منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن كتب التاريخ والجغرافيا

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ملف سقوط الأندلس(فيديو) Emir Abdelkader منتدى الثقافة الجزائرية والعربية 1 2015-07-23 07:51 PM
المخزن في قلب فضيحة جديدة: المغرب حرّف البيان المشترك بين أوباما ومحمد السادس Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-12-09 10:56 PM
الحرب المؤجلة بين الجزائر والمغرب Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-11-07 02:50 PM
حقائق-مختار بلمختار القيادي في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-03-03 06:01 PM
التاريخ الاسلامي - الحلقة 67 الإمارة في الأندلس(2) - Marwa Samy منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2011-08-29 02:26 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

الكتاب: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب
المؤلف: ابن عذاري المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد (المتوفى: نحو 695هـ)
تحقيق ومراجعة: ج. س. كولان، إِ. ليفي بروفنسال
الناشر: دار الثقافة، بيروت - لبنان
الطبعة: الثالثة، 1983 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد الله مصرف الأقدار ومحيي الآثار والمتعالي عن الأشباه والأنظار، المتنزه عن تمثيل الأوهام وتكييف الأذكار الذي احتجب بحجاب عزته وقدرته فلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الذي خضعت لهيبته وعظمته رقاب الأكاسرة والجبابرة والأشرار، العالم بالكونين على اختلافها والحوادث مع تشتيت أوصافها، وكل شيء عنده بمقدار، مكور الليل على النهار، والنهار على الليل ما جرى الفلك الدوار وجعلهما آيتين بينتين للمتفكر في العظة والاعتبار وخص الإنسان بفضل النظر والاستبصار فقال جل وتعالى " فاعتبروا يا أولي الأبصار " وعلمه ما لم يكن يعلم وكرر عليه ما لم يلحق من انباء القرون الماضية في الأزمان والأعصار وأراه متقلبهم في هذه الدنيا الفنية التي جعلها لهم دار انتقال، ومفر وزوال، وجعل الأيام بينهم دولا والأقوام بعضهم من بعض بدلا ذلك تقدير العزيز القهار نحمده على ما نعم به علينا من الهداية للنظر في مواقع الأدلة بأن هو الله الملك الغفار ونشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، الذي اختار لرسالته وختم به الرسل الكرام الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحبه الأكرمين الأخيار، وسلم كثيراً.
وبعد جعلنا الله ممن نظر فاعتبره، ووعظ فازدجره فإن خير ما شغلت به الأذكار والأفكار، وتحدثت معه الليل والنهار، حفظ ما فاد من العلوم والأخبار وأن أولى ما ريضنا به النفوس البشرية مجالسة العلماء والأخيار، ومذاكرة الأدباء ذوي الهمم وعلو المقدار، ففي مجالستهم ومذاكرتهم
(1/1)
________________________________________
ما يسحر الذهن وينور الأفكار فان فقدت مجالستهم فلا عوض منها غير كتاب يتخذه جليسه ويجده في كل وقت أنيسه ويتنسمه روضا يانع الأزهار وإذا نظر اللهيب بفطنته إلى أصناف العباد ومختلف الآباد أغناه ذلك عن المشاهدة وقام له الاستماع مقام المعاينة والاستخبار.
قال المؤلف: ولما كنت كلفت بأخبار الخلفاء والأئمة والأمراء بالبلاد الشرقية والمغربية وما والاهما من الأقطار، وولعت بالمناظرة في ذلك مع الفضلاء والأخلاء ذوي الأقدار والأخطار، طلب بعضهم إلي، ممن يجب إكرامه على، أن أجمع له كتابا مفردا في أخبار ملوك البلاد الغربية على سبيل الإيجاز والاختصار، ولازمني في طلبه مرارا، فلم يمكنني التوقف في ذلك ولا الاعتذار وحملني على جمعه وتأليفه حمل اضطرار لا اختيار، فجمعت له في هذا الكتاب نبذا ولمعا من عيون التواريخ والأخبار، مما جرى الله به تصاريف الأقدار فيما مر من الأزمنة والأعصار في بلاد المغرب وما والاهما من الأقطار: جمعت ذلك من الكتب الجليلة مقتضيا من غير إسهاب ولا إكثار فاقتطفت عيونها واقتضبت فنونها ووصلت الحديث بالقديم والقديم بالحديث لأنه إذا اتصل يستظرف ويستحلى كما قال بعضهم:
وسئت كل مآربي ... فكأن أطيبها خبيث
إلا الحديث فأنه ... عند اسمه ابدأ حديث
فنقلت والله ولي التوفيق من تاريخ الطبري والبكري والرقيق والقضاعي ومن كتاب (الذيل) لابن شرف ومن كتاب ابن أبي الصلت ومن (المجموع المفترق) ومن كتاب (بهجة النفس وروضة الأنس) ومن كتاب (المقباس) و (القبس) ومن مختصري عريب وابن حبيب ومن (درر القلائد وغرر الفوائد) ومن (القلائد) و (المطمح) لابن خاقان ومن كتاب ابن حزم (ذخيرة) ابن بسام ومن (أخبار
(1/2)
________________________________________
الدولة العامرية) لابن حيان، ومن كتاب (تقصي الأنباء في سياسة الرؤساء) ومن كتاب (الأنوار الجلية في الدولة المرابطية) ومن (نظم الجمان في أخبار الزمان) لابن القطان، ومن كتابي (الاشيري) و (البيذق) وكتاب يوسف الكاتب وكتاب بن صاحب الصلاة أبي مروان، ومن كتاب بن رشيق ومن كتاب وجدته أو تعليق، ومن شيوخ أخذت الأخبار الوقتية عنهم بتحقيق والله الهادي إلى سواء الطريق.
ولما كمل ما قيدته وجردته على ثلاثة أجزاء: كل جزء كتاب قائم بنفسه ليكون لمطالعه أوضح البيان وأسهل مرام لدى العيان وسميته بالبيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب. أما الجزء الأول فاختصرت فيه أخبار أفريقية من حين الفتح الأول في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، ثم أخبار أمرائها من ولاة الخلفاء الأمويين ومن دخل الغرب منهم ومن قام بأفريقية من الصفرية والاباضية ثم قام فيها بالدولة العباسية ومن ملكها من بني الأغلب وأخبار بني عبيد الشيعة وأخبار زناته والصهاجيين وغيرهم وكل ما اشتهر من أمرهم إلى حين انتقال العبيدية إلى البلاد المصرية واستخلافهم صهاجة على أفريقية ثم خلع صهاجة لهم واستيلائهم على أفريقية ونذكر فتنة العرب وأسبابها ودخولهم إلى القيروان وخرابها وتنقل أمراء صهاجة إلى المهدية ومن ملكها منهم وما اشتهر في ذلك من الأخبار عنهم من ملوك المناديين والحماديين إلى حين ظهور الموحدين ولخصت في ذلك كله أخبار أمراء البلاد الغربية ومن دخلها من أخبار الدولة العبيدية وذكرت أخبار المدراريين السجلماسيين والأمراء الإدريسيين وأخبار البرغواطيين والزناتيين ومن ملك فاسا من زناتة المغراويين ومن ولاء الخلفاء الأمويين الأندلسيين
(1/3)
________________________________________
على أن أخبار المغرب الأقصى أكثر من أن تحصى لكني نسقتها نسق الأسلاك وسقت من كان فيه على الولاء من الأملاك من حين فتحه الأول إلى حين ابتداء الدولة اللمتونية المرابطية.
والجزء الثاني اختصرت فيه أخبار جزيرة الأندلس وأملاكها الغابرين الدرس من حين الفتح الأول ثم من وليها من الأمراء للخلفاء الأمويين بالمشرق ثم من قام بها من العرب الفهريين إلى حين دخول الخلفاء الأمويين في ابتداء أمرهم ومن قام عليهم من الثوار الأندلسيين وذكرت بعض أخبارهم وآثارهم في غزواتهم وحركاتهم إلى انقضاء مدتهم بعد ذكر حجابهم العامريين ومآثرهم إلى حين انقضاء الدولة العامرية وقيام الفتنة البربرية وذكرت فيه أخبار ملوك الطوائف بعد انقضاء دول الخلائف من الحموديين والهوديين والجهوريين والعباديين وفتيان العامريين والصمادحيين والزناتيين والبكريين والافطسيين والصهاجيين وغيرهم من الرؤساء الأندلسيين وكل ذلك إلى حين دخول لمتونة إلى الأندلس سنة 478.
والجزء الثالث: اختصرت فيه أخبار الدولة المرابطية اللمتونية وخروجهم من صحرائهم في ابتداء أمرهم واستيلائهم على مملكة أمراء المغرب والأندلس وخلعهم لجميعهم وتغلبهم على مملكة كل منهم وما تسنى لهم فيها من الفتوحات والمنوحات إلى حين ابتداء دولة الموحدين وظهورهم ونبذ من أحوالهم وأمورهم ثم ما كان بين أمراء الدولتين من مقاتلات ومنازلات وحصر من حصر ونصر من نصر - سمه الله لهم - وذلك إلى حين انقضاء الدولة المرابطية وابتداء دولة الموحدية ثم ما تخلل ذلك للموحدين من النصر والتأييد ومن فتوح ومنوح وصنع عجيب في البلاد الأفريقية والأندلسية إلى حين انقراض دولتهم وذلك بسبب أحداث حدثت عليهم وأحوال نسبت إليهم وذكرت الدولة الحفصية الموحدية الهتاتية في البلاد الأفريقية والدولة الهودية المتوكلية والنصرية الاحمرية في البلاد الأندلسية والدولة السعيدة
(1/4)
________________________________________
المرينية في البلاد الغربية اختصرت في ذلك كله ما اشتهر أمره وأمكنني ذكره وذكرت بعض البيعات والرسائل السلطانيات وما تعلق بها وكان بسببها من الوقائع المذكورات والأمور المشهورات وذلك إلى انقضاء الدولة الموحدية واستيلاء الإمارة اليوسفية المرينية على حضرتهم المراكشية وذلك على مرور السنين إلى عام 667.
قال المؤلف - سمح الله له - فإن كنت اقتصرت فيما اقتصرت فعذراً فيما ظهر من تقصير وباع قصير فان الذهن كليل والقلب شغيل وكنت قد نسخت نسخة من هذا الكتاب وربما زدت في هذه الثانية أو نقصت إذا كان الأولى بي والأحرى إلا القدم الأولى ولا أؤخر الأخرى ولكني ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا وحسبي الاعتراف فهو سبيل الإنصاف نسأل الله الإرشاد إلى سواء فهو حسبي ونعم الوكيل.

ذكر حد المغرب وأفريقية
وما اتصل بهما وعد معهما
قال أبو مروان في كتاب (المقباس) وابن حمادة في كتاب (القبس) وغيرهما من المؤرخين لأخباره المعتنين بآثاره: إن حد المغرب هو من ضفة النيل بالإسكندرية التي تلي بلاد المغرب إلى آخر بلاد المغرب وحده مدينة سلاء وينقسم أقساما: فقسم من الإسكندرية إلى طرابلس وهو أكبرها وأقلها عمارة وقسم من طرابلس وهي بلاد الجريد ويقال أيضاً بلاد الزاب الأعلى ويلي هذه البلاد بلاد الزاب الأسفل وحدها إلى مدينة تيهرت ويليها بلاد المغرب وهي بلاد طنجة وحدها مدينة سلا وهي آخر المغرب وإذا جزت سلا وأخذت إلى ناحية الجنوب تركت مغرب الشمس يمنة وأخذت منها قافلا إلى قبلة فتسمى تلك البلاد تامسنا ويقال لها أيضاً بلاد السوس الأدنى وحدها إلى جبل درن وإذا جزت هذا الجبل فعن يمينك
(1/5)
________________________________________
بلاد السوس الأقصى ويقال لها بلاد ماسة ويتصل السوس الأقصى ببلاد الصحراء إلى السودان وهي بلاد الزهج وبلاد الأندلس أيضاً من المغرب وداخلة فيه لاتصالها به ويليها المجاز الأعظم الذي يسمى بحر الزقاق وفيه مصب البحر الكبير الذي يسمى المحبط ويقال له بحر الظلمات وهذا البحر لا يعلم له ساحل غير الذي عليه بلاد السودان وبلاد الكجوس الذين يلون بلاد الأندلس ويصب ماء الزقاق في البحر الرومي ويقال له أيضاً البحر الشامي وهو يتصل إلى البلاد الشام إلى ناحية القسطنطينية وبينه وبين بحر الزقاق الخليج الذي منه وذكر بن حمادة أن حد المغرب من بحر القلزوم وهو الهابط من اليمن إلى عدن إلى عيداب إلى القلزوم وإلى مصر قبلة وشرقا وحد المغرب من الجوف البحر الشامي وهو بحر الإسكندرية وهو المتفرغ في بحر الزقاق من جزيرة طريف وعلامته صنم قادس وحد المغرب من الغرب البحر المحيط المسمى الابلاية وصار المغرب كالجزيرة دخل فيه بعض أعمال مصر وأفريقية كلها والزاب والقيروان والسوس الأدنى والسوس الأقصى وبلاد الحبشة ومنه يتفرع نيل مصر.

ذكر فضل المغرب
وما ورد من الأخبار والآثار
روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (لا تزال طائفة من أمتي بالمغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) وذكر البخاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يضرهم من خالفهم، حتى يروا قياما فيقولون: غشيتم فيغشون سرعان خيلهم،
(1/6)
________________________________________
فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال سيرت فيخرون سجدا فتنقبض أرواحهم) وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول (خير الأرض مغاربها وأعوذ بالله من فتنة المغرب) وذكر خالد بن سعيد أن محمد بن عمر بن لبلاة كان يروى عن عبيد الله بن خالد عمن حدثه عن أبي زيد المصري يرفع الحديث عن أبي عباس - رضي الله عنه - عن أبي أيوب الأنصاري قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف إذ توجه تلقاء المغرب فسلم وأشار بيده فقلت (على من تسلم يا رسول الله) قال (على رجال من أمتي يكونون في هذا المغرب بجزيرة يقال لها الأندلس حيهم مرابط وميثهم شديد وهم ممن استثنى الله من كتابه " فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ") وصح وعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الإسلام سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها فكان الأمر كما وعد وقال الحميدي في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا يزال أهل الغرض ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) هذا وإن كان عاما فللأندلس منه حظ وافر بدخولها في الإسلام وتحققها من الغرب وإنها عن آخر المعمور فيه وبعض ساحلها الغربي والبحر محيط بجميع جهاتها فصارت بين البحر والروم وروى الرفيق عن عبد الله بن وهب يرفع الحديث إلى النبي انه بعث سرية في سبيل الله فلما رجعوا ذكروا شدة البرد الذي أصابهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لكن أفريقية أشد بردا وأعظم أجرا) وعن سفيان بن عيينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (الشر عشرة أجزاء، فتسعة في المشرق، وواحد في سائر البلدان) .
ويقال بأن أفريقية ساحلا يقال له المنستيد وهو باب من أبواب الجنة وبها جبل يقال له المطمور: باب من أبواب جهنم. وفي الحديث أن أفريقية يحشر منها سبعون ألف شهيد ووجوههم كالقمر ليلة البدر وعن سفيان بن عيينة قال يروي ان المغرب باب المنوبة مفتوحا مسيرة أربعين خريفا لا يغلغه الله حتى تطلع منه الشمس.
(1/7)
________________________________________
ودخل أفريقية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين الأولين ناس كثير ودخل الأندلس من التابعين قوم فأول من دخل أفريقية غازيا في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عمرو بن العاص وكان استفتح مصر سنة 20 من الهجرة ووجه منها عقبة بن نافع الفهري إلى لوبية وأفريقية فافتتحهما ثم توجه عمرو بنفسه إلى برقة فصالح أهلها إلى الجزية: دينار على كل حالم وتوجه منها إلى طرابلس فافتتحهما بعد استغاثة أهلها بقبيل من البربر يقال لهم نفوسة إذا كانوا دخلوا معهم في دين النصرانية.

ابتداء التاريخ
سنة إحدى وعشرين من الهجرة
فيها افتتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية وفي سنة 22 بعدها افتتح بلاد طرابلس وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخبره بما أفاءه الله عليه من النصر والفتح وأن ليس أمامه إلا بلاد أفريقية وملوكها كثير وأهلها في عدد عظيم وأكثر ركوبهم الخيل فأمره بالانصراف عنها فأمر عمرو العسكر بالرحيل قافلا إلى مصر ثم استشهد عمرو - رضي الله عنه - فلما ولي عثمان الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن أبي سرح سنة 25 من الهجرة.
وفي سنة 27 من الهجرة أمر أمير المؤمنين عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري بغزو أفريقية.

فتح أفريقية للإسلام
ندب عثمان - رضي الله عنه - الناس إلى غزوهم فخرج المسلمون في جيش عظيم فيهم مروان بن الحكم وجمع كثير من بني أمية وبشر كبير من بني أسد بن عبد
(1/8)
________________________________________
العزى وعن عبد الله بن الزبير بن العوام في عدة من قومه وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنه - وعن عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن سائب وبشر ابن أرطأة وغير هؤلاء من المهاجرين وأعان عثمان المسلمين في هذه الغزوة بألف بعير يحمل عليها ضعفاء الناس وفتح بيوت السلاح التي كانت للمسلمين فلما توافى الناس جدوا السير وذلك في المحرم من هذه السنة وأمر الناس فعسكروا وقام فيها خطيبا فوعظهم وذكرهم وحرضهم على الجهاد ثم قال (وقد عهدت إلى عبد الله بن سعد أن يحسن صحبتكم ويرفق بكم وقد استعملت عليكم الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا على ابن أبي سرح فيكون الأمر له) .

بعض أخبار عبد الله بن سعد وإمرته
نسبه: هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان يكتب الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة وكان معاوية بن أبي سفيان بمكة قد أسلم وحسن إسلامه فاتخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاتبا للوحي بعد ابن أبي سرح فلما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة استجار ابن أبي سرح فأخذ له عثمان الأمان من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ابن أبي سرح أخا لعثمان من الرضاعة فحسن إسلامه من ذلك الوقت فلما أفضت الخلافة إلى عثمان - رضي الله عنه - ولاه ملك مصر وجندها فكان يبعث المسلمين في جرائد الخيل يغيرون على أطراف أفريقية فيصيبون كثيراً من الأنفس والأموال فكتب إلى عثمان بذلك فكان السبب في توجيه الجيش إليه وتقديمه عليه وأمر له بالدخول لغزو أفريقية فخرج عبد الله من مصر في عشرين ألف إلى أفريقية وصاحبها بطريق يقال له جرجير وكان سلطانه من طرابلس إلى طنجة فبعث عبد الله السرايا في آفاق أفريقية فغنموا في كل وجه والتقى عبد الله مع
(1/9)
________________________________________
البطريق ضحى النهار في موضع يعرف بسبيطلة وكان جرجير في مائة وعشرين ألفا فضاق المسلمون في أمرهم واختلفوا على لين سعد في الرأي فدخل فسطاطه مفكرا في الأمر فلما رأى جرجير خيل العرب اشتد رعبه وأهمته نفسه فأخرج ديدبانه وصد فيه يشرف على العساكر ويرى القتال وأمر ابنته فصعدت الديدبان وسفرت عن وجهها وكان عدة خدمها اللائي صعدن الديدبان أربعين جارية في الحلي والحلل من أجمل ما يكون ثم قدم كراديسه كردوساً كردوسا وهو تحت الديدبان ثم قال لهم (أتتعرفون هذه) فقالوا (نعم هذه سيدتنا، ابنة الملك وهؤلاء خدمها) فقال لهم (وحق المسيح ودين النصرانية لئن قتل رجل منكم أمير العرب عبد الله بن سعد لأزوجه ابنتي هذه وأعطيه ما معها من الجواري والنعمة وأنزله المنزلة التي لا يطمع فيها أحد عندي) وما زال ذلك من قوله حتى مر على المسامع خيله ورجله فحرض بذلك تحريضاً شديدا.
وإن عبد الله بن سعد لما انتهى إليه ما فعل جرجير وما كان من قوله نادى في عسكره فاجتمعوا فأخبرهم بالذي كان من جرجير ثم قال (وحق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لا قتل أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته ومن معها) ثم زحف المسلمين فالتقى الجمعان واستحر القتال واشتعلت نار الحرب والمسلمون قليل والمشركين في عشرين ومائة ألف وأشكل الأمر على ابن سعد ودخل فسطاطه مفكرا في الأمر.

ذكر قتل عبد الله بن الزبير لجرجير
ملك أفريقية والمغرب كله
قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير والناس على مصافهم
(1/10)
________________________________________
رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا عنهم معه جاريتان له تظلانه من الشمس بريش الطواويس فأتيت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه فقال له حاجبه (دعه فإنه يفكر في شأنكم ولو اتجه له رأي لدعا بالناس) فقلت (أني محتاج إلى مذكراته) فقال له (أمر في أن أحبس الناس عنه، حتى يدعوني) قال فدرت حتى كنت من وراء الفسطاط فرأى وجهي فأومأ إلي أن تعال فدخلت عليه وهو مستلق على فراشه فقال (ما جاء بك؟ يا بن الزبير) فقلت (رأيت عورة من عدونا. فرجوت أن تكون فرصة هيأها الله لنا، وخشيت الفوت) فقام من فوره وخرج حتى رأى ما رأيت فقال (أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم) فتسرع إلي جماعة اخترت منها ثلاثين فارسا فقلت (إني حامل فاصرفوا عن ظهري من أرادني فأني سأكفيكم ما أمامي إن شاء الله) قال عبد الله: فحملت في الوجه الذي هو فيه وذب عني الناس الذين انتدبوا معي واتبعوني حتى خرقت صفوفهم إلى أرض خالية فضاء بيني وبينهم فوالله ما حسب إلا أني رسول إليه حتى رأى ما بي من أثر السلاح فقدر أني هارب إليه فلما أدركته، طعنته، فسقط: فرميت نفسي عليه وألقت جارياته عليه أنفسهما فقطعت يد إحداهما، وأجهزت عليه ورفعت رأسه على رمحي وحال أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فانهزم الروم وقتلهم المسلمون كيف شاءوا وثارت الكمائن من كل جهة ومكان وسبقت خيول المسلمين ورجالهم إلى حضن سبيطلة فمنعوهم من دخوله. وركبهم المسلمون يمينا وشمالا في السهل والوعر فقتلوا أنجادهم وفرسانهم وأكثروا فيهم الأسرى حتى لقد كنت أرى في موضع واحد أكثر من ألف أسير.
وذكر أشياخ من أهل أفريقية أن ابنة جرجير لما قتل أبوها تنازع الناس في قتله وهي ناظرة إليهم فقالت (قد رأيت الذي أدرك أبي، فقتله) .
(1/11)
________________________________________
فقال لها الأمير بن ابن أبي سرح (هل تعرفينه؟) فقالت (إذا رأيته، عرفته) قال فمر الناس بين يديها حتى مر عبد الله بن الزبير فقالت (هذا والمسيح قتل أبي) فقال له ابن أبي سرح (لم كتمتنا قتلك إياه) ؟ فقال عبد الله (علمه الذي قتلته من أجله) فقال الأمير (إذا والله أنفلك ابنته) فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك جرجير فيقال إنه اتخذها أم ولد ولما انهزمت جيوش جرجير سار عبد الله بن أبي سرح حتى نزل باب مدينته العظمى قرطاجنة، فحصرها من كان معه من المسلمين حصارا شديدا أتى فتحت فأصاب فيها من السبي والأموال ما لم يحيط به الوصف وكان أكثر أموالهم الذهب والفضة فكانت توضع بين أيديه أكوام الفضة والذهب لأنه افترع أفريقية مبكرا فعجب هو والمسلمون من كثرة ذلك فقال للأفارقة: (من أين لكم هذا؟) فجعل الرجل منهم يلتمس شيئاً من الأرض حتى بنواة زيتون، فقال: (من هذا أصبنا الأموال لأن أهل البحر والجزر ليس لهم زيت فكانوا يمتارونه من هنا) فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينارا عينا وسهم الراجل ألف دينار وقسم ابن أبي سرح السرايا والغارات من مدينة سيبطلة فبلغت جيوشه بقصر قفصة فسبوا كثير وغنموا فأذلت هذه الوقعة الروم بأفريقية ورعبوا رعباً شديداً فجاءوا إلى الحصون والمعاقل ثم طلبوا من عبد الله بن سعد أن يقبض منهم ثلاثمائة قنطار من الذهب في السنة جزية على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم فقبل ذلك منهم وقبض المال وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه عليهم ودعا الأمير عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير فقال له (ما أحد أحق بالبشارة منك فامض فبشر أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - بالمدينة، بما أفاء الله على المسلمين) فتوجه عبد الله بن الزبير
(1/12)
________________________________________
من سبيطلة فقيل إنه وافى المدينة في أربعة وعشرين يوما وكانت إقامته بأفريقية سنة وشهرين ثم وصل فيء أفريقية إلى المدينة فبيع المغنم فطفق مروان بن الحكم على الخمس فأخذ منه خمسين ألف دينار فسلم له من ذلك عثمان - رضي الله عنه - فكان ذلك مما انتقد عليه.
وفيه وفي رد الحكم أبيه بعد أن نفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عبد الرحمن أخو كندة:
سأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله شيئا سدى
ولاكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك وتبتلى
دعوت اللعين فأدنيته ... خلافا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس العباد ... ظلماً لهم وحميت الحمى
وقال مروان بن الحكم يوما في مجلس معاوية (ثلاث لم أدخل فيهن حراما قط: داري بالمدينة، ومالي بذي خشب، وصدقات نسائي) فنظر معاوية إلى عبد الله بن الزبير وكان حاضراً فقال له (ما تقول؟ فإنك طعان) فقال (مهلا أبا عبد الملك خرجنا مع ابن أبي سرح إلى غزو أفريقية فوالله ما كان مروان أحسننا وجهها ولا أكثرنا نفقة، ولا أعظمنا في العدو نكاية فطفق على خمس أفريقية بم تعلم وتحابى له من تعلم فنى منه الدار واتخذ منه المال وتزوج منه النساء) فقال له مروان (أتطعن على أمير المؤمنين عثمان؟) فقال له معاوية (دعه وخذ مني غير هذا فإنك صحة ما أقول) قال الطبري (كان عثمان - رحمه الله - قال لعبد الله بن سعد: إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس نفلاً) فلما فتح أفريقية في هذه السنة وهي سنة 27 قسم عبد الله الفيء على المسلمين فأبقى الخمس لنفسه وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان وضرب فسطاطه في أرض القيروان فوفد وفد على عثمان يشكون بابن أبي سرح فيما أخذ من
(1/13)
________________________________________
الخمس فقال لهم عثمان (أنا نفلته إياه وذلك الآن إليكم فإن رضيتم فقد جاز وإن غضبتم فهو رد) قالوا: (فإنا نسخط) فكتب عثمان إلى ابن سعد برد ذلك قالوا (فأعزله عنا أنا لا نريد أن تأمر علينا وقد وقع ما وقع فكتب إليه أن استخلف على أفريقية رجلا ترضاه ويرضونه واقسم خمس الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل الأخماس فإنهم قد سخطوا النفل)
ففعل ذلك عبد الله ورجع إلى مصر وقد فتح الله أفريقية فما زالوا من أسمع أهل الأقاليم وأطوعهم إلى زمن هشام بن عبد الملك ثم ورد الخمس على أمير المؤمنين عثمان فكان من أمر مروان بن الحكم فيما تقدم ذكره.
وفي سنة 28 غزا حبيب بن مسلمة قورية من أرض الروم ذكر ذلك الطبري وغيره.
وفي سنة 29 هجرة افتتح عبد الله بن عامر أرض فارس. وفي سنة 30 سقط الخاتم من يد عثمان - رضي الله عنه - في بئر اريس وقد ذكرنا خبر سقوطه في كتابنا المسمى (البيان المشرق في أخبار المشرق) وفي سنة 31 كانت غزة ذات الصواري وغزة ذات الاساورة في قول الواقدي وفي سنة 32 توفي عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وهو ابن خمس وسبعين سنة، وفيها مات عبد الله بن زيد بن عمرو بن نفيل وفيها مات أبو طلحة وأبو ذر - رضي الله عنهما - وبها توفي عبد الله بن مسعود فدفن بالبقيع.
وفي سنة 33 كانت غزوة عبد الله ابن أبي سرح أفريقية مرة ثانية حين نقض أهلها العهد هكذا ذكره عريب في مختصره وقد تقدم خبر ابن أبي سرح على الجملة دون تعيين سنة.
وفي سنة 34 مات عبادة بن الصامت في قول الواقدي وهو ابن اثنين وتسعين سنة ودفن بالرملة وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية وهي أول غزواته إلى المغرب ثم اشتغل الناس بعد ذلك بأمر عثمان - رضي الله عنه - وبوقائع
(1/14)
________________________________________
الجمل وصفين وغيرهما إلى أن اعتدلت الخلافة إلى معاوية ابن أبي سفيان وفي سنة 35 استشهد عثمان - رضي الله عنه - واستخلفه أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - فنازعه معاوية ولم يبايعه. وفي سنة 36 عزل علي - رضي الله عنه - ابن أبي سرح عن مصر وأقام عليها قيس بن عبادة الأنصاري. وفي سنة 37 كان العامل على مصر محمد ابن أبي بكر الصديق وفي سنة 38 قتل محمد ابن أبي بكر الصديق بمصر قتله معاوية ابن أبي حديج بأمر معاوية بن أبي سفيان وقد ذكرنا شرح مقتله في (البيان المشرق في أخبار المشرق) وفي سنة 40 كانت مهادنة بين علي - رضي الله عنه - وبين معاوية إلى أن توفي علي - رضي الله عنه - وفيها دعي معاوية بأمير المؤمنين وكان قبل ذلك يدعى الأمير. وفي سنة 40 المذكورة توفي أمير المؤمنين أبو الحسن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - وبويع بالخلافة ابنه الحسن - رضي الله عنهما - وفي سنة 41 كان تسليم الحسن - رضي الله عنه - الأمر لمعاوية واستوسقت المملكة له وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية المرة الثانية قال عريب في مختصره: ذكر أهل العلم بأخبار أفريقية أن معاوية بن حديج نزل جبلا فيها، فأصابه فيها مطر شديد فقال (إن جبلنا هذا لممطوراً) فسمي البلاد ممطورا إلى الآن. وقال (اذهبوا بنا إلى ذلك القرن) فسمي ذلك الموقع قرنا وكانت لمعاوية هذا إلى أفريقية ثلاث غزوات. وفي سنة 43 ولد الحجاج بن يوسف الثقفي وولى معاوية مروان بن الحكم المدينة وفيها غزا عقبة بن نافع أفريقية، قال عريب في مختصره للطبري: فيها غزا بن نافع المغرب وافتتح غدامس فقتل فيها وسبى. وفي سنة 43 مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر فذكر إنه عمل فيها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أربع سنين ولعثمان - رضي الله عنه - أربع سنين ولمعاوية سنتين إلا شهراً
(1/15)
________________________________________
وفي سنة 44 عمل مروان بن الحكم المقصورة بمسجد المدينة - كرمها الله - وعملها أيضاً معاوية في الشام. وفي سنة 45 غزا معاوية بن حديج الكندي أفريقية وكانت حرباً كلها قال الطبري: وذلك أن حبابة الرومي قدم على معاوية بن أبي سفيان فسأله أن يبعث معه جيشاً إلى أفريقية فوجه معاوية بن حديج في عشرة آلاف مقاتل فسار حتى انتهى إلى الإسكندرية فاستعمل عليها حبابة الرومي ومضى ابن حديج حتى دخل أفريقية وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وعن أبيه - وعن عبد الله ابن الزبير - رضي الله عنه وعن أبيه وعبد الملك بن مروان ويحيح ابن الحكم بن المعاصي وغيرهم من أشراف قريش فبعث ملك الروم إلى أفريقية بطريقاً يقال له نجفوراً في ثلاثين ألف مقاتل فنزل الساحل فخرج إليه معاوية بن حديج عبد الله بن الزبير في خيل كثيفة فسار حتى نزل على شرف عال ينظر منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة اثني عشر ميلا فلما بلغ ذلك نجفوراً اقلع في البحر منهزما من غير قتال فأقبل بن الزبير حتى نزل على باب سوسة فوقف على البحر وصلى بالمسلمين صلاة العصر والروم يتعجبون من جرأته فأجروا له خيلاً وابن الزبير مقبلا على صلاته لا يهوله خبرها حتى قضى الصلاة ثم ركب وخمل على الروم بمن معه فانكشفوا منهزمين ورجع ابن الزبير إلى معاوية ابن حديج وهو بجبل القرن. ثم وجه ابن حديج عبد الملك ابن مروان في ألف فارس إلى مدينة جلولاء فحاصرها وقتل من أهلها عدداً كثيراً حتى فتحها عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية وأخذ جميع ما كان في المدينة وحمل ذلك كله إلى معاوية بن حديج فقسمه على المسلمين فيقال أنه أصاب كل رجل منهم مائتي مثقال وأغزى معاوية بن حديج جيشاً في البحر إلى صقلية في مائتي راكب
(1/16)
________________________________________
فسبوا وغنموا شهراً ثم انصرفوا إلى أفريقية بغنائم كثيرة ورقيق وأصنام منظومة بالجوهر فاقتسموا فيهم وبعث ابن حديج بالخمس إلى معاوية ابن أبي سفيان هكذا نص عريب في مختصره للطبري.

أخبار معاوية بن حديج الكندي بأفريقية
ذكر الرقيق في كتابه قال: كان هرقل ملك القسطنطينية العظمى ورومة يؤدي إليه كل نصراني في بر وبحر جزيته منهم المقوقس صاحب الإسكندرية وبرقة ومنهم صاحب طرابلس وصبرة ومنهم صاحب صقلية وروم أفريقية والأندلس فلما بلغه ما صالح عليه أهل أفريقية عبد الله ابن أبي سرح بعث إلى أفريقية بطريقاً يقال له اوليمة وأمره أن يأخذ ثلاثمائة قنطار من الذهب كما اخذ ابن أبي سرح فنزل قرطاجنة واخبرهم بذلك فأبوا عليه وقالوا (إن الذي كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا من العرب وأما الملك فهو سيدنا فيأخذ عادته منا) وكان القائم بأمرهم رجلاً يقال له حبابة فطردوا وليمة الواصل إليهم واجتمع رأيهم على تقديم الاطربون وصار حبابة إلى الشام فقدم على معاوية فوصف له حال أفريقية فسأله أن يبعث معه جيشاً من العرب فوجه معه معاوية بن حديج في جيش كثيف وذلك سنة 45 فسار ابن حديج حتى وصل أفريقية وقد صارت ناراً وكان معه جماعة وقد تقدم أكثرهم وبعث ملك الروم البطريق المتقدم ذكره في ثلاثين ألفاً فبعث ابن حديج إليه عبد الله ابن الزبير فقاتله فأقلع منهزماً في البحر وحاصر ابن حديج جلولا فكان يقاتلهم وسط النهار وينصرف إلى عسكره فلما انصرف ذات يوم نسى عبد الملك ابن مروان قوساً له معلقاً بشجرة فأنصرف إليها فإذا بجانب من سور المدينة قد انهدم فصاح في أثر الناس فرجعوا فكان بينهم قتال شديد حتى دخلت المدينة عنوة
(1/17)
________________________________________
واحتوى المسلمون على جميع ما فيها كما تقدم ذكره وكان بين معاوية ابن حديج وعبد الملك بن مروان تنازع في ذلك لان عبد الملك أراد محاباة إخوانه وأصحابه لأنه كان سبب فتح المدينة فقال حنش الصنعاني يوما لعبد الملك: (ما شأنك؟ فوالله لتلين الخلافة ويصير ذلك الأمر إليك فلا تغتم) فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بعث الحجاج بن يوسف لقتال عبد الله بن الزبير فأخذ حنش الصنعاني أسيراً وبعث إلى عبد الملك ابن مروان فلما وقف بين يديه: (ألست أنت الذي بشرتني بالخلافة يوم جلولاء؟) قال: (نعم) قال: (فلما ملت عني إلى ابن الزبير؟) فقال: (رأيته يريد الله ورأيتك تريد الدنيا فلذلك ملت إليك) فقال: (قد عفوت عنك) .
وفي سنة 46 قال البلاذري: أول من غزا صقلية معاوية بن حديج بعث إليها عبد الله بن قيس ففتحها وأصاب فيها أصناما من الذهب والفضة مكللة بجوهر فحملت إلى معاوية ابن أبي سفيان فبعث بها إلى الهند فأخذ ثمنها فأنكر الناس عليه ذلك إنكاراً كلياً وكان العامل على بلاد أفريقية من قبل معاوية ابن أبي سفيان معاوية بن حديج الكندي.
وفي سنة 47 عزل معاوية ابن أبي سفيان عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر وولاها معاوية بن حديج الكندي وكان عثمانياً فسار متوجهاً إليها من أفريقيا وكان قد قتل محمد ابن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلقية عبد الرحمن ابن أبي بكر فقال له (يا معاوية قد أخذت أجره من معاوية ابن أبي سفيان حين قتلت محمد ابن أبي بكر الصديق ليوليك مصر فقد ولاكها) فقال (ما قتلت محمد ابن أبي بكر لولاية وإنما قتلته لما فعل بعثمان - رضي الله عنه - وفي سنة 48 كان العامل على مصر وأفريقية لمعاوية ابن أبي سفيان معاوية ابن حديج.
(1/18)
________________________________________
وفي سنة 49 غزا عقبة بن نافع الفهري الروم في البحر بأهل مصر وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها سعيد بن العاص وكانت ولاية مروان المدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين. وفي سنة 50 من الهجرة عزل معاوية بن سفيان معاوية بن حديج عن أفريقية وافره على ولاية مصر ووجه إلى أفريقية عقبة بن نافع الفهري.

ذكر ولاية عقبة بن نافع أفريقية
وغزواته فيها واختطاطه مدينة القيروان
نسبه هو عقبة بن نافع بن عبد قبس بن لقبط بن عامر بن أمية بن طرف بن الحارث بن فهر ومن فهر بن مالك تفرقت القبائل وقال ابن أبي الفياض أن عقبة ولد قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنة واحدة قال إبراهيم بن القاسم: ووصل عقبة بن نافع الفهري إلى أفريقية في عشرة آلاف من المسلمين فافتتحها ودخلها ووضع السيف في أهلها فإنني من بها من النصارى ثم قال (إن أفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون غزا للإسلام إلى آخر الدهر) فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها مرابطين وقالوا (نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط) فقال عقبة (إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركه صاحب البحر إلا وقد علم به) وإذا كان بينها وبين البحر ما يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون فلما اتفق رأيهم على ذلك قال (قربوها من السبخة فإن دوابكم الإبل وهي التي تحمل أثقالكم فإذا فرغنا منها لم يكن لنا بد من
(1/19)
________________________________________
الغزو والجهاد حتى يفتتح الله لنا منها الأول فالأول وتكون إبلنا على باب قصرنا في مراعيها آمنة من عادية البربر والنصارى) قال الاشبيلي في مسالكه (إن البربر حين دخلوا المغرب وجدوا الإفرنج قد سبقوهم إليه فأخلوهم حتى اصطلحوا على أن يسكن البربر الجبال وتسكن الإفرنج الاوطئة فبنوا المدائن بها. (رجع الخبر) وفي سنة 51 شرع عقبة - رضي الله عنه - في ابتداء بناء مدينة القيروان وأجابه العري إلى ذلك ثم قالوا (إنك أمرتنا ببناء في شعاري وغياض لا ترام ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك) وكان في عسكره ثمانية عشر رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائرهم من التابعين. فدعا الله سبحانه وأصحابه يؤمنون على دعائه ومضى إلى السبخة وواديها ونادى (أيتها الحيات والسباع نحن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارحلوا عنا فأنا نازلون ومن وجدناه بعد هذا قتلناه) فنظر الناس بعد ذلك إلى أمر معجب من أن السباع تخرج من الشعرى وهي تحمل أشبالها سمعاً وطاعة والذئب يحمل جروه والحية تحمل أولادها. ونادى في الناس (كفوا عنهم حتى يرحلوا عنها) فلما خرج ما فيها من الوحش والسباع والهوام والناس ينظرون إليها حتى أوجعهم حر الشمس فلما لم يروا منها شيئاً دخلوا فأمرهم أن يقطعوا الشجر فأقام أهل أفريقية بعد ذلك أربعين عاما لا يرون فيها حياً أو عقرباً ولا سبعاً فاختط عقبة أولا دار الإمارة ثم أتى إلى موضع المسجد الأعظم فاختطه ولم يحدث فيها بناء فكان يصلي فيه وهو كذلك فاختلف عليه الناس في القبلة وقالوا (إن جميع أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمها) فأقاموا أياما ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس فلما رأى أمرهم قد اختلف بات مغموماً فدعا الله - عز وجل - أن يفرج عنهم فأتاه آت في منامه فقال له (إذا أصبحت
(1/20)
________________________________________
فخذ اللواء في يدك واجعله على عنقك فإنك تسمع بين يديك تكبيراً ولا يسمعه أحد من المسلمين غيرك فانظر الموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير: فهو قبلتك ومحرابك وقد رضي الله لك أمر هذا العسكر وهذا المسجد وهذه المدينة وسوف يعز الله بها دينه ويذل بها من كفر به) فاستيقظ من منامه وهو جزع فتوضأ للصلاة وأخذ يصلي وهو في المسجد ومعه أشراف الناس فلما أفجر الصبح وصلى ركعتي الصبح بالمسلمين إذا بالتكبير بين يديه فقال لمن حوله (أتسمعون ما أسمع؟) فقالوا (لا) فعلم أن الأمر من عند الله فأخذ اللواء فوضعه على عنقه وأقبل يتبع التكبير حتى وصل إلى موضع المحراب فانقطع التكبير فركز لواءه وقال (هذا محرابكم) فاقتدى به سائر مساجد المدينة ثم أخذ الناس في بناء الدور والمساكن والمساجد وعمرت وشد الناس إليها المطايا من كل أفق وعظم قدره وكان دورها ثلاثة عشر ألف ذراع وستمائة ذراع حتى كمل أمرها. وكان عقبة خير وال خير أمير مستجاب الدعوة. وفي سنة 55 استعمل معاوية ابن أبي سفيان على مصر وأفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري وعزل معاوية بن حدريج عن مصر وعزل عقبة بن نافع عن أفريقية فكانت ولايته عليها أربعة أعوام وكان معاوية قد ولى مسلمة مصر فلما ولي مسلمة الآن أفريقية عزل منها
عقبة وولى عليها مولاه أبا المهاجر ديناراً وبقي هو صاحب مصر جمع ذلك كله معاوية له من أطراف إقليم مصر إلى طنجة وهو أول من جمع له المغرب كله فلم يزل واليا عليه حتى هلك معاوية

ولاية أبي المهاجر أفريقية وعزل عقبة
لما جمع معاوية ولاية المغرب لمسلمة بن مخلد استعمل عليه مولاه ديناراً ويكنى أبا المهاجر وعزل عقبة عن أفريقية فقيل لمسلمة بن مخلد
(1/21)
________________________________________
والي مصر لو استعملت عقبة وأقررته على أفريقية؟ فإن له فضلاً وسابقاً وهو الذي بنى القيروان فقال مسلمة (إن أبي المهاجر كأحدنا صبر علينا في غير ولاية ولا كبير نيل فنحن نحب أن نكافئه ونصطنعه) فقدم أبي المهاجر أفريقية فأساء عزل عقبة ونزل خارجا عن المدينة وكره أن ينزل الموضع الذي اختطه عقبة ومضى حتى خلفه بميلين مما يلي طريق تونس فاختط بها المدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد عمل عقبة فبنى مدينة وأخذ في عمرانها وأمر الناس أن تحرق القيروان ويعمروا مدينته فخرج عقبة منصرفاً وأدركه الخير في الطريق فتوجه إلى المشرق آسفاً على أبي المهاجر ودعا الله عليه أن يمكنه منه فبلغت أبي المهاجر دعوته فقال (هو عبد لا ترد دعوته) ولم يزل أبي المهاجر خائفاً منه نادماً على ما فعل معه ولما قدم عقبة على معاوية قال له (فتحت البلاد ودانت لي وبنيت المنازل واتخذت مسجداً للجماعة وسكنت الناس ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي) فاعتذر له معاوية وقال له (قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من الإمام عثمان وبذله مهجته صابراً محتسباً طع من أطاعه من قومه ومواليه وأنا أرددك إلى عملك) وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وأفضى الأمر إلى يزيد ابنه فلما علم حال عقبة قال (أدركها قبل أن تفسد) فرده والياً على أفريقية وقطعها على مسلمة بن مخلد والي مصر. وفي سنة 56 من الهجرة دعا معاوية بن أبي سفيان إلى بيعة يزيد وجعله ولي عهده من بعده فانقاد له الناس كلهم إلا خمس نفر (الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -) . وفي سنة 57 عزل معاوية مروان عن المدينة واستعمل الوليد بن عقبة
(1/22)
________________________________________
وكان العامل على مصر وأفريقية مسلمة بن مخلد وولى مسلمة على أفريقية أبو المهاجر وبقى الحال على ذلك إلى وفاة معاوية. وفي سنة 60 توفي معاوية بن أبي سفيان يوم الجمعة منتصف رجب وهو ابن اثنين وثمانين سنة وتولى الخلافة من بعده يزيد ابنه وتلقب بالمستنصر بالله في بعض الأقوال وكنيته أبو خالد وقد ذكرنا أخباره في تأليف وفي سنة 61 كان مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - وفيها أظهر عبد الله بن الزبير الخلافة بمكة وخلع طاعة يزيد بن معاوية وخبرهما. وفي سنة 62 ولى يزيد بن معاوية على بلاد أفريقية والمغرب كله عقبة ابن نافع الفهري وهي ولايته الثانية على أفريقية.

ذكر فتح المغرب الأقصى على يد عقبة وغزواته
فرحل عقبة من الشام ومعه خمسة وعشرون رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما مر على مسلمة بن مخلد صاحب مصر خرج إليه واعتذر من فعل أبي المهاجر وأقسم له إنه خالفه فيما صنع وإنه كان قد أوصاه بتقوى الله وحسن السيرة وأن يحسن عشرة عقبة فقبل منه عقبة ومضى خنقاً على أبي المهاجر حتى قدم أفريقية فأوثق أبي المهاجر في الحديد وأمر بتخريب مدينته التي بناها ورد الناس إلى القيروان وركب في وجوه العسكر ومن معه من الصحابة والتابعين فدار بهم حول مدينة القيروان وهو يدعو لها ويقول (يا رب املأها عابدين واملأها بالمطيعين لك واجعلها عزاً لدينك وذلاً على من كفر بك) ثم عزم - رضي الله عنه - على الغزو في سبيل الله وترك بها جندا من المسلمين واستخلف عليهم زهير بن قبس البلوي وكان رجلاً صالحاً ودعا عقبة أولاده فقال لهم إني قد بعت نفسي من الله - عز وجل - وعزمت على من كفر به حتى أقتل فيه وألحق به ولست أدري أتروني بعد يومي هذا) .
(1/23)
________________________________________
وفي سنة 76 كان حدوث السكة في الإسلام وأمر أمير المؤمنين عبد الملك بضرب الدنانير والدراهم بنقش الإسلام. وفي سنة 77 ثار المطرف بن المغيرة بن شعبة على عبد الملك بن مروان فكايده عبد الملك واحتال عليه إلى أن قتل وفيها كان قتل رؤساء الخوارج.

ولاية حسان بن النعمان أفريقية والمغرب
وفي سنة 78 قدم حسان بن النعمان أفريقية اختاره لها عبد الملك بن مروان وقدمه على عسكر فيه أربعون ألف أقامه أولاً في مصر بالعسكر عدة لما يحدث ثم كتب إليه يأمره بالنهوض إلى أفريقية ويقول له (أني قد أطلقت يدك في أموال مصر فأعط من معك ومن ورد عليك وأعط الناس واخرج إلى بلاد أفريقية على بركة الله وعونه) .
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

بعض أخبار حسان بن النعمان
نسبه: هو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن الازد قدم أفريقية في عسكر عظيم فلم يدخل المسلمون قط أفريقية بمثل ما دخلها حسان بن نعمان فلما حصل القيروان سأل أهل أفريقية (من اعظم ملوك بها قدراً؟) فقالوا (صاحب قرطاجنة دار ملك أفريقية فسار نعمان حتى نزل عليها وكان بها من الروم خلق لا يحصى كثرة فخرجوا إليه مع ملكهم فقاتلهم حسان بن نعمان حتى هزمه وقتل أكثرهم ثم نازلها حتى افتتحها وهي كانت دار الملك بأفريقية. ذكر قرطاجنة أفريقية ويسميها أهل تونس اليوم بالمعلقة وكانت قرطاجنة مدينة عظيمة تضرب أمواج البحر سورها وهي من مدينة تونس على اثني عشر ميلاً وكان بينهما قرى متصلة عامرة وكان البحر لم يخرق إلى
(1/34)
________________________________________
تونس وإنما انخرق بعد ذلك وفي هذه المدينة آثار عظيمة وأبنية ضخمة وأعمدة ثابتة غليظة تدل علة عظم قدرة الأمم الدائرة وأهل تونس إلى الآن لا يزالون يطلعون في خرابها على أعاجيب ومصانع لا تنقطع بطول الأزمان لمتأمل. فلما قدم حسان إليها وقتل فرسانها ورجالها اجتمع رأي من بقي بها على الفرار منها وكانت لهم مراكب كثيرة فمنهم من مضى إلى صقلية ومنهم مضى إلى الأندلس فلما انصرف عنها حسان وعلم أهل بواديها وأقاليمها هروب الملك عنها بادروا إليها فدخلوها فرحل إليها حسان ونزل عليها فحاصرها حصاراً شديداً حتى دخلها بالسيف فقتلهم قتلاً ذريعاً وسباهم ونهيهم وأرسل لمن حواليها فاجتمعوا إليه مسارعين خوفاً من عظيم سطوته وشدة بأسه فلما أتوه ولم يبق منهم أحد أمرهم بتخريب قرطاجنة وهدمها فخربوها حتى صارت كأمس الغابر ثم بلغه أن النصارى اجتمعوا وأمدهم البربر بعسكر عظيم في بلاد صطفورة فرحل إليهم حسان حتى لقيهم وقاتلهم حتى هزمهم وقتل الروم والبربر قتلاً ذريعاً وحمل عليهم أعنة خيله فما ترك في بلادهم موضعاً إلا وطئه ولجأ الروم هاربين خائفين باجة فتحصنوا بها وهرب البربر إلى إقليم بونة وانصرف حسان إلى القيروان.

خبر حسان مع الملكة الكاهنة وهزيمتها له
لما دخل حسان القيروان أراح بها أياماً ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك أفريقية ليسير إليه فيبيده أو يسلم فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة وجميع من بأفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون (فإن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معانداً) فدخل بجيوشه إليها وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من الجبل في عدد لا يحصى ولا يبلغ بالاستقصاء وسبقته إلى مدينة باغاية فأخرجت منها
(1/35)
________________________________________
الروم وهدمتها وظنت أن حسان يريد مدينة ليتحصن بها فبلغ خبرها حساناً فنزل بوادي مسكيانة فرجلت الكاهنة حتى نزلت على الوادي المذكور فكان هو يشرب من أعلى الوادي وهي من اسله فلما توافت الخيل دنا بعضهم من بعض فأبى حسان أن يقاتلها آخر النهار فبات الفريقان ليلتهم على سروجهم فلما أصبح الصباح التقى الجمعان فقاتلوا قتالاً لم يسمع بمثله وصبر الفريقان صبراً لم ينته أحد إليه إلى أن انهزم حسان بن النعمان ومن معه من المسلمين وقتلت الكاهنة العرب قتلاً ذريعاً وأسرت ثمانين رجلاً من أعيان أصحابه وسمي ذلك الوادي وادي العذارى واتبعته الكاهنة حتى خرج من عمل قابس فكتب حسان إلى أمير المؤمنين عبد الملك يخبره بذلك وإن أمم الغرب ليس لها غاية ولا يقف أحد منها على نهاية كلما بادت أمة خلفتها أمم وهي من الجهل والكثرة كسائمة النعم فعاد له جواب أمير المؤمنين يأمره أن يقيم حيثما وافاه الجواب فورد عليه في عمل برقة فأقام بها وبنى هنالك قصوراً تسمى إلى الآن بقصور حسان.
وملكت الكاهنة المغرب كله بعد حسان خمس سنين فلما رأت إبطاء العرب عنها قالت للبربر إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييئس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر فوجهت قومها إلى كل ناحية يقطعون الشجر ويهدمون الحصون فذكروا أن أفريقية كانت ظلاً واحداً من طرابلس إلى طنجة وقرى متصلة ومدائن منظمة حتى لم يكن في أقاليم الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات ولا أكثر مدائن حصوناً من إقليم أفريقيا والمغرب مسيرة ألف ميل في مثله فخربت الكاهنة ذلك كله وخرج يومئذ من النصارى والأفارقة خلق
(1/36)
________________________________________
كثير يستغيثون بما نزل بهم من الكاهنة فتفرقوا على الأندلس وسائر الجزر البحرية. وكانت الكاهنة لما أسرت ثمانين رجلاً من أصحاب حسان أحسنت إليهم وأرسلت بهم إلى حسان وحبست عندها خالد بن يزيد فقالت له يوماً: (ما رأيت في الرجال أجمل منك ولا أشجع وأنا أريد أن أرضعك فتكون أخاً لولدي) وكان له ابنان أحدهما بربري والآخر يوناني وقالت له (نحن جماعة البربر لنا رضاع: إذا فعلناه نتوارث به) فعمدت إلى دقيق الشعير فلثته بزيت وجعلته على ثديها ودعت ولديها وقالت (كلا معه على ثديي) ففعلا فقالت (قد صرتم اخوة) .

ذكر مقتل الكاهنة الملكة
ثم إن حسان توافت عليه فرسان العرب ورجالها من قبل أمير المؤمنين عبد الملك فدعا حسان عند ذلك برجل يشق به وبعثه إلى خالد بن يزيد بكتاب. فقراه وكتب في ظهره (أن البربر متفرقون لا نظام لهم ولا رأى عندهم فأطو المراحل وجدوا في السير) وجعل الكتاب في خبزة وجعلها زاداً للرجل ووجهه بها إلى الأمير حسان فلم يغب عن خالد بن زيد إلا يسيراً حتى خرجت الكاهنة ناثرة شعرها تضرب صدرها وتقول (يا ويلكم يا معشر البربر ذهب ملككم فيما يأكله الناس) فافترقوا يميناً وشمالاً يطلبون الرجل فساره الله تعالى حتى وصل حساناً فكسر الخبزة وقرأ الكتاب الذي كتب إليه خالد فوجده قد أفسدته النار فقال له حسان: (ارجع إليه) فقال الرجل: (إن المرأة كاهنة: لا يخفى عليها شيء من هذا) فرحل حسان بجنوده إليه وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من جبل أوراس في خلق عظيم ورحل إليها حسان فلما كان في الليل قالت لبنيها: (إني مقتولة) وأعلمتهم أن رأسها مقطوع موضوعاً بين يدي ملك العرب
(1/37)
________________________________________
الأعظم الذي بعث حساناً فقال لها خالد: (فارحلي بنا وخلي له عن البلاد) فامتنعت ورأته عاراً لقومها فقال لها خالد وأولادها (فما نحن صانعون بعدك؟) فقالت: (أما أنت يا خالد فستدرك ملكاً عظيماً عند الملك الأعظم وأما أولادي فيدركون سلطاناً مع هذا الرجل الذي يقتلني ويعقدون للبربر غرائم) ثم قالت: (اركبوا واستأمنوا إليه) فركب خالد وأولادها في الليل وتوجهوا إلى حسان فأخبرها خالد بخبرها وإنها عملت قتلها، وقد وجهت إليك بأولادها فوكل بهما من يحفظهما وقدم خالد على أعنة الخيل وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت انظروا ما دهمكم فأني مقتولة ثم التحم القتال واشتد الحرب والنزال فانهزمت الكاهنة واتبعها حسان حتى قتلها. وكان مع حسان جماعة من البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع العرب فأجابوه وأسلموا على يديه فعقد لولدي الكاهنة لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس وأخرجهم مع العرب يجولون في المغرب يقاتلون الروم ومن كفر من البربر وانصرف حسان إلى مدينة القيروان بعد ما حسن إسلام البربر وطاعتهم وذلك في شهر رمضان سنة 83 وفي هذه السنة استقامت بلاد أفريقية لحسان بن النعمان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم أفريقية وعلى من أقام معهم على دين النصرانية. وأقام حسان بعد قتل الكاهنة لا يغزو أحداً ولا ينازعه أحداً ثم عزله عبد العزيز بن مروان الوالي على مصر وكان الوالي على مصر يولي على أفريقية فعزل حساناً وأمره بالقدوم عليه فعلم حسان ما أراد عبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك فعمد إلى الجوهر والذهب والفضة فجعله في قرب الماء وأظهر ما سوى ذلك من الأمتعة وأنواع الدواب والرقيق
(1/38)
________________________________________
وسائر أنواع الأموال فلما قدم على أمير مصر عبد العزيز بن مروان أهدى إليه مائتي جارية من بنات ملوك الروم والبربر فسلبه عبد العزيز جميع ما كان معه من الخيل والأحمال والأمتعة والوصائف والوصفان ورحل حسان بالأثقال التي بقيت له حتى قدم على الوليد فشكا له ما صنع به عبد العزيز فغضب الوليد على عمه عبد العزيز ثم قال لحسان لمن معه: (ائتوني بقرب الماء) ففرغ منها من الذهب والفضة والجوهر والياقوت ما استعظمه الوليد وعجب من أمر حسان فقال له الوليد (جزاك الله خيراً يا حسان) فقال (يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله وليس مثلى يخون الله والخليفة) فقال له الوليد: (أنا أردك إلى عملك وأحسن إليك وأثق بك) فحلف حسان (لا أولي لبني أمية أبداً) فغضب الوليد بن عبد الملك على عمه عبد العزيز. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين وغزوات حسان لم تنضبط بتاريخ محقق ولا فتحه لمدينة قرطاجنة وتونس ولا قتله للكاهنة وذكر ابن قطان أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان دون أمر أخيه عبد الملك ولا مشورته.

ذكر ولاية أبي عبد الرحمن موسى بن نصير
أفريقية والمغرب وبعض أخباره رحمة الله عليه
نسبه: قيل إنه من لخم وقيل من بكر بن وائل وذكر ابن بشكوال في كتاب (الصلة) له إنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد وكان موسى على خراج البصرة قدمه عليها عبد الملك بن مروان فاحتجن الأموال على ما ذكره لنفسه فأوصى الحجاج به ألا يفوته فخافه موسى وقصد إلى عبد
(1/39)
________________________________________
العزيز بن مروان صاحب مصر لانقطاع كان منه إليه فتوجه عبد العزيز مع موسى إلى الشام فوفدا على عبد الملك فأغرمه عبد الملك مائة ألف دينار فغرم عنه عبد العزيز نصفها وعاد مع عبد العزيز إلى مصر فولاه منها أفريقية.
فأول فتوحه قلعة غزوان ونواحيها وبينها وبين القيروان مسيرة يوم كامل وبنواحي غزوان قبائل بربر بعث إليهم موسى خمسمائة فارس ففتحها الله فبلغ سببهم عشرة آلاف وهو أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ثم وجه ابناً له اسمه عبد الله إلى بعض نواحي أفريقية فأتى بمائة ألف رأس من السبي ثم وجه ابنه مروان فأتى بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألفا فكتب موسى إلى عبد العزيز يعلمه بالفتح ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا وكان ذلك وهماً من الكاتب: كتب ثلاثين ألفا بدلا من ستين ألفا فلما قرأ عبد العزيز بن مروان الكتاب وأن الخمس من السبي ثلاثون ألفا استكثر ذلك ورأى إنه وهم من الكاتب لكثرته فكتب إلى موسى يقول له: (إنه قد بلغني كتابك تذكر أن خمس ما فاء الله عليك ثلاثون ألف رأس فاستكثرت ذلك وظننته وهماً من الكاتب فاكتب بالحقيقة) فكتب إليه موسى (قد كان ذلك وهماً من الكاتب على ما ظنه الأمير والخمس أيها الأمير ستون ألف رأس ثابتاً بلا وهم) فلما بلغه الكتاب عجب كل العجب وامتلئ سروراً وقد كان عبد الملك كتب إلى أخيه عبد العزيز (قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان وتوليه موسى وقد أمضى لك أمير المؤمنين ما كان من رأيك وولاية من وليت) فكتب عبد العزيز إلى أخيه يعلمه بالفتح وكتاب موسى ثم وجه عبد الملك رجلاً إلى موسى ليقبضن ذلك منه على ما ذكر فدفع موسى إليه مثل ذلك وزاد ألفا وكان موسى عند وصوله إلى أفريقية لما صار في الجيش الأول أتى عصفور حتى نزل على صدره فاخذ به موسى وذبحه ولطخ بدمه صدره
(1/40)
________________________________________
من فوق الثياب وطرحه على نفسه وقال (هو الفتح ورب الكعبة) . قال ابن قتيبة: فتح موسى بن نصير سجومه وقتل ملوكها وأمر أولاد عقبة: عياضاً وعثمان وأبا عبدة أن يأخذوا حقهم من قاتل أبيهم فقتلوا من أهل سجومه ستمائة رجل من كبارهم ثم قال لهم: (كفوا) فكفوا وذلك سنة 83 (على قول من قال أنه ولي فيها) . ثم فتح موسى هوارة وزناته وكتامه فأغار عليهم وقتلهم وسباهم فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس وكان عليهم رجل يقال له طامون فبعث به موسى إلى عبد العزيز بن مروان فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة طامون إلى اليوم وكانت قد قدمت على موسى فولى عليهم رجلاً منهم وأخذ منهم رهائن من خيارهم. وفي سنة 85 توفى عبد العزيز بن مروان صاحب ملك مصر من قبل أخيه عبد الملك بن مروان ووليها عبد الله بن مروان أخو عبد الملك وكان عبد الملك بن مروان أراد أن يخلع أخاه عن مصر في هذه السنة على ما فعل من عزل حسان بن النعمان وفيئه فنهاه قبيصة بن ذويب وقال (لعل الموت يأتيه فنستريح منه) فكف عبد الملك عنه وبقيت نفسه تنازعه أن يخلعه فبينا هو على ذلك وروح بن زنباع الجذامي يقول له يوماً: (لو خلعته ما انفطح فيه عنزان) إذ دخل عليهما قبيصة فقال) (آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك فقال (وهل توفي؟) قال: (نعم) فقال عبد الملك: (كفانا الله يا أبا زرعة ما كنا أجمعنا عليه) وكانت وفاة عبد العزيز في جمادى الأول من السنة المؤرخة. وفي سنة 86 توفي عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين فكتب الوليد إلى عمه عبد الله بن مروان بولاية موسى بن نصير أفريقية والمغرب وقطعها عن عمه وكانت أكثر مدن أفريقية خالية باختلاف البرابر عليها.
(1/41)
________________________________________
فتح المغرب الأقصى على يد الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير
ثم خرج موسى - رحمه الله - غازياً من أفريقية إلى طنجة فوجد البربر قد هربوا إلى الغرب خوفاً من العرب فتبعهم وقتلهم قتلاً ذريعاً وسبى منهم سباً كثيراً حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة فلما رأى البربر ما نزل بهم استأمنوا وأطاعوا فولى عليهم والياً واستعمل مولاه طارقاً على طنجة وما والاها في سبعة عشر ألف من العرب واثني عشر ألف من البربر وأمر العرب أن يعلموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين ثم مضى موسى قافلاً إلى أفريقية. قال ابن القطان: وذكر أن موسى بن نصير بعث أثر بيعته للوليد في هذه السنة المؤرخة زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم ثم عقد لعياش بن اخيل على مراكب أفريقية فمشى في البحر إلى صقلية فأصاب مدينة يقال لها سرقوسة فغنمها وجميع ما بها وقفل سالماً غانماً. ولما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب وكانوا على طنجة وجعل عليهم مولاه طارقاً ودخل بهم جزيرة الأندلس وترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام وقد كان عقبة بن نافع ترك فيهم بعض من أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام: منهم شاكر صاحب الرباط وغيره ولم يدخل المغرب الأقصى أحد من ولاة خلفاء بني أمية بالمشرق إلا عقبة بن نافع الفهري ولم يعرف المصامدة غيره وقيل أن أكثرهم أسلموا طوعاً على يديه ووصل موسى بن نصير بعده.
(1/42)
________________________________________
وفي سنة 93 من الهجرة جاز طارق إلى الأندلس وافتتحها بمن كان معه من العرب والبرابر ورهائنهم الذين ترك موسى عنده والذين أخذهم حسان من المغرب الاوسط قبله. وكانت ولاية طارق على طنجة والمغرب الأقصى في سنة 85 وفي هذا التاريخ تم إسلام أهل المغرب الأقصى وحولوا المساجد التي كان بناها المشركون إلى القبلة وجعلوا المنابر في مساجد الجماعات وفيها صنع مسجد اغمات هيلانة. ونسب طارق: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورنجوم بن نبرغاسن بن ولهاص بن بطوفت بن نفزاو فهو نفزي ذكر إنه من سبي البربر وكان مولى موسى بن نصير وفي سنة 92 جاز موسى بن نصير إلى الأندلس فعبر البحر غاضباً على طارق ومشى على غير طريقه وفتح فتوحاً كثيرة يقع ذكرها إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا الكتاب في فتح الأندلس. وفيها ولى عبد الله بن موسى أفريقية عوضاً من أبيه حين توجه إلى الأندلس إلى أن وصل أبوه منها متوجهاً إلى المشرق فقدم مدينة قيروان في أواخر سنة 95. وفي سنة 95 انصرف موسى من الأندلس إلى أفريقية بما أفاء الله عليه فأجاز الأموال من الذهب والفضة والجوهر في المراكب إلى طنجة ثم حملها على العجلات.
قال الرفيق: كانت وسق مائة عجلة وأربع عشرة عجلة وفيها المائدة وكانت من ذهب يشوبه شيء من فضة مطوفة بثلاثة أطواق: طوق ياقوت وطوق زبرجد وطوق جوهر وحملت يوماً على بغل عظيم أفره وأقوى ما وجد فما بلغ المرحلة حتى تفسخت قوائمه. قال الليث بن سعد: لم يسمع بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام.
(1/43)
________________________________________
ولما قدم عليه ابنه من السوس خرج للقائه مع وجوه الناس فلما التقيا قال مروان بن موسى لرجاله: (مروا لكل من خرج مع والدي بوصيف أو وصيفة) وقال موسى: (مروا أنتم لهم من عندي بمثل ذلك) فرجع الناس كلهم بوصيف أو وصيفة ومن أخبار موسى بن نصير أيضاً - رحمه الله - لما انصرف من الأندلس ولى عليها ابنه عبد العزيز وشخص قافلاً إلى أفريقية فقدم القيروان في آخر سنة 95 فلم يدخلها ونزل بقصر الماء ثم قعد في مجلسه وجاءته جيوش العرب من القيروان فمنهم من سافر معه ومنهم مع تخلف مع ابنه عبد الله بأفريقية فقال لأصحابه: (أصبحت اليوم في ثلاث نعم: منها كتاب أمير المؤمنين بالشكر والثناء ثم وصف ما جرى الله على يديه من الفتوحات ثم كتاب ابني عبد العزيز يصف ما فتح الله عليه في الأندلس بحمد الله تعالى. فقاموا إليه فهنئوه وما الثالثة فأنا أريكموها وقام فأمر برفع الستر فإذا فيه جوار مختلفات كأنهن البدور الطوالع من بنات ملوك الروم والبربر عليهن الحلي والحلل) فهنئ أيضاً بذلك فقال علي ابن رباح السلمي (أيها الأمير أنا انصح الناس إليك: ما من شيء انتهى إلا ورجع فارجع قبل أن يرجع إليك) قال: فانكسر موسى وفرق جواريه من حينه على الناس.
ثم رحل إلى المشرق وخلف على أفريقية ابنه عبد الله وعلى الأندلس ابنه عبد العزيز وعلى طنجة ابنه عبد الملك وقال ابن القطان: الأكثرون يقولون أن مستقر طارق قبل محاولة الأندلس كان طنجة ومنهم من يقول كان بموضع سجلماسة وإن سلا وما ورائها من أرض فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى قال: واختلف الناس هل دخل موسى القيروان في هذه الوجهة أم لا. ثم رحل عنها مه بقية أولاده: مروان، وعبد الأعلى وغيرهما ومعه أشراف الناس من قريش والأنصار وسائر العرب ومن وجوه البربر مائة
(1/44)
________________________________________
منهم كسيلة بن لمزم وبنو يسور ومزدانة ملك السوس وملك مبورقة ومتورقة ومن أولاد الكاهنة ومائة من وجوه ملوك الأندلسيين وعشرون ملكاً من ملوك المدائن التي افتتحها بأفريقية وخرجوا معه بأصناف ما كان في كل بلد من طرفها حتى انتهى إلى مصر فلم يبق بها فقيه ولا شريف إلا وصله وأعطاه ثم خرج من مصر متوجها إلى فلسطين فتلقاه آل روح بن زنباع ونحروا له خمسين بعيراً ثم خرج وترك لهم عندهم بعض أهله وصغار ولده فأعطى آل روح بن زنباع عطاء جزلا ثم وافاه كتاب الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمره بشد السير إليه ليدركه في قيد الحياة وكان مريضاً ووفاه كتاب من سليمان بن عبد الملك ولي عهد أخيه الوليد يأمره بالتأني والتربص فأسرع موسى ولم ينظر في كتاب سليمان إلى أن وصل إلى الوليد قبل موته بثلاث أيام فقال سليمان: (لئن ظفرت به لأصلبنه) فدفع موسى الأموال والمائدة والدر والياقوت والتيجان والذهب والفضة إلى الوليد بن عبد الملك. وقال المسعودي في كتابه (عجائب البلاد والزمان) قال: لما فتح طارق طليطلة وجد بها بيت الملوك ففتحه فوجد فيه زبور داود - عم - في ورقات الذهب مكتوباً بماء ياقوت محلول من عجيب العمل الذي لم يكد ير مثله ومائدة سليمان - عم - وقد تقدم وصفها ووجد فيه أربعة وعشرين تاجاً منظمة بعدد ملوك القوطيين بالأندلس: إذا توفي أحدهم جعل تاجه بذلك البيت وفعل الملك بعده لنفسه غيره جرت عوائدهم على ذلك ووجد فيه قاعة كبيرة مملوءة بإكسير الكيمياء فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك. وفي سنة 96 توفى الوليد بن عبد الملك في جمادى الأخير وولي الخلافة سليمان فغضب على موسى غضباً عظيماً وأمر عليه فأوقف في يوم شديد الحر في الشمس وكان رجلاً بادناً ذا نسمة فوقف حتى سقط مغشياً
(1/45)
________________________________________
عليه وقال له سليمان (كتبت إليك فلم تنظر كتابي هلم مائة ألف دينار) قال (يا أمير المؤمنين قد أخذتم ما كان معي من الأموال فمن أين لي مائة ألف دينار؟) قال: (لابد من مائتي ألف) فاعتذر فقال (لا بد من ثلاثمائة ألف دينار) وأمر بتعذيبه وعزم على قتله فاستجار بيزيد ابن المهلب وكانت له حظوة عند سليمان فاستوهبه منه وقال (يؤدي ما عنده) وقيل أن موسى افتدي من سليمان بألف ألف دينار ذكر ذلك بن حبيب وغيره ثم أن يزيد بن المهلب سهر ليلة مع الأمير موسى فقال له: (يا أبا عبد الرحمن في كم كنت تعتد أنت وأهل بيتك من الموالي والخدام؟ أتكونون في ألف؟) فقال (نعم) وألف ألف إلى منقطع النفس قال (فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة؟ أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك؟ والله لو أردت ذلك لما أنالوا من أطرافي شيئاً ولكني آثرت الله - عز وجل - ورسوله ولم أر الخروج عن الطاعة) وقيل أن سليمان بن عبد الملك بعد ما افتدي منه موسى دعا يوماً بطست من ذهب فرآه موسى ينظر إليه فقال له: (يا أمير المؤمنين إنك لتعجب من غير عجب والله ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينار والله لو بعثت إلى أخيك الوليد بتنور من زبرجد أخضر كان يصب فيه اللبن فيخضر ولقد قوم بمائة ألف دينار ولقد أصبت كذا بكذا) وجعل يكثر عليه في ذلك حتى بهت الأمير من قوله. وكان مولد موسى بن نصير سنة 19 ووفاته سنة 98 فكان عمره تسعاً وسبعين سنة وفي سنة 88 ولي أفريقية فأقام عليها أميراً وعلى الأندلس والمغرب كله نحو ثمان عشر سنة إلى أن مات ومما ذكر في وفاته أنه حج مع سليمان فلما وصلا المدينة قال موسى بن نصير لأصحابه: (ليموتن بعد غد رجل قد ملئ ذكره المشرق والمغرب) فمات موسى في ذلك اليوم.
(1/46)
________________________________________
ولاية محمد بن يزيد أفريقية والمغرب
قال الواقدي: ثم أن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك قال لرجاء بن حيوة: (أريد رجلاً له فضل في نفسه أوليه أفريقية) ، فقال له: (نعم) فمكث أياماً ثم قال: (قد وجدت رجلاً له فضل) قال: (من هو؟) قال: (محمد بن يزيد مولى قريش) فقال: (أدخله علي) فأدخله عليه فقال سليمان: (يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لا شريك له وقم فيما وليتك بالحق والعدل وقد وليتك أفريقية والمغرب كله) قال فودعه وانصرف وهو يقول: (ما لي عذر عند الله ما لم أعدل) وفي سنة 97 من الهجرة استقر محمد بن يزيد بأفريقية بأحسن سيرة وأعدلها ثم وصله الأمر بأخذ عبد الله موسى بن نصير وتعذيبه واستئصال أموال بني موسى فسجنه محمد وعذبه ثم قتله بعد ذلك وكان سليمان قد أمره بأخذ أهل موسى وولده وكل من تلبس به واستئصال أموالهم وتعذيبهم حتى يؤدوا ثلاثمائة ألف دينار وتولى قتل عبد الله بن موسى خالد ابن أبي حبيب القرشي وأما عبد العزيز بن موسى فخلع دعوة بني مروان واستبد بأمره لما بلغه ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته وجاءت الكتب إلى حبيب بن أبي عبده ووجوه العرب من سليمان بن عبد الملك يأمرهم بقتله فقتلوه وحمل رأسه ورأسه أخيه عبد الله حتى وضعا بين يدي أبيهما موسى وهو في عذابه فكان فعل سليمان هذا بموسى وبنيه وقد فعل من الفتح في الإسلام ما فعل من هفوات سليمان التي تزل تنقم عليه. واستعمل محمد بن يزيد على الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي وكانت الأندلس إذ ذاك إلى والى أفريقية كما كان أيضاً والي أفريقية من قبل والي مصر وكان محمد بن يزيد يبعث بسرية إلى ثغور أفريقية فما أصابه قسمه عليهم وكانت ولايته سنتين واشهر.
(1/47)
________________________________________
وفي سنة 99 توفي سليمان بن عبد الملك واستخلف عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يوم وفاته فاستعمل على أفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم. وفي سنة 100 ولي إسماعيل بن أبي المهاجر أفريقية من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فكان خير أمير وخير وال وما زال حريصاً على دعاء البربر إلى الإسلام حتى اسلم بقية البربر بأفريقية على يده في دولة عمر بن عبد العزيز وهو الذي علم أهل أفريقية الحلال والحرام وبعث معه عمر - رضي الله عنه - عشرة من التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن بن نافع وسعد بن مسعود التجيبي وغيرهما وكانت الخمر بأفريقية حلالاً حتى وصل هؤلاء التابعون فبنوا تحريمها - رضي الله عنه -. وفيها استخلف إسماعيل بن أبي المهاجر على الأندلس السمح بن مالك الخولاني فكان حلوله بها في رمضان من السنة. وفي سنة 101 توفي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بدير سمعان لست خلون من شعبان فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وولي الخلافة بعده يزيد ابن عبد الملك فولى على أفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف وصاحب شرطته. وفي سنة 102 قدم إلى أفريقية والياً عليها يزيد ابن أبي مسلم وكان ظلوماً غشوماً وكان البربر يحسنونه فقام على المنبر خطيباً فقال (أني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما نصنع ملوك الروم يحرسها فأرسم في يمين الرجل اسمه وفي يساره حرسي ليعرفوا بذلك من بين سائر الناس فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به) فلما سمعوا ذلك منه أعني حرسه اتفقوا على قتله وقالوا: (جعلنا بمنزلة النصارى) فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة المغرب قتلوه في مصلاه فتكلم في رجل
(1/48)
________________________________________
يقوم بأمرهم حتى يأتيهم أمر الخليفة فتراضوا بالمغيرة بن أبي بردة وكان شجاعاً كبيراً فقال له ابنه عبد الله: (إن يزيد ابن أبي مسلم قتل بحضرتك فإن قمت بهذا الأمر اتهمت بقتله ولكن الرأي أن نتراضى لمحمد ابن أوس الأنصاري) وكان غازياً بصقلية فلم يلبث يسيراً حتى قدم بغنائم قد أصابها فقلدوه أمر الخليفة فكتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما حدث من الأمر فاستعمل على أفريقية بشر بن صفوان.

ولاية بشر بن صفوان أفريقية
هو بشر بن صفوان بن توبل بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحبل ابن عزيز ابن خالد ولي أفريقية سنة 103 فاستصفى بقايا آل موسى بن نصير ووفد بعد ذلك إلى يزيد ابن عبد الملك فألفاه قد هلك. وفي سنة 105 هلك يزيد بن عبد الملك في ربيع الأول وولى هشام بن عبد الملك فرد بشر بن صفوان إلى أفريقية فلما قدمها ولي على الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبي ثم أن بشر بن صفوان غزا بنفسه صقلية فأصاب بها سبياً كثيرا وقفل إلى القيروان فلما حضرته الوفاة قالت جاريته: (وا شماتة الأعداء) فقال لها: (قولي للأعداء لا يموت) واستخلف العباس بن باضعة الكلبي. وفي سنة 107 ولي بشر بن صفوان على الأندلس يحي بن سلمة الكلبي فقدمها في شوال وفي هذه السنة اختلط أمر ولاة مصر اختلاطا كثيراً وفي سنة 109 توفي بشر بن صفوان والى أفريقية بمدينة القيروان فكانت ولايته سبع سنين وبقى نائبه على القيروان حتى وصل وال من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك.
(1/49)
________________________________________
ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي أفريقية والمغرب
وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي صاحب خيل معاوية بصفين فقدم أفريقية سنة 110 في ربيع الأول فدخل القيروان فجأة وذلك يوم الجمعة فألفى خليفة بشر بن صفوان قد تهيأ لشهود الجمعة ولبس ثيابه فقيل له: (هذا عبيدة قد قدم أميراً) فقال: (لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا تقوم الساعة بغتة) وألقى بنفسه فما حملته رجلاه ودخل عبيدة فأخذ عمال بشر وأصحابه فحبسهم وأغرمهم وعذب بعضهم. وفي سنة 110 ولى عبيدة بن عبد الرحمن المذكور عثمان بن أبي نسمة على الأندلس فقدمها في شعبان. وفي سنة 111 قدم إلى الأندلس والياً أيضاً من قبل عبيدة بن عبد الرحمن صاحب أفريقية والمغرب كله حذيفة بن الاحوص القيسي وقيل: الاشجعي وذلك في غرة محرم من السنة المذكورة. وفي سنة 112 ولى عبيدة المذكور على الأندلس أيضاً الهيثم بن عبيد الكناني فقدمها في محرم أيضاً من هذه السنة ثم توفي سنة 114 وكانت ولايته سنتين وأياماً ولما أخذ عبيدة عمال بشر وأصحابه وأغرمهم وعذبهم كان فيهم أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي وكان شريفاً في قومه مع صفاحة وبراعة وكان ولي في أفريقية ولايات كبيرة في أيام بشر بن صفوان فعزله عبيدة ونكل به فقال طويل:
أفألم بني مروان فيها دماءنا ... وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل
كأنكم لم تشهدوا مرج راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل
تعاميتم عنا بعين جلية ... وأنتم كذا ما قد علمنا لنا فعل
(1/50)
________________________________________
وبعث بهذه الأبيات إلى الخليفة هشام بن عبد الملك فأمر هشام بعزل عبيدة من أفريقية والمغرب فقفل منه واستخلف عقبة بن قدامة وذلك في شوال سنة 114 فكان ملك عبيدة بأفريقية أربع سنين وستة أشهر وتوجه إلى الشام سنة 114 بهدايا وتحف عظيمة وبقي خليفته على القيروان ستة أشهر. وفي سنة 113 كان عمال أفريقية والأندلس الذين كانوا في السنة قبلها ثم ولي الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 بموضع يعرف ببلاط الشهداء وفيها أصاب الناس مجاعة عظيمة.

ولاية عبيد الله بن الحبحاب أفريقية والمغرب كله
وهو مولى بن سلول وكان رئيساً نبيلاً وأميراً جليلاً بارعاً في الفصاحة والخطابة حافظاً لأيام العرب وأشعارها ووقائعها فقدم أفريقية في ربيع الآخر من سنة 116 وهو الذي بنى المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس وكان أول الأمر كاتباً ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وأفريقية والأندلس والمغرب كله فاستخلف على مصر ابنه القاسم واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل ثم عمر بن عبد الله المرادي.
وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازياً إلى السوس الأقصى فبلغ أرض السودان ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه ولم يدع بالمغرب قبيلة إلا داخلها وأصاب من السبي أمراً عظيماً ووجد جاريتين ليس لكل واحدة منهما إلا ثدي واحد ثم رجع سالماً ظافراً فغزا صقلية وظفر بأمر لم يره مثله.
ثم أن عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها أساء السيرة
(1/51)
________________________________________
وتعدى في الصدفات والعشر وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين وذلك ما لم يرتكبه عامل قبلة وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير القتل في العباد نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله.
فلما علم البربر خروج حبيب بن أبي عبيدة إلى بلاد الروم نقضوا الطاعة لعبيد الله بن الحبحاب بطنجة وأقاليمها وتداعت برابر المغرب بأسره فثارت المغرب بالمغرب الأقصى فكانت أول ثورة فيه وفي أفريقية في الإسلام.
وفي سنة 122 كانت ثورة البربر بالمغرب فخرج ميسرة المدغري وقام على عمر بن عبد الله المرادي بطنجة فقتله وثارت البرابر كلها مع أميرهم ميسرة الحقير ثم خلف ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج وزحف إلى إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب إلى السوس فقتله ثم كانت وقائع كثيرة بين أهل المغرب الأقصى وأهل أفريقية يطول ذكرها وكان المغرب حينئذ قوم ظهرت فيهم دعوة الخوارج ولهم عدد كثير وشوكة كبيرة وهم برغواطة وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة إنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب ويبعثون فيها إلى عامل أفريقية فيبعثون لهم البربر السنيات فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير وتكلف لهم أو كلفوه اكثر مما كان فأضطر إلى التعسف وسوء السيرة فحينئذ عدة البرابر على عاملهم فقتلوه وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب.
وكان لعبيد الله بن الحبحاب أولاد قد أعجبتهم أنفسهم قدم عقبة بن الحجاج عليهم وكان أبو عقبة قد عانق الحبحاب والد عبيد الله فلما دخل
(1/52)
________________________________________
عقبة على عبيد الله وأقعده على سريره فلما خرج عقبة من عنده أنكر عليه ذلك أولاده فقال لهم: (ما رأيكم) فقالوا (إن تعطيه شيئاً وتصرفه عنا فلا يكسر شرفنا فقال لهم: (نعم) فلما كان في غد أمر الناس فدخلوا عليه ودخل عقبة في جملتهم فقام إليه وأجلسه على سريره ووقف قائماً فقال: (أيها الناس إن بني هؤلاء غرتهم غرة الشيطان لعزة السلطان وأرادوا أمرا أخرج به عن الحق وأنكروا ما رأوا من بري بهذا الرجل وإنما أخبركم أنه مولاي وأن أباه أعتق أبي وإن أكره كتمان أمر الله - سبحانه - شهيد به علي) ثم خير عقبة في ولاية ما شاءه من سلطانه فاختار الأندلس فولاه عليها وذلك في سنة 116 وأقام بها إلى سنة 121 وقام عليه عبد الملك بن قطن الفهري فخلعه وقيل: بل هو استخلفه.
رجع الخبر إلى ميسرة المدغري رأس الصفرية أمير الغرب: لما بلغ عبيد الله بن الحبحاب قتل عامله وولده كتب إلى حبيب ابن أبي عبدة يأمره بالرجوع من صقلية ليأخذ في الحركة مع أهل أفريقية إلى ميسرة وولى ابن الحبحاب على عسكر أفريقية وأشرافهم ووجوههم خالد ابن أبي حبيب الفهري فشخص إلى ميسرة ووصل حبيب ابن أبي عبدة في أثره وسار خالد حتى عبر وادي شلف وهو بمقربة تيهرت ثم قدم حبيب فنزل على مجاز الوادي المذكور فلم يبرح منه ومضى خالد من فوره حتى لقي ميسرة بمقربة من طنجة فاقتتل معه قتالاً شديداً لم يسمع قط بمثله ثم انصرف ميسرة إلى طنجة فأنكرت البربر عليه سوء سيرته وتغيره عما كانوا بايعوه عليه.
قال الرفيق: وكان ميسرة قد تسمى بالخلافة وبويع عليها فقتلوه وولوا أمرهم بعده خالد بن حميد الزناتي فالتقى خالد بن أبي حبيب بالبربر فكان بينهم قتال شديد فبينا هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي من خلفهم
(1/53)
________________________________________
بعسكر عظيم، فتكاثرت عليهم البربر؛ فانهزم العرب وكره خالد بن أبي حبيب أن يهرب؛ فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت أنفة من الفرار. فقُتل ابن أبي حبيب ومن معه، حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد. فقُتل في تلك الوقعة حماة العرب، وفرسانها، وكماتها، وأبطالها؛ فسميت الغزوة غزوة الأشراف؛ فانتفضت البلاد. وبلغ أهل الأندلس ثورة البربر؛ فوثبوا على أميرهم؛ فعزلوه وولوا عبد الملك بن فطن. فاختلت الأمور على ابن الحبحاب؛ فاجتمع الناس عليه وعزلوه. وبلغ ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك فقال: (والله لأغضبن لهم غضبة عربية ولأبعثن جيشاً أوله عندهم وآخره عندي) ثم كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه عليه؛ فخرج في جمادى الأولى من سنة 123.

ولاية كلثوم بن عياض إفريقية
ومقاتلته مع أمير المغرب خالد بن حُميد الزّناني
لما بلغ هشام بن عبد الملك انتقاض البلاد الغربية والأندلسية، بعث كلثوم بن عياض هذا إلى أفريقية، وعقد له على اثني عشر ألفا من أهل الشام. وكتب إلى والي كل بلد أن يخرج معه بمن معه. فصارت عمال مصر وطرابلس وبرقة معه حتى قدم أفريقية في رمضان سنة 123. فنكب عن القيروان. وكان على طلائعه بلجُ بن بشر القشيري ابن عمه. فلما وصل بلج قال لأهل أفريقية (لا تغلقوا أبوابكم، حتى يعرف أهل الشام منازلكم) ومع ذلك كلام كثير يغيظهم به. فكتبوا إلى حبيب بن أبي عبدة يعرّفونه بمقالة بلج. فكتب إلى كلثوم: (إن ابن عمك السفيه قال كذا وكذا. فارحل بعسكرك عنهم، وإلا حولنا أعنة الخيل إليك!) فكتب كلثوم يعتذر إليه ويأمره أن يقيم بشلف حتى يقدم عليه. فاستخلف كلثوم على القيروان عبد الرحمن بن
(1/54)
________________________________________
عقبة الغفاري، وسار حتى عسكر حبيب، فرفضه واستهان به، وسب بلج بن بشر لحبيب وتنقصه وقال: (هذا الذي يحول أعنة الخيل إلينا) فقام إليه عبد الرحمن بن حبيب وقال (يا بلج هذا حبيب! فإذا شئت فاعرض له للمقابلة!) وصاح الناس (السلاح! السلاح!) فمال أهل أفريقية إلى ناحية. ومعهم أهل مصر. ثم سعى بينهم الصلح. فكان هذا الاختلاف سبب هلاكهم، مع سوء رأي كلثوم وبلج.
ولما قدم كلثوم على وادي سنبو، وهو في ثلاثين ألفا، وقال ابن القطان: فيهم عشرة آلاف من صلب بني أمية، وعشرون ألفا من سائر العرب. فتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتي الذي تولى الأمر بعد ميسرة. فوجه كلثوم بلجا ليلا ليوقع بالبربر. فسرى ليلته، وأوقع بهم عند الصباح؛ فخرجوا إليه عراة؛ فهزموه ووصلوا إلى كلثوم. فأمر بدبدبان فنصب له، وقعد عليه. ثم نشب القتال، وقعدت البربر تحت الدرق، ونشبت الخيلُ الخيلَ العرب خيل البربر؛ ثم انكشفت خيل العرب، وألتفت الرجال بالرجال. فكان صبر وقتال. وخالطت خيل البربر ورجّالتُهم كلثوم وأصحابه. فقتل كلثوم، وحبيب بن أبي عبدة، وسليمان بن أبي المهاجر. ووجوه العرب. فكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وهزيمة أهل مصر وأفريقية إلى أفريقية.
قال ابن القطان: لما بعث هشام بن عبد الملك كلثوما واليا على أفريقية والمغرب، وأمره بالجد والاجتهاد في أمرها، إذ كانوا بين أمية يجدون في الدريات أن الملك القائمين عليهم لا يجاوز الزاب. فتوهموا إنه زاب مصر، وإنما كان زاب أفريقية. وعهد إليه في سدها وضبطها، وعهد أن حدث بكلثوم حدث أن يكون ابن أخيه بلج مكانه. فدارت بينه وبين البربر حروب، هزموا في بعضها كلثوم بن عياض وقتلوه، وصار أمر العرب بأفريقية إلى بلج بالعهد المذكور. ولجأ فلهم إلى سبتة، وبقوا بها حتى ضاق عليهم الأمر؛ فكاتب
(1/55)
________________________________________
بْج وأصحابه عبد الملك بن قطن أمير الأندلس، وسألوه إدخالهم الأندلس. فلم يأمنهم عبد الملك، ومطلهم بالميرة والسفن. ثم أضطر إلى إدخالهم الأندلس بعد ذلك، لسبب أشرحه في الجزء الثاني إن شاء الله؛ وهو موضعه في أخبار الأندلس. فكاتبهم، وشرط عليهم إقامة سنة في الأندلس، ثم يخرجون عنها. فرضوا بذلك؛ وكانوا نحو عشرة آلاف من عرب الشام.
ولما دخلوا الأندلس وأقاموا فيها سنة، ترفهوا بها. فأمرهم عبد الملك بالخروج منها، كما أشترط عليهم. فامتنعوا، وقتلوا عبد الملك بن قطن، واستولى بلج على الأندلس، وبقي بها أحد عشر شهرا، أميرا. وقد شرحنا أمره في أخبار الأندلس في الجزء الثاني وقال الرقيق: لم ينهزم من أهل أفريقية إلا عبد الرحمن بن حبيب؛ فإنه جاز على الأندلس؛ فقال لأميره عبد الملك بن قطن: (هؤلاء أهل الشتم يقلون: ابعث لنا مراكب نجوز فيها، وهم، إن جازوا إليك، لم بأمنهم عليك!) فلما أجازهم إليها، ما لبثوا فيها إلا سنة حتى وثبوا عليه مع بلج. فكانت بينهم اثنتا عشرة وقيعة، وكلها على عبد الملك بن قطن حتى قتله بلج واستولى على الأندلس.
وفي سنة 124، قتل بلج بالأندلس، ووليها ثعلبة بن سلامة العاملي، وأعقده أصحاب بلج مكانه بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. فثار في أيامه بقايا البربر بمادرِة؛ فغزاهم ثعلبة، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو الألف، وانصرف إلى قرطبة. فكانت ولايته عشرة أشهر. وفيها كان ابتداء ظهور برغواطة.

ذكر برغواطة وارتدادهم عن الإسلام
قال ابن القطان وغيره: كان طريف من ولد شمعون ابن إسحاق وإن الصفيرة رجعت إلى مدينة القيروان لنهبها استباحتها في ثلث مائة
(1/56)
________________________________________
ألف من البربر مع أمير منهم. وكانوا قد اقتسموا بلاد أفريقية وحريمها وأموالها؛ فهزمهم الله تعالى بأهل القيروان، وهم في أثنى عشر ألف مقاتل، نصرهم الله تعالى عليهم؛ وخبرهم طويل، يمنع من إيراده هنا خيفة التطويل،. وكان طريف هذا من جملة قواد هذا العسكر؛ وإليه تنسب جزيرة طريف. فلما هزمهم الله بأهل القيروان، تفرقوا، وقتل من قتل منهم، وتشتت جمعهم، سار طريف إلى تامسنا، وكانت بلاد بعض قبائل البربر. فنظر إلى شدة جهلهم؛ فقام فيهم، ودعا إلى نفسه. فبايعوه وقدموه على أنفسهم. فشرع لهم ما شرع، ومات بعد مدة. وخلف من الولد أربعة. فقدم البربر ابنه صالحا. فأقام فيهم على الشرع الذي شرعه أبوه طريف. وكان قد حضر مع أبيه حرب ميسرة الحقير ومغرور بن طالوت الصفريين. فأدعى إنه أنزل عليهم قرآنهم، الذي كان يقرءونه؛ وقال لهم إنه صالح المؤمنين، الذي ذكره الله في كتابه العزيز. وعهد صالح إلى ابنه الياس بديانته، وعلمه شرائعه وفقهه من دينه، وأمره ألا يظهر الديانة حتى يظهر أمره، وينتشر خبره، فيقتل حينئذ من خالفه. وأمره، موالاة أمير المؤمنين بالأندلس. وخرج صالح إلى المشرق، ووعده إنه يرجع في الدولة السابع من ملوكهم، وزعم إنه الهدي الذي يكون في أخر الزمان لقتال الدجال وأن عيسى - عم - يكون من رجاله وأنه يصلي خلفه. وذكر في ذلك كلاما نسبه إلى موسى - عم -.
فولى بعد خروجه إلى المشرق ابنه الياس خمسين سنة. فكتم شريعته إلى سنة 172. فخرج عن ذلك كله من أمر صالح وابنه أن ابتداءه كان في هذه السنة، أو التي قبلها، وما يأتي بعدها من السنين، إذ خمسون سنة أخرها سنة 172، مبدأها سنة 124 أو نحوها، والله أعلم.
(1/57)
________________________________________
ولاية حنظلة بن صفوان أفريقية والمغرب كله
ولما بلغ أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك قَتْلُ كلثوم بن عياض وأصحابه بعث إلى أفريقية والمغرب حنظلة بن صفوان الكلبي. وكان عامله على مصر ولاه عليها سنة 119. فقدمها في شهر ربيع الآخر منها. فبعث إليه أهل الأندلس أن يبعث إليهم عاملا، فوجه إليهم أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي. فسار في البحر من تونس إلى الأندلس، واليا عليها. فقدمها في رحب، وسأذكر خبره في أخبار الأندلس إن شاء الله.
ومن أخبار حنظلة أمير أفريقية مع بعض القبائل الغربية: وذلك لما استقر حنظلة بالقيروان، لم يمكث فيها إلا يسيرا، زحف إليه عكاشة الصفري الخارجي، في جمع عظيم من البربر، وزحف أيضا إلى حنظلة عبد الواحد بن يزيد الهواري في عدد عظيم. وكانا افترقا في الزاب. فأخذ عكاشة على طريق مجانسة. فنزل في القيروان، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي. فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة، قبل أن يجتمعا عليه. فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. فالتقوا بالقرن، وكان بينهم قتال شديد فهزم الله عكاشة ومن معه، وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة، وقيل إن حنظلة لما رأى ما دهمه من البربر قال لأصحابه: (نستمد أمير المؤمنين!) فقال له شاب جميل الوجه: (بل نخرج إلى عدونا حتى يحكم الله بيننا!) فعزم حنظلة، وخرج فهزم الله عكاشة في خبر طويل.
قال عبد الله بن أبي حسان: فأخرج حنظلة كل ما في الخزائن من السلاح وأحضر الأموال، ونادى في الناس فأول من دخل عليه، رجل من بحصب فقال له: (نصر بن ينعم!) قال: فتبسم حنظلة كالمكذب له وقال له (بالله أصْدُق!) فقال (والله) مالي أسم غير ما قلت لك فتفاءل به وقال (نصر وفتح) فأعطى الناس وخرج
(1/58)
________________________________________
لمقابلة الصفرية وهم بالخوارج. فكان بينه وبينهم حرب يطول ذكرها، فالتحم فيها القتال، وتداعى الأبطال ولزم الرجالة الأرض، فلا تسمع إلا وقع الحديد على الحديد، وتقابض الأيدي بالأيدي. وكانت كسرة على ميسرة العرب، ثم انكسرت ميسرة البربر وقلبهم، ثم كرت العرب على ميمنة البربر، فكانت الهزيمة. وسيق إلى حنظلة رأس عبد الواحد، وأخذ عكاشة أسيرا، فأتى به إلى حنظلة، فقتله وخر لله ساجدا.
وقيل إنه ما علم في الأرض مقتله كانت أعظم منها. أراد حنظلة أن يحصى من قُتل، وأمر بعدهم. فما فدر على ذلك. فأمر بقَصَبٍ فطرح قصبة على كل قتيل. ثم جمعت القصب، وعُدّت، فكانت القتلى مائة ألف وثمانين ألفا. وكانوا صفرية يستحلون النساء وسفك الدماء.
وكتب بذلك حنظلة إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك. فسر بذلك سرورا عظيما. وكان الليث بن سعد يقول: (ما من غزوة كنت أحب أن أشهدها، بعد غزوة بدر، أحب إلي من غزوة القرن والأصنام) .
وفي سنة 125، توفي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بعلة الذبحة. وعماله في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة قبلها، ومن جملتهم حفص بن الوليد على مصر، وحنظلة بن صفوان على أفريقية والمغرب، وأبو الخطار على الأندلس. ثم استخلف بعده الوليد بن يزيد، يوم موت هشام بن عبد الملك، وذلك يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الأخر.
وفي سنة 126 توفي الوليد بن يزيد مقتولا يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، قتله يزيد بن الوليد المسمى بالناقص واستخلف يزيد ولم يكن في أيامه في هذه السنة بأفريقية أمر. وبويع بدمشق وجعل العهد نعده لابنه إبراهيم بن يزيد فأقام نحو شهر ونصف، ثم خلع نفسه لمروان الجعدي. فقيل إنه نبش على يزيد بن الوليد وأخرجه من قبره وصلبه.
(1/59)
________________________________________
انتزاء عبد الرحمن بن حبيب الفهري بإفريقية
وبعض أخباره
كان عبد الرحمن بن حبيب هذا قد هرب إلى الأندلس. عند هزيمته من الوقيعة التي قتل فيها أبوه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، مع كلثوم بن عياض. فلم يزل. وهو بالأندلس، يحاول أن يتغلب عليها. فلم يمكنه ما أراد، إلى أن وجهة حنظلة أبا الخطاب إليها، فخاف على نفسه، وخرج مستترا، فركب البحر إلى تونس، فنزل بها، وذلك في جمادى الأولى سنة 127، فدعا الناس إلى نفسه، فأجابوه. وأراد حنظلة الخروج إليه، والزحف لقتاله. ثم كره قتال المسلمين. وكان ذات ورع ودين، فوجه إلى حنظلة جماعه من وجوه أفريقية يدعونه إلى مراجعة الطاعة. فلما قدموا عليه. أوثقهم في الحديد، وأقبل بهم إلى القيروان، وقال (أن رمى أحد من أوليائهم بحجر، قتلتهم) وكانوا وجوههم ورؤساءهم. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي والعدول، وفتح بيت المال؛ فأخذ منه ألف دينار، وترك الباقي، وقال: (لا أتلبس منه ألا بقدر ما يكفيني ويبلغني) ثم شخص عن أفريقية في سنة 139 في جمادى الأول. وأقبل عبد الرحمن حتى دخل القيروان، ونادى مناديا: (لا يخرجن أحد مع حنظلة، ولا يشيعه) فرجع عنه الناس خوفا من عبد الرحمن. ولما قفل حنظلة إلى الشرق، دعا على عبد الرحمن وعلى أهل أفريقية، وكان مستجاب الدعوة. فوقع الوباء والطاعون بأفريقية سبع سنين، لا يكاد يرتفع إلا مرة في الشتاء ومرة في الصيف.
وقال بعض المؤرخين أن مروان بن محمد الجعدي بعث إلى عبد الرحمن ابن حبيب بولايته على أفريقية بعد تغلبه عليها.
ولما ولي عبد الرحمن، ثار عليها جماعة من العرب والبربر. ثم ثار عليها
(1/60)
________________________________________
عروة بن الوليد الصدفي؛ فستولى على تونس، وثار عليها عرب الساحل، وقام عليه ابن عطاف الأزدي. وثارت. البربر في الجبال الصنهاجية بباجة؛ فأخذها. فخرج إلها الياس بن حبيب، أخو عبد الرحمن، في ستمائة فارس؛ ولم يظهر إنه خرج إليه، بل أعمل الحيلة مع أخيه في ذلك. ولما وصل الجاسوس، قال: (إن القوم آمنون غافلون) خرج العسكر إليهم؛ فقتل ابن عطاف وأصحابه، وأمعن عبد الرحمن بن حبيب في قتل البربر، وأمتحن الناس بهم، ابتلاهم بقتل الرجال صبرا، يؤتي الأسير من البربر، فيأمر من يتهمه بتحريم دمه بقتله، فيقتله. وكانت بأفريقية حروب ووقائع يطول ذكرها.
وكان عبد الرحمن بن حبيب قد كتب إلى مروان بن محمد، وأهدى إليه الهدايا. فكتب إلى مروان، يأمره بالقدوم عليه. ثم ضعف أمر بني أمية بالمشرق، وأشتغل بحرب المسودة. فأقام عبد الرحمن بالقيروان، حتى كانت سن 135. فغزا تسلمان، وخلف ابنه حبيبا على القيروان؛ فظفر بطوائف من البربر، وعاد إلى القيروان. ثم أغزى صقلية. ثم بعث إلى (سر دانية) ؛ فقتل من بها قتلا ذريعا؛ ثم صالحوا على الجزية. وبعث إلى إفرنجة؛ فأتى بسيها؛ ودوخ المغرب كله، وأذل من به من القبائل، لم يهزم له عسكر. ولا ردت له راية. وداخل جميع أهل المغرب الرعب والخوف منه.
وقتل مروان بن محمد بالمشرق، وزالت دولة بني أمية. وبقي عبد الرحمن ابن حبيب أمير أفريقية والمغرب. وهرب جماعة من بين أمية خوفا من بني العباس، ومعهم حرمهم. فتزوج منهم عبد الرحمن وأخواته. وكان فيمن قدم ابنا الوليد بن يزيد، وكانت ابنة عمها عند أليس بن حبيب، فأنزلهما عبد الرحمن في دار؛ ثم أحتال في بعض الليالي؛ فأطلع عليهما من موضع خفي، وهما على نبيذ، ومولاهما يسقياهما، إذ قال أحدهما: (أيظن عبد الرحمن إنه يبقى أميرا معنا، ونحن أولاد الخليفة) فلما سمع هذا منه أنصرف. ثم
(1/61)
________________________________________
دعاهما، وأظهر لهما بشرا، حتى أتاهما من أخبرهما أن عبد الرحمن سمع كلامهما. فركبا جملين وهربا فبعث عبد الرحمن الخيل في طلبهما، وأدركا. فآمر بضرب أعناقهما. وكانت ابنة عمّهما عند إلياس، فقالت له (قتل أختانك وأنت صاحب حربه وصاحب سيفه! وجعل العهد من بعد عهده لحبيب ولده! فهذا تَهاون بك!) ولم تزل به حتى اجنمع رأي الياس وأخيه عبد الوارث على قتل أخيهما عبد الرحمن. وهاودهما على ذلك جماعة من أهل القيروان على ما يأتي ذكره.
وفي سنة 127 كان دخول عبد الرحمن بن حبيب هذا أفريقية ودعواه لنفسه، كما تقدم. وفيها كان انتزاء ثُوابة بن سلامة بالأندلس، وبويع بها. وكان قد هزم أبا الخطار سنة 125. وتم له الأمر في هذه السنة، لكن لا بعهد من بني أمية ولا من بني العباس، بل عنوة بالسيف. وأقام معه الصميل؛ فكان السلطان لثوابه للصميل.
وفي سنة 128، هلك أمير الأندلس ثوابه في شعبان، فكانت دولته نحو سنة، حسب ما أذكر ذلك في أخبار الأندلس، أن شاء الله. فبقيت الأندلس دون أمير أربعة أشهر. فأجتمع الناس على الصميل بن حاتم، فوقع نظره ونظرهم على تقدين يوسف بن عبد الرحمن الفهري.
وفي سنة 129، أستقل يوسف الفهري بولاية الأندلس فكانت ولايته إياها عشر سنين: فما من سنة من هذه السنيين ألا ويمكن أن يكون له فيها غزو، إذا قالوا إنه واصل الجهاد؛ وسيأتي ذكره وخبره في خبر الأندلس إن شاء الله.
وفيها كانت بالأندلس حروب ووقائع وغلاة في الشعر. وقيل أن ولاية يوسف كانت في صفر من هذه السنة، وإنهم كتبوا لعبد الرحمن بن حبيب عامل القيروان؛ فأنفذ إليه عهد بولاية الأندلس.
وفي سنة 130، كان استيلاء أبي مسلم على مرو، وتفريقه كلمة العرب
(1/62)
________________________________________
واختياره اليمانية لنصرته، وتشريده المضرية وكان له غزوات ومواقعات؛ وعبد الرحمن بن حبيب أمير أفريقيا كذلك، في حروب ووقائع البربر.
وفي سنة 131 كان استيلاء أبي مسلم على خراسان، وعامل مصر وأفريقيا والأندلس على ما كان عليه قبل ذلك. وفيها بني عبد الرحمن بن حبيب سور مدينة طرابلس، وانتقل الناس إليها من كل مكان.
وفي سنة 132 كانت الوقعة التي هزم فيها الأمويون مع أبي هريرة، وفتح العباسية للكوفة. ثم اتصلت الولايات العباسية والفتوح للبلاد الشرقية وخروجها عن الأموية واحدا من بعد واحد. فقلت مروان بن محمد الجعدي في هذه السنة، وانقطعت الدولة الأموية. وكانت دولتهم 91 سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام وهم أربعة عشر رجلا: منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما. ثم تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم، وهرب عبد الرحمن ابن معاوية إلى الأندلس. فبايعه أهلها وتجددت لهم بها دولة استمرت إلى بعد الأربعة والعشرين والأربعمائة. فانقطعت دولتهم ست سنين أو نحوها، من هذه السنة إلى حين دخول عبد الرحمن الأندلس. وجددها في سنة 137. فإن صح أن عهد عبد الرحمن بن حبيب، صاحب القيروان وأفريقية من قبل بني أمية، وصل إلى يوسف بن عبد الرحمن المتغلب على الأندلس، الذي أدخل عبد الرحمن إليها وهو أميرها، فعلى هذا، كانت لهم دولة متصلة بالأندلس. فتأمل هذا فإن إن صح بكته غريبة وفائدة عجيبة قال أبو محمد بن حزم: انقطعت بني أمية. وكانت على علاتها دولة عربية، لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة. وإنما كان سكني كل أمير منهم في داره وضعيته التي كانت له قبل خلافته، ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبوهم بالعبودية والملك ولا تقبيل يد ولا رجل، وأما كان غرضهم التولية والعزل في أقاصي البلاد؛ فكانت عمالهم وولاتهم في الأندلس، وفي الصين، وفي
(1/63)
________________________________________
السند، وفي خراسان، وأرمينية، واليمن، والشام، والعراق، ومصر، والمغرب وسائر البلاد الدنيا، ما عدى الهند.
وانتقل الأمر إلى بني العباس في هذه السنة. قال ابن حزم في جملة كلامه أيضا: فكانت دولتهم أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر مُلكا غضوضا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسبب أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - افترقت في دولة بني العاس دعوة المسلمين وكلمتهم، فتغلبت على البلاد طوائف من الخوارج والشيعة والمعتزلة ومن ولد إدريس وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين - ظهروا في المغرب الأقصى وتملكوا فيه. ومنهم من ولد معاوية تغلبوا على الأندلس، وكثيرا من غيرهم أيضا. وفي خلال هذه الأمور تغلبت الكفرة على أكثر بلاد الأندلس وأكثر بلاد السند. وفي سنة 132 المذكورة كان المولون للعمال بالبلاد أربعة أمراء: وهم مروان بن محمد وأبو سلمة الخلال، وأبو مسلم، وأبو العباس السفاح. فأما مروان فعزل الوليد بن عروة عن المدينة، وولاها أخاه عيسى، وأما أبو سلمة، فاستعمل محمد بن خالد على الكوفة إلى أن ظهر أبو العباس السفاح ظهوراً تاما، وأما أبو مسلم، فهو كان السلطان الأعظم الذي لا يرد أمره، وهو الذي قدم محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك، وأما أبو العباس، فوجه بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس، وأخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولى أخاه يحيى بن محمد عليّ على الموصل، وولى على مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى على أفريقية عبد الرحمن بن حبيب لأنه، لما بلغته بيعة أبي العباس كتب إليه بالسمع والطاعة فأقره.
(1/64)
________________________________________
وفي سنة 133 ولى أبو العباس السفاح عمه سليمان بن عليّ البصرة وأعمالها والبحرين وغير ذلك، وولى عمه إسماعيل على الأهواز، وولى عمه داود المدينة، وولى عماله سائر البلاد الشرقية، وأفريقية والأندلس على ما كانت عليه. وفي سنة 134 بعث أبو العباس السفاح موسى ين كعب في اثني عشر ألفاً لقتال منصور بن جمهور من المنتزين على العباس، فسار إليه حتى لحقه بأرض الهند، فهزمه ومن كان معه، ومضى فمات عطشا في الرمال.
وفيها كان أيضا العزل والولايات بالمشرق. وبقى على مصر أبو عون وعلى أفريقية عبد الرحمن بن حبيب، وعلى الأندلس يوسف الفهري.
وفي سنة 135 كانت غزوة عبد الرحمن بن حبيب صاحب أفريقية صقلية، فسبى وغنم. وغزا أيضا سودانية، وصالحهم على الجزية. وغزا أرض البربر بجهة تلمسان. ومدينة تلمسان قاعدة المغرب الأوسط وهي دار مملكة زناتة. قال البكري: بنو يغمراسن من هوارة يعتدون في ستين ألفا. وتلمسان دار مملكة زناتة على قديم الزمان، ومتوسط بلاد القبائل من زناتة وغيرهم ومقصد النجار، ونزلها محمد بن سليمان من ذرية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومن ذريته أبي العيش عيس بن إدريس بن محمد بن سليمان الذي بنى مدينة جراوة.
ونسب زناتة: قال أبو المجد المغيلى، وعلي بن حزم، وغيرهما: أن زناتة هم أولاد جانا بن يحيى بن صلوات بن ورتناج بن ضرى بن سفكو بن قيدواد بن شعبا بن مادغيس بن هود بن هرسق بن كداد بن مازيغ. وذكروا أن ضرى هو ابن وزجيج بن مادغس بن بر، فولد ابن برنوس. وولد برنوس كتامة ومصمودة واوربة ووزداجة واوزيغة، فولد أوزيغة هوارة، ومن قبيل هوارة بنو كهلان ومليلة، وولد يحيى جذانا وسمجان وورسطيف، وولد جذانا ورسيج وولد ورسيج مرين، وولد مرين نجد ونمالة، وولد ورسطيف
(1/65)
________________________________________
وركنة ومكناسة، وولد ضرى أيضا تمزيت، وولد تمزيت مطماطة ومدغرة وصدينة ومغيلة وملزوزة، ومديونة، وولد وزجيج لاوى الكبير، وولد لاوى الكبير لاوى الصغير ومغرواة وأيفرن وولد لارى الصغير نفزاو وولد نفزاو يطوفت وولد لاوى الصغير أيض كطوف وولد كطوف ونبطط، فولد ونبطط سدراتة وكانت سدراتة أخوان بني مغراوة لأمهم، وكان أولاد مغراوة وبني يفرن من أعظم بطون زناتة.
قال رجال من كتابه: كان بنو مرين يسكون وراء تلمسان، وهو من زناتة، من ولد جانا بن يحيى بن ضريس بن لوا بن نفزاو بن بتر بن قيس غيلان بن الياس بن مضر. قال: وبنو مرين من العرب الصريحيون.
وفي سنة 136، كان ابتداء أبي العباس السفاح محاولة الغدر بأبي مسلمة، وضفر أبي مسلم بمن حاول ذلك، وقتله لهم، وذلك في خبر طويل. وقيل: بل كان ابتداء تلك المحولة في 135 قبلها. وقدم أبو مسلم في هذه السنة على أبي العباس مستأذنا في الحج، فهم أبو العباس بقتله ثم انثنى على ذلك وحج أبو مسلم وأبو جعفر.
وفيها توفي أبو العباس السفاح في ذي الحجة، بعد أن ولى العهد لأخيه أبو جعفر المصور، فاستوسقت له الأمور، وبايعه الجمهور.
وفي 137، كان قدوم أبي جعفر المنصور من مكة، وتتميم بيعته، فدخل أبو جعفر الكوفة وصلى الجمعة، ووافاه كاتب أبي مسلم بالحيرة، ثم شخص أبي مسلم إلى الأنبار.
وفيها انتزى عبد الله بن عليّ على أخيه وامتنع من بيعته، فبعث إليه أبو جعفر أبى مسلم، فحاربه. وفيها قتل المنصور أبا مسلم. وكيفية ذلك في (تاريخ) أخبار المشرق.
(1/66)
________________________________________
بقية أخبار عبد الرحمن بن حبيب بأفريقية
لما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور، كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة. فأجابه، ودعا له، ووجه إليه بهدية كان فيها بزة وكلاب، وكتب إليه: (أن أفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد أنقطع السيئ منها) فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل إليه الكتاب، غضب غضبا شديدا؛ ثم نادى (الصلاة جامعة) فاجتمع الناس؛ وخرج عبد الرحمن في مطرف خز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم أخذ في سب أبي جعفر، وقال (أني ظننت هذا الخائن يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لي خلاف ما بايعته عليه من أقامة العدل! وأني خلعته كما خلعت نعلي هذا!) وقذفه من رجله. ثم دعا بخلع السود وأمر بتخريقها وقال: (هذا لباس أهل النار في النار!) قال الرقيق: (كان قد لبسها قبل ذلك، ودعا فيها لأبي جعفر؛ فقطعت قطعا وأحرقت.) وقال ابن القطان: كان عبد الرحمن بن حبيب يظهر الطاعة لأبي جعفر، يدعو له على المنبر، ألا إنه لم يلبس السواد، وقال: (أن هذا لباس أهل النار في النار!) ثم خلعه ونبذ طاعته. وحقق عريب أن خلعه لطاعة أبي جعفر كان في هذه السنة.

مقتل عبد الرحمن
كان عبد الرحمن يوجه أخاه غازيا؛ فإذا ظفر، كتب عبد الرحمن بالفاتح، ويزعم أن ابنه كان يتولى الفتوح وكان قد ولاه عهده، فعمد الياس إلى قتل أخيه عبد الرحمن، وشاور في ذلك أخاه عبد الوارث، فأجابه. ودعوا إلى ذلك قوما من أهل القيروان من العرب على أن يقتلوا عبد الرحمن ويؤمروا الياس بن حبيب، وتكون الطاعة لأبي جعفر. وكان عبد الرحمن ولى أخاه
(1/67)
________________________________________
الياس تونس، وودعه للخروج إليها، وعبد الرحمن إذ ذاك مريض. فدخل عليه، وهو في غلالة ورداء، وابن له صغير في حجرة، فقعد طويلا، وعبد الوارث يغمزه. فلما قام يودعه أكب علية ووضع السكين بين كتفيه حتى وصل إلى صدره ثم ردة يده على السيف فضربه، وخرج هاربا دهشا. فقال له أصحابه: (ما فعلت؟) قال: (قتلته!) قالوا: (أرجع! فهز رأسه!) فرجع وهز. وثارت الصيحة. وأخذ الياس أبواب دار الإمارة، وسمع ابنه حبيب الصيحة، فأخبر بقتل والده، فأختفى، ثم تحامل على وجهه إلى باب تونس أحد أبواب القيروان فخرج منه ومضى إلى عمه عمران بن حبيب، وهو والي تونس لوالده فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب أفريقية عشر سنين وسبعة أشهر. وكان أول ثائر متغلب على بلاد أفريقية

ولاية الياس بن حبيب أفريقية
ولما قتل أخاه، ولي أمور أفريقية والقيروان، وحبيب عند عمه عمران بتونس. فأخبره بخبر أبيه، ولحق بهما مواليهما وعبيدهما من كل ناحية. فخرج إلياس، وأتاه حبيب وعمران بمن معهما؛ فهموا بالقتال، ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقسطليلة، وألياس لسائر أفريقية والمغرب. ومضى الياس مع أخيه عمران إلى تونس؛ فوثب عليه ألياس، وبعث به إلى الأندلس. وولي على تونس محمد ابن المغيرة، وانصرف إلى القيروان؛ فبلغه عند حبيب أخبار كرهها. فعلم ذلك حبيب؛ فدس له من زين له الخروج إلى الأندلس؛ ففعل؛ ووجه معه شقيقه عبد الوارث ومن أحب من مواليه. فركبوا البحر، وقد تعذرت بهم الريح؛ فكتب حبيب إلى الياس يعلمه بأن الريح ردته، ووقفوا بطية. فكتب الياس إلى عاملة بها يحذره من أمره. فسمع به موالي عبد الرحمن وأهل طاعته؛ فأتوا إليه من كل ناحية، وطرقوا سليمان بن زياد عامل الياس ليلا،
(1/68)
________________________________________
وهو في معسكره يحارس حبيبا. فأسروه، وشدوا وثاقه، وركبوا إلى حبيب، فأخرجوه إلى البر.

ذكر قيام حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب على عمه
الياس وتغلبه على بلاد أفريقية
لما خرج حبيب هذا إلى البر، واجتمعت عليه أهل طاعة أبيه، ظهر أمره، وشاع ذكره. وتوجه إلى الأربس؛ فأخذها. وبلغ خبره إلى ألياس؛ فخرج يريده، وأستخلف على القيروان محمد بن خالد القرشي، فلما قرب الياس منه، تحاربا حرباً خفيفة. فلما أمس حبيب، أوقد النيران ليضن الناس إنه مقيم. ثم سرى، فأصبح بجلولا. ثم نفذ إلى القيروان، فيتولى عليها. ثم رجع الياس في طلبه، ففسد عليه من كان معه، وتقوى حبيب وخرج إليه في جمع عظيم. فلما التقيا، ناداه حبيب: (لما نقتل صنائعنا وموالينا، وهم لنا حصن! ولكن أبرز أنا وأنت.. فأينا قتل صاحبه، استراح منه!) فناداه الناس.. (قد أنصفك يا الياس) فخرج كل واحد منهما إلى صاحبه، ووقف أهل العسكر ينظرون إليهما، فتطاعنا حتى تكسرت قناتاهما ثم تضاربا بسيوفهما وعجب الناس من صبرهما. ثم ضرب الياس حبيبا ضربة (في ثيابه ودرعه، ووصلت إلى جسده وضرب حبيب عمه الياس ضربة) أسقطته ثم أكب عليه، فحز رأسه وأمر برفعه على رمح وأقبل به على القيروان فدخلها وبين يديه رأس عمه ورؤوس أصحابه، فيهم عم أبيه محمد بن أبي عبدة بن عقبه ورأس محمد بن مغيرة القرشي وغيرهما من وجوه العرب وذلك في عام 138 فكانت ولاية الياس إلى أن قتل نحو سنة وستة أشهر.
وفي سنة 138، قام البربر في أفريقيا على حبيبي بن عبد الرحمن بن حبيب ولما قتل حبيب عمه الياس هرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه.
(1/69)
________________________________________
إلى عسكر الياس أخيه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة من نقزة لاجئين إليهم فنزلوا عليهم وأميرهم عاصم بن جميل فكتب إليه حبيب يأمره بتوجيههم إليه فلم يفعل فزحف إليه حبيب ولقيه عاصم ومعه كل من هرب من حبيب فاقتتلوا وانهزم حبيب وكان إذا خرج إليهم استخلف على القيروان أبا كريب القاضي فكتب بعض أهل القيروان إلى عاصم وأشياخ ورفجومة وظنوا أنهم يوفون لهم بالعهد وأظهروا لهم أنهم إنما يريدون أن يدعوا لأبي جعفر فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرم من كان معهم من البربر ومن لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا وساروا إلى ناحية قابس، حتى انتهوا إلى القيروان. فلما دنا بعضهم من بعض، خرج جماعة من عسكر عاصم، فقتلوا منهم أناسا وتفرق الناس عن القاضي أبي كريب ورجعوا إلى القيروان ولم يعلموا ما يحل بهم من البربر وثبت أبي كريب في نحو ألف رجل من أهل الدين، مستسلمين للموت فقاتلوا حتى قتل أبي كريب وأكثر أصحابه ودخل ورفوجمة القيروان، فاستحلوا المحارم، وارتكبوا الكبائر، ونزل عاصم بمصلى روح ثم استخلف عل القيروان عبد الملك ين أبي جعد اليفرني وسار إلى حبيب، وهو بقابس. فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس. فسار إليه عاصم، فهزمه حبيب، وقتله مع جملة من أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد الملك بن أبي الجعد فاقتتلا، فنهزم حبيب وقتل في المحرم ن سنة 140 فكانت ولاية وتاريخ عبد الرحمن بن حبيب نحو 10 سنين وأشهر، وولاية أخيه الياس سنة وستة أشهر (ثم تغلب على أفريقية بعض القبائل الصفرية بعد قتل حبيب وعاصم، فدخل القيروان وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وقتلوا كل من كان من قريش وعذبوا أهلها. وأساءت ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب وندم الذين استدعوهم أشد ندامة. ثم قام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح
(1/70)
________________________________________
المعافري وكان ثائرا متغلبا خرج طرابلس بعد ما كان استولى عليها يريد القيروان لقتال ورفجومة. فالتقى معهم وقاتلهما. ثم هزمزهم وتبعهم يقتلهم، ثم انصرف إلى القيروان. فولى عليهم عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بعد ذلك ومضى الخطاب إلى طرابلس وكانت مدة هذه الأهوال والفتن التي اختصرناها هنا مجملة في نحو ثلاثة أعوام.
وفي سنة 139، كان الفداء بين أبي جعفر المنصور والروم، فاستنقذ المنصور منهم أسرى المسلمين. ولم تكن بعد ذلك صائفة للمسلمين إلى سنة 146.
وقي سنة 141 كان ابتداء بناء سجلماسة. وفيها كان خروج أبي الخطاب إلى القيروان لقتال ورفجومة، فخرج إليه واليها عبد الملك، فخذله أهل القيروان وانهزموا عنه، فقتل عبد الملك وأصحابه في صفر وكان تغلب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين.
وفي سنة 142، أقبل أبي الأحوص اعجلي بالمسَوِّدةِ. فخرج إليه أبي الخطاب. فالتقى بمقداس على شاطئ البحر، فانهزم أبي الأحوص وأصحابه واحتوى أبي الخطاب على عسكرهم. ورجع أبي الأحوص إلى مصر وانصرف أبو الخطاب طرابلس. وكانت أفريقية في يديه إلى أن وجه المنصور بن الأشعث.
وفي سنة 143 اتصل أبي الخطاب أن أبي الأشعث يريد القيروان. فخرج إليه في زهاء مائتي ألف. فعسكر بهم في أرض سرت واتصل ذلك بمحمد بن الأشعث.
وفي سنة 144، ولي أفريقية محمد بن الأشعث الخزاعي.
(1/71)
________________________________________
ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعي أفريقيا
لما غلبت الصفرية على أفريقيا بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من قريش وغيرهم، خرج جماعة من عربها إلى المنصور يستنصرون به على البربر ويصفون له ما نالهم منهم. فولى أبو جعفر بن الأشعث مصر. فوجه أبا الأحوص. فهزمته البربر كما تقدم. فكتب أبو جعفر إلى ابن الأشعث أن يسير بنفسه، فخرج إلى أفريقية في أربعين ألفا، عليها ثمانية وعشرون قائدا. فالتقوا بأبي الخطاب، وكان قد جمع أصحابه في كل ناحبة، ومضوا في عدد عظيم. فضاق ذرع ابن الأشعث بلقاء أبي الخطاب لما بلغه كثرة جيوشه. ثم أن زناتة وهوارة تنازعت فيما بينها، واتهمت زنانة أبا الخطاب في ميله مع هوارة. فارقه جماعة منهم وبلغ ذلك بن الأشعث فسر به ورحل إليه. فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتل أصحاب أبي الخطاب وأبو الخطاب. فظن ابن الأشعث ألا بقية بعد أبي الخطاب. ثم طلع عليهم أبي هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا. فتلقاهم أبي الأشعث فهزمهم وقتل بعضهم، وذلك في ربيع الأول من السنة. ووجه أبي الأشعث برأس أبي الخطاب إلى بغداد. ولما انتهى إلى عبد الرحمن ابن رستم قَتل أبي الخطاب وولى هاربا إلى موضع تبهرت، فاختطها ونزلها وأخذ أهل القيروان عامله عليها فأوثقوه في الحديد وولوا على أنفسهم عمرو بن عثمان القرشي، إلى أن وفد عليهم أبي الأشعث ودخل القيروان غرة جمادى الأولى من السنة.
وفي هذه السنة وأمر ابن الأشعث بناء سور القيروان في ذي القعدة وكان تمامه في رجب سنة 146. وضبط ابن الأشعث أفريقية وأعمالهم وأمعن في كل من خالفه من البربر بالقتل فخافوه وأذعنوا له بالطاعة. ثم ثار عليه موسى بن موسى بن عجلان كان أحد جنده، في جماعة من قواده فأخرجوا ابن
(1/72)
________________________________________
الأشعث من القيروان من غير قتال. فكان خروج ابن الأشعث من القيروان في ربيع الأول سنة 148. فكانت ولايته بها ثلاثة أعوام وعشرة أشهر، في خلافة أبي جعفر المنصور.
وفي سنة 145، اشتغل ابن الأشعث بناء سور القيروان. وأخصبت بلاد أفريقية وكان قد بعث إلى زويلة وودان، فافتتحهما وقتل من بهما من الأباضية وقتل عبد اله بن حيان الأباضي، وكان رأس أهل زويلة. وسكّن ابن الأشعث أحوال أهل أفريقية في هذه السنة. فلم تكن بها حركة له وفي سنة 146، استتم ابن الأشعث بناء سور مدينة القيروان. وفيها أيضا استم المنصور بناء بغداد ولازم العمل فيها، وانتقل إلى سكناها في شهر صفر من هذه السنة.
وفي سنة 147، كان الأمير على مصر يزيد بن حاتم، وعلى أفريقية محمد ابن الأشعث الخزاعي، وليس هو محمد ابن الأشعث الكندي ابن أخت عائشة.
وفي سنة 148، ثار الجند على محمد ابن الأشعث بأفريقية وسألوه الخروج عنهم. فخرج في ربيع كما تقدم ذكره. ثم اتفق الجند على تولية عيسى بن موسى الخراساني.

ثورة عيسى بن موسى بالقيروان وببعض بلاد أفريقية
فتغلب عليها بعض العرب والجند من غير عهد من المنصور، ولا رضى منه، ولا تراض من العامة، وذلك في شهر ربيع آخر من عام 148 المذكور. فكانت مدته ثلاثة أشهر.
(1/73)
________________________________________
ولاية الأغلب بن سالم التميمي
لما بلغ المنصور ما كان من أمر قواد الجند المصرية وصرفهم محمد بن الأشعث بعث إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي عهده بولايته، في آخر جمادى الآخر من السنة المؤرخة فاستقامت له الحال. وكان من أهل الرأي وذوي المشورة، ووصله كتاب المنصور بعد كتاب العهد يأمره بالعدل في الرعية وحسن السيرة في الجند، وتحصين مدينة القيروان وخندقها وترتيب حرسها ومن يترك فبها إذا رحل إلى عدوه، وغير ذل كمن أموره.
وسنة 149، لم يكن فيها حركة.
وفي سنة 150، ثار الحسن بن حرب الكندي بالقيروان عل الأغلب ين سالم، وسبب ذلك أن أبا قرة الصغرى خرج في جمع كبير من البربر، فسار إليه الأغلب في عامة القواد الذين معه، وخلف على القيروان سالم بن سوادة فلما علم أبوه أن الأغلب قرب منه هرب وتفرق أصحابه. وقدم الأغلب الزاب وعزم على الرحيل منه إلى تلمسان، قاعدة زناتة ثم إلى طنجة. فكر الجند
المسير معه، وقالوا: (قد هرب أبو قرة الذي خرجنا إليه!) وجعلوا يتسللون عنه إلى القيروان. فلم يبقى معه إلا نفر يسير من وجوههم وكأن الحسن بن حرب بيونس فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جميع القواد. فلحق به بعضهم وأقبل معهم إلى القيروان فدخلها، وأخذ سالم بن سوادة عاملها، فحبسه. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل في عدة يسيرة وكتب إليه، يعرفه بفضل الطاعة، ووبال المعصية. فأعاد الجواب إلى الأغلب، وفي آخره (وافر)
ألا قولوا لأغلب غير سوء ... مغلغلة عن الحسن بن حرب
بأن البغي مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شر قرب
فإن لم تنثني لتنال سلمي ... وعفوى فأذن من ُطعن وضربي
وأقبل الأغلب يحث السير بعد ما مضى إلى قابس، وقدم رسول المنصور
(1/74)
________________________________________
عليه بكتاب منه إليه وإلى الحسن بن حرب يدعوا الحسن إلى الطاعة، فلم قبل فأقبل إليه الأغلب. فاقتتلوا وانهزم الحسن ومضى راجعا إلى تونس، ودخل الأغلب القيروان. ثم حشد الحسن وسار في عدة عظيمة إلى القيروان. ثم أن الأغلب لما بلغه قدوم الحسن إليه، جمع أهل بيته وخاصته، وخرج إليه فأصابه سهما فمات منه في شعبان من السنة المؤرخة. فكانت ولايته سنة واحدة وثمانية أشهر

ولاية عمرو بن حفص بن قبيصة أفريقية
ثم ولي أفريقية عمرو بن حفص بن قبيصة سنة 151. وكان شجاعا بطلا. وسبب ولايته أن أبا جعفر لما بلغه قتل الأغلب ين سالم، وجهه في نحو خمسمائة فارس فأقام بالقيروان ثلاثة سنين وأشهر من ولايته، والأمور له مستقيمة ثم سار إلى الزاب، واستخلف حبيب بن حبيب بن يزيد بن الهلب فخلت أفريقية من الجند وثار بها البربر فخرج إليهم حبيب والتقى معهم، فهزموه وهزموا عسكر طرابلس معه. فاشتدت الفتنة بأفريقية واشتعل نارها. واتاها أمراء القبائل من كل فج، واجتمعوا في اثني عشر عسكرا وتوجهوا إلى الزاب ولبس مع عمرو بن حفص إلا خمسة عشر ألفا وخمسمائة. وكان أمراء المغرب في ذلك الوقت ورؤسائهم أبو قرة الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمن بن رستم الأباضيُّ في خمسة عشر ألفا وأبو حاتم في عدد كثير وعاصم السدراني في عدد كثير: قبل في ستة آلاف والمصور الزناتي في عشرة آلاف وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري في ألفين سوى جماعات. قال الرقيق: لم أذكرهم.
فلما رأى عمرو بن حفص ما أحاط به من العساكر بمدينه طبنة بالزاب، جمع قواده، فاستشارهم، وقال لهم: (إني أريد مناهضة هذا العدو!) فأشاروا عليه ألا يبرح من مدينة طبنة وقالوا له: (أخرج من أردت إلى
(1/75)
________________________________________
عدوك ولا تخرج أنت! فإنك، أن أصبت، تَلَفَ المغرب وفَسد!) فوجه عمرو إلى أبي قرة مالا كثيرا وكسي كثيرة: على أن ينصرف عنه فقال: (لا حاجة لي بذلك!) فانصرف الرسول بذلك إلى أخيه. فدفع له بعض المال والثياب على أن يعمل في صرف أخيه أبي قرة والصفرية إلى بلادهم. فعمل في ليلته تلك، واجتمع بأهل العسكر فلام يعلم أبي قرة حتى انصرف عنه أكثر أهل العسكر فلم يجد بدا من اتباعهم. فلما انصرف الصفرية وجه عمرو إلى أبي رستم عسكرا، وكان تهودا فانهزم ابن رستم، وقتل من أصحابه نحو ثلاثة ألاف. ووصل منهزما إلى تيهرت.
ورجع عمرو بن حفص إلى القيروان؛ فجعل يدخل إليها كل ما يصلحه من الطعام والمرافق وعدة الحصار. ثم أقبل أبو حاتم في جموعه حتى نزل عليه. وكثرت الفتن ببلاد أفريقية. ويقال أن عدة من حاصر القيروان مائة ألف وثلاثون ألف وكان ابن حفص يخرج إليهم في كل يوم فيحاربهم. فلم يزالوا كذلك ضاق أمرهم، وأكلوا دوابهم وكلابهم وسنانيرهم، وماتوا جوعا وانتهى الملح عندهم أوقية بدرهم. واضطرب علي ابن حفص أمره وساءت خلقه، وبلغ أن يزيد بن حاتم بعث أمير المؤمنين في ستين ألفا لنصرة القيروان. فقال: (لا خير في الحياة بعد أن يقال: يزيد أخرجه من الحصار! إنما هي رقدة وأبعث إلى الحساب!) وخرج، فجعل يطعن ويضرب حتى قتل في النصف من ذي الحجة من سنة 154. ولم يعط الحال تفصيل هذه السنين من سنة 151 إلى 153 بعدها سنة: فاجتملت أمرها هنا أجملا مختصرا يغني عن أعادتها في كل واحدة منها.
ولما قتل عمرو بن حفص، بايع الناس أخاه جميل بن حفص بالقيروان. فلما طال عليه الحصار، دعاه الاضطرار إلى مصالحة أبي حاتم، على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون سلطانهم، ولا ينزعون سوادهم. فغضب أبو حاتم،
(1/76)
________________________________________
وأحرق أبواب القيروان، وثلم سورها ودخلها. ولما دخل أبو حاتم القيروان، أخرج أكثر أهلها إلى الزاب. ثم بلغ قدوم يزيد بن حاتم؛ فتوجه للقائه نحو طرابلس وأستخلف على القيروان عبد العزيز المعافري. فقام عليها عمر بن عثمان؛ وقتل أصحاب أبي حاتم. فزحف إليهم أبو حاتم إلى القيروان؛ فاقتتل معهم. وتوجه أبو عثمان إلى تونس؛ ورجع أبو حاتم إلى طرابلس، حين بلغه قدوم يزيد ابن حاتم. فقيل إنه كان بين العرب والبربر، من لدن قاتلهم عمرو بن حفص إلى انقضاء أمرهم، ثلاثمائة وخمس وسبعون وقيعة.
وفي سنة 151 ولي المنصور عمرو بن حفص المتقدم الذكر أفريقية. فقدمها في صفر في خمسمائة فارس. وكان قد ولي أفريقية سنة 150، بعد موت الأغلب، المخارق بن غفار الطائي، أستخلفه الأغلب على القيروان؛ واجتمع الناس عليه في رمضان؛ فوجه الخيل في طلب الحسن بن حرب؛ فهرب من تونس إلى كتامة فأقام شهرين، ورجع إلى تونس؛ فخرج إليه من بها من الخيل؛ فقتل الحسن بن حرب.
وفي سنة 152 كان ما تقدم ذكره على الجملة الأفريقية. وفيها عزل المنصور يزيد بن حاتم عن مصر، وولاها محمد بن سعيد. وكان سائر عمالها الذين كانوا في السنة قبلها وفي سنة 153، قال الطبري: قتل عمر بن حفص: قتله حاتم الأياضي وأبو غادي ومن كان معهما من البربر؛ وكانوا فيما ذكر ثلاث مائة ألف وخمسون ألفا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا، ومعهم أبو قرة اليقرني أمير تلسمان، في أربعين ألفا. وكان يسلم عليه بالخلافة هكذا ذكر ابن القطان في (نظم الجمان) وقد يقدم أن قتل عمرو بن حفص كان سنة 154. ذكر كذلك الرقيق وابن حماده وغيرهما.
قال الرقيق وعريب: وفي سنة 153 زحف أبو قرة من تسلمان في جمع
(1/77)
________________________________________
من كبير من البربر إلى القيروان. فصالحه عمرو بن حفص وانصرف. وفيها ثارت البربر بطرابلس وقدموا أبا حاتم الأباضي: وأسمه يعقوب بن لبيب.
وفي سنة 154، قال عريب: استخلف عمرو بن حفص على طبنة المهنى بن المخارق، وخرج عمرو إلى القيروان، فأقبل إليه أبو حاتم الأباضي إلى أن قتل عمرو كما تقدم ذكره. ولما بلغ المنصور قتل عمرو وبعث إلى أفريقية يزيد بن حاتم، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وفي سنة 155، قال الطبري: فيها افتتح يزيد بن حاتم أفريقية، وقتل أبا غادي وأبا حاتم، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القيروان ثم قدم يزيد.

ولاية يزيد بن حاتم أفريقية والمغرب
وهو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وكان يكنى أبا خالد. ولاه أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور العباسي وحاله في كرمه. وجوده، وشجاعته، وبعد صيته، ونفاذ رأيه، وتقدمه، معروف غير منكر. وكان كثير الشبه بجده المهلب ابن أبي صفرة في حروبه وكرمه، وكان له أولاد مذكورون بالشجاعة والإقدام. ويقال إنه انتهى ولد المهلب ثلاثمائة ولد من الذكور والإناث، من مات منهم ومن عاش. وكان أبو جعفر المنصور عالما ببلاد أفريقية، وكان لا يبعث إليها إلا خاصته. وكان يزيد هذا حسن السيرة فقدم أفريقية، وأصلحها، ورتب أسوار القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها. ولم تزل البلاد هادئة إلى أن ثارت عليه البربر. فزحف لهم وأوقع بهم. وله فيهم ملامح مشهورة. وقيل فيه: (شتان ما بين اليزيدين!) يعني يزيد بن سليم ويزيد بن حاتم. ومن شعر ربيعة فيه. في قصيدة (طويل) :
(1/78)
________________________________________
حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... يمين أمري آلي وليس بآثم
لشاتنا ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
وقدم يزيد على أفريقية ومعه كل من جند من الشام والعراق وخراسان، فنزل أولا طرابلس، وسار إليه أبو حاتم، فزحف إليه يزيد، واقتتل معه قتالا شديدا. فانهزم أبو حاتم وقتل هو وكثير من أصحابه. واتبع سائرهم، فقتل من أدرك منهم. واستعمل يزيد على طرابلس سعيد بن شداد، وحينئذ نهض إلى القيروان، فدخلها يوم الاثنين لعشر بقين لجمادى الآخرة من هذه السنة. وفي هذه السنة، أنكرت الصفرية المجتمعة بسلجمانة على أميرهم عيسى بن يزيد أشياء، فشدوه وثاقا ووضعوه على قنة جبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدموا سمغو بن واسول بن مدلان المكناسي جد مدرار.
وفي سنة 156 بعث يزيد بن حاتم العلاء بن سعيد المهلبي مددا لمخارق بمدينة طبنة بالزاب، وقلعة حبحاب بجبل كتامة، وهرب عبد الرحمن بن حبيب عنها وقتل العلاء جماعة ممن أدرك فيها. ثم انصرف إلى القيروان.
وثار على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن قرياس الهواري بناحية طرابلس، واجتمع إليه كثير من البربر. وكان بها عبد الله بن السمط الكندي قائدا ليزيد، فالتقوا على شاطئ البحر، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحيى وقتل عامة أصحابه. وتهدنت أفريقية ليزيد بن حاتم وضبطها.
وفي سنة 157، جدد يزيد يناء المسجد الجامع بالقيروان. وكان غاية في الجود والحسن. وفيها توفي أبو جعفر المنصور، في ذي الحجة من السنة المؤرخة.
وفي سنة 158، ولي الخلافة المهدي، بويع يوم مات أبو جعفر بمكة - شرفها الله - نعهد من أبيه، وذلك يوم السبت لست خلون لذي الحجة. واستقل بالملك والخلافة في هذه السنة. وكان أديبا ن جوادا، محبا لآهل الأدب والشعر.
(1/79)
________________________________________
وقد ذكرنا بعض أشعاره وأخباره في تاريخ المشرق، والغرض هنا أخبار المغرب الأقصى والأوسط وفي سنة 163، توفي أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم القاصي بالقيروان، وصلى عليه أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وتمثل بهذا البيت لما رأى ازدحام الناس عليه (بسيط) .
يا كعب ما راح من قوم ولا أنكروا ... ألا وللموت في آثارهم حادي
وكان مرضه إنه أكل حوتا وشرب عليه لبناً على مائدة يزيد، وكان قد جاوز 90 سنة، فهلك من ليلته.
وفي سنة 163، أمر المهدي يحيى بن خالد بن برمكة أن يكون كاتبا لأبنه هارون، وقال له: (إني اخترتك ووليتك الكتابة) وأمر له بمائة ألف درهم معونة على سفره مع هارون إبنه.
وفي سنة 165، أغزى المهدي ابنه هارون إلى بلاد الروم، في 95 ألفا، بمائة ألف ألف من العين، وبعشين ألف ألف من الورق. فبلغ خليج البحر على القسطنطينية، وأذعن له الروم بالجزية 90 ألف دينار في كل سنة وانصرف بخمسة آلاف من الأسرى والغنائم.
وفي سنة 166، قدم هارون ابن أمير المؤمنين كمنم غزوته هذه، وقدمت الروم بالهدية والجزية. وفيها سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود. وكان قد فوض إليه أمور خاصته!.
وفي سنة 169، توفي المهدي بن المنصور واختلف في سبب موته: فقيل مسموما غلطا وقيل غير ذلك واستخلف ابنه موسى الهادي.
وفي سنة 170، توفي موسى الهادي في ربيع الأول، وهو ابن ستة وعشرين سنة ونصف، فكانت خلافته سنة وشهرين واستخلف هارون بن محمد الرشيد.
(1/80)
________________________________________
وفي سنة 171، توفي أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وكان خاصا بأبي جعفر المنصور، وتولى ولايات كثيرة قبل قدومه المغرب ك منها أرمينية، والسند، ومصر، وأذربيجان، وغير ذلك، وكانت ولايته مصر سنة 144 إلى سنة 153 وكان حسن السيرة بأفريقية، امتدحه كثير من فحول الشعراء، فأجزل لهم العطاء.
قال الزبير بن بكار عمن حدثه من الشعراء، قال: (كنت أمدح يزيد بن حاتم من غير أن أعرفه ولا ألقاه.) فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة فألقيه. فأنشده منذ خرج من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مسجد الشجرة. فأعطاه رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار. هكذا ذكر الرقيق. ومما قيل (كامل) ..
يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا
إني لأرجو إذ بلغتك سالما ... ألا أكابد بعدك الأسفار
وفيه قيل (طويل) :
شتان ما بين اليزيدين في الندى ... إذا عد في الناس المكارم والمجد
وقوله: (لشتان ما بين اليزيدين) مثلٌ يتمثل به في كل ناحية على لسان كل سائر. وكان على ربيعة الشاعر دية فأعطاه عشرة ديات، ووصله وأحسن إليه وكان سخيا ومن قول يزيد بن حاتم رحمة الله (بسيط)
ما بألف درهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما يسيرا ثم ينطلق
يمر مرا عليها وهي تلفظه ... إلى أمرؤ لم يحالف خرقتي الورق
ومن أخباره بأفريقية - رحمه الله - روى إن بعض وكلائه زرع قولا كثيرا في بعض رياضاته. فقال له: (يا بني يابن اللخناء أتريد أن أعبر بالبصرة،
(1/81)
________________________________________
فيقال: (يزيد بن حاتم يا فلان) ثم أمر أن يباح للناس، وخرج أيضا يوما في طريقه من القيروان متنزها. فنظر إلى غنم كثيرة كانت لابنه فزجره عليها وأمر بذبحها وأن تباح للناس، فانتهبوها وأكلوها، وجعلوا جلودها في كدية، فهي تعرف من ذلك الوقت بكدية الجلود. وكانت وفاته في رمضان من سنة 171 فكانت ولايته خمسة عشر سنة وثلاثة أشهر في بعض خلافة المنصور وخلافة المهدي كلها وبعض خلافة هارون الرشيد.

ولاية داود بن يزيد بن حاتم أفريقية
استخلفه أبوه في مرضه فأقام واليا بأفريقية تسعة أشهر ونصفاً، يحارب أمراء قبائل البربر محاربة عظيمة، وكان بينه وبينهم مواقف كثيرة في جبال باجة وغيرها. وقال عليه نصير بن صالح الأياضي فخرج إليه المهلب ين يزيد فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليما بن يزيد في عشرة آلاف فهرب البربر أمامهم فتبعهم، وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وأقام داود على أفريقية إلى أن قدم عليه عمه روح بن حاتم أميرا على المغرب.

ذكر ابتداء الدولة الهاشمية بالبلاد الغربية
وهم الأدارسة - رحمهم الله -
اتفق جماعة المؤرخين إن دخول إدريس بن عبد الله - رضي الله عنه - إلى المغرب كان في سنة 170، وهو إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنه - وكان دخوله في إمارة يزيد بن حاتم أفريقية وإمارة هشام بن عبد الرحمن لداخل بقرطبة، وأول ظهور بني مدرار بسلجمانة. وكان نزوله بوادي الزيتون، بموضع يعرف بمدينة البلد وكان وصوله مع مولاه راشد.
(1/82)
________________________________________
وقال البكري في (المجموع المفترق) وكان نزوله بوليلى وهي اسم لطنجة باللسان البربري وذكر محمد بن يوسف أنها كانت على مسافة يوم من موضع فاس الآن. وكانت مدينة أزلبة وبها مات إدريس - رضي الله عنه - وكان سبب وصول إدريس إلى المغرب، على ما ذكر الرقيقي والنوفلي في (المجموع المفترق) وغيرها من المؤرخين، وذلك أن الحسين بن على بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان قد قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج إلى مكة في ذي الحجة سنة 69 وخرج معه جماعة من إخوانه وبني عنه ومنهم إدريس ويحيى ابنا عبد الله بن حسن وبلغ ذلك الهادي، فولى حربه محمد بن سليمان بن على وكانت الوقعة بفخ، فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه وأفلت إدريس هذا الداخل إلى المغرب، فهرب إلى مصر وكان على بر يدها واضح، مولى صالح بن المنصور، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بمدينة وليلة من أرض طنجة، فاستجاب له من بها من قبائل البربر ولما ولى الرشيد وبلغه أمره، بعث إلى واضح، فضرب عنقه ودس إلى إدريس الشماخ مولى الهادي، فخرج حتى وصل وليلة، وذكر إنه متطبب من شيعتهم العلوية ودخل إلى إدريس فأنس به واطمئن إليه ثم إنه شكى له علة في أسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمر أن يستن به عند طلوع الفجر فأخذه منه. وهرب الشماخ من تحت ليلته. فلما طلع الفجر استن إدريس، وأكثر منه في فمه فسقطت أسنانه ومات من وقته وطلب الشماخ، فلم يظفر به، وقدم على الرشيد، فولاه بريد مصر هكذا ذكر الرقيق في كتابه.
وفي سنة 172، اجتمعت القبائل على إدريس بن عبد الله من كل جهة ومكان، فأعطوه وعظموه وقدموه على أنفسهم، وأقاموا معه مغتبطين بطاعته
(1/83)
________________________________________
ومتشرفين بخدمته طول حياته. وكان رجلا صالحا مالكا لشهواته، فاضلا في ذاته، مؤشرا للعدل مقبلا على أعمال البر وفي سنة 173، كان خروجه بعساكر القبائل الغربية حتى انتهى إلى بلاد السوس الأقصى، ودخل ماسة، فغنم وسبى، ورجع إلى الغرب سالما غانما.
وفي سنة 174، توجه بعسكره إلى رباط تازا لما قفل من حركة السوس.
فوجد في جبلها معدن الذهب. وأجابه جميع القبائل الغربية وأطاعوه وبايعوه في هذه السنة، وكملت له الإمارة فيهم.

ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب أفريقية
ولاه عليها أمير المؤمنين هارون بن محمد الرشيد، فقدمها في سنة 171.
وكان له ولايات كثيرة: فحجب المنصور، ثم ولاه البصرة، وولى الكوفة في أيام المهدي، وولي السند وطربستان وفلسطين وغير ذلك. ونظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس عند باب المنصور، فقال له. (لقد طال وقفك في الشمس!) فقال له: (ليطول بذلك وقفي في الظل) وفىّ له ابنٌ، فدخل عيه أصحابه وهو ضاحكٌ فتوقفوا عن تعزيته، فعرف ذلك منهم فأنشأ يقول (طويل) . .
وأنا لقوم ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قسم الظهر
وقيل إنه بعث لكاتبه ثلاثين ألف درهم ووقع إليه: (إني بعثت إليك بكذا، لا أستقلها لك تكبرا، ولا أستكثرها تمننا، ولا أقطع عنك بها رجاء بعد. والسلام.) وكان روح أكبر سنا من أخيه يزيد واكثر ولاية. وعندما يطول جلوسه بالقيروان، ربما خطر عليه النعاس من الضعف والشاخة وكان بكى أبا خالد
(1/84)
________________________________________
توفي ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان المعظم من سنة 174، فكانت ولايته ثلاثة سنين وثلاثة أشهر.

ولاية نصر بن حبيب المهلبي أفريقية
وكان صاحب البريد وأبو العنبر القائد قد كتبا! إلى الرشيد، في جملة من كتب إليه من الفؤاد، يعلمانه بضعف روح بن حاتم وكبره وإنهما لا يأمنان موته عن قريب، وأفريقية ثغر كبير لا يصلح بغير سلطان وكان نصر هذا على شرطة يزيد بن حاتم بمصر وأفريقية، وكان محمود السيرة.
فكتب الرشيد عهده وبعثه سرا إليه. فلما مات روح، بويع قبيصة ابنه في المسجد الجامع، وأجمع الناس على بيعته. وكان الفضل بن روح عاملا في الزاب، فركب أبو العنبر وصاحب البريد بعهد أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب فأوصى إليه وسلما عليه بالإمارة وركبا معه إلى المسجد فيمن معهما، حتى أتيا قبيصة، وهو جالس على الفراش. فأقاموه، وأقعدا نصر بن حبيب وأعلما الناس بأمره. وقرء الكتاب الواصل من أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب على الناس، فاستمعوا وأطاعوا. وكان ذلك في العشر الأواخر لرمضان المعظم من عام 174. فحسنت سيرته، وعدل في أحكامه فولا سنتين وثلاثة أشهر.
وفي سنة 175، عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام ولاية عهد المسلمين من بعده، وأخذ عليه بيعة القواد والجند وسماه بالأمين، وله يومئذ خمسين سنة.
وفي سنة 176، ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالتسلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، فاغتّم الرشيد لذلك ولم
(1/85)
________________________________________
يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فصرف إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، فانهزم يحيى بن عبد الله.
وفي سنة 177، ولي أفريقية الفضل بن روح بن حاتم، ولاه أمير المؤمنين الرشيد عليها، وكتب بعزله نصر بن حبيب، وأن يقوم بأمر الناس المهلب بن يزيد إلى أن يقدم الفضل. فكان قدومه في محرم من هذه السنة. ولما قدم الفضل ولى ابن أخيه المغيرة تونس، وكان غير ذي تجربة ولا سياسة للجمهور فستخف بالجند وسار بهم سيرة قبيحة، فاجتمعوا وكتبوا كتابا لعمة الفضل يخبرونه بما صنع المغيرة فيهم وقبح سيرته، فتثاقل الفضل عن جوابهم فقالوا (كل جماعة لا رأس لها لا ينجح سعيهم ولا مطالبهم) فقال بعضهم: (أشير عليكم بعبد الله بن عبد ربه بن الجارود فانطلقوا إليه وقالوا له: (قد رأيت ما فعل بنا المغيرة، وقد خاطبنا عمه، فلم يصلنا جوابه وأنت المنظور إليه، والمعمول في الأمور عليه، ونحن نصير أمرنا إليك، ونعتمد فيه عليك.) فقال لهم: (ليس لي من الجواب ألا النصيحة لي ولكم، وأنا أخاف على نفسي وأقنع بالعافية؛ وإن كان أمر، وكنت فيه كأحدكم) فقالوا له: (وما لك من هذا بد!) فقال لهم (أعطوني من بيعكم ما أثق به) فبايعوه وأطاعوه.
وفي سنة 178 ثار الجند على أمير أفريقية الفصل بن روح بن حاتم، وقدموا ابن الجارود بتونس. ثم ساروا إلى المغيرة، وهو بدار الإمارة؛ فقالوا له: (الحق بصاحبك أنت ومن معك!) وكتب للفضل بن روح: (من عبد الله بن الجارود. أما بعد، فأنا لم نخرج المغيرة خروجا عن الطاعة، ولكن لأحداث أحداثها فينا، ظهر فيها فساد الدولة. فعجل لنا من ترضاه يقوم بأمرنا؛ وإلا نظرنا لأنفسنا!) وكتب الفضل إلى عبد الله بن الجارود: (أما بعد، فإن الله يجري فضاءه على ما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختياري أن أولى عليكم! فاختاروا لأنفسكم! ولكن أوجه إليكم عاملا.) فوجه عبد الله
(1/86)
________________________________________
ابن محمد إلى تونس. فلما وصل إليها، قال لهم ابن الجارود: (كيف تصنعون ذلك، وأنتم قد أخرجتم ابن اخيه وشتمتموه؟ والله! ما بعث إليكم إلا ليطيبكم حتى ترجعوا عن رأيكم؛ فإذا اطمأننتم أخذتم واحد بعد واحد!) قالوا له: (فما رأيك؟) قال: (الذي ذكرت لكم) فخرجوا حتى التقوا بالعسكر الواصل مع العامل من قبل الفضل أمير أفريقية والقيروان بموضع الزيتون، فدفعوه عن أنفسهم، وجرى بين الجند كلام كثير يطول ذكره، إلى أن وقعت الحرب بين ابن الجارود وعسكر الفضل، فهزمهم ابن الجارود واتبعهم إلى القيروان، فنزل عليها. فاجتمع الفضل مع بني عمه وخاصته وتساور معهم في أمره، فاضطرب الآمر عليه، ولم يصح له أمر. فلما أصبح أقبل عبد الله بن عبد ربه بن الجارود في عسكره، والفضل في دار الإمارة مع أصحابه. وكان بعض القواد على الأبواب، فلما قرب ابن عبد ربه منها فتحوها له، فدخل أصحابه، لا يدافعهم أحد، ونزل ابن عبد ربه خارج المدينة، ثم دخل دار الإمارة، فأمن الفضل وأصحابه، ثم أمرهم بالخروج إلى قابس وقال لهم: (إني لا آمن أصحابي عليكم، ولكن أوجه معكم من يوصلكم إلى قابس.) فوجه إليهم أبا الهيثم في جماعة، وأخذ عليه الإيمان ألا يسلم الفضل. فخرج الفضل معه، مع ثلاثة من بني عمه وبعض أصحابه من باب آخر. فقال لهم البواب: (اخرجوا يا كلاب النار! لا رحمكم الله!) فقال الفضل عند ذلك: (لا غله إلا اله! لم يبق أحد إلا صار علينا حتى من أعتقناه!) وسار ليلته ونهاره حتى دنا الغروب، فسمع طبلا، فقال: (فلان جاء بمائة فارس، بعثه ابن الجارود إليك لأنه خاف عليك الجند!) ثم سمع طبلا آخر، فإذا هوم منصور بن هاشم. فقال له: (ما جاء بك؟) فقال (كذا وكذا) م سمع طبلا آخر، فإذا هو صاحب شرطة ابن عبد ربه بن الجارود، فقيل للفضل: (إذا جاء ليردك!) وذلك إنه أشار على ابن
(1/87)
________________________________________
الجارود جماعة من أصحابه أن: ((لن) تتركوا الفضل يدخل طرابلس لئلا يقوم الناس معه ويرجع القيروان، فنادى مناديه (من كان من طاعة ابن الجارود فلينعزل!) فانعزل الناس ولم يبق مع الفضل أحد فردوه إلى القيروان، بعدما خلو عن المهلب وجميع الناس الذين كانوا مع الفضل إلا محمد بن هشام والفضل بن يزيد، فانطلقوا بهما حتى جعلوا في الدار معه. ثم قُتِلَ الفضل بن رَوح في شعبان من سنة 178، فكانت ولايته سنة واحدة وخمسة أشهر، فكانت دولة المهالبة بأفريقية ثلاثا وعشرين سنة، وثار بن الجارود في جمادى الآخرة من سنة 178، فكانت له مع البربر وقائع عظيمة، ثم أمنه الرشيد، فأجاب إلى الطاعة.
وفي سنة 179، كتب ابن الجارود المتغلب على أفريقية إلى يحيى بن موسى وهو بطرابلس، أن: (أقدم القيروان: فإني مسّلم لك سلطانها!) فخرج يحيى بن موسى بمن معه، في محرم، فلما بلغ قابس، تلقاه بها عامة الجند من القيروان، ومعهم النظر بن حفص، وعمرو بن معاوية، فخرج ابن الجارود من القيروان، واستخلف عليها المفرج بن عبد الملك، فكانت أيلم ابن الجارود سبعة أسهر.
وأقبل يحيى بن موسى والعلاء بن سعيد متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء إليها فقتل بها جماعة من أصحاب ابن الجارود، فبعث إليه يحيى بن موسى أن يفرق جموعه إن كان في الطاعة. فأمر من كان معه أن ينصرفوا إلى مواضعهم. ورحل العلاء إلى طرابلس، وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصول العلاء، فلقي بها يقطين بن موسى، فخرج معه سائرا إلى المشرق فلقوا هرثمة بن أعين قد وصل بولاية أفريقية. وقد كان العلاء كتب إلى هرثمة يعلمه بأنه هو الذي أخرج ابن الجارود من أفريقية فأجازه بجائزة سنية، وكان يحيى بن موسى قدمه هرثمة ابن الجارود، سيره إلى أمير المؤمنين الرشيد.
(1/88)
________________________________________
ولاية هرثمة بن أعين أفريقية
ولاه عليها أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقدم القيروان غرة ربيع الآخر، فأنس الناس وسكنهم، وأحسن إليهم قال ابن حمادة: وصل هرثمة في جيش كثيف حتى نزل تبهرت، فخرج إليه بن الجارود واقتتل معه فهزم ابن الجارود، وطاعت البربر لهرثمة، وانصرف راجعا إلى القيروان وهو الذي بنى القصر الكبير المعروف بالمنستير. قاله الرقيق.
وفي سنة 180 كانت الزلزلة العظمى بأرض مصر وسقط رأس منار الإسكندرية.
قال الرقيق: لما رأى هرثمة بن أعين ما رأى من الخلاف بأفريقية وسوء طاعة أهلها، طلب الاستعفاء فكتب إليه الرشيد بالقدوم عليه فرجع إلى المشرق وهو الذي بنى سور طرابلس.

ولاية محمد بن مقاتل العكي أفريقية
وفي سنة 181 ولى أمير المؤمنين الرشيد على أفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي، فقدمها في رمضان. وكان رضيع الرشيد، وكان أبوه من كبار أهل دولته. وكان محمد هذا غير محمود السيرة، فاضطرب أمره واختلف عليه جنده. ولو لم يكن من سوء سيرته، وقبيح ما يؤثر عنه من أخباره، إلا أقدامه على عابد زمانه وورع عصره البهلول. بن راشد فضربه بالسياط ظلما وحبسه، فكان ذلك سبب موته. ومن أخباره إنه اقتطع أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفي الرعية، فمشى القائد فلاح في أهل خراسان وأهل الشام، فلم يزل بهم حتى اجتمع رأيهم على مخلد بن مرة الأزدي. وخرج على العكي تمام بن تميم التميمي، وكان عامله بتونس.
(1/89)
________________________________________
ثورة تمام بن تميم التميمي على محمد بن مقاتل العكي
وفي سنة 183 زحف تمام من تونس مع جماعة القواد والأجناد من أهل الشام وخراسان متوجها إلى القيروان، في النصف من رمضان. فخرج إليه العكي فتقاتلا. فأنهزم العكي ورجع إلى القيروان، فتحصن في داره التي بنها وترك دار الإمارة. وأقبل تمام فنزل بعسكره خلف باب أبي الربيع. فلما أصبح تمام فتح له الأبواب فدخل يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان سنة 183، فآمن تمام العكي على دمه وأهله وماله. فكانت ولايته إلى أن أخرجه تمام من القيروان سنتين وعشرة أشهر ثم ولى أفريقيا أبو الجهم بن تميم التميمي. وكان ثائرا متغلبا من غير عهد من الرشيد وهو جد أبي العرب بن تميم صاحب التواليف. فدخل القيروان، وخرج العكي منها بأمانه ومشى لطرابلس ولحق به قوم من خرسان منهم طرحون صاحب شرطته فاجتمع رأيهم على أن يدخلوه فدخلها وأقام تمام ملك القيروان فنهض إليه إبراهيم بن الأغلب من الزاب، وكان أمير عليه. فلما بلغ تمام إقباله إليه سار إلى تونس، فدخل ابن الأغلب القيروان، وأبتدر المسجد الجامع، وصعد المنبر وكان فصيحا بليغا فأعلم الناس إنه ما وصل إلا لنصره العكي محمد بن مقاتل، وأنه أميرهم المودم عليهم من أمير المؤمنين وكتب إلى العكي يخبره بما فعل في حقه ويؤكد عليه في الوصول. فأقبل راجعا حتى دخل هو ومن معه القيروان فمشى يوما في أزقتها فنادته امرأة من طاقها تقول له (أشكر إبراهيم بن الأغلب! فهو الذي رد عليك ملك أفريقيا!) فكبر ذلك عليه وكان تمام بن تميم بتونس. فقال لأصحابه: (أن إبراهيم بن الأغلب رد الملك على العكي والذين مع العكي قد ملئوا رعبا من وقعتنا بهم وإذا بلغهم خروجي من تونس يسلمونه ويصلون ألي! ومع هذا فأن العكي حسود، لا بد أن يخالف إبراهيم بن الأغلب
(1/90)
________________________________________
فيما يشير به عليه.) وكان الناس يقولون (استرحنا من العكي، فرد إبراهيم علينا! فلموت خير لنا من الحياة في سلطان العكي!) ففزع الناس إلى تمام بن تميم التميمي. فلما رأى كثرة من معه، طابت نفسه لقتال العكي. فكتب تمام إلى العكي: (أما بعد، فأن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فيردك من كرامتك عليه، ولا للطاعة التي يظهرها للخليفة؛ ولكن كره ان يبلغ إليك أخذه البلاد فترجع إليه؛ فأن منعك، كان مخالفا لأمير المؤمنين؛ وان دفعها إليك، كان ما فعل لغيره، فبعث إليك لترجع؛ ثم يسلمك إلى القتال. وغدا تعرف ما جربت من وقعتنا لك بالأمس!) وفي آخر كتابه (الطويل) :
وما كان إبراهيم من فضل الطاعة ... يرد عليك الملك لكن لتقتلا
فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يا ابن عك لتقبلا
فلما وصل كتابه إلى محمد بن مقاتل العكي، قرأه ودفعه إلى ابن الأغلب؛ فقراه وضحك، وقال: (قاتله الله! ضعف رأيه!) وكتب إليه ابن العكي: (من محمد بن مقاتل إلى الناكث ابن تميم. أما بعد فقد بلغني كتابك، ودلني على قلة رأيك. وفهمت قولك في إبراهيم؛ فأن كانت نصيحة، فليس من خان الله والخليفة مقبول منه ما نصح به! وإن كانت خديعة، فأقبح الخداع ما فطن له!) وفي آخر كتابه (طويل) :
وإني لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... إذا في المنايا أن تفل وتقتلا
تلاقي فتى يستصحب الموت في الوغى ... ويحمي بصدر الرمح عزا موثلا
وأقبل تمام من تونس بعسكر عظيم؛ وأمر ابن العكي من كان معه من أهل الطاعة بالخروج إليه، مع إبراهيم بن الأغلب؛ فتقاتلوا قتالا شديدا؛ فانهزم تمام، ورجع إلى تونس. وانصرف ابن العكي إلى القيروان، وأمر إبراهيم ابن الأغلب بالمسير إلى تونس.
وفي سنة 184 خرج العسكر من القيروان لحصار تونس وقتال تمام؛
(1/91)
________________________________________
وذلك في محرم منها. فلما اقبل تمام إقباله، طلب الأمان منه؛ فأمنه إبراهيم، وأقبل به إلى القيروان، يوم جمعة، لثمان خلون من محرم المذكور

ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي أفريقية
وصله عهد الرشيد في العشر الوسط لجمادى الأخيرة من سنة 184؛ وقال له فيه: (قد تقدم لكم بأفريقية أمره) وكان الرشيد ولاه على بلاد الزاب، وقي بلاد الجريد، وابن العكي على أفريقية. وكان إبراهيم بن الأغلب فقيها، أدبيا، شاعرا، خطيبا، ذا رأى ونجدة وبأس وحزم وعلم بالحروب ومكايدها، جرى الجنان، طويل اللسان، لم يل أفريقية أحسن سيرة منه، ولا أحسن سياسة، ولا أرأف برعيته، ولا أوفى بعهد، ولا أرعى لحرمة منه. فطاعت له قبائل البربر، وتمهدت أفريقية في أيامه. وعزل العكي عمها، واستقامت الأحوال بها.
وكان إبراهيم قد سمع من الليث بن سعد، ووهب له جلا جل أم ولده لمكانه منه ولقد قال الليث يومها: (ليكونن لهذا الفتى شأن!) وكان لإبراهيم فضائل جمة ومآثر حسنة. وكان له مع راشد أمير الغرب مولى إدريس الحسنى مواقف ومحاربة؛ وكان راشد قد علا أمره.
ومن قول إبراهيم، وكان قد خلف أهله بمصر (بسيط)
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... ألا وذكريني دائما عنقي
ولا ذكرتك إلا بت مرتقبا ... أرعى النجوم كان الموت مغتبقي
ولما ملك أفريقية، قمع أهل الشر بها وضبط أمرها. وكان له مع بربرها حروب طويلة ذكرها. وأحسن إلى عرب جيشها.
وفي سنة 185 شرع إبراهيم في بناء مدينة القصر القديم وصار بعد ذلك دار الأمراء. وكان على ثلاثة أميال من القيروان؛ وكان قد
(1/92)
________________________________________
اشترى موضعه من بني طالوت؛ فبناه ونقل إليه السلاح والعدد سرا، وسكن حوله عبده وأهل الثقة به من خدمته. وكان حافظا للقران، عالما به وثار عليه الكندي بتونس؛ وكانت له معه وقائع وافقت محاربة المأمون للأمين، بعد موت الرشيد. وفيها، قال الطبري: وقعت بالمسجد الحرام صاعقة، فقتلت رجلين.
وفي سنة 186 حج بالناس هارون الرشيد، وأخرج معه ابنيه محمدا الأمين، وعبد الله المأمون، وقواده، ووزراءه، وقضاته، وولي عهد عبد الله. قال الطبري: وكان الرشيد عقد لأبنه محمد ولاية العهد في شعبان سنة 173، وسماه الأمين، وضم إليه الشام والعراق في سنة 175، ثم بويع لعبد الله المأمون بالرقة في سنة 183؛ وولاه من حد همدان إلى أخر المشرق. ولما قضى مناسكه في هذه السنة، كتب للمأمون كتابين: أحدهما على محمد بما أشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم وما ولى لعبد الله من الأعمال، وما صير له من الضياع والأموال؛ والأخر نسخة البيعة التي أخذها لعبد الله على محمد وعلى الخاصة والعامة. وأشهد في ذلك في البيت الحرام، وأمره بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد. وأشهد عليهما جماعة من حضر من بني هاشم وغيرهم. ثم أمر ان يعلق الكتاب في الكعبة. فلما علق، وقع؛ فقيل: (أن هذا لأمر سريع انتفاضه قبل تمامه!) وفي سنة 187 كان قتل الرشيد لجعفر بن يحيى، وإيقاعه بالبرامكة؛ والوالي على أفريقية إبراهيم بن الأغلب كما كان.
وفي سنة 188، كان غزو إبراهيم بن جبريل أرض الروم: وجهه الخليفة هارون، ودخل أرض الروم من درب الصفصاف؛ فخرج للقائه البطريق نقفور، فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه؛ فانصرف ومر بقوم من
(1/93)
________________________________________
المسلمين؛ فخرجوا عليه، وأنهزم، وقتل من الروم أربعون ألفا وبسعمائة، واخذ له أربع آلاف دابة.
وفي سنة 189 كان شخوص الرشيد إلى الرى: وبعث حسينا الخادم إلى طبرستان بالأمان لمرزبان صاحب الديلم؛ وقدم عليه؛ فأمنه وأمن غيره. وقال أبو العتاهية في خرجة هارون هذه (سريع)
إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده
ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم؛ فلما يبق في أرض الروم مسلم إلا فدى.
وفي سنة 190 فتح الرشيد هرقلة من مدائن الروم. وقال شبيل الترجمان: لما فتح الرشيد هرقلة رأيت على بابها لوح رخام مكتوب فيه بلسانه؛ فجعلت أقراه، والرشيد ينظر إلي، وأنا لا أشعر، فإذا فيه: (يا بن آدم! غافص الفرصة قبل إمكانها وقل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك أفرادها السرور على المآثم، ولا تحمل نفسك هم يوم لم يأت! فأنه أن يكن من أجلك وبقية عمرك، ويأت الله فيه برزقه! فلا تكن من المغرورين يجمع المال! فكم قد رأينا جامعا لبعل خليلته، ومقترا على نفسه توفيرا لخزانة غيره!) وفي سنة 191 ولي الرشيد هرمثة بن أعين غزو الصائفة، وضم إليها ثلاثين ألفا من جند خراسان. وفيها امر الرشيد بهدم الكنائس في الثغور. ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة بالمشرق إلى سنة 215. وفي سنة 193، توفي هارون بن محمد الرشيد - رحمه الله - بطوس من أرض خراسان، ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الأخير. واستخلف محمد الأمين ابنه. ولما صار المر إلى الأمين، أقر إبراهيم بن الأغلب على أفريقية
(1/94)
________________________________________
فبقي بها إلى أن توفي بالقيروان في العشر الأخرى من شوال من سنة 196 وعمره خمس وستون سنة وولايته أفريقية اثنا عشرة سنة واشهر.

ولاية عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية
وفي سنة 196 ولي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية. وذلك إنه لما مات إبراهيم بن الأغلب، كان ابنه عبد الله هذا غائبا بمدينة طرابلس؛ فقام له أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وعلى أهل بيته وجميع رجاله وخدمته، وبعث إليه بذلك.
وفي سنة 197 قدم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من طرابلس؛ فتلقاه أخوه زيادة الله، وسلم الأمر إليه. وحمل عبد الله في إمارته على أخيه زيادة الله حملا شديدا؛ وكان يتنقصه، ويأمر ندماءه بإطلاقه ألسنتهم بسبه، وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتجبيل والصنع الجميل، ولا يظهر له ثغيرا ولا يظهر عليه منه أثر. وقد كان عبد الله بن إبراهيم أراد أن يحدث جورا عظيما على رعيته فأهلكه الله فبل ذلك. وكان من أجمل الناس وجها، وأقبحهم فعلاً، وأعظمهم ظلما، أحدث بأفريقية وجوها من الظلم شنيعة، منها قطع العشر حبا، وجعله ثمانية دنانير للقفيز وأصاب أو لم يصب، وغير ذلك من الظلم والمغارم والمظالم. فأشتد على الناس ذلك.
وفي سنة 198، قتل الأمين بن الرشيد: قتله ابن طاهر عامل أخيه المأمون؛ وذلك لخمس بقين من المحرم. واستخلف أخوه المأمون؛ فأقر عبد الله بن الأغلب على أفريقية. ولما قدم حفص بن حميد الصالح على أفريقية، ومعه قوم صالحون من الجزيرة، قصدوا إليه؛ فوعظوه في أمر الدين ومصالح المسلمين.
(1/95)
________________________________________
فتهاون بهم، فخرجوا مغمورين يريدون القيروان، وكان هو في القصر القديم. فلما وصلوا وادي القصارين، قال لهم حفص بن حميد (قد يئسنا من المخلوق فلا نيئس من الخالق! فاسألوا المولى واضرعوا إليه في زوال ظلمه عن المسلمين! فإن فتح في الدعاء، فقد أذن في الإجابة) فتوضأ جميعهم وساروا إلى كدية مصلى رَوْح، فصلى بهم حفص ركعتين، ودعوا الله أن يكف عن المسلمين جور أبي العباس، ويريحهم من أيامه. فيقال أن قرحة خرجت له تحت أذنه، فقتلته في السادس من دعاء القوم. وقال من حضر غسله أنه، لما كشف عنه ثيابه، ضُن إنه عبد أسود بعد جماله وذلك بسوء فعاله، وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذي الحجة من سنة 201 فكانت دولته خمسة أعوام وأشهراً.
وفي سنة 201كان تقديم أهل بغداد منصور بن المهدي أميرا عليهم خديما للمأمون، إلى أن يَقْدَم أو يقَدِّم وكانت وقائع قبل ذلك وبعده. وفيها مات ابن الأغلب كما ذكرناه، وولى أخوه زيادة اله ساعة موته.

ذكر ولاية زيادة الله بن الأغلب أفريقية وبعض أخباره
كنيته أبو محمد. وهو أول من أسمه زيادة الله ممن ولى من بني الأغلب بويع يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، فأساء السير في الجند وسفك فيم الدماء وأشتد عليهم في كل وجه. فثار عليه زياد بن الصقلبية بفحص أبي صالح إليه سالم بن سوادة، فهزمه سالم. ثم ثار العامة عليه أيضاً وذلك أن زيادة الله كان أغلظ على الجند، وأمعن في سفك دمائهم، والاستخفاف بهم، وحمله على ذلك سوء ضنه بهم لوثوب على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء فعله إذا سكر، وكثر الخوض عليه. وخالفت الجند عليه وغيرهم، فكانت بينه وبينهم حروب ووقائع، حتى خاف على
(1/96)
________________________________________
نفسه، فحصن القصر القديم وبقى فيه على ما يأتي ذكره أن شاء الله تعالى.
وفي سنة 202 توجه الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب إلى المشرق، خوفا من أخيه زيادة الله وذلك أن الأغلب كان شقيق أبي العباس عبد الله بن إبراهيم، وكان أبو العباس طول ولايته، يتنقص زيادة الله ويأمر ندماءه بإطلاق ألسنتهم فيه فلما صار الأمر إلى زيادة الله جاءه الأغلب، فأستأذنه في الخروج إلى الحج فأذن له زيادة الله، فخرج الأغلب، وخرجت معه أبناء أخيه: محمد المكنى بأبي فهر، وإبراهيم المكنى بأبي الأغلب وهما إذ ذاك صغيران، فحج وأقام بالمشرق. وكان وزير زيادة الله والقائم بأمره الأغلب بن عبد الله المعروف بغلبون وفي سنة 203، كانت ولاية أبي عبد الله أسد بن فرات بن سنان مولى بن سليم قضاء القيروان، وهو ممن سمع من مالك بن أنس. فلما ولى أسد القضاء ضاق أبو محرز القاضي إذ تشرك معه، ولم يعلم قبلهما قاضيان في وقت واحد؟.
وفي سنة 204 لم يكن فيها ولا في التي بعدها خبر يجتلب.
وفي سنة 206 غزا المسلمون جزيرة سردانية، وعليهم محمد بن عبد الله ألت ميمي فأصابوا وأصيب منهم، قفلوا.
وفي سنة 207 ثار زياد بن سهل على زيادة الله بن الأغلب، وزحف إلى حرب باجة، فحاصرهما أياما. فأخرج إليه زيادة الله العساكر فهزموا زيادا، وقتلوا من وجدوا معه على الخلاف وغنموا الأموال. وكانت فيها وفات اليسع بن أبي القاسم صاحب سلجماسة، وتقديم أهلها على أنفسهم أخاه الياس المنتصر بن أبي القاسم الذي كانوا خلعوه.
وفي سنة 208 ثار عمرو بن معاوية القيسي على زيادة الله بن إبراهيم بالقصرين وتغلب على تلك الناحية وكان عاملا لزيادة الله. وكان له ولدان،
(1/97)
________________________________________
يقال لأحدهما حباب وللأخر سجمان، فقال له ابنه حباب: (إنك دخلت في أمر عظيم وعرضت نفسك للهلاك، ولست من رجال هذا الأمر ولا ينفعك عدد ولا عدة! فراجع أمرك، واتق الله في نفسك!) فضربه مائتي سوط وتمادى على الخلاف. فأخرج إليه زيادة الله جيشا كثيفا حاصره أياما، ثم نزل هو وولداه على أمان، وجئ بهم إلي زيادة الله، فألفى على شراب مع قوم من وجوه أهل بيته، فأمر بحبسهم حتى يرى فيهم رأيه، ودخل إثر ذلك مضحك له يقال له أبو عمار فقال له زيادة الله: (ما يقول الناس يا أبا عمار؟) فقال (يقولون إنما منعك أن تقتل عمرو بن معاوية مخافة أن تشب القيسية على عمك بمصر) فوقع كلامه بقلب زيادة الله، ثم شرب ساعة والتفت غبلون وزيره، فقال (أنقل نرو بن معاوية وولديه من حبسك إلى حبسي!) ففعل فلما كان في نصف الليل أقبل زيادة الله إلى السجن وبيده السيف فقتل عمرو بن معاوية ثم رجع إلى قصره فعاد حباب وسجمان ابني عمرو. فأمر بحباب أن يقتل، فقال (أيها الأمير) إني مظلوم وقد بلغتك نصيحتي لأبي فيك حتى ضربني بالسياط. فقال أجل قد كان ذلك! ولكني أعلم أنك لا تخلص لي وأمر بضرب عنقه واستبقى الأصغر، وهو سجمان فلما أصبح دعا بترس، فوضع فيه الرأسين ودعا بسجمان، فقال (أتعرف هذين الرأسين) فقال: أعرفهما! ولا خير في الحياة بعدهما فأمر زيادة الله بضرب عنقه وجعل رؤوسهم في ترس وشرب عليها ذلك اليوم مع أهل منادمته.
وفي سنة 209 ثار منصور الطنبذي بتونس فأخرج زيادة الله محمد ابن حمزة في ثلاثمائة فارس مسلحين وأوصاه بكتمان حركته حتى يبغت منصورا بتونس، فيقبض عليه ويأتي به مصفدا. فسار ابن حمزة إلى تونس، فألفى
(1/98)
________________________________________
منصورا غائبا في قصره بطنبذة. فنزل دار الصناعة ووجه إليه شجرة بن عيسى القاضي في أربعين شيخا من أشياخ تونس يناشده الله ويرغبه في الطاعة ويعرفه بما له في ذب لك من الحظ من دينه ودنياه فتوجه شجرة بن عيسى مع المشايخ إلى منصور فدعوه إلى الطاعة فقال منصور (ما خاعت يدا ولا أحدثت حدثا! وأنا سائر معكم إلى زيادة اله، ولك أقيموا علي ّ يومي هذا حتى أعد لكم ما يصلحكم، فأقاموا معه، ووجه إلى ابن حمزة والذين معه ببقر وغنم وعلف وأحمال قهوة وكتب إليه (إني قادم عليك بالغداة. القاضي شجرة) فركن ابن حمزة لقوله وذبح البقر والغنم وأكل هو والناس الذين معه وشربوا. قلما أمسى منصور، أخذ القاضي والذين معه فحبسهم في قصره وأخذ دوابهم فجعل عليها أصحابه، وجمع خيله وأشياعه، وزحف إلى تونس، وأمر أصحابه ألا يسمع لهم حسٌ ولا حركة حتى يصيروا إلى دار الصّناعة. وسار حتى إذا كان بالقرب من دار الصّناعة، أمر بالطبول، فضربت وأمر أصحابه فكبروا، فوثب ابن حمزة ومن كان معه، والتحم القتال على الليل. وكثر الناس عليهم، فقتل من كان مع ابن حمزة، ولم يسلم منهم إلا سبح البحر، وذلك يم الاثنين لخمس بقين من صفر.
وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند وقالوا (نحن لا نثق بك، نأمن أن يستنزلك السلطان بدنياه وماله فتميل له ولكن إن أحب أن نقوم بنصرك، فأخضب يدك في دماء أصحاب السلطان وأهل بيته! فوجه حينئذ عن عامل زيادة الله على تونس، وهو إسماعيل بن سالم بن سفيان وعن ولده محمد فأمر بقتلهما معا.
فلما اتصل الخبر بزيادة الله، وما كان من قتل رجاله وعامله عقد لغلبون وزيره على عسكر جليل وقال: (والله! لئن انهزم واحد منكم، لأجعل عقوبته ما فرّ وهو السيف) فسار غلبون في العاشر لربيع الأول. حتى
(1/99)
________________________________________
وصل إلى سبخة تونس، فخرج إليهم منصور الطنبذيُّ تعبئة عباها لنفسه، فاقتتلوا مليا. ثم حمل منصور حملة كانت فيها هزيمة غلبون وأصحابه لعشر بقين مكن ربيع الأول، وسار منهزما إلي زيادة الله، فاعتذر غلبون عن الهزيمة وحاف أنهم نصحوا واجتهدوا ولكن قضاء الله لا يرد. وتواثب القواد على أعمال أفريقية، كل قائد على بلدة يضبطها، ويمتنع فيها من عقوبة زيادة الله التي توعدهم بها. واضطرمت أفريقيا نارا، ورمى الجند كلهم إلى منصور الطنبذي أزمة أمورهم وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة اله، فأعلمه بما كان من أمره ونَغَل الجند فكتب إليهم زيادة اله صكوك أمان، وبعث ربها إليهم، فلم يثقوا بها منه، وخلعوا الطاعة.
ولما ظفر منصور، واجتمع إليه بتونس جميع الجند والحشود والوفود من كل جهة ومكان، فزحف بهم من تونس، فوصل إلى القيروان لخمس خلون من جمادى الأولى. فركب إليه القاضيان أبو محرز وأسد، فكان بينهما وبينه كلام لم يفد. وخندق منصور الطنبذي على نفسه فكانت بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة. ثم رحل منصور من خندقه، ونزل منزلا آخر، وأخذ منصور في إصلاح سور القيروان فوالاه أهل القيروان وحاربوا معه. فدامت الحرب بين منصور وبين عسكر زيادة اله أربعين يوما. ثم زحف زيادة اله على تعبئة عباها لنفسه قلبا وميمنة. فلما رأى ذلك منصور هاله وراعه. والتقت الفئتان، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم منصور وولى هاربا وقتل أصحابه قتلا ذريعا، في منتصف جمادى الآخرة، وانتهى زيادة الله إلى القيروان فأمر برفع القتال وتمادى منصور في هزيمته إلى أن دخل قصره بتونس، والناس لا يشعرون. وعفا زيادة اله عن أهل القيروان، وصفح عن جميعهم غير إنه جعل عقوبتهم هدم سور القيروان حتى ألصقه بالأرض.
وفي سنة 210 كانت وقيعة سبيبة، وهي مدينة. وذلك أن الجند الذين تقدم ذكر سيرتهم وتنمعهم لأجل الهزيمة التي طرأت عليهم كان قائدهم عمر بن
(1/100)
________________________________________
نافع وأقر زيادة الله على الجيش محمد بن عبد اله بن الأغلب، فالتقوا هنالك لعشر بقين من المحرم فانهزم ابن الأغلب وقتل وتمادت الهزيمة إلى القيروان من ضحى النهار إلى بعد صلاة العشاء، فاغتنم لذلك زيادة الله وأخذ في ضم الرجال وبذل الأموال. وكان عيال الجند بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة الله. ثم أن الجند سألوا منصور أن يحتال في نقل عيالاتهم من القيروان، فزحف بهم منصور إليها ونزل على القصر نحو ستة عشر يوما، فلم يكن بينه وبين زيادة اله فيها قتال، وأخرج الجند حرمهم عن القيروان. ثم انصرف مصور إلى تونس ولم يبق بيد زيادة الله من أفريقية كلها إلا قابس والساحل ونفزاوة وطرابلس، فانهم تمسكوا بطاعته، ولم ينقصوه شيئا من جبايته. وملك منصور جميع عمل زيادة الله، وضرب السكة باسم نفسه.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

وكتب الجند إلى زيادة اله (ارحل عن أفريقية ولك الآمان في نفسك ومالك) فشاور زيادة اله أهل بيته وخدمته، وقد ضاق به الأمر فقال له سفيان بن سوادة: (مكني ممن أثق بهم أتقدم بهم إلى نفزاوة) فانتقى له مائة فارس، فأعطاهم وسار بهم إلى نفزاوة فدعا بربرها إلى نصرته. فأجابوه. فأقبل عامر بن نافع في الجند نحو نفزاوة فلما وصل إلى قسطيلية جمع ألف أسود ومعهم الفؤوس والمساحي وخرج بهم إلى نفزاوة فنزل بتقيوس وبلغ ابن سواد قدومه، فخرج إليه وأقتتل معه، فانهزم الجند وقتل منهم عدد كبير. ورجع عامر إلى قسطيلية فأقام بها ثلاثة أيام يجبي أموالها ليلا ونهارا، حتى كمل له من ذلك ما أراد، وسار نحو القيروان.
وفي سنة 211، قام عامر بن نافع على منصور الطبنذي. وكان حاسدا له لأن منصورا كان يتوعده على الشراب، فعمل عليه عامر مع الجند، فلم يشعر منصور وهو بقصره بطبنذة حتى زحف إليه عامر من تونس، فحاصره. فراسله منصور وطلب منه الآمان، على أن يتوجه في سفينة إلى المشرق. فأجابه إلى
(1/101)
________________________________________
ذلك وخرج منصور في أول اليل مستخفيا يريد الأربس. فلما أصبح عامر، قفا أثره وأثر من اكن معه، حتى أدركهم. فاقتتل معهم فانهزم منصور ودخل الأربس، فتحصن بها فحاصره عامر فيها. فلما ضاق الحصار بأهلها، قالوا المنصور (إما أن تخرج عنا وإلا دفعناك إلى عامر!) فرغب منهم أن يمهلوه حتى يعمل في الخلاص لنفسه. فأرسل إلى عبد السلام بن الفرج (وكان من وجوه الجند) يسأله الاجتماع به. فأتاه فقال له منصور من أعلى السور: (بهذا كان جزائي منكم يا معشر الجند! وقد علمتم أن قيامي على القوم إنما كان من أجلكم. فإذا كان قد صار الأمر إلى ما صار إليه فأحب أن تسعى في أماني وخلاصي وأخرج عنكم إلى المشرق) فأجابه عبد السلام إلى ما سأل، واستعطف له عامر بن نافع فأسعفه في ذلك. ثم وجهة عامر منصورا مع خيل وأمر مقدمهم سراً أن يعرجوا به إلى مدينة جَربة ويحبسه بها. ففعل ذلك وحبس منصور هنالك. فلكا علم عبد السلام بهذه الغدرة من عامر حقد عليه وكان بباجة مع أصحابه، وكان هاشم أخو عامر واليا عليها، فأخذوه وحبسوه وكتبوا إلى أخيه عامر (أما أن تخلي عن منصور وإلا قتلنا أخاك) فكتب إليهم عامر (إني لست أخلى عن منصور فاصنعوا بهاشم ما شئتم! فستعلمون عاقبة أمركم) فلما جاءهم كتابه، أطلقوا هاشما. وأمر بضرب عنق منصور وأخيه حمدون. واستقامت الأمور لعامر بن نافع.
وفي سنة 212، أغزى زيادة اله صقلية. واجتمع له سبعون مركبا حمل فيها سبعمائة فرس. وعرض القاضي أسد بن الفرات نفسه على زيادة الله في الخروج للغزو، فولاه على الجيش، وأقره على القضاء مع القيادة، فخرج معه أشراف أفريقية من العرب والجند والبربر والأندلسيين، وأهل العلم والبصائر، وذلك في حفل عظيم وعدة جليلة في ربيع الأول. فساروا إلى حصون الروم ومدنهم فأصابوا سبيا كثيرا وسائمة كثيرة وكثرت الغنائم عند المسلمين. واحتل القاضي أسد بمن معه على مدينة سرقوسة، وحاصرها
(1/102)
________________________________________
برا وبحرا وأحرق مراكبها، وقتل جماعة من أهلها. وجائته الأمداد من أفريقية والأندلس وغيرها.
وفي سنة 213 توفي عامر بن نافع على فراشه. فلما بلغ موته زيادة الله، قال: (اليوم وضعت الحرب أوزارها!) فاستأمن بنوه إلى زيادة اله، فأمنهم. وفيها توفي إدريس بن إدريس الحسني
فقام بأمر فاس والبر بر ابنه محمد، فولى أخاه البصرة وطنجة وما يليهما، وولى سائر اخوته بلاد المغرب.
ذكر مدينة البصرة بالغرب. كانت قبل مدينة كبيرة أزلية، تعرف ببصرة الكتان لأنهم كانوا يتابعون، في بدء أمرها في أكثر تجاراتهم بالكتان. وتعرف أيضا بالحمراء. لأنها حمراء التراب. وكان سورها مبنيا بالحجارة والطوب. ولها عشرة أبواب. ولجامعها سبع بلاطات. وبها حمامان كبيران ومقبرتها الكبرى في شرقيها، والأخرى في غربيها، وهي التي تعرف بمقبرة قضاعة. وماؤها زعاق وشربهم من ماء عذب كبير على باب المدينة، يعرف ببئر أبي ذلفاء. ونساء البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق، ليس بأرض المغرب أجمل منهن، وفيهن يقول أحمد بن فتح التيهرتي في قصيدة مدح بها أبا العيش الحسني (كامل) :
ما حاز كل الحسن إلا قينة ... بصرية في حمرة وبياض
الخمر في لحضاتها والورد في ... وجناتها هيفاء غير مفاض
وأست البصرة في الوقت الذي أسست فيه أصيلا أو قريبا منه. ومنها إلى قصر كتامة وهو قصر عبد الكريم، مرحلة ومنها إلى مدينة جنيارة مرحلة. وقيل أنها كانت قرية على وادي سبو بينها وبين فاس مرحلة ومن مدينة البصرة طريق آخر إلى فاس، فمنها إلى ورغة مرحلة، ثم إلى وادى ماسنة مرحلة وهي مدينة عيسى بن حسن الحسني المعروف بالحجام ثم إلى مدينة
(1/103)
________________________________________
سداك وهي قاعدة خلوف بن محمد المغيلي ثم إلى فاس. فذلك سبع مراحل. وفي هذه السنة توفي أسد بن الفرات في رجب منها وهو محاصر لسرقوسة فلما توفي، هربت رهن الروم التي كانت عنده ووقع الموت في عسكر المسلمين، فاغتنموا لذلك، وولوا على أنفسهم الجراوي.
وفي سنة 214 توفي القاضي أبو محرز الكلابي. وفيها وصل من الأندلس إلى صقلية نحو ثلاثمائة مركب، فيها أصبغ بن وكيل المعروف بفرغلوش. وبلغ المسلمين المحصورين بها خير وصولهم، فاستغاثوا بهم، فودعهم بالغوث.
وفي سنة 215، كان غزو فرغلوش الواصل في المركب إلى صقلية هو والوقاد الذين معه، فأخذا القلاع، وسبقوا، وغنموا في بلاد الروم. ثم سألوا إغاثة من كان من المسلمين بها، فأجابوهم إلى ذلك على أن يكون أمر الناس إلى فرغلوش فساروا إلى ذلك وأخذوا في طريقهم القلاع وأغاروا حتى انتهوا إلى ميناو. فخرج مخنق من كان بها من مسلين، وحرقوا المدينة وهدموها، وانتقلوا عنها. وسار المسلمون إلى غلواليه، فحصروها وتغلبوا عليها.
واعتل جماعة من المسلمين بها وأخذ الوباء ومات فرغلوش وغيره من القواد فرحل المسلمون وركب العدو أثرهم، فقتل منهم خلق كثير في خبر طويل ثم أخذوا في إصلاح مراكبهم قافلين إلى الأندلس.
وفيها ولي سعيد بن إدريس مدينة نكور.
وفي سنة 216 كانت وقيعة بين مطبق السلمي وإسماعيل بن الصمصامة بإفريقيا فتقاتلا بما من معهما فهزم مطبق وقتل ونهزم أصحابه أبو فهر صقلية.
وفي سنة 217 توجه أبو فهر محمد بن عبد الله التميمي من إفريقيا إلى صقلية وهرب عثمان بن عرقب عنها.
(1/104)
________________________________________
وفي سنة 218 قام بمدينة تونس فضل بن أبي العنبر بعد هزيمته لخليل زيادة الله، فضبطها لنفسه. وسار إليه أبو فهر بن عبد الله بن الأغلب في جيش كثيف حتى افتتحها وقتل فيها عباس بن الوليد الفقيه الصالح.
وفي سنة 219 أمن زيادة الله كل من طلب الأمان ممن تلفت من تونس وخرج عنها وقت دخول أبي فهر لها. فأمنهم وسكنت أحوالهم وكان فيهم عبد الرحمن وعلي ابنا أبي سلمة وأبو العزاف كانوا شعراء فصحاء فأنش عبد الرحمن مديحا له فيه فلما أنقض إنشاده قام يعقوب بن يحيا الشاعر يحرض زيادة الله على بني أبي سلمة وأبي العزاف بهذه الأبيات وأوفر:
تسمع أيها الملك المعان ... قوافي في معانيها البيان
يتم أمان من الخضب العوالي ... وليس لشاعر أبدا أمان
لأن قوافي الأشعار تبقى ... على الأيام ما بقى الزمان
وقد يرجى لجرح السيف برءٌ ... ولا برءٌ لما جرح اللسان
فلم يلتفت زيادة الله إلى قوله وأمضى لهم أمانهم وقال لأبي العزاف: ما منعك أن تستأمن إلينا قبل هذا الوقت؟ قال: أيها الأمير كنت مع قوم حمقى يولون كل يوم واليا ويعزلون آخر. فرجوت أن تكون لي معهم دولة، فضحك زيادة الله وقال: لقد عفوت عنك
وفي سنة 220 ولي أحمد بن أبي محرز قضاء أفريقية وفيها غزى محمد ابن عبد الله بن الأغلب صقلية. فالتقى بالمشركين فانهزموا أمامه. وانصرف بالغنائم إلى بسلوم. وكانت بصقلية في هذه السنة غزوات كثيرة للمسلمين برا وبحرا وكذلك بالأندلس.
وفيها وصل ابن الأغلب إلى بسلوم قاعدة صقلية واليا عليها، في رمضان، بعد أن رأى شدة في البحر وعطبت له مراكب وحطمت له أخرى
(1/105)
________________________________________
وأصاب له النصارى حرّاقة من مراكبه. وجاهدهم محمد بن السندي في حراقات فاتبعهم حتى حال الليل بينهم.
وفي سنة 21 2، توفي قاضي صقلية ابن أبي محرز. وكان قد أوصى أخاه عمران أن يكتكم موته حتى يكفنه ويصلي عليه، خوفا أن يكفنة زيادة الله ويصلي عليه، ففعل عمران ذلك. فلما حمل نعشه وخرج به من داره أقبل خلف الفتى يمسك كثير وأكفان من قبل زيادة الله فقال له عمران: قد كفناه: فذر خلف المسك الذي كان معه عليه وحمل إلى المصلى حضر زيادة اله دفنه وعزى أخاه عنه وقال: يا أهل القيروان لو أراد الله بكم خيرا لما خرج ابن ابي محرز من بين أظهركم. وكان زيادة الله يقول: ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات: بنياني المسجد الجامع بالقيروان وبنياني قنطرة أبي الربيع، وبنياني حصن مدينة سوسة ونوليتي أحمد بن محرز قاضي أفريقية، وولي القضاء بعده ابن أبي الجواد.
وفي هذه السنة، ابتدأت الفتنة بسلجمانة بين ميمون وأخيه ابني المنتصر ابن اليسع.
وفي سنة 222 كانت غزوة صقلية للمسلمين إلى ناحيو جبل النار، فأصابوا وغنموا وقفلوا سالمين غانمين. وفيها فتح المسلمون حصن مدنار ومعاقل كثيرة في غزوة للفضل بن يعقوب، أغزاه أبو الأغلب، وغزوة أخرى لعبد السلام بن عبد الوهاب، أغزاه أيضا إياها أبو الأغلب، فخرج إليه العدو فانهزم المسلمين وأصيب منهم جماعة وأسر عبد السلام حتى فدي بعد ذلك.
وفي سنة 223 توفي زيادة اله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية، يوم الثلاثاء لربع عشرة ليلة خلت من رجب وهو ابن إحدى وخمسين سنة. فكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، وسبعة أشهر وثمانية أيام.
(1/106)
________________________________________
ولاية أبي عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية
وهو الملقب بخزر، فلنا ولي أمن الناس وأحسن إليهم وإلى الجند، وغير أحداثا كثيرة كانت قبله وأجرى على العمال أرزاقا واسعة وصلات جزلة وقبض أيديهم عن الغبة، وقطع النبيذ من القيروان، وعاقب على بيعه وشربه. وتوفى في العشر الأواخر لربيع الآخر سنة 226، وهو ابن ثلاثة وخمسين سنة فكانت ولايته سنتين وتسعة أشهر وأياما.
وفي سنة 224، كانت وقعة بأفريقية بين عيسى بن ريعان الآزدي، وقد أخرجه السلطان لذلك، وبين لواته وزاغة ومكناسه فقتلهم عن آخرهم بين قفصة وقسطيلية. ذكر ذلك ابن القطان.
وفيها، قدم أهل سلجماسة ميمون بن مدرار وأخرجوا أخاه. فلما استقر الأمر لميمون أخرج أباه مدرار وأمه إلى بعض قرى سلجمانة.
وفي سنة 225، كانت وفاة أبي جعفر موسى بن معاوية الصمادحي، مولى آل جعفر وكان ممن روى عنه سحنون.
وفي سنة 226، توفي أبو عقال الأغلب ين إبراهيم في ليلة الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، وولاية ابنه أبي العباس يوم موت أبيه

ولاية أبي العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ابن الأغلب أفريقية
كانت ولايته في أولها ساكنة، والأمور معتدلة. وقلد أحمد بن الأغلب كثيرا من أموره وكان محمد هذا قليل العلم، ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، فكتب محمد (لحم ضبي) بضاد مسقوطة. فلما حفلا المجلس، قال له كاتبه: (أيد الله الأمير الظبي يكتب بضاء مرفوعة) فقال له محمد: (قد
(1/107)
________________________________________
علمنا فيها اختلافا فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد) فعجب الحاضرون من قوله وكان عقيما لا يولد له. وكان مظفرا فيء حروبه.
وفي سنة 227، توفي أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي فقيه أفريقية، ولقي مالك، وسمع منه. وسأله زيادة اله في النبيذ، فقال له: (كم دية العقل؟) قال: (ألف دينار) قال: (أصلح الله الأمير يعمد الرجل إلى ما قيمته ألف دينار، فيبعه بنصف دسهم فقبل له: (أنه يعود ويرجع) فقال: (أصلح الله الأمير! بعد كشفه سوئته، وإبداءه عورته وضرب هذا وشتم هذا) وفي سنة 228، كانت أفريقية هادئة ساكنة قال عريب وغيره لم يكن في أفريقية هذه السنة خبر يذكر ولا في السنتين بعدها.
وفي سنة 230 توفي بهلول بن عمرو بن صالح الفقيه، سمع من مالك وطبقته.
وفي سنة 231 كانت ثورة أحمد بن الأغلب عل أخيه محمد واستيلائه عليه، وذلك أن أحمد تواعد مع جملة من الموالي إلى موضع، فتوافوا هنالك وقت الظهيرة، فقصدوا إلى مدينة القصر القديم، وقد خلى الباب من الرجال فدخلوا، وأغلقوا الباب، ثم ساروا حتى أغلقوا لأبواب الأُخر. ثم هجموا على أبي عبد الله بن علي بن حميد الوزير فأمر أحمد فضربت عنقه ووقع القتال بين رجال محمد بن الأغلب وبين رجال أحمد بن الأغلب وجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: (ما لكم تقاتلوننا! نحن في طاعة محمد ابن الأغلب. إنما قمنا على أولاد علي بن حميد الذين أفقروكم واستولوا على أموال مولاكم دونكم وإما نحن في الطاعة) لما سمعوا ذلك، أوقفوا عن القتال، ولما نظر محمد إلى ما دهمه من غير استعداد، قعد في مجلسه الذي يقعد فيه للعامة، وأذن لأخيه أحمد والرجال الذين معه في الدخول عليه.
(1/108)
________________________________________
فدخلوا بسلاحهم. فكانت بينهما معاتبة. ثم حلفا أن لا يغدر أحدهما بصاحبه واصطلحا. واعتدلت الأمور لأحمد بن الأغلب إلا أن أسم الإمارة فقط وقبض أحمد على من شاء، واستصفى من أراد وعذب من أحب وأعطى الرجال وجنى الأموال، واستوزر نصر بن حمزة.
وفي سنة 232، ظفر محمد بن الأغلب بأخيه أحمد، وحبسه، ورجع له سلطانه. وقام معه في ذلك جماعة من بني عمه ومواليه. وسقى البوابين واحتال عليهم حتى دخل المدينة، وحارب أخاه طول الليل وأطلق من كان في حبس أخيه، فاستمد بهم ووصل أهل القيروان حتى أنفذ جميع ما في خزائنه من الأموال والكسي ثم نفى محمد بن الأغلب أخاه إلى المشرق فمات بالعراق.
وفيها عزل عبد الله بن أبي الجواد عن القضاء، فقال سحنون لمحمد بن الأغلب: (أيها الأمير، أحسن الله جزائك! فقد عزلت فرعون هذه الأمة وجبارها وظالمها) وابن أبي الجواد حاضر ولحيته تضطرب على صدره وكان تام اللحية.
وفي سنة 233 ولي سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه (واسمه عبد السلام، إنما سمي بسحنون لحدة ذهنه) القصاء بأفريقية بعد أن رجع محمد بن الأغلب في ذلك عاما كاملا، وهو يأبى عليه، حتى حلف له بأيمان المؤكد وأعطاه العهود المغلظة إنه يطلق يديه على أهل بيته وقرابته وخدمه وحاشيته، وينفذ عليهم الحق، أحب أو كرهوا.
وفيها كانت ثورة سالم بن غلبون وقتله، وذلك إنه كان واليا على الزاب فعزاه محمد بن الأغلب. فأقبل سالم يريد القيروان. ثم عدل في بعض طريقه إلى الأربس مظهرا للخلاف، فمنعه أهلها من دخولها فسار إلى باجة فدخلها وضبطها فأخرج إليه ابن الأغلب خفاجة بن سفيان في جيش كثيف فنزل عليه وحاربه أياما، فهرب سالم بن غلبون في الليل، فاتبعه خفاجة
(1/109)
________________________________________
فلحقه لما أصبح وقتله، وحمل رأسه إلى محمد بن الأغلب وكان ابنه أزهر محبوسا عنده فأمر بضرب عنقه.
وفي سنة 234، ثار عمر بن سليم النجيبي بتونس، فأخرج إليه ابن الأغلب خفاجة بن سفيان، فأقام عليه بقية هذه السنة، ثم انصرف عنه من غير ظفر وفيها مات عبد الله بن أبي الجواد في سجن سحنون وكان ورثته ابن القلقاط يطلبونه بخمسمائة دينارا وديعة واستظهروا بخطه. فأنكر الوديعة والخط. فكان سحنون يخرجه كل جمعة، فإذا استمر على الإنكار، ضربه عشرة أسواط. وأرادت زوجته فدائه بمالها، فامتنع سحنون إلا أن يعترف ابن أبي الجواد بأن هذا مال الأيتام أو عوضا عنه. فأبى ابن أبي الجواد. فما زالت تلك حاله إلى أن مرض، فمات. فشنع الناس على سحنون أن قتله. وكان يقول بخلق القرآن.
وفي سنة 235 كانت وقيعة، بمقربة من تونس، بين المنتزي في العام الفارط عمرو بن سليم المعروف بالقوبع، وبين محمد بن موسى المعروف بعريان، الذي استقوده ابن الأغلب لمحاربته، ففزع كثيرا ممن موالي ابن الأغلب إلى القوبع. فوقعت على محمد بن موسى هزيما، وأسر أحد قواده، بعد أن انكسرت رجله، ثم طعنه ولد القوبع طعنة كان في حتفه، وقتل كثير من أصحابه. وأنصرف باقي الجيش إلى ابن الأغلب مفلولين. واشتدت شوكة القوبع.
وفي سنة 236، كانت وقعته بين عمرو بن سليم القوبع المنتزي بتونس وبين خفاجه بن سفيان، قائد جيش قائد بن الأغلب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فنهزم القوبع، وقوتل أصحابه مقتلة عظيمة. وأدرك القوبع، فضربت عنقه، وحمل رأسه إلى محمد بن الأغلب، فوصل قاتله، وكساه، وأحسن إليه. ودخل خفاجة مدينة تونس بالسيف، يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول وسبى فيها، وانصرف بالجيش إلى القيروان، فكساه ابن الأغلب.
(1/110)
________________________________________
ولاية العباس بن الفضل جزيرة صقلية
لما توفي صاحب صقلية أبو الأغلب إبراهيم بن عبد الله الأغلب، قدم أهلها على أنفسهم العباس بن الفضل هذا، وكتبوا إلى محمد بن الأغلب بن خبر. فأقر العباس، وكتب إليه بعهده بولاية صقلية. فجاهد كثيرا، وغزا طويلا. وكان له في الروم مواقف أذلهم بها.
وفي سنة 237 ولي حبيب بن نصر التميمي المظالم بالقيروان بتقديم القاضي سحنون إياه عليها. وفي أغزى العباس بصقلية أرض الروم، فغنم غنائم عظيمة، وسبى سبيا كثيرا وأداخ بلاده.
وفي سنة 238 أغزى العباس بن الفضل صاحب صقلية الروم فقتل الله المشركين. وبعث العباس برؤوسهم إلى مدينة بالرم، وقام ينتسف زروعهم، ويطأ أرضهم، ويسبى من ظفر بهم منهم. ثم قفل إلى صقلية.
وفي سنة 239 كان الجهاد بصقلية في غزوة العباس بن الفضل في الصائفة فأفسد زروع النصارى، وبث السرايا في كل موضع، وغنم وقصر يانة وقطانية وسرقوسة وغيرها، وحاصر مدينة بنيرة ستة أشهر حتى صالحوه على ستة آلاف رأس قيضها منهم. وقفل إلى حضرة بلرم، وفتح مدينة سبرينة.
وفي سنة 240، توفي الفقيه سحنون - رحمه الله - وفيها كان الجهاد أيضا بصقلية: غزا العباس بن الفضل صاحبها بلاد الروم فسبى ونكى وخرب وانتسف وبث السرايا، فغنموا غنائم عظيمة.
وفي سنة 241، غزا العباس بن الفضل أيضا الروم بصقلية، فأفسد زروعهم وبث السرايا في أراضيهم، فغنمت غنائم كثيرة. وأقام في جبل مانع ثلاثة أشهر يضرب كل يوم حول يلنة فيقتل ويصيب، وتتوجه سراياه
(1/111)
________________________________________
فتغنم في كل جهة. وأغزى أخاه علي بن الفضل في البحر، فأصاب وغنم وانصرف برؤوس كثيرة.
وفي سنة 242، توفي أبو العباس محمد بن الأغلب صاحب أفريقية ليلتين خلتا من المحرم، فكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر واثنتي عشرة يوما ومات وهو ابن ستة وثلاثين سنة. وولي بعده ابن أخيه.

ولاية أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب أفريقية
وليها وهو ابن عشرين سنة. وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعبة، مع دين واجتناب للظلم على حداثة سنه وقلة عمره. وكان يركب في ليالي شعبا ورمضان وبين يديه الشمع فيخرج من القصر القديم ويمشي حتى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دواب بالدراهم، فكان يعطي الضعفاء والمساكين حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه يدعون له.
وفيها ولي القضاء بأفريقية أبو الربيع سليمان بن عمران بن أبي هاشم الملقب بخروفة.
وفيها كان الجهاد بصقلية. غزا صاحبها العباس بن الفضل الروم بالصائفة فغنم وسبى وانتقل من حصن إلى حصن، ففتح أكثرها، وصالحه بعض أهلها.
وفي سنة 243، كان الجهاد بصقلية. غزا العباس بن الفضل صاحبها بالصائفة فسبى وغنم، وصالحه أهل قصر الحديد، بعد أن حاصرهم شهرين بخمسة عشر ألف دينار، وصالحه أهل حصن شلفودة على أن يخرجوا منه ويهدمه، ففعل ذلك.
(1/112)
________________________________________
وفي سنة 244 غزا العباس صاحب صقلية أرض الروم، فغنم غنائم كثيرة وخرج أخوه في مراكب في البحر إلى جزيرة إقريطش، فقتل وسبى. وغنم ثم دارت على المسلمين جولة، فقتل منهم، وأخذت لهم عشرون مركبا.
وفي سنة 245، أخرج أبو إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية مالا كثيرا لحفر المواجل، وبنيان المساجد والقناطر لكلمة كانت منه على سُكرٍ.
وفي سنة 246، كان حفر المآجل الكبير على باب تونس. وفيها توفي أبو خلف الزاهد، واسمه مطروح بن قيس. وكان عابداً زاهدا.
وفي سنة 247، كان بالقيروان سيل عظيم كسر القنطرة فأمر صاحب أفريقية بإصلاحها. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد ربه، وكان مستجاب الدعوة.
وفيها توفي العباس بن الفضل صاحب صقلية، في جمادى الأولى لثلاث خلون منها، وولى عمه أحمد صقلية: ولاه أهلها، وكتبوا بذلك إلى صاحب أفريقية أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، فجاء كتابه بإثباته.
وفي سنة 248، كمل بناء ماجل باب تونس الكبير وتمت الزيادة في جامع القيروان وكمل إصلاح قنطرة باب أبي الربيع، وفيها كانت غزوة رباح فأصاب وغنم، ثم دارت عليه وقيعة، أخذت فيها طبوله وأعلامه، ثم أُسرَ قوم من أصحابه ثم تراجع وافتتح مدينة جبل أبي مالك، وسبى جميع كما كان فيها وأحرقها وبث سرايا كثيرة فأصابت وغنمت.
وفي سنة 249، توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب أفريقية يوم الثلاثاء لثلاث خلت من ذي القعدة، فكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر ونصفا. وهو ابن ثمان وعشرين سنة.

ولاية زيادة الله بن محمد بن الأغلب
ابن إبراهيم بن الأغلب أفريقية
ولي يوم وفاة أبي إبراهيم، في ذي القعدة، فكتب إلى خفاجة بإمضاء
(1/113)
________________________________________
ولايته وخلعَ عليه. وكان أبو محمد زيادة الله هذا عاقلا حليما حسن السيرة جميل الأفعال، ذا رأي ونجدة وجود وشجاعة. وهو الثاني ممن أسمه زيادة اله في بني الأغلب. ول تطل في الملك مدته، فتكون له أخبار تؤثر. وتوفي ليلة السبت لعشر بقين من ذي القعدة من سنة 250 فكانت دولته سنة واحدة وسبعة أيام.

ولاية أبي الغرانيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب
ولي سنة 250، وهو ابن أخي زيادة الله المتوفى قبلُ. ولي يوم السبت لعشر بقين من ذي القعدة، ولقب بأبي الغرانيق لأنه كان يهوى صيدها، حتى بنى قصرا يخرج إليه لصيدها، أنفق فيه ثلاثين ألف مثقال من الذهب. وكان مسرفا في العطاء، مع حسن سيرة في الرعية. ثم غليت عيه اللذات والانشغال بها فلم يزل كذلك طول مدته، ولم تكن له همة في جمع مال. فلما مات لم يجد أخوه في بيتا المال شيئا يذكر، وكانت ولايته حروبا أكثرها على ما يأتي ذكره.
وفي سنة 251 كانت غزوة السرية المعروفة بسرية ألف فارس، وذلك أن خفاجة صاحب صقلية غزا قصر يانة، فأفسد زرعه وسار إلى سرقوسة فقاتل أهلها. ثم رحل عنهم وأخرج ابنه محمدا إليهم في سرية فكمن لهم وقتل منهم ألف فارس، فسميت تلك السرية سرية ألف فارس.
وفي سنة 252، بنى محمد بن حمدون الأندلسي المعافري الجامع الشريف بالقيروان المنسوب إليه: بناه بالآجر والجص والرخام، وبنى فيه جبابا للماء. وغزا خفاجة صاحب صقلية أرض الروم، وافتتح حصونا كثيرة؛ ثم مرض مرضا شديدا، فانصرف في محمل إلى بلرم.
(1/114)
________________________________________
وفي سنة 253 قال ابن القطان: عريت هذه السنة من أخبار أفريقية، فلم يكن فيها خبر مشهورا يجتلب.
وفي سنة 254 غزا خفاجة صاحب صقلية بطريقا وصل من القسطنطينية، في جمع كبير نفي البر والبحر، فأنهزم البطريق بعد قتال شديد، وقتل من أصحابه آلاف كثيرة، وأخذ لهم سلاح وخيل. ودخل خفاجة إلى سرقوسة وغيرها؛ فغنم غنائم كثيرة، ورجع إلى بلرم قاعدة أول يوم من رجب.
وفي سنة 255 خرج خفاجة صاحب صقلية للغزو؛ فلقيه العدو في جمع كبير؛ فاقتتلوا قتالا شديد، فقتل شجاع من شجعان المسلمين؛ فانكسروا لقتله. فسارة خفاجة إلى سرقوسة فامتنعت منه؛ فأقام عليها، وأفسد زرعها. وفيها توفي خفاجة؛ وذلك أنه؛ لما أكمل غزاته المذكورة، قفل من سرقوسة، يريد بلرم؛ فأدلج ليلا؛ فأغتاله رجل من عسكره، وطعنه طعنه مات منها، وذلك أول يوم من رجب. وهرب الذي طعنه إلى سرقوسة. وحمل خفاجة إلى بلرم؛ فدفن بها. فولى أهل صقلية ولده محمد. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد أبن الأغلب أبي الغرانيق؛ فكتب إليه بالولاية، وخلع عليه.
وقي سنة 256 توفي محمد بن سحنون التنوخي، وكان فقيها ورعا - رضي الله عنه -! وفي سنة 257 ولى القضاء بإفريقيا عبد الله بن أحمد بن طالب صارفا سليمان بن عمران. وفيها، توفي صاحب صقلية محمد بن خفاجة قتله خدمة نهار لثلاث خلون من رجب، وكتموا أمره، فلم يعرف قتله ألا بعد يوم لهروب الخدم، فأخذوا وقتل بعضهم. فولى صقلية أحمد بن يعقوب بتقديم ابن الأغلب إياه. وولى على الأرض الكبير عبد الله بن يعقوب، فكانت لهما في هذا العالم غزوة أوقعا فيها بالمشركين. ولم يكن في بإفريقيا في سنة سبع خبر يذكر.
وفي سنة 258، توفي أحمد بن يعقوب صاحب صقلية، وولى ابنه الحسين مكانه. وأوفر صاحب أفريقيا عليها.
(1/115)
________________________________________
وفي سنة 259، ولى سليمان بن عمران قضاء أفريقية، وعزل عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي عنه. وفيها عزل صاحب صقلية سرقوسة، فصالحه أهلها على أن يخرجوا إليه من أير المسلمين الذين كانوا عندهم ثلاثمائة وستين أسيرا.
وفي سنة 260 كانت المجاعة العامة بالمشرق والمغرب، والوباء، والطاعون. وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه العالم، الذي دون (المجموعة) ، وكان مجاب الدعوة.
وفي سنة 261 توفي أبو الغرانيق محمد بن أحمد بن الأغلب ليلة الأربعاء لست خلون من جمادى الأول من هذه السنة، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ونصفا، وفي دولة المستعين بالله والمعتز والمهتدي المعتمد في بعض أيامه.

ولاية إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب
وصفة ولايته أن أبى الغرانيق كان عهد لأبنه أبي عقال، وأستخلف أخاه إبراهيم بن أحمد ألا ينازعه في ملكه بخمسين يمينا. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم بن أحمد، وهو إذ ذاك والي على القيروان. فقالوا له (قم، فأدخل القصر، فأنت الأنير!) وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم. فقال لهم (قد علمتم أن أخي قد عقد البيعة لابنه، واستحلفني خمسين يمينا ألا أنازع ولده ولا أدخل قصره) فقالوا له (تكون أمير في دارك بالقصر القديم، ولا تنازع ولده! فنحن كارهون ولايته ومبايعون لك! وليس في أعناقنا له بيعة!) فركب من القيروان، ومع أكثر أهلها، فحاربوا أهل القصر حتى دخل إبراهيم داره، فبايعه مشايخ أهل أفريقية ووجوهها، وبايعه جماعة بني الأغلب.
وفي سنة 262 توفي أبو زيد شجر بن عيسى القاضي بتونس، وكان من
(1/116)
________________________________________
خيار القضاة، له مناقب كثيرة، وهو ابن تسع وتسعين سنة. وفيها أسست قلعة مدينة تنس، أسسها البحريون من أهل الأندلس.
وفي سنة 263 ابتدأ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ببناء مدينة رقادة.
وفي سنة 264 كمل بناء القصر المعروف بالفتح، وانتقل إليه إبراهيم ابن أحمد. وقتله للموالي بالقصر القيم لأنهم ثاروا عليه. وفيها فتحت سرقوسة يوم الأربعاء لأربعة عشرة ليلة خلت لرمضان، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج، وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصل بمدينة من مدائن الشرك ولم ينج من رجالهم أحد. وكان مقام المسلمين بصقلية عليها على أن فتحت تسعة أشهر، وقاموا بعد فتحها شهرين، ثم تهدمت. وفيها، قتل صاحب صقلية جعفر ابن محمد. قتله غلمانه مع الأغلب بن محمد بن الأغلب، الملقب بخرج الرعونة، وبي عقال الأغلب بن أحمد، وكانا محبوسين عنده فتولى خرج الرعونة بلرم وضبطها، فوثب أهلها عليه وعلى أبي عقال ومن أتصل بهما، فأخرجوهم من صقلية إلى أفريقية. وولي الحسن بن رباح صقلية.
وفي سنة 265 غزا صاحب صقلية الحسن بن الرياح الصائفة إلى طرمين، ودارت بينه وبين مشركي صقلية حرب قتل فيها من المسلمين، ثم كانت لهم الكرة على المشركين، فهزموهم، وقتلوهم، وقتلوا بطريقتهم.
وفي سنة 266 كان القحط العظيم والغلاء المفرط بأفريقية. وفيها أغزى صاحب صقلية الروم، فالتقى في البحر بمراكبهم، وهم في نحو مائة وأربعين مركبا، فدارت بينهم حرب شديدة حتى أسلم المسلمون مراكبهم وأخذها الروم وأنصرف من وكان في تلك المراكب إلى بلرم، فأقاموا بها شهورا يبثون السرايا ويغنمون أرض الروم المجاورين لهم.
وفي سنة 267 ولي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي القضاء صارفا لسليمان بن عمران عنه. وفيها ولي الحسن بن العباس جزيرة صقلية. وفيها
(1/117)
________________________________________
كانت فتنة ولد ابن طولون، حين أراد التغلب على إفريقية. وهاأنا أذكر قصته إلى أن هزم. وذلك أن العباس بن أحمد بن طولون ولد صاحب مصر، قدم في هذه السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف من سودان أبيه على خمسة آلاف جمل إلى مدينة برقة، في ربيع الآخر يريد إفريقيا والتغلب عليها وإخراج بني الأغلب عنها. وحمل مع نفسه من بيت مال مصر ثمانمائة حمل دنانير ذهبا فأعطى أصحابه الأرزاق بها. وقيل أن مبلغ ما حمل من المال ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار. ومعه عبد الله أحمد بم محمد الكاتب مكبلا لأنه أظهر الامتناع من الخروج معه، أشار عليه بأن يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى يصانع البربر فقال (أخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل أحكام هذا الأمر (يعني عساكر أبيه، لأنه كان ثائرا على أبيه) ويكون أيضا في ذلك فسحة لإبراهيم بن أحمد فيتمهل في الاستعداد. ولكني أمضي على فوري هذا، فآتى لبدة وإطرابلس فجأة، ثم أخذ في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والأفضال وأبعد من مصر، فلا يقوم لأحمد بن طولون (يعني أباه) أمل في مطالبتي لبعدي عنه!) وخرج يريد لبلده فأنصل خبره لإبراهيم بن أحمد فأخرج إليه أحمد بن قهرب في ألف وستمائة فارس، خيلا مجردة لا رجال فيها وأمره بإعداد السير والسرى بالليل حتى دخل لإطرابلس قبل وصول العباس بن أحمد بن طولون إلى لبدة ثم أحشد ابن قهرب من أمكنه من جند إطرابلس وبربرها، ثم بادر إلى لبدة ودخلها وأقبل العباس ابن طولون وقد صنع له ببرقة خمسة آلاف بند فجعل له كل جملا رجلا ببنده وزحف بثمانمائة فارس وخمسة آلاف رجل فالتقى به أحمد بن قهرب على خمسة عشر ميلا من لبدة وقد تأخرت الجمال بالرجالة أصحاب البنود فلم يكن بينهم ألا مناوشة يسيرة حتى أنهزم أحمد بن قهرب وهو يضن أن من
(1/118)
________________________________________
ناوشة من أصاحب ابن طولون كانوا مقمد للجيش. ووصل أحمد بن قرهب إلى إطرابلس منهزما وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل إطرابلس منصب عليها المجانيق وناصبهم الحرب. وأقام محاصرا لهم ثلاثة وأربعين يوما فتعدى بعضهم سودانه على بعض حرم البوادي وهتكوا الستر فستغاث أهل إطرابلس بأبي منصور صاحب منقوسة فقام متحسبا وناصرا جيرانه من المسلمين وجحف في اثنا عشرة ألفا من رجال نفوسة إلى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوا الحرب فقال العباس لأبي عبد الله الكاتب (ما الرأي؟) فقال له (ببرقة خلفته!) وألح أهل نفوسة في محاربة ابن طولون فأنهزم وخرج إلى برقة بعد انتهاب أهل إطرابلس لجميع عسكره. ول يتلبس النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه. وكان إبراهيم بن أحمد قد حشد الأجناد وضرب حلى نسائه دنانير ودراهم إذ لم يبق أبو الغرانيق مالا. ثم خرج بنفسه يريد إطرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون فبحث ابن الأغلب عن الأموال وأخذ ممن وجت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن طولون سرا بما أمكنه خوفا من أن تأخذ منه وفي سنة 268 كان فتك إبراهيم بن الأغلب بأهل الزاب فقتلهم وقتل أطفالهم وحملوا على العجل إلى الحفر فألقوا فيها وفيها عزل صاحب صقلية الحسين بن عباس ووليها محمد بن الفضل. وفي سنة 269 توفي سليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا. وكان يقول بخلق القرآن ودعا الناس إليه فهموا بقتله.
وفي سنة 270 توفي سليمان بن عمران القاضي مفلوجا. وتوفي حسين بن زيد بن علي. وتوفي أبو حاتم هشام بن حاتم الفقيه، وكان مجاب الدعوة.
وفي سنة 271، توفي الحسين بن أحمد صاحب صقلية. ووليها سواد بن محمد بن خفاجة التميمي.
(1/119)
________________________________________
وفي سنة 272 أغزى سوادة صاحب صقلية سراياه إلى بلاد الروم فغنمت انصرفت. وفيها كانت وقائع بين المسلمين وبين بطريق جاء من القسطنطينية، يقال له نجفور، في عسكر كبير، فدخل مدينة سبريينة، وخرج منها المسلمون بأمان إلى صقلية.
وفي سنة 273 وثب أهل بلرم على سوادة بن محمد صاحب صقلية وعلى أخيه وبعض رجاله فوجهوهم مفيدين إلى أفريقيا. وأجتمع أهل البلد على أبي العباس بن علي، فولوه على أنفسهم. وفي سنة 274 كان وصول أحمد بن عمر بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب المعروف بحبشي. وفيها توفي أحمد بن حدير بإفريقيا، وله سماع من سحنون.
وفي سنة 275 كان لأهل صقلية على المشركين صولة، فقتل فيها من المشركين أكثر من سبعة آلاف وغرق نحو من خمسة آلف، حتى أخلى الروم كثير من المدن والحصون التي تجاور المسلمون. ووصلت سرايا المسلمين إلى الأرض الكبيرة فسبت وانصرفت.
وكانت بإفريقيا هيجة تعرف بثورة الدراهم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ثورة الدراهم على إبراهيم بن أحمد
وذلك أن إبراهيم بن أحمد ضرب الدراهم الصحاح، وقطع ما كان يتعامل به من القطع. فأنكرت ذلك العمة وغلقوا الحوانيت، وتألفوا، وصاروا إلى رقادة، وصاحوا على إبراهيم، فحبسهم في الجامع. وتصل ذلك بأهل القيروان فخرجوا إلى الباب وأظهروا المدافع. فوجه إليهم إبراهيم بن أحمد وزيره أبا عبد الله بن أبي إسحاق فرموه بالحجارة وسبوه. فانصرف إلى السلطان إبراهيم بن أحمد، فأعلمه بذلك. فركب إبراهيم إلى القيروان، ومعه حاجبه نصر بن
(1/120)
________________________________________
الصمصامة في جماعة من الجند، فناصبه أهل القيروان القتال. فتقدم إبراهيم بن أحمد إلى المصلى، فنزل وجلس وكف أصحابه عن قتاله. فلما اطمأن به مجلسه، وهدأ الناس، خرج إليه الفقيه الزاهد أبو جعفر أحمد بن مغيث، فمان بينهما كلام كثير. ودخل أبو عبد الله بن أبي إسحاق الوزير مدينة القيروان مع أحمد بن مغيث فشق صماطها وسكن أهلها. فرجع إبراهيم بن أحمد إلى رقاده، وأطلق المحبوسين بالجامع. وانقطعت النقود والقطع من أفريقيا إلى اليوم، وضرب إبراهيم بن أحمد دينارا ودرهما وسماها العاشرية، في كل دينار منها عشرة دراهم.
وفيها، عزل عبد الله بن أحمد بن طالب بن سفيان عن قضاء أفريقيا وحبسهة، ثم أرسل إليه بطعام مسموم وأكله في الحبس، فمات من فوره في رجب، واستقضى إبراهيم بن أحمد محمد بن عبدون بن أبي ثور، وكان جده طحانا، وكان يكتب أسمه: محمد بن عبد الله الرعيني.
وفي سنة 276 كان الجهاد بصقلية في غزوة سوادة بن محمد إلى طرمين، فحاصرها. وفيها حبس إبراهيم بن أحمد كاتبه محمد بن حيون المعروف بابن البريدي فكتب إليه من السجن (بسيط) :
هبني أسأت فأين العفو والكرم
إذ قادني نحوك الإذعان والندم
يا خير من مدت الأيدي إليه أما
ترثي لصب نهاه عبدك القلم
بالغت في السخط فأصفح صفحا مقتدرا
أن الملوك إذا ما استرحموا رحموا
(1/121)
________________________________________
قال: فلما قرا إبراهيم بن أحمد أبياته، قال: (يكتب إلي: (هبني أسأت!) وهو قد أساء! أما إنه لو قال (وافر) :
ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرم الكاتبينا
لعفوت عنك!) ثم أمر - قبحه الله - به، فجعل في تابوت حتى مات - رحمه الله تعالى! - 277 قتل إبراهيم بن أحمد حاجبه نصر بن الصمصامة بان ضربه خمسمائة صوت، فلم ينطق بكلمة ولا تحرك من موضعه ثم أمر بضرب عنقه. فقال لنن حوله (لا تظنوا أني أجزع من الموت!) ووددهم إنه يفتح يده ويغلقها ثلاث مرات بعد ضرب عنقه ففعل، فأخبر إبراهيم بذلك فتعجب وأمر بشق بطنه شقا لطيفا ويؤتي إليه بقلبه. فنظر منه إلى منظر عجيب وذلك أمه كان فأتى في كبده ووجت فيه شعيرات نابت في أكثر أجزائه.
وفي سنة 278 كانت ولاية أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب للمظالم، وولاية محمد بن الفضل صقلية، وعرض ديوان الخراج على سوادة النصراني على أن يسلم، فقال: (ما كنت لأدع ديني على رياسة أنالها!) فقطع بنصفين وصلب.
وفي سنة 279 كانت ولاية محمد بن الفضل صقلية. ودخل حضرة بلرم لليلتين خلتا من صفر.
وفيها، قتل إبراهيم بن أحمد من أهل أفريقية من قتل بطرا وشهوة فممن قتل في هذه السنة: إسحاق بن عمران المتطبب المعروف بسم ساعة؛ قتله وصلبه، ومنهم حلجبه فتح، ضربه بالسياط حتى مات. وقتل فيها جميع فتيانه؛ وسبب ذلك إنه كان كثير الإصغاء إلى قول المنجمين والكهنة، وكانوا قالوا له إنه يقتله رجل ناقص العقل، وانه يمكن أن يكون فتى، فكان إبراهيم، إذا
(1/122)
________________________________________
رأى أحد من فتيانه، فيه حركة ونشاط وجدة، يتقلد سيفا، قال: (هذا هو صاحبي!) فلما قتل منهم جماعة، وقع بقلبه إنه قد استفسد إليهم فضمه الحذر منهم إلى قتل جميعهم، فقتلهم في هذا العام، واستخدم عوضا عنهم السودان. ثم عرض لهم منه ما عرض للفتيان الصقالبة: فقتل السودان أجمعين.
وفي سنة 280 كان الإيقاع برجال بلزمه، وقصتهم ان إبراهيم بن احمد ابن الأغلب كان قد حاربهم وأستقدم منهم إلى مدينة رقادة نحو من سبعمائة رجل من ابطالهم، فأنزلهم ووسع عليهم، وبنى لهم دارا كبيرة تشمل على دور ترجع إلى باب واحد، وأسكنهم فيها. فلما سكنوا واطمأنوا، جمع ثقات رجاله لأخذ أرزاقهم؛ ثم أمرهم بمصابحة ابنه عبد الله لما أمره به. فلما اجتمعوا إليه ركب إلى دار البلزميين في الجند، فقتلهم عن أخرهم، بعد أن دافعوا عن أنفسهم إلى وقت العصر. وكان ذلك من أسباب انقطاع دولة بني الأغلب، إذ كان أهل بلرمة في نحو ألف رجل من أبناء العرب والجند الداخلين إلى أفريقية عند افتتاحها وبعده، وكان أكثرهم من قيس، وكانوا يذلون كتامة. فلما قتلهم إبراهيم، استطالت كثامة، ووجدت السبيل للقيام مع الشيعي على بن الأغلب.
وفيها، كان تمنع البلاد ومخالفتها على السلطان إبراهيم بن أحمد، وانتزاء من انتزى عليه. وذلك أن أهل تونس والجزيرة والأربس وباجة وقمودة خالفوا عليه وقدموا على أنفسهم رجالا من الجند وغيرهم، لأن السلطان إبراهيم بن الأغلب أخذ عبيدهم وخيلهم، وجار عليهم، فصارت أفريقية على نار موقدة، ولم يبق يده من أعمال إلا الساحل والشرق إلى طرابلس. فحفر حفيرا حوالي رقادة، ونصب عليها أبواب حديد، وجمع إلى نفسه ثقاته، وقرب السودان من قصره، وقد كان جمع منهم خمسة آلاف أسود ز وفيها، وكانت وقائع انجلت عن فتح تونس عندة، قمودة تحركوا لقتال إبراهيم بن الأغلب؛ فأخرج إليهم ميمونا الحبشي. فقاتلهم حتى
(1/123)
________________________________________
انهزموا، وقتل جماعة منهم، ثم فعل ذلك أهل تونس، فهزمهم ميمون أيضا، وهزم أهل الجزيرة وصطفورة، وقتل منهم كثيرا، حتى سيق القتلى في العجل إلى القيروان. ثم دخلت تونس بالسيف، لعشر بقين من ذي الحجة، فنهبت الأموال وسبيت الذرية، واستحلت الفروج. ومما كان بأفريقية في هذا العام، دخول أبي عبد الله، داعية الشيعة أفريقية، ونزوله بكتامه منها. فلنذكر الآن مبتدأ أمرا مختصرا، إلى أن استقل بالملك. ثم نرجع ما كنا بصدده.

ابتداء الدولة العبيدية الشيعية
قال الوراق: لم تزل الشيعة منذ مات على ابن أبي طالب - رضي الله عنه - تدعو إلى إمام معصوم، يقوم بالحق، على زعمهم؛ فترسل دعاة إلى سائر النواحي، فلا ينجح لهم سعي. ثم تفاوضوا وتراسلوا على أن يرسلوا داعيا إلى المغرب، يدعو الناس إلى التدين بحب الله البيت، وتكاتبوا من سائر الأفاق. فاختاروا منهم رجلا ذا فهم، وفصاحة وجدال، ومعرفة، يسمى أبا عبد الله الصنعاني، وجمعوا له مالا يتقوى به على سفره. فسار أبو عبد الله هذا إلى موسم الحج ليجتمع به مع من يحج تلك السنة من أهل المغرب، ويذوق أخلاقهم، ويطلع على مذاهبهم، ويتحيل على بيل الملك بضعيف الحيل. فسبحان مقدرة المقدورة، ومحكم الأمور كيف يشاء لا إله إلا هو فلما وصل للموسم، لا للحج لأن الحج ليس من مذهبهم الفاسد، بل تكلف حضوره ليتسبب في مراده، فرأى في الموسم قوما من أهل المغرب، فلصق بهم وخالطهم. وكانوا نحو عشرة رجال من قبيلة كتامة، ملتفين على شيخ منهم. فسألهم عن بلادهم، فأخبروه بصفتها، وسألهم عن مذهبهم، فصدقوه عنه. فتكلم أبو عبد الله الداعي في المذاهب؛ فوجد الشيخ يميل في مذهبه إلى مذهب الأباضية النكارة، فدخل
(1/124)
________________________________________
عليه من هذه الثملة ولم يزل يستدرجهم ويخلبهم بما أوتي من فضل اللسان والعلم بالجدل إلى أن سلبهم عقولهم بسحر بيانه. فلما حان رجوعهم إلى بلادهم سألوه عن أمره وشأنه فقال لهم (أنا رجل من أهل العراق وكنت أخدم السلطان ثم رأيت أن خدمته ليست من أفعال البر فتركتها وصرت أطلب المعيشة من المال الحلال فلما أر لذلك وجها ألا تعليم القرآن للصبيان، فسألت أين يأتي ذلك تأتيا حسنا، فذكر لي بلاد مصر.) (ونحن سائرون إلى مصر وهي طريقنا. فكن في صحبتنا إليها!) ورغبوا منه في ذلك فصحبهم في الطريق. فكان يحدثهم ويميل بهم إلى مذهبه ويلقي إليهم الشيء بعد الشيء إلى أن أشربت قلوبهم محبته فرغبوا منه أن يسر إلى بلادهم ليعلم صبيانهم. فاعتذر لهم بعد الشقة وقال: (أن وجت بمصر حاجتي أقمت بها وألا فربما أصحبكم إلى القيروان.) فلما وصلوا مصر غاب عنهم كأنه يطلب بغيته. ثم أجتمع بهم وسألوه فقال لهم: (لم أجد في هذه البلاد ما أريد.) فرغبوه أن يصحبهم فأنعم لهم بذلك. فكانوا في صحبته حتى وصلوا إلى القيروان فرادوه على أن يصل معهم إلى البلاد وضمنوا لهم ما أراد من تعليم الصبيان فقال لهم (لابد لي المقام بالقيروان حتى أطلب فيها حاجتي. فلما اتفق لي فيها غرضي وإلا نهضت إليكم.) وكان شيخهم أحرصهم عليه وأكرمهم له، فوصف له منزله وموضعه من قبيلة كتامة، فأقام بالقيروان يتعرف أخبار القبائل حتى صح عنده أن ليس في قبائل أفريقية أكثر عددا ولا أشد شوكة ولا أصعب مراما على السلطان، من كتامة.
فلما تقرر ذلك عده، نهض نحو صاحبه الشيخ الكتامي، فاشترى بغلة شهباء ودخل الطريق مع الفقة حتى قرب من موضع الشيخ صاحبه، فعدل إليه، ومر في الطريق بأندر، والبقر فيه تدرس الزرع ورجل كهل من أهل كتامة جالس فيه مع ابنه، فقرب منهما، وسلم عليهما. فقاما إليه ورحبا به، ورغبا منه في النزول
(1/125)
________________________________________
عندهما، فأجابهما إلى ذلك، فأنزلوه وأكرموه. فقال الداعي للرجل: (ما اسم ولدك هذا؟) قال: ما اسمك أنت؟ قال: مُعارِك. فقال في نفسه: تم أمرنا أن شاء الله، لكن بعد مَعارك. ثم أراد الداعي الانصراف، فصرفوه مع امرأة نتدله على الطريق، لأن الحرب كانت بينهم وبين بني عمهم. فسار حتى نزل في منزل من منازل كتامة. فأتى المسجد، وفيه معلم يعلم الصبيان. فقام إليه المعلم وسلم عليه، وهو راكب على بغلته الشهباء فجعل المعلم يطيل النظر إليه، فاستراب لذلك أبو عبد الله، ونزل عن الدابة ودخل المسجد. ثم دعا المعلم فقال له: لقد رأيتك تنظر إلي كثيرا وإلى البغلة. فقال له: ذلك لسبب أنا أقوله لك. وذلك إنه كان فيهما تقدم رجل من كتامة كاهن، يقال له فيلق، وكان إذ رأى تفاتنهم يقول لهم: إنما ترون الحرب إذا جاءكم الرجل الشرقي صاحب البغلة الشهباء. فلما رأيتك، تذكرت قوله. فلما وقر ذلك في سمعه استبشر. وكان ذلك والذي قبله من الفال تقوية له على أمره، وزيادة إقدام، لولا هو لم يقدر أن يتجاسر على شيء منه. فسبحان مسبب الأسباب.
فسار عبد الله الداعي حتى وافى منزل الشيخ صاحبه الكتامي، فقصد إلى المسجد ونزل به، وفيه معلم يعلم الصبيان وعنده أبناء الشيخ صاحبه فلما حان وقت الظهر أذن المعلم فسمع الشيخ الأذان فخرج إلى المسجد، فرأى عبد الله فسلم عليه، وعانقه فلما أراد المعلم الدخول للمحراب، أخره عنه الشيخ وقدّم عبد اله لداعي، فلما انقضت الصلاة قم معه إلى منزله وبالغ في إكرامه، وتحدث معه إلى أن حانت صلاة العصر، فخرج معه لصلاة. فاستراب معلم الصبيان بذلك فترك ذلك المسجد والتعليم فيه وانصرف. وصار عبد الله في ذلك المسجد يصلي ويعلم الصبيان. واجتهد
(1/126)
________________________________________
في تعليم الأولاد فجمعوا له أربعين دينارا، وزاد عليها الشيخ وأتى بها إلى أبي عبد الله، فدفعها له، واعتذر له من ذلك. فتركها أبو عبد الله أمامه ورد يده إلى كيس كان معه، وصب منه خمسمائة دينار أمام الشيخ وقال له: لست بمعلم الصبيان إنما الأمر ما أخبرك به فاسمع إنما نحن أنصار أهل البيت وقد جاءت الرواية فيكم يا أهل كتامة! إنكم أنصارنا، والمقيمون لدولتنا، وإن الله يظهر بكم دينه، ويعز بكم أهل البيت! وإنه سيكون غمام منهم أنتم أنصاره والباذلون مهجتهم دونه، وإن اله يستفتح بكم الدنيا كلها ويكون لكم أجركم مضاعفا. فيجتمع لكم خير الدنيا والآخرة!. فقال له: الشيخ: أنا أرغب فيما رغبتني فيه وأبذل فيه مهجتي ومالي ومن اتبعني وأنا أطوع إليك من يدك: فمر بما شئت أمتثله!. فقال له: ادع لخاصة من بني عمك الأقرب فالأقرب. فقال: نعم. فنظر الشيخ فيما قاله، وبث دعوته في أقاربه ومن يختص به.
وجاء شهر رمضان. فقال أبو عبد اله للشيخ: إن رمضان قد جاء ومذهبنا أن لا تصلى التراويح لأنها ليست من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما سنها عمر ونحن نطوّل القراءة في صلاة العشاء الأخيرة، ونقرأ بالسور الطوال، فيكون ذلك عوضا عن التراويح. فقال له الشيخ: أنا طائع لك فافعل ما تريده. وبلغ خبر هذه الصلاة ولمع من أخبار هذا لداعي إلى بعض من اتصل بمنزل الشيخ وبأخيه. فسار أخو الشيخ إليه وقال له: ما لك ولهذا المشرقي الذي أفسد دينك. وغيّر مذهبك؟. فلما فرغ من كلامه قال له الشيخ: أنا أدعوك للأمر الذي دخلت فيه، فأما أن تتقلد ما تقلدته وأما أن لا تلقاني بذم من قد بلوت خيره وفضله ودينه!. فانصرف عنه أخوه مغضبا. وانفرد الشيخ مع سائر الجماعة، فوصف لهم أبا عبد اله بكل فضيلة حتى تمكنت محبته في قربهم، ثم أخرجه إليهم وقال له: كلمهم يا أبا عبد
(1/127)
________________________________________
الله فكلمهم بلسانه وقال لهم: أنتم أنصار أهل البيت وشيعته! حتى خلب عقولهم بحلاوة لفظه. فلم يبرحوا حتى دخلوا في دعوته.
ثم أن أخا الشيخ توجه إليه، يفخر عليه بمعلم أولاده، ويدعي إنه أعلم من أبي عبد الله ويطلب مناظرتهما. فتواعدوا لذلك. ولنا حان الموعد جاء أخو الشيخ وأبنائه، وبلغ أخاه مجيئه، فأتى بجماعة منت بني عمه ممن دخل في مذهبه وقال لهم: إذا نحن اجتمعنا، اضربوا أنتم على قيطون أخي كأنكم أعدائه! وأمر جماعة أخرى، فكمنت له في طريقه. فبينما أخو الشيخ مع معلمه وأولاده، إذ صرخت صارخة من نحو قيطونة، فأسرع يركض إلى ناحيته، فخرج عليه الكمين، فخبطوه بأسيافهم، وتركوه عقيرا. وبلغ الشيخ خبر قتل أخيه، فبادر كأنه لا علم عنده من ذلك، وجاء بنو عمه يعزونه في أخيه، فذبحت البقر، وصنع طعاما لبني عمه ونعى لهم أخاه، واحتال على قوم من بني عمه وأخذ عليهم العهود والمواثيق بطاعة الداعي فاجتمع له منهم خلق كثير.
وأقام هذا الشيخ في حرب مع قومه وبني عمه مدة من سبعة أعوام، إلى أن وافاه أجله. فلما حضرته الوفاة، جمع بني عمه وقرابته، وقال لهم: أوصيكم بهذا الرجل ألا تختلفوا عليه! وأوصى عبد اله على أولاده، وقضى نحبه. فالتزمت كتامة الطاعة لأبي عبد الله ودخلت قبائل كثيرة في دعوته. فصير لهم ديوانا، وألزمهم العسكرية، وقال لهم: أن لا أدعوكم لنفسي، وإنما أدعوكم لطاعة الإمام المعصوم من أهل البيت، الذي صفته كذا وكذا. ووصف لهم من كراماته ما تنكره العقول. فكانت تصح عندهم، ويقول لهم: هو صاحب هذا الأمر، وأنا منصرف من بين يديه إذا ظهر! يعني عبيد الله. ولم يكن رآه قط، وإنما يسمع من شيوخ الشيعة، وكان يعتقد ذلك اعتقادا
(1/128)
________________________________________
صحيحا لا مرية فيه، إلى أن صفا له أمر البربر، فنازل الحواضر وهزم ملك أفريقية وانتزعها من يديه.
وفى سنة 281، أمر إبراهيم ابن الأغلب صاحب أفريقية ميمونا الحبشي أن يسير إلى تونس، فيقتل بها جماعة من بني تميم وغيرهم، فقتلوا وصلبوا على بابها. فوفد أكابر أهل تونس مع ميمون الحبشي، فكسا السلطان ميمونا الخزّ والوشي والديباج، وطوقه بالذهب، وحماه على فرس، وصرفه إلى تونس من غده. وفيها خرج السلطان إبراهيم بن الأغلب إلى تونس، لثمان خلون من رجب، فاستوطنها.
وفي سنة 282، انعقد الصلح بين أهل صقلية والروم لأربعين شهرا على إخراج ألف أسير من المسلمين، وعلى أن تكون عندهم رهائن الإسلام في كل ثلاثة اشهر من العرب وثلاثة من البربر وفيها قدم إبراهيم بن الأغلب بنيه على بلاد أفريقية.
وفي سنة 283، رجع إبراهيم بن أحمد من تونس إلى رقادة. وخرج أبو منصور أحمد بن إبراهيم إلى طرابلس. وخرج أبو بحر بن أدهم إلى مصر. وفيها كانت وقعة نفوسة، وذلك إن إبراهيم بن أحمد اعترضته نفوسة بين قابس وطرابلس ومنعته الجواز، وكانوا في زهاء عشرين ألف رجل لا فارس معهم فناصبهم الحرب وقاتلوهم قتالا شديدا حتى هزموهم وقتلوا أكثرهم. ثم تمادى إلى مدينة طرابلس، فقتلوا بها أبو العباس محمد بن زيادة الله بن الأغلب وكان أديبا ظريفا، له تواليف، وسبب قتله أن المعتضد بالله العباسي كتب إلى إبراهيم بن أحمد يعنفه على جوره وسوء فعله بأهل تونس ويقول له:: إن انتهيت عن أخلاقك هذه، وإلا فسلم العمل الذي بيدك لابن عمك محمد بن زيادة الله! ثم نهض من طرابلس إلى تاورغا: فقتل بها خمسة عشر رجلا، وأمر بطبخ رؤوسهم مظهرا إنه يريد أكلها، هو ومن معه من
(1/129)
________________________________________
رجاله فارتاع أهل العسكر منه، وقالوا: (قد خولط) فانفض الناس عنه فلنا رأى ذلك، خشي أن يبقى وحده. فرجع إلى تونس فجعل عقوبة من انفض عنه غرم ثلاثين دينارا، فسمي غَرْم الهاربين.
وفي سنة 284، كانت وقعة بنفوسة لأبي العباس بن إبراهيم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم نحو ثلاثمائة. فلما وصل بهم إلى والده إبراهيم بن أحمد دعا بهم. فقُرِّبَ إليه الشيخ منهم، فقال له إبراهيم: أتعرف عليّ بن أبي طالب؟ فقال له: لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك! فذبح إبراهيم وشق عن قلبه، وأخرجه بيده، وأمر أن يفعل ببقية الأسرى كذلك، حتى أتى على أخرهم. ونظمت قلوبهم في حبال، ونصبت على باب تونس.

قصة ابن الأغلب مع الشيخ الصالح أبي الأحوص
وذلك إن أبا الأحوص أحمد بن عبد اله المكفوف المتعبد، من أهل سوسة كان زاهدا ورعا. فلما أكثر إبراهيم بن أحمد الجور والقتل، دعا برجل من لأهل سوسة، وأملى عليه رسالة إلى إبراهيم، كان في فصل منها: يا فاسق! يا جائر! يا خائن! قد حدت عن شرائع الإسلام! وعن قريب تعاين مقعدك من جهنم، وسترد فتعلم! وبعث به إليه فلما قرأه، غضب وبعث إلى أبي الأحوص من قال له: عذرناك لفضلك ودينك! ولكن ابعث إلي الذي كتب الكتاب. وبالله لئن لم تفعل، لأقتلن فيه من أهل سوسة كذا وكذا، ويكون إثم ذلك في عنقك! فقال أبو الأحوص للرسول:: قال له لئن قتلت ألفا لا يكون إثمهم إلا عليك! ولو عملت ما عملت ما أعلمتك بالرجل. فتب إلى خالقك، وأرجع عن جورك! فأمسكه الله عنه، ومات أبو الأحوص في هذه السنة.
وفي سنة 275، كانت فتنة بصقلية، بين عربها وبربرها، وفي خلال ذلك،
(1/130)
________________________________________
وردت كتب ابن الأغلب يدعوهم إلى الرجوع للطاعة، ويؤمنهم أجمعين، حاشى أبا الحسن بن يزيد وولديه الحضرمي، فتقبض عليه وبعث بهم إلى لأبن الأغلب فأما أبو الحسن فإنه تناول سما فمات من ساعته وصلبت جثته وقتل ولداه. وجعل إبراهيم من يضاحك الحضرمي ويهازله، فقال له: ليس هذا وقت هزل! وأمر به فقتل بالمقارع بين يديه.
وفي سنة 286، سخط إبراهيم ابن الأغلب على جماعة من فتيانه وقتلهم. وفيها كانت وقعة أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وبين بني بلطيط ببسكرة، ففرق جموعهم وقتل عددا كثيرا منهم وأصلح ما كان التاث هناك.
وفي سنة 287، كانت بصقلية ملحمة كبيرة، وذلك إن أبا العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد أخرجه أبوه بالأسطول مصلحا لها، فأسرع إلى بلرم يؤمن أهلها. فأتاه قاضيا في جماعة من أهلها، فحسبهم عند نفسه وصرف القاضي. ثم وجه إليهم ثمانية مشايخ من أهل أفريقية، فحسبوهم مكافأة افعله في مشايخهم. ثم زحفوا إليه وحاربوه فانهزموا وقتل منهم عدد كثير ودقت لهم سفن. وتمادت هزيمتهم إلى بلرم. ثم زحف إليهم، فحاربهم على باب بلرم، وقتل منهم عددا كثيرا، وطلبوه بالأمان فأمنهم. ودخلها لعشر بقين من رمضان من السنة.
وفي سنة 288، أخرج إبراهيم بن أحمد ولده أبا عبد الله في جيش كثير إلى الزاب. وفيه أغزى أبو العباس صاحب صقلية، فدخل مدينة رية عنوة وغنم فيها غنائم كثيرة واستأمنت له حصون وأعطوه الجزية.
وفي سنة 289، أظهر صاحب أفريقية إبراهيم بن احمد التوبة لنا استقام أمر أبي عبد الله الداعي بكتامة. فأراد إبراهيم بن أحمد أن يرضي العامة ويستميل قلوب الخاصة بفعله، فرد المظالم وأسقط القبالات، وأخذ العُشُر طعاما، ونرك لأهل الضياع خراج السنة، وسماها سنة العدل،
(1/131)
________________________________________
وأعتق مماليكه، وأعطى فقهاء القيروان ووجوه أهلها أموالا عظيمة ليفرقوها على الضعفاء والمساكين فاستوكلت وأعطيت من لا يستحقها وأنفقت في اللذات. وصرفت في الشهوات. وقدِم ولده أبو العباس من صقلية مستدعي فأسلم إليه أبوه الملك، فولي أبو العباس على الكور من أحب.

أخبار إبراهيم بن أحمد على الجملة ووفاته
كان مولده يوم الأضحى سنة 261، وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشر ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة المؤرخة بأرض الروم وسيق ميتا إلى جزيرة صقلية، فدفن بها بعد ثلاثة وأربعين يوما من موته. وكان عمره اثنين وخمسين سنة ومدة ولايته ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر واثنتي عشرة يوما. وأقام في أول ولايته سبعة أعوام على ما كان أسلافه من حسن السيرة وحميد الأفعال، ثم تغيرت أحواله، وأخذ في جمع الأموال. ثم صار في كل سنة يزداد تغيرا وسوء حال. ثم اشتد نكاده، فأخذ في قتل أصحابه وحجابه حتى إنه قتل ابنه المكنى بأبي الأغلب، وقتل بناته وأتي بأمور لم يأت بها أحد غيره. وكان كثير الملل، شديد الحسد. وكانت له في بدء أمره سيرة حسنة، وأفعال محمودة، ثم غلب عليه خلط سوداوي، فتغير وساءت أخلاقه كما ذكرنا. فقيل إنه افتقد منديلا صغيرا كان يمسح به فمه، وكان سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم له، فقتل بسبه ثلاثمائة خادم. وكان سبب قتله لولده ظن منه به، فضربت رقبته بين يديه صبرا. وقتل أخزته ثمانية: ضربت أعناقهم بين يديه. وكانت أمه إذا ولدت له ابنة أخفتها وربتها، لئلا يقتلها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية، كأنهن البدور، فقالت له
(1/132)
________________________________________
يوما وقد رأت منه رقة: يا سيدي قد ربيت لك وصائف ملاحا، وأحب أن تراهن. قال: نعم. فلما رآهن قالت له: هذه بنتك من فلانة وهذه بنتك من فلانة. حتى عدتهن. فلنا خرج من عند أمه قال لخادم له أسود: امض إليهن وجئني برؤوسهن. فوقف اسيتعضا ما لذلك. فقال له: أمض وإلا قدمتك قبلهن! فلما دخل على أمه، كبر ذلك عليها، وعظم في قلبها وقالت له: راجعه! فقال لها: لا سبيل إلى ذلك! فقتلهن وأخذ برؤوسهن، وجاء بها إليه معلقة بشعورهن، فطرحها بين يديه - قبحه الله - وأدخل كثيرا من فتيانه الحمام وأغلق عليهم باب البيت السخن، فماتوا فيه جميعا. وأخباره كثيرة في هذا المعنى، ذكرها الرقيق وغيره.
وفي سنة 289 المذكورة استرجع أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد المال الذي أخرجه أبوه إلى الفقهاء ووجوه الناس ليفرقوه في المساكين، فرجع معظمه وقال لمشايخ أفريقية: اغتنمتم الفرصة في المال لمرض الأمير أبي ومغيبي عنه! وفيها شخص أبو عبد الله الأحول بن أبي العباس إلى مدينة طبنة إلى محاربة الشيعة. وفيها تساقطت النجوم لثمان بقين من ذي القعدة، فسميت السنة سنة النجوم، فلهذه السنة ثلاث أسماء سنة العدل وسنة الجور، (سماها العامة بذلك) وسنة النجوم وفي سنة 290، كتب أبو العباس بن إبراهيم إلى العمال ليأخذوا له البيعة لأن أباه فوض إليه وتخلى له عن الملك واشتغل بالعبادة، وذلك قبل أن يبلغه وفاة أبيه.

ولاية أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد وسيرته
وذلك إنه أظهر التقشف، والجلوس على الأرض، وإنصاف المظلوم وجالس أهل العلم وشاورهم. وكان لا يركب إلا إلى الجامع فقال قوم: إن
(1/133)
________________________________________
أهل النجوم أمروه بذلك! وقال قوم: به وسوسة! وكتب إلى ابنه زيادة الله يستحثه في القدوم عليه من صقلية لأنه وشي به إليه إنه يريد الانتزاء عليه. فقدم زيادة الله على أبيه لعشر بقين من جمادى الأخيرة، فقبض أبو العباس ما كان معه من الأموال والعدة، وحبس زيادة الله ي بيت داخل داره وحبس ناسا من أصحابه.

مقتل أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد
قتل يوم الأربعاء، ليوم بقى من شعبان فكانت ولايته بعد أبيه تسعة أشهر وأحد عشر يوما، ومن يوم أفضى إليه أبوه الأمر سنة واثنان وخمسون يوما. وكان قتله على ما أصفه: وذلك إنه خرج من الحمام إلى دار خالية واستلقى على سرير الخيزران، ووضع تحت رأسه سيفا ونام بعد أن خرج كل من كان في الدار غير فتيين كان يثق بهما فلما نام تآمرا على قتله وقالا: (هذه فرصة في تقديم اليد عند زيادة الله! فنطلقه من أسره ونستريح من أبيه ويلي مكانه ونفوز بالخطوة عنده.) فأستل السيف الذي كان تحت رأسه وضربه ضربة فقطع عنقه ولحيته حتى نفذ إلى السرير. ومضى الفت الأخر إلى ناحية من الدار فارتقى الحائط ونفذ إلى زيادة الله وأعلمه لأن أباه قتل فظن أنها مكيدة عليه فقال له (أن كنت صادقا فأريني الرأس فانطلق مسرعا ورمى إليه بالرأس فعند ذلك صدقه.

ولاية زيادة الله بن أبي العباس
عبد الله ابن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب
وذلك أن زيادة الله لما صح عنده قتل أبيه ورأى الرأس بين يديه
(1/134)
________________________________________
كسر قيوده وبادر خوفا أن يشعر بالأمر أحد من أعمامه فيسبقه. فلما صار زيادة الله في الدار أرسل في عبد الله بن الصائغ وفي أبي مسلم منصور بن إسماعيل، (وهما ممن كان سجن معه تهمة،) وفي عبد الله بن أبي طالب.
فلما دخلوا عليه قال لهم: (انظروا لي ولأنفسكم!) فقالوا له: (أرسل في أعمامك في لسان أبيك، وفي جودة الرجال والقواد.) فأرسل فيهم ودفع إليهم الصلات، وأخذ عليهم البيعة وأمر أن ينادي بتونس: (من كان هاهنا من الجند فليوافوا باب الأمير!) فركعوا بأسلحتهم فأمر بإدخالهم واحداً واحدا: يدخل الرجال فيبايع ويعطي خمسين مثقالا ففعل ذلك بالجودة.
أو كتب ذلك كتاب بيعته، فقرأ بتونس على منبر جامعها. وأخذت له البيعة على العامة بها. وكتب إلى العمال (بالبلاد) بأن يأخذوا له البيعة على من قبلهم. فلما قرب العشاء، نودي في الجند (اصبحوا للأخذ عطاياكم) ومطل عمومته بالانصراف (عنه) إلى الليل ثم أكبلهم أجمعين وأخلهم في شيني، ووكل بهم ثقاته، وأمرهم أن يمضوا بهم إلى جزيرة الكراث، وهي على اثني عشر ميلا من مدينة تونس، فضربت هناك رقابهم ليلة السبت لثلاث خلون لرمضان. وأصبح الجند والموالي من غد ذلك اليوم لأخذ الصّلات. فلما مضى صدر من النهار قيل لهم: انصرفوا فإنه يوم شغل! ثم أتوا من الغد فدفعوا. فلم يزالوا يترددون إلى أن بردت قلوبهم وملوا الاختلاف. ولما كمل الأمر لزيادة الله دعا بالفتيين الذين قتلا أباه. فأمر بهما فقطعت أيديهما وأرجلهما وصلبا على باب القيروان وباب الجزيرة من
(1/135)
________________________________________
أبواب تونس. وقتل أيضا زيادة الله عمه أبا الأغلب الزاهد الساكن يسوسه وقتل أخاه أبا عبد الله الأحول بعد أن استقدمه من طبنة.
وولى زيادة اله الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ، وولى أبا مسلم منصور بن إسماعيل ديوان الخراج! وولى قضاء القيروان حماس بن مروان ابن سماك الهمداني، وكان ورعا عالما بمذهب مالك وأصحابه، فعدل في أحكامه، ولم يكن يهيب أحدا في ولايته (ونظره. وفيها مات محمد بن مجمد بن الفرج البغدادي مولى بني هاشم، وكانت له عناية وطلب، ومات محمد بن ابن المنهال، وكانت له رياسة بأفريقية. وفيها قتل بن الفياد إذ اتهمه زيادة الله بأنه أشار على أبيه يؤدبه وحبسه. وفيها مات محمد بن سليمان وكان ثقة الحديث والرواية وسمع أبوه من سفيان بن عيينة) .
وفي هذه السنة، أسست مدينة وهران، على يديّ محمد بن أبي عون بن عبدون وجماعة من الأندلسيين.
(وفيها مات علي بن الهيثم المحدث، وإبراهيم بن عثمان القرشي التونسي وكانا من أهل الرواية والعلم.) وفي سنة 291 ولي محمد بن زيادة الله العهد، وأخذت البيعة له بذلك. (وفيها قتل هذيل النفطي، صاحب ديوان الخراج، وقتل ابن المنبت الملقب بالعجل، وفيها توفي محمد بن زرزور الفقيه الفارسي وكان على مذهب أبي حنيفة، وكان حافظا لبيبا، ونظر في النجوم والحساب، وخولط في عقله، فكان إذا قيل له: (يا زواغي) يهيج وينشط) وولي على بن أبي الفوارس
(1/136)
________________________________________
(التميمي) عمالة القيروان ثم عزل عنها، ووليها أحمد بن مسرور. وولى إبراهيم بن حبشي التميمي قتال أبي عبد الله الشيعي.
وفيها مات أبو جعفر أحمد بن داود الصواف، مولى ربيعة، وكان فاضلا من رجال سحنون وكان في حداثته يقول الشعر ثم تركه. وفيها خرج الحسن بن حاتم إلى العراق رسولا من عند زيادة الله بهادايا وطرف. وولى الحسن بن أبي العيش بن إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن (أبن الحسن) بن علي بن أبي طالب (رضه) عمل جراوة لوفاة أبيه أبي العيش. ورفع زيادة الله فقهاء إفريقيا إلى مدينة تونس مستظهرا بهم على أبي عبد الله الشيعي فاجتمعوا عند عبد الله بن الصائغ صاحب البريد، وتفاوضا في أمره وقال لهم ابن الصائغ (أن الأمير يقول لكم هذا الصنعاني الخارج علينا مع كتامه يعلن أب بكر وعمر رضنهما ويزعم أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ارتدوا ويسمى أصحابه: المؤمنين ومن يخالفه في مذهبه: الكافرين ويبيح دم من خالف رأيه) فأظهر الفقهاء لعنه والبراءة منه، وحرضوا الناس على قتله وأفوتهم بمجاهدته. (وأرس زيادة الله هدية للعابس فيها عشرة آلاف مقال في كل مثقال منها عشرة مثاقيل وكتب في كل مثقال هذين البيتين (كامل) :
يا سائرا نحو الخليفة قل له ... أن قد كفاك الله أمرك كله
بزيادة الله بن عبد الله سي ... ف الله من دون الخليفة سله
وفي سنة 239 قد أبو مسلم بن إسماعيل بن يونس لإصلاح
(1/137)
________________________________________
مدينة رقادة ورقع ما وهي فيها وإنشاء مركبا على ماجل القيروان وسمى الزلاج. وقدم زيادة الله في تونس في شهر ربيع الأخر فنزل على الماجل الكبير بالقيروان. وفيها ضرب الخال طوف بمدينة القيروان مخسبا على بغل بأكاف.
وفيها، ظهر النجم ذو الذوابة في الجدي بجه الشمال، بقرب بنات نعش وذلك في رجب. وقفيها كانت وقعة على عسكر السلطان وذلك أن أبى عبد الله (الداعي) ، لما علم بخروج العسكر إليه وكثرة من معه من وجوه الرجال وأمجاد العرب والموالي، وما معه من العدة وآلات الحرب، وأرتاع لذلك، وأخذ في حشد كتامة وكان حشده بغير ديوان إنما كان يكتب إلى رؤساء القبائل، فيحشدوا من يليهم، طاعة له ورغبة فيه. وكان لا يزيدهم في كتابه إليهم على أن يقول: (أن الوعد يوم كذا في موضع كذا) ويصرخ صاروخ بين يديه: (حرام على من تخلف) فلا يتخلف عنه أحد من كتامة، فأجتمع منهم ما لا يحصى كثرة. وتأهب لملاقاة إبراهيم بن حبشي، فالتقى مع إبراهيم بن حبشي أمير العسكر بكينونة فكانت بينهما ملحمة عظيمة تطاعنوا فيها بالرماح حتى تحطمت وتجادلوا بالسيوف حتى تقطعت، من أول النهار إلى أخره ثم انهزم إبراهيم ووقع القتل على أصحابه فذهب كثير منهم ونجى باقيهم في ظلمة الليل واشتغلت عنهم كتامة بالغنيمة والأموال والسلاح والسروج واللجم وضروب الأمتعة. وهي أول غنيمة أصابها الشيعي وأصحابه، فلبسوا أثواب الحرير، وتقلدوا السيوف الموحلات، وركبوا بسروج الفضة واللجم الملهبة، وكثر عندهم السلاح، فشرفت أنفسهم، وتحققت آمالهم، وصح عندهم ما كان الشيعي يعدهم به من النصر، ويبسط له الآمال فيه من التأييد لهم والنصر والغلبة لعدوهم. ووقع الوهي على أهل إفريقيا، وداخلهم الوهن والجزع
(1/138)
________________________________________
وكتب أبو عبد الله الداعي إلى عبيد الله الشيعي، وهو يومئذ بسجلماسة يعلموا بالفتح ووجه إليه بمال كثير مع قومه من أهل كتامة سرا.
وذكر رجل من بني هاشم بن عبد المطلب يسمى بأحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدون بن هاشم، كان مع عبيد الله بسجلمانة قال: (وصلني عبيد الله بمال كثير من دنانير لا توجد في ذلك البلد، فكثر تعجبي منها. فلما رأى مني ذلك، وعلم مني ما أوجبه ثقته بي واستنامته إلي. قرأ على كتاب أبي عبد الله بالفتحة، وأمرني بكتمان الخبر، وألا أبدل حالتي الأولى، ولا أغير حيلتي وملبسي؛ وقال لي: (عن علينا عيونا ورقابة؛ فلا يطلعوا منا على تبدل الحال، واستفادة مال) وفيها، مات أبو سهل فرات بن محمد العبدي الفقيه، سمع من سحنون، وعبد الله بن بي حسان، وموسى بن معاوية، وغيرهم بأفريقية، ورحل إلى المشرق فسمع كمن رؤساء أصحاب مالك وله لسان طويل ومعرفة بالأنساب، وكان أعلم الناس بالناي وأوقع الناس في الناس حتى نسب إلى الكذب. وفيها، ولد محمد بن يوسف الوراق بالقيروان.
وفي سنة 293، أخرج زيادة الله بن عبد الله بن الأغلب جيشا إلى الأربس لمحاربة أبي عبد الله الشيعي وولى عليهم مدلج بن زكرياء، وأحمد بن مسرور الخال، فخالفا عليه يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأخيرة، ووافيا بالعسكر مدينة القيروان يوم الخميس لثلث عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، فخرج ألهم الغوغاء من القيروان ودافعوهما. وكبا بمبلج فرسه، فقتل من ساعته وقل مع ابن بربر، وصلب على باب رقادة وقد كان زيادة
(1/139)
________________________________________
الله برز لقتال مدلج، حتى أتاه الخبر بقتل العامة له، فكتب بذلك فتحا قرى بالقيروان وأعمالها. وكان سبب خلافه على زيادة الله إنه حكم عليه في منية له كا تعرف بالجليدية، وسجل عليه فيها القاضي حماس بن مروان فأضغن ذلك، وجعل سببا إلى الخلاف عليه.
وفيها، ورد كتاب المكتفي بالله، يحث أهل أفريقيا على نصرة زيادة الله، ومحاربة الشيعي. وقرأ كتابه على الناس. وفيها، كسفت الشمس كلها، وصلى القاضي حماسة بن مروان بالناس صلاة الكسوف في الجامع. وفيها خرج زيادة الله بن عبد الله إلى مدينة الأربس فنزل بغريبها، واجتمعت إليه عساكر كثير، وأعطى بها الأموال جزافا بالمصحاف كيلا بلا وزن، لكل رجل صحفة توضع له في كسائه دنانير ويحمل على فرس، ثم يخرج الرجل، فلا يرى بعدها. فأنفق فيها أموال جسيمة وبذل مجهوده في الإحسان إلى الرجال. والشيعي مع ذلك ازداد ظهورا. ووجه عساكر إلى بدعاية، وشك مدين طبنة وشحنها بالرجال وقد عليها حاجبه أبا المقارع حسن بن أحمد بن نافذ مع سبيب بن أبي شداد القمودي وخفاجة العيسي، وكانوا من أهل البسالة، وأمرهم بشن الغارات على كتامة، فكان بينهم وقائع قتل فيها كثير من الفريقين.
وفيها، ولي قضاء مدينة رقادة محمد بن عبد الله المعروف بابن جيمال، وكان مولى لبني أمية، ولم يكن عنده علم ولا ورع وإنما عنيت به عبد الله بن الصائغ، وكانت فيه غفلة شديدة وضعف وقيل إنه باع نفسه في حداثته تين أيام الشدة، ثم أثبت بعد ذلك حريته، وأنطلق. وشهدت عنده بينه بأن امرأة وكلت ولدها، فقال لهم: (وكلته وهي بالغة؟) قالوا له (وهو أبنها! أصلحك الله! فكيف لا تكون بالغا!) وضحكوا عليه، فأستحي.
(1/140)
________________________________________
وفيها، قدم أبو يعقوب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي المتطبب على زيادة الله من المشرق مع أبي الحسن بن حارث فوصل إليه وهو بالاربس. قال إسحاق: (فدخلت على زيادة الله ساعة وصولي، ورأيت مجلسه قليل الوقار، كثير اللهو. فابتدأني بالكلام ابن حبيش المعروف باليوناني، فقال لي: (تقول أن الملوحة تحلو؟) فقلت له: (نعم) قال (وتقول أن الحلاوة تحلو؟) قلت له: (نعم) فقال لي: (فلحلاوة هي الملوحة والملوحة هي الحلاوة!) فقلت له: (أن الحلاوة تحلو بلطافة وملائمة، والملوحة تحلو بعنف وقوة) فتمادى على المكابرة في ذلك، حتى قلت له (تقول أنك حي والكلب حي؟) قال (نعم) قلت له (فأنت الكلب والكلب أنت) فضحك زيادة الله ضحكا شديدا قال: (فعلمت أن رغبتك في الهزل أكثر من رغبتك في الجد) .
وفي هذه السنة تغلب أبو عبد الله الداعي على مدينة بالرمة وعلى مدينة طبنة، ودخلهما بالأمان في أخر ذي الحجة وبها أبو المقارع حسن بن أحمد والى زيادة الله وعامله عليهما مع صاحبيه المذكورين قبل هذا. وكان بهما جباة على ضروب المغارم، فأتوه بما في أيديهم من الجباية، فقال لأحدهم (من أين جمعتم هذا المال؟) فقالوا له (من العشر) فقال عبد الله: (إنما العشر حبوب وهذا عين) ثم قال لقوم من ثقاة طبنة: (أذهبوا بهذا المال فليرد على كل رجل ما أخذ منه، وأعلموا الناس أنهم إمناء على ما يخرج الله لمن أرضهم، وسنة العشور معروفة في أخذه وتفرقته وعلى ما ينصه كتاب الله عز وجل) ثم قال لأخر (من أين هذا المال الذي بين يدك؟) قال: (جبيته من اليهود والنصارى جزية عن حول مضى لهم.) فقال (وكيف أخذته عينا، وإنما كان يأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الملأ ثمانية وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهما ومن الفقير أثنى عشر درهما!) فقال له: (أخذت العين عن الدراهم بالصرف الذي كان يأخذه عمر) فقال أبو عبد الله: (هذا مال طيب) ثم أمر أحد الدعاة بأن
(1/141)
________________________________________
يفرقه على أصحابه وقال لمن أتاه بمال الخرج: (هذا ما لا خير فيه ولا قابلة ولا خراج على المسلمين في أموالهم!) ثم أمر ثقاة أهل طبنة برده على أهله وقبض مال الصدقة من الإبل والبقر والغنم، بعد أن قيل له أنها قبضت الأنعام على الإنسان الواجبة في الصدقات، ثم بيعت وجمعت أثمانها. فرضي بذلك وجوزه. فلما نظر أهل طبنة إلى فعله، سروا به وجوا أن يستعمل فيهم الكتاب والسنة. وانتشر فعله في جميع نواحي إفريقيا فتاقت أنفسهم إليه، وكاتبوه ودخلوا في طاعته وبلغ ذلك زيادة الله فأغتنم به غما شديدا (وأخذ في حشد الرجال والاستكثار منهم) وأمر بلعنة الشيعي على المنابر.
(وفيها قدم زيادة الله بن الطبني من بغداد وفيها توفي أبو جعفر محمد بن الحسين المروزي بجزيرة صقلية وكان فقيها وأتهم بالكذب وتوفي فيها محمد بن المنيب الأزدي الفقيه، وكان مذهبه مذهب أهل العراق وكان من أهل الخير، وعرض عليه القضاء فلم يقبله. مات محمد بن نصر المتعبد وكانت له رواية، ومحمد بن أبي الحميد السوسي، وزيدان بن إسماعيل الأزدي وكانا في الثقات في العلم) .
وفي سنة 294، (خرج إبراهيم بن حبشي بن عمر من الأندلس بالعسكر لملاقاة أبي عبد الله الشيعي بمدينة طبنة في النصف من المحرم. وفيها عزل عبد الله ابن محمد بن مفرج المعروف بابن الشاعر عن قضاء قسطيلية، ورفع إلى زيادة الله وهو بالأربس، مخشبا، فأمر بضربه وقيده وحبس بحبس الأربس، وذلك أن وجود قسيلية رفعوا عليه إلى زيادة الله، تظلموا منه، وكتب إلى عامله بعزله وتخشيبه ورفعه إلى بابه فقدم الكتاب والعامل غائب، وتبادر بعض القوم الذين رفعوا عليه إلى مجلس القضاء الذي كان فيه فسبوه وهموا بالبسط إليه فأمر غلمانه بأخذهم وضربهم وقيدهم وحبسهم، ثم قدم القدم العامل
(1/142)
________________________________________
وقد نفذ فيهم كلما أحب، فأوثقه حديدا، وخشبه، ووجه إلى زيادة الله فضربه بالدرة وحبسه، وذلك للنصف من محرم.
وفيها، أنصرف زيادة الله من الأربس إلى رقادة، واستخلف على الجيش بالأربس إبراهيم بن أحمد بن أبي عقال. وبنى زيادة الله سور مدينة رقادة بالطوب والطوابي، والتزم التنزه على البحر وغيره، واتباع اللذات، ومنادمة العيارين والشطار والزمامرة والضراطين. وكان إذا فكر في زوال ملكه وغلبت عدوه على أكثر مواضع عمله، يقول لندمائه (املأ اأسقني! من القرن يكفيني!) وأشتد كلفه بغلام له يسمى بخطاب فكتب اسمه في سكة الدنانير والدراهم، ثم وجد عليه فحبسه وقيده، فغنت له جارية تستعطف على الخطاب (بسيط) :
يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقا فأن يد المعشوق فوق يدك
كم ذا التجلد والأحشاء خافقة ... أعيذ كفك أن تسطو على كبدك
فرض عن الخطاب وأعاده إلى منزلته. وكان إذا أظهر الغم بأمره الشيعي أخذوا له في التسلي فغنت جارية له يوم (كامل) :
أصبر لدهر نال م ... نك فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن مرة ... ولا الحزن دام ولا السرور
فقال لها (صدقتني!) وأمر لها بصلة.
وفيها، استعفى حماس بن مروان عن القضاء بالقيروان، فعوفي، وولي زيادة الله مكانه محمد بن جيمال، فلم يزل قاضيا إلى أن هرب زيادة الله. وفيه، دخل أبو عبد الله الشيعي مدينة بغاية بالأمان، في شعبا، فعظم غم زيادة الله بذلك، وأستشار ابن الصائغ في أمره، فقال له (ارحل إلى مصر سرا وأستخلف على إفريقيا قائدا تجعل إليه أمر العساكر، وتترك له الأموال) فنظر في ذلك، وأمر بشراء خمسمائة جمل لرحيله. ثم ظهر له خطأ هذا الرأي، وخشي قيام الناس عليه وثورتهم به، فأمسك. وشعر إبراهيم بن حبشي
(1/143)
________________________________________
ابن عمر بما كان هم زيادة الله من الهرب فتعرض له حتى أدخله قصر البحر وأراه ما زخرفه له فيه وقال: (يا سيدي! أين البنية من قصر جدك القديم الذي صبر فيه على الحصار أعوام كثيرة وقد أبغضه جل أهل بلده! وقام عليه رؤساء جنده، فبقى مقيما فيه وضابطا له، حتى أظهره الله عليهم، ومكنه منهم! فكيف بك وقد كثر مالك وأحبك رجالك؟ وأهل إفريقيا معك! وإنما خرج عليك شيخ لا يعرف مكانه في البربر وأنت في حصن منيع! والله يدفع عنك! فدفع ما يقال لك! فإنك الظافر بحول الله وقوته، إن شاء الله) فأصغى زيادة الله غالى قوله، وسر بما سمع منه وجعل يرسل الرجال والأموال إلى الأربس وهو أقصى ثغوره. فكانت خيل أبي عبد الله الشيعي تغير على الأربس من باغاية من الأربس. وفيها قدم حبشي وابن حجر وابن عباس من بلد الروم ومعهم رسول صاحب القسطنطينية. وكساهم زيادة الله وأنزل الرسول في الملعب بقرب رقادة وجمع الناس للمباهاة بهم فكان جمعا عظيما. وفيها ضرب القباب والأخبية حوالي مدينة رقادة وأخذ أهل مدينة القيروان بالعسس حولها والمبيت في الأخبية المضروبة جوارها. وجدد زيادة الله الحشد ورغب الناس بالأموال وفيها توفي محمد بن أبي الهيثم اللؤلؤي الفقيه، ولي قهرب الحجارة في شعبان.
وفي سنة 295، خرج زيادة الله إلى مدينة تونس في شهر محرم (ليحاول أموره فيها.) . (وفيها استسقى القاضي أبو العباس بن جيمال بالناس يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر. وفيها عزل ابن الوليد عن الصلاة وولى
(1/144)
________________________________________
مكانه ابن يزيد للنصف من شهر ربيع الأخر. وفيها توفي أبو الحسن بن حاتم الرسول إلى بغداد، في شوال. وفيها توفي أبو موسى عيسى بن مسكين القاضي فصلى عليه أبو جعفر أحمد بن خالد السهمي في قريته بالساحل. و (فيها) توفي (أبو عياش) أحمد بن موسى بن مخلد (الفقيه وكان يحمي إلى غافق، وكان من أصحاب سحنون بن سعيد) ، وكان زاهدا ورعا متعبدا فاضلا (وعالما بما فيه كتبه، كثير لحكاية، سمع منه بشر كثير من أهل القيروان، ودف بباب سلم. وفيها، مات سعيد بن إسحاق الفقيه، مولى كلب وكان من رجال سحنون بن سعيد، وسمع من جماعة من إفريقية وكان كثير الرباط والرواية والجمع للحديث، وكان مولده سنة 212) .
وفقي سنة 296، وصل خليل (أبي عبد الله الشيعي) (الداعي) إلى قسطيلية، وانهزم أبو مسلم منصور بن إسماعيل، (وشبيب بن أبي الصارم، وانقبضا) إلى مدينة توزر، وانبسطت الخيل (هنالك واحترقت القرى) وأفسدت ما مرت به من النعم. وكان أبو عبد الله قبل ذلك قد أمر أصحابه بالكف عن الغارات وألا يرموا مكانه، فأقاموا نحو شهرين لم تظهر له حركة، حتى قيل فيه نأنه مريض وقيل: بل مات. ولما وصل الخبر بانبساط جيوش أبي عبد الله إلى زيادة الله هالة وراعه، وارتجت الحضارة واضطربت أحوال الجند ويئسوا من البلد وخافوا على ذراريهم وأهاليهم السبي والاسترقاق: وجعل عبد الله بن الصائغ يقول لزيادة الله (هذا ما تضيع الشيخ السوء أبي مسلم ومن سوء نظره!) وكان ابن الصائغ كاتبا لأبي مسلم في أيام إبراهيم بن أحمد، ففسدت الحال بينهما، ولم يزل يرفع على أبي مسلم يومئذ حتى عزل. ثم لما دارت هذه الدائرة بقسطيلية، نسب ذلك ابن الصائغ إليه وأوقد زيادة الله عليه وأغراه به حتى كتب إلى شبيب بن أبي الصارم يأمره بضرب عنق أبي مسلم وصلبه يوما وليلة ثم يدفنه. وبعث إليه من ثقاته من يحضر تنفيذ ذلك فيه فلما وصل الكتاب إلى شبيب اغتنم ولم يجد
(1/145)
________________________________________
بلدا من التنفيذ فدفع الكتاب إلى أبي مسلم وهو مع يومئذ بتوزر وقال له: (عز على ما وردني فيك!) فلما قرأه أبو مسلم قال (أنا الله وأنا إليه راجعون! خدع الصبي الأحمق وذهب ملكه) ثم قبض بيده اليسرى على لحيته وصفع باليمنى قفا نفسه صفعات، وقال: (هذا جزاء من عصى الله وأطاع الآدميين، وسفك الدماء المحرمة! أما الله! ولو تركته ولم أشر عليه بقل عمومته وأخوته وشغلتهم بهم ما دار على من قبله ما دار!) ثم قال لشبيب (أمهلني أتوضأ وأصلي ركعتين أختم بهما عملي!) ففعل وصلى ودعا وبكى ثم قدم، فضربت عنقه وصلب ودفن في اليوم الثاني وذلك في النصف من صفر. وفيها توفي أبو العباس بن أبي خدش صاحب المظالم أيام ابن عبدون. وفيها مات أبو عقال بن خير الفقيه، وكان يذهب مذهب أهل العراق، وكتب لابن عبدون أيامه على القضاء.

ذكر خروج بن الأغلب من أفريقية
وفيها، زحف أبو عبد الله الشيعي إلى الأربس ونازلها، وبها إبراهيم بن أبي الأغلب في عساكر أفريقية وجمهور أجنادها، فقاتلها حتى أخذها عنوة ودخلها بالسيف لست بقين من جمادى الأخيرة. فهرب إبراهيم بن أبي الأغلب وإليها، ونجا في جماعة من القواد والجند. ولجأ أهل الأربس ومن كان اجتمع فيها من فلال العسكر جامعها. وركب بعض الناس بعضا وقتلهم الشيعي (لعنه الله) أجمعين حتى كانت الدماء تسيل من أبواب المسجد كما يسيل الماء من وابل الغيث. وقيل إنه قتل داخل المسجد
(1/146)
________________________________________
ثلاثين ألف رجل. وكان قتلهم من بعد الصلاة العصر إلى أخر الليل. فلما أصبح، وقد فرغ من القتل والنهى والسبي، نادى بالرحيل، وانصرف إلى مدينة باغاية، إذ خشي أن يحاشد عليه من أهل أفريقية.

هروب زيادة الله من رقادة
واتصل الخبر بزيادة الله في اليوم الثاني، وهو يوم الأحد لخميس بقين من جمادى الأخيرة، فسقط ما بيده، وعلم إنه خارج عن ملكه. وجعل ابن الصائغ يطفئ الخبر ويكذبه له، ويظهر أن الفتح كان لهم على الشيعي. وبرح على أبواب مدينة رقادة: (من أراد اللحاق وجزيل العطاء، للفارس عشرون دينارا وللراجل عشرة دنانير، فليلحق بقصره الأمير!) فلما سمع الناس ذلك بدر إليهم سوء الظن، وعلموا أن الدائرة كانت على أصحاب زيادة الله، وماجوا فيما بينهم. وجعلت الخاصة وأهل الخدمة يفرون من رقادة. فلما رأى ذلك زيادة الله، أخذ في شد الحمال بما خف من الجوهر والمال، وحرك خاصته للخروج معه. فلما كان وقت صلاة العتمة من ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأخير، ركب فرسه، وتقلد سيفه، وقدم الحمال فمر من بين يديه، هاربا أعلى عيون أهله وحرمه وولده. فأخذت جارية من جواريه عودا ووضعته على صدرها، وغنته على حمله معه، فقالت (منسرح) :
لم أنسن من الوداع موقفها ... وجفنها من دموعها غرق
قولها، والركاب سائرة: ... (تركنا سيدي وتنطلق
أستودع الله ظبية جزعت ... للبين والبين فيه لي حرق)
فدمعت عينا زيادة الله عند سماعها، وشغله سوء الموقف وضيق الحال عن حملها معه. وخرج عن مدينة رقادة متوجها إلى مصر في ثلث الليل الأول.
(1/147)
________________________________________
ومعه وجوه رجاله وفتيانه وعبيده، (وأخذ طريق الجادة) حتى لحق بمدينة إطرالبس. وكان عبد بن الصائغ يتقلد جميع أوامره (وينظر على أهل خدمته) فوطأ خزان الأموال على انقطاع ثلاثين حملا من المال، في كل حمل ستة عشر ألف مثقال؛ فواعدهم موضعا يجتمع فيه معهم؛ فأخطئوه في الليل، وخرجوا إلى مدينة سوسة؛ فقبض عليهم ابن الهمداني عاملها، وخزنها في قصر الرباط بسوسة، حتى صارت إلى الشيعة. وأصبح الناس من ليلة خروج زيادة الله هاربا إلى مدينة رقادة، فأنتهبوها وأخذوا من بقايا أموال بني الأغلب ومتاعهم وصنوف الآنية من الذهب والفضة وما لا يحيط به وصف. ورجع القوى يأخذ من الضعيف ما سبق إليه. والهارب أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الأغلب، المعروف بخزر ابن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي. وكانت ولايته بأفريقية خمس سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكانت إمارة بني الأغلب بأفريقية مائة سنة، وإحدى عشرة سنة ن وثلاثة أشهر.
ثم أن إبراهيم بن الأغلب، المنهزم من الأربس، أقبل إلى القيروان فيمن بقى معه من القواد. قفنزل بدار الإمارة. وبعث في وجوه الناس، وجعل يظهر عندهم عتب زيادة الله، ويأخذ في انتقاصه، وأنه أسند أمر المسلمين إلى من كان يسعى في زوال ملكه. وقال للناس: (أن كتامة مفسدون في الأرض ناصحون لله ولهدا الدين، وأمدوني بالرجال والأموال) وحضر صلاة الظهر؛ فسلم على رأس الإمارة؛ ثم أجتمع إليه الناس وقالوا له: (بلدنا لا يعرف الفتن، ونحن لا نقوم بالحرب؛ وأنت لم تستطع دفع كتامة بالعساكر والسلاح والمال! فكيف نقوى نحن على دفعهم بأموال؟) ثم صاح الناس به: (لا طاعة لك علينا، ولا بيعة في أعناقنا! فأخرج عنا!) فركب فرسه، وشهر سيفه ودف الفرس، ونجا هاربا حتى خرج من باب أبي ربيعة، ولحق بزيادة الله.
(1/148)
________________________________________
وركب عبد الله بن الصائغ في البحر يريد المشرق؛ فألقاه البحر بمدينة طرابلس، وبها زيادة الله. فأتى إليه به؛ فقربه وأدناه، وعاتبه في فراره عنه؛ فأعتذر إليه ابن الصائغ بما اخذ من الحيرة والخوف؛ فهم زيادة الله باستيحائه؛ فأشار إليه كل من معه من أهله وقواده بقتله؛ فأمر راشدا الأسود بضرب عبقه؛ فقتله. وكان يحكى علي بن إسحاق بن عمران المتطبب إن عبد الله بن الصائغ كان، إذا رأى راشدا الأسود قبل ذلك، أربد وجهه؛ وإذا ذكر له تنكر سروره، حتى يعرف ذلك كل من حضره. قال: فسألته يوما عن ذلك؛ فقال لي: (تحدثني نفسي أن ملك الموت يقدم علي في صورة راشد الأسود، عبد قبضه لروحي؛ فإذا رأيته، لم املك من البصر شيئاً)

ذكر دولة الشيعة
وبلغ أبا عبد الله الشيعي هروب زيادة الله. فتحرك من الأربس يريد القيروان. فهال الناس أمره، وخافوه على أنفسهم. وخرج إليه الفقهاء ووجوه الناس؛ فقطع بهم محبوب بن عبد ربه الهواري بوضع يعرف بحفص باروقس، بين مدينة جلولا وحمام السرادق؛ وذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأخير؛ فانصرفوا أقبح انصراف، وكتبوا إلى عبد الله، يذكرون ما دار عليهم، ويعنذرون بذلك إليه، ويسألونه ان يحد لهم موضعا يلقونه، فأجابهم: (موعدكم ساقية ممس يوم السبت.) وبعث أبو هبد الله غروية بن يوسف الملوسي بقطيع من الخيل لضبط مدينة رقادة، وتحصين ما أدرك بها من الأموال؛ فنزل عليها يوم الجمعة لانسلاخ جمادى الأخير؛ فألقى الناس بين داخل وخارج؛ فأمر الخارج ألا يعود، والداخل بالخروج فارغا. ولم يكن منه إلى الناس إلا خير. وفيها أقبل إلى مدينة رقادة في سبعة عساكر، وعدد من
(1/149)
________________________________________
فيها، على ما ذكر ثلاثمائة ألف بين فارس وراجل. فوصل إليهم يوم السبت غرة رجب؛ فخرج إليه أهل القيروان من الفقهاء والوجوه وجلة التجار؛ فالتقوا به على ساقية ممس، وأظهروا له الرغبة في دولته، وسألوه الأمان، فأمنه، (وصوب فعلهم) ، ووعدهم بالإحسان والعدل فيهم، وكان قد وعد قبل ذلك قواد كتامة ورجالها بأن يوكلهم القيروان ويسلط أيديهم فيها ويقطعهم جميع أموال أهلها. فلما سمعوا بأمنته للقوم، ساءهم ذلك وكلموه فيه وذكروه ما كان وعدهم به. فتلا عليهم: وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها) وقال لهم: (هي القيروان) فقلوا قوله وسلموا لأمره ثم تقدم بإنزال عساكره حوالي مدينة رقادة فدخلها وقارئ يقرأ بين يديه: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر " (إلى آخر) الآية ويقرأ: " كم تركوا من جنات وعيون " إلى آخر السورة. ونزل بالقصر المعروف بقصر الصحن وبعث غرويه بن يوسف إلى مدينة سوسة فأمن أهلها وأتاه بالثمانية والعشرين الحمل من المال التي كانت مخزونة بقصر الرباط المتقدم ذكرها وأمن من ألفى بالقيروان من بني الأغلب وقوادها الذين تخلفوا عن زيادة الله، وأمر بقتل السودان من موالي بني الأغلب وقتل إبراهيم بن بربر بن يعقوب التميمي المعروف بالقوس، فقتل خنقا إذ كانوا هموا بالوثوب عليه. وقال أبو عبد الله: (ما أمنت بأفريقية حتى قتلت القوس!) وبعث أبو عبد الله الشيعي إلى طرابلس، فأتى منها بأخيه أبو العباس المخطوم، وكان بها محبوسا، وبأبي جعفر الخزري، وبأمن عبيد الله الشيعي، وكانت هنالك مع الخزري، فقدموا عليه. وكان أبو العباس المخطوم عجولا، كثير الكلام، ضعيف العقل فأراد أن ينفى من القيروان
(1/150)
________________________________________
كل من يذهب من الفقهاء. مذهب أهل المدينة، فلم يجبه أخوه أبو عبد الله إلى ذلك. وولي أبو عبد الله الشيعي على مدينة القيروان الحسن بن أحمد بن علي بن كليب المعروف بابن أبي خنزير، وأمره بقتل من خرج ليلا أو شرب مسكرا، أو حمله أو وجد عنده. وولي على مدينة القصر القديم خلف بن أحمد بن علي بن كليب، أخاه ابن أبي خنزير، وأمره بمثل ذلك.
وأمره بأن تزداد في الأذان بعد (حي على الصلاة) (حي على خير العمل) ، وأسقط من أذان الفجر (الصلاة خير من النوم) وأمره بجمع ما انتهب من الأموال بمدينة رقادة، وضم عبيد زيادة الله ووقف جواريه وولي النظر في ذلك أحمد بن فروخ الطبين الأحدب. وولى على السكة أبي بكر الفيلسوف المعروف بابن القمودي، ونقش فيها: " الحمد لله رب العالمين " وسميت السيدية. وكان نقش خاتم أبي عبد الله: " فتوكل على الله أنك على الحق المبين " وفي الخاتم الذي يطبع به السجلات: " وتمت كلامات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " ووشم في أفخاذ الخيل: (الملك لله) وكتب في بنوده: " سيهزم الجمع ويولون الدبر " و " قل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا " وآيات كثير من القرآن في هذا المعنى. وأمر الصلاة على علي بن أبي طالب في الخطب بأثر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى فاطمة، والحسن والحسين وأظهر التشيع في علي وماذة من قدم عليه من أصحاب النبي - عليه السلام -.
وفيها، ولي أبو عبد الله على قضاء مدينة القيروان محمد بن عمر ابن يحيى بن عبد الأعلى المروزي من جند خراسان، يوم الخميس لأثنتا عشرة ليلة بقيت من شعبان، فقعد في الجامع وأمر بإسقاط صلاة الإشفاع في شهر رمضان وأجنح في ذلك على الفقهاء، وأنكر عليهم الاقتداء بفعل
(1/151)
________________________________________
عمر بن الخطاب في القيام، وتركهم الاقتداء بفعل علي بن أبي طالب في زيادة (حي على خير العمل) في الأذان، وقال لهم: (أعملوا بمذهب أهل البيت واتركوا الفضول) . فلما كان في أول يوم من شهر رمضان، أقبل المروزي إلى المسجد الجامع، فوجد في حائط المسجد في القبلة، وفي موضع جلوسه، مكتوبا: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " إلى أخر الآية. فلما رآه، سأل القوم هل رأوا من جلس في ذلك الموضع فقالوا: (لا) فأمر بموحه، وأنتقل عن الجلوس بذلك الموضع. ووقف يوم على المروزي رجل محمق خليع، والناس حوله، فقال له: (قد لطفت لنا - أصلح الله - في قطع قيام شهر رمضان فلو احتلت لنا في ترك صيامه، لكفيتنا مئونته كلها) فقال له المروزي: (أذهب عني يا ملعون) وأمر بدفعه. وأمر عبد الله الشيعي وجوه كتامة بدعوة الناس إلى مذهبهم من التفضيل لآل علي البراءة فدخل في ذلك معهم كثير من الناس فلذ لك سميت دعوته، لأتباعهم رجالا من (أهل) المشرق.

ذكر توجه الداعي إلى سجلمانة
واجتماعه بعبيد الله الشيعي بها
ونظر أبو عبد الله في إقامة الجيوش والاستعداد والغزو إلى سجلمانة. وكان بها عبيد الله الشيعي وابنه أبو القاسم محبوسين. وكان أبو عبد الله الداعي يدعو إلى عبيد الله الشيعي ويزعم إنه إلمام من آل علي. قلما كمل له ما أراد من جوشه وجهازه وعدده وآلات وسفره، أستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس وأبا زاكي تمام بن معارك الأجاني. ثم خرج من رقادة يوم الخميس من للنصف شهر رمضان في جموع كالدبي النتشر ومعه وجه رجاله وأهل دعوته وفيهم إبراهيم بن محمد الشيباني المعروف بأبي
(1/152)
________________________________________
اليسر الكاتب وزياد بن خلفون المتطبب مولى بن الأغلب. وغزا معه أحمد بن سيرين، الفقيه بمذهب أهل العراق، راجلا يرى إنه محتسب للثواب في طلب الأمام وبهذا السبب ولي قضاء مدين برقة بعد ذلك. فسار ابو عبد الله حتى حل بمدينة تيهرت، فخلها بالأمان وقتل بها من الرستمية يقظان بن أبي يقظان، وجماعة من أهل بيته. وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس وأبي زاكي خليفته برقادة؛ وطوفت بالقيروان، ونصبت على باب مدينة رقادة. وانقضت دولة بني رستم بتيهرت؛ وكان لها مائة وثلاثون سنة.
ثم ولي أبو عبد الله على تيهرت أبا حميد دواس بن صولات اللهيصي، وإبراهيم بن محمد اليماني بالهواري وكان يلقب السيد الصغير. ثم نهضة حتى احتل على مدينة سجلماسة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة. فأحاط بها في جموعه وجيوشه، وحاربها يوم الأحد لسبع خلون منه، ففتحها في هذا اليوم، وأخرج منها عبيد الله الشيعي وابنه أبا القاسم، وكانا محبوسين في غرفة عند مريم بنت مدرار. فلما بصر به عبد الله الشيعي ترجل له، وخضع بين يديه، وبكى من إفراط سروره به. ثم مشى أمامه راجلا حتى أنزله في الفازة، وسلم إليه الأمر، وقال لمن معه: (هذا هو مولاي ومولاكم! قد أنجز الله له وعده، وأعطاه حقه، وأظهر أمره!) وانتهب أبو عبد الله الشيعي ورجاله سجلماسة، وأحرقت. وهرب منها اليسع صاحبها في جماعة من بني عمه ليلا، فطلبه أبو عبد الله الشيعي، فلم يقدر عليه.
وفيها، مات إبراهيم بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، ودفن في داره بآرشقول. وفيها، ومات أبو عبد الرحمن بكر بن حمادة بن سهر بن أبي إسماعيل، وهو زناتي، في شوال بقلعة ابن حمة، بجوفي مدينة تيهرت، وبها كان مولده ومنشأه، وصلى عليه
(1/153)
________________________________________
موسى بن الفارس الفقيه، وهو يوم مات ابن ست وتسعين سنة، ورحل بكر إلى المشرق في سنة 217، وهو حدث السن، فسمع من الفقهاء وجلة العلماء وكان عالما بالحديث وتميز الرجال، وشاعر مفلقا ومدح المعتصم ووصله بصلات جزيلة، أجتمع بحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم من شعراء العراق وله أبيات إلى المعتصم يحرض فيها على دعبل وهي (طويل) :
أيهجو أمير المؤمنين ورهطه ... ويمشي على الأرض العريضة دعبل؟
أما والذي أرسى ثبيرا مكانه! ... لقد كانت الدنيا لذاك تزلزل
ولكن أمير المؤمنين بفضله ... بهم يعفو أو يقول فيفعل
فعاتبه حبيب فيه وقال له: (قتلته، والله! يا بكر) فقال في قصيدته هذه طويلة
وعاتبني فيه حبيب وقال لي: ... (لسانك محذور وسمك يقتل)
وأني، وأن صرفت في الشعر منطقي ... لأنصف فيما قلت فيه وأعدل
وفيها مات محمد بن الحسن المعروف بابن ورصيد من قسطنطينية، وكانت له رحلة وسماع من الفقهاء، ومات محمد بن يزيد الفارسي من أهل القيروان له سماع من سحنون ومن ابنه محمد.
وفي سنة 297، غدر قوم من البربر يعرفون بني خالد باليسع بن مدرار واستأمنوا به إلى أبي عبد الله الشيعي فأمنهم، وذلك في مستهل المحرم. وفيها، ولي عبيد الله على مدينة سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي وترك معه خمسمائة فارس من كتانة، ورحل بالعساكر إلى أفريقية. وفيها قتل بالقيروان، في صفر، إبراهيم بن محمد الضبي المعروف بابن البرذون وأبو بكر بن هذيل
(1/154)
________________________________________
الفقيهان، وكانت عندهما رواية، وأدب، وتصرف في فنون منة العلم وكان محمد الكلاعي وأصحابه على مذهب أهل العراق وهو الجائز عند الشيعة لما عنده من الترخيص فسعوا بها إلى أبي العباس المخطوم وذكروا عندهما أنهما يطعفان في الدولة، ويشوبان على علي ابن أبي طالب بأبي بكر وعمر وعثمان، فحبسهما المخطوم ثم أمر ابن أبي خنزير بقتلهما بعد أن يضرب إبراهيم بن الرذون خمسمائة سوط، إذ كان القول فيه أشنع، والسعي عليه أعظم، فغلط ابن أبي خنزير فيهما، وضرب ابن هذيل، ثم قتله وقتل ابن البرذزن بلا أن يضربه، وذلك في صفر، وطيف بهما في سماط القيروان، مجرورين مكشوفين ثم صلبا بعد ذلك. وكتب أبو العباس إلى أخيه بالخبر فعنفه عليه، ولامه فيه، وقال: (قد افسد علينا من أهل البلد وأهله ما كانت بنا حاجة إلى صلاحه) .
وفيها خالف علي أبي عبد الله الشيعي محمد بن خزر بن صيلات الزناتي وأقبل إلى مدينة تيهرت وطمع بأخذها وأخرج دواس بن صولات منها وأن يقطع بابي عبد الله وبمن معه في انصرافهم من سجلماسة. وباطنه على ذلك قوم من أهل تيهرت يعرفون بني دبوس، فاستدعوه فوشى بهم إلى دواس عامل الموضع فحبسهم بحصن برقجانة المعروف بتيهرت القديمة وحارب محمد بن خزر تيهرت وتغلب على بعض أرباضها. فلما رأى ذلك دواس هرب إلى ابن حمة صاحب القلعة، ووثب أهل حصن برقجانة على بني دبوس عندهم، فقتلوهم. ودفع أهل تيهرت محمد بن خزر، وحاربوه حتى قتلوه ثم كاتبوا دواس، فأنصرف إليهم. وولي عبيد الله على مدينة سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي، وخلف معه ألفي فارس من كتامة. وتوجه عبيد الله وأبو عبد
(1/155)
________________________________________
الله نحو أفريقية ومعهم بنو مدرار وأهلهم مكبلين، فلما بلغوا مدينة أربا أتصل بهم خبر محمد بن خزر، فساروا نحوه فهرب، ودخل الرمال. وأمر عبيد الله بقتل اليسع بن مدرار، فقتل، وهو مريض. وفيها ثار أهل سجلماسة بإبراهيم ابن غالب المزاتي عاملها فقتلوه ومن كان معه من الشيعة، ومن كاتمة، وذلك يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، وولوا على أنفسهم وأسول ابن الأمير ابن مدرار.

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

التعريف بأمر سلجماسة
من حين ابتدائها إلى هذه السنة المؤرخة
كان أبو القاسم سمغون بن واسول المكناسي صاحب ماشية كثيرة، ينتجع موضع سلجمانة، ويتردد إليها وكان براجا، يجتمع الناس فيه من قبائل البربر المجاورين له يتسوقون فيه. فاجتمع قوم من الصفرية على أبي القاسم، وسكنوا معه هنالك في خيمات. ثم شرعوا في البناء في حدود الأربعين ومائة. ثم قدموا على أنفسهم عيسى بي يزيد الأسود وولوه أمرهم. ثم أنكروا عليه أشياء فأخذوه وشدوا وثاقه. وربطوه إلى شجرة في رأس جبل، وتركوه حتى مات ثم ولى أبو القاسم سمغون المتقدم ذكره، قيل إنه ابن واسول، وقيل ابن مدلان فلم يزل واليا عليهم إلى أن مات سنة 168.
ثم ولي الياس ابن أبي القاسم، وسمي أبا الوزير، فبقي سنتين، وقام عليه أخوه. ثم ولي أخوه أليسع بن سمغون بن مدلان المكناسي في سنة 170 وسمي
(1/156)
________________________________________
بالمنتصر، وكان جبارا عنيدا، فظفر بمنم عانده من قبائل البربر وقهرهم وأذلهم، وأظهر الصفرية، وأخذ خمس معادن درعةة. وعظم قدره في ذلك الوقت. وموضع سلجمانة قد عمر بالديار دون سور. ثم زاد ملك اليسع المذكور، وأمر ببناء السور ن، أسفله بالحجارة، وأعلاه بالطوب. فقيل أ، بناءه من ماله، لم يشاركه فيه أحد. فسكن سلجمانة، وتوفي في سنة 208، فكانت مدته بها نحو أربعة وثلاثين سنة. ثم ولى ابنه مدرار بن اليسع، وهو المنتصر بن سمغون المتقدم ذكره، فلم يزل واليا عليها إلى أن اختلف الأمر بين ولديه ميمون المعروف بابن أروا (وهي أمه بنت عبد الرحمن بن رستم صاحب تبهرت) وابنه المعروف بابن بقية. فتنازعا في الأمر بينهما، وتقاتلا ثلاثة أعوام. فمال مدرار والدهما مع ابنه ميمون بن الرستمية، وأخرج أخاه ابن بقية من سلجمانة. فولى ميمون بن مدرار، وخلع أبوه لنفسه، ثم قام عليه أهل سلجمانة، فجعلوه وأرادوا خلع أبيه وتقديم أخيه ابن بقية، فأبى أن يتأمر على أبيه، فأعادوا أباه مدرار بعد خلعه، ثم سمع أهل سلجمانة إنه استدعى ابنه ابن الرستمية فيمن أطاعه من درعة، فتوجهوا إلى مدرار وحصروه، ثم خلعوه أيضا وقدموا ابن بقية فولى أمرهم. فلم يزل واليا عليها إلى أن مات سنة 263. وفي دولته مات أيوه مدرار. ثم ولي أليسع بن ميمون بن مدرار بن اليسع بن سمغون بن مدلان المكناسي في صفر سنة 270 وتلقب بالمنتصر على أسم جده وهو الذي سجن عبيد الله بسلجمانة حين عرف عنه إنه قام بدعوته الشيعي. ثم زحف إليه الشيعي من أفريقية، وفر أمامه، وخرج عبيد اله من سلجمانة من سجنه، واستولى على المملكة. ثم ظفر به في سنة 296، فقتله، فكانت مدة اليسع ابن مدرار المذكور بسلجمانة سبعا وعشرين سنة. وانقرضت دولة بني مدرار بسلجمانة وما والاها، فكانت مائة سنة ونحو ستين سنة. فولي عليها الشيعي عامله فوثب عليه أهلها فقتلوه، فكانت مدته بها خمسين يوما.
(1/157)
________________________________________
ذكر وصول عبيد الله الشيعي إلى رقادة
ونبذ من أخباره وما قيل في نسبه
وفيها وصل عبيد الله إلى مدينة رقادة، ومعه ابنه أبو القاسم، (جعفر بن على الحاجب، وأبو الحسن الطيب بن إسماعيل المعروف. بالحاضن) ولقبه الفقهاء ووجوه القيروان، فدعوا له وهنئوه وأظهروا (له) السرور بأيامه، وسألوه تجديد الأمان لهم (أنتم آمنون في نفسكم أو ذراريكم!) ولم يذكر الأموال، فعاوده بعضهم وسألوه التأمين لهم في الأموال، فأعرض عنهم) فخافه أهل العقل من ذلك الوقت. ودخل مدينة رقادة (وعليه ثوب خز أدكن، وعمامة مثله، وتحته فرس ورد، وأبو القاسم ابنه خلفه عليه ثوب خز خلوقي، وعمامة مثله وتحته فرس أشقر، وأبو عبد الله إمام عبيد الله، وعليه ثوب توتي، وظهارة كتان، وعمامة، ومنديل إسكندراني، وتحته فرس كميت وبيده سبنية يمسح بها العرق والغبار عن وجهه، والناس حواليه بين يديه أقواط يسلمون عليه) في القصر المعروف بالصحن، ونزل ابنه بقصر أبي الفتح وتسمى عبيد الله بالمهدي.
واختلف في نسبه فادعى هو إنه عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - وهو مذهب الحكم المستنصر بالله الأموي، وقال سائر الناس إنه ابتسامة للطالبين دعوة باطلة، وذكروا عن أبي القاسم بن طباطبا العلوي إنه قال: والله الذي لا أله إلا هو! ما عبيد اله الشيعي منا، ولا بيننا مبينه نسب! وقال مقاتل: هو عبيد اله بن محمد بن عبد الرحمن البصري. وقد فضح القاضي أبو بكر ابن الطيب الباقلاني نسبه في (كتاب كشف الأسرار، وهتك الأسرار) وذكر
(1/158)
________________________________________
أنهم قرامطة، وأن أبا عبد الله الشيعي أحدث لهم هذا المذهب، ونسبهم هذا النسب. وحكي بعض المؤرخين أن جعفر بن علي كانت له جارية، فغشيها رجل من القرامطة، وقيل من اليهود، دفعت له مالا، فكان يهواها وتهواه، وقتلت جعفرا مولاها، فولدت جد عبيد الله هذا. فمن خفيت عليه هذه القصة قال إنه علوي، ومن علمها علم دعوته وكذبه. والله اعلم! هكذا ذكر ابن القطان في نسبه.
ونقش في خاتمه: أفمن المهدي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون! واستحجب أبا الفضل جعفر بن عبي وأبا أحمد جعفر بن عبيد الله، وأبا الحسن طيب بن إسماعيل المعروف بالحاضن، وأبا سعيد عثمان بن سعيد المعروف بمسلم السلجماسي. واستكتب أبا اليسر إبراهيم بن محمد البغدادي الشيباني. وولي على بيت النال أبا جعفر الخزري وعلى ديوان الخراج القاسم بن القديم وعلى السكة بكر الفيلسوف المعروف بابن القمودي وعلى العطاء عبدون بن حباسة وعلى قضاء مدينة رقادة المصلح بن هارون الملوسي. وأقر علي عمالة القيروان الحسن ابن أبي خنزير وعلى القضاء بها المروزي. وأمر أن تقلع من المساجد والمواجل والقصور والقناطر أسماء الذين بنوها، وكتب عليها اسمه. وأظهر عبيد الله التشيع القبيح وسب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه حاشى علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وزعم أن أصحاب النبي - رضي الله عنهم - ارتدوا بعده غير هؤلاء الذين سميناهم ومنع المروزي الفقهاء، أن يفتي أحدهم إلا بمذهب زعم إنه مذهب زعم إنه مذهب جعفر بن محمد منه سقوط الحنث عمن طلق بالبته، وإحاطة البنات بالميراث،
(1/159)
________________________________________
وأشياء كثيرة يطول ذكرها. ومدحت الشعراء عبيد الله بالكفر، فاستجازه. وكان فيما مدح به شعر لمحمد البديل، كاتب أبي قضاعة، وفيه (بسيط) :
حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح
حل بها أحمد المصطفى ... حل بها الكبش والذبيح
حل بها الله ذو المعالي ... وكل شيء سواه ريح
- لعنه الله، وغضب عليه وأخزى القائل والقول فيه! - وكانت أيمان كتامة أول دخول أفريقية: (وحق عالم الغيب والشهادة، مولانا المهدي الذي برقادة) حتى كتب بعض أحداث القيروان هذين البيتين، وتلطفوا في وصولها إلى عبيد اله من حيث لا يعلم، وهي (مجتث) :
الجور قد رضينا ... لا الكفر والحماقة!
يا مدعي الغيوب ... من كاتب البطاقة؟
فاشتد عليه ذلك لما وصل ليه، وكشف سرا عن كاتب ذلك، فلم يقع له على خبر فيها. خالف بلد كتامة بباب مع قبائل من البربر، واجتمع إليه عدد عظيم، فكتب عبيد الله إلى أن تمسك بطاعته من كتامة، يأمرهم بمحاربتهم. فقتل أكثرهم، وأخذ بباب أسيرا، وقرى كتاب الفتح بمدينة القيروان ورجعت قبيلة زناتة إلى تيهرت، وحاصروا دواس بن صولات فيها فأخرج إليهم عبيد الله قائدا يعرف بشيخ المشايخ فهزم زناتة، وقتل كثيرا منها. وفيها خرج أبو القاسم يوم الفطر إلى المصلى بمدينة رقادة وصلى بالناس وخطبهم وخرج مع أبو عبد الله الشيعي وجماعة قواد كتامة وهو أول عيد صلى فيه بأفريقية، وقرى بذلك كتاب عبيد الله على منبر القيروان وأعمالها.
وفيها خرج أبو عبيد الله الشيعي، مع جماعة من قواد كتامة ودعاتهم إلى أرض المغرب، ولنا ظهر فيه من الالتياث، وفساد الطرق، وقيام القبائل على عمالهم، فافتتح المدن، وقتل وسبى. ووردت له كتب كثيرة بالفتوح،
(1/160)
________________________________________
فقرأت بأفريقية. وفيها مات جبلة بن حمود بن جبلة الصدفي مولى الإمام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وكان فقيها زاهدا، من رجال سحنون وممن نبذ الدنيا وتركها، وكان أبوه من خدمة السلطان وأهل الأموال، فنابذه في حياته، ثم تبرأ من تركته بعد وفاته، وكانت تركته نحو ثمانين مثقال. وفيها مات دعامة ابن محمد الفقيه، وكان من رسحنون، وونلي القضاء بصقلية في أيام بني الأغلب التميمي، وعبد الله بن أبي المنهال. وفيها صلى أبو القاسم يوم الأضحى بالناس، وخطب وقرى بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان. وفيها مات محمد بن خالد القيسي المعروف بابن الطرزي وكان من رجال سحنون، ومات أبو السميدع المؤدب النحوي. وفيها قتل في مدينة رقادة أحمد بن يحيى بن طيب المتطبب الفقيه بقول أهل العراق.
وفي هذه السنة وصل أبو عبد الله الشيعي إلى مدينة (تنس) ونزل بالموضع المعروف (بالجّوزا) وذلك يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة. فجمع إلى نفسه وجوه كتامة وتكلم معهم في أمر عبيد الله وعمل معهم على خلعه وقال لهم: إن أفعاله قبيحة، ليست تشبه أفعال المهدي الذي كتب أدعو إليه. وأخشى أن أكون قد غلطت فيه وعرض لي ما عرض لإبراهيم الخليل - عم - إذ جن عليه الليل، فرأى كوكبا، فقال (هذا ربي) ويجب علي وعليكم امتحانه وكشفه عن العلامات الموجودة في الإمام المعروفة عند النقباء. وزعم لهم بأن الرواية أتت أن بين كتفي المهدي مكتوبا: المهدي رسول الله، كما بين كتفي نبي الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبوة. وأن المهدي يأتي بالآيات البينات، ويطبع بخاتمه بالجندل. فعقد مع جماعة
(1/161)
________________________________________
كتامة على امتحانه إذا انصرفوا (نحوه) إلى رقادة، ودخل معه في هذا العقد عَرُبة بن يوسف (وتعاهدوا على ذلك) .
وفي سنة 298، تجول أبو عبد الله الشيعي في بلاد البربر وحارب صدينة وزناتة. وقتل الرجال، وأخذ الأموال وسبى الذرية وأحرق بعض المدن بالنار، وكتب بالفتوحات إلى عبيد الله، فقرأت كتبه على الناس. ثم قفل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، بعد أن تجول بالغرب شهورا كثيرة، فلنا توصل أبو عبد اله إلى مدينة رقادة أخبر عروبة بن يوسف عبيد الله الشيعي بما كان من أبي عبد الله في جانبه وقت وصوله إلى مدينة تنس وما عمل عليه مع جماعة كتامة من خلعه، فالتزم عبيد الله الاحتراس منه في سر أمره، وفيها ولي أبو جعفر البغدادي ديوان الكشف، مشتركا مع عمران بن أبي خالد بن أبي سلام. وفيها مات من الفقهاء المدنيين من أصحاب سحنون، يحيى بن عون بن يوسف وعبد الله بن الوليد المعروف بابن الصدفي، وكان فقيها من أهل الانقباض والخير. وفيها مات أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بالرياضي، يوم الأحد لأربع عشر ة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ودفن باب سالم، وكان ظريفا، أديبا، مرسلا، شاعرا، حسن التأليف، وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن. رحمه الله، بكتاب اخترقه إليه على ألسنة أهل الشام فتقبله الإمام محمد وأنزله ووسع عليه ووصله، واطلع على أن الكتاب مخترق مصنوع، فلما أراد أبو اليسر الانصراف، دفع إليه كتاب مختوم جوابا عن كتاب أهل الشام فيما رأى. فلما جاز البحر فك أبو اليسر الكتاب ليقرأه، فإذا هو بياض ليس فيه إلا (بسم
(1/162)
________________________________________
الله الرحمن الرحيم) فعلم إنه تمويه لن يجز وأن الذي أعطى وحبى عن تكرم وفضل وعلم في عينه ملوك الأندلس ورجاله، وحدث بما عرض له، وعجب الناس منه وكتب أبو اليسر لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم ثم كتب لعبيد اله حتى مات. وله مؤلفات حسان في فنون من العلم، ومسند في الحديث وكتاب في قرآن سماه (سراج الهدى) وله (كتاب لقيط المرجان) ورسالة (الوحيدة المؤنسة) و (قطب الأدب) وغير ذلك من الأوضاع. وفيها استكتب عبيد الله أبا جعفر محمد بن أحمد بن هارون البغدادي، بعد أبي اليسر وقربه وأدناه، واستعان به على أمر أبي عبد الله وأبي العباس وجماعة كتامة، فكان منه في ذلك رأي جميل ونفع عظيم. وكان أبو جعفر ذا دهاء وفهم حسن ودخل الأندلس في أيام الأمام عبد الله - رحمه الله - فصحب الناس وجالس أهل الأدب وكان بعد ذلك يحافظ من جاز به قاصدا إلى الحج من خلطائه بقرطبة ويكرمهم.
وفيها خالفت هوارة بطرابلس وقدموا على أنفسهم أبا هارون الهواري، وزحف أيضا جماعة من زناتة ولماية وغيرهم من القبائل إلى مدينة طرابلس محاصرين لأهلها. فأخرج إليهم عبيد اله الشيعي أبا زاك تمام بن معارك الأجاني، وكان يذهب مذهب أبي عبد اله في الغدر بعبيد الله والخلع له. فأراد أن يبعده لما كان يحاوله عبيد الله من قتل عبد الله وجيّش مع أبي زاك جيشا عظيما، فحاربهم أبو زاك حتى هزمهم وفرق جموعهم وقتل كثيرا منهم وبعث بؤس كثيرة وآذان مقرطة لمن قتل فنصبت برقادة.
(1/163)
________________________________________
ذكر قتل عبيد الله الشيعي لأبي عبد الله
الشيعي وأبي زاك
وذلك أن عبيد الله كتب إلى (ماقنون بن دبارة الأجاني) عامله بطرابلس يأمره بقتل أبي زاك تمام بن معارك الأجاني على بنية بناها ونية نواها في قتله وقتل أبي عبد الله الشيعي بعده فبعث عامل طرابلس في أبي زاك! وكان عمه، ثم عرض عليه كتاب عبيد الله إليه يأمره يقتله. فلما قرأه أبو زاك قال له: يا عم نفذ ما أمرت به! فقدمه فصرب عنقه، وكتب إلى عبيد الله بخبر قتله مع حمام وصل إلى رقادة من ساعته، وذلك يوم الثلاثاء، غرة ذي الحجة سنة 298. فلما وصل الخبر إلى عبيد الله الشيعي، أمر عروبة ابن يوسف الملوسي وجبر بن مناسب الميلي أن يكمنا خلف قصر الصحن، فإذا مر بهما أبو عبد الله الشيعي وأخوه أبو العباس طعنوهما بالرماح حتى يموتا. فكمنا لهما هناك مع جماعة من كتامة. وبعث عبيد الله في أبي عبد الله وأبي العباس ليحضرا طعاما على جاري عادتهما معه. فلما مرا بالموضع الذي فيه الكمين، خرج عليهما فصاح أبو عبد الله بعروبة: لا تفعل يا ولدي! فقال له: أمرني بقتلك من أمرت الناس بطاعته (وانخلعت له من الملك بعد توطئته ثم طعمه بيده طعنة واحدة خر منها صريعا، ووقعت في أبي العباس تسع عشرة طعنة، وذلك يوم الثلاثاء وقت الزوال، مستهل ذي الحجة. ومكثا صريعين (على صف الحفير المعروف بالبحر) إلى بعد الظهر، ثم أمر عبيد الله بدفنهما، فدفنا في الجنان، وقال: رحمك الله أبا عبد الله، وجازاك في الآخرة (بقديم سعيك) ! ولا رحمك الله أبا العباس، إنك صددته عن السبيل وأوردته موارد الهلاك! ثم قرأ: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وأنهم ليصدونهم عن السبيل
(1/164)
________________________________________
ويحسبون أنهم مهتدون "! وكتب إلى الشيعة بالمشرق في أمرهما: أما بعد فقد علمتم محل أبي عبد الله وأبي العباس من السلام. فاستنزلهما الشيطان فطهرتهما بالسيف والسلام! وحدّث الثقة أن أبا عبد الله نلام في حضرة أحابه وعنده جماعة من دعاة كتامة فتحرك في نومه فانكشفت سوئته، فنظر بعضهم إلى بعض، ولم يقدموا أن يستروه. فمد عروبة بن يوسف يده إلى الملحفة التي كانت عليه فستره بها وانتبه أبو عبد الله فقال: من سترني إذا انكشفت؟ فقال له عروبة: هو والله قاتلي! فجعل عروبة يبكي بين يديه ويقول له: يا سيدي مر بقتلي! فقال له: لا سبيل إلى ذلك! لكنك والله قاتلي! فكان الأمر كما كان ذكره.
واحتجب عبيد الله عن كتامة أياما كثيرة، ثم أمنهم وأدخلهم على نفسه مفترقين على حذر منهم ثم عمل على جماعة منهم، فقتلهم بأصناف من القتل. وفيها خرج سي بن دوقان ورجاء بن أبي قنة، إلى لواتة في عسكر ضخم. فقتلوهم، وغنموا أموالهم وسبوا ذرياتهم (وقرى بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان وأعمالها، وفي سنة 299، أخرج عبيد الله إلى المغرب جماعة من قواده لمحاربة زناتة في عساكر عظيمة، فكانت بينهم وبين زناتة وقعة عظيمة بموضع يعرف بفلك مديك، قتل فيها من زناتة عدد لا يحصى. وفيها فتحت مدينة تبهرت، وكان أهلها قد ثاروا على دواس عاملها وأرادوا قتله فهرب منها إلى تبهرت القديمة وتحصن بها. وقتل فيها أكثر أصحابه، وكانوا في نحو ألف فارس. واستدعوا محمد بن خزر فقدم عليهم وأدخلوه البلد، وولوه، وبرزوا
(1/165)
________________________________________
إليه بأم دواس وعياله وأكثر سلاحه ثم خذلوه وخذلهم، فزال عنهم وانصرف إلى موضعه. ثم أخرج عبيد الله العساكر إلى تبهرت في أعداد عظيمة وخلق لا يحصى كثرة فنزلت عليها يوم الجمعة لانسلاخ المحرم، وحروب أهلها ثلاثة أيام. ثم أخذوا بالكيد ودخلت العساكر تبهرت يوم الثلاثاء لأربع خلون من صفر فقتلوا الرجال وسبوا النساء والذرية وانتهبوا الأموال، وحرقوا المدينة بالنار. وبلغ عدد القتلى بها ثمانية آلاف رجل. ثم ولى عبيد الله تبهرت مصالة بن حبوس بن منازل بن بهلول المكناسي. وانصرف دواس ابن صولات إلى مدينة رقادة. وقتله عبيد الله بعد ذلك.
وفيها كانت بالقيروان زلازل وهدات، وخسف بقرية في الساحل تعرف بالباس. وفيها كانت واقعة كتامة بالقيروان يوم الثلاثاء لعشر بقين من شعبان فقتل منهم في الأزقة والأسواق أكثر من ألف رجل، وذلك أن كتامة كانوا يسألون عبيد الله أن يطلق أيديهم على نهب القيروان وكان يسوفّهم في ذلك، ويعلق أطماعهم به، وهم يتحاملون علة أهل القيروان بالتطاول والأذى حتى شرق الناس بهم، فقاموا عليهم في بعض الأيام بسبب استطالة رجل من جند كتامة على رجا من تجار أهل القيروان. فلما دافعوه عنه، شهروا عليهم السلاح وأرادوا نب الحوانيت. فصاح أهل الأسواق (النفير، النفير) فقتل من كتامة أكثر من ألف رجل. وركب احمد بن أبي خنزير صاحب مدينة القيروان، فسكن الناس، وأمر بتغييب القتلى، فطرحوا في المراحيض. ولحق من كان حوالي رقادة من كتامة ببلادهم. فلما حصلوا بها، أظهروا الخلاف على عبيد الله. وقدموا على أنفسهم حدثا يعرف بالمارطي واسمه كادوا بن معارك وجعلوه قبلة يصلون إليه وزعموا انه المهدي المنتظر، وكتبوا كتابا فيه شريعة زعموا أنها نزلت عليه. فتغلب على جميع
(1/166)
________________________________________
الزاب، وقوى أمره، واشتدت شوكته. فأخرج إليه عبيد الله قوادا حاربوهم وهرب إليهم أحد القواد وهو صولات بن جندة في نحو مائتي رجل، ثم أخرج عبيد الله أبنه أبا القاسم إلى بلد كتامة لمحاربة المارطي ففصل من رقادة من يوم السبت لخمس بقين من شهر رمضان. فافتح مدينة القسطنطينية من أرض كتامة وغيرها ز وكانت له على المارطي وقائع. وهرب من قواد أبي القاسم إلى المارطي رجال، ثم أمنهم أبي القاسم ولاطفهم حتى انصرفوا إليه.
وفيها قتل بالقيروان قوما اتهموا بالميل مع أبي عبد الله الشيعي، إذ نوى الغدر بعبيد الله، ومنهم محمد ابن أبي سعيد الميلي صاحب السوق، وعبد الله ابن محمد المعروف بابن القديم، ومحمد ابن أبي رحال الباغائي، وأبو الوهب بن عمرو بن زرارة العبدري، وجماعة من بني الغلب وقوادهم. وقتل أبو إبراهيم المعروف بابن البجاري القرشي الفهري، وهو القائم على إبراهيم بن أحمد بنم الأغلب مع أهل تونس. وفيها ولد أبو الطاهر إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي وولي أفريقية سبع سنين. وفيها مات زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب الهارب من أفريقية إلى مصر ودفن ببيت المقدس، (وكان لما فر عن القيروان بعياله وماله وألف سقلبي ترك جارية فغنت له محركة على حمل نفسها (منسرح)
لم انس يوم الوداع موقفها ... وجفنها في دمعها غرق
وقولها والركاب واقفة ... تتركني سيدي وتنطلقوا
قال المظفري فحط حمل مال، وحملها في مكانها. وقال عريب فدمعت عيناه، واشتغل عنها نما هو فيه، فتركها. ووصل إلى مصر فبقية عن عيسى النوسري صاحبها ثمانية أيام، ورحل إلى الرقة، فمنع الدخول إلى بغداد وأمر بالانصراف إلى مصر فسمه بعض عبيده فمات.
(1/167)
________________________________________
وفيها، مات من الفقراء المدنيين، وأهل العلم باللغة والنحو وفصاحة اللسان، عبد الله بن محمد التميمي المعروف بالبيدى، وهو من ولد عباد بن كثير ما ابن سبع وثمانين سنة.
وفي سنة 300، خالف أهل مدينة طرابلس على عبيد الله الشيعي، إذ كان قد استعمل عليهم ماقنون بن دبارة الأجاني؛ فبسط أيدي بني عمه من كتامة على الناس، وتطاولوا إلى الحرم، فتحرك السواد، ومدوا أيديهم إلى من لقوا من كتامة، فقتلوهم، وهرب ماقنون. وأغلق أهل طرابلس أبواب المدينة، وقتلوا من كان داخلها من كتامة، وقدموا على أنفسهم حمد بن إسحاق، المعروف بابن القرلين، ولحق ماقنون بعبيد الله. فأخرج إليهم جيشا، وحاربهم شهورا. وفيها، قفل أبو قاسم الشيعي (من بلد كتامة) إلى رقداة، ومعه المارطي الثائر وأصحابه أسرى فطوفوا بالقيروان على الجمال، وعليهم القلانس الطوال المشمرة بالقرون والمصافع، فقتلوا بمدينة رقادة. وفيها، خالفت جزيرة صقلية، وثاروا بالحسن وعلى أبني أحمد بن محمد بن أبي الخنزير العاملين عليها، وطاردوهما، وانتهبوا دورهما. وأرادوا أهل صقلية أن يقدموا على أنفسهم أحمد بن زيادة الله بن قرهب، فامتنع عليهم، وهرب منهم وتوارى عنهم في غارة، فاجتمع وجوه أهل البلدة عليه، وأوثقوه من أنفسهم أنهم لا يخذلونه. فتولى أمرهم، وكتب إلى المقتدر ببغداد بأن يكون داعيا له، وقائما بأمره بجزيرة صقلية، فأنفذ المقتدر ذلك له، وبعث إليه بألوية سود، وخلع سود، وطوق ذهب، ووصل ذلك إلى أحمد بن زيادة الله بن قرهب، فسر به، وأظهر الحزم والجد في أمره.
وفيها، خرج أبو القاسم بن عبيد الله لمحاربة طرابلس وفصل من
(1/168)
________________________________________
رقادة يوم الأحد لليلتين خلتا من جمادى الأولى. ووجه إليها عبيد الله في البحر خمسة عشر مركبا حربية. فلما وصلت إلى طرابلس أخرجوا إليها مراكبهم فحرقوا الأسطول، وقيلوا من فيه. وسار أبو القاسم في البر نحو طرابلس فأوقع بأهل هوارة، ثم نزل على طرابلس فحاربها وحاصرها حتى أكلوا الميتة فرغبوا إلى أبو القاسم في الأمان، فأمنهم إلى ثلاثة أنفس اشترط التحكم فيهم: وهم محمد بن إسحاق القرشي ومحمد بن نصر ورجل يعرف بالحوحة. فدخل طرابلس وتحكم فيها. ثم قفل بالعسكر إلى رقادة وبين يديه الثلاثة الذين تقدم ذكرهم، فطوفوا بالقيروان على الجمال بالقلانس، ثم قتلوا.
وفيها، قتل أبو القاسم في مدينة طرابلس عند افتتاحه لها، من كان معه من بني الأغلب وقوادهم.
وفيها، خرج عبيد الله من مدينة رقادة إلى تونس وقرطاجنة ونواحي البحر، يرتاد موضعا يتخذه دار مملكته. فوقع اختياره على جزيرة جمة فابتدأ ببنائها، وهي التي تسمى بالهدية.
وفيها، ولي أبو جعفر محمد بن أحمد بن هارون البغدادي ديوان البريد فلم يزل يتولى ذلك إلى أن هلك. وفيها، قتل بالقيروان محمد بن أبي أيوب المعروف بأبي العاهة وكان ممن رفع عليه أنه يحاول القيام على عبيد الله فأختفى، وهدمت بسببه دور، ثم خرج بنصيحة أظهرها لعبيد الله في أهل القيروان فغفل عنه أيام، ثن قتله. وفيها، قتل من التجار أبناء الأندلسيين بالقيروان أبو جعفر بن خيرون صاحب المسجد الشريف والفنادق المجاورة للسجن بسعي، كان القاضي المروذي عليه وشهادة شهد بها أن قِبَلَه وديعة كبيرة فطولب بها وعذب حتى مات
(1/169)
________________________________________
وفي سنة 301 أخرج عبيد الله الشيعي حباسة ابن يوسف بالجيوش إلى المشرق؛ فدخل مدينة سرت بالأمان، وهرب من كان فيها من جند بني العباس، وقرى بذلك كتاب في الجوامع بأفريقية. ودخل حباسة مدينة أجدابية بالأمان أيضا، وهرب من كان فيها لبني العباس. ودخل مدينة برقة. وكان عبيد الله يمد حباسة بن يوسف بالجيوش، فكلما دخل مدينة قتل أهلها، وأخذ أموالهم، وعاث فيهم، وتعلل على أهل العافية منهم، حتى لقد أخذ ببرقة جماعة كانوا يلعبون بالحمام؛ فأضرم لهم النار وأجلسهم حواليها، وأمرهم أن تقطع لحومهم وتشوى، ثم يطعمونها؛ وقذفهم بعد ذلك في النار، وقال: (إن هذه الحمام تأتيهم بالأخبار من قبل بني العباس!) وبرح ببرقة: (من أراد العطاء والرزق الواسع فليأتي!) فأكتب عنده جماعة، وأمر العرفاء من كتامة بأن يعرفوا بأعينهم، ويرقب كل واحد منهم رجلا من أولئك المكتتبين عنده، ثم أمرهم أن يحضروا بالغداة لأخذ الأرزاق، فلما حضروا، قتل جميعهم، وكانوا نحو من ألف رجل، فأمر بجمع جثثهم، ووضع عليها كرسيا، وجلي فوقهم، ثم أدخل وجوه أهل البلد، فنظروا إلى ما هالهم من كثرة القتلى، ومات منهم ثلاث من الخوف والرعب، فلما مثل أهل البلد بين يديه، سبهم، وقال: (أن لم تحضروني غدا مائة ألف مثقال، قتلتكم أجمعين) فأحضروه إياها. ووردت على حباسة عساكر عظيمة من مصر لمحاربتهم؛ فدارت بينهم حرب عظيمة، كانت فيها ردعات على حباسة، ثم انهزمت جيوش مصر، وأتبعهم حباسة، وقتل كثير منهم.
وفيها، قتل حباسة بن يوسف حارثا ونزارا أبني حمال المزتاني، في نفر من أبنائهم وبني عمهم، بمدينة برقة،، وباع نسائهم، وأخذ جميع أموالهم، إذ كان عبيد الله الشيعي قد خطر بهم في حين قدومه من مصر؛ فأدعى أنهم سرقوا له حمل مال ومتاع. فلما طلب ذلك عندهم، قام إليه رجل منهم، فشمته ولطمه؛
(1/170)
________________________________________
فكان ذلك سبب قتل حباسة لهم، على ما أمره به عبيد الله وحده له. ثم أن هل برقة كتبوا إلى عبيد الله بما دار عليهم من حباسة، وقتله رجالهم، وسبائه نسائهم، وأخذ أموالهم، فجاوبهم يعتذر إليهم، ويحلف أنه ما أمر بشيء مما ذكروه إلا في النفر الثلاث. وكتب إلى حباسة، يأمره بالرحيل عنهم. فتوجه بالعساكر نحو مصر. فنزل بجبل مقة، وحارب الحصون التي تجاوره حتى أخذها، وقتل أهلها، وأخذ أموالهم وسبى ذراريهم.

خروج أبا القاسم الشيعي لمحاربة مصر
وفيها، خرج أبو القاسم بن عبيد الله من مدينة رقادة، غازيا إلى مصر في حشود عظيمة، وفيها، أحرق محمد بن أحمد بن زيادة الله بن قرهب أسطول عبيد الله الشيعي بمرسى لبطة، وقتل قائده الحسن بن أحمد بن أبي خنزير: قتله محمد بن قرهب ذبحا بيده، وقطع يديه ورجليه، وأسر من أصحابه نحو ست مائة رجل، وأحرق جميع الأسطول. وبلغ عبيد الله ذلك، فبعث جيشا للمدافعة عن الأسطول، إذ ظن أنه لم يحرق. فخرج أصحاب بن قرهب إليهم، وقاتلهم حتى هزموهم، وغنموا ما كان في العسكر. وفيها مات بالقيروان أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن الحسن البصري القرشي وفيها مات بقصر الطوب وهو موضع رباط بجانب سوسة، أبو يونس الزاهد، ونفر أهل القيروان لشهود جنازته
وفي سنة 302، دخل أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي مدينة الإسكندرية ومعه حباسة القائد فألفاها خالية، وقد هرب أهلها في البحر بما خف من أموالهم
(1/171)
________________________________________
وأسلموا سائر أثقالهم. فاحتوى أبو القاسم وحباسة على جميع ذلك ووصل أبو القاسم إلى الفيوم، فعسكر بها حتى قدم قائد الخليفة مؤنس الفتى من العراق لمحاربته. ثم أن حباسة بن يوسف هرب من مصر إلى أرض المغرب، وكان سبب هربه أن أبا القاسم مبعث إليه من الفيوم أبا فريدن القائد، وأمره أن يستخلفه على الجيوش ويلحق حبالسة به في الفيوم، فأغضبه ذلك، وقال: لما أشرفت على أخذ البلد، يفوز أبو فريدن بخيره وذكره. فركب حباسة في نحو ثلاثين فارسا من بني عمه، وخرج هاربا إلى جهة المغرب. فكتب أبو القاسم إلى عمال الطريق بخبره وأمرهم بارتصاده وأخذه أن مر بهم. وكتب إلى أبيه عبيد الله بذلك. ونزل مؤنس الفتى مصر يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان فرحل أبو القاسم من الفيوم منصرفا إلى أفريقيا بما خف من الأموال والكسي والسلاح. فضربت جيوش مصر في ساقته، فأخذت مضاربه وسلاحا كثيرة وأثاثا. ووصل حباسة إلى حوز برقة، ثم إلى نفزاوة، فعثر عليه وعلى أصحابه فهرب أصحابه. وأخذ حباسة، وقيد، وحمل إلى عبيد الله فحبسه وحبس جميع أهله. وفيها حاول عروبة الهرب من تبهرت، إذ بلغه خبر حباسة وهربه، وقيل أن حباسة كاتبه وإنه كاتبه يرجو اللحاق به والاعتصام بكونه معه. فلما أخذ حباسة، نفر عروبة وخاف فهرب بماله. فظفر به بجبل أوراس، فقتل، وبعث برأسه إلى عبيد الله، فنظر إليها وإلى رأسي حباسة وعروبة، فقال: (ما أعجب أمور الدنيا! هذه الرؤوس ضاق بها المشرق والمغرب، وحملتها هذه القفة!) وأمر بطرحها بجامع الإسكندرية سرا.
وفي هذه السنة، مات سعيد بن محمد بن صبيح الغساني الفقيه، وكان قد صحب سحنون بن سعيد وحمل عنه علمه. وفيها، خالفت مدينة برقة وكان أبو
(1/172)
________________________________________
القاسم، لما مر بهم في انصرافه من مصر وقد هنئوه بسلامة، فزعم لهم إنه إنما كان طلب حباسة ليعاقبه على فعله بهم، وأمرهم بنيان ثلم مدينتهم، واستخلف عليهم رجالا من كتامة. فلما ولى عنهم أبا القاسم، وعلموا الحال التي انصرف عليها من مصر بدر الغوغاء إلى من كان خلف عندهم من كتامة، فقتلوهم ووصل أبو القاسم إلى مدينة رقادة من صرفه عن الفيوم يوم الأحد لعشر خلون من ذي القعدة.
وفي سنة 303 مات زيادة الله بن عبد الله بن إبراهين بن الأغلب بالرملة، وترك من المال، في ما ذكر منن كان بحضرته، ألف مثقال من ضرب سكته. وكان بأفريقية وما والها في هذا العام وباء كثير، فمات بها من قريش القيروان أبو المصعب بن زرارة العبدري. ومات حماس القاضب ابن مروان بن سماك الهمداني، وكان فقيها زاهدا ورعا. ومات محمد بن عبادة السوسي. وما ت خلف بن معمر بم منصور من الفقهاء العراقيين وكان يروى عن أبيه عن أسد بن الفرات، وكان قد تشرق أول دخول الشيعة أفريقية ليعتصم بذلك من مطالبت الشيعة لولده بمال كان غمس يديه فيه عند هرب زيادة الله من رقادة، وكان والده معمر بن منصور قد سمع من ابن فروخ، ومن أسد ابن الفرات، وكان أصح أصحابه سماعا عنه وكان معمر يقول بتحليل المسكر ما لم يسكر منه. وفيها مات القاضي المروذي، وهو محمد بن عمر في العذاب برقادة، ودفن بباب سالم ليلا، وطولب أهل القيروان بماله، فامتحن بذلك جماعة من وجوه أهل القيروان وفضلائهم وتجارهم.
وفيها، أخرج عبيد الله الجيوش إلى مدينة برقة مع أبي مدين بن فروخ اللهيطي. وفيها، ولي عبيد الله (فأفريقية الخراج) أبا معمر عمران بن أحمد ابن عبد الله بن أبي محرز القاضي، فتولى بوظيفة التقسيط على ضياع أفريقية بعد أن وزع جميعها ونظر إلى أوفر مال ارتفع من العشور في سنة وأقله ثم جمع المالين ووظف الشطر على كل ضيعة.
(1/173)
________________________________________
وفيها اضطرب أمر جزيرة صقلية على ابن قرهب، وأجمع بعضهم على خلعه وكاتبوا عبيد الله في أمره، فداراهم ابن قلاهب وذكرهم بأيمانهم له، فلم يلين ذلك حتى صارت بسببه فتنة بصقلية طائفة كانت معه وطائفة كانت عليه. فأراد ابن قرهب جواز البحر إلى الأندلس واكترى مراكب، وشحن فيها متاعا كثيرا فحال أهل صقلية بينه وبين ما أراد، وانتهبوا ما كان له في تلك المراكب، وأسروا ابن قرهب وأبنه وقاضيه المعروف بابن الخامي وقيدوا أجمعين، وبعثوا إلى عبيد الله. وكتب أهل جزيرة صقلية أن يوجه إليهم عاملا وقاضيا وإنهم لا يحتاجون إلى رجال ولا مدد واشترطوا في كتابهم إليه اشتراطا أغضه عليهم، وأغراه بهم، وحرك منهم لمحاصرتهم على ما سيأتي ذكره أن شاء الله تعالى.
وفي سنة 304 في المحرم منها وصل، وصل ابن قرهب وأصحابه إلى مدينة سوسة مصفدين في الحديد. وكان عبيد الله الشيعي بها. فأوصل ابن قرهب إلى نفسه وقال له: (ما حملك على الخلاف علينا وجحد حقنا؟) فقال له: (أهل صقلية ولوني، وأنا كاره، وخلعوني وأنا كاره!) فأنصرف عبيد الله بهم إلى رقادة وأمر بابن قرهب وأصحابه، فضربوا بالسياط وقطعت أيديهم وأرجلهم على قبر الحسن بن أبي خنزير بباب سالم وصلبوا هناك. وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة، كمل سور المهدية ونصبت أبوابها. وفيها، أخرج عبيد الله الجيوش والأساطيل إلى صقلية وقد عليهم أبا سعيد المعروف بالضيف. فحاصرهم شهورا، وقتل منهم جملا، وأجال كتامة على من ألفا في أرباض المدينة من النساء والذرية، فعبث بهم وافترع الجواري الأبكار. وكتب أبو سعيد الضيف إلى عبيد الله بالفتح فيهم، فأمده بمراكب ورجال كثيرة. فلما رأى ذلك أهل صقلية، رغبوا إليه في الأمان على أن يدفعوا عليهم من كان شايع ميما أحدثوه. فأمنهم، وهدم سور المدينة وأخذ سلاحهم وخيلهم ورقيقهم، وفرض عليهم مغرما، وبعث بمن أخذ منهم إلى عبيد الله في مراكب
(1/174)
________________________________________
فانكفأ بهم في البحر. وولي أبو سعيد الضيف على جزيرة صقلية سال بن أبي راشد، وأبقى معه جماعة من كتامة وانصرف إلى القيروان.
وفي هذه السنة فتحت مدينة برقة على يد أبي مدين الموجه إليهم بعد أن أفنت الحرب أكثر ألها مدت ثمانية عشر شهرا، وحوصروا فيها، وأحرق قوم منهم بالنار، واستصفى أبو مدين أموالهم، وبعث جماعة منهم إلى عبيد الله، فأمر بقتلهم. وفيها، مات محمد بن اسود بن شعيب القاضي الصديني. وفيها مات ميمون بن عمر الفقيه، ومحمد بن أحمد الصدفي الزاهد. وفيها خرج مصالة ابن حبوس من تبهرت لمحاربة سعيد بن صالح بن سعيد بن إدريس، صاحب نكور، فدارت بينهم حروب كثرة.
وفي سنة 305 أفتتح مصالة بن حبوس، قائد عبيد الله الشيعي مدينة نكور، وقتل بها سعيد بن صالح رئيسها، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من محرم. وانتهب مصالح مدينة نكور وسبى النساء والذرية، ثم أنصرف إلى تبهرت، وكتب بالفتح إلى عبيد الله وبعث إليه سعيد بن صالح ورؤوس أصحابه، فطوفت بالقيروان. ثم أن بين صالح خرجوا فارين بأنفسهم إلى الأندلس معتصمين بما تناهى إليهم من فضل أمير المؤمنين الناصر وحن مذهبه في كل نازع إليه ومعتصم به، فنزلوا مرسى مالقة، وعهد بإنزالهم والتوسع عليهم، وبعث إليهم بضروب الكسوة وكل ما احتاجوا إليه من المرافق وخيروا في القدوم إلى قرار السلطان أو المقام في ذلك المكان، فاختاروا المقام على بره وحبائه. وكان مصالة قد أستخلف على نكور رجلا يقال له ذلول، وانصرف إلى تبهرت، فافترق عن ذلول من كان معه وبقي في فل من المشارفة. فقصده صالح بن سعيد بن صالح من مرسى مالقة، فقتله، وقتل أصحابه ولزم نكور، وهادي أمير المؤمنين بالخيل والجمال.
(1/175)
________________________________________
تلخيص أخبار أمراء مدينة نكور
من حين بنائها على الجملة إلى هذه السنة المؤرخة
وذلك أن صالح بن منصور، المعروف بالعبد الصالح، كان دخل أرض المغرب في الافتتاح الأول زمن الوليد بن فيد الملك، فنزل في بني تمسمامان وعلى يديه أسلم بربرها، وهم صنهاجة وغمارة. ثم ارتد أكثرهم لما ثقلت عليهم شرائع الإسلام، وقدموا على أنفسهم رجلا يسمى داود ويعرف بالمزيدي وكان من نفزة وأخرجوا صالحا من بينهم. ثم أفاء الله بالإسلام عليهم، وتابوا من شركهم، وقتلوا داود المزيدي، وردوا صالحا. فبقى ذلك إلى ا، مات بتسمامان، وكان له من الولد ثلاثة: المعنصم، وأدريس: أمه صنهاجية وعبد الصمد، فولوا المعتصم، ومكث فيهم يسيرا، ومات. فولوا على أنفسهم إدريس. ثم مات. وولى سعيد ابن إدريس، وهو الذي بنى مدينة نكور. ومنها إلى مدينة زواغة، التي كانت للحسن بن أبي العيش، مسيرة خمسة أيام. وكان لها أربعة أبواب: منها أبواب سليمان، وباب بني ورياغل، وباب المصلى وباب اليهود. وبها جامع كبير. وأكثر خشبهم الأرز. وبها حمامات كثيرة، وأسواق عامرة ممتدة. وهي بين نهرين، أحدهما اسمه نكور، وبه سميت المدينة. ودخلها المجوس سنة 244، وتغلبوا عليها، وانتهبوا من كان فيها إلا من خلصه الله بالفرار، وأقام المجوس بها ثمانية أيام، وخرجوا منها. وبينها وبين البحر خمسة أميال. وقامت البرانس على سعيد بن إدريس، فأظفره الله عليهم وهزمهم وقتل رئيسهم. ثم رجع من بقى منهمك إلى الطاعة. ومات سعيد بن إدريس بعد أن ملكهم سبعا وثلاثين سنة.
وولي ابنه صالح بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور. وكان لسعيد من الولد كمنصور وحماد وزيادة الله والرشيد، وعبد الرحمن
(1/176)
________________________________________
الشهيد ومعاوية وعثمان وعبد الله وإدريس. وكان عبد الرحمن فقيها بمذهب مالك، وحج أربعا، وعبر البحر إلى الأندلس برسم الجهاد، فقتل الثائر ابن حفصون كل من كان معه، وتخلص هو بنفسه إلى مرسية، وحضر غزوة أبي العباس القائد، واستشهد فيها. وقام علي صالح أخوه إدريس في بني ورياغل وجزناية، فالتقوا بجبل وزناية، وانهب إدريس عسكره، واستمر إلى مدينة نكور ليدخلها، فامتنع أهلها إلى أن أتاهم صالح صاحبها في خاصته، فدخلها في جوف الليل، ولن يعلم أخوه إدريس بذلك، وكان قد نول عليها وطمع فيها. فلما كلن في غد اقبل إدريس على فرسه وهو لا يعلم بأمر أخيه فأدخله المدينة، وأرجله فتيان صالح عن دابته، وأتوا به إلى أخيه، فأمر بحبسه. ثم سار عليه قاسم الوشتاقي بقتله، فأمر فتى من فتيانه يقال له عسلون فقتله، وامتنعت مكناسة على صالح، وحبسوا مغارمهم. فكتب إليهم يتوعدهم، وختم الكتاب، وأدخله في مخلاة، وشدها على حماره! وبعثه مع ثقته، وقال له (إذا توسطت مكناسة، فاترك الحمار بما عليه وانصرف) ففعل فوجد مكناسة حمار صالح، وقرؤوا كتابه فتمادوا على امتناعهم عليه. ثم انصرف رأيهم إلى جمع ما كان عليهم فجمعوه، وجللوا الحمار بملفحة، وأتوا صالحا بالحمار وبمغارمهم واستعفوه فعافاهم. وبقى صالح بن سعيد أميرا إلى أن نوفى بعد أن ملك أزيد من عشرين سنة.
وولى بعد ابنه سعيد بن صالح. فلما توطد الأمر له، دخل عليه عبيدهم الصقالبة، فسألوه العتق فقال لهم: أنتم جندنا وعبيدنا لا تدخلون في ورثنا. فما طلبكم للعتق؟ فألحوا عليه في ذلك وناله جفاء منهم، وخلعوه وقدموا أخاه عبيد الله وعمه الرضي المكنى بأبي علي وزحفوا بهما إلى القصر فحاربهم سعيد من أعلى القصر بمن كان معه وبالنساء. وقامت عليهم العامة،
(1/177)
________________________________________
فأخرجوه من البلد وهزموهم. فتحصنوا بقرية سبعة أيام، ثم ظفر بهم سعيد. وكان عنه الرضى صهره، فحبسه مع أخيه عبيد الله، وقتل من خرج معهما من بني عمه، منهم الأغلب، وأبو الأغلب، فقام سعادة الله بن هارون، وهو ابن عم الأغلب فقال: قتل ابن عني وأبقى عمه وأخاه! فألب عليه بني يصلاتن، وعقد أه معهم، وسعدة الله مع سعيد بمدينة نكور. ثم خذله سعادة الله، وانحاز إلى بني يصلاتن بمن معه فانهزم سعيد، وأخذت بنوده وطبوله، وقتل من مواليه نحو ألف رجل، وأتوا مع سعادة الله حتى حاصروا سعيد بن صالح بنكور. ثم كانت الكرة لسعيد عليهم، فهزمهم، واسر ميمون بن هارون أخا سعادة الله، وسار إلى تمسامان. فأحرق دياره وخربها وانصرف إلى نكور. وخرج سعادة الله بعد ذلك إلى بطوية وبني ورتدي، وزحف بهم إلى زناتة، فحاربهم وهزمهم، وانقادت له جميع تلك البلاد. ثم انصرف إلى مدينة نكور، فأقام بها مصافيا لسعيد المذكور.
ولما تغلب عبيد الله الشيعي، كتب إلى أهل المغرب، يدعوهم إلى الدخول في طاعنته والتدين بإمامته. وكتب بمثل ذلك إلى سعيد بن صالح، وفي أسفله أبياتا كثيرة منها (طويل) .
فإن تستقيموا أستقم لصالحكم ... وأن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا
وأعلو بسيفي قاهر السيوفكم ... وأدخلها عفوا وأملوها قتلا
فأجابه شاعرهم، فقال: (طويل) .
كذبت وبيت الله لا تعرف العدلا ... ولا عرف الرحمن من قولك الفضلا
وما أنت إلا كافر ومنافق ... تميل مع الجهال في السنة المثلا
وهمتنا العليا لدين محمد ... وقد جعل الرحمن همتك السفلا
(1/178)
________________________________________
فكتب عبيد الله الشيعي إلى مصالة قائده على تبهرت، يأمره بالنهوض إلى مدينة نكور، ويأمره بمحاربة سعيد بن صالح المذكور. فخرج مصالة من تبهرت في غرة ذى الحجة من السنة الفارطة عن هذه المؤرخة، فنزل من مدينة نكور على مسيرة يوم. فخرج إليه سعيد، فحاربه ثلاثة أيام مكافئا له. وكان مع سعيد رجل من أعلام البربر يقال له أحمد بن العباس من بني يطوفت، دعته نفسه إلى أن يقصد محلة مصالة في سبعة فوارس، واقتحم إلى مصالة، فتصايح الناس، وأخذ أحد أسيرا زمن معه، فأمر مصالة بضرب أعناقهم، فقال له أحمد: ليس مثلي يقتل! فقال مصالة: لم؟ قال: لأنك لا تطمع في سعيد إلا بسببي! فاستبقاه وقربه حتى أنس به، ثم أعطاه جيشا فقصد به جانبا كان يعلم الغرة منه، حتى دخل عسكر سعيد من حيث لا يظن به. ففرق جمعه وغشى سعيدا ما لم يتأهب له، وترادفت عليه العساكر، ونظر أمرا لا يستطيع المقام معه، فبعث إلى مدينة نكور، فأخرج كل من كان في قصره وما معهم، وساروا إلى جزيرة في موسى نكور، ومعهم صالح بن سعيد، وإدريس والمعتصم. وقابل سعيد حتى قتل واستبيح عسكره. ودخل مصالة مدينة نكور، فقتل رجالها، وسبى النساء والذراري. وفي ذلك يقول بعض الشعراء (رجز) .
لما طغى الأرذل وابن الأرذل
في عصبة من الطغاة الجهل
قال: نكور دون ربّي معقلي
أتاه محتوم القضاء الفيصل
من الإله المتعالي الأعدل
حطم أهل كفرها بالكلكل
وجاء رأس رأسها المبدل
(1/179)
________________________________________
على قنا من الرماح الذبل
ذو لمة شعناء لم تقتل
ولحية غراء لم ترجل
وركب من نجا من ذرية سعيد البحر إلى مقالة، فاستقروا بها لقربها من بلدهم ورجائهم العودة إليه. وبقى مصالبة في نكور نحو ستة أشهر، ثم استخلف عليها ذلول. فكان من أمره ما تقدم ذكره. وذلك أنه لما افترق عن ذلول أصحابه سمع بذلك بنو سعيد بمقالة، فعبروا البحر في مراكب مختلفة، في ليلة واحدة، واتفقوا على أن من وصل غليها قبل فالولاية له، ثقة منهم برعيتهم. وكانوا إدريس والمعتصم وصالح بني سعيد. فوصل صالح من ليلته، فتسامع البربر بقدومه، فتسارعوا إليه، وعقدوا له الأمرة، ولقبوه باليتيم، وزحفوا إلى ذلول وأصحابه فقتلوهم أجمعين. وكتب صالح بالفتح والنصر إلى أمير المؤمنين الناصر فأمر بإمداد صالح بالأخبية والآلات والأسلحة والبنود والطبول،، فتوطد الملك بالمغرب لصالح بن سعيد، وبقي أخوته في البحر شهرا يترددون فيه إلى أن وصلوا بعد ذلك إلى نكور. وهي في وقتنا هذا مدينة المزمة أو قريبا منها، وفي هذه السنة تم شأن القاسمية بالقيروان، وانتقل إليها التجار وأهل الصناعات، وذلك في شهر ربيع الأول. وفيها مات أبو جعفر أحمد بن محمد القرشي المعروف بالمغرباني، وكان من أهل الزهد والعبادة، وله سمات كثيرة من سحنون وغيره. وفيها مات القاضي بقفصه، وهو مالك بن عيسى بن نصير، وكانت له رحلتان في طلب بالحديث، أقام فيهما عشرين سنة، وكان به بصيرا، وفي علمه نافذا. وفيها مات بمدينة رقادة من قريش أفريقية أبو الفضل محمد بن عبد السلام بن عبد السلام، من ولد عبد الملك بن مروان، وكان قد تولى جباية طرابلس وتونس لينج مع القوم ويبقى معهم، فتوصل بذلك إلى أخذ نعمته،
(1/180)
________________________________________
ومات في عذاب الشيعة. وفيها أخذ أهل الضياع بأعمال أفريقية بمغرم سمى التضيبع. وزعموا أنمه من بقايا التقسيط.
وفي سنة 306، خرج أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي إلى مصر في سفرته الثانية وذلك يوم الاثنين مستهل ذي القعدة بعد أن حشد من كتامة جملا كثيرة ومن عرب أفريقية وبربرها وخرج معه خليل بن إسحاق وأبو غانم الكاتب، وغيرهما من رجال أبيه. وعزل عبيد الله عن القيروان منّ الله بن الحسن بن أبي خنزير، وأخرجه مع ابنه أبي القاسم إلى مصر، وولى عمل القيروان أبا سعيد الضيف، وفيها وقعت النار بالقيروان في سوقها ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة من ذي الحجة.
وفيها توفي أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون، وله سماع من ابيه، وغلبت عليه الزهادة والعبادة. وفيها، مات أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن ابن جندب المعروف بموسى القطان، وكان من رجال محمد بن سحنون، وولي قضاء مدينة طرابلس في أيلام عيسى بن مسكين، وعزله إبراهيم بن أحمد عن القضاء وحبسه، وله اثني عشر جزءا ألفها في أحكام القران. وفيها مات بمدينة برقة أبو مدين بن فروخ اللهبطي، وكان قائد الشيعة بها.
وفي سنة 307، كان بأفريقية وما والاها إلى مصر، طاعون شديد وغلاء وغلاء سعر مع الجور الشامل من الشيعة، والتعلل على أموال الناس في كل جهة. وفيها، قدم أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي سليمان بن كافي، صاحب مقدمته إلى الإسكندرية في حملة من رجال كتانة وغيرهم، فوجد أهلها غافلين. فلما أحسوا بالخيل، وتلاحق بهم أبو القاسم بجيوشه، أخلوا المدينة وتركوها. فدخلها أبو القاسم الشيعي، وانتهب أموال أهلها وكتب إلى أبيه بالفتح، ثم قدم سليمان بن كافي بالجيوش إلى الفيوم فدخلها بالسيف، وقتل أهلها، وانتهب أموالها وسبى الذرية وجبى الخراج، وأقبلت العساكر من أفريقية يتلوا بعضها بعضا، فاجتمع إلى أبو القاسم عدد يجل عن الإحصاء. فتنقل من
(1/181)
________________________________________
محته عن الإسكندرية إلى الفيوم ونزل بالأشمونين في رجب. وألقى الأطعمة في الأنادر لم تخزن، فانتهبها العساكر. وغلت الأسعار بمصر وبالعسكر، ووقع الوباء في الناس وجلا كثيرا منهم. وكانت مصر في ذلك الحين خالية من الجند، فاجتمعوا وتشاوروا في أمرهم، فردوه إلى محمد بن على المادراني وأخيه أبي زنبور، فكتبا إلى أبو القاسم سرا يعرفنه بغيبة الجند وضعف البلد وأظهرا له المسارعة إلى طاعته، وسألاه الاستثناء عليهم لما يتوقعون من العوام، وكان مذهبهما أن يكتف عنهم حتى تأتيهم الرجال من بغداد. وكتب المارداني إلى المقتدر بنزول العساكر عليهم. وفي هذه السنة أقبل ثمل الفتى بالمراكب الشامية، مغيثا لأهل الإسكندرية. فألفى الشيعة بها أسطولا لمحاربة ثمل حتى تغلب على الأسطول بمن فيه، وذلك يوم الأحد لاثنتي عشر ليلة بقيت من شوال، وأسر جملة من رجال كتامة ثم نهض ثمل بالأسرى إلى الفسطاط، فطوفهم على الجمال مشهرين، وفيهم جماعة من رجال الشيعي المشهورين بالبأس.
وفيها مات القاضي محمد بن محفوظ القمودي بإفريقيا، وكان ضعيف الرأي جائر الحكم وولى القضاء بالقيروان إسحاق بن أبي المنهال. وفيها هبت بالقيروان رياح مظلمة صفراء دامت أياما وسدت الأفق حتى كان الرجال لا يرى جليسه، وأتبعها الوباء الذي تقدم ذكره. وفيها مات أحمد بن علي بن دودان الفقيه وكانت له رحلة سمع فيها من يونس والمزني. ومات محمد بن أحمد بن يحيى بن مهران الفقيه من رجال محمد بن سحنون. ومات أبو سليمان داود بن مسرور الغساني وكان متزهدا فاضلا ومات محمد بن عبد الله ابن القاضي أحمد بن محرز. ومات بمدينة تونس من قريش محمد بن أحمد بن عبد الله بن سعيد بن خالد بن عبيد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وكان يلقب بالبعرة وكان طرأ على إبراهيم بن أحمد من المدينة، ودخل الأندلس مرتين.
وفي هذه السنة قتل بالقيروان عروس المؤذن بمسجد أبو عياش
(1/182)
________________________________________
الفقيه إذ شهد عليه قوم من المشارقة بأنه أذن ولم يقل: (حي على خير العمل) وكان من المتزهدين يطحن بيده، ويعمل الخلفاء، ويتعيش من ذلك. وفيها مات من الفقهاء بالقيروان عبد الله بن محمد بن يحيى الرعيني من أصحاب سحنون، ومحمد بن موسى التميمي من شيوخ العراقيين، وإسحاق بن إبراهيم بن أبي عاصم الفارسي، وأبو جعفر أحمد بن منصور مولى بني تميم وكان يعرف بابن المقرعة الغاسل، وسمع بمكة ومصر. ومات جماعة من التجار ومن خدم السلطان ومن الأطباء ممن يطول الكتاب بذكره.
وفي سنة 308 سار مصالة قائد عبيد الله الشيعي نحو المغرب بالجيوش. فلما بلغ قريبا من نكور خرج صالح بن سعيد عن مدينة نكور وتحصن بجبل هناك يعرف بجبل أبي الحسين. ودخل مصالة المدينة وضبطها ثم سار منها إلى جهة فاس. وكان بها حينئذٍ يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس في أهله ورجاله. فلما قرب منها، أرادوا مدافعته. فحاربهم أياما حتى هزمهم. ودخل مصالة مدينة فاس وضبطها. وقال شاعرهم وقد عرض بها بسيط:
دخلت فاسا وشوق إلى فاس ... والجبن يأخذ بالعينين والرأس
فلست أخل فاسا ما حييت ولو ... أعطيت فاسا بما فيها من الناس
وفيها قتل أبو سعيد موسى بن أحمد بن موسى بن أحمد بمدينة القيروان زيادة بن خلفون المقطبب مولى بني الأغلب، وكان عالما بالطب، حسن الذهن فيه، وكان عبيد الله قد احتاج إلى زيادة، وقربه من نفسه وحذره من أبي سعيد، لاختلاف كان قد وقع بينهما، وأمره أن لا يدخل القريوان إذا كان أبو سعيد بها، فالتزم زيادة ذلك إلى ا، بات ليلة بالقيروان، وأبو سعيد برقادة، وكانت له عيون عليه فبعث إليه من دخل عليه داره، وقتله بها.
(1/183)
________________________________________
وفي هذه السنة انتقل عبيد الله الشيعي بعياله وأمواله ونقله إلى المهدية يوم الخميس لثمان خلون من شوال، بعد أن كمل قصره بها، وقصر ولده أبي القاسم، وسور المدينة وبعض دور رجاله، ولم يكمل الكل. وكانت في هذه السنة بالقيروان ورقادة أمطار كثيرة، هدمت المباني، فاضطر عبيد الله إلى استعجال التنقل. فقالت شعراء أفريقية في انتقاله واستيطانه من الشعر ما ذكرنا أبياتا منها ليستدل بما فيها على ما كان يستحله ويجوز عنده من الأشعار (وافر)
ليهنك أيها الملك الهمام ... قدوم فيه الدهر ابتسام
حططت الرحل في بلد كريم ... رعته لك الملائكة الكرام
لئن عظم الحرام وما يليه ... كما عظمت مشاهده العظام
لقد عظيت بأرض الغرب دار ... بها الصلوات تقبل والصيام
هي المهدية الحرم الموقى ... كما بتهامة البلد الحرام
كأن مقام إبراهيم فيه ... ثرى قدميك إن عدم المقام
وإن لئم الحجيج الركن أضحى ... لنا بعراص قصركم التشام
لئن شاب الزمان وشاب منك ... دعائمه إذا عجمت حطام
لملكك أيها المهدي ملك ... غلام والزمان به غلام
لك الدنيا ونسلك حيث كنتم ... فكلكم لها أبدا إمام
وفي هذه السنة قتل بالقيروان من قريش تميم علي بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن هاشم بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رحمه الله - قتله أبو سعيد موسى بن أحمد إذ اتهمه برفع كتاب إلى عبيد
(1/184)
________________________________________
الله بأن أهل القيروان عقدوا مع أبي سعيد هذا على الخلاف فحكمه عبيد الله فيه وحبسه، ثم خنق حتى مات. وفيها مات من قواد بني الأغلب أبو جعفر أحمد بن تميم، ومن الفقهاء سعيد بن حكمون، وكان زاهدا. وتوفي إبراهيم ابن تونس المعروف بابن الحساب، مولى موسى بن نصير، وكان يلقب حارث حسبة، وولي أحكام القيروان وقضاء مدينة رقادة. وتوفي من الفقهاء العراقيين أحمد بن عبد الرحمن اللخمي، سمع كمن محمد بن وهب وغيره. وتوفي منهم أحمد ابن غبدون بن وهب. وتوفي الربيع بن هشام التميمي، وكان من الزهاد المتعففين.
وفي سنة 309 فتح مصالة بن حبوس مدينة سلجمانة، وانتهب أموالها وقتل بها أحمد بن مدرار وولي عليها المعتز بن محمد بن مدرار، وانصرف. وفيها أظهر منيب بن سليمان الكمناسي الداعي التشريق بجانب تبهرت وتحليل المحرمات. وقيل أن عبيد الله وغيره من الأطراف، وأمرهم بإظهار التشريق فإن وجدوا الناس محتملين له ومغضبين عليه، نشروه عند العامة، وأظهروه. فلما كشف منيب بجبل ونشريش ما أمره عبيد الله به وكان الرجل يدخل إلى حليلة جاره، فيطأها وزوجها حاضر ينظر إليه ثم يخرج، فيبصق في وجهه، ويصفع قفاه ويقول له: تَصَبّر فإذا صبر عد كامل الإيمان وسمي من الصابرة. فقام عليهم الناس وقتلوا بعضهم! وفيها، وصل أبو القاسم الشيعي إلى المهدية يوم السبت مستهل رجب منصرفة من الفيوم وكانت سفرته هذه سنتين وثمانية أشهر.
وفيها، أمر عبيد الله بحبس نحو مائتي رجل أظهروا التشريق بالقيروان
(1/185)
________________________________________
وباجة تونس، وجاهروا بتحليل المحرم وأكلوا الخنزير وشربوا الخمر في رمضان جهارا. وعلم بذلك الخاص والعام حتى عير به أبو القاسم أيام كونه بالفيوم وكثر القول من الناس في هذا فكتب عبيد الله إلى عماله بهذه المواضع بأن يرفعوهم إليه مقيدين، ثم حبسوا، فمات أكثرهم بالسجن وكلهم مشهور بأفريقية: منهم أحمد البلوي النخاس بالرقيق كان يصلي إلى رقادة أيام كون عبيد الله بها وهي منه في المغرب فلما انتقل عبيد الله إلى المهدية وهي منه في المشرق، صلى إليها وكان يقول: لست ممن يعبد من لا يرى! وكان يتصدى لعبيد الله ويقول له: أرق إلى السماء كم تقيم في الأرض وتمشي في الأسواق! وكان يقول لأهل القيروان في عبيد الله: أنه يعلم سركم ونجواكم! فاقرب إليه يرجلا يوما وهو يقول ذاك فأخذ أذنه ونطق فيها: عبيد الله الذي نقول زان! ابن الزانية! فإن كان يعلم ما قلت لك، فلينتصر! فصاح صيحة عظيمة وقال: يا مسكين! إنه حليم لا يعجل! ومنهم إبراهيم بن غازي، وكان يأكل في شهر رمضان جهارا ويركب الكبائر وكان في أيام بني الأغلب من المتزهدين المرابطين بقصر الطوب المجاور لسوسة وقد كان أهل سوسة أرادوا تقديمه لصلات الجماعة. وفيها تصدى جماعة من أهل القيروان بالنساء والذرية لأبي القاسم، وشكوا إليه سرا جور أبي سعيد وأصحاب المحارس، ووصفوا إفسادهم وغارتهم على أموالهم فاستأذن لهم على أبيه، فدخلوا كافة، وشكوا غليه بما شكوا به إلى أبي القاسم وأبو سعيد جالس عنده فحلف لهم عبيد الله أنه ما علم بظلمهم، وأمرهم بالانصراف ووعدهن بالإنصاف وأمر أبا سعيد برفع كتابه وقوم من أصحاب المحارس إليه فحسبهم عبيد الله وأطلق كاتبه.
وفيها، أمر عبيد الله بأن يكون طريق الحاج على المهدية، لأداء ما وظف عليهم من المغارم في الشطور، وألا يتعدى هذا الطريق أحد وكان
(1/186)
________________________________________
من أمثال أهل القيروان في أيام بني الأغلب عند مطالبة شيء ممتنع: إذا أردت الحج، فخذ على بندون! وبندون هذه قرية في طريق جمة والطريق القصدة إنما هي على مصر. فلما عهد عبيد الله بأن تكون طريقهم على المهدية صار المثل القديم حقا.
وفبه، أمر عبيد اله بقتل أبي علي حسن بن مفرج الفقيه، ومحمد الشذوني الزاهد، إذ رفع عليهما إليه بتفضيل بعض الصحابة على عليّ وفيها مات بمدينة سوسة أبو الغصن نقش الفقيه، سمع من سحنون زمن عون بن يوسف وغيرهما، وتوفي محمد بن هيثم بن سليمان بن حمدون القيسي الفقيه ومحمد، ومحمد ابنا عبد السلام بن إسماعيل من بني عبد الملك بت مروان، وفي سنة 310، قدم مصالة بن حبوس إلى المهدية على عبيد الله. فأقام بها أياما. ثم صرفه إلى تبهرت. فخرج إليها في شعبان. وفيها، قرى كتاب لعبيد الله الشيعي في جامع القيروان بوقعة كانت بين فلاح بن قمون وبين جند مصر بذات الحمام. وفيها، قتل بجبل أوراس أبو معلوم فحلون الكتامي من قواد عبيد الله وكان قد أخرجه إلى هذا الجبل، فكلف أهله فوق وسعهم وأمرهم برفع عيالاتهم إلى المهدية، فأظهروا الطاعة له، وشرعوا فيما أمرهم به فلما كان في بعض الليالي، وثبوا عليه وعلى جند كتامة الذين كانوا معه، فقتلوهم أجمعين.
وفيها خالفت نفوسة على عبيد الله، وقدموا على أنفسهم أبا بطة فاجتمع إليه عدد كثير واشتدت شوكته. فأخرج إليهم عبيد الله علي بن سلمان الداعي في جمع كثير فلما قرب منهم بيتوه فقتلوا من أصحابه وانهزم الباقون وتفرقوا عن علي بن سلمان، فسار علي إلى طرابلس، وكتب إلى عبيد اله بذلك فكتب عبيد الله إلى علي بن لقمان عامله على قابس بأن يقتل كل من مر به من المنهزمين فقتل منهم جماعة. وامتد عبيد الله بن سلمان بالجيوش، وأخذ في حصار نفوسة بعزم. وفيها، غزا مسعود الفتى بلد الروم في البحر في عشرين
(1/187)
________________________________________
شينيا فافتتح مدينة أغاثي، وسباها وانصرف إلى المهدية وفيها، توفي محمد بن سلام بن سيار البرقي الهمداني وكان متفقها على مذهب الشيعة وتوفي من قريش أحمد بن يحيى بن خالد السهمي، بعد أن جاوز التسعين وكانت له رحلة، وسمع من أبي سنجر مسنده.
وقام حسن بن على الحسني مع البربر فأتى إلى فارس، وبها ريحان الكتاني قائدا عليها من قبل عبيد الله فأخرجه منها واستبد بها ثم غدره حامد بن حمدان وأدخل بن أبي العافية، وكان وكان يتولى لبني أمية، فبقى بها إلى أن أرسل الشيعي قائديه مسرورا وجواهرا. ففر أمامهما. وبقى فيها قائد الشيعي إلى أن أخرجه بنو إدريس ورجع ملكها لهم حتى حاربها عسكر الناصر الأموي صاحب الأندلس وملكها. وفيها، مات أبيو جعفر الطبري.
وفي سنة 311، عزل عبيد الله إسحاق بن أبي المنهال عن قضاء مدينة القيروان يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وأخرج إليه عبيد الله من قال له: لم نعزلك عن حرجة، وإنما عزلناك للينك ومهانتك! وولى قضاء مدينة القيروان محمد بن عمران النفطي وكان قبل ذلك على قضاء مدينة طرابلس، فجمع بها أموال كثيرة من الرشى والأحباس ورفعها إلى عبيد الله فكانت له وسيلة إليه.
وفيها، أوقع علي بن أبي سلمان بأهل نفوسة، ودخل حصنهم وهدمه وقتل الرجال، وسبى الذرية، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان. وفيها، ضرب محمد بن العباس الهذلي الفقيه بالدرة في الجامع عريانا، وصفع قفاه حتى جرى الدم من رأسه، وبرح عليه في أسواق القيروان إذ شهد عليه قوم من المشارقة بأنه يطعن على السلطان ويفتي بقول مالك، وفيها، دخل مسرور بن سليمان بن كافي الواحات من صعيد مصر وهما حضنان في قفار ورمال، وكان عليها عامل لصاحب مصر يعرف بالبكربازي، فهزمه
(1/188)
________________________________________
مسرور وأسر ولده وابن أخيه، واستحوذ على الموضع ثم وقع الطاعون في أصحاب مسرور فأخرب الحصن، وقلع أثمارها، وانصرف إلى برقة.
وفي هذه السنة، مات بالقيروان من العدول وأهل السنة والخير محمد بن شيبة بن حسان وكان شيبة من القواد الداخلين أفريقية مع يزيد بن حاتم وفيها، مات بتونس أبو جعفر محمد بن تميم التميمي وكان من قواد زيادة الله فهرب إلى أبا عبد الله الشيعي ودخل معه أفريقية. وفيها، مات أبو الفضل أحمد بن جعفر بن موسى الصمادحي.
وفي سنة 312، خرج مصالة من تبهرت إلى زناتة فأداخ بلدهم وقتل وسبى وأخرج خيلا إلى بعض ؤنواحي ابن خرز وكان فيها أكثر حماته ووجوه رجاله، وبقى مصالة في نفر من أصحابه. فبلغ ذلك ابن خرز فقصد نحو مصالة، ودارت بين الفريقين حرب عظيمة، قتل فيها مصالة وانهزم أصحابه وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان. وفيها، خرج أبو جعفر ابن عبيد الحاجب في أسطول كبير إلى صقلية يريد غزو الروم فشتى بصقلبة تلك السنة، ولم يلق العدو، وفي هذه السنة، مات بالقيروان القاضي محمد بن عمران النفطي في شهر ربيع الأول، وكان يرتشي على الأحكام، ويستهتر في ضروب من المنكر. فولى عبيد الله القضاء مكانه إسحاق بن أبي المنهال مرة ثانية وكتب في عهده: وإنما كنا عزلناك للينك ومهانتك! ورددناك لدينك وأمانتك! وفيها، مات محمد بن حفص الفهم، وكان من أهل الفضل والدين، وأم بالناس الإشفاع بجامع القيروان في أيام بني الأغلب قم ولى صلاة جامع رقادة وكان يرتوق في كل شهر عشرة مثاقيل فأحضره المروذي عند نفسه وقال: لا يوم بنا إلا ولى من أولياء أمير المؤمنين. فأدخل إلى بعض الدعاة يأخذ عليك البيعة، وتبقى على خطتك! وإنما أراد أن يتشرق معهم ويدخل في الكفر مدخلهم. فقال له: أنظرني اليوم أشاور نفسي! فأنظره ثم أتاه
(1/189)
________________________________________
من الغد وقد كره الدخول معهم في شيء مما هم عليه فعزا عن الصلاة. وفيها، قريّ كتاب عبيد الله بالقيروان وأعمالها بدخول مسرور بن سليمان بن كافي الواحات، وملكه لها، وتاريخه يوم الخميس لثمان ليال بقين من محرم.
وفي سنة 313، غزا أبو أحمد جعفر بن عبيد الحاجب بلد الروم من صقلية، فافتتح أماكن كثيرة ومنها مدينة واري، وقتل بها ستة آلاف مقاتل، وأخرج منها عشرة آلاف سبية وأسر بها بطريقا صالحه عن نفسه ومدينته بخمسة آلاف مثقال وانصرف إلى صقلية فوصل إليها لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، وكتب إلى عبيد الله الشيعي بالفتح، ثم قدم جعفر بعد ذلك إلى المهدية وأوصل جميع الغنائم إلى عبيد الله الشيعي فذكر بعض رجاله أنه دخل عليه وبين يديه جوهر كثير، وديباج سني، وأموال، فقال له: يا مولاي، ما رأيت كاليوم منظر! فقال له عبيد الله: هذه من الغنائم التي أصيبت بوارى! فقال له الرجل: أن من أدى هذا لأمين! وأراد أن يثني بذلك على جعفر الحاجب فقال له عبيد الله مبادرا: والله! ما أعطاني من الجمل إلا أذنيه! وفيها، ولي أحمد بن بحر بن علي بن صالح، المعروف بابن أخي كرام، مظالم القيروان وجلس للنظر يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، وفيها، مات بمدينة سوسة محمد بن يسطام بن رجاء الضبي الفقيه وكانت له رحلة سمع فيها من ابن عبد الحكم وغيره. ومات عبد العزيز بن شيبة وكانت له رحلة أيضا سمع فيها من بندار وأبي موسى الزمن، وأبي حفص القلاس، ولم يتخلف هذا المتوفى وارثا، فورثه عبيد الله وكان له مسجد يجاور داره وفندقه، فأغلق الناظر في المواريث لعبيد الله المسجد، ووصله بالدار والفندق. وفيها ابتدأ عبيد الله الشيعي ببناء مدينة المسيلة وسماها المحمدية على بد علي بن حمدون الجذامي المعروف بابن الأندلسي في وسط أرض بني برزال وبني كهلان على قرب من هوارة. وكانت على واد ولها سوران تنيهما ساقية من هذا الوادي.
(1/190)
________________________________________
وفي سنة 314، عزل عبيد اله الشيعي عن عمالة القيروان نسينا فتاه وضمه إلى المهدية، وحبس عند جوذر الفتى، وقبض على أمواله، وكان نسيم سريع الغضب والضرب بالسوط. وولي عبيد الله عمالة القيروان صابر الفتى مولى بن قرهب. وفيها، زحف ابن خزر إلى تبهرت وحاربها فانهزم عنها وأخرج عبيد الله في أثره موسى بن محمد الكتامي في جماعة من القواد فلما صاروا بطبنة، دخل محمد بن خزر الصحراء، وأبقى أخاه عبد الله مع وجوه رجاله بوادي مطماطة، فدا ت بينه وبين رجال الشيعي حرب عظيمة كان الظفر فيها والغلية لابن خزر. ثم أخرج عبيد الله إلي إسحاق بن خليفة وأصحابه وخالفت على الشيعي لماية، وما جاورها من القبائل واستمدوا بابن خزر فكتبوا إلى عبيد الله مستمدين، فأمدهم بجيش كبير فهزموه. وأرسلت هذه القبائل إلى محمد بن جزر، فولى عليهم أخاه عبد الله. ودارت بينه وبين جيوش الشيعي وقائع كثيرة. وفيها، مات مونس البغدادي المغني مولى موسى بن بغل بالمهدية فجأة.
وفي سنة 315، خرج أبو القسم بن عبيد الله الشيعي من المهدية يريد المغرب، يوم الخميس لتسع ليال خلون من صفر. وكانت طريقه على القيروان، ثم نزل الأريس. فأقام بها أياما حتى اجتمعت إليه العساكر. فسار إلى باغاية، ثم إلى كتامة، ونقدم إلى جبل فيه بنو برزال، وقوم من مكلاتة. فامتنعوا عليه، فحاربهم حتى فتح له عليهم ونوجه إلى مدغرة، ثم إلى سوق إبراهيم. فأقام في تلك الجهة أكثر من شهر لكلب الشتاء وكثرة الوحل. فحكى بعض رجال عبيد الله أنه كان بين يديه، هو وطائفة من خدمه وصحبه، وقد توقفت كتب أبو القاسم عن الورود حتى ساءت الظنون من جهته، فورد كتابه على أبيه بمحضرهم. فلما فتحه وقرأه، بكى، قال: فخفنا أن يكون حدث وأمر وهممنا بالبكاء معه حتى افتتح الكلام، فقال: اللهم أنك تعلم أنني ما أردت إخراجه إلى المغرب إلا رضاك، ونصرة دينك، وإذلال أعدائك! وما
(1/191)
________________________________________
يسهل عليّ أن أفارقه يوما واحدا، قال: ثم التفت إلينا فقال: هذا مولاكم يذكر في كتابه أنه أقام فير مناخ واحد شهرا كاملا، عليه المطر كل يوم بالغدو والآصال، وأنه مشى عقابا كثيرة راجلا، إذ لم يستطع الركوب فيها لوعرها، ويقتات كل يوم ببيضة أو نحوها لكثرة الذباب في العسكر! وفيها، خرج صابر الفتى إلى صقلية لغزو بلد الروم، في أربعة وأربعين مركبا، فأصاب في غزاته هذه وسبى وقتل.
وفيها، قتل برملة المهدية معلى بن محمد الملوسي الداعي، بعثه أبو القاسم من المغرب مقيدا. فأمر عبيد الله بضرب عنقه،.
وفيها، قتل بمصمود الساحل، من أحواز طنجة حاميم المفتري ابن منّ الله. وكان قد تنبأ بالجبل المنسوب إليه، وأجابه بشر كثير من البربر الجهال، وشهدوا له بالرسالة. وقد كان سنّ لهم صوم يزم الخميس، فمن أكل فيه، غرم خمسة أثوار، وصوم الاثنين، فمن أكل فيه غرم ثورين، ونحو هذا من الباطل والحماقات. ومما قيل فيه (طويل) .
قالوا افتراء إن حاميم مرسل ... إليهم بدين واضح الحق باهر
فقلت: كذبتم بدد الله شملكم! ... فما هو إلا عاهر وابن عاهر!
فإن كان حاميم رسولا فإنني ... بمرسل حاميم لأول كافر!
رووا عن عجوز ذات إفك بهيمة ... تجاوز في أسحارها كل ساحر
أحاديث إنك حاك إبليس نسجها ... يسرونها والله مبدي السرائر!
وفي هذه السنة، توفي محمد بن سلمون القطان بأفريقية، وله سماع كثير من رجال سحنون. وتوفي من التجار وأهل العدالة حاتم بن عبد الرحمن بن حاتم، سمع من سحنون ورحل إلى العراق.
وفي سنة 316، زحف أبو القاسم الشيعي إلى قبائل البربر بالمغرب، فنزل
(1/192)
________________________________________
ببرقاجنة على حصنها المعروف بأغزر يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم، فقاتلهم، ونقب السور عليهم حتى سقط، وهلك ممن كان تحته وفوقه عدد كثير. فلما نظروا إلى الغلبة، أحرقوا الأمتعة، وعرقبوا الدواب والمواشي، وقاتلوا الشيعة حتى قتلوا، وأسر منهم من استأسر وانتهب ما في الحصن. وأجابت هوارة ولماية إلى طاعة الشيعة، فأمنهم أبو القاسم، ثم سار إلى جهة تبهرت فأقام بها نحو شهر، وتقدم منها إلى تامغلت، فأقام بها شهرين، مناظرا لين خزر، وهو حينئذ بموصع يقال له أورن ثم نكب أبو القاسم إلى مدينة طبنة، وانصرف إلى المهدية دون أن يلقي ابن حزر. وقيل أن سبب انصرافه، إنما كان لكتاب ورده من قبل ابنه قاسم، يعلمه أن الناس تحدثوا بمبايعة عبيد الله لابنه أحمد المكنى بأبي عليّ وأنه صلى بالناس عيد الفطر وعيد الأضحى. فأقلقه ذلك، وقدم المهدية.
وفيها غزا صابر من صقلية إلى بلد الروم فافتتح موضعا يعرف بالغيران وقلعة الحسب، واحتوى على ما فيهما، وزحف إلى سلير، فصالحه أهلها بمال وديباج. ثم توجه إلى نابل، فصالحوه أيضا بمال وثياب ثم صدر إلى صقلية. وفيها، مات محمد بن أحمد بن أبي زاهر من الفقهاء بالقيروان، وعبد الله المعروف بالعيني وكان من المعبدين. وفيها، ابتدأ غلاء السعر بالقيروان. زفيها كان ابتداء أمر أبي مخلد بن كيداد الزناتي، وهو رجلا أخذ نفسه بمذاهب النكار يحلل دماء المسلمين وفروجهم ويسب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكان أول أمره بتقيوس، يعلم الصبيان، ويعتقد الخروج على السلطان ويحتسب على الناس في كثير من أفعالهم، وعلى جباة الأموال. فغير في هذا العام على عامل تقيوس، وأمر بقتله، فقتله أهل نقيوس ففزع أبو يزيد عند ذلك، وخرج إلى الحج. فلما وصل إلى طرابلس، وصل كتاب عبيد الله في طلب قوم من البربر فهرب هو وصاحبه أبو عمار الأعمى، وكان على
(1/193)
________________________________________
مذهبه وضلاله. فكرا في تقيوس، فورد كتاب عبيد الله في طبنة فيها زال يقر ويستتر إلى أن ظهر أمره بعد ذلك.
وفي سنة 317، كان بالقيروان وأعمالها وباء عظيم وغلاء سعر فبلغ قفيز قمح بالكيل القرطبي مثقال ذهب. وفيها، تغلب محمد بن خزر على الزاب كله وملكه جملة. وفيها، بنى بنو محمد المدينة المعروفة فجر النسر. وفيها سار موسى بن أبي العافية إلى مدينة نكور وصاحبها يومئذ المؤيد بن عبد البديع ابن إدريس بن صالح بن منصور. فحاصره فيها حتى تغلب عليها واستباحها وغنم ما فيها وقتل المؤيد وهدم أسوارها. ثم سار يريد بني محمد بن سليمان ابن عبد الله، وعميدهم يومئذ الحسن بن عيسى المعروف بابن أبي العيش صاحب جرواة، وهي أشرف مدائن ذلك الجانب. فنزل عليها وحاصر ابن أبي العيش فيها حتى أوفى على أخذها. فلما أحس ابن أبي العيش بالغلبة، وخرج في الليل، هاربا بأهله وولده ومن تبعه، ونجا إلى مربي جروة المعروف بأكاس. فدخل منه البحر وعاذ بجزائر ملوية. ثم سار إلى جزيرة أرشقول، وهي منيعة لا ترام، فتحصن فيها بأهله وولده ومواليه. وجال موسى بن أبي العافية بتلك الجهات وأخذ مدينة تربية ومدينة أرشقول. وهرب كل من في ذلك الجانب من آل محمد بن سليمان، وخلص الموضع لموسى بن أبي العافية وأخلى منه قواد بني خزر وعمالهم وصار في ملكه من أحواز تبهرت إلى السوس الأقصى وفبها، غزا صابر الفتى غزوته الثالثة والتقى في البحر بالسردغوس، وهم في سبعة مراكب، وصابر في أربعة مراكب فانهزم السردغوس. وفتح صابر مدينة نرمولة، وسبى فيها سبيا كثيرا، ثم انصرف إلى المهدية. وفيها مات بالقيروان من الفقهاء أحمد بن نصير بن زياد، سمع من محمد بن سحنون ومن ابن عبدوس
(1/194)
________________________________________
ومن يوسف بن يحيى المغامي وكان عالما بالمناظرة مليئا بالشاهد، صحيح المذهب، سليم القلب. قال محمد بن حار: حضرته يوما، وعنده جماعة من المحاظرين في المسألة، حنى دخل عليه محمد بن عبد الله بن مسرة القلاطبي في حين توجهه إلى الحج فسلم، وجلس جانبا وهو يجيل بصره في وجوه المتكلمين. قال: فلم أشك أنه من أهل العلم، ولم أكن عرفته باسمه. فلما أظهر الشيخ أحمد بن نصر القيام، قال له: (يا شاب جلست منذ يوم. فهل من حاجة تذكرها؟) فجاوبه محمد بن مسرة بكلام حسن بليغ وقال له: (أتيتك مقتبسا من نورك، ومستمدا من علمك) وجاوبه أحمد بن نصر أيضا بجواب حسن. ثم قام وقمنا بأثره. وفيها، مات محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، وكان ولي المظالم بالقيروان، ولما أراد إبراهيم بن أحمد توليته المظالم، اعتذر إليه بأن فيه حياء ولين جانب وقلة فقه، فقال له إبراهيم: (أما الحياء واللين، فإذا أمرت ونهيت زالا عنك. وأما قلة الفقه فشاور الفقهاء في أحكامكم) وولاه فلم يكن بالقيروان حاكم أشد صرامة منه.
وفي سنة 318 خرج حميد بن يصل من المهدية إلى تبهرت بغير أذن عبيد الله، وبنى قلعة هنالك، ورد حماد بن هاشم إلى بلده، وصاهره وأصلح بينه وبين سيار بن عبد الوهاب. فكتب عبيد الله إلى يصل بن حبوس أن يوجه حميد إلى المهدية، ولا يؤخره ساعة. فرجع حميد إليها، ولم يلق من عبد الله سوءاً. وفيها، نزلت الأمطار بالقيروان وصلحت الأحوال، ورخصت الأسعار بعد ضيق شديد كان فيه الناس، وغلاء، ووباء. وفيها مات بالمهدية هشام بن الربيع التميمي وكان من أهل الخير والفضل وناله من عبيد الله الشيعي عقاب، وضربه بسبب ابن القديم. وأوصى ألا يدفن في المهدية فسيق إلى القيروان ودفن بها.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر مدينة جراوة
كانت مدينة جراوة عليها سور مبنى بالطوب. وبخارجها عيون مالحة وداخلها آبار كثير طيبة عذبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها، وفيها قصبة مانعة وفيها خمس حمامات، وجامع، له خمس بلاطات أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس سنة 257، ووليها بعد ابنه الحسن بن أبي العيش في سنة 291، وخرج منها إلى حصن المنصور في سنة 319، ثم عاد إليها في سنة 323، ثم انتقل إلى تلمسان في سنة 325. وكان لها أربعة أبواب وحولها فحوص للزرع والضرع وحولها قرى مدغرة على البحر. وعلى الجبل بنو يزناتن، ومن جهة الشرق بنو يفرن من زناتة ومن جهة الغرب قبائل زواغة وغيرهم.

ذكر مدينة تيهرت
وأما مدينة تيهرت، فأسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، وكان مولى لعثمان بن عفان وكان خليفة لأبي الخطاب أيام تغلبه على إفريقية ولما دخل ابن الأشعث القيروان، فر عبد الرحمن إلى الغرب بما خلف من أهله وماله فاجتمعت إليه الأباضية، وعزموا على بنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا بموضع تيهرت وهي غيضة بين ثلاثة أنهار فبنوا مسجدا من أربع بلاطات، واختطة الناس مساكنهم، وذلك في سنة 161. وكانت في الزمان الخالي مدينة قديمة فأحدثها الآن عبد الرحمن بن رستم وبقى بها إلى أن مات في سنة 168 وقد تقدم ذكر ذلك.
(1/196)
________________________________________
ذكر من ملك مدينة تيهرت
من حين ابتدائها من بني رستم وغيرهم
أولهم عبد الرحمن بن رستم: كانت مدته بها سبعة أعوام. ثم وليها ابنه عبد الوارث فكانت مدته بها عشرين سنة وتوفي في سنة 188. ثم وليها ابنه أبو سعيد أفلح بن عبد الوارث، ومات سنة 305، ثم وليها أيضا ابنه أبو بكر بن أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فاختلف عليه الأمر وأخرجه أهلها من تبهرت، ثم أعادوه إلى أن مات فيها. ووليها بعده أخوه أبو اليقظان محمد ابن أفلح، فكانت مدته بها سبة وعشرين سنة، ووفاته في سنة 381، ووليها بعده أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان، فأقام فيها عاما واختلف عليه الناس واضطرب أمره، فخرج إلى حصن لواتة، وقامت بينه وبين أهل تبهرت حروب عظيمة. ووليها بتقديم أهلها يعقوب بن أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فأقام واليا أربعة أعوام ثم خلعوه وقدموا أبا حاتم بن أبي اليقظان، فأقام ستة أعوام إلى أن قتله بنو أخيه سنة 294، ثم وليها يقظان ابن أبي اليقظان، فقتله أبو عبد الله الشيعي، في خبر طويل، مع جماعة من أهل بيته، وذلك في شوال سنة 296، وانقطع ملك بني ستم من تبهرت في هذا التاريخ.
ووليها في أيام الشيعة أبو حميد دواس اللهبصي ولاه أبو عبد الله الداعي حين خروجه منها إلى سلجمانة، فأقام فيها ستة أشهر حتى أتته العساكر من أفريقية، فافتتحها في سنة 299، ووليها مصالة بن حبوس المكناسي، إلى أن قتله محمد بن خزر الزناتي في شعبان سنة 312 فكانت ولايته بها ثلاث عشرة سنة ووليها بعده أخوه يصل بن حبوس إلى أن توفي سنة 319، ثم وليها
(1/197)
________________________________________
أبو مالك بن يغمراس بن أبي شحمة اللهبصي، فقام عليه أهل البلد، وأخرجوه سنة 313، ووليها أبو القاسم الأحدب ابن مصالة بن حبوس، فقدموه على أنفسهم، فأقام عليهم سنة واحدة، فلما انصرف ميسور من أرض المغرب إلى أفريقية، حاربهم حتى ظفر بالبلد، وقتل أبا القاسم بن مصالة المذكور، وولي على تبهرت داود بن إبراهيم العحيسي، فأقام واليا عليها إلى أن أخرجه حميد ابن يصل في جمادى الأخرة من سنة 323، في أيام أبي يزيد مخلد بن كيداد البفرني، وخرج حميد بن يصل من تبهرت في سنة 333 في خبر يطول ذكره وجاز إلى الأندلس، واحتل إسماعيل الشيعي مدينة تبهرت، وولي عليها ميسورا الفتى فاضطرب عليه أهل البلاد لأنه سار فيهم بسيرة غير مرضية، فاستدعوا محمد بن خزر الزناتي، وابنه الخير، ومن معهم من زناتة، فقدموا إلى تبهرت في جمع عظيم، وأظهروا أنهم ناصرون لميسور، فخرج إليهم فغدروه وأسروه. ودخل ينو خزر وزناتة مدينة تبهرت، ونزلوا دار الإمارة ثم اضطرب أمر أهل تبهرت وتغلب عليها يعلي بن محمد اليفرني الزناتي، إلى أن قدم جوهر قائد الشيعة، سنة 349، وكانت حوا تبهرت بساتين من أنواع الثمار، كثيرة الأشجار وهي شديدة البرد كثيرة الأمطار، قيا لبعض الظرفاء من أهلها (كم الشتاء عندكم من شهر في السنة!) قال: (ثلاثة عشر شهرا) وقال بعض الشعراء تبهرت من قصيدة أولها (طويل)
فراغ الهوى شغل ومحيا ومحيا الهوى قتل ... ويوم الهوي حول وبعض الهوى كل
وجود الهوى بخل ورسل الهوى عدى ... وقرب الهوى بعد وسبق الهوى مطل
سقى الله تبهرت المنى وسويقة ... بسياحتها غيثا يطرب بها المحل
كأن لم يكن والدار جامعة لنا ... ولم يجتمع وصل لنا ولا شمل
(1/198)
________________________________________
فلما تمادى العيش وانشقت العصي ... تداعت أهاضيب النوى وهي تنهل
سلام على من لم نطق يوما بيننا ... سلاما ولكن فارقت وبها ثكل
وما هي آماق يفيض دموعها ... ولكنها الأرواح تجري وتنسل
ومما قيل حين قضى الله بخرابها وانتقال أهلها عنها وأربابها (طويل)
خليل عوجا بالرسوم وسلما ... على طلل أقوى وأصبح أغبرا
ألما على رسم تبهرت دائر ... عفته الغوادي الرائحات فأقفرا
كأن لم تكن تبهرت دارا لمعشر ... فدمرها المقدار فبمن تدمرا
وتبهرت القديمة هذه هي التي خربها الخَيّرُ بن محمد بن خزر الزناتي، وفيها مات بالقيروان من قريش أبو الحسن المطلبي أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدود بن هاشم بن عبد المطلب يوم الأربعاء لأربع عشر ليلة خلت من جمادى الأول وكان قد صحب عبيد الله بسجلماسة قبل أن يملك القيروان، فنال بها جاها كبيرا في آخر عمره وفيها، مات محمد بن عثمان الخرساني الفقيه، صاحب الوثائق بالقيروان، وكان يذهب مذهب أهل الكوفة، ولم يكن ممن يقول بخلق القرآن وله سماع بمصر من يونس بن عبد الأعلى وفي سنة 329، اكتب موسى بن أبي العافية (صاحب الأندلس) (أمير المؤمنين) (عبد الرحمن) الناصر من العدوة (الغريبة) ورغب في موالاته والدخول في طاعته، وأن يستميل له أهواء أهل العدوة المجاورين له فتقبله (أمير المؤمنين) أحسن قبول وأمده بالخلع والأموال وقوى أوده على ما كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش وغيره فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في العدوة وتجمع إليه كثير من قبائل البربر وتغلب على مدينة جراوة وأخرج عنها الحسن ين أبي العيش بن إدريس العلوي ودارت
(1/199)
________________________________________
بينهما محاربات ومواقعات. (وبني الحسن بن أبي العيش حصنا منيعا بجبل بينه وبين جراوة أربعة) أميال وحوله قرى لمدغرة، وبني يفرن وغيرهم من القبائل وكان لأبي العيش أيضا وبنيه مدينة تلمسان وما والاها، يسكنها مثل زواغة ونفزة وغير ذلك، وفي ذلك يقول بكر بن حماد (كامل)
سائل زواغة عن طعان سيوف ... ورماحه في العارض المتهلل
وديار نفرة كيف داس حريمها ... والخيل قمرغ في الوشيج الذلل
غشى مغيلة بالسيوف مذلة ... وسقى جراوة من نقيع الحنظل
ومن جراوة إلى تيهرت ثلاثة مراحل وإلى حصن تامغلت مرحلتان يسكنه بنو دمر من زناتة.

ذكر مدينة تلمسان
ذكر أن تلمسان قاعدة المغرب الأوسط قاله البكري وصحح قوله كثير مكن الإخباريين، ومن كتاب رجار قال: وبين مدينة تلمسان وتبهرت، يسكن بنو مرين وجميع قبائل زناتة، منهم تجين ومغراوة وبنو راشد، وورنيد، وغيرهم، قال: وأكثرهم فرسان يركبون الخيل ولهم معرفة بارعة وحذق وكياسة، لاسيما بعلم الكتف. وهم منسوبون إلى جانا. قال: وزناتة في أصل مذهبهم عرب صراح وإنما تبربروا بالمجاورة والمحالفة للبربر. وذكر أنهم ينتسبون إلى بر بن قيس بن إلياس بن مضر.

ذكر افتتاح مدينة سبتة بالعدوة
وفي سنة 319، هذه المؤرخة، افتتح الناصر لدين الله الأموي مدينة سبتة بالعدوة (على بحر الزقاق من بر العدوة، التي هي نظام باب المغربين ومفتاح باب المشرقين، وهي على ما قبل مجمع البحرين قاعدة البر والبحر
(1/200)
________________________________________
واللؤلؤ الحالة من الدنيا بين السحر والنحر وفي فتحها يقول عبيد الله بن يحيى بن إدريس يخاطب الناصر (طويل)
بسيفك دانت عنوة وأقرت ... بصائر كانت برهة قد تولت
وما قربت أهواؤها إذ تقربت ... ولا حليت بالزي لما تحلت
ولكن أزالت راسيات عقودها ... عزائم لو ترمي بها العصم زلت
ودولة منصور اللواء مؤيد ... تدل بحد الله من شر دولة
فهذا أوان النصر منها وهذه ... بشائره تروي الأنام ببستة
فشكها أمير المؤمنين (الناصر) بالرجال، وأتقنها بالبيان وبرني سورها بالكدان وألزم فيها من رضيه من قواد وأجناد وصارت مفتاحا إلى العدوة قال عريب: وبابا إليها، وثقافا على المراسي في ذلك الجانب وقامت الخطبة فيها باسم أمير المؤمنين الناصر وذلك يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأول من العام المؤرخ. وفيها، ورد الخبر على عبيد الله بالمهدية بدخول موسى بن أبي العافية وأهل سبتة في طاعة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد الناصر، وأن مركبا نزل زم الأندلس بمرسى جراوة لموسى بن أبي العافية، فهبط إليه الحسن بن أبي العيش واخذ ما كان فيه. فكاتبه قاضيه ووجوه أهل موضعه وكلموه في ذلك فلم يصرف إليه متاعه، فزحف موسى إلى صاء، فأخرج منها عامر بن أبي العيش وأمن أهلها، ثم زحف إلى زواغة، فخرج إليه ابن أبي العيش فلما رأى كثرة من معه انصرف عنه من غير قتال، وأحرق ابن أبي العافية بسيط جراوة وتجول في البد أياما، ودارت بين أبي العيش وبين ابن أبي العافية مراسلات. ورغب ابن أبي العيش في مصالحته وصرف ما كان أخذ له،
(1/201)
________________________________________
واصطلحا. ورجع موسى إلى بلده، ثم زحف ابن أبي العافية إلى أزقور، فاستمد أهل قلوع جارة عليه بابن أبي العيش، فأمدهم بخيل وأغاروا على بعض نواحي ابن أبي العافية، وأخذوا له جمالا كثيرة، وقاسموا الغنيمة ابن أبي العيش. فعادت الحرب بين ابن أبي العافية وبين ابن أبي العيش وكاتب أهل جراوة ابن أبي العافية وضمنوا له دخول المدينة وزحف إليها بمن معه، وأدخله أهلها طائفين. ثم قصد إلى المنصور فدعاهم إلى الأمان فأجابه بعضهم، تغلي على سائرهم وقتل بها جماعة، وقيل أنه أخذ زوجة ابن أبي العيش القرشية، وأولاده وخيله وسلاحه وأحرق المدينة بالنار، وانصرف إلى محلته وبعث زوجة ابن أبي العيش إلى أهلها مع ثقات من أهل حراوة فعظم على الشيعي ما ورد من هذا الأمر، وأقلقه وكتب إلى القبائل في المغرب يحضهم على طاعته ويمنيهم إمداده ونصره، ومدينة سبتة مدينة أزلية على ضفة البحر الرومي وهو بحر الزقاق الداخل في البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض والبحر محيط بها من كل ناحية إلا موضعا ضيقا جدا، لو شاء أهلها ان يصلوه بالبحر الأخر لفعلوا فتصير من جزر البحر. ويجلب الماء إلى حماماتها من البحر. وأهلها هرب وبربرولم تزل دار علم. وشرقيها جبل منيف داخل في البحر والبحر محيط به ويلقط في بعض نواحي هذا الجبل ياقوت صغير الجرم، عريق في الجودة، وبحرها يستخرج منها المرجان وهو السبذ. واختلف في تسميتها بستة فقال قوم: سميت بذلك لانقطاعها في البحر تقول العرب: (ست النعل) إذا قطعته. وقال آخرون أن رجلا من ولد سام بن نوح - عم - اسمه سبت خرج من المشرق لأسباب عرضت له فتوغل في المغرب حتى أتى موضعها فاختط فبها موضعا يعمره. ويذكر أشياخنا الحديث المسند عن وهب بن
(1/202)
________________________________________
مسرة الحجري وذلك أن أبا عبد الله محمد بن علي حدثه عام 400 عن وهب بن مسرة عن بن وضاح عن سحنون عن إبراهيم ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أن بأقصى المغرب مدينة تسمى سبتة أسسها رجل صالح اسمه سبت من ولد سام بن نوح، واشتق لها اسما من اسمه ودعا لها بالبركة والنصر فما رماها أحد بسوء إلا رد الله بأسه عليه. قال بن حمادة: قال شيخنا العالم أبو الفضل عياض بن موسى وهذا الحديث تشهد بصحته التجربة، فأنها مازالت محمية عند من وليها من الملوك وقل وما أحدث أحد منهم فيها حدث سوء إلا هلك.
قال تاعذري: كان ملك من ملوك القوط بالأندلس يسمى تودوش فجاز البحر إلى سبتة لمحاربة البربر فحاصرهم فيها ثم تألفوا عليه فأمكنته منهم غزة فقتلهم، ولم ينجح منهم ألا القليل. ورجع تودش إلى الأندلس. وبقى البربر فيها إلى أن دخل الروم ثانية، وكان فيها يليان. وكان عقبة بن نافع لما غزا الغرب ودوخه كله وصل إلى سبتة فخرج إليه يليان بهدايا وتحف وأستلطفه وكان ذا عقل وتجربة فأمنه عقبة وأقره على موضعه ثم دخل العرب بعد ذلك بالصلح ثم قام البربر إلى طنجة وزحفوا إليها فأخرجوا من كان فيها وخربوها، وبقيت مسكنا للوحوش مدة طويلة. ثم دخلها رجل من غمارة يسمى ماجكس فعمرها وأسلم ورأس فيها وانضافت له البربر إلى أن هلك ثم وليها بعده أبنه عصام بن ماجكس ثم أبنه مجبر بن عصام ثم وليها الرضى بن عصام وكان يحكم فيها برأي فقهاء الأندلس ثم دخلها قوم من قلشانة فاشتروا فيها أرضا من البربر وبنوا فيها دورا وما تثلم من سورها الذي هو اليوم الستارة وكانوا مع ذلك يدعون الطاعة لبني إدريس
(1/203)
________________________________________
حتى أفتتحها عبد الرحمن الناصر ودخلها قائده فرج بن غفير يوم الجمعة ليلة خلت من شعبان من سنة 319.
ذكرى من ولى سبتة لبني أمية: فوليها من قبل الناصر بن غفير سنة 319 المذكورة. ثم وليها أحمد بن عبد الصمد الغرناطى: ثم وليها محمد بن حزب الله سنة 323 ثم عزل. ووليها محمد بن مسلمة في سنة 236 ثم عزل. ووليها ابن مسلمة أيضا إلى سنة 330 ووليها ابن مقاتل إلى أن أسر في شوال 332 أسره عندهم بنو محمد الأدارسة إلى أن لحقهم قاضيها محمد ابن أبي العباس في رمضان سنة 333، فجنحوا بنو محمد إلى السلم على يد القاضي فأطلقوا ابن مقاتل، وبعثوا رهائنهم إلى أمير المؤمنين الناصر بقرطبة. ولم يزل ولاة الناصر يتداولونها إلى سنة 346.
وفيها مات أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي صاحب الوثائق بالقيروان، وكان له سماع ونظر، وتولى كتابة السجلات والأحكام لعيسى بن مسكين، وله كتب في الوثائق والشروط في مواقيت الصلاة. وفيها مات في مدينة نيهرت يصل بن حبوس صاحبها فقدم أهلها على أنفسهم علي بن مصالة وتكبوا إلى عبيد الله بالخير، فولى عليهم حميد بن يصل وأخرجه إليها في جيش كثيف وفصل إليها في ذي الحجة.
وفيها ولد أبو تميم معد بن إسماعيل الشيعي يوم الاثنين لتسع خلون من شهر رمضان بقصر المهدية.
وفي سنة 320 أوقع حميد بن يصل بداود بن مصالة، وسنان وأبي حمليل بن برنو وقتل جماعة من أصحابهم وحصرهم في حصن أبي حمليل ثلاثة أشهر. وقرى بذلك كتاب عبيد الله الشيعي على المنابر تأريخه يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأخيرة. وفيها سار موسى بن أبي العافية إلى محمد بن خزر (أمير زناتة) وطوى نحوه المراحل فألقاه على حين غفلة فقاتله وهزمه وقل أصحابه ثم أنصرف إلى جراوة. وكان سبب
(1/204)
________________________________________
ذلك بن خزر كتب إلى موسى بن أبي العافية في أمر ابن أبي العيش بما أحفضه، وأظهر أنه مؤيد له عليه. فأنف لذلك موسى وخرج إليه وواقعه وفيها عزل عبيد الله بن سلمان صاحب الوثائق، وكان في عناية أبي جعفر البغدادي وزن بابنه فرع بذلك عليه خليل الشيعي وقال له: (يا مولاي إنما يعمل البغدادي 6في شتر هذه الدولة الزاهرة وإدخال العيب فيها! وقد ولى على قضاء إطرابلس والوثائق رجلا مستهترا بالمرد!) ورفع إليه قول ابن عامر الفزاري في مرد إفريقية أيام بني الأغلب وفيها ذكر أبو سلمان هذا بقبيح من القول. وأول الأرجوزة:
وروضة تكسو يم الأرض
وشيئا بديعا من نبات غض
منها على الأرواح قاضٍ يقضي
بياض بعض واحمرار بعض
وفيها:
بار ابن سلمان على الغزلان
شبيه بدر فوق غصن بان
ما إن له في حسنه من ثان
كأنما صبغ من العقيان
فلذلك عزله، وولى قضاء مدينة إطرابلس أحمد بن بحر وكان صاحب مظالم القيروان وصلاتها باختبار إسحاق بن أبي المنهل. وفيها أظهر موسى ابن أبي العافية الدعوة لأمير المؤمنين الناصر وقام بها وذلك في شعبان بعد أن تغلب على نكور ودخلها بالسيف وقتل صاحبها المؤيد بن عبد البديع بن صالح بن سعيد بن إدريس وبعد أن حصر بني محمد في الجبل المعروف بحجر النسر حتى صالحوه على شيء أخذه منهم وزال منهم.
(1/205)
________________________________________
وفيها مات في تونس أبو حبيب نصر الرومي وله سماع من ابن عبد الله الحكم من أهل الحفظ للمسائل.
وفي سنة 321 سجلماسة أبو المنصور بن معتز بن محمد وهو ابن ثلاثة عشر سنة فمكث في ولايته شهرين وقام عليه ابن عمه محمد ابن الفتح المسمى بالأمين فحاربه وتغلب وتغلب عليه وأخرجه من سجلماسة وتملكها وكان سنيا يظهر العدل إلا أنه تسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالشاكر لله وضرب بذلك الدنانير والدراهم وذلك 342 فمكث كذلك إلى أن قربت منه عساكر أبي تميم معد العبيدي.

ذكر من ولي سجلماسة من حين فتحها الشيعي
ولى الشيعي المزاني المتقدم ذكره في سنة 298 فقتله أهل سجلماسة بعد إقامته خمسين يوما ووليها أبو الفتح بن الأمين سنتين وأشهرا. ثم ووليها أحمد بن الأمين سنة 300 وبقي بها إلى أن حاصره مصالة بن حبوس وافتتحها عنوة وقتله في محرم سنة 309 وولي مصالة على سجلماسة المعتز ابن محمد من بني مدرار وبقي بها إلى سنة 321 المورخة وتوفي. فوليها أبو المنصور المذكور.
وفي سنة 322 توفي عبيد الله المهدي ليلة الثلاثاء من ربيع الأول فكانت مدته أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر ونصفا. وكان وصوله إلى مصر في زي التجار سنة 289. وظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة 296 وسلم عليه بالأمانة. وأنفصل إلى رقادة في ربيع الآخر من سنة 297. وبنى المهدية وأستقر بها سنة 308. ولما أنتقل إلى المهدية دخل رقادة الوهن وأنتقل عنها ساكنوها، فلم تزل تخرب شيئا بعد شيء إلى أن ولى معد بن إسماعيل فخرب ما بقى منها.
(1/206)
________________________________________
ذكر رقادة: وكانت رقادة دار ملك بني الأغلب ويذكرون أن من دخلها لم يزل ضاحكا من غير سبب وأن أحد ملوك بني الأغلب شرد عنه النوم فلما وصل إليها نام فسميت رقادة، فاستوطنها إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من القصر القديم، فبنى بها قصورا عجيبة وجامعا وحمامات وغير ذلك.
وكان تأسيسها سنة 263 وتأسيس القصر القديم سنة 184. وكان ابن الأغلب منبع بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فقال بعضهم في ذلك منسرح:
يا سيد الناس وأبن سيدهم ... ومن إليه الرقاب منقاد
ما حرم الخمر في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقادة
ذكر المهدية بالقيروان: وأما المهدية فهي منسوبة إلى المهدي عبيد الله الشيعي. فأنه لما تغلب على الملك تلقب بالمهدي وسمى مدينته التي بناها بقلبه وبينها وبين القيروان سنون ميلا وقويت في أيام وأيام أبنه أبي القاسم وحفيده إسماعيل وصدرا من دولة معد بن إسماعيل حتى أنتقل منها معد إلى القاهرة، لما ملك مصر وبنى القاهرة المعزية نسبة إلى لقبه المعز فضعف إذ ذاك المهدية إلى أن أستوطنها المعز بن باديس آخر أيامه لما خرجت القيروان بهزيمة المعز المذكور، إلى أن توفي بها، ووليها بعده ابن تميم بن المعز، وصارت دار ملكه، وولده يحيى بن تميم بعده ووله علي بن يحيى بعده إلى أن أخرجهم منها عبد المؤمن بن علي بعد المحاصرة. وبقيت للإسلام إلى الآن. وبها دار صنعه الإنشاء المجيبة: يخرج الجفن مغمورا من خلف السور فلا يعلم به حتى يفاجأ العدو القاصد فيحيط به فلا يقربها العدو لآجل.
(1/207)
________________________________________
وأما القيروان، فكانت أعظم مدن المغرب طرأ وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا وأوسعها أحوالا. وكان الغالب على أهلها التمسك بالخير والتخلي عن الشبهات واجتناب المحارم إلى أن تولى الدمار عليها بدخول العرب عليها على ما يأتي ذكره في موضعه، فلم يبقى بها إلا أطلال دراسة، وآثار طامسة. ويذكر أنها ستعود إلى ما كانت عليه. وهي الآن في وقتنا الحاضر وهو آخر المائة السابعة قد ابتدأت بالعمارة.
وملك عبيد الله الشيعي إفريقية، وجمع المغرب، وإطرابلس وبرقة وجزيرة صقلية وكانت عماله على ذلك كله وسير ولده ولي عهده إلى مصر ففتحها وكانت الكتب تنفذ في أيامه باسم ولده. وكان له ستة أولاد: أكبرهم ولي عهده أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمهدي وعمره أعني عبيد الله الشيعي يوم مات ثلاثة وستون سنة.

ذكر ولاية أبي القاسم بن عبيد الله بإفريقية
بويع له يوم مات أبيه منتصف ربيع الأول من سنة 322 المؤرخة وتلقب بالقائم بأمر الله. وتوفي يوم الأحد الثالث عسر من شوال سنة334. فكانت دولته اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر وعمره خمس وخمسون سنة. أولاده الذكور سبعة حاجبه: جعفر بن علي. ومن قضاته ابن أبي النهل. ولم يركب أبو القاسم طول إمارته بمظلة فقام بسيرة أبيه وأظهر من الحزن عليه ما لا يعهد لمثله وواصل الحزن لفقده وأدامه من بعده فما ركب دابة من باب قصره منذ مات أبوه إلى أن قبض سوى مرتين. وافتتحت في أيامه مدائن كثيرة من
(1/208)
________________________________________
مدائن الروم بصقلية وثار عليه عدة ثوار فأمكنه الله منهم وممن ثار عليه ابن طالوت القرشي فسار إلى ناحية أطرابلس ليأخذها هو في عدد كثير فقاتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه وزعم أنه ابن المهدي فقام معه البربر واتبعوه. فلما تبين لهم أمره قتلوه وأتوا برأسه إلى القائم بأمر الله. وكان أول ما بدأ به أبو القاسم الشيعي أن أمر عمالة في سائر البلدان بعمل السلاح وجمع الآلات الحربية وأخرج الفتى ميسورا بعدد عظيم إلى الغرب فانتهى إلى فاس وهز ابن أبي العافية، وأخذ أبنه أسيرا. وأخرج يعقوب بن إسحاق في الأسطول إلى بلد الروم فافتتح جنوة وأقر أبا جعفر البغدادي على البريد والكتابة، وفوض إليه كثيرا من أمور المملكة.
وفي سنة 323 بعث القائم بأمر الله عسكرا إلى برقة قود عليه زيدان، وبعث معه عامرا المجنون، وأبا زرارة وجماعة من عساكر برقة الذين بها من كتامة إلى مصر فدخلوا إلى الإسكندرية فأخرج إليه محمد بن الإخديش جيشا فيه خمسة عشر ألفا فأسر منهم خلقا كثير.
وفي هذه السنة مات الفضل بن علي بن ظفر وكان أديب دهره ظريفا عصره، علما وفقها وأدبا ووفاء.
وفي هذه السنة وصل ميسور الصقلبي إلى مدينة فاس، فخرج ألبه صاحبها أحند بن أبي بكر بن أبي سهل الجذامي فغدره وقبض عليه وبعث به إلى المهدية فقدم أهل فاس على أنفسهم حسن بن القاسم اللواتي وحارب أهل فاس ميسورا سبعة أشهر فلم يقدر عليهم ثم حاصر ابن أبي العافية واستعان ببني إدريس عليه واعتنى بهم ووفى لهم حقهم فانجلى ابن أبي العافية أمامهم
(1/209)
________________________________________
إلى الصحراء وصار كل ما كان لبني العافية لبني إدريس. وكانت الرياسة فيهم لبني محمد بن القاسم، وهم حسن، وقنون، وإبراهيم المعروف بالرهوني. وقنون اسمه القاسم، وكان يلزم مدينة صخرة النسر.

ذكر أخبار الأدارسة وسبب دخولهم إلى المغرب
وبنائهم مدينة فاس ومن وليها منهم ومن غيرهم إلى هذه السنة
ذكر العذري وغيره أن إدريس وسليمان ابني عبد الله الحسن بن الحسن ابن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنهم - فروا من الواقعة التي كانت في أيام جعفر المنصور، وهي وقعة فخ، وكانوا ست أخوة: إدريس، وسليمان، ومحمد، وإبراهيم، وعيسى ويحيى. أما محمد فخرج بالحجاز وقتل. وأما يحيى فقام في الديلم، في خلافة الرشيد، وهبط على الأمان، ثم سم ومات. وأما إدريس، ففر إلى المغرب؛ ودخل إليه في أيامه من الطالبين أخوه سليمان، فاحتل بتسلمان، وداود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طالب، ثم رجع داود إلى المشرق، وبقيت ذريته بالمغرب. واحتا إدريس بن عبد الله بالمغرب سنة 170، واستوطن وليلى، وكانت أزلية. وكان وصوله مع مولاه راشد؛ ثم نزل على إسحاق ابن عبد الحميد سنة 172؛ فقدمه قبائل البربر وأطاعوه وبلغ خبره هارون الرشيد، فدس إليه من سمه. وكان المدسوس إليه رجل يقال له الشماخ فسمه وهرب إلى المشرق. ومات إدريس في سنة 175، فقام بأمر البربر مولاه راشد. وترك إدريس جارية بربرية اسمها كنزة؛ فولدت له علاما سمي باسم أبيه فولى إدريس بن إدريس سنة 187 وهو ابن أحد عشرة سنة؛ وقيل:
(1/210)
________________________________________
أكثر من ذلك، وبايعه جميع القبائل. وكانت عدوة القرويين غياضا، في أطرافها بيوت من زواغة، فأرسلوا إليه، ودبر في البناء عندهم، فكان ابتداء بناء مدينة فاس سنة 193 وذلك عدوة القرويين، غزا إدريس بن إدريس نفرة، ووصل إلى تلمسان، ثم رجع، ووصل إلى وادي نفيس، فاستفتح بلاد المصامدة وتوفي مسموما سنة 213. وأختلف في كيفية موته لا. قال ابن حمادة والبكري وغيرهما: ترك من الولد أثنى عشر، وهم: محمد، وأحمد، وعبد الله، وعيسى، وإدريس، وجعفر، ويحيى، وحمزة، وعبد الله والقاسم، وداود وعنر.
فولي منهم محمد بن إدريس، ففرق البلاد على أخوته بأمر جدته كنزة، فأعطى قاسم طنجة وما يليها، وأعطى عمر صنهاجة الهبط وغمارة، وأعطى داود هوارة تامليت، وولي عيسى ويحيى وعبد الله بلاد أخرى. وبقي الصغار من أخوته فثار عليه عيسى، ونكث طاعته، فكتب الأمير محمد بن إدريس إلى أخيه القاسم، يأمره بمحاربته، فأمتنع، وكتب أيضا إلى أخيه عمر، فأجابه وسارع إلى نصريه، وكان تقدم بين عمر وعيسى تنازع. وتوفي عنر ببلد صنهاجة، ونقل إلى فاس، وهو جد الحموديين. ثم توفي الأمير محمد بن إدريس - رحمه الله - فولي يحيى بن محمد بن إدريس، فولي يحيى أعمامه وأخواله أعمالا فولي حسينا القبلة من مدينة فاس إلى أغمادت، وولي داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة، وهوارة، وصدينة، وولي قاسم غربي فاس: لهاتة وكتامة. وتشاغل يحيى عما كان يحق عليه من سياسة أمره. فملك أخوته أنفسهم، استمالوا القبائل، وقالوا لهم: (إنما نحن أبناء أب واحد، وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره) فقدمهم البربر على أنفسهم تقديما كليا. وكان يحيى منهمكا في الشراب، معجبا بالنساء، وذكر أنه دخل يوما
(1/211)
________________________________________
الحمام على امرأة، فتغير عليه أهل فاس، فكان ذلك سبب هلاكه، فهرب إلى عدوة الأندلس، فمات بها، وكانت زوجه بنت علي بن عمر جد الحموديين. ثم ولى علي بن عمر بن إدريس، وذلك أنه، لما هلك يحيى، أتى صهره على هذا، فدخل عدوة القرويين وملكها، وانتقل الأمر عن بني محمد بن إدريس إلى بني عمر بن إدريس. ثم قاد عليه عبد الرزاق الخارجي الصفري من مديونة، فدارت بين علي وعبد الرزاق حروب كثيرة، إلى أن هزمه الخارجي، واستولى على فاس. ومر على أهل أروبة وملك عبد الرزاق عدوة الأندلسيين، وأخرج منها عبد الرزاق في خبر طويل. وطالت أيام يحيى هذا بفاس وما والاها من البلاد والأقطار والقلاع، إلى أن قتله ربيع بن سليمان سنة 292.
ثم ولى يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس بن إدريس وذلك أنه لما مات يحيى بن القاسم تقدم إلى فاس يحيى بن إدريس وملكها. ورجع الأمر إلى بني عمر بن إدريس خمس عشر سنة، إلى أن قدم مصالة بن حبوس في سنة 307، وذلك أن مصالة قد قدم الغرب في حركته الأولى سنة 305، فابتدأ بالإحسان والإكرام لموسى بن أبي العافية، وقدمه على ما استولى عليه من بلاد الغرب. وكان يحيى بن إدريس صاحب فاس يغير عليه ويقطع عنه أمله. فلما رجع مصالة في سنة 307، أقام بالغرب خمسة أعوام، فكان ابن أبي العافية يسعى في ضرار يحيى وحنقه عند مصالة لما تقدم بين موسى ومصالة من المودة ولما كان بين موسى ويحيى بن إدريس من العداوة فعزم مصالة على القبض على يحيى، فلم يزل يتحيل عليه، حتى أقبل إلى معسكره فغدره،
(1/212)
________________________________________
وقبض عليه، وانتزع ما كان بيده وأمره باستجلاب ماله فأحضره وأخرجه من فاس وولي فاسا عامل مصالة. وانفصل مصالة من الغرب، وبقي موسى ابن أبي العافية في الغرب أميرا.
ثم قام حسن بن محمد سنة 310، وهو حسن بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، الملقب بالحجام، فأوقع بموسى بن أبي العافية. وكان بينه وبين رؤساء القبائل وقعة شنيعة، لم يكن بالغرب بعد دخول إدريس الكبير مثلها، قتل فيها من البربر نحو ألفي قتيل، وقتل لموسى في جملتهم ولد يسمى منهل. وملك حين هذا فاسا وما يليها نحو سنتين. ثم قام عليه أهل فاس، وغدروه وقدموا حامد بن حمدان الهمداني، وكان يعرف باللوزي، وهي قرية بإفريقية نسب إليها تسمى لوزة. فأخذ حامد حسن بن محمد، وسجنه وأرسل إلى موسى بن أبي العافية فأتاه بجيوشه ودخل فاسا وتغلب عليها وأراد قتل حسن لأجل أبنه منهل الذي كان السبب في قتله، فدافعه حامد عنه، وكره المجاهرة بقتله ثم سم بعد ذلك، وقيل: أخرجه حامد على السور فسقط عنه وانكسرت رجله ووصل إلى عدوة الأندلسيين فمات بها رحمه الله؟!.
واستولى موسى بن أبي العافية على ملك فاس وبلاد الغرب بعد موت حسن الحجام. وسمي بذلك لأنه حارب بني عمه فضرب رجلا بحربة صادف بها موضع الحجم، ثم صادف ضربة أخرى لشخص أخر في موضع المحاجم ايضا، وكذلك ثالثة. فقال ابن عمه أحمد: (صار ابن عمي حجاما) فسمي بذلك حجاما.
ومن قوله طويل:
وسميت حجاما ولست بحجام ... ولكن لضربي في مكان المحاجم
ولما استولى ابن أبي العافية على فاس قتل عبد الله بن ثعلبة بن محارب
(1/213)
________________________________________
الأزدي وقتل أخاه محمد وهرب والدهما ثعلبة بن محارب إلى قرطبة. وأراد موسى ابن أبي العافية قتل حامد الذي كان السبب في دخول فاس فهرب منه محصل في المهدية. وأجل موسى بن إدريس أجمعين عن مواضعهم وصاروا في مدينة حجر النسر مقهورين، وهو حصن مانع بناه إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس. وعزم موسى على محاصرتهم في هذا الحصن واستئصالهم، فأخذ عليهم في ذلك أكابر أهل المغرب وقالوا له: (قد أجليتم، وأفقرتهم! أتريد أن تقتل بني إدريس أجمعين، وأنت رجل من البربر؟ فأنكسر عن ذلك ولاذ بعسكره وتلف لمراقبتهم قائده أبو قمح فكانت حملته قريبا منهم فضيق عليهم، وأستخلف ابن أبي العافية على أبنه مدين علي فاس فبقى بها حتى قدم حميد بن مصال. ولما وصل محمد إلى بلاد الغرب وولى على فاس حامد بن حمدان. وكان ولد موسى لما سمع بقدوم محمد حامد هرب من فاس. وتظاهرت بنو إدريس على قائد موسى بن أبي العافية فهزموه وغنموا أكثر من عسكره. وذلك سنة 317. ثم قام بفاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي فقتل حامد بن حمدان وبعث برأسه إلى موسى بن أبي العافية، وبرأس ولده فبعث بهما موسى إلى قرطبة مع سعيد الزراد. وكان حميد بن يصال ولما رجع من بلاد الغرب إلى إفريقية ترك موسى بن أبي العافية بغير عهد من أمير إفريقية فكان ذلك سببا لسجنه بإفريقية إلى أن هرب إلى الأندلس وكان موسى يسهل إلى لصاحب قرطبة من أمراء بني أمية.
وفي سنة 324 خرب علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي مدينة المسيلة. وكان بينها وبين طبنة مرحلتين. وكان بقرب المسيلة مدينة للأول تسمى الرومانية، يطل عليها جبل أوراس وهو مسيرة سبعة أيام وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وهم على رأي الخوارج وفي هذا الجبل كان مستقر
(1/214)
________________________________________
الكاهنة وفيه ظهر أبو يزيد مخلد بن كياد وقام على أبي القاسم الشيعي.
وفي سنة 325 قدم أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي على صقلية خليل بن إسحاق، فعمل بها ما لم يعمل بها أحد من قبله ولا بعده من المسلمين أهلكهم قتلا وجوعا حتى فروا إلى بلاد الروم وتنصر كثير منهم وبقى بصقلية أربعة أعوام. ولما قدم منها سنة 329 قال يوما، مفتخرا بظلمه في مجلس حضره جماعة من محو الناس تكلموا فيه معه في أمور شتى ثم جرى ذكر خروجه إلى صقلية: (أني قتلت ألف ألف: يقوله المكثر والمقلل يقول مائة ألف في تلك السفرة!) ثم قال: (لا والله ألا أكثر!) فقال له أبو عبيد الله المؤدب: (يا أبا العباس! لك في قتل نفس واحدة ما يكفيك!) وكان خليل هذا يكنى أبا العباس، وكان عبيد الله الشيعي يصرفه في الأعمال، وجبايات الأموال ومحاسبة الدواوين والعمال. ثم وقعت فيه أقواله، فكرهه عبيد الله وأبغضه، ولولا أبنه أبو القاسم لأهلكه. ومن قول خليل في عبيد الله الشيعي وتوغله فيه طويل:
أن الإمام أقام سنة جده ... للمسلمين كما حذوت نعالها
أحيى شرائعه وقوم كتابها ... وفروضها وحرامها وحلالها
وكان أبو القاسم بن عبيد الله أمر ببناء مدينة المسيلة سنة 313، وجعل المتولي لبنائها ابن الأندلسي وأستعمله بعد ذلك عليها إلى أن أهلك في فتنة أبي يزيد بن كيداد سنة 326 وبقي ابن جعفر في المسيلة وصار أمير على الزاف كله إلى أن خرج عنها في سنة 360 في فتنة زيري بن مناد والشيعية تسمى المسيلة المحمدية. قال المروذي سريع:
ثم إلى مدينة مرضية ... أست على التقوى محمدية
(1/215)
________________________________________
وأما مدينة مشير فبناها زيري بن مناد الصنهاجي والدليل على ذلك ما أنشده عبد الملك بن عيشون رجز:
يا أيها السائل عن غربنا ... وعن محل الكفر أشير
عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيدت للكفر والزور
أسسها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زيري
وخربها يوسف بن حماد الصهناجي واستباح أموالها بعد الأربعين والأربعمائة.
وفي سنة 327 قام بالمغرب الأقصى ويقال له السوس الأذني وهو مرضع تادلا وتامسنا أبو الأنصار بن أبي عفر البرغواطي بعد موت أبيه وكان يفي بالعهد والوعد. وسأذكر بعض أخبارهم إن شاء الله تعالى.

أخبار أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفاني الزناتي
هو مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورميت بن تبقراسن بن سميدان بن يفرن هو أبو الكاهنة وتنسب إلى جانا بن يحيى زناته كلها. قال ابن حماده، كان أبو القاسم الشيعي لما مات أبوه عبيد الله أظهر مذهبه وأمر بسب الغر والعباء وغير ذلك من تكذيب كتاب الله تعالى فمن تكلم عذب، وقتل. وأشتد الأمر على المسلمين. ثم أن أبا يزيد هبط من جبل أوراس، يدعوا إلى الحق يزعمه ولم يعلم الناس مذهبه، فخرجوا فيه الخير والقيام بالسنة، فخرج على الشيعة ودخل إفريقية وخرب مدنها ودوخها وقتل من أهلها ما لا ينحصر.
وفي سنة 332 اشتد امر أبي يزيد بإفريقيو حتى فر أمامه أبو القاسم الشيعي إلى المهدية من رقادة. وكان أبو يزيد أحد أئمة الأباضية النكار
(1/216)
________________________________________
بالمغرب. قال الرفيق: وقرأ على عمار الأعمى. وكان يركب الحمار وتسمى شيخ المؤمنين قال ابن سعدون فبعث الله على أبي القاسم الشيعي مخلد ابن كيداد الخارجي فقهره وقتل جنوده وقام المسلمون معه. وخرج الفقهاء والعباد مع أبي يزيد لحربه وسماهم ابن سعدون في كتابه رجلا، رجلا. فركبوا معه ونهضوا إلى القيروان فد خلها في صفر العام وأظهر لأهلها خيرا وترحم على أبي بكر وعمر ودعا الناس إلى جهاد الشيعية وأمرهم بقراءة مذهب مالك. فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه وأزواجه حتى ركزوا بنودهم عبد الجامع. فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا بالمسجد الجامع وركبوا مع أبي يزيد السلاح ومعهم البنود والطبول منها بندان أصفران مكتوب في أحدهما البسملة و (محمد رسول الله) وفي الأخر (نصر من الله وفتح قريب على يد الشيخ أبي يزيد! اللهم! أنصر وليك على من سب أولياءك) وبند أخر مكتوب عليه (قاتلوا أمية الكفر) الآية وبند أخر مكتوب فيه: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم) وبند أخر مكتوب فيه بعد البسملة أيضا (محمد رسول الله أبو بكر الصديق، عمر الفاروق) وبند أخر وهو السابع فيه (لا إله إلا الله! محمد رسول الله! ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا.) فلما اجتمع الناس وحضر الإمام وطلع على المنبر خطب خطبة أبلغ فيها وحرض الناس على جهاد الشيعية وأعلمهم بما لهم فيه لعن عبيد الله وابنه ثم نزل فخرج وخرج الناس معه لقتال الشيعة الفجار
(1/217)
________________________________________
فلم يزل قاهرا لهم غالبا عليهم قاتلا لجنودهم حتى لم يبقى لهم من بلاد إفريقية إلا اليسير.
ولما رأى أبو يزيد أنه استولى على الأمر أو كاد وأن الشيعي قد كاد يبيد أو باد قال لجنوده (إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتى يتمكن أعدائهم من قتلهم فيكون هم الذين قتلوه لا نحن! فيستريح منهم!) أراد أن يتبرأ من معرة قتلهم عند الناس، وأراد الراحة منهم لأنه فما ظن إذا قتل شيوخ القيروان وأئمة الدين، تمكن من أتباعهم فيدعوهم إلى ما شاء فيتبعونه. فقتل من صلحاء القيروان وفقهائهم من أراد الله بسعادته وشهادته وسقط في أيدي الناس وقالوا: (قتل أولياء الله شهداء) ففارقوه، واشتد بغضهم له أعني لأبي يزيد. وما أبو القاسم الشيعي محصورا.
وفي سنة 333، قتل أبو يزيد ميسرة الفتى قاد أبو القاسم الشيعي وكان بين أبي القاسم وأبي يزيد حروب كثيرة وفيها كانت الواقعة المشهورة بينهما في وادي الملح قتل فيها من أصحاب أبو القاسم عددا لا يحصى.
وفي سنة 334 توفي أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي القائم بأمر الله وذلك يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من شوال من السنة المذكورة فكانت مدته اثنتا عشرة سنة.

ولاية إسماعيل بن أبي القاسم عبيد الله الشيعي
كنيته: أبو الطاهر. لقبه: المنصور. وكان والده ولاه عهده في رمضان ودعا على المنبر بإفريقية. وكان موالده بالمهدية سنة 302 وولى وسنة اثنان وثلاثون سنة. وكان فصيحا بليغا.
(1/218)
________________________________________
وفي سنة 335 وصل أبو يزيد إلى المهدية ثم نهض إلى سوسة فناوشه أهلها، فقيل فيه: (وافرا) :
ألم بسوسة وبغى عليها ... ولكن الإله لها نصير
مدينة سوسة للغرب ... ثغرة يدين لها المدائن والقصور
لقد لعن الذي بغوا عليها ... كما لعنت قريظة والنضير
أعز الدين خالق كل شيء ... بسوسة بعدها التوت الأمور
فرفع أبو يزيد عنها، ورجع إلى المهدية، فلما وصل دفع حتى ضرب برمحه في بابها، فدخل راجل القصر على إسماعيل، فوجده يلعب بسلباحة في الصهريج. فقال له: (تلعب، وأبو يزيد يركز رمحه بالباب فقال له (أو قد فعل؟) قال: (نعم) قال: (والله لا عاد إليها أبدا! وقد جاء حتفه! كذا رأينا في كتبنا) ثم أمر في الحين بالركوب والخروج إليه.
وفي سنة 336 من الهجرة، أمر المنصور أبو طاهر ببناء صبرة واختطها، وسماها المنصورية. قال البكري: ولم تزل المهدية دار ملك بني عبيد إلى أن سار منها أبو طاهر إلى القيروان بعد قتله لأبي يزيد، وبنى مدينة صبرة واستوطنها، وخلت أكثر أرباض المهدية وتهدمت. ونقل أبو طاهر سوقة القيروان إلى صبرة. وكان لها أربعة أبواب. وبينها وبين القيروان نحو نصف ميل. وكان من المهدية إلى مدينة سلقطة ثمانية أميال، ومنها زحف أبو يزيد إلى المهدية أيام حصاره. وكانت محلة أبي يزيد بترنوط. وفي كتب الحدثان: (إذا ربط الخارجي خليه بترنوط، لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط) و (ويل لأهل السواد من محلة أبي كيداد) وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي. وقيل في أبي يزيد رجز:
وبعدها باجة أيضا أفسدا ... وأهلها أخلى ومنها شردا
(1/219)
________________________________________
ولما عزم المنصور عل مقاتلته ومحاربته، أعطى جنوده، وحشد حشوده، وخرج إليه في العساكر. فمرت الهزيمة على أبي يزيد. وأمر إسماعيل الناس باتباعه إلى أن دخل بلاد كتامة. فتعلق بالجبل المعروف بحصن أبي يزيد، وأثخن بالجراح، وقبض عليه حيا، فجعل في قفص من حديد، وجيء به إلى المنصور إلى المهدية، فقتله، وصلبه على باب الذي ضرب فيه برمحه. قال القضاعي: مات أبو يزيد في محرم من سنة 336 المذكورة. قال: وأمر بسلحه وحشي جلده قطنا، وصلبه. وقال أبو حمادة: ولما ظفر بأبي يزيد، نهض إلى القيروان، فدخلها في هذه السنة، فقتل من أهلها خلقا، وعذب آخرين، ولم يزالوا معه في الامتحان إلى أن هلك، قال القضاعي: وكان انتقال المنصور إلى المنصورية في سنة 337.
وفي سنة 339، تحرك أبو الطاهر المنصور بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي إلى بلاد المشرق، ورد الحجر الأسود إلى مكانه من الركن من بيت الله الحرام، وذلك بعد خمسة أعوام من دولة المطيع. وكان الذي اقتلعه سليمان ابن الحسن القرمطي - لعنه الله - وفي سنة 317 في أيام المقتدر العباسي - رحمه الله - والذي تولى قلعه بيده بأمر القرمطي جعفر بن أبي علا - لعنه الله - ولما مات القرمطي، وجه إخوته الحجر، فرد إلى موضعه في هذه السنة، ووضعه بيده الحسين بن المروذي الكناني وكان غينه الحجر من يوم قلعه إلى يوم رده اثنين وعشرين سنة أو نحوها. ورأى الحجر الأسود، في أيام ابن الزبير، ناصع البياض إلا وجه الظاهر. وكان اسوداده من لطخ المشركين له بدم القرابين، ولمسهم له بأيديهم، مع طول الدهر. قال الذهبي: حضرت يوم قلعه. يوم رده.
(1/220)
________________________________________
وفي سنة 340، ولي أبو الطاهر إسماعيل العبيدي ولده معدا المكنى بأبي تميم عهده. وخرج أبو الطاهر منتزها إلى جلولا، ورجع منها معتلا، وصلى عيد الفطر مريضا.
وفي سنة 341، توفي أبو الطاهر إسماعيل، الملقب بالمنصور، ابن أبي القاسم، والملقب بالقائم، ابن عبيد الله المهدي، وذلك منسلخ شوال من العام، وله تسع وثلاثون سنة. فكانت ولايته سبع سنين وخمسة عشر يوما. حاجبه جعفر ابن علي.
ثم ولي المملكة معد بن إسماعيل المعز لدين الله العبيدي وهو معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله. كنيته: أبو تميم. لقبه: المعز لدين الله. مولده: بالمهدية في رمضان من سنة 319. وولي، وله اثنان وعشرون سنة. وهو أول من ملك مصر بن عبيد الله، وذلك أنه لما توفي كافور الإخشيدي أمير مصر، بعث المعز لدين الله القائد أبا الحسن جوهرا إلى مصر. وكان جوهر غلام والده إسماعيل، وأصله رومي، جلبه خادم اسمه صابر، ثم انتقل إلى خفيف الخادم، فحمله إلى إسماعيل المنصور، فظهر عنده، فأرسله المعز بالعساكر إلى مصر، فافتتحها يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان. وهرب أعيان الإخشيدية من مصر إلى الشام فبل وصول جوهر. وأقيمت الدعوة للمعز، يوم الجمعة الموفى لعشرين لشعبان من سنة 358، في الجامع العتيق، وكان الخطيب أبو محمد الشمشاطي. ودعا له بمكة في موسم هذه السنة، ودعا أبو مسلم العلوي بالمدينة للمعز. وسار جعفر بن فلاح إلى الشام، وقبض على الحسين بن عبد الله، وأنفذه إلى جوهر، فأنفذ جوهر الحسين المذكور مع جماعة من الإخشيدية مع هدية إلى المعز، فوصلت إلى أفريقية مع ولده جعفر في رجب من سنة 359.
(1/221)
________________________________________
وفي سنة 342، فلج خطيب القيروان على المنبر ومات وتمم الخطبة أبو سفيان الفقيه.
وفي سنة 344 ولد للمعز أبي تميم ولد سماه نزارا.
وفي سنة 346 ولي مدينة سبتة وال من قبل الناصر عبد الرجمن، أمير الأندلس، وأمره بتحصينها وبناء سورها، فبناه بالكدان.
وفي سنة 347، دخل جوهر قائد أبي تميم إلى المغرب، واستولى على مدينة فاس. ثم توجه إلى تيطاون، ووصل إلى مضيق سبتة فلم يقدر عليها ورجع عنها وقصد بعساكره إلى سلجمانة، فر أمامه صاحبها محمد بن الأمير الفتح وتحصن في حصن على اثني عشر ميلا من سجلماسة، بأهله وماله وبعض أصحابه. وكان يلقب الشاكر لله، وقد تقدم بعض خبره. واستولى جوهر على سلجمانة، فملكها. وخرج محمد بن الفتح من الحصن في نفر يسير ليتعرف الأخبار، مستترا. فغدره قوم من مدغرة عرفوه، وأتوا به إلى جوهر، فقتله في رجب. وبقى جوهر في الغرب نحو سنة. وتوجه إلى أفريقية.
وفي هذه السنة وصل إلى قرطبة الحسن بن قنون من بني إدريس، فارا بنفسه أمام جوهر قائد أبي تميم المذكور. وكان بنو محمد بن القاسم من بني إدريس بن إدريس أجمعوا على هدم تبطلون، فهدموها، ثم ندموا على ذلك، وشرعوا في بنائها، فضج أهل سبتة لذلك لأن بنائها ضرر بهم فبعث إليهم عبد الرحمن الناصر جيشا برسم محاربة بني محمد، قوّد على الجيش أحمد بن يعلي. وكتب الناصر إلى حميد بن يصال صاحب تيكياس وتلك الجهات كلها، أن يعين القائد المذكور على بني محمد فتخلى بنو محمد عن بناء تيطلون لما اجتمع العسكران عليهم، وبعثوا أولادهم مراهن إلى قرطبة.
(1/222)
________________________________________
وفي سنة 348، وصل كتاب صاحب سبتة إلى أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر، يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر قائد الشيعي.
وفي سنة 349، وجه أبو تميم المعز لدين الله القاضي إلى أئمة المساجد والمؤذنين يأمرهم إلا يؤذنوا إلا ويقولوا فيه: (حي على خير العمل) وأن يقرؤوا (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول كل سورة، ويسلموا تسليمتين، ويكبروا على الجنائز خمسا ولا يؤخروا العصر، ولا يكبروا بالعشاء الأخيرة ولا تصيح أمرأة وراء جنازة، ولا يقرأ العميان على القبور إلا عند الدفن.
وفي سنة 350، توفي حسين ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إدريس والحسني بقرطبة، وكان رهينا بها. وخلف ابنين يسميان محمدا وحسينا، فلم يزلا مستقرين بقرطبة إلى خلافة الحكم، فبعثهما إلى إخوانهما فوصلا في رجب سنة 359 واستقرا ببلاد الغرب.
وفي سنة 351، أخذ الروم مدينة المصيصة ومدينة طرسوس، واستولوا عليهما.
وفي سنة 352، وفد على الحكم المستنصر بالله أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من أمير برغواطة أبي منصور بن أبي الأنصار، وذلك في شهر شوال من هذه السنة. وكان المترجم عنه باللسان العربي عيسى بن داود المسطاسي فسأله الحكم عن نسب برغواطة ومذهبهم، فأخبره.

خبر برغواطة
ومن أخبار برغواطة ما خبر زمور أن طريفا كان أبا ملوكهم. وهو من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق - عليهم السلام - قال: وكان طريف من أصحاب ميسرة ملك المغرب الذي تقدم ذكره، فلما قتل ميسرة، وافترق أصحابه، احتل طريف بلاد تامسنا، فقدمه البربر على أنفسهم، فولى أمرهم
(1/223)
________________________________________
وكان على دين الإسلام وإليه تنسب جزيرة طريف، فبقي أميرا عليهم، إلى أن هلك. وترك أربعة أولاد. فولى الأمر من بعده صالح بن طريف، وكلن مولده سنة 110 من لبهجرة، فتنبأ فيهم، وشرع لهم ديانة، وسمى نفسه صالح المؤمنين، وعهد إلى ابنه إلياس بديانته، وأمره ألا يظهر ذلك غلا إذا قوى أمره، وحينئذ يدعوا إلى مذهبه ويقتل من خالفه فيه من قومه. وأمره بموالاة أمير الأندلس. وخرج صالح إلى المشرق، وزعم أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتكلم لهم في ذلك بكلام كثير نسبه لموسى - عم - ولسطيح الكاهن وغيره.
ثم ولي بعده إلياس بن صالح بن طريف فأظهر ديانة الإسلام والعفاف وبقي أميرا خمسين سنة إلى أن هلك. وترك جمعة من الأولاد. فولى ابنه يونس بن إلياس، وذلك بعد ما وصل من المشرق، وحج ولم يحج أحد من أهل بيته. فتظهر ديانة جده، ودعا إليها وقتل من لم يدخل فبها حتى أخلى ثمانمائة موضع من مواضع البربر، يل أنه قتل منهم سبعة آلاف ونحو سبعمائة.
وهلك بعد أن ملك نحو أربعين سنة، وخرج الأمير عن بينه وقام أبو عفير يحمد بمن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف، فاستولى على ملك تلك البلاد، ودان بديانة آبائه. واشتدت شوكته، وعظم أمره. وكانت له وقائع في البربر مشهورة، منها وقعة تامعزا، أقام القتل فيها ثمانية أيام، ومنها وقعة بهت، عجز الإحصاء عن عد من قتل فيها. وكان لأبي عفير من الزوجات أربع وأربعون، وكان له من الأولاد بعددهن. ومات بعد أن ملك تسعاً وعشرين سنة. ثم ولى عبد بن أبي عفير، وهو أبو الأنصار، وذلك عند تمام المائة الثالثة، وكان سخيا ظريفا، يفي بالوعد والعهد، يحفظ الجار ويكافئ على الهدية بأضعافها. وصفته: أفطس، شديد الأدمة في الوجه، ناصع بياض الجسم،
(1/224)
________________________________________
طويل التحية وكان يلبس السراويل والملحفة، ولا يلبس االقميص، ولا يعتم إلا في الحرب، ولا يعتم أحد من قومه إلا الغرباء عندهم. وكان في كل عام تحشد ويظهر أنه يغزوا لمن يليه من القبائل، فيهادنوه، فيترك حركته. فملك في دعة نحو اثنين وأربعين سنة.
ثم ولى أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار ن الذي بعث زمورا هذا إلى المستنصر بالله الأموي سنة 352، وهو عبس بن أبي الأنصار عبد اله بن أبي عفير محمد بن معاذ1 بن اليسع بن صالح بن طريف. وكان سنه إذ ولي اثنين وعشرين سنة، فسار بسيرة أبيه ودان بديانته. واشتدت شوكته وعظم سلطانه. وكان أبوه قد وصاه عند موته بموالاة أمير الأندلس، وقال: (أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن يأتيك جدك صالح كما وعد) انتهى ما اختصرته من كلام رموز.
وقال أبو العباس المرجحي أن يونس القائم بدين برغواطة أصله من شذونة، من جهة وادي برباط، وكان قد رحل إلى المشرق في عام 201 مع عباس بن ناصحخ وزيد بن سنا الزناتي صاحب الواصلية، وبرغوث بن سعيد التراري، وجد بني عبد الرزاق، ويعرفون بني وكيل الصفرية، ومناد صاحب القلعة المنادية، قريب من سجلماسة وآخر ذهب عني اسمه. فأربعة منهم فقهوا في الدين. ادعى يونس صاحب برغواطة النبوة. قال: وكان يونس شرب دواء للحفظ، فحفظ كل ما سمعه، وطاب علم النجوم والكهانة، ونظر في الجدال، وانصرف، فنزل بين هؤلاء القوم، فرأى جهلهم. وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها، مما يدل عليه التنجيم، فيكون كما قال، أو قريبا منه، فعظم عندهم. فلما رأى ذلك منهم وعلم ضعف عقولهم وكثرة جهلهم أظهر ديانته، ودعا إلى نبوته. وسمى من اتبعه برباطي، ثم أحالوه بألسنتهم، ردوه
(1/225)
________________________________________
(برغواطي) . وكان يونس قد قتل خلقا كثيرا من البربر حتىلا أطاعوه وعلى دينه تابعوه. وقال سعيد بن هشام المصمودي في وقعة بهت قصيدة طويلة منها وافر:
قفي قبل التفرق فاخبرينا ... وقولي واخبري خبرا مبينا
هموم برابر خسروا وضلوا ... وخابوا لا سقوا ماء معينا
يقولوا النبي أبو عفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا
ألم تسمع ولم تر يوم بهت ... على آثاري خيلهم رنينا
رنين الباكيات بهم ثكالي ... وعاوية ومسقطه جنينا
هنالك يونس وبنو أبيه ... يوالون البوار معظمينا
فليس اليوم ردتكم ولكن ... ليالي كتم مستيسرينا
يعني بقوله مستيرين من المياسرة أصحاب ميسرة. فأما الضلال الذي شرع لهم فأنهم يقرون بنبوة صالح بن طريف وأن الكلام الذي ألف لهم هو وحي من الله تعالى لا يشكون فيه تعالى الله عن قولهم وفرض لهم صوم رجب وأكمل رمضان وخمس صلوات في اليوم وكذلك في الليلة والضحية اليوم الحادي عشر من المحرم وفي الوضوء غسل السرة والخاصرتين ثم الاستنجاء والمضمضة وغسل الوجه ومسح القفا وغسل الذراعين والمنكبين ومسح الرأس ثلاث مرات ومسح الأذنين كذلك ثم غسل الرجلين من الركبتين وبعض صلاتهم دون سجود وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. وهم يسجدون ثلاث سجدات متصلات ووجوههم وأيديهم من الأرض مقدار نصف شبر ويقرءون نصف قراءتهم في وقوفهم ونصفها في ركوعهم ويقولون في سلامهم بكلامهم: (الله فوقنا لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا
(1/226)
________________________________________
في السماء) ثم يقولون مقر باكش خمسا وعشرين مرة وتفسيره الكبير الله ويقلون أيمن باكش تفسيره بسم الله وغير هذا. ويتزوج الرجل منهم ما استطاع من النساء ويطلق ويرجع ما أحب ويقتل السارق بالإقرار والبينة ويرجم الزاني وينفى الكاذب ويسمونه المغير. والدية عندهم مائة رأس من البقر ورأس كل حيوان عليهم حرام ولا يأكل الحوت عندهم ألا أن يذكى والديك والبيض عندهم حرام والدجاج مكروهة إلا يضطر إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة وهم يكتفون بمعرفة الأوقات بصراخ الديكة ولذلك حرموها. ويتبركون ببصاقة أي بصاق صالح. وكانوا أعلم الناس بالنجوم. وكانوا أجمل الناس رجالا ونساء وقرآنهم الذي وضع لهم صالح ثمانون سورة أكثرها منسوبة إلى أسماء النبيين أولها سورة أيوب وأخرها سورة يونس وغيرها من أسماء الأنبياء - عم - وفيها سورة فرعون الديك وسورة الجراد وسورة الجمل وسورة هاروت وماروت وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا وفيها علم عظيم عندهم ولم ينزل كثير من القبائل على مذهب إلى عام 352.
رجعنا إلى نسق التاريخ: كان الحكم أمير الأندلس ولى الخلافة بها سنة 350. فطاع له المغرب كله وتمم بناء سور سبتة في عام 351.
وفي سنة 353 كتب الحكم المستنصر بالله سجلا إلى أهل سبتة رفع عنهم فيه جميع الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية. قال ابن حمادة رأيت هذا السجل عند القاضي عياض رحمه الله مؤخرا بشهر صفر من العام المذكور ذكر فيه: (وما وقع عليها من المؤن السلطانية في التقسيط فهو مضروب على شرف أشبيلية.) .
(1/227)
________________________________________
وفي سنة 354 توفي أبو الطيب المتنبي وكان موالده بالكوفة سنة 303، وعمر إحدى وخمسون سنة وكان أشهر من أن يذكر.
وفي سنة 357 توفي الأستاذ كافور بمصر.
وفي سنة 358 بعث المعز أبو تميم معد بن المنصور العبيدي أبا الحسن جوهرا إلى مصر لما توفى كافور الخدشي أمير مصر فلما وصلها جور فتحها في شعبان.
وفي سنة 359 أنفذ جوهر إلى المعز لدين الله حدية جميلة صحبه ولده جعفر بن رجب.
وفي سنة 360 وصل الحسن بن أحمد القرمطي إلى دمشق وقتل جعفر ابن فلاح. وتغلبت القرامطة على دمشق وصاروا إلى الرملة.
وفي سنة 361، خرج أبو تميم من المنصورية راحلا إلى المشرق في أواخر شوال لثمان بقين منه وأستخلف على إفريقية أبا الفتوح الصنهاجي.

ابتداء الدولة الصنهاجية بأفريقية
ولاية أبي الفتوح يوسف بن زيري
ابن مناد الصنهاجي بإفريقية
لما خرج أبو تميم من إفريقية إلى المشرق أستخلف يوسف المذكور وأمر الكاتب أن يكتبوا إلى العمال وولاة الأشغال بالسمع والطاعة لأبي الفتوح. ورحل أبو تميم إلى مصر فاحتلها وأمن أهلها وأتخذها دار ملكه وبقى أبو الفتوح أميرا على أفريقية والمغرب كله قال القضاعي لما وصل أبو تميم إلى الإسكندرية توجه إليه من مصر القاضي والشهود وأعيان من أهل البلد منهئين وداعين ومسلمين. ثم أستقر بقصر المعز في السابع لرمضان.
(1/228)
________________________________________
وفي سنة 363 وصل القرمطي إلى الطواحين في جمادى الأول وأنهزم في شعبان في هذه السنة.
وفي سنة 365 توفي أبو تميم المز لدين الله العبيدي في يوم الجمعة الحادي عشر لربيع الأخر، فكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وأياما منها مقامه بمصر سنتان وسبعة أشهر.

ولاية العزيز بالله نزار
فولي الإمار بمصر العزيز بالله نزار، المكنى بأبي المنصور ابن معد المكنى بأبي تميم. ولد بالمهدية في محرم سنة 344 وولى العهد بمصر في العاشر لربيع الأول سنة 365 وسترت وفاة أبيه وسلم عليه بأمير المؤمنين وقد ذكرنا بعض أخباره في أمراء مصر (أخبار المشرق.) وفي جمادى الأخيرة من سنة 365 بعث أبو الفتوح أمير أفريقية إلى العزيز بالله هدية فشيعها وعاد أبو الفتوح إلى رقادة فخرج إليه أهل القيروان فتلقاهم بأحسن قبول وأجملهم أجمل نزول وبعد ذلك عزم أبو الفتوح على الانتقال إلى فحص أبي صالح فخرج لتوديعه القضاة والشيوخ لثلاث بقين من رجب من السنة المؤخرة.
وفي ذي الحجة أمر أبو الفتوح العمل على أفريقية واليه عبد الله بن محمد الكاتب أن يقيم أسطولا بالمهدية معدة من الرجال والسلاح. فخرج عبد الله إلى المهدية وأخذ في حشد البحريين في كل بلدة وأمر أن يأخذ كل من لقي منهم بالقيروان وغيرها وملأ بهم السجون. وأدرك خاصة البلد وعامتها من الخوف ما لزموا له البيوت وأنتها حالهم إلى أنه إذا مات أحد عندهم لا يخرجه إلا النساء.
(1/229)
________________________________________
وفي سنة 366 خرج الأسطول من المهدية في أول محرم، فتعذرت الريح عليها فأقاموا حتى فرغت أزوائهم وعدموا الماء، فهرب جميع من فيها من النواتية والبحرية، وصاروا إلى البر، فنهبوا ما في المراكب من عدة وسلاح وهربوا إلى كل ناحية. فجعل عبد الله الطلب عليهم، فمن ظفر بهم، قتل.
وفي هذه السنة، توفي زيادة الله بن القديم في سجن عبد الله بن محمد الكاتب، وقيل أنه قتل بأنواع من العذاب. وفي هذه السنة، نادى عامل أفريقية والقيروان، وهو عبد الله الكاتب، فاجتمع الناس إليه، فأخذ من أعيانهم نحو الستمائة رجل من أغنيائهم وأغرمهم على الأموال بالتعيين: يأخذ من الرجل الواحد عشرة آلاف دينار، ومن آخر دينار واحدا. فاجتمعت له بالقيروان أموال كثيرة. وعم هذا الغرم سائر أعمال أفريقية ما عدا الفقهاء والصلحاء والأدباء وأولياء السلطان، وكان الذي جبى من القيروان نيفا على أربعمائة ألف دينار عينا. وبقى الأمر كذلك في الطلب، إلى أن وصل الأمر من مصر إلى أبي الفتوح برفع الغرم عن الناس، فأطلقهم عبد الله الكاتب في أواخر شوال.
وفي سنة 367، بعث عبد الله الكاتب عامل أفريقية هذا المال إلى ملك مصر العزيز بالله بأمر أبي الفتوح صاحب أفريقية من قبل العزيز بالله، وكتب على كل صرة أسم صاحبها. فكان خروج هذا المال من المنصورية لخمس بقين من جمادى الأخير. ولما وصل المال إلى مصر، رد العزيز بالله بعض الصرر لأربابها.
وفي هذه السنة، أنعم العزيز بالله على أبي الفتوح بطرابلس ونواحيها. فقدم عليها أبو الفتوح يحيى بن خليفة الملياني، فأقام بها شهورا، ثم عزله.
وفيها، زحف خزرون بن فلفل بن خزر الزنتاني إلى سجلماسة، في عدد عظيم، فخرج إليه المعتز، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل المعتز، لخمس بقين من
(1/230)
________________________________________
رمضان. وملك خزرون سجلماسة، وأخذ فيها أموالا جليلة. وبعث خزرون برأس المعتز إلى الأندلس واستحكم بها ملك زناته وأتباعه.
وفي هذه السنة، وصل أبو الفتوح صاحب أفريقية إلى سبتة، فحاصرها. وبعث إليه ابن أبي عامر برأس جعفر بن علي، أراد أن يرضيه بذلك. وكان ابن أبي عامر قد قتل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي. ويأتي خبر قتله في أخبار ابن أبي عامر من الأندلس.
وفي سنة 368، خرج العزيز من مصر إلى الشام في عدد عظيم، ونزل بالرملة. وكان بين يديه ألف بند وخمسمائة طبل. وكان جوهر قائده خرج في العام الفارط إلى الشام، فهزمه أفتكين التركي، ورجع إلى مصر مفلولا. فخرج العزيز بالله في هذه السنة بنفسه. فلما نزل الرملة، خرج إلى التركي. فكانت بينهم حروب عظيمة، فانهزم التركي وأخذ أسيرا، فسيق إلى العزيز بالله بحبل في عنقه. ولما وصل إلى مصر، عفا عنه، ومات بعد ذلك.
وهذه السنة، دخل أبو الفتوح صاحب أفريقية من فبل عبد العزيز بالله بلاد الغرب، واستولى عليها، وهدم مدينة البصرة، ومحا رسمها بعد طول مدتها وكثة عمارتها. وكان رحيل أبي الفتوح من أفريقية إلى الغرب يوم الأربعاء لخمس بقين من شعبان من سنة 368، فوصل بجيوشه الضخمة إلى فاس، فاستولى عليها، وملك سجلماسة وبلاد الهبط كلها، وطرد من جميعها عمال بني أمية، ثم رحل إلى ستة في طلب من لجأ إليها من زناتة. فلما أشرف عليها، نأمل الوصول إليها، فرأى من تحصينها ومنعتها ما لا يستطاع إدراكه إلا بالمراكب البحرية، فرجع عنها، ولم يعوزه من بلاد المغرب غيرها. فرجع يريد البصرة، وكان فيها عمارة عظيمة بالأندلس والبربر. فلما دخلها أمر بهدمها، ونهب ما كان فيها من الأموال والأمتعة وجميع الأسباب. فاستحالت
(1/231)
________________________________________
الجيوش والأمم عليها، فصارت كأن لن تغن بالأمس. فلم تكن بصرة بالمغرب إلى الآن، ودثر رسمها. وكانت قديمة أزيلت. وقد تقدم ذكرها. ثم صار منها إلى أصيلا.

ذكر مدينة أصيلا
وأما أصيلا، فهي محدثة وكان سبب بنائها أن المجوس خرجوا بساحلها، وزعموا أن لهم بها أموال وكنوزا، تركها لهم الأوائل الذين كانوا يسكنون السواحل وأخرجهم منها عامة القبائل. فلما نزلوا في البر لأخذ أموالهم، اجتمع البربر لقتالهم فقالوا: (لم نأت لحرب؛ وإنما لكنوز في هذا الموقع. فكونوا ناحية حتى نستخرجها، ونشارككم فيها) فاعتزل البربر عنهم لما سمعوا ذلك منهم. فحفر المجوس مواضعهم، واستخرجوا دخنا كثيرا عفنا. فلما رآه البربر، ظنوه ذهبا. فبدروا إليهم. وهرب الروم إلى مراكبهم. فأصاب البربر الدخن، فندموا ورغبوا إلى المجوس في الرجوع واستخراج المال، فأبوا وقالوا: (قد نقضتم العهد) وساروا إلى الأندلس، فحينئذ خرجوا بأشبيلية على ما يأتي ذكره في أخبار الأندلس. فاتخذ الناس موضع أصيلا رباطا، وانتابوا إليه من جميع الأمصار. فكانت تقوم في سوق جامعة ثلاث مرات في السنة (في رمضان وفي العواشر، وفي عاشوراء) .
ومما قيدته واختصرته من (كتاب المسالك والممالك) لمحمد بن يوسف القروي قال: ومن المدن القديمة على ساحل بحر الغرب أصيلا، وهي في سهلة من الأرض، كانت مدينة للأول. ثم تغلب عليها البحر ثم بنيت بعد ذلك، وكان سبب بنائها، ان المجوس خرجوا من مرساها مرتين، ما الأولى، فأنهم صدقوا إليها، زاعمين أن لهم بها مالا وكنوزا، فاجتمع البربر لقتالهم حسبما ذكرت ذلك، وأما خروجهم الثاني، فأن الريح قذفت بهم إليها
(1/232)
________________________________________
وعطبت لهم أجفان كثير عليها، حتى كان يعرف ذلك الموضع بباب المجوس. وكان موضعها ملكا لقبائل لواته. فابتناها قوم من كتام. فأول ما ابتدروا به مسجدا. ثم بنى لواتة مسجدا ثانيا، وشاع أمرها، فبنى الناس شيئا بعد شيء، فقصدها التجار من الأمصار بضروب المتاجرة في أوقات معلومات لأسواق الغبار.
فأول من قدم عليها من الملوك القاسم بن إدريس، فأنه ملكها، وقامت دعوته بها إلى أن توفي - رحمه الله - ثم وليها أبنه إبراهيم بن القاسم، فجرت بينه وبين عمر بن حفصون الثائر بببشتر من الأندلس مراسلات ومكاتبات في شأن النفاق على الخليفة بقرطبة الأموي، إلى أن هلك. ثم وليها ابنه الحسين ابن إبراهيم بن القاسم، فأضطرب أمره، وضعفت طاعته، وكانت مدته خمسا وعشرين سنة في قبائل لواتة، وكان أخوه أحمد المتولي لأمر كتامة، وكان يعرف بأبي الأذنين. وكان صاحب البصرة حينئذ أخوهما عيسى بن إبراهيم بن القاسم، إلى أن قتله أبو العيش جنون من بني إدريس - رحمه الله - فتزوج أخوه أحمد الملقب بأبي الأذنين زوجته، وملك مكانه، وقيل أن زوجته سمته فقتلته. فصار أمر كتامة وأمر البصرة إلى يحيى بن إبراهيم بن القاسم المعروف بابن برهوية، فأختلفت عليه كتامة، وكان ذلك سبب دخول بني محمد بلد كتامة وهوارة وتلك الناحية، واستجاشوا بحسن بن محمد المعروف بالحجام، فقام بأمره، وهلك القاسم بن حسن بن القاسم بن إدريس صاحب أصيلا. ودخل بنو محمد من بني إدريس مدينة أصيلا، فاستأثر بها حسن الحجام دون بني عمه، فولى عليها رجلا من خاصته يقال له حجام بن يوسف، فأحسن السيرة فيهم، إلى أن هلك، فطلب ولايتها رجل من أهلها يقال له محمد بن عبد الوارث، فعبدوا طوره فيها، ويقال ن أصاب بأصيلا كنزا بداره، ونهى ذلك إلى حسن المعروف بالحجام، فطمع في ذلك المال، وعزله عن أصيلا.
(1/233)
________________________________________
ثم وليها إبراهيم الغل المكناسي، وكان ساكنا بها، بعدما أعطى مال لحسن الحجام. قلما وصل إلى أصلا، سار محمد بن عبد الوارث إلى الحسن بمال كثير فعزل إبراهيم وأعاد ابن الوارث. فسار إبراهيم بهدية إلى الحسن، فعزل مجمدا وولاه عليها. ثم عزا إبراهيم وولى محمد بن عبد الوارث. وكانت عزلتهما وولايتهما نحو سنتين، إلى أن استقر فيهما محمدا هذا، وسني فار الصهريج، يعنون الكنز الذي أصاب فيه. وتبين لبن عبد الوارث رغبة حسن في ماله، فأعطاه. واستقامت له معه جميع أحواله مدة، ثم عزله، وولى إبراهيم ابن الغل المذكور، فبقى بها إلى ان حصر ابن العافية بني محمد في حجر النسر، فأتاه أهل أصلا، وطلبوا منه واليا من قبله، فولاها سعيد بن الشيخ الإشبيلي. وهرب إبراهيم بن الغل إلى مدين بن موسى بن أبي العافية، فوفد عليه، وهاداه، وانقطع إليه، فولاه أصلا فأحسن السيرة ورفق بالرعية وانصرف إلى تسول، بعدما استخلف على حرب بني محمد رجلا من أصحابه يعرف بأبي قمح، فحاصرهم حصارا شديدا. فلما ضاق عليهم الأمر، هجموا عليه ليلا، فهرب أبو القمح، ومالك بنو محمد محلته. واجتمعت قبائل كتامة بقلعة هناك، فزحف إليهم بنو محمد الأدارسة، فحاربهم حتى دخلوا القلعة، وقتلوا من كان فيها. فكان أول فتح بني محمد بن إدريس الحسني.
وبلغ ذلك إلى أهل أصلا، فكتبوا إلى ابن العافية، وذلك في سنة 322، في حين خروج ميسور إلى أرض المغرب. فجاوبهم موسى بن أبي العافية، وأمرهم أن يتحصنوا في بلدهم، وكتب إلى قبائل كتامة ولواتة وهوارة، وصنهاجة، يأمرهم بمعونتهم على البنيان، فانقسموا على سور المدينة، وبنوه في ستة أشهر. فهرب وجوه القبائل إلى أصلا، واجتمع بها ملأ عظيم منهم، فزحف إليهم بنو محمد الأدارسة بعساكر، فكانت بينهم حرب عظيمة، فاستمدوا ابن أبي العافية، فاعتذر إليهم وقال لهم: اكتبوا إلى أمير المؤمنين! فأنا وانتم
(1/234)
________________________________________
رعيته وتحت طاعته! فكتبوا إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر. وكانت مدينة سبتة تحت طاعته. فبعث إليهم الرماة الأنجاد، واتصل ذلك ببني محمد، فحشدوا الأحشاد، وزحفوا إلى أصلا، فحاربهم أربعين يوما. فخاف وجوه أهلها، فجازوا إلى الأندلس. ودخل بنو محمد أصلا، وذلك سنة 326، وملكوها فأمنوا من بقى بها من أهلها. وعاد من جاز إلى الأندلس إليها.
وحواها من القبائل لواتة في القبلة، ومن هوارة قوم يعرفون ببني زياد بينهم ديكة رمل عالية. قال إبراهيم بن محمد الأصلي من قصيدة له (وافر) .
سقى غربي أرض بنو زياد ... سحائب ما يجف لها غروب
ولا زال النسيم يعلم قوما ... إزائهم من الشرق الكثيب
وحولها من القبائل من جهة الغرب هوارة الساحل.

ذكر من ولى مدينة البصرة
أسست البصرة في الوقت الذي أسست فيه أصلا. وعلى ثمانية أميال منها جبل يقال له صرصر كثير المياه والثمار، يسكنه مصمودة. وأول من ملكها إبراهيم بن القاسم بن إدريس نحو أربعين سنة، ثم وليها ابنه عيسى ابن إبراهيم، ثم أخوه أحمد بن إبراهيم، ثم برهون بن عيسى بن إبراهيم، ثم أحمد بن القاسم بن إدريس، ثم برهون بن عيسى ثانية، ثم سعيد غلام المظفر من قبل مصالة بن حبوس، ثم حسن بن محمد ين الحجام، ثم محمد بن يحيى بن القاسم ولد الجوطي، ثم عيسى بن أحمد المعروف بأبي العيش، ثم أحمد بن القاسم ثانية، ثم وال من قبل ابن أبي العافية، ثم أبو العيش بن أحمد ثالثة، ثم أحمد بن أبي العيش إلى سنة 347.
(1/235)
________________________________________
وكانت مدينة يقال لها كرت في جبل يسمى به إلى وقتنا هذا، خربها بنو محمد، وهي كانت قاعدة أحمد بن القاسم، الذي يقول فيه بكر بن حماد (كامل)
إن السماحة والمروءة والندى ... جمعوا لأحمد بن القاسم
وإذا تفاخرت القبائل وانتمت ... فأفخر بفضل محمد وبفاطم
وبجعفر الطيار في درج العلا ... وعلى العضب الحسام الصارم
لأني لمشتاق إليك وإنما ... يسموا العقاب إذا سمى بقوادم
فأبعث إليّ بمركب أسمو به ... على أكون عليك أول قادم
وأعلك أنك لن تنال محبة ... إلا بعض ملابس ودراهم
فبعث إليه بغلة سنية وصلة جزلة. وكان له فيه أمداح كثيرة.
وكان على وادي ورغة حصن كبير يسكنه البربر فسكن عندهم شخص من الحضر فقال في نفسه (طويل) .
الأهل أتى أهل المدينة أنني ... بورغة بين الأعجمين غريب
إذا قلت شيء قيل: ماذا تريد ... لهم بين أحراز الوجوه قطوب
وكان هناك حصن أيضا يعرف بسوق عكاشة، قريب من ورغة، لحمد بن حسن من بني إدريس - رحمهم الله - وجنيارة حصن كبير في جبل يعرف بالجبل الأشهب، وهي لبني حصين. وفي ذلك الجبل قرى كثيرة. وهو بمقربة من قاس. ومن أصلا إلى مدينة فاس خمسة أيام على طريق البصرة. ويلي أصلا من جهة الشرق مدينة طنجة. وكان صاحب طنجة القاسم بن إدريس. ومن طنجة إلى فاس عدوتان أسست عدوة الأندلسيين سنة 192، من الهجرة، أسسها أهل ربض قرطبة إذ فروا من الحكم الربضي، وأسست عدوة القروين بعدها بسنة. قال: الشاعر (بسيط) .
(1/236)
________________________________________
يا عدوة القرويين التي كرمت ... لا زال جانبك المحبور ممطورا
لا امسك الله عنها صوب نعمته ... أرض تجنبت الآثام والزورا
ولما خرب أبو الفتح يوسف بن زيري الصنهاجي أمير أفريقية مدينة البصرة، رحل بعساكره إلى بلد برغواطة. وكان ملكهم صالح بن عيسى بن أبي الأنصار وكان فصيحا شاعرا، فأطاعوه حتى جعلوه نبيا، وشرع لهم شريعة، فاتبعوه. فضلّ، وأضلهم. فغزاهم أبو الفتوح، فكانت بينهم حروب لم يجر قبلها مثلها كان الظفر فيها لأبو الفتوح. وقتل الله الكافر ابن عيسى وانهزمت عساكر برغواطة، فقتلوا قتلا ذريعا، وسبى من نسائهم وذرياتهم ما لا يحصى عددهم. وأرسل أبو الفتوح سبيهم إلى أفريقية، فلقيهم عامله عبد الله الكاتب، مع أهل القيروان والمصورية. وملك أبو الفتوح بلاد الغرب. فكانت السجلات ترد عليه من مصر، فتصله على البريد إلى فاس أو غيرها، ثم يرجع بها إلى عامل أفريقية، فتقرأ بعد مدة من تاريخها. وأقام أبو الفتوح في بلاد الغرب، وهو قد ملكها، وأهل سبتة منه خائفون، وزناتة مشردون، وذلك من سنة 368 المؤرخة إلى سنة 373.
وفي سنة 3659، توفي أحمد بن أبي ؤ خالد، الطيب الكبير المعروف بابن الجزار.
وفيها كانت الحمرة التي ظهرت في السماء ليلة الأربعاء لخمس خلون من ربيع الأول، فخرج الناس إلى المساجد للضجيج والتضرع إلى الله تعالى وفي غد تلك الليلة هرب كبّاب ومغنين ابن زيري بن مناد من قصر أخيهما السلطان أبي الفتوح الذي كان فيه محبوسين وقد لبسا ثياب النساء، وخرجا في نسوة دخلن إليهما لزيارتهما، فوجدا عبيدهما قد أعدوا لهما خيلا وسلاحا، فركبا ومضيا نحو المشرق حتى وصلا مصر، فأنزلهما العزيز بالله، وخلع عليهما ووصلهما، وبقيا هنالك بقية هذه السنة.
(1/237)
________________________________________
وفي سنة 370، صرف العزيز بالله كبابا ومغنيا أين زيري إلى أبي الفتوح يوسف بن زيري أمير أفريقية وأمر أن يعفوا عنه ويتعرض لهما. ففعل ذلك. وفيها تمكنت حال يعقوب بن يوسف بن كلس مع العزيز بالله، فأدل كتامة وقهرهم، وقدم الترك والإخشيدية، وعزل الوزراء جوهرا وغبرة. .
وفي سنة 371 دخل سبى البرغواطيين إلى المنصورية يوم السبت لثمان خلون من ربيع الأول. فرأى أهل أفريقية من السبي كما لم يره أحد منهم لكثرته. وطيف بهم في المنصورية والقيروان.
وفي هذه السنة وصل باديس بن زيري من مصر برسالة إلى أبو الفتوح يأمره بتخير ألف فارس من أخواته الأبطال صنهاجة منهم حبوس وماكسن وزاوي وحمامة وبنو حمامة بن مناد وزاوي بن مناد، ونظرائهم فكتب إليه من بلاد الغرب يعرف بتغلب بني أمية أمراء الأندلس على البلاد الغرب وأن الدعاء لهم فيه على المنابر وأنه قد خرج لمحاربتهم بهؤلاء الرجال الذين سماهم أمير المؤمنين فأن عزم على بعثهم إليه ترك الغرب وسار بنفسه في جملتهم. فلم يعد إليه جوابا فيهم.
وفي جمادى الأول منم هذه السنة كان بالمهدية زلازل دامت الشهر كله وعشرة أيام بعده تزلزل في كل يوم مرات حتى هرب أكثر أهلها وأسلموا ديارهم وما فيها.
وفي سنة372 قتل أمير صقلية أبو القاسم علي بن حسن في مقابلته مع الإفرنج وكانت ولايته بها إحدى عشر سنة ثم ولى أبنه جابر سنة واحدة.
وفي سنة 373 أشترى عبد الله بن محمد الكاتب عامل إفريقية العبيد السودان وجعل على كل عامل من ثلاثين عبدا إلى ما دون ذلك وكذلك على أصحاب الخراج ووجوه رجاله. فاجتمع له منهم ألوف وأسكنهم بالمنصورية. وفيها عمل عبد الله بيت الحديد وملأه أموالا ثم عمل بيت خشب وملاه أموالا أيضا واستخفاف على المنصورين جعفر بن حبيب وخرج إلى لمهدية على عادته في كل سنة.
(1/238)
________________________________________
ذكر وفاة أبي الفتوح يوسف بن زيري
ابن مناد الصنهاجي
وفي هذه السنة توفي أبو الفتوح قفوله من قتال برغواطة وقد انفصل سجلماسة فمات بموضع قتال له وأركنفو يوم الأحد لتسع بقين من ذي الحجة. وذلك أن ابن خزرون الزناتي ضرب على سجلماسة فدخلها وأخذ ما كان فيها من الأموال وكان بها عامل أبي الفتوح فأتاه الخبر بذلك، فرحل إليها فاعتل في طريقه بقولنج فمات بالموضع المذكور. فأوصى لأبي زعبل ابن هشام وكان من خاصته فأرسل إلى المنصور يعرف بوفاة والده أبي الفتوح.

ولاية أبي الفتوح المنصور بن أبي الفتوح إفريقية
ولي الإمارة في أوائل سنة 374 أشير وتوفى يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول من سنة 387 فكانت مدته اثنتي عشر سنة ودفن بالمنصورية وكان كريما سحا جوادا صارما عازما. قال الرفيق: وقد ذكرت سيرته وحروبه وعطاياه في كتاب مفرد لأخبار جده وأبيه وأخباره وكان لقبه عدة العزيز بالله بن يوسف العزيز بالله.
وفي هذه السنة وهي سنة 374 بعث المنصور أخاه يطوفت من مدينة أشير، لما بلغت موت أبيه وأمر أن يطوي المراحل إلى القيروان والمنصورية برسم القبض على عبد الله بن محمد الكاتب وكان بالمهدية، ونائباه على المنصورية جعفر بن حبيب وعلى القيروان برهون العامل فصبحهم يطوفت سحر يوم الثلاثاء منتصف المحرم فنظر يطوف إلى الخزائن مغلقة والى البيت المال مقفلا فأخذ المفاتيح وفتح بيت المال وبيت السلاح وفرق على أصحابه وركب من كان مترجلا من الصنهاجيين بالمنصورية. ثم خرج والتقى مع عبد
(1/239)
________________________________________
الله الكاتب في بعض الطريق فوثب عليه وأرجله عن فرسه وانتهت أسبابه وأعتقل بالمنصورية أياما. ثم أمر المنصور بإطلاقه ورفع يده عن البلد ثم عاد الأمر إلى عبد الله فأمره بالقضاء ووجه الناس من شيوخ القيروان وغيرهم وتوجه معهم لرسم التهنئة والتعزية للمنصور فوصلوا إليه وسلموا عليه بمدينة أشير فقال لهم المنصور: (لقد شق على تعبكم في حركتكم غير أن سروري في رؤيتكم.) ثم شكر عبد الله الكاتب وذم فعل أخيه به ثم أمر عبد الله الكاتب أن يدفع للوافدين عليه عشرة آلاف دينار ضيافة. فدعوا له وانصرفوا. ثم استدعاهم بعد ذلك وقال لهم (أن أبي وجدي اخذ الناس بالسيف قهرا وآنا لا آخذهم ألا بالإحسان. وما أنا في هذا الملك ممن يولى بكتاب ويعزل بكتاب لأني ورثته عن آبائي وأجدادي وورثوه عن آبائهم وأجدادهم حمير!) أو كلاما هذا معناه ثم أمرهم بالانصراف مع عبد الله الكاتب فكانت مدة مسيرتهم ورجوعهم خمسة وثلاثين يوما.
وفي رجب قدم المنصور إلى رقادة فتلقاه عبد الله الكاتب في خلق عظيم من أهل القيروان فأظهر للناس الخير ووعدهم بكل جميل. وأتاه العمال بالهدية والأموال وأعطاه عبد الله هدايا جليلة. ثم أخذ المنصور في جهاز هدية بعثها إلى مصر مع زروال بن نصر. فقيل أن قيمة ما كان فيها من الأمتعة والدواب والطرف ألف ألف دينار عينا. وأقام المنصور برقادة فأمر بعمل سرج مكلل بالدر والياقوت فخرج به إلى العيد في أحسن زي وخرج إليه من القيروان خلق عظيم فصلى بالمصلى وخطب القاضي ابن الكومي وانصرف المنصور إلى قصره وولد سماه باديس بن المنصور ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الأول من هذه السنة.
وفيها أعطى المنصور لأخيه يطوفت العساكر ووجهه إلى مدينتي فاس
(1/240)
________________________________________
وسجلماسة يطلب ردهما ورد تلك البلاد الغريبة إذ كانت خرجت عن طاعته صنهاجة عند وفاة أبي الفتوح فوصل إلى مدينة فاس. وكان بها زيري بن عطية الزناتي الملقب بالفرطاس فلما أحس بوفادة بن أبي الفتوح عاجل بالخروج إليه والهجوم عليه فقاتله قتالا شديدا حتى انهزم يطوفت وظفرت زناته بصنهاحة فتبعوهم وتتلوا منهم قوما كثير واسروا كثيرا آخرين وهرب الباقون إلى تيهرت وهزم في هذه الوقعة قائدان له اسمهما ابن شعبان وابن عامل فسمر ابن شعبان على باب فاس وقتل ابن عامل شر قتيلة. وبقى زيري بن عطية مالكا لفاس وما حولها. ولما بلغ المنصور هزيمة أخيه، من المنصورية يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة برسم الغرب. خرج ومعه عبد الله الكاتب، وأستخلف عبد الله على القيروان ابن يوسف ثم رجع عبد الله بعد ذلك بعمالة أفريقية كلها. وبعث المنصور إلى أخيه يطوفت بجيش أخر فتلقاه بتيهرت ولم يتعرض المنصور بعد ذلك إلى بلاد زناتة.
وفي سنة 375 أمر أبو الفتح المنصور أن يعمل بالقيروان أبواب حديد وأمره ببناء قصره الكبير وكان فيها مولد لأبي علي المنصور (قيل: المنصور) ابن نزار العزيز بالله بمدينة القاهرة في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الأول وفي سنة 376 ظهر أبو الفهم الخراساني الداعي واجتمع إليه خلق كثير من كتامة. وكان يوسف بن عبد الله الكاتب قد أعطاه مالا وخيلا فتوجه إلى لبلد كتامة فدعاهم فأجابوه وتقررت أموره عندهم حتى صار يركب الخيل ويجمع العساكر ويعمل البنود ويضرب السكة فعظم أمره وشاع خبره وفيها جد يوسف بن عبد الله الكاتب في بناء المنصور قصر المنصورية للمنصور أبي الفتح فبلغ إنفاقه فيه قبل تمامه مائة ألف دينار.
(1/241)
________________________________________
وفي سنة 377 وصل المنصور أبو الفتح صاحب أفريقية إلى المنصورية، فنزل في قصره الذي بني له وأتى معه عبد الله الكاتب وجميع عساكره ووجوه بني عمه ورجاله. وفي هذه السنة، كان مقتل عبد الله الكاتب وأبنه يوسف وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب بلغ مع المنصور بن أبي الفتوح ما لم يبلغه أحد من قرابته وأهل بيته ودولته، وانحصرت أموره كلها كانت تخت قبضته فجمع الأموال ورتب الأحوال والأعمال وأعطى السياسة والرياسة حقها فحسنه كبراء أهل الدولة والتقى عنه حسن ابن خالته إلى المنصور أمورا من القدح في دولته وأنه كان السبب في خروج الداعي الثائر أبي الفهم بكتامة وأنه كان يصغر خبره حتى تفاقم أمره وغير ذلك من الأسباب المهلكات. وكان عبد الله الكاتب لثقته بنفسه لا يداري أحد من أولاده زيري ولا أكابر الدولة. فلما أحسوا من المنصور بعض التغير عليه أكثروا من (اعتزل عن عمل أفريقية وأقتصر عن الكتابة وكل من تولى متصرف بين يدك وتحت أمرك!) فكان جوابه أن قال (القتلة ولا العزلة) فلما كان يوم الأحد لإحدى ليلة خلت من رجب غدا إلى ديوان كان قد بناه فجلس فيه لانتظار ركوب المنصور وبيده جزء من القران يقرأ فيه حتى قيل له (قد ركب) فأطلقه وركب فرسه برسم لقائه، وهو يقول (طويل) .
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
فلما وصل إليه المنصور، نزل عبد الله إليه سلم عليه ثم وقف، فدار بينهما كلام كثير لم يقف أحد على صحته، ثم طعنه المنصور برمحه، فجعل أكماله على وجهه وقال: على ملة الله وملة رسوله! لم يسمع له غير ذلك. وضربه عبد الله أخو المنصور برمح بين كتفيه فسقط إلى الأرض ميتا. ثم أوتي بابنه يوسف، فرضبه المنصور وماكسن بين زيري، فسقط ميتا. وكان عبد الله لما تنكر له المنصور لا يزال يتمثل بهذا البيت (طويل)
(1/242)
________________________________________
أرى ألف بان لا يقوم لهادم ... فكيف ببان حوله ألف هادم
وكان يتمثل أيضا بقوله (كامل) .
لي مدة لابد أن أبلغها ... حتى إذا قضيتها مت
لو صارعتني الأسد ضارية ... لصرعتها ما لم بج الوقت
ولما مات عبد الله وابنه، دار العسكر على الناس، فانتهبوهم وسلبوهم، وقطعوا الطرق، فأخذوا كل من وجدوا من المسافرين وغيرهم، ومالوا إلى وادي القصارين وإلى باب تونس أحد أبواب القيروان، فنهبوا ما كان عند القصارين، فذهب في ذلك اليوم إلى أموال المسلمين، وقتل خلق ممن دافع عن نفسه ومال. ودفن عبد الله في الإسطبل دون غسل ولا كفن. وولي أعمال أفريقية من قبل أبي الفتح بن أبي محمد وكان عاملا على قفصه فأعطاه البنود والطبول وخلع عليه، وولاه أفريقية مكان عبد الله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان من هذه السنة المؤرخة.
وفي سنة 378، تحرك أبو الفتح المنصور بعسكره إلى بلاد كتامة. فمر على ميلة، وأمر بخرابها، وهدم سورها، وأمر أهلها بالمسير منها إلى باغاية، فاجتمعوا وساروا إليها. فلقيهم ماكسن بن زيري بعسكره، فأخذ ما كان معهم من مال وغبره. وكان المنصور في هذه الحركة لا يمر بمنزل ولا قصر ولا دار إلا أمر بهدمه. ولما وصل المنصور إلى كتامة، حاربوه فظفر بهم وقتلهم واستأصلهم. وهرب الثائر أبو الفهم إلى جبل وعر، فأرسل إليه المنصور من أخذه. فلما صار بين يديه، أمر به، فلطم لطما شديدا، ونتفت لحيته: حتى أشرف على الموت.

مقتل الثائر أبي الفهم
وذلك أنه، لما صار بين يديه، وعمل به ما تقدم ذكره، أمر بخروجه وقد
(1/243)
________________________________________
بقيت فيه حشاشة من الروح، فأخذه بعض رجاله، فنحروه وشق بطنه وأخرجت كبده، فشويت وأكلت. وأخذه عبيد المنصور، فشرحوا لحمه وأكلوه، حتى إذا لم يبق إلا عظامه متجردة وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر. وقتل بسببه والي ميلة وجماعة من كتامة. ونزل بكتامة الذل والهوان. وبقيت ميلة خرابا. ثم عمرت بعد ذلك. ورحل أبو الفتح المنصور قافلا إلى المنصورية والقيروان، وفي هذه السنة. دخل الوادي إلى المنصورية وهدم دورها.
وفي سنة 379، وصل إلى المنصور سعيد بن خزرون الزناتي من الغرب، فأعطاه وأرضاه وقال له يوما: يا سعيد هل تعرف من هو أكرم مني؟.؟ قال نعم قال: ومن هو؟ قال: أنا! قال له المنصور: ولم ذلك؟ قال: لأنك جدت عليّ بالمال وجدت أنا عليك بنفسي! فولى سعيدا هذا مدينة طبنة. وقدم عليه بعد ذلك جماعة من الزناتيين، وأكرمهم وأعطاهم، وزوج المنصور ابنته من ورو بن سعيد.
وفي هذه السنة، خالف أبو البهار بن زيري، فزحف إليه المنصور إلى تيهرت، ففر أبو الهار إلى الغرب. ودخل عسكر المنصور تبهرت فنهبوا وقتلوا، ثم أمنهم بعد ذلك. ورجع المنصور عن تبع عمه أبو البهار، وآوى على تبهرت أخاه يطوفت ومضى المنصور إلى مدينة أشير وكتب أبو البهار إلى ابن أبي عامر، يسأله الدخول في طاعته، وأن يكتب له إلى زيري بن عطية الزناتي صاحب فاس أن يكون مواليا ومصافيا لابن أبي عامر، فكتب ابن أبي غامر إلى أبي البهار: أن كنت على نية فيما وصفته عن نفسك، فارسل إلى ابنك، يكون رهينة عندي وأفعل عندك ما أحببته! فوجه إليه ابنه في مركب مع ميمون المعروف بابن الدابة كأبيه، فعطب المركب وماتا جميعا في البحر. فوجه إليه ولده الآخر، فوصل إليه فوجه ابن أبي عامر
(1/244)
________________________________________
لأبي البهار أموالا وكسي وكتب إلى زيري بن عطية في زحفه أن يعاضده وينصره، ويكون معه. فلما بلغ ذلك أبا البهار وصل إلى فاس، واتفق مع زيري بن عطية صاحبها.
وأما العامل على أفريقية، يوسف بن أبي محمد المتقدم الذكر فكان مشتغلا بالأكل والشرب فإذا دخل الورد اصطبح عليه، فلا يظهر حتى يفنى الورد وينقطع. وكان يجلس فيه، وينام عليه، فسمي شيخه الورد. وأسلم الأمور لابن البوني، فكان أهل الحاضرة معه في أمن وعافية، وأهل البادية في عذاب وغرامة. وكان جبارا عنيدا، وسمحا جوادا وكان يخرج في كل سنة فيدور على كور أفريقية، ويجبي الأموال، ويأخذ الهدايا من كل بلد ويرجع. قال الرقيق: كنا إذا درنا مع يوسف بن أبي محمد على البدان، واستطاب موضعا وأعجبه حسنه أقام فيه مصطبحا الشهر والشهرين، وأبو الحسن البوني يجبي الأموال ويقبض الهدايا ويقوم بأمور أخلة يوسف وعسكره. وكان يعطي لخاصة يوسف في كل يوم خمسة آلاف درهم، وينفق على يوسف لمطيته وفاكهته نحو هذا المال المذكور.
وفيها توفي عامل صقلية عبد الله بن محمد بن أبي الحسن، وولى ابنه يوسف، فكان الناس في أيامه على أفضل ما يشتهون واستقامت له الأمور، وأداخ بلاد الروم، وظهر من كرمه وجوده وعدله ملهو معدوم في كثير من البلدان.
وفي سنة 380، توفي المرصدي صاحب خراج القيروان. وأمر أبو الفتح المنصور بولاية محمد بن عبد الطاهر بن خلف الخراج مع سلامة بن عيسى؟ فجلسا معا في ديوان خراج المنصورية.
وفي سنة 381 توفي القائد جوهر بمصر وهو الذي فتحها. فلم يبق شاعر بمصر إلا رثاه، وذكر ما فتحه شرقا وغربا. وفيها وصل المنصور إلى
(1/245)
________________________________________
المنصورية ودخل قصره الجديد فخرج إليه أهل القيروان، يتلقون فأدناهم وأثنى عليهم ووعدهم خيرا. ثم رفع له في عبد من عبيده أنه قذف بعض الصحابة، فأمر يقتله وصلب جثته، ونودي على رأسه في مدينة القيروان.
وفي سنة 382، طهر أبو مناد باديس بن أبي الفتح المصور بقصر والده وأهدى إليه جماعة من الناس على قدر أحوالهم، وفيها ترك المنصور البقايا للرعايا. وفيها قبض على البوني وابنه، وطلب منهم إلا كثيرا فأنكراه وكان المنصور قدر أنه يأخذ منهما أموالا يفتخر بها على أضياف كانوا عنده في يوم طلبها، وقال لهم: لو أن عبدا من عبيدي طلب منه بيوت مال لوجد ذلك عنده! فصادف أنكار البوني ذلك المحل، فأمر بذبح البوني. وعزل يوسف بن أبي محمد عن عمالة أفريقية وولى مكانه محمد بن أبي العرب الكاتب. وفيها وصل سجل من العزيز بالله بولاية العهد لأبي مناد باديس بن المنصور، فسر المنصور بذلك، وجاءته الهدايا من البلدان ومن كمل جهة ومكان، وفيها كان وصول سعيد بن خزرون من مدينة طبنة إلى المنصورية، فلقيه المنصور، وعانقه ثم دخل معه إلى قصره، وأنزله وأجرى عليه الأرزاق الواسعة، فاعتل سعيد بن خزرون أياما، ومات في أول رجب، فكفنه المنصور بسبعين ثوبا، وفي هذه السنة وصلت هدية من بلد السودان فيها زرافة، فخرج المنصور حتى دخلت بين يديه. وفيها وصل إلى المنصور فلفل بن سعيد بن خزرون بعد موت أبيه، فأعطاه ثلاثين حملا من المال، وثمانين تختا من أنواع الكسي وخيلا بسروج محلاة، وعشرة من البنود الجدد المذهبة، ورده إلى مدينة طبنة أميرا عليها.
وفي سنة 383 خرج باديس بن المصور إلى مدينة أشير. وفيها وصل إلى المنصور كتاب أخيه يطوفت، يخبره بوصول عمه أبي بهار إليه فكتب إليه
(1/246)
________________________________________
المنصور أن يبعثه فكان أبي البهار إلى المنصورية ليلة الاثنين منتصف شعبان، فأعطاه المنصور كسا وجواري وفرشا وسر به أعظم سرور وأنزله أحسن نزول.
وفي سنة 384، كان دخول أبي مناد باديس بن المنصور إلى المنصورية من جهة الغرب، وهي أول حركة، فتلقاه أبو العساكر وأهل القيروان وغيرهم، وفيها، كان وصول الهدية من مصر مع جعفر بن حبيب ومعه فيل عظيم.
وفي سنة 385، مات الأمير عبد الله بن يوسف بن زيري بم مناد. وفيها، كان خروج القائد يوسف بن أبي محمد عاملا على متيجة. وفي جمادى الأخيرة، وصل قاسم بن حجاج إلى المنصورية من مصر برؤوس الروم الذين قتلهم مارق الكتامي بحلب.
وفي سنة 386، توفي أبو الفتح المنصور عدة العزيز بالله بن زيري بن مناد الصنهاجي في يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول، ودفن بقصره الجديد الخارج عن المنصورية. وكانت أيامه أحسن أيام.

إمارة أبي مناد باديس بن أبي الفتح
ابن أبي الفتوح يوسف بن زيري بن مناد
ولما صارت الأمور إليه، أتاه الناس من كل ناحية بأفريقية للعزاء والتهنئة. وكانوا بنو زيري وبنو حمامة قد هموا بأمور، وخالفوا على ما كان معهم على ما عقدوه، فما تركهم عبيد باديس وعبيد أبيه إلى شيء مما أرادواه. ووصل أبو بيباش يطوفت بن أبي الفتوح إلى لمنصورية للعزاء والتهنئة ثم رجع إلى طبنة وجهة الغرب في أواخر شعبان. وفي هذه السنة توفي أبو
(1/247)
________________________________________
المنصور نزار العزيز بالله العبيدي صاحب مصر في حوض الحمام وكانت به علة الحصى، وشرب دواء في الحوض، وأدركه أجله فيه، فمات. وولي مكانه أبو علي ولي عهده الملقب بالحاكم بأمر الله. وكان أبو مناد قد هيأ هدية ليبعثها للعزيز، فبرزت الهدية من المنصورية إلى رقادة مع جعفر بن حبيب لست خلون من رمضان. وكان العزيز بالله قد بعث سجلا إلى أبي مناد يأمره فيه برفع القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم إلى مصر، فوصل السجل والقاضي مريض، فأمره أبو مناد بالخروج مع الهدية، فاعتذر بعده، فبعث إلى داره محمد بن أبي العرب وجماعة من رجال الدولة، وذلك لثلاث خلون من ذي القعدة، ووقف العسكر بباب أبي الربيع وظنوا أن أهل القيروان يمنعه منهم ويحولون بينه وبينهم فهجموا عليه، وحملوه ببساطه الذي كان مريض عليه في ثيابه التي يلبسها في داره، لأنهم فاجئوه وخرجوا به محمولا، وقد اجتمع عند داره خلق عظيم ولم ينق أحد منهم، ومشوا به إلى رقادة وخلفه غلام نصراني يمسكه، وأولاده وقرابته يمشون خلفه. واغتم بمسيره سائر الناس وظهر عليهم الحزن والأسف لفقده، وكثر الدعاء له والثناء عيه. ثم جاءت الأخبار بوفاة العزيز بالله، فأمر أبو مناد برجوعه إلى داره مكرما معظما وفي هذه السنة، مات أبو محمد بن أبي زيد - رحمه الله! - وفي سنة 387، توترت الأخبار بموت العزيز بالله. وفيها رجع القاضي إلى داره، وهو مريض، فازداد مقداره عند الناس وفي صفر، عقد أبو مناد ولاية أشير لحماد ابن أبي الفتوح يوسف بن زيري بن مناد، فخرج عاملا عليها وأعطاه خيلا كثيرة وكسا جليلة، ثم اتسعت عمالته وكثرت عساكره وعظم شأنه، وفي ربيع الأخر وصل القاضي الباهري من مصر إلى المنصورية، فبرز أبو مناد بعساكره عليه، وخرج بجميع رجاله إليه، رأى ما لم ير مثله. ووصل المذكور بسجلين، فقرئا بجامع القيروان والمنصورية: أحدهما بولاية أبي مناد
(1/248)
________________________________________
وتلقيبه نصير الدولة، والثاني بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم بأمر الله والجواب عن وفاة المنصور عدة العزيز بالله. وكان معه سجل ثالث بأخذ العهد على باديس وجماعة بني مناد للحاكم. فجلس أبو مناد ودعا وجوه الصنهاجيين وأخذ عليهم البيعة. ثم رجع القاضي الشريف الباهري إلى مصر، بعد أن وصله أبو مناد بمال جليل. وفي هذه السنة خرج نصير الدولة إلى المصلى بزيّ جليل وهيئة حسنة وبين يديه الفيل وزرافتان، وجمل أبيض ساطع البياض، لم ير الناس مثله قط.
وفي سنة 388، وصلت إلى نصير الدولة هدية من مصر تشتمل على الجوهر والأعلاق النفيسة، فتلقاها، ودخلت بين يديه إلى المنصورية وفيها، كانت وقعة بمصر بين الترك والكتاميين، وكان الظفر للترك عليهم. .
وفي سنة 389، زحف زيري بن عطية صاحب فاس وما والاها من بلاد الغرب إلى مدينة تيهرت، فنزل عليها وحاصرها. وكانت يطوفت بن يوسف بن زيري صاحبها، فكتب إلى ابن أخيه أمير أفريقية، يستمده، فبعث إليه محمد ابن أبي العرب.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 7 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر هزيمة عسكر أفريقية واستيلاء زيري بن عطية عليه
وظهور زناتة على صنهاجة
لما وصل كتاب يطوفت إلى باديس نصير الدولة، أمر نصير الدولة محمد ابن أبي العرب الكاتب بالخروج بالعساكر إلى زناتة، فكان تبريزه في منتصف صفر من هذه السنة، ونهض بالعساكر حتى بلغ أشير، وبها حماد بن يوسف بن زيري عاملا عليها، ومعه عسكر عظيم، فأقام بها يسيرا، ثم رحل ورحل حماد معه بعسكره، حتى وصلا إلى تيهرت، فاجتمعا بيطوفت، ومعه أيضا عسكر عظيم وكان اجتماعهم بتيهرت غرة جمادى الأولى. وكان بتيهرت زيري بن
(1/249)
________________________________________
عطية نازلا بموضع يقال له امسار، على مرحلتين من يتهرت، فزحفوا إليه. فكانت بينهم حرب شديدة وكان معظم عسكر حماد الوتلكاتيين، وكان قد أساء عشرتهم. فلما حمى الوطيس واشتد البأس، ولوا منهزمين، فاتبعهم جميع العساكر الأفريقية. فرام ابن أبي العرب رد الناس فلم يقدر فولت الهزيمة على الجميع، حتى وصلوا إلى أشير وقد أسلموا محلاتهم ومضاربهم، وكل ما فيها من الأموال والسلاح وغير ذلك، فاحتوى زيري بن عطية وإخوانه على جميع ما ذكرنا. وقتل منهم خلق كثير، وأخذ أسرى كثيرة، فوعدهم بجميل، ثم أطلقهم عند وصوله إلى تيهرت، فمضوا حتى وصلوا إلى أشير. وبقى ابن أبي العرب وحماد ويطوفت بأشير وبقى زيري ابن عطية الزناتي على تيهرت. وكانت هذه الوقعة والهزيمة يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منن هذه السنة. ووصل الخبر إلى المنصورية لعشر بقين منها، فخرج نصير الدولة صاحب أفريقية من المنصورية للقاء زيري بن عطية يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، ورحل حتى وصل إلى طينة، فبعث في طلب فلفل بن سعيد بن خزرون الزناتي، وكان على طبنة، فخاف منه، وبعث يعتذر له، ويسأله أن يكتب له سجلا بولاية طبنة، فكتبه له، وبعث به إليه، ورحل عنه نصير الدولة باديس وتمادى في رحيله. فلما بلغ فلفلا أنه قد أبعد عنه ضرب على جهة من جهاته، فأكل ما حولها ونهب وافسد ومضى إلى باعاية، فحاصرها، وأفسد تلك الجهات كلها، واكل ما والاها، ونصير الدولة في هذا كله متماد على سيره حتى وصل أشير. ولما وصل إلى المسيلة، رحل زيري بن عطية عن تيهرت. فصمم إليه نصير الدولة. ثم وصله الخبر أنه توجه إلى ناحية فاس فعند ذلك رجع نصير الدولة إلى تيهرت وأشير، واستخلف يطوفت على تيهرت ابنه أيوب في أربعة آلاف فارس. وبلغ نصير الدولة ما فعل فلفل ابن سعيد، فأرسل من أشير عساكر تقدمت إليه، ثم رحل بعدهم ومعه أبو
(1/250)
________________________________________
البهار بن زيري حتى وصل إلى المسيلة فعيد بها عيد الفطر. ووصل إلى أبي البهار فيه الخبر بأن أخوته ماكسن وزاوي ومغنين نافقوا بأشير، وأنه قد قبضوا على يطوفت، فرحل أبو البهار هاربا في بنيه ورجاله وعياله. ورحل نصير الدولة ثالث شوال إلى أفريقية. فلما بلغ إلى يلزمة، بلغه أن فلفل بن سعيد تمادى إلى القيروان، فرحل إلى باغاية، فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل وأنه حاصرهم خمسة وأربعين يوما، فرحل من باغاية في طلب فلفل، فاتقى معه لعشر خلون من ذي القعدة، فكانت بينهم حروب لم يسمع بمثلها. وكلن قد اجتمع لفلفل من البربر مل لا يحصى عددا وكثرة، فانهزم فلفل إلى جبل الحناش، حسبما ذكروه، واتبعته صنهاجة والعبيد. فلما رأوه تمادى منهزما، رجعوا عنه ونهبوا محلته. وقتل في ذلك اليوم نحو سبعة آلاف من زناتة. وأرسل نصير الدولة كتاب الفتح إلى مدينة القيروان.
وفي سنة 390، خرج نصير الدولة في طلب فلفل بن سعيد. فلما علم فلفل أنه لا طاقة له بلقائه، هرب إلى الرمال، وافترق جمعه فرجع نصير الدولة إلى أفريقية، ومعه أبو البهار بن زيري وقد أعتذر له مما فعل إخوانه، فقيل عذره. ثم رجع فلفل إلى طرابلس، وتمادى نصير الدولة إلى أن وصى إلى قصر الأفريقي، فبلغه حينئذ أن بني زيري رجعوا إلى الغرب خوفا منه وأنه لم يبقى مع فلفل سوى ماكس وابنه محسن، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية حضرته. وفي أول رجب من هذه السنة، خرج نصير الدولة إلى رقادة، متوجها لقتال زيري بن عطية الزناتي أمير الغرب، لما بلغه أنه أتى إلى أشير. ثم جاء الخبر برحيل زيري بن عطية إلى الغرب، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية.
وفي سنة 391، خرج نصير الدولة في طلب فلفل ثانية، ووصل كتاب يوسف بن عامر عامل قابس، يذكر فيه أن فلفلا رحل إلى طرابلس من على قابس، لست بقين من رجب، ولما وصل فلفل إلى طرابلس خرج إليه فتوح
(1/251)
________________________________________
ابن علي وجماعة أهلها، فقتلوه وأدخلوه البلد، فاستوطنها من ذلك الوقت. وفي هذه السنة، وصل رسول حماد بن يوسف العزيز بالله يذكر أنه زحف إلى عمه ماكسن بن زيري ومن معه، فقتل ماكسن وولداه محسن وباديس بعد حروب شديدة ن وذلك بعد ثلاث خلون لرمضان المعظم. وفيها توفي زيري بن عطية الزناتي، صاحب فاس والغرب كله وذلك في الثاني عشر من رمضان المذكور من السنة المؤرخة، بعد قتل ماكسن بتسعة أيام.

بعض أخبار زناتة ودولتهم بالغرب إلى حين ظهور المرابطين
وذلك أن زناتة كانت تقوم بدعوة الأمويين، لما تقدم لهم من هجرة جدهم خزر بن صولات وإسلامه على يد عثمان بن عفان، وكان صنهاجة تقوم بدعوة العبيديين. ووقع بينهم حروب كثيرة وقام ببلاد الغرب زيري بن عطية الخزري المغراوي، وملك فاسا وغيرها، وصار أمير زناتة كلها في ذلك الوقت. وكان يدعوا لبني أمية في دولة هشام المؤيد، إذ كان المقيم لها ابن أبي عامر حاجبه، وهو يحارب أعدائه وأضداده صنهاجة أمراء أفريقية. قال بن حمادة: وكان قد وصل إلى قرطبة، واجتمع مع ابن أبي عامر سنة 379، وكان بأرض الغرب في خدمته من تلك السنة وموالاته مع سعة ملكه وبعد صيته إلى أن فسد ما بينهما سنة 387، ووقع بينه وبين المظفر حروب يطول ذكرها.
قال ابن حيان: ثم أن زيري بن عطية الراوي نكث على علي ابن أبي عامر بعد الحب الشديد والوفاء الأكيد، وطعن علي بن أبي عامر سلبه الملك هشام وامتعض لهشام المؤيد، وغلية ابن أبي عامر عليه، فانفذ له ابن أبي عامر واضحا فتاه بجيش كثيف، فقاومه بالمغرب. ودارت بينهم حروب عظيمة، ثم أردفه ابن أبي عامر بولده عبد الملك، وهبط هو إلى الجزيرة الخضراء يمدهم بالقواد
(1/252)
________________________________________
والأجناد. وبرز عبد الملك من طنجة إلى زيري، ودارت بينهم حروب لم يسمع بمثلها في الحروب الغابرة. أجلت عن هزيمة زيري واستئصال رجاله وحاله. ونجا هو مثخنا بالجراح. وانبسط ملك عبد الملك بن أبي عامر على الغرب وما والاه إلى سلجماسة، وعلى تلمسان وتيهرت. وقفل إلى الأندلس سنة 389، واستخلف على بلاد الغرب واضحا الغازي، فأقام بفاس مدة وانصرف إلى الأندلس، وخلف على فاس عبد الله بن أبي عامر، ابن أخي المنصور، ثم تلاه إسماعيل بن البوري، ثم تلاه أبو الأحوص معن بن عبد العزيز، وبقي فيها إلى أن توفى محمد بن أبي عامر، فصرفها ابنه عبد الملك المظفر إلى المعز بن زيري بن عطية، وقد استحكمت ثقته به وحسن رأيه فيه فولاه على فاس سنة 397، على أن يعطيه المعز عدة من الخيل والسلاح يحملها كل سنة إلى قرطبة، وقبض على ابنه المسمى معتصر رهينة. فاستقامت طاعة المعز، وأقام ابنه بقرطبة إلى أن نشأت الفتنة وانقرضت الدولة العامرية، فانصرف معتصر إلى أبيه ومضى مع أبوه على رأيه في موالاة من ظهر بالأندلس من المروانية، إلى أن هلك بعد صدر من الفتنة، وأورث ولده حمامة ملك فاس وما والها.
وقد ذكر الوراق ذلك، وشرحه شرحا كافيا وقال: توفي زيري بن عطية في سنة 391، أقام بنو عمه ابنه المعز مكانه. وذكر استجداء المعز للمظفر ابن أبي عامر، وأرسله إليه، وتقليد المظفر له ولاية المغرب على ما تضمنه من خيل وسلاح وغير ذلك، ورهنه المعز ولديه حمامة ومعنصر، وذكر موت المظفر، وتقديم أخيه عبد الرحمن لحجابة هشام المؤيد وبلغ المعز بن زيري ذلك، فاحتفل في هدية عظيمة يهديها له، وذلك سبعمائة من الخيل وأحمال كثيرة من درق اللمط وجملة كبيرة من المال والسلاح، وسائر ما بالمغرب من الطرف، ووصل قرطبة مع هذه الهدية فتيان من بني عمه وجملة من شيوخ
(1/253)
________________________________________
القبائل ووجوه فاس، فسر عبد الرحمن بذلك وشكر المعز وسرح ابنيه إليه بعد أن كساهما وأرضاهما وكتب للمعز عهدة بتحديد ولاية الغرب كله إلا مدينة سجلماسة فأنه كان قد عقد ولايتها لواضح الفتى قبل ذلك وولاها واضح وانودين بن خزرون اليفرني وأبن عمه زيري فلفل على ما ضمناه إليه وعده من الخيل والدرق معلومة وجملة من المال في كل سنة. ورهنه كل واحد منها أبه. فامتثل النعز بين زيري وما أمره بن عبد الرحمن بن أبي عامر. وبقي المعز أمير الغرب إلى أن انقرضت الدولة العامرية ثم انقرضت الدولة المروانية وانشقت عصى الأمة ومرج أمر الناس بالأندلس وصار المسلمون شيعا متفرقون يقتل بعضهم بعضا وينهب. وفعل أهل المغرب مثل ذلك فكثر فيه الشتات وشن الغارات بعضهم على بعض. وأقام المعز بن زيري يدارى أمره إلى أن حانت وفاته سنة 416. وولى مكانه أبنه أبو العطاف حمامة بن المعز بن زيري بن عطية وكان له حظ من المعرفة والأدب وحسن السياسة، فكانت مدينة فاس في أيامه هادئة راخية، وكان الشعراء يقصدونه من الأندلس. وجرت له حروب كثيرة إلى أن حانت وفاته في سنة 433. وولى ابنه دوناس بن حمامة فقام عليه بنو عمه، ولم يزل أمره يضعف، ودولتهم تدبر إلى أن قام بمدينة فاس أميران بالعدوتين وكانت الحرب تدور بينهما. وجرت بين ذلك أمور وخطوب، ولا يحسن ذكرها لشناعتها، إذ للدول، إذا أدبرت كل ما يجري فيها يقبح ذكره، إلى أن شاع خبر خروج لمتونة من الصحراء، واستيلاءهم على بلاد المصامد وخلعهم لملوكهم وناموس عدلهم، ودخل عبد الله بن ياسين مدينة أغمات وما يليها، فخافت زناة وأجفلت عن جهة الشرق حيث مستقرها، ولما قتل عبد الله بن ياسين، رجعت زناة إلى المغرب، وقتلوا كل من اتهموه بالميل إلى أصحاب اللثام، فحاربهم الصحراويون. ووجه أبو بكر بن عمر يوسف بن تاشفين، فحارب رؤساء القبائل، واستفتح بلاد كثيرة.
(1/254)
________________________________________
وفي خلال ذلك كان الجوع الشديد الذي يعرف بسنة أو قبة بدرهم من الدراهم الخندوسية، وذلك في سنة 444. ورجع الفتوح بن معنصر الزناتي من المشرق وكسر عسكر مدينة فاس في سنة 454. وفيها كسرة مكناسة ولواة: كسرها قائد أبي بكر بن همر اللمتوني.
وفي سنة 454، وطئ بليجين بن محمد بن حماد الصنهاجي جميع الغرب ودوخه بجيوش عظيمة.
وفي سنة 459، دخل إبراهيم بن مليح الجزنائي مدينة فاس، وأخرج منها معنصر بن حماد إلى بيت الشرق. ثم رجع إلى فاس، وقتل كل من اتهمه بالميل في الملثمين. ثم رجع يوسف إلى المغرب وهرب معنصر. وقتل يوسف سدراة ودخل مدينة فاس، واستولى عليها وعلى أكثر الغرب. هكذا ذكر أبو مروان عبد الملك بن موسى الوراق في كتابه (المقباس في أخبار فاس) . وأما يوسف الجزنائي، صاحب مكناسة فتولى سنة 412. وأما توالي، فتوفي بالقلعة، وولي ابنه مهدي في هذه السنة. وأما ابن أبي العافية إبراهيم، فتوفي في سنة 450، وولي ابنه عبد الله وكان بنو أبي العافية أصحاب تسول وملوية ونكور، وهي لمزمة، وتوفي عبد الله 460، وولي ابنه محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية وأما تلمسان والزاب، فكان فيها يعلى الزناتي، وما في هذا التاريخ أو قريبا منه وقام فيها بنوه. وما وراء الزاب من بلاد الغرب، لم يملكه العباسيون قط، أما تلمسان وأنظارها، فوليها محمد بن سلمان ابن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - ومن ولده أبو العيش عيسى بن إدريس بن محمد المذكور. وأما فاس وأنظارها فكان فيها شيعة ثم آل أمرها إلى إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - وأما تلمسان، فكان فيها أولاد صالح بن طريف على ضلالتهم. وأما سجلماسة، فنزلها عيسى بن سمغون، رئيس الصفرية. فهذه هي البلاد المتفق عليها، وأما المختلف
(1/255)
________________________________________
فيها، بأفريقية: قيل أنه كان فيها عبد الرحمن بن حبيب ثائرا، وبالأندلس يوسف الفهري أميرا.
رجع الخبر إلى نسق التاريخ. وفي سنة 392، توفي أبو طالب شيخ المعتزلة ولسانهم، وله تسع وستون سنة. وفي هذه السنة كان خروج يحبى بن علي بن الأندلسي من مصر بالعسكر، فمان وصوبه إلى طرابلس يوم الجمعة لتسع خلون من ربيع الأول وكان متولي التدبير في الوقت زيدان الصقلي، فاختلفت عليه أمور العسكر مع سوء عقله وضعف تدبيره ووصل إلى فلفل، فاستخلف به، واحتقره. وفيها ن في رمضان المعظم، توفي المنصور بن أبي العامر على ما يأتي في موضعه.
وفي سنة 393، وصل يحيى بن علي بن الأندلسي، ومعه فلفل بن سعيد وفتوح بن علي إلى مدينة قابس، فحصروا عطية بن جعفر وخرج في تلك الأيام إلى قابس عشرون رجلا من الناشبة، فعرف بهم فلفل فبعث في طلبهم فلما أتى بهم ن ضرب أعناقهم، وكان وصولهم إليها يوم الاثنين لأربع عشرة خلون من شعبان من هذه السنة.. ثم انصرفوا راجعين إلى طرابلس ولما رأى يحيى بن علي اختلال الحال عليه، ولم يجد ما يعطي لرجاله عاد ببقيتهم إلى مصر، بعد ما أخذ فلفل وأصحابه ما أحبوه من خيولهم بين شراء وغصب فلما وصل إلى صاحب مصر الحاكم بأمر الله، أراد الإيقاع به، وبعد ذلك عفا عنه وقبل عذره.
وفي سنة 394، قتل الحاكم بأمر الله منجمه البكري بمصر، وكان ضعيف العقل أحمق وكان له بصر بالقضايا. وفيها قتل الحاكم جماعة كبيرة من وجوه رجاله وأحرقهم بالنار. وفيها، قتل المعروف بابن خريطة. وفيها، قتل ابن الغازي المنجم.
وفي سنة 395، كانت بأفريقية شدة عظيمة أنكشف فيها الستور، وهلك فيها الفقير، وذهب مال الغنى، وغلت الأسعار، وعدم القوات. وجلى أهلها
(1/256)
________________________________________
البادية عن أوطانهم وخلت أكثر المنازل فلم يبقى لها وارث وع هذه الشدة وباء طاعون هلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج فلا ترى متصرفا إلا في علاج أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت أو تشيع جنازة أو انصرف من دفن. وكان الضعفاء يجمعون إلى باب سالم فتحفر لهم أخاديد ويدفن المائة والأكثر في الأخدود الواحد فمات من طبقات الناس وأهل العلم والتجار والنساء والصبيان ما لا يحصى عددهم إلا خالقهم تعالى وخلت المساجد بمدينة القيروان وتعطلت الأفران والحمامات. وكان الناس يوقدون أبواب بيوتهم وخشب سقوفهم. وجاء خلق من أهل الحاضرة والبادية إلى جزيرة صقلية. وكانت الرمانة بدرهمين للمريض في ذلك الوقت والفروج بثلاثين درهما وقيل أن أهل البادية أكل بعضهم بعضا. كذا ذكر أبو إسحاق الرقيق.
وفي سنة 396، كثر الخصب بأفريقية ورخصت الأسعار وأرتفع الوباء عن الناس وفيها ثار ببرقة الوليد بن هشام وأدعى أنه من بني أمية من ولد المغيرة وكان ظهوره في العام الفارط عن هذه كان معلما ببرقة فرأى في أهل برقة فرصة فانتسب لهم وعرفهم أم عنده روايات وعلما وأنه هو الذي يملك مصر ويقتل الجبابرة وأعانه على ذلك قوم من لواتة وزناتة فنصبوه إماماً واجتمعوا عليه. ثم أقبل البربر من كل ناحية إليه فزحف إلى برقة وحاصرها حتى فتحها وذلك في رجب من العام الفارط ثم قوى أمره في هذه السنة، فأخرج الحاكم إليه جيشا فكان بينهم قتال شديد إلى أن هزم عسكر مصر وقتل قائده. وفيها توفي عامل أفريقية محمد بن أبي العرب. وفيها قتل الحاكم قاضيه وأحرقه بالنار على أكله أموال الأيتام. وفي سنة 397 استحلف أمر الثائر ببرقة الوليد بن هشام وكثرت جموعه
(1/257)
________________________________________
وأتباعه فأخذ الحاكم بالحيلة فدعا وجوه رجاله وقواده وأمرهم أم يكاتموه ويعرفوه أنه على مذهبه وهو أن قرب منهم صاروا في جملته. فلما تواتر ذلك عليه وثق به وزحف بكل من معه من قبائل البربر إلى مصر فخرجت إليه عساكر مصر فهزموه ولحق بأراضي السودان. ثم أخذ أسيرا ودخل إلى مصر على جمل فطيف به بثياب مشهورة ثم قتل شر قتلة في النصف من شوال. وفيها ولي العمالة بأفريقية إلى القاسم بن محمد بن أبي العرب بعد موت أبيه فأفر رجاله على مراتبهم واستعان بهم.
وفي سنة 398 توفى صاحب المظالم بأفريقية محمد بن عبد الله وكانت وطأته اشتدت على أهل الريب والفساد بالضرب والقتل وقطع الأيد والأرجل لا تأخذ فيها لومة لائم.
وفي سنة 399، هرب أولاد محمد بن أبي العرب من المنصورية يريدون فلفل بن سعد بن خزرون الزناتي بإطرابلس، فأرسل نصير الدولة إلى صاحب قابس يأمره أن يقطع بهم فلحق بهم المذكور، وأخذ منهم عليا ويوسف فقطع رؤوسهما وتوجه بها المنصورية منسلخة المحرم ووصل القاسم بعد ذلك فعفا عنه.
وفي سنة 400، توفي فلفل بأطرابلس بلة أصابته. وولي أخاه ورو وأطاعته زناتة وفيها رحل أبو مناد صاحب الدولة بعساكر إلى إطرابلس ليوم الاثنين خلون من شعبان فتلقاه أهلها مسرورين داعين مستبشرين فضربت له فساطيط الديباج والقباب الجليلة ونزل فأخذ الناس ريح عظيمة خرق جميع المضارب ومزقها وذهب بها. ودخل نصير الدولة إلى قصر فلفل. وجاءت رسل ورو بن سعيد أخي فلفل راعية في الأمان والعفو فعفى عنهم وشهد بذلك على نفسه، ثم صدر إلى المنصورية ظافرا. ووصل النعيم بن كنون وطائفة
(1/258)
________________________________________
معه إلى المنصورية، فأعطاهم نصير الدولة، وأفضل عليهم أتم الأفضال وأمر للنعيم والبنود والطبول والبراذين والسروج وصرف إلى البلاد التي أعطاه وقاعدتها قصطيلية فأقام بها ملك بالطبول والبنود والجيش. وفي سنة 401، كان موت عزم بن زيري بن مناد بالقيروان. وفيها، توفي القائد جعفر بن حبيب. وفيها أمر الحاكم بأمر الله بن الحسين بن جوهر قائد القواد وصره القاضي على مصر عبد العزيز بن محمد بن النعمان فقتلا جميعا في وقت واحد. وفي شوال من هذه السنة خالف ابن الجراح على الحاكم بأمر الله، وبعث رسالة إلى أمير مكة يستدعيه للخلاف عليه معه فخالفه وتسمى بأمير المؤمنين. وتابعه على ذلك أهل مكة وبنو عمه وغيرهم وتمادى أمرهم على ذلك بقية هذه السنة. وفيها، وجعل أهل مصر ومن كان معهم من المغاربة وغيرهم برسم التوجه إلى مكة - زادها الله تكريما وتشريفا! - وذلك عند وصولهم للقزم بلغهم ما فيعل ابن الجراح وأبو الفتوح أبو الحسن بن جعفر بن محمد فمل يحج منهم أحد، ولم يحج أحد هذه السنة من الشام ولا العراق ولا خراسان ولا سائر الآفاق ألا أهل اليمن ونفر يسير ممن كان بمكة مجاورا.
وفي سنة 302 تقدم المنصورية خزرون بن سعيد بن خزرون الزناتي أخو فلفل المتقدم ذكره. وكان سبب وصوله اختلاف بينه وبين أخيه ورو فقصد إلى نصير الدولة فقبله أحسن قبول وكان معه نحو سبعين فارسا من زناتة فأنزلهم وأحسن إليهم ثم بعد ذلك بأيام أعطاه مديمة، فخرج إليها بالبنود والطبول.
وفي سنة 403 وصل إلى المهدية مركب فيه هدية جليلة من الحاكم إلى نصير الدولة باديس صاحب أفريقية، وإلى ولده منصور عزيز الدولة فتلقاها المنصور مع أهل القيروان على قصر الماء بالبنود والطبول، ووصلت سجلات منه إلى نصير الدولة بإضافته وأعمال برقة إليه. وفيها توفى أبو الحسن القابسي
(1/259)
________________________________________
الفقيه العالم. وفيها، عزل أمير نصير الدولبو يوسف ابن حبوس السنهاجي عن أمر الجيوش وغيرها. وفيها توفى مفرج بن الجراح ببلاد الشام وبقي أولاده مكانه. وفيها، عاد صاحب مكة إلى طاعة الحاكم وهو جعفر بن الحسن المتقدم الذكر الذي قام بها ودعا لنفسه وتسمى بأمير المؤمنين الراشد بالله ثم تاب مما فعل في هذه السنة وصعد المنبر وتبرأ مما كان ادعاه وكتب بذلك إلى الحاكم بأمر الله فقبل منه وأنفذ إليه أموالا عظيمة وأمر الناس أن يسافروا إلى مكة بالطعام وسائر المرافق.
وفي هذه السنة ظهر بأفريقية ثائر أسمه عبد الله بن الوليد بن المغيرة وكان خاملا مشتغلا بالتعليم ثم دعا إلى نفسه فأخذ وسيق إلى القيروان مع صاحب له وحملا على جملين وطيف بهما ثم ضربت أعناقهم ورفعا فصلبا. ووجت عنه خريطة فيها كتاب بخط يده لبعض الأشياخ القبائل يقول فيها: (من عبد الله أبي محمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إلى فلان) ثم يذكر أن تام أمره وظهوره يكون بكتامة ويأمره لأن يتلاقاه في أول صفر من سنة 404 فإنها آخر دولة صنهاجية وبها تنقطع دولتهم. فتمكن منه صنهاجة كما ذكرنا.
وفي سنة 404 وصل سجل من الحاكم إلى نصير الدولة يذكر فيه أنه جعل ولاية العهد في حياته لأبن عمه أبي القاسم عبد الرحمن بن ألياس فقرأ بجامع القيروان والمنصورية وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة. فعظم ذلك عند نصير الدولة وقال: (لولا أن الإمام لا يتعرض على تدبير، لكتبته ألا يصرف هذا الأمر من ولده إلى ابن عمه!) وفي سنة 405 أخرج نصير الدولة هدية جليلة إلى الحاكم وشيعها بالبنود والطبول عن المنصورية فوصلت إلى المهدية وركب بها البحر يعلى بن فرج. وكان فيها مائة فرس ولها سروج محلاة شدت في ثمانية عشر حملا أقفاصا
(1/260)
________________________________________
وكان فيها ثمانية وعشرون حملا من الخزف السمور والمتاع السوسي المذهب النفيس وعشرون وصيفة بارعة الجمال وعشرة من الصقالبة وغير ذلك. ووجهت السيدة أم ملال أخت نصير الدولة إلى أخت السيدة أخت الحاكم هدية أيضا. ولما وصلت تلك الهدايا إلى جهة برقة أخذ العرب وهرب يعلى ابن فرج وأسلمها بجميع ما فيها.
وفيها نادى مناد القيروان بانتقال من كان يسكن فيها من الصنهاجيين إلى المنصورية. ثم نادى مناد آخر بعد ذلك بإغلاق الحوانيت بالقيروان وفنادقها فأغلقت ولم يبق بها إلا بعض حوانيت الأحباس ويبلغ كراء حانوت بالمنصورية مائتي درهم لبيع الكتان وما سمع ذلك بكراء حانوت بالقيروان فكان ذلك أول أسباب خرابها.
وكان الحاكم لقب المنصور بن نصير الدولة بعزيز الدولة وقرى سجله بذلك فأراد نصير الدولة أن يرشح ويضيف فيه أعمالا يستخدم فيها أتباعه وصنائعه. وكان نصير الدولة اتصل به عن إبراهيم بن سيف العزيز بالله هانت إنكاره عليه فأراد اختبارها فكتب كتاب إلى حماد يأمره فيه بتسليم عمل أبي زعبل قصر الإفريقي ومدينة القسطنطينة إلى مستخلف عزيز الدولة وقد كان قد خلع على هاشم بن جعفر وأعطاه البنود والطبول وأمره بالخروج إلى هذا لعمل فخرج بخزائن وعدد جليلة وبعث نصير الدولة إلى إبراهيم بن سيف العزيز بالله يشاوره على من يمضي بكتابه إلى حماد فتسرع إبراهيم إلى المسير بالكتاب نفسه وقال يجد مولانا عبدا من عبيده أنهض بخدمته مني!) وتضمن ذلك وأخذ على نفسه المواثيق أنه لا يقيم في مضيه ألا أقل من عشرين يوما فأسار على نصير الدولة من يقرب منه بأن يعتقل إبراهيم، ولا يدعه لما يرد من السفر حتى يرى ما يكون من طاعة أخيه حماد ومسارعته إلى ما يأمره به نصير الدولة من ذلك وقال لإبراهيم: (امض إلى
(1/261)
________________________________________
أخيك حماد. فأن صدقت فيما قلت، ووفيت بما وعت، وإلا فأفعل ما أردتما) وخرج إبراهيم بن يوسف العزيز بالله بماله ورجاله وجميع ذخائره، ولم يعقه في ذلك من نصير الدولة وإلا فقد بأثقال وجملة رجاله دليلا على ما خالف ما أظهر، وكان خروجه من شوال، وصبحه هاشم بن جعفر، ثم أحس هاشم أنه سيغدره إذا قرب من أخيه، فاعتذر له أن حاجة بقيت له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن يلحقه سريعا. فنجاه الله من غدره. ومضى إبراهيم حتى وصل تامديت، وكتب إلى أخيه، فنهض إليه حماد في عساكر عظيمة، واجتمعت كلماتها، وخلعا أيديهما من الطاعة.
وانتهى ذلك إلى نصي الدولة، فرحل في أواخر من ذي الحجة، ونزل برقادة، ووضع العطاء لعساكره، وأخرج عياله وأثقاله وأخته السيدة أم ملال، وأولاده، وعبيد إلى المهدية، ورحل في السابع منه. وأمر بالقبض على يوسف بن أبي حبوس وأخته، فقبض عليه. وكان نصير الدولة لم يمض له يوم من الأيام إلا جدد عليه كرامة وإحسانا، ولا كان يهدى إليه فرس أو ثوب من ثياب الخلافة إلا أثره بذلك على نفسه، ومع ما حمل له من الضياع والرباع بكل كورة من كور أفريقية. وما زال يرفع من قدره، ويزيد في التنويه بذكره، حتى نال من أعلى المراتب، ما لم ينله بعيد ولا قريب، وسما من رفيع الدرجات ما لم يسم له حميم ولا نسيب. وكان - والله أعلم - تسول له نفس الفتك بالأمير نصير الدولة. وأنه هم بذلك مدة من الزمان، فلم يعنه الله عليه، بل خيب سعيه، ورد في نحره بغيه. فتقرر ذلك عند نصير الدولة، فقبض عليه. وكان في قبضه عليه ما أوهن الله به كيد الأعداء، وخيب آمالهم، وأضل أعمالهم. ورحل نصير الدولة ثاني عيد الأضحى بعسكره لحماد المذكور.
وفي سنة 406، في صدر محرم، وصل عزم وفلفل حنون بن سنون،
(1/262)
________________________________________
وماكسن بن بلقين، وعدنان بن معصم في عدة من الفرسان من عسكر حماد. فخلع عليهم، وأحسن إليهم. ومازال نصير الدولة يرحل مرحلة بعد مرحلة إلى أن وصل إلى تامديت. ثم ورد عليه الأخبار بوفاة ولده المنصور عزيز الدولة، وذلك أنه كان في حين حركته إلى المهدية عرضت له حمى، وظهر به جدري، فأقام سبعة عشر يوما. وتوفى. فكتم من نصير الدولة أمره خوفا أن يبدو من جزع. يكون فيه وهنا على الدولة فيما هو بسبيله من مقابلة عدوه. فبلغ خبره إبراهيم وحمادا، فبعثا إليه، وقالا له: (إن ولدك، الذي طلبت له ما طلبت، قد توفي) فما ضعضعه ذلك، ولا أوهنه، وكتب إلى السيدة يسألها عن ذلك. فورد كتابها بوفاته والتعزية عنه، ونصف سلامة المعتز حسن حاله، فكان من صبر نصير الدولة وحسن عزائه ما كثر التعجب به. وجلس مجلسا عاما للعزاء، فكان لا يرى من أحد جزعا وبكاء إلا سلاه وهون عليه، فزاد ذلك سرورا لأوليائه وكمدا لحسدته وأعدائه.
ثم رحل من تامديت لست خلون من صفر، وتمادى رحيله إلى أن وصل المحمدية، وهي مدينة المسيلة، فتلقاه أهلها داعين شاكرين على ما منحهم من العدل والأمان، وكثف عنهم من الجور والعدوان. فأقام بها ستة أيام. ثم رحل، فعبر وادي شلف، ثم تمادى مشيه حتى قرب من عساكر حماد وحشوده من زناتة وغيرها في العدوة الأخرى في الوادي. فبات على تحفظ واحتراس. ولما كان في غد نزوله، برز في عساكره، ومشى عليها، ورتبها، وأقام كل قائد من قواده في مركزه. وقد تقارب الفريقان، وتراءى الجمعان، فهزم حماد، وانتهب عسكره. فقيل أن الذي انتهب من الدرق عشرة آلاف درقة. وكان اشتغال العساكر النصيرية برفع الغنائم والأموال والأثقال سببا لنجاة حماد المذكور، لتركهم أتباعه. وأخذ الناس من الأموال والغنائم ما لا يحصى عددا وكثرة، ووجد رقعتان فيهما: (أن الذي عند القائد فلان صندوق فيه
(1/263)
________________________________________
خمسون ألف دينار وسبعمائة، ومن الورق ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، ومن الأمتعة خمسون صندوقا) غير ما كان في بيت حماد وخزائنه. قال أبو إسحاق: وجد رجل بين يديه بغل يسوقه، ففتشه بعض الوصفان بين أيدينا، فوجد في حشو برذعته وصوفها ثماني آلاف دينار، ومثل هذا ما لا يحصى كثرة وعرضت لي أبيات بعد أن صعدنا من الوادي، وقد لقينا به مشقة شديدة، غير أن حلاوة الظفر والفوز بالسلامة أنسى ذلك، وهي (بسيط) :
لم أبس يوما بشلف راع منظره ... وقد تضايق فيه ملتقى الحدق
والخيل تعبر بالهامات خائضة ... من سافح الدم مجرى قاني الفلق
والبيض في ظلمات النقع بارقة ... مثل النجوم تهاوت في دجي الغسق
وقد بدأ معلما باديس مشتهرا ... كالشمس في الجو لا يخفى عن الحدق
وإن راحته لو فاض نائلها ... وبأسها في الورى أشفوا على الغرق
تجلوا عمامته الحمراء غرته ... كأنه قمر في حمر الشفق
لو صور الموت شخصا ثم قيل له ... (أبو مناد تبدى) مات من فرق
وأصبح نصير الدولة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، فبعث في طلب حماد بن يوسف العزيز بالله، وقد تحصن في القلعة من أخيه، فأقاما بها ثلاثة أيام حتى استراحا وأراحا دوابهما ومن كان معهما. فعرفه إبراهيم بحاجته إلى الازدياد من الطعام والملح، فخرج حماد في جميع من كان معه ومع أخيه، فسار بهم حتى دخل مدينة دكمة، وقد كان نقد على أهلها، وكان نصير الدولة في أثره، فتصايح أهل الموضع بساقته، فاعترضهم بالسيف، وقتل منهم نحو ثلاثمائة رجل. فخرج إليهم أحمد بن أبي توبة فقيه هذه المدينة وصالحها، فخوفه بالله، ووعظه، وقال له (يا حماد إذا لاقيت الجموع هربت منها أوأن قاربتك الجيوش فررت عنها! لا وإنما قدرتك وسلطانك على
(1/264)
________________________________________
أسير يكون في يديك، ولا ناصر له عليك) فلما سمع كلامه، أمر بضرب عنقه. ووفق إليه شيخ صالح منها، فقال له: (يا حماد أتق الله! فأني حججت حجتين!) فقال له (أنا أزيدك عليهما الشهادة!) وأمر به، فضربت عنقه. ووقف إليه جماعة من التجار المسافرين، فقالوا له: (نحن قوم غرباء، ولا ندري ما جنى أهل هذه المدينة عليك) فقال لهم: (اجتمعوا وأنا أعرفكم) ودخل معهم غيرهم ممن طمع في الخلاص معهم. فلما وصلوا إليه، أمر بهم فضربت رقابهم أجمعين. وأخذ الجميع ما كان بتلك المدينة من طعام وملح، وعاد به إلى قلعته.
وأما نصير الدولة، فيوم هزيمة حماد، أخرج بكار بن جولالة الوتلكاتي، وكان قد أخذه أسيرا، وكان بكار كثير ما ينطلق به لسانه. وكان يوسف بن أبي حبوس معتقلا أيضا عند نصير الدولة، فأخرج بكار بمحضر يوسف، وحلقت لحيته، ويوسف ينظر إليه، ثم أمر: فحلقت لحية يوسف، فصارا مثلة في العالم. وقال الرقيق: لما عاينا يوسف، وقد حلقت لحيته، تحدثنا سرا بيننا، وقلنا: (وقد كنا نرجو ليوسف الحياة، لأن الملوك تعفو بعد العقوبة! وأما المثلة، فما نرى أن بعدها إبقاء) فلحنا نصير الدولة وقال: (ما خضتما فيه؟) فصدقناه سرا، فقال: (ما ابتعتما) وبعد ثلاث، أمر بإحضاره، فعدد عليه تساوي أفعاله وقبائح أعماله، ثم أمر به، فجذع أنفه، وقطعت أذنه، ورفع من بين يديه. ثم أعيد إليه، فقطعت يداه جميعا. ثم أمر به إلى موضع اعتقاله، فبات مشحطا في دمائه. فحكى بعض الحرس انه سمعه يرغب أخاه أن يذبحه ويرحه خيفة أن يخرج من الغد ويزاد في عذابه أمام أعدائه، فقال له أخوه: (أصبر على قضا الله وقدره) فقال لبعض الحرس (خذ بيدي وأخرج لقضاء الحاجة) فأخذ بيده ووقف، فضربه ضربة عظيمة بجبهته في عمود، فذرت منها عيناه، وجرى دماغه، وخر إلى الأرض ميتا
(1/265)
________________________________________
ورحل نصير الدولة من وادي شلف. قال الرقيق: ومن عجيب ما سمعناه عن مناخ وادي شلف أن شيخا كبيرا من البربر حدثنا أنه يعرف بزادي المحن، وأخذ يذكر لنا من هزم فيه ومن قتل فيه من ملوك زناتة. وكنا على ظهر الطريق، فبم نكتب ذلك، إلى أن قال: آخر من مات فيه زيري بن عطية، وآخر من هزم فيه حماد، وبه قتل يوسف بن أبي حبوس، وحمل منه معادلا لأخيه باديتان، ثم أمر به فدفن هناك.
وفي هذه السنة، مات ورد بن سعيد في شوال، فاختلفت كلمة الزناتيين ومالت فرقة مع خليفة بن ورو وفرقة مع خزرون، ابن عمه، وأرفع الله فيهم الشتات ذكر وفاة نصير الدولة باديس بن المنصور أنه لما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي القعدة، أمر بالتمييز فبرز كل قائد في عسكره. وجلس نصير الدولة في القبة وأمر أيوب بن يطوفت بالطواف على العسكر وحسابه، وانتظره حتى فرغ من حابها وعدها، فجاءه فعرفه بما سره وأبهجه، وانصرف إلى قصره. ثم ركب عشية هذا اليوم، وهو قد تناهى إقبالا، واستولى حسنا وجمالا. فلعبوا بين يديه. فكلما هز رمحا كسره وأخذ غيره. ثم عاد إلى قصره أفسح ما كان أملا، واشتد سرورا وجذلا، فطعم وشرب مع خاصته وقرابته، فعاينوا من طربه ما لم يعهدوه منه. فلما مضي نحو النصف من ليلة الأربعاء انقضاء ذي القعدة، قضى نحبه رحمه الله! وبعث في الوقت إلى حبيب بن أبي سعيد، وباديس بن حمامة، وأيوب بن يطوفت. فأعلموا بوفاته خاصة من بين جميع صنهاجة وغيرهم، فانصرفوا على أن يكتموا أمره حتى يجتمع رأيهم، وأصبح وجوه العساكر للسلام على عادتهم وليس عندهم خبر وقد عزموا أن يعرفوا أنه أخذ دواء، وتقدموا إلى
(1/266)
________________________________________
سائر قواد العساكر أن يحضروا بعدتهم، فقد بلغهم أن حمادا يضرب في المحلة فما شعروا أن خرج الخبر من مدينة المحمدية بوفاة السلطان، وأنهم أغلقوا أبوابهم، وصعدوا على أسوارهم. فظهر ما لم يستطيعوا إخفاءه، فكأنما نودي في الناس بإشاعته، فاضطربت العساكر، وماج بعض في بعض، وخشوا من اختلاف الكلمة، فاجتمع رأيهم على تقديم كرامة، فأخذ عليهم العهود، وأمر بالكتب إلى بعض البلاد. فلما رأى ذلك عبيد نصير الدولة، ومن انضاف إليهم من سائر الحشم، أنكروا ذلك، وقالوا: إنما قدمناه ليحوط الرجال ويحفظ الأموال، حتى يدفع ذلك إلى مستحقه المعز ابن مولانا نصير الدولة! ومشى بعضهم إلى بعض ليلا، وتحالفوا على بيعة المعز فلما تم لهم ما عقدوه أعلنوا به يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة. وتحالفت العساكر على ذلك طائفة بعد طائفة، واتفقت آراؤهم على خروج كرامة إلى أشير ليحشد قبائل صنهاجة وتلكانة، ويعود بهم إلى المحمدية. ثم رحلت العساكر بتابوت نصير الدولة.

ولاية المعز بن باديس أفريقية
كانت ولايته بالمهدية في يوم السبت المذكور من سنة 406، وسنة ثماني سنين وأربعة أشهر، وولايته بالمهدية بها لتسع بقين من ذي الحجة. ذلك لما وصل الخبر بوفاة أبيه، والسيدة أم ملال بالمهدية، خرج إليها المنصور بن رشيق، وقاضي القيروان والمنصورية، وشيوخها، ومن كان بها من الصنهاجيين. فعزوها في أخيها. وخرج المعز بالبنود والطبول، فنزل إليه الناس يهنئونه جميعا، وبايعوه وهنئوه وعزوه وابتهلوا بالدعاء له. وعاد إلى قصره. ودخل الناس يهنئون السيدة بولايته، فصرف أهل القيروان والمنصورية. وبقي المعز بالمهدية يركب في كل يوم، ويعود إلى قبة السلام، ويتطعم الناس بين يديه، وينصرف إلى قصره.
(1/267)
________________________________________
وفي يوم السبت بموافقة عيد الأضحى رحلت العساكر من المحمدية بعد أن أضرموا النار في الأبنية والبيوت والزروب، وتقدموا أمام البيود والطبول. فأشرف حماد على العساكر، وهي تمر كالسيل بين يدي التابوت، فقال لأخيه وخاصته: مثل هؤلاء يخدم الملوك! وصلت أنا إلى أفريقية في ثلاثين ألف فارس، ما منهم إلا من أحسنت إليه، وأنعمت عليه. فعدت إلى القلعة وما بقي معي منهم إلا أقل من ستمائة، وأنا بين أظهرهم أرجى! وهذا ميت أطاعه هؤلاء كما كان حيا! وكان وصول العساكر إلى المهدية لثمان بقين من ذي الحجة، وبرزت العساكر على باب المهدية. وركب المعز، فوقف ونزل الناس إليه فوجاً فوجا حتى كمل سلامهم.
وفي سنة 407، رحل المعز بن باديس من المهدية فكان دخوله المنصورية يوم الجمعة للنصف من محرم فدخل أجمل دخول، وبين يديه البنود والطبول. واحتل بقصره أفضل حلول، وقد سر به الخاص والعام.
وكان بمدينة القيروان قوم بحومة تعرف بدرب المعلى، يتسترون بمذهب الشيعة، من شرار الأمة، فانصرف العامة إليهم من نورهم، فقتلوا منهم خلقا رجالا ونساء، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة، ونهبت دورهم وأموالهم وتفاقم الأمر، وانتهى إلى البلدان، فقتل منهم خلق كثير. وقتل من لم يعرف مذهبه بالشهية لهم. ولجأ من بقى بالمهدية منه إلى المسجد الجامع، فقتلوا به عن آخرهم رجالا ونساء. واجتمعت العامة على أبي البهار بن خلوف لشدته عليهم وقهره لسفهائهم، فلجأ إلى المنصورية، فانتهبوا داره. وبلغ ذلك عساكر ابن أخيه، فركب لينصر عمه أبا البهار، فقتلته العامة ومثلوا به، وقتلوا كل من كان معه، وزحفوا إلى المنصورية فهدموها. واجتمع بدار محمد بن عبد الرحمن نحو ألف وخمسمائة رجل من الشيعة، فإذا خرج أحد منهم لشراء قوته قتل حتى قتل أكثرهم. ثم أخرجوا إلى قصر السلطان بعيالهم وأطفالهم. فسر المسلمون بما رأوه فيهم، وذلك لما ظهرت الكتب التي وجدت في ديار المسالمة، كان
(1/268)
________________________________________
فيها من الكفر والتعطيل للشريعة وإباحة المحارم شيء كثير، فتحصنوا في هذا لقصر أواخر جمادى الأولى وجمادى الثانية. وفي أواخر هذه السنة وصل المعز ابن باديس سجل من الحاكم، خاطبه فيه بشرف الدولة، وركب المعز بالينود والطبول وفي سنة 408، كانت حروب عظيمة بين عساكر شرف الدولة والمعز بن باديس وبين عساكر حماد، وذلك شيء يطول ذكره.
وفي سنة 409، خرجت طائفة من الشيعة نحو مائتي فارس بعيالهم وأطفالهم يريدون المهدية للركوب منها إلى صقلية، وبعث معهم خيل تشيعهم فلما وصلوا إلى قرية كامل، وباتوا بها، تنافر أهل المنازل عليهم، فقتلوهم وفحوا بعض شواب النساء ومن كان منه جمال، ثم قتلوهن. وفيها كان بأفريقية غلاء كثير وحروب كثيرة.
وفي سنة 410، وصل زاويبن زيري الصنهاجي من الأندلس إلى أفريقية في أهله وولده وحشمه بعد أن اغترب بها اثنين وعشرين سنة، وقاسى حروبها وفتنها واحتوى على نعم ملوكها وذخائرهم. فخرج إليه في يوم وصوله شرف الدولة المعز بن باديس بزي عظيم، فترجل له الشيخ زاوي، ونزل شرف الدولة وسلم عليه، وسار معه حتى أنزله بالمنصورية.
وفي سنة 411، ورد على المعز بن باديس أبو القاسم بن اليزيد، رسولا من الحاكم إليه، بسيف مكلل بنفيس الجوهر، وخلعه من لباسه لم ير الناس مثلها، فلقيه المعز في أجمل زي وأكمل هيئة. فقرئ عليه سجل فيه من التشريف ما لم يصل لأحد قبله، فسر بذلك. وفيها ورد أيضا محمد ابن عبد العزيز بن أبي كدية بسجل آخر من الحاكم، جوابا للمعز عما كان فيه من أخبار الأندلس، وانقراض الدولة الأموية منها، وقيام القاسم بن محمد فيها فشكره على ذلك، وبعث إليه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب. وركب
(1/269)
________________________________________
المعز بن باديس الأعلام المذكورة بين يديه يوم الأحد لليلتين بقيتا من ربيع الآخر وجاءت سحابة شديدة الرعد، فأمطرت حجرا لم ير أهل أفريقية مثله كبرا وكثرة، ووقعت معه صاعقتان. وفيها وصل الخبر بوفاة الحاكم أمير مصر وولي الظاهر بعده.
وفي سنة 412، توفي باديس بن سيف العزيز بالله، وصلى عليه شرف الدولة، وكان له مشهد عظيم. وفيها توفيت السيدة زوجة نصير الدولة، وكفنت فيما لم يذكر أن ملكا من الملوك كفن في مثله، فحكى من حضره من التجار أن قيمته مائة ألف دينار، وجعلت في تابوت من عود هندي قد رصع بالجوهر. وكانت لها جنازة لم ير مثلها، ودفنت بالمهدية. وكانت مسامير التابوت بألفي دينار.
وفي سنة 413، تعرض المعز شرف الدواة. فكان له عرس ما تهيأ قط لأحد من ملوك الإسلام. وقد شرح الرقيق في كتابه. وتركناه اختصارا.
وفي سنة 414، وردت الأخبار وتتابعت بأفريقية بأن خليفة بن ورو ومن معه رموا في البحر مراكب كثيرة، وأنهم رحلوا من طرابلس في طلب الفتوح بن القائد، وقد كان كاتب شرف الدولة المعز بن باديس في الانحياش إليه والدخول في طاعته، فأعطاه مدينة نفطة من عمل قصطيلية. فخرج شرف الدولة، فاجتاز بسوسة، ثم إلى المهدية، وذلك يوم الخميس لأربع خلون من المحرم. وأمر بالنداء في حشد البحرين وكتب أن يلحق به كل من يتخلف عنه من عساكره ليكون رحيله من المهدية إلى سفاقس، ثم إلى قابس، قاصدا إلى طرابلس. وأمر بالاحتفاز في إصلاح القطائع وعمارة دار الصناعة، وأخذ في إنشاء العدد الحربية، فأنشئ منها في المدة القريبة ما لم يتم مثله في الزمن البعيد. ثم رأى الوصول إلى المنصورية ليأخذ الناس عددهم وما يحتاجون إليه فكان وصوله يوم الاثنين لست بقين من المحرم من العام.
(1/270)
________________________________________
ووردت من الأخبار من المشرق، بأن أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله أمر بإحضار سيف الدولة ذي المجدين حسين بن على بن دواس الكتامي. فلما دخل القصر، ولم يكن يدخل قبل ذلك حذرا على نفسه، أخرج من ساعته مقتولا، فأقام ثلاثة أيام، ومناد ينادي عليه: هذا جزاء من غدر مواليه! ثم دفع إلى عبيده، فدفنوه.
ثم جاء الخبر في الوقت بوفاة السيدة الشريفة بنت العزيز بالله. وصلى عليها الظاهر لإعزار دين الله بمصر. وكانت قد ضبطت الملكة وقومت الأمور بحسن رأي وتدبير. وكان الوزير عمار فوض إليه الأمر في النظر في الدواوين والأموال والكتابة وغير ذلك من خدمة الخلافة، فأمرت بقتله فقتل. وباشرت تدبير المملكة، فلا ينفذ أمر جل أو قل إلا بتوقيع يخرج عنها بخط أبي البيان الصقلي عبدها.
وفي هذه السنة، وصل محمد بن عبد العزيز من قبل الظاهر أمير مصر بتشريف عظيم لشرف الدولة. فقرئت به سجلات ما وصل قبلها مثلها أجل حالا ولا مقالا. وزاده لقبا إلى لقيه، فسماه شرف الدولة وعضدها، وبشره بمولودين ولدا له: أبو الطاهر، وعبد الله أبو محمد، وبعث إليه مع ذلك ثلاثة أفراس من خيل ركوبه بسروج جليلة وخلعة نفيسة من نفيس ثيابه، ومنجوقين منسوجين بالذهب على قصب فضة، ما دخل أفريقية مثلها قط، وعشرين بندا مذهبة ومفضضة. فلقيها شرف الدولة وعضدها أجمل لفاء وأعطاها حقها من الإكرام والاعتناء وقرئت السجلات بين يديه ثم قرئت بجامع القيروان، وأمر بنسخها، وأنفذت إلى الآفاق، فكان لها من السرور ما لم يوصف. وبعد ذلك، في هذه السنة، وصله سجل آخر بزيادة لقب آخر
(1/271)
________________________________________
تشريفا لشرف الدولة، وأمر أن يكاتب: من الأمير شرف الدولة وعضدها! ويخاطب بمثل ذلك فلقيه أحسن لقاء، وخلع عليه وحله. وجرت المكاتبة من ذلك الوقت بهذا التشريف الجليل.
وفي هذه السنة، اعتلت السيدة أم ملال بنت عدة العزيز بالله أياما وأمير شرف الدولة يصل إليها في كل يوم عائدا ومتفقدا، فجلس عندها ويأذن لرجاله وعبيده يدخلون إليها، ثم ينصرفون. فلما كان ليلة الخميس منسلخ رجب، قبضها الله. وصلى على جنازتها بالبنود والطبول والعماريات والسيدتان الجليلتان الوالدة والأخت بحال من التشريف لهذه الجنازة، لم ير لملك ولا لسوقة مثلها.
وفوض الأمير شرف الدولة جباية الأموال، وولاية العمال، والنظر في العساكر وسائر الأشغال لأبي البهار بن خلوف يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى، فحسنت الأمور وضبطت الأطراف والثغور. واستقام التدبير ورأى الأمير شرف الدولة من حزمه وعزمه وشهامته، ما لا لم يقم به غيره ولا وجد عند سواه بوجه.
وفي سنة 415، في صفر منه، ولد للأمير شرف الدولة ولد سماه كبابا وفي شهر رجب، تزوجت السيدة أم العلو، بنت نصير الدولة، أخت شرف الدولة. فلما كان يوم الأربعاء غرة شعبان المكرم، زين الإيوان المعظم للسيدة الجليلة أم العلو ن ودخل الناس خاصة وعامة، فنظروا من صنوف الجوهر والأسلاك والأمتعة النفيسة وأواني الذهب والفضة ما لم يعمل مثله، ولا سمع لأحد من الملوك قبله. قال أبو أساق الرقيق، فبهر عيون الخلق حال ما عاينوه، وأبهتهم عظيم ما شاهدوه، وحمل جميع ذلك إلى الموضع الذي ضربت
(1/272)
________________________________________
فيه الأبنية والأخبية، وحمل المهر في عشرة أحمال على البغل على كل حمل جارية حسناء، وجملته مائة ألف دينار عينا. وذكر بعض حذاق التجار أنه قوم ما هو لها، فكان زائد على ألف ألف دينار وهذا ما لم ير قط لامرأة قبلها بأفريقية. وزفت العروس في يوم الخميس، ومضى بين يديها عبيد أخيها شرف الدولة وأبيها نصير الدولة وجدها عدة العزيز بالله، ووجوه رجال الدولة، فكان يوما سارت الركبتان بمحاسن آثاره، وامتلأت البلدان بعجائب أخباره.
وفي هذه السنة، وقف شرف الدولة لهدية صندل والي يسكرة، فعرضت عليه، وهي ثلاثمائة حصان، ومائة فرس أثنى وبغلات منها عشرون بسروج محلاة، مائة حمل من المال. فخلع عليه وجدد له الولاية على بسكرة. وفي سنة 416، توفي أيوب بن يطوفت. وحضر جنازته شرف الدولة وعضدها، وهو المعز بن باديس، بالينود والطبول.
وفي سنة 417، ولد للأمير شرف الدولة وعضدها مولود سماه نزارا وكتب إلى سائر عماله بذلك.

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 8 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر هزيمة عسكر أفريقية واستيلاء زيري بن عطية عليه
وظهور زناتة على صنهاجة
لما وصل كتاب يطوفت إلى باديس نصير الدولة، أمر نصير الدولة محمد ابن أبي العرب الكاتب بالخروج بالعساكر إلى زناتة، فكان تبريزه في منتصف صفر من هذه السنة، ونهض بالعساكر حتى بلغ أشير، وبها حماد بن يوسف بن زيري عاملا عليها، ومعه عسكر عظيم، فأقام بها يسيرا، ثم رحل ورحل حماد معه بعسكره، حتى وصلا إلى تيهرت، فاجتمعا بيطوفت، ومعه أيضا عسكر عظيم وكان اجتماعهم بتيهرت غرة جمادى الأولى. وكان بتيهرت زيري بن
(1/249)
________________________________________
عطية نازلا بموضع يقال له امسار، على مرحلتين من يتهرت، فزحفوا إليه. فكانت بينهم حرب شديدة وكان معظم عسكر حماد الوتلكاتيين، وكان قد أساء عشرتهم. فلما حمى الوطيس واشتد البأس، ولوا منهزمين، فاتبعهم جميع العساكر الأفريقية. فرام ابن أبي العرب رد الناس فلم يقدر فولت الهزيمة على الجميع، حتى وصلوا إلى أشير وقد أسلموا محلاتهم ومضاربهم، وكل ما فيها من الأموال والسلاح وغير ذلك، فاحتوى زيري بن عطية وإخوانه على جميع ما ذكرنا. وقتل منهم خلق كثير، وأخذ أسرى كثيرة، فوعدهم بجميل، ثم أطلقهم عند وصوله إلى تيهرت، فمضوا حتى وصلوا إلى أشير. وبقى ابن أبي العرب وحماد ويطوفت بأشير وبقى زيري ابن عطية الزناتي على تيهرت. وكانت هذه الوقعة والهزيمة يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منن هذه السنة. ووصل الخبر إلى المنصورية لعشر بقين منها، فخرج نصير الدولة صاحب أفريقية من المنصورية للقاء زيري بن عطية يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، ورحل حتى وصل إلى طينة، فبعث في طلب فلفل بن سعيد بن خزرون الزناتي، وكان على طبنة، فخاف منه، وبعث يعتذر له، ويسأله أن يكتب له سجلا بولاية طبنة، فكتبه له، وبعث به إليه، ورحل عنه نصير الدولة باديس وتمادى في رحيله. فلما بلغ فلفلا أنه قد أبعد عنه ضرب على جهة من جهاته، فأكل ما حولها ونهب وافسد ومضى إلى باعاية، فحاصرها، وأفسد تلك الجهات كلها، واكل ما والاها، ونصير الدولة في هذا كله متماد على سيره حتى وصل أشير. ولما وصل إلى المسيلة، رحل زيري بن عطية عن تيهرت. فصمم إليه نصير الدولة. ثم وصله الخبر أنه توجه إلى ناحية فاس فعند ذلك رجع نصير الدولة إلى تيهرت وأشير، واستخلف يطوفت على تيهرت ابنه أيوب في أربعة آلاف فارس. وبلغ نصير الدولة ما فعل فلفل ابن سعيد، فأرسل من أشير عساكر تقدمت إليه، ثم رحل بعدهم ومعه أبو
(1/250)
________________________________________
البهار بن زيري حتى وصل إلى المسيلة فعيد بها عيد الفطر. ووصل إلى أبي البهار فيه الخبر بأن أخوته ماكسن وزاوي ومغنين نافقوا بأشير، وأنه قد قبضوا على يطوفت، فرحل أبو البهار هاربا في بنيه ورجاله وعياله. ورحل نصير الدولة ثالث شوال إلى أفريقية. فلما بلغ إلى يلزمة، بلغه أن فلفل بن سعيد تمادى إلى القيروان، فرحل إلى باغاية، فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل وأنه حاصرهم خمسة وأربعين يوما، فرحل من باغاية في طلب فلفل، فاتقى معه لعشر خلون من ذي القعدة، فكانت بينهم حروب لم يسمع بمثلها. وكلن قد اجتمع لفلفل من البربر مل لا يحصى عددا وكثرة، فانهزم فلفل إلى جبل الحناش، حسبما ذكروه، واتبعته صنهاجة والعبيد. فلما رأوه تمادى منهزما، رجعوا عنه ونهبوا محلته. وقتل في ذلك اليوم نحو سبعة آلاف من زناتة. وأرسل نصير الدولة كتاب الفتح إلى مدينة القيروان.
وفي سنة 390، خرج نصير الدولة في طلب فلفل بن سعيد. فلما علم فلفل أنه لا طاقة له بلقائه، هرب إلى الرمال، وافترق جمعه فرجع نصير الدولة إلى أفريقية، ومعه أبو البهار بن زيري وقد أعتذر له مما فعل إخوانه، فقيل عذره. ثم رجع فلفل إلى طرابلس، وتمادى نصير الدولة إلى أن وصى إلى قصر الأفريقي، فبلغه حينئذ أن بني زيري رجعوا إلى الغرب خوفا منه وأنه لم يبقى مع فلفل سوى ماكس وابنه محسن، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية حضرته. وفي أول رجب من هذه السنة، خرج نصير الدولة إلى رقادة، متوجها لقتال زيري بن عطية الزناتي أمير الغرب، لما بلغه أنه أتى إلى أشير. ثم جاء الخبر برحيل زيري بن عطية إلى الغرب، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية.
وفي سنة 391، خرج نصير الدولة في طلب فلفل ثانية، ووصل كتاب يوسف بن عامر عامل قابس، يذكر فيه أن فلفلا رحل إلى طرابلس من على قابس، لست بقين من رجب، ولما وصل فلفل إلى طرابلس خرج إليه فتوح
(1/251)
________________________________________
ابن علي وجماعة أهلها، فقتلوه وأدخلوه البلد، فاستوطنها من ذلك الوقت. وفي هذه السنة، وصل رسول حماد بن يوسف العزيز بالله يذكر أنه زحف إلى عمه ماكسن بن زيري ومن معه، فقتل ماكسن وولداه محسن وباديس بعد حروب شديدة ن وذلك بعد ثلاث خلون لرمضان المعظم. وفيها توفي زيري بن عطية الزناتي، صاحب فاس والغرب كله وذلك في الثاني عشر من رمضان المذكور من السنة المؤرخة، بعد قتل ماكسن بتسعة أيام.

بعض أخبار زناتة ودولتهم بالغرب إلى حين ظهور المرابطين
وذلك أن زناتة كانت تقوم بدعوة الأمويين، لما تقدم لهم من هجرة جدهم خزر بن صولات وإسلامه على يد عثمان بن عفان، وكان صنهاجة تقوم بدعوة العبيديين. ووقع بينهم حروب كثيرة وقام ببلاد الغرب زيري بن عطية الخزري المغراوي، وملك فاسا وغيرها، وصار أمير زناتة كلها في ذلك الوقت. وكان يدعوا لبني أمية في دولة هشام المؤيد، إذ كان المقيم لها ابن أبي عامر حاجبه، وهو يحارب أعدائه وأضداده صنهاجة أمراء أفريقية. قال بن حمادة: وكان قد وصل إلى قرطبة، واجتمع مع ابن أبي عامر سنة 379، وكان بأرض الغرب في خدمته من تلك السنة وموالاته مع سعة ملكه وبعد صيته إلى أن فسد ما بينهما سنة 387، ووقع بينه وبين المظفر حروب يطول ذكرها.
قال ابن حيان: ثم أن زيري بن عطية الراوي نكث على علي ابن أبي عامر بعد الحب الشديد والوفاء الأكيد، وطعن علي بن أبي عامر سلبه الملك هشام وامتعض لهشام المؤيد، وغلية ابن أبي عامر عليه، فانفذ له ابن أبي عامر واضحا فتاه بجيش كثيف، فقاومه بالمغرب. ودارت بينهم حروب عظيمة، ثم أردفه ابن أبي عامر بولده عبد الملك، وهبط هو إلى الجزيرة الخضراء يمدهم بالقواد
(1/252)
________________________________________
والأجناد. وبرز عبد الملك من طنجة إلى زيري، ودارت بينهم حروب لم يسمع بمثلها في الحروب الغابرة. أجلت عن هزيمة زيري واستئصال رجاله وحاله. ونجا هو مثخنا بالجراح. وانبسط ملك عبد الملك بن أبي عامر على الغرب وما والاه إلى سلجماسة، وعلى تلمسان وتيهرت. وقفل إلى الأندلس سنة 389، واستخلف على بلاد الغرب واضحا الغازي، فأقام بفاس مدة وانصرف إلى الأندلس، وخلف على فاس عبد الله بن أبي عامر، ابن أخي المنصور، ثم تلاه إسماعيل بن البوري، ثم تلاه أبو الأحوص معن بن عبد العزيز، وبقي فيها إلى أن توفى محمد بن أبي عامر، فصرفها ابنه عبد الملك المظفر إلى المعز بن زيري بن عطية، وقد استحكمت ثقته به وحسن رأيه فيه فولاه على فاس سنة 397، على أن يعطيه المعز عدة من الخيل والسلاح يحملها كل سنة إلى قرطبة، وقبض على ابنه المسمى معتصر رهينة. فاستقامت طاعة المعز، وأقام ابنه بقرطبة إلى أن نشأت الفتنة وانقرضت الدولة العامرية، فانصرف معتصر إلى أبيه ومضى مع أبوه على رأيه في موالاة من ظهر بالأندلس من المروانية، إلى أن هلك بعد صدر من الفتنة، وأورث ولده حمامة ملك فاس وما والها.
وقد ذكر الوراق ذلك، وشرحه شرحا كافيا وقال: توفي زيري بن عطية في سنة 391، أقام بنو عمه ابنه المعز مكانه. وذكر استجداء المعز للمظفر ابن أبي عامر، وأرسله إليه، وتقليد المظفر له ولاية المغرب على ما تضمنه من خيل وسلاح وغير ذلك، ورهنه المعز ولديه حمامة ومعنصر، وذكر موت المظفر، وتقديم أخيه عبد الرحمن لحجابة هشام المؤيد وبلغ المعز بن زيري ذلك، فاحتفل في هدية عظيمة يهديها له، وذلك سبعمائة من الخيل وأحمال كثيرة من درق اللمط وجملة كبيرة من المال والسلاح، وسائر ما بالمغرب من الطرف، ووصل قرطبة مع هذه الهدية فتيان من بني عمه وجملة من شيوخ
(1/253)
________________________________________
القبائل ووجوه فاس، فسر عبد الرحمن بذلك وشكر المعز وسرح ابنيه إليه بعد أن كساهما وأرضاهما وكتب للمعز عهدة بتحديد ولاية الغرب كله إلا مدينة سجلماسة فأنه كان قد عقد ولايتها لواضح الفتى قبل ذلك وولاها واضح وانودين بن خزرون اليفرني وأبن عمه زيري فلفل على ما ضمناه إليه وعده من الخيل والدرق معلومة وجملة من المال في كل سنة. ورهنه كل واحد منها أبه. فامتثل النعز بين زيري وما أمره بن عبد الرحمن بن أبي عامر. وبقي المعز أمير الغرب إلى أن انقرضت الدولة العامرية ثم انقرضت الدولة المروانية وانشقت عصى الأمة ومرج أمر الناس بالأندلس وصار المسلمون شيعا متفرقون يقتل بعضهم بعضا وينهب. وفعل أهل المغرب مثل ذلك فكثر فيه الشتات وشن الغارات بعضهم على بعض. وأقام المعز بن زيري يدارى أمره إلى أن حانت وفاته سنة 416. وولى مكانه أبنه أبو العطاف حمامة بن المعز بن زيري بن عطية وكان له حظ من المعرفة والأدب وحسن السياسة، فكانت مدينة فاس في أيامه هادئة راخية، وكان الشعراء يقصدونه من الأندلس. وجرت له حروب كثيرة إلى أن حانت وفاته في سنة 433. وولى ابنه دوناس بن حمامة فقام عليه بنو عمه، ولم يزل أمره يضعف، ودولتهم تدبر إلى أن قام بمدينة فاس أميران بالعدوتين وكانت الحرب تدور بينهما. وجرت بين ذلك أمور وخطوب، ولا يحسن ذكرها لشناعتها، إذ للدول، إذا أدبرت كل ما يجري فيها يقبح ذكره، إلى أن شاع خبر خروج لمتونة من الصحراء، واستيلاءهم على بلاد المصامد وخلعهم لملوكهم وناموس عدلهم، ودخل عبد الله بن ياسين مدينة أغمات وما يليها، فخافت زناة وأجفلت عن جهة الشرق حيث مستقرها، ولما قتل عبد الله بن ياسين، رجعت زناة إلى المغرب، وقتلوا كل من اتهموه بالميل إلى أصحاب اللثام، فحاربهم الصحراويون. ووجه أبو بكر بن عمر يوسف بن تاشفين، فحارب رؤساء القبائل، واستفتح بلاد كثيرة.
(1/254)
________________________________________
وفي خلال ذلك كان الجوع الشديد الذي يعرف بسنة أو قبة بدرهم من الدراهم الخندوسية، وذلك في سنة 444. ورجع الفتوح بن معنصر الزناتي من المشرق وكسر عسكر مدينة فاس في سنة 454. وفيها كسرة مكناسة ولواة: كسرها قائد أبي بكر بن همر اللمتوني.
وفي سنة 454، وطئ بليجين بن محمد بن حماد الصنهاجي جميع الغرب ودوخه بجيوش عظيمة.
وفي سنة 459، دخل إبراهيم بن مليح الجزنائي مدينة فاس، وأخرج منها معنصر بن حماد إلى بيت الشرق. ثم رجع إلى فاس، وقتل كل من اتهمه بالميل في الملثمين. ثم رجع يوسف إلى المغرب وهرب معنصر. وقتل يوسف سدراة ودخل مدينة فاس، واستولى عليها وعلى أكثر الغرب. هكذا ذكر أبو مروان عبد الملك بن موسى الوراق في كتابه (المقباس في أخبار فاس) . وأما يوسف الجزنائي، صاحب مكناسة فتولى سنة 412. وأما توالي، فتوفي بالقلعة، وولي ابنه مهدي في هذه السنة. وأما ابن أبي العافية إبراهيم، فتوفي في سنة 450، وولي ابنه عبد الله وكان بنو أبي العافية أصحاب تسول وملوية ونكور، وهي لمزمة، وتوفي عبد الله 460، وولي ابنه محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية وأما تلمسان والزاب، فكان فيها يعلى الزناتي، وما في هذا التاريخ أو قريبا منه وقام فيها بنوه. وما وراء الزاب من بلاد الغرب، لم يملكه العباسيون قط، أما تلمسان وأنظارها، فوليها محمد بن سلمان ابن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - ومن ولده أبو العيش عيسى بن إدريس بن محمد المذكور. وأما فاس وأنظارها فكان فيها شيعة ثم آل أمرها إلى إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - وأما تلمسان، فكان فيها أولاد صالح بن طريف على ضلالتهم. وأما سجلماسة، فنزلها عيسى بن سمغون، رئيس الصفرية. فهذه هي البلاد المتفق عليها، وأما المختلف
(1/255)
________________________________________
فيها، بأفريقية: قيل أنه كان فيها عبد الرحمن بن حبيب ثائرا، وبالأندلس يوسف الفهري أميرا.
رجع الخبر إلى نسق التاريخ. وفي سنة 392، توفي أبو طالب شيخ المعتزلة ولسانهم، وله تسع وستون سنة. وفي هذه السنة كان خروج يحبى بن علي بن الأندلسي من مصر بالعسكر، فمان وصوبه إلى طرابلس يوم الجمعة لتسع خلون من ربيع الأول وكان متولي التدبير في الوقت زيدان الصقلي، فاختلفت عليه أمور العسكر مع سوء عقله وضعف تدبيره ووصل إلى فلفل، فاستخلف به، واحتقره. وفيها ن في رمضان المعظم، توفي المنصور بن أبي العامر على ما يأتي في موضعه.
وفي سنة 393، وصل يحيى بن علي بن الأندلسي، ومعه فلفل بن سعيد وفتوح بن علي إلى مدينة قابس، فحصروا عطية بن جعفر وخرج في تلك الأيام إلى قابس عشرون رجلا من الناشبة، فعرف بهم فلفل فبعث في طلبهم فلما أتى بهم ن ضرب أعناقهم، وكان وصولهم إليها يوم الاثنين لأربع عشرة خلون من شعبان من هذه السنة.. ثم انصرفوا راجعين إلى طرابلس ولما رأى يحيى بن علي اختلال الحال عليه، ولم يجد ما يعطي لرجاله عاد ببقيتهم إلى مصر، بعد ما أخذ فلفل وأصحابه ما أحبوه من خيولهم بين شراء وغصب فلما وصل إلى صاحب مصر الحاكم بأمر الله، أراد الإيقاع به، وبعد ذلك عفا عنه وقبل عذره.
وفي سنة 394، قتل الحاكم بأمر الله منجمه البكري بمصر، وكان ضعيف العقل أحمق وكان له بصر بالقضايا. وفيها قتل الحاكم جماعة كبيرة من وجوه رجاله وأحرقهم بالنار. وفيها، قتل المعروف بابن خريطة. وفيها، قتل ابن الغازي المنجم.
وفي سنة 395، كانت بأفريقية شدة عظيمة أنكشف فيها الستور، وهلك فيها الفقير، وذهب مال الغنى، وغلت الأسعار، وعدم القوات. وجلى أهلها
(1/256)
________________________________________
البادية عن أوطانهم وخلت أكثر المنازل فلم يبقى لها وارث وع هذه الشدة وباء طاعون هلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج فلا ترى متصرفا إلا في علاج أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت أو تشيع جنازة أو انصرف من دفن. وكان الضعفاء يجمعون إلى باب سالم فتحفر لهم أخاديد ويدفن المائة والأكثر في الأخدود الواحد فمات من طبقات الناس وأهل العلم والتجار والنساء والصبيان ما لا يحصى عددهم إلا خالقهم تعالى وخلت المساجد بمدينة القيروان وتعطلت الأفران والحمامات. وكان الناس يوقدون أبواب بيوتهم وخشب سقوفهم. وجاء خلق من أهل الحاضرة والبادية إلى جزيرة صقلية. وكانت الرمانة بدرهمين للمريض في ذلك الوقت والفروج بثلاثين درهما وقيل أن أهل البادية أكل بعضهم بعضا. كذا ذكر أبو إسحاق الرقيق.
وفي سنة 396، كثر الخصب بأفريقية ورخصت الأسعار وأرتفع الوباء عن الناس وفيها ثار ببرقة الوليد بن هشام وأدعى أنه من بني أمية من ولد المغيرة وكان ظهوره في العام الفارط عن هذه كان معلما ببرقة فرأى في أهل برقة فرصة فانتسب لهم وعرفهم أم عنده روايات وعلما وأنه هو الذي يملك مصر ويقتل الجبابرة وأعانه على ذلك قوم من لواتة وزناتة فنصبوه إماماً واجتمعوا عليه. ثم أقبل البربر من كل ناحية إليه فزحف إلى برقة وحاصرها حتى فتحها وذلك في رجب من العام الفارط ثم قوى أمره في هذه السنة، فأخرج الحاكم إليه جيشا فكان بينهم قتال شديد إلى أن هزم عسكر مصر وقتل قائده. وفيها توفي عامل أفريقية محمد بن أبي العرب. وفيها قتل الحاكم قاضيه وأحرقه بالنار على أكله أموال الأيتام. وفي سنة 397 استحلف أمر الثائر ببرقة الوليد بن هشام وكثرت جموعه
(1/257)
________________________________________
وأتباعه فأخذ الحاكم بالحيلة فدعا وجوه رجاله وقواده وأمرهم أم يكاتموه ويعرفوه أنه على مذهبه وهو أن قرب منهم صاروا في جملته. فلما تواتر ذلك عليه وثق به وزحف بكل من معه من قبائل البربر إلى مصر فخرجت إليه عساكر مصر فهزموه ولحق بأراضي السودان. ثم أخذ أسيرا ودخل إلى مصر على جمل فطيف به بثياب مشهورة ثم قتل شر قتلة في النصف من شوال. وفيها ولي العمالة بأفريقية إلى القاسم بن محمد بن أبي العرب بعد موت أبيه فأفر رجاله على مراتبهم واستعان بهم.
وفي سنة 398 توفى صاحب المظالم بأفريقية محمد بن عبد الله وكانت وطأته اشتدت على أهل الريب والفساد بالضرب والقتل وقطع الأيد والأرجل لا تأخذ فيها لومة لائم.
وفي سنة 399، هرب أولاد محمد بن أبي العرب من المنصورية يريدون فلفل بن سعد بن خزرون الزناتي بإطرابلس، فأرسل نصير الدولة إلى صاحب قابس يأمره أن يقطع بهم فلحق بهم المذكور، وأخذ منهم عليا ويوسف فقطع رؤوسهما وتوجه بها المنصورية منسلخة المحرم ووصل القاسم بعد ذلك فعفا عنه.
وفي سنة 400، توفي فلفل بأطرابلس بلة أصابته. وولي أخاه ورو وأطاعته زناتة وفيها رحل أبو مناد صاحب الدولة بعساكر إلى إطرابلس ليوم الاثنين خلون من شعبان فتلقاه أهلها مسرورين داعين مستبشرين فضربت له فساطيط الديباج والقباب الجليلة ونزل فأخذ الناس ريح عظيمة خرق جميع المضارب ومزقها وذهب بها. ودخل نصير الدولة إلى قصر فلفل. وجاءت رسل ورو بن سعيد أخي فلفل راعية في الأمان والعفو فعفى عنهم وشهد بذلك على نفسه، ثم صدر إلى المنصورية ظافرا. ووصل النعيم بن كنون وطائفة
(1/258)
________________________________________
معه إلى المنصورية، فأعطاهم نصير الدولة، وأفضل عليهم أتم الأفضال وأمر للنعيم والبنود والطبول والبراذين والسروج وصرف إلى البلاد التي أعطاه وقاعدتها قصطيلية فأقام بها ملك بالطبول والبنود والجيش. وفي سنة 401، كان موت عزم بن زيري بن مناد بالقيروان. وفيها، توفي القائد جعفر بن حبيب. وفيها أمر الحاكم بأمر الله بن الحسين بن جوهر قائد القواد وصره القاضي على مصر عبد العزيز بن محمد بن النعمان فقتلا جميعا في وقت واحد. وفي شوال من هذه السنة خالف ابن الجراح على الحاكم بأمر الله، وبعث رسالة إلى أمير مكة يستدعيه للخلاف عليه معه فخالفه وتسمى بأمير المؤمنين. وتابعه على ذلك أهل مكة وبنو عمه وغيرهم وتمادى أمرهم على ذلك بقية هذه السنة. وفيها، وجعل أهل مصر ومن كان معهم من المغاربة وغيرهم برسم التوجه إلى مكة - زادها الله تكريما وتشريفا! - وذلك عند وصولهم للقزم بلغهم ما فيعل ابن الجراح وأبو الفتوح أبو الحسن بن جعفر بن محمد فمل يحج منهم أحد، ولم يحج أحد هذه السنة من الشام ولا العراق ولا خراسان ولا سائر الآفاق ألا أهل اليمن ونفر يسير ممن كان بمكة مجاورا.
وفي سنة 302 تقدم المنصورية خزرون بن سعيد بن خزرون الزناتي أخو فلفل المتقدم ذكره. وكان سبب وصوله اختلاف بينه وبين أخيه ورو فقصد إلى نصير الدولة فقبله أحسن قبول وكان معه نحو سبعين فارسا من زناتة فأنزلهم وأحسن إليهم ثم بعد ذلك بأيام أعطاه مديمة، فخرج إليها بالبنود والطبول.
وفي سنة 403 وصل إلى المهدية مركب فيه هدية جليلة من الحاكم إلى نصير الدولة باديس صاحب أفريقية، وإلى ولده منصور عزيز الدولة فتلقاها المنصور مع أهل القيروان على قصر الماء بالبنود والطبول، ووصلت سجلات منه إلى نصير الدولة بإضافته وأعمال برقة إليه. وفيها توفى أبو الحسن القابسي
(1/259)
________________________________________
الفقيه العالم. وفيها، عزل أمير نصير الدولبو يوسف ابن حبوس السنهاجي عن أمر الجيوش وغيرها. وفيها توفى مفرج بن الجراح ببلاد الشام وبقي أولاده مكانه. وفيها، عاد صاحب مكة إلى طاعة الحاكم وهو جعفر بن الحسن المتقدم الذكر الذي قام بها ودعا لنفسه وتسمى بأمير المؤمنين الراشد بالله ثم تاب مما فعل في هذه السنة وصعد المنبر وتبرأ مما كان ادعاه وكتب بذلك إلى الحاكم بأمر الله فقبل منه وأنفذ إليه أموالا عظيمة وأمر الناس أن يسافروا إلى مكة بالطعام وسائر المرافق.
وفي هذه السنة ظهر بأفريقية ثائر أسمه عبد الله بن الوليد بن المغيرة وكان خاملا مشتغلا بالتعليم ثم دعا إلى نفسه فأخذ وسيق إلى القيروان مع صاحب له وحملا على جملين وطيف بهما ثم ضربت أعناقهم ورفعا فصلبا. ووجت عنه خريطة فيها كتاب بخط يده لبعض الأشياخ القبائل يقول فيها: (من عبد الله أبي محمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إلى فلان) ثم يذكر أن تام أمره وظهوره يكون بكتامة ويأمره لأن يتلاقاه في أول صفر من سنة 404 فإنها آخر دولة صنهاجية وبها تنقطع دولتهم. فتمكن منه صنهاجة كما ذكرنا.
وفي سنة 404 وصل سجل من الحاكم إلى نصير الدولة يذكر فيه أنه جعل ولاية العهد في حياته لأبن عمه أبي القاسم عبد الرحمن بن ألياس فقرأ بجامع القيروان والمنصورية وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة. فعظم ذلك عند نصير الدولة وقال: (لولا أن الإمام لا يتعرض على تدبير، لكتبته ألا يصرف هذا الأمر من ولده إلى ابن عمه!) وفي سنة 405 أخرج نصير الدولة هدية جليلة إلى الحاكم وشيعها بالبنود والطبول عن المنصورية فوصلت إلى المهدية وركب بها البحر يعلى بن فرج. وكان فيها مائة فرس ولها سروج محلاة شدت في ثمانية عشر حملا أقفاصا
(1/260)
________________________________________
وكان فيها ثمانية وعشرون حملا من الخزف السمور والمتاع السوسي المذهب النفيس وعشرون وصيفة بارعة الجمال وعشرة من الصقالبة وغير ذلك. ووجهت السيدة أم ملال أخت نصير الدولة إلى أخت السيدة أخت الحاكم هدية أيضا. ولما وصلت تلك الهدايا إلى جهة برقة أخذ العرب وهرب يعلى ابن فرج وأسلمها بجميع ما فيها.
وفيها نادى مناد القيروان بانتقال من كان يسكن فيها من الصنهاجيين إلى المنصورية. ثم نادى مناد آخر بعد ذلك بإغلاق الحوانيت بالقيروان وفنادقها فأغلقت ولم يبق بها إلا بعض حوانيت الأحباس ويبلغ كراء حانوت بالمنصورية مائتي درهم لبيع الكتان وما سمع ذلك بكراء حانوت بالقيروان فكان ذلك أول أسباب خرابها.
وكان الحاكم لقب المنصور بن نصير الدولة بعزيز الدولة وقرى سجله بذلك فأراد نصير الدولة أن يرشح ويضيف فيه أعمالا يستخدم فيها أتباعه وصنائعه. وكان نصير الدولة اتصل به عن إبراهيم بن سيف العزيز بالله هانت إنكاره عليه فأراد اختبارها فكتب كتاب إلى حماد يأمره فيه بتسليم عمل أبي زعبل قصر الإفريقي ومدينة القسطنطينة إلى مستخلف عزيز الدولة وقد كان قد خلع على هاشم بن جعفر وأعطاه البنود والطبول وأمره بالخروج إلى هذا لعمل فخرج بخزائن وعدد جليلة وبعث نصير الدولة إلى إبراهيم بن سيف العزيز بالله يشاوره على من يمضي بكتابه إلى حماد فتسرع إبراهيم إلى المسير بالكتاب نفسه وقال يجد مولانا عبدا من عبيده أنهض بخدمته مني!) وتضمن ذلك وأخذ على نفسه المواثيق أنه لا يقيم في مضيه ألا أقل من عشرين يوما فأسار على نصير الدولة من يقرب منه بأن يعتقل إبراهيم، ولا يدعه لما يرد من السفر حتى يرى ما يكون من طاعة أخيه حماد ومسارعته إلى ما يأمره به نصير الدولة من ذلك وقال لإبراهيم: (امض إلى
(1/261)
________________________________________
أخيك حماد. فأن صدقت فيما قلت، ووفيت بما وعت، وإلا فأفعل ما أردتما) وخرج إبراهيم بن يوسف العزيز بالله بماله ورجاله وجميع ذخائره، ولم يعقه في ذلك من نصير الدولة وإلا فقد بأثقال وجملة رجاله دليلا على ما خالف ما أظهر، وكان خروجه من شوال، وصبحه هاشم بن جعفر، ثم أحس هاشم أنه سيغدره إذا قرب من أخيه، فاعتذر له أن حاجة بقيت له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن يلحقه سريعا. فنجاه الله من غدره. ومضى إبراهيم حتى وصل تامديت، وكتب إلى أخيه، فنهض إليه حماد في عساكر عظيمة، واجتمعت كلماتها، وخلعا أيديهما من الطاعة.
وانتهى ذلك إلى نصي الدولة، فرحل في أواخر من ذي الحجة، ونزل برقادة، ووضع العطاء لعساكره، وأخرج عياله وأثقاله وأخته السيدة أم ملال، وأولاده، وعبيد إلى المهدية، ورحل في السابع منه. وأمر بالقبض على يوسف بن أبي حبوس وأخته، فقبض عليه. وكان نصير الدولة لم يمض له يوم من الأيام إلا جدد عليه كرامة وإحسانا، ولا كان يهدى إليه فرس أو ثوب من ثياب الخلافة إلا أثره بذلك على نفسه، ومع ما حمل له من الضياع والرباع بكل كورة من كور أفريقية. وما زال يرفع من قدره، ويزيد في التنويه بذكره، حتى نال من أعلى المراتب، ما لم ينله بعيد ولا قريب، وسما من رفيع الدرجات ما لم يسم له حميم ولا نسيب. وكان - والله أعلم - تسول له نفس الفتك بالأمير نصير الدولة. وأنه هم بذلك مدة من الزمان، فلم يعنه الله عليه، بل خيب سعيه، ورد في نحره بغيه. فتقرر ذلك عند نصير الدولة، فقبض عليه. وكان في قبضه عليه ما أوهن الله به كيد الأعداء، وخيب آمالهم، وأضل أعمالهم. ورحل نصير الدولة ثاني عيد الأضحى بعسكره لحماد المذكور.
وفي سنة 406، في صدر محرم، وصل عزم وفلفل حنون بن سنون،
(1/262)
________________________________________
وماكسن بن بلقين، وعدنان بن معصم في عدة من الفرسان من عسكر حماد. فخلع عليهم، وأحسن إليهم. ومازال نصير الدولة يرحل مرحلة بعد مرحلة إلى أن وصل إلى تامديت. ثم ورد عليه الأخبار بوفاة ولده المنصور عزيز الدولة، وذلك أنه كان في حين حركته إلى المهدية عرضت له حمى، وظهر به جدري، فأقام سبعة عشر يوما. وتوفى. فكتم من نصير الدولة أمره خوفا أن يبدو من جزع. يكون فيه وهنا على الدولة فيما هو بسبيله من مقابلة عدوه. فبلغ خبره إبراهيم وحمادا، فبعثا إليه، وقالا له: (إن ولدك، الذي طلبت له ما طلبت، قد توفي) فما ضعضعه ذلك، ولا أوهنه، وكتب إلى السيدة يسألها عن ذلك. فورد كتابها بوفاته والتعزية عنه، ونصف سلامة المعتز حسن حاله، فكان من صبر نصير الدولة وحسن عزائه ما كثر التعجب به. وجلس مجلسا عاما للعزاء، فكان لا يرى من أحد جزعا وبكاء إلا سلاه وهون عليه، فزاد ذلك سرورا لأوليائه وكمدا لحسدته وأعدائه.
ثم رحل من تامديت لست خلون من صفر، وتمادى رحيله إلى أن وصل المحمدية، وهي مدينة المسيلة، فتلقاه أهلها داعين شاكرين على ما منحهم من العدل والأمان، وكثف عنهم من الجور والعدوان. فأقام بها ستة أيام. ثم رحل، فعبر وادي شلف، ثم تمادى مشيه حتى قرب من عساكر حماد وحشوده من زناتة وغيرها في العدوة الأخرى في الوادي. فبات على تحفظ واحتراس. ولما كان في غد نزوله، برز في عساكره، ومشى عليها، ورتبها، وأقام كل قائد من قواده في مركزه. وقد تقارب الفريقان، وتراءى الجمعان، فهزم حماد، وانتهب عسكره. فقيل أن الذي انتهب من الدرق عشرة آلاف درقة. وكان اشتغال العساكر النصيرية برفع الغنائم والأموال والأثقال سببا لنجاة حماد المذكور، لتركهم أتباعه. وأخذ الناس من الأموال والغنائم ما لا يحصى عددا وكثرة، ووجد رقعتان فيهما: (أن الذي عند القائد فلان صندوق فيه
(1/263)
________________________________________
خمسون ألف دينار وسبعمائة، ومن الورق ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، ومن الأمتعة خمسون صندوقا) غير ما كان في بيت حماد وخزائنه. قال أبو إسحاق: وجد رجل بين يديه بغل يسوقه، ففتشه بعض الوصفان بين أيدينا، فوجد في حشو برذعته وصوفها ثماني آلاف دينار، ومثل هذا ما لا يحصى كثرة وعرضت لي أبيات بعد أن صعدنا من الوادي، وقد لقينا به مشقة شديدة، غير أن حلاوة الظفر والفوز بالسلامة أنسى ذلك، وهي (بسيط) :
لم أبس يوما بشلف راع منظره ... وقد تضايق فيه ملتقى الحدق
والخيل تعبر بالهامات خائضة ... من سافح الدم مجرى قاني الفلق
والبيض في ظلمات النقع بارقة ... مثل النجوم تهاوت في دجي الغسق
وقد بدأ معلما باديس مشتهرا ... كالشمس في الجو لا يخفى عن الحدق
وإن راحته لو فاض نائلها ... وبأسها في الورى أشفوا على الغرق
تجلوا عمامته الحمراء غرته ... كأنه قمر في حمر الشفق
لو صور الموت شخصا ثم قيل له ... (أبو مناد تبدى) مات من فرق
وأصبح نصير الدولة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، فبعث في طلب حماد بن يوسف العزيز بالله، وقد تحصن في القلعة من أخيه، فأقاما بها ثلاثة أيام حتى استراحا وأراحا دوابهما ومن كان معهما. فعرفه إبراهيم بحاجته إلى الازدياد من الطعام والملح، فخرج حماد في جميع من كان معه ومع أخيه، فسار بهم حتى دخل مدينة دكمة، وقد كان نقد على أهلها، وكان نصير الدولة في أثره، فتصايح أهل الموضع بساقته، فاعترضهم بالسيف، وقتل منهم نحو ثلاثمائة رجل. فخرج إليهم أحمد بن أبي توبة فقيه هذه المدينة وصالحها، فخوفه بالله، ووعظه، وقال له (يا حماد إذا لاقيت الجموع هربت منها أوأن قاربتك الجيوش فررت عنها! لا وإنما قدرتك وسلطانك على
(1/264)
________________________________________
أسير يكون في يديك، ولا ناصر له عليك) فلما سمع كلامه، أمر بضرب عنقه. ووفق إليه شيخ صالح منها، فقال له: (يا حماد أتق الله! فأني حججت حجتين!) فقال له (أنا أزيدك عليهما الشهادة!) وأمر به، فضربت عنقه. ووقف إليه جماعة من التجار المسافرين، فقالوا له: (نحن قوم غرباء، ولا ندري ما جنى أهل هذه المدينة عليك) فقال لهم: (اجتمعوا وأنا أعرفكم) ودخل معهم غيرهم ممن طمع في الخلاص معهم. فلما وصلوا إليه، أمر بهم فضربت رقابهم أجمعين. وأخذ الجميع ما كان بتلك المدينة من طعام وملح، وعاد به إلى قلعته.
وأما نصير الدولة، فيوم هزيمة حماد، أخرج بكار بن جولالة الوتلكاتي، وكان قد أخذه أسيرا، وكان بكار كثير ما ينطلق به لسانه. وكان يوسف بن أبي حبوس معتقلا أيضا عند نصير الدولة، فأخرج بكار بمحضر يوسف، وحلقت لحيته، ويوسف ينظر إليه، ثم أمر: فحلقت لحية يوسف، فصارا مثلة في العالم. وقال الرقيق: لما عاينا يوسف، وقد حلقت لحيته، تحدثنا سرا بيننا، وقلنا: (وقد كنا نرجو ليوسف الحياة، لأن الملوك تعفو بعد العقوبة! وأما المثلة، فما نرى أن بعدها إبقاء) فلحنا نصير الدولة وقال: (ما خضتما فيه؟) فصدقناه سرا، فقال: (ما ابتعتما) وبعد ثلاث، أمر بإحضاره، فعدد عليه تساوي أفعاله وقبائح أعماله، ثم أمر به، فجذع أنفه، وقطعت أذنه، ورفع من بين يديه. ثم أعيد إليه، فقطعت يداه جميعا. ثم أمر به إلى موضع اعتقاله، فبات مشحطا في دمائه. فحكى بعض الحرس انه سمعه يرغب أخاه أن يذبحه ويرحه خيفة أن يخرج من الغد ويزاد في عذابه أمام أعدائه، فقال له أخوه: (أصبر على قضا الله وقدره) فقال لبعض الحرس (خذ بيدي وأخرج لقضاء الحاجة) فأخذ بيده ووقف، فضربه ضربة عظيمة بجبهته في عمود، فذرت منها عيناه، وجرى دماغه، وخر إلى الأرض ميتا
(1/265)
________________________________________
ورحل نصير الدولة من وادي شلف. قال الرقيق: ومن عجيب ما سمعناه عن مناخ وادي شلف أن شيخا كبيرا من البربر حدثنا أنه يعرف بزادي المحن، وأخذ يذكر لنا من هزم فيه ومن قتل فيه من ملوك زناتة. وكنا على ظهر الطريق، فبم نكتب ذلك، إلى أن قال: آخر من مات فيه زيري بن عطية، وآخر من هزم فيه حماد، وبه قتل يوسف بن أبي حبوس، وحمل منه معادلا لأخيه باديتان، ثم أمر به فدفن هناك.
وفي هذه السنة، مات ورد بن سعيد في شوال، فاختلفت كلمة الزناتيين ومالت فرقة مع خليفة بن ورو وفرقة مع خزرون، ابن عمه، وأرفع الله فيهم الشتات ذكر وفاة نصير الدولة باديس بن المنصور أنه لما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي القعدة، أمر بالتمييز فبرز كل قائد في عسكره. وجلس نصير الدولة في القبة وأمر أيوب بن يطوفت بالطواف على العسكر وحسابه، وانتظره حتى فرغ من حابها وعدها، فجاءه فعرفه بما سره وأبهجه، وانصرف إلى قصره. ثم ركب عشية هذا اليوم، وهو قد تناهى إقبالا، واستولى حسنا وجمالا. فلعبوا بين يديه. فكلما هز رمحا كسره وأخذ غيره. ثم عاد إلى قصره أفسح ما كان أملا، واشتد سرورا وجذلا، فطعم وشرب مع خاصته وقرابته، فعاينوا من طربه ما لم يعهدوه منه. فلما مضي نحو النصف من ليلة الأربعاء انقضاء ذي القعدة، قضى نحبه رحمه الله! وبعث في الوقت إلى حبيب بن أبي سعيد، وباديس بن حمامة، وأيوب بن يطوفت. فأعلموا بوفاته خاصة من بين جميع صنهاجة وغيرهم، فانصرفوا على أن يكتموا أمره حتى يجتمع رأيهم، وأصبح وجوه العساكر للسلام على عادتهم وليس عندهم خبر وقد عزموا أن يعرفوا أنه أخذ دواء، وتقدموا إلى
(1/266)
________________________________________
سائر قواد العساكر أن يحضروا بعدتهم، فقد بلغهم أن حمادا يضرب في المحلة فما شعروا أن خرج الخبر من مدينة المحمدية بوفاة السلطان، وأنهم أغلقوا أبوابهم، وصعدوا على أسوارهم. فظهر ما لم يستطيعوا إخفاءه، فكأنما نودي في الناس بإشاعته، فاضطربت العساكر، وماج بعض في بعض، وخشوا من اختلاف الكلمة، فاجتمع رأيهم على تقديم كرامة، فأخذ عليهم العهود، وأمر بالكتب إلى بعض البلاد. فلما رأى ذلك عبيد نصير الدولة، ومن انضاف إليهم من سائر الحشم، أنكروا ذلك، وقالوا: إنما قدمناه ليحوط الرجال ويحفظ الأموال، حتى يدفع ذلك إلى مستحقه المعز ابن مولانا نصير الدولة! ومشى بعضهم إلى بعض ليلا، وتحالفوا على بيعة المعز فلما تم لهم ما عقدوه أعلنوا به يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة. وتحالفت العساكر على ذلك طائفة بعد طائفة، واتفقت آراؤهم على خروج كرامة إلى أشير ليحشد قبائل صنهاجة وتلكانة، ويعود بهم إلى المحمدية. ثم رحلت العساكر بتابوت نصير الدولة.

ولاية المعز بن باديس أفريقية
كانت ولايته بالمهدية في يوم السبت المذكور من سنة 406، وسنة ثماني سنين وأربعة أشهر، وولايته بالمهدية بها لتسع بقين من ذي الحجة. ذلك لما وصل الخبر بوفاة أبيه، والسيدة أم ملال بالمهدية، خرج إليها المنصور بن رشيق، وقاضي القيروان والمنصورية، وشيوخها، ومن كان بها من الصنهاجيين. فعزوها في أخيها. وخرج المعز بالبنود والطبول، فنزل إليه الناس يهنئونه جميعا، وبايعوه وهنئوه وعزوه وابتهلوا بالدعاء له. وعاد إلى قصره. ودخل الناس يهنئون السيدة بولايته، فصرف أهل القيروان والمنصورية. وبقي المعز بالمهدية يركب في كل يوم، ويعود إلى قبة السلام، ويتطعم الناس بين يديه، وينصرف إلى قصره.
(1/267)
________________________________________
وفي يوم السبت بموافقة عيد الأضحى رحلت العساكر من المحمدية بعد أن أضرموا النار في الأبنية والبيوت والزروب، وتقدموا أمام البيود والطبول. فأشرف حماد على العساكر، وهي تمر كالسيل بين يدي التابوت، فقال لأخيه وخاصته: مثل هؤلاء يخدم الملوك! وصلت أنا إلى أفريقية في ثلاثين ألف فارس، ما منهم إلا من أحسنت إليه، وأنعمت عليه. فعدت إلى القلعة وما بقي معي منهم إلا أقل من ستمائة، وأنا بين أظهرهم أرجى! وهذا ميت أطاعه هؤلاء كما كان حيا! وكان وصول العساكر إلى المهدية لثمان بقين من ذي الحجة، وبرزت العساكر على باب المهدية. وركب المعز، فوقف ونزل الناس إليه فوجاً فوجا حتى كمل سلامهم.
وفي سنة 407، رحل المعز بن باديس من المهدية فكان دخوله المنصورية يوم الجمعة للنصف من محرم فدخل أجمل دخول، وبين يديه البنود والطبول. واحتل بقصره أفضل حلول، وقد سر به الخاص والعام.
وكان بمدينة القيروان قوم بحومة تعرف بدرب المعلى، يتسترون بمذهب الشيعة، من شرار الأمة، فانصرف العامة إليهم من نورهم، فقتلوا منهم خلقا رجالا ونساء، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة، ونهبت دورهم وأموالهم وتفاقم الأمر، وانتهى إلى البلدان، فقتل منهم خلق كثير. وقتل من لم يعرف مذهبه بالشهية لهم. ولجأ من بقى بالمهدية منه إلى المسجد الجامع، فقتلوا به عن آخرهم رجالا ونساء. واجتمعت العامة على أبي البهار بن خلوف لشدته عليهم وقهره لسفهائهم، فلجأ إلى المنصورية، فانتهبوا داره. وبلغ ذلك عساكر ابن أخيه، فركب لينصر عمه أبا البهار، فقتلته العامة ومثلوا به، وقتلوا كل من كان معه، وزحفوا إلى المنصورية فهدموها. واجتمع بدار محمد بن عبد الرحمن نحو ألف وخمسمائة رجل من الشيعة، فإذا خرج أحد منهم لشراء قوته قتل حتى قتل أكثرهم. ثم أخرجوا إلى قصر السلطان بعيالهم وأطفالهم. فسر المسلمون بما رأوه فيهم، وذلك لما ظهرت الكتب التي وجدت في ديار المسالمة، كان
(1/268)
________________________________________
فيها من الكفر والتعطيل للشريعة وإباحة المحارم شيء كثير، فتحصنوا في هذا لقصر أواخر جمادى الأولى وجمادى الثانية. وفي أواخر هذه السنة وصل المعز ابن باديس سجل من الحاكم، خاطبه فيه بشرف الدولة، وركب المعز بالينود والطبول وفي سنة 408، كانت حروب عظيمة بين عساكر شرف الدولة والمعز بن باديس وبين عساكر حماد، وذلك شيء يطول ذكره.
وفي سنة 409، خرجت طائفة من الشيعة نحو مائتي فارس بعيالهم وأطفالهم يريدون المهدية للركوب منها إلى صقلية، وبعث معهم خيل تشيعهم فلما وصلوا إلى قرية كامل، وباتوا بها، تنافر أهل المنازل عليهم، فقتلوهم وفحوا بعض شواب النساء ومن كان منه جمال، ثم قتلوهن. وفيها كان بأفريقية غلاء كثير وحروب كثيرة.
وفي سنة 410، وصل زاويبن زيري الصنهاجي من الأندلس إلى أفريقية في أهله وولده وحشمه بعد أن اغترب بها اثنين وعشرين سنة، وقاسى حروبها وفتنها واحتوى على نعم ملوكها وذخائرهم. فخرج إليه في يوم وصوله شرف الدولة المعز بن باديس بزي عظيم، فترجل له الشيخ زاوي، ونزل شرف الدولة وسلم عليه، وسار معه حتى أنزله بالمنصورية.
وفي سنة 411، ورد على المعز بن باديس أبو القاسم بن اليزيد، رسولا من الحاكم إليه، بسيف مكلل بنفيس الجوهر، وخلعه من لباسه لم ير الناس مثلها، فلقيه المعز في أجمل زي وأكمل هيئة. فقرئ عليه سجل فيه من التشريف ما لم يصل لأحد قبله، فسر بذلك. وفيها ورد أيضا محمد ابن عبد العزيز بن أبي كدية بسجل آخر من الحاكم، جوابا للمعز عما كان فيه من أخبار الأندلس، وانقراض الدولة الأموية منها، وقيام القاسم بن محمد فيها فشكره على ذلك، وبعث إليه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب. وركب
(1/269)
________________________________________
المعز بن باديس الأعلام المذكورة بين يديه يوم الأحد لليلتين بقيتا من ربيع الآخر وجاءت سحابة شديدة الرعد، فأمطرت حجرا لم ير أهل أفريقية مثله كبرا وكثرة، ووقعت معه صاعقتان. وفيها وصل الخبر بوفاة الحاكم أمير مصر وولي الظاهر بعده.
وفي سنة 412، توفي باديس بن سيف العزيز بالله، وصلى عليه شرف الدولة، وكان له مشهد عظيم. وفيها توفيت السيدة زوجة نصير الدولة، وكفنت فيما لم يذكر أن ملكا من الملوك كفن في مثله، فحكى من حضره من التجار أن قيمته مائة ألف دينار، وجعلت في تابوت من عود هندي قد رصع بالجوهر. وكانت لها جنازة لم ير مثلها، ودفنت بالمهدية. وكانت مسامير التابوت بألفي دينار.
وفي سنة 413، تعرض المعز شرف الدواة. فكان له عرس ما تهيأ قط لأحد من ملوك الإسلام. وقد شرح الرقيق في كتابه. وتركناه اختصارا.
وفي سنة 414، وردت الأخبار وتتابعت بأفريقية بأن خليفة بن ورو ومن معه رموا في البحر مراكب كثيرة، وأنهم رحلوا من طرابلس في طلب الفتوح بن القائد، وقد كان كاتب شرف الدولة المعز بن باديس في الانحياش إليه والدخول في طاعته، فأعطاه مدينة نفطة من عمل قصطيلية. فخرج شرف الدولة، فاجتاز بسوسة، ثم إلى المهدية، وذلك يوم الخميس لأربع خلون من المحرم. وأمر بالنداء في حشد البحرين وكتب أن يلحق به كل من يتخلف عنه من عساكره ليكون رحيله من المهدية إلى سفاقس، ثم إلى قابس، قاصدا إلى طرابلس. وأمر بالاحتفاز في إصلاح القطائع وعمارة دار الصناعة، وأخذ في إنشاء العدد الحربية، فأنشئ منها في المدة القريبة ما لم يتم مثله في الزمن البعيد. ثم رأى الوصول إلى المنصورية ليأخذ الناس عددهم وما يحتاجون إليه فكان وصوله يوم الاثنين لست بقين من المحرم من العام.
(1/270)
________________________________________
ووردت من الأخبار من المشرق، بأن أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله أمر بإحضار سيف الدولة ذي المجدين حسين بن على بن دواس الكتامي. فلما دخل القصر، ولم يكن يدخل قبل ذلك حذرا على نفسه، أخرج من ساعته مقتولا، فأقام ثلاثة أيام، ومناد ينادي عليه: هذا جزاء من غدر مواليه! ثم دفع إلى عبيده، فدفنوه.
ثم جاء الخبر في الوقت بوفاة السيدة الشريفة بنت العزيز بالله. وصلى عليها الظاهر لإعزار دين الله بمصر. وكانت قد ضبطت الملكة وقومت الأمور بحسن رأي وتدبير. وكان الوزير عمار فوض إليه الأمر في النظر في الدواوين والأموال والكتابة وغير ذلك من خدمة الخلافة، فأمرت بقتله فقتل. وباشرت تدبير المملكة، فلا ينفذ أمر جل أو قل إلا بتوقيع يخرج عنها بخط أبي البيان الصقلي عبدها.
وفي هذه السنة، وصل محمد بن عبد العزيز من قبل الظاهر أمير مصر بتشريف عظيم لشرف الدولة. فقرئت به سجلات ما وصل قبلها مثلها أجل حالا ولا مقالا. وزاده لقبا إلى لقيه، فسماه شرف الدولة وعضدها، وبشره بمولودين ولدا له: أبو الطاهر، وعبد الله أبو محمد، وبعث إليه مع ذلك ثلاثة أفراس من خيل ركوبه بسروج جليلة وخلعة نفيسة من نفيس ثيابه، ومنجوقين منسوجين بالذهب على قصب فضة، ما دخل أفريقية مثلها قط، وعشرين بندا مذهبة ومفضضة. فلقيها شرف الدولة وعضدها أجمل لفاء وأعطاها حقها من الإكرام والاعتناء وقرئت السجلات بين يديه ثم قرئت بجامع القيروان، وأمر بنسخها، وأنفذت إلى الآفاق، فكان لها من السرور ما لم يوصف. وبعد ذلك، في هذه السنة، وصله سجل آخر بزيادة لقب آخر
(1/271)
________________________________________
تشريفا لشرف الدولة، وأمر أن يكاتب: من الأمير شرف الدولة وعضدها! ويخاطب بمثل ذلك فلقيه أحسن لقاء، وخلع عليه وحله. وجرت المكاتبة من ذلك الوقت بهذا التشريف الجليل.
وفي هذه السنة، اعتلت السيدة أم ملال بنت عدة العزيز بالله أياما وأمير شرف الدولة يصل إليها في كل يوم عائدا ومتفقدا، فجلس عندها ويأذن لرجاله وعبيده يدخلون إليها، ثم ينصرفون. فلما كان ليلة الخميس منسلخ رجب، قبضها الله. وصلى على جنازتها بالبنود والطبول والعماريات والسيدتان الجليلتان الوالدة والأخت بحال من التشريف لهذه الجنازة، لم ير لملك ولا لسوقة مثلها.
وفوض الأمير شرف الدولة جباية الأموال، وولاية العمال، والنظر في العساكر وسائر الأشغال لأبي البهار بن خلوف يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى، فحسنت الأمور وضبطت الأطراف والثغور. واستقام التدبير ورأى الأمير شرف الدولة من حزمه وعزمه وشهامته، ما لا لم يقم به غيره ولا وجد عند سواه بوجه.
وفي سنة 415، في صفر منه، ولد للأمير شرف الدولة ولد سماه كبابا وفي شهر رجب، تزوجت السيدة أم العلو، بنت نصير الدولة، أخت شرف الدولة. فلما كان يوم الأربعاء غرة شعبان المكرم، زين الإيوان المعظم للسيدة الجليلة أم العلو ن ودخل الناس خاصة وعامة، فنظروا من صنوف الجوهر والأسلاك والأمتعة النفيسة وأواني الذهب والفضة ما لم يعمل مثله، ولا سمع لأحد من الملوك قبله. قال أبو أساق الرقيق، فبهر عيون الخلق حال ما عاينوه، وأبهتهم عظيم ما شاهدوه، وحمل جميع ذلك إلى الموضع الذي ضربت
(1/272)
________________________________________
فيه الأبنية والأخبية، وحمل المهر في عشرة أحمال على البغل على كل حمل جارية حسناء، وجملته مائة ألف دينار عينا. وذكر بعض حذاق التجار أنه قوم ما هو لها، فكان زائد على ألف ألف دينار وهذا ما لم ير قط لامرأة قبلها بأفريقية. وزفت العروس في يوم الخميس، ومضى بين يديها عبيد أخيها شرف الدولة وأبيها نصير الدولة وجدها عدة العزيز بالله، ووجوه رجال الدولة، فكان يوما سارت الركبتان بمحاسن آثاره، وامتلأت البلدان بعجائب أخباره.
وفي هذه السنة، وقف شرف الدولة لهدية صندل والي يسكرة، فعرضت عليه، وهي ثلاثمائة حصان، ومائة فرس أثنى وبغلات منها عشرون بسروج محلاة، مائة حمل من المال. فخلع عليه وجدد له الولاية على بسكرة. وفي سنة 416، توفي أيوب بن يطوفت. وحضر جنازته شرف الدولة وعضدها، وهو المعز بن باديس، بالينود والطبول.
وفي سنة 417، ولد للأمير شرف الدولة وعضدها مولود سماه نزارا وكتب إلى سائر عماله بذلك.

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 9 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ذكر قيام المعز شرف الدولة بالإمارة
وقطعه الدعوة العبيدية الشيعية من أفريقية
كان المعز بن باديس صغيرا إذ ولي، وهو ابن ثمانية أعوام، وقيل ابن سبعة أعوام، ربي في حجر وزيره أبي الحسن بن أبي الرجال، وكان ورعا زاهدا. وكانت أفريقية كلها والقيروان على مذهب الشيعة وعلى خلاف السنة والجماعة، من وقت نملك عبيد الله المهدي بن أبي الرجال المعز ابن باديس، وأدبه، ودله على مذهب مالك وعلى السنة والجماعة، والشيعة
(1/273)
________________________________________
لا يعلمون ذلك، ولا أهل القيروان. فخرج المعز في بعض الأعياد إلى المصلى في زينته وحشوده، وهو غلام فكبا به فرسه، فقال عند ذلك: أبو بكر وعمر! فسمعته الشيعة التي كانت في عسكره، فبادروا إليه ليقتلوه، فجاء عبيده ورجاله ومن كان يكتم السنة من أهل القيروان، ووضع السف في الشيعة، فقتل منهم ما ينيف على ثلاثة آلاف، فسمي ذلك الموضع بركة الدم إلى الآن. قال أبو الصلت: وصاح بهم في ذلك الوقت صائح الموت، فقتلوا في سائر بلاد أفريقية. فوافق ذلك ما قاله الشعراء فيهم على وجه التطهير لهم، كقول القاسم بن مروان (وافر) .
وسوف يقتلون في كل أرض ... كما قتلوا بأرض القيروان
وكقول الآخر (رمل) .
يا معز الدين عش في رفعة ... وسرور واغتباط وجذل
أنت أرضيت النبي المصطفى ... وعتيقا في الملاعين السفل
وجعلت القتل فيهم سنة ... بأقاصي الأرض في كل الدول
وكقول آخر (طويل) .
وكانت لهم بالشرق نار فأطفئت ... فما ملكوا بالكفر شرقا ولا غربا
وحكي في قتل الروافض حكايات كثيرة مما رآه المعز في منامه، وتأويل ذلك وغيره ألغيناه هنا عن ذكره. ولم يزل المعز يعمل فكره في قطع الدعوة لهم إلى أن كانت سنة 440.
وفي سنة 420، وجفت جموع زناتة تريد حضرة القيروان، طمعا منها في الملك. فلما بلغ ذلك المعز، خرج إليهم بجنوده، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت زناتة، وقتل منهم خلق كثير، وفر باقيهم إلى الغرب.
(1/274)
________________________________________
وفي سنة 421، وقعت في القيروان بين الأجناد والعامة فتنة، فقتل من العامة نحو المائتين.
وفي سنة 422، كثر الخصب والرخاء وأمان في أفريقية.
وفي سنة 423، وصلت من ملك السودان إلى المعز هدية جليلة، فيها رقيق كثير وزرافات، وأنواع من الحيوان غريبة.
وفي سنة 425 كانت بأفريقية مجاعة شديدة. وفيها خرج أبو عمران الفاسي إلى الحجاز. وفيها مات الظاهر بمصر، وولي ابنه المستنصر.
وفي سنة 426، وصلت إلى المعز بن باديس من ملك الروم هدية لم ير مثلها في كثرة ما اشتملت عليه من أمتعة الديباج الفاخر وغير ذلك. وفي سنة 427، زحفت زناتة في جيوش عظيمة وجموع كثيفة تريد المنصورية. فلقيتها جيوش المعز، فظهرت زناتة عليها، فانهزمت، ووصلت إلى ما بين المنصورية والقيروان. ثم تلاقوا في الغد من ذلك اليوم، فثبتت صنهاجة وثبتت زناتة.
وفي سنة 428، كسر المعز زناتة، وهزكهم وقتل منهم خلق ركثيرا.
وفي سنة 429، خرج عسكر المعز من القيروان إلى الزاب، فقتل من البربر خلقا كثيرا.
وفي سنة 430، كثر الخصب ببلاد أفريقية وفيها مات أبو عمران الفاسي بعد عوده من المشرق. وفي سنة 431، دخلت جيوش مالطة جزيرة جربة، ففتحها وقتلت كثيرا من أهلها.
وفي سنة 432 خرج العز إلى قلعة حماد زحاصرها مدة سنتين، وأخذ بمخنق حماد فيها.
وفي سنة 433 أظهر المعز الدولة العباسية. وورد عليه عهد القائم بأمر
(1/275)
________________________________________
الله، نكب محمد بن محمود بن السكاك، وكان المتولي لأشغال أم المعز، واستولى على دولته. وفي هذه السنة، وصل الأمير نزار بن المعز إلى الحضرة، قافلا من سفره الذي هزم فيه زناتة، فأنشده بن شرف قصيدته التي أولها (كامل) .
طاعت من الغرب شمس الدين ... بالسعد والإقبال والتمكين
وفي سنة 436، مات الجرجرائي بمصر وكان الحاكم بأمر الله العبيدي قطع يديه جميعا، لجنية جناها، فلم يجزع لما أصابه. فقيل أنه عصب يديه إثر قطعهما، وانصرف من وقته إلى ديوانه، وجلس لخدمته على عادته. فلما تعجب منه قال: إن أمير المؤمنين لم يعزلني، وإنما عاقبني بجنايتي،! فلما بلغ ذلك الحاكم، أقره على عمله.
وفي سنة 437، وردت رسل المعز إلى القيروان، بخبر أنه أوقع بلواتة وقتل منهم عددا، وغنم أموالا فضربت الطبول على ذلك. وفي ذلك يقول ابن شرف من قصيدة أولها (منسرح) :
باليمن والسعد عد وبالظفر ... موفق الورد غانم الصدر
وفيها بني سور المنصورية وفيها، ريح عاصف بأفريقية قصفت ما مرت به من الشجر لقوتها وشدتها.
وفي سنة 438 كانت وفاة نزار بن المعز بن باديس في رجب، وكان عمره إحدى وعشرين سنة وأشهرا. وفيها ولي المعز ولده الآخر أبا القاسم وكناه العزيز بالله وهو إذ ذاك ابن ثمانية أشهر، وتوفي بعد ذلك، وهو ابن سنة واحدة وثلاثة أشهر.
وفي سنة 439، نكب حبوس بن حميد الصنهاجي والي نفطة، وطولب بمال
(1/276)
________________________________________
كثير ونيل بالمكروه والهوان. وفيها، نكب أحمد بن حجاج قاضي قفصة، فبادر بعشرة آلاف دينار، وكان متصاوتا.
وفي سنة 440، قطعت الخطبة لصاحب بمصر، وأحرقت بنوده. قال ابن شرف: وأمر المعز بن باديس بأن يدعى على منابر أفريقية للعباس بن عبد المطلب ويقطع دعوة الشيعة العبيديين، فدعا الخطيب للخلفاء الأربعة وللعباس، ولبقية العشرة - رضي الله عنهم -! ذكر السبب في قطع الدعوة العبيدية مالخطبة بالقيروان وغيرها لما رحل بنز عبيد إلى مصر لم تزل ملوك صنهاجة يخطبون لهم بأفريقية ويذكرون أسمائهم على المنابر. وتمادى الأمر على ذلك حتى قطع أهل القيروان صلاة الجمعة فرارا من دعوتهم، وتبديعا لإقامتها بأسمائهم، فكان بعضهم، إذا بلغ المسجد قال سرا: اللهم أشهد! اللهم أشهد! ثم ينصرف فيصلي ظهرا أربعة، إلى أن تتناهى الحال حتى لم يحضر الجمعة من لأهل القيروان أحد فتعطلت الجمعة دهراً. وأقام ذلك مدة إلى أن رأى المعز بن باديس قطع دعوتهم، فكان بالقيروان لذلك سرور عظيم.
ذكر وقوع التصريح بلعنتهم في الخطب بجميع أفريقية وخلعهم قال بن شرف، وأمر المعز بلعنهم في الخطب وخلعهم. ولمنا كان عيد الأضحى أمر الخطيب أن يسب بني عبيد، فقال: اللهم! والعن الفسقة الكبار المارقين الفجار أعداء الدين وأنصار الشيطان، المخافين لأمرك والناقضين لعهدك، المتبعين غير سبيلك، المبدلين لكتابك! اللهم! والعنهم لعنا وبيلا، واخزهم خزيا عريضا طويلا! اللهم وإن سيدنا أبا تميم المعز
(1/277)
________________________________________
ابن باديس بن المنصور القائم لدينك، والناصر لسنة نبيك، والرافع للواء أوليائك، يقول مصدقا لكتابك، وتابعا لأمرك، مدافعا لمن غير الدين وسلك غير سبيل الراشدين المؤمنين: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون:! هكذا ذكر بإسقاط (قل) وآخرها. قال: وأمر أمير أبو تميم المعز بن باديس للخطيب أن يسبهم على منبر القيروان بأشنع من هذا السب. فلما كان في الجمعة الأخرى أبلغ في ذلك بما فيه شفاء لنفوس المؤمنين.
وفي سنة 441، تحرك الأمير أبو تميم إلى بلاد المغرب الأقصى، وترك ولده أبا الطاهر نميم بن المعز على حضرة القيروان بالمنصورية، وفيها بنيت المصلى بالمنصورية. وفيها، ضرب الدينار المسمى بالتجاري. وفيها، ركب المعز بن باديس المذكور في أحفل جمع وأحسن زي، وخرج إلى ظاهر مدينة القيروان، وأخرجت السباع بين يديه فأفلت منها سبع فانهزم الناي أمامه ووقع بعضهم فوق بعض، فمات نحو المائتين، ووثب السبع على رجل من كتاب باب الغنم يدعى بالكرامي، فقتله.

ذكر تبديل السكة عن أسماء بني عبيد
قال ابن شرف: وفي هذه السنة، أمر المعز ين باديس بتبديل السكة في شهر شعبان، فنقش على الأزواج في الوجه الواحد: ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وفي الوجه الثاني: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وضرب منها دنانير كثيرة. وأمر أيضا بسك ما كان عنده من الدنانير التي عليها أسماء بني عبيد، فسبكت وكانت أموالا عظيمة. ثم بث في الناس قطع سكتهم. وزوال أسمائهم مكن جميع الدنانير والدراهم بسائر عمله. وقد كان قطع أسمائهم من الرايات والبنود. وكان
(1/278)
________________________________________
مبتدأ ضرب السكك بأسماء بني عبيد الله ورسيمها في الرايات والطرز سنة 296، إلى أن قطعها المعز المذكور سنة 441 المذكورة، وذلك مائة سنة وخمسة وأربعين سنة.
وفي شوال من هذه السنة نادى مناد بأمر السلطان أبي تميم: إنه من تصرف بمال عليه أسماء بني عبيد نالته العقوبة الشديدة، فضاقت الحال بالفقراء والضعفاء وغلت الأسعار بالقيروان وكان الدبنا القديم بأربعة دنانير ودرهمين، وكان صرف الدينار الجديد خمسة وثلاثين درهما. وفي هذه السنة، نكب القائد عباد بن مروان الملقب بسيف الملك، وكان من الخاصة، ودفع إلى أعدائه، وأمر باستخراج أمواله، والقبض على جميع من استعمله في أعماله، وبعد ذلك، ألقي في سرداب مظلم حتى مات فيه، وفيها، وردت الأخبار بالقيروان بموت القائد حماد بقلعته، فقال ابن شرف من قصيدة (خفيف) .
لا جنود إلا جنود السعيد ... مغنيات عن عدة وعديد
وفي سنة 442، اصطلح أهل القيروان وأهل سوسة، وقد كانت جرت بينهم وحشة، فصنع القيروانيون للسوسيين دعوات غسلت فيها الأيدي بماء الورد ومسحت بمناديل الشرب. وفي هذه السنة، ولي الأمير أبو تميم ولده أبا الظاهر بن المعز عهده.

ذكر ولاية العهد لتميم بن المعز بن باديس
قال ابن شرف: وخطب الخطيب يوم الجمعة على جامع القيروان، فدعا للسلطان المعز بن باديس ولولده أبي الطاهر ولى عهده ثم قال: اللهم! أصلح عبدك ووليك أبا الطاهر تميم بن المعز الطاهر من كفر معد بن الظاهر! يعني صاحب مصر وفيها، كان خروج الفقيه الزاهد الواعظ أبي عبد الله بن عبد الصمد من القيروان في شهر رجب، ووكلوا به رجالا وتوجهوا معه إلى
(1/279)
________________________________________
مدينة قابس. وكانت الرفقة خارجة من القيروان إلى مصر، فأمر أن ينتظرها بمدينة قابس إلى أن يصحبها. وكوتب عامل قابس بأن لا يترك من يدخل إليه ولا من سلم عليه ولا يخرج من موضع نزوله إلا في يوم سفره، فيخرج وهو غير آمن على نفسيه، ثم قتل في طريقه ذلك، وكان رجلا عظيما يعظ الناس، فيجمعون إليه، ويسمعون كلامه، وكان له لسان وحدة فحذره المعز واجتمع عليه بعض فقراء القيروان واستشيعوا ألفاظا ذكرها، فرفعوا رقاعهم إلى المعز بذلك، فكان سبب نفيه وحتفه. وكان أبوه يعض بجامع مصر في ذلك الوقت، إلى نعى له ابنه هذا، فحج في تلك السنة، فقيل أنه كان يطوف بالكعبة ويصيح ويقول: (يا رب! العز عليك به! يا رب عليك بابن باديس!) فكانت الهزيمة على المعز في اليوم الثاني من دعائه، وكان ذلك سبب لخراب ملكه ودمار القيروان حضرته. فلم يشك أحد في إجابة دعوته.
وفي سنة 443، كان لباس السواد بالقيروان، والدعاء لبني العباس. قال ابن شرف: وفي جمادى الثانية، أمر المعز بن باديس بإحضار جماعة من الصباغين، وأخرج لهم ثيابا بيضاء من فندق الكتان، وأمرهم أن يصبغوها سودا، فصبغوها بأحلك السواد، وجمع الخياطين، فقطعوها أثوابا، ثم جمع الفقهاء والقضاة إلى قصره، وخطيب القيروان وجميع المؤذنين، وكساهم ذلك السواد ونزلوا بأجمعهم. وركب السلطان بعدهم حتى وصل إلى جامع القيروان، ثم صعد الخطيب المنبر وخطب خطبة أتى فيها على جميع الأمر بأجزل لفظ وأحسن معنى، ثم دعا لأبي جعفر عبد الله القائم بأمر الله العباسي، ودعا للسلطان المعز بن باديس ولولده أبا الطاهر تميم ولي عهده من بعده، ثم أخزى بني عبيد الشيعة ولعنهم.
(1/280)
________________________________________
ذكر ما قيل من أخبار بني زيري
قال أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي في تأليفه في (تعزية أهل القيروان بما جرى على البلدان من هيجان الفتن وتقلب الأزمان) قال: فيه باب أذكر فيه من وضع هذه الدعوة التي شرع فيها عبيد الله وذريته والسبب الذي دعاهم لذلك، وباب أذكر فيه تسييرهم الركبان، بدعوتهم ودعاتهم إلى البلدان، وباب أذكر فيه عبيد الله ونسبه وانتمائه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كاذبا، وسبب ملكه المغرب كله قتال: وأول من نصب هذه الدعوة، جد عبيد الله وهو عبد الله بن ميمون القداح الأهوازي - لعنه الله - وكان أبوه ميمون تنتسب إليه فرقة من أصحاب أبي الخطاب، تعرف بالميمونية. وذكر من جملة كلامه قال: وكان عبد الله ادعى لنفسه النبوة، فقصد لسفك دمه، فاختفى، ثم هرب من وطنه، وفر على وجهه متنقلا في البلاد، مستترا، يستر اسمه ومذهبه لئلا يقتل إن عرف، إلى أن وافته منيته بأقبح علة في الشام وأراح الله منه. وأخذ جماعة كمن أصحابه، فقتلوا عن آخرهم ثم ذكر داعيتهم، وما كان منهم مع غواتهم، قال: فمنهم رجلان، أحدهما يعرف بالنجار الكوفي فخرجا من الشام، وتغلبا على اليمن فأنزل الله عليه الأكلة، فتقطع قطعا حتى مات وخلف ابنا له، فكان يكتب إلى أصحابه: (من ابن رب العالمين) - تعالى الله عن قوله - فسار إليه ابن نصير فأظفره الله به، فقتله ودخل مدينته فانتهبها وسباها. وأما الكوفي فرماه الله تعالى بداء في جوفه فكانت تخرج من دبره حتى مات وأما بالسام، فذكر جماعة أبادهم الله تعالى، وكذلك بالبحرين أيضا. ثم قال: وإنما دعاهم لهذا الكفر عبد الله ابن ميمون القداح لأنه صحب قرمطا ودعاه إلى مذهبه، فطاوعه على ذلك وقد اشتهر استخفافهم بالدين، وكثرت به الأخبار وأحاديث وكان ممن
(1/281)
________________________________________
أظهر مذهبهم، وأعلن به: أبو عبيد الجنابي، وقت تغلبه على البحرين، فإنه وضع عنهم جميع الفرائض، وأعلن بالزناء واللواط والكذب وشرب الخمر وترك الصلاة وكذلك صنع الأصبهاني وحرم على الغلمان الامتناع ممن أراد أن بفعل بهم وجعل حد من امتنع منهم الذبح - لعنه الله - وكانت له ليلة تسمى الأمامية يجمع فيها نساءه ونسائهم فمن ولد من تلك الليلة يسمى ولد الأخوان.
قال: وقد ادعى الحاكم من بني عبيد الله الربوبية، وجعل رجلا سماه بالهادي يدعوا الناس إلى ذلك، وادعى معد منهم النبوة وجعل من نادى فوق صومعة جامع القيروان: (أشهد أن معد رسول الله!) فارتج البلد لذلك وداخل أهله الرعب، فأرسل من سكن الناس، وكل من كانوا يرسلونه إلى بلد فإنما يأمرونه بإظهار الإسلام والخير حتى ينمكن مما يريد.
وأما نسب عبيد الله الذي تسمى بالمهدي، فإن اسمه سعيد وإنما تسمى بعبيد الله ليخفي أمره، لأنه كان عبيه الطلب من الحسين بن أحمد بن محمد وكان لمحمد هذا ولد يلقب بأبي السلعلع بن عبد الله بن ميمون القداح فبعث بداعيين أخوين إلى المغرب، فنزلا في قبيلة تعرف بكتامة، فدعوا أهلها، فاستجابوا لهما: أحدهما حسين يكنى بأبي عبد الله الشيعي وسموه المعلم، والآخر سموه المحتسب وهو أبو العباس المخطوم المتقدم ذكرهما. فأظهرا من أنفسهما الزهد والورع حتى افتتحا بالكذب والخربة في بلاد أفريقية. وسار أبو عبد الله إلى سلجماسة، فأخرج عبيدا الله من حبسها فلما اجتمع به سلم الأمر إليه وانسلخ الأمر منه، فلم يلبث يسيرا وقتله بنو أخيه. ولما وصل عبيد الله - لعنه الله - إلى رقادة أرسل إلى القيروان من أتاه بأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المعروف بابن البرذون وبابن هذيل وكانا من
(1/282)
________________________________________
العلماء الخاشعين لله، فلنا وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا، وعن يمينه أبو عبد اله الشيعي الذي ولاه الملك وسلم له فيه، وعن يساره أبو العباس أخوه، فقال لهما أبو عبد الله وأخزه: أشهد أن هذا رسول اله! فقالا جميعا بلفظ واحد: (والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس على يمينه والقمر على يساتره، وينطقان فيقولان إنه رسول الله، ما قلنا أنه هو) . فأمر عبيد الله - لعنه الله - عند ذلك بذبحهما وربطهما في أذناب الخيل، وأن يشق بهما سماط القيروان ففعل ذلك بهما - رحمة الله عليهما - وقال أبو عبد الله الشيعي يوما لأبي عثمان سعيد بن الحداد العالم: (القرآن يخبر أن محمدا ليس بخاتم النبيين في قوله: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) فخاتم النبيين غير رسول الله. فقال أبو عثمان: (هذه الواو ليست من واوات الابتداء وإنما هي من واوات العطف مثل قوله تعالى: " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " وقال له مرة أخرى: (أن الله أخبر أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يرتدون لقوله: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فقال أبو عثمان: (هذا إنما على الاستفهام، كقوله سبحانه: " أفإن مت فهم الخالدون "!) ولما تمكن عبيد الله الشيعي من الملك، قتل أبا عبد الله الداعي وأخاه وانتقم الله منهما على يدى من سعيا له وقتلا الخلق بسببه، حتى أخرجاه من حبس سلجماسة، وسلما له في الملك، ولم يقيما معه إلا سنة أو نحوها، ثم سلطه الله على كبار كتامة الذين سعوا في إقامة ملكه، فقتل جميعهم، ثم تمادت دولة أبنائه نحو ثلاثمائة سنة، ملكوا من مضيق سبتة إلى مكة - شرفها الله - لأن عماله كانوا يصلون إلى مضيق سبتة فيعاينوها، ومن هناك يرجعون. وهذا دليل على أن هوان الدنيا على الله وصغر قدرها عنده إذ
(1/283)
________________________________________
مكن فيها لهؤلاء الكفرة الفجار يسومون أولياء الله سوء العذاب والعماد والقيامة، والحاكم الله،!
وخرج في دولة عبيد الله شيخ للسفر، ومعه خيل فباتوا في مسجد بخيولهم فقيل لهم: (كيف تدخلون خيولكم المسجد؟) فقال لهم الشيخ وأصحابه: (إن أرواثها وأبوالها طاهرة لأنها خيل المهدي) فقال لهم القيم في المسجد: (إن الذي يخرج من المهدي نجس فكيف الذي يخرج من خيله؟) فقالوا له: (طعنت على المهدي) وأخذوه وذهبوا به إلى إليه، فأخرجه عشية جمعة فقتله. فلما قرب للموت، دعا عليه فأجاب دعاءه فامتحنه بعلة قبيحة يقال لها حب القرع وهي دود على صورة حب القرع في آخر مخرجه، تأكل أحشائه وما والاها فكان يؤتى بإذناب الكباش العظيمة فيدخلها في نفسه لتشتغل عنه الدود بها، فيجد لذلك بعض راحة لشغلها بالأذناب ثم يخرج الأذناب، وقد هتكتها الدود، يدخل أخرى في دبره، ثم لم تزل الدود تأكل حتى انقطعت مذاكره وهلك، ولما هلك أوتي بابن أخت الغساني المقرئ ليقرأ عند رأسه وكان من أطيب الناس قراءة وحل عبيد الله أبناءه يبكون عليه. فقال البغدادي للغساني: (أقرأ) قال: فطلبت ما أقرأ من القرآن فلم أتذكر منه إلا قوله تعالى::يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار " إلى آخر الآية قال: فطلبت غير هذه الآية أقرأه فلم أقدر فكنت أرددها حتى خشيت على نفسي أن يفيقوا من بكائهم فيتأملون قراءتي فيقتلوني، فتسللت وخرجت.
وذكر أن الحجر الأسود أرسله العين الجنابي إلى عبيد اله بالمهدية فلم يلبث إلا أياما وهلك كما ذكرنا. فلما دفن طرحنه الأرض، ثم دفن فطرحته الأرض ثلاثا. فقيل لابنه أبا القاسم (إن هذا لأجل الحجر
(1/284)
________________________________________
فأردده حيث كان!) فأمر بإخراجه ورده إلى موضعه، فعند ذلك استقر عبيد الله في قبره.
ثم ولي ولده أبو القاسم من بعده. فلم يزل في شغل وحزن وبعث الله عليه أبا يزيد مخلد بن كيداد فقهره وخرج عليه وقتل جنوده وقام المسلمون معه عليه كما تقدم ذكره. ولما كان يوم الجمعة طلع الإمام على المنبر، وهو أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن أبي الوليد فخطب خطبة بليغة، وحرض الناس على جهاد الشيعة ثم قال: (اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بعبيد ادعى الربوبية من دون الله جاحدا لنعمتك كافرا بربوييتك! فانصرنا اللهم عليه وأرحنا منه ومن دولته، واصله جهنم وساءت مصيرا، بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين وأحاديث للغابرين، واهلك الهم سيعته وشتت كلمته) ومات أبو القاسم بن عبيد الله محصورا وفي نفسه مقهورا.
ثم ولي بعده ابنه إسماعيل، فأظهر للعامة الجميل. فلما استفحل أمره وقوت شوكته، أراد أن ينتقم من المسلمين فيما تقدم لهم من حربه وحرب أبي القاسم والده، فحال الله - عز وجل - بينه ونبين ما أراد، وأجاب المؤمنين فيه فأهلكه الله بالعطش حتى مات.
ثم ولي ابنه معد فادعى النبوة، وصوت المؤذن بذلك فوق صومعة القيروان بأمره، فضج المسلمون لذلك. فلما بلغه ذلك، داخل الرعب وأرسل إلى الناس يهدنهم، إلى أن خرج إلى مصر، فدخلها بالمنكر والبغي، فابتلاه الله بعلة الاستسقاء، فكان الذي يقعد عند رأسه لا يرى رجليه، وسالت عيناه وسقطت أسنانه، واراه الله العبرة في نفسه. ثم مات.
وولي بعده نزار المكنى بأبي المنصور، فحدث في أيامه في سب الصحابة، ما حدث ثم تشوفت نفسه مع أحواله الدنية إلى أن يستحضر
(1/285)
________________________________________
العلماء من أهل القيروان. ثم حدث عليه بالشام ما أشغله، فخرج إليها فلما وصل السبر مات في مرحاض الحمام.
ثم ولي بعده الحاكم، فأظهر أكثر مذهبهم، فكان مما أحدث أنه بنى دارا وجعل لها أبوابا وأطباقا، وجعل فيها قيودا وأغلالا وسماها جهنم، فمن جنى جناية عنده قال (ادخلوه جهنم) وأمر أن يكتب في الشوارع والجوامع بسب الصحابة، أجمعين. ثم أرسل داعيا إلى مكة، فلما طلع المنبر وذكر ما ذكر، اقتحم عليه بنو هذيل فقطع قطعة قطعة وكسر المنبر وفتت حتى لم يجمع منه شيئا. ثم أرسل رجلا خراسانيا من بني عمه، فضرب الحجر الأسود بدبوس، فقتل في حينه وأخذه الناس قطعة قطعة وأحرق بالنار وأرسل - لعنه الله - إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ينبش القبر المعظم فسمع الناس صائحا يقول: القبر ينبش! ففتشه الناس فوجدوه وأصحابه فقتلوهم ثم أنه ادعى الربوبية من دون الله، وجعل داعيا يدعوا الناس إلى عبادته، وسماه المهدي. فكتب داعيه الكتاب، وكان اسمه حمزة، وذلك في سنة 410 وقرئ بحضرة الحاكم - لعنه الله - على أهل مملكته، ذكر فيه - تعالى الله عن إبطال المبطلين علوا كبيرا! - الحمد لمولاي الحاكم وحده باسمك اللهم الحاكم بالحق! ثم تمادى فقال: توكلت على إلهي أمير المؤمنين، جل ذكره وبه نستعين في جميع الأمور! ثم طوّل بالكتاب بالتخليط مرة يجعله أمير المؤمنين ومرة يجعله إله، وقال فيه: (وأمرني بإسقاط ما يلزمكم اعتقاده من الأديان الماضية والشرائع الدارسة) وذكر أشياء يطول ذكرها. وكانت له راية حمراء تحت قصره فاجتمع إليه خلق نحو خمسة عشر ألف رجل فيما قيل، ثم إن رجلا من الترك كاتبه حمزة فأظهر الحاكم أنه أمر يقتله. وكان الحاكم كثير التصرف بالليل إلى جبل المقطم على حمار، فخرج ليلا فقتل هو وحماره.
(1/286)
________________________________________
ثم ولي بعده علي الملقب بالظاهر، فكان مشتغلا بالشرب منهمكا فيه يلابس ثياب النساء، حتى يظنه الناس إذا مشى معهن امرأة ثم أصابه الاستسقاء حتى صار كالعدل فمات.
ثم ولي بعد معد الملقب بالمستنصر، فمرة يظهر السب ومرة يكف ويسكن الناس، فإذا مشى في جنوده كان بين يديه الشبابة ومن ينشد الشعر. وذكر أنه أرسل من كتب السب في أستار الكعبة في ليلة ظلماء، فأصبح الناس فوجدوه، فضج المسلمون لذلك، وأكثروا البكاء لسب الصحابة، قال ابن سعدون: وعلى هذا بنو أصل مذهبهم، أنهم يظهرون الدين والخير حتى يتمكنوا قال المؤلف: انتهى ما لخصته من كتاب ابن سعدون.
وذكر ابن القطان عنهم أنهم قوم الرافضة، يدعون النسب إلى علي - رضي الله عنه - وأكثر اعتقاداتهم كفرا، ولما مات المستنصر بن الظاهر ولى بعده ولده الملقب بالمستعلي، وكان أشبه من غيره سياسة لا دينا. فلما توفي هو ووزيره الأفضل، استبد ولده وتسمى بالآمر بحكم الله، وكان جبارا عنيدا ظالما جائرا وكثر في زمانه دعوى الباطل، ونصر الظالم على المظلوم، وأعانته على ظلمه. واستخلص لنفسه فتيين من الفتيان الوضاء الوجوه، اتخذهما للفاحشة، كان رزق كل واحد منهما ألف دينار في كل يوم، وكان يعمل النزاهة، ويبيح للناس فيها المحضورات، فلا يشاء مؤمن أن يعاين منكرا مباحا إلا عاينه.
ثم ولي بعد عبد المجيد، الملقب بالحافظ لدين الله، ابن المستنصر، بويع في اليوم الذي قتل فيه الآمر، وخطب له على المنابر، وزر له أبو علي أحمد ابن الأفضل أمير الجيوش. أبو علي على الأمر وجملة الحال من سنة 526 إلى سنة 532: كانت لهم فيها محاولات شنيعة وأمور فظيعة منها قتل الأمير، وانتنزاء قاتله حرز الملوك، وقتله، واستيلاء ابن الأفضل وقتله،
(1/287)
________________________________________
وظهور عبد المجيد، وما كان من الأسقف من النفر، والأمر بعبادة عبد المجيد وقتله ثم استيلاء حسين بن عبد المجيد، والقيام عليه إلى أن قتل نفسه بسم، ورجوع عبد المجيد إلى الولاية.
رجع الخبر، وفي سنة 443 وردت الأخبار أن محمد بن جعفر الكومي ولي القضاء بمصر ولقب قاضي القضاة وداعي الدعاة. قال ابن شرف: فنعوذ بالله من سوء العاقبة! لأن قاضي القوم منهم وعلى مذهبهم يعني الشيعة وفيها وصلت إلى القيروان مكاتبة من الأمير جبارة بن مختار العربي من برقة بالسمع والطاعة للمغز بن باديس، وأخبره أنه وأهل برقة قد أحرقوا المنابر التي كان يدعى عليها للعبيدية، وأحرقوا راياتهم وتبرؤوا منهم ولعنوهم على منابرهم ودعوا للقائم بأمر الله العباسي.
وفي هذه السنة كان أول الفتنة بأفريقية.

ذكر طرف الفتنة العظيمة ودمار القيروان
قال ابن شرف: لما آل الأمر إلى التصريح بلعنة بني عبيد على المنابر وأمر المعز بن باديس بقتل أشياعهم، أباح بنو عبيد للعرب مجاز النيل وكان قبل ذلك ممنوعا، لا يجوزه أحد من العرب. ثم أمر لكل جائز منم بدينار، فجاز منهم خلق عظيم، من غير أن يأمرهم بشيء لعلمهم أنهم لا يحتاجون لوصية. فجازوا أفواجا، ولقاموا بناحية برقة. ومضت الأيام على ذلك مدة. ثم قدموا منهم مونس بن يحيى الرياحي على المعز. وكان المعز كارها لإخوانه صنهاجة، محبا للاستبدال بهم حاقدا عليهم ولم يكن يظهر ذلك لهم. فلطف عنده محل مونس هذا، وكان سيدا في قومه، شجاعا، عاقلا، فشاوره المعز في اتخاذ بني عمه رياح جندا فأشار عليه بأن لا يفعل ذلك وعرفه بقلة اجتماع القوم على الكلمة وعدم انقيادهم إلى الطاعة، فألح عليه في ذلك، إلى
(1/288)
________________________________________
أن قال له المعز: إنما تريد انفرادك، حسدا منك لقومك! فعزم مونس على الخروج إليهم، بعدما قدم العذر وأشهد بعض رجال السلطان. ثم رحل متوجها نحوهم، فنادى في القوم وحشدهم ووعدهم وغبطهم ووصف لهم كرامة السلطان والإحسان لهم، ثم قدم في ركب منهم، لم يعهدوا نعمة. ولا طالعوا حاضرة، فلما انتهوا إلى قرية، تنادوا (هذه القيروان) ونهبوها من حينها.
فلما ورد الخبر على القيروان، عظم الأمر على المعز بن باديس وقال: إنما فعل مونس هذا ليصحح قوله، فأمر بثقاف أولاده وعياله، وختم على داره حتى يعلم ما يكون من أمره. فلما بلغ مونسا ما فعل بأهله وولده اشتدت نكايته، وعظم بلاءه وقال: قدمت النصيحة، فحاق الأمر بي، ونسبت الخطيئة إليّ! فكان أشد إضرارا من القوم. وكان قد علم عورات القيروان. ثم أخرج السلطان إليهم بعض الفقهاء، ومهم مكاتبات وشروط ووصايا، وأعلموهم أن السلطان قد دفع عيالاتهم لهم، ولخذوا عليهم العهود والمواثيق بالرجوع إلى الطاعة، وأرسلوا شيوخا منهم بذلك، ثم بعد ذلك نكثوا على السلطان، واستولوا على الفساد في كل جهة ومكان.

ذكر هزيمة العرب للمعز بن باديس
لما كان ثاني عيد الأضحى من هذه السنة كانت الداهية العظمى والمصيبة الكبرى وذلك أن السلطان عبد بوم الاثنين ومشى صباح هذا اليوم إلى ناحية قرية تعرف بني هلال، فلما كان نصف النهار، أتته الأخبار أن القوم قد قربوا منه بأجمعهم. فأمر بالنزول في أوعار وأودية، فلم يستتم النزول حتى حمل العرب عليهم حماة رجل واحد. فانهزم العسكر، وصبر العز صبرا عظيما، إلى أن وصلت رماح العرب إليه، ومات بين يديه خلق
(1/289)
________________________________________
عظيم فدوه بأنفسهم، وأما بنو مناد وجميع صنهاجة وغيرهم من القبائل، فإنهم فروا، وانتهبت العرب معسكر العز السلطان فحازوه، وفيه من الذهب والفضة والأمتعة والأسباب والأثاث والخف والكراع ما ل يعلم عدده إلا اله. وكان فيه من الأخبية وغيرها ما يتجاوز عشرة آلاف ومن الجمال نحو خمسة عشر ألفا، ومن البغال ما لا يحصيه قول. فما خلص لأحد من الجند عقال فما فوقه، وسلك أكثر الناس الجبل المعروف بحيدران فافترقوا فيه. ثم رجع بعضهم على بعض وليس عند أهل القيروان خبر بذلك إلا أنهم كانوا تحت نوقع وتشوف. فلما كان ثالث العيد، قدم فارسان مع ابن البواب، وهم قد غلبت عليهم الكآبة وكسوف البال، وحالهم تغنى عن السؤال وكثر أيضا سؤال الناس عن السلكان، فذكروا أنه في حيز السلامة، فلم تك إلا ساعة حتى دخل قصره هو وولده. ثم تساقط الناس بعده آحادا وجموعا وتخلف عن الوصول خلق عظيم فمنهم من علم خبره ومنم من لم يعلم. ثم ذكر أن العرب أخذوا خلقا كثيرا من الصنهاجيين وغيرهم.
قال ابن شرف: وكان العسكر المهزوم ثمانين ألف فارس، ومن الرجالة ما يليق بذلك وكان خيل العرب ثلاثة آلاف فارس، ومن الرجالة ما يليق بذلك. وفي ذلك يقول علي بن رزق من قصيدة له في ذلك أولها (طويل) :
لقد زارنا من أميم وهنا خيال ... وأيدي المطايا بالذميل عجال
وفيها:
ثلاثون ألفا منكم هزمتهم ... ثلاث آلاف أن ذا لنكال
ووصل العرب إلى نواحي القيروان، وجل كل من شبق إلى قرية يسمى نفسه لهم ويؤمنهم ويعطيهم قلنسوة أو رقعة يكتبها لهم علامة ليعلم غيره
(1/290)
________________________________________
أنه سبقه وبات الناس ليلتين بالقيروان تحت ما لا يعلمه إلا الله تعالى من الخوف لا يدرون ما ينزل بساحتهم. وأقام الناس يومين لا يدخل إليهم داخل ولا خارج، وخيل العرب تسرح حول القيروان في كل جهة ومكان، والناس يرونهم عيانا وبيانا، وخرج السلطان سابع عيد الأضحى بجنوده وخرج عامة القيروان معه، فلم يتعد بهم المصلى ورجع العرب في أمانهم الذي أعطوا أهل البوادي، وانتهبوا جميعا، وانتقل أهلها إلى القيروان. وأمر السلطان كافة الناس بانتهاب الزروعات المحيطة بالقيروان وصبرة، وهي المنصورية، فسر المسلمون بذلك، وحسبوها من أرزاقهم. وكان مصيرها إلى ما قدر الله من فساد واكل البهائم لها.
وفي السابع عشر لذي حجة ظهرت خيل العرب على ثلاثة أميال من القيروان. فنزل السلطان يمشي فيها ويوصي أهلها بالاحتفاظ والبناء وأخذ الناس في بناء دورهم. وأمر السلطان المعز أن ينتقل عامة أهل صبرة وسوقها إلى القيروان ويخلوا الحوانيت كلها بصبرة وأمر الجميع من بالقيروان من الصنهاجين وغيرهم من العسكر أن ينتقلوا الى صبرة وينزلوا في حوانيتها وأسواقها فأرتج البلد لذلك وعظم الخطب واشتد الكرب. ومد العبيد ورجال صنهاجة أيديهم إلى خشب الحوانيت وسقائفها واقتلعوها. وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة. وبات الناس على خوف عظيم ثم أصبحوا فعاينوا خيول العرب فأمر السلطان ألا يخرج العسكر على سور صبرة. أين ابن شرف: أخبرني من أثق به، قال: خرجت من القيروان وسرت ليلا، فكنت أكمن النهار، فلم أمر بقرية إلا وقد سحقت وأكلت، أهلها عراة أمام حيطانها من رجل وامرأة وطفل، يبكي جميعهم جوعا وبردا وانقطعت المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق، وأمسك العرب جميع من أسوره، فلم يطلقوا أحدا إلا بالفداء مثل أسرى الروم، وأما الضعفاء والمساكين فامسكوهم لخدمتهم
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 10 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

نبذ من وقعة باب تونس أحد أبواب القيروان
وذلك أن العرب دفعت إلى هذا الباب، فخرج إليهم العامة منهم بسلاح، ومنهم من بيده عصا لا يدفع بها أضعف الكلاب، فحملت عليهم فرسان العرب وتمكنت منهم سيوفهم ورماحهم، فتساقطوا على وجوههم وجنوبهم، وسطحوهم من حد أفران الآجر إلى هذا الباب ولم يبق منهم إلا من حصنه أجله، ولم يتركوا على حي ولا ميت خرقه تواريه. وخرج أهل القتلى عند انصراف العرب، فرفعوا قتلاهم، فقامت النوائح والنوادب بكل جهة ومكان من أزقة القيروان، تنصدع لمناظرهم وسماعها الجبال. وبقى خلق من الغرباء في المقتلة، وجرح من الناس خلق كثير، ورأى الناس ما أذهلهم من قبيح تلك الجراحات، فتفتتت الأكباد، وذابت القلوب والأجساد، لبنيات قد سودن وجوههن وحلقن ورؤوسهن على أبنائهن وإخوانهن. فكان هذا يوم مصائب وأنكاد ونوائب. ولم ير الناس مثله في سائر الأمصار، فيما مضى من الأعصار. وبات الناس في هم وغم. تم كلام ابن شرف مختصرا.

هزيمة صنهاجة أيضا بجبل حيدران
وهزيمة المعز بن باديس من وجه آخر
قال أبو الصلت: ثم برز المعز إلى لقاء العرب الواصلة من المشرق، وجرد عساكره، وقدم عليه أبو سلبون، وزكنون بن واعلان، وزيري الصنهاجي، وعاد هو إلى القيروان. فلما كان عيد النحر، انهزمت صنهاجة، وقتل منها كثير، فخرج هو بنفسه إليهم، وانتشبت الحرب بينه وبين العرب، فهزمته العرب، وثبت المعز طائفة من عبيده، ثم عاد إلى المنصورية. فأحصى من
(1/292)
________________________________________
قتل من صنهاجة في هذه الوقعة: فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة. ثم أقبلت العرب حتى نزلت على القيروان، ووقعت الحرب هنالك، فقتل بين رقادة والمنصورية خلق كثير.
وفي سنة 444، ذهب المعز بن باديس إلى رفع الحرب بينه وبين العرب، وأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. وبقى هو مستوطنا المنصورية من بقي من عسكره. فلما دخلوها، استطالت العامة عليهم، وأوسعتهم إهانة وشتما، فقتل العرب منهم خلقا كثيرا. وكان عدد العرب الواصلين من المشرق سبعة آلاف فارسا وخمسمائة. وقدر المعز أن العرب عائدون من حيث أتوا فخرج له الأمر بخلاف ظنه.
وفي هذه السنة، بنى المعز سور القيروان، وسور زويلة، وجعل السور مما يلي صبره كالفيل: حائطان متصلان إلى صبره، وبينهما نحو نصف ميل.
وأما القيروان، فهي في بسيط من الأرض، ممدودة في الجوف منها نحو تونس، وفي الشرق نحو سوسة والمهدية وفي القبلة نحو سفاقس، ويقرب منها البحر الشرقي: فبينها وبين البحر مسيرة يوم، وسائر جوانبها أرض طيبة. ولا سبيل الموارد أن تدخل القيروان إلا بعد جوازه على صبرة. وأما صبرة فبناها إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمنصور وسماها المنصورية واستوطنها سنة 337 ثم كانت منزل الولاة بالقيروان إلى حين خرابها.
وفي سنة 445، ولى المعز بن باديس ابنه تميم مدينة المهدية. وفيها، نافق على المعز بن باديس أهل سوسة. وهي مدينة منيعة حاصرها أبو يزيد شهورا ثم انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألفا. وفي ذلك يقول سهل ابن إبراهيم كامل:
إن الخوارج صدها عن سوسة ... أبدا طعان السمر والإقدام
وفي سنة 446 حاصرت العرب مدينة القيروان وضيقة عليها تضيقا
(1/293)
________________________________________
شديدا يطول ذكره. وفيها أخذ مؤنس بن يحيى سلطان العرب مدينة باجة وأطاعه أهلها.
وفي سنة 447 تولى بلقين الصنهاجي قلعة حماد. وفيها نافق ابن أب زمان على المعز بن باديس. وفيها، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة وجهد مفرط.
وفي سنة 448، وقع بين عبيد المعز الساكنين بالمهدية وبين عبيد تميم أبنه منازعة أدت إلى الاقتتال والمحاربة فقامة عامة زولية وسائر من كان من البحريين وغيرهم معاضدة لعبيد تميم فهزموهم وأخرجوهم من المهدية وقتلوا منهم عددا كثيرا. وسار الذين بقوا منهم يردون اللحاق بالقيروان، فدس تميم خبرهم إلى العرب، فقتل منهم في الطريق خلق كثير، وسبب هذه المقاتلة قتل تميم عبيد أبيه بالمهدية، ويقال أن الذي قتله منهم سبعمائة. وذكر أن المحرك لقتلهم واستئصالهم قصيد محمد بن حبيب التي أولها (بسيط) :
السيف يسبق قبل الحادث العذلا ... لا تغمد السيف حتى تقتل السفلى
نقل عداتك من دنيا لآخرة ... فكلهم ظن هذا الملك منتقلا
وفي سنة 449، خرج المعز بن باديس من المنصورية منتقلا إلى المهدية، الميلتين بقيتا من شعبان. وفي أول يوم من رمضان، انتهبت العرب مدينة القيروان وخربتها. وكانت من أعظم مدن الدنيا. وذكر أبو عبيد أنه انتهى ما ذبح منها من البقر خاصة في اليوم الواحد سبعمائة رأس وخمسين رأسا. وقال: في سنة 52 بنيت القيروان وأخليت.
وفي سنة 450 خرج بلقين ومعه الأذبج ودعي لحرب زناتة، فكسرها وقتل منها عددا كثيرا.
وفي سنة 451 قتل منصور البرغواطي صاحب سفاقس قتله غدرا حمو ابن ومليل البرغواطي، وولى مكانه وذلك يوم السبت الثاني لشوال.
وفي سنة 452 وقعت بين العرب والقيروان وبين هوارة حرب كان الغلب فيها للعرب. وقتلت هوارة بباب الصوم أحد أبوابها.
(1/294)
________________________________________
وفي سنة 453، قتل أهل تقيوس مائتين وخمسين من العرب. وكان سبب ذلك أن العرب دخلت إلى تقيوس متشوفة، فسمع رجل منهم رجلا من أهل المدينة يذكر المعز بخير، ويثني عليه، فقتله العربي، وكان مقدما في المدينة، فقام عليه أهل البلد، فغزوهم وقتلوا من العرب العدد المذكور.
وفي سنة 454 ن غدر الناصر بن علناس لبلقين بن محمد الصنهاجي صاحب القلعة، وكان ذلك أول يوم من رجب وولى مكانه. وفيها، توفي المعز ابن باديس.

بعض أخبار المعز بن باديس
كنيته: أبو تميم. ولقبه: أولا شرف الدولة بن أبي مناد باديس نصير الدولة بن أبي الفتح المنصور عبد العزيز بالله بن أبي الفتوح بلقين سيف العزيز بالله بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي. وفي هذه الأسماء والكنى يقول ابن شرف (خفيف) :
شرف الدولة المعز بن باديس ... النصير المظفر المقدام
من له في العلا ثلاثة آباء ... نصير وعدة وحسام
وابن زيري أبو الفتوح الذي أعدى ... أعاديه في الورى الإحجام
وأبو الفتح بعده السيد المنصور ... من صوب راحتيه سجام
مولده سنة 399. وللي الملك سنة 407، وسنة سبعة أعوام وشهران. وتوفي سنة 455، وعمره ثماني وخمسون سنة. فكانت مملكته سبعا وأربعين سنة. وفي سنه وتاريخ ولايته يقول ابن شرف (رجز) :
لما انقضت من المئين أربع ... وبعدها ست سنين تتبع
وأول العام الشريف السابع ... دار إليها أيمن طوالع
(1/295)
________________________________________
باسم المعز الملك الميمون ... مذل كفر ومعز الدين
فقلد الأمر الشديد المنعة ... منتهضا بحمله ابن سبعه
صفته: أسمر جميل الوجه جهير الصوت حسن الخلق بعيد الغور في الأمور قتل الشيعة وقط دعوتهم من أفريقية، ولغن أمراءهم بني عبيد على سائر منابر أفريقية ووفى كل واحد من الصحابة حقه، وأقام السنة، وكانت متروكة منذ مائة وأربعين سنة.

حكاية في ابتداء دولة صنهاجة
لما تغلب أل عبيد الله على مصر وأراد معد بن إسماعيل الرحيل أليها من إفريقية دعا زيري بن مناد وكان له عشرة أولاد، فقال له: (ادع إلي بنيك. فقد عملت رأي فيهم وفيك) وكان أصغرهم سنا بلقين. فدعا أولاده ما دعاه، والقدر لا يريد سواه. وكانت عند معد بن إسماعيل أثارة من علم الحدثان، قد عرف بها بصائر أحوالها وأهل الغناء من أعيان رجاله. وكانت عنده لخليفته على أفريقية والمغرب، إذا صار إليه ملك مصر، علامة. فنظر في وجوه بني زيري، فلم يرها، فقال لزيري: (هل غادر من بنيك أحدا؟) فقال له: (غلاما صغيرا) فقال المعز: (لا أراك حتى أراه! فلست أريد سواه!) فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه، واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، وبعدت أسفاره واشتهرت أخباره، وبلغ بغزاوته سبتة في خبر طويل. ثم أجاب صوت مناديه وخلعها على أعطاف بنيه حتى أنتها أمره إلى المعز بن باديس شرف العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة. ومن العجب أنهما راقا في الاسم والكنية، أعني المعز ابنا تميم معد بن إسماعيل العبيدي صاحب الحدثان، والمعز أبا تميم هذا.
(1/296)
________________________________________
فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به ما زعم سلطانه قتل الرافضة ومراسلة أمير المؤمنين العباسي يومئذ ببغداد، فكتب إليه بعهده وجاءته الخلعة واللقب من عنده رأيا اغتر ببادئه، وذهل عن عواقبه وبواديه. واتصل ذلك بالعبيدي بمصر، وأمره يومئذ يدور على الجرجرائي، فاسطنعها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه. وكان بطون من عامر بن صعصعة: زغبة، وعدي، والأثبج ورياح وغيرهم، تنزل الصعيد لا يسمح بالرحيل ولا بإيجازه النيل، فأجازهم الجرجرائي، وأذن لهن في المعز أمينة طالما تخلت إليهم أطماعهم وعكفت عليها أبصارهم، فغشاه منها سير العرم، ورماه بذلول ابنة الرقم فشغل المعز بعضهم أولا بخدمته، وحملهم أعباء نعمتهم، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته وبون إلى حماته، ويطلعون على عوراته، حتى بان لهم شأنه، وهان عليه سلطانه، فجاهروه بالعداوة حتى جرت بينهم تلك الحروب، التي تقدم ذكرها مختصرا فأورثته البوار، وضربت عليه الحصار.
وفي أثناء ذلك، أعطاهم الدنيا، وناشدهم التقية، واشترط المهدية، وزف إلى أحد زعمائهم من بناتهم، فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا. فما استحكم باسمه، وأهمته بنفسه، واستجاش من قبله، وأحتمل أهله وثقله وخلا الملك لمن حماه وحمله، وجاء أصهاره يمنعونه ممن عسى أن يكيده، حتى بلغ المهدية، فأقام بها أسقط من الشمس بالميزان، وأهون من الفقير القيان، ولم يكن أحد في زمانه أشد بأسا في الملاحم، ولا أطول يدا بالمكارم ولا أعني بالسان العرب ولا أحنى على أخل الأدب ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعة مائة ألف دينار إلي ما وصله من مركب أثيل، وزي حفيل وكان متوقد الذهن حاضر الخاطر حاذقا بطرائف الألحان عالما بالمنثور والمنظوم من الكلام. ومدح كثير من الشعراء، فأجزل لهم العطاء: منهم على بن يوسف التونسي، ويعلا ابن إبراهيم الأركشي، وأبو علي بن رشيق، والقرشي وابن شرف، وغيرهم يطول
(1/297)
________________________________________
الكتاب بذكرهم، لا سيما لا ذكرت من نظمهم ونثرهم. وذكر أبو الحسم الخذلاني المعروف بالحداد: اشتملت على الكثير من أيامه ووقائعه وصفت حاله في خروجه من القيروان، وتسليمه للعرب معظم ملكه، في قصيدة أولها (طويل) :
سرت تتهادى بعد ما رحل الركب ... وقد قلدت جيدا الدجا الأنجم الشهب
ومنها
وإن خانني صبري علي به ... فقد خان مولانا العشائر والصحب
ولو شاء تأليف الجنود وجمعها ... لجاءته من أقطارها العجم والعرب
ولكنة أغذى الجفون لعلمه ... بما سطرت فيه الملاحم والكتب.
ولم يمكث بالمهدية إلا نحو سنتين، وانقضت أيامه، ووافاه أجله، وتوفى يوم السبت لخمس بقين من شعبان سنة 454 هكذا ذكر أبو الصلت، وقد تقدم قول ابن شرف أنه توفى في سنة 455. أولاده: تميم، ونزار، وعبد الله، وعلو، وحماد، وبلقين، وحمامة، والمنصور.

دولة الأمير تميم بن المعز
ونبذ من أخبارها
مولده بالمنصورية في رجب سنة 422. وأبرزه والده للناس ابن سنتين وركب، والعسكر وراءه، وطاف مدينتي القيروان والمنصورية، وولي المهدية سنة 445، وعمره ثلاث وعشرون سنة. وأقام بها إلى أن خرج والده من المنصورية متجها نحوها، فلما دنا منها، خرج إليه فيمن معه، وترجل عند رؤيته له، وقبل الأرض بين يديه، ومشى راجلا أمامه، وأظهر من طاعته له ما أبان كذب ما نسب إليه، وزور من النفاق عليه، فدعا له والده، وأمره
(1/298)
________________________________________
بالركوب، فركب وسار معه إلى المهدية فنزل المعز القصر وأقام ابنه تميم متكفلا بأمر الدولة.
وفي سنة 455 فتح مدينة سوسة. وكان أهلها قد نافقوا على أبيه، فعفا عنهم، وفي سنة 456، زحف إلى المهدية حمو بن ومليل البرغواطي الثائر بمدينة سفاقس، بمن استعان بالعرب، فورد خبره على تميم فسار إليه ومعه طائفة كثيرة من زغبة ورياح. وكان مع حمو طائفة من عدي والأثبج، فاقتتل الفريقان. ثم ولت طائفة حمو أدبارها، فأخذتها السيوف، وتولتها الحتوف وفي سنة 457، كسر عسكر الناصر بن حماد وكان قد خرج في عدد كثير من صنهاجة وزناتة وعدي والأثيج، فلقيتهم رياح وزغبة وسليم، فانهزم الناصر وقتل من أصحابه خلق كثير ونهبت أمواله ومضاربه، وقتل أخوه القاسم بن علناس. وكان من أعظم الأسباب في ذلك ما أبرمه تميم في أمره.
وفي 458، جرد تميم عسكرا كبيرا إلى مدينة تونس، فأقام محاصرا لها، آخذا بمخنقها أربعة عشر شهرا، حتى رقع الاتفاق بينه وبين ابن خراسان صاحبها، على ما اقتضاه إقلاع العسكر عنها.
وفي سنة 459 قام بالمغرب، الأقصى محمد بن إدريس بن يحيى بن علي ابن حمود الحسني، المستدعى من ميلية، فعبر إليها، وقال به جماعة بني ورتدي في ميلية ونواحيها. وكان قد خطب له بالخلافة بمالقة، وتسمى بالمستعلي، فأقام بها إلى، تغلب عليه باديس بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة سنة 447، فانقرضت دولة بني حمود يومئذ بالأندلس، واختفى بالمرية إلى أن استدعي.
وفي سنة 460 حاصر الناصر بن علناس بن حماد مدينة الأربس، وكان معه الأثيج من العرب، وبقي عليها حتى افتتحها وأمن أهلها، وقتل عاملها ابن مكراز. وفيها، وصل الناصر المذكور إلى القيروان مع العرب ودخلها.
(1/299)
________________________________________
وفيها، استبد أمير لمتونة على زناتة المستوطنين هنالك.
وفي سنة 461، عاد الناصر بن علناس بن حماد من القيروان إلى قلعته، خوفا من جموع العرب، وفيها، شرع أبو بكر بن عمر اللمتوني في بناء مراكش على ما يأتي في موضعه.
وفي سنة 465، وصلت إلى سفاقس مراكب شرقية، فأخرج إليها السلطان تميم بن المعز أسطوله من المهدية، فأفسدها.
وفي سنة 466، وقيل 467 طردت زغبة من أفريقية: طردتهم رياح منها، وباعت القيروان بن الناصر بن علناس بن حماد الصنهاجي صاحب القلعة.
وفي سنة 468، وصلت إلى أفريقية عرب برقة ونزلت حول القيروان وما والاها. وفي سنة 469، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة ووباء عظيم، مات فيه من الناس خلق كثير.
وفي سنة 470 اصطلح تميم بن المعز والناصر ابن عمه وزجه بنته بلارة وجزها إليه من المهدية في عساكر عظيمة ومال وأسباب وذخائر. وفي سنة 474، حاصر تميم مدينة سفاقس. وعاث عسكره في أجنتها المعروفة بالغابة وأفسدها، وولى تميم ابنه مقلدا مدينة طرابلس سنة 470.
وفي سنة 476، حوصرت المهدية، نزل عليها مالك بن علوي في جموع عظيمة من العرب، فخرج إليه السلطان تميم فهزمه، وأقلع عنها منهزما، ودخل اقيروان.
وفي سنة 479، حاصر تميم مدينة قابي وسفاقس معا في زمن واحد، مما لم يسمع مثله.
(1/300)
________________________________________
وفي سنة 480، كسفت الشمس كسوفا كليا. وجرى فيها ما جرى من نزول الروم على المهدية في ثلاثمائة مركبا حربية، على ظهورها ثلاثون ألف مقاتل.

ذكر دخول النصارى مدينة المهدية
وسبب ذلك، مع قدر الله تعالى غيبة عسكر سلطانها عنها ومفاجأة الروم قبل استقدامه إليها وأخذ الأهبة للقائهم، وخلوا كافة الناس من الأسلحة والعدد وقصر الأسوار وتهدمها. وتكذيب تميم بخبرهم وسوء تدبير عبد الله بن منكور متولي أمور الدولة في قصده مخالفة قائد الأسطول في الخروج إليهم للقائهم في الماء ومنعهم من النزول في البر. فكا كل ذلك سبب تغلبهم على المدينتين المهدية وزويلة، ونهبهم أياهما، وقتلهم الناس فيهما، وإحراقهم بالنار ما هو مشهور بالمهدية إلى الآن. وقد استوعب ذلك ابو الحسن الحداد في قصيدته التي أولها (منسرح) .
أنى يلم الخيال أو يقف ... وبين أجفان ثوى الدنف
غزا حمانا العدو في عدد ... هما الدما كثرة أو اللّعف
عشرون ألفا ائتلفوا ... من كل أوب وليت ما اتلفوا
جاءوا على غرة إلى نفر ... قد جهلوا في الحروب ما عرفوا
وهي طويلة.
وفي سنة 481، مات الناصر بن علناي بن حناد الصنهاجي، وولي ابنه المنصور.
وفي سنة 482، عزا مالك بن علوي مدينة سوسة، ودخلها في طائفة من أصحابه، ولم يتمكن له شيء من مراده فيها فخرج منها منهزما، وقتل جماعة من رجاله وأسر بعضهم.
(1/301)
________________________________________
وفي سنة 483، غلت الأسعار في أفريقية، وكانت بها مجاعة شديدة.
وفي سنة 484، صلحت أحوال أفريقية في الخصب والرخاء.
وفي سنة 486، حاصر عسكر تميم مدينة قابس وأقام عليها حتى فتح ربضها. 488، كان ما كان من غدر شاه مالك الغزي ليحيى بن السلطان تميم بن المعز، وسبب ذلك أن تميما خاف الغزيّ وأوحش منه نفسه ونفس أصحابه لكلام قاله، فأضمر ذلك شاه مالك في نفسه، وكان داهية مكرا، وخرج يحيى بن تميم أثناء ذلك متصيدا، وفي صحبته نفر من أهل مؤانسته ومنادمته. وكان شاه مالك مع كثير من أصحابه، فظفر به وقبض عليه وعلى جماعة من أصحابه. ولما بلغ تميما ذلك، أنفذ الخيل في الغزيّ فوجدوه قد فات وسار إلى سفاقس ودخلها. فركب صاحبها حمو بن ومليل وتلقى يحيى بم تميم مع الغزيّ الذي قبض عليه، فأقام عنده أياما، وكتب إلى السلطان تميم يلتمس منه عيال الغزّ وأولادهم، فأمر تميم بإنفاذهم إليهم، ودعا يحيى وأصحابه إلى المهدية. وفي سنة 489 فتح تميم مدينة قابس، وأخرج منها عمر بن المعز أخاه وقد كان ولاه أهلها، وفي سنة 491، كانت بأفريقية مجاعة شديدة. وفي هذه السنة، فتح تميم مدينة قرنقة ومدينة تونس. وخرج عدى من أفريقية أمام رياح.
وفي سنة 493، فتح تميم مدينة سفاقس وخرج منها حمو بن ومليل هاربا إلى قابس فقبله صاحب مجن بن كامل الدهماني وآواه حتى مات وفي سنة 498 مات المنصور بن ناصر بن علسان، صاحب القلعة والباجية وما والاهما وولى ابنه باديس وأقام قليلا ومات. ثم ولى أخيه العزيز بالله بن المنصور. وفيها وصل المرمانيون إلى المهدية بأجفان كثيرة حربية، تسمى الشزاني ومعهم ثمانية وعشرون مركبا. وكان قصدهم أن يجدوا فرصة
(1/302)
________________________________________
كما وجدها الروم المتقدم ذكرها. فقصدوا إلى باب دار الصناعة ليمنعوا أسطول المهدية إليهم فخاب ظنهم وخرجت أسطول المهدية إليهم فهزموا وقتلوا كثيرا منهم. وفي سنة 499 وجه السلطان تميم أبا الحسن النهري إلى جزيرة جربة في عدد جم وأسطول كثير فوجد أهلها قد أخوا الأهبة له، واستعدوا واستمدوا فلم يتم له شيء من أمرها.
وفي سنة 500 غدرت مدينة باجة وقتل خلق كثير. وفيها رحل المهدي بن تومرت القائم بدعوة من البربر المسمين بالموحدين بجبل هرغة بأقصى المغرب إلى المشرق في طلب العلم فجاز إلى الأندلس وصل قرطبة وسار منها إلى المرية ومها دخل في مركب إلى الشرق وفاب في مركب خمسة عشر عاما.
وفي سنة 501 ظهر في أفق المغرب كوكب عظيم من ذوات الذوائب وأقام ليلي كثيرة. وفيها مات السلطان تميم بن المعز فكانت مدته سبع وأربعين سنة.

بعض أخبار تميم بن المعز
كان رحمه الله شهما شجاعا حازما عازما، يستصغر صعاب الأمور ويستسهل عظام الخطوب ويغلب عليه شدة البطش والمبادرة. وهو أحد فحول شعراء الملوك وذو السبق والتقدم في معانيه وبدائعه حوى فيه الجودة والكثرة. وله ديوان كبير من شعره؛ فمن قوله (وافر) :
فإما الملك في شرف وعز ... على التاج في أعلى السرير
وأما الموت ببين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبدا الدهور
وله في غلام اسمه مدام من قصيدة طويلة (متقارب) :
(1/303)
________________________________________
مدام يطوف بكاس المدام ... فلم أدر أيهما أشرب
فهذا الصديق وهذى الرحيق ... وهذا الهلال وذي الكوكب
وهذا يجود بألحاظه لي ... وهذى بألبابنا تلعب
وما البدر والنجم من ذا وذاك ... ولكنه مثل يضرب
وكان تميم بن المعز جميلا وسيم مدير القامة دري اللون أشم ابلج. وكان يكثر من استغفار بدنه ويرى ذلك أنه تمم صحته. وكان يستعمل كل حار من الأغذية والأدوية ويكثر الاصطلاء بالنار ويدخل الحمام الحر ويكثر الجماع ويشرب الأدوية القوية كالمحمودة وغيرها، ويجاوز في ذلك المقدار حتى جف لحمه وفسدت حركاته الطبيعية. وأقعد ثم مات في منتصف رجب من سنة 501 فكان عمره تسعا وسبعين سنة وولايته من وفاة جاوز عددهم المائة. وقيل أنه كان له من الولد وولد الولد نحو ثلاثمائة.

دولة يحيى بن تميم بن المعز
ونبذ من أخباره وسيرته
مولده بالمهدية سنة 457. وولى سنة 501 وعمره إذ ذاك ثلاثة وأربعون سنة. وكان حاذقا بتدبير دولته ساهرا في سياسة رعيته كثير المطالعة لكتب السيرة والأخبار أديبا شاعرا ذا حظ في اللغة العربية صالح. وكان حسن الوجه أشهل العينين أهجر الصوت. وتوفى ثاني عيد النحر من سنة 509 فجأة مقتولا في قصره بالمهدية فكانت مدة ملكه ثماني سنين وستة أشهر، وخلف من الأولاد ثلاثين ولدا ذكور. ومما حدث في أيامه من الوقائع ما أذكرها ملخصا، مؤرخة بأوقاته. وفي سنة 503 فتح يحيى بن تميم قلعة أقبلية. قال ابن القطانم كان لتميم بن المعز من الولد ثلاثمائة فنفى يحيى أكبرهم إلى المشرق والمغرب
(1/304)
________________________________________
والأندلس. وكانت أيام يحيى هادنه ووادعه. وكان يطلب عمل الكيمياء وجعل لها دارا تردها الطلبة وأجرى عليها الإنفاق ومكنهم من الآلات.
وفي سنة 503 جرد يحيى بن تميم كمن أسطوله خمسة عشر غرابا للغزو في بلاد الروم فأصيب منها ستة وعادة البقية إلى المهدية.
وفي سنة 504 كان بالمغرب زلازل عظيمة دامت شهر شوال كله.
وأمير أفريقية يحيى بن تميم بن المعز.
وفقي سنة 505 وصل سوار صاحب مصر بهدية إلى أمير أفريقية يحيى بن تميم فتلقاه بغاية الإكرام والاهتمام وأقام عنده حتى صرفه وأصحبه من الذخائر والألطاف ما لا يحيط به الوصف.
وفي سنة 507 وصلت أسطول المهدية بسبي كثير من بلاد الروم في ربيع الآخر فسر بذلك يحيى بن تميم والمسلمين.
وفي سنة 508 ولى يحيى ابنه عليا مدينة سفاقس وولى أخاه عيسى مدينة سوسة. وفيها حجم الروم على مدينة ميورقة وهي بيد مبشر الفتى مولى ابن مجاهد ودخلها عنوة وقتلوا رجالها وسبوا ذراريها ونساءها وذلك بعد حصار شديد ثم استرجعها علي بن يوسف من أيدي الروم.
وفي سنة 509 وصل إلى المهدية رجلان أو ثلاثة ذكروا أنهم طلبة المصامدة عارفين بصناعة الكيمياء فأبيح لهما بالدخول إلى دار العمل. فما أحكما ما أرادا استأذنا على السلطان يحيى بن تميم. فقال لهما: (أوقفاني على الطرح وحقيقة السر!) فقال: (على أن لا يحظر إلا أنت ووزيرك!) فحظر هو ووزيره وعبده أبو خموس فصنعا البوط وألقيا الرصاص وأحميا عليه وجعلا كنهما يخرجان الإكسير. فأخرجا خناجيرهما وقتلا الوزير وأبا خنوس وأكثر في السلطان الجراحات. فبقى يعاني جراحه حتى مات وقالا له حين جرحاه: (أيها الكلب تعجب نحنو أخواك فلان وفلان نفيتنا وبقيت في الملك!) وثارت الصيحة إذ ذاك فدخل العبيد وقتلا الرجلان للحين.
(1/305)
________________________________________
ومات يحيى يوم العيد الأضحى من سنة 509، وكان الأمير يحيى، مدة مرضه إثر هذه النوبة والغدر، ونفي ابنه الفتوح إلى قصر زيادة، وأظهر اتهامه في القضية. فأقام هناك إلى حين وفاة أبيه وولاية على أخيه. ثم نفاه علي أيضا إلى المشرق، فتوفى هنالك. وفي هذه السنة، عقد الأمير يحيى نكاح العزيز بالله بن المنصور، صاحب القلعة وبجاية، على بنته بدر الدجا، وجهزها إليه.

دولة علي بن يحيى بن تميم بن المعز
بالمهدية وبعض بلاد أفريقية
لما توفي الأمير يحيى، أجتمع أهل الدولة على نفاذ كتاب إلى علي على لسان أبيه، وكان علي يلي سفاقس، فكتبه الكاتب، وكتب علامة يحيى كانت: (الحمد لله وحده!) فوصل الخبر إلى علي ليلا، فخرج لوقته، فوصل إلى المهدية ثالث عيد النحر، ودخل الناس إليه معزين ومهنئين، وعمره ثلاثون سنة، فاستأبت له الأمر، واستوسق له الملك. وكان كريما جوادا، يركن إلى الراحة واللذات، واتكل على قوم فوض إليهم تدبير دولته، فعاجلته منيته في ربيع الآخر من سنة 515، فكانت دولته خمس سنين وأربعة أشهر وأثنى عشر يوما. وخلف من الولد الذكور أربعة: الحسن، والعزيز، وباديس، واله (؟) .
وفي سنة 510، أمر بعمارة الأسطول إلى جرية، فحاصرها إلى أن أقر أهلا بالطاعة له، ونزلوا على حكمه.
وفي سنة 511، أرجف العوام بأنه سيكون في رمضان حادث كبير، وأن السلطان يموت فيه. وفشا القول بذلك، وانتشر. فأكذب الله أحاديثهم. وقال الشعراء في ذلك كثيرا. فمنه طويل:
(1/306)
________________________________________
وأشاعوا أباطيل وبثوا زاخارفا ... دعتهم لها آمالهم والمطامع
فلو يستطيع الناس من فرط حبهم ... لضمتك أحشاء لهم وأضالع
ومنها:
أصبح قول المبطلين مكذبا ... ومد لك الرحمن في أمد العمر
فأين الذي حد المنجم كونه ... إذا مر للصوام عشر من الشهر
وفيها، وصل رسول صاحب مصر بهدية إلى المهدية. وفيها، حاصر علي ابن يحيى مدينة قابس، ودون بعض قبائل العرب، فلما بلغ ذلك رافعا صاحبها، خرج متطارحا على وجوه الجيش، راغبا في الصلح، فلم يجيبه علي إلى ذلك، وفي أثناء ذلك، نزل على المهدية بيوته، ومن ساعده من عشيرته، فخرج من كان بالمهدية، فهجموا على بيوته، فتصايحن نساء العرب، فغارت العرب لذلك، وقعت الحرب بين الفريقين، والأمير على باب زويلة. أن عليا دون على رافع ثلاثة أخماس العرب من جيشه، فصمد رافع نحوهم، والتقى الجمعان. ثم ولى رافع قاصدا إلى القيروان. واجتمعت شيوخ دهمان، واقتسموا البلاد بينهم، فأعطوا رافعا مدينة القيروان. ووصلت العرب المدونة إلى الأمير علي بن يحيى، فوهبها أموالا جمة وأمره بالمسير إلى القيروان. فوقع بينهم وبين رافع قتال شديد، وكان الظهور فيه لحزب علي بن يحيى، في خبر طويل.
وفي سنة 512، وصل إلى الأمير علي بن يحيى، من قبل صاحب صقلية رجار، رسول له يلتمس تجديد العقود، وتأكيد العهود ويطلب أموالا كانت له موقفة بالمهدية وذلك بعنف وغلظة. فرد على رسوله جواب وجبهه بالقول. فتزايدت الوحشة بينه وبين رجال، فأوسع شرا، وحال بعد ذلك مكرا قال ابن القطان: وكان في هذه السنة غلاء عظيم، ووباء، وبلغ ربع الدقيق بتلسمان عشرين درهما.
وفي سنة 513 أغزى إبراهيم بن يوسف أخو علي بن يوسف بن تاشفين
(1/307)
________________________________________
ملك الغرب، قورية بالأندلس ففتحها الله عليه. وأمير أفريقية علي ابن يحيى ابن تميم.
وفي سنة 514 كانت وقعة بالأندلس انهزم فيها المسلمون وهي وقعة قتندة، قال ابن القطان: مات فيها نحو عشرين ألفا وفيها، كان حلول ابن تومرت المتلقب بالمهدي بأغمات، محرضا على الخروج على السلطان وتفريق الكلمة المنتظمة.
وفي سنة 515، خرج علي بن يوسف من مراكش إلى الأندلس، فوصلها في ربيع الأول وأخر ابن رشد عن القضاء، وولى أبا القاسم بن حمدين، ثم رجع إلى مراكش. وفيها، توفي أمير أفريقية علي بن يحيى بن تميم.

دولة الأمير الحسن بن علي
ابن يحيى بن المعز بأفريقية
كان أبوه فوض إليه الأمر في حياته وعمره أثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر، ومولده بمدينة سوسة في رجب سنة 502. فلما مات أبوه، دخل الناس أليه مهنئين ومعزين بالملك والوفاة، وانشده الشعراء وتكفل بأمر دولته صندل الخادم، لا لمعرفة ولا سياسة.
وفي سنة 516، غزى أبو عبد الله بن ميمون قائدا علي بن يوسف ن ملك البرين، جزيرة صقلية، فافتتح بها مدينة نقوطرة من عمل رجار صاحب صقلية، وسبى نساءها وأطفالها، وقتل شيوخا، وسلب جميع ما وجد فيها. فلم يشك صاحب صقلية أن المحرك والمسبب له هو أمير أفريقية الحسن بن علي، لما تقدم بينه وبين أبيه من الوحشة العظيمة فاستنفر أهل بلاد الروم قاطبة فالتأم له ما لم يعهد مثله كثرة فعلم بذلك الحسن بن علي، فأمر بتشييد الأسوار واتخاذ الأسلحة وحشد القبائل واستقدام العرب. فجاءت الحشود من كل وجه ومكان والناس متأهبون لما يطرقهم منهم.
(1/308)
________________________________________
وفي سنة 517، في أواخر جمادى الأولى، وصلت أسطول الإفرنج إلى جزيرة الأحاسي، وخرج منهم إلى البر خلق كثير وابسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا. وفي اليوم الثاني، خاء إلى المهدية ثلاثة وعشرين شينيا، فعينوا العساكر والحشود ثم انصرفوا إلى الجزيرة، فوجدوا العرب قد انكشفوا من كان بها من الروم عن مواضعهم، ومزقوا مضاربهم فقويت نفوس المسلمين بذلك. وكان رجار قد أمر أسطوله أن يدخل تلك الجزيرة، ويأخذ قصر الديماس، وأن يسير الخيل والرجال من هنالك على تعبئة في البر إلى المهدية، لليلتين خلتا من جمادى الأولى، في أخر ليلة منه كبر المسلمون ودخلوا الجزيرة فانهزم الروم إلى أجفانهم، بعد ما قتلوا بأيديهم كثيرا من خيولهم. وأخذ المسلمون فيما يحتاجونه إليه نحو أربع مائة فرس، وآلات كثيرة وأسلحة. وأحاطت العساكر بقصر الديماس، تقاتله، وأهل الأسطول في البحر يعاينون ذلك، إلى أن طلب الروم الأمان من السلطان الحسن بن على بن يحيى بن تميم، فلم تساعد العرب على ذلك. وخرجوا من منتصف جمادى الآخرة ن فأخذتهم السيوف، وقتلوا عن أخرهم. وكان عدد الأجفان نحو ثلاثمائة، وعدد لخيل فيها نحو ألف فارس.
أخبر أبو الصلت قال: أخبرني عبد الرحمن عبد العزيز قال: رأيت على باب رجار بصقلية رجرا من الإفرنجة طويل الحية يتناول طرف لحيته بيده، ويقسم بالإنجيل أنه لا يأخذ منها شعرة حتى يأخذ ثأره من أهل المهدية فسألت عنه، فقيل لي أنه لما انهزم، جذب بها حتى أدمته. إلى أن انتهى كلام ابن الصلت في أخبار المهدية وأميرها الحسن بن علي بن يحيى ابن تميم إلى سنة 517 وبقى الحسن بن علي ملكا للمهدية وبلاد تلك الجهات إلى سنة 543. ثم خرج باستيلاء صاحب صقلية عليها.
وفي سنة 518، استفحل أمر المهدية والموحدين بالمغرب وأمير أفريقية الحسن بن علي بن يحيى. ومات في هذه السنة العزيز بالله صاحب بجاية، وولى
(1/309)
________________________________________
ابن يحيى. وكان لبني الناصر بن علناس بن حماد ببجاية والقلعة وتلك البلاد وزراء يعرفون ببني حمدون، وتوارثوا وزرارتهم، منهم ميمون بن حمدون عند يحيى هذا، فنشأ ليحيى ولد ولاه الأمر بعده وفوض الأمور إليه في حياته، فجعل الولد يستنقص الوزير ميمونا، ويقبح أفعاله، ويسميه الشيخ الكذاب. فخاف منه ميمونا على نفسه، وخاطب أبا محمد عبد المؤمن وفي سنة 519، كان أمير أفريقية الحسن بن علي على حاله. وخرج الطاغية ابن ردمير إلى بلاد المسلمين، فدوخها بلدا بلدا، وضيق عليها.
وفي سنة 520 اجتمعت عساكر المسلمين بالأندلس، فتلاقوا مع عدو الله ابن ردمير، وكان قد أذاق المسلمين شرا منذ سنين، فدارت بين الفريقين حرب عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين. ثم أخبر الناس أن تميما رجع فارا بنفسه، فانهزم المسلمون، وركبهم النصارى بالقتل واحتووا على المحل بما فيها وسار تميم إلى غرناطة، وانبسطت خيل النصارى على المسلمين يقتلونهم كيف شاءوا وتفرق الناس أيدي سبا ولجئوا إلى المعاقل، وكانت قريبا منهم، فوافاهم الله شرهم.
وفي سنة 521، وقيل في سنة 520 نهض أبو الوليد بن رشد إلى مراكش للاجتماع بعلي بن يوسف في المصالح، وعز تميم عن غرناطة.
وفي سنة 523، أشر ابن رشد ببناء سور مراكش فبناه علي بن يوسف وأنفق فيه سبعين ألف دينار وفيها، بعث العزيز بالله بن المنصور صاحب بجاية عسكرا إلى المهدية قود عليه ابن المهلب فنزل عليها ثم انصرف ناكصا على عقبه وفيها، وصل مطرف بن علي بن خزرون الزناتي إلى تونس وأخرج منها احمد بن عبد العزيز بن عبد الحق بن خرسان، وقفل إلى الحجاز وبها مات على ما يأتي. وولي تونس في هذه السنة كرامة بن المنصور الصنهاجي من قبل صاحب بجاية.
(1/310)
________________________________________
وفي سنة 523 كان الأمير بأفريقية حسن بن علي على ما كان عليه في السنة قبلها، وصاحب بجاية يحيى بن العزيز بالله، ووزيره ميمون بن حمدون.
وفي سنة 524 قتل أمير مصر الملقب بالأمر، وكان جبارا عنيدا، قتله الغلام الذي أسمه حرز الملوك، وكان الأمر ولي عهده عبد المجيد.
وفي سنة 527، قال الوراق في (مقابسه) : بعث الله قوما تحالفوا على قتل الجبار العنيد بمصر الملقب بالأمر. قيل أنه قصدوا إليه من بلاد الشام احتسابا وكانوا عشرة أناس، فأقاموا بمصر، وعلموا بيوم ركوبه، وكان إذا ركب سدة الحوانيت والديار في ممره ولا يمر في طريقه أحد سواه ويجعل نصف عسكره أمامه، ونصفه ورائه، وفي وسط تلك المسافتين التي أمامه وخلفه فارسان، بينهما وبينه ما بينهما وبين العسكر وحمله أربعة من عبيده فقصد هؤلاء القوم إلى طريقة وفيه فرن، فقصدوا إلى الفران، ومعهم دقيق وقالوا له: (نريد منك أن تخبز لنا هذا الدقيق، فأنا قوم غرباء مسافرون) فاعتذر لهم بالسلطان فرغبوه، وشارط عليهم العجلة، ثم أشغلوه بالحديث إلى أن مر عليه مقدم العسكر الأول فأعنف عليهم في الخروج فلما رأوا ذلك ادخلوه داخل الفرن وسدوا فمه بغطائه وغلقوا باب الفرن عليهم إلى أن سمعوا حوافر فرسه. فأول من خرج من الفرن كلها منهم، فجعل يسجد إلى الأرض، وينادي: (أنا بالله وبعدل مولانا) وسجد مرة بعد أخرى إلى أن ألقى بيده في شكائم الفرس، وأخرج سكينا وضرب بها بطن الفرس فسقط إلى الأرض وخرج أصحابه من الفرن مبادرين، فضربوه بسكاكينهم إلى أن فرغوا من قتله. وقتلوا في الحين أجمعين وأراح الله من الفاجر الطاغي وهو الذي أكثر في زمانه دعوى الباطل ونصرة الظالم وعمل
(1/311)
________________________________________
جهنم يعذب فيها الناس، وأباح المحظورات جهارا في النزهات، وغير ذلك من قبائحهم - لعنهم الله - أعني الشيعة العبيدية.
وفي سنة 528 كان ولاة أفريقية على ما كانوا عليه في السنة قبلها.
وفي سنة 529، صرخ الموحدون بموت المهدي، وسموا عهد المؤمن بأمير المؤمنين، وفيها، ولي القضاة قاضي عبد الحق بن عبد الله بن معيشة، فأراق الخمر وكسر الدنان، وشدد على أهلها، وزاد في الجامع الكبير فكان البناء فيه في أخر هذه السنة.
وفي سنة 530 نزل على حمود على المهدية، بعسكر من قبل صاحب بجاية العزيز بن المنصور ومال برسم العرب فنزل بظاهر زويلة وناشب القتال برا وبحرا، فأخرج إليهم صاحب المهدية أسطوله فأخذوا من أسطول بجاية غرابي أمر بسجن قائدهما، فأما الواحد فمات بسهم أصابه ثم وصلت العرب لنصرة المهدية فرحل عسكر بجاية عن المهدية بعد أقامته سبعين يوما. وأمر الحسن بن علي قائده بقتل القائدين فقتل أحدهما بين يديه ووجد الآخر قد مات من سهم كان أصابه. وفيها جهز رجار صاحب صقلية أسطولا، فقصدوا جزيرة جربة، واستولوا عليها وسبوا أهلها. وفي سنة 533، كان موت عبد المجيد صاحب مصر وكان للشيعة في تولية خليفة عليهم خبر طريف يذكره في موضعه ز وفي سنة 536 توفى أبو عبد الله المازري وأبو الصلت. وفيها أخذ صاحب المهدية المركب الذي أنشأه صاحب بجاية، وبعثة بهدية إلى صاحب مصر، وسبب ذلك أنه كان في الإسكندرية مركب للحسن صاحب المهدية عطله عن السفر صاحب الديوان لأنه سعى في الشتاة بين الحسن وبين صاحب مصر، وقصد المواصدة بين صاحب مصر وصاحب بجاية، فأقلعت المراكب وبقى هو محبوسا. واقلع في جملتها المركب البجائي ببضائع عظيمة لها شأن وأثمان للتجار وهدية إلى صاحب بجاية. فعمل عليه الحسن، وأخذه، وأمر
(1/312)
________________________________________
بتفريغه. وبقي المركب فارغا حتى جاءت صدمة أكتوبر، فأنكسر وفي هذه السنة، خرج جرجي من صقلية في خمسة وعشرين غرابا، وضرب على مرسى المهدية ن فأخذ جميع ما كان فيه من المراكب وفيه مركب جديدا أنشأه الحسن من خشب المركب الذي انكسر لصاحب مصر.
وفي سنة 537، خرج أسطول صاحب صقلية، فضرب على مدينة أطرابلس، فخيبه الله.
وفي سنة 538، دخل مدينة سفاقس ودخلت في عمل رجار صاحب صقلية.
وفي سنة 543، كان تغلب الروم على مدينة المهدية، وخرج منها صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بسلجين ابن زبرى بن مناد بن منقوش صنهاجي بحملته وحاشيته. وتبعه أهل البلد فارين بإهليهم. وكان قائد رجار صاحب صقلية جرحى بن ميخايل الأنطاكي وكان أبوه علجا من علوج أبيه تميم. فكان هذا اللبعين عارفا بعورات المسلمين بالمهدية وغيرها فلم يزل رجار وقائده جرجا بحيلان على المهدية بحيلهما إلى أن استولوا عليها في هذه السنة. وتعرف هذه الكائنة الشنعاء بكائنة يوم الاثنين فبقيت بأيد الروم حتى أفتتحها الموحدون، على ما أذكر في دولتهم، ولما استولى صاحب صقلية على هذه المدينة كانت بأفريقية مجاعة عظيمة، فخاف أهل تونس من أهل هذه السواحل من النصارى. وكان صاحب صقلية افتتح سفاقس ودخل بونة، وسبى أهلها، فأخذ أهل تونس في الاستعداد والأهبة والوقوف بجماعاتهم وقتا بعد وقت عند باب البحر، بمحضر واليهم معد بن المنصور وهو من الديوان الذي على الباب فخرجوا يوما من أيام عرضهم، فوجوا قاربا يسوق زرعا، فأبكرت العامة خروج الزرع من بلدهم في تلك الشدة إلى موضع تحت مملكة الروم، واجتمعوا على منعهم، وضجت العامة وارتفع صياحهم، فتعرض لهم رجال معد بن المنصور، فوضعوا السلاح
(1/313)
________________________________________
فيهم وفي عبيد معد واليهم وقتلوهم قتلة الشيعة وأطلقوا النار تحت برج الديوان، فنزل معد عنه، واستسلم للعامة، فوقفوا عنه، فكانوا يأخذون رجاله وعبيده من تحت ركابه، ويقتلوهم. وبقى معد ذلك بتونس على حال قهر من العامة، وكتب إلى بجاية، فجاءه غراب منها، فطلع فيه مع بنيه، وسار إلى بجاية، ورجع النظر في تونس لقائد من قواد صنهاجة مدة يسيرة، ثم انصرف، وبقى البلد في حكم العامة، فكانت الفتنة المشهورة فيهم، والقتال بين أهل باب السويقة وأهل باب الجزيرة، ومدبرهم في تلك المدة قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن الأمام أبي الحسن - رحمه الله - ولما اشتد خوف أهل تونس من صاحب صقلية ومما سمعوه من غضب بجاية واستعداده لهم، أخذوا في تمليك محمد بن زياد العربي بإرادة قاضيهم. فلما عزموا على ذلك، ووصل ابن زياد إلى تونس، وخرج القاضي والأشياخ إلى لقائه، صاح رجل من العامة: (لا طاعة لعربي ولا غزيّ) وقامت الفتنة. فرجع ابن زياد إلى القلعة، وأراد القاضي الرجوع إلى المدينة، فمنعه العامة وأخرجته، فسار مع ابن زياد إلى القلعة، ولأقام بها مدة طويلة، إلى أن مات - رحمه الله - فيقال أنه كان راقدا في الصيف في طلق علو، فوقع منها ومات، ويقال أنه رمي منها، ثم إن العامة وجهوا إلى أبي بكر إسماعيل بن عبد الحق بن خراسان، فوصل إلى تونس بالليل، فرفع قفي قفة من السور وولي تونس، فأقام عليها نحو سبعة أشهر، ثم غدر به عبد اله ابن أخيه عبد العزيز، على ما يأتي، وإذ قد وقع ذكر بني خراسان، ولايتهم تونس على النسق ومن وليها من غيرهم إلى دخول الموحدين إليها، بحول الله تعالى.
(1/314)
________________________________________
ذكر من ولي تونس من الأمراء
من بعد زوال ملك المعز بن باديس منها
لما انتقل المعز من القيروان والمنصورية إلى مدينة المهدية، وأسلمها إلى العرب، واختل ملكه بفتنة العرب الواصلين من المشرق، كما تقدم، واستحوذوا على كثير من حواضر تونس وما يليها من البلدان ما كان، مثل باجة والأربس وما يليها، وكان بنو حماد قد طمعوا في ملك أفريقية، وصارت عمالة القيروان في أيديهم مدة بمداخلتهم العرب وإحسانهم إليهم وانقطع ملك المعز عن توني وغيرها، وضعفت دولتهم بالمهدية عن حمايتها، فمشى أشياخ من أهلها لى الناصر بن علناس، وهو إذ ذاك في القلعة دار ملكهم، وناظمة سلكهم، فاستدعوا منه النظر إلى مدينتهم وتقديم وال من قبله عليهم، فأمرهم أن يختاروا شيخا منهم، يقوم بأمرهم خلال ما ينظر إليهم، فيقال أنهم راموا تقديم كبير منهم، فاستعفى وتوقف. فوليها من قبل الناصر عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، فأقام بها إلى أن مات سنة 488، ثم وليها بعده ولده عبد العزيز بن عبد الحق، فأقام بها إلى أن، مات في سنة 500، ثم وليها ولده أحمد بن عبد العزيز بن عبد الحق، فبقى واليا عليها اثنين وعشرين سنة، حتى أخرجه عنها مطوف بن علي بن حمدون إلى بجاية، وكان قد بنى قصرا بتونس، سمى قصر بني خراسان، وطالت مدته كما ذكرنا، فاشتدت وطأته، وخرج عن سيرة الأشياخ إلى آثار جبابرة الملوك، وقتل عمه إسماعيل بن عبد الحق، وكان أحق منه بالأمرة. وفر ولده أبو بكر بن إسماعيل إلى بنزرت، فلأقام بها خوفا منه، وأخرج جماعة من لأهل تونس وأشياخها، ونفاهم إلى المهدية وغيرها، واستبد برأيه في أمور تونس، إلى أن وصلت أخباره إلى المنصور صاحب بجاية، فجهز إليه عسكرا قدم عليه مطوف بن علي بن حمدون، فوصل إلى تونس عام 522، فخرج أحمد إليه، واستسلم في يديه، فنقله إلى بجاية
(1/315)
________________________________________
من تونس كرامة بن المنصور من بني حماد، إلى لأن مات في سنة كذا وخمسمائة، ثم وليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور، إلى أن مات، ثم وليها بعده محمد بن أبي الفتوح، فلم تستحسن سيرته، فأخرج عنها ووليها معد بن المنصور وكان آخرهم فأقام عليها إلى سنة 543 حين استيلاء الروم على المهدية، فخاف أهل تونس منهم، وثاروا على أميرهم معد كما تقدم، وثارت العامة بها، وكانت الفتنة المشهورة فيها. ثم انهم وجهوا إلى بنزرت، وقدموا أبا بكر بن إسماعيل بن عيد الحق، غدره عبد الله ابن أخيه عبد العزيز بعد إقامته في ولايته سبعة أشهر، وأخرجه في قارب في البحر، فرماه البحر ميتا عند قلعة ابن غبوش. فيقال: غرق، ويقال: غُرِقَ. فوليها عبد الله المذكور نحو عشر سنين، وهو الذي قتل القاضي أبا الفضل جعفر بن حلوان وقتل معه ولده وولد أخته ابن الباد، لما خشي أن يجمعوا عليه العرب. وفي أيامه وجه عبد المؤمن عبد الله بن سليمان في قطع من أسطول سبتة وأمره بالكشف عن تونس وقوتها والمجاورين لها من الأعراب، وبعد ذلك بعام وصل السيد أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن إلى تونس، ونازلها وحاصر عبد الله بن خراسان فيها مدة، ثم أقلع عنها إلى بجاية، وذلك في سنة 553، وفي سنة 551، في شوال كان القيام على النصارى بالمهدية وحاصرهم فيها.
وفي سنة 552 استولت الروم على زويلة.
وفي سنة 554، دخل عبد المؤمن أفريقية المرة الثانية، ونازل تونس ثم أقلع عنها وحاصر النصارى بالمهدية، وفي سنة 555، دخل أبو محمد عبد المؤمن مدينة صلحا، واستولى الموحدين عليها في العاشر من شهر محرم.
وفي سنة 558، كانت كائنة يوم السبت بنزول الروم على المهدية، وأخذوا مدينة سوسة ثم خرجوا عنها.
وفي سنة 573، كانت يوم الجمعة بنزول النصارى على المهدية
(1/316)
________________________________________
ثم غادرها عبد الكريم في ربيع الآخر منها، ودخلها يحيى بن غانية الميورقي في شعبان من سنة 578، فلم يزل بها هو وأصحابه لمتونة، ومسوقة، يغيرون منها على أفريقية، حتى تملكوا بعض بلادها، إلى أن دخلها الناصر مع الموحدين، في جمادى الأولى من علم 602.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 05:48 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب