظهور المحل، واحتباس الغيث، وغلاء الأسعار؛ فعهد الناصر بالاستسقاء بجامع قرطبة يوم الجمعة لليلة بقيت من المحرم، وذلك في شهر آذار. واتصل الاستسقاء في الجامع ومصلى الربض ومصلى المصارة.
وفيها، كانت غزاة الناصر إلى مدينة بطليوس، لمحاربة أهلها وابن مروان المنتزي عليه فيها؛ فبرز - رحمة الله عليه - لغزاته هذه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول، وهو اليوم الثالث عشرين من نيسان؛ وفصل من قصر قرطبة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وهو اليوم الرابع عشرين من أيار، وذلك بعد بروزه بأحد وثلاثين يوما. وأغزى معه ولي عهده الحكم المستنصر بالله، وابنه منذرا، وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى
(2/199)
________________________________________
المدينة أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف. وكان احتلاله بالجيوش على مدينة بطليوس يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر. وواضعهم الحشم القتال في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم، وتقحموا عليهم داخل أرباضهم، وقتلوا منهم في ثاني احتلالهم عليهم جملة بعثت رؤوسهم إلى قرطبة. وقطعت ثمارهم، وأحرق ما أخلوه من ديارهم خارج سورهم؛ وبقوا محصورين في المدينة. وأقام عليهم الناصر عشرين يوما؛ ثم أبقى عليهم أحمد بن إسحاق في قطيع من الجند، وانتقل إلى جهة ماردة؛ فأصلح الأحوال بها، وولاها محمد بن إسحاق، وندب معه عدة من الحشم) . ثم عاد - رحمه الله - إلى مدينة بطليوس؛ فاضطربت عساكره عليها من غير الجهة التي كانت اضطربت فيها أولا؛ وتولي من نكايتهم وأليم محاصرتهم، ما أذاقهم به وبال عصيانهم، وعاقبة غيهم، وضلالهم. ثم أرتب عليهم أحمد بن إسحاق قائدا في جيش كثيف، ورجال منتقين، وعدد كاملة، وأمره بالتشدد في حصرهم، والاستبلاغ في مضايقتهم. وانتقل ناهضا إلى مدينة باجة؛ فنزلها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، واضطربت عساكره عليها، وتقدَّم بالإعذار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن مالك الذي كان بها، ودعاه إلى الطاعة؛ فلاذ والتوى؛ فتصبت المجانيق عليه، وحورب أشد محاربة، وقتل من رجاله عدد كثير. وانحطت بعض أبراج المدينة بمن كان عليها؛ فضربت رقابهم بين يدي المظل؛ فاستأمن عبد الرحمن بن مالك، وأهله، وجميع أهل باجة أمير المؤمنين الناصر، وخضعوا لأمره، ونزلوا على حكمه؛ فأوسعهم أمانه، وأخرجوا عن المدينة، ونقلوا إلى قرطبة. ودخلها الناصر، وولاها عبد الله بن عمر بن مسلمة، وندب معه فيها قوة، وأكتف له الجمع والعدة، وأمره بابتناء قصبة فيها، ينفرد بها العامل ويسكنها.
وكان مقام الناصر على باجة خمسة عشر يوما. ثم انتقل منها قاصدا إلى مدينة أكشونبة بقرب الساحل الغربي من البحر المحيط؛ فاحتل بها يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة؛ وكان قد افتتح في طريقه حصن الوقاع، وأصاب فيه
(2/200)
________________________________________
لخلف بن بكر صاحب أكشونية أموالا وعدة وسلاحا؛ فغنم ذلك الحشم وأهل العسكر، وصار لهم نقلا. ثم تلقى رسل خلف بن بكر أمير المؤمنين، مظهرا للإنابة، وملتزما للطاعة، ومتوسلا ببعد الدار والقاصية، وأخرج إلى الناصر النزائل، وأقام له الوظائف، والتزم إدرار الجباية الكاملة؛ وأظهر أهل ذلك الجانب فيه رغبة شديدة، ووصفوه بسيرة حميدة، فأقره الناصر عليهم، وفرض عليه من الجباية ما التزم إيراده له في كل عام، وعهد إليه بحسن السيرة، والرفق بالرعية، وألا يقبل نازعا، ولا يكتنف هاربا؛ فالتزم جميع ما أمر به، ووقف عندما حد له.
وقفل الناصر عن مدينة أكشونبة يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ودخل القصر بقرطبة يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وقد استتم في غزاته ثلاثة وتسعين يوما.

مطالعة أمير المؤمنين الناصر لببشتر في الشتاء
وفي هذه السنة، كانت للناصر خرجة من قصر الناعورة، طالعا لببشتر ومعاينا لما قام من البنيان بها، وما تم من ترتيبه فيها. وكان خروجه من منية الناعورة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، ونزوله بجبل ببشتر يوم الخميس لعشر بقين منه. فدخل المدينة، وجال فيها، وأحكم ما له قصد من أمرها؛ ثم صدر عنها في اليوم الثاني، ودخل القصر بالناعورة يوم الثلاثاء لأربع بقين من شوال؛ وكانت مدَّة توجهه وانصرافه ثلاثة عشر يوما.
وترددت الفتوحات في هذا العام بوقائع كانت على أهل بطليوس؛ وبعث أحمد بن إسحاق من أهلها بسبعين أسيرا، وقتلوا صبرا بين يدي قصر قرطبة.
وافتتحت فيه مدينة شاطبة من بلنسية، واستنزل عنها عامر بن أبي جوشن على يدي دريّ بن عبد الرحمن صاحب الشرطة؛ واشترط عامر بسكنى شنت برية، حتى يأخذ في انتقال ثقله وعياله إلى قرطبة.
وفي هذه السنة، ولي الناصر عبد الملك بن عمر بن شهيد، وعيسى بن أحمد
(2/201)
________________________________________
ابن أبي عبدة الوزارة، وسعيد بن سعيد بن حدير الشرطة الوسطى؛ ولم تكن قبل هذه الخطة؛ وفيها، ولي خالد بن أمية بن شهيد الخزانة ولاية ثانية، وولي عبد الرؤوف بن أحمد بن عبد الوهاب خطة العرض.
وفي سنة 318، كان افتتاح مدينة بطليوس وذلك أن أهلها وابن مروان صاحبها، لما أخذهم الحصار، وطاولتهم الحرب، وفنى رجالهم، واستبيحت نعمهم، وقطعت ثمراتهم، ورأوا عزما لا فترة فيه، وجدا لا بقاء لهم عليه، استأمنوا الناصر، وعاذوا بصفحه؛ فأوسعهم ما أوسع أمثالهم قبلهم. واستنزل ابن مروان الجليقي وأهله، وذوى الشوكة من صحبه، وأسكنهم قرطبة، وألحقهم في الملاحق السنية؛ وملك المدينة وولاها عماله، وصارت بسيل كوره.
وفيها، أخرج الناصر لدين الله أهل الثقة من خدمته، والأمانة والتصحيح من فقهاء مصره إلى أهل طليطلة، معذرا إليهم، داعيا لهم إلى الطاعة والدخول فيما صارت إليه الجماعة، إذ كانوا لا يؤدون جباية، ولا يلتزمون طاعة، ولا يتناهون عن منكر ولا معصية؛ فازوا بمعاذير المخادعة، وجاوبوا الناصر بما لم يضغ إليه من غشهم وتمريضهم؛ فاستعزم على غزوهم، وشمر لمناهضتهم وإنزال بأسه بهم. وبرز للغزو في الصائفة إليهم في صدر ربيع الآخر سنة 318، وفي شهر نيسان من العام المؤرخ. وقدم الوزير سعيد بن المنذر إلى مدينة طليطلة في جيش كثير وعدد جم، وأمره بالاحتلال عليها والمحاصرة لها، حتى يلحق الناصر بجيوشه وصنوف حشمه بها. فخرج إليها الوزير يوم السبت لثمان بقين من ربيع الآخر، وأغذ السير نحوها، حتى نزل بساحتها. وأخذ في ما حد له من محاصرتها بأبلغ عزم وأتم حزم؛ ثم فصل أمير المؤمنين إلى مدينة طليطلة يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى، وهو التاسع عشرين من أيار؛ وأغزى مع نفسه ولي عهده الحكم المستنصر بالله ومنذرا ابنه؛
(2/202)
________________________________________
وتخلف في القصر أبنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف.
فلما احتل - رحمه الله - في طريقه بمحلة الغدر، وقرب من حصن مورة الذي كان اتخذه أهل طليطلة شجا على المسلمين ومسترحا للمفسدين، وقدموا عليه منهم مطرف بن عبد الرحمن بن حبيب، قدم إليه من أنذره وخوفه، وأمره بالخروج عن الحصن وإسلامه. فبدر إلى ذلك بدرا لم يجد منه بدا، ولا في الامتناع طمعا؛ ونزل عن الحصن. وأمر الناصر بضبطه؛ ثم نهض بجيوشه المؤيدة، وعزيمته الماضية، حتى احتل محلة جرنكش بقرب طليطلة، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولي. فأشرف من محلته هذه على سهلة طليطلة ونهرها، وأجنتها وكرومها؛ ودبر رأيه في أمكن المواضع من محاصرتها، وأقرب الجهات الآخذة بمخنق أهلها؛ فرأى النزول بمحلة المقبرة على باب المدينة أبلغ في النكاية، وأشد في المضايقة؛ فارتحل إليها في اليوم الثاني، وأخذ في نكاية العصاة، بما لم يجر لهم على ظن) . وأقام بهذه المحلة سبعة وثلاثين يوما، يوالي فيها بنكايتهم، وقطع ثمراتهم، وتخريب قراهم، وانتساف نعمهم، وتحطيم زروعهم. ثم أمر بالبنيان في جبل جرنكش لمدينة سماها بالفتح، وأرتب لبنيانها سعيد بن المنذر الوزير، وأمر بنقل الأسواق إليها، والتمدين لها، لتكثر مرافق أهل العسكر بها؛ وأرتب محمد بن سعيد بن المنذر على باب القنطرة في جمل من الحشم، وعهد إليهما بالاستبلاغ في محاربة القوم. وقدم على الناصر بمحلته على طليطلة صاحب حصن قنيلش وصاحب حصن الفهمين، معتصمين بطاعته؛ فأمر بنقلهما إلى قرطبة، والتوسع عليهما، ومكافأة نزوعهما وقصدهما. ثم قفل الناصر عن مدينة طليطلة يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة، ودخل القصر بقرطبة يوم الأثنين لأربع خلون من رجب، وقد استتم في غزاته أحدا وستين يوما.
وفي هذه السنة، ولي المواريث طرفة بن عبد الرحمن صاحب المطبخ؛ وولي خزانة السلاح أحمد بن أبان بن هاشم، وحفص بن سعيد بن جابر.
(2/203)
________________________________________
وفيها، مات الناصر ابن يسمى بمحمد. وفيها، مات أمية بن محمد بن أمية ابن عيسى بن شهيد. وفيها، توفي هاشم بن محمد النجيبي. وفيها، توفي محمد بن إبراهيم بن الجباب الفقيه، صاحب الوثائق، يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر رمضان؛ وتوفي صهيب بن منيع قاضي إشبيلية؛ وتوفي أبو غالب مروان بن عبيد الله بن بسيل.
وفي سنة 319، أبرز السرادق والأبنية إلى المضطرب المعروةف بفحص السرادق بجوني النهر الأعظم؛ ثم برز الناصر إلى هذه المحلة لغزاة نواها إلى مدينة طليطلة؛ ولم يتم عزمه عليها إذ استغنى بالقواد المرتبين على المدينة، المحاصرين لأهلها؛ وأكتف للقواد بها الخيل والعدة، وأمدهم بالسلاح، وأكد بصائرهم في الجد والعزم والاستبلاغ في نكاية المفسدين المغترين من أهلها.
وفي سنة 319، كاتب موسى بن أبي العافية، صاحب الغرب، أمير المؤمنين الناصر، ورغب في موالاته، والدخول في طاعته، وأن يستميل له أهواء أهل الغرب المجاورين له؛ فتقبله أحسن قبول، وأمده بالخلع والأموال، وقوى أيده على ما كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش وغيره. فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في الغرب، وتجمع له كثير من قبائل البربر، وتغلب على مدينة جراوة، وأخرج عنها الحسن بن أبي العيش بن إدريس العلوي؛ وجرت بينهما حروب عظيمة.
وفيها، افتتح الناصر مدينة سبتة؛ فشكها بالرجال، وأتقنها بالبنيان. وبنى سورها بالكذان، وألزم فيها من رضيه من قواده وأجناده؛ وصارت مفتاحا للغرب والعدوة من الأندلس، وباب إليها كما هي الجزيرة وطريف مفتاح الأندلس من العدوة. وقامت الخطبة فيها باسم أمير المؤمنين الناصر، لثلاث خلون لربيع الأول من العام المؤرخ.
وفيها، اتصل بالقواد المحاصرين لطليطلة أنَّ العدو بذلك الجانب عملوا على الخروج لافتراض غرَّة في بعض ثغور المسلمين؛ فنفر إليهم الوزير أحمد بن
(2/204)
________________________________________
محمد بن حدير من قرطبة في جملة من الحشم ومن خف من المسلمين؛ فلما بلغ أعداء الله خروجه، توقفوا عن حركتهم، وقرُّوا في بلادهم؛ وكفى الله المؤمنين معرتهم. فبلغ القائد أحمد بن محمد بن حدير طليطلة، ونازلها مع القواد المرتبين فيها.
وفيها، خرج بالأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، ويونس بن سعيد قائدين في البحر، يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولي، في عدة، ومراكب جملة، ورجال كثير، وصنوف من البحريين والمقاتلين؛ فجازا مرسى الجزيرة، واحتلا العدوة، وحاصروا ابن أبي العيش، إذ كان على مخالفة لمن دخل في طاعة أمير المؤمنين من أهلها، ومحاربة لموسى بن أبي العافية وليه ومقيم دعوته والداخل في طاعته؛ ثم حال الشتاء بينهما وبين التمادي على الحصار والمطاولة؛ فقفلا بالأسطول ومن فيه.
وفيها، عزل أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف عن المدينة، وقدم إلى الوزارة؛ وولي المدينة يحيى بن يونس القبرسي وذلك في غرة جمادى الأولي. ثم عزل يحيى بن يونس عنها، وكانت فيه حدة ومحارجة لأهل الجرم، ووليها عبد الحميد بن بسيل الوزير في شوال.
وفيها، ولي خطة العرض عبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف، وولي الضياع محمد بن عبد الله بن مضر، وعبد الله بن معاوية بن بزيل مشتركين.
وفيها، ولي الناصر، من تحت يدي ولي العهد المستنصر بالله، أحمد بن هاشم بن أحمد بن هاشم مولاه عمالة عبلة وفنيانة من إلبيرة.
وفيها، مات أبو الجعد أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله بن خالد بن عبد الله بن حسين بن جعد بن أسلم بن أبان بن عمرو مولي عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ وكان قاضي الجماعة بقرطبة، وله رحلة وسماع؛ وكانت فيه صلابة وإنفاذ للحق على وجوهه؛ وعزل عن القضاء قبل وفاته إذ أخذه
(2/205)
________________________________________
الكبر، وضعف عن القعود للأحكام؛ وكانت وفاته يوم الأربعاء لست خلون من شعبان، وهو ابن سبع وثمانين سنة.
ومات في هذا العام فضل بن سلمة الفقيه البجاني، وكان له سماع وتأليف حسن؛ وتوفي محمد بن فطيس الفقيه المحدث بإلبيرة؛ وتوفي أحمد بن حامد الزجالي في جمادى الأولى.
وفيها، ماتت السيدة ابنة الإمام عبد الله لثمان بقين من ذي الحجة؛ وكانت قد نافرت أمير المؤمنين الناصر أيام حداثته وقبل إفضاء الخلافة إليه، وهو حينئذ ولد في القصر بين يدي الإمام عبد الله جده؛ وطالبته وآذنه عند أبيها عبد الله الإمام؛ فلما ولي الناصر، لم تشك في معاقبته لها، ومجازاته لسوء معاملتها؛ فكان الأمر على خلاف ظنها؛ وقرب الناصر مكانها، ورفع منزلتها، واختصها في جملة من اختص من أهله وبنات أعمامه، حتى صارت أقربهن محلا منه.
وفيها، توفي عبيد الله بن فهر، وكان متصرفا في العمالات والقيادة، وذلك يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وفي سنة 320، كان غزو الناصر إلى مدينة طليطلة، غزاته الثانية التي فتحت فيها عليه، فبرز لهذه الغزاة في صدر جمادى الآخرة سنة 320، في شهر حزيران من العام المؤرخ، وفصل يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وهو اليوم الحادي عشر من تموز، مع وليّ عهده الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين. وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه؛ ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعبد الحميد بن بسيل، وكان صاحب المدينة.
وكان أهل طليطلة، لما أخذهم الحصار، واشتد عليهم التضييق، ولازمهم القواد، قد استجاشوا بالمشركين، واستنجدوهم، ورجوا نصرهم لهم؛ فلم يغنوا عنهم فتيلا، ولا كشفوا عنهم عذابا، ولا جلبوا إليهم إلا خزيا وهوانا. وخرج الفؤاد المحاصرون لهم إلى الكفرة؛ فهزموهم، وفرقوا جموعهم، وانصرفوا مولين
(2/206)
________________________________________
على أعقابهم، خاذلين لمن انتصر بهم، ورجا الغياث من قبلهم. فلما يئس أهل طليطلة أن ينصرهم أحد من بأس الله الذي عاجلهم، وانتقامه الذي طاولهم، عاذوا بصفح أمير المؤمنين، وسألوه تأمينهم، وضرعوا إليه في اغتفار ذنوبهم؛ فخرج لاستنزال أهل طليطلة، وتوطيد طاعته فيها، وإحكام نظره بها، في التاريخ الذي قدمنا ذكره؛ فنزل عليها بمحلة جرنكش، يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب؛ وقد كان بدر إليه ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث مقدمها، وتلقاه قبل نزوله بها، معترفا بجهله، ومستقبلا من زلته؛ فعفا عنه الناصر، وعاد عليه بفضله. ثم أمن أهل طليطلة، وخرجوا إلى العسكر، ونالوا المرافق فيه، وابتاعوا المعايش التي طال ما أجهدهم عدمها، ومنعهم الحصار منها؛ فعرفوا غبطة ما صاروا إليه من الأمن بعد الخوف، والسعة إثر الضيق، والانبساط بعد طول الانقباض. ثم ركب الناصر إلى مدينة طليطلة في اليوم الثاني من نزوله بمحلته عليها، ودخلها، وجال في أقطارها؛ فرأى من حصانتها، وشرف قاعدتها، وانتظام الأجبل داخل مدينتها، وامتناعها من كل الجهات بواديها ووعرها، وطيب هوائها وجوهرها، وكثرة البشر بها، ما أكثر له من شكر الله عز وجل على ما منحه فيها، وسهل له منها؛ وعلم أنه، لولا ما أخذ به من الجد والعزم في أمرها، لما ملكت مع حصانتها ومنعتها مع اتساعها وانفساح أقطارها، ولما اعتاده أهلها من مداخلة المشركين وموالاتهم، والاستمادا على الخلفاء بهم؛ فكم أعيت الملوك، وامتنعت من العساكر، وانصرفت عنها الصوائف بغير نجح؛ ولكن فضل الله عز وجل الذي أعطاه أمير المؤمنين، وصنعه له، وتأييده إياه أجرى افتتاحها على يديه. ثم دب فيها بناء محكما متقنا، ليكون مستقرا للقواد الملازمين فيها، وزماما على ساكنيها؛ وأرتب على البنيان بها دريّ بن عبد الرحمن قائده، وملأها رجالا وعدة وسلاحا. وركب إليها الناصر، وأمر بهدم ما وجب هدمه في المدينة، وتردد عليها ثمانية أيام حتى أكمل فيها ما دبره، وهذب ما أراده. وفتحت أسوس البنيان الذي أمر به؛
(2/207)
________________________________________
واطمأنت بأهل المدينة الدار، وفتحوا الحوانيت، وانتشروا في الأسواق؛ وانبسطوا في أفنيتهم وأبواب مساجدهم، آمنين، والحمد لله. ثم قفل الناصر عن محلته بطليطلة، يوم السبت لست خلون من شعبان، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر بقين منه، وقد استتم في غزاته ستة وثلاثين يوما.
وفيها، صنع الناصر لضروب رجاله ومواليه وصنوف أجناده وحشمه ممن شاهد فتح طليطلة معه، ووافق ذلك تطهيره لبعض بنيه الأصاغر.
وفيها، عزل عن خزانة المال محمد بن عبد الله بن حدير، وعبد الرحمن ابن عبد الله الزجالي، ونقل أحمد بن عيسى بن أبي عبدة عن الخزانة إلى قيادة بجانة. وأقر من الخزان خالد بن أمية بن شهيد، ومحمد بن جهور بن عبد الملك؛ وولي مكان المعزولين عنها سكن بن إبراهيم، وأحمد بن محمد ابن مستنبر.
وفيها، ولي الخال سعيد بن القاسم خطة العرض.
وفيها، ولي المدينة فطيس بن أصبغ لإحدى عشرة ليلة هلت من شوال.
وفيها، ولي العرض محمد بن قاسم نبن طملس. وفيها، ولي السكة يحيى بن القرسي، وذلك يوم السبت لأربع خلون من شوال؛ وعزل هذا النهار عنها أحمد بن محمد بن موسى بن حدير.
وفيها، توفي أحمد بن أبي نوفل القرشي، وهو أحمد بن محارب بن قطن ابن عبد الواحد بن قطن بن عصمة بن أنيس بن عبد الله بن جحوان بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وكان منقبضا متزهدا، وبلغ من السن خمسا وسبعين سنة.
وفيها، مات الحاجب موسى بن محمد بن حدير، للنصف من شهر صفر ليلة الأحد، بعد صلاة المغرب، وبلغ من السن خمسا وستين سنة. وفيها، توفي عبيد الله بن عبد الله الزجالي، وكان على المواريث والبنيان، في رمضان،
(2/208)
________________________________________
وهو ابن إحدى وأربعين سنة. وفيها، مات أحمد بن محمد الزجالي، وكان قد تصرف في الخدمة، وله أدوات وحركة؛ وتوفي فيها عمران بن أبي عمر المتطيب، وكان قد كف بصره، وهو من المتظرفين المتطيبين، وصحب الملوك، وخف على أمير المؤمنين الناصر؛ وكان يوصله ويحضره مجالس راحته، وهو أعمى) .
وفي سنة 321، وصل الخبر إلى قرطبة بولاية أبي المنصور بن المعتز مدينة سجلماسة، وهو غلام ابن ثلاث عشرة سنة؛ فمكث في ولايته شهرين، وقام عليه ابن عمه محمد بن الفتح، وأخرجه منها، وتملكها، وتسمى بأمير المؤمنين، وتلقب بالشاكر لله، وذلك بعد مدَّة نحو من عشرين سنة، وضرب الدنانير الشاكرية.
وفي سنة 322، وصل الخبر إلى قرطبة بوفاة أمير إفريقية عبيد الله الشيعي الملقب بالمهدي، وتقدم ولده أبي القاسم المتلقب القائم بأمر الله.
وفي سنة 323، وصل إلى مدسنة فاس ميسور الصقلي قائد أبي القاسم الشيعي أمير إفريقية؛ فحاربه أهل فاس سبعة أشهر، ولم يقدر عليهم؛ ثم حاصر ابن أبي العافية، واستعان عليه ببني إدريس؛ فانجلى ابن أبي العافية إلى الصحراء، وصار جميع ما كان لابن أبي العافية لبني إدريس؛ وقد تقدم خب بني إدريس.
وفي سنة 324، ظهر أبو يزيد مخلد بن كيداد بإفريقية على أبي القاسم الشيعي، وذلك في جبل أوراس، وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وغيرهم، وهم على رأي الخوارج.
وفي سنة 325، أمر الناصر ببناء مدينة الزهراء؛ وكان يصرف فيها من الصخر المنجور ستة آلاف صخرة في اليوم، سوى التبليط في الأساس، على ما أذكره بعد.
(2/209)
________________________________________
وفي سنة 327، قام بالغرب الأقصى أبو الأنصار بن أبي عقير البرغواطي بعد موت أبيه؛ وكان يفي بالعهد والوعد، وهو الذي بعثه عقير البرغواطي رسولا إلى الحكم المستنصر بالله، ابن أمير المؤمنين الناصر.
وفي سنة 329، استتم القائد أحمد بن محمد بن إلياس مدينة سكتان، وشحنها بالرجال، وأتخذ فيها الأطعمة والأسلحة؛ فأخرج الناصر إليها أحمد بن بعلي قائدا في ضروب من الحشم، ضمهم إليه؛ فنفذ إليها في صفر من هذه السنة؛ فلما كان في غرة جمادى الأولي منها، وافى فتح من قبل أحمد بن بعلي القائد بسكتان الحديثة؛ بدخول كان له منها إلى جهة من عمل الطاغية ردمير؛ فقتل وسبى وأسر، وأرسل مع كتابه إلى قرطبة مائتي علج أسراء؛ وكان هذا أول فتح لابن بعلي أذل به الطاغية ردمير.
وفي سنة 330، في المحرم من هذه السنة، طلع كوكب الزباني في الأفق الغربي بقرطبة إزاء العقرب، منحرفا عنها، يكاد يتصل بالفلكة العليا في رأي العين؛ وكان أول ليلة لاح فيها للأنصار ليلة السبت لثلاث بقين من المحرم منها، وهي ليلة ست عشرة خلت من أكتوبر؛ وتمادى طلوعه مستعليا مكبرا في السماء حتى توارى.
وفي سنة 331، في يوم الخميس لخمس خلون من صفر منها، دخل الوزير القائد أحمد بن إلياس إلى قرطبة قافلا عن غزاته إلى الثغر التي خرج إليها في عقب شوال من سنة 330 قبلها، إلى ثلاثة أشهر ويومين من خروجه عنها؛ ودخل في سفرته هذه كورة تدمير؛ فأزال الالتباث الواقع من أهلها إزالة، وقدم برهائن بعضهم؛ وكان أثره جميلا.
وفيها، كان المدُّ العظيم بنهر قرطبة، الثالم لقنطرتها.
(2/210)
________________________________________
وفي سنة 332، أغزى الناصر لدين الله القائد أحمد بن محمد بن إلياس إلى جليقية؛ فدخل دار الحرب؛ فغنم، وأحرق جملة من حصونهم هنالك، وقفل راجعا.
وفيها، كانت زلزلة عظيمة بقرطبة، ليلة الأثنين لتسع خلون من ذي القعدة؛ قلم ير قط مثلها ولا سمع من قوتها؛ ووقعت بعد العشاء الآخرة؛ فدامت ساعة؛ ففزع أهل قرطبة لها فزعا شديدا، ولجئوا إلى المساجد فيها، وضجوا بالدعاء إلى الله تعالى في كشفها، حتى أغاثهم وصرفها عنهم. وفي صبح ليلة الزلزلة، هبت ريح عاصف ردفتها أخرى؛ فاقتلعا كثيرا من شجر الزيتون والتين وغيرهما من الأشجار والنخيل، وأطارا كثيرا من قرمد السقف. ونزل إثر ذلك مطر وابل طبق الأرض، وبرد غليظ؛ فقتل كثيرا من الوحش والطير والمواشي، وأتلف ما أصاب من الزرع، وأساء التأثير.
وفي سنة 333، في المحرم، هبت بقرطبة ريح عاصف من ناحية القبلة ونزل برد غليظ.
وفيها، ظهر بأشبونة رجل يزعم أنه من ولد عبد المطلب وأن أمه مريم ابنة فاطمة؛ وادعى مع النسب أنه نبي وأن جبريل ينزل عليه، وسن لاتباعه سننا، وشرع لهم شرائع، منها حلق الرأس وغير ذلك مما لا يعقل؛ ثم وقع عليه البحث، فخفي أثره.
وفيها، أخرج الناصر قاسم بن محمد قائدا إلى عدوة الغرب بحرب بني محمد الأدارسة الحسنيين للذي بدا من خلافهم عليه في هذه السنة، ونقضهم الطاعة، بعد ما قدم الكتب إلى محمد بن الخير عظيم زناته وغيره من ولاته بالغرب، يأمرهم بالاستعداد لذلك والمعونة عليه. وأجاز قاسم البحر إلى سبتة في النصف من ربيع الأول؛ فلما تبين ذلك لكبير بني محمد، وهو أبو العبش بن
(2/211)
________________________________________
عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أسرع إلى تحقيق الطاعة للناصر؛ فعقد له الأمان على نفسه، وانفذ إليه أبنه محمد بن أبي العبش إلى قرطبة، مؤكدا لطاعته؛ فاحتفل السلطان لدخوله احتفالا عظيما، وركب الوافد محمد مع مستقبله من قبل الناصر القائد أحمد بن يعلى في أهبة راقت العيون وملأت الصدور. ووصل إلى قصر الزهراء، وقعد له الناصر أفخم قعود؛ فأوصله إلى نفسه، وأبلغ في تكريمه؛ ثم خرج عنه في مثل الهيئة التي دخل عليها. ودخلت بدخول محمد بن أبي العبش في هذا النهار على الناصر رسل لبني عمه الأدارسة أمراء الغرب. وانعقد في هذا النهار كتاب أمان محمد بن إدريس. ودعا الناصر أيضا محمد بن أبي العبش؛ فبالغ في تكريمه، وأقام بقرطبة بقية هذه السنة في تكرمة. وانصرف الوفد المذكور بعد التزامهم للطاعة للناصر، وذلك فيخبر طويل.
وفي عقب شوال، قدم رسول الخير بن محمد بن خزر الزناني أمير الغرب ومعه رسول حميد بن يصل الزناني، يعرفان الناصر بما كان من دخولهما مدينة تاهرت، وأنهما أقاما فيها الدعوة له.
وفي منسلخ شوال، قدم على الناصر رسولان من أبي يزيد مخلد بن كيداد المعروف بصاحب الحمار، القائم بإفريقية على أبي القاسم الشيعي، برسالة منه يخبر بتغلبه على القيروان ورقادة وعملهما، وإيقاعه بأصحاب الشيعي فيها، وما يعتقده من ولاية الناصر، وياوي إليه من اعتقاد إمامته. واتصلت كتب أبي يزيد ورسله على قرطبة من ذلك الوقت إلى حين وفاته.
وفي سنة 334، جلس الناصر لدين الله لوداع رسل أهل القيروان الواردين عليه من قبلهم وقبل أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الناجم بأرض إفريقية في ذلك الوقت، محتسبا في جهاد ملوك الشيعة المنتزين على إفريقية من آل
(2/212)
________________________________________
عبيد الله الداعي، وكان له في القيام عليهم وقائع شنيعة؛ فوصلوا إلى الناصر في هذا اليوم، وهم ثلاثة نفر، أوجههم تميم بن أبي العرب التميمي؛ فكلمهم بما تقتضيه رسالتهم، ودفع إليهم أجوبة من أرسلهم، وأذن لهم في الانصراف إلى بلدهم، ووصلهم وكساهم؛ فانطلقوا لسبيلهم.
وفيها، وصل إلى قرطبة رسل ملك الروم الأكبر قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينة العظمى، يكتب من ملكهم إلى الناصر؛ فقعد الناصر على سرير الملك بقصر قرطبة لدخولهم عليه، ولمن تكامل بالباب من وفود البلاد، بعد أن أمر باستقبالهم بالعدد والأجناد. واستوى الناصر على سريره؛ وقعد على يمينه ابنه الحكم؛ وقعد سائر أولاده عن يمينه ويساره؛ وقعد الوزراء والحجاب على منازلهم صفوفا. فدخل الرسل، وقد قدموا الهدايا بين أيديهم، وقد دهشوا لهول ما عاينوه من جلالة الملك ووفور الجمع؛ فصقعوا بين يدي الخليفة؛ فأشار إليهم أن لاَّ؛ فدفعوا إليه كتاب مرسلهم قسطنطين. وكان الكتاب مصبوغا بلون سماءي، مكتوبا بالذهب.
وفيها، كان السيل العظيم بقرطبة؛ وبلغ الماء في البرج المعروف ببرج الأسد؛ فهدم من آخر القنطرة، وثلم الرضيف وغيره.
وفيها، قدم على الناصر محمد بن محمد بن كليب من القيروان؛ فحكى أن أبا القاسم بن عبيد الله الشيعي هلك بالمهدية، وهو محصور من أبي زيد؛ وأن شيعته قدمت ولده إسماعيل مكانه، وأنه فارس شجاع، أبي النفس؛ أقدم على أبي يزيد وجموعه، ولاقاه بمدينة سوسة؛ فانهزم أبو يزيد أمامه إلى القيروان.
وفي عقب صفر منها، ولي خزانة السلاح عبد الأعلى بن هاشم المتوفي في المحرم منها.
وفي سنة 335، كان ابتداء بناء مدينة سالم بالثغر الأوسط. وفي كتاب
(2/213)
________________________________________
ابن مسعود: في سنة 335، ابتنى الناصر مدينة سالم القديمة التعطيل بالثغر الأوسط الشرقي، المواجهة لبلد قشتيلة - دمرها الله تعالى -، وهي يومئذ خالية مقفرة. وأرسل لذلك غالبا مولاه في جيش جرده معه من الحضرة، وأنفذ العهد إلى قواد الثغر بالاجتماع إليه لبنيانها؛ فسارعوا إلى أمره، وبنيت أحسن بناء؛ ونقل إليها البناؤون من بلاد الثغر للاختطاط لديارها والرباط بها؛ فتم ذلك في صفر من هذه السنة. واطمأنت الدار بمن نزلها من المسلمين؛ واكتمل بناؤها وعمرانها على مرور الأيام؛ فنفع الله المسلمين بها، وصيرها شجا في حلوق الكافرين. قال: ووافى في إثر كتاب القائد ابن حدير وابن هاشم كتاب من قبل عامر بن مطرف بن ذي النون إلى الناصر بما فتح الله له في المشركين، وقتله العدد الكثير منهم، وبعثه برؤوسهم؛ فتمت الفتوح، وعمت الفروح، وعز الإسلام، واستبشر الأنام، وطابت الأيام، بحمد وليّ الإنعام، الذي منه يرجى التمام، عز وجهه! وفيها، كان القحط الكائن بقرطبة.
وفيها، وصل إلى قرطبة أيوب بن أبي مخلد بن كيداد اليفرني الأباضيُّ رسولا من والده أبي يزيد؛ فقعد له الناصر قعودا؛ فأوصله إلى نفسه، وكرم لقاءه، وأمر بإنزاله في قصر الرصافة؛ وقد أعد له فيه من الفرش والوطاء والغطاء والآنية والآلة ما يعد لأمثاله؛ فأقام هنالك تحت نزل واسع وكرامة موصولة.
وفي سنة 336، في يوم الجمعة التاسع من المحرم منها، ورد كتاب قند مولى الناصر، القائد يومئذ بطليطلة، بفتح فتحه الله على يده في أعداء الله أهل جليقية؛ فقرئ في المسجد الجامع بقرطبة والزهراء؛ وبعث من ذلك برؤوس وخيل أصيبت لأعداء الله.
(2/214)
________________________________________
وفيها، عزل الناصر عبد الله بن محمد عن السكة، وسخط عليه لتقصير ما كان فيه وأمر بسجنه. وقدم عبد الرحمن بن يحيى بن إدريس الأصم، ونقل السكة من مدينة قرطبة إلى الزهراء.
وفيها، خرج الكاتب جعفر بن عثمان المصحفي إلى ميورقة وذواتها لإصلاح ما فسد من حالها.
وفيها، وصل حميد بن يصل المكناسي إلى قرطبة قاصدا إلى الناصر من بلده من الغرب؛ فاستقبل بالجيش والزينة؛ وكرم الناصر مورده، وأجمل موعده.
وفي سنة 337، في النصف من المحرم، قعد الناصر بقصر الزهراء قعودا بهبا؛ فدخل إليه حميد بن يصل؛ ثم وصل بعده منصور وأبو العبش، ابنا ابن أبي العافية، ودخل معهما حمزة بن إبراهيم، صاحب جزائر بني مزغنا؛ فوصلهم وكساهم، وأذن لهم في الانصراف إلى بلادهم.
وفيها، صلب بقرطبة عليُّ بن عشرة، من أهل أشبونة، بعد أن قطعت يداه ورجلاه؛ وكان من المفسدين في الأرض بقطع السبل.
وفيها، كانت وقيعة أرتقيرة على العدو - دمره الله -.
وفي سنة 338، كان قدوم رسل ملك الروم الأكبر صاحب القسطنطينة على الناصر، راغبا منه إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة؛ فتأهب الناصر لورودهم عليه، وأمر بتلقيهم في الجيش والعدة؛ وجلس لهم الناصر الجلوس المشهور الذي ما تهيأ مثله لملك قبله في جلالة الشأن، وعزة السلطان؛ ووصف ذلك يطول. ودفعوا كتاب ملكهم في رق مصبوغ سماءي مكتوب الذهب؛ وكان على الكتاب طابع ذهب، وزنه أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح - عليه السلام -، وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده.
وفيها، أمر الناصر أحمد بن يعلى وحميد بن يصل المكناسي بالخروج إلى بني محمد الأدارسة الحسنيين أمراء الغرب، ففصلا بمن ضم إليهما من الجيش
(2/215)
________________________________________
إلى الخضراء؛ وكان خروجهما من قرطبة للنصف من رجب. وفي عقبه، قدم على الناصر رسول من بعض الحسنيين، يذكر طاعتهم إليه، وانقيادهم لأمره في هدم مدينة تطلون التي أنكر عليهم بناءها؛ فعقد لهم في أول شعبان، وأمر بمحاربتهم؛ ثم وصل محمد بن أبي العبش الحسني إلى الناصر من أبيه أبي العبش؛ فأقبل عليه الناصر، وابلغ في تكرمته؛ ثم ورد الخبر بوفاة أبي العبش، فأوصل الناصر أبنه محمدا إلى نفسه، وعزاه عن والده، وعقد له على عمله، ووصله، وخلع عليه وعلى الوافدين معه، وصرفهم. فخرج محمد مبادرا إلى عمله بالغرب. وكان، عند وفاة أبيه أبي العبش، قصد ابن عمه قنون إلى بلده؛ فاحتوى على ماله وأهله. ولما بلغ البربر إقبال محمد بن أبي العبش إلى بلده من قبل الناصر، رجعوا إلى عيسى بن قنون، وقد خرج عن تبكيساس؛ فقطعوا به، وكسروه، وسلبوه ما كان أخذه لابن عمه، وقتلوا أكثر أصحابه؛ فلم يخلص إلا في سبعة فوارس.
وفيها، وصل إلى قرطبة أحمد بن الاطرابلسي رسول البوري بن موسى بن أبي العافية بكتاب يذكر أنه صح عنده أن الخبر بن محمد بن خزر الزناتي وصل إلى تاهرت، فحاربها؛ فاستنصر أهلها بميسور قائد الشيعي؛ فالتقوا؛ فدارت الدائرة على ابن خزر أول نهارهم، ثم كانت الكرة لوناتة؛ ودخل الخير أميرهم مدينة تاهرت وملكها في غرة ذي القعدة، وأخذ قائد الشيعى أسيرا في عدة من أصحابه؛ ووقع في يده عبد الله بن بكار اليفرني الذي توجه إلى الشيعي برأس أيوب بن أبي يزيد؛ فأرسل به إلى يعلى بن محمد بن صالح اليفرني ليقتله بوالده بعدما كان أخذ كل ما عنده؛ فلم يرض يعلى بذلك، ولا رآه كفوا لعبده، فكيف لوالده؛ ودفعه المذكور إلى رجل من البربر كان قد قتل ابنه، فقتله به. ودخل يعلى بن محمد وهران، فملكها.
(2/216)
________________________________________
وفيها، جرت قصة الولد عبد الله بن الناصر التي أراد الله بها ابتلاء أبيه فيه؛ فعجل الوثوب به وبأصحابه آخر هذه السنة، عجل عليهم فيها بأفظع العقاب؛ فقتلهم؛ وتأتي بابنه عبد الله مديدة إلى أن طوقه الحسام في آخر سنة 338؛ وكان الحكم أخوه ذكر عنه أنه يريد القيام على أبيه؛ فقبل قوله فيه. وكان عبد الله من أهل العلم والذكاء والنبل.
وفي سنة 339، أخرج الناصر قائده أحمد بن يعلى نحو جليقية، وجاء في انتهاز فرصة من العدو؛ فأعانه الله عليها، واقتحم على غفلة؛ فافتتح ثلاثة حصون، وسبى نحوا من ألف سبية، وانصرف آخر رجب من السنة.
وفيها، ورد الخبر بهلك ردمير بن أردون صاحب جليقية؛ فملكت الجلالقة ابنه أردون، ونازعه أخوه غرسية؛ فجرى بينهم اختلاف أظفر الله بن المسلمين.
وفيها، وصل إلى قرطبة ابنا البوري بن موسى بن أبي العاقبة أمير الغرب. وورد رسول الأمير الخير أمير زناتة وكبير أمراء الغرب إلى الناصر، يذكر ما أتاح الله له من دخول مدينة تاهرت، وظفره بميسور وعبد الله بن بكار اليفرني قواد الشيعي؛ فقرى كتابه بجامعي قرطبة والزهراء. ثم ورد كتاب عبد الرحمن ابن عبد الله الزجالي من جهة شذونة، يذكر أن بني محمد الأدارسة بالغرب زحفوا إلى حميد بن بصل قائد الناصر، ونزلوا عليه، والتقوا به؛ فكانت الدائرة على بني محمد، وانصرفوا مغلوبين.
وفي سنة 340، كانت للمسلمين غزوات على الروم، نصرهم الله فيها. منها فتح على يد قائد بطليوس بجيليقة، هزمهم أقبح هزيمة، قتل جملة من حماتهم ومقاتلتهم، وسبى من نسائهم وذراريهم نيفا على ثلاثمائة رأس؛ ووصل ذلك السبي إلى قرطبة لثلاث خلون من المحرم؛ وفتح آخر على يدي أحمد بن يعلى قائد الناصر؛ وفتح آخر على يدي رشيق قائد الناصر على طلبيرة؛ وفتح آخر على يدي يحيى بن هاشم النجيبي.
(2/217)
________________________________________
وغي غرة جمادى الآخرة، وهو الثامن من أكتوبر، هبت بقرطبة ريح عاصف، وتتابع البرق، واشتد الهول، ونزلت صاعقة في دار أحمد بن هاشم ابن عبد العزيز، فقتلت امرأة، وأبطلت أخرى.
وفي سنة 341، كان للمسلمين غزوة في الروم، نصرهم الله فيه، وفتوحات ومنوحات.
وفي آخر جمادى الأولي، وردت الأخبار بأنَّ زبرى بن مناد الصنهاجي عامل الشيعي على تاهرت أسر سعيد بن خزر زعيم زناتة وكبيرها.
وفي هذا الوقت، ورد كتاب ابن يعلى قائد الأسطول بقبضة لرهن محمد ابن إدريس الحسني كبير أمراء الأدارسة.
وفي آخر جمادى الآخرة، وصل إلى قرطبة فتوح بن الخير بن محمد بن خزر كبير أمراء زناتة بأرض الغرب، وافدا إلى الحضرة، ومعه وجوه أهل تاهرت ووهران؛ وأدخلت بين يديه الرؤوس التي احتزها للقواد المشارقة ووجوههم من رجال إسماعيل الشيعيّ العبيدي، يقدمها رأس ميسور الخصي ورأس محمد بن ميمون وغيرهما من رؤوس أعلام الشيعة، وعشرة من بنودهم، أدخلت منكسة، معها عدة من طبولهم؛ فرفعت هذه الرؤوس والبنود والطبول على باب قصر قرطبة، وأقيمت له ولمن جاء معه الكرامات الواسعة.
وفي سنة 342، قدمت رسل هوتو ملك الصقالبة على الناصر.
وفيها، خرج القائد أحمد بن يعلى غازيا إلى جليقية؛ فمنحه الله في الكفار القتل للرجال، والسبي للذرية والعيال، وإحراق القرى، وانتساف النعم؛ فقرى كتابه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ربيع الأول بقرطبة؛ وقرى معه كتاب القائد غالب، يذكر عظيم ما فتح الله عليه ومنحه من نكاية المشركين؛ ثم دخلت الرؤوس إلى قرطبة، ومعها النواقيس والصلبان، فقرَّت عيون أهل الإسلام.
(2/218)
________________________________________
وفي سنة 343، ولي الناصر مدينة طليطلة القائد أحمد بن يعني، وصرف عنها محمد بن عبد الله بن حدير.
وفيها، فصل القائد حميد بن يصل، المستأمن إلى الناصر، بالجيش الذي ضمه إليه إلى بلاد الغرب، وخرج معه القرشي السليماني المستأمن إلى الناصر أيضا، الذي كان أميرا على مدينتي تنس وأرشقول وما بينهما من أرض إفريقية؛ فأخرجه عنها قواد الشيعي. واسمه عليُّ بن يحيى، ينتسب إلى عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ فكان خروجهما من بين يدي الناصر بعد أن خلع عليهما خلع الوداع، بعد خلع تقدمت له عليهما بيوم قبل وصولهما من دراريع الديباج والخز وعمائم الشرب المذهبة وغير ذلك. ودفع لحميد سبعة عشر ألفا للنفقة على الجند، ومن أحمال الكسوة سبعة أحمال.
وفيها، وصل إلى قرطبة وقد أزداجة من البربر الذين انحاشوا إلى الطاعة؛ فكساهم الناصر ووصلهم. وورد كتاب فتح من حميد بن يصل قائد الناصر بالعدوة بما فتح الله عليه من مدينة آسلان وانتشار الدعوة الأموية بنواحيها.
وفيها، قدم الحجاج؛ فذكروا أنه وقع بقشطاط مصر حريق عظيم احترق فيه ستة ألفا بين دار ومسكن.
وفي سنة 344، وردت قواد الثغور لسبع خلون من ربيع الآخر على الناصر، وفيهم غالب، ومطرف، ومحمد بن يعلى، وعبيد الله بن أحمد بن يعلى، وهذيل ابن هاشم النجيبي، ومروان بن رزين، وعامر بن مطرف بن ذي النون، يذكرون أنهم دخلوا إلى أرض العدو، وقصدوا حصنا من بلد قشتيلة؛ فتغلبوا على أرباضه، وقتلوا جماعة من أهله، وقفلوا عنه؛ فوافتهم جموع النصرانية؛ فأيد الله المسلمين، وانهزم المشركون أمامهم مقدار عشرة أميال، يقتلونهم كيف شاءوا؛ فأحصى أنه قتل منهم مقدار عشرة آلاف. وكانت هذه الوقيعة بينهم لليلة
(2/219)
________________________________________
بقيت من ربيع الآخر منها؛ فقرى كتابهم بهذا الفتح الجليل بقرطبة؛ ثم وردت إلى قرطبة الرؤوس المحتزة في هذه الهزيمة نحو خمسة آلاف رأس؛ فأمر الناصر برفعها على الخشب حوالي سور قرطبة.
ولسبه خلون من جمادى الأولي، كانت بقرطبة زلزلة عظيمة ظاهرة الهزة؛ وعادت زلزلة أخرى مثلها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منها، وذلك عند الظهر.
وفيها، ثقف الناصر أمور الخدمة السلطانية، ووزعها بين وزرائه؛ فقلد الوزير جهور بن أبي عبدة النظر في كتب جميع أهل الخدمة؛ وقلد الوزير عيسى ابن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواهل والأطراف وغير ذلك؛ وقلد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك؛ وقلد الوزير محمد بن حدير النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم. فالتزم القوم ما ألزموا؛ فاعتدل بهم ميزان الخدمة، وسهلت مطالب الرعية.
وفيها، ورد كتاب يعلى بن حميد قائد العدوة من قبل الناصر بما فتح الله عليه في قائد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب إفريقية من هزيمته له وقتله من قتل من رجاله وغير ذلك. ووصل إلى قرطبة ابن عم حميد بن يصل، ومعه ستة وثلاثون من وجوه كتامة وغيرهم من القبائل المستأمنين إليه من عسكر الشيعي؛ فأمر الناصر بانزالهم، وجلس لهم على سريره بقصر الزهراء يوم الثلاثاء ربع خلون منه؛ فوصلوا إليه؛ فرأوا مقاما جليلا، وكلموه، فرد عليهم جميلا، وأحسن موعدهم، وأمر بالخلع عليهم، ووصلوا بصلات جزلات، وأمروا بالرجوع إلى القائد حميد بن يصل.
وفيها، أمر الناصر بإطلاق اللعن على ملوك الشيعة بجميع منابر الأندلس، وإنفاذ كتبه بذلك إلى العمال بسائر الأقطار.
(2/220)
________________________________________
وفي سنة 345، وطئ غالب، قائد أسطول الناصر، أرض سواحل إفريقية من عمل الشيعي.
وفيها، قدم محمد بن حسين رسولا كان من الناصر إلى الطاغية أردون ابن ردمير ملك جليقية، ومعه حسداي بن شبروط اليهودي، بكتابه إلى الناصر، راغبا منه في الصلح؛ فأسعفه الناصر في ذلك على اختيار ولده الحكم، واشترط على الطاغية شروط؛ وانصرفت رسله بذلك.
وفيها، قتل محمد بن أبي العيش الإدريسي أمير الغرب.
وفيها، خرج قاسم بن عبد الرحمن إلى حميد بن يصل قائد الناصر بالغرب من قرطبة بأحد عشر حملا من المال وأحمال العدة، تقوية على الذب عن الدولة المروانية بالغرب، وذلك لخمس خلون من صفر منها. ولما كان يوم النصف منه، ورد كتاب حميد بدخوله مدينة تلمسان.
وفي سنة 346، قدم إلى الناصر أمراء بني رزين ومن التف إليهم؛ فوصل إلى الناصر كبيرهم مروان بن هذيل بن رزين الثائر بالسهلة المنسوبة إليهم؛ فأدنوا وأكرموا.
وفيها، برز القائد غالب الناصري إلى فحص السرادق غازيا إلى دار الحرب؛ ففتح عليه في بلاد المشركين؛ وفتح الحصون وقتل المقاتلة واكتسح بسيط عدو الله غرسية بن شانجه ملكهم، وخرب قراه، ورجع بالمسلمين ظاهرين. وكذلك برز القائد أحمد بن يعلى للغزو إلى بلد العدو تاليا للقائد غالب؛ فورد كتابه يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر بفتح عظيم تهيأ له في غزوة إلى جليقية، وأنه ثخن في قتلهم، وحز من رؤوسهم أربعمائة، واستاق من الماشية والكراع ما فات الإحصاء.
وفي سنة 347، أول المحرم، أمر الناصر صاحب الشرطة القائد أحمد بن يعلى بالخروج غازيا في الأسطول إلى بلد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب
(2/221)
________________________________________
إفريقية؛ فبرز ابن يعلى إلى محلة الربض لغزاته هذه يوم الخميس لثمان خلون منه؛ وكان بروزه فخما، خرج إليه من النظارة من أهل قرطبة رجالهم ونسائهم وأبنائهم وولدانهم خلق لا يحصيهم إلا خالقهم؛ فانتشروا بأكناف الربض على عادتهم؛ فأخذ السفلة منهم والغوغاء يتقاذفون بالحجارة حاكين لصفي القتال؛ فدخل في عرضهم قوم من الطنجيين من جند السلطان حشوا الضراب بينهم، حتى حمى وطيسه، وقد تكنف صفيهم من النظارة الرجال والنساء خلق عظيم. فلم يك إلا ساعة، ودارت بينهم جولة ظهر فيها أحد صفيهم؛ فمالوا على مغلوبهم، وانبسطوا عليهم؛ فامتد الطنجيون بغالب شرهم وجهلهم إلى نهب مغلوبهم من الرجال، وتخطوهم إلى من حولهم من النظارة، وانبسطوا على النساء؛ فسلبوهن ثيابهن، وفضحوا كثيرا منهن؛ فجعل المجردات من النساء يتوارين في الزرع المكتل، حياء من الناس، وترقبا لوقت تفرقهم. وشرح ذلك يطول.
وفي جمادى الآخرة منها، ورد كتاب قائد الأسطول أحمد بن يعلى من مدينة آسلان من عمل تلمسان، يذكر أن جوهرا قائد معد بن إسماعيل صاحب إفريقية قتل يعلى بن محمد بن صالح اليفرني صاحب مدينة آفكان غدرا، وأن ابن عمه انتصب مكانه بإقامة من جلة قومه له، ورجع القائد المذكور إلى قرطبة ومعه ولد ابن قرة، ابن عم يعلى بن محمد المتقدم الذكر، المقدم بعده في قومه بني يفرن؛ فبولغ في إكرامه.
وفي سنة 348، في أول ربيع الآخر منها، خرج عليُّ بن يحيى الحسني إلى شرشل مكانه من العدوة قائدا، بمن انضم إليه من الحشم، لمكافحة أصحاب الشيعي صاحب إفريقية.
وفي أول ذي القعدة منها، أوصل الناصر إلى نفسه حريز بن منذر في جماعة من وجوه الموالي والعرفاء ورجال الجند، يأمرهم جميعا بالخروج إلى مدينة
(2/222)
________________________________________
مسنة من أرض العدوة، مع بدر الفتى الكبير صاحب السيف، لتنفيذ العدد فيها من أجل جولان جوهر قائد معد الشيعي صاحب القيروان بأرض العدوة؛ فنفذوا لأمره، ومكثوا كذلك إلى أن أمنت الحادثة؛ فانصرفوا مع القائد بدر، آخر ذي الحجة من السنة.
وفي سنة 349، كان ابتداء علة الناصر، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وذلك نصف النهار منه، طرقت أمير المؤمنين الناصر علته الصعبة من الريح الباردة؛ فأرجف به، وخيف عليه، وأكبت الأطباء على معالجته، إلى أن ظهر عليه تجفيف؛ فتجشم القعود لخاصته في العشر الأوائل لجمادى الأولي. فوصل إليه الفتيان الأكابر، وصاحب الطراز، وخواص أكابر العبيد كمظفر وذويه؛ فاستبشر أهل المملكة بما بدا لهم من انحطاط مرضه، وسألوا الله كمال عاقبته؛ والقضاء قد سبق بموته من علته؛ فلم تفارقه، تخف حينا وتثقل حينا، إلى أن قضت عليه في سنة 50 التي بعد هذه.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 20 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

بعض أخبار الناصر على الجملة
كان الناصر - رحمه الله - ملكا أزال الأواء؛ وحسم الأدواء، وقهر الأعادي، وعدل في الحاضر والبادي؛ قد أسس الأوس؛ وغرس الغروس واتخذ المصانع والقصور، وترك أعلاما باقية إلى النفخ في الصور. فاعتبر بالزهراء كم بها من قصر مشيد، وآثار ملوك صيد؛ قد عادت معاهدها بعدهم دارسة، وآثارها دونهم طامسة؛ تنفي الرياح بجنباتها، وتبكي الغيوم على عرصاتها. ولما ولي الناصر لدين الله، اعتز ركن الدين، واحتمى ذمار المسلمين، وقام الجهاد على ساق، وخمدت نار الخلاف والشقاق، ودخل الناس
(2/223)
________________________________________
في طاعته أفواجا، واستنفروا إلى دعوته أفرادا وأزواجا. فناهيك من فضل أعطاهم، وعدل أكنفهم به وغطاهم، وتكرمة أنالهم إياها، ومسرة أبدى لهم محياها؛ قد ملك سبتة وما يليها من الأقطار، وطرد عنها ملوك الأدارسة طرد الليل النهار، وبث عماله وقواده فيها، وطاعت له البرابر في جميع نواحيها، واعتصموا بحبله، ولاذوا بفضله وعدله. وكان اصطفى مولاه بدرا، وجعله شمسا لملكه وبدرا، وقلده خطة الحجاب، وجعل له النفي والإيجاب؛ فشد ملكه بقوة ساعد، وسعج مساعد؛ ثم قدم موسى بن حدير؛ فكمل به الملك واتسق واتفق له من الجد ما اتفق؛ فقاد عسكرا مجرا، وجر الدنيا جرا.
ومن قول ابن عبد ربه فيه (بسيط) :
قَدْ أوضَحَ الله للإسلامِ مِنهاجا ... والناسُ قَد دخلوا في الدِّينِ أفواجا
وَقد تَزَيّّنَت الدُّنيا لساكِنِها ... كأنَّما ألبسَت وَشياً ودِيباجَا
يا ابن الخَلائفِ إنَّ المُزنَ لَو عَلمَت ... نَدَاكَ ما كان مِنها الماءنجاجا
والحَربُ ولَو عَلِمت بأساً تَصُولُ به ... ما هيَّجَت من حُمّيّاكَ الذي اهتَاجا
مَاتَ النِفاقُ وأعطَى الكُفرُ ذِمَّتَهُ ... وذَلَّت الخَيلُ إلجاماً وإسراجا
وأصبَحَ النَّصرُ معقوداً بِألوِيةٍ ... تَطوى المَرَاحِلَ تَهجِيراً وإدلاجا
إنَّ الخِلافةَ لن تُرضَى وَلا رُضِيَت ... حتَّى عَقَدتَّ لها في رأسِكَ التَّاجا
ومن مناقبه، أنَّه لم يبق في القصر الذي هو من مصانع أجداده ومعالم أولىته بنية إلا وله فيها أثر محدث، إما بتجديد أو بتزييد. ومن مناقبه، كثرة جوده الذي لم يعرف لأحد قبله من أجواد الجاهلية والإسلام، حتى قيل فيه - رحمة الله عليه - (كامل) :
(2/224)
________________________________________
يا ابن الخَلاَئفِ والعُلَى للِمعُتَلى ... والمَجْدُ يُعرَفُ فَضلُهُ للِمُفضَلِ
نَوَّهتَ بالخُلفاء بَل أَخمَلتَهُم ... حتَّى كَأنَّ نَبِيَلُهم لَم يَنبُلِ
أذكَرتَ بَل أنسَيتَ مَا ذَكَرَ الوَرَى ... مِن فِعلِهم فَمأنَّهُ لَم يُفعَلِ
وأتَيتَ آخرهُم وَشَأوُكَ فَائِتٌ ... للآخرين وَمُدرِكٌ لِلأوَّلِ
تَأبِي فِعَالُك أنْ تُعَدَّ لآخِرٍ ... مِنهُمْ وَجُودُكَ أنْ يُعدَّ لأِوَّلِ
وكم للناصر - رحمه الله - من غزوات مذكورة، وفتوحات مشهورة، يبقى في الأعقاب فخرها، ولا يبلى على مر الأحقاب أثرها.
وقد نظم ابن عبد ربه في غزواته أرجوزة من سنة 301 إلى سنة 322. وقد أطال الشعراء في مدحه، وأطنبوا في شكره؛ ولولا أن الناس مكتفون بما في أيديهم منها، لأعدنا هنا ذكرها أو ذكر بعضها؛ ولكن المذهب هنا الاقتصار والإيجار والاختصار.

حكاية
ومما ذكر من إفضاله، مع بعض عماله، قال حيان بن خلف: كان محمد بن سعيد المعروف بابن السليم قد احتجن أموالا كثيرة بتصرفه في كبار الولايات في المدة الطويلة؛ فعلم ذلك منه الناصر؛ فعرض له مرارا في أن يساهمه فيه عن طيب نفس منه، وهو ملكه، ولو شاء لأخذه منه، ولكن أبى ذلك كرم طبعه. فقال في مجلسه يوما: (ما بال رجال من خاصتنا توسعوا في دنيانا، فطفقوا يحتجون الأموال، ويضيعون تعمدنا، وهم يرون غليظ مئونتنا في الإنفاق على شؤوننا التي بقدرتنا عليها صلاح أحوالهم ورفاهية عيشهم. ويعلمون أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قسطاس الموازين، قاسم عماله أرباحهم في تجاراتهم؛ فجعلها في بيت المال، وهو من هو، وهم من هم، والأسوة في فعله!) فسكت ابن السليم عنه وغالطه في تعرضه كأنه
(2/225)
________________________________________
يعني غيره. فازداد الناصر حنقا عليه وغيظا؛ فقال له يوما في بعض مجالسه الخاصة معه، وقد أخذ الشراب منه، وشق تفاحة بسكين في يده: (وددت أن أشق هكذا رأس من أعرف له مالا كثيرا غله دوننا، ولم يسهم بيت المال منه!:) فطار عقل ابن السليم، ولم يختلجه الشك في أنه المعني به؛ فقام بين يديه، وقال: (يا أمير المؤمنين! طال ما عرضت بي! فسكت؛ بلى والله! إن عندي مالا كثيرا، وهو دون ظنك فيه، حطته بالتقتير، وأعددته للدهر العثور، ولست والله أعطيك منه درهما، فما فوقه، ورأيك في جميل إلا أن تستحل) (وأعوذ بالله!) أن تمد يدك إليه بغير جناية مني عليك! فإن الأنفس محضرة الشح. قال: فخجل الناصر وأطرق يتلو قول الله تعالى: [إن يسئلكموها فيحفكم أن تبخلوا ويخرج أضغانكم.] ثم أقبل على ابن السليم يونسه ويسكن جأشه، إلى أن اعتدل مجلسه؛ فجعل يمعن في الشرب طلبا للسكر الذي خامره من الذعر. فقال له الناصر: (خفض عليك، يا محمد؛ فلا سبيل إليك!) فلما سكر ابن السليم، تهوع؛ فقذف، وابتدره الوصفاء بالطست والمناديل؛ فأقبل الناصر وأخذ برأسه يمسكه، ويقول له: (استفرغ ما في معدتك وتأن بنفسك!) . فأنكر ابن السليم كلامه بين الخدم، وصرف إليه رأسه، وإذا به الناصر. فما تمالك أن خر إلى رجليه يقبلهما، ويقول: (يا ابن الخلائف! إلى هنا انتهيت من برِّي!) وجعل يدعو له، ويعظم شكره؛ فقال له الناصر: (ليتني أخرج كفافا من شأني معك الليلة: تأنيسا بإخافة وإلطافا بجفوة) . ثم أمر له بكسوة، وانقلب إلى أهله. فكان هذا مما يعد من كرمه وفضله. فلما مضت أيام، أرسل ابن السليم إلى الناصر بمائة ألف دينار دراهم؛ فقبلها الناصر، وشكر فضله) وعوضه بكبير الولايات، وصحبته منه النعمة العريضة إلى حين وفاته.
حكاية
ومازح الناصر - رحمه الله - يوما وزيره أبا القاسم لبِّا؛ فقال له:
(2/226)
________________________________________
(يا لبُّ اهج الوزير عبد الملك بن جهور!) فامتنع عليه؛ فقال لابن جهور: (فأهجج أنت، إذ أبى هو من هجوك) . فقال: (يا أمير المؤمنين، أتوقع عرضي منه، وأصون نفسي عنه!) فقال الناصر: (فأنا أهجوه.) فقال (سريع) :
لبٌّ أبو القاسم ذو لحية ... طويلةٍ في طُولها ميلُ
ثم قال لابن جهور: (لا بد لك من تذييل هذا البيت؛ فدع الاعتذار.) فقال:
وعَرْضها مِيلان إن كُسِّرتْ ... والعَقلُ مأفونٌ ومدخُولُ
لَو أنَّه أحتاج إلى غَسلِها ... لم يكفِهِ في غَسِلها السِّيلُ
فضحك الناصر، وقال للب: (إنه قد سبب لك القول؛ فقل!) فقال لبّ:
قَال أمين اللهِ في خَلقِهِ ... لي لِحيةٌ أزرَى بها الطُّولُ
وابنُ عُيير قال قَولَ الَّذي ... مأكُولُهُ القَرظيل والفُولُ
لولا حيائي من إمامِ الهُدَى ... نَخَشتُ بالمِنخَس (شُو قُولُ)
فلما بلغ لبُّ إلى قوله (شو) سكت؛ فقال له الناصر: (قول) . فأتم له على نحو ما أضمر؛ فقال له: (أنت هجوته، يا مولاي!) فضحك الناصر، وأمر له بصلة.
وكان الناصر قد خرج يوما على فرس أبلق في هيئة جليلة والوزراء قد حفوا به؛ فقال ابن عبد ربه في ذلك مرتجلا (سريع) :
بَدرٌ بَدَا مِن تَحتِهِ أبلَقُ ... يَحْسُدُ فِيهِ المَغْرِبَ المَشْرِقُ
لوْ يعلُمُ الأبلَقُ مَن فَوقَه ... لاختالَ من عُجبٍ به الأبَلَقُ
إمامُ عَدلٍ باسِطٌ كفَّهُ ... يَرزُقُ منها الله مَن يَرزُقُ
عَاَبه الدَّهرُ الذي قَد مَضَى ... وجَدَ واللهِ به المُخبلَقُ
(2/227)
________________________________________
وكان، لما ترعرع ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ولاه العهد من بعده. وكان له أخ اسمه عبد الله؛ فحسده على ذلك، واجتمع عليه قوم وأراد قتل أخيه؛ واتفق مع أصحابه أن يبادروه؛ فافتضحوا وقتلوا جميعا، كما تقدَّم. وأما الولد عبد الله، فذكر أنه أخرجه أبوه الناصر ثاني يوم عيد الأضحى؛ فذبح بين يديه - رحمه الله -؛ وكان عالما فاضلا.
وكان الناصر أمر ببناء الصومعة العظيمة في سنة 340، وشرع في بنائها؛ وهي الشهيرة التي لا صومعة تعدلها. وكان الذي دعاه إلى بنائها حدث في القديمة؛ فهدمت إلى قواعدها وبنيت بصخر الحجارة المنقولة إليها على العجل؛ وجمع لها فجاءت فائقة الصنعة. وقد كانت الأولى ذات مطلع واحد؛ فصير لهذه مطلعين، وفصل بينهما بالبناء؛ فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها. ولكل مطلع منها مائة درج وسبعة أدراج؛ وطولها ثمانون ذراعا بالرشاشي إلى وقوف المؤذن؛ وفي أعلى ذروة المنار ثلاث رمانات تغشى النواظر بشعاعها، وتخطف الأبصار بالتماعها: الأولى مفروغة من الذهب، والوسطى من الفضة، والثالثة من الذهب أيضا؛ وفوقها سوسانة من الذهب المحض مسدسة؛ وفوق السوسانة رمانة صغيرة من الذهب؛ ثم طرف الزج، وفيه تأريخ مكتوب بالذهب. وزنة كل رمانة من الثلاثة المذكورة قنطار واحد فما دونه، ودور كل واحدة ثلاثة أذرع ونصف. وكمل بناء الصومعة في جمادى الأولى؛ فذلك ثلاثة عشر شهرا.
وكان الناصر زاد في المسجد الجامع بقرطبة زيادته المشهورة، المتصلة بزيادة ابنه الحكم بعده، وفيها القبو الكبير الذي يصطف المؤذنون أمامه يوم
(2/228)
________________________________________
الجمعة للأذان، وهو من أعجب البنيان. وإذ قد وقع ذكر المسجد الجامع بقرطبة؛ فالواجب أن نذكر أول من أحدثه ومن تولي بناءه من ملوك بني أمية. على سبيل الاختصار؛ فنقول:

ذكر مسجد قرطبة الأعظم
ذكر الرازي عن الفقيه محمد بن عيسى أنه قال: لما افتتح المسلمون الأندلس، استدلوا بما فعل أبو عبيدة وخالد - رضي الله عنهما - عن رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من مشاطرة الروم في كنائسهم مثل كنيسة دمشق وغيرها مما أخذوه صلحا. فشاطر المسلمون أعاجم قرطبة في كنيستهم العظمى التي كانت بداخلها، وابتنى المسلمون في ذلك الشطر مسجدا جامعا. وبقى الشطر الثاني بأيدي الروم، وهدمت عليهم سائر الكنائس. فلما كثر المسلمون بالأندلس، وعمرت قرطبة ونزلها أمراء العرب بجيوشهم. ضاق عنهم ذلك المسجد، وجعلوا يعلقون منه سقائف؛ فنال الناس من الضيق مشقة عظيمة. فلما دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس، وسكن قرطبة، نظر في أمر الجامع، وتوسيعه، وإتقان بنائه؛ فأحضر أعاجم قرطبة، وسألهم بيع ما بقي بأيديهم من الكنيسة المذكورة، وأوسع لهم البذل فيه، وفاء بالعهد الذي صولحوا عليه؛ وأباح لهم بناء كنائسهم التي كانت هدمت عليهم في وقت الفتح بخارج قرطبة. وخرجوا عن الشطر؛ فاتخذه وأدخله في الجامع الأعظم. وكان شروع عبد الرحمن الداخل في هدم الكنيسة وبناء الجامع سنة 169؛ وثم بناؤه، وكملت بلاطاته، واشتملت أسواره في سنة 170؛ فذلك مدة من عام كامل؛ فقيل إن النفقة التي أنفق الإمام عبد الرحمن بطول هذه السنة في بناء الجامع ثمانون ألفا بالوازنة. وفي ذلك يقول البلويُّ - رحمه الله - (طويل) :
(2/229)
________________________________________
وَأبرَزَ في ذاتِ الإلهِ وَوَجهِهِ ... ثَمانينَ ألفاً من لُجَينٍ وعَسْجَدِ
فأنفَقها في مَسِجدٍ أُسُّه الشُّقَي ... ومَنْهَجُه دينُ النبيِّ مُحَمَّد
ثم زاد ابنه هشام صومعة، كان ارتفاعها أربعين ذراعا إلى موضع الأذان وبنى بآخر المسجد سقائف لصلاة النساء؛ وأمر ببناء الميضأة بشرقي الجامع. وأقام الجامع على هيئته تلك إلى أيام عبد الرحمن بن الحكم؛ ثم زاد عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الزيادة المنتظمة بالأرجل، طولها خمسون ذراعا، وعرضها مائة وخمسون، وعدد سواريها ثمانون سارية؛ وكان الفراغ من هذه الزيادة في جمادى الأولى سنة 234. ثم زاد الأمير محمد بن عبد الرحمن أن أمر بإتقان طرر الجامع، وتنميق نقوشه، وبإقامة المقصورة، وجعل لها ثلاثة أبواب؛ فلما كمل ما أمر به في الجامع، دخله وصلى فيه ركعات خشع فيها. فقال في ذلك موسى بن سعيد (طويل) :
لَعمِري لقد أبدَى الإمامُ التواضُعَا ... فأصبَحَ للدُّنيا وللدِّين خَاشِعا
بَنَى مَسجداً لم يُبنَ في الأرض مِثلُه ... وصلى به شُكراً لذي العَرش راكِعا
فطُوبَى لمن كان الأمير محمَّد ... له إذْ دَعَا فيه إلى الله شافِعا
ثمَّ زاد الأمير المنذر بن محمد البيت المعروف ببيت المال في الجامع؛ فوضع فيه الأموال الموقفة لغياب المسلمين؛ وأمر بتجديد السقاية وإصلاح السقائف. ثم زاد أخوه الأمير عبد الله بن محمد ساباطا معقودا على حنايا، أوصل به ما بين القصر والجامع من جهة الغرب؛ ثم أمر بستارة من آخر هذا الساباط إلى أن أوصلها بالمحراب؛ وفتح إلى المقصورة بابا كان يخرج منه إلى الصلاة؛ وهو أول من اتخذ ذلك من أمراء بني أمية بالأندلس - رحمهم الله -.
رجع الخبر إلى ذكر الناصر. قيل إنه أنفق في صومعة المسجد وفي تعديل
(2/230)
________________________________________
المسجد وبنيان الوجه للبلاطات الأحد عشر بلاطا سبعة أمداد وكيلين ونصف كيل من الدراهم القاسمية. وجملة ما أنفق عبد الرحمن الناصر في بناء مدينة الزهراء وقصورها خمسة وعشرون مدبا من الدراهم القاسمية وستة أقفزة وثلاثة أكيال ونصف.

ذكر بناء مدينة الزهراء بقرطبة
أعادها الله للإسلام بفضله
ابتدئ بنيانها في أيام الناصر من أول سنة 325. وكان يصرف فيها كل يوم من الصخر المنجور ستة آلاف صخرة سوى التبليط في الأسوس؛ وجلب إليها الرخام من قرطاجنة إفريقية ومن تونس؛ وكان الأمناء الذين جلبوه عبد الله بن يونس، وحسن القرطبي، وعليُّ بن جعفر الإسكندراني؛ وكان الناصر يصلهم على كل رخامة بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية. وكان فيها من السواري أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية وثلاث عشرة سارية، المجلوبة منها من إفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية. وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية؛ وسائر ذلك من رخام الأندلس. وأما الحوض الغريب المنقوش المذهب بالتماثيل، فلا قيمة له، جلبه ربيع الأسقف من القسطنطينية من مكان إلى مكان حتى وصل في البحر؛ ووضعه الناصر في بيت المنام في المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس؛ وكان عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصع بالدر النفيس العالي مما صنعه بدار الصنعة بقصر قرطبة. وكان المتولي لهذا البنيان المذكور ابنه الحكم، لم يتكل الناصر فيه على أمين غيره. وكان يخبز في أيامه كل يوم يرسم حيتان البحيرات ثماني مائة خبزة، وهذا من أعظم الأشياء إلى ما فوق ذلك.
وكان الناصر قد قسم الجباية على ثلاثة أثلاث: ثلث للجند، وثلت للبناء، وثلث مدخر. وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف
(2/231)
________________________________________
وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن المستخلص والأسواق سبع مائة ألف دينار وخمسة وستين ألف دينار.
ومما قيل في آثار مدينة قرطبة وعظمها حين تكامل أمرها في مدة بني أمية - رحمهم الله تعالى - إن عدة الدور التي بداخلها للرعية دون الوزراء وأكاب أهل الخدمة مائة ألف دار وثلاثة عشر ألأف دار؛ ومساجدها ثلاثة آلاف؛ وعدة الدور التي بقصرها الزهراء أربعمائة دار، وذلك لسكنى السلطان وحاشيته وأهل بيته. وعدد الفتيان الصقالبة ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمسون. وعدة النساء بقصر الزهراء الكبار والصغار وخدم الخدمة ستة آلاف وثلاثمائة امرأة؛ وكان لهؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل ينقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان. وعدد حماماتها ثلاثمائة حمام؛ وقيل إنها المبرزة للنساء. وكان عدد أرباض قرطبة - أعادها الله للإسلام - في ذلك الوقت ثمانية وعشرين ربضا، منها مدينتان: الزهراء والزاهرة. وأما اليتيمة التي كانت في المجلس البديع، فإنها كانت من تحف قيصر اليوناني صاحب القسطنطينة، بعض بها للناصر مع تحف كثيرة سنية. فسبحان من لا يبيد ملكه ولا ينقطع عزه!.
وفي سنة 350، توفى الناصر - رحمه الله -، وذلك في صدر رمضان منها. ووجد بخطه تأريخ قال فيه: (أيام السرور التي صفت لي دون تكدير في مدة سلطاني يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.) فعدت تلك الأيام؛ فوجد فيها أربعة عشر يوما. فأعجب أيها الغافل لهذه الدنيا، وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأولائها. إن الخليفة الناصر ملك خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، ولم يصف له من الدنيا إلا أربعة عشر يوما! فسبحان ذي العزة العالية، والمملكة الباقية، تبارك اسمه وتعالى جده!
(2/232)
________________________________________
وممن رثاه، جعفر بن عثمان المصحفي، فقال (طويل) :
ألا إنَّ أياماً هَفَتْ بإمامها ... لَجائرةٌ مُشتطَّةٌ في احتِكامِها
فلَمْ يُولم الدُّنيا عِظامُ خُطُوبها ... وأحداثِها إلاَّ قلوب عِظَامِها
تأمَّلْ فهَلْ من طَالِعٍ غَيرَ آفلٍ ... لَهُنَّ وهَل من قاعِدٍ لِقامِها
وعَاينْ فهَلْ من عائشٍ برَضاعِها ... من الناس إلاَّ مَيِّتٌ بفطامِها
كأنَّ نفوسَ الناس كانت بنَفْسِهِ ... فلمَّا تَوَارَى أيْقنَتْ بِحِمامِها
فطَارَ بهِا يأسُ الأسَى وتقَاصَرَتْ ... يَدُ الصَّبْرِ عن أعوالها واحتدامِها

خلافة الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله
نسبه: الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل. كنيته: أبو المُطرف. أمه: اسمها مهرجان. عمره: ثلاثة وستون سنة وسبعة أشهر. بويع بعد موت أبيه لثلاث خلون لرمضان سنة 350. وتوفى ليلة الأحد لثلاث خلون من صفر من سنة 366؛ فكانت دولته خمس عشرة سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أيام. لقبه: المستنصر بالله. صفته: أبيض مشرب بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد، أفقم.
قضاته: منذر بن سعيد البلوطي قاضي أبيه؛ ثم أبو بكر محمد بن السليم. نقش خاتمه: الحكم بقضاء الله راض.
وافتتح خلافته بالنظر في الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة؛ وهو أول عهد أنفذه؛ وقلد ذلك حاجبه وسيف دولته جعفر بن عبد الرحمن الصقلي، وذلك لأربع خلون لرمضان من السنة، وهو اليوم الثاني من يوم خلافته. فكان أول ما عهد إليه تقديم النظر في سوق الصخور التي هي أس البنيان؛ فابتدئ بانتقالها في رمضان المذكور. وكان قطر قرطبة قد كثر به الناس؛ فضاق الجامع عن
(2/233)
________________________________________
حملهم، ونالهم التعب في ازدحامهم؛ فسارع المستنصر إلى الزيادة فيه؛ فخرج لتقديرها، وتفصيل بنيانها، وأحضر الأشياخ والمهندسين؛ فحدوا هذه الزيادة من قبلة المسجد إلى آخر الفضاء مادا بالطول لأحد عشر بلاطا. وكان طول الزيادة من الشمال إلى الجنوب خمسة وتسعين ذراعا؛ وعرضها من الشرق إلى الغرب مثل عرض الجامع سواء؛ وقطع من هذا ساباط القصر المتخذ لخروج الخليفة إلى الصلاة إلى جانب المنبر بداخل المقصورة؛ فجاءت هذه الويادة من أحسن ما زيد في المسجد قبل وأشده وأتقنه.

ذكر الحبس الذي حبس المستنصر بالله على الجامع بقرطبة
لما كملت زيادته، أحضر الفقهاء والعدول الشهداء وأعيان الناس ووجوههم وقضاتهم وأئمتهم. فحمد الله، وأثنى عليه، وجدد شكره على توفيقه، لإجراء هذه البنية الكريمة على يديه، وأنه تلقى هذه النعمة العظيمة بأن حبس ربع جميع ما جرته إليه الوراثة عن أبيه أمير المؤمنين في جميع كور الأندلس وأقاليمها على ثغور الأندلس كافة تفرق عليهم غلات هذه الضياع عاما بعد عام على ضعفائهم إلا أن تكون بقرطبة مجاعة، فتفرق فيهم إلى أن يجبرهم الله. وجعل القبض والنظر في هذا الحبس إلى حاجبه وسيف دولته جعفر؛ وجعل دفع ذلك إلى وزيره وكاتبه عيسى بن فطيس. وأشهد الحاضرين على ذلك، وأشهد أيضا بعتق كل مملوك له من الذكران، وخرج غازيا إلى بلاد المشركين.
وفي سنة 351، غزا الحكم المستنصر بالله بلاد الروم؛ ففتح بها حصونا كثيرة ومدنا جليلة، وسبى وغنم، وانصرف غانما ظافرا.
وفيها، وفد عليه أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من ملك برغواطة أبي منصور عيسى بن أبي الأنصار؛ فسأله الحكم عن أنساب برغواطة ومذاهبهم؛ فأخبره بما تقدم في الجزء الأول.
(2/234)
________________________________________
وكان الحكم قد أنفذ الكتب في محرم من سنة 351 إلى جميع الولاة والقواد والعمال بأقطار الأندلس، يأمرهم بارتباط الخيل، والقيام عليها، والاستعداد بالعدد والأسلحة والآلات برسم الجهاد في سبيل الله.
وفيها، عزل عبد الله بن بدر عن شرطة المدينة بقرطبة، وولاها محمد بن جهور، وأنفذ له سجلا بذلك بخط يده.
وفيها، استحجب جعفر الصقلبي الفتى الكبير الناصري.
وفيها، وفد على المستنصر بالله أردون بن إذفونش الأحدب، من ملوك الجلالقة، المنازع لابن عمه شانجه بن ردمير سابقه إلى ولاية ملكهم؛ فبالغ في إكرامه في خبر طويل. وكان الفصحاء في ذلك مقامات وأشعار يطول الكتاب بذكرها. فمن قول عبد الملك بن سعيد من قصيدة (كامل) :
مَلكُ الخِلافة آيةُ الإقبال ... وسُعودُه مَوصُولةٌ بتَوَالِي
فالمُسلمونَ بعِزَّةٍ وبرفعةٍ ... والمشُرِكونَ بذِلَّةٍ وسَفالِ
ألقتْ بأيديها الأعاجِمُ نَحوَه ... مُتَوَقِّعينَ لصَولةِ الرِئْبَالِ
هذا أميرُهم أتاهُ آخذاً ... مِنْه أواصِرَ ذِمَّةٍ وحِبالِ
وفيها، وصل قرطبة إرسال شانجة بن ردمير، منازع الطاغية أردون ابن عمه ملك الجلالقة، ومعهم عبد الرحمن بن جحاف قاضي بلنسية، وأيوب بن الطويل وغيرهما؛ فتوصلوا كلهم إلى المستنصر في ربيع الآخر، وأوصلوا كتاب شانجة بن ردمير بجواب ما خوطب فيه وبيعته التي عقدها على نفسه وجميع أهل مملكته لأمير المؤمنين المستنصر بالله، في خبر طويل.
وفيها، ولد للخليفة الحكم ولد ذكر من حزيته التي سماها جعفرا أم ولده؛ فسماه عبد الرحمن، وسرَّ به سرورا عظيما، إذ كان لا يولد له. وقالت في ذلك الشعراء والأدباء. فأكثروا.
(2/235)
________________________________________
وفيها، ظهر نكث الجلالقة بكل جهة.
وفيها، كان المدُّ الطامي بنهر قرطبة.
وفي سنة 352، كانت غزوة شنت أستبن، غزاها الحكم المستنصر بالله.
وفي سنة 353، كانت بقرطبة مجاعة عظيمة؛ فتكفل الحكم بضعفائها ومساكينها بما تقيم أرماقهم، وأجرى نفقاته عليهم بكل ربض من أرباض قرطبة وبالزهراء.
وفيها، قرى بالجامعين: قرطبة والزهراء، فتح ورد من قبل سعد الجعفري مولي الخليفة الحكم، القائد بالجوف، يذكر ما أتاحه الله على يديه في أهل جليقية، وأفاءه على المسلمين بسعد إمامهم الزكي.
وفيها، كان ازدحام الناس بالمسجد الجامع بقرطبة وتضاغطهم حتى كادت النفوس تتلف؛ فأمر المستنصر بالله بتوسعته والزيادة فيه؛ فأتى القاضي منذر ابن سعيد إلى المسجد الجامع، ومعه صاحب الأحباس والفقهاء والعدول بما اجتمع قبله من أموال الأحباس؛ فنظروا في الزيادة فيه.
وفيها، أنفذ المستنصر بالله أحمد بن نصر لبنيان مدينة بثغر طليطلة، وتشييدها، وتوثيق أمورها؛ وجعل بين يديه أحمال أموال.
وفيها، تحرك الحكم من قرطبة إلى المرية توقعا لما يصدر من صاحب إفريقية المحاد لأهل الأندلس، ولمعاينة ما استكمله بها من الحصانة ومطالعة حال رابطة القبطة ومشارفة حال الرعايا بتلك الجهة.
وفيها، كان خبر اللص الذي سرق بيت المال الذي للسبيل بداخل المسجد الجامع بقرطبة في شوال.
وفي سنة 354، نزل الغيث بقرطبة؛ فرويت الأرض، وطاب الحرث، وسرَّت النفوس.
(2/236)
________________________________________
وفيها، ولد هشام بن الحكم. قال ابن حيان: كان الخليفة الحكم شديد الكلف بطلب الولد لعلو سنه؛ فبشر في بعض خلواته باشتمال أم ولده على حمل؛ فسر به، وبقى يترقبه؛ فأتته به أول خلافته؛ ثم مات طفلا؛ فأحزته. فلما بشر بهذا، فرح به؛ فاستبشر جعفر بن عثمان وزيره ببشراه، وأرسل إليه في التهنئة بذلك أبياتا، وهي (وافر) :
هنيئاً للأنام وللإمامِ ... كَرِيمٌ يستفيدُ على كِرامِ
مُرَجَّى للخلافة وَهَوَ ماءٌ ... مأمول لآمالٍ عِظَامِ
أضاء على كريمته ضِيَاه ... فلَمْ تَعْلَمْ بغاشيةِ الظلامِ
وَلِمْ لا يُستَضاءُ بجانِيَهْا ... وبَين ضلُوعِها بَدرُ التَّمامِ
قال: فلما ولدت جاريته جعفر ابنها هشاما الملقب بالمؤيد، بشر الخليفة الحكم بطلوعه، وجعفر بن عثمان عنده في خلوة؛ فارتاح لارتياحه؛ فقال على البديهة يهنئه (منسرح) :
اطّلع البدر من حجابه ... واطَّرَدَ السَّيفُ من قِرابِه
وجاءنا وارِثُ المَعَالِي ... لِيُثبت المُلكَ في نِصَابِه
بَشَّرنا سَيّدُ البَرايَا ... بنعمة الله في كتابه
لَو كنتُ أعطي البشيرَ نفسي ... لَم أفض حقاً لِما أتَى بِهْ
وفيها، كملت القبة المبتناة على المحراب في الزيادة بالمسجد، وذلك في شهر جمادى الآخرة منها.
وفيها، شرع في تنزيل الفسيفساء بالمسجد الجامع؛ وكان ملك الروم بعث بها إلى الخليفة الحكم. وكان الحكم قد كتب له في ذلك، وأمره بتوجيه صانعها إليه، افتداء بما فعله الوليد بن عبد الملك في بنيان مسجد دمشق؛ فرجع وفد الحكم بالصانع، ومعه من الفسيفساء ثلاثمائة وعشرون قنطارا، بعث بها ملك الروم هدية؛ فأمر الحكم بإنزال الصانع، والتوسيع عليه، ورتب معه جملة من
(2/237)
________________________________________
مماليكه لتعلم الصناعة؛ فوضعوا أيديهم معه في الفسيفساء المحلوبة، وصاروا يعملون معه؛ فأبدعوا، وأربوا عليه، واستمروا بعد ذلك منفردين دون الصانع القادم، إذ صدر راجعا عند الاستغناء عنه، بعد أن أجزل له المستنصر الصلة والكسوة. وتداعى إلى هذه البنية كل صانع حاذق من أقطار الأرض. وركب الحكم المستنصر بالله في العشر الوسط لشوال من الزهراء إلى الجامع، ودخله، ونظر إلى الزيادة وما تم فيها، وأمر بإقلاع السواري الأربع التي كانت في عضادة المحراب القديم الفائقة التي لا نظير لها، وصيانتها إلى أن توضع في المحراب الجديد عند إتقان إحكامه وإكماله.
وفي سنة 355، في المحرم، أمر بوضع المنبر القديم إلى جانب المحراب، ونصب المقصورة القديمة. ونصب في قبلة هذه الزيادة مقصورة من الخشب، منقوشة الظاهر والباطن، مشرفة الذروة، طولها خمسة وسبعون ذراعا، وعرضها اثنان وعشرون ذراعا، وعلوها إلى الشرفات ثمانية أذرع. وكان الفراغ من هذه الزيادة ونصب المقصورة في رجب من السنة.
وفي يوم الجمعة لثمان خلون منه، قرى كتاب فتح من قبل سعادة الجعيفري، القائد بمدينة الفرج، يذكر ما فتح الله له وأتيح على يديه من أعداء الله المشركين.
وفي يوم الأربعاء لأربع خلون من ربيع الأول منها، نفذت الكتب إلى عمال الثغر الأدنى والأقصى في ارتباط الخيل، والتكثير منها، وجودة القيام عليها لما يؤمل من الجهاد بعون الله.
وفي يوم الجمعة لثلاث خلون منه، قرى بقرطبة والزهراء كتاب فتح ورد من قبل الوزير يحيى بن هاشم، وكتاب فتح ورد من قبل سعد الجعفري، وكتاب فتح ورد من قبل حريز بن هايل، يذكرون ما منحهم الله وفتح على أيديهم من قبل أعداء الله المشركين، وأن كل واحد منهم نهض إلى ما قبله من بلادهم، فقتل وسبى، واكتسح وأشجى، وانصرف سالما غانما.
وفي أول رجب منها، ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر
(2/238)
________________________________________
بالله، يذكر فيه ظهور أسطول المجوس ببحر الغرب بقرب من هذا المكان، واضطراب أهل ذلك الساحل كله لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما سلف؛ وكانوا في ثمانية وعشرين مركبا؛ ثم ترادفت الكتب من تلك السواحل بأخبارهم، وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة. فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب، واستشهد فيها من المسلمين وقتل فيها من الكافرين. وخرجت أسطول إشبيلية؛ فاقتحموا عليهم بوادي شلب، وحطموا عدة من مراكبهم، واستنفذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين، وانهزموا إثر ذلك خاسرين. ولم تزل أخبار المجوس تصل إلى قرطبة في كل وقت من ساحل الغرب، إلى أن صرفهم الله تعالى.
وفيها، أغزى الحكم القائد غالبا؛ ففتح الله له في المشركين، وانصرف سالما غانما.
وفيها، أمر الحكم لابن فطيس بإقامة الأسطول بنهر قرطبة، واتخاذ المراكب فيها على هيئة مراكب المجوس - أهلكهم الله - تأميلا لركوبهم إليها.
وفي سنة 356، عهد الخليفة الحكم بمخاطبة العمال بكور الأندلس، يعنفهم على جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته، إذ اتصل به أن بعضهم قد استزادوا زيادات فاحشات يعاملون بها الرعية ظلما لهم؛ فأنكر ذلك عليهم. وفيها، كانت غزوات للمسلمين انجلت عن هزائم للمشركين.
وفيها، ولي أمير المؤمنين الحكم محمد بن عبد الله بن أبي عامر الذي رأس بعد وتلقب بالمنصور وكالة أبي الوليد هشام بن الحكم، وفوض إليه في جميع شؤونه؛ فتحركت حاله في الدولة.
وفي النصف من شوال، قعد الخليفة الحكم على السرير بالزهراء قعودا بهيَّا احتفل فيه، وأوصل إلى نفسه رسولين وصلا من أمراء الغرب الأدارسة؛
(2/239)
________________________________________
فأوصلا كتابهم، يذكرون أنهم على محبة صادقة ومودة مستحكمة مع التزامهم للطاعة واعتقادهم للولاية؛ فأدنى رسوليهم، وألطف جوابيهما.
وفي يوم الجمعة لأربع بقين من شوال، قرى كتاب فتح ورد من قبل القائد غالب، يذكر ما هيا الله له في كفرة قشتيلة من القتل والأسر؛ فسر الخليفة بذلك ودخلت الرؤوس قرطبة.
وفي يوم السبت بعده، أنفذ الخليفة الحكم كتبه إلى القواد والعمال بأقطار مملكته، بإنكار ما اتصل به من أن بعضهم يسفك دماء بعض بلا عهد ولا مشورة، وأن ذلك عظم عنده، وتبرأ إلى الله ممن أقدم عليه.
وفيها، أجرى الماء إلى سقايات الجامع والميضأتين اللتين مع جانبيه: شرقيه وغربيه، ماء عذبا جلبه من عين بجبل قرطبة، خرق له الأرض، وأجراه في قناة من حجر متقنة البناء، محكمة الهندسة، أودع جوفها أنابيب الرصاص لتحفظه من كل دنس. وابتدى جري الماء من يوم الجمعة لعشر خلون لصفر من السنة؛ وفي جري الماء إلى قرطبة يقول محمد بن شخيص في قصيدة له، منها (بسيط) :
وقدْ خَرَقت بُطُونَ الأرضِ عن نُطّفٍ ... من أعذَبِ الماءِ نحوَ البَيْت نُجْريها
طُهْرٌ الجُسومِ إذا زالت طهارتها ... رَيُ القُلوب إذا حَرَّتْ صَوَادِيها
قَرَنْتَ فَخراً بِأجرٍ قَلَّ مَا اقتَرنَا ... في أمَّةٍ أنتَ راعِيها وحامِيها
وابتنى بغربي الجامع دار الصدقة، اتخذها معهدا لتفريق صدقاته - رحمه الله تعالى -. ومن مستحسنات أفعاله وطيبات أعماله، اتخاذه المؤدبين يعلمون أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حوالي المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض قرطبة؛ وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح، ابتغاء وجه الله العظيم؛ وعدد هذه المكاتب سبعة وعشرون مكتبا، منها حوالي المسجد الجامع ثلاثة، وباقيها في كل ربض من أرباض المدينة. وفي ذلك يقول ابن شخيص (بسيط) :
(2/240)
________________________________________
وسلحَةُ المَسجِدِ الأعلَى مُكَلَّلةٌ ... مَكَاتِباً لليَتامَى من نَوَاحيها
لَوْ مُكِنَتْ سُوَرُ القُرآنِ مِنْ كَلِمٍ ... نادَتْكَ يَا خَبرَ تَالِيها ووَاعِيها
ووجد بخط الخليفة المستنصر بالله: (ابتدى بنيان الجامع - صانه الله - يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 351، وكمل سنة 355. وبلغت النفقة فيه إلى مائتي ألف وأحد وستين ألفا وخمسمائة وسبعة وثلاثين دينارا ودرهم ونصف (وقع " ونصف " في الأصل المنقول منه هذا. وقال إنه نقله مندرسا، ثم إنه تعرف بعد ذلك صحته من الثقات أنه " ونصف " صحيح؛ وكذلك قال وقع بخط الحكم - رحمه الله -) .
وفي سنة 357، في العشر الآخر من رمضان، احتل الوزيران القائدان غالب بن عبد الرحمن وسعيد بن الحكم الجعفري بجيوش الثغر بالصائفة على حصن قلهرة؛ فأقاما بساحته مدة استظهرا بها على تمكين بنيان الحزام فيه والزيادة في ارتفاع البرج الثامن بذروته فانتهيا من ذلك إلى الإدارة، وقفلا بالعسكر، وقد وثقا للحصن بالأمنة.
وفي سنة 360، في محرم منها، قعد الخليفة المستنصر بالله على السرير بقصر قرطبة على جرى العادة من الاحتفال والزينة؛ فأوصل إلى نفسه عيسى بن محمد ومحمد بن العالي وحسن بن عليّ رُسُل بني محمد الحسنين أمراء الغرب؛ فأوصلوا كتاب مرسليهم، وذكروا ما هم عليه من الطاعة، وطلبوا بعثه رماة تقوية لهم لما يتوقعونه من حركة قائد معد الشيعي نحوهم؛ وتقربوا بإهداء خيل وجمال وغير ذلك؛ فقبلت منهم.
وفي صدر رمضان منها، وقع الإرجاف بتحرك المجوس الأردمانيين - لعنهم الله -، وظهورهم في البحر، ورومهم سواحل الأندلس الغربية على عادتهم؛ فأزعج السلطان قائد البحر بالخروج إلى المرية، والتأهب لركوب الأسطول منها إلى إشبيلية، وجمع الأساطيل كلها للركوب إلى ناحية الغرب.
(2/241)
________________________________________
ذكر مقتل زيري بن مناد، قائد الشيعي على تيهرت، وفي يوم السبت، لاثنتي عشرة ليلة بقيت لشهر رمضان منها، ورد الخبر على المستنصر بالله بقتل زيري بن مناد عامل معد الشيعي وقائده على الغرب، قتله جعفر ويحيى ابنا عليّ المعروف بابن الأندلسي، المخالفان على معد فيمن استظهرا به عليه من زنانة، وجدوه بناحية الغرب في حرب دارت بينهم شهدها بنو خزر وغيرهم من رؤساء القبائل القائمين على زيري بدعوة الحكم المستنصر بالله؛ ففتح لهم في قتله أعظم الفتوح. ووصل عليُّ البغدادي كاتب جعفر المذكور بكتابه إلى المستنصر وذكر اهتياج الحرب العظيم بين أهل الدعوتين بالغرب.
ذكر فراق جعفر بن عليّ المعروف بابن الأندلسي صاحب المسيلة لمعد ابن إسماعيل الشيعي صاحب إفريقي، وتقربه إلى الحكم المستنصر بانضمامه إلى زناتة المنحاشين إلى دعوة بني أمية، وتألب جماعتهم على زيري بن مناد الصنهاجي عامل معد الشيعي على حرب بلاد الغرب وقتلهم لزيري عند انقضاضه عليهم صادا لهم عن طريقهم متقربين بقتله إلى الحكم. وسبق جعفر ويحيى أخوه وذووهما بالعبور إلى الأندلس مهديين رأس زيري، خالعين للدعوة الشيعية، متقلدين للدعوة الأموية الجماعية. فكان لهما في ذلك قبول ورفعة عظيمة من الخليفة.
وقد ذكر محمد بن يوسف الوراق خبرهما؛ قال: وهما أبنا عليّ بن حمدون؛ وجدهما الأكبر عبد الحميد كان الداخل إلى الأندلس من الشام، ونزل بكورة إلبيرة؛ ثم تنقل حفيده حمدون، جد جعفر هذا، إلى بجاية، وصحب أبا عبد الله الشيعي الداعي، ودخل في مذهبه. فلما تغلب الشيعي على إفريقية، ظهر عليُّ بن حمدون؛ ثم ازداد ظهورا في أيام عبيد الله المهدي وحظوة، وضمه إلى ابنه أبي القاسم ولي عهده؛ فازداد حظوة لديه، وخرج معه إلى أرض الغرب؛ فأمره ببناء مدينة المسيلة، وولاه عليها؛ فبقى بها إلى أن هلك في فتنة أبي يزيد،
(2/242)
________________________________________
سقط من جرف عال، فاندقت يداه ورجلاه، سنة 334. وتولى جعفر هذا ابنه المسيلة من بعده؛ فلم يزل متوليا لها، رفيع المنزلة عند سلطانه، إلى أن قتل محمد بن الخير بن حزر الزناتي القائم بدعوة بني أمية زيري بن مناد؛ فخاف جعفر من صاحب إفريقية؛ فبادر إلى الفرار بنفسه مع أخيه يحيى وجميع أهله وماله سنة 360؛ فصار عند بني خزر أمراء زناتة؛ فشق جعفر الصحراء معهم قاصدين لزيري؛ فالتقوا معهم، ودارت بينهم حرب صعبة انجلت عن قتل زيري وخلق من رجاله؛ واحتوى الزناتيون فيها على جميع عسكر زيري، وأدركوا ثأرهم منهم. ولما أن تم الأمر لأمراء زناتة وجعفر بن عليّ على ما أملوه من الفتح في عدوهم زيري بن مناد، بادر جعفر بمراسلة الحكم إلى الأندلس، ملقيا بنفسه عليه، معتصما بدعوته؛ ثم أرسل إليه أخاه يحيى؛ ثم سار إليه بنفسه، فحظي عنده.
قال ابن حماده: وفي ربيع الآخر من سنة 360، التقى يوسف بن زيري الصنهاجي، المشتهر اسمه ببلقين، مع محمد بن الخير أمير زناتة؛ فهزمه بلقين ابن زيري، وقتل جماعة من أهله ورجاله. فلما أيقن محمد بن الخير أن عدوه قد أحاط به، اتكأ على سيفه، فذبح به نفسه، أنفة من أن يملكه بلقين؛ فأتى بأمر عظيم سار ذكره بأرض الغرب. وملك بلقين بن زيري إثر ذلك الغرب، وقتل زناتة، وهدم مدينة البصرة وغيرها من مدن الغرب، ولم يثن عنانا عن مدينة سبتة؛ ومنها رجع، وإليها كان انتهاؤه؛ وصدر عاجزا عنها.
وفي ذي القعدة منها، خاطب المستنصر بالله قواده وعماله بكور الأندلس في استقدام كبارها وأعلام رجالها لمشاهدة دخول يحيى بن عليّ بن حمدون وبني خزر أمراء زناتة القادمين برأس زيري بن مناد الصنهاجي قائد معد بن إسماعيل الشيعي وبرؤوس أعيان أصحابه. فلما كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها، خرج صاحب السكة والمواريث، وقاضي
(2/243)
________________________________________
إشبيلية محمد بن أبي عامر لتلقي جعفر بن عليّ ويحيى أخيه، ومعه أربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب، منتقاة من دواب الخليفة، بسروج الخلافة ولجمها؛ ومعه الأخبية الديباجية وغير ذلك. فاحتل ابن أبي عامر بالمرسى الذي خرج فيه جعفر وبمقربة من مالقة. ثم وصل بعد ذلك للوافدين خيل وبغال من قبل الخليفة، وهوادج وكسوات وعماريات لعيال جعفر؛ ثم قدموا إلى قرطبة ببروز عظيم، واحتفال لدخولهم جسيم، حتى وصلا الخليفة. وقد ذكرت الشعراء شأن فراق جعفر وأخيه يحيى لسلطاتهما معد بن إسماعيل ومسيرهما إلى الخليفة الحكم، واعتافهما بحقه فيما مدحت به الخليفة الحكم وأكثرت في ذلك. وقال يوسف ابن هارون (كامل) :
وَلَقَدْ عَجِبتُ لِغَفلَةِ المستَنْصِرِ ... إذْ أكْتَفَ الجَيشَ اللُّهَامَ لجِعفَرِ
وَلَوَانَّ مَنْ أهوَاهُ وَجهَهُ ... قَامَتْ لَوَاحِظُهُ مَقَامَ العَسْكرِ
وفي يوم السبت لليلتين من ذي القعدة منها، جلس الخليفة الحكم فوق السرير جلوسا بهيا، وأوصل إلى نفسه أجناد الكور ووجوه أهلها، الذين استدعاهم لمشاهدة جعفر بن عليّ ومن أتى معه من أمراء زناتة، وأمرهم بالانصراف إلى بلادهم؛ فانصرف جند دمشق، وهم أهل إلبيرة، وجند حمص، وهم أهل كورة إشبيلية، وجند فنسرين، وهم أهل جيان، وجند فلسطين، وهم أهل شذونة، وغير هؤلاء.
وفي سنة 361، هاجت بالغرب حروب مع حسن بن قنون الحسني وقواد الحكم المستنصر بالله.
بعض أخبار حسن بن قنون الحسني أمير الغرب مع قواد الأندلس في هذه السنة. كان المستنصر بالله دعا محمد بن قاسم الناظر في الحشم، وأمره بالخروج إلى مدينة سبتة في رمضان من هذه السنة، قائدا على من يضمه إليه من طوائف الأجناد، للذي بدا من نقض حسن بن قنون، وانحرافه إلى دعوة معد صاحب
(2/244)
________________________________________
إفريقية واستدعائه من دن منه من أحزابه، مستعينا بهم فيما اعتزم عليه من نفاقه على الحكم، وإعلانه بإيقاع الدعاء الشيعي معد على منابر عمله، فأوصى الحكم قائده محمد بن قاسم باستعماله جده وجهده في مغاورة ابن قنون، وأمره، إن أظهره الله تعالى، أن يأخذ بالعفو والصفح، وإصلاح البلاد، واستصلاح الرعية؛ وأمره أن يستعين بمن دخل في الطاعة الأموية. فكان عبوره البحر إلى سبتة لإحدى عشرة بقيت من شوال منها؛ وتكاملت الجيوش والأساطيل بسبتة. وفي يوم السبت لأربع خلون من ذي القعدة ورد كتاب على المستنصر بالله بفتح طنجة، فتحها قائده على البحر عبد الله بن رماحس، يذكر أنه نازلها بالأسطول غرة ذي قعدة، ودعا أهلها إلى الطاعة والعود إلى الجماعة؛ فاستولوا الرد عليه؛ وكان حسن بن قنون داخلها يشد عزائمهم؛ فلما كان يوم الخميس، خرج حسن لقتال العسكر الخارج إليه من سبتة إلى تلون، وأبرز من طنجة عددا كثيرا من جنده الغربيين وأنصاره؛ فانهزموا أمام جيش الحكم، وولوا مدبرين؛ فلما رأى ذلك حسن، فرَّ هاربا في خاصة من أصحابه، لا يلوى على أحد، ولم يعرج على ما كان له ولأصحابه بطنجة من أموال وأخبية وأمتعه؛ فلما أمعن في فراره، وأسلم أهل طنجة، خرج شيخهم ابن الفاصل إلى القائد ابن رماحس مع جماعة وجوه طنجة، وهم ينادون (الطاعة لله ولأمير المؤمنين الحكم) ثم تقدم ابن الفاضل إلى القائد رماحس وطلب منه الأمان لأهل بلده؛ فأعطاه إياه، ودخل طنجة، ونهب ما كان بها لحسن بن قنون وأصحابه؛ وأنفذ القائد كتابه بالفتح إلى الخليفة.
وورد كتاب القائد محمد بن قاسم على المستنصر بالله لتسع بقين من ذي القعدة، يذكر أنه التقى مع حسن بن قنون؛ فدارت بينهما حرب شديدة، أجلت عن هزيمته، وقتل كثير من شيعته؛ وفر فيمن بقى معه إلى جبل حصين؛ فتبعه
(2/245)
________________________________________
الجند، وانفضوا عليه؛ فدارت بينهم حرب يسيرة؛ ثم انهزم أيضا، وخلف أثقاله، وفرَّ، لا يلوى على شئ؛ فصار الجبل بأيدي الجند، ونهبوا ما فيه؛ ثم نهضوا في اليوم الثاني إلى مدينة دلول؛ ففتحها الله لهم. ولحق بهم القائد محمد بن قاسم في العسكر؛ فقصد مدينة آصيلا، فدخلها؛ ودخل القائد إلى جامعها، فوجد فيه منبرا جديدا موسوما باسم الشيعي معد بن إسماعيل؛ فأمر بإحراقه بالنار، بعد أن خلع من أعلاه اللوح المنقوش فيه اسم معد، وكان فيه من الغلو ما في ذكره أمر كبير؛ فأمر باقتلاعه، وأرسله مع كتاب الفتح إلى المستنصر. وانصرف العسكر إلى مدينة دلول؛ فأمر بهدم أسوارها، وتضريم بيوتها نارا، وتركها عبرة. واستولي العسكر على ما كان بها، واستوسعوا في أطعمتها وما ترك فيها حسن المذكور.
وفي سنة 362، قتل القائد محمد بن قاسم بفحص مهران على يدي حسن ابن قنون، يوم الأحد لسبع بقين من ربيع الأول؛ وقتل في ذلك اليوم جملة من الجند الذين كانوا معه نحو الخمسمائة من الفرسان الأبطال الأندلسيين الأنجاد، ومن رجالتهم نحو الألف.
وفي غرة جمادى الآخرة، دخل إلى قرطبة جمع من مصمودة ممن كان مع حسن بن قنون، وهم سبعون رجلا، نزعوا إلى الطاعة.
وفيها، استدعى المستنصر بالله غالب بن عبد الرحمن، وأمره بحرب حسن ابن قنون الحسني عندما تفاقم أمره، وقتل الجند. وورد على المستنصر بالله كتاب فتح من قبل القواد بمدينة آصيلا، أنهم التقوا مع حسن بن قنون، فدارت بينهم حرب شديدة انهزم فيها حسن وقتل كثير من حماته. وقدم إلى قرطبة حنون بن إدريس صاحب مدينة العدوة الأندلسية من فاس، ورسول عبد
(2/246)
________________________________________
الكريم صاحب مدينة القرويين من فاس، يرغبان في طاعة أمير المؤمنين المستنصر، والقيام بدعوته؛ فكرم رسولهما، وأجمل موعودهما.
وفي شعبان منها، خوطب القائد غالب بأنه بعث إليه بعشرة آلاف دينار لصلات الخارجين إليه من أصحاب حسن بن قنون، يوزعها عليهم بحسب مقاديرهم؛ وقرن بها من فاخر الكسوة والسيوف المحلاة عدد كثير للخلع عليهم.
وفيها، أرسل المستنصر بالله الوزير يحيى بن محمد النجيبي إلى الغرب بعسكر، ممدا للقائد غالب، وجامعا لليد معه على الخالع للطاعة حسن بن قنون؛ فكان ذلك في خبر طويل.
وفي أواخر ذي القعدة، ورد على المستنصر كتاب القائد غالب يذكر صنع الله تعالى في افتتاحه حصن الكوم، وهرب المخذول عنه حسن بن قنون مع صهره صاحب البصرة عليّ بن خلوف وغيرهما.
وفي منتصف ذي الحجة، ورد كتاب صاحب الشرطة، قاضي القضاة بالغرب محمد بن أبي عامر، يذكر تعييد الناس يوم الخمس، وقيام الخطبة في المصليات هنالك للمستنصر بالله، وسرور المسلمين بذلك، وابتهاجهم به.
وفيها، كانت حروب مع الحسنيين يطول ذكرها، انجلت عن مقتل خلق كثير من أصحاب حسن بن قنون الحسني؛ وحز من رؤوس مشاهيرهم مائة رأس؛ وترك أكثرهم صريعا. وقتل في الهزيمة محمد بن أبي العيش الكتامي وكان من حسن محل أخيه تارة ومحل أبيه تارة أخرى.
وفي سنة 363، افتتح غالب، قائد الحكم المستنصر بالله، مدينة البصرة التي كان انتزى فيها محمد بن حنون الحسني، وذلك أن أهل البلد قاموا عليه، وقتلوا نائبه وخليفته عليهم، وابتدروا لمخاطبة القائد غالب، يستجلبونه إليهم؛ فوصلهم، وملك المدينة، وخاطب الخليفة بخبرها، وأدرج كتاب أهلها طيَّ كتابه.
(2/247)
________________________________________
وفي يوم الخميس منتصف صفر، ورد كتاب غالب على المستنصر، يذكر منصرفه عن بلد البصرة وأخذه رهنهم، ويذكر أنه قد صار إلى الطاعة جميع أهل الغرب وعامة قبائل البربر، ولم يبق فيه غير الخائن حسن بن قنون، وأنه قد صار من ضيق أمره في غمة. ووصل أهل البصرة إلى قرطبة الدافعين لأميرهم حسن، الداخلين في الطاعة.
وفيها، ورد الخبر السار على المستنصر بالله بإذعان الحسن بن قنون الحسني، ودخوله في طاعته؛ فشهد الخليفة صلاة الجمعة منسلخ جمادى الآخرة؛ فقعد بجامع قرطبة، وأعلم الوزراء بخضوع حسن بن قنون المنتزي عليه بالغرب، وأنه ورد عليه كتاب غالب بذلك، وأنه يوجه إليه ابنه عليّ بن حسن المذكور، وأن الخطبة قامت بدعوته في قلعة حجر النسر؛ فاستبشر الوزراء وعنؤه، وغبطوه وأعلنوا بالسكر لله تعالى والدعاء للخليفة، وأطالوا في ذلك.
وفي سنة 364، قدم على المستنصر قائده غالب بن عبد الرحمن قافلا من عدوة الغرب، ومعه حسن بن قنون وسيعته بنو إدريس الحسنيون ملوك الغرب، المستنزلون من معاقلهم إلى الأندلس، حافين بشيخهم المشتهر بحنون، واسمه أحمد بن عيسى، صاحب مدينة الأقلام وما ولاها؛ ومعه اخوته وبنو عمه وبنوهم وأهلوهم؛ فأمر باحتمال هؤلاء الأشراف من المحلة، في ظلام ليلة الخميس لأربع خلون من المحرم، إلى الدور التي أخليت لهم بقرطبة؛ فأرسل القوم معهم ثقاتهم من فتيانهم ومواليهم، حتى أدتهم إلى الدور المعدة لهم، بعد أن فرشت مجالسها بشيء يطول ذكره.
وفيها، كان اعتلال الخليفة الحكم، في ربيع الأول؛ واحتجب عن جميع مملكته إلى أن تخلف وصبه، وظهر لخاصته يوم الجمعة لليلة بقيت من ربيع الآخر منها. وفي عقب ربيع المذكور، أعتق الحكم نحوا من مائة رقبة من عبيد، له
(2/248)
________________________________________
فيه لبعضهم تدبير، ولباقتهم عتق بتل ومؤجل، خلص به جميعهم من الرق؛ وعقدت بذلك وثائق. فكان أول من أوقع شهادته فيها أبو الوليد هشام بن الحكم، ثم الفقهاء أهل الشورى، ثم العدول.
وفيها، حبس الحكم حوانيت السراجين بقرطبة على المعلمين لأولاد الضعفاء.
وفيها، أسقط الحكم سدس جميع المغارم عن الرعايا بجميع كور الأندلس، شكرا لله على أنظاره له.
وفيها، كان جيشان العدو - خذله الله - ومنازلته بعض حصون المسلمين.
وفيها، كان الظفر بأبي الأحوص معن بن عبد العزيز النجيبي؛ فقبض عليه رشيق، وبعثه مكبولا إلى قرطبة مع عشرة من أصحابه؛ وكان يظاهر المشركين ويدلهم على عورات المسلمين؛ فأخذه الله.
وفي سنة 365، خرج من قرطبة جعفر ويحيى، ابنا عليّ بن حمدون بن الأندلس، قائدين إلى الغرب من العدوة، وبين أيديهما الألوية والطبول مديلين للوزير يحيى بن محمد بن هاشم.
وفيها، كان الإعلان ببيعة أبي الوليد هشام بن الحكم، وأن تؤخذ له من الخاصة والعامة بقرطبة وسائر كور الأندلس، وما إلى طاعته من بلاد الغرب. وذكره في الخطبة على المنابر في الجمعة والأعياد، وذلك مستهل جمادى الآخرة: قعد أمير المؤمنين الحكم بقصره، وافتتح الكلام بما عزم عليه من تقليد ابنه عهده الخلافة من بعده؛ فالتزمت بيعته، وأخرجت نظائر من كتب البيعة ليوقع شهادته كل من التزمها؛ وتولي إعطاءها للناس على مراتبهم المنصور محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ صاحب الشرطة والمواريث، وميسور الفتى الجعفري الكاتب.
(2/249)
________________________________________
وفيها، خرج الوزير يحيى بن محمد بن هاشم قائدا إلى سرقسطة، وبين يديه الطبول والبنود.
وفيها، نفذ عهد الحكم إلى الوزير صاحب المدينة جعفر بن عثمان المصحفي بإطلاق أبي الأحوص النجيبي من سجن المطبق مع أصحابه؛ فصفح الحكم عنهم.
وفي سنة 366، توفى أبو عليّ البغدادي، صاحب النوادر، المعروف بالقاليّ، منسوب إلى قالي قلا من ديار المشرق.
وفيها، مات محمد بن يحيى النحوي، وأبو مروان المرادي، وعبد الملك بن سعيد؛ فكانت تسمى سنة الأدباء.
وكمل بناء المسجد سنة 65؛ كان المنبر الذي صنعه الحكم مدخلا من عود الصندل الأحمر والأصفر والأبنوس والعاج والعود الهندي؛ قام على الحكم - رحمه الله - بخمسة وثلاثين ألف دينار وسبعمائة دينار وخمسة دنانير؛ وكان تمامه في خمسة أعوام.
ووجد بخط المستنصر بالله تأريخ وفاة قاضيه وقاضي أبيه منذر بن سعيد البلوطي، وأنه توفى يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي قعدة من سنة 55؛ وكان مولده سنة 273؛ فكان عمره اثني وثمانين سنة. وكان في هذا القاضي منذر دعابة يعرض بها ويتعرض له بها؛ فكتب إليه قوم من أهل المجانة والظرف (خفيف) :
قُلْ لِقَاضي الجماعة البَلُّوطي ... ما ترى في خريدة كالخُوطِ
ناكها للثواب قَوْمٌ ظِرافٌ ... هَلْ تَرَى سيِّدِي بذا مِنْ سُقُوطِ
فوقع لهم في كتابهم: (لا منفردة) . فقال له من حضر: (ما هذا؟) . فقال: (أردت لا أرى ذلك) . فقالوا: (لا يفهم عنك إلا غيره) . فقال: (كل يجاوب على معتقده) !. فكان له - رحمه الله - نوادر مستحسنة، وغرائب مستملحة.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 07:41 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب