منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى المكتبة الإلكترونية > ركن كتب التاريخ والجغرافيا

التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

الكتاب: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ
المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ) يرويه عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن جده لأمه وهب بن منبه رضي الله عنهم
تحقيق: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية
الناشر: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، صنعاء - الجمهورية العربية اليمنية
الطبعة: الأولى، 1347 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم
حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن جده لأمه وهب بن منبه إنه قال: قرأت ثلاثة وتسعين كتاباً مما أنزل الله على الأنبياء فوجدت فيها أن الكتب التي أنزل الله على جميع النبيين مائة كتاب وثلاثة وستون كتاباً أتزل صحيفتين على آدم بكتابين صحيفة في الجنة وصحيفة على جبل لبنان وعلى شيت بن آدم خمسين صحيفة وعلى اخنوح وهو إدريس ثلاثين صحيفة وعلى نوح صحيفتين صحيفة قبل الطوفان وأخرى بعد الطوفان وعلى هود أربعاً وعلى صالح صحيفتين وعلى إبراهيم عشرين صحيفة وعلى موسى خمسين صحيفة وهي الألواح قال الله {إنَّ هِذا لفي الصُّحُفِ الأولى صُحُفِ إبراهيم وَموسَى} وعلى داود الزبور وعلى عيسى الإنجيل وعلى محمد الفرقان صلى عليه وآله وسلم وعلى
(1/9)
________________________________________
جميع النبيين.
قال وهب بن منبه: وأنزل الله على عيسى بدأ الخلق حين أنشأه وابتدأ ابتدعه فقصه الله على نبيه موسى صلى الله عليه من يوم ابتدأه حتى أنزل عليه التوراة.
قال وهب: أن الله لما خلق الماء على الهواء وخلق الهواء على ماء. . . . . . الله بجميع ما وراء ذلك إلى الحي القيوم وكان عرشه على الماء حين لأسماء مبنية ولا أرض مدحية.
قال وهب: فاضطرب الماء وهاج فاصطفق فأزبد فصار أرضاً فخلق الله الحوت والبحر من ذلك الزبد ثم رفع الله السماء وهي دخان {فقال لها وللأرض أتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين} وخلق الملائكة في كل سماء أمرها أسكنهم السموات يسبحون ويهللون ويقدسون الواحد القهار وخلق الجبال في الأرض أوتاداً.
قال وهب: وخلق فلك سماء الدنيا شمسه وقمره ودراريه ونجومه وخلقه دائراً
مستمراً قال الله: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}.
وقال وهب: وخلق الجنة وخلق فيها أجناس الملائكة يسبحون الليل
(1/10)
________________________________________
والنهار لا يفترون ثم خلق النار بعد الجنة بألف عام فزفت النار وتغيظت فتطاير منها الشرر فخلق الله من ذلك الشرر إبليس والجان وأسكنهم الجنة يسبحون الله تعالى كما يرون الملائكة يفعلون ويعيد الله إبليس مع الملائكة.
قال وهب: وخلق الله الأزمنة أربعة، شتاء وصيفاً وربيعاً وخريفاً.
قال وهب: فبسط الله الأرض بقدرته وأمسكها كيف شاء بحكمته وخضعت لعظمته ورفع السموات كيف شاء بحكمته وأدار الأفلاك بإتقان حكمه وحسن تدبيره فدار الفلك بهذه الأزمنة الأربعة فأول ما خلق الله من الأزمنة الشتاء بارداً طباً وخلق الربيع حاراً رطباً فكان متصلاً بالشتاء بالرطوبة مخالفاً له بالحرارة وخلق الله الصيف حاراً يابساً فكان ملائماً متصلا بالربيع بالحرارة مخالفاً له باليبوسة وخلق الخريف بارداً يابساً فكان ملائماً متصلاً بالصيف باليبوسة مخالفاً له بالبرد ولذلك زعمت الفلاسفة أن الله خلق الإنسان على خلق الأربعة الأزمنة على أربع طبائع كطبائع الأزمنة فأول طبائع الإنسان البلغم وهي مبنية الجسد وقوامه وأسكنه الأعضاء والمفاصل وعنصره الرأس وكان البلغم مضاهياً للشتاء لبرده ورطوبته ثم خلق الدم حاراً رطباً متصلاً بالبلغم ملائماً له بالرطوبة
(1/11)
________________________________________
مخالفاً له بالحرارة مضاهياً للربيع وخلقه سفاحاً مسكنه العروق والعصب وعنصره الكبد وهو جوهر الجسد وحياته ثم خلق الصفراء حارة يابسة متصلة بالدم ملائمة له بالحرارة مخالفة له باليبوسة وهي خادمة الجسد منضجة للغذاء مميزة له ومسكنها المعدة وعنصرها الكلى ثم خلق الله السوداء باردة يابسة متصلة لا صفراء ملائمة
باليبوسة مخالفة لها بالبرد مضاهية للخريف بالبرد واليبوسة وزعموا أنها الريح خاملة في الجسد عنصرها الطحال وأنها ميزان الجسد وأنها ضد الدم والصفراء ضد البلغم.
قالوا: وحقيق على التحرير العاقل أن يقابل الأزمنة بما يضادها من الأغذية فيقابل بالحار اليابس لأنه ضده ويقابل الربيع بالبارد واليابس لأنه ضده ويقابل الصيف بالبارد الرطب لأنه ضده ويقابل الخريف بالحار الرطب لأنه ضده وقالوا الآن كل طبيعة يهيج سلطانها في زمانها فيعدل الجسد والطبيعة باختلاف الأغذية ولا باقي مع الله.
قالوا: فوجدنا ذلك مبيناً عيناً موجوداً في الإنسان وذلك أن الجوع حار قاتل فإذا قوبل بالشبع مات الجوع وإن العطش حار قاتل فإذا قوبل بالري أمات ذا العطش فكان هذا دليلاً على غيره من الأدواء ودليلاً على غيره من الأدوية الدافعة الآفات تدفع الآفات المعينة.
قال وهب: وإن الله لما خلق الجنة حين شاء كيف شاء حيث شاء في سابق علمه وخلق النار وصار إبليس والجان إلى الجنة وهم لا يتناسلون
(1/12)
________________________________________
في الجنة وإن الجان تنافسوا في الجنة وطغى بعضهم على بعض وعصوا الله وسفك بعضهم دم بعض عج الملائكة إلى الله بالدعاء - قالوا سبحانك ربنا ما أحلمك وأكرمك يتقلب في نعمك من يكفر بك لم تعبد زيادة في ملكك ولم تعص مغالبة في سلطانك تمهل من أساء وتصفح عمن عصى لم تخش الفوات فإليك المصير وأنت على كل شيء قدير لا يفوتك هارب ولا ينجو منك هارب لم ينقص ملكك من عصاك ولا زاده من أطاعك أنت قبل كل شيء وأنت بعد كل شيء لم يؤدك حفظ ما خلقت فأنت بكل شيء عليم.
قال ابن منبه: فغضب الله على الجان فأوحى الله إلى جبريل أن أخرج الجان من
جواري وطهر منهم جنتي فأخرجهم جبريل من الجنة إلى أرضنا هذه فأسكنهم جزائر البحار وقفار الأرض وبقي إبليس مع الملائكة يعبد الله ثم خلق الله آدم عليه السلام لما شاء كيف شاء حين شاء في سابق علمه المكنون وحكمه النافذ من أديم الأرض من سهلها وجبلها وأبيضها وأسودها وأحمرها فجمع الطين فصار صلصالاً حمأ مسنوناً فصور آدم من تلك الطينة.
قال وهب: فلذلك وجد في بني آدم اختلاف الصور للسهل والجبل واختلاف الألوان لاختلاف ألوانهم فرفع جبريل آدم إلى الجنة فلما رأته الملائكة قالوا ربنا ما هذا قال الله تعالى {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} وأنت أعلم ربنا {قال إني أعلم ما لا تعلمون} وطاف إبليس بآدم فغمه ما رأى من جماله وحسن خلقه حسداً ثم جسه بيده فدوى آدم فقال خلق مجوفاً
(1/13)
________________________________________
أصبت والله فيه حاجتي ونفخ الله تبارك وتعالى الروح في آدم صلى الله عليه وعلى محمد وسلم فجال الروح في رأسه فأبصر فرأى جبريل فقال له جبريل عليه السلام: يا آدم وكان قد خلق الله تعالى آدم ملهماً ثم انتشر الروح في جسم آدم فشق جوفه إلى حقويه فاستوى جالساً فلذلك أنزل الله {وخلِق الإنسان عجولا} لأنه جلس قبل أن يصل الروح إلى ساقيه وفخذيه وقدميه.
قال وهب: فقال جبريل يا آدم إن الله لم يخلق بشراً قبلك أنت أبو البشر فاشكر الله تعالى فرفع آدم بصره إلى العرش فلم يحجب عنه العرش فرأى في ساق العرش مكتوباً بالنور (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكان ملهماً للقراء فقال يا جبريل ألم تقل إني أبو البشر وهذا محمد مكتوب في ساق العرش فقال له جبريل صدقت يا آدم صدقتك هذا محمد حبيب الله أكرم البشر على الله خاتم الأنبياء من ولدك وبه تكنى يا أبا محمد له غداً المقام المحمود وله الشفاعة واللواء والحوض
والكوثر.
قال وهب: وإن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم اليسرى.
قال وهب: فقال بعض أهل العلم إن الله خلق حواء من الأرض كما قال {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} قال: أولئك الأولون قال الله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها}، فعطف على النفس لا على للأرض لأنه لم يسبق ها هنا الأرض قصة.
(1/14)
________________________________________
قال وهب: خلق حواء بيضاء نقية صافية البياض ناصعة كحلاء سوداء الأشعار وبه سميت حواء فأسكنها الله الجنة فعلم الله آدم اسم كل شيء في الجنة بكل لسان نطقت به ذريته بعده ثم قال تعالى للملائكة {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} في قولكم، {أتجعل فيها من يفسد فيها}، {قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}، {قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}، وأمر الله تعالى الملائكة وإبليس بالسجود لآدم {فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} وعتا أن يسجد لآدم وقال {أتأمرني أن أسجد لمن أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} فغضب الله عليه وقال له {اخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} قال الله له {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} قال وهب: ولم يعطه الله سؤاله ولكن أخر، لما سبق في علمه إنه يكون محنة وابتلاء لآدم وبنيه.
قال وهب: ولم يعط الله تعالى إبليس الحياة إلى يوم القيمة ولكن إلى يوم الوقت المعلوم، وهو نذر قبلته الملائكة قال الله تعالى {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} وقال قوم إنه باق إلى موت الخلق كلهم فيموت.
قال وهب: وإن الله أنزل صحيفة على آدم قال {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة
وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} ونهاه عن فتنة إبليس ألا يفتنه ويطغيه وإن إبليس أظهر لآدم عبادة الله رياء ثم طرقه ووسوس إليه وقال له: يا آدم أنا أحبك وأنا لك ناصح إن الله لم ينزل عليك النهاية عن هذه الشجرة إلا أن لا تكون أنت وزوجك ملكين فتكونا من الخالدين في الجنة واقسم بالله إني لكما ناصح، قالت له حواء: يا آدم هل يحلف خلق الله وهو كاذب لا يكون ذلك. فذكر آدم النهاية فأبى وإن إبليس
(1/15)
________________________________________
راعى أحوال آدم فلم يجده يغفل إلا عند إفاقته من نومه فلما أفاق آدم من نومه أتاه إبليس فقال له كل من هذه الشجرة يذهب عنك ما تجد من كسل ووسن وهو رأس النهي، فمد يده فأكل وأكلت حواء لما رأته أكل ثم ذكر النهاية آدم فرمى بما في يده وتفل بما في فمه وفعلت ذلك حواء وزجر آدم إبليس عن نفسه فقال له إبليس: إني برئ منك يا آدم عصيت الله، قال آدم: رب إني نسيت واستفزني عدوي عند ساعة نومي وذلك قول الله {فنسي ولم نجد له عزماً} أي لم يعزل على مضغ ما في فمه ولا حبس ما في يده.
قال: ثم تطايرت عنهما حلل الجنة فعلم إنه عاص {فلما بدت لهما سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}.
قال وهب بن منبه: ولما أراد الله خروج آدم من الجنة للذي سبق في علمه قال: يا آدم اخرج أنت وزوجك من جواري.
قال وهب: قال بعض أهل العلم أن إبليس ركب الحية وكانت ذات قوائم أربع حين أتى آدم ليأكل من الشجرة، قال لهم الله اخرجوا من الجنة اهبطوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو قال وسلبت الحية قوائمها وأخذ جبريل يجتاحه فرماه بجبل جي بخراسان.
وزعم بعض أهل العلم إنه يخرج منه الدجال في آخر الزمان فنزل آدم على جبل لبنان وقال قوم على الجودي ونزلت حواء على جبل الطور وإن آدم لما غوى
وأمره الله بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة يمسح دموعه بتلك الجوهرة
(1/16)
________________________________________
حتى اسودت من دموع الخطيئة وتاب الله على آدم قال الله {ثم اجتباه ربه فتاب عله وهدى} ثم أنزل الله عليه صحيفة نزل بها جبريل كتاب من عند الله أمره أن يسير إلى البلد الحرام ويبني البيت العتيق وكيف يكون نكاح ولده وولد ولده بما يصلحهم من معاشهم وهو قول الله تعالى {اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فأما يأتيكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}.
قال وهب: وإن آدم قال يا حبيبي يا جبريل لا أعرف البلد الحرام فأوحى الله إلى جبريل اني دليل الأدلاء دله على البلد الحرام فسار جبريل بآدم حتى أوقفه على الحرم وعلى المسجد واراه مبتدأ البيت وإن حواء وجدت رائحة الجنة من قبل المسجد الحرام عن آدم فتوجهت قبل آدم فلما رأى آدم شخصها من بعيد سعى إليها فالتقيا بعرفات فتعارفا فمن ثم سميت عرفات ثم بنى آدم البيت وتعينه حواء حتى رفع الحطيم فأمره جبريل أن يجعل فيه الجوهرة التي خرج بها من الجنة ففعل وقال هذا منسك لك ولودك من بعدك فلما تم بناء البيت أمره جبريل بقطع خشبة من المسجع بين الطائف ومكة وقال بعض الناس بل من المسجد الحرام فقطع خشبه فرفع سمك البيت وأمره بالحج إليه والصلاة وأعلمه إنه قبله له ولبنيه فأول أثر على وجه الأرض مكة وقال الله تعالى {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً}.
(1/17)
________________________________________
قال وهب: وأول ما تكاثف من الأرض وانعقد وصار أرض البيت حين كانت الأرض زبداً ثم تكاثف المسجد الحرام حولها ثم دحى الله الأرض تحتها قال الله تعالى {ولتنذر أم القرى ومن حولها} مكة أم الدنيا وما فيها من أثر.
قال الذي ألف هذا الكتاب: أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم اختلفت في
الجنة التي اهبط منها آدم عليه السلام فقالت فلاقة أن الجنة التي خرج منها آدم هي جنة من جنات الدنيا وليست جنة الخلد التي وعد الله المتقين وكذلك النار التي أوعد الكافرين ولم يخلقا وإنما يخلقان غداً يوم الفصل واحتجوا في ذلك وقالوا أقاويل فكان ما احتجوا به أن قالوا قال تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} فإن كانتا خلقتا فهما يهلكان بهلاك الدنيا وما فيها وقالوا قوله إلا وجهه ما أراد إلا هو كما تتقول هذا وجه الأمر وهذا وجه الحق أرادوا بوجه هنا هو الأمر وأما الأمر فما له وجه ولا قفا وهذا هو الحق وكذلك قوله لا وجهه إلا هو.
ومما احتجوا به أيضاً أن قالوا إنما سميت الدنيا لأنها دنت بجميع ما فيها من خلق الله من كل شيء مخلوق وسميت الآخرة آخرة لأنها تأخرت بعد الدنيا بجميع ما فيها فهذه الدنيا بما فيها وتلك أخرى بما فيها وليس في
(1/18)
________________________________________
الآخرة إلا داران جنة ونار فإن كانتا خلقتنا فقد خلقت الآخرة في الدنيا فحينئذ يكونان دنيا جميعهما وانتفت الآخرة وذلك غي جائز ويكونان جميعاً آخرة ولا دنيا وقد بينها الله في كتابه فقال في الآخرة تلك الدار الآخرة وقال في الدنيا {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} فدار الآخرة عند الله ممدوحة غير غرور وهذه غرور فهذا من الله تبارك وتعالى البيان.
ومن حجتهم أن قالوا: إن الجنة دار الخلد لا يخرج منها من قد دخلها وهذه قد خرج منها آدم وحواء وإبليس والجان فهذا دليل على أنها ليست جنة الخلد.
ومن حجتهم أن قالوا: إن جنة الخلد ليست دار تكليف وإنما هي دار جزاء لعمل الدنيا وليس يكلف فيها أحد وقد كلف فيها آدم وحواء ألا يأكلا من الشجرة وكلف إبليس والملائكة السجود لآدم فهذه عبادة تعبدهم الله بها.
ومما احتجوا به أن قالوا إن الجنة التي وعد المتقون فيها فاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة وقد منع آدم وحواء في هذه الأكل من الشجرة وقالوا إن احتج من ناظرنا
أن الله قال {اسكن أنت وزوجك الجنة} إنما هي جنة الخلد سماها الجنة فقال الله {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه} فهذا يلزم أن تكون جنة الخلد لأنه سماها جنة.
وقد احتج أيضاً من زعم أن الجنة مخلوقة والنار مخلوقة فقالوا: قال
(1/19)
________________________________________
الله {جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} وأخبر أنها أعدت ولم يقل تعد لأن قوله أعدت فعل ماض وتعد فعل مستقبل وقال {اتقوا النار التي أعدت للكافرين} وقد أبان الله الماضي من المستقبل قال {فأتى الله بنيانهم من القواعد} ماض وقال {يوم يأتيهم الله في ظلل من الغمام} مستقبل والماضي كثير شاهده في القرآن.
ومما احتجوا أن قالوا: قال الله {ادخلوا آل فرعون أشد العذاب، النار يعرضون عليها غدواً وعشيا}.
ومما احتجوا أن قالوا: قال الله تعالى في حبيب النجار الشهيد {قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} فأراد قومه الذين خلف في دار الدنيا يعلمون كرامة الله له.
ومما احتجوا به أن قالوا: قال الله {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
لا خوف ولا حزن على الذين لم يلحقوا بهم من إخوانهم المؤمنين الذين في دار الدنيا قالوا: والآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة غير أنا اكتفينا بالقرآن وجعلنا القرآن الناطق المحكم.
وقالوا بالقياس السوء فقد حمل القياس الفاسد على القرآن الناطق والآثار الصادقة فحملوا القياس السوء وادعوا به علم الغيوب ويعلمون من علم الله ما لا يعلمونه وقد قال الله تعالى {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات
(1/20)
________________________________________
بل أحياء ولكن لا تشعرون} فقال الله لا تشعرون وقالوا بل نشعر نحن رداً على الله وقد نهاهم فقال
ولا تقولوا فقال ولا هم أموات وقد احتجوا به أن قالوا قد حملوا رأيهم بالقياس على الخصوص فجعلوه عموماً في قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} وقد أجمعنا نحن وإياهم على أن أعمال العباد أشياء وإن الله عدل لا يجوز أن يعذبهم على غير شيء وقال {ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً} فهل تفنى أعمال العباد والكتب التي كتبتها الحفظة الكرام الكاتبين والله يقول {اقرأ كتابك} فإن هلكت الأعمال والكتب فما يقرئون غداً وما يجزون - وأعظم غيهم أنهم يقولون أن أسماء الله وصفاته أشياء وهي غيره فهل تفنى أسماؤه وصفاته فأرادوا أن يدركوا علم الغيب بالقياس وقال الله {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض} وقال آخرون احتج هؤلاء ونحن نرد علم هذا إلى الله وقال الله {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيامة} فلم نؤمر إلا بهذا ونرد علمه إلى الله تعالى غير أنا نعلم أن الله جنة وناراً يثيب بهذه المتقين ويعذب بهذه الكافرين وهو العالم إن كان خلقهما الآن أو يخلقهما غداً فقد صدقنا بما قال والكلام غي هذا كثير غير أنا اختصرنا تأليف هذا الكتاب عن السلف الصالح.
قال أبو محمد عن أنس عن أبي إدريس عن وهب قال: حبلت حواء وآدم بمكة يبتني فولدت شيئاً وعناقاً في كل بطن غلاماً وجارية وكانت حواء
(1/21)
________________________________________
تحمل في كل عام فتلد في كل بطن غلاماً وجارية فنزل جبريل على آدم فأمره أن يزوج الغلام من البطن الأول الجارية من البطن الآخر ويزوج أيضاً الغلام من البطن الأخير الجارية من البطن الأول ثم أمر الله تعالى آدم بالسير إلى البلد المقدس فأراه جبريل كيف يبني بيت المقدس فبنى بيت المقدس ونسك فيه وقبلته منه المسجد الحرام ويحج إليه وقت الحج ويحج معه ولده فكان آدم وولده يبنون البيت ويقربون القربان في جبل الطور فمن قبل سعيه نزلت النار من السماء على
قربانه فأكلته فمن أكل قربانه علم إنه قبل سعيه ومن لم تأكل النار قربانه علم إنه لم يتقبل سعيه فتفكر في ذنبه وسأل آدم أن يستغفر الله له من ذنبه ثم يقرب قرباناً آخر حتى إذا أكلت النار قربانه علم أن سعيه مقبول وقد تاب الله عليه.
قال وهب: وأنه لما أتى وقت الحج نزل جبريل على آدم فقال السلام يقرئك السلام يا أبا محمد ويقول لك أنا الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء حكمت عليك بالموت وعلى زوجك وعلى ولدك إلى يوم الدين ولا يبقى معي لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا جن ولا شيطان كل يذوق الموت فأتى آدم حواء وهو باك قالت له مالك قال لها حكم ربي علي بالموت وعليك وعلى جميع الخلق من الجن والأنس والملائكة بكت حواء لفراق الدنيا قال لها آدم: الدار الآخرة خير للمتقين ثم سار آدم إلى الحج وإن هابيل وقابيل قربا قربانا تقبل من هابيل ولم يتقبل قربان قابيل: {إنما يتقبل الله من المتقين
(1/22)
________________________________________
لئن بسطت إلي يدك لتتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين}.
قال وهب: قال ابن عباس كانت منافستهما على أخت قابيل على أخت قابيل التي ولدت معه في بطن وكانت جميلة فطلب هابيل أن يتزوجها وقال له قابيل أنا أتزوجها فقال له هابيل أن تحل لك قال له قابيل أقرب معك قربانا فمن أكلت النار قربانه تزوجها فقربا فأكلت النار قربان هابيل فبقى قربان قابيل فحسد هابيل عليها ونفز عليه فقتله.
قال وهب: قال بعض أهل العلم أن شيئا وهابيل وقابيل وحبيب وعبد الصمد وعبد الرحمن وصالحاً وعبد الله وعبد الجبار.
قال وهب: فلما رآه ميتاً حين قتله أقبل عليه يدعو وينادي: يا هابيل يا هابيل فلما لم يجبه أقبل عليه يقلبه ليتحرك، فلما رآه ميتاً لا يتحرك ولا يحير جواباً ولا ينظر، ندم وأدركه الخوف وعلم إنه الموت وداخلته وحشه الموت وعلم إنه عصى
الله فطلب الحيلة له فلم يدر ما يفعل فيه وضاقت عليه الأرض فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فلما مات بحث الغراب الحي حتى خد في الأرض أحدوداً ثم جر إليه الغراب القتيل فالقاه في الأخدود فقال: هذا غراب علم ما يعمل بأخيه فما لي لا أواري سوأة أخي هكذا فلما حفر ليواريه
(1/23)
________________________________________
أتت حواء لتطلبهما لما غابا عنها فوجدته قد حفر له قبرا ووجدت هابيل قتيلاً فحملته وسارت به إلى آدم وقالت: له يا آدم هذا هابيل أكلمه فلا يكلمني ولا ينظر ولا يتحرك. قال: ما باله، قال له قابيل: أنا فعلت به هذا، قال آدم: اذهب عني فقد عصيت الله إياك أن تلقاني، فذهب فلم يلق آدم بعدها. وقال آدم لحواء: هذا الموت الذي أعلمتك به تزودي منه فإنك لن تريه إلى يوم الدين يرجع إلى الأرض التي خلقنا منها، فلما أيقنت بفراقه وأنها لا تراه أبد الأبد عظمت عليها المصيبة ورفعت يديها إلى رأسها صاحت، فمن أجل ذلك صارت كل امرأة على الدنيا إذا أصابتها مصيبة تأدت بيدها على رأسها وصاحت كفعل حواء، فلما بكت حواء قال لها آدم: مذ خلق الموت في الدنيا لم تجف لعاقل فيها عين ولا تجف لأهلها عين يبكون ويبكي عليهم حتى يتفارقوا ونفارقهم يا حواء ذهب الأمل وحل الأجل فمن قدم خيراً وجده ومن قدم شراً وجده وأنشأ يقول يرثي هابيل:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
وجاورنا عدوٌ ليس يهدي ... لعينٌ لا يموت فاستريح
أيا هابيل يا ثمر الفؤاد ... أبعد العين مسكنك الضريح
محل تخلق الأجسام فيه ... ويبلى عند الوجه الصبيح
(1/24)
________________________________________
فعيني لا تجف عليك سحاً ... وقلبي الدهر محزون قريح
قال وهب: قال قوم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن قابيل لم يقتل أخاه هابيل قتلاً مفنياً ولكنه تناظر معه في الملكوت وكانت قابيل أبعد بالحجة في ذلك فقتله بالحجة. والغراب عندهم تأويل ويحتجون أن الأنبياء لا تقتل الأنبياء ولو كان
ذلك لما ذم بني إسرائيل بغير حق وإذا كانت الأنبياء تفعل ذلك فما بال غير الأنبياء - واحتجوا فقالوا: قال الله {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل إنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} أي من استدعى نفساً إلى الشرك فقتلها فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها ودعاها إلى الإيمان فأحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً فكان قتل ابن آدم لأخيه بالحجة لا بالقوة لأنه لم يقتل نبي نبياً.
قال وهب: قال جبير بن مطعم هذه القصيدة ليست لآدم وهي منحولة، وقال ابن عباس، تكلم آدم بجميع الألسن التي نطق بها بنوه ومن بعده من عربي وعجمي، وهذه الأسماء لم تعلمها الملائكة {فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم}.
قال وهب: إن آدم غرس الثمار التي هبط بها من الجنة فأول ما غرس بالبد المقدس ثم انتشر بنو آدم إلى الجزيرة وغلى بابل وإلى اليمامة وإلى الطائف
(1/25)
________________________________________
وبلغوا البحرين يغرسون الثمار وبلغوا اليمن وعمان يغرسون الثمار ويحفرون الأنهار ويبنون المصانع وينحتون الجبال. ثم أن آدم لما بلغ دعوة الله وعلت حجة الله في بنيه وفي الجن وكثرت ذريته في الأرض فتكملت أيامه آتاه وعد الله آتاه جبريل فقال له: يا أبا محمد السلام يقرئك السلام ويأمرك أن تقيم شيثاً خليفة من بعدك في الأرض للأنس والجن يقيم فيهم حجة الله وينهاهم عن معصيته فعلم آدم أن نعيت إليه نفسه فأوصى شيثا واستخلفه.
قال وهب: لم يقبض الله آدم عليه السلام حتى وصل خلفه ألف رجل من بنيه وبني بنيه، ثم إن الله قبل روح آدم وأعلمه جبريل فلذلك قال: يا حبيبي يا جبريل نعيت إلى نفسي بموت حواء، وكان موت حواء قبل موت آدم بعامين، ثم دعا آدم فقال: رب هب لأوصيائي القائمين بجنبك عمري ما قاموا على عهدك وأظهروا
حجتك وقاموا بحقك فمن بدل فإنك أنت العليم الحكيم.
قال وهب: وكان عمر آدم عليه السلام تسعمائة وثلاثين سنة ثم قبضه الله صلى الله عليه وسلم واسمه بالسرياني والعربي (آدم) وكان عمر حواء تسعمائة وثمانية وعشرين سنة. خلقت حواء بعد خلقه. وولي أمر بني آدم من أنس ومن الجن شيث (شيث) اسم عبراني وتفسيره باللسان
(1/26)
________________________________________
العربي خلف وشايث باللسان السيرياني وتفسيره بالعربي نصب لأن عليه نصب الدنيا على ذريته ليس على الدنيا ذرية شيث وجميع ولد بني آدم أغرقهم الطوفان فقام شيث في الأرض وخليفة بأمر الله يصدع بالحق وذلك أن بني آدم وبني البنين انتشروا في الأرض يبنون ويغرسون فتنافسوا فيها وطغى بعضهم على بعض فأنزل الله على شيث خمسين صحيفة في صلاح الأرض يدعو الثقلين الجن والأنس وكان شيث مخبولاً على القراءة ولا يكتب. فأنزل الله شريعة آدم في نكاح الأخ للأخت لأن آدم صلى الله عليه وسلم كان يزوج الأخ من الأخت إذا اختلفت البطون فأتت شريعته بخلاف ذلك ولا يزوج إلا ما تباعد نسبه كبنات العم وغير ذلك. قال الله تعالى {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}. فأنكر عليه ذلك بنو آدم وسرجوا فقام فيهم بأمر الله وغلب عليهم الله حتى تمت كلمة الله وعمت دعوته.
قال وهب: وإن لامك بن هنوش بن هابيل بن آدم وهو هابيل قتيل قابيل مر عليه وهو يرعى غنماً له راكباً على فرسه ولامك أعمى فتكلم قابيل فقال: لامك من هذا المتكلم فقد انتفض لكلامه كبدي واقشعر له جلدي فقالوا: هذا قابيل قاتل هابيل جدك قال: أوتروا إلى قوساً فأوتروا له قوساً ثم استمع الكلام من أين يأتيه حتى علم أين هو ثم قال: ألهم أهدني وانتقم ثم رمى فأصاب نحر قابيل فسقط عن فرسه. ثم سال من هذا قيل لامك بن هنوش بن هابيل قال: حسبي أبناء الأبناء قروا حدود الأجداد
(1/27)
________________________________________
ومات فأتوا بنو قابيل بلامك الأعمى إلى شيث فقالوا: هذا قتل
أبانا قابيل قال لهم: أخذ الله حقه بأضعف خلقه دعوه النفس بالنفس فإن الله أوحى إلى آدم أنا أرحم الراحمين قتل ولدك ولا آمرك بقتل ولدك الآخر دعه لا يفوتني هارب ولا ينجو مني غالب وأنا القوي الطالب فلما بلغ شيث حجة الله وتمت كلمة الله بالصحف خمسين صحيفة وخمسين كتاباً وقد ذكر الله صحف شيث وغيرها من الصحف فقال: {رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة} وقال: {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} حكمنا حق في الأولين والآخرين، وقال: لا تبديل لكلمات فأوحى الله إلى شيث أن اتخذ ابنك أنوش صفياً ووصياً فعلم إنه نعيت إليه نفسه فأوصى إلى ابنه انوش واستخلفه فلما بلغ تسعمائة سنة واثنتي عشرة سنة قبضه الله وولي أمر الله في الأرض ومن فيها انوش بن شيث فحكم بما في صحف شيث واسمه باللسان العبراني انوش بكسر الهمزة الألف والشين وتفسيره باللسان العربي إنسان واسمه باللسان السيرياني انوش بفتح الألف والشين وتفسيره باللسان العربي صادق فعمل في الأرض بطاعة الله حتى بلغ عمره تسعمائة وخمسين سنة، فلما بلغ العمر المسمى في الدعوة أوصى إلى ابنه قينان ثم قبضه الله عز وجل. (قينان): عبراني تفسيره باللسان العربي مشتري وكذلك اسمه بالسرياني، فعمل بأمر الله وقام بحق الله واسمه في الإنجيل واينان وتفسيره بالعربي عيسى. فلما بلغ من العمر غاية دعوة آدم وعاش تسعمائة سنة وعشر
(1/28)
________________________________________
سنين أوصى إلى مهليل ابنه، ومات قينان وولي الأمر ابنه. (مهليل): عبراني وتفسيره باللسان العربي ممدوح واسمه بالسرياني في الإنجيل مالالي وتفسيره بالعربي مسيح الله فصار بأمر الله قائماً فلما بلغ الغاية من العمر من دعوة آدم وعاش بضع مائة سنة وعشرين سنة أوصى إلى ابنه يارد: اسمه في التوراة عبراني وتفسيره بالعربي ضابط، واسمه في الإنجيل سرياني وتفسيره بالعربي هبط أي هبط في الأيام ثم قبض الله مهليل وولي الأمر في بني آدم يارد، فعمل
بأمر الله فلما بلغ إلى غاية الدعوة وعاش تسعمائة سنة واثنين وستين سنة أوصى إلى ابنه (اخنوخ) ثم قبضه الله إليه. (واخنوخ): اسمه في التوراة عبراني وتفسيره بالعربي إدريس وهو إدريس عليه السلام، واخنوخ اسمه سرياني وأنزل في التوراة إنه حي إلى موت جميع الخلق وموت الملائكة فيذوق الموت حتماً مقضياً، وأنه عاش في الأرض ثلاث مائة سنة وخمساً وستين سنة ثم رفعه الله إلى السماء السابعة فهو مع الملائكة. وقال الله: {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبيا ورفعناه مكاناً علياً}. وقال بعض أهل العلم: ورفعناه مكاناً علياً أي إنه رفعه في النسب مكاناً علياً أن ليس بعد آدم وشيث نبي غيره والله أعلم.
قال وهب: إدريس النبي أول من كتب بيده من أهل الدنيا أنزل
(1/29)
________________________________________
عليه الكتاب السرياني وعلمه إياه جبريل. فأول من أنزل الله تبارك وتعالى عليه {بسم الله الرحمن الرحيم} في صحيفة وبعده في الصحيفة مكتوب شهد الله إنه لا اله إلا هو. إلى آخر الآية ثم أنزل عليه أبجد إلى آخرها فكتب وقرأ ولما رفع الله إدريس استخلف ابنه متوشلح: عبراني تفسيره باللسان العربي مطلوق وهو بالسرياني متشالح وتفسيره بالعربي مات الرسول. فعمل متوشلح بأمر الله وحكم بحكم الله حتى بلغ علم المدة التي علم بها آدم فأوصى إلى ابنه لامخ. (لامخ): عبراني وهو بالعربي لمك وهو بالسرياني لامخ فبنى المصانع وتجبر واحتجب فلما رآه بنوه كذلك فعلوا كفعله ونافسوه ودافعوه، فعاش لامخ تسعمائة سنة وسبعاً وسبعين سنة ثم قبضه الله ومرج الناس وطغى بعضهم على بعض فبعث الله نوحاً (نوح) صلى الله عليه وسلم: هو نوح بن لامخ فدعا الناس والجن إلى طاعة الله وأنزل الله عليه صحيفتين بكتابين ودعاهم إلى ما في الصحف فعصوه وارتفع عنهم الغيث فقال لهم: {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين}.
قال وهب: وأوحى الله إلى نوح {لا تبتئس بما كانوا يفعلون} فإن حكم الله نافذ إلى يوم الوقت المعلوم فاصنع الفلك فكانوا يسخرون منه
(1/30)
________________________________________
ويقولون ترك الكذب وصار نجاراً فأقام نوح يدعو الثقلين الجن والإنس ألف سنة إلا خمسين عاماً فكان الآباء يوصون الأبناء بتكذيبه ويقولون لهم: لا تطيعوا هذا الشيخ الكذاب فانا أدركنا سلفنا يكذبونه، فأوصى الأبناء أبناء الأبناء بتكذيبه فكلما طاف الأرض يبلغ حجة الله فيأتيه وقت الحج فيرجع إلى البيت الحرام فيحج. فلما رأوه يفعل ذلك قالوا: لو هدمتم بيت نوح لكف عنكم فائتمروا بهدم البيت وخراب المسجد الحرام فهدموا البيت وخربوا آثار المسجد الحرام. فأوحى الله إلى نوح فقال له جبريل: يا نوح السلام يقرئك السلام، يا نوح جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا اشتد غضب الله وحقت كلمة العذاب على الكافرين لا ملجأ ولا منجا لأهل الأرض من عذاب ابنه احمل في السفينة من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم، فإذا رأيت التنور فاركب أنت ومن معك وكان الذي آمن معه سبعين رجلا. قال الله: {وما آمن معه إلا قليل} فلما رأى التنور ركب بالسبعين رجلاً بلا نساء معهم وركب بنوه سام وحام ويافث ونساءهم كن قد آمن، ثم رفعت الأرض ماءها وهرب ابن نوح الرابع إلى جبل فقال له نوح: يا بني آمن واركب معنا {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}، قال له نوح: {لا عاصم اليوم من أمر الله}. والعرب تجعل فاعل في موضع مفعول قال الله {في عيشة راضية} و {ماء دافق} أي مرضية ومدفوق.
قال وهب: فآوى ابن نوح إلى جبل وهربت معه امرأة باينها فلما طما الماء على قنن الجبال وأخذها الماء جعلت المرأة ابنها على رأسها فلما ألجمها الماء جعلت ابنها تحت رجليها لتنجو ثم علاها الماء فغرقا وغرق ابن نوح. فأوى الله إلى نوح (لو كنت أرحم منهم أحداً لرحمت أم الطفل). ثم انهمرت
(1/31)
________________________________________
السماء بماء منهمر
والتقى الماءان ماء الأرض وماء السماء. قال الله: {فالتقى الماء على أمر قد قدر} ولو نزل الله ماء السماء على الأرض لأغرقها ولكنهما التقيا في الهواء ودار الماء على البيت وعلى المسجد فلم يعد وبقي ما فوقه هواء وأنه لما آن وقت الحج قذفت الرياح السفينة إلى البلد الحرام فطاف نوح بالبيت أسبوعاً ثم قال نوح لبنيه: إنكم في حج فاعتزلوا النساء فجعل نوح النساء بمعزل وجعل دون النساء رماداً وإن حام جاز إلى امرأته ليلاً فوطئها فلما أصبح نوح رأى الأثر في الرماد قال: من جاز إلى النساء؟ قالوا: لا نعلم من جاز. وكتمه حام. فقال نوح (اللهم سود وجهه ووجه ذرية من عصى ووطئ أهله) فولدت امرأة حام غلاماً أسود فسماه كوشا فعلم أن الدعوة أدركته.
قال وهب: أقام الماء على الأرض أربعين عاماً وقال بعض الرواة أربعين يوماً ثم أمر الله السماء فأقلعت ماءها وأمر الأرض فغاصت ماءها ونزلت السفينة بنوح على الجودي فقال: {بعداً للقوم الظالمين}.
قال وهب: وعاش نوح بعد الطوفان خمسمائة عام وإن السبعين رجلاً الذين كانوا معه في السفينة ماتوا بلا عقب وإنما أعقب بنو نوح الثلاثة سام وحام ويافث، فولد سام ارفخشد وارم وبنين كثيراً درجوا ودرج أبناءهم، فولد أرم: عوص فولد عوص عاد الأكبر، وولد عابر بن
(1/32)
________________________________________
أرم فولد عابر ثموداً وطسم وولد آرم أيضاً لاوي فولد لاوي عملاقاً وريثاً وولد أيضاً فارساً ومارما، فولد فارس الفرس. وقال بعض الرواة أن طسم وجديش ورايش وعملاقاً أولاد من ابن ارم فأما بني ازفخشد فهم النخلة يعني نسبهم في نخلة النسب فاغنى عن أبنائهم هنا.

نسب ولد حام
ولد حام كوشا وماريع، فولد كوش الحبشة، ولد لماريح بن حام كنعان بن ماريع بن حام فولد بربر بن ماريع ونوبة بن ماريع، وولد حام قبط بن حام وسند بن
حام وقول بن حام وعامور بن حام، وولد يافث عجلان بن يافث، وولد يافث عوجان بن يافث وبرجان بن يافث، فولد عجلان بن يافث ياجوج وماجوج والترك والخزر أولاد عجلان بن يافث، وولد عوجان بن يافث صقالب بن عوجان وسكس بن عوجان وقوط بن عوجان.
(1/33)
________________________________________
قال وهب بن منبه: ولما خلق الله الجنة جعلها خير معد لأوليائه وخلق الألسن فاختار لجنته من جميعها العربية وخلق بني آدم فاختار للعربية العرب.
قال وهب: ولما أراد الله إتمام أمره وإظهار العربية أنزل كتاباً مقطعاً وهو: {شهد الله بالحق بسم الله الرحمن الرحيم شهد الله إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم}. حكم الحي القيوم إنه إذا اعتكر الزمان وكثر النسيان وحكم في ذرية آدم الشيطان وغلب هذا اللسان فعبدت الأوثان وقتل الولدان بعث الله محمداً بالعدل والبيان يصدع بالقرآن وينصر الإيمان زمان ظهور السودان نبي لا نبي بعده ولم يخلف الله وعده.
قال وهب قال جبريل يا نوح خذ هذه الصحيفة فإنها كنز لذريتك فاحبسها عنهم فانه من صارت له من ولدك القسلة تعلم إنه خير ولدك وذريته خير ذريتك محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فلم يزل تبارك وتعالى ينقله من الأصلاب الطاهرة والمحتد الطيب حتى بعثه الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت الصحيفة عند نوح لا يعلم ما فيها حتى نعيت إليه نفسه فقال له جبريل: ساهم بين بنيك بني سام وحام ويافث فقال لهم نوح: اقترعوا على هذه الصحيفة فأيكم صارت له فهو خير ولدي وذريته خير ذريتي، فاقترعوا عليها فارت لسام فأخذها سام فصارت إليه وكانت في يدي سام ولا
(1/34)
________________________________________
يعلم ما فيها. (سام): تفسيره بالعربية اسما، ومات نوح وولي أمر أهل الأرض سام وهو وصي نو. وقال بعض أهل العلم: أن وصي نوح ابنه نون بن نوح.
قال وهب: وكان سام جزوعاً من الموت فسأل نوح الله ألا يميته حتى يسأل الموت. فعاش أربعة آلاف عام نبي القين وعمّر ألفين وإن سام اعتل بنسمة فسأل ربه الموت فمات.
قال وهب: أتى الحواريون عيسى بن مريم فقالوا له: يا روح الله وكلمته أرنا جدنا سام بن نوح ليزيدنا الله يقيناً فسار بهم عيسى إلى قبر سام فقال: أجب بإذن الله يا سام بن نوح فقام بقدرة الله كالنخلة السحوق قال له: كم عشت يا سام؟ قال له عشت أربعة آلاف سنة تنبيت ألفين وعمرت ألفين، قال له عيسى: فكيف كانت الدنيا هناك؟ قال له سام: كبيت ببابين دخلت من هذا وخرجت من هذا ثم أن ساع قرع بين أولاده في الصحيفة فصارت إلى ارفخشد فعلم سام إنه خير ولده فأوصى له واستخلفه وولي ارفخشد. وتفسير (ارفخشد) بالعربي مصباح مضيء، وارفخشد باللسان السرياني واسمه بالعبراني ارفخشاد، فعاش ارفخشد أربعمائة وثلاثاً وستين سنة فكانت الصحيفة عنده لا يعلم ما فيها وهو على دين الله فساهم بين بنيه فصارت الصحيفة بالسهم إلى شالخ بن ارفخشد وولي أمر الناس شالخ. وشالخ بالعربي وكيل وكان على حق والصحيفة لا يعلم ما فيها، فعاش
(1/35)
________________________________________
ثلاث مائة سنة وثلاثاً وستين سنة، فلما حضرته الوفاة ساهم بين بنيه فصارت الصحيفة إلى عابر بن شالخ فأوصى شالخ إلى ابنه عابر فولي أمر الناس عابر بالحق والعدل فبنى المجدل وحلب النهر والصحيفة عنده لا يعلم ما فيها حتى أراد الله تفرقة الألسن للذي سبق في علمه لظهور الحجة. قال الله {واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}.
قال وهب: وإن عابر رأى في منامه كأن باباً من السماء فتح له ونزل منه ملك فأخذ بيديه فأقامه قائماً فشق صدره ونزع قلبه فشقه وغسله ثم أطبقه فعاد صحيحاً كما كان ثم رده في صدره وريده فعاد سوياً. فلما أصبح داخلته وحشة
وهيام منها فتوارى عن أخوته وقومه وأنكره أهله وولده وامتنع من الطعام. فلما رأى إلى فراشه رأى كما رأى في الليلة الأولى، فرأى كأن الملك آتاه فأخذ بيديه وأقامه على نفسه ثم قال: هات الصحيفة يا عبر فأتى بالصحيفة عابر فقال له الملك: اقرأ يا عابر، قال له عابر: ما الذي اقرأ؟ قال: (اقرأ (شهد الله بالحق بسم الله الرحمن الرحيم شهد الله إنه لا إله إلا هو). إلى آخر الصحيفة ثم قرأها معه مراراً فلما أصبح عابر ازداد وحشة وفراراً من قومه، فقالوا: أن عابر خولط في عقله، فجعلوا يحرسونه وهو يتوارى عنهم بالصحيفة يتذاكر ما علمه الملك ويتدبر الأحرف بعقله وافتراقها كيف واتصالها كيف نهاره أجمع. فلما أوى إلى فراشه عادت
(1/36)
________________________________________
الرؤيا ثم أخذ الملك بيده فأقامه وقال هات الصحيفة يا عابر! فلما آتاه بها قال له: يا عابر أمر هذه الأحرف وسمها بما أعطاك لسانك وشفتاك ألا ترى أنك قلت باء بشفتك فسم حرف الباء، ثم قلت سين فهو سين، ثم قلت ميم توالي الحرف بالحرف يكن بسم. وكذلك سائر الحروف فتدبرها وسمها بما أعطاك لسانك وشفتاك لتسعد. فلما أفاق عابر تدبر الصحيفة كما رأى فسهل عليه أمرها وفتحت له قراءتها فقرأها وعلم ما فيها فدعا ابنه هود وهو هود النبي صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا هود إن الله اختصني بعلم عظيم جليل القدر لنا به الشرف في الدنيا والآخرة، ثم أخرج الصحيفة فقرأها فقال له هود: يا أبت رأيت رؤيا كأن آتياً أتاني فأطعمني طعاماً فلما وصل إلى جوفي تضوع له من فمي نور ملأ ما بين المشرق والمغرب. قال له عابر: أنت يا بني صاحب الصحيفة سيقال لك وتقول فاحترس بما في يديك. ثم تبلبلت ألسن الخلق فأقاموا بالمجدل وبأرض بابل يموجون ويعالجون اللغات فسلبوا اللسان السرياني إلا أهل الجودي فإنهم لم يعتوج لهم لسان يتكلمون بالسرياني. وأجرى جبريل صلى الله عليه على كل لسان كل أمة لغة فنطق بالألسن العجمي والعربي وأفصح يعرب بالعربية وهود أبوه
وفالغ بن عابر أخو هود بالجودي يتكلم بالسرياني، ويتكلم مع عابر جميع أخوته وبني عمه أرم بن سام ما خلا الفرس فإنها تكلمت بلسان أعجمي، وأما عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وراتش فإنهم نطقوا مع ابن عمهم عابر بالعربية فأدركتهم بركتها وشرفوا وتغلبوا على جميع من كان معهم من الألسن
(1/37)
________________________________________
حتى زهوا على الناس وأظهروا فيهم الطغيان وأشرفوا على الناس وكانوا كذلك إلى حين والناس إذ ذاك ببابل.
قال وهب: ولما تغلب المتعربون من ولد سام بن نوح على الناس ببابل وطغوا عليهم وعاثوا فيهم، بعث الله إليهم أخاهم هوداً نبياً فدعاهم إلى طاعة الله فعتوا وهو قول الله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هوداً}. فإنه لما تغلب بنو عابر على جميع أهل الألسن وقهروا الناس، هبت الرياح الأربع الصبا والدبور والشمال والجنوب وهو أن تقف وتستقبل بوجهك مطلع الشمس فما هب عن وجهك فهو صبا وما هب عن يمينك فهو جنوب وما هب عن شمالك فهو شمال وما هب عن خلفك فهو دبور.
قال وهب: ولما هبت لقوم تبعوا ريح الصبا أين سارت واقتدوا بها وهم بنو حام فساروا حتى نزلوا اليمن ولم يسم إذ ذاك يمن. ثم هبت بعدهم ريح فتبعها قوم من بني يافث وهم القوط فنزلوا بجوار بني حام والموضع الذي نزلت به بنو حام يسمى العالية والموضع الذي نزلت فيه بنو يافث يسمى الهيفاء، فعملوا الأرض وافتتحوها وغرسوا الثمار وأجروا الأنهار ثم تنافس بنو حام وبنو يافث فاقتتلوا فغلب بنو حام على بني يافث وملكوهم وأجروا عليهم الخراج، والقوط أول من أدى الخراج على الأرض من ولد نوح، وفي ذلك كله هود يدعو الناس ببابل إلى الله ثم أن هوداً رأى رؤيا كأن
(1/38)
________________________________________
آتياً أتاه فقال له: يا هود إذا ضربت رائحة المسك إليك أو إلى أحد من ولدك من ناحية من نواحي الأرض فليتبع من وجد رائحة
المسلك ذلك النسيم حتى إذا كف عنه فذلك مستقره وللناس سعى ولله فيه علم وقضاء سبق ذلك فجاء مكنون علم الله. فقص الرؤيا هود صلى الله عليه وسلم على ولده وقومه. ثم آتاه آت في الليلة الثانية فقال له: يا هوج من وجد رائحة المسك اتبعه فإنه يفضي به إلى خير بلد الله وفيه بيته العتيق وحرمه وهو البيت الذي بناه آدم والملائكة ورفعه الله من الطوفان. وقال بعض الرواة: بل هدمه ثوم نوح. فأقام هود ببابل على الرجاء فلا يجد شيئاً وهو يدعو الناس المتقربين من ولد سام بن نوح عاد أو ثمود وطسماً وجديساً وراتشاً وعملاقاً وبني ارفخشد بن سام وعاد وإخوانهم بنو أرم بن سام ببابل.
قال وهب: وإن يعرب بن قحطان بن هود النبي عليه السلام وجد رائحة المسك فقال له هود: دانت ميمون النقيبة يا يعرب أنت أيمن ولدي مر فإذا سكن عنك ما تجد فانزل على اليمن ولا تمر فإنها لك خير وطن وجاور بيت الله يا خير جوار. فصار يعرب بمن تبعه من بني قحطان وبني عابر ومن خف معه من بني ارفخشد فساروا في جمع عظيم ووجوه أهل بابل وكان يعرف وسيماً كريماً أفضل غلام ببابل وقال في ذلك:
أنا ابن قحطان الهمام الأقيل ... لست لكاك ولا مؤمل
يا قوم سيروا في الرحيل الأول ... قحطاننا الأوفر غير الأرذل
(1/39)
________________________________________
إني أنادي باللسان المسهل ... بالمنطق الأبين غير المشكل
ومنطق الأملاك بعدي الكمل ... حسرت والأمة في تبليل
أجرى بعين الشمس في تمهل ... لا قهر الأملاك بالتفضل
عن قول نوح غير ذي تغزل ... وقول نوح ذاك علم الفيصل
يرجى لتعقيب الزمان الأحول ... زمان ذي الوحي الكريم المفصّل
محمد الهادي النبي المرسل ... والناس عند سبقنا بمعزل
عن خير قول قلته وأجمل ... لله در الماجد المستقبل
قوله بمنطق الأملاك يعدي الكمل: طعن في علم ما يكون بعده أراد منطق التبابعة من ولده وأراد بقوله الزمان الأهول بعد ما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنه يحارب الجار جاره ويعادي المرء كلبه ووالده وأمه.
قال وهب: وقوله عن قول نوح - يريد الصحيفة كنز ذرية سام - ثم سكنت عنه رائحة المسك على رأس العالية فنزل بجوار بني حام فشاجره بنو حام كما فعلوا ببني يافث فرجعوا إلى يعرب وبني عابر اللذين معه فقاتلهم قتالاً شديداً فهزمهم يعرب ونفاهم إلى غربي الأرض فآتاه بنو يافث مذعنين فأمرهم بالإقامة ورفع عنهم الخراج الذي كانوا يؤدونه إلى بني حام.
قال وهب: وورث يعرب أرض اليمن.
قال وهب: اسم (يعرب) يمن ولذلك قيل أرض يمن وأقام يعرب
(1/40)
________________________________________
بها يغرس الثمار ويجري الأنهار. وكان يعرب أول من قال شعر ووزنه وذهب في جميع الأعاريض ومدح ووصف وقص وشيب فتعلم منه أخوته وبنو عمه حتى وصل الأمر إلى المتعربين ببابل عاد وثمود وطسم وعملاق وراتش فاستطابوا الشعر وخف على ألسنتهم وراموا قوله فنسج لهم قوله.
قال وهب: وبلغ عادا ما يعرب فيه هو وبنو أبيه من النعمة ورفد العيش وكان شخص مع يعرب من بابل إلى أرض يمن رجل من عاد يقال له رقيم ابن عويل بن الجماهر بن عوص بن أرم فلما رأى يعر ومن معه في أمن وسعة ورغد من عيشهم حسدهم وكان يعرب يرى الأسباب في منامه وكان يخبر بها قومه ليكون الذي رأى رواية - رأى أن آتياً آتاه فقال له: يا يعرب هلا جعلت نقباً في الجبل الأغر من أرض برهوث في غربي الأرض فإنه معدن عقيان وأفقر شرقيه فإنه معدن لحين ففعل ثم إنه يرى ويستخرج معدن الجوهر من العقيق والجوهر فكبر
اللجين والعقيان في أرض يمن وإنما زيد في يمن الألف واللام لصلة الكلام، وإن رقيم بن عويل لما رأى أرض اليمن أتى قومه عاداً وكان فيهم رأساً فجمع عاداً ثم أخبرهم بما فيه بنو قحطان مع يعرب وأنكم ها هنا لستم على شيء وأعنتم على أنفسكم هوداً بكل من غشيم عليه وقهرتموه من جميع الناس فصاروا يداً عليكم مع هود ولكن
(1/41)
________________________________________
لاينوا هوداً وأعطوه عقوداً حتى يلين لكم ثم اخرجوا إلى اليمن وانزلوا ناحية منها واسألوا أخوانكم الجوار فإذا سكنتم كنتم من وراء أمركم فويل للمنزول عليه من النازل.
قال وهب: فأوحى الله إلى هود يخادعونك والله من ورائهم محيط أعطهم ما سألوا فاني لا أخشى فوتاً فوعزتي وجلالي ما ينتقلون إلا من أرضي إلى أرضي ولا يفرون من قدرتي إلا إلى قدرتي. فأعطاهم هود ما سألوه ورفعوا إلى اليمن فنزلوا بالأحقاف فلما نزلوا الأحقاف لم يتعرض لهم يعرب بشيء وقال لقومه: أخوانكم لجئوا إليكم فقال لهم رقيم: تحرموا عليهم الديون حتى يقاتلوكم فإذا طفرتم بهم قويتم على حرب هود بقتلكم ذريته فليس لأحد بكم طاقة وذلك إن الله خلقهم خلقاً عظيماً. قال الله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد ارم ذات العماد} أي ذات الأصلاب الطوال التي لم يخلق مثلها في البلاد ثم إن عاداً شاجرت يعرب وبني قحطان وتسببوا إليهم للحرب. فقال يعرب: يا بني قحطان إن كان أعطى الله عاداً أعظم الأجسام فقد أعطاكم الصبر والجلد فقاتلوهم بإذن الله تعالى ثم التقى بنو قحطان ويعرب ومن معهم مع عاد بموضع من اليمن يقال له بارق بين الأحقاف والعالية فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزمهم يعرب وقتلهم مقتلة عظيمة فقال يعرب في ذلك:
لعمري لقد شادت على الدهر خطبة ... سيوف بني قحطان في يوم بارق
(1/42)
________________________________________
لقد حضرت عاد إلى الموت ضحوة ... وللمرهفات الغر فوق العواتق
دلفنا إلى عاد بجمع كأنه ... على الأرض يعدو كالسيول الدوافق
أرادوا دفاع الله والله غالبٌ ... فكن عليهم منه إحدى الصواعق
لنا لجة وسط العجاج يُرى لها ... على فارسات الصبر حر الودائق
إذا عججوا أو لججوا خلت جمعهم ... صخوراً تدلت من رؤوس الشواهق
بكل فتى ماضٍ على الهول باسقٍ ... يلاقي المنايا بالسيوف البوارق
نفينا بني حام عن الأرض عنوة ... إلى الجانب الغربي رجم المضايق
لنا شرفات العز من حصن عابر ... علونا بها عن كل بان وسابق
أبونا هو الهادي النبي الذي له ... على أمم الدنيا عهود المواثق
سمونا إلى هود ومن كان مثلنا ... يقول بفخر واضح النور صادق
قال وهب: وإن الله أنزل على هود صحيفة أمره فيها بالحج إلى البيت الحرام وأنزل عليه ما بقي على أبيه من العربة وأنزل عليه (اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ع غ س ش هـ ولا ي) فأنزل لها تسعة وعشرين حرفاً ولذلك علا اللسان العربي على جميع الألسن لأن كل لسان من الألسن مثل العبراني والسرياني إنما هو اثنان وعشرون حرفاً، وأنزل عليه - يا هو أن الله قد آثرك أنت وذريتك بسيد الكلام وبهذا الكلام يكون لك ولذريتك من بعدك استطالة وقدرة وفضيلة على جميع العباد إلى يوم القيامة ويجري هذا الكلام فيهم أبد الأبد حتى يختم بنبوءة محمد صلى الله عليه وآله وسلم آخره في الأصلاب الطاهرات يخرجه من صلب إلى صلب نبي مطهر ثم يخرج من ولد أخيك فالغ على عشر آباء من نوح إليه.
(1/43)
________________________________________
قال وهب: فحج هود وقحطان ابنه ولحق بهم بمكة يعرب بن قحطان وحج معه يعرب بن قحطان والبيت مهدوم، فإذا مر بموضع الحجر الأسود وهو مدفون أومأ إليه واستلم فقضى حجه. فقال يعرب: أتأمرني يا رسول الله أبنيه قال له: لا قد أخر الله أمره يبنيه ويبني معه النبي بعده وتعينه الملائكة وذلك قول الله {وإذ بوأنا
لإبراهيم مكان البيت} (وقال} وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}.
قال وهب: نبي معه إسماعيل.
قال وهب: ثم أن رأس عاد وهو عاد بن رقيم بن عابر بن عوص بن ارم قال لرقيم: أنت مشئوم ورأيك نكد دعوتنا إلى حرب يعرب ولم يردونا بسوء فلما قتل عاد أدرك الجزع فلبست الذل وإن ملك عاد عاد بن رقيم دعاه إلى حرب يعرب وأنشأ يقول:
ألا يا عاد ويحكم فسيروا ... إلى العلياء واحتملوا برشد
لقد ظفرت بنو قحطان منا ... بيوم طالع من غير سعد
لقد نزلوا البلاد فأوطنوها ... وكانوا في المحافل غير جند
ولينوا في مداهنة لهود ... فقد صرتم إلى ذل وجهد
وداروه ومن يهوى هواه ... ليرضى من سجيتكم بود
وفي غب النفوس يكون غلا ... دفينا في الصدور له بحقد
(1/44)
________________________________________
فأجابوه إلى المسير وخرجوا إلى حربه ويعرب بمكة ومعه وجوه بني قحطان وحملة أمورهم فلما برزت عاد أنشأ يقول عاد بن رقيم:
يا قوم أجيبوا صوت ذا المنادي ... سيروا إليهم غير ما أرواد
إني أنا عاد الطويل النادي ... وسام جدي غير جد هادي
سيروا إلى أرض بذي اطواد ... بنهد أرض في ثرى الثماد
اذ يعرب سار على الجياد ... يظهر قفر أو ببطن وادي
قد شد من قبل على الآساد ... حتى سبا وعاث في البلاد
قوموا ليشهد خافق الفؤاد ... ويلق منا صولة الأعادي
يرمي إلينا مرسن القياد
وبلغ بنو قحطان خروج عاد بقومه فعادوا إليهم فخرجوا والتقوا ببارق فاقتتلوا
قتالاً شديداً ونال بعضهم من بعض فكان بينهم قتل عظيم وبلغ ذلك يعرب بمكة فأمره هود بالانصراف إلى اليمن، فلما جاءهم يعرب تهيأ للزحف إلى عاد وإن الله أمر هود بالمسير إلى اليمن لينذر عاداً ويدعوهم إلى طاعة الله تعالى. فسار هود حتى نزل بجوار الأحقاف بموضع يقال له الهنيبق وأمر يعرب فكف عما كان عليه من حرب عاد ودعا عاداً إلى الله تعالى ووعدهم الجنة إن هم أطاعوا الله وخوفهم بالنار إن هم لجوا وتمادوا على ما هم عليه من الكفر فقالوا له: صف لنا هذه الجنة التي وعدتنا؟ فقال
(1/45)
________________________________________
لهم: هي جنة بناؤها بطون العقيان وطينها لجين وفيها حور العين أبكار والفواكه الدائمة التي لا تنقطع والأنهار من كل الأشربة تجري بين القصور تحتها والغرف المبنية من الياقوت على أعمدة اللؤلؤ والزمرد والزبرجد وقيعانها من فتيت المسك والكافور والزعفران. قالوا: فصف لنا النار؟ قال لهم: هي سوداء مظلمة مدلهمة وهي طبقات الهاوية والحجيم ولظاً وجهنم والسعير وأوديتها موبق والزمهرير وطعامها الزقوم من أكله سالت عيناه وأحرق حشاه وشرابها الغسلين يتساقط منها لحم الوجوه قبل أن يصل إلى أفواه الشاربين مع مقاربة الزبانية المعذبين. فقالوا وهذا هود قد وصف لنا ولكن أرسلوا إليه وفداً من أهل الرياسة والشرف والعقول يسألونه أن يريهم الجنة ويريهم النار؟ فأجمع أمرهم على ذلك فأرسلوا ألف رجل وفداً. فقال لهم ملكهم عاد بن رقيم: اسألوه أن يريكم هذه الجنة وسموها على اسم جدكم أرم بن سام بن نوح فيكون اسم جدكم موجوداً مذكوراً أبداً ويكون له به فضيلة على الخلق أجمعين وينسى اسم جدهم ارفخشد فيكون لكم علواً ولهم ضعة إلى آخر الدهر. فبعثوا منهم رجلاً من أهل الشرف والرياسة والمنطق يقال له البعيث بن وقاد بن خضرم بن هاد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، فوفد البعيث على هود مع ألف رجل فقال له: يا هود أنت وعدتنا بالجنة ووصفتها لنا وأوعدتنا بالنار ووصفتها لنا في الآخرة
وخير
(1/46)
________________________________________
هذه الدنيا قد رأيناه فلسنا تاركين الحاضر للغائب بقول قائل صادق أو كاذب فنحن من قولك في شك أو تبين ما قلت من جنة أو نار وإلا فأنت كاذب وإنا رأينا حور الدنيا وفواكه الدنيا، ثم وصفت لنا ما هو أحسن من هذا فحقيق على من كان له لب أن يرغب فيما وصفت ثم رأينا نار الدنيا محرقة فزعمت أن تلك النار أشد إحراقاً وظلماً فحقيق لمن خوفته بها أن يخافها فاخرج لنا مدينة نسكنها ونسميها على اسم أبينا أرم بن سام بن نوح تكون لنا فضيلة إلى آخر الأبد واخرج لنا ناراً نتعظ بها ونزداد فيما دعوتنا إليه رغبة وتخرج لنا حيث نريد - وهم يسألونه ذلك على وجه الاستهزاء به وأنه لا يقدر على ذلك - فقال لهم هود: سألتم أمراً وهو يسير عليه ولكن أخشى عليكم أن لا تقوموا لله بوفاء العهود وإنما يقول له كن فيكون فإن عصيتم الآية قال: لما يهلككم كن فيكون فاذهب يا بعيث مع أصحابك فخذوا عهودهم لله ثم أعلموهم أن هم أعطاهم الله سوء لهم أن كذبوا أن الله يهلكهم بمثلة تكون عبرة للعابرين فرجع البعيث والذين معه فقال للملك ولعاد البعيث:
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

لقد جئتكم من عنج هود بقصة ... وما عنده قول إلى الحق يتبع
دعاكم لأمر ليس فيه حقيقة ... وما فيه شيء للجماعة ينفع
دعاكم لآمال غرور بعيدة ... وترك الذي يهوى ألذ وأنفع
كتمت له في النفس مني جوابه ... وظني به يا عاد يخدع
واني مشير فيكم بنصيحة ... وإن أصبحت عاد تطيع وتسمع
فإن تقبلوا رأي تنالوا سعادة ... خذوه برشد في الذي قال أو دعوا
(1/47)
________________________________________
ذروني أقل من قبل يبدأ قائل ... فاني له إن قلت بالفلج أطمع
قال له عاد: ما رأيك يا بعيث؟ قال له: نسير إلى هود فنسأله أن يخرج لنا هذه المدينة في الحفيف. وهو واد يسيل ويخرج من بين جبال وجرز وعود شعث
والحفيف نهر يسير ليلاً ونهاراً بالرمل يتيهأ بالرياح العواصف. فخرج من عاد ثلاثة آلاف وفدا إلى هود، فاتوا هوداً فقالوا له: يا هود اخرج لنا هذه المدينة على عهد الله علينا وعلى قومنا أن نؤمن وأخرجها لنا بنهر الحفيف؟ فسار معهم حتى وقفوا على الحفيف. فقال لهم هود: اذهبوا عني إلى نجاد الأحقاف فإذا هب لكم نسيم المسك أقبلتم إلي. فذهبوا وناجى هود ربه فأخرجها الله لهم قصور الياقوت على أعمدة اللؤلؤ والزمرد والدر والزبر جد وقصوراً مبنية بلبن اللجين والعقيان وقيعانها بالمسك والكافور والزعفران. فلما رأوا ذلك عشيت أبصارهم وخشعت قلوبهم وداخل قلوبهم منها رعب ورقي إليهم منها نور كشعاع الشمس. فقال لهم هود: هذه التي اسمها أرم على أسم أبيكم فإن آمنتم كان لكم بها فضيلة على الخلق إلى يوم القيامة وإن رغبتم فإن الله قوي عزيز يهلككم كما أهلك من قبلكم ممن كان أشد منكم عتواً في الأرض، فأنا أعلم أنكم لم تؤمنوا ولن يراها أحد من خلق الله إلا رجل من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال وهب بن منبه: رآها تميم الداري زمان عمر بن الخطاب، ثم هموا بدخولها فعميت أبصارهم واقشعرت جلودهم فولوا مدبرين، فقال لهم ميسعان بن عفير: ويحكم آمنوا فإنها آية من الله، فقالوا: أن هوداً
(1/48)
________________________________________
لساحر من سحرة أرض بابل، قال لهم ميسعان: آمنت بما جاء به هود، ثم ساروا ومعهم ميسعان يعظهم حتى بلغوا موضعاً يقال له لكنة المعتال فأنزل الله عليهم ناراً بريح صرصر عاتية فأحرقتهم وخلص ميسعان فلذلك الموضع يسمى الحرقانهة إلى اليوم فانطلق ميسعان سالماً حتى أتى عاداً ليلاً أول رقده فاستوى على شرف من رمل ونادى بأعلى صوته وهو يقول شعراً:
قد منحت القوم رشداً ناصحاً ... فأبى لي النصح من قد وفدوا
آمنوا بالله وارضوا بالذي ... قال هود يال قوم اعبدوا
بعد أن ساروا وسألوا آية ... فرضوها بعد عقد عقدوا
جعلوا الآية فيهم نسبا ... كانتساب الأب لما وردوا
ثم قالوا إنما هم أرم ... وهي بحر عليها وكدوا
فرضي هود بما قالوا معا ... فسني المسك ولاح العمد
قد رضوها فرأوها نسبا ... واليها بعد عاد قصدوا
ثم خانوا بعد صلح ورضي ... وعهود لنبي عهدوا
إنما مهرج شؤم وبه ... عن هوى هود لعمري عمدوا
حلت النار لهم فاحترقوا ... وكذا النار عليهم تقدُ
أوقد النار عليهم خيرهم ... ما نجا غيري منهم أحد
ويل عاد يا ويل لهم ... قدموا شيئاً فها هم وجدوا
(1/49)
________________________________________
ومهرج هو الذي أمرهم أن لا يؤمنوا لهود، وأنها لما سمعت عاد ميسعان ثاروا عليه في جوف الليل فقص عليهم ما كان من شأنهم فصاروا إليه يداً واحدة وقالوا له: يا ميسعان لقد دلنا شعرك على هوجك ولقد أعميت على وفدنا بالهوى. ولميسعان منعة بأخوته وولده وقومه فكرهوا أن يسرعوا إليه بسوء حتى يعذروا إلى قومه، فلما أعذروا إليهم قال له قومه: يا ميسعان ما حملك على خلاف جماعة قوم عاد؟ قال لهم ميسعان: لقد أوضحت لهم المنهاج أنرت لهم السراج لئلا يجهلوا الحق لاشتباه الفتنة وتخليط العمى أني رأيت آية باهرة للعقول أقام الله علينا بها حجة ثم صدرنا إلى قومنا منذرين لهم فرجعوا عنه إلى جماعة يعتذرون عنه فكفت عنه عاد فقال لهم هجال بن رفيدة: يا معشر عاد عليكم بهود فلاينوه حتى يسكن جأشكم فإن مصيبتكم بما حل في وفدكم عظيمة. قال لهم ميسعان: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ثم سيروا إليه في الهنيبق نستبدل ما هو خير بما هو أدنى. قالوا له: لا حاجة لنا بقولك يا ميسعان فأنشأ ميسعان يقول شعراً:
إلى جزع الهنيبق عاد سيري ... توفي الأمن والرأي المبينا
وتبدو لي الحرون وحقف رمل ... وتترك بارقاً أبداً حزينا
وترتحلي إلى بلد كريم ... وتتخذي المصانع والعيونا
من الماء المعين وكل غرس ... بها ترضونه عنباً وتينا
وتتخذون فاكهة وزرعا ... وماء في جعافره معينا
ترون برأيكم فيها بحزم ... إذا ما كان رأيكم مبينا
وإن عاداً عملت مهداً فاسداً للماء غرسوا تحته الجنات فكانت عجيبة بها
(1/50)
________________________________________
من جميع الفواكه والزرع، وأقاموا على ملاينتهم لهود حولين كاملين يرجو إيمانهم وهم من ذلك في حيرة ويعرب معتزل لحربهم فأرسل إلى هود أن عادا قد مردت وأصرت فأذن لي في حربهم فأرسل إليه هود أن أمر الله أعظم من حربك فكف.
قال وهب: وإن الله تبارك وتعالى رفع عن عاد الغيث عامين العامين اللذين هادنوا فيها هوداً فهلكت زروعهم وأسرع الهلاك في جناتهم وهلكت أنعامهم وأسرع الهلاك في أموالهم فأتوا إلى ملكهم عاد فشكوا إليه ما نزل بهم فقال: استسقوا فقصدوا إلى شيخ لهم يقال له قيل بن عنز كان طلق اللسان خطيباً فقدموه وخرجوا خلفه فأنشأ أبو الهجال يقول:
ألا يا قيل ويحك قم فهنيم ... لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد أن عادا ... قد أمسوا ما يبينون الكلاما
فما ترجو بها غرساً وزرعاً ... ولا الشيخ الكبير ولا الغلاما
ثم أن عاداً أرسلت إلى هود فشكت إليه ما نزل بها من القحط، فقال لهم هو دان: الله يرسل عليكم ثلاث سحابات: سحابة صفراء وسحابة حمراء وسحابة سوداء ويخيركم في إحداهن فاختاروا لأنفسكم ما شئتم؟ فرجعوا إلى قومهم فأعلموهم بقول هود. ثم أن الله أرسل ثلاث سحابات: سحابة صفراء وسحابة حمراء
وسحابة سوداء فأقامت عليهم ثلاثة أيام معلقة من جهة المغرب فأرسلوا إلى هود: أنا قد اخترنا السوداء ولا حاجة لنا في الصفراء والحمراء. قال لهم: إن الله يرسلها عليكم واضمحلت الصفراء وذهبت ثم تبعتها الحمراء ثم أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً أحمت الشجر
(1/51)
________________________________________
ولونت الزرع، وكان درب العرب في الغربي من اليمن وكان في الدرب ثلاثة فجوج فنفحت عليهم من الفج الأوسط من الدرب فذلك الفج يسمى إلى اليوم فج العقيم وكان في طاعة عاد خمس مائة رجل طوال الأجسام - كما ذكر الله - فخرج منهم ثلاث مائة رجل إلى الفج يريدون يبنون الفج لدفع الريح وتعسكر الباقون إلى هود لئلا من خلفهم وبينهم وبينه ثلاثة أيام، وبينهم وبين يعرب شهران، وإن عاد بن رقيم ملكهم انتصب إلى هود بعاد وتكفل الطوال بالفج فجعلوا إذا وضعوا حجراً قلبته الريح، فقالوا: اجعلوا رجالاً منكم يردون الريح عن البناء حيث يثبت، فقدموا الخلخال وكان أطول عاد جسماً وأشدهم بطشاً، وخرج إليه هازل بن غسان فأمسك عنهم الريح وأسسوا بنيانهن إلى آخر النهار فعصفت الريح وصرصرت فأخذت رأس الخلخال وهازل فنزعت رؤوسهما بقلوبهما وأكبادهما وحشاً أجوافهما فرمت بهما وألقت أجسامهما وبقي الأساس على حاله لما أراد الله من هلاكهم وكان ذلك يوم الأحد ثم أرسل الله الريح يوم الاثنين أول النهار لينة لما أراد الله من هلاكهم ويجعلهم مثلاً للأولين والآخرين وعبرة للعابرين فلما غدوا الفج قلبت الريح الحجر فأخرجوا شداد بن حمام والأمنع بن اصبغ إلى آخر نهارهم فهبت الريح وصرصرت ثم أخذت رؤوسهما فنزعتهما بالأحشاء وألقت بأجسامهما ثم قام يوم الثلاثاء سجار بن الهيعقان
(1/52)
________________________________________
ومبدع بن قفال فنزل بهم مثل ما نزل بأولئك، ثم قام يوم الأربعاء يافث بن شرعب وسلاب بن الهيلجان فمثل ذلك، ثم قام يوم الخميس شرس ين عقاب وسجيل بن واغل فمثل ذلك، ثم قام يوم الجمعة تبان بن واقد وميدعان بن السبل
فمثل ذلك، ثم قام يوم السبت سرحان بن عنبل وعامر ابن سالف فمثل ذلك، ثم قام يوم الأحد الرفصان بن هزيم فمثل ذلك، وخلفه الهندوان بن العميل فمثل ذلك، فاشتدت الريح وصرصرت لتمام سبع ليال وثمانية أيام فعصفت الريح وصرصرت فلم تدع منهم أحداً وهدمت الجبال وخددت الأرض وحطمت الشجر وأخذت الحجر كما قال الله تبارك وتعالى: {وفي عاد أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} فأخرجتهم من الكهوف والقنون فكانوا كما قال الله {وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما}، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية)، فلم يبق منهم إلا ميسعان بن عفير وبنوه الذين آمنوا معه وإنهم لعلى الدنيا إلى اليوم ولم يبق من الكافرين أحد فقال في ذلك ميسعان:
ألم تر الريح العقيم إلا يدا ... والعارض العراض فيها الأسودا
تمطر بالنار وتهمي باردي ... تخدد الأرض وتذري الجلمدا
(1/53)
________________________________________
أرسلها صرا عليهم سرمدا ... أضحت بها عاد رمادا أرمدا
فلم تدع في الأرض منهم أحداً ... إلا هشيماً بالمنايا والردا
قال وهب: وإن الله أنزل على هود أربع صحف، ثم أن الله تبارك وتعالى قبض هوداً ودفن بالأحقاف بموضع منه يقال له الهنيبق بجوار الحفيف فإن نهر الحفيف أخرج الله فيه الماء المعين وغرست فيه الثمار من يوم أخرج الله فيه آية هود.
قال وهب: عن ابن عباس: أن هود النبي عليه صلى الله وسلم أرى عاداً الآيتين الجنة فأما النار فرأوها في وادي برهوت وزعم أن ببرهوت عيناً من عيون جهنم، وإن جهنم في أرض المغرب يسكن عليها شرار خلق الله وهم الحبشة.
قال وهب: وأراهم الجنة بنهر الحفيف - قال: وصار أمر هود إلى وصيه ابنه (قحطان). فقام قحطان بأمر الله وهو خليفة هود وانه تغلب بأذربيجان الاسكنان
بن جاموس بن جلهم بن شاد بن عجلجان بن يافث بن نوح على جميع الألسن ببابل بعد هود طسم وعملاق فهربت بنو عملاق إلى بيت مكة إلى جوار قحطان ولحقت بهم رائش وتبعتهم طسم وجديس فنزلوا اليمامة ورحلت ثمود ونزلوا بمأرب من أرض اليمن وشكوا إلى قحطان ما نزل بهم من الاسكنان بن جاموس فجمع قحطان أهل اللسان العربي وزحف إلى بابل يريد الاسكنان بأذربيجان وانتصب له الاسكنان في بني يافث فلقيه قحطان فهزمه وقتل الاسكنان وفضت جموعه من بني يافث إلى أرض أرمينية وإلى ما خلفها من الأرض وما والاها وهربت القوط
(1/54)
________________________________________
والسكس والإفرنج وهم بنو عرجان بن يافث ولحق بهم أخوتهم الصقالب بنو عرجان بن يافث.
قال وهب: وكان قد تملك بيت المقدس وملك الشام ونمرود بن كنعان ابن ماريع بن كنعان بن حام بن نوح وأنه زحف إلى بيت المقدس وقحطان بسمرقند، فلم يكن لبني عملاق به طاقة فأجابوه ودافعه رائش بن لاوذ ابن سام بن نوح فقتلهما فمن بقي من رائش صاروا في إخوانهم عملاق في آخر الدهر. فأول قبيل انقطع عن الدنيا من ولد ارم بن سام عاد ورائش وبلغ قحطان خبر نمرود بن كنعان فأقبل إليه بجموعه فلم يستطع بنو حام مدافعة بني سام ومن لف إليهم من بني يافث فهربت النوبة والفرار إلى المغرب فنزلت النوبة والفراور بجوار القوط من بني يافث ولكنهم تقربوا إلى المغرب وكان القوط قبل ذلك باليمن فتبعتهم عاد إلى الشام وهربوا من قحطان إلى المغرب وإن قحطان لما نزلوا على بني كنعان ببيت المقدس وخذلهم إخوانهم من بني حام ورحلوا عنهم القوط فنزلوا على النيل أخذ نمروداً أسيراً فقتله وصلبه ببيت المقدس وكان النمرود بن كنعان أول قتيل صلب. ثم حج قحطان ورجع إلى اليمن فعاش مدة طويلة ثم مات بمأرب، وولي أمره ابنه يعرب بن قحطان، وكان ولي الملك من ولد قحطان لصلبه عشرة إلا أنهم من
تحت ملك أخيهم يعرب بن قحطان وهم: جرهم بن قحطان وعاد بن قحطان وناعم بن قحطان وحضرموت بن قحطان وظالم بن قحطان وغاشم بن قحطان وأيمن بن قحطان وقطان بن قحطان والسلف بن قحطان وهميسع بن قحطان. فولي جرهم بن قحطان أمر مكة فنتملك أمر من كان بها، وولي عاد بن قحطان أرض بابل، وولي حضرموت بن قحطان أرض الحبشة، وولي ناعم بن قحطان عمان.
(1/55)
________________________________________
وولي أيمن بن قحطان الجزيرة، فلم يكن من هؤلاء من لم ينل الملك، ويعرب يملكهم ذلك، وعاش يعرب مدة طويلة ثم مات فولي (يشجب بن يعرب) بعد أبيه وكان سقيماً فدام به السقم حيناً ثم مات ولم يعمر في الملك. فلما مات يشجب ادعى كل رجل شريف من بني عابر الملك وأراد أن يتمنع ومرج أمر الناس فقام (عبد شمس بن يشجب) فجمع بني قحطان وبني هود فملكوه على أنفسهم.
قال وهب: فلما ملك عبد شمس قال: يا بني قحطان إنكم ألا تقاتلوا الناس قاتلوكم وألا تغزوهم ولم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ركبتهم الذلة، فاغزوا الناس قبل أن يغزوكم وقاتلوهم قبل ان يقاتلوكم واعلموا أن الصبر فوز والعمل مجد والأمل منهل فمن صبر أدرك ومن فعل فاز فلتطب أنفسكم لغزو الأمم يعز غابركم، ففي الصبر النجاة وفي الجزع الدرك، ولا تغشكم الدعة فيطول داءكم والرأي اليوم لا غد وهو رزق مطلوب فواجد ومحروم فاعتمدوا العزم وكل ما هو كائن كائن وكل جميع بائن والدهر صرفان صرف رخاء وصرف بلاء والدهر يومان يوم لك ويوم عليك فإن أدر يوم من يوميك فلا تقنط من الرجاء في يوم معقب، وإن الناس رجلان رجل لك ورجل عليك والزمان دول له حين ينصر وحين يغدر - والناس مجتهدون فمن لقي رشداً كان محموداً ومن لقي غياً كان مذموماً ورأى الناس منتظرين كل محتال لثواقب الدهر غير محتال للموت والتجارب علم والعزم
عون وكل هذا الناس ينو الدنيا صحبوا أقدارها خيراً وشراً راجين خائفين ليس أحد آخذاً منها عهداً ولا آمناً غدراً قاصدين أجداداً حتمت وأقداراً قسمت حتمها غير نائم وقسمها من لا يلومه لائم فقد
(1/56)
________________________________________
يسعى المرء إلى الميقات يوم فيه فراق الدنيا أو بلوغ العليا والدنيا صاحبة الغالب وعدوة المغلوب والصبر باب العز والجزع بابا الذل ليس جمع خيراً من جمع ولكن جد خير من جد ولرب حيلة أزكى من قوة وكيد أسرع عياناً من جيش والأمل الخالب ولقدر الغالب والمرء الحازم من كيس دهره خالس) محملاً في بادله اقتصاده في دوله قدر ولم ينظر وبلى يخذل حذر من دهره ما لم ينزل به شرف همته بمحل النجم لم يرض من الزمان بأيسر خطة فلا تصحبوا التواني فإنه شر صاحب ولا ترضوا بالمنى فإنه مراتع العاجزين ولا تقروا على ضيم فإنه مصارع الأذلاء فقوموا قبل أن تمنعوا القيام.
قال وهب: فأجابوه فسار إلى أرض بابل فافتتحها وقتل من كان بها من البوار حتى بلغ أرض أرمينية وافتتح أرض بني يافث، ثم أراد أن يعبر نهر الأردن يريد الشام فلم يستطع ذلك، فقيل له: إياها الملك ليس لك مجاز غير الرجوع في طريقك فبنى قنطرة سنجة وهي من أوابد الدنيا وجاز عليها إلى الشام، والشام اسم أعجمي من لغة حام وهو طيب تفسيره بالعربي فأخذ الشام إلى الدرب ولم يكن خلف الدرب أحد ثم نهض إلى المغرب فبلغ النيل فنزل عليه فدعا أهل مشورته، ثم قال: لهم إني رأيت أن أبني مصراً بين هذين البحرين يكون صلة بين المشرق والمغرب فإنه يلجأ إليه أهل المشرق والمغرب، قالوا له: نعم الرأي أيها الملك. فبنى المدينة وسميت مصر - كما قال لهم - وبنو حام بالمغرب سكنوا براري مصر فوصل إلى قمونية والقوط من ولد يافث بقمونية.
(1/57)
________________________________________
قال وهب: وإن عبد شمس كل من قتل من الأمم سبى ذراريهم وعيالاتهم، ولذلك
سمى سبأ، وإن سبأ ولي على مصر ابنه بابليون وإليه تنسب مصر لملكه عليها ثم انصرف سبأ عبد شمس يريد مكة فسار بالعساكر على الشام وأوصى ابنه بابليون وأنشأ يقول:
ألا قل لبابليون والقول حكمة ... ملكت زمام الشرق والغرب فأجمل
وخذ لبني حام من الأمر وسطه ... فإن صدفوا يوماً عن الحق فاقتل
وإن جنحوا بالقول للرفق طاعة ... يريدون وجه الحق والعدل فاعدل
ولا تظهرن الرأي في الناس يجتروا ... عليك به واجعله ضربة فيصل
ولا تأخذن المال من غير وجهه ... فإنك أن تأخذه بالرفق تسهل
ولا تتلفن المال في غير حقه ... وإن جاء ما لابد منه فابذل
وداو ذوي الأحقاد بالسيف إنه ... متى يلق منك السيف ذو الحقد يعقل
وخذ لذوي الإحسان ليناً وشدة ... ولا تك جباراً عليهم وأمهل
وكن لسؤال الناس غيثاً ورحمة ... ومن يك ذا عرف من الناس يسأل
وإياك والسفر الغريب فانه ... سيثني بما توليه في كل منهل
قال وهب: ورجع سبأ إلى اليمن فبنى السد الذي ذكر الله في كتابه وهو سد فيه سبعون نهراً ويقبل إليه السيل من مسيرة ثلاثة أشهر وإن سبأ لما أسس قواعد السد لم يتم له بناؤه حتى نزل به الموت وكان عمره خمسمائة عام وسبعين عاماًُ وكان ملكه خمسمائة عام فدعا بحمير وكهلان ابنيه. وكان لسبأ عدد عظيم من ولده غير إنه لم يكن له من ينقل ملكه إليه إلا إلى حمير وكهلان، وانه لما مات سبأ صار الملك بعده إلى ابنه (حمير) وقال ابنه حمير يرثي أباه سبأ وهب أول مرثية في العرب فأنشأ يقول:
(1/58)
________________________________________
عجبت ليومك ماذا فعل ... وسلطان عزك كيف انتقل
فأسلمت ملكك لا طائعاً ... وسلمت للأمر لما نزل
فيومك يوم وجيع العزاء ... ورزؤك في الدهر رزء جلل
فلا تبعدن فكل امرئ ... سيدركه بالمنون الأجل
لأن صحبتك بنات الزمان ... وبدت يد الدهر أوجه الأمل
لقد كنت بالملك ذا قوة ... لك الدهر بالعزعان وجل
بلغت من الملك أعلى المنى ... نقلت وعزك لم ينتقل
فطحطحت في الشرق آفاقه ... وجبت من الغرب حرب الدول
جريت مع الدهر إطلاقه ... فنلت من الملك ما لم ينل
وحملت عزمك ثقل الأمور ... فقام بها جازماً واستقل
فأبقيت ملكك بالخافقات ... وليس لرأيك فيها زلل
له قدم بمحل العلا ... فزلت بك النعل عنه فزل
فسام لك العيش عيب الهوى ... شربت بذلك نهلا وعل
صحبت الدهور فأفنيتها ... وما شاء سيفك فيها فعل
بنيت قصوراً كمثل الجبال ... ذهبت لم يبق إلا الظلل
وجردت للدهر سيف الفنا ... تطاير عن جانبيه القلل
نعمنا بأيامك الصالحات ... شبنا بسجلك وبلا وطل
تؤمل في الدهر أقصى المنى ... ولم ندر بالأمر حتى نزل
فزالت لفقدك شم الجبال ... ولم يك حزنك فيها هبل
كأن الذي قد مضى لم يكن ... وفقدك بعد الفناء لم يزل
وللدهر صرف يريد الردى ... فصرح عن قيل ما لم يقل
نهار وليل به مسرعان ... فهذا مقيم وهذا رحل
يسومان بالخسف ما يبديان ... أطاعا لما شاء فينا لال
(1/59)
________________________________________
فيا عبد شمس بلغت المدى ... وشيدت مجداً فلم يمتثل
وشيدت ذخراً لدار البقاء ... فلما أفلت إليها أفل
فلم يبق من ذاك إلا التقى ... وذاك لعمري أبقى العمل
فأحكمت من هود المحكمات ... وآمنت من قبله بالرسل
وأحرمت فأهللت حتى إذا ... أناف الهلال بها واستهل
رحلت وزادك خير التقى ... وقوضت * * عن حرميها بحل

ملك حمير
قال وهب: وولي حمير بن سبأ فجمع الملك الجيوش وسار يطأ الأمم ويدوس الأرضين، وأمعن في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشمس وبقي قبائل ومن ولد يافث تحت يده، وهم: الترك والزط والكرد والصعد والخزر والقذر والذيلم وفرغان. ثم قفل نحو المغرب كما فعل أبوه سبأ، فسار حتى نزل بمكة فآتاه قبائل من اليمن من بني هود يشكون إليه ثمود بن عابر بن ارم وما نزل بهم منه من الخسف والظلم وآتاه رسول أخيه بابليون من مصر يستدعيه لنصرته على بني حام، وذلك لما بلغ بني حام موت سبأ بن يشجب، عتوا على بابليون بمصر وكان بالشام قبائل من ولد كنعان ابن حام، وهم: بنو ماريع بن كنعان، وكان نزول الحبشة بني كوش بن حام على النيل إلى برية الرمل، فتداعوا على مصر يريدون خرابها فرجع حمير إلى اليمن وأخرج ثموداً من اليمن فأنزل أبة من أرض الحجاز فعمروها
(1/60)
________________________________________
من آيلة إلى ذات الاصاد إلى أطراف جبل نجد وذات الاصاد نهر من أنهار الحجاز وهو يجري في صفا أملس يرده الحافر ولا يرده الخف تزلق فيه فقطعت فيه ثمود الصخر لطرق الإبل لمراعيها ونحتوا في جباله البيوت سترة من حر الشمس في الحجاز. قال الله تعالى: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} وقال: {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين}. وفي ذات الاصاد كان السبق بيت قيس بن زهير العبسي وحذيفة بن بدر الفزاري وفيه حبس فرس زهير
داحس فقال في ذلك قيس شعراً:
كما لاقيت من حمل بن بدر ... وأخوته على ذات الاصاد
هم فخروا على بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي
وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد
فأنى الصقر منطلق كريم ... وسوف أريك من طعن الطراد
أقاتل ما أقاتل ثم آوى ... إلى جار كجار أبي دواد
مقيماً وسط عكرمة بن قيس ... وهوب للطرائف والتلاد
كفاني ما أخاف أبو بلال ... ربيعة فانتهت عني الأعادي
قال وهب: ونزل حمير بدمشق فقاتل بني ماريع حتى غليهم وأجرى عليهم الخراج، ثم مضى إلى الحبشة فلقيهم بالقيس والبهشة فهزمهم على النيل فتبعهم حتى بلغ بهم إلى البحر المحيط من المغرب فأذعنوا وأجرى عليهم إتاوة يؤدونها كل عام. فدرب الحبشة في غربي الأرض سبعة أشهر في سبعة أشهر، ثم رجع عنهم على النيل إلى مصر فتزود من مصر، ثم مضى في المغرب حتى بلغ إلى البحر المحيط ثم أجرى على القبط الخراج.
(1/61)
________________________________________
قال وهب: ولما توجه حمير إلى المغرب أقام في المغرب مائة عام يبني المدن ويتخذ المصانع، فمات بعده أخوه بابليون بمصر، وولي أمر المغرب امرؤ القيس بن بابليون وتكبرت عليه ثمود وطغوا على بني كنعان بالشام وعلى جميع من جاورهم، فأرسل إليهم صالح نبياً وهو صالح بن عويم بن ساهر بن هميسع بن همر بن عميل بن عابر فدعاهم إلى الله فعصوه وسألت أن يخرج لهم آية؟ - كما سألت عاد هوداً - فقال لهم صالح: ما هذه الآية يا قوم؟ قالوا له: اخرج لنا من هذه الصخرة ناقة. فدعا الله فأخرج لهم، فكانت تشرب الماء من نهر الاصاد ذات يوماً وهم يشربون يوماً، فأبوا أن يؤمنوا بعد الآية، ثم ائتمروا بها ليعقروها فمشى
إليها قدار سالف فعقرها فأرسل الله عليهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
قال وهب: وإن حمير قفل من أرض المغرب راجعاً وكان يكتب بالمسند في جميع سلاحه من الحديد. وفي الأجيال إذا مر عليها فأكثر من ذلك فرأى في منامه كأن آتياً آتاه فقال له: اتق الله يا حمير. قال له: ومالي؟ قال: تكتب هذا الخط المسند الكريم على الله على الحديد والحجر والعود يدرس وتعلوه النجاسات والله كرمه واصطفاه وأدخره للفرقان يأتي به محمد صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الزمان فصنه وأحفظه فإن الله تبارك وتعالى اصطفاه للقرآن أكرم الكتب إلى الله واللسان العربي سيد الألسن وللجنة خير خلق الله ولمحمد خير البشر ولكن استخدم هذا الخط أنت وولدك فإن لكم به على الخلق فضيلة إلى مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومر بنيك من بعدك بحفظ هذا الخط، ثم ارتفع. فلما أصبح دعا بنيه فقال: يا بني إنه كان من
(1/62)
________________________________________
أمري ما كذا وكذا، قالوا له: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال له وائل ابنه: سترى يا أبت أن الله كريم لا يمنعك شيئاً إلا جعل لك منه عوضاً. فلما نام الليلة الثانية آتاه آت فقال له: اقرأ يا حمير! قال له: وما أقرأ فنظر إلى جبينه فإذا عليه خط مكتوب قال له حمير: اقرن هذا بخط أبيك المسند من الأول إلى آخره هذا الخط فقرأ حمير وردده حتى فهمه. فلما أصبح دعا بنيه وكتبه وهو هذا.
ثم قال له: يا حمير استخدم هذا ولا تستخدم المسند فإنه وديعة عندكم إلى وقته وإنما قيل له المسند أسند إلى هود عن جبريل.
قال وهب: وإن حمير ملك الأرض ومن عليها حتى لم يبق منها مكان كما ملكها أبوه سبأ وكان عمر حمير أربع مائة عام وخمسة وأربعين عاماً أقام في الملك أربع مائة عام، فلما جاوز مائة قال:
ملكت من عدد السنين هنيدة ... ذا الملك عمرك زينة الأيام
وأرى السباب يميل في لهو الصبي ... ومع الشباب غواية الأيام
فلما بلغ مائتين قال:
سأميت عن مائتين ملكاً باذخاً ... والعمر لا يبقى مع الأعوام
قالوا لحمير مدة محجوبة ... والغيب لا يخفى على العلاَّم
فلما بلغ ثلاثمائة قال:
لما ركبت من المأين ثلاثة ... كان الذي أمضيت كالأحلام
والعمر يدأب والمشيب كلاهما ... يتسابقان إلى محل حمام
(1/63)
________________________________________
فلما بلغ أربع مائة قال:
بدلت من ذي أربع ملكتها ... عوضاً من الأيام بالأسقام
هيهات ما حكم الخلود وقد أبى ... من أن أخلد حاكم الحكام
فلما بلغ أربع مائة سنة وخمساً وأربعين سنة واتاه وقته وأيقن بالموت، دعا بنيه ثم قال لهم: يا بني لم تصحبوني على عهد أن لا أموت بل كنتم تنتظرونه في صباحاً وانتظره فيكم مساء فقد حل ما كنتم تنتظرون وقد أزف الوقت الذي ترقبون وأمري لك يا وائل، ثم أنشأ يقول:
يا من رأى صرف الزمان مصوراً ... يغدو على الآباء والأعمام
غدر الزمان بعهد ملكك فانقضى ... وبعبد شمس قبل ذاك وسام
راميت دهرك بالمنى وخطوبه ... بالغدر دانية إليك روامي
أزف الزمان على زمانك بغتة ... فغدوت مرتحلا بغير مرام
يبكون أن مروا عليك قلما ... يغني البكاء على صوى الأعلام
ولانت بعد حلوله مستيقظ ... من ضنك فاقرة لفضل مقام
فلما مات حمير صار أمره وملكه إلى ابنه.

وائل بن حمير
ونزل قصر غمدان، وكان يعرب أسسه وجعل يبني فيه ثم غزا البيت فأصلح ما كان حوله من القبائل وأمر بنقش الخط الحميري في قصر غمدان، وقال في نقش الخط الحميري عمرو بن معد يكرب.
(1/64)
________________________________________
ورثنا حصوناً شتت الدهر أهلها ... أولي العز قدماً والحلوم الرواجح
كأن خطوطها فوقها حميرية ... تهاويل وشي في متون الصفائح
قال وهب: وكان يقال لحمير العرنجج، والعرنجج: العتيق، وكانت علته التي مات منها الغم، فقال: يا بني إني لأجد ثقل الثرى وغم الضريح ولكن اجعلوا لي نفقاً في هذا الجبل، جبل عنفر، ثم أجلسوني فيه ففعل به ذلك ابنه وائل بن حمير، فحمير أول من جعل في مغارة، وإن وائلاً جعل مع حمير في تلك المغارة جميع لأمته غيره وأنفة أن لا يلبسها بعده أحد من الناس وكتب في لوح من رخام هذا الشعر وعلقه فوق رأسه:
عبر العرنجج مدة من دهره ... بعد الإقامة والأسى لمن يعبر
واراش دهر لا تطيش سهامه ... ورمى فأثبت في العلا من حمير
قبر الندى والجود عند محله ... والشخص باد فيهم لم يُقبر
ماتت لميتته المعالي جملة ... والعز أصبح ثاوياً في عنفر

ملك وائل بن حمير
قال وهب: وإن الله لما أراد في سابق علمه إنه لما ولي الملك وائل بن حمير نافسه أخوه مالك بن حمير ودافعه حيناً، فتغلب على أطراف اليمن ملوك عدة وعلى أرض بابل حسان بن حراش بن عمل بن عابر وعلى الشام ملوك أخر. فلم يزل وائل يحارب أخاه ملكاً حتى مات مالك وولي أمره بعده
(1/65)
________________________________________
قضاعة بن مالك، ومات بعده أخوه وائل بن حمير، وولي بعده السكسك ابن وائل.

ملك السكسك بن وائل
كان السكسك حازماً جلداً وكان له مقعقع العمد وكان إذا غلب على من ناوأه هدم بناءه وغير آثاره بالنار وهو أول من حرق بالنار وخرب المدن فسمي مقعقع العمد. وإن سكسكاً زاحف قضاعة بن مالك فغلب عليه وصار إليه ملكه. فجمع الملك، فلما اجتمع لسكسك الملك كله باليمن أنشأ يقول:
سأركب قطعاً للقرين وإن أبي ... لي العزم في هذا الشقيق المجرب
واقطع حبل الوصل بالسيف كارهاً ... وأركب أمراً للردى ليس يركب
أألبس ثوب الذل والموت دونه ... أم اقطع قوماً قربهم لي مشغب
عصيت به قول النصيح وإنما ... ألاقي لفقد الملك من ذاك أعجب
سألقي المنايا السود بالبيض ضحوة ... وأقرع وجه الدهر والدهر مغضب
وأبذل نفسي للمكاره طائعاً ... إذا ما جبان القوم بالسيف يغصب
إذا الموت عند الجمع كالصاب طعمه ... يطيب لها عند الهياج ويعذب
إذا البيض من قاني الدماء كأنها ... عليها خطوط الحميرية تكتب
قال وهب: فغلب على الشام فلقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون ابن سبأ من أرض مصر بالرملة يهديه فقبل منه هداياه وأقره على مصر والمغرب ورجع إلى غزو أرض بابل يريد نمرود بن ماش، فلما نزل بحنو قراقر من أرض العراق اعتل فمات فحملوه ورجعوا به قافلين إلى اليمن وافترق ملك اليمن على ملوك شتى، وولي ابنه يعفر بن السكسك بعده في مكانه وافترق أمر اليمن للذي أراد الله وإن نمرود بن ماش جمع جموعاً
(1/66)
________________________________________
ليقاتل بها السكسك بن وائل، فلما مات السكسك رجع جمعه إلى اليمن زاده ذلك جرأة واستكباراً في الأرض فطغى ونمرود بن ماش أول أعجمي متوج.

ملك يعفر بن السكسك
قال وهب: ولما ولي يعفر بن السكسك زاحف ملوكاً من أهل اليمن كان عمره يسيراً فمات ومرج آمر حمير وافترقوا على ملوك شتى.
قال وهب: وكان يعفر بن السكسك رجلاً سقيماً لم يكن يلي لزحوف بنفسه فكان يدخل عليه في عمالاته النقص ولم يكن له ولد فلما انقضت مدته وحان وقته وأيقن الموت أخذ تاجه وهو تاج جده وائل لن حمير فقال لقومه: يا قوم هذا تاجكم فخذوه فأخذ قومه التاج ووضعوه على بطن امرأة يعفر وهي مثقلة وملكوا ما في بطنها فولدت غلاماً فسموه النعمان فكان النعمان ملكاً في بطن أمه.
قال وهب: كانت أم وائل ومالك وعوف بني حمير مالكة ابنة عميم ابن زهران بن يشجب بن يعرب، وكان وائب بن حمير حين ولي الملك يعد أبيه حمير ولي أخويه مالكاً وعوفاً فنافساه في الملك، فغلب على مالك أخيه فعزله وأذعن له عوف فأقره على عمان والبحرين، فعظم أمره وشأنه بعد أخيه وائل حتى ولي السكسك بن وائل الملك فدان له عوف. ومات النعمان فولي أمره باران بن عوف بن حمير، فلما هلك السكسك بن وائل بن حمير وولي بعده ابنه يعفر بن سكسك نابذه باران العداوة وراجعه وأخذ الهنبيق
(1/67)
________________________________________
والأحقاف، وكان يعفر رجلاً سقيماً ولم يكن يغزو فانتقص ملكه وعظم ملك باران بن عوف بن حمير، ثم مات فولي الأمر بعده ابنه عامر ذو رياش فزحف إلى غمدان وأخذه وأخذ صنعاء وما والاها فغيب نفسه النعمان بن يعفر بن سكسك في مغارة في جبل عنفر ومعه أمه نائلة بنت مالك بن الحاف ابن قضاعة بن مالك بن حمير.
عامر ذو رياش
أول الاذواء ولم يكن تبعا، قال وهب: فطلب عامر ذو رياش النعمان بن يعفر فلم يقدر عليه ولم يجد له مكاناً فجمع كل منجم كان بأرض اليمن وكل عائف وزاجر
فقال لهم: ما الذي طلبت وقد فرقهم فجعل أهل النجم ناحية وأهل العيافة ناحية وأهل الزجر ناحية فنظروا فلم يجدوا شيئاً غاب عنهم أمره إلى أن قام إليه عائف فقال له: أيها الملك إن الذي تسال عنه امرأة وصبي. قال له الملك: لله درك من أين قلت ذلك. قال له العائف: أما ترى الجنازة التي مروا علي بها سألتهم عنها فقيل: إنها رجل فنظرت فإذا يده على صدره كأنه يقول: أنا الرجل والذي تسأل عنه صبي وامرأة ثم رجع إلى مكانه فنظر إلى صبي يقفوا أثر الميت والجنازة باكياً فرجع إلى الملك فقال: إنه صبي باك حقق ذلك العلم، ثم رجع فنظر إلى الصبي يتبع الجنازة حتى أدخلت مغارة ودخل الصبي في أثرها. فرجع إلى الملك فقال له: إن الذي تسأل عنه صبي حي غيب في مغارة في هذا الجبل فأمر العساكر فطافت بالجبل يتجسسون المغارات في
(1/68)
________________________________________
الجبل ويقفون الآثار حتى دخلوا المغارة التي فيها النعمان وأمه فأخذوهما وأتوا بهما إلى عامر ذي رياش فأخذهما ورجع فنزل قصر غمدان ولم يكن ينزل قصر غمدان إلا الملك الأعظم ولا ينزله إلا من استحق عندهم اسم تبع من ملوك حمير وحبس النعمان وأمه عنده في قصر غمدان، فلم يزل النعمان محبوساً فماتت أمه وشب الصبي واحتلم. فبينما النعمان ليلة من ذلك الزمان مع الحرس الذين كانوا يحرسونه وكانوا عشرة وفيهم رجل يقال له همدان بن الوليد بن عاد الأصغر بن قحطان، وكان يخدم السكسك جد النعمان، وكان يرق له سراً وكان أغلط الحرس في العلان فبينما النعمان في الحرس جالس إذ طلع القمر وقد خسف فبكى النعمان لما رأى القمر خاسفاً وقالوا له: مال الذي يبكيك؟ قال: أبكاني تقلب الدهر بأهله لن ينجو من غدر هذه الدنيا وعثراتها شيء في الأرض ولا في السماء. فلما كان في الليلة الثانية طلع القمر مشرقاً زاهراً فضحك النعمان فقالوا له: ما الذي أضحكك؟ قال لهم: لعل الذي أبكى يضحك، ثم قال لهم: أرى هذا الدهر يقيل واحداً عثرته فيدرك أمله وآخر
يمضي عليه فيستريح وأنا كما ترون لا يمضي علي فأستريح ولا يقيلني عثرتي فأبلغ أملي، وكان همدان بن الوليد رجلاً عاقلاً قد استمال إليه الحرس بعقله ولطفه يصرفهم كيف ساء، فقال لهم: إن في الكلام راحة تريدون أن أجيب عنكم النعمان؟ قالوا: نعم. فقال همدان: يا نعمان لعل أملك أقرب من أجلك، ثم نظر همدان إلى من حوله وتصحف وجوههم ليرى من يرضى قوله ومن يسخطه، فقالوا له: رضينا قولك يا همدان - فنظر النعمان إلى القمر في الليلة الثالثة وهو مشرق زاهر فأنشأ يقول:
اربد وجهك بعد حشن ضيائه ... وخسفت بعد النور والإشراق
هل كان هذا الشأن منك سجية ... أم خان عهدك غادر الميثاق
(1/69)
________________________________________
واراك بعد محلة مذمومة ... أمسيت مشرقاً على الآفاق
علَّ الذي أنشأ سناك بقدرة ... من بعد مهلكة يريح وثاقي
إن الزمان بصرفه متقلب ... بين الورى كتقلب الأخلاق
قال وهب: وإن همدان قال للذين معه ويلكم أن ذا رياش نكد جبار لن يرحم قريباً ولا بعيداً ولن تروا معه راحة ولكن قدموا في النعمان يداً فإن أدرك أمله ووفى لكم أفدتم وإن لم يكن هذا كنتم قد وفيتم لسلفه فأجابوه فقال لهم: يأتي كل رجل منكم غدا بجديدة ففعلوا ووضع النقب في وسط المجلس حتى خرجوا من خارج القصر وكان ذلك وقت رجوع ذي رياش إلى عمان خالفه إليها مالك بن الحاف بن قضاعة فأخرجوا النعمان من ذلك السرداب ليلاً وإن النعمان كان يرسل في وجوه بني وائل بن حمير وبني مالك ابن حمير وسائر بني قحطان، فأجابوه إلى القيام على ذي رياش. فجمع حمير ثم سار يريد ذا رياش وإن إذ رياش لقي مالك بن الحاف فهزمه ذو رياش - ومر مالك على وجهه يريد أرض برهوت قال طلبة لحق بأرض الحبشة ولما بلغ ذا رياش ومن معه من أهل صنعاء وأهل
العالية والهنبيق خروج النعمان بن يعفر في ديارهم وطوع الناس له فارقوا عسكر ذي رياش هاربين إلى ديارهم وذراريهم، ثم خرج عنه من كان معه من بني وائل بن حمير وهم: أعد حمير وتبعهم مالك بن حمير، فلما رأى ذو رياش أن جمعه قد افترق أكثره عنه وصار إلى النعمان جميع من معه، سار يريد حرم مكة عائذاً به. وسار النعمان في أثره فلقيه بالمشلل فقاتله فهزمه النعمان وأخذه أسيراً. وسار النعمان إلى مكة فأوفى نذره ورجع إلى غمدان بذي رياش أسيراً ثم أن
(1/70)
________________________________________
النعمان دعا همدان فقال له: هذا الملك لك ولأصحابك فما رأيك في ذي رياش؟ قال له همدان: حبس بحبس لا عدوان فقبل منه وأحسن إليه وإلى أصحابه وأنشأ يقول:
إذا أنت عافرت الأمور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين الأقاول
فأما حمام النفس تلقاه عاجلاً ... وأما تراث الملك عن ملك وائل
فهل يدفع النعمان أمراً يريده ... وهل يتقي شر الذي غير نازل
إذا لم يكن بد من الموت حتمة ... فما تغن عني خافقات الجحافل
إذا لم يكن للمرء بد من التي ... تبذ الأماني عاجلاً أو بآجل
ويصبح في الأهلين يوماً جنازة ... ويلحق حتماً بالقرون الأوائل
علام يداري الدهر والدهر جائر ... ويرضى بظلم من يد المتطاول
ولكن نباني الملك في درج العلا ... كنجم اعوجاج من فنا الملك وائل
يفوز سعيداً أو يلاقي منية ... ويمسي على الدنيا بعيد المناهل
فما المرء للأيام تخلق نفسه ... وهل كانت إلا حيضة للقوابل
ألا أيها الراضي بأيسر خطة ... صبرت على خسف من الذل نازل
قيامك في الدنيا حياة لأهلها ... وصبرك عنها * غير طائل
إذا لم يكن للمرء عزم يزينه ... ولب يرى عيب القوي المخاتل
له سطوة تكسو العزيز مذلة ... وتهدي حتوفاً للنساء الحوامل
له علل تعلو النجوم وسطوة ... تصم فيخشى طرقها كل جاهل
وللموت خير من لباسك ذلة ... تجاذب مأسوراً صليل السلاسل
محلاً يراه الزائرون شماتة ... هواناً لمقدام العشيرة باسل
(1/71)
________________________________________
ملك المعافر بن يعفر
قال وهب: كانت حمير إذا لقي بعضها بعضاً يقولون: ما حال اليتيم يريدون بذلك النعمان بن يعفر فيقول بعضهم لبعض: أصبح اليتيم معافراً للملك وذلك لبيت قاله وهو:
إذا أنت عافرت الأمور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين المقاول
قال وهب: فسمى بذلك المعافر بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير.
قال وهب: وإن المعافر بن يعفر سار يريد أرض بابا ولم يكن للتبابعة ملك أرض بابل هي من الأرض وينبوع الناس فسار النعمان وهو المعافر راجعاً وسار بذي رياش معه لئلا يفتق عليه من بعده فتقاً، فسار النعمان حتى أخذا أرض بابل توجه يريد خراسان حتى بلغ صحراء بر فنظر عامر ذو رياش إلى أفعى رقشاء قد خرجت إليه من تحت فرشه فمد يده فأخذ ذنبها والحرس ينظرون إليه فحركه فعركه حتى حميت وتلمظت وهم لا يدرون ما يريد ثم نصب ذراعيه ولدغته فمات مكانه وأعلموا بذلك النعمان فقال: سابقته في ميدان الموت فسبقني، أما والله لو كنت أصبت مثل هذا لأرحت نفسي منه به واروه، ثم مضى يأخذ البلدان ويتأدى إليه الخراج حتى أتى الفرات فعبره إلى أرمينية فأخذها وقتل من عانده من ملوكها ووجد فيها لوكاً شتى. ثم مضى فعبر قنطرة سنجة إلى أرض الشام فأباح من وجد فيها من الملوك، ثم قفل إلى البلد الحرام راجعاً فنزل بمكة فأصاب بها نفيلة بن مضاض الجرهمي وجرهم من قحطان وكان بها ملكاً بعد موت نابت بن إسماعيل فقدم بالبيت قدار بن إسماعيل وأمر نفيل بن مضاض بقصد مكة ورجع
(1/72)
________________________________________
إلى غمدان ومات بها فكان عمره في الملك ثلاثمائة سنة.
قال وهب: وإن النعمان وهو المعافر بن يعفر مات فقال لبنيه وقومه: لا تضجعوني فينضجع ملككم ولكن ادفنوني قائماً فلا يزال ملككم قائماً.
قال أبو محمد: قال أسد بن موسى عن أبي إدريس إن في خلافة سليمان ابن عبد الملك بن مروان فتحت مغارة في اليمن فأصابوا فيها جوهراً كثيراً وذهباً وسلاحاً ووجدوا فيها مالاً جسيماً ووجدوا فيها سارية من رخام قائمة ختم رأسها بالرصاص فاعلم بذلك سليمان بن عبد الملك فأمر بقلع ذلك الرصاص فأصابوا في السارية شيخاً واقفاً وعلى رأسه لوح من ذهب فيه بالحميرية:
أنا المعافر بن يعفر بن مضر ... نسبي إلى ذي يمن مقر
أسمو بحر مضري حر ... من فتن بالبائع المحفز
باسق فرع وصميم سر
قال أبو محمد: لقيت الليث بن سعد وهو من أهل مصر وولاة المعافر، وذلك أن عمرو بن العاص افتتح بعسكر معافر في سبعين ألفاً لم يكن معهم أحد غيرهم خلا كلب في ألف رجل وبهرة في ألف رجل ومهرة في ألف رجل فزعم الليث أن الشعر منحول وذلك فعل بني أمية ينتصرون بهم لمضر.
قال وهب: حدثني كعب الأحبار قال سمعت أهل الكتب الأول والأخبار المتقدمون يقولون أن حمير في الأرض كالسراج المضيء في الليلة وإن الناس ليريدون هكذا وخفض يده ويريد الله بهم هذا: ورفع يده.
(1/73)
________________________________________
ملك شداد بن عاد
قال وهب: ثم استجمع أمر حمير وبني قحطان على شداد بن عاد ملطاط بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان.
قال وهب: لما ولي (شداد بن عاد) الملك جمع الجنود وكان امرءاً حازماً فسار
يدوس الأرض وبلغ أرمينية الكبرى فقتل فيها كل ثائر بها ثم عبر الفرات إلى المشرق فبلغ أقصاها لا أحد يقف له إلا هلك، ثم مضى على ساحل سمرقند إلى أرض التبت، ثم عطف على أرمينية فأمعن، ثم جاز إلى الشام وبلغ إلى المغرب فأكثر الآثار في المغرب حتى بلغ البحر المحيط يبني المدن ويتخذ المصانع فأقام في المغرب مائتي عام، ثم قفل إلى المشرق فأنف أن يدخل غمدان ومضى إلى مأرب فبنى به القصر العتيق الذي يسميه بعض الرواة (ارم بن العماد) فلم يدع باليمن دراً ولا جوهراً ولا عقيقاً ولا جزعاً ولا بأرض بابل وأرسل في الآفاق بجمع ذلك جواهر الدنيا من الذهب والفضة والحديد والقصدير والنحاس والرصاص، فبنى فيه وزخرفه ورصعه بجميع ذلك الجواهر وجعل أرضه رخاماً أبيض وأحمر وغير ذلك من الألوان وجعل تحتها أسراباً فاض إليها ماء السد فكان قصراً لم يبن في الدنيا مثله ثم مات شداد بن عاد بعد أن عمر خمسمائة عام فنقبت له مغارة في جبل شمام ودفن بها وجعل فيها جميع أمواله.

قصة المغارة التي فيها شداد بن عاد
والصعاليك الثلاثة حين دخلوها وما جرى عليهم
(1/74)
________________________________________
قال وهب: قال أبو محمد عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الملك البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي عن عبيد بن شرية الجرهمي قال: حدثنا شيخ من أهل اليمن بصنعاء عام الردة وكان معمراً عالماً بملوك حمير وأمورها قال لنا: كان باليمن رجل من عاد بن قحطان وهو عاد الأصغر وأما عاد الأكبر فلم يبق منهم أحد. قال الله تعالى: {فهل ترى لهم من باقية} وإن هذا الرجل العادي كان يقال له الهميسع بن بكر وكان جسوراً لا يهاب أمراً وكان يعرف بذلك، وكانت الصعاليك تقصده من آفاق الأرض، وكان أكثر طلبه المغارات يطلبها في جبال اليمن وعمان والبحرين وأنه آتاه رجل فاتك من عبس وآخر من خزاعة وكانا
صعلوكين جسورين فقالا له: يا هميسع احملنا من أمرك على ما تريده فانا نبلغ مرادك، فمضى معهما الهمسيع حتى أتى بهما جبلاً وعليه غابة فيها ثعابين لا ترام الهميسع أمام الصعلوكين قد أتى الجبل مراراً وحده وكان إذا عاين الثعابين يجزع فيرجع فلما آتاه الصعلوكان جسر بهما وقال: الق رأسك بين اثنين ولو غم إلى الأذنين ثم أخذ سيفه وزناده ومشاعله وزاده وسار بهما حتى وصل إلى الجبل ولم يزل يترايا لهم الثعابين وتهرب حتى بلغ باب كهف عظيم وكأن الجبال على أكتافهم عظماً وثقلاً، ودخلت قلوبهم وحشة عظيمة وسمعوا من داخل الكهف دوياً عظيماً وخيمنة وعلى بابا الكهف نقش بالحميري فقالا له: اقرأ يا ميسع فقرأه فإذا هو مكتوب هذين البيتين:
لا يدخل البيت إلا ذو مخاطرة ... أو جاهل بدخول الكهف مغرور
إن الذي عنده الآجال حاضرة ... موكل بالذي يغشاه مأمور
فغاب الخوف والجزع على الخزاعي في أول أمره ثم أن الجزع أيضاً على العبسي فاستدرك نفسه العبسي وثبت فقال الخزاعي: يا هميسع قد عاش في الدنيا كثير ممن لم تبلغ نفسه هذا المبلغ - ثم ولى العبسي عن صاحبه
(1/75)
________________________________________
هارباً. فقال الهميسع: نمضي في هذا الكهف أم لا؟ فقال له: نعم. فسارا في الكهف حيناً، فإذا حيات يصفرن عن يمين وشمال ورياح تجري عليهما من داخل الكهف، وسمعا دوياً من داخل الكهف، فقال العبسي: لقد حملت نفسك على مكروه يا هميسع أعلى يقين أنت من هذا الكهف؟ فقال له الهميسع: ما تيقنت إلا ما رأته عيني، والرجاء فقال له: افعلي شك أنت هارش الثعابين وأبيع مهجتي ببخس يا هميسع لقد بعت نفسك من دهرك أبخس ثمن وهميسع في ذلك لا يلوي إلى كلامه وهو يسير داخل الكهف حتى وقف به على بابا آخر أعظم من الباب الأول وأهول وأشد وحشة وزاد عليهم الدوى والحسيس والهينمة وعلى ذلك الباب بالخط الحميري. فقال له
العبسي: اقرأ يا ميسع! فقرأه فإذا هو:
انظر لرحلك لا يساق فإنه ... حتم الحمام إلى العرين يساق
يا ساكني جبلي شمام لعله ... يوفي بما أجنبتما الميثاق
قوموا إلى الإنسي أن محله ... يدعو إلى يوم الفراق فراق
قال: فولى العبسي هارباً عنه وناداه الهميسع فلم يلتفت إليه، وولى وهو يوقل: قاتل الله أخا عاد ما أجسره! قال: فهم الهميسع أن يفر ثم حمل نفسه على الأصعب ومضى حتى بلغ إلى باب هو أعظم هولاً وأشد وحشة وعليه نقش بالقلم الحميري فقرأه الهميسع فإذا فيه مكتوب:
قد كان فيما قد مضى واعظ ... لنفسك البينة المسمعه
إن جهل الجاهل ما قد آتى ... وكان حيناً قلبه في دعه
فدخل الباب الثالث فسمع دوياً عظيماً كالرعد وهده عظيماً، فبينما
(1/76)
________________________________________
هو كذلك إذ برز إليه تنين أحمر العينين فاتح فاه فلما رآه الهمسيع رجع هارباً إلى خلفه، فسكن حس التيني فوقف العادي وقال في نفسه: قدر رآني ولو كان حيواناً لم يدعني وما هو إلا طلسم فرجع له ثانية حتى ظهر له، فسار نحوه فسمع له دوياً عظيماً فهرب فأقبل يسمع الدوى فإذا هو في رجوع التنين كما قاله في إدباره فعلم إنه طلسم فأخذ حذره من صدمته وأقبل يمشي قليلاً قليلا ويخفف وطأ قدميه حتى وضع قدمه في موضع فتحرك التنين ودوى، فأخذ قدوماً كان معه فحفر على الموضع حتى ظهرت له سلاسل على بكرات. فأجنه الليل فأسرع الخروج من الكهف وجمع حطباً من الغيضة وأضرمها ناراً وبات عند بابا الكهف، فلما غشيه ظلام الليل سمع بكاء وحنيناً داخل الكهف فلم يزل ينظر ويرتقب وينظر حتى نظر إلى نار عظيمة خارجة إليه من داخل الكهف، فلما رآها لم يبرح من موضعه حتى غشيته فصبر لها فلم تؤلم فيه شيئاً ثم أتته أخرى ثانية أكبر من الأولى فصبر لها
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

كذلك، فلما مالت عنه أخذ مقياس النيران التي أضرمها وأقبل يضرب بها حيطان الكهف يميناً وشمالاً حتى سمع نداء من داخل الكهف يهتف: يا هميسع لا حاجة لنا في دخولك. فأقام حتى أصبح فدخل باب الكهف إلى أن وصل إلى البابا الذي رأى فيه التنين، ثم حفر على بقية حد التنين حتى قلعه وسقط التنين، فسار إليه فقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان حمراوان لا قيمة لهما، وسار حتى انتهى إلى بابا هو أعظم هولا وأشد وحشة فلما هم أن يفتحه سمع دوياً عظيماً وبدا له أسد عظيم فرجع أيضاً إلى خلفه فرجع عنه الأسد بدوي عظيم فحفر على موضع حركته كما صنع بالتنين حتى أبطل حركته وقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان حمراوان لا قيمة لهما، ثم دخل الباب فإذا هو بدار عظيمة وفيها بيت في وسطه سرير من ذهب شيخ على رأسه لوح
(1/77)
________________________________________
من ذهب معلق وسقف البيت مرصع بأصناف اليواقيت وعلى رأسه في الحائط لوح من ذهب فيه مكتوب (أنا شداد بن عاد عشت خمس مائة عام وافتضضت فيها ألف بكر وقتلت ألف مبارز وركبت ألف جواد من عتاق الخيل) وتحته مكتوب:
من ذاك يا شداد عاد أصبحت ... آماله مهزومة الأقدام
يا من رآني إنني لك عبرة ... من بعد ملك الدهر والأعوام
فكأنني ضيف ترحل مسرعاً ... وكأنني حلم من الأحلام
احذر تصاريف الزمان وريبه ... لا تأمنن حوادث الأيام
هلا يضرك من كلامي مرة ... يا ساكن الغيضات والآجام
قال ثم ملت إلى الركن الذي عن يمينه فإذا هو سرير من ذهب وعليه جاريتان فوق رأسهما في الحائط لوح من ذهب أو قال من عاج فيه مكتوب (أنا حية وهذه لبة بنت شداد بن عاد أتت إلينا أزمان فيها الطارف والتليد على عبيدنا صاعاً من بربصاع من در فلم نجده - فمن رآنا فلا يثق بالزمان وليكن على بيان فإنه
يحدث العز والهوان) - قال فأخذ الهميسع الألواح وما بالبيت من در وجوهر وياقوت وخرج.

ملك لقمان بن عاد
قال وهب: فلما مات شداد بن عاد صار الأمر إلى أخيه لقمان بن عاد وكان أعطى الله لقمان ما لم يعط غيره من الناس في زمانه أعطاه حاسة مائة رجل وكان طويلاً لا يقاربه أهل زمانه.
(1/78)
________________________________________
قال وهب: قال ابن عباس كان لقمان بن عاد بن الملطاط بن السكسك ابن وائل بن حمير نبياً غير مرسل.
قال أبو محمد: لقيت عامة من العلماء يقولون أن لقمان وذا القرنين ودانيال أنبياء غير مرسلين وعامة يقولون عباد صالحين والله أعلم بذلك.
قال وهب: لقمان بن عاد هو الذي سمته حمير الرايش لأنه كان متواضعاً لله لم يكن متوجاً.
قال وهب: وكان لقمان بن عاد يدعو قبل كل صلاة ويقول:
أللهم يا رب البحار الخضر ... والأرض ذات النبت بعد القطر
أسألك عمرا فوق كل عمر
فنودي قد أجيبت دعوتك وأعطيت سؤالك ولا سبيل إلى الخلود واختر إن شئت بقاء سبع بقرات عفر في جبل وعر ولا يمسهن ذغروان شئت بقاء سبع نوايات من تمر - مستودعات في صخر لا يمسهن ندى ولا قطر وإن شئت بقاء سبعة نسور كلما هلك نسر عقب بعده نسر. قال: فكان ذلك إنه اختار سبعة نسور.
قال وهب: فيذكر إنه عاش ألفي سنة وأربعمائة سنة وهو صاحب لبد.
قال وهب: وكان لقمان يأخذ فرخ النسر من وكره فيربيه حتى يموت وهو يطير مع النسور ويرجع إليه.
قال وهب: وأعطى لقمان سؤله وأخوه شداد في ملكه وعاش معه
(1/79)
________________________________________
دهراً طويلاً وهو يدعو إلى الله، فلما مات شداد صار إليه الأمر فكان الناس يأتونه من أقاصي الأرض وأدانيها.
قال وهب: وإن عاد الأصغر بن قحطان كانوا أهل غدر ومكر وختر لا يأمن فيهم ابن السبيل ولا يطمئن فيهم جار ولا ينزل فيهم غريب ولا يثق بهم معاهد، وكان فيهم قبيل يقال لهم: بنو كركر بن عاد بن قحطان فعاشوا بأقصى اليمن فحاربهم جميع قبائل عاد وأعانهم عليهم وناصرهم بنو غنم بن قحطان وبنو غانم بن قحطان وبنو ظالم بن قحطان فغلبوا بني كركر. فإنما رأى بنو كركر بن عاد ما صاروا إليه من الذل بعد العز ومن الضر والجهد بعد النعمة شكوا ضر ما نزل بهم إلى سيدهم وصاحب أمرهم السميدع بن زهير فقال لهم: يا بني كركر كنتم أهل غدر ومكر لا يثق بكم قريب ولا بعيد ولا يأمنكم بغيض ولا حبيب أقرضتم الدهر قرضاً فرده إليكم فلم ترضوه. قالوا له: قد علمنا أنا فتحنا على أنفسنا بابا الموت فدلنا على باب الحياة؟ قال لهم: أما ها هنا فلا ولكن سيروا بنا إلى هذا الملك الحميري لقمان بن عاد فإن عنده رشداً وسداداً وصلاحاً للعباد يدعو إلى الله وإلى أبواب البر ومن دعا إلى الله أمن من الأذية واطمأن من لجأ إليه وطاب له وجه أمره ورضي عاقبته. قالوا له: لك الأمر فخذ بنا حيث شئت، قال لهم: يا بني كركر قدمتوني إلى أمر جليل وإن الله لا يرضى من أفعالكم شيئاً وأنه رأى ما فعلتموه منكراً فغيره، وأنشأ يقول:
من أضمر المكر وأبدى الغدرا ... يلقي مدى الأيام ضراً مر
لم يدر ما سر وما قد ضرا ... يعذل فيما قد لقيه الدهرا
ورحل بهم إلى لقمان بن عاد وقال:
سيروا بني كركر في البلاد ... أني أرى الدهر إلى فساد
(1/80)
________________________________________
قد قام من حمير ذو الرشاد ... لقمانها فقد هداه الهادي
يدعو لها النادي وأهل النادي ... من حمير السادة في العباد
فغير المنكر بالسداد ... يا حبذا من رائد مرتاد
دعو بني كركر كل عاد ... إلى مقام الفصل والميعاد
فسار بهم السميدع إلى لقمان، وإن لقمان عرض عليهم الإيمان فآمنوا كلهم، فأنزلهم أرض العالية وتزوج منهم امرأة وهي سوداء بنت أمامة - وكانت جميلة - وكان لقمان غيوراً فأخذها فجعلها في كهف عظيم في رأس صخرة عالية لا يطيق أحد يطلع إليها إلا هو لطوله وتمامه، وكان يعبد الله في ذلك الكهف وكان له عيد يصلي بالناس فيه كل عام بالرجال والنساء فصلى ببني كركر وقد اجتمع النساء والرجال فبصر هميسع بن السميدع بن زهر إلى امرأة لقمان فهويها فقال: (معشر عاد والله إن لم تحتالوا لي حيلة أدرك فيها سوداء امرأة لقمان لأقتتلن لقمان ثم تأتي على آخركم حمير)، وكان جسوراً فتاكاً وعلموا أنهم إن لم يفعلوا ذلك يفعل ما قال، فاجمع أمر بني كركر على أن يحتالوا كيف يجمعون بينهما ولا يعلم كيف يجمعون بينهما ولا يعلم لقمان فقال رجل منهم - يقال له عامر بن مالك: أسأتم الجوار ونقضتم العهد فما أشبه أول أمركم بالآخر لا أمان بعد مكر ولا عذر بعد غدر ولا نقض بعد أصر، أطعتم غوياً عاهراً وعصيتم ناهياً آمراً أطعتم شيطانكم فكأني بكم وقد رمتكم العرب عن قوس واحدة فأحسن لقمان جواركم فكيف تخونونه في حريمه. فلم يلتفتوا إلى ما قال ومضوا فيما هم فيه من الحرام فقال عامر:
أفي كل عام سنة تحدثونها ... ورأي على غير الطريقة تعبروا
(1/81)
________________________________________
وإن لعاد سنة من حياضها ... سنحيا عليها ما حيينا ونقبر
وللموت خير من طريق تسبنا ... بهاجرهم فيما تسب وحمير
قال: فضربه الهميسع بن السميدع بن زهير فقال: يا بني كركر أراد دماركم فاقتلوه فقتلوه ثم إنهم أتوا لقمان فقالوا له: إنا خشينا الحرب فيما بيننا، ولكن إن رأيت أن تحبس سلاحنا عندك في هذا الكهف فإن تنازعنا لم يكن لنا سلاح نسفك به دماً ولا نقطع به رحماً. قال: افعلوا فأخذوا السلاح فجعلوا في وسطه الهمسيع بن السميدع وستروه به من كل جانب وأعطوه لقمان فطلع به الكهف، فلما خرج لقمان تكلم همسيع إلى سوداء امرأة لقمان وقال لها: أنا همسيع بن السميدع، وأخرجته ونال منها وأطعمته وسقته ثم ردته في السلاح، فلم تزل تعمل معه إلى أن رقد معها على سرير لقمان ثم تنخم ورمى النخامة إلى سمك الكهف وقد التصقت النخامة في سمك الكهف ثم أن لقمان أتى وقد أعيا فألقى بنفسه على سريره ثم رمى بصره إلى سمك الكهف فرأى النخامة فقال لامرأته: من بصق هذه البصقة؟ قالت: أنا. قال: ابصقي فبصقت فلم تدرك. ثم قالت له: أنا جالسة حين بصقتها، قال لها: اجلسي فجلست فبصقت فلم تدرك، قالت له: واقفة كنت، قال لها: قفي، فوقفت وبصقت فلم تدرك، فقال لها: من السلاح أتيت - ثم بادر إلى السلاح ففتحه واستخرج همسيع. فدعا بحمير فقال لهم: ما رأيكم في بني كركر؟ قالوا له: يا لقمان انف بني كركر بن عاد من أرض حمير فإنهم أهل غدر ومكر لا يزرعون فينا إلا الغدر ويحملونا الأحقاد ويورثونا الضغائن. فقال لقمان لعاد: اخرجوا من جواري. ثم طلع على الجبل وشد سوداء امرأته مع همسيع في السلاح الذي كان همسيع فيه، ثم رماهما من أعلى الجبل، ثم رماهما بالحجر ثم رماهما جميع من كان معه، فأول من رجم في الحد حد الزنا
(1/82)
________________________________________
لقمان فقتلهما، ثم أخرج بني كركر من جواره. فقالوا له: يا لقمان إن أنت لم تشيعنا نتخطف في الأرض فسار معهم لقمان ليمنعهم من قبائل حمير، فبينما هو يسير إذ سمع رجلاً يقول لامرأة منهم: يا رجيم أين زوجك قالت له: يرعى غنمه وهذا عشي النهار
وهو وقت إيابه إلينا ولكن خذ ما تريد قبل أن يأتيك فزنى بها ولقمان يسمعهما ويراهما فهما كذلك إذ سمعت ثغاء الشاء فقالت له: هذه غنمنا. قال لها: خذي لي حيلة فأخذته فأدخلته تابوتاً لها وأقفلت عليه ثم أتى زوجها إلى حيه ثم أنهم رحلوا ليلاً فقالت له: إن حيلتي وجميع شأني في هذا التابوت فأحمله فحمله قال، وساروا ومعهم لقمان فهم يسيرون اذ ضيق البول على الذي في التابوت فبال فلما سال على رأس زوجها، قال لها: ما هذا الذي سال على رأسي من هذا التابوت؟ قال له: في التابوت اداوة الماء. قال لها: إنه مالح، ورمى التابوت عن رأسه فانكسر وثار الرجل هارباً يسعى في سند الجبل فثار في أثره زوج المرأة فأدركه وأخذه وجاء يدفعه يريد به لقمان وتعاوره من كان معه حتى أتى به لقمان فقال: يا لقمان إن هذا من شأنه كذا وكذا، فلما أصبح أمرهم لقمان بالنزول ونزلوا ثم قال: جيئوني بالرجل المأخوذ وبالمرأة فأتي بهما فأنكرا قول الرجل. فقال لهما لقمان: قد رأيتكما وسمعت كلامكما وعلمت كل ما فعلتما، قال له بنو كركر: الأمر لك يا لقمان احكم فيهما. قال لهم: حملوها ما حملت زوجها فأخذ الرجل فحمله في التابوت وشده بالحبال على رأسها، ثم قال لهم: دعوها تجول حتى تموت ويموت. فلم تزل تجول به حتى ماتت ومات على رأسها. وإن رجلاً أتى لقمان قال له: يا لقمان إن سارقاً يأتي رحلي فيدخل يده في خرق الخيمة ويسرق ما أصابت يده من الخيمة، فقال له لقمان: احرسه
(1/83)
________________________________________
حتى إذا أدخل يده وسرق فخذ يده واقطعها. ففعل ذلك الرجل وإن السارق آتاه كما كان يفعل أول مرة فقطع رب الخيمة يده وذلك أن أول من حكم بالقطع في السرقة لقمان.
قال وهب: وإن لقمان اخرج بني كركر بن عاد من أرض حمير وردهم إلى قومهم عاد بن قحطان.
قال وهب: ورجع لقمان إلى مأرب ومعه لبد نسره الآخر وهو أطول النسور
عمراً.
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: كان عمر لقمان بن عاد أربعة آلاف عام عاشت ستة نسور كل نسر خمسمائة عام وذلك ثلاثة آلاف عام وعاش لبد وكان آخرها ألف عام.
قال وهب: فلما كان اليوم الذي أصبح فيه لقمان مشرفاً على الموت فأراد أن ينهض فضربت عروق ظهره ولم يكن قبل ذلك يشتكي شيئاً منها فقال:
يا لقومي نعى إلي بموتي ... اختلاف النساء وحبل الوتين
ثم نظر إلى لبد وقد تطايرت النسور ولم يطير فلم يطق فقال له:
انهض لبد نهضاً شدد ... إذ لم يكن أبد الأبد
فأراك حين تطايرت ... تلك النسور فلم تعد
بشرت لقمان به ... ولعله لم يعتمد
قال: ثم أخذ لبداً بيديه ورمى به ليطير فسقط لبد وتطاير وتناثر ريشه
(1/84)
________________________________________
فلم يطق أن ينهض، ثم قال: يا لبد صحبتني فصحبتك وكذبتين فكذبتك، ثم عاد لقمان فأخذ لبداً فرمى به ليعلو ويطير فسقط وتطاير ريشه فقال:
انهض لبد نهضاً شدد ... فإن الملك للمجرد
يشير إلى الحرث بن ذي شدد.
فلما أيقن بالموت قال: يا قوم دعوني من سير الجبارين واسلكوا بي سبيل الصالحين احفروا لي ضريحاً واروني ترباً وحصباً ولا تجعلوني للناظرين نصباً ومات لقمان ودفن بالأحقاف إلى جوار قبر هود النبي عليه السلام. وقد ذكر لقمان والنسور كثير من الشعراء فقال تيم اللات بعده:
رأيت الفتى ينسى من الدهر حقه ... حذار لريب الدهر والدهر آكله
ولو عاش ما عاشت للقمان انسر ... لصرف الليالي بعد ذلك يأكله
قال النابغة يصف لبداً:
أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد
وقال لبيد بن ربيعة فذكر لقمان وقصته ولبداً وقصته:
لله نافله الأجل إلا فضل ... وله العلى واثبت كل موصل
لا يستطيع الناس محو كتابه ... أني وليس قضاؤه بمبدل
سوى فاعدل دون عزة عرشه ... سبعاً طباقاً فوق فرع المنقل
والأرض تحتهم مهاداً راسياً ... نبتت جنباتهم بصم الجندل
بل كان سعيك في حياتك باطل ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
لو كان شيء خالد لتواءلت ... عصماء مؤلفة ضواحي مأقل
بظلوفها ورق البشام ودونها ... طود يزل سراته بالاجدل
(1/85)
________________________________________
أو ذو زوائد لا يطاف بأرضه ... يغشى المهجهج كالذنوب المرسل
في نابه عوج يجاوز شدقه ... ويخالف الأعلى وراء الأسف
فأصابه ريب الزمان فأصبحا ... أنيابه مثل الزجاج النصل
ولقد رأى صبح سواد خليله ... ما بين قائم سيفه والمحمل
صبحن صبحاً حين حق حذاره ... أصبحن صبحاً قائماً لم يعقل
لقد جرى لب فأدرك جريه ... ريب الزمان وكان غير مثقل
ولقد رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
من تحت لقمان يرجو سعيه ... ولقد رأى لقمان ألا ياتلى
غلب الليالي بعد آل محرق ... وكما فعلن يتبع وبهرقل
وغلبن أبرهة الذي الفته ... قد كان عمر فوق غرفة موكل
والحارث الحراب أمسى قاطناً ... داراً أقام بها ولم يتحمل
والشاعرون الناطقون أبادهم ... سلكوا سبيل مرقش ومهلهل
ودعت قومي بالسلام كأنني ... ماض إلى سفر بعيد المرحل
وقال الأعشى في ذلك أيضاً:
فأنت الذي سقيت عمراً بكأسه ... ولقمان إذ خيرت لقمان في العمر
فقال مميت الخلق ما يصحب الندى ... ثم لم يلق بدعوتها القطر
لنفسك أن تختار سبعة أنسر ... إذا ما مضى نسر خلفت إلى نسر
فقال نسر حين أيقن إنه ... خلود وهل تبقى النسور مع الدهر
وهي لبد والطير يخفقن حوله ... وقد بلغت منه المدى صحوة القدر
فقال له لقمان إذ حلَّ ريشه ... هلكت وقد أهلكت هاداً وما تدري
(1/86)
________________________________________
وأصبح مثل الفرخ أطلق ريشه ... وبادت به عمراه في ليلة الحشر
قال وهب: كان بنو كركر بن عاد بن قحطان أصابهم قحط فسار لقمان إلى بيت مكة وسار معه قيل بن الكثير بن عنتر العادي يستسقيان ويدعوان الله تعالى، فكان يسأل لقمان العمر وقيل يسأل القطر فأجيبت دعوة لقمان ولم تقبل دعوة قيل ألا إنه رأى في المنام كأن آتياً آتاه فقال له: يا قيل انك ضيف الله في البلد الحرام قصدت الله وجاورت بيته فلك قرى الدعاء وقد استسقيت لقوم الله عليهم غضبان ولكن اذهب إلى الموضع الذي تدعو الله فيك فانك تصيب فيه كأساً فاشرب به كأساً من زمزم إجابة لدعائك فانك لن تصم ولن تعمى ولن تسقط لك سن ولا ضرس بعده حتى تلقى الله، فلما أفاق سار إلى الموضع فأصاب به كأساً فأخذه وسار به إلى زمزم فشرب به كأساً كما أمره فما اعتل بعده بعلة في جارحة حتى مات.

ملك الهمال بن عاد
المعروف بذي شدد ملك متوج
وأنه لما مات لقمان بن عاد صار الملك إلى أخيه الهمال بن عاد بن الملطاط ابن السكسك بن وائل بن حمير. والهمال بن عاد هو ذو شدد، فلما صار الملك إلى هم الذي شدد دخل إلى المغارة التي دفن فيها أخوه شداد بن عاد فأخرج التاج وتتوج به وكان لقمان غيبه في تلك المغارة لأنه لم يكن متوجا كان متواضعاً لله، فلما ولي الهمال بن عاد أخذ الملك أخذاً شديداً فولي ذلك
(1/87)
________________________________________
حيناً من الدهر ثم مات، وإنما قيل له ذو شدد بلغة حمير كقولك ذو شطط ابن عاد بن مناح أي ذو عطاء.

ملك الحارث بن الهمال
قال وهب: وولي أمر الملك بعد الهمال بن عاد ابنه الحارث بن الهمال وهو الرائش الأصغر والرائش الأكبر عنه لقمان بن عاد وهو الحارث ذو مراثد بن الهمال ذي شدد بن عاد بن ذي مناخ وكانت تأتي هدايا الهند إلى التبابعة من أصناف الطيب والمسك والعنبر والكافور وحب البان والينجوج والزعفران وغير ذلك من أنواع الطيب ومرافق أرض الهند والفلفل والهليلج وغيره، ويأتي الجوهر والعقيق والدن، فلما أتت الهدية إلى الرائش الحارث ذي مراثد وذو مراثد في لغة حمير ذو أيادي وذو مرثد ذو يد.
قال وهب: فلما أتت الهدية من قبل الهند إلى ذي مراثد ورأى ما رأى من عجائب الهند تطلعت نفسه إلى غزوها فعبى الجنود وجمع العساكر وأظهر إنه يريد المغرب في البحر وأعد السفن وكان غزاها قبله ثلاثة من الملوك على البر من جبال حران وأرض التبت حتى وصلوا إليها وهم: عبد شمس ابن * سبأ وبعده ابنه وائل بن حمير وبعده ابنه السكسك بن وائل، فكان خراجهم الذي أجروه على الهند جميع هذه الطرائف يطرفونهم بها.
قال وهب: فلما أمكن لذي مراثد الرائش جواز البحر ركب وقدم بين
(1/88)
________________________________________
يديه رجلاً
من حمير يقال له: يعفر بن عمرو. فسار يعفر حتى دخل أرض الهند وتبعه الرائش ذو مرراثد فقاتل أهل الهند يعفر حتى آتاه الرائش فغلب عليهم فقتل المقاتلة له وسبى الذرية وغنم الأموال ورجع إلى اليمن من جهة مطلع الشمس وكان طريقه مدينة الصغد وهي سمرقند وخلف يعفر بن عمرو في اثني عشر ألفاً في مدينة بناها الرائش ذو مراثد وسماها على اسم الرائش. فلم يقدر أهل الهند يقيمون اسمها فسموها الرائد فهي مدينتهم اليوم وبها ملكهم. وقال في ذلك نوفل بن سعد من رؤساء حمير:
من ذا من الناس له ما لنا ... من عارب في الناس أو أعجمي
سار بنا الرائش في جحفل ... مثل مفيض السيل كالأنجم
يوماً لأرض الهند يسمولها ... تجري به الأمواج كالضغيم
فأول الغاية قاموا بها ... واستسلموا للفيلق المظلم
في بحرها المنشور سام به ... يوم أمام الملك المعلم
يغيرها يعفر اذ جاءها ... يا حبذا ذلك من مقدم
فصبح الهند له وقعة ... هدت قواه بالقنا الصيلم
وانغص الرائش أملاكها ... وآب بالخيرات والأنعم
فالدر والياقوت يجبي له ... والخرد الأبكار في الموسم
قال وهب: ولما صار الرائش بجبال خراسان أتته هدايا أرمينية اتقوه خوفاً لما وقع في الهند فأرسل ملوك أرمينية ببزاة بيض وديباج وسروج ومتاع عجيب مما يقابل به الملوك فقال للرسل: كل هذا في أرضكم؟ قالوا: نعم أيها الملك. قال: فلم نأخذ شيئاً إذ لم نأخذ أرض أرمينية، فسار يريد أرض
(1/89)
________________________________________
أرمينية فقدم بين يديه شمر بن العطاف الحميري في مائة ألف وسار يتبعه بالجمع فأخذ أرمينية وأخذ في دروب الأرض إلى عجز الأرض ما تحت بنات نعش وأبواب زوايا الأرض، ثم
قفل راجعاً حتى بلغ أذربيجان حتى بلغ إلى الصخرتين من أذربيجان وهما صخرتان قد تقابلا جبلان شامخان يحسر الطرف عنهما وليس يأخذ أخذ بأذربيجان إلا بينهما. فكتب في الصخرتين بالحميري المسند وسموا الحميري المسند لأنه على عدده وهو منثور مثله فكتب في الصخرة الواحدة أن الرائش ذا مراثد سيد الأوابد بلغ من الدنيا أمله وبقي ينتظر أجله فمتى ينقض يمض وتحته منقوش:
يا جابيا خرج خراسان ... ملججاً في أرض حران
فتحت أرض الهند مستأثراً ... يعفر الأول والثاني
يتبع قرن الشمس إن أشرقت ... حتى بدا نور الضحى قاني
سام على البيت مستعجلاً ... مقتحماً أرض أذربيجان
سينقضي الرائش بعد الذي ... نال ويبقى الناس في شان
وكتب في الأخرى:
إلا أن الزمان أطاع أمري ... وسوف أطيعه قهراً بقسر
ركبت الدهر إعصاراً عزيزاً ... سيسأم طول هذا الدهر دهري
يخادعني بأيام حسان ... ويقطع دائباً في ذاك عمري
لقد صبر الزمان على اعتزامي ... ليعلم أن عصاني كيف صبري
له أيد طوال عن قصار ... تناول ذا الورى خسري ويسري
(1/90)
________________________________________
قال أبو محمد: أن ذلك الكتاب لمكتوب فيها اليوم - قال: وإن الرائش ذا مراثد رجع إلى اليمن ونزل غمدان ومات، فكان عمره في الملك مائة عام وخمسة وأربعين عاماً، والله أعلم.

ملك الصعب ذي القرنين
وولي بعده ابنه الصعب ذو القرنين بن الحارث الرائش ذي مراثد بن عمرو الهمال
ذي مناح بن عاد ذي شدد بن عامر بن الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام ابن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
قال وهب: رفع الحديث إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إنه قال (حدثوا عن حمير فإن في أحاديثها عبراً).
قال وهب: وولي الملك الصعب ذو القرنين بن الحارث الرائش ذي مراثد بن عمرو الهمال ذي مناح بن عاد ذي شدد تجبراً لم يكن في التبابعة متجبر مثله ولا أعظم سلطاناً ولا أشد سطوة وكان له عرش من ذهب صامت مرصع بالدر والياقوت والزمرد والزبرجد، وكان يلبس ثياباً منسوجة من الذهب منظومة دراً وياقوتاً وكان عظيم الحجابة. قال: فبينما هو في ذلك المكان إذ رأى رؤيا كأن آتياً آتاه فأخذ بيده وسار به حتى رقي به جبلاً عظيماً منيفاً لا يسلك فيه سائر من هول ما رأى إذا شرف على جهنم وهي تحته تزف وأمواجها تلتطم وفيها قوم سوط تتخطفهم النيران من كل جانب. فقال له الصعب: من هؤلاء؟ قال له: الجبابرة فاخلع يا صعب رداء الكبر وتواضع لله يعطك عزاً أعظم من عزك وهيبة أجل من هيبة الكبر وعزاً أعظم من عز
(1/91)
________________________________________
الملك فاختر لنفسك أي المقامين أحب إليك. قال: فلما أصبح برز للناس بعد الحجابة وتواضع وانبسط بعد العز والقسوة وجلس بين الناس ودخل قلبه وحشة خوفاً من الله ثم أمر بالعرش فاخرج، ثم قال: أيها الناس اهتكوا ولكل يد ما أخذت فهتك العرش وانتبه الناس ثم رمى بثوبه فتخطفه الناس، ثم قال: أيها الناس إن الله الجبار يبغض الجبارين، قهر الموت من ادعى إنه ندره وأذل الملك من ادعى إنه ضده واستأثر بالبقاء بعد ذهابه الإملاء.
قال وهب: ثم إنه رأى في الليلة الثانية كأنه نصب له سلم إلى السماء ورقى عليه،
فلم يزل يرقى حتى بلغ إلى السماء فسل سيفه ثم علقه مصلتاً إلى الثريا ثم أخذ بيده اليمنى الشمس وأخذ القمر بيده اليسرى ثم سار بهما وتبعته الدراري والنجوم، ثم نزل بهما إلى الأرض، فلم يزل يمشي بهما وتبعته النجوم في الأرض، فأفاق. فلما أصبح خرج إلى الناس هائماً لا يدري ما هو فيه فاستنكر الناس أمره.
قال وهب: ولما كانت الليلة الثالثة رأى كأنه جاع جوعاً شديداً وظهر إلى الأرض فصارت له غذاء فأقبل عليها يأكلها جبلاً وأرضاً حتى أتى عليها كلها، ثم عطش فأقبل على البحار يشربها بحراً بحرا حتى أتى على السبعة الأبحر، ثم أقبل على المحيط يشربه فلما أمعن فيه إذا هو بطين وحمأة سوداء لم تسغ له بما آتاه فترك ثم أفاق من نومه فلما أصبح هام وحار فيما رأى وغاب عن الناس لما به. فقال الناس: يوماً يظهر ويوماً يحتجب.
قال وهب: فلما نام في الليلة الرابعة رأى كأن الأنس والجن آتوه من
(1/92)
________________________________________
الأرض كلها حتى جلسوا بين يديه، ثم أقبلت البهائم والأنعام من الأرض كلها حتى جلست بين يديه، ثم أقبلت الوحوش من الأرض كلها حتى جلست بين يديه، ثم أقبلت الطير حتى أظلته وأقبلت الهوام من جميع الأرض كلها حتى حفت به، ثم أقبلت الرياح حتى استدارت فوقه. قال: فأرسل أمماً من الإنس والجن مع ريح الصبا إلى المغرب فهبت بهم إلى المغرب، ثم أرسل أمماً من الإنس والجن مع ريح الشمال، فهبت بهم إلى يمنى الأرض فلما ذهبت الإنس والجن أمر البهائم والأنعام فذهبت بهم الرياح الأربع وجوهاً من ألأرض، فذهبوا في سبيل الأنس والجن، ثم أمر الطير فذهبت بها الرياح في الوجوه الأربع، ثم أمر الرياح فذهبت بالوحوش وحبس سباعها تحت قدميه، ثم أمر الرياح فذهبت بالهوام في سبيل من مضى من جميع من أرسل، فلما أصبح غلب عليه هول ما رأى من الرؤيا الأولى والثانية والثالثة والرابعة فأرسل في وزرائه وأهل مشورته ووجوه قومه فجمعهم، ثم قص
عليهم ما رأى. قال لهم: كنت كتمتكم أمر وهو أمر جسيم. قالوا له: هال علينا حالك أيها الملك فتحيرنا في أمرك وخشينا من سخطك إن نحن سألناك من قبل أن تظهره، فلما كان إظهاره منك فرجت علينا أيها الملك أمراً جليلاً واطمأنت قلوبنا فما هو أيها الملك؟ قال لهم: رأيت رؤيا عظيمة، ثم رأيت في الليلة الأخرى أعظم منها، ثم رأيت في الليلة الثالثة ما هو أعظم منهما جميعاً، ثم رأيت في الرابعة من أعظم مما تقدم، فلم أدر ما أفعل؟ قالوا له: ما هي أيها الملك؟ فقص عليهم جميع ما رأى. فهالهم ما سمعوا منه فقالوا له: نامت عينك أيها الملك اجمع أهل العلم بالتأويل والنجم والكهانة والحبابرة من أهل الدين الأول فإنهم يفسرون للملك جميع ما رأى في
(1/93)
________________________________________
الليلة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فقالوا له: أيها الملك هذا شأن عظيم لم تدرك عقولنا تأويل هذا، وإن نحن تأولناه لك لم نأمن إن نحن لم نصب وجه الرؤيا يسخط علينا الملك وقد يخرج تأويل الرؤيا على غير ظن المتأول.
قال: ثم قام إليه شيخ منهم له عقل ودين وقد جرب الأمور وحكمته الدهور. فقال له: أيها الملك أما أنهم قد أحسنوا إلى أنفسهم إذا لم يفسروا شيئاً من رؤيا الملك ولو أجابوا الملك لرددت عليهم، أنا وإن تقدمت في ذلك بين يدي الملك تحسن العاقبة قال له الصعب ذو القرنين: لم ذلك؟ قال له الشيخ: ذلك لأن الله فوض إليك أمراً جليلاً وقلدك أمراً جسيماً ثم أراك وحياً عظيماً، فقد استمسكت بأمر الملكوت واني يفسره لك من الله عليه فاضطره إليك وجعل حكمك في دمه وماله فقد وقفك الله بين الجنة والنار فإن عدلت يميناً فجنة وإن عدلت يساراً فنار، ثم أراك هذا البناء العظيم فأردت أن تسبرن في علم الله من أباح لك جهله دمه وماله يحملون آراءهم على علم الملكوت ووحي الغيوب فقد رأيت أيها الملك عظيماً فليس على الأرض من يفسر تأويل رؤياك إلا نبي ببيت المقدس من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل.
قال له الصعب: ولله نبي على الأرض؟ قال له الشيخ: نعم أيها الملك ما أتيت الملك إلا وقد لقيته وسمعت منه ما يدعو إليه فأمر ذو القرنين بالجنود فجمعت، فجمع جنوداً لم يجمعها ملك قبله، وذلك عند كمال قوة لابن سام ابن نوح صلى الله عليه وسلم وبه كانوا يتداعون في ذلك الزمان وهم عمود النسب من ناولهم من جميع العجم، فلكا اجتمع للصعب ذي القرنين الجموع العظيمة والعساكر البارزة أوقفها بمآرب وعمل بطاعة
(1/94)
________________________________________
الله وحكم بحكمه، ثم أمر بعمود من رخام فنقش فيه بالمسند الحميري:
يلوم اللائمون الجهل جهلاً ... وداء الجهل ليس بذي دواء
وعلم العالم التحرير جهل ... إذا ما خاض في بحر البلاء
إذا كان الإمام يحيف جوراً ... وقاضي الأرض يدهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء
ثم أمر الصعب ذو القرنين الجنود فنهضت وجعل على طالعته ألف ألف فارس، ثم مشى بالخيل والرجل فسار حتى انتهى إلى البلد الحرام فنزل به، ومشى في الحرم راجلاً حافياً وطاف البيت وحلق ونحر، ثم قضى حجه ومشى في الحرم راجلاً حافياً حتى إذا خرج منه ركب ثم سار إلى بيت المقدس، فلما نزل بيت المقدس سأل عن النبي الذي ذكر له ولم يطلب شيئاً غيره حتى ظهر عليه. قال له الصعب: أنبي أنت؟ قال له موسى الخضر: نعم، قال له: ما اسمك ونسبك؟ قال له: موسى الخضر بن خضرون بن عموم بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام. قال له الصعب: أيوحى إليك يا موسى؟ قال له: نعم يا ذا القرنين، قال الصعب له: يوما هذا الاسم الذي دعوتني به ما هو؟ قال: أنت صاحب قرني الشمس وذلك أن أول من سماه ذي القرنين الخضر.
قال وهب: ثم قص عليه كيف رأى جهنم والجنة ثم قص عليه كيف رأى إنه علق
سيفه بالثريا مصلتاً وأنه أخذ الشمس والقمر وتبعته النجوم والدراري ونزل بهم إلى الأرض ومشى بهما في الأرض والنجوم تتبعه، ثم قص عليه كيف أكل الأرض بجبالها وشرب البحار كلها، ثم شرب عامة ماء البحر المحيط
(1/95)
________________________________________
حتى آتاه كدر وحمأة فلم يستطع شربه وكف عنه. وقص عليه كيف رأى الأنس والجن والبهائم والأنعام والوحوش والطير والهوام وعقد الريح وكيف صرفهم في الأرض. قال له: أن الله مكن لك في الأرض وأعطاك من كل شيء سببا فأما جهنم فقد أنذرت فانتبه. فأما طلوعك إلى السماء فهو علم من عند الله تدركه، وأما الشمس والقمر والدراري والنجوم فإنه لا يبقى معك في الأرض ملك إلا خلعته ولا رأس إلا تبعك. وأما الأرض التي أكلتها إلى غايتها فلم تبق منها شيئاً فإنك تملك الأرض ومن عليها. والسبعة البحار التي شربتها فإنك تركب السبعة الأبحر وتملك جزائرها. وأما البحر المحيط فإنك تركبه وتبلغ منه غاية يأتيك عكر لا تستطيع تعبره فترجع دونه، وأما الأنس والجن فإنك تنقلهم في الأرض من مكان إلى مكان تحول أهل المغرب إلى المشرق وأهل المشرق إلى المغرب وأهل يمين الأرض إلى شمالها وأهل شمالها إلى يمينها، وأما الأنعام والبهائم فإنها تسخر لك. وأما الوحوش والطير والهوام فإنها تسخر لك لا تضر شيئاً في زمانك وحيث ما شئت عقدتها بيدك زمامها، وأما الرياح فانك تملك عقدها تصرف ضرها عن أي بلد شئت، وأما رؤياك أنك طفت بالشمس والقمر في الأرض فانك ستجاوز مغرب الشمس وتصير في ظلمة لا تهتدي إلا بما في يديك من العلم ويذهب عنك ضوء الشمس والقمر فانهض بأمر الله واعمل بطاعة الله فإن الله يغنيك ويسددك ويوفقك.
قال وهب: وإن ذا القرنين نام فرأى أي سبباً كأن الأرض كلها عليها ليل إلى أن طلعت له الشمس من المغرب بيضاء صافية فسار يلقى الشمس فلم يزل يتبع
نورها حتى بلغ أرضاً مفروشة بنجوم السماء، فمشى عليها، ثم أفاق فاعلم الخضر بهذا السبب، قال له الخضر: أمرت بأن تسير إلى المغرب
(1/96)
________________________________________
وتبلغ وادي الياقوت. فكان الخضر يأتيه الوحي فيعلم بذلك ذا القرنين، وتأتي الأسباب إلى ذي القرنين فيعلم بها الخضر. فكان ذو القرنين يعمل بالعلمين، ثم سار ذو القرنين إلى القرنين إلى المغرب وسار معه الخضر فسار ذو القرنين يطأ المغرب بالجنود يقتل ويسبي وينقل الناس من أرض إلى أرض فعاد على ارض الحبشة، فلم يزل يفتحها أرضاً أرضا وأمة أمة حتى بلغ أقصاها.
قال أبو محمد عن أسد بن موسى عن أبي إدريس عن وهب عن عبد الله ابن عباس إنه قال: الدنيا مسيرة خمسمائة عام فثلاث مائة منها بحار ومائة قفار ومائة عمران، فثمانون منها لياجوج وماجوج وأربع عشرة للسودان وست منها لما سوى ذلك من الخلق.
قال وهب: لما لجج ذو القرنين في أرض السودان يقتل ويحرق بالنار إلى أن أتى إلى قوم بكم قال له الخضر: هل لك أن تسمعهم فإنهم قوم لا ينطقون فمن عمل بما أمرته علم إنه قبل ومن لم يعمل قتلته. ثم مضى حتى انتهى إلى قوم سود زرق الأعين فقتل من قتل وآمن من آمن ثم مضى حتى انتهى إلى قوم بلق آذانهم كآذان الجمال فقتل منهم أمماً وعفا عمن آمن، ثم مضى حتى انتهى إلى قوم آذانهم كبار من أعلى رأس احدهم إلى ذقنه فإذا رقد وضع شقاً عليها وغطت الأخرى الشق الأعلى فقتل من كفر وعفا عمن آمن حتى غلب على أرض السودان وجلب منهم أمماً بين يديه في عساكره، ثم مضى حتى بلغ أرض بني ماريع بن كنعان بن حام فقتل وغنم وسبى وساق منهم أمماً بين يديه، ثم جاز إلى جزيرة الأندلس فغلب عليها إلى أقصاها، ثم رام ركوب البحر المحيط فزفر عليه البحر وصار كالجبال الشم فرأى في الأسابا عقدة فبنى منارة وجعل عليها صنماً من نحاس عقد
بها عاصفات الرباح، ثم سكن البحر فلان فركبه وسار بجميع جموعه حتى أبعد عن العقد،
(1/97)
________________________________________
ثم طغى عليه البحر فبنى منارة أخرى ونصب عليها صنماً عقداً. فلم يزل يسير في المحيط وكلما عبر وزفر عليه بنى منارة وعقد عقداً حتى انتهى إلى عين الشمس فوجدها تغرب في عين حمأة في البحر المحيط ووجد من دونها جزائر فيها أمم لا يفقهون ما يقولون ولا ما يقال لهم فقال ذو القرنين: من رمى بكم ها هنا؟ فقالوا له: سبأ، فأخذهم ذو القرنين فأراد قتلهم قال له الخضر: يا ذا القرنين {إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً، قال: أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً، وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً ثم أتبع سبباً} حتى بلغ وادي الرمل وأقبلت الشمس حتى سقطت في العين الحمأة، فكاد يهلك ويهلك جميع من معه من حر الشمس. فلما أتى وادي الرمل وجده يسيل بالرمل كالجبال الرواسي فرام أن يعبره فلم يطق، وأقام عليه أربعة أيام حتى دخل عليه السبت فسبت وأمر عمرو بن يعفر الحميري فعبر وادي الرمل في عشرين ألفاً فمضى حتى غاب عنه فلم يرجع إليه من عنده أحد، ثم أمر زهير بن مالك الحميري فعبر في عشرة آلاف رجل وقال له: يا زهير انظر إليه عمرو ومن معه وانصرف ولا تمض فعبر زهير فلما صار إلى مكان عمرو ولى بمن معه. فلم يرجع إليه من عنده أحد وغاب عنه، فلما رأى أن عمراً ذهب وذهب زهير فلم يرجعا بمن معهما علم إنه علم مغيب عنه فقال للمسقر بن حوشب يا مسقر أنت أعظم رجالي عندي وارجاهم فاعبر وارجع إلي بما رأيت وما صار إليه عمرو وزهير، فعبر المسقر في خمسة آلاف رجل، فلما عبر وصار مكان عمرو وزهير مضى جميع من معه مستعجلين، ووقف المسقر مكانه لا يرجع ولا يذهب حتى غشيه الليل وسقطت الشمس فأصبح الوادي يوم الأحد
(1/98)
________________________________________
وهو يجري كالجبال الشم وحال بينه وبين المسقر وغاب عنهم فلا يدري ما
صاروا إليه. قال له الخضر: يكفيك يا ذا القرنين ف ' نه لن يجوز إلا من قد جاز اتبع ذو القرنين سبباً وسار مع وادي الرمل حتى بلغ إلى الظلمة فصار ليله ونهاره واحداً وعين الشمس تسقط خلفه فشق وادياً تزلق فيه الخيل والجمال وجميع ما معه. قالوا: يا ذا القرنين ما هذا؟ قال لهم: أنتم بمكان من أخذ منه ندم ومن تأخر ندم، فساروا فيه أياماً، ثم عطف بهم الوادي إلى جهة أشرق عليهم نور أبيض يكاد يخطف أبصارهم، قالوا له: يا ذا القرنين ما هذا الوادي الذي عبرناه؟ قال لهم: الوادي الذي عبرتم أنتم ذلك وادي الياقوت فمن أخذ منه قال: ليتني أخذت كثيراً ومن لم يأخذ قال: ليتني أخذت منه قليلاً. ثم انتهى إلى الصخرة البيضاء فكادت تذهب بأبصارهم من نورها وشعاعها وكان الذي وجدوا من الظلمة نور الصخرة ونظر ذو القرنين إلى منكب من مناكب الصخرة فرأى عليه نسوراً فعجب ذو القرنين منها ومن تعلقها في ذلك الموضع. قال ذو القرنين للخضر: يا ولي الله ما لهؤلاء النسور ها هنا! قال له الخضر: لهم شأن عجيب ونبأ جسيم، قال له ذو القرنين: ما هو يا نبي الله؟ قال له الخضر نعم يا ذا القرنين إنه لما أمر الله خليله إبراهيم بالهجرة إلى أرض بابليون أرسل إبراهيم جرجير بن عويم داعياً، وكان ولياً من أولياء الله داعياً من دعاته، إلى المغرب ليقيم حجة الله تعالى على الناس فبلغ قمونية فدعا الناس إلى الله تعالى فأجابه أمم وعصى أمم، ثم عبر إلى جزيرة الأندلس فأصاب بها أمما من بني يافث بن نوح وهم السكسك والقبط والإفرنج والجلائق والبربر والرعر فدعاهم إلى الله فقتلوه والقوه في
(1/99)
________________________________________
موضع يجتمع فيه حشوشهم، فأرسل الله له هذه النسور للذي أراد من خلاص وليه من ذلك الموضع فجبذوه وأزالوه منه ونزل غيث وابل فطهره، ثم أكله هؤلاء النسور حتى نخر لحمه من عظامه وتفرقت عظامه وأوصاله، ثم أتى النسور إلى هذه الصخرة المنيعة فنزلوا فلم يقدروا على إمساك لحمه في حواصلهم فتقيؤوا
فألقوه في ذلك الموضع فلم يبق من لحمه في حواصلهم شيء، ثم أرسل الله عظامه طيراً بعد من فرقتها النسور فكانت تأخذها عظماً عظما فإذا استقلت بها في الهواء ألقتها في الأرض فتنزل العظام في غابة عظيمة تغيب فيها فيتبعها الطير وتمنعه الغابة فلا يجد الطير إليها سبيلاً فعظامه فيها إلى يوم القيامة ولحمه على هذه الصخرة إلى يوم القيامة طهره الله من نجاسات المشركين وقد حرم الله النبيين والشهداء دماءهم ولحومهم على الأرض والطير والوحوش والهوام حتى يقفوا بين يدي الحكم العدل فسائل ومسئول وخاصم ومخصوم فهناك الفوز والدرك، ثم دنا ذو القرنين من الصخرة ليرقى عليها فانتفضت وارتعدت وتقعقعت فرجع عنها فسكنت، ثم عاد إليها ثانية فاتفضت وارتعدت وتقعقعت فرجع عنها فسكنت، ثم عاد إليها ثالثة فانتفضت وارتعدت وتقعقعت، ثم دنا منها الخضر فسكنت فرقى عليها فلم يزل يرقى وذو القرنين ينظر إليه والخضر يطلع إلى السماء حتى غاب عنه فناداه مناد من قبل السماء امض أمامك فاشرب فإنها عين الحياة وتطهر فإنك تعيش إلى يوم النفخ في الصور ويموت أهل السموات وأهل الأرض فتذوق الموت حتماً مقضياً. فمضى حتى انتهى إلى رأس الصخرة فأصاب عيناً ينزل فيها ماء من ماء السماء فشرب منه وتطهر، فلما رأى الماء ينزل ويستدير ولا يسيل منه شيء
(1/100)
________________________________________
قال: إلى أين تذهب أيها الماء فنودي قد بلغ علمك، فلما رجع الخضر إلى ذي القرنين قال له: يا ذا القرنين إني شربت من ماء الحياة وتطهرت منه وأعطيت الحياة إلى يوم النفخ في الصور وموت أهل السموات والأرض ثم أموت حتماً مقضياً، ومنعت أنت ذلك ولك مدة تبلغها وتموت فارجع فليس بعدها مزيد لأنس ولا جن - ولم ير ذو القرنين سبباً فأقام حيناً ينتظر السبب، فأنشأ يقول:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت للنفس
لم أدر ما يقضيه حكم غد ... ومضى بفصل قضائه أمس
وتشتت الأسباب تخلجني ... نحو العراق ومطلع الشمس
أزجي لهم حرباً تؤدبهم ... يلقون ذاك بأوجه عبس
تهوى المنون عليهم قذفاً بليوث غاب غير ما نكس
في ألف ألف كالنجوم لهم ... زجل كأسراب القطا الهمس
والصعب ذو القرنين قاد بها ... لصلاح أرض الترك والفرس
يا رب معصوم لساحتها ... عن هالك بعالم درس
للدهر أيام لعبن بنا ... يأتي القضاء بمحكم الطرس
كم من قرير العين في دعة ... ومروع الأيام في نحس
ومسود من غير مكرمة ... وممجد في ذاته يمسي
وعسيف قوم ظل في سعة ... ومقام حر عاش في تعس
ومعزز لم يلق قط وغى ... وحليف ذل فارس الدعس
إني أرى الأسباب واضحة ... وأرى علوم الغيب في طمس
(1/101)
________________________________________
يجري الزمان لنا بأربعة ... غيرن ما أصلحن بالأمس
يوم وليل دائر بهما ... نحس وسعد غاية النفس
إن المسقر بعد عزته ... ناء عن الخلان والأنس
والموت أس للنفوس متى ... حل القضاء رجعن للاس
هيهات لم يخدع فكان فتى ... لابد أن يمسي بلا حس
رهنا ببطن تنوفة أبداً ... بالحنو حنو الرمل في رمس
وان الخضر عليه السلام قال لذي القرنين: قد بلغت مبلغاً ليس وراءه من مزيد
ولا مرمى وطفت جزائر المحيط وبلغت حجة الله على الجن والأنس بالمغرب، فانتظر ما يوحى إليك فأقام حيناً ينتظر حتى رأى السبب الصادق فناداه مناد من السماء: يا ذا القرنين اليوم الغناء وغداً الفناء اليوم العارية وغداً الهبة يا ذا القرنين إن النار زفرت وتغيظت على من يعرف الله ولم يغضب له يا ذا القرنين عذ بالرضى من الغضب وبالولاء من السخط، يا ذا القرنين اطلع مشارق الأرض فإنها ثلاثمائة مطلع وخمسة وستون مطلعاً تحت كل مطلع أمة لا يعرفون الله ولا يقنون بالبعث فبلغ حجة الله وأقمها على من لا يعلم وعده ووعيده. وإن الخضر أتى ذا القرنين فقال له: يا ذا القرنين إن لم يقل لك فسيقال لك وإن لم تر فسترى فهل قيل لك أو رأيت؟ قال له ذو القرنين: رأيت الأسباب الصادقة وسمعت النبأ العظيم يأمر وينهي.

وصية الخضر عليه السلام
قال له الخضر: يا ذا القرنين إن الله مكن لك في الأرض وآتاك من كل
(1/102)
________________________________________
شيء سبباً ولم تعلم إلا ما شاء الله أن تعلمه من علمه ولو ظهر إليك حرف مما غب عنك لا نصدع قبلك فرقاً، يا ذا القرنين حملت أمانة لو حملت على السماء انفطرت وعلى الجبال انهدمت وعلى الأرض انشقت، أعطيت الصبر وأوتيت النصر، وسترى قوماً يرون أهل الأرض عبيداً وأنهم شركاء الله في خلقه، وهم يأجوج ومأجوج والله الطالب لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب والعقوبة بعد القدرة والمنع قبل الذل والغضب تحت الرضا والوفاء بعد العهد، يا ذا القرنين مرٌّ ينفع خير من حلو يضر، خذ ودع، خذ ما لزمك ودع ما لم يلزمك، يا ذا القرنين ربما رأت عينك شيئاً لم تدركه يدك ومثل لك أملك ما لم يبلغه عملك وحال دونه أجلك، يا ذا القرنين اعمل عمل من لا يموت وازهد زهادة من نزل به الموت واقنع من عيشك بالقوت. يا ذا القرنين أيقن وأتقن فإتقانك صلاح الدنيا ويقينك
صلاح نفسك، يا ذا القرنين اجعل نفسك يدك في الدنيا وعينك في الآخرة امش مشي من لا يغفل ولا تعجل ولا تمهل فإن في الغفلة الهلكة وفي العجلة الندامة ومن المهل العطب كن بين حالين سدد ففي السداد الرشاد والحق دليل فاستدل ترشد والغنى لهو ومهلكة واني يفيق غاوٍ لاهٍ - يا ذا القرنين من نظر إلى الدنيا بعين سقيمة نظرت إليه بعين صحيحة وأرته النجاة وأعاضته جدة لا تخلق ومن نظر إليها بعين صحيحة شوقته بالآمال الكاذبة وكان حظه منها غدراً وزادته ندماً، يا ذا القرنين من عاش كذب ومن مات صدق مدة غايتها القطع كذب وغرور وابد لا يفي فالمطمئن إلى الحياة مخدوع والميت في منزل الأموات قدم علمه وأخر أجله فذلك الحي الذي لا يموت، يا ذا القرنين الناس عبيد الدنيا فمن نصح نفسه اعتقها ومن خلط طال رقه - راحة النفس القناعة وعذابها الحسد
(1/103)
________________________________________
وزينتها العفاف -، يا ذا القرنين خذ ما ما أتيت بحزم وعزم واجعل الصبر دثاراً والحق أشعاراً والخوف من الله جنة، يزكو لك العمل وتأمن من هول الأجل، خذ بيدك سيف الله فإنه ليس له دافع ولا لنصره مانع وحسبك من كان الله له ناصراً، يا ذا القرنين خذ تحت أكتاف السماء عن شمال الأرض.
قال: فحمل عساكره في المحيط يريد جزائر الأرض خلف جزيرة الأندلس، فلما وصل وعبر إلى الأرض وأخذ أهل الجزائر، وأنشأ ذو القرنين يقول:
ألا أيها الوراد قد نلت خطة ... علوت بعلميها ملوك الأعاجم
سلكت غروب الأرض حزماً بجحفل ... لنأتي أرضاً غير أرض التشائم
فعمت جميع الغرب لله دعوة ... إلى غايتها بالقنا والصوارم
خرجت على الدنيا عن اللهو محرماً ... وسقت جموعاً كالهضاب الرواكم
وردت بباب الغرب والجمع مشرع ... على موج بحر مزبد متراكم
عقدت بعين الريح عقداً يكفه ... فامسك عن مجرى المدى المتفاقم
فارجيت فيه أمة بعد أمة ... وقدمت فيه عالماً بعد عالم
فأوردتها مثل القطا فيه نهلاً ... لندرك في الدنيا قسّ المعالم
تجرعته عذباً من الماء سائغاً ... وكان أجاجاً طعمه كالعلاقم
فصرت كمثل الطير فوق متونه ... تطير خوافيه بهز القوادم
أتيت إلى واد حثيث مسيله ... برمل تراه كالجبال الرواسم
(1/104)
________________________________________
تسير مهاراً والليالي كاتبا ... ترامي بسافيه حفي المخارم
صحبت ولياً مسكن الوحي قلبه ... ليعلم من أسراره كل كاتم
وأعطيت أسباباً أرى الرشد عندها ... تناهت بصدق العلم عن كل عالم
فلما آتاه السبت أسبت وارتقي ... على متنه عمرو وعاد بعاصم
فبادر سباقاً ويعفر بعده ... بجمعها أهل النهى والمكارم
وغودر إذا ذاك المسقر قائماً ... له همة تزري على كل قائم
فرجم بعض الناس بالظن أمرهم ... وقال دعوا في الأمر دعوة حازم
وقالوا رأوا مالاً يقيمون عنده ... فحثوا إلى الحور الحسان النواعم
ومن قال في علم العيوب بعلمه ... له نومة تربى على كل نائم
فهد جنا حيَّ المسقر فجعة ... وأنت على فقدانه غير نادم
فودعني عمرو عليه تحيتي ... وفارقني من يعفر حزم حازم
فهل مبلغاً في العهد يأتيه إنه ... ليعلم أن النقض غير المآثم
كتبت بخط الحميرية آية ... بأن ليس بعدي من مسير لقادم
ولا مذهب غير الذي قد أتيتم ... بني حمير غير النسور القشاعم
ولا بد مما أن تريحون غزوة ... لقتل الأعادي والملوك النواجم
ويوشك أن تدعوا يقيناً لمثلها ... إلى المشرق الأقصى لأمر ملازم
ليعرف حق الله من قد أضاعه ... ويهتك بالأسباب سجف المظالم
ويعلم أن الدهر يبلى جديده ... ومن قارع الأيام ليس بسالم
ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ومن يك مهدوماً فليس بهادم
(1/105)
________________________________________
ثم أرسل عساكره إلى جزيرة الأندلس وأمرهم أن لا يبقوا عليهم حنقاً عليهم لما فعلوا بجرجير بن عويم داعي إبراهيم الخليل عليه صلوات الله إلا من آمن منهم أو من كان على دين جرجير وما دعا إليه من الحنفية دين إبراهيم. ثم أرسل الخضر إلى قمونية في عساكره وأمره أن يلقاه بدروب الشام، وأخذ ذو القرنين على ألأرض الفرقاء، وإنما سميت الفرقاء لانفراق جزائرها في البحر حتى وصل إلى الشام لا يأتي على أمة إلا آمنت أو هلكت، وسار الخضر إلى قمونية يفعل كذلك إلى أرض بابليون يقتل من صدف ويتجاوز عمن آمن ومر إلى الشام فاخربوه ونجوا هاربين إلى بيت المقدس مستجيرين، فأرسل إلى ذي القرنين استجاروا بالله نعم الجار، فمن كان قد آمن فله ذمام الإيمان وحرمة الدين ومن كفر فإن الله عدو للكافرين أخرجهم من حرم الله المقدس واجر عليهم الجزية ففعل ذلك الخضر حتى انتهى إلى الدروب، فلقي ذا القرنين، فسارا يريدان مطلع الشمس يدعوان إلى الإيمان ولا يأتيان على أمة إلا آمنت أو هلكت حتى بلغ المحيط من عجز الأرض تحت بنات نعش فأصاب فيها أمماً من بني يافث بن حام وأوساه من بني سام، فلم يزل يحملهم على الإيمان فمن آمن نجا ومن صدف عن الحق حمله على السيف ثم عطف على الجزيرة ومضى إلى الرعاق يدعو ويقتل، ثم قصد أرض فارس فآمن من آمن وقتل من غدر وكفر ونزل على جبل الصخر ونزل على قصر المجدل وهو القصر الأبيض قصر عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح الذي بنى في زمان البلبلة حين تبلبلت الألسن وكان من أمره وشأنه إنه استخرج الصحيفة المستودعة عند النبي صلى الله عليه التي فيها العربية، فكان عابر أول من نطق بالعربية ونطق بها معه هود عليه الصلاة السلام، وذلك إنه لما بنى
القصر
(1/106)
________________________________________
الأبيض وبني فيه الصرح وجعل حول القصر المجدل، وبني القصر بألواح الرخام الأبيض وسقوفه بالزجاج الأبيض وأرضه ألواح الزجاج الأبيض وكان لجامه الفردية، وأفرغ الماء تحت الزجاج من أسفل القصر، فكان القصر الأبيض أعجب ما بنى في الدنيا في وقته ولم يبن قبله في الدنيا مثله وهو أبدة من أوابد الدنيا، فلما بناه عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح وتكلم بالعربية تكلم بها معه ابنه هود النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم بها معه ابنه فالغ للذي أراد الله، وذلك أن فالغ بن عابر جد إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروع بن ارعوي ابن فالغ بن عابر، وعابر بن هود النبي صلى الله عليه وسلم وأبو فالغ، فهود أبو بني قحطان وأخوه فالغ أبو بني عدنان، فلما تكلم عابر بالعربية تكلم بها معه ابنه هود وتكلم بها معه بنو عمه ارم بن سام ين نوح وعملاق بن لاوي بن ارم بن سام بن نوح وطسم وجديس ورائش وقطورا بني لاوذ ابن ارم بن سام بن نوح فتكلم بنو ارم بن سام بالعربية كلهم ما خلا فارس بن لاوذ بن سام بن نوح فانه تكلم بالفارسية وهو فارس الأسود ورحل عابر من ارض بابل حتى نزل العراق وحير الحيرة وهو أول من نزلها وحيرها وعرق العراق بغرس النخيل وغير ذلك من الثمار وبقي ابنه فالغ لأقصر الأبيض فتكلم بالفارسية مع بني فارس الأسود فأقام فيهم هو وولده حتى بعث الله إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم فأمره بالهجرة والخروج مع بني فارس إلى بني عمه هود وهم العرب بنو قحطان، فأمره أن ينزل ابنه إسماعيل في بيته مكة في بني جرهم بن قحطان للذي أراد الله من تمام أمره ووعده لنبيه إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبقي القصر الأبيض قصر عابر بن
(1/107)
________________________________________
شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح إلى زمان ذي القرنين الصعب بن ذي مراثد، فلما رحل ذي القرنين من جبل الصخر لاح له القصر البيض فقال: ما هذا؟ قيل
له: هذا القصر الأبيض قصر عابر بن شالخ، فأنشأ يقول:
أين رب الملك بل أين الذي ... شيد القصر زماناً ثم جن
أين من ينجو من الموت ومن ... أخذ العهد على رب الزمن
ثم نزل على القصر ودخله فرأى فيه أعاجيب يرى من يمشي فيه من داخل القصر ويرى من في مجالسه من ظاهرها فقال حكم فيه ما أرادوا حكم فيه ما لم يرد، وأنشأ يقول:
خرجنا من قرى الصخر ... إلى القصر فقلنا
فمن يسأل عن القصر ... فمبيناً وجدناه
رأينا القصر كالشمس ... منيراً حين أمناه
فأين الساجد السامي ... مليك القصر بناه
وقد كان به حيناً ... ولو كان سألناه
عن القوم وما قالوا ... ولو قال لقلناه
أراه العيش آمالاً ... على بعد ومناه
جرى باللهو إطلاقاً ... وسلم الدهر هناه
فراق القصر رب القصر ... حيناً ثم أفناه
إذا ما أقبلت منه ... أماني حمدناه
وإن ألوى لسوء منه ... أحياناً سئمناه
إذا ما خاننا الدهر ... بصرف منه خناه
(1/108)
________________________________________
سريعاً بعدنا يفني ... إذا نحن تركناه
ثم سار حتى بلغ إلى فج عظيم بنهاوند ثم لقيته جبال شم منيعة بينها شعاب عظيمة. فقيل له: يا ذا القرنين هذا الشعب ينفذ إلى جابر صا وهذا الشعب يصل إلى هرات ومرو وسمرقند وهذا ينفذ إلى جاجا وبلخا وحابلجا وبارد وأرض
يأجوج ومأجوج، فأخذ شعب جابرصا وجابلقا فقتل من قتل وآمن ومن آمن وهو في عجز الأرض وغلب على أرمينية ومن بها، ثم عطف إلى فج نهاوند فقيل: هذا باب الأبواب وهو اسمه إلى اليوم بابا الأبواب، فأمشأ ذو القرنين يقول هذه الأبيات:
جزعنا الغرب والشرق ... وجئنا باب أبواب
وأعلا ما من الدنيا ... بآيات وأسباب
بعلم صادق الحزم ... وبأس غير هياب
بأمر الواحد القهار ... رب فوق أرباب
وفي المر تصاريف ... وآيات لألباب
وعلم فوق ذي علم ... وغلاب لغلاب
ثم مضى حتى بلغ أرض ياجوج ومأجوج فقاتلهم فغلب عليهم وأناب أمة منهم وهم بنو علجان بن يافث بن نوح فتركهم في جزيرة أرمينية إلى ناحية جابرصا فسموا الترك لأن ذا القرنين تركهم ومضى يطلب ياجوج ماجوج حتى لجج في أرضهم فلم يزل يأخذها أرضاً أرضا وأمة وأمة حتى انتهى إلى الأرض الشماء وهي جبال شم شواهق شوامخ، فلم يزل يخرقها بالطرق وينزل
(1/109)
________________________________________
العلو ويرقع الوهاد ويفتتحها حتى غلب عليها وبلغ الأرض الهامدة فافتتحها - وهي أرض مبسوطة لا تلعة فيها ولا ربوة عليها - وغلب من بها من ياجوج وماجوج. ثم بلغ جزائر الأرض الرواب التي تزاور عنها الشمس عند طلوعها، فوجد عندها قوماً صغار الأعين صغار الوجوه مشعرين وجوههم كوجوه القردة وهم لا يظهرون في النهار وإنما يظهرون في الليل يختفون من حر الشمس في المغارات والكهوف في الجبال فدعاهم بلسانهم وقد أعطاه الله سبباً من كل لسان، ثم صار في أرضهم حتى بلغ أطراف جزائر المحيط فأصاب بها أمماً من ياجوج وماجوج يقال لهم الأحرار
تطلع الشمس وهم قوم سود زرق الأعين طوال الوجوه طوال الأنوف تشبه وجوههم وجوه الخنازير وهم يختفون في النهار من حر الشمس ويظهرون في الليل فدعاهم وآمنوا. فكان كما قال الله تعالى وتبارك: {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً}. ثم ركب البحر المحيط فسار فيه حولاً حتى ترك الشمس عن يمينه ولجج في الظلمات حتى وصل إلى أرض بيضاء كالثلج فيها نبات وعليها ضوء ليس كنور الشمس نور أبيض يكاد يخطف الأبصار. قال أبو محمد: فرام أن يمشي فساخت بهم الدواب إلى الصدور فترك عساكره كلها ومضى وحده وأعطى سبباً عبر به الأرض فسار أياماً حتى أشرف على دار مفردة بيضاء فيها بيت واحد وعلى باب الدار رجل أبيض واقف وعلى سطح الدار رجل مبيض واقف قد اخذ شيئاً كمزمار فحبسه في فمه وأمسكه بيديه جميعاً وعيناه تشخص إلى السماء يشخص بهما، قال له الرجل الذي على باب الدار: إلى
(1/110)
________________________________________
أين تريد يا ذا القرنين ألم يكفك أرض الأنس والجن حتى أتيت أرض الملائكة! قال له ذو القرنين: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا ملك من ملائكة الله، قال له ذو القرنين: فما هذه الدار ومن هذا عليها؟ قال له الملك: هذه الدار دار الدنيا وهذا الذي عليها ملك من ملائكة الله أوحى الله إليه أن يريك كيف أخذ اسرافيل الصور وعيناه شاخص بهما إلى العرش ينظر متى يؤمر بالنفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض، ثم ينفخ فيه أخرى فيقومون إلى الميقات فهناك الفصل والعدل وكفى بالله حسيباً يا ذا القرنين ارجع فليس لك مزيد وخذ هذا العنقود يا ذا القرنين فأعطاه عنقوداً من عنب وقال له: كل منه يا ذا القرنين وليأكل منه عساكرك فإن لهم فيه آية وهو يبلغكم إلى أرض الأنس والجن وخذ هذا الحجر فأعطاه حجراً مثل البيضة وقال له: زنه بما ترى عينك في الدنيا فإن لك فيه عظة وعبرة فرجع
ذو القرنين بالعنقود والحجر إلى عساكره فأكل العنقود وأكل العساكر كلهم ولا ينقص حتى بلغ أرض العمارة فكان مما زادهم يقيناً إلى يقين وكان لهم عبرة وآية، ثم أخذ الحجر فوزنه بجميع جواهر الأرض فرجح الحجر، فلم يزل يزنه بالحجر العظيم والحديد الكبير فرجح عليه، ولم يزل يرجح كل ما وزنه به ولو وزنه بالكثير من جميع ما في الأرض ما وزنه والخضر ينظر إليه ساكتاً قال له ذو القرنين: يا ولي الله هل عندك علم من هذا المثل؟ قال له: نعم هذا الحجر مثل لعينك لم يملأ عينك جميع ما في الأرض مثل هذا الحجر الذي لم يرجح عليه شيء في الأرض، ولكن هذا يملؤها ومد يده فأخذ قبضة من تراب فجعلها في الكفة وجعل لحجر في الكفة فرجح عليها التراب وخف الحجر. قال له الخضر: هذه عينك لا يملؤها إلا التراب وهو الغلب عليها.
قال أبو محمد عبد الملك: ثم إن ذا القرنين رجع حتى بلغ السد وهو
(1/111)
________________________________________
بالصدفين ولا سد فيه فوجه فيه قوماً أوفر آذانهم حسيس الفلك فقليل ما يسمعون. قال الله تبارك وتعالى: {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولا، قالوا: يا ذا القرنين إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ قال: ما مكنني فيه ربي خير فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردماً، آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال: انفخو حتى إذا جعله ناراً قال: آتوني افرغ عليه قطراً فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً. قال: هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعاهم جمعاً وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً}.
قال أبو محمد فبنى السد ذو القرنين بين ياجوج ماجوج وبين الناس قال: عظم السد في جسمه ألف ذراع وفي طوله ألف ذراع. بنى جسراً دونه وهو من أوابد
الدنيا من الصدفين إلى أرض أرمينية وهو مسيرة سبعة أشهر ثم سار يريد أرض الهند حتى بلغ قطر بيل فوجد بها قوماً سموا بالترجامنيين وهم من بني يافث بن نوح وإنما سموا بالترجمانيين لأنهم ترجموا صحف إبراهيم بلسانهم فأجابوا بما فيها، فلما آتاهم ذو القرنين وجدهم بقرطبيل وهم من بني عرجان بن يافث بن نوح وجدهم قد سكنوا مقابرهم ووجدهم لا غني فيهم ولا فقير ولا قاض فيهم ولا أمير ولاناه ولا آمر ورأى مواشيهم بلا رعاة ورآهم بين الأنهار في خلاء من الأرض وقفار واستغنوا منها باليسير عن الكثير، قال لهم: يا بني عرجان ما بالكم سكنتم المقابر؟
(1/112)
________________________________________
قالوا: يا ذا القرنين سكناها لئلا ننسى الموت ونطمئن إلى الحياة وتستهوينا الدنيا، وإنا رأينا الأرض كالبحر يسلكه المرء فيغطي قدميه ثم يمضي فيغطي ساقيه ثم يتمادى فيعلو حقويه ثم يمضي فيعلو منكبيه ثم يعلو رأسه ثم يضطرب بيديه ورجليه فتقلبه أمواجه فتذهب به حيث شاءت فلا يدري ما تحته من الهواء ولا ما فوقه من السماء، فكذلك تستدرج المرء تخدعه ويتبعها حتى إذا لجج سارت به حيث شاءت والدنيا دار إبليس والآخرة دار الله فمن عمل للآخرة أطاع الله وعصى إبليس ومن عمل للدنيا أطاع إبليس وعصى الله فإن إبليس نصب فتنة بكل سبيل.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

قال: وما بالكم أراكم ليس فيكم غني ولا فقير؟ قالوا له: رأينا غني الدنيا فقيراً بالآخرة، ورأينا معاش هذه الدنيا أعز أهلها وأعظمهم كعيش أذل من فيها وأحقرهم، ولو أن الدنيا كلها للعزيز ذهب وفضة ودر وجوهر ليس له من جميع ماله غير شبعه ولا من كسوته غير لبسه، فارفع طعام ذا في شبعه وأحسن لباس ذا في كسوته اذ دفع عنه حره وبرده كأحقر لباس ذا من كسوته اذ دفع عنه حره وبرده وكان الأمل من قلوبهما واحداً تواسينا فيما لا فضل فيه بين الأرواح والأجسام، ثم رأينا القوي منا لا غنى له عن الضعيف، والضعيف لا قوام له دون
القوي وأنه متى هلك الضعيف منا هلك القوي، ومتى هلك القوي هلك الضعيف فتساوينا لئلا يكون منا ضعيف يحسد قوياً ويبغضه ولا يكون قوي يحقر ضعيفاً فواصل القوي الضعيف حتى تكافأ الناس في معاشهم فحسنت معاشرتنا.
قال لهم: فما بالكم لا أمير فيكم ولا قاض ولا آمر ولا ناه؟ قالوا له: رأينا القرون من قبلنا والأمم في دهرنا يغصب القوي الجاهل الضعيف القليل الناصر، ويقهر العزيز القادر الذليل المهين ويستطيل كل ذي يد إلى ما قدرت
(1/113)
________________________________________
عليه. فما من عزيز إلا أرسل الله عليه أقوى منه يسلبه قواه وأذله بعد عزه ولا يد استطالت فبطشت إلا حال الله بينها وبين ذلك بيد أبطش منها وأجهل وما من متكبر إلا أديل عليه بمتكبر ولا من أمة إلا انتقم الله منها بأمة، فلما رأينا ذلك كففنا بعضنا عن بعض البغي والعدوان والجهل والتسافه والحسد والتواكل فأصبحنا وأمسينا أخواناً وليس فينا ظالم ولا مظلوم فلما لم يجر بيننا ظلم كفانا الله بغي غيرنا من الناس واطمأنت بنا الدار وطاب لنا القرار.
قال: فما بالكم بين أنهار وأنتم في خلاء وقفار ليست لكم إلا عمارة يسيرة؟ قالوا له: اجتزينا بالقوت ويسير المعاش. قال لهم: أحسنتم في جميع أحوالكم خلا عمارة الأرض أعمروها لعقبكم فإن العقب إذا لم يجد متعة يتمسك بها من معاشه تطاول بها إلى ما في يده غيره فحمل نفسه على الهلكة فأما لا دنيا ولا آخرة وأما دنيا أن ظهر عليه عدوه كان بلا دنيا ولا آخرة وإن ظفر فدنيا بلا آخرة، ولكن ذللوا الأرض للحرث واغرسوا الأشجار واستخدموا الأنهار فإنها حياة النسل والبهائم والأنعام فإن لكل دين فترة ولكل فترة كفرة ولكل كفرة سكرة واحذروا التبديل فإن لكل أمة تبديلاً وتكذيباً.
ثم مضى إلى أرض سمرقند فوجد فيها الزط والكرد والصغد فقتل منهم من قتل وأجاب من أجاب، ثم أخذ أرض مرو فوجد فيها الخزر وفرغان والديلم وجميع
هؤلاء القبائل من بني يافث فقتل منهم من كفر وآمن من آمن ثم مضى إلى أرض هراة فوجد فيها الخوز والإفرنج فأجابوه فغلب عليهم وقتل الجبابرة وأهل العتو في الأرض، ثم سار على البر إلى
(1/114)
________________________________________
أرض الصين فلقي السند، وهم من بني حام بن نوح فقاتلهم فغلب عليهم وقتل من قتل، ثم دخل أرض الهند - والهند أخوة السند - من بني حام بن نوح فقاتلهم فغلب عليهم وعلى جميع أرض الصين، ثم رجع إلى أرض بابل فغلب عليها وعلى من بها من قبائل بني نوح حتى أجابوا، ثم سار يريد أرض تهامة والحج بمكة، فلما صار من رمل العراق بموضع يقال له حنوقراقر من ارض برقة رحرحان رأى في الأسباب إنه يموت بالحنو ويكون فيه قبره ومنه محشره وكان رآه أيضاً حين امتنعت من طلوعه عليها الصخرة البيضاء - فلما رأى الموت وأيقن به ونعيت عليه إليه نفسه أعلم بذلك الخضر فقال له الخضر: يا ذا القرنين انقضى الأمل وحان الأجل وبقي العمل فحكم عليك اليأس لما تقحم عليك الممات فنزل الرضا وغاب عنك القضاء، وقد وعدك الله وعداً والله متم وعده - عصم دعاته في الدنيا من المكاره وحرمهم في الآخرة على النار، فقال ذو القرنين الصعب بن ذي مراثد الحميري:
لما رأيت من المنون وعيداً ... قوضت رحلك سحرة تجريداً
مثل لنفسك ملحداً أخدوداً ... واحذر لنفسك موقفاً مشهودا
وبدت لك الأسباب عن آياتها ... لما بدرت وجردت تجردا
إن اليقين يزيد لحظاً صادقاً ... وترى من الأمر الخفي وعيدا
قد حقق السبب الخبير بأمره ... لما آتاك يصدق الموعودا
ودعاك إذ حان الرحيل ولم تجد ... لما دعاك عن الرحيل محيدا
ولقد رجوت بأن تقال فلم تجد ... عند الرجاء من السنين مزيدا
ولت سنوك وغاب عنك مقامها ... وأرى لعمرك فقدها موجودا
(1/115)
________________________________________
ليس الذي ولى وإن أملته ... مما تحب إلى المنى مردودا
أني يلوم أخو النهي أيامه ... سفهاً ويكثر عندها التفنيدا
أسفاً لمن جارى الزمان ولم يزل ... بظبي المنية نحره مقصودا
أين الذي يخشة وينسى عمره ... يوماً على بعد المدى معدودا
لابد أن يلقي المنون وإن نأت ... تأبدت أيامه تأبيدا
ولقد رأى من حكمها فيما مضى ... عبرا مشين معجلاً ووئيدا
كم جددت من ذي السقام واخلقت ... بعد الغضارة والنعيم جديدا
كم الفت من شاسعين وشتت ... بعد الإقامة والجميع عديدا
من كان في حقب الدهور مخلد ... أو كان في جمع العبيد عتيدا
تستعبر الأيام منه جدة ... بعد النعيم ولو غدا جلمودا
يهتكن عنقة والثبير ووائلا ... وتحط بعد علوه عبودا
لا يطمئن إلى الزمان وريبه ... من كان لم يعهد خلودا
فايأس فلا يبقى وإن طال المدى ... من كان فوق أديمها مولودا
ألوى بحمير والمقعقع بعده ... وأباد عاداً قبله وثمودا
يا صعب حقاً كل شيء هالك ... إلا الإله الواحد المعبودا
هتكت خطوب الدهر عزك هتكه ... أمسى حسامك دونها مغمودا
أخذ الزمان من الشبيبة فرصة ... فأرى الزمان وعصره محمودا
عمرت ألفاً بعد ألف قبلها ... في العالمين وقد دعيت وحيدا
يا سائلين عن الزمان وسيره ... مذ كنت منه مضغة موؤدا
أعطيت ما لم يعط قبلي قائم ... وجمعت جمعاً كالدبا محشودا
وجلبت أهل الأرض من آفاقها ... ألفت أملاً كابها وجنودا
(1/116)
________________________________________
عج النساء لدى الحجون بمكة ... لما رأين حريمها مقصودا
فنحرت فيها ألف ألف ضحوة ... ودعوت قولاً بالمقام سديدا
فلقد أخم اللحم فيها برهة ... وحنذت لما أن أضل قصيدا
وقصدت آفاق الغروب بقدرة ... فوجدت نحساً عندها وسعودا
فهديت منها مرمناً ذا همة ... وفسرت منها كافراً وجحودا
ما أن ارم لما أجاب مخافة ... حتى يظل عن الصراط لدودا
ورأيت عين الشمس عند سقوطها ... ووردت أمواج المحيط ورودا
وبلغت أعلام المشارق كلها ... أبقى لمن أبقى بهن حدودا
فوطئت يأجوجا ومأجوجا بها ... وبنيت قطراً دونها وحديدا
فجعلت عن سربيهما مندوحة ... والفج عن دفيهما معقودا
وولجت في الظلمات حتى جبتها ... خوفاً وكان رتاجها محدودا
ولقيت تحت الشمس قوماً خلتهم ... تحت الظلام خنازرا وقرودا
وعلى بني حام غدوت بسطوة ... بالصين حتى بددوا تبديدا
فلقد كشفت الناس عن أسبابهم ... وبولت منهم طارفاً وتليدا
ولقيت منهم أنوكاو ولبيبا ... ورأيت منهم عاجزاً وجليدا
يوماً يشب من الحروب خمودها ... يوماً وتطفى للحروب وقودا
وعلوت في الدنيا بعزة قادر ... أكدت فيها للبقاء تأكيدا
حاولت أن أعطي الخلود وارتقي ... في الخافقين إلى السماء صعودا
فأبى لي الله الذي أملته ... أمسى المنى دون الرضا مردودا
فالحنو للصعب المعبهل منهل ... يمسي به أمداً له ممدودا
(1/117)
________________________________________
سيموت من تنسى المنية يومه ... وتنال بنت الدهر منه بعيدا
سلَّ المفاصل والنفوس رهائن ... تزجي البوارق فوقهن رعودا
من ذاك يدري الاين من أرواحهم ... أو ما تراهم راقبين خمودا
حالان لا تلقى النفوس سواهما ... فيها شقياً خاسراً وسعيدا
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن وهب بن منبه قال: لما نزل الصعب بن ذي مراثد بالحنو حنو قراقر من أرض العراق، مرض ثماني ليال ثم مات ثم غاب الخضر، فلم يظهر إلى أحد بعده إلا إلى موسى بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع النبيين ودفن ذو القرنين بحنوقراقر، فقال النعمان بن الأسود ابن المعترف بن عمرو بن يعفر بن سكسك المقعقع الحميري يرثى ذا القرنين الحميري:
بحنو قراقر أمسى رهيناً ... أخو الأيام والدهر الهجان
لئن أمست وجوه الدهر سودا ... جلين بذاك للملك اليماني
لقد صحب الردى ألفين عاما ... ولاقاه الحمام على ثمان
إذا جاوزت من شرفات جو ... وسرت بايك برقة رحرحان
وجاوزت العقيق بأرض هند ... إلى الصوبات والنخل الدواني
وهناك الصعب ذو القرنين ثاو ... ببطن تنوفة الحنوين عانى
فمن صحب الزمان بغير صعب ... لقد صحب الزمان بلا أمان
هو الوزر الذي يلجأ إليه ... بنو الأيام من أنس وجان
لقد جاز الخلود إلى مداه ... وسار كما جرى فرساً رهان
ألم تر أن حنو الرمل أمسى ... لملك الدهر والدنيا مغان
فقل للنازلين بكل أرض ... لكم امن على بعد وآن
(1/118)
________________________________________
وقال المحمود بن زيد بن غالب بن المنتاب بن زيد بن عملاق يرثى ذا القرنين بن الحارث ذي مراثد الملك الحميري:
اسمع ذا القرنين لما علا ... عن المغاني النبأة الشامله
فيا لها من نبأة لم تكن ... مصروفة عنه ولا حائله
بخدعها عن نفسه ساعة ... فيا لها من خدعة قاتله
فأصبح الصعب ذليلاً لما ... صبحه من صيلم نازله
لم يجهل الموت ولكنه ... قد جهلت أيامه الجاهلة
لم يدفع الموت الذي جاءه ... بسكسك العز ولا عامله
سألوا على الدنيا كمثل الدبا ... ونفسه بينهم سائله
لم يصرفوا عنه سهام الردى ... لما أتته الرمية القاتله
فأصبح الحنو له منزلا ... أخرس لا يبني به سائله
قد قدم المرء له عدة ... مستنصراً زاداً بلا راحله
قال أبو محمد: حدثنا أسد عن أبي إدريس عن وهب عن عبد الله بن عباس إنه سئل عن ذي القرنين ممن كان؟ قال: هو من حمير وهو الصعب ابن ذي مراثد. هو الذي مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً، فبلغ قرني الشمس وداس الأرض وبنى السد على يأجوج ومأجوج، فقيل له: فالاسكندر الرومي؟ قال: كان الاسكندر الرومي رجلاً صالحاً حكيماً بنى على بحر افريقس منارتين واحدة بأرض بابليون وأخرى في غروبها بأرض أرمينية، وإنما سمي بحر المغرب بأفريقس لأنه عظيم من عظماء التبابعة أكثروا الآثار عليه في المغرب من المصانع والمدن والآبار.
(1/119)
________________________________________
قال: وسئل كعب عن ذي القرنين فقال: الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا إنه من حمير وانه الصعب بن ذي مراثد والاسكندر رجل من بني يونان بن عيص بن يقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ورجاله أدركوا عيسى بن مريم صلوات الله عليه منهم جالينوس وارسطاطاليس ودانيال وجالينوس وارسطاطاليس من الروم من بني يونان ودانيال من بني إسرائيل نبي من أنبياء الله.
قال كعب: لم تكن الروم تروم ذلك، ولا لها قوة ذلك. والذي بعث محمداً بالحق،
ما حمير في أهل الدنيا ألا ما لأنف في الوجه أو قال: بين العينين ولقد قال، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أوحى الله إلي {إني بعثتك أمياً وجعلت لك ما تحت قدميك وشددت ظهرك بمن خلفك من اليمن وجعلت لك ما بين يديك غنيمة العراق والشام والمغرب أما إنه ليزيدن الهدى فيهم وينقص من كل أمة}. فلا أدري قوله ليزيدن الهدى فيهم عنه أو رفعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال أبو محمد: رفع الحديث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص إنه قال: كان ذو القرنين من حمير من أعظم تبابعتهم، وهو الصعب بن ذي مراثد الحميري.
قال أبو محمد: عن أسد بن موسى عن أبي إدريس عن وهب قال: دخل عبد الله بن عباس بمكة على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص بعد وفاة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ومعاوية وعمرو يقرآن سورة (الحمد لله) الكهف فقرأ معهم حتى قرءوا {وجدها تغرب في عين حمئة} فقرأ معاوية وعمرو وجدها تغرب في عين حامية من الحرارة وقرأ
(1/120)
________________________________________
عبد الله حمئة من الحمأة، فقالا: يا بن عباس قرأت في عين حمئة من الحمأة وقرأنا نحن حامية من الحرارة ولنا صحبة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما هي لك ونحن اثنان وأنت واحد فعليك البيان أو فارجع إلى قراءتنا. قال لهما: نعم فخرج من عندهما فلقي كعب الأحبار فقال كعب: مالك ي أبا محمد أراك حثيثاً مشغولاً؟ قال له عبد الله: نعم يا كعب الأحبار دخلت على معاوية وعمرو وهما يقرآن (الحمد لله الكهف) فقرءا {وجدها تغرب في عين حامية} وقرأت أنا {وجدها تغرب في عين حمئة} من الحمأة - فقال له: صدقت يا عبد الله والذي بعث محمداً بالحق نبياً ما أنزل الله على موسى ابن عمران في التوراة إلا حمئة، قال له عبد الله: صدق الله ورسوله. ولكنهما طلبا شاهداً من كلام العرب، ثم مضى عبد الله بن عباس فلقيه نافع بن الأزرق
فقال له: مالك يا ابن عباس؟ فقال له: كما قال لكعب وادعا عليه قصة القوم، فقال له: فأين أنت من قول تبع تبان أبي كرب في قوله حين غزا المدينة ومكة ورفع الجزية التي كانت بنو حنذف يؤدونها إلى جرهم وطسم وجديس واليهود. قال له عبد الله بن عباس: ما الذي قال تبع أبو كرب؟ قال نافع قال تبع أبو كرب هذه الأبيات:
نحن ملوك ذو العلا والسؤدد ... نحن الحماة بنو الهمام الأمجد
سميت أسعد والسعود طوالع ... لابد أن ترقى النحوس لأسعد
أفبعد وائل والمقعقع بعده ... ترجو الخلود وأنت غير مخلد
أودى بيعفر والمعاقر فانقضى ... ملك تضعضع للزمان الأنكد
يعلو على الدنيا بعزة قادر ... يعلو العلو إلى المحل الأبعد
نحن النجوم فلا نرام بهيضة ... منا المقاول في الزمان الأوحد
(1/121)
________________________________________
قدت الجياد إلى المشارق غازياً ... أضحت قلاع الروم قسراً في يدي
فقتلتهم قتل الجهول سفاهة ... وتركتهم ترك الشقيق المسعد
ما بال عيني لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بسم الأسود
حنقاً على سبطين حلا يثربا ... أولا لهم بعقاب يوم مفسد
فنزلت منزل عرصة في خيمة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد
حتى آتاني من قريظة عالم ... من خير حبر في اليهود مسود
قالوا ازدجر عن قرية محجوبة ... لنبي مكة من لؤي أحمد
فعفوت عنها عفو راج ربه ... وتركتها لعقاب يوم سرمد
وتركته لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الحميم الموقد
ولقد تركت بها لمؤمن قومنا ... نفراً أولى حسب وبأس أيد
ومضيت قصداً نحو مكة عائداً ... وتركت ترك مؤدب ومسدد
قوماً إلى البيت العتيق صلاتهم ... أكرم بقوم ركع أو سجد
قوم يكون محمد من نسلهم ... إن الكريم إلى الأكارم يهتدي
فدفعت عنهم جزية يعطونها ... في الدهر من حكم الزمان الأربد
ورفعت من أحيا قريش عصبة ... وفككت عنها غل كل مقيد
ووهبتهم أموالهم وسلاحهم ... والسيف فوق رؤوسهم لم يغمد
لما أتوا يستنصرون أجبتهم ... بجواب لا وكل ولا متبلد
والأمر مسدود الحجاب متى يحك ... في قلب ذي عزم يغر أو ينجد
وهززت سيفي في وجوه معاشر ... طلباً لحق فيهم لم يردد
غضباً لما فعل اليهود بخنذف ... يرمون جرهم في الوريط الأوهد
حلوا حماهم يعلمون حجازهم ... بيض الكنائس بالعبيد الحسد
(1/122)
________________________________________
لأقسمت صدقاً لا أرى بشراً بها ... يأوي إلى طلح هناك منضد
ولقد آتاني من هذيل أعبد ... يستعجلون بشؤم يوم أنكد
قالوا بمكة بيت مال داثر ... ومعالق من لؤلؤ وزبرجد
فأردت أمراً حال ربي دونه ... والله يمنع من خراب المسجد
لما أرادوني بمكر جبتهم ... من عيشة الدنيا بحد مهند
فرددت ما أملوه مني فيهم ... وتركتهم مثلاً لأهل المشهد
فالحمد لله الذي صرف الردى ... عنا فلولا منه لم نهتد
بيت يطاف به وينحر حوله ... جزر لدى حرم وركن أسود
في رأس جلمدة شديد أسرها ... مما يشبهها سواد الأثمد
بيت به يوفي الحجيج نذورهم ... ويودعون طوافه للموعد
وأقام ذو القرنين فيها حجه ... خوفاً يطوف على اللظى المتوقد
إذ كان ذو القرنين جدي مسلما ... فمتى تراه له المقاول تسجد
طاف المشارق والمغارب عالماً ... يبغي علوماً من كريم مرشد
ورأى مسير الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد
فلقد أذل الصعب صعب زمانه ... وأناط قوة عزه بالفرقد
حكم الأمور وأحكمت أيامه ... تجري إلى أجل ولما يقصد
لم يدفع المقدور عنه قوة ... عند المنون ولا ائتلاف المحتد
من ذا يحيد عن الردى وسهامه ... تقضي على أوتاده وكأن قد
قطع الزواخر لجة عن لجة ... وعلا المهامة فدفداً عن فدفد
فهدى القبائل أمة عن أمة ... وأبار قتلا مفسداً عن مفسد
كم من عمي القلب أضحى مبصراً ... وعميد قوم سيد لم يهتد
(1/123)
________________________________________
جريا بأمر غاب عنا حكمه ... نحس على فصل القضاء واسعد
فلرب مسعود أزاح عقاله ... ولرب غاو منهم لم يرشد
والله أجرى ذي الأمور بعلمه ... جعل المنية للأنام بمرصد
قال: فروى عبد الله بن عباس الشعر عن نافع بن الأزرق، ثم دخل على معاوية وعلى عمرو فأتى به كما سمعه من نافع بن الأزرق، فقال له معاوية وعمرو: علمنا أن مقرأك أقرب إلا أنا طلبنا منك سبباً تأتي بهذا الشاهد عليه، ثم عطف على عبد الله بن عباس فقال له: يا أبا محمد هل تدري شكر تبع فيما فعل بقومك وما كشف عنهم؟ قال له عبد الله: به جعله الله خيراً منك. قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قومك (أهم خير أم قوم تبع)؟ قال معاوية: يا ابن عباس فما الخلب والثأط والحرمد؟ قال: الخلب الحمأة، والثأط ما تحتها من الطين، والحرمد ما تحته من الحصى والحجر.
ولقد أتت العرب بالشواهد في أشعارها وخطبها بذي القرنين الصعب ابن ذي مراثد. قال امرؤ القيس بن حجر المقصور بن الحارث آكل المرار الكندي يذكر ذا
القرنين الصعب بن ذي مراثد.
ألم يحزنك أن الدهر غول ... ختور العهد يلتهم الرجالا
أزال من المصادر ذا رياش ... وقد ملك السهولة والجبالا
وفيه يقول قيس بن ساعدة الأيادي: - وكان قيس بن ساعدة أحكم
(1/124)
________________________________________
العرب في زمانه وأخطبهم - حدثنا زياد البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: أتى وفد أياد البيضاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اسلموا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل فيكم قيس بن ساعدة؟ قالوا له: مات يا رسول الله في العام الأول. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد شهدته بعكاظ وهو على جمل أحمر وهو يخطب الناس ويقول:
معشر الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، أما بعد فإنه من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا نجوم تمور ولا تهور، وبحور تفور ولا تغور، وسقف مرفوع ومهاد موضوع، ومولود يولد وحي يفقد، أقسم قيس قسماً بالله وما رفع ليطلبن من الأمر لخطا وإن كان في بعض الأمر رضا أن في بعضه لسخطا وإن بلغت لقد قصرت.
أن وراء هذا لعجبا - أقسم بالله أن لله ديناً هو أرضى من ديننا هذا الذي نحن عليه - مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون - يموتون ولا يحيون ارضوا بالمقام فأقاموا لم تركوا كلا ليبعثن وقال أبياتاً لا أحفظها - وكان صلى الله عليه وسلم لا يروي الشعر ولا يقوله فقال له رجل من الوفد - أنا أحفظها يا رسول الله - قال له - قل - فقال له الأيادي قال يا رسول الله هذه الأبيات:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر
ولا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
فعلمت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
(1/125)
________________________________________
ثم قال رجل من الوفد - لقد شهدته قبل موته بعام يا رسول الله وهو على جمل وهو يخطب الناس ويقول: هيهات هيهات - أيها الناس كذب الكاذب وصدق الصادق وقد أفلا فاعتدلا ولا بد من موقف يشهد الشاهد ويحكم الحاكم - أين إحسان المحسنين وإساءة المسيئين - كلا لتجدن كل نفس سعيها - أيها الناس هيهات والله هيهات كذب الأحياء الأموات يسكنون منازلهم فلا يعتبرون ويرون مضاجعهم فلا يتعظون ويأكلون تراثهم فلا يحزنون - ويعلمون ما يعلمون وهم آمنون - أما بعد فإن كل آكل مأكول وكل وراث موروث وكل ساكن ظاعن وكل آمن خائف اليوم يوم وغد يوم فغد سالب واليوم مسلوب والغالب خير من المغلوب - أيها الناس هل أتاكم ما لم يأت آباءكم الأولين أم أخذتم عهداً من السنين أم عندكم من ذلك اليقين - أم أصبحتم من ذلك آمنين - بل والله أصبحتم في غفلة لاعبين - أين الصعب ذو القرنين جمع الثقلين وأداخ الخافقين وعمر ألفين لم تكن الدنيا عنده إلا كلحظة عين من لم يتعظ اتعظ بها - أيها الناس أين الآباء والأمهات والأخوة والأخوات والأبناء والبنات - أما ترون آيات بعد آيات وأمواتاً في إثر أموات إلا وإن علم الغيب باطن ونبأ الخلق ظاهر اضمحلت الأشخاص فذهبت العظام رفاتاً - كلا ليصلحن كل عامل كلا بل هو الله إله واحد - ليس بمولود ولا والد أسكنهم التراب وإليه المآب.
أما بعد فإن الحي حكم بالموت أيها الأشهاد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد - أين الظالم والمظلوم - أين الحس الذي لم يسكن وأين الوعيد الذي لم ينتقم وأين الوعد الذي لم يتم - هل تعلمون أين ذهب أبرهة ذو المنار وعمرو ذو الأذعار - أن تردون ما صار إليه عبادة الفتاح وأذيتة الصباح وجذيمة الوضاح - عزوا
فقهروا ونهوا وأمورا وبنو المصانع
(1/126)
________________________________________
والآبار وجدولوا الأنهار وغرسوا الأشجار واستخدموا الليل والنهار فكانا مطاياهم إلى دار القرار - أرسلوا مالهم وانتظروا ما يرجع به سؤالهم - ارتقبوا فلم يرقبوا - هجمت الآجال دون الآمال ألا وإن كل شيء إلى زوال وأنشأ يقول:
قد كنت أسمع بالزمان ولا أرى ... أن الزمان يطيق نتف جناحي
فأراه أسرع في حتى أصبحت ... بيضا متون عوارضي وصفاحي
وأنا الكبير بسنه في قومه ... هيهات كم راوحت من أرواح
صافحت ذا جدن وأدرك مولدي ... عمرو بن شمر يتقي بالراح
والقيل ذو يزن رأيت مجليه ... بالقصر بين مرامر الصفاح
فتك الزمان بملك حمير فتكة ... يسعى بكل مساً وكل صباح
أودى أبو كرب وعمر وقبله ... وأبار ملك أذيتة الصباح
وأباد افريقيس بعد مقامه ... بالمغرب المستغرق الفياح
والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً ... بالحنو بين ملاعب الأرواح
وغدا بأبرهة المنار فأصبحت ... أيامه مسلوبة الإصباح
أخنى على صيفي بحادث صرفه ... مستأثراً بجذيمة الوضاح
أم أين علكدة الهمام وملكه ... أم أين عز عبادة الفتاح
والعبد والهدهاد صارا عبرة ... طارا عن الدنيا بغير جناح
لا تمش في شك الظنون أما ترى ... أيامه مشهورة الإيضاح
لا تأمنن مكر الزمان فإنه ... أودى الزمان بشمر الصباح
(1/127)
________________________________________
من بعد ملك الصين أصبح هالكاً ... أكرم به من هالك محتاح
برك الزمان على ابن هاتك عرشه ... وعلى المقعقع حل بالاتراح
شخصت على بعد النوى أشخاصهم ... فرآهم الأوهاج بالأشباح
أفبعد أملاك مضوا من حمير ... أرجو الفرح ولات حين فلاح
من ذا يصافق كفه كف الردى ... يشرى البقاء عن بيعة الأرباح
قال أبو محمد: وفيه يقول الأعشى بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً ... بالحنو في جدث أشم مقيما
في شعر له قال أبو محمد: ومما ذكرت العرب به ذا القرنين في أشعارها قول ربيع ابن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة بن ذبيان وكان معمراً (عمر مائتي عام) وكان أحكم العرب في زمانه وأشعرهم وأخطبهم وشهد يوم الهباءة وهو ابن مائة عام وكان من انجد فارس في حرب داحس وهو القائل في يوم شبيم وأمر شبيم: ظلمتم يا بني فزارة والظلم عاقبته وخيمة، فداووا الظلم بالرفق أو فأنتم شاة الذئب وغرض الرامي. وقال لحمل لن بدر عند هزيمتهم:
يا حمل هل تعلم ما لا أعمله ... سديت عزلاً لا تطيق للحمه
والظلم للظالم حتماً يلجمه ... ألا ترى قيساً تأطت أسهمه
يقتل ذا الظلم ومن لايظلمه
وكان أنجد فارس يوم الهباءة حبس خلف بني فزارة حتى بلغوا
(1/128)
________________________________________
حريمهم، وهو القائل يوم الهباءة لما حبس خلف بني فزارة حتى أثخن جراحاً فقال:
رأيت موتين علينا نزلا ... موتي وموت الغر من قومي الملا
بذلت روحاً دونهم معجلا ... كيما ألاقي الموت منها منهلا
قال أبو محمد: لما كبر وخرف وأدرك الإسلام فقال قوم: أسلم وقال قوم: لم يسلم منعه قومه ذلك، قال أبو محمد: جمع بينه وبين بنيه فقال لهم:
ألا أبلغ بني بني ربيع ... فأشرار البنين لهم فداء
بأني قد كبرت ودق عظمي ... فلا يشغلكم عني النساء
وإن كنانتي لانت بقسر ... واني لا أسر ولا أساء
إذا جاء الشتاء فدثروني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء
وإن دفع الهواجر كل قر ... فسربال خفيف أو رداء
ثم قال: يا بني اجمعوا لي بني ذوبيان، ثم قال: يا بني فزارة بن ذبيان من أعزكم؟ قالوا: أنت يا أبا سالم. قال: إن لكم أن تدوسوا أعزكم عليكم بأرجلكم، فذلك ارفع لقدرة عندكم. يا بني ذبيان آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالحلم فأنه بحسن المعاشرة والجود فإنه يزرع المودة. وآمركم بحفظ بعضكم بعضاً يهابكم الناس الأباعد، وآمركم بالعلم فإنه زين ومحبة في قلوب العالم. وأنهاكم عن: السفه فإنه باب الندم ومنزل الذل وأنهاكم عن البخل فإنه سلم السب، وأنهاكم عن التخاذل فإنه آفة العز، وأنهاكم عن الجهل فإنه رزية ومهلكة واسألوا عما جهلتم فإن
(1/129)
________________________________________
في السؤال هدى وفي الصمت على الجهل عمى ولا تستصغروا من لا تعرفونه ولا تحسدوا من لا تدركونه ولا تحمدوا غير كريم ولا تبخلوا على شريف ولا تفضلوا على غير محتاج فيذهب فضلكم هباء ولا تمنعوا السائل فإن منعه مقت ولا غبية فإنها قرض مردود ولاسيما أنها تعقب. يا بني ذبيان: اجعلوا قبري علماً فاني قدمت في الناس خيراً فانه شأن وذكر حسن وتركت للبنين فخراً، ولو قدمت سيئاً أمرتكم أن تخفوه فانه علم السب أحفظوا قولي فانه مقامي ورائي فيكم، وانشأ يقول:
لقد عزفت نفسي عن اللهو جمه ... وإن نهلت من لهوها ثم علت
رأيت قروناً بعد قرن تقدمت ... فلم يبق إلا ذكرها حين ولت
ألا أين ذو القرنين أين جموعه ... لقد كثرت أسبابه ثم قلت
خرفت وأفنتني السنون التي خلت ... فقد سئمت نفسي الحياة وملت
تجاوزت في يوم الهباة هنيدة ... وألفيت عوداً حين ما حين حلت
فكم مشهداً وردت نفسي وطيسه ... أجشمها مكروهه حين كلت
وكم غمرة ماجت بأمواج غمرة ... تجرعتها بالصبر حتى تجلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي على الأمر ذلت
هي النفس ما منيتها تاق شوقها ... وإلا فنفس أويست فتسلت
وقال أيضاً الربيع بن ضبع:
ألا يا لقومي قد تبدد أخواتي ... نداماي في شرب الخمور وأخداني
وأنسى قليلاً ثم آتى سبيلهم ... فتبلى عظامي يال سعد وذبيان
وأبلى ويبقى منطقي بعد ميتي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فاني
(1/130)
________________________________________
سيدركني ما أدراك المرء تبعاً ... ويغتالني ما اغتال أنسر لقمان
أحار مجير النمل من عز ملكه ... وأنزل سيف البأس من رأس غمدان
والوى بذي القرنين بعد بلوغه ... مطالع قرن الشمس بالأنس والجان
أنا بين يومين فأمس الذي مضى ... وصرف غد لا بد بالحتم يلقاني
ألم تر الدهر يا قوم طالب ... وإن لم أكن يوماً لأوتاره جاني
سيأخذ ما أعطى وإن كان محسناً ... وما كان من شرح الشبيبة أولاني
وقال أيضاً الربيع بن ضبع:
قل للذي راح عن أخيه وقد ... أودعه حين ودع الحجرا
هل أبصرت عينه له أثراً ... أو سمعت أذنه له خبرا
أين همام الجديل إذا مرا ... وأين رب السدير إذ قدرا
أين بنو هود النبي ومن ... شمر عن راحتيه وابتكرا
والصعب لما عتت أرومته ... وخان ريب الزمان فادكرا
لم يدفع الموت بالجنود ولا ... رد بأسباب علمه القدرا
فاز على الدهر ينحني فرمى ... فوق جناحي ومفرفي شررا
لا تعجبني يا أميم من صفتي ... فقبل ما كنت أخسف القمرا
أصبو بهند وزنيب أمماً ... ونسوة كن قبلها دررا
لما رماني الزمان عن عوض ... وقامرتني خطوبه قمرا
أصح عني الشباب قد حسرا ... أن ينأ عني فقد ثوى عصرا
ودعنا قبل أن نودعه ... لما قضى من جماعنا الوطرا
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير أن نفرا
والذئب أخشاه أن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
من بعد ما قوة أسر بها ... أصبحت شيخاً أعالج الكبرا
(1/131)
________________________________________
ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي ومولدي حجرا
وقال أيضاً الربيع بن ضبع:
طال الثواء عن السنين أميما ... ألقى عذاباً للزمان أليما
أنسيت أم لم انس أم عاهدته ... فوجدته بعد السفاه حليما
لابد أن ألقى المنون وإن نأت ... عني الخطوب وصرفه المحتوما
هلا ذكرت له العرنجج حميرا ... ملك الملوك على القليب مقيما
والصعب ذو القرنين عمر ملكه ... ألفين أمسى بعد ذاك رميما
ونبت به أسبابه حتى رأى ... وجه الزمان بما يسوء نسيما
امن الأمور أخو الدهور فهل رأى ... ذا مرة من قبله معصوما
طال الزمان وطال عني غيبه ... ما زال من قبلي الزمان قديما
ألوى بشمر والمقعقع بعده ... وأباد سعداً بعده وتميما
لما حشون حشا علي لطيفة ... واستحسن القيصوم والتنوما
وفيه يقول الربيع بن ضبع بسوق عكاظ عند صلح عبس وذبيان.
قال أبو محمد: لما همت عبس بصلح ذبيان قان بأمر الصلح بينهم عوف ابن
حارثة بن أبي حارثة وحصن بن حذيفة وكان عوف بن مرة بن سعد بن ذبيان وكان حصن عن فرازة بن ذبيان وقام هرم بن سنان بن أبي حارثة المري عن بني عبس. قال: لما آتى بنو عبس بدية بني ذبيان، وأتى بنو ذبيان بدية عبس، وقع على حصين بن ضمضم المري عشرة أبكار وكان بخيلاً أكولاً لحماً، وكان فارس بن ذبيان فأدركه البخل فأراد نقض
(1/132)
________________________________________
الصلح وقال: والله يا بني عبس لا نصالحكم إلا الصلح المخزية جدع الأنوف والأذنين، فقال الربيع بن زياد: الحريم ولج الغريم وطال الشر وغدر الدهر. فغضب عنترة وقال: يا حصين الحرب خير لي والصلح خير لك. فدونك أضعفنا حقاً خسره الله فأرسلها مثلاً، قال حصين: أيها الغراب جار بك الخطاب اسكت يا بني عبد شمس، قال له عروة بن الورد العبسي وكان رأس الصعاليك وأجسرهم: يا حصين شهدتك وأباك وأخاك وأنتم تسألون العرب بسوق عكاظ سنة المسبغة؟ قال حصين: كف أيها الصعلوك الشاعر، فقال عروة ارتجالاً:
أرى الناس في الآفاق جما وإنني ... على كل فج خائف الشعب واحد
لي الذئب ندمان ولي الليث صاحب ... تثور إذا أحدر النعام الشوارد
أطيل الطوى حتى إذا برح الخفا ... طعمت يسيراً والتجمل رائد
وما بي أملاق ولكن تكرما ... أشيد ما شاد الكرام الأماجد
ولست كمن يمسي بطيناً وانه ... يبيت خميصاً جاره وهو راقد
أنيل نوالي الأقربين وانه ... ليدرك معروفي الأقاصي الأباعد
أفرق جسمي في جسوم كثيرة ... واحسوا قراح الماء والماء بارد
وقال الربيع بن ضبع: يا حصين تعرضت للسب، وقال الربيع:
دار الصديق إذا استشاط تغيظاً ... والغيظ يخرج كامن الأحقاد
ولربما كان التعصب باحثاً ... لمثالب الآباء والأجداد
وقال عروة بن الورد يهجو حصين بن ضمضم:
لن يكن فارس الهياج هجيناً ... إن شداد لم تلده العبيد
(1/133)
________________________________________
هل يجور الخطاب ليث عرين ... ولنار الخطوب فيه وقود
إن خير العشير من جمع الشم ... ل وعاد بما تساد الصيد
ويك أمر الإله في كل حين ... وقضاء بكل يوم جديد
أين طسم ورائس وجديس ... ثم عاد من قبلها وثمود
لم أبيت الرشاد من سلم عبس ... وآتانا من دون ذاك الوعيد
أنت أوعدت للحروب وعيدا ... ذاك وعد يأتي بك الموعود
ما عاقك العشار عن السل ... م وطعم الحروب مر شديد
صدك البخل عن حريمك حتى ... جئت بالشؤم والبخيل صدود
هل تخوفت ما مضى من سؤال ... وزمان الردى عليك يعود
إن من عضت الكلاب عصاه ... ثم أثرى حقيق ألا يجود
فجعل بنو عبس وبنو أمرهم أبي حكم الربيع بن ضبع. فقام الربيع بعكاظ بين عبس وذبيان خطيباً فقال: أيها الناس أصاب الاياس وأخطأ القياس، وبين الحق والباطل التباس أيها الناس من عبر غير وكل عثار جبار وكل فائت مطول: يا بني ذبيان الخير والشر على اللسان والنجاة في البيان. يا بني ذبيان: داروا الحروب فإنها تذل، يا بني ذبيان: طلب الثأر ضالة الأشرار ومزالق الأعمار وهلاك الأخيار، أخوكم عبس عدوكم أمس فطلاب أمس الذاهب هلاك غد المقبل هلا سألتم عن الأحقاد طسم وجديس وعاد. اعلموا أن كل ذاكر لناس وكل مقيم ظاعن وكل ثابت زائل وبين الأموات موت الأحياء والسرعة إلى الآجل ذهاب العاجل والذل غنيمة الظالم وقال:
على حرج يا عبس أضحى أخوكم ... وبت على أمر بغير جناح
حذار حروب الأقربين وانه ... ليأتي افتلاتاً وجه كل صباح
(1/134)
________________________________________
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجاء بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البارئ بغير جناح
لنا عظة في الذاهبين وعبرة ... تفيد ذوي الألباب أمر صلاح
ألم تعلموا ما حاول الصعب مدة ... وما صبح الساعي وآل رزاح
فهل بعد ذي القرنين ملك مخلد ... وهل بعد ذي الملكين يوم فلاح
تريش له الأطيار عند غدوه ... وتجنح أن اومى لها برواح
فاصطلحوا على حكمه.
قال أبو محمد: قال أبو مخنف عن كميل بن زياد النخعي إنه لما سار عمر بن الخطاب إلى الشام في خلافته سار بعلي بن أبي طالب من المدينة إلى الشام، فلما بلغ إلى الشام وعبر وادي الأردنين قال: قاتل الله الربيع بن ضبع حيث يقول:
وكم غمرة ماجت بأمواج غمرة ... تجرعتها بالصبر حتى تجلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي على الأمر ذلت
هي النفس ما منيتها تاق شوقها ... وإلا فنفس أويست فتسلت
فزاد علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - عليه بيتاً فقال:
وما جزت وادي الأردنين تطرباً ... ولكن أموراً وكلت بي فحلت
وفيه يقول طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن وائل بن قاسط بن هنب بن بن افصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، حيث يقول:
وكيف يرجى المرء دهراً مخلداً ... وأيامه عما قليل تحاسبه
(1/135)
________________________________________
ألم تر لقمان بن عاد تتابعت ... عليه نسور ثم غابت كواكبه
وللصعب أسباب تجلت خطوبها ... أقام زماناً ثم بادت مطالبه
إذا الصعب ذو القرنين أزجى لواءه ... إلى ملك ساسان فقامت نوادبه
يسير بوجه الحتف والعيش جمعه ... وتمضي على وجه البلاد كتائبه
وقال أوس بن حجر السعدي:
حنانيك يا أوس بن حجر فانه ... سيفقد من جاري الأمور ويهلك
وتجري الليالي بانتقاص وفرقة ... وإن سبيل الصعب لا شك يسلك

ملك أبرهة
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: لما مات ذو القرنين الصعب بن ذي مراثد، ولي الملك ابنه أبرهة ذو المنار سماه الصعب على اسم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، وإنما سمي أبرهة باللسان الحبشي وتفسيره وجه أبيض. قال أبو محمد: كان أبرهة أبيض وسيماً جميلاً، فلما دفن أبرهة أباه ذا القرنين الصعب بن ذي مراثد بالحنو حنوقراقر في رمل العراق ورجع بعساكره، ظهرت لهم الزمردة بعد موت ذي القرنين وهي صنف من الحيات تسكن الرمل قصيرة لها رأسان في طرفيها وما أكلت بهذا الرأس ألقته برأسها الآخر وهي لا تظهر إلا في النهار وتعمى في الليل لأن جميع حيوان الأرض لا يستطيعها يسري سمها في الأبدان كسير البرق في الهواء تفر منها الثعابين والشجعان والأفاعي، فلما كثرت على عساكره الزمردة ذات الرأسين أضرت بعساكره ضراً شديداً، فكان يعرس نهاراً ويسير ليلاً فكانت تضل العساكر في الليل بعضها عن بعض فأمرهم أن يوقدوا النيران على رؤوس الجبال ليهتدوا بها. وهو أول منار جعل في الدنيا
(1/136)
________________________________________
فسمي أبرهة ذا المنار، فسار أبرهة حتى نزل بالمشلل، وكان أجمل الناس وجهاً فرأته امرأة من الجن فعشقته فهجمت عليه ليلاً إلى فراشه. قال له: أيها الملك إني عشقتك وليس لي منك بد وأنا حنيفية على دين إبراهيم: وأنا لا أرضى بالزنا ولا أدين به فاختر من أربع خلال أي خصال واحدة إن شئت قتلتك وإن شئت أعميتك
وإن شئت أبرصتك وإلا فتزوجني. قال لها العاقل إذا خير اختار أنا أختار منك العافية يا عيوف فذهبت مثلا فأتته بنفر من الجن فيهم الرابع أبو هافز وجه إياها قال له الرابع: أيها الملك منزلي وادي الجن بالمشلل من أرض جو وهي أرض اليمامة اليوم وإن الأنس ينزلون وادي الجن من أرض الجو فتتعرى نساءهن إلى رجالنا ويتعرى رجالهم إلى نسائنا. قال له أبرهة: أنا أبدر إليهم وأمنعهم من أن ينزلوا بوادي الجن وهم لا ينزلونه ما عشت فمن نزله أحرقوه بالنار، فكان حرماً عند العرب حتى أتى رهط من بني حلوان بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير فنزلوه فبينما هم نائمون في جوف الليل إذ سمعوا دوياً وهينمة ناداهم مناد: إنما هذا محرم الرابع وحمى أبرهة وأتتهم نار عظيمة فأكلت أموالهم وأكلت أناساً وولوا هاربين فسمي ذلك الموضع الحرقانة فهو اسمه إلى اليوم. حدثنا أبو مالك عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي: أن عمر بن الخطاب دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فوقف بين يديه رجل كالنخلة السحوق فقال له عمر: من أنت؟ قاتل له الرجل: أنا حارق، قال له عمر: ابن من؟ قال له: ابن شهاب. قال له عمر: وأين مسكنك؟
(1/137)
________________________________________
قال له الرجل: بالحرقانة حرقانة الجو، فقال له عمر: ويحك أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فرجع الرجل إلى الحرقانة فأصاب قومه قد أقبلت عليهم نار ليلاً فاحترقوا، وكان عمر أعيف العرب في الجهالية وأزجرها ولقد حكم بالقيافة.
قال أبو محمد: ولن العيوف ابنة الرابع ولدت لأبرهة ولدين ذا الأشرار وعمراً ذا الاذعار، وفي العيوف يقول طرفة بن العبد بعد الزمان ويقال إنه للرابع الجني حيث يقول:
لابنة الجني بالجو طلل ... حله الرابع حيناً وارتحل
حرم الجن على الإنس فمن ... شاء بعد الملك والرابع الحل
حل منه ذو منار أهله ... فتولى الجمع عنه واحتمل
كل ما حل عليه راشد ... أوقدت نار عليه فاشتعل
كم به من ذات دل حسن ... وقوام ووسام ومقل
وجواد وهمام حازم ... عاقه عنهم زماناً ونزل
قال أبو محمد: ثم أن إبرهة ذا المنار جمع الجموع العظيمة وسار يريد المغرب أرض بابليون فأرسل إليه حلوان امرئ القيس بن عملاق بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن بابليون بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان بن هود النبي صلى الله عليه وسلم - وعمرو بن بابليون هو فرعون إبراهيم بمصر - فسار أبرهة يريد حلوان بن امرئ القيس إلى مصر أرض بابليون، وقد رجعا إليه الحبشة وبنو ماريع بن كنعان، فسار أبرهة بجموع عظيمة حتى بلغ مأرب ثم سار حتى بلغ الأحقاف حتى بلغ نهر الحفيف. فأصابوا بنهر الحفيف نصل سهم قد رشق في شق من صخر في صخرة منيعة وقد عفن القدح، فذهب وبقي النصل فأخذوه فوجدوا بجانب منه مكتوب
(1/138)
________________________________________
بخط من ذهب:
لقلبك من بين الخليط سواد ... وحلت بموماة العراق سعاد
نأى النوم عن طرف المشوق فهل له ... بطرف الذي يهوى عليه سهاد
ألا هل إلى أبيات سمح بذي اللوى ... لوى الرمل يوماً فاعلمن معاد
بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وفي الجانب الآخر مكتوب:
ألا حبذا العيش السنين التي خلت ... وأيامنا دهر الملوك المقاول
خرجنا لنبني الملك للناس بعدنا ... ونتبع آثار القرون الأوائل
على عهد ذي القرنين والمرء حازم ... يموت ويخلى للأمور النوازل
رأى سبباً والله بالغيب اعلم ... فقام ولم يرقب مقالة قائل
فقرءوا تاريخ السهم فأصابوا مكتوباً فيه بالمسند لذلك السهم ألف عام مذ سقط في ذلك المكان، فسار أبرهة بجموعه حتى دخل مكة فنذر وأقام حجه، ثم أخذ على الشام يريد أرض بابليون مصر وحمل ابنه العبد في السفن إلى أرض الحبشة فبلغ ذلك الحبشة فولوا منهزمين ولحق أبرهة بحلوان فتبع الحبشة على النيل وأمر حلوان أن يتبع بني ماريع بن كنعان إلى البحر المحيط من أرض المغرب، وسار أبرهة في طلب الحبشة وإن العبد بن أبرهة مضى على وجهه في أرض الحبشة فقتل وسبى حتى تضلل ولم يدر أين يسير وغرق في المخالب، فكاد يهلك ويهلك من معه، وكان العبد بن العيوف الجنية، فطلع على جبل من جبال أرض الحبشة في الليل، فقال: يا معاشر الجن أنا العبد بن العيوف بنت الرابع فأعطوني منكم دليلاً كيلا أضل فسمع
(1/139)
________________________________________
صوتاً وهو يقول:
خذ الجانب الغربي مسلماً ... على النيل تحدوك المناهل يا عبد
وخذ لبنى حام من الأمر صعبه ... إذا ما بدت للناس أوجهها الربد
وعند حراج الأمر لو وبعده ... مقالة ليت لا يهولنك البعد
فانك تلقى أمة ليس مثلها ... على الأرض أقواماً جدودهم مكد
يكون مجال عنده الموت نازل ... ويدخل فيه النحس إذ ذاك والسعد
فرجع إلى الموضع الذي أمره فأصاب النيل، فسار عليه شهراً حتى فرغ النيل وانقطع عنه وذهب عنه أشهراً حتى لقي قوماً سوداً قصاراً بيض العيون ليست لهم أعناق وجوههم على الصدور، فقاتلهم فغلب عليهم وأسر منهم أمماً وأصاب مالاً كثيراً وأصاب إذ جاءهم الذهب يدخر كما يدخر البر فغنم مالاً كثيراً وسبى أمماً من الحبشة، وقدم اليمن وقد عبر بحر النجاة ونزل بحرم مكة فجعل العرب يختلفون إلى الأسرى من الحبشة ويتعجبون من خلق أمم مختلفة، وإن أبرهة ذا المنار قفل من أرض الحبشة راجعاً، فأخذ على ساحل البحر حتى وصل إلى
أرض بابليون، ثم أخذ على الشام وبلغ الدرب فلقيته هدايا الروم وأهل أرمينية، ثم سار حتى بلغ مكة فلقيه ابنه العبد بسبايا الحبشة. فرأى قوماً قصاراً فأمر بهم أن يمضي بهم إلى أرض البحرين وعمان يخدمون المراكب فيزعمون أن النوتيين الذين، ثم كانوا بعمان والبحرين من بقايا سبايا الحبشة الذين سبى العبد بن أبرهة، ثم
(1/140)
________________________________________
رجع أبرهة إلى غمدان وهو دار مملكة التبابعة، فكان ملك أبرهة ثلاثمائة سنة وستين عاماً، ثم مات فرثاه المحموم بن زيد بن غالب بن السياب بن عمرو بن ذي أنس بن قدم بن الصوأر بن سكسك فقال:
أزفت خطوبك يا ابن هاتك عرشه ... لم تدر حتى صبحتك بذالكا
عاصيت ذا إذ لم يكن لك عاجل ... وأطعت ذاك إلى مدى إذ لا لكا
فلقد بلغت من البلاد مبالغاً ... يا ذا المنار وضعضعت لجلالكا
قدت الجنود إلى الجنود سريعة ... وحملت منها على السفين كذالكا
سرت الجيوش فأمعنت في سيرها ... ما تهتدي إلا بنور جمالكا
حتى وطئت جميع حيث تغلبت ... أسباط حام بهلالكا
أوغلت عبداً فاستقر به النوى ... حتى تشرد حالهم عن حالكا
فسقيتهم سجلاً بكل مهند ... حتى أبرت حرامهم بحلالكا
فآتاك بالنسناس خلق وجوههم ... فوق الصدور وليس مثل رجالكا
زالت لك الشم الشوامخ هيبة ... لما قصدت إلى الوغى بنزالكا
قالت لك الأرضون سمعاً وطاعة ... لم تستطع أن تصطبر لقتالكا
قد قصرت همم الزمان عن التي ... كانت لمن جر الكتائب سالكا
أنا هديت وأنت هاد للتي ... لما سعيت لمنتهى آجالكا
من ذا يجاري من سموك خطة ... هيهات من يهدي لحسن فعالكا
خضع الملوك لوجه ملكك هيبة ... لم ينج من حتم المنية ذالكا

ملك العبد بن أبرهة
قال أبو محمد عبد الملك: عن محمد بن السائب الكلبي: لما مات أبرهة
(1/141)
________________________________________
ذو المنار ولي الملك بعده ابنه العبد بن أبرهة وهو ذو الأشرار، وإنما له ذو الأشرار لأن الحبشة هم الأشرار وكان العبد هو الذي غلب على جميع أرض الحبشة وسباهم أمماً وسقاهم في الأغلال إلى مكة، وهو أول من رأت العرب في زمانه داء الكلب. وداء الكلب داء يعرو الدماغ فيسكن من حركته فلا يبرأ حتى يسقى الخمر بدم من دماء بني مذحج، قال عبد الله ابن حزم الأزدي:
وجوه بني زبيد إن تجلت ... إلى الأبصار تخطف كالبروق
إذا نطقوا يزينوه لعدل ... وإن صمتوا على علم حقيق
وإن فخروا آتوك بعز بأس ... وبالأفعال والحسب العتيق
دماؤهم على الأشفار أشهى ... إلى الكلبي من المسك الفتيق
وقال حصين بن الحمام المري لبني العنقاء حين أعطاهم ابنه ديا رهينة فأبوا:
خذوا ديا بما أحدثت فيكم ... فليس بكم على دأب غلاء
فلستم من بني عمرو بن عمرو ... ملوك والملوك لهم نماء
ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو دماء القوم للكلبي شفاء
زعم إنه من بني زبيد وذلك أن بني مرة بن سعد بن ذبيان يزعمون أنهم من بني زبيد وأما عبد الله بن حزم في قوله:
دماؤهم على الأشفار أشهى ... إلى الكلبي من المسك الفتيق
أراد أن دماءهم أطيب من المسك الذي يبري الدماغ عن داء الكلب وذلك أن النتن إذا خامر الدماغ أفسد طبيعته وأضعف قواه.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

قال عبد الملك: وولي أمر الملك العبد بن أبرهة بن الصعب فغزا الملوك ودانت له العرب والعجم وخضعت له الملوك فأقام في الملك ستين عاماً، ثم سقط من الفالج،
فلم يغز بنفسه وكان يرسل الجيوش فدخل عليه الوهن في ملكه، ثم عدا عليه الفالج فمات وكان ملكه ستين عاماً.

ملك عمرو بن أبرهة
وولي الملك أخوه عمرو بن أبرهة وهو عمرو ذو الاذعار وأمه العيوف بنت الرابع الجنية، وقد ابى من هذا عامة الناس وزعموا إنه لا يظهر الجن للأنس وأنه لا يتناسل جنسان مختلفان ولا ينسل أنسي من جنية ولا جنى من أنسية وإن هذا باطل وأتى بهذا الحديث علماء والله اعلم أي ذلك كان.
قال أبو محمد: لما ولي عمرو ذو الاذعار الملك قهر الناس بالملك وذعرهم بالجور فلا يرفق لقريب ولا بعيد وأسرف على العرب بالسلطان وشرد الناس ووسم من سخط عليه بالنار من أبناء الملوك وبدل على الناس السيرة التي كانوا عليها يعرفون. فذعر الناس من خوفه ذعراً شديداً وبه سمي عمرو ذو الاذعار وأنه كان يزني ببنات الملوك من حمير، فيؤتى بهن أبكاراً وغير أبكار فكن يشربن معه الخمر وكان ينادمهن على الخمر ويصيب منهن حاجته، فلما فعل ذلك بحمير كرهوا أيامه وأبغضوا دولته وكان شرحبيل بن عمرو بن غالب بن السياب بن عمرو بن زيد بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ نازلاً بمأرب في قصر بينون ولم يكن بني مثله ومثل قصر غمدان وسلحين باليمن، فجمع شرحبيل حمير وقبائل بني قحطان ممن كان بمأرب، ثم قام فيهم خطيباً، فقال: يا بني قحطان
(1/143)
________________________________________
النساء هن الحمى فدون الحمى سفك الدماء هل جزعتم يسمكم بالنار فالنار ولا العار. والصبر صبركم وصبر كفر. فقد صبرتم على ما لا يصبر عليه أحد. أغضبوا الله ولا عراضكم قبل أن تخذلوا ويسلط عليكم النقم وتسلبوا النعم وتلبسوا الذلة فلم كسبتم الأنساب واعتدتم اللامات فتنافست فيكم الأحساب إذ لا تدفعون عن الحريم وتكشفون الضيم. قد شكت الأرحام وضجت إلى الله من الآثام، فلما عزة
وسلامة أو ذلة وندامة وناصر الله منصور أما والله لئن لم تغضبوا لله ولا نفسكم لأضعن سيفي هذا على صدري فأخرجه من ظهري، فالموت عن مثلكم حياة والذهاب عنكم نجاة فقدموه فيكم وملكوه.

ملك شرحبيل
فولى الملك بمأرب شرحبيل بن عمرو بن غالب فرجع الملك في نجلته، الأولى نجلة يعفر بن سكسك، فجمع القبائل من قحطان وأجابته حمير للذي أراد الله من انقطاع دولة ذي الاذعار، وبلغ خبر شرحبيل بن عمرو إلى عمرو ذي الأذعار فجمع جنوده وزحف إليه وزحف إليه شرحبيل بن عمرو فالتقوا بالعالية فاقتتلوا قتالا شديداً ثم افترقا ومات بينهما خلق كثير. ثم رجع عمرو ذو الاذعار إلى غمدان، ورجع شرحبيل إلى بينون فأقام شرحبيل في الملك سنة ثم مات.

ملك الهدهاد ابنه
وولى ابنه الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو وهو الهدهاد أبو بلقيس الملكة
(1/144)
________________________________________
باليمن، وكان الهدهاد بن شرحبيل رجلاً شجاعاً حازماً.
قال أبو محمد، حدثنا ابن لهيعة عن مكحول عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إنه لما ولي الهدهاد بن شرحبيل، زحف إليه عمرو ذو الاذعار وبرز إليه الهدهاد والتقوا بموضع معروف باليمن فتحاربوا أياماً فلما فصل العسكران، وبرز بعضهما إلى بعض، خرج الهدهاد على ناقة في زي أعرابي حتى وصل إلى عساكر عمرو ذي الاذعار، فطاف به وتدبر عساكره، ثم سمع لغطهم وما يتوعدون به عمراً ذا الاذعار من الخذلان واسترق ما يريدون له فزاده ذلك عزماً إلى لقاء عمرو، فانصرف الهدهاد يريد عساكره، فسار حتى بلغ إلى شرف العالية في يوم قائظ أجرهد فيه الصخور، والتهبت الهواجر وقال الضب: فنظر إلى
شجاع أسود عظيم هارب وفي طلبه رقيق أبيض فأدركه فاقتتلا حتى لغبا، ثم افترقا، ثم أقبل الشجاع الأبيض إلى الهدهاد فتشبث مع ذراع ناقته حتى بلغ رأسه إلى كتفها ففتح فمه كالمستغيث، ثم عطف في طلب الأسود فأدركه فاقتتلا طويلاً فلغبا فافترقا، وأقبل الأبيض إلى الهدهاد كما فعل أولاً كالمستغيث فصب الهدهاد الماء في فيه حتى روي، ثم أقبل على الأسود وأخذه، فلم يزل الأبيض حتى قتل الأسود، ثم مضى على وجهه حتى غاب عنه، ومضى الهدهاد إلى شعب عظيم فاختفى فيه، فبينما هو مستتر بشجر أراك إذ سمع كلاماً فراغه سيفه فأقبل إليه نفر جان حسان الوجوه عليهم زي حسن فدنوا منه فقالوا: عم صباحاً يا هدهاد. لا بأس عليك وجلسوا وجلس
(1/145)
________________________________________
فقالوا له: أتدري من نحن؟ قال: لا. قالوا: نحن من الجن ولك عندنا يد عظيمة. قال: وما هي؟ قالوا له: هذا الفتى أخونا من أبناء ملوكنا هرب له علام أسود فطلبه فأدركه بين يديك فكان ما رأيت وفعلت فنظر الهدهاد إلى شاب أبيض أكحل في وجهه آثار خداش. قال له: أنت هو! قال: نعم، قالوا له: ما جزاؤك عندنا يا هدهاد إلا أخته نزوجها منك وهي رواحة بنت سكن. فزوجوه إياها وقالوا له: لها عليك شرط لا تسألها عن شيء تفعله مما تستنكر منها فإن سألتها فهو فراقها قال: نعم، قالوا له ارجع إلى قصرك بينون فإنها تأتيك ليلة كذا ارجع فلا تقم لأن عمر ذا الاذعار ورجع إلى غمدان بعد انصرافك عنه، فرجع الهدهاد وفرق عساكره، ولحقه الخبر أن عمراً رجع فجلس في الليلة التي أمروه أن يجلس فيها مرتقباً حتى أحس ثقلاً في القصر وهرب جميع من معه في القصر من ثقل الذي أحسوه ووحشة داخلت قلوبهم حتى أتوا بها إليه فأدخلوها عليه وأولدها ولداً ذكراً، فلما شب وصار ابن سنة، فبينما هو يناعيه اذ أقبلت كلبة من باب المجلس فأخذت برجب الطفل وجرته حتى ذهبت به عنه فغاب فنظر إلى رواحة فسكتت وسكت، ثم ولدت أنثى، فلما صارت بذلك السن أتت الكلبة فجرت
برجلها وهو ينظر فسكت وغابت عنه، ثم ولدت ذكراً، فلما بلغ سن أخيه وأخته أتت الكلبة وفعلت ما فعلت أولاً قال لها: يا رواحة، قالت له: كيف؟ قال لها: أكف ما نال هؤلاء الأطفال؟ قالت له: فارقتك يا هدهاد اعلم إنه لم يجر منهم أحد بل هو محمولون وتلك درة تحملهم وتربيهم حتى يبلغوا خمس سنين فيأتوك
(1/146)
________________________________________
أنقياء. فأما ابنك الأول فقد مات أحسن الله عزاءك فيه وأما الآخر فإنه يأتيك وليس يعيش بعد أبي وهو يموت، وأنا ابنتك فإنها تأتيك وتعيش لك. ثم ذهبت عنه بعدها ووجد في الفراش ابنه وبنته بلقيس، فمات الصبي وعاشت بلقيس، وقد رد هذا الحديث عامة من العلماء ويقبله عامة من العلماء، والله أعلم أي ذلك كان.

فأقام الهدهاد في الملك عشرين سنة فلما حضرته الوفاة أحضر جميع وجوه حمير وأبناء ملوكهم وأهل المشورة من بني قحطان فقال: يا بني قحطان أما أنكم تعلمون فضل رأي بلقيس علي فإنها لا تخطئ ما تشير به عليكم كيف تجدون بركة رأيها؟ قالوا: نعم قال: وإنها أعقل النساء والرجال، قالوا: نعم قال: فاني استخلفها عليكم، فقال له رجل منهم: أيها الملك تدع أفاضل قومك وأهل ملتك وتستخلف علينا امرأة وإن كانت بالمكان الذي هي منك ومنا؟ قال: يا معاشر حمير إني رأيت الرجال وعجمت أهل الفضل وسبرتهم وشهدت من أدركت من ملوكها فلا والذي أحلف به ما رأيت مثل بلقيس رأياً وعلماً وحلماً مع أن أمها من الجن واني أرجو أن تظهر لكم عامة أمور الجن مما تنتفعون به وعقبكم ما كانت الدنيا فاقبلوا رأيي فإنها مع اختياري فيها مؤدبة لغيرها من أهل بيتها واني كنت سميت الملك لمالك بن عمرو بن يعفر بن حمير بن عمي وهو غلام له حزم وعقل فإذا بلغ فله الملك أما في حياتها وأما بعد موتها. قالوا: سمعنا وأطعنا أيها الملك انظر لنا. فمات الهدهاد بن شرحبيل وولي الملك بلقيس.
ملك بلقيس
فلما وليت بلقيس الملك ازدرى قومها بمكانها لما كانت امرأة وأنفوا
(1/147)
________________________________________
من أن يلي امرأة وبلغ ذلك عمراً ذا الاذعار، فجمع الجيوش ونهض إلى بلقيس، فلم تكن لها طاقة فهربت مكتتمة بأخيها عمرو بن الهدهاد، وهما في زي أعرابيين حتى أتت جعفر بن قرط الأسدي وهو جعفر بن قرط بن الهميسع بن مالك بن عمرو بن أسد بن هزان بن يعفر بن سكسك ابن وائل بن حمير بن سبأ. وكان جعفر بن قرط عمر ثلاثمائة عام، وكان أنجد فارس في زمانه، وكان في ثورة من قومه أسد بن هزان، وكان قومه هزان لهم أرض جو وهي اليمامة، وكان هزان أطول الناس أجساماً وأعناقاً وكانوا يعرفون في العرب حيث ساروا - وفيهم قال الشاعر:
لقد كان في فتيان قومك منكح ... وفتيان هزان الطوال الغرانق
والغرانق: الطوال الأعناق - ومنه قيل للغرنوق غرنوق لطول عنقه فسارت بلقيس حتى نزلت على جعفر بن قرط وهو في حصنه علعال على نهر الخفيف من أرض الأحقاف، ونهر الحفيف هو الذي أظهر النبي هود صلى الله عليه وسلم لعاد بن لاوذ بن ارم الآية الباهرة حين هلكت عاد بالريح العقيم فأخر من بقي من هزان باليمامة كان بقي من طسم وجديس ورائش بن لاوذ بن أرم، وهلك طسم وجديس وبقي سعدانة بن هزان بعدهم وبعد قومه هزان باليمامة وكان أطول الناس جسماً وعمراً فأقعد من الكبر وهو الذي هجم عليه عبيد بن عبد العزى الربعي إلى اليمامة فأصابه جالساً وهو يأكل تمراً من نخلة سحوق وهو يقول:
تقاصري آكل جناك قاعداً ... إني أرى حملك ينمي صاعداً
فهجم عليه عبيد بالقناة ليطعنه، فقال له سعدانة: لا تفعل يا عبيد قال له عبيد: ومن أنبأك بي؟ قال له: السلف يقولون بالعلم الأول آخر
(1/148)
________________________________________
من يبقى من هزان ين يعفر باليمامة أرض جور رجل يسمى سعدانة وأول من يهجم عليه يجاوره فيها رجل من بني ربيعة بن نزار يسمى عبيداً، ولكن يا عبيد أجاورك قال له عبيد:
لك سؤالك يا سعدانة، وأنشأ يقول:
إن الليالي أسرعت في نقضي ... أكلن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وطوين عرضي ... أقعدنني من بعد طول نهضي
تركنني ملكاً لأهل الأرض ... أليس ذا يا زمني من قرضي
هواك تركي وهواي يمضي
فأجاره عبيد حتى مات، وتمثل هذه الأبيات هزان بعد سعدانة العمري بعد هذا الزمان.
قال أبو محمد: وإن بلقيس أتت بن قرط الأسدي ثم الهزاني، فقالت له: أنا بلقيس بنت الهدهاد وهذا أخي عمرو أتيتك به هاربة مطيعة فأجرني وأخي. قال: هلم يا بنية أمنعك مما أمنع منه نفسي وبناتي فادخلي إلى بنات عمك آمنة. فأجارها جعفر بن قرط وأخاها عمراً وعمرو ذو الاذعار يطلبها وأخاها فلا يجد لهما حساً. وكان جعل على نفسه جعفر ابن قرط في كل عام عمرة يحج إلى مكة فيحرم بمكة شهر رجب ثم يرجع إلى حصنه علعال وجعل على نفسه بعد رجوعه عن العمرة يجاور قبر هود النبي صلى الله عليه وسلم شهر المحرم كله حتى ينسلخ، فكان يفعل ذلك كل عام، ثم يرجع إلى حصنه علعال، فكان بين حصنه علعال وبين قبر النبي هود صلى الله عليه وسلم مسيرة يوم وهي مسافة وقد أخلى جعفر
(1/149)
________________________________________
بن قرط تلك المسافة من الناس فلا ينزلها أحد - كانت له حمى وكان جعفر ابن قرط رحل إلى قبر هود بالعيال والولد وكان غيوراً أنفاً لا يصحبه في ظعنه ولد أدرك الحلم ولا ابن عم، فرحل بأهله وولده الأصاغر وسارت معه بلقيس وأخوها عمرو طفل لا يعلم بهما أحد من الناس، فسار يريد قبر النبي هود صلى الله عليه وسلم فأخذ على شاطئ نهر الحفيف بين النخل يأكل تمرها ويعلفه الخف والحافر وانه إذا نزل بالأحقاف بجوار قبر هود اتبعته السباع فيقاتلهم ويقتل من لقيه منهم،
ثم يخرج إليه تنين عظيم فيقاتله حتى يولى من بين يديه ويقول لأهله: لا تجزعوا فانه لص شيطان وانه كان رجل بمأرب تحت السد يقال له عمرو بن عباد بن مهرس بن عفار بن أود الله بن سعد العشيرة. وكان صعلوكاً لا يقر به قرار ويطلب المبارزة في كل قبيل من العرب وفي كل أوب، وتبعه على ذلك شريك بن عمرو ابن هلال بن أود الله وتبلن بن ثور بن أسلم بن زبيد، وكانا صعلوكين فاتكين جسورين على كل هول فتبعه عمرو بن عباد فسار بهما يطلبون الأموال وغيره القبائل لا يصطلي بنارهم ولا يسلم من لقيهم، فبينما هم كذلك سائرين إلى أن رمت بهم الأرض نهر الحفيف اثر ظعن جعفر ابن قرط فمشوا على الرسم واقتصوا الأثر حتى تراءى لهم جعفر يمشي كالشبح خلف ظعائنه فجدوا في طلبه حتى أدركوه وبينهما نهر الحفيف - وهو نهر ينهال فيه الرمل فيبتلع من سقط فيه - فطلبوا سرحة للنهر يعبرون منها اليه، فلما دنوا منه ووقفوا في عدوة النهر قريباً منه رأوا شيخاً جالساً في سرجه كالنخلة ولحيته سقطت على عرف فرسه، فانحرف عليهم
(1/150)
________________________________________
بوجه كالمجن وقد بلغت ركبتاه حذاء أذني الفرس فقال لهم: من أنتم وما شأنكم؟ قال له عمرو بن عباد: أنا عمرو بن عباد الأزدي وهذا شريك ابن عمرو الأزدي وهذا تبان بن نور الزبيدي لم ندع في العرب مثلنا بأساً ولا نجده، فاسلم الظعائن وانج بنفسك. قال له تبان بن ثور: يا عمرو لا طاقة لنا بالشيخ اذهب عنه ودعه فلسنا من جيله ولا من خلقه، قال له عمرو بن عباد: دع عنك الجزع قوة الشباب تغلب صلابة الهرم. قال عمرو بن عباد للشيخ: ما اسمك يا شيخ ومن أنت؟ قال له: أنا جعفر بن قرط الأزدي، قال له عمرو: وهل لك في المبارزة؟ قال له جعفر: لو رمت غير هذا ما وجدته اللقيا الحمى قد عرف الحق أهله، فأنشأ عمرو ابن عباد يقول:
زم المطى قليلاً ... فلست تبقى مقيلا
حرمت أهلي ومالي ... وخنت فيه الخليلا
تذوق عيناي بردا ... حتى أراك قتيلا
يكون أهلك أهلي ... إذا أرأيت الأصيلا
جدوا الرحيل فإني ... أبحث خيلاً فخيلا
والدهر طوع تمني ... إذ ليس دهري طويلا
قل للزمان يميني ... ما شئت قيلاً فقيلا
فقال جعفر بن قوط:
قد كنت عني غنياً ... فعش سليماً مليا
ما أنت والقول في ذا ... تراه فخراً سنيا
(1/151)
________________________________________
فحسبك الآن مني ... إن كنت قرماً كميا
فما أراك خؤنا ... ولا أراك وفيا
فهم يسايرونه حتى أصابوا سرحة عبروا عليها ورأوا الظعائن ليس فيها رجل غيره، قالوا له: سلم الظعائن وانج بنفسك وحملوا عليه فثبت لهم فطعنوه فألقى إليهم الجن فلم يعمل سلاحهم فيه شيئاً وحمل عليهم فولوا، وثبت له عمرو بن عباد فطعنه جعفر فعقر فرسه ثم عطف على صاحبيه فعبرا النهر وعلما إنه لا طاقة لهما بجعفر، ووقفا لينظرا ما يصير إليه أمر عمرو بن عباد، فرجع الشيخ إلى عمرو فقال له: الق سلاحك واستأسر وإلا قتلتك، فألقى سلاحه ونزل إليه الشيخ فكتفه وشد وثاقه إلى نخلة وتبان وشريك ينظران فقال تبان لشريك: إلينا يريد فانج بنا، ثم عبر إليهما من السرحة التي عبروا إليه منها فعطفا إليه في السرحة قبل أن يعبرها فطعناه فألقى تبان الزبيدي عن نفسه فطعنه شريك بن عمرو فأصاب صدره فنشب سنان قناته في يلب جعفر فأخذ جعفر القناة من صدره فكسر السنان وجرحه جرحاً خفيفاً، فلما نظر شريك إلى سنانه كسر ولى
فأدركه جعفر فعقر فرسه ولم يرد قتلهم إلا أسرهم لأن الأسر أشهر ذكراً في العرب وهو مال. فإن أطلق منّ وإن أخذ المال استغنى ثم قال: استأسر يا شريك فإنه لا ملجأ لك من نهر الحفيف ومعاطشه، فجلس شريك بن عمرو على لوى رمل وجد جعفر في طلب تبان وكانت فرس تبان كلت لأنها جائلة الليل والنهار فأدركه جعفر وفرس تبان توضع يديها فأدركه جعفر فطعنه تبان فشك جعفر درع تبان وضربه على الكشح فأخرجها من صدره ولم تعمل قناة تبان شيئاً في يلب جعفر، ثم عطف عليه ثانية فعقر فرسه وقال
(1/152)
________________________________________
له تبان: لم عقرت فرسي يا جعفر وهي لك مال زيادة في الفداء؟ قال له جعفر: إني قاتلك، قال له تبان: ولم؟ قال له جعفر: الجرح يقتلك، قال له تبان: ليست بجائفة فإنها سكلت في الكشح سلكاً فنزل إليه جعفر فحشى جرحه رملاً ثم ساقه بين يديه فأصاب شريكاً جالساً على حبل رمل فساقهما بين يديه حتى بلغ بهما إلى عمرو بن عباد فحل وثاقه وساقهم بين يديه، فلما بلغ قبر هود عليه السلام نزل ونصب بهم قبة بعيداً من الحي، ولم يزل تبان يتعاهد جرحه حتى برأ، ثم قال لهم: هاتوا الفداء؟ قالوا له: يا أبا عامر خذ منا ما رأيت؟ قال: ادفعوا إلى الجميع أموالكم حتى لا يبقى لكم سبد ولا لبد، قالوا: أو بالطف يا بن ملك الملوك؟ قال: هو ما قلت لكم قالوا: وليس من ذلك بد! قال: نعم، قالوا: يا أبا عامر جميع أموالنا نأتيك بها. قال: أقم أنت يا عمرو وأنت يا شريك رهينة واذهب يا تبان سق لي الأموال. فلما عبر تبان نهر الحفيف وعلم منهم العزم على ذلك ركض في طلب تبان، فلما رآه تبان جزع وظن منه الغدر فقال له بعد الأمن والرضا بالفداء: يا أبا عامر قال له جعفر: ارجع الذي رأيت أحسن من الذي رأيتم. قال له تبان: يا أبا عامر ملك الملوك أنتم وجه الدنيا وشم العرب لم يضعكم الله مذ رفعكم، فمضى به حتى رده إلى صاحبيه. قال له: يا أبا عامر الوفاء أشبه بك والجهل أشبه بنا. قال لهم: أني لم أعط نفسي منكم فداء ولا
طمعت فيه ولكن كان مني سؤال الفداء ابتلاء لكم واختباراً إذ سألتكم جميع أموالكم فلم تبخلوا بها عن أعراضكم وأنفسكم وجعلتم أموالكم دونها فأحمدت لكم ذلك وجعلت العفو مني مكافأتكم وعلمت أن لأنفسكم منكم وفاء ولو بخلتم عن أعراضكم وأنفسكم
(1/153)
________________________________________
بأموالكم لقتلتكم فأقيموا في رحب وسعة ودعة، ثم يا بن عباد أردت الموت فنأى بك الأجل واستعجل العفو وأنشأ يقول:
أتى يروع بإبراق وإرعاد ... ألف المنية في قرب وإبعاد
هلا مررت بعلعال فقلت له ... من ذاك يدفع عنك الشر يا وادي
بأبيض المتن صافي الماء ذي شطب ... وادهم أزرق الحدين وقاد
خل الظعائن تسلك جانب الوادي ... واصرف جراءك عنا يا بن عباد
لا تعرضن لقوم من بني أسد ... فإن خلفهم ضرغامة عادي
يا أيها الراكب المزجي مظيته ... اذهب ودعني أمارس حية الوادي
أما قصدت ولم تخشن الحتوف إلى ... ليث العرين ولم تقصد بميعاد
لا تسأم الناس والدنيا مزخرفة ... والناس ناس لا صلاح وإرشاد
إذا مررت على نخل الحفيف فقل ... اسلم سلمت حريم الحائم الصادي
أقوى الوجيف مغانيه فقد سلفت ... له هنيدة لم تهل لرواد
حريم ليث يخاف الدهر سطوته ... يصول عن مجد آباء وأجداد
لم يعب بالموت إذا جاشت كتائبه ... وقدم الحين أمجاد الأمجاد
تسربل النقع والأبطال كالحة ... والروع يحفز أكباداً بأكباد
شد الإزار على قلب وأورثه ... طيب المعيشة آباد الآباد
أردت قصداً إلى باب على عجل ... صفر اليدين بلا رحل ولا زاد
والدهر ينقض والأيام فانية ... يا بعد دهرك من أيام ميلادي
ما حبب العيش عندي غير واحدة ... خوف المذلة أن تنزل بجد جاد
يا وهب لا تسأمي لما لقيت ردى ... أو تحزني فالذي أسررت لي بادي
لاعرفنك بعد اليوم تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
(1/154)
________________________________________
إني نذرت يميناً لا أفندها ... حتى أجاور قبر العالم الهادي
جدجاد ابنته بكر في حجره لم يكن في وقتها أجمل منها ووهبة أحدى نسائه لم يكن لها نظير وإن جعفر بن قرط قال للأسرى الذين في يده: أقيموا حتى أقارع التنين - وإن التنين آتاه في الوقت الذي كان يأتيه فيه - فأخذ بيده شجرة أم غيلان وأخذ بيمينه خشبة عظيمة، فإذا هجم عليه التنين أدخل الشجرة في فمه وضربه بالخشبة في الرأس، فلم يزل يقاتله حتى كل التنين وانصرف، وانه كان كذلك يفعل وهبت ريح باليمن فهدت الصخر من قنن الجبال وخددت الأرض ونقلت أحقاف الرمل من مكان إلى مكان فزعم أهل اليمن أنها كالريح العقيم هبت من جور عمرو ذي الاذعار فكشف تلك الريح جبلاً من رمل من منبر هود النبي صلى الله عليه وسلم فقال جعفر بن قوط: يا جدجاد دافعت عنكم أهل الدنيا وبأس أهل الأرض ولا دافع لأمر الله وغلبت الرياح النصيح، وأنشأ يقول:
لم يبق يا جدجاد من لذاتي ... إلا نزال الجحفل الكماء
والصفرة الصدق من اللمات ... وراحة النفس إلى الميقات
كم مشهد ارتاع من إبانتي ... وفيلق أزور من قناتي
امنع من نجران والجنات ... ومسقط البحر إلى السفرات
ما واحدٌ قرني ولا عداني ... يرجون مني أسرع الغايات
قارعتهم بالموت بالساعات ... إذ لا زعيم ضامن حياتي
وكل جمع فإلى شتات ... وكل حي في يد الممات
ما جاز حر الشعر عن أبياتي ... بلغت غاية الصفات
(1/155)
________________________________________
يكتب للشعر من الرواة ... فقدك يا جدجاد من فتاة
لابد أن يذهل عن هبات ... قد عبث الدهر على منساتي
منتظراً فيه إلى دعاتي ... إذا أزلت الرحل عن أبياتي
سابقت أيامي إلى ميقات ... أبو بنين وأبو بنات
أحسب في الحي من الأموات ... هل مشتر أبيعه حياتي
وإن الريح هبت فكشفت عن منبر هود عليه السلام دراً وياقوتاً، وعن يمينه عمود من جزع أحمر مكتوب فيه بالمسند لمن ملك ذمار الحمير الأخبار لمن ملك ذمار للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار لفارس الأحرار لمن ملك ذمار لقريش التجار فيقال إن هود عليه السلام كتبه، وأنه من علم الوحي وذمار غمدان ومأرب وصنعاء والعالية وما بينها. ثم رأوا عموداً من جزع أخضر وفيه مكتوب بالمسند على باب مغارة هذا قبر قضاعة بن مالك ابن حمير ملك ثلاثمائة عام أدخل واعتبر وأخرج وازدجر، فدخل جعفر ابن قوط وعمرو بن عباد وشريك بن عمرو وتبان بن ثور فأصابوا شيخاً جالساً على سرير من ذهب أجمل من رأوا وأعظمهم جسماً وعليه ثوب منسوج من ذهب وعلى رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالمسند: أنا قضاعة بن مالك بن حمير سخطت ورضيت. سخطت غدر الأمل ورضيت حلول الأجل من لم يرض بالقدر جهل الخبر ومن لم يقنع بما أعطى تعب ولم يطب له العيش - بعدما كنا زينة للناظرين صرنا عبرة للزائرين - وتحت مكتوب:
أنا رب العتيق وغمدا ... ن وبينون والعراقين حينا
(1/156)
________________________________________
والسديرين والهوى الأبيض القص ... ر الذي شاد عابر للبنبا
وإلى الملك من سبا عبد شمس ... ملك الأرض والأنام مشينا
ولي الأخضر الهنيبق بالطل ... ح أراعي عليه عيرا وعينا
ولقومي يدعو الحجيج لدى البي ... ت يرون الحجيج ذلك دينا
حين كنا على البرية نوراً ... وغياثاً وزينة الناظرينا
فرمانا الزمان منه بصرف ... فمضى حكمه علينا وفينا
من رآنا رأى المنية تحدو ... هـ الينا بذاك حتما يقينا
ثم صرنا من بعد ذاك وهذا ... بالمغارات عبرة الزائرينا
أنا بين الرجاء والخوف أمسي ... ت مقيماً إلى التنادي رهينا
فأمر جعفر بن قرط بالخروج زل يأخذ شيئاً من منبر هود ولا من كسوة قضاعة ومنعهم ذلك وأم جعفر بن قرط أمر لهم بأفراس فحملهم عليها وأدن لهم بالانصراف، فانصرفوا. فلما بلغ عمرو بن عباد منزله هيأ هدية من جمال وخيل وغير ذلك وسار إلى جعفر بن قوط فأصابه في مكانه لم يرحل عن جوار قبر النبي هود صلى الله عليه وسلم فدفع إليه عمرو الهدية فقبلها منه جعفر وكافأه جعفر وأضعف له الهدية ونصب له قبة بعيداً عن الحي وحمل عمرو معه خمراً، وكان استرق النظر فرأى جدجاد فهويها وهو أسير، فلما آتاه جعفر بالطعام أكل وجعل يشرب الخمر. قال له عمرو: اشرب من خمري يا أبا عامر. قال له جعفر: يا بني أنا راعي الحي فإن أنا سكرت ضاع الحي، قال له عمرو: اشرب شرابي فهو بري عندك فاني ضيفك، فلم يزل به حتى شرب وعملت الخمر في الشيخ فصرعته. فقام عمرو بن عباد فسل سيفه وضرب به رأس جعفر وجسده
(1/157)
________________________________________
وأبان رأسه من جسده وأخذ لحيته يجريها رأسه فلما نظر أهل الحي إلى رأس جعفر خضعن خيفة وليس في الحي إلا امرأة وطفل. قال لهم عمرو: زينوا جدجاد حتى أخلو بها، قالت لهم: بلقيس: ويلكن اني أيدة ليس في الرجال مثلي ولا من يدافعني وقد أعديت مدية خوصية للملك عمرو ذي الاذعار - وهي أول ما عملت من الخوصيات باليمن مكراً فجعلت نصاب المدية ذهباً ورأس النصاب ياقوتة زرقاء فتدخلها من مفرقها في قرونها حتى تخرج رأس المدية من شعر قفاها وتبقى الياقوتة والذهب على جبينها وهي زينة لا يدري ما وراء ذلك، فزين بلقيس
ثم أتين بها إليه فقالوا: هذه جدجاد. وكانت بلقيس أجمل من جدجاد ومن نساء زمانها، فلما رآها أنكرها وعلم أنها ليست جدجاد، غير إنه رأى ما غلب على عقله، فلما خلا بها في القبة هم بها قالت له: يا عمرو إن الأبكار من النساء كالإناث من الخيل لا يمسحن إلا عن صهيل ومجابذة، وإنما أرادت أن تعلم أين هو من قوتها، ومد يده إليها ورأى إنه حاكم عليها فجذبها إلى نفسه ودافعته فغلبت عليه فأخذت يديه جميعاً بيدها الواحدة فأمسكته، فلم يستطع معها حراكاً، ثم مدت يدها إلى قرونها فسلت المدية فضربت بها نحره، فلما وجأته ومات أخذت برجليه تجره في الحري وتقول: قليل لك هذا مني يا أبا عامر، ثم قالت: لهن أسرجن فرس أبي عامر فركبته ولبست لامة أبي عامر وقالت ارتحلن من قبيل أن يشيع قتل أبي فيتخطفكن العرب من هذا الشعب. فرحلن ومشت خلفهن بلقيس كما كان أبو عامر يفعل. ولما رجعن إلى علعال بكين جعفراً وشاع قتله في العرب وعرف عمرو ذو الاذعار مكان بلقيس فأرسل عمرو فأخذها وقالت لأخيها: لي حيل إذا لقيت عمراً أخدعه وأنت لا حيلة لك إلا الموت فاهرب، فهرب عمرو بن الهدهاد - أخو بلقيس - إلى البحر مكتتماً في زي أعرابي فلم
(1/158)
________________________________________
يعلم به أحد. وسارت بلقيس حتى دخلت على عمرو ذي الاذعار، فأمر بالخمر ينادمها كما كان ينادم بنات الملوك ويفعل بهن، فلما أخذت الخمر منه هم بها، قالت له: أيها الملك سترى مني من المال أكثر مما رأيت من الحرص وحاجتي فيك أعظم من حاجتك في، وسامرته أحسن مسامرة، فألهاه ما سمع منها وما أعطته من نفسها من القرب وهي تعمل فيه بالخمر دأباً حتى علمت أن الخمر عملت فيه، فقامت إليه وسلت مديتها من قرونها ثم نحرته، فلما مات جرته فألقته في ركن مجلسه وألقت عليه بعض فرش المجلس، ثم خرجت إلى الحرس في جوف الليل وقالت لهم: يأمركم الملك بفلان أن تأتوا به، فلما أتوا به وكان يتبعه ألوف من حمير، فلم تزل ترسل
إلى ملوك حمير وأبناء الملوك المسموع منهم المتبوعين، فلما اجتمعوا إليها في قصر غمدان خرجت عليهم فقالت لهم: إن الملك قد تزوجني على أني برئت إليه من ملكي في حياته وأنتم تعلمون إنه لا يولد له، فلما علم مني الخضوع بحقه والاستسلام لإرادته والطاعة لأمره فوض إلي بعده ورآني أهلاً له وأمرني أن آخذ عليكم بذلك عهداً. قالوا: سمعاً وطاعة للملك فيما أراد، فأخذت عليهم العهد أن لها الملك بعد عمرو، فلما توثقت منهم قالت لهم: هل تسمعون من الملك فأدخلتهم المجلس قالوا لها: أين الملك؟ قالت لهم: ها هو ذا وكشفت عنه فرأوه قتيلا، قالوا لها من فعل هذا؟ قالت لهم: أنا ولي العهد عليكم بالملك بعد موته وهذا هو قد مات وعهدي لكم لازم، قالوا لها: أنت أولى بالملك إذ أرحتنا من هذا الرجس الجائر. فوليت بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل ملكهم.

ملك بلقيس بنت الهدهاد ملكة
فوليت بلقيس ملك حمير وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه ويزعم بعض الرواة أن تبع عمراً ذا الاذعار لم يمت من سقط شقه من الفالج
(1/159)
________________________________________
ولذلك قتلته بلقيس وكان ملكه مائة سنة وخمساً وعشرين سنة فرثاه المضرب بن وائل بن يعفر بن عمرو الحميري فقال شعراً:
عجبت للدهر وأوانه ... وصرف أيام له فانيه
فبينما المرء يريد الهوى ... إذ مال لا يبقى على باقيه
لو كان هذا الدهر إذا جاءنا ... يختلف العبد وذا الداهية
لو يعلم الدهر بما قد أتى ... لم يعلن البيان من ناعيه
حال عن الدنيا بصرف الردى ... يختلس الحاضر والبادية
عم على ملك لنا قاهر ... مالك أنس في ذرى ساميه
وملك حيان هم أصله ... لم يكن الباقي بذي راقيه
أخرج ذا الأذعار من ملكه ... ولكن الدنيا إلى ناهيه
لم تلبس الشمس سرابيلها ... على مليك كان ذا تاليه
قد خسف البدر ولاذت به ... لما تولى الأنجم السارية
وقال عمرو بن الهدهاد بن شرحبيل يهجو عمراً ذا الأذعار: وهو أول هجو كان في العرب:
أصبح ذو الاذعار في رمسه ... يأكله الجور الذي قدما
لم يحمد الله له سعيه ... ولم يحرم دهره محرما
لم تبك عين بعده حسرة ... ولم ير الدهر له مكرما
محت ضياء الدهر أيامه ... فأصبح الدهر له اسحما
اربدَّ وجه الدهر من دهره ... فظل عرنين الرضى أكشما
عاصاه وجه الحق لما دعا ... إلى ردى الجور الذي جحما
ينزل عن رفع العلى هابطاً ... ولم ير الدهر له سلما
كم من فتاة طفلة غادة ... تذكر من يوميه ما أحرما
(1/160)
________________________________________
وكم كريم ما جد سيد ... ممن حمير الأنجاد قد أوسما
شكت وجوه العدل أيامه ... أسلمه الحق الذي اسلما
قال أبو محمد: لما وليت بلقيس الملك قالت حمير رجع الملك إلى نجلته الأولى وذلك أنها من نجلة يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ - وعمرو ذو الاذعار نجلة الملطاط بن سكسك، فكان الملك لأخيه يعفر بن سكسك وفي بيته من قبل الملطاط وبيته، وذلك إنه عمرو ذو الاذعار بن أبرهة ذي المنار بن الصعب ذي القرنين بن الحارث ذي مراثد بن الهمال ذي مناح بن عاد ذي شدد بن الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير - فلما وليت بلقيس الملك جمعت الجيوش العظيمة وسارت إلى مكة فاعتمرت وتوجهت إلى أرض بابل فغلبت على من كان
بها من الناس وبلغت أرض نهاوند وأذربيجان، ثم قفلت إلى اليمن وكان حرسها الرجال الذين يوازرونها وبطانتها النساء، وكانت لا أرب لها في الرجال، وأنها لما غلب عليها رسول الله سليمان بن داود صلى الله عليهما تلوم أمره فيها حتى آتاه الوحي ببراءتها من ريب الجاهلية فتزوجها وهي جارية عذراء، وكان معها ثلاثمائة وستون امرأة من بنات أشراف حمير، وكانت تحبس الجارية حتى تبلغ، ثم تحدثها حديث الرجال فإذا رأتها قد تغير لونها ونكست رأسها عرفت أنها أرادت الرجال فسرحتها إلى أهلها ووصلتها وزوجتها وأحسنت إليها ولا تزوجها إلا من أشراف قومها، وإذا رأتها مستمعة لحديثها معظمة لها أطالت النظر غير متغيرة اللون ولا مستحية من الحديث علمت أنها لا تريد فراقها وإن
(1/161)
________________________________________
الرجال ليسوا من بالها، فكانت بلقيس صائنة لنفسها غير واقعة في المساوئ ولا غافلة عن المكارم فكان ملكها قبل سليمان بسبع سنين. فلما أراد الله إكرامها بسليمان خرج مخرجاً لا يريد إليها، وذلك إنه لما بلغ ملك حمير مبلغاً لم يبلغه أحد من أهل الدنيا عظمت نفوسهم وتكبروا وتجبروا (ولله الكبرياء والجبروت) فأراد الله أن يريهم قدرته فأرسل الله سليمان بن داود بن ايشا بن حصرون بن عموم بن ناهب بن لاوي بن يهوذا بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم، وأعطاه الله ملكاً لم يعطه أحداً من قبله ولا ينبغي لأحد من بعده فأتى إلى حمير بالآيات التي لا يستطيع مخلوق أن يأتي بها تقله الرياح كما قال الله عز وجل {غدوها شهر ورواحها شهر} وتظله الطير وعلمه منطق الطير ومنطق كل شيء فما من شيء يسبح بحمده إلا فهم تسبيحه وتسير معه الجبال إذا أقلته الرياح تسبح بتسبيحه وسخرت له الأنس والجن والشياطين كما قال الله جل ثناؤه {كل بناء وغواص} لما أراد الله أن يهدي بلقيس وحمير، فبعث الله نبيه سليمان بالآية الباهرة التي بهرت عقولهم، فخرج سليمان مخرجاً لا يريد إليها فقضى أن يمر
على بلدها وهو يريد غيرها وكان إذا ركب غدا من تدمر وكانت منزله فيقيل يا صطخر من أرض فارس، ثم يروح فيبيت بكابل فغدوها ورواحها مثل هذا المسير إلى كل وجه أخذ إليه - وقول الله أصدق القائلين {غدوها شهر ورواحها شهر} - وأمر سليمان الريح فأقلت عرشه وأمرها أن تنقل كراسي جلسائه، ثم جلس على عرشه وأجلس الأنس عن يمينه وشماله وأجلس الجن من ورائهم على مثل ذلك منهم قاعد
(1/162)
________________________________________
وقائم. ثم قال للريح أقلينا وقال للطير: أظلينا، فأقلته الريح وأعلته الطير ومن معه من الأنس والجن من الشمس والخيل واقفة والطباخون في التوابيت جلوس على أعمالهم، وأمرها سليمان بالمسير لا تزيل أحداً منهم عن مجلسه ولا تفسد عملاً في يده حتى يأذن لها في وضعهم على الأرض ففعلت، وإن سليمان سار في المشرق متوجهاً من تدمر ثم توجه من المغرب فمر بموضع المدينة فأمر الريح فوقفته تم أمر أصحابه بالهدو وقال: أنها مهاجر نبي يخرج في آخر الزمان من العرب اسمه أحمد وهو خاتم النبيين أكرم مخلوق عند الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم سار إلى مكة فقال: هذا بيت الله الذي بناه إبراهيم أبي، وهو أول بيت وضع في الأرض، أمر الله به آدم يبنيه فبناه، فنزل سليمان فصلى فيه، ثم سار إلى مدينة مكة ومر بقبر إسماعيل صلى الله عليه وسلم فنزل إليه وألم به وكان ملك مكة يومئذ البشر ابن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عبد المسيح بن نفيلة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود النبي صلى الله عليه وسلم - وكان البشر عاملاً لبلقيس على من كان بمكة وبالحجاز، وكان نبت بن قيدار بن إسماعيل النبي بمكة يومئذ وبنو عمه فأتى البشر إلى سليمان مستجيراً مستسلماً، فأمره سليمان أن يبرأ من أمر مكة إلى نبت قيدار ابن إسماعيل وأقر البشر وجرهم على القيام بالبيت - كما فعل إسماعيل - ثم سار سليمان بن داود نحو أرض اليمن حتى نزل بنجران على القلمس بن
عمرو - وهو أفعى نجران - وكان من بني عبد شمس بن وائل بن حمير ابن سبأ وهو عامل بلقيس على نجران والمشلل إلى البحرين وما والاهما من البلد. وكان القلمس أفعى نجران أحكم العرب في وقته كان حكيماً بما يظهر للناس في وقته وبما بطن عنهم - فلما رأى طوالع عساكر سليمان
(1/163)
________________________________________
طلعت، فتواضع وذل وقال: تواضع وذلة تحت عز وسلطنة أن هذا شأن سماوي، وإن القلمس أفعى نجران جمع أهل نجران وهي دار العلم وقال: يا أهل نجران أنتم أهل العلم الأول هل عندكم من هذا العلم؟ قالوا له: ما لم يكن عندك يا سيدنا وأنت جهبذ العالم فيكون عندنا، قال لم: إني البس لهم مسا وباءة وأسير إليهم بثلاث: بكهانة وطب وحكمه، فإن كان فيهم نبي لم يحتاجوا إلى طبي وكمتي لأن فيم طبا أبلغ من طبي ولا يسمعون من حكمتي لأن فيهم من حكمة الوحي أحيا من حكمتي ولا يلتفتون إلى كهانتي، لأن فيهم من علم الوحي أصدق من كهانتي، فلبس القلمس المسح - وكان أول من لبس المسح يعقوب النبي تواضعاً لله - وحرم الشحوم لي نفس ويعقوب هو إسرائيل ولي الله باللسان السرياني ومعنى أسرا ولي وايل الله وجبرائيل رسول الله جبرا رسول وايل الله وعزارائيل عبداً لله عزرا عبد وايل الله وميكائيل صفي الله ميكا صفي وايل الله فسار الملك القلمس بن عمرو الحميري حتى دخل عساكر سليمان فتعرضهم بالكهانة فلم يسألوه وعرض الحكمة فلم يلتفتوا إليه وعرض الطب فلم يسمعوا منه فتركهم ومضى إلى سليمان فرأى الريح تقله والطير تظله فرأى ملكاً عجيباً، فدنا من سليمان فقال سليمان: يا آصف - وكان آصف كاتب سليمان - سبحان قاصف الجبابرة ذلك عميد نجران المبتكر ادعه فقال له آصف: هلم الرجل؟، فلما وقف بين يدي سليمان سبح سليمان فسبحت الجبال فقال أفعى نجران: بطلت حكمتي ثم نظر إلى البقل بين يدي سليمان فكل بقلة تقول له: يا نبي الله اسمي كذا ذا لكذا فقال أفعى نجران: بطل طبي ثم قال لسليمان: إن هذا
عميد نجران
(1/164)
________________________________________
له من الأمر أمران بين ضلال وبيان، فآمن أفعى نجران وصدق بما أتى به سليمان. ورجع أفعى نجران إلى قومه فقالوا: ما رأيت؟ قال: يا قوم {الرائد لا يكذب أهله} فأرسلها مثلاً ول يظهر لهم إنه أجاب سليمان إلى ما دعا إليه اتقاهم عن إيمانه، ثم بعث إلى بلقيس يخبرها بخبر سليمان وكتمها إيمانه وكتب إليها، فقال لها: إني رأيت قوماً لبسوا الذل تحت العز والفاقة تحت الغنى والصبر تحت القدرة ينصرون بلا حرب ويقدرون بلا استطالة فكتبت إليه بلقيس: تفعل الملوك ذلك يستميلون أهواء العالم حتى يقدروا فإذا قدروا عزوا فبزوا ولكن لا تحاربهم ودعهم فليس كل الناس صائناً لنفسه، فإن سرقوا فليسوا بأهل دين، فخلى أفعى نجران بينهم وبين الزرع فلم يأكلوا منه سنبلة، فأرسل إلى بلقيس أعلمها فكتبت إليه: أن ادفع إليهم الخف والظلف ففعل فلم يأخذوا منه شيئاً ورجعت إليه كما سارت، فأعلم بذلك بلقيس. فأرسلت إليه: ادفع إليهم الخيل ذكوراً إناثاً، ففعل فلم يأخذوا شيئاً ورجعوا على حالهم. فبعثت إليه أن ابعث إليهم بجارية حسناء وأعطها شيئاً تطوف به على عساكرهم حتى تغمر بها فأرسل أفعى نجران ابنته، ولم يكن في وقتها أجمل منها، فطافت في جميع عساكر سليمان، فكانوا يساومونها ولا يرفع إليها رأسه أحد حتى انتهت إلى سليمان فنظر إلى مال في يدها ولم ينظر إليها فرجعت وأعلمت بذلك أباها فكتب بها إلى بلقيس، فكتبت إليه: كف ومل إلى سلمه ولا تعرض أجنادنا إلى أمر الله فإن الله لا يغالب. ثم رف سليمان حتى كان من مأرب مدينة سبأ على مسيرة ثلاثة أيام، أراد النبي سليمان النزول - وكان لا ينزل إلا على الماء - وكان الهدهد الذي يدله على الماء وكان الهدهد الذي يدله على الماء فتفقد الهدهد لأنه دخلت عليه الشمس من موضعه وكان مثل البطة. وقال الله تبارك وتعالى {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى
(1/165)
________________________________________
الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين}.
قال أبو محمد عن أسد عن أبي إدريس عن وهب عن ابن عباس، إنه قال: لأعذبنه عذاباً شديداً، أي للأنتف جناحيه حتى لا يطير مع الطير. وقوله بسلطان مبين: العذر البين والسلطان: الحجة. وكان الهدهد تقدم من ذلك الموضع فلقي هدهداً من أرض مأرب فقال ذلك لهدهد سليمان: أخبرني ما هذا الذي أرى ما رأيت ملكاً أعجب من هذا الراكب الريح ومعه من الجنود ما أرى لم أره ولم اسمع به؟ قال له هدهد سليمان: هذا سليمان ابن داود نبي الله قال: فمن آنت قال: أنا من أرض سبأ قال له هدهد سليمان فمن ملكهم؟ قال: ملكتنا امرأة لم ير الناس مثلها في حسنها وفضلها ورأيها وحسن تدبيرها وكثرة جنودها والخير الذي أعطيته في بلدها وأمها من الجن، مع هذا وهي من ولد حمير، فقال: انطلق بنا إليها. فانطلقا حتى نظر إليها ورجع إلى سليمان - قال الله تبارك {فمكث غير بعيد فقال: أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين أني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} قال {سليمان}: {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم، ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون} فكتب سليمان كتاباً ودفعه إلى الهدهد فأخذه الهدهد بمنقاره وانطلق حتى انتهى إليها فكان بحيال رأسها حتى حاذى تاجها وهي على عرشها ألقى الكتاب فوقع في حجرها فنظرت إليه ونظر الناس إلى طائر رمى الكتاب فقالوا: رمى إليك كتاب من السماء فخاضوا في ذلك، ثم أنها بعثت إلى مقاول حمير وكانت أول من استشار المقاول من حمير فقالت لهم: ما ذكر
(1/166)
________________________________________
الله في القرآن {يا أيها الملأ أني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلو علي وآتوني مسلمين. قالوا: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظر ماذا تأمرين؟ قالت (لهم تمتحنهم): إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها
وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، واني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون}.
قال أبو محمد: بعثت إليهم بهدية اختارت أربعين رجلاً لم تدع في أبناء الملوك أجمل منهم ولا أعقل ولا أشد ثقة ولا أبعد غاية ولا أعلى صوتاً فعنفهم صوتهم قبل أن يصلوا إلى سليمان وأرسلت إليه معهم بهدية تمتحنه بمائة وصيف ومائة وصيفة ولدوا في شهر واحد كما ولدوا في ليلة واحدة، وأرسلت إليه بحق مملوء ذهباً وفضة ودراً وياقوتاً وزبرجداً وزمرداً وختمت على الحق ولبست الوصائف والوصفاء زياً واحداً ليظن من رآهم كلهم غلمان، وأرسلت إليه بخيل عتاق ذكور وإناث وقالت لرسلها: مروه يخبركم بفرق بين الذكور والإناث من هذه الخيل بعضها من بعض من غير أن يخبره أحد، ومروه أن يخبركم بما في هذا الحق من غير أن يفكه. قال: فتوجه رسلها حتى بلغوا إلى موضع لا يدركهم أحد. فقال بعضهم: أن سئلتم عن شيء فعليكم بالحق الذي لا اختلاف فيه وإياكم أن يجيب كل واحد عن نفسه فيقع الاختلاف فيرتاب بكم، فمضوا وجمعت بلقيس أشراف حمير فقالت: خذوا في أهبة الحرب، فجمعت الجيوش واستعدت للحرب وقالت لقومها: إن هو قبل الهدية ولم يرد الحرب ودعا إلى الله فهو نبي فاتبعوه وإن هو لم يقبل الهدية ولم يعلمنا
(1/167)
________________________________________
بما سألناه فهو ملك من ملوك الدنيا حاربناه فما لأحد بنا طاقة وإن كان نبياً فما لنا بالله طاقة - فلما أتت الهدية إلى سليمان نسب لهم الخيل بعضها عن بعض وميز الغلمان عن الجواري في لباسهم وأخبرهم بما في الحق من عدد الياقوت والجوهر والزبرجد والزمرد ووزن العقيان واللجين. فأجابه الرسل وصدقوه إلى ما دعاهم إليه من طاعة الله، ثم دعا عفريتاً من الجن يأتي بعرشها - وكان عرشها ذهباً صامتاً مرصعاً بالدر والياقوت عشرين في عشرين ذراعاً وتاجها كالعنقل معلق إلى رهو المجلس بالسلاسل فقال العفريت {أنا آتيك به
قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي آمين} قال آصف بن برخيا - كاتب سليمان وقد كتب الوحي الذي أمر الله به سليمان -: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. فأمر سليمان الريح فأقلت آصف أسرع من طرفة عين فأتى إلى العرش وهو في قصر غمدان ودونه عشرة حجب بالمجالس في كل مجلس حرس، فأمر آصف الريح فأقلته وأمسك آصف صدر العرش فأتى به سليمان وكان سليمان لا يحتجب عن آصف عند نسائه - فأتاه بالعرش، وأمر سليمان الجن والأنس فبنوا له مجالس لم يبن مثلها فجعل العرش في أقصى المجلس ولما رأى سليمان العرش من ذهب ولؤلؤ وجوهر قال: {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون}.
قال ابن عباس: زيد فيه جوهر وياقوت ونقص منه. وقال ابن عباس: للقرآن ظاهر وباطن: فعندي لظاهره تبيان ولباطنه علم يهتدي به إليه من اعتصم بالله. وإن وفد بلقيس الذين أوفدت إلى سليمان آتوها فأعلموها بما
(1/168)
________________________________________
رأوا وبإيمانهم. فأمرت بالجهاز وسارت في مائة رجل وعشرين رجلاً من أشراف قومها ورؤسائها وأخيارها مع كل رجل من وجوه جنده وأفاضل أصحابه وقادة خيله مائة رجل، ثم جمعت أبناء الملوك، ثم قالت: معاشر حمير أنتم تلاد الله اصطفاكم من أول الدهور وفضلكم بأفضل الأمور وقد ابتلاكم بهذا النبي سليمان بن داود، فإن آمنتم وشكرتم زادكم نعمه وإن كفرتم سلبكم النعم وسلط عليكم النقم. فقالوا لها: الأمر إليك وعلموا إنها شفيقة عليهم ناصحة لهم فخرجت إلى سليمان في مائة ألف واثني عشر ألفاً وتركت جميع أجنادها بغمدان وبمأرب فتركها ثلاثة أيام فقال لها قومها: ما في أمر هذا الرجل أتريدين الدخول في طاعته أم تحاربينه أم تقولين إنه نبي؟ قالت لهم: سأعلمكم منه ما تعرفون أنبي هو أم ملك من هؤلاء الملوك انظروا إلي إذا أنا دخلت عليه فإن هو أمرني بالجلوس فهو ملك من هذه الملوك
لأن الملوك لا يجلس عندهم إلا بإذنهم وما أقل من يجلس عندهم إلا خاصتهم وإن هو لم يأمرني ولم ينهني فهو نبي ومع إني أساله عن أشياء إن هو أخبرني عنها فهو نبي وأنا داخلة في أمره ولا طاقة لكم بمحاربته قال: فأمر سليمان الجن فجعلوا له عن يمينه وشماله حائطين مموهين بالذهب وبنوا من وراء ذلك دراراً ومجلساً وجعلوا أرض الدار لبناً مموهاً بالذهب غير موضع لبنة واحدة، ثم أذن لها بالدخول، فلما رأت الحائطين ودخلت الدار فرأت أرضها وحيطانها من ذهب تقاصر إليها ملكها ورأت شيئاً لا يشبه ما كانت فيه وسليمان في مجلسه في أقصى الدار ومعها لبنة من ذهب في يدها تريد إن أمرت بالجلوس أن تجلس عليها فنظرت فإذا هي على بابا مجلس سليمان من خارج بموضع لبنة من فرش الدار ليس فيها لبنة فكرهت حين رأت ذلك أن تمضي بما في يدها بها فرمت باللبنة في الموضع الخالي وسليمان
(1/169)
________________________________________
ينظر فلما دخلت عليه وسلمت وحيته تحية الملوك وتواضعت له كما يتواضع للملوك تمتحنه بذلك. فقال لها سليمان: أهكذا عرشك؟ قالت له: كأنه هو، ثم قامت بين يديه فلا يأمرها ولا ينهاها عن القيام حتى إذا طال ذلك منها قال سليمان ورفع رأسه إليها: الأرض لله فمن شاء فليجلس ومن شاء فليقم. قالت: الآن علمت أنك نبي، قال: ومن أين؟ قالت: إنه لا يجلس عند الملوك إلا بإذنهم وأما القيام فعندهم يقام وما أقل من يقعد عندهم إلا من كان من خاصتهم، لكنك قلت مقالة أهل العلم بالله وقد أتيتك وأنا أريد أن أسألك عن ثلاث خصال فإن أنت أخبرتني بهن دخلت في طاعتك وإن لم تفعل فعلت رأيي فيما بيني وبينك. قال سليمان: فسلي ولا قوة إلا بالله. قالت: اخبرني عن ماء روي ليس من أرض ولا سماء، وأخبرني عن تشبيه الولد أباه وأمه ومن أين يأتيه ذلك، وأخبرني عن لون الرب تبارك وتعالى - سألته عن ذلك وهي جالسة مما يليه على كرسي - والأنس والجن عن يمينه وشماله. فقال سليمان للإنس: هل عندكم
في هذا شيء؟ قالوا: يا نبي الله لا علم لنا. قال للجن: هل عندكم في هذا شيء؟ قالوا: لا علم لنا يا نبي الله، ثم قال سليمان للجن: اركبوا هذه الخيل فأجروها فإذا تصبب عرقها فخذوه وجيئوني به. ففعلوا وآتوه بماء كثير من عرق الخيل فقال لها: هناك يا بلقيس ما روي من أرض ولا سماء. قالت: أجبت عن هذه فماذا تقول في الخصلتين؟ قال لها: أما شبه الولد، فإن النطفة إذا سبقت من الرجل كان الشبه له وإن سبقت من المرأة كان الشبه لها قالت: صدقت، قالت: فالخصلة الثالثة؟ قال لها: تبارك وتعالى عن سؤالك وأنا راغب إلى ربي، فرغب سليمان إلى ربه في مجلسه ذلك فأوحى الله إليه - إني قد أنسيتها ذلك فاسألها عنه فسألها -
(1/170)
________________________________________
فقالت: ما أدري ما سألتك عنه يا نبي الله فعرض عليها سليمان الإسلام. فقالت: انظر في أمري هذا يومي هذا، فقالت الجن: كنا نصيب في سليمان رحمة النبوة، فيسأل عما نريد فإذا هو تزوج بلقيس أتتنا فطنة الجن وحيل الأنس وكيد النساء فلم نصب راحة فكيف إذا اجتمعت مع أعوانها من الجن والأنس أهل القسوة والتطاول على من دونهم لم نأمن على أنفسنا الهلكة يحجب عنا كل خير وينزل بنا كل سوء وشر. تعالوا فلنزهده فيها فإنه قد ذكر إنه يريد يتزوجها، فقال لهم عفريت من الجن يقال له زوبعة: أنا أكفيكم سليمان. فآتاه فقال له: يا نبي الله بلغني أنك تريد تزويج بلقيس وأمها من الجن ولم تلد جنية من أنثى قط ولداً إلا كان رجلاه مثل حافر الحمار وساقه أجمان صلب القسوة حاد النفس حار الجسم، قال سليمان: فكيف لي أن أنظر إلى ذلك منها واعلم من غير أن تعلم ما أريد به منها؟ قال له زوبعة: أنا أكفيك ذلك. فصنع زوبعة لسليمان مجلساً كمن قوارير وجعل أرض المجلس لجة وسرح فيها السمك، ثم جعل فوق ذلك صرحاً ممرداً من قوارير، ثم قال له: أرسل إليها فلتدخل عليك فإنك ترى الذي تريد. فبعث إليها وهو على كرسيه في البيت مجلس غيره، فلما رأت الماء والسمك تجول ضربت
ببصرها لتنظر مكاناً تجلس فيه فلم تجد، وحسبته لجة، فكشفت عن ساقيها لتخوض الماء فلما رآها سليمان ونظر إلى ساقيها عليهما شعر كثير أسود على بياض ساقيها، قال لها سليمان: لا تكشفي عن ساقيك إنه صرح ممرد من قوارير. فنظرت فإذا
(1/171)
________________________________________
ملكها ليس هو شيء عند ملك سليمان وأيقنت أنها آية من عند الله ليس من تملك المخلوقين فقالت: يا نبي الله ظهر الحق وذهب الباطل، ثم قالت {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}. فلما نظر سليمان إلى شعر ساقيها ورأى جسمها أحسن جسم صرف وجهه عن ساقيها للشعر الذي رأى، فعلمت بلقيس إنه إنما صرف بصره ووجه للشعر الذي رأى قالت: يا نبي الله إن الرمانة لا يدري ما هي حتى تذاق. قال سليمان: ما لا يحلو على العين لا يحلو على الفم، ثم تلوم سليمان أمره في بلقيس شهراً حتى أنزل الله عليه براءتها من ريب الجاهلية، فلما عزم سليمان على تزويجها، قال له رجل صالح من الجن - كان يجب ما وافق سليمان: يا نبي الله هل كرهت منها إلا الشعر؟ قال: بلى، قال: إني سأتركها لك مثل الفضة من غير عيب، قال له: افعل. فصنع لها النورة وبعث بها إليها واتخذ لها الحمام - قال بعض أهل العلم: كانت أول نورة عملها مخلوق وأول حمام صنع ذلك الجني وصنع لها ذلك الجني صرحين ممردين وضروب الصناعات - وتزوجها سليمان فأعجب بها وبعقلها وتدبيرها بحسن رأيها فولدت له داود ورحبعم فأما داود فمات في حياة سليمان أبيه وبقي رحبعم بعد سليمان وسرح بلقيس على ملكها ونزلت بمأرب، فكان يأتيها سليمان في كل شهر مرة فيقيم عندها سبعاً ثم يسر في الأرض، وكان يعينها بالشياطين يعملون لها. فعامة صناعات أهل اليمن من قبل الشياطين وافترقت عنهم في الناس شرقاً وغرباً.
وان سليمان أمر الريح فسارت به إلى الأحقاف ليزور قبر هود النبي صلى الله
عليه وسلم، فسار حتى نزل في الأحقاف ودخل إلى قبر هود ورآه ثم انصرف ومر على البحر حتى بلغ عدن.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

قال أبو محمد: لما بلغ سليمان إلى عجز الأحقاف أمر الريح فأمسكت، ثم قال: وأشار بيده هناك ولي الله حنظلة بن صفوان صدق وكذبوه فنجا وهلكوا وإلى الله المصير.
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ذكرت أحاديث القبور في مجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتشعبت بنا فيها فنون كثيرة فلن يبق منا أحد إلا حدث حديثاً، فأقبل رجل من جهينة يسمى جفينة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (وعند جفينة الخبر اليقين) ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: قد أتى من يحدث فيحسن. فلما سلم ثم جلس ثم قال: أفيكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلنا له: هذا رسول الله، فقام إليه مسرعاً فقبل يده فنفضها عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: إن هذا حمقة من حمقات الأعاجم كانوا يستطيلون على الناس بتجبرهم، فإذا جلسوا في مجالسهم فدخل عليهم من هو دونهم تملقهم بهذا يستجلب رأفتهم وإن تحية الإسلام المصافحة فقال: يا رسول الله أني أتيتك من ظهراني قوم جربتهم فقست قلوبهم ومرنت على التكذيب جلودهم وإني أحببت الإسلام وأتيتك فيه راغباً فاشرح لي إعلامه وادللني على فرائضه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بن عباس علمه من ذلك ما يفقهه. فمكث أياماً فتعلم السنة وقرأ سوراً من القرآن وحسن فقهه. وإن الأيام جمعتنا وإياه في مجلس كما كنا أول مرة فأعدنا ما كنا فيه من أحاديث القبور، فقال جفينة: حدثني أبو قنبرة بن الغسان عن أشياخه قالوا: نزلت بنا جحره
(1/173)
________________________________________
أزمة سنة شديدة أكل الناس خيلهم، فلما أكلوا خيلهم مطيهم فكانت الذخائر التي لا يفضي إليها إلا في الجهد الشديد، فلما
أفنوها تتبعوا خشاش الأرض من الحرشة وأولادها من شدة الأزل فخرجت جماعة من الحي في طلب النبات فاشرفوا على هجل ذي نبات جم، فلما توسطوا ساحته رأوا غيراناً متقابلة تأوي إليها السباع وجن عليهم الليل في بعض ما كانوا يطلبون فأووا إلى غار منها وهم لا يعلمون البلد الذي هم فيه، فإذا فيه أولاد سبع. قال: فحدثني رجل منهم يقال له مالك قال: فرأيت في الغار أشبالاً حين شدت قال فخرجنا هاربين قال: فدخلنا وهدة من وهاد الأرض بعدما تباعدنا من ذلك الموضع فأصبنا على باب الوهدة حجراً مطبقاً فاعتلونا عليه فقلعناه فإذا رجل عليه جبة صوف في يده خاتم عليه مكتوب: أنا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس، رسول الله وعند رأسه صحيفة نحاس مكتوب فيها بعثني الله إلى عريب وهمدان والعرب من اليمن بشيراً ونذيراً فكذبوني وقتلوني. قال: فأعادوا عليه الحجر كما كان والصخرة في مكانها كما كانت.
عن هشام عن أبي يحيى السجستاني عن مرة بن عمر الأيلي عن الاصبغ بن نباتة قال: أنا لجلوس ذات يوم عند علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في خلافة أبي بكر إذ اقبل رجل من حضر موت لم أر قط أطول منه ولا أكره وجهاً، فاستشرفه الناس وراعهم منظره وأقبل حتى وقف فسلم وحيا ثم جلس فكان كالقائم فكلم أدنى القوم إليه مجلساً وقال: من عميدكم؟ فأشاروا إلى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وقالوا: هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعالم الناس والمأخوذ عنه. فنظر إليه
(1/174)
________________________________________
علي فقال. أجلس أيها الرجل. فقال: أنا جالس أيها الهادي فقال له علي: من حضر موت أنت؟ قال: نعم. ثم قام إليه الحضرمي فقال:
أسمع كلامي هداك الله من هادي ... وأفرج بعلمك عن ذي لوعة صادي
جاز التنائف من وادي السكاك إلى ... ذات الاماحل من بطحاء أجياد
تلفه الدمنة البوغاء معتمداً ... إلى السداد وتعليم بإرشاد
سمعت بالدين دين الحق جاء به ... محمد وهو قرم الحضر والبادي
فجئت متنقلاً من دين طاغية ... ومن عبدة أوثان وأنداد
ومن ذبائح أعياد مضللة ... نسيكها خائب ذو لوئة عادي
فادلل على القصد وأجل ريب عن كبدي ... بسرعة ذات إيضاح ورشاد
والمم بفضل هديت اليوم من شعثي ... ثم أهدني أنك المشور في النادي
إن الهداية والإيمان شافية ... عن العمى والتقى من خير ازواد
وليس يفرج ريب الكفر عن أحد ... أضله الجهل إلا حية الوادي
قال: فأعجب علياً شعره وقال له علي: لله درك ما أرصن شعرك! قال: فسر به وشرح له الإسلام، فأسلم على يديه وحسن إسلامه، ثم أن علياً سأله فقال له: أعالم أنت بحضر موت؟ قال: إذا جهلتها ما أعلم غيرها. قال: أتعرف موضع الأحقاف؟ قال له: كأنك تسأل عن قبر هود النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال له علي: لله درك ما أخطأت. قال: نعم، خرجت في عنفوان شبابي في غلمة من الحي ونحن نريد أن نأتي قبيره لبعد صوته فينا وكثرة ذكره فسرنا في بلاد الأحقاف أياماً وفينا رجل
(1/175)
________________________________________
عرف الموضع حتى انتهينا إلى كثيب أحمر فيه كهوف مشرفة فانتهينا إلى كهف منها فدخلناه. فأمعنا فيه طويلاً، فانتهينا إلى حجرين قد طبق أحدهما على الآخر وفيه خلل يدخل منه النحيف متجانفاً، فدخلته فرأيت رجلاً على سريره فإذا مسست شيئاً من جسده أصبته رطباً لم يتغير، ورأيت عند رأسه كتاباً بالمسند: أنا هود النبي آمنت بالله وأشفقت على عاد بكفرها وما كان لأمر الله مرد فقال لنا علي - رضي الله عنه -: كذلك سمعت من أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم.
قال أبو محمد: لما نزل سليمان عدن وسار من اليمن بعتاق الخيل من بقايا خيل
الصعب ذي القرنين، أخرجت إليه الخيل من البحر الخيل الخضر فأعجبته وفتن بها فطفق مسحا بالسوق والأعناق فأنسته التسبيح والتهليل. وقال لعض أهل العلم: بل نسي صلاة العصر، ذم ذكر الصلاة والتسبيح فقال: ليبلوني أأشكر أم أكفر، فأمر بالخيل الخضر فعقرت فزعموا أنها ردت إلى البحر. ثم سارت به الريح حتى بلغ تدمر وكان لخاتمه نور يقوم بين السماء والأرض فيزدحم عليه الطير في الهواء على رأس سليمان. ثم أن خاتم سليمان سقط من يده فذهبت الطير وسكنت الريح لما أراد الله أن يرى سليمان ومن معه من المؤمنين أن الدنيا وما فيها إلى زوال، ثم سلب الله سليمان ملكه ليبتليه، فلما سلب ملكه علم إنه لما نسي من ذكر الله فخرج هارباً يجول في الفيافي ويتضرع إلى الله وإن شيطاناً من الشياطين كان ساحراً كتب سحراً وجعله تحت كرسي سليمان وسحر به آصف كاتب سليمان وتمثل في صفة سليمان، وصعد على كرسيه ودخل على نساء سليمان وآزره آصف وهو لا يعلم إنه الشيطان، فلما نظر آصف إلى فعل ذلك
(1/176)
________________________________________
الشيطان أنكره وقال: أبطل جوره على عدله الأول، ثم دخل على نساء سليمان فسألهن عنه فقلن له: إنه يأتينا في المحيض وإذا طهرنا لم يقربنا! وقال: أنكرت لما رأيت من عدله وأظهره من جوره، ثم بث ذلك الشيطان السحر في الناس فقال: ليس هو سليمان. ورد الله على سليمان ملكه - وقال بعض أهل العلم: إن الله تبارك وتعالى لا يمكن الشيطان من هذا فيخلو بنساء النبيين - وقال قوم ذلك إن الله ابتلاء لخلقه والقتل أكبر من النساء وقد قتل الكافرون النبيين. قال الله {ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}، فلما رد الله على سليمان ملكه بقدرته وأتى فأصاب الخاتم فرفرف الطير على رأسه وعصفت الرياح وطافت به وهو يسبح وسبحت الطير والجبال بتسبيحه ودخل قصره وقتل الشيطان. ثم لم يمكث سليمان بعد ما رد الله عليه ملكه ونعمته حتى مات صلى الله عليه وسلم، فكان عمره بعدما تزوج
بلقيس أربعين سنة، فلما مات صلى الله عليه وسلم قام بجران القلمس بن عمرو بن قطن بن همدان ابن سار بن زيد بن وائل بن عبد شمس بن وائل بن حمير بن سبأ - والقلمس أفعى نجران - وكان داعياً من دعاة سليمان بنجران آمن وحسن إيمانه فقام خطيباً في أهل نجران مؤمنو نجران فقال: أيها الناس إن الدهر أنذركم والموت أدبكم فهل تجدون من ذلك مجيراً وعنه محيداً إن الله لم يشرك أحداً في ملكه خلقهم للفناء واستأثر بعدهم بالبقاء. جعل الموت منهلاً ليس عنه مزحل، إن سليمان نبي الله مات أعطاه الله ما لم يعط أحداً فلم يك بذلك يدفع المقدور ولا يصرف المحذور، ولما قرب الأجل اضمحل الأمل ونزل الموت عليه بالفوت، فهو لكم عارية وأنتم له تراث
(1/177)
________________________________________
فأضحى لكم نوراً وكنتم له مناراً، فمن استمسك فقد أصاب ومن الحد فقد أخطأ. دعا فأصاب ودعي فأجاب، غاب وشهدتم فأدوا ما سمعتم وعلمتم، أيها الناس هيهات والله هيهات أصبحتم بين طبقتين من الأموات تسابقون الساعات وتنتظرون الميقات خلقتم قبل الوعد والوعيد وتقدمتم النبأ وجاءكم الخطاب وغاب عنكم الثواب وإلى الله المآب - خلقتم قبل كل شيء ولكم نفع كل شيء وعليكم ضر كل شيء فعليكم الشكر ولكم النصر، أيها الناس سمعتم وأبصرتم والسمع والبصر للفؤاد، فمن سمع وأبصر نجا ومن لها هفا وعهد الدهر لكم هباء وثأركم جبار ولتعودن أخباراً، ثم من بعد من أين إلى أين، ثم أنشأ يقول:
ألم يوجلك ذا الخبر اليقين ... بذاك وإن نأى وقت وحين
ألم تر كلما ولى وأودى ... قرانا لا يعود ولا يكون
وما دنياك إلا حلم يوم ... تنبه كي تدان بما تدين
فإن الزاد محفوظ إذا ما ... تحمل عن مغانيه القطين
ألم تسمع بذي القرنين لما ... تمكن عنده الملك المكين
وكان الصعب في الدنيا بضغو ... وجد الدهر فيه له قرين
تقضي طول مدته فأخنى ... عليه بصرفه دهر خؤون
تعدت فيه أسباب الليالي ... وأخرج من أمانته الأمين
فجاد بروحه لما دعته ... دواعي الحين وهو بها ضنين
لقد جارى الخلود إلى مداه ... وبان فأنجم الأفلاك جون
ألم تر صاحب الملكين أمسى ... تحزمه عن الدنيا المنون
(1/178)
________________________________________
وكان عليه للأيام دين ... وقد قضيت عن المرء الديون
رفاهة ملكه يوماً سواء ... عليه الغث فيه والسمين
على الكرسي معتمداً عليه ... يرف الخد منه والجبين
فخانته العصا من بعد ما قد ... لمما به حين وحين
فخانته فخر لها وخرت ... وصرح عندها الخبر اليقين
يسير بشر جع لا وصل فيه ... تحار الشمس فيه والعيون
وتضحى الجن عاكفة عليه ... كما عكفت على الأسد العرين
فسخرت الجبال له جميعاً ... عليها الطير عاكفة عزين
فدان له الخلائق ثم قسرا ... ودان الجن فيما قد تدين
بنوا صرحاً له دون الثريا ... وأجرى تحته الماء المعين
تراه أملساً لا عيب فيه ... يحار بصرحه الذهن الذهين
وقد ملك الملوك وكل شيء ... تدين له السهولة والحزون
فأفنى ملكه كر الليلي ... وخون الدهر فيما قد يخون
وكل أخي مكاثره وعز ... على ريب الحوادث مستكين
كذاك الدهر يفنى كل شيء ... فيضعف بعد قوته المتين
قال أبو محمد: لما مات سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم، ولي أمره في الخلق ابنه - وهو وصيه وخليفته - رحبعم بن سليمان - وهو بن بلقيس -.

ملك رحبعم بن سليمان عليه السلام
فولي اليمن رحبعم بن سليمان سنة فآتاه رسول بني إسرائيل من بيت
(1/179)
________________________________________
المقدس فقالوا له: إن أهل الشام ارتدوا بعد سليمان عن دين الله فاجتمعت إليه حمير، فقال له القلمس أفعى نجران: يا خليفة رسول الله أردت الشام وأهله وأهل باس وفتنة لا يعطون إلا عن قسر فاجعل سيفك دليلاً وعزمك خليلاً وإن للكفر طرباً من القلوب لا يحول بينها وبينه إلا الخوف ولن تخيفهم إلا بعزم وصبر وإن الله المعين. قال رحبعم: لله جنود بيت المقدس ينصرون الله وينصرهم، خذوا أهبة الحرب وأعدوا الجيوش حتى يأتيكم أمري فإن السنة محلة والجدب عام فتربص كل قوم من جيوش حمير عند أنفسهم ومضى رحبعم إلى الشام وخلف أمه بلقيس بمأرب حاكمة على اليمن، وسار رحبعم إلى بيت المقدس فاختار من بني إسرائيل مائة رجل، فسار بهم على مدائن الشام فأجابوه إلى أمر الله حتى بلغ إلى إنطاكية فأتمروا به فقتلوه وهم من الجبارين من بقايا بني ماريع بن كنعان بن حام بن نوح فقتلوه وقتلوا المؤمنين الذين كانوا معه وتجبر بنو كنعان بإخوانهم من القبط ابن كنعان والنوب بن كنعان، فلم يكن لبني إسرائيل بهم طاقة، وبلغ ذلك بلقيس وقد أدركها الرهم فلم تستطع النهوض إلى الشام ووقعت فتنو باليمن فنبغ الثوار كل يدعي الملك وتغلب على من تحت يده، وأرسل الله تبارك وتعالى جنداً من الملائكة على أهل إنطاكية فأغاروا عليهم فخرج أهل أنطاكية في طلبهم فلما فحصوا عطفوا عليهم ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم إلى باب أنطاكية فأغلقوا باب المدينة ونزل عليهم الملائكة في المدينة فقتلوهم أجمعين. فزعم أهل العلم: أن فيهم أنزل الله {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومسكنكم لعلكم تسألون قالوا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى
(1/180)
________________________________________
جعلناهم حصيداً خامدين}.

ملك مالك بن عمرو بن يعفر
قال أبو محمد بن عبد الملك بن هشام: ثم قام الغلام الذي سماه الهدهاد ابن شرحبيل للملك - وهو مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك المقعقع بن وائل بن حمير ابن سبأ - خطيباً فقال: يا بني حمير نطق الدهر وخرستم وانتبه الذل ونمتم، أما ترون الجبابرة تجاهلت وكل يد تطاولت، سفهت الأحلام وانتبه العوام والملك تراث أهل العزم والألباب دعوتكم ودعاكم الذل أجيبوا إحدى الدعوتين فلكم نبأ ولله وقد عهد إليكم الهدهاد عهداً فيه الفصل والسداد فأجابوه وقدموه في الملك فسمى مالك ناشر النعم.
قالت حمير: نشر لنا مالك الملك بعد الموت وأحياه بعد الهلكة ورده بعد الذهاب - فقال في ذلك النعمان بن الأسود بن المعترف الحميري:
أنا شر وجه العز من جدت القبر ... أجدت على ما شئت من أجركم أجري
حييت بروح الملك في كل شارق ... تحية ملك في نماء إلى الحشر
لعمري لقد جللت حمير نعمة ... ستبقى لها فخر السيوف على ذكر
وراجعتها الملك الذي كان قد مضى ... فأنت حسام الدهر ذي النعم الزهر
ولولا سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً ووحياً على قدر
لما كان انس يبتغي أن يرومنا ... ولا الجن إلا أن نساق على قسر
ولكن قدراً كان تحويل ملكنا ... إلى ابن نبي الله داود ذي النصر
(1/181)
________________________________________
فنحن ملوك الناس قبل نبيه ... وقبل أبيه الحبر عصراً من الدهر
ونحن ولاة الملك في الدهر ما بقى ... إلى أن يكون الدين قصراً إلى الحبر
نبي أمين أمره غير زاهق ... رحيم بذي القربى لطيف بذي الوتر
شفيق رفيق واهب متفضل ... أمين له أمر يؤول إلى أمر
محمد الهادي وأحمد اسمه ... رسول منير مشرق الوجه كالبدر
له أمة منا غطاريف سادة ... مصا ليتها أهل النكاية والصبر
يدينون دين الحق عن دين أحمد ... يسيرون في الدنيا على الحق بالنصر
وسوف ترى السودان من أرض حمير ... من الأثل والأحقاف قسراً إلى هجر
يكون لهت ملك لهم غير طائل ... يقيم بها عشراً تؤول إلى عشر
فيخرجهم ذو الشأن منها بقدرة ... ويقتلهم قتلاً ذريعاً إلى البحر
ويغلب آفاق البلاد بعزمه ... ويبقى بذاك الذكر في آخر الدهر
يرد عماد الملك من آل حمير ... يقوم له إلا الأملاك بالحمد والشكر
بني حمير عدوا البلاء لعزكم ... فإن المعالي لا تصاب بلا صبر
فليس ينال العز من كان خاملاً ... وليس يدينون العباد بلا قهر
قال أبو محمد فلما ولي الملك ناشر النعم أقر بلقيس على ملكها بمأرب ولم يغير عليها شيئاً من ملكها - فقال الأعصم بن سام بت نوح بن زيد ابن المنتاب بن زيد بن عملاق الحميري يرثى سليمان بن داود النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
إن يكن الدهر أتى عامداً ... فنال بالقسوة خير المنال
معتمداً قهراً إلى ذي النهي ... وخير خلق الله عند الفعال
إلى سليمان بن داود إذ ... علا على الناس بفضل الكمال
(1/182)
________________________________________
فهد بالملك ذرى ملكنا ... جلا بنور الوحي دين الضلال
هدى سريعاً بالهدى أمة ... عارفة في الحق حسن المقال
يا خير مفجوع فجعنا به ... مصطفياً بلقيس دهر الزوال
لئن بعثنا من بني حمير ... فوارس الهيجاء يوم النزال
راحوا إلينا بالذي قاله ... قلنا الذي يسأل خير السؤال
دنا الذي دان على أننا ... لم نعطه الذلة عند المحال
فلم يسرد حرباً ولكنه ... مال إلى الرحمة قبل القتال
أقام رحبعم لنا دعوة ... من بعده يوماً كفئ الظلال
انتقم الله له منهم بعاجل ... السيف وبرد الشمال
فقام بالملك لنا ماجد ... يجود بالعرف وبذل النوال
يا ناشر الخيرات أحييتنا ... يا ناصر الملك على كل حال
قال أبو محمد وحدث أسد عن أبي إدريس عن وهب إنه قال - لما هزمت الملائكة أهل إنطاكية الذين قتلوا رحبعم غلقوا باب سورهم وعلوه فهبت عليهم ريح الشمال ببرد صرفا سقطتهم موتى ونزلت الملائكة إلى الباقين فقتلوهم والله أعلم - وعاشت بلقيس بعد ابنها رحبعم سنة وماتت فقال النعمان بن الأسود بن المعترف بن عمرو بن يعفر الحميري وهو من بيت الملك وأبناء الملوك يرثى بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل:
أخرج الموت من ذرى قصر بينو ... ن هماماً على الحمادير
حمير الخير قد رأيتك عصراً ... ذا بهاء من قبل تقضي الأمور
فأراني إذا ذكرت هماماً ... ملكاً قد تضمنته القبور
يا لقومي لقد أراهم وللدهر ... صروف تمضي بهم فتبير
ناعماً بالنا قد أوطأت ذلاً ... في شروق البلاد والخيل زور
(1/183)
________________________________________
وغروب البلاد ترجف منها ... وعلى ملكها السحاب المطير
فهم اليوم حشوة في قبور ... وأرى ما بقي إليهم يصير
صاح إن كان ملك حمير أودى ... جار فيه الزمان فيما يجور
أوحش العرش من ذوي أهل عز ... ورمى للزمان كف هصور
إن بلقيس قد أذل لها الملك ... سليمان واصطفاها قدير
إذ رسول له إلينا عجيب ... بكتاب وما آتانا غرور
قد آتانا بذاك في الطرس سطراً ... فاهتدينا وكل ذلك نور
ذاك وحي من الإله بيان ... فاضاً الحق إذ آتانا البشير
هدهد من طيور أرض شآم ... فرمى في الهواء على العرش نور
باقتضاء الهدى إلى ملك بلقي ... س بغمدان إذ آتاها النذير
إذ أتى آصف فاختلس العر ... ش سريعاً وما لديه محير
لم تحس الاحراس نبأته حي ... ن تولى وكأنه مسحور
أبصرت في الكتاب بلقيس عجباً ... فأتى منظر مهيب كبير
أرسلت في ملوك حمير إني ... قد آتاني الغداة لأمر منير
فأشيروا فقد رضيت بما قل ... تم فإن الملوك ممن يشير
فنطيب الصحاح منا لما جا ... ء ومر العباد أمر نكير
قام أهل النهي وقالوا الخير ... إن منك السداد والتبشير
نحن أهل الرشاد والملك والع ... ز لنا البأس والردى محذور
قالت الآن فاتقوا الذل منه ... كل ما قلت عنده معذور
إن اسنى ما لدي من الرأ ... ي وفي ذاك للجواب ظهور
(1/184)
________________________________________
لاطلاع الأنباء من خبر القو ... م وحكم من دونه مستور
أرسلت بين عاتق وغلام ... مائة شبهت عليها الحرير
وعتاقاً من الخيول تهادى ... وعليها من الملا تعبير
وصنوف الفصوص حمراً وصفراً ... وعلى ذاك لؤلؤ منثور
ولجين بحق عاج ودر ... مطبقاً ما يرى لديه فطور
وأتى بالبيان والعلم وحيا ... وهداه به العليم الخبير
كان ما كان بينهم من أمور ... وإلى ربها ترد الأمور
وأتى الوفد بالجواب على الحين ... وكل يشأنه مأمور
ثم ولوا بذاك من ذا وهذا ... ك وبادوا وملكهم مشهور
استعاروا من مالك الملك ملكا ... وإلى الله ما أعار يحور
اسلموا ملكهم ولم يسلموا ... من غير فلا ردى عليهم يدور
كل عسر وإن تطاول دهرا ... بعده الموت ذاك عمر قصير
قال أبو محمد: حدثنا أسد بن موسى عن زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال عبد الله بن عباس: أول من خرج من اليمن وشخص إلى أرض تهاتمة عملوق قال - عملاق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح النبي - وأنشأ عملاق يقول عند شخوصه إلى مكة:
لما رأيت الناس في تبلبل ... وسائر مما درا النبأ الأول
يعفر في الجم الغفير المعضل ... فقال سيروا في البلاد الأمثل
قلت لقومي قول من لم يجهل ... سيروا بجمع القوم في تمهل
إلى يماني الأرض ذات القرمل ... نزلته حينا ولما أرحل
ثم رحلت عن مقام أطول ... إلى حريم البيت ذات الحرمل
(1/185)
________________________________________
وقلت يا طسم إلي فأعجل ... نحل بالبيت العتيق الأفضل
فسار عملاق ببنيه وبني بنيه وهم قبيل كثير حتى نزل مكة وبها بقايا هزان بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ، ثم شخص بعده أخوه طسم بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح النبي صلى الله عليه وسلم في طلب عملاق وأنشأ يقول:
أني أنا طسم العلا بن سام ... ووالدي لاوذ بن رام
لما رأيت من بني الأعمام ... عملاق قد سار إلى المقام
قلت لنفسي الحقي في عام ... أخاك عملوقاُ وذا الإقدام
وخلفي يافث وآل حام
فسار حتى نزل الطائف وأرض جو - وهي اليمامة - وإنما سميت أرض اليمامة بالجارية الحادة البصر التي تسمى اليمامة، ثم شخص جديس ابن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح في أثر أخيه طسم - وقال سعيد بن سعد بن جديس:
أنا ابن مأمون الحياة عبقر ... لما بدا عملوق ذو التهير
إلى بلاد البيت ذي المحجر ... رأيت وجه الدهر في تغير
وفاض منا غير نكس أمدر ... قضيت سيراً بالوجوه البصر
إلى حريم الأرض ذات المشعر ... من ارض سام جدنا المعمر
حتى نزلنا بالمقام الميسر
فسارت جديس حتى نزلت بجوار أخواتهم من طسم، وكان طسم بنوه
(1/186)
________________________________________
نزلوا مران من أرض جو وغلبوا على بقايا هزان بن يعفر بن سكسك المقعقع، وكان بنو هزان قد هربوا من مكة وأرض تهامة وحرها إلى طيب اليمن، فما اقل من بقي منهم بمكة والطائف وجو. ونزل جديس زبنوه على هزان في بوادي جو فأساء جديس وبنوه جوار هزان وتطاول عليهم فقال الأعفف بن هزان الهزاني في ذلك:
قد غرنا من دهرنا طول المنا ... وهرنا من دهرنا ما لزنا
وشتت الله علينا أمرنا ... ثم اجتنى الأحياء علينا بالفنا
قد غرنا الدهر لما قد غرنا ... أبناء عمرو ما نجوا من غمنا
قد تبعتهم غمنا ذوي الغنا
ثم سار قطورا ورائس ابنا لاوذ بن ارم بن سام بن نوح حتى نزلوا بأجياد. ولما ولي يعرب بن قحطان ملك مكة جرهم على بني عملاق وطسم وجديس ورائس وقطورا وجاور عملاقاً وكثر بنو جرهم بمكة حتى شاركوهم بها. فأقام جرهم بمكة دهراً طويلاً، ثم مات وولي الملك بعده ابنه عبد ياليل بن جرهم فولي عبد ياليل بن جرهم بمكة الملك دهراً طويلاً، وكان ملكه كملك أبيه من تحت ملك
يعرب بن قحطان والملوك من بنيه. ثم مات عبد ياليل فولي الملك من بعده ابنه حشرم بن عبد ياليل. فولي الملك دهراً طويلاً وكان أجود خلق الله في وقته وأنداهم كفا فعمرت في زمانه مدينة مكة وكثر البناء وكثر الحجيج - فقال في ذلك الأسمر بن أسعد العملاقي يمدح حشرم بن عبد ياليل:
لابن عبد ياليل المعظم حشرم ... تناهى الندى فاقعد لذلك أو قم
(1/187)
________________________________________
لقد جر سجف العرف حتى أباحه ... تناول منه كل غان ومعدم
يرى ماله نهباً لمن رام أخذه ... كأن عليه فيه الوه مقسم
لقد ضاع من يستودع الذئب شأنه ... كما ضاع مال ضمه بيت حشرم
إذا عذت مما لا يطاق بعزه ... تعوذت بالحرمان من رأس جرهم
فولي الملك بعده ابنه عبد المدان بن حشرم الجرهمي دهراً طويلاً، ثم مات فولي الملك بعده ابنه نفيلة بن عبد المدان بن حشرم الجرهمي وكان عاملاً لعبد شمس سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود. فولي الملك دهراً طويلاً، ثم مات فولي الملك بعده ابنه عبد المسيح بن نفيلة الجرهمي وغزا بالجيوش إلى أرض الحبشة وإلى بني ماريع بن كنعان، وإلى الشام فعمرت بذلك دهراً طويلاً، ثم مات فولي الملك بعده ابنه مضاض بن عبد المشيح، واسم عبد المسيح عمرو - فغزا بالجيوش وقاتل الأمم، فولي بعد ذلك دهراً طويلاً ثم مات، فولي الملك بعده ابنه الحارث بن مضاض الجرهمي.
قال أبو محمد في زمان شرحبيل وعمرو ذي الاذعار وقعت فترة في ملك حمير فنبغ في بني ماريع بن كنعان بن جالوت بن هربال، وقام بالشام ونصره بنو حام بن نوح النبي صلى الله عليه وسلم ونصره القبط بن كنعان بن حام من أرض بابليون ونصره بنو النوب بن كنعان بن حام بن نوح النبي صلى الله عليه وسلم من برية أرض بابليون، وكان طالوت داعياً من دعاة النبي صلى الله عليه وسلم،
وهو طالوت بت روحيل بن شمعون ابن خصرون بن عمون بن واهب بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن
(1/188)
________________________________________
إبراهيم أمره داود بجهاد جالوت، فخرج إليه في بني إسرائيل وأمره النبي داود أن يحمل التابوت الذي فيه السكينة، فسار بين يديه وقال له داود: إن الله أنزل فيه السكينة وأسكنها قلوبكم وزلزل أكباد بني ماريع وقذف نفسه فيها الرعب فجعل طالوت التابوت بين يديه كما تسير العرب بالرايات وكما تسير العجم بالفيلة فحمل التابوت على القنا، ثم سار بريد طالوت إلى النبي داود صلى الله عليه وسلم يستمده فخرج داود عليه السلام بمن معه وكان طالوت عالماً بالحروب وبكل علم وأعطاه الله بسطة في العلم والجسم. فلما أتى داود انهزم جالوت وبنو حام وقتل داود جالوت، كما قال الله تعالى {وقتل داود جالوت}.
قال أبو محمد: كان بنو إسرائيل من بعد داود سليمان يزحفون بذلك التابوت، وذلك إنه لما حمى الوطيس واستمر الوغى ألقى بنو إسرائيل القنا من أيديهم الذين يحملون بها التابوت فسقطت وحملت التابوت الملائكة فوق رأس داود صلى الله عليه وسلم حتى هزم الجبارين وقومهم.
قال أبو محمد: لم يزل بنو إسرائيل يزحفون بالتابوت حتى كان في زمن الحارث بن مضاض الجرهمي بعد موت إسماعيل النبي صلى الله عليه وسلم وبعد موت ابنه ووصيه نابت بن قيذار بن إسماعيل، فبدل بنو إسرائيل دين داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم وانتحلوا على الزبور كتباً انتحلوها وأنهم زحفوا إلى أهل الحرم وهم إذا ذاك عملاق وجرهم وبمكة بنو إسماعيل وكان إذا ذاك القائم والوصي فيهم بدين الله ودعوة إسماعيل همسيع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليهما. والملك يومئذ بمكة وما والاها الحارث بن مضاض الجرهمي، فلما أتى إسرائيل إلى مكة زاحفين بمن
(1/189)
________________________________________
نصرهم من بني إسحاق والروم الأول من أرض الشام برز إليهم جرهم في مائة ألف وعملاق في مائة ألف
فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزم بنو إسرائيل ومن معهم ورموا بالتابوت فأخذته جرهم وعملاق فأتوا به إلى مزبلة من مزابل مكة فحفروا وله ودفنوه فيها فنهاهم عن ذلك همسيع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل ونهاهم عنه الحارث بن مضاض الجرهمي فعصوهما وقال لهم همسيع: أن فيه صحف الزبور وفيه السكينة فأخذهم الوباء بالغم وكانوا لا يتداركون فعمد الحارث بن مضاض إلى التابوت في تلك المزبلة فاستخرجه ليلاً وأخذه همسيع وكان عنده يتوارثونه وارث عن وارث إلى زمان عيسى ابن مريم عليه السلام فإنه أخذه من كعب بن لؤي بن غالب، فلما هلكت جرهم وعملاق غماً وفنوا جميعهم ولم يبق من عملاق إلا عشرون رجلاً فكانوا مؤمنين على دعوة إسماعيل مع همسيع وثمانية رجال من جرهم مع الحارث بن مضاض الجرهمي. فلما رأى الحارث قومه هلكوا ترك ابنه عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي عند الهمسيع وخرج هارباً يجول في الأرض هماً وغماً ووحشة لما نزل بقومه، وشب ابنه عمرو وتغرب الحارث ابن مضاض ثلاثمائة عام، ولقد كثرت فيه الأمثال وسار بغربته الصوت حتى ذكره حبيب بن أوس الطائي في الإسلام فقال:
غربة تقتدي بغربة قيس ... بن زهير والحارث بن مضاض
والفتى من تعرقته الليالي ... في الفياقي كالحبة النضتاض
صلتان أعداؤه حيث كانوا ... في حديث من ذكره مستفاض
هذه الأبيات في شعر له. وحدث ابن لهيعة عن أبي مخنف عن كميل بن زياد النخعي عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه إنه حدث يوماً
(1/190)
________________________________________
عن غربة الحارث بن مضاض الجرهمي قال: أخبرني عبد مناف عن أبيه عبد المطلب بن هاشم إنه قال: أدركنا الحكماء والمعمرين وأهل الآثار بالعلم الأول من أهل تهامة يذكرون غربة الحارث بن مضاض الجرهمي المتوج فكل قد رفع
الحديث إلى الياس بن مضر وكان الياس بن مضر مؤمنا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تسبوا جدي الياس فإنه كان مؤمناً ولا تسبوا تيما فإنه كان مؤمنا) زعم أن الياس قال: سالت عمي إياد بن نزار بن معد بن عدنان بن ادد بن همسيع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام قال: قلت له يا عم ما كان أصل مالك؟ قال لي: نعم يا بني مات أبي نزار وخلفنا ونحن أربعة أخوة - أنا ومضر وربيعة وانمار - وكنت أكبر أخوتي فاستخلفني عليهم وأمرني إن لم يتراضوا في القسمة أن يرتفعوا إلى القلمس الحكيم - أفعى نجران - فبلغنا إلى أفعى نجران فحكم لي بالخف والظلف وحكم لمضر بالقبة وحكم لربيعة بالفرس وحكم لانمار بالأرض. فحلت علينا أزمة شديدة فأهلكت مالي فلم يبق لي غير عشرة أبعرة فكنت أكري ظهورها وأعود به إلى أهلي حتى أتت رفقة إلى الشام من أهل مكة وأهل تهامة فأكريت ظهور جمالي وخرجت معهم وخرج أخوتي في الرفقة ربيعة ومضر وانمار فباع الناس تجاراتهم واشتروا ثم إني أكريت ابلي إلى المدينة، فلما بلغناها التمست شيئاً أكري فلم أجد، وتواعد الناس للرحيل بلغداة وبيننا وبين مكة عشر مناهل، فأمسيت مغموماً، فبنما أنا كذلك إذ سمعت صوتاً كالرعد وهو ينادي ويقول: أيها الناس من يحملني إلى البلد الحرام وله وقر جمله دراً وياقوتاً وعقياناً، فلا يجيبه أحد، اشتغل الناس عنه بأموالهم، قلت لنفسي ومالي لا أعطيه جملاً فإن كان صادقاً كان في ذلك الغنى وإن كان كاذباً لم يضرني ذلك، فلم أزل أتبع الصوت حتى ظهر لي فإذا بشيخ كالنخلة
(1/191)
________________________________________
السحوق أعمى ولحيته تناطح ركبته فراعني ما رأيت من عظم جسمه. فلما دنا مني قلت: يا شيخ عندي حاجتك، قال: ادن مني يا بني، فدنوت منه فوضع يده على منكبي فكأني أحس يده على عاتقي كالجبل. قال: إياد ابن نزار؟ قلت: نعم من أنبأك باسمي؟ قال لي: علمك عندي عن أبي عن جدي أن إياد بن نزار يرد
الحارث بن مضاض الجرهمي إلى مكة من بعد طول غربته. فكم عندك من الجمال؟ قلت: عشرة قال: يكفي. قلت: أمعك أحد غيرك؟ قال: لا ولكني أركب الجمل يوماً ويحيد قال: قلت أنا قد أنعمت له وبالله لا أرجع عن قولي أبداً، قال: قلت له نعم، قال: فمل بي عندك أبيت، فبات عندي، فلما أصبح رفع الناس يريدون مكة وحملت الشيخ أريد معهم مكة ليس معي أحد. فسرنا نهارنا أجمع إلى الأصل فحيد جمل فقطرته وحملته بالغداة على غيره فسرنا ولم يزل يحيد لي جمل في جمل حتى بلغنا مكة وعلونا جبل المطايخ، قال يا بني: أحس الجمل يجرني جراً أواقع جزت جبل المطابخ؟ قلت له: نعم، قال لي: أيجاورك أحد يسمع كلامي، قلت له: لا - قوماً أخرت وقوماً قدمت - قال: أتدري من أنا؟ قلت له: لا، قال لي: أنا الحارث بن مضاض بن عبد المسيح بن نفيلة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود النبي صلى الله عليه وسلم - كنت ملك مكة وما والاها من الحجاز والتهائم إلى هجر والأنعمين وحضر العالمين إلى مدائن ثمود وكان الملك قبلي أخي عمرو بن مضاض - وكنا أهل تيجان - كنا نعلق التاج يوماً على رؤوسنا ويوماً على الرتاج بالبيت العتيق، وأنه أتى رجل من بني إسرائيل بدر وياقوت تاجراً إلى مكة واشترى الملك أخي عمرو ما أتى به من الدر والياقوت ونقض الملك التاج
(1/192)
________________________________________
وزاد فيه العقيان والدر والياقوت وجعله كالمجن وإن الإسرائيلي غيب أحسن ما كان معه من الدر والياقوت ثم عرضه على بعض الناس وبلغ ذلك الملك عمراً، فأرسل إلى الإسرائيلي فأتى به فقال له: لم غيبت عني عتيق ما معك وبعت مني نفايته ألم أبلغك أملك في درك وياقوتك؟ قال: نعم أيها الملك، قال: فما حملك على ما فعلت؟ قال له الإسرائيلي: هو مالي أيها الملك أبيع منه ما أحببت وأحبس منه ما أحببت. فغضب عليه الملك وأمر به فنزع عنه ما معه من در وياقوت وكان يسيراً وإن الإسرائيلي رصد الذي يحمل
التاج إلى البيت يوماً ليعلق على البيت فعمد إليه الإسرائيلي فقتله وأخذ التاج وركب نجيباً ورفع رأسه في أول الليل وأصبح الناس فلم يردوا من ذهب بالتاج واشتبه عليهم الأمر حتى أتى الخبر اليقين من بيت المقدس، فأرسل الملك عمرو إلى بني إسرائيل - وكان صاحب أمرهم فاران بن يعقوب بن سبط بن يامين - يأمره برد التاج ويأخذ منه كفاف حقه ويطل له الدم الذي أصاب، واعترف الملك بالزلة وندم عليه، فأبى عليه فاران. فأرسل إليه الملك عمرو: إنه يعلق على البيت العتيق بمكة ولم يجعل في ذلك التاج غصباً قط ولا غلولا، فأرسل إليه فاران أني أعلقه على بيت المقدس، فأرسل إليه الملك عمرو: إن الله هو الغني، فهل تسلب بيتاً لبيت فتعظم شعائر الله وتحلها بغلول؟ فأرسل إليه فاران: نحن أهل كتاب أعلم بالله منك، فأرسل إليه الملك عمرو: اعلم الناس بالله من أطاعة ولم يعصه ولم أر بيتاً يسلب بيتاً ولكن ملكاً يسلب ملكاً. فخرجنا إليهم في مائتي ألف نحن جرهم في مائة ألف وعملاق في مائة ألف ونصرنا الأحوص بن عمرو العبدودي بطن من قضاعة بن مالك بن حمير في خمسين ألفاً من عبدود بن كليب بن وبرة بن حلوان بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير. واستنصر فاران بن يعقوب بقومه من الروم - وكان صاحب
(1/193)
________________________________________
أمر الروم شنيف بن هرقل - فنصره شنيف في مائة ألف من الروم. وخرج فاران في مائة ألف من بني إسرائيل ونصرهم أهل الشام في مائة ألف، فسار فاران بن يعقوب حتى نزل هذا الجبل وجاز عمرو الملك بمن معه حتى نزلنا هذا الجبل - جبل المطابخ - أفتدري لم سمي بجبل المطابخ؟ قلت: لا، قال لي: نعم لما نزل شنيف وفاران شرقي الجبل أوقدوا النيران فطبخوا. ونزلنا غربي الجبل فأوقدنا وطبخنا فسمي هذا الجبل جبل المطابخ. قال لي: فما اسم هذا الموضع الذي تريده؟ قلت له: قعيقعان، قال: أفتدري لم سمي قعقيعان؟ قلت: لا قال لي: نعم أصبحنا وأصبحوا تأخرنا لهم عن الجبل ونزلنا إلى سهب
قعقيعان، فلما تساوت بنا وبهم الأرض قعقعنا عليهم الجحف فسمي ذلك الموقع قعيفعان، قال لي: أفتدري وترى ربوة يقال لها (فاضحة) قلت له: نعم ها هي تلك وأنا أراها، قال لي: فسمعت بيوم شنيف؟ قلت له: نعم، قال: أتدري لم سمي يوم شنيف؟ قلت له: لا قال: نعم لما برز الجمع إلى الجمع برز من جمعنا أخي عمرو والملك وقال لي: يا حارث لك الملك بعدي. ثم تقدم إليهم فقال لهم: من ملككم وصاحب أمركم وإني أنا عمرو بن مضاض. قيل له: آمرنا إلى شنيف بن هرقل، قال لهم: أبرزوه لي لأكلمه. فبرز إليه شنيف فقال له عمرو: لم يموت الناس بيني وبينك ولكن ابرز إلي فإن قتلتني سمع لك من معي وأطاع لك ولك جميع السلاح والخف والظف والحافر والذهب والفضة، وإن قتلتك سمع لي وأطاع جميع من كان معك ولي ما فيه من جميع ما ذكرت لك، آخذه منهم أن قتلتك. قال له شنيف: نعم. فتعاهدا على ذلك. ثم برز إليه الملك عمرو وبرز إليه شنيف فاختلفت طعنتان بينهما، فطعنه عمرو فقتله على ربوة فاضح ونزل
(1/194)
________________________________________
إليه فجره برجله وفضحه وكذلك فسميت تلك الربوة فاضحة لما فضح عليها عمر شنيفاً. ثم أرسل عمرو إلى فاران أعطني ما تعاهدت عليه مع شنيف، فأرسل إليه فاران أعطيكه بمكة من أموال أهلها إذا رغبت عليها. فراسل إليه عمرو يقول له: ما أشبه أول ظلمك بآخره وقد أوعدتك القتال غداً، فقال الأحوص بن عمرو العبدودي في قومه خطيباً فقال: يا عشيرتاه إن الرأي اليوم ليس له غداً أوصيكم بشكر ذي النعم والغيرة للحرم والتمسك بالحسن والكف عن المن على المن وعليكم بالحمية فإنها وجه العز ولا ترضوا بالدنية ففيها التلف، ولا تسارعوا إلى الحرب فإن فيها ذهاب المهج، وإن هجمت عليكم كرهاً فخذوها عزماً ولا تخدعوا عند اشتباهها فإن لها شبهات وشهوات تعمي القلوب واحذروا كيد الحروب فانه يهدم العز ويسلب المجد، وأنتم أهل الملك التالد والحرب الأول وبنو إسرائيل والروم ثوار في
الملك والحروب، فإن زلت بكم قدم الحرب تقاعد أمركم بقديم الملك وإن تك عليكم الدائرة فهلاك الناس عند أول عثرة، فاصبروا يحييكم ربكم. وإن الملك عمراً نهض إليهم بمن معه ونهضوا إلينا فتضاربنا طويلاً فحطمناهم بالسيوف حطماً، ثم كانت لنا عليهم الدائرة فقتلناهم قتلاً ذريعاً فبذلك سمي يوم شنيف. وأدرك الملك عمرو فاران بن يعقوب على تل فقتله فسمي ذلك التل تل فاران وقال الملك عمرو شعراً:
ولما رأيت الشمس أشرق نورها ... تناولت منها حاجتي بيميني
قتلت شنيفاً ثم فاران بعده ... وكان على الآيات غير أمين
فللموت خير من مذلة خامل ... يضيء بها حقاً لغير قرين
ثم مضى في أثرهم إلى بيت المقدس فأذعنوا له بالطاعة وأتوه بتاج الملك
(1/195)
________________________________________
فأخذوه وكانت فيهم امرأة جميلة يقال لها وبرة ابنة شمعون لم يكن مثلها في وقتها من سبط يوسف بن يعقوب، فأرسلوها إليه تكلمه في أمر نزل بها، وقد لبست حليها وحللها، فلما رآها عمرو الملك فتن بها فتزوجها - وكان ذلك مكراً منهم له - فلما خلا بها قالت له: أرضيت؟ قال لها: نعم، قالت له: فأرضني. قال لها: لك ذلك. ثم رفع عنهم، فسار حتى بلغ مكة وكان سار معه مائة رجل من أكابر بني إسرائيل رهينة بالولد والعيال على السمع والطاعة من قومهم. ثم نزل بأجياد، ثم قال لي: أتدري لم سميت أجياد؟ قلت: لا، قال لي: نعم، لما نزل بأجياد عمدت برة بنت شمعون امرأته على حسكة من حديد فسمتها ثم ألقتها في فراشه عند منامه بالليل وأعدت نجباً ورجالاً يردونها إلى بيت المقدس، فلما القى عمرو الملك نفسه في فراشه شجته الحسكة جنباها ودخله السم فمات وهربت وهرب معها المائة رجل الرهائن. فأخذت فرسان جرهم وعملاق وبلغت تل فاران وليس لهم عنه محيد حتى أتوا، فأخذتهم وأخذتها ورجعت بهم وبها إلى مكة فأصابت الملك
عمراً وقد تناثرت مفاصله من السم فحفرت له ضريحاً وواريته، ثم أمرت بالمائة الرجل فقدموا إلى السيف فقال المتقدم الأول للسياف: احتفظ لا ترفع ولا تخفض وانزل سيفك على الأجياد، فسمي الموضع (أجياد)، ثم وليت الملك بمكة وتوجت ورجعت إلى بني إسرائيل والروم وأهل الشام من كان منهم باللسان الأعجمي، فخرجت إليهم في مائة ألف من جرهم ومائة ألف من عملاق فقاتلتهم بأمر فهزمتهم وكانوا زحفوا إلى بتابوت
(1/196)
________________________________________
داود الذي فيه السكينة والزبور فالقوه، فأخذته جرهم وعملاق ودفنوه في مزبلة من مزابل مدينة مكة فنهيتهم عن ذلك فعصوني، ولم يكن لجماعة قومي طاقة ونهاهم عن ذلك همسيع بن نبت قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم فعصوه فعمدت إلى التابوت ليلاً فأخرجته وجعلت مكانه تابوتاً ودفعته إلى همسيع. ونزل بجرهم وعملاق الغم أجمعين إلا يسيراً ممن نهى عن ذلك، ثم أخذت برة لأقتلها فقال لي: خدعت في مجلس الملك ودخل إليه نقيب بني إسرائيل وهو المقتول الأول ففعل ما رأيت ولا علم لي بذلك وكيف أفعل ذلك وأنا مثقلة منه، وأمرت القوابل فأصابوا الحمل بيننا وكان عمرو منع الولد غير بنتين كانتا له. فلما قيل لي ذلك أدركني أمري وغلبت علي الشفقة فحطتها وأدخلتها داخل القصر وجعلت عليها حرساً حتى وضعت حملها فأتت بغلام سميته مضاضاً باسم أبي جده، فشب فلم يكن في وقته أجمل منه وجهاً. ودبرت أمري في قتل برة فقلت أقتلها لا آمن علي ولدها، ولكن أترك أمر أمه في أبيه إليه، ثم قال لي: أين أنت؟ قلت: برياض الغرقد قال لي: بلغنا مكة دع عنك أن تقصد مكة وامض بي إلى ذات اليسار إلى شعب الأثل والطلح، فلما بلغته قال لي: لجج بي يا بني حتى بلغت غيضة السمر والضال، قال لي: مل ذلك اليمين ومل ذات الشمال حتى أدخلني مواضع ما دخلتها قط على أني بمكة مسقط رأسي وكنت أفتك فاتك بها صعلوكاً بكل سهب وحالق، فلما لججت في غيضة الزيتون
قال لي: يا بني أبعدت وقد خلونا وثالثنا الله الشاهد العالم الواحد، يا بني إذا أسديت إلى المرء نعمة وجب عليه الشكر وأنت أسديت إلي نعمة ووجب بها علي شكرك فعلي
(1/197)
________________________________________
لك النصيحة أو فلي النصيحة، يا بني أنبئك بما ينجيك واعلم أن ما به أهديك أحب إلي مما به أغنيك، يا بني هل ولد في بني مضر مولود اسمه محمد قلت له: لا. قال: أن ولد وإلا فسيولد ويأتي حينه ويعلو دينه ويقبل أوانه ويشرف زمانه فإن أدركته فصدق وحقق وقبل الشامة التي بين كتفيه صلى الله عليه وآله وسلم، وقل له يا خير مولود دعوت إلى خير معبود أجب أو لا تجب فإن أمره يباريك إلى الموت، فعند الموت يأتيك فأما هلك وإلا ملك فذهب مثلاً. ثم قال لي: يا بني هل بلغت الزيتونتين؟ قلت نعم: قال: ما اسم هذا الموضع يا بني؟ قلت: لا أدري، قال لي: أنزلني فأنزلته، فقال: اقصد في الزيتونيتن، فقصدت به نحوهما وبينهما صخرة عظيمة مربعة منحوتة فطاف بها طويلاً فلمسها بيديه علواً وسفلاً ثم قال لي: يا بني هذا الموضع يسمى (موطن الموت)، ثم بكى حتى غسل دمعه وجهه ولحيته، وأنشأ يقول:
أموت فقيداً والعيون كثيرة ... ولكنها بخلا علي جوامد
فلم تبق لي الأيام إلا مشذباً ... أمت حين لا تأسى على العوائد
ولكن سيبكيني العلائق بالسرى ... ويبكي على قبري البروق والرواعد
تمادت بي الأيام حتى تركنني ... كمثل حسام أفردته القلائد
ونادى بي الأدنى واشمت بي العدى ... ويأمن كيدي الكاشحون الاباعد
ثم قال لي: يا بني أتدري لم سمي هذا الموضع موطن الموت؟ قلت له: لا، قال لي: أتدري لم سمي جبل مكة أبا قبيس؟ قلت له: لا، قال لي: أتعرف موضعاً يقال له الدار؟ قلت له: نعم. قال: أفتدري لما سمي (الدار) قلت: لا، قال: أتعرف موضعاً يقال له (الجار)؟ قلت: نعم، قال:
(1/198)
________________________________________
أتدري لم قيل له الجار؟ قلت: لا، قال
لي: نعم يا بني، إنه لما شب مضاض ابن أخي عمرو الملك لم يكن بمكة ولا ما والاها أجمل منه وانه كان من بنات عمه من بيت الملك جارية تسمى ميا ابنة مهليل بن عامر صاحب الشعب وكانت معه في نسق واحد وكانت أجمل من رأته ففتن بها وفتنت به وشب معها وشبت معه في حي واحد وصان مئزرة عنها وكان ذلك خيفة الطعن في الملك، فلما بلغ بهما الهوى مبلغه وحذرا من الفضيحة أو السقم والموت بعثا إلي فشكوا ما نزل بهما من شوق بعضهما إلى بعض فأرسلت إلى مهليل بن عامر بن عمرو وأعلمته ما كان منهما، فقال لي: أيها الملك أنت وليهما افعل بهما برأيك وزوجها منه وقد هجم علينا الشهر الأصم رجب وكنا لا نحدث فيه حدثاً غير العمرة والطواف حتى ينسلخ، قلت له: يا مهليل ينصرف رجب وافعل. وإن مضاضاً اعتمر وطاف، وبلغ ذلك ميا فأقبلت تعتمر وتطوف متنكرة غيرة على مضاض أن يتعرض متعرض ومضاض لا يعلم بمكانها وإن قبيس بن سراج الجرهمي من رهط حقير في جرهم رأى ميا فهويها وهي لا تعلم ومضاض لا يعلم بذلك، وكان قبيس يراعي أحوال مي. فلما بلغه أنها اعتمرت خرج إلى الطواف ليقضي لبانته من النظر إلى مي فكانت مي تطوف وتراعي أحوال مضاض ومضاض لا يعلم بذلك ويطوف قبيس في إثر مي لا تعلم بذلك وإن رقية بنت البهلول الجرهمي طافت وكان يوماً قائظاً، فطافت رقية بنت البهلول فعطشت عطشاً حافت منه على نفسها الموت واحتشمت أن تقف لأهل السقاية وسدنة البيت من جرهم. فلما أبصرت مضاضاً نادت به لشبيبته وحملها عليه حالة الشباب فقالت له: يا مضاض اسقني جرعة من ماء فاني خشيت أن أموت طمأ، فأمر فناولها فرأته
(1/199)
________________________________________
مي حين ناول رقية الماء فاشتعل قلبها غيرة فسقطت مغشياً عليها وجعلت ترعد ولا تدري ما هي فيه، ونظر إليها الحجيج فقيل لهم: عرضت وإن ميا أدركت نفسها فقامت فلم تستطع الطواف
وولت إلى منزلها، وكان منزل أبيها مهليل في سفح جبل مكة، فأتت أباها فقال لها: ما الحجيج يا بنية افترق؟ فقالت له: لم يفترق الحجيج يا أبت ولكن الكوت لا يكتم إليك شكواي واستعانتي لأنك عمادي ورجائي، قال: فما لك يا بنية؟ قالت له: انصدع قلبي صدعاً لن يلتئم بعدها صدعه، قالت: يا أبت إن مضاضاً ابن عمي دعا قلبي فأجابه، فلما أجابه قذف الهوى خلف النوى قالت له: رأيته يلاحظ رقية بنت البهلول وسقاها ماء ففارق روحي جسمي أسرع من طرفة عين، ثم تداركت أمري ورأيت إنه بدل حسباً بحسب وخطراً بخطر ولم يبلغ والله خطر البهلول مهليل بن عامر ولا رقية بنت البهلول ميا بنت مهليل بن عامر، قال لها أبوها: صدقت لا ورب الكعبة ما يكون ذلك، قالت له: يا أبت لن والله أقيم بموضع يكون فيه مضاض بن عمرو أبداً وإني راحلة إلى أخوالي جسر بن قين بن حمير من بلى (وبلى نسل من قضاعة بن مالك بن حمير وكانوا نزلوا بامج ذات الضال)، فقال لها: لك ذلك يا بنية، وأنشأت تقول:
مضاض غدرت الحب والحب صادق ... وللحب سلطان يعز اقتداره
غدرت ولم أغدر وللعهد موثق ... وليس فتى من لا يقر قراره
إذا جاءني ليل تململت بالذي ... دعا كبدي حتى تمسكن ضاره
أبيت أقاسي النجم والليل دامس ... وللنجم قطب لا يدور مداره
إذا غاب لم أشهد وكان محله ... محلي وداري حيثما كان داره
إذا هاج ما عندي لأول غيرة ... علاه اشتعال ما يطاق استعاره
وإن قبيس بن سراج آتاها وأنشأ يبث لها أخباراً ليفرق بينها وبين مضاض
(1/200)
________________________________________
لما رأى من غيرتها حين سقطت بالطواف فعمل شعراً على لسان مضاض. وشعراً على لسان رقية وقال لها: يا مي رأيت عجباًَ! قالت: ما هو؟ قال لها: رأيت مضاضاً واضعاً كفيه على قرون رقية بنت البهلول في الطواف وهو يدافع عنها
أهل الطواف سانحاً وبارحاً، ثم استسقته ماء فناو لها سقاء بيده فشربت وناولته، فأنشأ مضاض يقول، قال له: ما الذي قال يا قبيس، قال لها: قال:
رقية قلبي قد تباين صدعه ... وللحب مني شاهد ودليل
رأيت الهوى يهوى وللوصل واصل ... فهل لك أن يلقى الخليل خليل
قال: فأجابته رقية فقالت:
أصون الهوى والطرف مني كاتم ... ولا يعلمون الناس إذ ذاك ما دائي
سوى أنني قد فزت منك بنظرة ... تجرعت عذب الحب منه مع الماء
قال: فالتمستها حمية قول قبيس وجعلت تقبل بين خيام الحي مرة وتدبر أخرى وهي لا تعلم ما هي فيه، ثم قالت لأبيها: نذرت لله نذراً يا أبت لترحلن غداً إلى أمج ذات الضال وانزل مع جسر بن قين، قال لها أبوها: نعم. وحملته الحمية والأنفة على ذلك لما استبدل بخطره وقدره، وإن رجلاً من أهل الحي بلغ مضاضاً فاعلمه بما قال قبيس وبما قالت مي. فركب فرسه وأخذ سيفه وخرج يريد قتل قبيس وأنذر قبيس بمكان مضاض فخرج هارباً في البيداء، فما أدري أي الأرض انطوت عليه إلى يومنا هذا. فلما لم يجد مضاض من قبيس أثراً وأعجزه هرباً، رجع إلى مي وأصاب أهل الحي يحتملون وأصاب مياً راكبة على نجيب في هودجها فقصدها وقال: يا مي أعيذك بالله أن تغدري من لم يغدرك وهذا موقفي
(1/201)
________________________________________
بين يديك فجودي لمن لم يجترم جرماً، وقال:
يعشى عن الناس لحظ طرفي ... وعنك يا مي غير عاشي
أتهجريني بغير ذنب ... وتقتليني بقول واشي
قال فولت عنه وعيناه تغرورقان دموعاً وتبعها وهي تقول:
كذبت هوى وحنثت إذا يميني ... إذا طالبت أثراً بعد عين
سأرحل والفؤاد له وجيب ... واقطع للنوى بيناً ببيني
إذا شط المزار عن ابن عمرو ... نزلت بغربة جسر بن قين
كأني حيت أطلبه وصالاً ... ويصرمه أطالبه بدين
تعست إذا وخان أبي وأمي ... وبعت بعارها زيني بشين
وتجهمته وزحفت غضبى وتمادى الحي للرحلة ومضوا وافترق الحي من سفح الجبل أبا قبيس لما فرق قبيس بن سراج من جمعهم منه - وإن مضاضاً لمت ظعن الحي رجع فركب ناقة وبدل زيه وخرج في طلب الحي وكان له خليلان من بني عمه عمرو وعامر فركبا في أثره حتى لحقاه فقالا له: يا مضاض خلعت تاج الملك بطلاب الهوى قال لهما: غلب الهلع التجلد والجزع والصبر والهوى حاكم والقلب محكوم عليه - وأنا إذ ذاك غاز إلى بني إسرائيل نزلت إليهم بجبل طورسينا - ثم بلغت أمج فنزلت لجعل عليها عيوناً يأتونه بأخبارها ويطوف حول أمج من حي إلى حي ولا يعلم من هو ومعه خليلاه عمرو وعامر - فقال:
أعلل قلبي بالمنى ولعلها ... تقول أبارت لابن عم مقادره
وترثى لمفتون الهوى ولعلها ... تصدق حباً صدقته سرائره
يظل يراعي الحادثات نهاره ... فإن غبن عنه فالقيمر مسامره
يحارس طرفي الشبه من أم غالب ... أناظر من أشباهها ما تناظره
(1/202)
________________________________________
لعل فؤاداً كنت قبل فؤاده ... يرق لمن أرجأه بالموت ناصره
فإن صدق الناس صدق منيتي ... فإن رجائي صدقته خواطره
لئن بان من مي مدى الوصل فانقضى ... لقد حل من محذوره ما أحاذره
قال: وأتاه آت فقال له: إن أهل أمج يريدون الرحيل إلى خريف نجد وإن مهليل بن عامر يريد الرحيل إلى مكة فاستبشر بذلك فقال:
خليلي من أمج فارتعا ... على الضال من مي حتى تريما
لهوت ولم أدر حتى بدت ... لي الشمس تحتل ليلاً بهيما
غزال يسف برير الأراك ... غرير يطرف طرفاً سقيما
مهاب السنام وغصن اليشام ... وبدر التمام تبدي الغيوما
فظل فؤادي غريق الهوى ... وظلت جفوني تراعي النجوما
أعمرو وعامر إن تظعنا ... فإني على الضال أمسي مقيما
ورحل مهليل يريد مكة وإن مضاضاً سار مع خليليه حتى لقيهم بالجار فغلب فرط الصبابة على مضاض فتعرض لها في طريقها فقال لها يا مي اتقي الله أن تغدريني:
علام قبست النار يا أم غالب ... بنار قبيس حين هاجتك ناره
على كبد حرى وأنت عليمه ... بغيب رفيق لا يبين ضماره
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى ... عليه وهجر أنا وحبك جاره
فتهجمته وولت غضبى وهي تقول:
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 7 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

أبي حسبي من أن يهان وإن يكن ... وقد قدحت فيه العداة ذليلا
فأبديتني للناس حتى نصبتني ... وأبديت من نفسي إليك خليلا
(1/203)
________________________________________
فلما تساوى الحب والأمر مقبل ... عدلت ولم تظهر إلي جميلا
رأيت مكاني حين وليته معرضاً ... إلى حسب البهلول قليلا
فرجع إلى عمرو وعامر فقالا له ما قالت: قال لهما: قالت:
تصد بلا جرم علي بوجهها ... وتبعدني لما أردت التقربا
كأني أنادي حية حين أقبلت ... سفاها فما تزداد إلا تغضبا
قال: فسمي ذلك الموضع الجار لقوله:
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى ... عليه وهجراناً وحبك جاره
قال: فمضى حتى أتى مكة فغلب عليه الهوى ورجع منها عاطفاً فتعرض لها بالموضع الذي يقال له الدار، فقال لها:
علام قبست النار يا أم غالب ... بنار قبيس حين هاجتك ناره
على كبد حرى وأنت عليمه ... بغيب رفيق لا يبين ضماره
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى ... عليه وهجر أنا وحبك جاره
فام لم يكن وصل فلفظ مكانه ... إليه وإلا موطن الموت داره
قال: فولت عنه وتجهمته وقالت له: والله لا ألقاك بها أبداً، فولى إلى صاحبيه وقال: والله لا أشرب بعدها ماءاً أبداً، وولى وأنف أن يدخل مكة ومضى معه صاحباه يستعطفانه على شرب الماء، فأبى لهما فجال حتى غلب عليه وانصدع قلبه في صدره لما خامره اليأس حتى بلغ هذا الموضع فغشيه الموت، فأناخ ناقته وأخذ رأسه عمرو وجعله في حجره وقال له:
(1/204)
________________________________________
قصفك الدهر يا مضاض، ففتح عينيه وقال له: قصفني قبيس، وقال: وكانت مي تكنى بأم غالب:
علام قبست النار يا أم غالب ... بنار قبيس حين هاجتك ناره
على كبد حرى وأنت عليمه ... بغيب رفيق لا يبين ضماره
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى ... عليه وهجر أنا وحبك جاره
فإن لم يكن وصل فلفظ مكانه ... إليه وإلا موطن الموت داره
خليلي هذا موطن الموت فاندبا ... مضاض بن عمرو حين شط مزاره
سلا صاحب الخيمات عن قبر هالك ... لدى دوحة الزيتون سرت صواره
يحن له عود الصوار كأنها ... إذا هبت الأرواح فيه حواره
فيا ليت شعري عنك يا مي ما الذي ... أردت بمأسور طويل أساره
فيا ليت شعري عن قبيس بن شارح ... على كل غبرا أين قر قراره
خليلي عوجا بي إذا مت وأبكيا ... على دنف بطن الضريح وجاره
صريع هوى نائي المحلة نازح ... سجا بعد إشراق الصباح نهاره
على إنه قرت إذا هب طارق ... فليت عرين لا يشق غباره
عفيف عن الفحشاء في كل حالة ... إذا ما أبيح اللهو يوماً إزاره
فيا شجر الزيتون ويلاك فاندبا ... على هالك ثوب الضريح شعاره
قال: ثم مات وقد قفلت من غزاتي، فلما نزلت المطابخ نعي الي قيل لي: أوصاك أن تدفنه بموطن الموت بين الدوحتين، الموضع الذي مات فيه، فأصبته ميتاً ومعه صاحباه، فحفرت له ضريحاً في هذه الصخرة وواريته وجعلت عليه هذه الصخرة العظيمة، وهذا قبره تحتها، ولكن يا بني قف بي أودع قبره فبتنا عليه. ثم قلت له: فما كان من أمري؟ قال
(1/205)
________________________________________
لي: نعم، كان مهليل ينزل المطابخ، وكان منزله الأزهر وكان بجوار البهلول، فلقيت رقية بنت البهلول مياً ابنة مهليل فقالت لها مي: ما كان من شأنك ومضاض؟ فأعلمتها، فقالت لها: ظلمتيه يا مي بالله ما كان بيني وبينه قط سبب ولا كتمته غي استسقائي منه الماء وذلك أني كدت أموت عطشاً، واحتشمت أن أقف إلى السدنة، ولم أر من أعرفه من أهل الطواف، ولما رأيت مضاضاً حملتني إليه دلة القرابة وحداثة سنه فكلمته فسقاني، ثم ما رأيته بعدها إلى يومي هذا. قالت لها مي: فهل كان منك إليه شعر ومنه إليك شعر؟ قال لها: لا والله ما كان بيني وبينه كلمة غير استسقائي الماء إليه. وآتاها علم أمر قبيس وما وشى بينهما، فندمت على ما كان منها إليه، وبعث إليه، فلم تجده وتعاظم شوقها لما علمت من كلفه بها وبراءته مما أنطقته به. فبينما هي تسأل عنه وتلتمس من لقيه إذ نعي إليها، فتوارت عن الحي إلى تلعة أمام الحي وتبعتها جارية من الحي يقال لها سلمى من بنات عمها كانت مؤانسة لها مطلعة على أسرارها فوجدتها ساكتة تنظر يميناً وشمالاً كأنها جنت. قالت: ي مي أراك هبلاء وقد مات مضاض؟ قالت لها: قسوة أدركتني منعتني الدمع، وفي الدمع إراحة، لو أصبت إليه سبيلاً. فلما سمعت نساء الحي ينتحبن وعلت أصواتهن أجابها الدمع
فبكت، وأنشأت تقول شعراً:
آيا موطن الموت الذي فيه قبره ... سقتك الغوادي الساريات الهوامع
ويا ساكناً بالدوحتين مغيبا ... لأن طرت عن ألف فالقك تابع
ثم قالت:
أيا شجر الزيتون ضميت مهجة ... أنت هضبة من دونها ورياض
(1/206)
________________________________________
ويا دوحة الزيتون بالله فرجي ... عن الكبد الحراء كيف مضاض
لئن جاد لي وجداً بنفس كريمة ... أثبه بنفسي والثواب قراض
أأرغب في الدنيا حياة سقيمة ... ويأتي سواد دونه وبياض
قالت: وآلت على نفسها أن لا تشرب ماء حتى يرد جمل أبيها هوز - وكان هوز لا يرد إلا عن خمس - فأقامت يوميين وليلتين، فلما كان يوم الثالث - ولا أحد يعلم بها غير سلمى - غشيها الموت مع الليل فولت إلى الربوة واتبعتها سلمى. فلما بلغت أعلى الربوة سقطت، قال سلمى: فوضعت يدي على فمها فوجدته كالحجر الصلد، فرفعت رأسها إلي بلسان غليظ وصوت خفي، فقالت بكلام ضعيف لا أكاد أبينه (قولي لأبي يدفنني بالدوحتين بجوار مضاض) وقالت:
يقولون مي أسرعت بفراقها ... فمات مضاض والهوى غير نادم
فيا ليت أني مت من قبل موته ... بطيب الهوى قبل الردى المتفاقم
لقد مت يوم الماء موتاً أمر من ... سمام الأفاعي في نقيع العلاقم
فهل هو إلا الروح بالروح أسوة ... وها هي نفس ارتقت في الحيازم
وقالت سلمى تبكي مياً:
لم تكن لوعة الهوى لانفراج ... من يقاسي الهوى فليس يناجي
إن يكن مات من هواها مضاض ... قد قضت دينه بأيسر حاج
غرس الحب في حشاها فوجاً ... قلبها بعدة بمدية واج
إن في الموت راحة المحب ... بات في الوصل ساعة غير راج
ثم لم تلبث إلا يسيراً حتى ماتت وبلغت سلمى أباها فأعلمته، فدفنها في الدوحتين. وها هنا قبرها غير إني لا أقف عليه، ولقد ضرب بموت
(1/207)
________________________________________
مضاض المثل في زمانه، قال رجل من أهل الطائف يقال له بهنان كان من أهل هزان بن سكسك بن وائل بن حمير:
أموت جد الفراق بيثرب ... كما مات من حر الفراق مضاض
فتى لم يخن لكن ردى الدهر خانه ... تولى وللأيام فيه عضاض
فباد ويحيي ذكره بعد موته ... حديث على طول الزمان مفاض
وخاض ببحر لم يكن منه مصدر ... بعيد على الوراد ليس بخاض
دعاه وقد قضى من الموت نحبه ... بنات الثرى من دونهن رياض
قال: وإن الحارث بن مضاض ألقى بنفسه إلى قبر مضاض وأنشأ يقول:
أنا الملك المحجوب بالحجر والصفا ... إلى البارقات الغر بين القوانس
رضيت عن الأيام دهراً فخلخلت ... على الليالي بعدها بالهواجس
فأفردت من طسم وعاد وجرهم ... وعملاق والشهبا جديس ورائس
فلما رأيت الدهر ألوى بأسرتي ... وأفردني بعد الهمام الممارس
تجشمت من كرمان كل تنوفة ... وجاوزت حد القصر من أرض فارس
ولججت في لجى سمرقند فانتهت ... بي الأرض بهما أقعدت كل ناحس
جبال بكل الطرف دون أنوفها ... وجوماته صاد قفار بسابس
فسامرت رجل الجن في فلواتها ... وساريت جري العاصفات الروامس
نزحت عن الدنيا ولست بنازح ... وعديت عن رسم الديار الدوارس
تغربت في الدنيا مثيناً ثلاثة ... ولا بد من حتم الصروف العوابس
بعيس إياد انتهبت إلى التي ... تطم على مجرى النجوم النواحس
(1/208)
________________________________________
أسير بطرف ما يغمض ساعة ... وقلب على نهج المنية دائس
لنا نومة أنا نؤول إلى رضى ... وأما باقي النوى غير حابس
وقال الحارث أيضاً:
شكرت مسارعاً نعم الأيادي ... لخير الناس كلهم أياد
إلى ابن نزار جبت القفر حتى ... نزلت برحلة من غير زاد
تمدح لي فجئت إليه أسعى ... أجاب برأفة صوت المنادي
أجاب نداي إذ صموا لصوتي ... فرد بدعوة منه فؤادي
فلما أصبح قال لي: قم يا بني، فقمت معه فمشى وهو يحس بيديه الأرض حتى أتى إلى صخرة مطبقة على صخرة أخرى وبينهما خلل يسير فقال: ادن مني يا بني، فدنوت منه فأخذ عضدي وقلع الصخرة، فإذا تحتها سرب تحت الأرض فأخذ بمنكبي فأدخلني السرب وهو خلفي وحيات تصفر عن يميني وشمالي وريح زهمة تنطح وجوهنا. فسرت بين يديه حتى أتيت إلى صخرة أيضاً مطبقة على صخرة ليس لنا مسير، قال: فامسك عضدي بيده اليسرى وأدخل يده اليمنى إلى تحت الصخرة فقلبها فإذا بسرب آخر أسفل من ذلك، فأخذ بمنكبي لئلا أهرب عنه وأدخلني بين يديه. فسرنا حتى أفضينا إلى دار تحت الأرض مضيئة، ولا أدري من أين ضياؤها وفيها بيت قبلي إلى مكة. فقال لي: لا تخف مما ترى فانك ستخلص وتمشي على الدنيا من نسلك قبائل، قال: فخرج من البيت تنين أسود أحمر العينين يجر عرفه ودار في وسط الدار فصار كالجبل العظيم وجعل رأسه أعلاه. ثم دخلت البيت وأصبت في البيت أربعة أسرة ثلاثة عليها ثلاثة رجال وواحد ليس عليه شيء، وفي وسط البيت كرش من در وياقوت ولجين
(1/209)
________________________________________
وعقيان، فقال: خذ وقر جملك يا إياد، ليس لك غيره - فإن زدت غللت - وكان إياد دياناً بدين الحنيفية دين آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم أجمعين، قال
إياد: فأخذت وقر جملي دراً وياقوتاً وذهباً وتركت بقيته واخترت خياره ثم خرجت، فقال: أتدري من هؤلاء الموتى؟ قلت: لا، قال: هذا الذي يسار سريري الخالي مضاض أبي. وهذا الذي عن يساره عبد المسيح أبوه، وهذا الذي عن يسار عبد المسيح نفيلة أبوه ابن عبد المدان، قال وعلى رأس كل واحد منهم لوح من رخام مكتوب فيه كتاب بالمسند، فعمدت إلى السرير الذي كان عن يمين باب البيت فأصبت شيخاً كبير اللحية أسيل الخد تام العنق تام الصلب مسجى وعليه ثياب كالرماد السحق. فأخذت اللوح فقرأته فإذا فيه مكتوب: أنا نفيلة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود النبي صلى الله عليه وسلم - عشت خمسمائة عام وقطعت غور الأرض باطنها وطاهرها في طلب الثروة والملك، فلم يك ذلك ينجيني من الموت، وتحته مكتوب:
قد قطعت البلاد في طلب الثر ... وة والمجد قالصاً أثوابي
وسريت البلاد قفراً لقفر ... بعنائي وقوتي واكتسابي
فأصاب الردى بنات فؤادي ... بسهام من المنايا صواب
فانقضت شرتي واقصر جهلي ... واسترحت عواذلي من عتاب
فدفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب في محل الشباب
صاح أبصرت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب
قال: ثم ملت إلى الثاني فإذا بفتى لم أر أجمل منه وجهاً بوجه كدره القمر وأشفار سقطت على خده ولحية سوداء بلغت سرته وسترت صدره تام
(1/210)
________________________________________
العنق تام الصلب وعليه ثياب كالهباء. وأخذت اللوح الذي على رأسه فإذا فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن نفيلة بن عبد المدان، عشت مائة سنة وركبت مائة فرس، وافتضضت مائة بكر، وقتلت مائة مبارز، وأخذني الموت غصباً وأورثني أرضاَ وتحته مكتوب:
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني ... فلم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
قال: فملت عنه إلى الآخر فأصبت شيخاً آدم كث اللحية خارج الوجنتين قصير العنق واسع المنكبين وعليه ثياب كالهباء، فأخذت اللوح عن رأسه، فإذا فيه مكتوب: أنا مضاض بن عبد المسيح عشت ثلاثمائة عام، وأخذت مصر وبيت المقدس، وهزمت الروم بالدروب، ولم يكن بد لي من الموت، وتحته مكتوب:
قد تجرعت بعد طول زماني ... غصة فارقوني اللذات
لا تغرن عيشك اليوم دنيا ... عمرا ما منها له ميقات
منزل قد تحكم الدهر فيه ... ليس للنازلين فيه ثبات
كل شيء تخني عليه الليالي ... آخر الحزن والسرور الممات
ثم نظرت إلى لوح فوق رأسه معلق، فأخذته فإذا فيه مكتوب: أنا الحارث بن مضاض، عشت أربعمائة سنة، ملكت مائة، وجلت في الأرض ثلاثمائة سنة متغرباً بعد هلاك قومي جرهم. وتحته مكتوب:
هلَّ دمعي لفرقة الأحباب ... واغترابي عن معشر بالحضاب
(1/211)
________________________________________
أوطنوا الجزع جزع بيت أبي مو ... سى إلى النخل بين حجر وقاب
من ملوك متوجين لديه ... وكهول أعفة وشباب
وبهاليل كالليوث مصا ليس ... ت مغاوير في الحروب اللجاب
بحلوم رواجح وبهاء ... واقتدار على الأمور الصعاب
ونساء حواصل عاطلات ... وبدور مجوبة في القباب
نازلات بين الحجون إلى الخي ... ف خرا عيب كالدمى اتراب
ها هم نازلون بالذكر فيه ... حين غابوا به مغيب الشهاب
أسعدتهم أيامهم ثم ولوا ... ما على الدهر بينهم من عتاب
فهم المطمعون جوداً فعادوا ... طعمة للثرى وصم الخضاب
فلي الويح بعدهم وعليهم ... وإليهم من بعد ذاك مآبي
كل حي يموت حقاً فيفني ... سبب غالب على الأسباب
قال: ثم قال لي: يا بني أعطني تلك القارورة التي في تلك الكوة، فأعطيته إياها فشرب نصفها وأطلى بنصفها جسده. ثم قال لي: يا بني إذا أتيت أخوتك وقومك فقالوا لك: من أين لك هذا المال؟ فقل لهم: أن الشيخ الذي حملت الحارث بن مضاض الجرهمي، فهم يكذبونك، فقل لهم: هذه آية لكم فمر بهم على الحجر المدفون بجوار زمزم فقل لهم: إن مقام إبراهيم في هذا الحجر الأحمر وإن شعر الحارث في هذا الحجر الآخر وهو قوله: كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا. قال ثم قال لي: أعطني القارورة الأخرى فأعطيته إياها فشربها، ثم صاح صيحة ما ظننت إلا أن أهل الدنيا سمعوها، ثم مات مكانه، ثم تمكن على سريره وهجم علي التنين واستدار
(1/212)
________________________________________
في وسط البيت على ما بقي من المال وخرجت أنا فبلغت مكة. فقال لي أخوتي وقومي: من أين لك هذا المال؟ فأعلمتهم فكذبوني فمضيت بهم إلى الحجرين فرأوا مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقرأ وأشعره وهو هذا:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
فهل فرج آت بشيء تحبه ... وهل حزن ينجيك مما تحاذر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
ملكنا فاعززنا وأعظم قدرنا ... فليس لحي غيرنا شم فاخر
فإن تنثن الدنيا علينا بريبها ... فإن لها حالاً وفيه التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بالإنسان تجري المقادر
أقول وقد نام الخلي ولم أنم ... مدى الليل لا يبقى سهيل وعامر
وبدلت منها أوجهاً لا أحبها ... وبدل منها حمير ويحابر
فصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة ... كذلك عضتنا السنون الغوابر
وفيه حمام لا يراع أنيسه ... إذا خرجت منه فليست تغادر
فسحت دموع العين تجري لبلدة ... بها إلا من آمن الله فيه المشاعر
قال أبو محمد: وإن إياداً لم يعد إلى الموضع لما حرم عليه الحارث، وكان إياد على دين الحنيفية، وكان دين الحنيفية غالباً على العرب يدينون به حتى أنشأ عمرو بن قمعة الكناني - فهو أول من غير دين إسماعيل وإبراهيم ونفى أحكامهما - ولقد حدث ابن عباس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {رأيت عمرو بن قمعة وهو يجر قصبة في النار}
(1/213)
________________________________________
عمرو بن قمعة أول من عبد اللات - وهي صخرة عظيمة يلت عليه الطعام ويطعمه قومه - فسميت الصخرة اللات.
قال أبو محمد: حدثني أبي هشام عن أبي يحيى السجيستاني عن رجل من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن في أيام الإمام علي بن أبي طالب بالكوفة قال لي الرجل: خرجنا أنا وأبي إلى صحراء عدن وكان جدي ساكناً بعدن فدفن مالاً في صحراء عدن وأوصى أبي إنه احتاج أن يأتي موضع كذا من صحراء عدن، وانه قعد بنا الدهر فسرت مع أبي فأصبنا ثلاث روابي متقابلات، فقال لي أبي: لقد اشتبه علي الموضع، ما أدري أي هذه الروابي هي؟ فما رأيك؟ فقلت له: وهل بد من الحفر إن كنت تعلم أن المال في إحداهن، ثم لاح له أمر وعلامة فقال لي: احفر ها هنا، فحفرت فكنت إذا حفرت وأعييت حفر أبي مكاني حتى انتبهنا إلى بلاطة عظيمة فحرصنا على قلعها فعجزنا عن قلعها، ثم حفرت الثانية فوصلت إلى بلاطة أخرى مثل الأولى فأعجزتنا، فحفرنا الثالثة، فوصلت إلى بلاطة مثل
الأولين فأعجزتنا أيضاً فقال لي أبي: ما ترى يا بني؟ قلت له: أنت شيخ كبير لا تستطيع شيئاً، فهل لك أن تخلفني ها هنا وتمضي تأتي ببعير وعبد من عبيدنا؟ فقال لي: يا بني الموضع مهول وأخشى عليك الوحشة وغلظ البلد، قلت له دع عندي من الشراب والطعام ما يكفيني، وخرج على وجهه. فبات عني ليلتين، فلما كان في الليلة الثالثة وأنا قائم أصلي وكنت كثير التلاوة للقرآن، فلم أشعر إلا ورجل جميل الوجه نقي الثياب طيب الريح يمشي وهو يقول:
لولا تلاوتك القرآن ما امتسكت ... بالأرض رجلاك فاعلم أيها الرجل
في بلدة لعتاة الجن ماردة ... في كل أفق لها من همسها زجل
(1/214)
________________________________________
لك النصيحة عندي وهي واجبة ... على ذوي الدين إن لم يسبق الآجل
فاستوقر اليوم من رزق خصصت به ... ولا تعد راجحاً ينأى بك الأجل
قال: فحفظت الشعر. وطلع إلي أبي والعبد معه والبعير فأخبرت أبي بما كان، وأنشدته الشعر. ثم أتينا إلى ما حفرنا أولاً فقلعنا الحجر، فإذا بشيخ يده مغلولة إلى عنقه بغل من حديد، في هامته وتد من حديد حتى نفذ من دبره، وأصبنا عند رأسه ورقه من ذهب مكتوب كتاباً لا نعرفه. فأخذنا الورقة، وأعدنا البلاطة إلى موضعها وأهلنا التراب على البلاطة حتى رجعت كما كانت. ثم أتينا البلاطة الثانية، فإذا تحتها عجوز مسودة الذوائب واضعة إحدى يديها على رأسها والأخرى على عورتها وإلى جانبها كتاب في لوح لا ندري ما هو، فأخذنا اللوح وأعدنا البلاطة وأهلنا التراب عليها. ثم قلعنا البلاطة الثالثة، فإذا تحتها سرب دقيق ضيق، فدخلناه فأصبنا خابيتين مكشوفتين فيهما رجلان متقاربة أسنانهما متشابهان عليهما حلل مرصعة بالذهب ورأينا كتاباً على الجرتين لا نعرف ما هو، وأصبنا مالاً كثيراً ذهباً وفضة وغير ذلك من الدر والياقوت ما لم ير مثله قط. فقال لي أبي: وثقنا بالله وبالغنى وحبور الدهر، فقلت له: يا أبت وكيف الخلود مع الفناء لا
خير فيما يفنى وأم مالنا في هذا قليل في حياة قصيرة؟ فأوقرنا جملنا ثم أوقرنا نحن لنحمل فلم نقدر أن ننهض به، فلم نزل ننقص منه ونريد النهوض فلم نستطع حتى أخذنا في أيدينا ياقوتة ودرة فلم نقدر نهوضاً بهما. فقال لي أبي: الق ما معك يا بني فقد أخذنا رزقنا، فعلمنا أنا منعنا غير ما صار إلينا، فقلت لهما: قد رأيتما ما كان وإياكم أن يعود أحد منا فيهلك، وإن العبد أسر على مواليه الرجعة، فأعتق أبي العبد وكثرت نعمنا ووهب للعبد مالاً جسيماً يتجر به، وإن العبد أخذ لذلك الموضع ما يصلحه فأخذ معه عونين وسار
(1/215)
________________________________________
لأنه يعرف علامات الموضع، فلما نال من الغار توار عن عونيه ليقضي أربه وبات عوناه أرقين قد ذعرهما ما يريان من وحشة ذلك الموضع وهوله. فحدثني العونان قالا: سمعنا في جوف الليل حساً وذعراً وحركة شديدة من ناحية العبد واضطراباً، فجزعنا من القيام إليه لخوف داخل قلوبنا. فلما أصبحنا أصبناه ميتاً وفي حلقة آثار وفي ثيابه أخداش فحفرنا له وأوريناه وولينا هاربين لئلا يدركنا الليل في ذلك الموضع. قال: ومكثت الورقة واللوح عندنا سنين لا نجد أحداً يعلم ما فيهما، فبينما أنا في موضع، إذا أنا برجل من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، نبيل جميل وهو يسأل، فقلت له: والله يا عبد الله انك لجميل وخليق بالخير فما اضطرك للمسألة؟ فقال لي: يا عبد الله الحمد لله الذي أحسن أبيك وأغناك عن خلقه ومنعك من هذا المقام، اعلم إن الغنى والفقر حظان مقسومان كنت عظيم الدنيا فابتليت بأن سلبت وملك رقي فأعلمت الذي ملك رقي رجل من البغاة من بني الحارث بن كعب من أبناء الملوك فاشتدت قسوته علي حين أعلمته فتركته ليلة من ذلك حتى تباعد عن الحي في بعض حاجاته، فأخذت سيفاً لبعض أهل الحي وقتلته، فصاح لما ضربته فسمعه ولداه، فتبعاني فرجعت عليهما، فلقيت واحداً فطعنني فبريت قناته ثم أمضيت عليه ولقيت الآخر وبيده سيف فغلبت عليه فقتلته. فإن علاني الزمان فلكل شيء دولة
فالفقر يدال من الغني والسقم يدال من الصحة والهرم يدال من الشباب والموت يدال من الحياة. وقد كان سليمان بن داود بالمكان الذي علمت فابتلى بأن سلب ملكه وجلس عدوه على كرسيه، وابتلى بالفقر وتصدق عليه
(1/216)
________________________________________
وسلب النعمة أربعين يوماً، ثم رد الله عليه ملكه. وما ذلك كان من ذنب له عند الله ولكن ذلك صنعه بالنبيين والصالحين يبتليهم بذلك وينظر كيف صبرهم وليمحو ذنوبهم ويعظم في الآخرة أجرهم، قلت له: إنك لفقيه فما دينك؟ قال لي: الإسلام، قلت: فهل تقرأ؟ قال لي نعم: ثلاثة ألسن فوقع في نفسي أمر الورقة واللوح فأخرجتهما إليه فإذا هو يقرأ ذلك الكتاب وإذا هو بالمسند كتب، وإذا في الورقة التي كانت مع الشيخ المغلولة يده إلى عنقه والمضروب في رأسه وتد خارج من دبره، هذا الشيخ عمرو بن لحي أول من غير دين إسماعيل وعبد اللات. قال: وقرأ اللوح الذي أصبنا مع العجوز فإذا فيه: هذه سعدة بنت جرهم جلبت السحر من دنيا وند وتعلمته وسحرت سبعة أخوة من خيار جرهم فصيرتهم وحوشاً لا يقرون مع الأنس ولا يطمئنون إلى دعة ويرعون مع الوحش كما ترعى. فأتت أمهم إلى نابت بن قيذار بن إسماعيل في الشهر الأصم فقالت له: يا ولي الله إن سعدة الساحرة أتلفت أولادي عني أحوج ما كنت إليهم فأنا مؤمنة وهي كافرة فادعوا الله عليها، فقال لها: افعلي، فقالت: رب إنه الشهر الأصم حرمت ما حرمت فيه فانتقم ممن لم يحرم حرامك ولم يحل حلالك وقالت:
يا رب إن سعدة السحارة ... تحملت مآثما كباره
قد سحرت ظالمة أولادي ... وشردتهم فيغبا البلاد
هاموا مع الوحش مع الغفول ... ويعسفون غامض المجهول
فأبلها بنفسها يا رب ... ولقها سوء جزاء الكسب
وانسها السحر بعدل منكا ... واهتك لها ستر الحياء هتكا
ولقها ما عملت في عاجل ... وفرجن كرب المقام الهائل
(1/217)
________________________________________
قال نابت: اللهم افعل قال، فأنساها الله السحر وهتك عنها ستر الحياء فما لبست ثوباً حتى ماتت. ورجع السبعة النفر إلى نابت فأعلموه بما كان يتخايل لهم في أعينهم وقلوبهم، فدعا عليها نابت فهلكت فكففت، فلم تقبلها الأرض حتى غرقت، وذلك مقام الظالمين. فقلت له: هل لك أن تقيم عندي فأني توسمت فيك الخير وأزوجك؟ فقال: قد فعلت ذلك وأنت أهل لما أملت من الخير. فزوجته وشاركته في معاشي فأصبته موضعاً لما أملت ورجوت وقال لي: أين أصبت هذه الألواح؟ فقلت: في مغارة بصحراء عدن، قال: فاطرق ملياً فقلت له: مالك؟ قال لي: نعم لم يكن إسلامي إلا على مغارة قال لي: كنت أعبد ما يعبد قومي من الأصنام وكانت لنا أصنام على باب مغارة كنا ندفن فيها موتانا وكنت عاشقاً لابنة عمي، فكنت دهراً لا أستطيع ذكر ذلك، ثم إن الأمر عظم بي ففشا ذلك في أهل بيتي فمشوا إلى أبيها فسألوه أن يزوجها وكنت امرأ داعرا فقال لهم أبوها: كيف أزوجها وتسألوني تزويجه ولو سأل أحدكم أن يزوجه كريمته لم يفعل ولرده فارضوا لي ما ترضون لأنفسكم قال. فلما قال ذلك يئست منها قال، وخطبها رجل من غير له حسب ومال جم فزوجه إياها، فمكث أياماً معها ما شاء الله ثم إنه قال لأبيها لابد لي من الخروج إلى بلادي، فأذن له وأنها ماتت بعده وأدخلت في المغارة فغلب علي الوجد بها وجعلت تمثالها نصب عيني فألقيت ثيابي وأخذت ثياباً رثة كثياب سدنة الأصنام فأقبلت إليهم وصرت منهم وقلت لهم: إني أردت أن أكون معكم من سدنة الأصنام فأقبلت إليهم وصرت منهم وقلت لهم: إني أردت أن أكون معكم من سدنة الأصنام فقربوني، فلم أزل معهم حتى عرفت المكان الذي تركت فيه الجارية، فإذا هو بيت فيه أثريات من رخام في أثرة منها جسد
(1/218)
________________________________________
مكشوف الوجه. فأصبت غفلة من أصحابي وأتيت تلك القبور ومعي مصباح وجعلت
أتصفح واحداً بعد واحد حتى انتهت إليها، فلما رأيتها عرفتها، فلم أملك نفسي أن وقعت عليها، فجعلت ألثمها وأقبلها فسمعت ناحية البيت هينمة خفية فأوحشني ذلك وجعلت الثمها وأقبلها أريد منها أمراً وذلك بعد ثلاث لها وجعلت الهينمة تدنو مني، فإذا أنا بثلاثة نفر عليهم أحسن ما رأيت من الثياب بياضاً ورائحة طيبة ووجوه جميلة، وأخذني هيبة لهم فدنا أحدهم فتفل في وجهي وقال: بؤساً لك. ثم أتى الثاني فمسح على صدري فخفق قلبي في صدري وعشي علي بصري. ثم دنا مني الثالث فمسح يده على وجهي وصدري وقال: أضلت الأصنام عبادها واغتبط من عرف الله لا اله إلا الله محمد رسول الله، فتجلى عن بصري الغشاء وسكن قلبي في صدري. فوليت هارباً إلى نجران فأصبت دعاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فمضيت من فوري ذلك إلى المدينة فدخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاحمر وجهه كلما أخبرته حتى ذكرت له فعل الآخر وكيف ذهب عني عشا عيني وعن قلبي الوجيف فأشرق قلبه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله أهدني، فشرح صلى الله عليه وآله وسلم لي الإسلام، فأسلمت وقرأت سوراً من كتاب الله.
قال أبو محمد: حدثني أبو عبد الايلي عن ابن لهيعة إنه قال: إن آخر مال الحارث بن مضاض أصابه عبد الله بن جدعان التيمي من قريش.
قال: حدثني مكحول عن أبي صالح عن عبيد بن شرية الجرهمي، وكان عبيد بن شرية معمراً أدرك حرب داحس وبلغ إلى أيام معاوية في الإسلام وكان مسامراً له. قال عبيد: جمع الحجيج بمكة عبد الله بن جدعان وكان أوسع المال كثير المعروف جواداً، فاجتمع وجوه العرب في داره
(1/219)
________________________________________
على مائدة، فقلنا له: ما كان أصل مالك يا عبد الله؟ قال: نعم كنت صعلوكاً من صعاليك قريش فتاكاً أطلب الغوائر فبينما أنا كذلك إذ آتاني عامر البراض أخو بني كنانة فقال لي: ألا أبغيك قنصاً يا
عبد الله، قلت: نعم، قال لي: أن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن نزل بعراعر آمناً على أسرابه فركبت فرسي وسرت أنا ومالك البراض، فطردنا مائة ناقة حتى ألقيناها بالطائف، فأرسل كلاب إلى قريش أن سفيهكم أغار علي وطرد لي مائة ناقة فليس لكم أن تشهدوا سوق عكاظ ولي لديكم وبرة. وكان عكاظ في وسط أرض قيس عيلان، وإن قريشاً ائتمرت بقتلي لا أجني عليهم الجرائر فيطلبون بسيء وهم تجار لا يستغنون عن بلد. فلما أتيت منزلي من الطائف قيل لي: إن قبائل قريش ائتمرت بقتلك فانج بنفسك، فأخذت زاداً ومزاداً وخرجت هارباً مع الصباح إلى دوحة الزيتون أتظلل فيها وقريش تطلبني، واني أتيت دوحة الزيتون هارباً مستسلماً للقتل، فلم أزل أهرب وأطلب موضعاً أختفي فيه والقوم في طلبي حتى أتيت إلى حجر طبق على حجر بينهما خلل يدخل منه النحيف متجانفاً في ذلك الخلل، فدخلت وأدخلت معي زادي ومزادي، ثم هال علي السرب، ثم قلت لنفسي موتي في هذا السرب أحب إلي من أن يقتلني قومي فيشمت عدو ويحزن حبيب وأترك قومي دحلاً في قريش. فسرت هارباً ملججاً في السرب حتى دخلت داراً عظيمة فيها بيت وفي وسط البيت جوهر وياقوت ولجين وعقيان وفيها أربعة أسرة على كل سرير رجل قاعد وعلى رأسه لوح من رخام مكتوب بالمسند. فقرأت الألواح فأصبت فيها أن أهل الألواح الحارث بن مضاض وعبد المسيح ونفيلة ومضاض بن عبد المسيح فأقمت خمسة أيام في ذلك البيت آكل من زادي وأشرب من
(1/220)
________________________________________
مزادي حتى أيست قريش مني فخرجت ليلاً وأحرزت فلم أجد أحداً في الغيضة فأخرجت ما أصبت من المال وأخذت الألواح خيفة من قريش تكون لي عندهم براءة، ثم بلغت منزلي فأخذت جملاً وخرجت إلى ذات الحليفة ليلاً. فلما أصبح أتت سيارة يريدون مدين، فسرت معهم لا يدرون من أنا ولا ما معي حتى بلغت مصر فبعت ما معي وأصبت مالاً
جليلاً فرجعت فنزلت ينبع على مالك البراض أخي بني كنانة، فقصصت عليه قصتي مع قريش، فقال لي: هاك خمسين ناقة واجعل أنت مثلها وسر بنا إلى كلاب فقلت لها: لا أنا قد وسع علي في رزقي ولكن اشتر لي مائة فاشتراها وسقتها أنا وهو حتى أتينا كلاباً فأرسلنا إلى ابنه جعفر بن كلاب فدفعنا إليه العكرة من النوق، ثم تبعنا كلاب في بيته وهو شيخ كبير فقلت له: لا تموت هزلاً، فلما آتانا قال لي: ارجعوا بالرحب والسعة، فرجعنا من عنده، ثم سرنا إلى سوق عكاظ وأرسلت إلى قريش فشهدت عكاظ ذلك الموسم، ثم انصرفت معهم إلى مكة، فلما ظهر بعض مالي وثبوا علي وقالوا: غدرت وأعلمتهم بما كان من المغارة وأخرجت لهم الألواح فأرسلوا معي خويلد بن أسد بن عبد العزي وخويلد أبو خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووهب بن عبد مناف الزهري وهو جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو آمنة أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فسارا معي وسرت بالألواح حتى دخلت ودخلا معي وعاينا الأشباح قالا لي رد الألواح فرددت كل لوح إلى مكانه وخرجنا واعتونا على حجر عظيم فسددنا به الخلل لئلا يكون القبر ملعبة للسفهاء.

ولاية عمرو بن الحارث بن مضاض
قال أبو محمد: إنه لما هرب الحارث بن مضاض من مكة، ولي الملك بعده
(1/221)
________________________________________
عمرو بن الحارث بن مضاض، وكان ملك عمرو ملكاً ضعيفاً، فأقام بذلك مدة، ثم مات فولي الملك بعدة بمكة وأرض تهامة ابنه البشر بن عمرو ابن الحارث بن مضاض، فأقام بمكة دهراً طويلاً وكان ملكه من تحت ملك بلقيس حتى أتى سليمان بن داود مكة والبشر يومئذ ملكها فآمن البشر بسليمان وأمره أن يدفع أمر مكة إلى بني نابت بن إسماعيل، وكان آخر ملك تملك من جرهم البشر إلا إنه أقرهم على السقاية وتركهم على سدانة البيت فولي أمر مكة عدنان دهراً طويلاً،
ثم مات فولي مكة بعده ابنه معد بن عدنان، فأقام دهراً طويلاً، ثم مات، فتنازل الأمر بمكة بين نزار بن معد وقنص ابن معد فغلب عليه نزار فخرج قنص إلى العراق فزعم بعض أهل النسب أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة إنه من أبناء قنص بن معد.
قال أبو محمد عن البكائي عن أبي مالك عن محمد بن إسحاق: إنه لما افتتح عمرو بن الخطاب العراق دخلت مغارة في الحيرة فأصابوا فيها سيف النعمان المرهف فأتوا به إلى عمر فقال جبير بن مطعم - وكان جبير نسابة عن أبي بكر - فقال له عمر: ممن كان النعمان بن المنذر؟ قال: سمعت أبا بكر يقول: هو من أشلاء قنص بن معد بن عدنان، فسلحه عمر بالمرهف سيف النعمان.
وأقام نزار بن عدنان بمكة مقدماً دهراً طويلاً.
قال أبو محمد: حدثني أبي عن محمد بن السائب الكلبي عن علماء العرب أن نزار بن معد بن عدنان لما حضرته الوفاة قسم ماله بين أولاده وكانوا أربعة - وكان أكبرهم إياد - وقال: لك العصا والحلة وأنت صبي. وقال: يا مضر لك القبة الحرماء وهي قبة من أدم، وقال لربيعة: لك
(1/222)
________________________________________
الفرس والقنا - فسمي مضر الحمراء وربيعة الفرس - ويا انمار: لك النخلة امة سوداء والحمار. وقال عباس بن مرداد السلمي يذكر مضر الحمراء:
إلى مضر الحمراء ينمي عديدنا ... وأحسابنا إذ مجدنا غير قعدد
وقال الحارث بن أوس يذكر ما ورث إياد من أبيه نزار:
نحن ورثنا من نزار كله ... ونحن أرباب العصاء والحلة
وأما ربيعة بن نزار فانه سمي ربيعة الفرس للفرس الذي ورث من أبيه لأنه اختصه به دون أولاده، وعمر ربيعة دهراً طويلاً فسمي ربيعة القشعم.
قال أبو محمد: أكرم الإبل في العرب ابل مضر المهاري وخيل ربيعة أكرم
الخيل، ثم خيل بني تغلب خاصة، وغنم انمار أكرم الغنم تأكل في سواد وتربض في سواد وغير ذلك انقص. وأوصى ربيعة للأكبر من ولده فأول من ورث الخيل عنزة بن أسد بن ربيعة.
قال أبو محمد: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدثنا محمد ابن إبراهيم حدثنا محمد بن السائب الكلبي قال: حدثنا إسماعيل بن مخزوم عن ابن عباس قال: لما حضر نزار بن معد الوفاة جمع بنيه وهم أربعة: إياد الأكبر وابنه ربيعة وابنه انمار وابنه مضر، وكانت أم مضر وربيعة عاتكة بنت يزيد بن زيد بن عمرو بن الهدهاد الحميري، وأم إياد أروى بنت ليث بن عمر الكلبي، وكانت أن انمار وازعة بنت غالب من بني مالك بن عريب ابن زيد بن كهلان. وقال لما حضرت نزار الوفاة: أوصى إياداً واستخلفه في أهله وأوصى له بأمة شمطاء وبالحلة والعصا، وأوصى لمضر بالقبة قبة حمراء من ادم وخاتمه من ذهب فسمي إياد الشمطاء ومضر الحمراء، وأوصى لربيعة بالفرس والقناة واللواء فسمي ربيعة الفرس، وأوصى لأنمار بالحمار
(1/223)
________________________________________
فسمي أنمار الحمار. وأعطى لكل واحد منهم قلة مسدودة على فمها وقال لهم: اذهبوا إلى القلمس بن عمرو - أفعى نجران - فهو حكيم العرب وقاضيهم. فلما مات نزار بن معد بن عدنان رثاه ابنه ربيعة، فقال - وهو أول من قال الشعر من بني معد بن عدنان:
نزار بن خير الناس قدما وحادثاً ... معد بن عدنان سنا ليس يقبر
فمن لمجال الروع والموت حائم ... إذا الخيل تدمي والفوارس تزأر
سيذهب روح العز عن مستقره ... ويقبر معروف الندى حين يقبر
سكنت بأعلام المحصب من منى ... وخلفت ريب الدهر في الخلق يعبر
فيا ليت شعري ما الذي قلت بعدنا ... ويا ليت شعري أم إلى أين تعبر
ثم أنهم ساروا فمروا بكلبة وجرو صغير يرضعها فنبحهم الجرو والكلبة ساكتة
فعجبوا منه، ثم ساروا على مزابل منورة فتعجبوا منها، ثم أتوا على طريقهم فأصابوا ثلاث شجرات معطفة متقابلات واحدة في طريقهم وأخرى بارحة والثالثة سانحة، وعلى السانحة طائر وعلى البارحة طائر آخر فيطير الذي على البارحة إلى السانحة فينزل عليها ويطير الذي على السانحة إلى البارحة فينزل عليها، ثم يقيمان ساعة فيعود هذا إلى مكانه ويعود الآخر إلى مكانه والوسطى من الشجرات لا ينزل عليها منهما أحد. ثم ساروا فأصابوا شيخين قد اقتتلا وتضابطا باللحى، فأمروا انمار الصغير أن يفرق بينهما فأقبل انمار ليفرق بينهما، فكلما ضرب أحد منهما صاحبه وقعت الضربة على أنمار حتى أوجعاه فتركهما وتبرأ منهما. ثم نزل إليهما ربيعة ففعلا به مثل ما فعلاه بانمار، فلما أوجعاه تبرأ منهما، فنزل إليهما مضر. فلما دنا منهما افترقا وفر كل واحد منهما إلى ناحية، فلم يبعد كل واحد
(1/224)
________________________________________
منهما عن صاحبه حتى غابا. ثم ساروا فمروا على آثر جمل فقال إياد: هذا أثر جمل أعور. وقال مضر: بل أبتر، قال ربيعة: بل أزور. وقال انمار: بل شرود. فلقيهم صاحب البعير فقال: هل أحسستم من بعيري حساً؟ فقال له إياد: هل هو أعور؟ قال: نعم، وقال له مضر: هل هو ابتر؟ قال: نعم، وقال له ربيعة: هل هو أزور؟ قال: نعم، وقال له انمار: هل هو شرود؟ قال: نعم قال لهم: فأين البعير؟ قالوا: ما رأينا لك بعيراً. فتعلق بهم ثم أتوا أفعى نجران وهو متعلق بهم، فقال: أيها الحكيم ان بعيري قد ضل وهؤلاء عرضوا علي صفته وأبوا أن يدفعوه إلي! فقال لهم أفعى نجران: ادفعوا إلى الرجل بعيره أن أحطتم به علماً، قالوا له: مررنا على أثر بعير فعرفنا صفته بالأثر، قال لهم: كيف وصفتم؟ قال له إياد: مررت بأثر بعير أعور، قال له مضر: مررت بأثر جمل ابتر، قال له ربيعة: مررت بأثر جمل أزور، قال له انمار: مررت بأثر جمل شرود. قال لإياد: ما دليلك إنه أعور؟ قال: رأيته يركب أثر عينه الصحيحة وعليها رعيه. قال لمضر:
ما دليلك إنه أبتر؟ قال: رأيت بعيره يقع مجتمعاً ولو كان له ذنب لفرقه به ووقع منتشراً، وقال لربيعة: من أين علمت إنه أزور؟ قال: رأيت أثؤر خفي يديه يركب بعضهما بعضاً وربما خالف بينهما فعلمت إنه أزور، ثم قال لانمار: من أين علمت إنه شرود: قال: رأيت أثره ربما زاغ عن طريقه فعلمت إنه يروغ عن طريقه يعترض له فيروغ، ولو كان غير شرود لأصبناه ثابتاً في مكانه. فقال أفعى نجران للرجل: اذهب اطلب بعيرك فليس هؤلاء به. ثم نظر إليهم أفعى نجران طويلاً فقال: (إن العصا من العصية وإن خشينا من أخشن وأراد الجبيل من الجبل وإذا لم يبرق لمع نور يدب أي حراك بنور، فذهب مثلاً.
(1/225)
________________________________________
قال أبو محمد: في قوله لم يبرق لمع نور يدب: إلى حرار يثرب أراد إنه رأى عليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم القائم بيثرب. قال ثم أمر لهم بطعام وشراب، ثم أجلسهم مجلساً وقعد قريباً منهم يسمعهم ويراهم وهم لا يرونه، ثم قال لغلام له: يا غلام رأيت قوماً خليق أن يكون لهم نبأ عظيم، فلما أكلوا وشربوا وكان قدم إليهم عناقاً مشوية وخمراً. فقال إياد: هذه العناق أرضعتها كلبة، وقال مضر: إن هذه الخمر من كرمة نبتت في قبر، وقال ربيعة: إن هذا الرجل صاحبنا لغير أبيه، وقال انمار: إن هذا الغلام الذي آتاكم بالطعام من أبناء الملوك الحر. فقام أفعى نجران إلى الراعي، فقال له ما قصة هذه العناق؟ قال الراعي: ماتت أمها ولم يكن في الغنم شاة تحلب فأرضعتها هذه الكلبة. ثم أتى صاحب الكرم فقال له: هذه الخمر من أي كرم عصرتها؟ قال له: من هذه، قال له: احفر! فلما حفر على عروقها فأصابها في جوف طفل صغير شقيت جوفه، ثم أتى أمه فقال لها: نزل بي شياطين وقد زعموا أني لغير أبي وقد صدقوا في كل ما قالوا فاخبريني واصدقيني، فإن كشفك غدا أعظم من كشفك اليوم والحكم اليوم لك وغدا عليك، قال: يا بني ما عملت تحقيق أمري ألا يومي هذا وما كنت داعرة ولا كان
أبوك عاهراً غير إنه تنافس أبوك وعمك، وكان أبوك شديد الملكة قاسياً، فضجرت الرعية منه فلجأت إلى عمك فقدموه وقاموا به على أبيك فتحاربا دهراً طويلاً، وإن أباك أتجمع إلى البلقاء من أرض نجران وأنه خرج تلقاء البحرين في عسكر وبلغ عمك الخبر فأتى بعسكر، وأخذ جميع الحي وصار بي إلى قصره وأدخلني القصر وأنه سكر ليلة من ذلك وغلبه السكر فخرج يمشي في قصره فلقيني فوقع علي. فلما أصبح أخبر بما فعل فندم وخلي سبيلي، وأتيت أباك فكنت في شك من
(1/226)
________________________________________
أبيك وعمك. وتالله ما كنت أرضى بالزنا وأنا كريمة لكرم وإن عمك حرم الخمر على نفسه، وهو أول من حرمها، وقال:
شربت من الخرطوم صهباه مزة ... لها مسلك بين الحشا والجوانح
لها نشوة تدعو الحليم إلى الصبا ... وتذهب من أحزانه كل فادح
سوى أنها بالحي تجحف بالفتى ... وتفسد من أحواله كل صالح
تجور بأهل الرأي عن فصل رأيهم ... وتزري بأرباب الحلوم الرواجح
إذا لم أكن أنفك فيها أبت بها ... على شرجع ما بين أيدي النوائح
فوالله ثم الله لازلت بعدها ... لها قالياً ما بين غاد ورائح
أحرمها ما حرم البيت ربه ... وتحريم إبراهيم دم الذبائح
وهو هرم بن عمرو - وكان أول من حرم الخمر على نفسه بلا ديانة - قال، ثم أتى إلى القوم وهو لا يدري من هم وقد سمع ما سمع منهم، فجلس مجلس قضائه وأحكامه ثم قال: ائتوني بالنفر المستضيفين، فقال لهم: هل من حاجة أقضيها لكم وتنصرفون؟ قالوا: نعم أيها الملك آتيناك نسألك عن بعض شأننا ونتحاكم إليك في أمرنا، وكان أفعى نجران أعلم أهل ذلك الزمان بعلم سليمان بن داود عليهم السلام، وكان داعياً من دعاته وكان قبل سليمان أعلم العرب بالنجم والزجر، وكانت العرب أعلم أهل الدنيا بالنجم عن إبراهيم وإسماعيل. فقالوا له: أيها الملك
خرجنا نريد إليك في أمورنا فرأينا ثلاث شجرات سانحة وبارحة ووسطى على طريقنا، وعلى السانحة طائر وعلى البارحة طائر فجعل الذي على السانحة يطير إلى البارحى ويعافي الوسطى، ففعلا ذلك مراراً قال لهم: سيأتي زمان يهدي الغني إلى الغني والضعيف المحتاج بينهما لا يهدون إليه شيئاً، قالوا: ثم مضينا إلى
(1/227)
________________________________________
رياض جديدة وأقضينا منها إلى مزابل منورة، قال: سيأتي زمان يرتفع فيه العبيد والسفلة ويذلك فيه ويسقط الأحرار والأخيار. قالوا: ثم سرنا على كلبة وعلى بطنها جرو صغير ولا يكاد يقف، أعمى العينين فنبح وأمه ساكتة قال: سيأتي زمان ينطق أهل الجهل ويصمت العلماء. قالوا: ثم مررنا على شيخين وقد تضابطا باللحى فأمرنا أخانا وهو أصغرنا يفرق بينهما فاختلف بينهما الضرب فكان يقع عليه، فلما أوجعاه تنحى عنهما وأمرنا آخانا هذا الثاني ففعلا به كذلك، فزوال عنهما ثم أمرنا آخانا الثالث، فلما دنا منهما افترقا وهربا منه فجعل كلما دنا منهما وليا هرباً حتى غابا عنا، فال فنظر إلى مضر وهو الذي هربا منه نظراً طويلاً فقال له: بخ بخ أنت الشجرة المثمرة. ثم قام عن مجلسه فأجلسه فيه، ثم قال لهم: ذلك شيطانان أرادا أن يخبراكم ليعلما أيكم السبط وأنت أيها المرء مضر بن نزار في ظهرك محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكرم مولود وأحمد محمود له الدعوة الصادقة اليوم والمقام المحمود غداً به تستنقذون من الهلكة وبه تنالون الزلفى، وأنتم بنو نزار اختلفتم في ميراثكم وجئتم إلي أحكم بينكم وأنتم كما أرى وتسألوني؟ قالوا: إن أبانا أمرنا أن نأتيك إن اختلفنا تحكم بيننا، قال: فإن القبة والخاتم لمضر وإليه حكوماتكم، وإن إياد صاحب العصا والكلمة والحلة والشمطاء وإليه أمر معاشكم، وإلى ربيعة صاحب الفرس والقناة واللواء أمر حروبكم، فكونوا تحت لوائه في الحروب، وأما انمار صاحب الحمار فاحملوا عليه فادح وصاحب خدمة أهل الدنيا أعطاه الحمار لتكونوا له كذلك فقال في ذلك بعد ذلك الزمان
يحيى بن أبي سلمة البجلي وبجيلة من ولد انمار.
(1/228)
________________________________________
نزار كان أعلم حين أوصى ... لأي بنيه أوصى بالحمار
قال: أعطوه القلال المطبوع عليها، ففك قلة إياد فأصاب فيها تقليم الأظفار قال: يا إياد خذ ماله من عبد وغيره، ثم فك قلة مضر فأصاب قطعة من ذهب وقطعة من فضة، قال له: يا مضر خذ ما ترك من ذهب وفضة، ثم فك قلة ربيعة فأصاب قطعة مة حافر فقال له: خذ ما ترك من فحل وحافر وفرس وبغل وحمار، ثم فك قلة انمار فأصاب فيها ظلفاً فقال له: يا انمار لك الخف والظلف فتراضوا بذلك فقال: الأرض بينكم فقيل من يومئذ إياد الشمطاء ومضر الحمراء وربيعة الفرس وانمار الحمار. وكان أطولهم ربيعة وكان يقال له لذلك: ربيعة القشعم وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبشير بن الخصاصية السدوسي (ألست من ربيعة القشعم اللذين يزعمون إنه لولا ربيعة لانكفأت الأرض بأهلها) قال: نعم يا رسول الله. وكانت تلبية ربيعة في الجاهلية: لبيك ألهم لبيك رب ربيعة القشعم ثم لبيك. قال علي بن أبي طالب: نعم الحي ربيعة إباء الفجار أنجاد سادة.
قال أبو محمد: حدثني أسد عن أبي إدريس عن وهب عن ابن عباس إنه قال: لما ولي الملك ناشر النعم، وإنما سمي (ناشر النعم) أي محي النعم لما أحيا ملك حمير بعد أربعين عاماً أيام سليمان بن داود عليهما السلام، وناشر النعم هو مالك بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ.
قال أبو محمد: لما ولي ناشر النعم الملك جمع حمير وقبائل قحطان وخرج
(1/229)
________________________________________
بالجيوش إلى ما حوى آباؤه والتبايعة العظماء فوطئ موطئاً من الأرض عظيماً واشتد سلطانه فخرج إلى المغرب حتى بلغ إلى البحر المحيط فأمر ابنه شمر وهو شمر يرعش بن ناشر النعم، وإنما سمي يرعش لأنه مسه ارتعاش من شرب
الخمر. وقال الايلي: كان يسمى شمر يرعش، والشمر: البوار في لغة حمير، أن يركب البحر المحيط فركب في عشرة آلاف مركب وسار يريد وادي الرمل، وقال له: لا ترجع حتى تعبره وترجع إلي بما رأيت، فركب شمر ونزل ناشر النعم على صنم ذي القرنين فأخرج عساكر إلى الإفرنج والسكس وعبرت عساكره إلى أرض الصقالبة فغنموا الأموال وسبوا الذراري ورجعوا إليه بسبي من كل أمة في جزائر البحر. ثم سمع بالليل دوياً عظيماً على رأس منارة الصنم وهبت ريح عاصفة تكاد تهلك من معه فسمع عند وجه الصباح هاتفاً من رأس المنارة وهو يقول: أبي الله، أبي الله، سبق العلم الأول بالسبب الصادق والعلم النافذ من طلب معدوماً عدم، فقال ناشر النعم: يا أيها الناس هلك ابني شمر يرعش ومن معه. ثم أقبلت مراكب شمر يرعش بعد أيام وقد هلك منها ألف سفينة ونجا تسعة آلاف فقال لشمر يرعش: ما ردك يا شمر يرعش عن أمري؟ قال: أيها الملك حيل بيني وبين الحكم سمعت دوياً عظيماً وقعقعة علت رؤوسنا فكدت أن أهلك، ثم سمعت هاتفاً يقول: سبق العلم من طلب معدوماً عدم. ثم هبت الريح ففرقت المراكب، فلم تجتمع إلى عند قال: فعبر ناشر النعم البحر وسار على ساحله يريد أرض الحبشة فأخذها، ثم قفل على طريقه خوفاً من المخالب إلى ساحل البحر من شمال الأرض حتى بلغ مدينة شداد بن عاد فأقام فيها حولاً. ثم سار إلى المشرق، ثم أرسل عساكره إلى عزوة أرض الروم بني الأصفر وملكهم يومئذ باهان بن سحور بن
(1/230)
________________________________________
مدين بن روم بن اسطوم بن روم بن اسطوم بن روم بن ناطس بن سامك بن رومي بن عيص، وهو الأصغر ابن يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم فلقيهم فهزموه وغلبوا عليه فهرب منهم إلى جبل فاعتصم به ورجعوا إليه بالغنائم والسبايا، وكان باهان متوجاً، ثم مر على أرض بابليون وأخذ على الشام يريد مطلع الشمس.
قال أبو محمد: لما رجع شمر إلى أبيه من المحيط أمر بمنارة فبنيت إلى جانب
منارة ذي القرنين، ثم أمر فكتب في صدر التمثال الذي عليها من النحاس بالمسند: ليس وراء هذا المكان مذهب لا يتكلف المضي أحد فيعطب بلغ من بلغ أثره وانتهى قدره، ثم أمر بالمنارة التي بني فهدمها ومضى.
قال أبو محمد: لما توجه إلى المشرق نشر النعم عبر قنطرة سنجة، ثم قال:
أنا تبع الأتباع في المجد والندى ... نشرت علا الآباء في الزمن الخالي
ملكت وقومي مالكون ولم أكن ... لا ملك أعلى الملك إلا بأمثالي
فرضت ملوك الأرض شرقاً ومغرباً ... جبالاً اسامي شامخيها باجبال
يجمع كأن الليل تحت متونه ... بقوم غضاب غير نكس وأعزال
فدانت لنا الأيام شرقاً ومغربا ... وسقنا سبايا كل حجل وخلخال
وأذعن منها كل عاص ممنع ... واسلم فيها ما حوى ثم من مال
وأقبلت نحو الشرق للصين قاصداً ... أدافع باب الترك جالاً على حال
فهل تبلغ الأقوام في المجد مجدنا ... واني لهم في المجد في المركب العالي
ولم أصحب الدنيا على أن لي بها ... خلوداً ولكن أغمضت عنه آجالي
واني على ما نلت من ذاك موقن ... بأني سافني ثم تهلك آمالي
ألم تر آثار الذين تقدموا ... تولوا عن الدنيا وباتوا بأوجال
قال: فغلب على أرض الترك، ثم سار على طبرستان وباب الأبواب
(1/231)
________________________________________
ولجج جبال الصغد إلى أرض الكرد والزط والخوز وفرغان فغلب عليهم. فلما فصل يريد أرض التبت إلى الصين وأرض الهند وصار بنهاوند ودينور مات فدفنه شمر ابنه وولي الملك بعده.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 8 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

ملك شمر يرعش بن ناشر النعم
وقال شمر يرثي أباه ناشر النعم:
بمغاني الأيك والسمر ... ملك أشفى على قدر
ما على الأرضين إن ونيت ... عن سنا الدنيا أبي شمر
ماتت الدنيا لميتته ... ونأى بالسمع والبصر
يا منار العز عدت صدى ... بنهاوند ودينور
ثم قفل بالجيوش يريد أرض المغرب، فاخذ على باب ونزل بغمدان، وولي الملك شمر يرعش وهو تبع الأكبر الذي ذكره الله سبحانه في القرآن لأنه لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه لم يكن عنده من العرب طرف أغنى وأقنى يتجاوز عن مسيئهم ويحسن إلى محسنهم فكان جميع العرب بنو قحطان وبنو عدنان شاكرين لأيامه، وكان أعقل من رأوه من الملوك وأعلاهم همة وأبعدهم غوراً وأشدهم مكراً لمن حارب فضربت به العرب الأمثال وهو عندهم تبع الأكبر وإن كان قبله تبابعة عظماء أعظم منه ولكن لمحبتهم فيه وعظمته في قلوبهم. وإن الصغد والكرد والخوز والزط والقوط كلهم بنو يافث بن نوح النبي صلى الله عليه وسلم بعثوا إلى إخوانهم من بني يافث من كان منهم بأرض أرمينية إلى بلجا وجاجا فقالوا لهم: ألا تغضبون
(1/232)
________________________________________
لما نزل بنا من ناشر النعم سبى منا مائة ألف بكر وقتل منا مائة ألف مقاتل فأجابهم إخوانهم من بني يافث إلى النصرة والقيام وهم: الترك والديلم والغور والخوز وبلغ ذلك بني فارس بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح. فاجتمعوا اللسان الأعجمي وكرهوا أيام التبابعة لما يكلفونهم من السخرة في المغازي وغير ذلك من أصناف العمل من المتاع والسلاح. فقدم بنو فارس قباذ بن شهريار الفارسي في الملك وتوجوه وإن الصغد والكرد وأهل نهاوند ودينور عمدوا إلى قبر ناشر النعم فهدموه وفرقوا رخامه وزجاجه وما كان فيه من جزع وغيره وبلغ ذلك تبعاً شمر يرعش فنذر الله نذراً ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلاً منيعاً شامخاً كما كان وغضب غضباً شديداً وغضبت العرب لغضبه، وكان بنى قبر أبيه ناشر النعم بالرخام الأبيض والأحمر والجزع الأزرق والأحمر حتى
جعله جبلاً منيفاً شامخاً وأمر جميع من حوله من القبائل ألا تقرب منه ولا يقطنون حوله فيدمونه وما حوله فأمر تبع شمر يرعش بالجيوش فبرزت وخرج جميع أهل جزيرة العرب طوعاً وغضباً لغضب شمر يرعش بمحبتهم فيه فخرج في عساكر لم يجمع أحد مثلها من التبابعة من بعد ذي القرنين وبلغ ذلك بني يافث وقدمت فارس قباذ إلى قتال تبع شمر يرعش وأقبل بنو يافث بأجمعهم يناصرون قباذ وهم: الترك والديلم والخزر والغور والتبت والصغد والكرد والزط والخوز، وبلغ ذلك شمر يرعش وكان انتصاب قباذ بن شهريار ومن معه من فارس وبني يافث بجبال الري، فسار تبع شمر يرعش حتى نزل بالمشلل فخلف ابنه عمراً الأقرن بالمشلل في مائة ألف فارس وخلف ابنه صيفياً بعمان في مائة ألف، ثم سار فترك العراق الذي فيه جمع فارس وبني يافث وقصد الجزيرة وأخذ على الفرات يريد أرمينية وأنشأ يقول:
(1/233)
________________________________________
اثن على الله بالآية ... وارغب إلى الحق عن الباطل
لعله ينسى مدى إنه ... ويرسل العاجل للآجل
إلى مجوس الصغد والكرد أو ... خزر محل الأرذل السافل
فقل لقحطان حلوم النهى ... أهل المقام الباذخ الهائل
وقل لعدنان سليل الرضى ... قوموا فإن الرشد للفاعل
أنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واصطرع الناس بألبابهم ... نقضي بعلم فاصل عاجل
لا نجعل الجاهل في أمره ... يوماً ولا الأنوك كالعاقل
ولا ذوي الغفل كأهل الحجا ... ولا رشيد الرأي كالجاهل
نقضي على ذا وعلى ذا بما ... نقضي على العالم والواهل
لعام أحلام لها منصب ... يجلي عمى الجهل عن السائل
برزت في جمع كمثل الحصى ... يقذف بالرامح والنابل
تسعين ألفا كالدبا يلقها ... والدهم مثل العارض الوابل
والكمت والشقر وأسرابها ... مثل القطا المستورد الناهل
والخيل تشتد بفرسانها ... بكب قرم ماجد باسل
يا لك من جمع إذا ما دنا ... ليس بموهون ولا خاذل
أقسم لا أنفك حتى أرى ... جماجماً تسحج بالآفل
والسيف يمضي والردى حاكم ... يحكم بالمقتول للقاتل
إن أغفلوا العهد وآياته ... فإن شمراً ليس بالغافل
سيصبحوا يوماً على ذلة ... تجحف بالمأكول للآكل
كم من فتاة طفلة غادة ... تصبح بالفيء إلى النافل
(1/234)
________________________________________
نكاح نمي غير ذي رشدة ... تفرح أو تحزن للعاقل
إن صبحوا الأمن فلابد من ... ساعة شغل في مدى شاغل
حتى يذيقوهم حتوفاً كما ... ذاقت ثمود الحتف في العاجل
لنا وجوه الأرض مأمورة ... نطاع باليم وبالساحل
والذهب الأحمر يجبي لنا ... يحمله الرق مع الجامل
والمسك والأنجوج من صيته ... والدر في أصدافه الذابل
لاشين إلا الموت يحدو بنا ... محلول الموت في تائل
وإن تبعا شمر يرعش بلغ أرمينية فبلغ ذلك قباذ فأمر الترك بالمسير إلى أرمينية، فسارت الترك تريد أرمينية فقاتلهم قتالاً شديداً، ثم هزمهم فقتلهم قتلاً ذريعاً إلا من تحصن له في قلة جبل وسبى وخرب المدائن من أرض أرمينية وإن قباذاً زحف من موضعه يمن معه من فارس وفرغان والصغد والكرد والزط والخوز يريد أرض العرب لما بلغه ان تبع يرعش بأرمينية فسار قباذ بن شهريار حتى بلغ
حنوقراقر من ارض العراق وبلغ ذلك عمراً الأقرن ابن شمر يرعش تبع فلقيه بالمشلل فاقتتلوا أياماً وبعث الاقرن إلى أخيه صيفي فآتاه من عمان في مائة ألف ونفر إليه المخلفون من أهل اليمن في مائة ألف فلما وصل صيفي إلى أخيه الاقرن هزم قباذ فهرب إلى القادسية فطلبوه، فهرب إلى القصر الأبيض من جبال خراسان وتحصن في رؤوس الجبال، وبعث الأقرن وصيفي إلى أبيهما فاعلماه بما كان من أمر قباذ، فرجع من بلجا وجاجا، وقد أمعن في قتل أهل المشرق فعبر الفرات وسار يريد أرض بابل، ثم قصد قباذ بن شهريار وقد تمنع في رأس جبل، فلما رأى قباذ الغلبة قال لابنه بلاس بن قباذ: اقتلني يا بلاس فاني ميت على يد تبع قال له
(1/235)
________________________________________
بلاس: لا تطاوعني يدي على ذلك، قال له: إن لم تفعل قتلت أنا وأخوتك وقومك وطلب من بقي من فارس، ولكن اقتلني وامض برأسي فخذ أماناً لك ولأخوتك وقومك ولودك من بعدك، فقال له بلاس: لست أقتلك ولكن إذا رأيت ذلك هو الرأي فانظر أي ميتة أهون عليك فمت بها، قال فعمد نفسه ففجر الأكحلين ثم تركهما يجريان حتى مات ثم عمد بلاس إلى رأسه فجزه وسار إلى نبع شمر يرعش فقال له: أيها الملك هذا رأس قباذ، هذا سبيل من عصاك فما يكون سبيل من أطاعك ولجأ إليك ورغب في رضاك، قال تبع: من طلب رضاي فله رضاه، قتلت أباك في رضاي فلك رضاك، قال بلاس: أيها الملك ليس أبي ممن أراد هلاكي ولكن أبي ممن أراد بقائي، قال له تبع: فما تريد يا بلاس؟ قال له أماني وآمان أخوتي وقومي ومن بقي من فارس ويجعلني الملك من بعض خدمه، قال له تبع: لك ما سألت. وكان يرعش أكرم ملك على الأرض وأعقلهم وأكثرهم عفواً وأقربهم رأفة. فقال له بلاس: نحن فارس بنو حام حاشية الملك، قال له: أما أني لم أرد قتلكم يا آل فارس لأنكم أخواننا الكرام من بني سام ولكن اعترضتم دون بني يافث وقد عدلت اتقاء عليكم وقد سألتني يا بلاس أن أجعلك
من خدمي، فإن خجمتني في أرضي وفي قومي، لم تطب لك معيشة ولا وفيت لك بانقطاعك إلي ولا كافيتك فيما صنعت فانه ما سبقك أحد ممن كان قبلك إلى مثل فعلك وقد كرهنا لك قتل أبيك ورضينا لك قصدنا، فقد وليتك على قومك فارس، فخذ جيشاً من فارس ثم تقدم بين يدي إلى الصغد والكرد قال: أيها الملك إن أنا لم أنبلهم بين يديك بالسهام الكرمانية والنصال الهندية لم أف لك، فسار بلاس إلى أرض نهاوند ودينور فقتل الصغد والكرد والزط وأكثر القتل في الصغد والخوز والزط فهم
(1/236)
________________________________________
أقل بني يافث إلى اليوم وكانوا أكثرهم، وأخذ من كل أمة غلب عليها أمماً يستخدمهم في الصناعات كل قوم فيما أحكموه فيما أحكموه من الصناعات، ثم بلغ سنجار إلى قبر أبيه مالك ناش النعم فأمر ببناء قبر أبيه تبع ناشر النعم وكان نذر لله إنه إن ظفر بالزط والكرد والصغد أن يبني قبر أبيه بجماجم الصغد والكرد حتى يعود جبلاً منيعاً كما كان وأنه أمر بقبر أبيه فبني بجماجم الصغد والكرد حتى عاد كما كان فمشى إليه أشراف حمير فقالوا: أيها الملك وما في هذا من الشرف أن تبني قبر الملك ناشر النعم بجيف هؤلاء العلوج، وقد بلغ الملك أربه وقضى نذره فأمر به فهدم وأمر الكرد والصغد والزط أن يبنوه بأنواع الرخام الأبيض والأحمر والأزرق والأخضر ورصعوه بالجزع اليماني حتى عاد جبلاً شامخاً كما كان فطاف به ومشى في داخله، فلك يعجبه من بنائهم شيء فأمرهم يهدمه فهدموه وأمر الفرس ببنائه فينوه بأنواع الرخام وأنواع الجزع والزجاج والدر والياقوت، وأنه طاف به ومشى في داخله فلم يعجبه من بنائهم شيء. قال: ائتوني ببقايا سحرة سليمان بن داود بلقيس بنت الهدهاد فآتوه بهم فأمرهم ببنيانه فينوه بالكلس الأزرق وأجادوا فيه الصنعة بالدهن والصقل حتى صار جبلاً منيفاً وصار كالمرآة السجنجل ثم إنه طاف به فرأى نفسه وفرسه وجميع من معه فيه كما رأى نفسه فيه من خارجه في جميع جهاته، فأعجبه. فرأى الطير إذا همت أن
تنزل عليه رأت تمثالها فيه فنفرت فلا ينزل عليه طائر، فأمرهم بعقد الجن حوله أن لا يدنوه منه أحد من الناس ففعلوا ذلك فمن نزل حوله رجمته الجن، فانه كذلك إلى اليوم بسنجار بين نهاوند ودينور. ثم هدم المدائن بدينور وسنجار فجميع الأرض التي خرب شمر يرعش سماها بنو فارس شمر كند أي شمر خرب باللسان الفارسي فأعربته العرب بلسانها فقالوا: سمرقند وهو اسمها إلى
(1/237)
________________________________________
اليوم. ثم رجع إلى قطربيل وسار يريد ارض الصين، وكان ملك الهند بأرض الصين نفير الهندي - والهند والسند والحبشة والنوبة والقبط بنو حام بن نوح عليه السلام - فلما بلغ نفير خروج تبع من بابسير من ارض قطربيل جمع الهند من جميع أرض الصين وانتصب إلى تبع من بابسير من ارض وعش، وخلف تبع الجرحى والزمني والمرضى بأرض نهاوند وسنجار ودينور، ثم أن تبعاً لقي نفير العندي ومن معه فقاتله قتالاً شديداً أياماً، ثم غلب عليه تبع فقتل أمماً من الهند وغلب على أرض الصين وتمنع نفير ومن معه في جبل عظيم، فلما رأى غلبة تبع وتثاقله في أرض الصين ضاق من ذلك واشتد عليه، فدعا آهل مملكته وجنده فقال: لي فيما تقدم من دهري عمر يرضاه المرء لم يبق لي من آخره إلا ما آسف به على أوله وإن شيئاً يكون الفناء آخره وغايته لحقيق على الحازم أن يزهد فيه وقد أردت أمراً فيه الموت والشقاء، ثم جمع أهل المكر والسحر فقال لهم: ماذا ترون في تبع وأجناده؟ قال له أهل المكر: أيها الملك (المحاجزه قبل المناجزة - والمكر قبل القسر - وليس بعد القسر إلا الرضا للأمر)، فقال لهم: سمعتكم، فقالوا أيها السحرة، قال له السحرة: أيها الملك الموت أعجل والسحر أنبل وقد سبق المثل الدهر عبد الدول وأنى ينفع سحرنا وقد سقط جدنا قال نفير: عرف الرأي أهله، ثم عمد إلى أذنيه فقطعهما وجدع انفه وأمرهم فضربوه بالسياط، ثم أتى تبعاً فقال له: أيها الملك إن قومي الهند هم في هذا الجبل الوعر وهم أهل غدر ومكر،
وقد أمرتهم أن يسمعوا للملك ويطيعوا فأبوا ذلك وفعلوا في ما ترى، ولكن أيها الملك أقود بك وبعسا كرك إلى موضع تطلع منه إلى هذا الجبل فلا يعلمون حتى يؤخذ عليهم الجبل فتقتل من أحببت وتدع من أحببت؟ قال له تبع: ليس لعساكري في أرضكم ما يحملها أجمع ولكنني أرسل معك عسكراً جحفلاً أهل النجدة والبأس والفضل في
(1/238)
________________________________________
الرأي والسابقة، قال له نفير: افعل أيها الملك. فأمر تبع بعسكر لميدع من أهل الفضل والبأس أحداً إلا بعث معهم وتقدمهم نفير فسار بهم حتى أتى ماء فقال لهم: خذوا الماء لثلاثة أيام، فأخذوا، ثم مضى بهم إلى مجانة لا آخر لها فلجج بهم في المجانة فقال لهم: اتقوا من الماء فاني ذاهب إلى موضع الماء فاحتسبوا معهم شيئاً من الماء، فاسرع بهم في المجانة وهم يتعللون بذلك الماء اليسير الذي معهم فأبعدهم مسيرة أيام في المجانة وفرغ الماء الذي معهم، وقد خلفوا خلفهم من المجانة ما لا يقدرون أن يقطعوه بلا ماء مسيرة أيام، فقالوا: ويلك يا هندي أين الماء ومتى نقطع هذه المجانة؟ فقال لهم: إلى الأبد الآبد تقطعونها وترون الماء، ويلكم أسعدتكم أيامكم فحملتم أموركم على الغرور وصحبتموها بالجهل، هل أبصرتم طائراً ووحشاً يدلكم على أن بين أيديكم ماء والله إنها مجانة لا تخرجون منها أبد الأبد أيها العرب لكم الصبر ولا تعلمون الغدر، أتدرون من أنا؟ قالوا له: لا قال لهم: أنا نفير ملك الهند فعلت بنفسي ما ترون لأقتلكم وأشتفي منكم نقمة لقومي وشفقة عليهم فأخذوه ورجعوا في طريقهم.
قال أبو محمد: لما سار نفير عن تبع بعسكره جمع حمير فقال: معاشر حمير أن العجم قليل صبرهم عند اللقاء وسريع غدرهم عند البلاء وقد مضى هذا الهندي بجميع رجالي ولم يمض بهم إلا إلى معاطش فاني لا أرى في أرضهم شيئاً يكاد به إلا المجانة فأخرج ذا جدن بن المسكين الحميري وأمره بحمل الماء على الجمال ففعل ذو جدن ما أمره به تبع، وتبع أثرهم فلقيهم وهم يتساقطون عطشاً
فشربوا وسقوا خيولهم ورجعوا. فلما نظر
(1/239)
________________________________________
إليهم نفير لم يمت منهم إلا اليسير من الأتباع قال: يا نفير دافعت القضاء بالمنى، ولكن أنت بين أمرين إن خلصت ناصحت لتبع وإن مت وفيت لقومك وكلا الحالين كرم. ثم إن عسكر تبع رجع إليه وأمر بنفير فمثل بين يديه فقال له تبع: أنت نفير؟ قال له: نعم أيها الملك، قال له تبع: لم غدرت؟ قال له نفير: أيها الملك إني لم أغدر لأني لم أعهد بل وفيت لقومي ومكرت بعدوهم فإذا قتلتني قتلت مانحاً وإن تركتني تركت ناصحاً والعفو أخلق بقدرة الكريم. قال له تبع: يا نفير وفيت لقومك وقد يكون لك منهم العدو الكاشح والحسود الضاغن والمماري الملحد فكيف بك أن أحسن؟ فاني يا نفير قد عفوت عنك وصفحت عن زلتك وذنبك ووليتك على قومك، قال له نفير: أيها الملك أسأت إليهم وأحسنت إلي فأوثقت به عهدي وملكت به رقي وهل أنت مطيعي أيها الملك؟ قال تبع: قل، قال نفير: أيها الملك أرض الهند وبيئة لطارئها فلا تقارعها بالمهج فمن تاجر بروحه لم يربح وقومي في جبل كما تراهم يموتون اجمع فيه ولا ينزلون فيطلق يدي الملك افعل برأيي. فطلع نفير إلى قومه الهند إلى الجبل فأنزلهم وأنزل جميع أولاده حتى أتى بهم تبعاً - قال له يا نفير: أمنهم وأنزلهم منازلهم وبلغهم مراتبهم فإن كل أمة لم تبلغ مراتبها دخلت صدورها ووغرت قلوبها فاستخفت فتكها وهانت عليها أعمارها وملك أمورها أشرارها وأنت أعلم بها - ففعل نفير ما أمره به تبع، ثم جمع بنيه ودخل بهم على تبع فقال: أيها الملك غرست ولم تأكل ثمر غرسك هؤلاء أولادي وهم بقايا عفوك وغرس نعمتك فامنحهم بالطاعة لك فمن أوفى فقد كافى ومن غدر ففي سيفك الوزر والحكم لمن غدر، قال تبع: أنا لا آمرك فيهم ولا أنهاك، لأن المرء أعلم بولده. فقال له نفير: أيها الملك هذا أحزم أولادي وأضبطهم للملك وأصلبهم حجراً وأحسنهم عقلاً فقدمه تبع
(1/240)
________________________________________
على أرض الصين وكان اسمه جلهم بن نفير فهو أول
من تتوج بأرض الصين تأسى في ذلك بتبع. قال تبع لنفير: أنت أقوم بهذا الأمر؟ قال له نفير: أيها الملك أزعجني عن أرض الصين فإن قومي الهند قد أدركهم ثلاث خلال: أما واحدة فإنه مات من قومي ما بغضت إلي أرض الصين إلا بعدهم، والثانية ذهب أنفي وأذناي فكرهت أن ينظر إلي بالنقص من يعرفني بالتمام، والثالثة وهي أعظمهن عندي إن عجزت عن خدمتك لم أكافئك بإحسانك وإني لبصير بكيد الملوك وإدارة الحرب ولن يستغنى عني الملك لأن رجال الملك لهم آلات كآلات الصناع رجال للمشورة ورجال للحجاجة ورجال إدارة الحرب عند اللقاء ورجال يصلون الناس ورجال للخدمة، فلا يقوم للملك ملك ما لم يجمع هذه الطبقات من الرجال، وأنا أيها الملك معي عامة الخصال المحمودة وأنا أيها الملك من خاصتك ما عشت. فشكر له تبع قوله وفعله، ثم جمع نفير بنيه فقال: يا بني عليكم بالسمع والطاعة لجلهم ولا تنازعوا فتهدموا ملككم ولا تخالفوا.
أمره فيجيش صدره عليكم، ثم أقبل إلى جلهم فقال له: ساجلهم لا تستأثر عنهم لملكك فيحسدوك ولا تطاول عليهم فيقتلوك ولا ترغب في أموالهم فيغضبوك، ابسط لهم وجهك ويدك وجنبهم سخطك وبطشك وكن لهم معقلا ومرتقى، أحسنوا حالكم يا بني فإنكم لن تروني بعدها ولن تخشى علي من سطوة تبع ولا من غدر العرب، إن لم أوت من قبلي لم أحذر ولكن أفي للملك بإحسانه وأكون بين يديه عمري. ثم رجع إلى تبع فقال له تبع: يا نفير أي وجه من الأرض آخذ عليها راجعاً عن بلدك، قال له نفير: العلم كثير والخير قليل والأرض واسعة والرأي يصيب ويخطئ وأنت أيها الملك امرؤ نبيل والطريق قطربيل والأمر يحدث والسيف
(1/241)
________________________________________
حيث أراد، واني أيها الملك أرى ما تلاه، فقال له تبع: وما هو يا نفير؟ قال: أنتم العرب لكم بأس عند اللقاء وسلامة صدور عند الرضا وأراك أكثرت في عساكرك من الأعاجم وهم قليل صبرهم عند اللقاء كبير غدرهم عند الرضا،
فأخرجهم عن عساكرك لا وغرون صدور العرب فإن الفرس السوء تملي، واعلم أيها الملك أن الأعجمي يضطرب إلى الغدر كما يضطرب البازي إلى صيده. فأمر بهم تبع فشردهم من عساكره ثم قفل من أرض الصين ومعه نفير ملك الهند حتى بلغ إلى قطربيل، فآتاه أن الزط والكرد والخوز غدروا عساكره التي كانت عندهم من المرضى والجرحى، وكان أسباب علوم الدهر عن ذي القرنين وموسى الخضر وسليمان بن داود عليهم السلام وكان قريب العهد من سليمان فقال:
أرقت وما ذاك بي من طرب ... ولكن بدا لي وهنا سبب
قتلت جموعاً فأفنيتها ... وفي الأرض مني لقومي أرب
وخبرت بالصين لي بغية ... ثياب الحرير وكنز الذهب
فسرت إليهم بجيش لهام ... كثير اللهاء شديد اللجب
لقيت من الترك آسادها ... فقتلتها حين جد الوصب
فغادرت أيامها سدفة ... وموطنها بالقنا منهب
لها عاصفات إذا وجهت ... تكاد الجباتل لها تنقلب
وبالشرق والغرب آثارها ... وبالخافقين رياح تهب
بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل أسد صميم العرب
رزان الحلوم نجوم العلوم ... خفاف المعاذير بيض النقب
(1/242)
________________________________________
فلما نزلت بأرض العراق ... عبرت العراق بعزم حرب
فسار قباذ إلى فارس ... إلى البحر يسعى لأمر كتب
فبادره الأقرن المستطيل ... سريعاً حثيثاً شديد الأرب
واقبل صيفي منارض عمان ... لمن شذ منهم ومن قد قرب
فكان ببابل يوم عبوس ... بقتل ذريع أليم النصب
فخام قباذ وأشياعه ... وولي سريعاً حثيث الهرب
رأى الموت تحت ظلال السيوف ... وحتى النفوس له يضطرب
تجر المنية أذيالها ... فكان العزيز بها من غلب
فأضحوا كأن لم يكونوا بها ... كذاك العزيز بها من غلب
فأضحوا كأن لم يكونوا بها ... كذام الزمان إذا ما انقلب
فاتبعه شمر في جمعه ... إلى القصر ذي شرفات الحجب
سقينا البرية في دهرنا ... سماماً مدوناً بضرب القضب
نقود الجياد لأقصى البلاد ... إذا ما قضينا قضاء وجب
نهضت بجمع كمثل الدبا ... صباح الوجوه صلاب الحسب
ربيعة منها هداة السبيل ... علوم المجال لنول الشعب
وبأس إياد رفيع القذال ... طويل العنان شديد الكلب
وانمار عند اللقا سادة ... تزيل النفوس وترجي السلب
ترى مضراً عند ارزامها ... مكللة روسها بالذهب
لها لجة عند نار الوطيس ... ببيض مضار بها تلتهب
تصاممت عن نبأة أسمعت ... لقد صرحت عن حديث عجب
لقد جد غدر بني يافث ... وجد المنون بهم فاقترب
عذيري لحرب تلافيتها ... لقد ألهبوا بأسها والتهب
(1/243)
________________________________________
جموع ليافث لما بدت ... تريد النزال فتمسي حصب
لقد غدروا بعدما أكدوا ... مهاريق عهد يقوم غيب
سيعلوا المشيب على طلفها ... بيوم مخوف ولما يشب
وسوف إذا ما اقتضاني الردى ... يلي الملك بعدي كآل قسب
ويستلب الملك من حمير ... مجوس وسود عليها رهب
وينقلب الدهر عن وجهه ... ويضحى به الرأس تحت الذنب
للعشرين حولاً بها يقتلون ... ويستلب الجمع منها الحلب
إلى أن يلي الملك من هاشم ... بني أمين كريم النسب
رسول من الله أتباعه ... على الحق منا رجال غلب
فلو مد عمري إلى عمره ... لفرجت عنه جميع الكرب
واني أدين بما دانه ... ولا أقول له قد كذب
فيبلى به الله من خلقه ... قرونا من الناس أعطوا الغلب
وتأتي العجائب من بعده ... إذا ما بدا نجمها ذو الذنب
وتأتي الدلائل حتى ترى ... لهم الشم عن أسرها تنقلب
ويرقى الدخان بآفاقها ... ويعلو بيثرب صوت صخب
إذا قتل الروح روح الرضا ... وسالت دماء بني المطلب
هنالك خسف بأرض الحجاز ... فلا تنظر العين غير الشهب
ويأتي على النيل حيشانه ... إلى البيت قصداً لها بالقضب
يهدون منه ذرى سمكه ... ويعلون أركابه بالصلب
كأنه لم يكن حرماً قبلها ... إذا أعاد نهباً محالاً خرب
يقوم بها من بني حمير ... كريم شجاع كريم النسب
(1/244)
________________________________________
حديد السلاح رفيع الصياح ... ربيط الجنان لها محتسب
فيأتي بقوم من أقصى العراق ... ومن حضر موت ومن ذي حلب
ثمانين ألفاً على نجبها ... فليس لهم عندنا منتصب
ويقتل بالنيل أملاكهم ... ويعطب في لجة من عطب
ومن بعده الملك في حمير ... يقوم به الماجد المغترب
ومن بعده الموت يزجى بنا ... إلى البعث والفصل غير الكذب
قال أبو محمد: ثم سار تبع شمرؤ يرعش حتى بلغ دينور ونهاوند وسنجار فقتل
من أصاب بها من بني يافث وهم الزط والكرد والصغد والخوز وسبى النساء فقال لهم تبع: احبسوا ما أخذتم من نساء الصغد والزط ولا تحسبوا من نساء الكرد والخوز سباء بيعوهن فإنهن يفسدن النسل ويغيرن العقل ويدلن الألسن ففعلوا ومضى تبع حتى بلغ أرض فارس، فقدم على فارس بلاس بن قباذ وجعله بأرض فارس وأرض خراسان، ومضى تبع فسار على الشام إلى أرض بابليون فأصاب الحبشة على النيل نازلين، فلما علموا بتبع وقد قاتلوا مصر شهراً بعثوا إلى تبع بهدية ليداروه بها حتى يخلصوا من بين يديه من أرض بابليون، فلما انتهت الهدية إليه أي إلى تبع جمع رجاله فقال: هذه هدية الحبشة فما رأيكم؟ فقال المعترف بن عامر الحميري: أيها الملك لن يجوز سخر هذه الخدعة عن ذي لب رصين، قال له نفير: أيها الملك من رام أن يخدعك حمل النقص على عقلك، قال مقداد بن ينفر بن شرحبيل الحميري: أيها الملك لو راموا مسألتك لم يزحفوا إلى قومك ولو أرادوا برك أهدوا إليك من أرضهم إلى أرضك ولا يخدع بهذا الخدع إلا أم عامر فتمكن من عدوها
(1/245)
________________________________________
نفسها في بيتها ونصف حمق الدنيا في رؤوس السود وقد راموا أن يسخروا من الملك فهلا قدموا هديتهم قبل الزحف إليك كما قدموها قبل الهرب. فعبر إليهم النيل فقاتلهم بالقس والبهنسة أياماً، ثم هزمهم وتبعهم على النيل يقتلهم، فلما رأوه أمعن في طلبهم زالوا له عن النيل إلى الرمل فافترقوا له في الرمل فقتل من قتل وتلف من تلف في الرمل وبقي أياماً فكاد يهلك ويهلك معه عطشاً حتى أفضوا إلى ماء معين ورمل مبسوط فنزل وأقام بها عشرين سنة يغرس النخيل ويبني القصور ويتخذ المصانع حتى بعث الرواد والأدلاء إلى أرض الحبشة وعلموا مسالكها ومناهلها، ثم رجعوا إليه. فرجع إليهم فدخل عليهم أرضهم فانتصب له أملاك الحبشة من ارض فقاتلهم قتالاً ذريعاً فلم يكن لهم به طاقة غلبهم بالنبل، ولم تكن الحبشة ترمي بالنيل إلا من زمان تبع شمر يرعش - فداس
أرض الحبشة وقتلهم قتلاً ذريعاً فهربوا إلى غربي الأرض إلى البحر المحيط وتبعهم تبع فهبت عليهم ريح سوداء من نحو البحر المحيط فهلك جمع من عساكره. فقفل عنهم راجعاً فجعل طريقه على أرض بني ماريع بن كنعان فقتل أمماً وهربوا إلى فنن الجبال فبلغ البحر المحيط، ثم رجع قافلاً إلى المشرق فمر إلى قمونية وتمادى إلى أرض بابليون ثم مر على الشام وعبر الفرات والدجلة يريد زيارة قبر أبيه تبع ناشر النعم بسنجار، فبلغ سنجار، ثم أمر أن يكتب على باب مدينة سنجار - وهي أعظم مدينة بأرض سمرقند - جنبيه وكتب فيها بالمسند: هذا ملك عرب لا عجم لشمر يرعش الأشم نزلها في الشهر الأصم فروى السيف من مهج ودم من فعل
(1/246)
________________________________________
فعلي بعدي فهو مثلي ومن جاوزه فهو أفضل مني بريت قسمي ووفيت لذمتي.
قال أبو محمد: حدثني عامر بن جرهم الأنصاري عن مكحول عن الشعبي، قال: حدثني رجل من خيوان همدان يقال له عبد الله قال: بينما نحن بالصغد مع قتبية بن مسلم الباهلي حين افتتح سمرقند ونظر إلى حجر في جنبة باب مدينة سمرقند وفيه خطوط كأنها بالعربية وليست هي قال قتيبة: والله إني لأظن هذا حمقات حمير اطلبوا في الجند رجلاً حديث العهد باليمن يعرف كتاب حمير فوجد فانطلق به إلى قتيبة فقال له: اقرأ هذا الكتاب. فقرأه فقال قتيبة: ما أرى بتبع من حمير إلا الآثار فما في هذا أعظم شيء وهذا أنا بلغتها. قال له الحيواني: يا قتيبة لم تصغر بالأول ولكن بالآخر إن بلغت الصين وجاجا وقطربيل فقل - فاسكت قتيبة - ثم قال: يا قتيبة تقدم فرسخاً وإلا اشمت بضعف الإسلام. قال: فرجع من سمرقند.
قال أبو محمد: ورجع تبع إلى اليمن يريد غمدان فقال الباني بن قطن ابن مالك بن همدان بن منتاب الحميري شعراً:
تقول عرسي حين جد النجا ... حتى متى أنت تريد النوى
أليس في عيش قد أوتيته ... مقام ذي الدهر بعيش غلا
قلت فقد قلت فما خيرنا ... بعد الذي فيه الطيب الثنا
إنا نرى أن أك ذا هبوة ... جليسكن اليوم دون الوغى
وجارح اقصدني سهمه ... ماذا عليه في الهوى لو وفا
(1/247)
________________________________________
يرمي ولم يرم فما أخطأن ... وراش بالسهمين لما رما
رمى بطرف العين الطرف غيري فما ... جادت به عيني سهام الردى
ويحك يا مي على ما الذي ... قلت على ماذا تطيل النوى
وحمير تسمو بأفعالها ... فيها أسود البأس يوم اللقا
وشمر رعش ذو النهى قادها ... يريد بالشرق اغتنام النسا
فقد وطئنا أرض حمر بها ... وساعفت منا ليوثاً ضرا
وكان يوم شانه معظم ... وقرت العيان يوم الفنا
فسائلي يا مي عن يومنا ... في مغرب الأرض بيوم الوفا
يخبرك من يعلم أفعالنا ... بصبرنا عند حلول اللقا
إنا لنعتام رؤوس الوغى ... فقد جميع الناس ذبح وحى
كانت لنا الأيام مأمورة ... والدهر نجريها بحكم القضا
فآبت الفرسان من حمير ... بكل بيضاء كعفر الظبا
وحل من سنجار قطانة ... فشيد القصر بصم الصفا
وغودر الصين على بابه ... يجيب للداعي متى ما دعا
فأصبحت جاجا وقطربيل ... يحدوهما الدهر لغير البقا
أثر في آفاقها تبع ... أثراً يزيل الريب عن ذي العمى
تكون للعابران هو رأى ... أمراً إعجاباً منه بعد الثنا
ورجع تبع شمر يرعش بن عمرو ناشر النعم إلى قصر غمدان، وقد ملك الأرض كلها ودانت له ملوكها. فجمع أبناء ملوك حمير ووجوه العرب فقال: معاشر العرب عندنا علم مصون مكنون نعمل بأمره ونزدجر لنهيه ونتبع الأثر ويهجم علينا الأمر وقد غيب عنا القدر فحيناً تخطئ وحيناً نصيب وكل إلى غاية ومدة، وقد جاريت الدهر وقضيت
(1/248)
________________________________________
ولم يقض لي وحاكمت فحكم عليّ، فإذا كان ما هو كائن فإن ابني صيفيا هو تبع ثان، فإن رأيتم خيرا منه فلكم، وإن رأيتم شراً فالأمر للعام لا للخاص، قدموا أفضل منه. ثم قال:
سرت على الآفاق كالشمس ... بين طلوع السعد والنحس
أجوب غور الأرض في أثره ... بما رج للعلم عن أس
أوجفت بالخلق فلم أنتظر ... أسير في رفق وفي همس
انقل من أرض إلى أرضها ... أصبح في أرض ولا أمسي
كنت على الأرض كشمس بدت ... تشرق للناس بلا حس
حتى إذا عادت إلى حجبها ... عاد ضياء الشمس في طمس
حفظت ما خولت حتى إذا ... سلبته أمهل عن نفسي
من ذا يرجي العيش من بعد من ... حاط جموع الجن والأنس
أفصح ذو القرنين يوماً على ... ترجمه العالم في طرس
لا يصحب الأيام إلا امرء ... غاد وإن خلد كالأمس
والدهر يحدو أهله مسرعاً ... عن زهرة الدنيا إلى رمس
ثم مات تبع شمر يرعش فكان عمره ألف سنة وستين عاماً، وكان قد منع الولد فلم يولد له إلا بعد ثمانمائة عام. فقال الباني بن قطن ابن همدان بن مالك بن منتاب الحميري يرثى تبعاً:
أيها السائل الحوادث جهلاً ... هل سألت الزمان عن شمر رعش
ملك أطد الجبال فلت ... وأطاعته حيث يمشي فتمشي
قاد بالصين من تهامة حتى ... ترك الهند بين بهش ونهش
كاد نفير حين كاد وولي ... ترك الجيش بين قفر وعطش
(1/249)
________________________________________
لم يهب للزمان صرفا فأعطاه ... مقاليده على غير غش
وردت خيله نهاوند تسقي ... أهلها المرهفات عن سم رقش
ساعدته الأيام حتى إذا ما جدت ... هفوة أراشت بهش
قصدته من المنون سهام ... حملت شلوه على ظهر نعش
وقال أيضاً:
عاد رهن الهمود والأطلال ... نصباً للصبا وريح الشمال
شمر رعش ومن كشر إذا ما ... طرفت بالعضال إحدى الليالي
بعد ملك وعزه واقتدار ... لم يجد للردى محيداً بحال
وقال تبع الأقرن بن تبع شمر يرعش يرثى أباه:
يا بعد تبع حين شط مزاره ... بل بعد حالي عزتي وفلاحي
لم ترتقي زهر النجوم لموته ... فالموت أفلته عن الإصباح
لم ترتقي زهر النجوم لموته ... فالموت أفلته عن الإصباح
ناحت مقلقلة فقلت لها اذهبي ... دهري ودهرك هالك الأنواح
قلي العويل أو كثري فلك العزا ... أن المنية منهل الأرواح
هل بعد ملك الصعب يرتجى ... يهدي بكل مسا وكل صباح
ملك السعود بكل أرض حكمه ... تبع الهدى مستبصراً بنجاح
سامي إلى الظلمات عن أسبابه ... والشمس تسجد في حما الضحضاح
ولي وخلف ذكره من بعده ... وهما لنا شبحاً من الأشباح
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أبيه عن جده محمد بن السائب قال: حدثني
أبو صالح عن ابن عباس، إنه قال: أول ملك أمر بصنعة الدروع السوابغ المفاضة التي منها سواعدها وأكفها وهي الأبدان تبع شمر يرعش بن ناشر النعم.
قال أبو محمد: جعل على فارس ألف درع يؤدونها كل عام، وكان عامله على فارس بلاس بن قباذ. وجعل على الروم ألف درع يؤدونها كل
(1/250)
________________________________________
عام، وكان عامله على الروم ماهان بن هرقل، وكان بلاس متوج في فارس وهرقل أول متوج في الروم، وفي استعماله لفارس الدروع يقول امرؤ القيس مهلهل بن ربيعة بعد ذلك الزمان شعراً:
سيبكي كليباً كل عاق وعامل ... وخطية سمر وخيل عوابس
وتبكيه بيض للخدود لواطم ... وما ذية مما اقتنتهن فارس
وكان أصعب الدروع دروع الروم وهي كذلك إلى اليوم، وجعل على أهل بابل وعمان والبحرين ألف درع، وكان أهل اليمن ألف درع. وأحسن السيوف اليمانية والدروع الفارسية، وكان بلاس ملك فارس يرسل بما عملت فارس من الدروع مع إتاوة إلى تبع شمر يرعش، ويرسل ماهان ملك الروم من الدروع بألف مع إتاوة إلى تبع شمر يرعش وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد في الإسلام:
من حمير نسل العرنجيج إذ جرت ... لهم على حقب الزمان دهور
ملكوا على الدنيا فما أحد بها ... إلا وهو في حكمهم مقهور
أعطاهم ذل الإتاوة قيصر ... وجبي إليهم خرجه سابور
وفي تبع شمر يرعش يقول أبو ذؤيب الهذلي بعد زمانه:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داوداً وصنع السوابغ تبع
وهذا البيت له في شعره الذي رثى به بنيه اذ قتلوا بذات الهجال.
قال أبو محمد: كان يؤتى بها إلى تبع كل عام طول مدته.
قال أبو محمد: وكان مما حقق أمر ذات الهجال إنه كان أديار بين بني يعصر بن
سعد بن قيس بن الياس وهو عيلان - وإنما سمي الياس
(1/251)
________________________________________
عيلان - لفرسه، وكانت له فرس تسمى عيلان. وكان بنو يعصر باهلة ابن معن بن يعصر وغني بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر يطلبون بني عمرو بن مدركة بن الياس بن مضر بذحول سلفت لهم (فكان يغير عليهم). وبنو عمرو بن مدركة هذيل بن عمرو بن مدركة بن الياس ابن مضر ولحيان بن عمرو بن مدركة والقارة بن عمرو بن مدركة، وكان يغير عليهم ثابت بن جابر وهو تأبط شراً. - وإنما قيل له تأبط شراً لأنه سارق صرة فمر على حاو فسرق جرابه وفيها حيات وظن أن فيها مالاً وانه تاجر فتأبطها. فلما خلا بها فتحها فرفعت إليه الحيات رؤوسها فألقاها وقتل الحيات - وقال: ضل عن سيده ولبده من حمل حتفه بيده وكان أحد السرعان، وكان يغير راجلاً مسيرة سبعة أيام يمشي الليل ويختفي نهاراً، وكان أجسر أهل زمانه تطلبه الخيل فلا تناله ويفوتها بسرعة قاتل الأصمعي عبد الملك بن قريب الباهلي: كان يثير الظبي، ثم يطلبه فيدركه، وتأبط شراً هو القائل:
عوى الذئب فاستأنست إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
رأى الله إني للبرية مبغض ... ويشنؤهم لي مقلة وضمير
وفيه يقول السليك بن السلكة أحد الغرابيب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا من خلال المسالك
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالي من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخضر باتك
(1/252)
________________________________________
يهب هبوب الريح عند انحراقها ... ويسري على نهج النجوم الشوابك
تكل متون الصافنات إذا جرت ... تباريه أو تدمي نسور السنابك
فكان يغير على هذيل ولحيان نهاراً ويغير على القارة ليلاً يتقي نبلها لأنها كانت
أرمى العرب بالنبل لا تخطئ ما تريد، وقال في ذلك ابن عباس:
قد أنصف القارة من رامها ... عن مقوس الغلوة أو ساماها
وان تأبط شراً أغار على هذيل راجلاً فقتل قوماً أصابهم على ماء لهم فناموا وهم لا يعلمون إنه تأبط شراً، فقام إليهم فقتل منهم ثلاثة نفر ونجا منهم واحد ستره الليل ونادى في نادي قومه: يا بني هذيل والله ما أعلم أذل من قوم قتلهم تأبط شراً في حريمهم وغنم أموالهم ونجال سالماً. فنفرت هذيل خيلاً وراجلاً في طلبه فاقتصوا أثره - وتأبط شراً أشغل بسوق الغنائم - فما شعر حتى أدركته الخيل مع الليل فتثاقل في وعث من الأرض حتى أدركته الرجل فأسلم الغنيمة وولى هاربا، وتصدى له رجل من القارة كان مع هذيل فرماه بسهم فأصاب ودجه فصرعه فتعاوره القوم فقتلوه واستاقوا أموالهم التي غنم لهم ورجعوا. وبلغ خبر ثابت تأبط شراً قومه باهله وغنياً ابني يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان فركبوا إليه ليرفعوه فأصابوا كل ما أكل من لحمه من سباع الوحش وسباع الطير وهوام الأرضي موتى حوله.
قال أبو محمد: قال الأصمعي وزعمت العرب أن لحمه سم. قال: وكان غذاؤه العلهز وشحوم الحيات وهبيد الحنظل ويحنذ قومه الحيات، فزعموا إنه إذا عض من كان غذاؤه هذا أحداً ممن كان غذاؤه البر واللحمان والغذاء الحسن، وأثر في لحمه بأسنانه إنه يبرصه أو يجذمه أو يقتله.
(1/253)
________________________________________
قال عبد الملك: وإن الهجال ابن امرئ القيس الباهلي ابن أخت تأبط شراً - وكان رئيساً شاعراً فارساً - استدعى باهلة بن معن بن يعصر وغني ابن يعصر ونصرهم أخوانهم من بني سعد بن قيس بن عيلان، وهم بنو غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن معد بن قيس بن عيلان، وعبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، وبنو عبد الله بن غطفان، وبنو ثعلبة بن
بكر بن غطفان. وأشجع ومحارب ابنا غطفان. وهؤلاء القبائل أخوة، وبلغ ذلك أبو ذؤيب - وهو عمير بن مرثد زيد بن عامر بن قراد بن هذيل - وكان أبو ذؤيب معمراً، فجمع أبو ذؤيب هذيب بن عمرو، ولحيان بن عمرو والقارة بن عمرة بن مدركة ابن الياس بن مضر فقال: يا بني عمرو آتاكم جمع بني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وأرى بني مدركة بن الياس وطابخة قطعوا رحمهم منا وحقروا ودنا وأضاعوا ذمامنا واني سائر إلى بني الشقيقة - وبنو الشقيقة بنو كنانة بن خزيمة بن مدركة قريش وبنو بكر وبنو أسد بن خزيمة وغفار ابن خزيمة ومدلج بن خزيمة - وأمهم شكل بنت عمرو أخت هذيل ولحيان والقارة، وكان رئيس بني خزيمة عمرو بن بكر الأسدي - وكان يكنى بأبي الهزبر - فآتاهم أبو ذؤيب فقال: يا أبا الهزبر ان بني قيس بن عيلان تناصروا علينا بثأر تأبط شراً ثابت بن جابر الفتاك فما فعلكم يا بني الشقيقة؟ فعزمت قريش وبكر - وهما كنانة على نصر أبي ذؤيب - فقام عمرو بن بكر الأسدي فجمع بني فقعس بن أسد ودودان بن أسد ومدلج بن خزيمة وغفار بن خزيمة فقال: يا أخواننا، ما لأخوننا كنانة قريش وبني بكر يسرعون إلى حرب قيس يحملوننا على الضغائن ويورثوننا أحقاد قيس بن عيلان فإنما حكمه على رد أبي ذؤيب وخذلان هذيل ولحيان والقارة
(1/254)
________________________________________
مخالفة لذبيان وعبس وذبيان ابنا بن ريث بن غطفان - هم الأحلاف - فلما بلغه زحف ذبيان إلى هذيل والقارة، لم يرد أن يزاحف بني ذبيان بالحرب فقال سهم بن بكر البكري: يا بني كنانة إن أسداً أقرب إليكم من هذيل، وإنا إن طلبنا رضا هذيل بسخط بني أسد وغفار ومدلج لم تربح ومن اشترى وجد قريب برضا بعيد اشترى خسراناً. فلما يئس أبو ذؤيب من نصرة بني خزيمة، رجع إلى قومه فقالوا له: ما الذي أجابك به القوم؟ فقال: يا قوم من نصره الله وخذله أبو الهزبر فمنصور ومن خذله الله ونصره أبو الهزبر فمخذول، وأنشأ أبو
ذؤيب يقول:
ألا لله نصره آل عمرو ... وليس إلى الخليع أبي الهزبر
أبعد المنذرين أرى سؤالا ... يرد بدعوة من غير عذر
تحامتنا الفوارس من معد ... بخذلان وهل شفع كوتر
أبعد فوارس النعمان أسعى ... إلى الأقيال من أسد وفهر
وثقت بعامر وبني أبيه ... ومن عدوان أدعو كل صقر
طويل الباع أبلج مشرفي ... أشد به على عزمات دهري
وطابخة الذين رأوا مقامي ... وأهل العز من أبناء مر
وقوله (طابخة الذين رأوا مقامي) أراد بذلك نصرة بني طابخة - وهم تميم بن مر بن اد بن طابخة، ومزينة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر - وقوله (وثقت بعامر وبني أبيه) يريد عامر بن الظرب العدواني - إمام مضر وحكمها وفارسها وخطيبها - وهو عامر بن الظرب بن عمرو بن عياذ ابن يشكر بن عدوان، واسم عدوان الحارث بن أسلم بن قيس بن عيلان، وإنما سمي الحارث عدوان - لأنه عدا على أخيه فهم بن أسلم بن قيس بن عيلان
(1/255)
________________________________________
فقتله فسمي عدوان - وكان بنو عدوان اعز قيس بن عيلان - وذلك أن عدوان كان كثير المال - فولد له ثلاثون ولداً كلهم أعقبوا. فلما بلغ قول أبي ذؤيب إلى عامر بن الظرب العدواني، جمع بني عدوان وسار يريد نصرة أبي ذؤيب، وكان أبو ذؤيب حليف عدوان، فقال زهير ابن مرخة العدواني:
كبرت وساويت طمساً وعاداً ... ولابد مما ألاقي المعادا
أقول لقومي ألا فاسمعوا ... وإني أرى القول فيه سدادا
دعتني هذيل إلى نصرة ... أطيع عميراً بها حين نادى
فأقسم لا بد من موته ... وتسمى عظامي رفاتاً رمادا
وعاذبكم عائذ فاعصموا ... ولبوا دعاه إلى ما أرادا
ومن لم يكن غرضاً للردى ... يجازى من الدهر حتماً سدادا
وإن عامر بن الظرب لم يصل إلى هذيل ولحيان والقارة حتى نزل عليهم الهجال بن امرئ القيس الباهلي ابن أخت تأبط شراً، وكان نزل هذيل والقارة ولحيان بذي قار، فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزمت هذيل والقارة ولحيان فقتلوا قتلاً ذريعاً.
قال أبو محمد: فمن يوم ذي قار الأول صارت هذيل والقارة ولحيان أقل حي في مضر. فلما انصرف الهجال - وكان حرم على نفسه الخمر حتى ينتقم لخاله تأبط شراً - قال الهجال بن امرئ القيس يرثى خاله:
أطرفك مأموم أم الوجد مانع ... أم الأشوس الفتاك عن ذك شاسع
فمتى كان شهم النفس للذل دافع ... وإن سيل عرفا فهو بالجود نافع
(1/256)
________________________________________
يشيم يروق الموت عن كل مأزق ... ويسرع إقداماً إذا لاح لامع
حديداً كنصل السيف ينهض للوغى ... تلاعبه فيه السيوف القواطع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
وما شاب من أعوام دهر تطاولت ... عليه ولكن شيبته الوقائع
يغادي أناساً كل يوم بفتكه ... وينأى فلا تأويه إلا البلاقع
يسامر رجل الجن في فلواتها ... تباريه في ميدانهن الزعازع
يطيل الطوى في العارمات وتارة ... له من سرابيل السموم مدارع
يجاري مدى الآجال والأمر غائب ... وكل فتى يوماً إلى الله راجع
وما هذه الأيام إلا وديعة ... ولا بد مما أن ترد الودائع
ثم قال أيضاً:
إن بالشعب الذي جند سلع ... لقتيل دمه ما يطل
قذف العبء على وولي ... أنا بالعبء له مستقل
ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحل
مطرق يرشح سما كما أط ... رق أفعى ينفث السم صل
خبر ما نابنا مصئل ... جل حتى دق فيه الأجل
بزنى الدهر وكان غشوماً ... بأبي جاره ما يذل
يركب الهول وحدياً ولا يص ... حبه إلا اليماني الآفل
ينفل المال منيلاً ويمسي ... وهو في الحي كريم مقل
عل بصدق على حاذيته ... وله المغنم شربي محل
إن رأى البأس فليث هموس ... أو رأى طمعاً فسمع أزل
(1/257)
________________________________________
يابس الجنين من غير بؤس ... وندى الكفين شهم مدل
شامس في القر حتى إذا ما ... ذكت شعري فبرد وظل
وله طعمان أرى وشرى ... وكلا الطعمين قد ذاق كل
رائح بالخمر غاد عليه ... من ثياب الحمد ثوب همل
فهو في المهمة سمع صموت ... ولدى الأحياء أحوى رفل
افيح الباب مفيد مبيد ... جاد من جدوى يديه المقل
فلئن فلت هذيل شباه ... لبما كان هذيلاً يفل
وبما أبركها في مناخ ... جعجع ينقب فيه الأظل
صليت مني هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا
يورد الآلة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل
تضحك الضبع لقتلي هذيل ... وترى الذئب لها يستهل
وسباع الطير تهفو بطانا ... تتخطاهم فما نستقل
وفتو هجروا ثم اسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلوا
فاحتسوا أنفاس نوم فلما ... هوموا رعتهم فاشمعلوا
كل ماض قد تردى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسل
فاسقينها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي يعد خالي لخل
حلت الخمر وكانت حراماً ... وبلأي ما ألمت تحل
فأتى عامر بن الظرب بجميع عدوان إلى هذيل والقارة ولحيان وقد قتلوا فقال لهم شهاب بن أبي ذؤيب: كان الموت أقرب من نصركم يا قومنا فقال عامر بن الظرب: اقسم بالله قسماً حقا لأطلين بوتركم كل واتر. وتركهم فسار بنو خزيمة، فقال شهاب بن أبي ذؤيب لقوم بني أسد:
(1/258)
________________________________________
أكل بني الشقيقة قد أطاعوا ... على خذلاننا عمرو بن بكر
لقد عدلوا برأي أبي ذؤيب ... وقد جهلوه رأي أبي الهزبر
سيحملهم بذاك على هلاك ... بجعجاع لدى ضنك ووعر
سيبلغ عنهم قابوس أمر ... يعز على بني سعد بن مر
جلبت بفعلهم صبراً وحسبي ... بما ألقى به من مر صبري
بنو شكل أضاعوني ولما ... يروا نصراً يعزهم كنصري
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
ولو بعده أو قول ليت ... على لهف وما شفع كوتر
فلم يجبه بنو أسد بشيء. فسار شهاب بن أبي ذؤيب مع أخوته يريدون بني طابخة - وكان بني أبي ذؤيب عشرة شهاب والحارث وزهير والأزهر والأزور وعمرو وعامر وسالم والقسور وسهيل - ركبوا خيلهم في درعهم ومغافرهم حتى بلغوا موضعاً يقال له ذات الهجال من أرض بني أسد فغشيهم الليل فنزلوا وهم في حزن من الأرض، وهم نازلون إلى أن أقبل قانص من بني أسد ومعه كلاب له وهو سباق بن سابق بن بكر ابن أخي عمرو بن بكر، وقد أرسل سباق الأسدي كلابه على ظبي والكلاب في طلبه. فلما مر بين أيديهم رموه بالنبل فعقروا الظبي
وأصاب سهم كلباً من كلاب سباق الأسدي فقتله - فأتى الأسدي فأصاب كلبه مقتولاً فأغلظ على بني أبي ذؤيب - فقال له شهاب بن ابي ذؤيب: يا سباق أردنا الظبي والسهم يخطئ ويصيب، فتمادى الأسدي في غضبه وبطش علي الأزور بن ذؤيب فضربه بالسيف فألقى إليه المجن وضربه الأزور بالقوس فشجه في رأسه فولى ودمه يهطل على وجهه فسار حتى
(1/259)
________________________________________
هجم على بني عمه عمرو بن بكر وهم على خمر لهم وميسر، فقال لهم: أترضون بالذل وتقرون للضيم، أما والله ما أعلم أذل من قوم أتى ناديهم بنو أبي ذؤيب فضامومهم فألهبهم حمية وأسعرهم لهباً - فركب بنو عمرو ابن بكر واستنفروا بني أسد وأجابوهم وساروا يأخذون على بني أبي ذؤيب الشعاب ليلاً وبنو أبي ذؤيب لايدرون بذلك. فلما أصبح نهضوا إليهم فنقر من بين أيديهم ظبي أعضب فمر عليهم وهجم في غيضه اثل وضال، ثم ظهر إليهم جمل أجرب عليه رجل أعور، فقال شهاب بن أبي ذؤيب - وكان زاجراً شاعراً -: اركبوا فإن هذا ظبي أعضب عضب أمركم، وجمل أجرب جرب دهركم، ورجل منقوص مقص جمعكم، وسلك الظبي أثلاً وضالا يمر يومكم ويشوك جمع آتاكم وقال شعراً:
قل لركب السرى بذات الهجال ... احذروا من مصارع الآجال
أيها النائمون هبوا فهذا ... أعضب بارح بأثل وضال
زجر الزاجر المترجم أمراً ... روعة الظبي عيلة الاقيال
ورأى أثله من الخطب مرا ... وشبا ضاله صدور العوالي
إنني والذي يحج له النا ... س حليف الهموم والأوجال
يا تراث الأيام لا تأمنوها ... واحذروا مكرها وصرف الليالي
وخذوا من أخي التجارب نصحا ... وأفيقوا من نومة الجهال
اركبوا مسرعين حتى وإلا ... صرتم بعدها كقيل وقال
ثم آتاهم بنو أسد بالعدد وتداعى عليهم بنو أسد وعطف عليهم شهاب
(1/260)
________________________________________
ابن أبي ذؤيب يناشدهم الله والرحم. قالوا له: تركت العفو خلفك وأناخ الموت فرسك، فكان يعطف عليهم ولا يضرب، وتكاثرت عليهم بنو أسد فأصيب أخوه الحارث. فلما رأى أن الحارث قتل قال: يا بني أبي ذؤيب لا ينقذكم من شر اليوم إلا اليأس من غد، ثم هجم فأدرك فارساً لبني أسد فصرعه، ثم يكر القوم فقتلوا من بني أسد نفراً. فلم يزل بنو أسد - وقد أخذوا عليهم الشعاب - يتكاثرون عليهم بالخيل والرجل، وبنو أبي ذؤيب يسقطون واحداً بعد واحد حتى قتلوا العشرة، وأخذوا خليهم وسلاحهم. وبلغ ذلك أبا ذؤيب وعامر بن الظرب فركبا في هذيل وعدوان حتى رفعوهم وأتوا بهم - وكان إذا مات الشريف لا يدفن حتى يحضره أشراف العرب ورؤساؤهم من كل أوب - فنصب أبو ذؤيب على أولاده قبة على شرف ونصب عليهم لواء. فآتاه أشراف الناس من كل قبيل من العرب وىتاه قابوس بن النعمان الأكبر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمير بن نمارة ابن لخم - وكان قابوس ملكاً بالمشلل - فجمع جيشاً عظيماً وأتى أبا ذؤيب. فلما اجتمع الناس إلى أبي ذؤيب فدم بنيه فنصبهم ووقف عليهم، وأنشأ يقول:
أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
إلى آخرها.
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن الهيثم بن عدي عن أبي عباد الهمداني، عن محمد بن إسحاق إنه قال: لما اجتمع أشراف العرب إلى
(1/261)
________________________________________
عمير بن مرثد أبي ذؤيب الهذلي، قام المستوغر الأكبر وهو - سالم بن منفر بن سعد بن زيد مناة بن تميم - فقال: يا أبا ذؤيب لا تدفن أولادك حتى يتكلم أشراف الناس فتعلم من يخذلك ومن ينصرك. وأتى الأشراف إلى عامر بن الظرب فقالوا له: يا أبا مالك هذا
مشهد عظيم وأنت إمام العرب وحكيمها فقم زودنا منك حكمة نتأسى بها بعدك ويدركنا نفعها - وكان معمراً عمراً طويلاً عمر ثلاث مائة عام - وإن أبا ذؤيب نصب كرسياً لقابوس بن النعمان الأكبر - والنعمان الأكبر محرق أول من عاقب بالنار وأحرق بها - وهو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة - وعمرو بن عدي أول من ولي من لخم العراق وأول من حير الحيرة - فقام نمارة بن سعد من بني عمرو بن تميم فقال: أيها الناس هذا أبو ذؤيب يطلب عمرو بن بكر بثأر بنيه ولايطلب أسداً ويهدم شرف مضر - وكان نمارة بن سعد يعبد بيتاً يقال له ذو الخلصة - فقال أبو ذؤيب:
لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زوراً ... ولم تر النصرة فيه بورا
فخفت أمراً لم يكن محذوراً ... إذ كان حتماً قتلنا مقدورا
وكرهت العرب فعل بني أسد وعظم عليهم قتل بني أبي ذؤيب ظلماً فقام المستوغر الأكبر - وكان عمره ثلاثمائة عام - فقال: أيها الإملاء من أنصف من نفسه حمد عاقبة أمره ومن لم ينصف من نفسه ضلت حكمته ومن مارس الأمور حكمته ومن جارى الأحقاب افتنه ومن قامر
(1/262)
________________________________________
الدهور قمرته رأتني الأيام من حيث لا أراها، ذهب الطرب وبقي الجرب لابد من دعوة الداعي وإجابة المجيب، فقال شعراً:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السنين كئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لي ... وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يمر وليلة تحدونا
هل ترغب الأرواح إلا ساعة ... تلقى سقاماً عندها منونا
فانظر لما قدمت سوف تزوره ... حتماً وتمسي عنده مرهونا
أيها الإملاء: ما رغبة امرئ القيس بالعيش إذ ليس بد من الموت وهو يرى موقف المظلوم من الظالم! أبت الأحساب الزكية والمناقب السنية من الأمور الدنية، أما إنه على كل امرئ منكم رقيب يأمره وينهاه، فإن من لا يرضى الظلم عدو للظالمين ومن والى الخالق نبذ المخلوقين ومن عرف الحق وجهل الباطل، هذا أبو ذؤيب بعد العز الرفيع والعدد الجميع والشرف المنيع تناولته الأيدي بالظلم وقد اضطر من ظلم إلى مانع عدل حكم فليس لكم قول صادق الخالق دون إيضاح العذر فقد أرسلكم إليه ووجه الأمر بالمقدرة دون المعذرة ومن حذر مائقاً فذاك مائق، وأنشأ يقول:
وما كل ذي لب يعاش بعقله ... ولكن إذا قاد الأمور حكيمها
برأي ذوي الألباب في الأمر يهتدي ... وهل يبرم الآراء إلا عليمها
وقد يتقي المظلوم من ذي ظلامة ... بعير همام أو يطاع ظلومها
وما سقطت يوماً من الناس أمة ... إلى الذل إلا أن يسود ذميمها
فعندك عن هذا أو ذاك ما هما ... فهذا له حط وذاك سقيمها
(1/263)
________________________________________
وما قادها للخير إلا مجرب ... عليهم بإقبال الأمور كريمها
إذا ساد فيها بعد ذل لئيمها ... تصدى له ذل وقد أديمها
أيها الإملاء: من أبصر أمر ومن جهل أقصر إلا وإن لكل حيلة غيلة، ولكل ساقطة لاقطة، ولكل عوراء واع. افعلوا الخير وقوله ودعوا الشر واهجروه انبذوا الخبيث وانصروا المستغيث، من استنصر بكم فانصروه، ومن بغى عليكم فانذروه، ومن اعتذر إليكم فاعذروه.
ثم قام عامر بن الظرب فقال: أيها الناس إن عامر الأيام طليق العوام وغرض الأسقام فد فنى وجرب على أسف وكلف كلفت بغرور الأمل وأسفت على شباب أفل منعت الدنيا وأعطيت الآخرة فتركى لمنزل أنا عنه زائل، أحسن من الغفلة من
منزل أنا إليه راحل ذهب منا الجميل وتحكم منا البديل بدلت من الصحة سقماً، ومن الشباب هرماً، ومن القوة ضعفاً، ومن الجمال قبحاً. إني لأرى ما يعمل الإصباح وما يؤدي الرواح يتعاقبان فلا يملان ويذهبان، أما والله لئن مضيا فهم سفر يرتقبون ليلحق بهم الباقون، غلقت منهم الرهائن على خوف وآمان، أيها الناس: إن أحزم الرأي ترك ما يفوت والعمل لما يأتي به الموت وأنشأ يقول:
لعمري لقد ذهبت الأطيبان ... شبابي ولهوي فعدوا الملاما
ألم تر أني إذا ما مشيت ... أخطرف خطوي وامشي أماما
وأكره شيء إلى مهجتي ... إذا ما جلست أريد القياما
وأسهر ليلي على أنني ... أراعي الدجى لما أذوق المناما
(1/264)
________________________________________
وأرمي بطرف إذا ما نظرت ... كأن على الطرف مني غماما
عدو النساء قليل العزاء ... كثير الأسى ما ألذ الطعاما
أرى شعرات على حاجبي ... بيضاً رقاقاً طوالاً قياما
أظل أراعي بهن النجوم ... أراها هلالا علا فاستقاما
وأحسب أنفي إذا ما مشيت ... شخصاً أمامي رآني فقاما
أرجي الحياة وطول البقاء ... وعفو السلامة عاماً فعاما
وهيهات ههيات هذا الردى ... يريد صروفاً ليقضي حماما
ولابد لي من بلوغ المدى ... والحق هاداً ونوحاً وساما
ثم التفت إلى الملك قابوس بن النعمان فقال: يا بن وجه الزمان وثمرة الرأي ومعدن الملك وقاصف الجبابرة وعماد العز أنتم نعمة الله في أرضه وسخطه في خلقه بجودكم ينعم وبأسيافكم ينتقم، بكم يقمع الظالم وينتصف المظلوم من أشعر قلبه بغضكم طال غمه ومن أحبكم سعد جده ويومه استسعاك من رضي سعيك وقدمك، ومن أراد ينتقم بك نصر بك من استغاثك، ورضي بك من عهد عنك،
فصدق عزمتك وعدك وتقدم وعيدك بأسك، فأنت الوزر وعندك الخبر والناس شتى والعمل لرب واحد. فأنت أيها الملك الرفيع جده والباسق مجده والطالع سعده من معرفتنا بحقك لم نرغب فوق رأيك رأياً ولم نرد منك عوضاً، فاجعل عفوك لنا فرضاً نمحص لك النصيحة محضاً، واعلم أيها الملك إن الحوادث أعداء الكرام فلا تطمئن إلى الزمان فإن له في كل بيان وقال:
أرى الدهر سيفاً قاطعاً كل شاعة ... يقدم منا ماجداً بعدما جد
وإن المنايا قد تريش سهامها ... على كل مولود صغير ووالد
وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعيانهم غير واحد
(1/265)
________________________________________
ثم أقبل على عمير بن مرثد أبو ذؤيب الهذلي يعزيه فقال: يا عمير بنيت وهدمت وقمت وقعدت ورضيت وسخطت، ألا وإن كل بان هادم وكل قائم قاعد وكل مسرور ساخط وكل قريب شاسع وكل مقيم ظاعن. - يا عمير - إنما الخلق للخالق والأمر للآمر والشكر للمنعم والتسليم للقادر - فلا بد مما هو كائن. - يا عمير - لا أضعف من مخلوق ولا أقوى من خالق ولا أهون من مطلوب في يدي طالب - يا عمير - إن التفكر نور والغفلة ظلمة والجهل سفه والحلم أناة، الأول سابق والآخر تابع - والسعيد ومن وعظ بغيره - يا عمير - كم رأيت من قريح ولم يترك قريحاً - ياعمير - كم نازحاً من ريبه ومدركاً من طلبه مسلماً من دهره ممتعاً من سنه رمته أيدي الردى بطارق من عطبه والدهر لا يقلع عن حوادث من عجبه (من ير يوماً ير به والدهر لا يغتر به) - يا عمير - ذهب عنك ما تريد وآتاك ما لا تريد - يا عمير: - آتاك ما لا يدفع وذهب عنك ما لا يرجع ومعك ما سيذهب عنك - يا عمير: - أنظر إلى طبقات حالاتك من لدن من في صلب أبيك إلى أن بلغت منزلة الشرف وحد العقل وغاية العزيمة، هل قدرت أو قدروا أن ينقلوك إلى طبقة قبل أن تعطاها وتعجيل نعمة قبل أوان محلها، أين
أهل الملك الأول بنو وائل بن حمير ذووا الأحلام المحمودة والآلاء الموجودة أهل التيجان ملوك الأزمان، هل وجدوا إلى ما أحبوا سبيلاً وتركوا إذا أصبحوا مقيلا وأخذوا مما جمعوا قليلاً - يا عمير: - إن أكمل العدد عند المصائب الصبر وأعظم البديل منها الأجر - يا عمير: - أين مفر الهارب وهو يتقلب في يدي الطالب، ولا شيء أعجز ممن لم يجد مهرباً من طالبه إلا إليه - ياعمير: - لا تخلق عزم
(1/266)
________________________________________
الرجال ببعض الظن وهلع الجزع فإن احمد الأمور أصدقها وأثبتها عند كما لها وبعد الابتلاء الحمد والذم - يا عمير: - لعمري قد أسمع الداعي واعذر الطالب وبلغ النبأ، فلا شيء أضيع من مضيع النفس وخطاه تسويف الأمل - يا عمير: - إن خير الأمور ما استكرهت عليه وأكرهها ما استدعيته ولم يأتك من استدعى أمراً لم ينزل به آتاه بما لا ملجأ له منه - يا عمير: - من طلب غير السلامة كان عقباه الندامة، من لم يشكر النعمة استعجل النقمة يا عمير - هل للجزع عاقبة تنفع أو مانع يدفع، فإن حاولت ذلك فأسال القرون الماضية والأمم الخالية قبلك هل تمنع من أسف وجزع أو خاب من صبر وقنع - يا عمير: - ليس ينزل بك ينهى ولا يرجع عنك مأمور - يا عمير: - أنظر الأيام ثلاثة: يوم مضى ولا ترجوه، ويوم أنت فيه لا بد منه، ويوم يأتيك لا تأمنه، فأمس واعظ واليوم غنيمة وغد لا تدري ما حكمه فأمس شاهد مقبول وأمين مؤد فحكم مؤدب وعظك بنفسه وأمضيت معه زاداً خيراً أو شراً وترك لك منه خلفاً لتحسن صحبته وهذا اليوم الذي أنت فيه صديق أدبك بغدره وبواك غير محله، سريع الظعن فأحسن له الصحبة يلقنك حجة ويحبوك شهادة، واليوم المقبل حاكم تنتظر قدومه، أما حبيب فلا تظلم أو فقد فلا ترحم - يا عمير: - الحرص فضول ما عناؤك في طلب ما هو لك وأسفك على ما ليس لك - يا عمير: - كيف ترجو أن يرجع إليك هالك وأنت به لاحق ورجاؤك البقاء بعده طمع في درك ما لا يكون وترك ما هو
كائن والمرجع قريب ولا تمعن في الطلب فيطيح بك الأمل وتنأى بك
(1/267)
________________________________________
الغفلة، ومع الأمل الأجل ومع الغفلة الردى وإن أعظم من المصيبة هو كلف الخلف منها - يا عمير: - من مد يده إلى أخذ مالا يؤخذ انتشبت في يده الخيبة - يا عمير: - من معدن الجزع يستفاد الغنيمة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 9 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

ثم أقبل على عامة الناس فقال: أيها الناس البقاء بعد الفناء والغناء بعد العناء والحياة بعد الموت والعرض بعد القرض اليوم العارية وغداً الهبة وخلقنا ولم نك شيئاً وسنعود ولا شيء ورثنا من كان قبلنا وإنا وارثون موروثون فاستخلصوا ما تقدمون عليه بترك ما تطمعون فيه وتسألون ما هو وتخبرون خيره وشره.
ثم أقبل على بنيه وبني بنيه وقومه عدوان فقال: يا بني اتقوا إلهكم في الليل إذا دجا والنهار إذا أضاء وتجنبوا كل ما يخاف ويتقي وإياكم ومعصية الله فليس لكم وزر ولا لكم عن إلهكم من مفر، جودوا بالنوال وكفوا عن السؤال يا بني إن أعطيتم قليلا فلا تستقلوه فقد تحمل المروءة المرء إلى قدر ما لا تستطيعه يده وكافئوا بالإحسان إحسانا وبالسيئة غفراناً وعليكم بالحلم وليس في كل الأمور، فإن طول الحلم شين ولرب جهل عذرينا ولا تضمرا السفه فيعقبكم الذل وكونوا عند قولي شعرا:
الجهل نار وماء مطفئها ... والحلم إن طال فيه نقص أحلام
والذل عار وسيف الجهل كاشفه ... والجهل إن طال فيه ذل أقوام
يا بني: لا تمنعوا سائلا محقاً كان أو مبطلاً فإن كان محقاً فلا تحرموه وإن كان مبطلاً فقد طرح رداء الحياء عن وجهه بالسؤال إليكم فأعطوه ولا تماروا عالماً ولا جاهلاً، فإن العالم يظهر حجته عليكم فيكشف جهلكم فينزلكم عن أقداركم - والجاهل بلد ويلح عليكم ويحرج ضغنكم - وربما
(1/268)
________________________________________
كان في الغضب العطب وإياكم والفخر المسلم إلى الكبر فإن معه تواكل الأعراض وإياكم والخمر - فإنها متلفة
للمال، مضيعة للعمل، مفسدة للعقل هادمة للأبدان والآداب - وإياكم والتواني والكسل فإنهما يورثان الندامة وقد سبق، في ذلك قول مجاجة الكندي:
اخرش بنفسك في المكارم والعلى ... لا خير في الجثامة النوام
وإياكم والآمال الكاذبة فإنها تنسيكم الأقدار وتتلف الأعمار ويكون منها على كرب وانتظار، وخذوا الرأي إذا سمعتموه من أصغركم سناً وأقلكم قدراً ولا تأنفوا عنه ولا تسألوا أسيركم أكثر من ماله فيعجز ويموت في أيديكم وتكون مصيبة عليكم، وأكثروا العتاق في أسارى العرب يحبوكم وينصروكم، وأوصيكم بالضيف فإن كل قافل مكلم غيره فلا يخرج من عندكم وهو يستطيع أن يتكلم فيكم، وأوصيكم بجيرانكم أحسنوا مواساتهم ولا تغشوا منازلهم، وكفوا عن حريمهم ألحاظكم وألفاظكم ويجلوا ذوي الأسنان منكم وشرفوا علماءكم وسودوا ذوي الفضل منكم وأوصيكم بالحلفاء خيراً ولا تغرموا، واغرموا معهم في ناديهم فإنهم لكم سيوف ما داموا فيكم وينفعوكم إن ساروا عنكم، وارقبوا عورات نسائكم فإنها مسبة عليكم، وإذا نكح فيكم الغريب فاختاروا له أهل العفاف من نسائكم فأنتم أستر لعيبكم وإذا نكحتم في غربة فاطلبوا النجباء واغلوا الصداق أو فدعوا وعليكم بالصلة فإنها تزرع المودة وتميت الضغائن، وإياكم والغيبة فإنها تفرق الجماعة وتوغر القلوب وتورث الأحقاد واذكروا قومكم إذا غابوا عنكم بما تحبون أن
(1/269)
________________________________________
يذكروه منكم إذا غبتم عنهم، أحسنوا إلى أقاربكم يكن عز لكم عند مصائبكم. يا بني: خذوا من أدبي واحفظوا وصيتي ولا تدخلوا شيئاً في قبري فاني لم أزل كارهاً لثلاث: - الزناء والسرقة والغبية، لا فارقني جار ولا خليل عن قلي ولا حملني هواي على عيب كنت أعصي الهوى لطلاب العلى. يا بني: القالة سريعة والآذان سميعة وليس كل عذر مقبولاً، يا بني: أدركت كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر شيخاً كبيراً محجوباً والعرب تحج إليه فاخبرني إنه قد آن خروج نبي بمكة يدعى أحمد
يدعو إلى الله البر والإحسان ومحاسن الأخلاق فاتبعوه تزدادوا شرفاً إلى شرفكم ولا تسارعوا إلى الحروب فإنها تهدم الأعمار وتخلق الأبدان، وإياكم وعهد الملك قابوس - فانه حليم ما استحلم سفيه وما استسفه رشيد وما استشرد وكفوا أيدي سفهائكم عن الظلم وإن ظلموا فانصروهم أحفظوا ترشدوا.
وان الملك قابوس بن النعمان وعامر بن الظرب والمستوعز وأبا ذؤيب رجعوا إلى بني أسد بثأر بني أبي ذؤيب، وكان بنو أسد بن خزيمة وغفار ابن خزيمة ومدلج بن خزيمة نازلين قنان، فنزل بهم قابوس وعامر بن الظرب ومن معهم فقتلوهم وأكثروا القتل في غفار ومدلج، ولجأ عمرو ابن بكر وأولاده ومائة رجل من بني أسد إلى قنة جبل فأحاط بهم قابوس بجيوشه، فأخذه وبنيه ومن معه من المائة الرجل وأعطاهم لأبي ذؤيب الهذلي وقال له: هؤلاء وترك ولك الأمر فيهم، فرجع بهم أبو ذؤيب إلى قبور بنيه فقتل عمروبن بكر وبنيه وقال: انتم ببني ولاعدوان، وأطلق المائة من بني أسد وقال: من يجاوز في الشقوة يجاوز إليه الدهر. ثم سار الملك قابوس وزحف عامر بن الظرب بعدوان والمستوغر بمن كان معه من بني
(1/270)
________________________________________
تميم وأبو ذؤيب بهذيل والقارة ولحيان إلى باهلة بن معن بن يعصر بن سعد ابن قيس بن يعصر وفهم بن سليم بن قيس فالتقوا بذي قار وهو يوم ذي قار فاقتتلوا قتالاً شديداً فكانت الجرة على باهلة وفهم وغني.
قال أبو محمد اختلف الرواة: فبعض يقول أن يوم ذي قار الأول هو المعظم في أيام العرب لقتل هذيل ولحيان والقارة بني عمرو بن مدركة بن الياس بن مضر، وبعض يقول: اليوم الآخر يوم ذي قار لقتل باهلة وغني والقارة وفهم بني قيس عيلان بن مضر. وفي ذي قار الآخر قتل أبو المغوار الغنوي - وهو مارب بن سعد بن قيس بن الصعل بن قراد بنغني بن يعصر بن سعد بن قيس عيلان - وقتل معه أخوه المقداد. فقال كعب بن سعد الغنوي يرثى آخاه ماربا أبا المغوار
وأخويه جبلاً والمقداد - وكان أبو المغوار فارس بني يعصر وجوادهم - فقال فيه أخوه كعب يرثيه بقوله:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الشراب طبيب
إلى آخرها.
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: لما مات تبع شمر يرعش بن عمرو ناشر النعم ولي الملك بعده ابنه صيفي بن شمر يرعش.

ملك نبع صيفي بن شمر يرعش بن عمرو ناشر
النعم
قال أبو محمد: كان صيفي أجمل أهل زمانه وأجود التبابعة كفاً، فولي أهل اليمن باللطف والكرم وأقام بغمدان عشرين عاماً، ثم جمع
(1/271)
________________________________________
الجيوش وسار إلى مكة - كما كانت التبابعة العظماء قبله يفعلون - وكانت التبابعة منهم من يلي الجيوش في مشارق الأرض ومغاربها ومن ينزل مكة فيقيم بها ويبعث الجيوش: جيشاً إلى المغرب فلا يرجع إليه حتى يبلغ البحر المحيط، وجيشاً إلى المشرق فلا يرجع حتى يبلغ البحر المحيط، وجيشاً في يمن الأرض فلا يرجع حتى يبلغ البحر المحيط، وجيشاً في شمالها فلا يرجع حتى يبلغ البحر المحيط. فنزل صيفي إلى مكة وبعث الجيوش في آفاق الأرض، فأقام بمكة عشر سنين، وإن رجلاً آتاه فقال له: أيها الملك رأيت كأن الشمس سقطت في سملق من هذه الجبانة فابتعلتها؟ قال له عراف كان بمكة: أسكت هتك الله فمك، والله لئن صدقت رؤياك ليهلكن الملك، وإن الملك تبعاً لم يلبث إلا يسيراً حتى اعتل في وجهه بقرحة، فلم يقم إلا ثلاثة أيام ومات فسميت قرحة الملوك، فكان ملك تبع صيفي ثلاثين عاماً. فقال جلهمة بن العراف الكندي يرثى تبعاً:
كر الليالي لآجال الفتى سبب ... يزجي له أثر بالحتم موقوتا
يضحي على أمل يمسي على أجل ... بفجعة تترك الإنسان مبهوتا
اعلم ولا بد إن طال المقام به ... لمنهل ثابت يأتيه مبغوتا
لا يدفع الملك عن صيفي منيته ... فملكه صار بعد الموت موروثا
قد كان شمساً على الآفاق مشرقة ... وتاجه محكماً دراً وياقوتا
من كان لم يدر ما يقضي عليه غدا ... لم يبرم الأمر بالآيات منعوتا
من قامر الدهر لم يحمد عواقبه ... والدهر قامر طالوتا وجالوتا
احذر وإن كنت لا تمشي على حذر ... فالأمر عن غفلة من أمنه توتى
(1/272)
________________________________________
عمرو بن عامر مزيقيا ملك متوج تبع
قال أبو محمد: حدثني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمرو بن عامر مزيقيا بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد - وإنما سمي مزيقيا لأنه كانت تنسج له في كل سنة ثلاث مائة وستون حلة، ثم يأذن للناس في الدخول فإذا أرادوا الخروج استلبت عنه وتمزق قطعاً - ولذلك سمي مزيقياً، وكانت الحاكة بمأرب تقيم له حلة في كل سنة نسجها ذهب أحمر، وكان له عيد من الحول إلى الحول تعدله، فإذا أراد الرجوع إلى منزله مزقت عليه. وكانت له سنة من ذي القرنين يوم هتك عرشه ومزق حلته، وكان فراغ الحاكة منها يوم عيده، ثم تمزق عليه. وإنما كان يغفل ذلك لئلا يتخذ أحد ما يلبس منها بعده. وكان اسم أبيه عامر ماء المزن لأنه كان إذا نزل بقومه جدب فتح بيوت أمواله وعالهم حتى يخصبوا ويقوم لهم مقام المطر إذا فقد وكانوا يقولون: كفانا عامر هو ماء المزن لنا وكان عامر ماء المزن ابن حارثة الغرف بن امرئ القيس الجواد بن ثعلبة الضمر بن مازن ابن الأزد. وفي ذلك يقول عمرو بن حرام جد حسان بن ثابت:
ورثنا من البهلول عمرو بن عامر ... وحارثة الغطريف مجداً مؤثلا
كرائم من أبناء نبت بن مالك ... ونبت ابن اسمعيل ما إن تحولا
وإنما كان أول نقلة عمرو بن عامر من اليمن بالأزد وتفرقهم في البلاد إنه كان باليمن سد بناه يشجب بن يعرب بن قحطان وأتمه من بعده الصعب ذو القرنين عليه السلام.
(1/273)
________________________________________
وهو السد الذي ذكر الله في كتابه العزيز، وكان السد بين جبل مأرب وجبل الأبلق - وكان الأبلق متصلاً بالجبال الزرق - وإنما قيل الأبلق: لأنه في أرض سوداء فيها معادن اللجن وأرض غبراء فيها معادن العقان وأرض زرقاء فيها معادن الزبرجد والجزع - وكان يقال له الأبلق الباذخ - ومأرب الشامخ، فمأرب متصل بجبال عمان والأبلق متصل بجبال لجة وما فوق السد ستة أشهر وما تحته ستة أشهر يدركه نفع الماء وكان يأتي إلى السد سبعون نهراً كباراً سوى ما كان يأتيه من السييول من أرض حضر موت وأرض برهوت إلى باب الحبشة. فكان ما يلي مأرب عن شمال السد لبني كهلان، وما يلي الأبلق لبني حمير بن سبأ. فكان يحبس السد لما فيه من الماء سنة من الحول إلى الحول يسقون به جناتهم وزراعتهم وما حاولوه من أمرهم على قدر ما يريدون فكان كما قال الله تعالى: {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال} إلى قوله: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا نفسهم}. وكان لعمرو بن عامر مزيقيا من الجنات والزروع مثل ما كان لجميع أهل سبأ، وكان لعمرو بن عامر من الولد أحد عشر الأكبر ثعلبة العنقاء وحارثة وأبو حارثة وعوف وعلبة ومالك - قاتل الجوع - وكف ووداعة وعمرو وقيس وعبيد وأمهم مارية ذات القرطين بنت ظالم بن معاوية بن كندة بن مريع بن مالك بن عريب بن زيد ابن كهلان. وكان لعمرو أخ أكبر منه يقال له عمران بن عامر، وكان ملكاً متوجاً قبله، وكان كاهناً لم يكن في الأرض
أعلم منه، وكان بيده علم من بقايا دعاة سليمان، وكان له حظ عظيم من ذلك، وكانت العرب لا تعدل بعلم عمران بديلاً وكان يخبر قومه أن بلادهم ستخرب آخر
(1/274)
________________________________________
الزمان حتى يفترق قومها في مشرق الأرض ومغربها، وكانوا يكتمون ذلك من قوله ويقولون: شيخ قد كبر وبلغ من السنين أربعمائة عام، وكان أخوه عمرو بن عامر قد بلغ ثلاثمائة عام. فلما حضر عمران الموت دعا بأخيه عمرو وقال له: يا عمرو إني ميت وهذه البلاد ستخرب ويفترق أهلها وإن لله عليها نعمتين وسخطتين: أما النعمة الأولى فهذه النعمة التي كنتم فيها، والسخطة الأولى: ينهدم هذا السد ويفيض عليكم فيهلككم ويهلك زروعكم وجناتكم وأموالكم وتفترقون في الأرض، والسخطة الثانية تغلب عليكم الحبشة. والنعمة الثانية: يبعث الله النبي محمد التهامي صلى الله عليه وآله وسلم بالرحمة ويغلب أهل الأوثان في آخر الزمان أهل الأديان فيخرجونهم من البيت الحرام ويخربونه، فيرسل الله عليهم رجلاً من حمير يقال له شعيب بن صالح فيهلكهم ثم يخرجهم منه، فلا يكون بالدنيا إيمانا لا بأرض اليمن. واني أخبرك بما يكون لك النجاة ولقومك وذلك أن امرأة من قومك يقال لها ظريفة بنت الحبر الحجورية - وهي وارثة علمي - فلما مات عمران وولي أخوه عمرو تزوجها وتتوج عمرو بعد أخيه، وكان عمرو أعظم ملك بمأرب وكان له تحت السد من الجنات ما لا يحاط به. كانت المرأة تمشي من بيتها وعلى رأسها مكتل فلا تصل إلى بيت جارتها إلا وهي تملؤه من كل فاكهة من غير أن تمس منها شيئاً وكانت كما قال الله تعالى {بلدة طيبة ورب غفور} وإن الرجل يمشي تحت ظلال الشجر شهرين فلا تصل إليه الشمس من كثرة الجنات حتى دعوا على أنفسهم فقالوا: {ربنا باعد بين أسفارنا} فأرسل الله عليهم السيل. قال: وإن ظريفة لما تزوجها عمرو بن عامر كانت ذات يوم نائمة إذ رأت كأن آتياً آتاها وقال لها: ما تحبين يا ظريفة علم تطيب به
(1/275)
________________________________________
نفسك أو مولود
تقر به عينك؟ فقالت: بل علم تطيب به نفسي فجر بيده على صدرها ومسح بظاهر كفه على بطنها فعقمت فكانت لا تلد واتسعت في العلم وأعطيت منه حظاً عظيماً. فبينما هي ذات يوم نائمة إلى جانب عمرو بن عامر غذ رأت كأن سحابة غشيت اليمن فأبرقت وأرعدت فلم تقع على شجر إلا أحرقته، فذعرت ذعراً شديداً، فقام إليها عمرو وقال لها: مالك يا ظريفة فقالت: أزف بكم الغرق وآتاكم من الأمر ما قدر وسبق فخفضها عمرو حتى سكنت وقال لها: يا ظريفة ما تقولين؟ فقالت: وقلبها يختفق ودمعها يندفق: يا عمرو هلك النسل بالوحل. ثم إن عمرو ابن عامر لم يلبث أياماً حتى خرج إلى بعض حدائقه ومعه قينتان وله وبلغ ذلك ظريفة فخرجت تمشي تريده ومعها وصائف لها. فبينما هي تمشي إذ عرض لها ثلاث مناجد معترضات وهن منتصبات على أرجلهن وأضعاف أيديهن على أعينهن، فلما رأتهن ظريفة وضعت يدها على عينيها ونزلت إلى الأرض وقالت لوصائفها: إذا ذهبن هؤلاء المناجد فأعلمني، فلما ذهبن أخبرنها فقامت مسرعة فعارضها خليج جنات عمرو فوثبت منه سلحفاة فوقعت على التراب واستلقت على ظهرها ورامت أن تنقلب فلم تستطع فجعلت تبحث بيديها ورجليها لتنقلب فلم تقدر وعي تحثو التراب على رأسها وعلى بطنها تزرق بولها. فلما رأت ذلك ظريفة جلست والفت بيديها على عينيها وقالت لجواريها: إذا عادت إلى الماء فأعلمنني، فلما عادت السلحفاة إلى الماء أعلمنها فمضت مسرعة حتى دخلت الحديقة نصف النهار حين سكن الريح فإذا شجر الحديقة متناصلة يميناً وشمالاً من غير ريح، فمضت وعمرو في قبته، فلما رأى ذلك ظن أن غيرتها حملتها فاستحيا منها فأمر الجارتين فخرجتا وقال لها: مرجباً بك
(1/276)
________________________________________
يا ظريفة هلمي إلى فراشك وإن كنت قد أتيت في ساعة لم يكن المجيء من عادتك، فقالت: هيهات هيهات يا عمرو - تفاقم الأمر ومنع السر - قال: وما ذلك لله أبوك؟ فقالت: والنور والظلماء
والأرض والسماء ليهلكن الشجر والماء، ثم الماء. ففزع عمرو وذكر قول أخيه عمران قال لها: وما ذلك؟ قالت أخبرتني المناجد بسبع سنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد وترمي بقومك إلى أرض المستجد وتوالون الأباعد. فارتاع عمرو وقالها: انظري ما تقولين! فقالت: إني أقول تلهفاً لما رأيت السلحفاة علت خليجاً آنفاً تغترف التراب بيديها غرفا ولا تني ببولها أن تقذفا، قال لها: هذا خطب عظيم، فقالت: إن الإنسان إنسان وباللسان الحق والبيان والدهر ذو غير وألوان والصمت خير من البيان وفي باطن الأرض كتمان وفي ظاهرها إيضاح وتبيان. فعلم عمرو أنها قد كرهت أن تخبره وعنده القينتان فقال لهما: اخرجا فخرجتا عنه، ثم قال لها: ما تقولين يا ظريفة؟ فقالت: أرى أموراً جسيمة تأتي بأوابد عظيمة وأموراً أبيمة أشأ من الهزيمة نهاراً أو عتيمة، قال لها: ويحك وما هو لقد أشرف مكروه؟ قالت: أجل ثم أجل قلتكن من أمرك على وجل ينجو بنو وائل ويهلك الوسائل وما لك من ناثل فكأني أسمع رنة القائل عند جولة القبائل فاحذروا ما تأتي به الدلائل فإن علمي جل عن سؤال السائل قال لها عمرو: بيني لي فإني رأيت في علمك نجاتي؟ قالت: أنعي لك تفرق الأحباب وذهاب الخيل والركاب والماشية والاهاب والذهب والفضة والثياب من السيل الأسود المنتاب. وكان عمرو متكئاً فاستوى جالساً وقال لها: بيني لي النجاة؟ فقالت: خطب طويل وأمر جليل والقتل خير من السيل، قال لها: صدقت فما وجه ما تذكرين. فقالت: أيت السد ولا تبعث أحداً
(1/277)
________________________________________
فيكون ذلك آكد فإن رأيت جرذاً يقلب برجليه الصخر ويكثر بيديه الحفر فاعلم إنه قد نزل الأمر فعليك بالصبر ولا تجزع للدهر، قال لها: أما ترين هذا الأمر؟ قالت: لا أدري غير إنه وعيد من الله نزل ونكال منه لم يكل، يقتل به من قتل لا يصرف عن سهل ولا جبل إلى حيث ما أراد الله من أرض وصل فليكن مغيرك يا عمرو التكل أو فلك الهبل. فانطلق عمرو إلى السد ولم يكل لغيره وكان يحرسه
حتى رأى جرذاً يبحث برجليه ويقلب الصخر بيديه التي لا يقبلها أربعون رجلاً وذلك للذي أراد الله عز وجل وسبق في علمه إنه كائن فصدق ظريفة وعلم أنها صادقة فرجع إليها مغموماً فقالت له: ما وراءك؟ فقال شعراً:
ابنة الجير والفلاح أصدقينا ... قد رأينا بعض الذي تعدينا
قد رأينا الذي ذكرت يقينا ... إنما الدنيا غرور اللاعبينا
قد رأينا الجرذ في السد يقينا ... فأشيري بالذي تعلمينا
قالت: يا عمرو إذا ظهر الجرذ الحفار فاستبدل لنفسك داراً من دار وجاراً من جار فعندها تنزل الأقدار، قال: ومتى يا ظريفة؟ قالت له: ما بينك وبين سبع سنين ينزل الأمر اليقين وتحول البنين، قال لها: فكيف النجاة؟ فقالت: هيهات يا بن ماء المزن انقطع علم ذلك من كل ذي علم ولو علم ذلك أحد لعلكته ظريفة، ولا يأتي علي يوم وليلة إلا وأنا أتوقع ذلك. قال لها: وما علاقة ذلك. قال لها: وما علاقة ذلك؟ قالت: ادع بقدح من زجاج في مجلسك دون الرتاج وأضرم أمامه سراج فانه يمتلئ رملاً بلا مزاج. ففعل ووضع قدحاً دون رتاج مجلسه فما لبث أن امتلأ رملاً والريح لا تصل إليه. ثم قالت له: يا عمرو إذا رأيت الحصباء في شربك فاغتنم بيع أرضك واخرج إلى النخيل فإن رأيت سعفها يتناصل ويميل فارحل فقد آن
(1/278)
________________________________________
الرحيل وبع ما لك بمأرب من مال، قال: يا بنية الحبر يضيق بذلك الصدر وما على هذا الأمر من صبر.
قالت: يا عمرو - النجاء النجاء من أقام غرراً أساء فاعزم ولا يخدعنك المنى فإن العجز عاقبته البلاء وإن الجلوس غرر فالحذر الحذر ولله الفعل والأمر يهلك من يشاء ويذر، فاصدق نفسك ولم ينجو منه ذو ناب ولا ظفر. فكتم عمرو أمره وعزم على بيع ما كان له بمأرب من مساكن وجنات وقصور واجمع أن يرحل بولده وأخوته وقومه وفزع أن ينكر عليه ذلك فأمر بمائة من الإبل فنحرها وذبح
البقر والغنم وكان كثيراً ما يصنع ذلك فأصعم ثلاثة أيام وأرسل في جميع مأرب حتى لا يتخلف عنه أحد وكان عمرو قد أمر ولده ثعلبة العنقاء - وهو أكبر أولاده، وهو جد الأنصار - قال: يا ثعلبة إذا أمرتك غداً بأمر فاعصني وأغلظ علي في القول، فإذا ضربتك بالعنزة التي بيدي فالطمني، فقال له: يا أبت لا تساعدني يدي، قال له: إن لم تفعل هلكت أنت وأخوتك وقومك، فقال له: نعم. فلما اجتمع الناس أمره الملك عمرو فأبى عليه وأغلظ له في القول فصربه بالعنزة التي كانت في يده فلطمه ثعلبة ابنه، فقال عمرو: في يوم مجدي يلطم خدي فيه ولدي وأذلاه، فوثب الناس إلى ابنه ليقتلوه إعظاماً للملك، فقال لهم عمرو: لا تقتلوه فإن الرحمة سبقت له في قلبي من السخط، ولكني سأبلغ منه استطال ثعلبة وأطغاه علي المال ولكني سأعدمه وأبيع جميع مالي بمأرب تحت السد ونذر لله نذراً ليفعلن حتى يفقر ثعلبة ويدفع الأموال إلى أخوته وينتقل من مأرب إلى غيرها ويخلف ثعلبة. فقال الناس من أهل الشرف والقوة: اغتنموا من عمرو بن عامر غضبه وابتاعوا منه جميع ما كان له بمأرب فإن هو تمادى على غضبه فقد أفدتم أموالاً
(1/279)
________________________________________
عظيمة وإن هو رجع رددتم عليه أمواله وكانت لكم عنده يد فاشتروا منه جميع ماله. فلما قبض ثمن أمواله دعا بمالك بن النعمان - وهو سيد الأزد بعده - فأخبره الخبر ودعا بظريفة فقال لها: ما عندك يا ظريفة أين تريدين لنا السير؟ فقالت: يا مالك بن النعمان يا بن زيد بن كهلان - أهل الفضل والبيان - أرى أن تغدو من الغد ولا تقيم ساعة لو عد أمر يسير كالرعد فباعت عند ذلك الأزد أموالها وقالوا: لا نتخلف عن ملكنا. فسار عمرو في الأزد - وكانوا يعمرون أعماراً طوالاً - حتى إنه ليكون مع الرجل من ولده وولد ولده عسكر جرار، فكان كل سيد على من يليه، وكان مع عمرو ثلاثة وعشرون رهطاً من أولاده وأولاد أولاده وسائر ذلك، فلما اجتمعوا للسير دعا بظريفة فقال لها:
يا ظريفة: أين تريدين لنا السير؟ فقالت: فيكم الأمير وعليكم التدبير. يا أهل المجد من سبأ الممزقة سيروا لنا فلا بد لكم من فرقة يتقدمها اليسار وتعفو الآثار فتنأى الديار وتطول فيها الأسفار وتنقضي منها الأوطار عجلوا ففي كل بلد لكم خبر كلما لتقيم نفراً كان لكم الظفر تتوارثون الملك بعد الملك وتلبسون التاج بغير شك وبدأ الأمر من عك. فسارت الأزد مع عمرو بن عامر وجعلوا على مقدمتهم مالك بن النعمان بن الجلهم بن عدي بن عمرو بن مازن الأزدي، فنما هم يسيرون إذ قال ظريفة: يا معشر غسان أنذرتكم من هذا المكان أنتم أهل العز والسلطان وفوراس الطعان وسيوف بني قحطان، قالوا: وما ذلك يا ظريفة؟ قالت: والسرابيل المحترقة التي يمشي فيها سملقة بالغدرة المعبقة والسيوف المطبقة قالوا: وما ذلك يا ظريفة فأمرينا بالسرعة إذا شئت والكف متى شئت؟ والأمر إليك، فقالت: إني أرى منكم إيضاحاً ووجوهاً صباحاً تسبق
(1/280)
________________________________________
الرماحا وتكثر الصياحا، قالوا: فأين ذلك يا ظريفة؟ فقالت: سيروا إلى عك بالسيوف، فلكم منهم صروف وضراب وحتوف. فزعموا أن ظريفة أول من سماهم غسان، وقيل أن غسان شرب مازن من السد وقال حسان بن ثابت:
أما سألت فانا معشر نجب ... الأسد نسبنا والماء غسان
وقد اختلف الناس في غسان فقالوا: هو ماء لبني زبيد نزل عليه بنو مازن فسموا به، وقال قوم: هو ما بين الجحفة والمشلل نهر يسمى غسان فنزلوا عليه فغلب عليهم اسمه، وقال أكثر العلماء: إنه شربهم من السد - وعلى هذا عامة العلماء - وغسان هم: بنو مازن بن الأزد خاصة وهذا وفق الأحاديث لأنه شرب لبني مازن من سد سبأ. فلما انتهوا إلى عك أرسل الملك عمرو بن عامر إلى سملقة بن حباب العكي يسأله في النزول في أرضهم قليلاً ثم يرتحلون عنهم إلى أرض غيرها، وإن سملقة سيدعك دعا قومه فقال لهم: ما ترون أن الملك عمراً قد أرسل إلي وقال:
إنا قدمنا بلادكم وأردنا المقام يسيراً مقام الزيارة فواسونا قليلاً حتى نرحل عنكم، فما ترون في بني عمكم وقد سألوكم حسن الجوار يسيراً وقد كرهوا أن ينزلوا أرضكم بغير رضا منكم ولا إذن؟ فقالت عك: ذلك إليك يا سملقة غير إنه ما نزل قط قوم على قوم وعرفوا وجوه أرضهم فوطوءها إلا كانت لهم الغلبة عليهم. وقد قال يعرب بن قحطان: ويل للمنزول عليه من النازل المنزول عليه يلين الجوار والنازل مع ذلك متطول. فقال سملقة: ليس هذا من فعل عمرو بن عامر لأنه ملك، سيروا إليه بأسركم فإنه أقرب إليكم رحماً وأعظم عندكم منزلة من أن يفعل بكم هذا. قالوا له: امض أنت وافعل ما أحببت. فسار إليه سملقة فقال له:
(1/281)
________________________________________
أيها الملك اختر أي جانب من الوادي شئت ان شئت شرقيه وإن شئت غربيه فانزله. فقال له: جذع بن سنان - وكان صعلوكاً في غسان وفاتكها في ذلك الزمان -: أيها الملك الغربي أحسن لأنه مجمع السيول ومستقر الماء. فقال له الملك: الغربي أحسن يا سملقة. فنزل عمرو في غربي الوادي بمن معه وبعث ابنه حارثة رائداً مع رواد في خيل يرتادون له منزلاً، وبعث ابنه الحارث في جهة أخرى بخيل يرتادون له منزلاً، ثم نحر الملك عمرو وأمر بالطعام ونادى إلى عك فأجابوه إلى طعامه فأحسن إليهم وجملهم وأعطاهم - وإن عمراً بن عامر اعتل فمات قبل أن يرجع إليه ابناه - وستخلف ابنه ثعلبة العنقاء في قومه وأقام ثعلبة ينتظر أخويه المرتادين. قال: ونزل عند بني حارثة بن عمرو بن عامر وهم رهط جذع بن سنان رجال من الجن وفيهم قاشر الجني، فلما جلسوا حلبوا لهم اللبن وشربوا، فقال لهم قاشر الجني: يا معشر غسان ما بال لبنكم ليس كلبن بني عمكم عك، لبنكم مالح مصرح رقيق ولبن بني عمكم غليظ دسم؟ قالوا له: لا ندري لم ذلك! قال لهم قاشر الجني: نحن أعلم بذلك منكم، إنما أتيتم في أموالكم ومواشيكم من قبل الأرض وذلك أن بني عمكم أنزلوكم غربي الوادي وأسفل النهر ومستقر
السيول فمواشيهم تشرب صفو الماء ثم تسرح في غربي الوادي فتستقبل الريح بوجوهها وتستدبر الشمس بظهورها فتسخن متونها وتنزل ضروعها وإذا طلعت الشمس طلعت مكانها فأصابت الكلأ قد اطعم نواره وذاب جليده وشرب نداه أصله فاستد نياته وزكى طعمه. قال: ونزلتم يا معشر غسان في غربي الوادي وأسفله فأنعامكم تشرب كدر الماء وتسرح شرقي الوادي وتستقبل
(1/282)
________________________________________
الشمس بأبصارها فتكل عن البذر وتضعف أبدانها وتستدير الريح بظهورها فتبرد متونها وتنكمش ضروعها، وإذا طلعت الشمس فلا تبلغكم إلا بعد ارتفاعها، فكلاكم ظليل أبداً لا يبرز زهره ولا يشرب نداه أصله - فمن ثم لبنكم رقيق مالح فكلموا بني عمكم يعاقبوكم من أرضهم قبل أن تهلك أنعامكم - قال: فعند ذلك بعثت غسان إلى عك اعقبونا من المنزل ولا تستأثروا علينا هذه الأثرة كلها، فقالت علك: يا قومنا الأرض أرضنا، وإنما أنتم ضر علينا ولولا السيد الكريم والملك الرحيم عمرو بن عامر ما أنزلنا كم ولو كنتم قد أخذتم الشرقي ما منعناكم فقد واسيناكم أفضل المواساة فلا تبغوا علينا فانه لا يسعكم البغي، فقال ثعلبة العنقاء: صدق بنو عمكم فكفوا عنهم فقد أحسنوا إليكم في مواساتكم فاخترتم منزلكم الذي أنتم فيه فلا تجعلوا لهم ذنباً لم يذنبوه غليكم ولا ذنب لهم ولا تبغوا عليهم وهذا منكم بغي. فقام جذع بن سنان - وهو أعور وأصم - فقال: صدقت أيها الملك. ثم أتى إلى ابن عم له يقال له زوبعة فقال له: إن الملك أراد أن يتم لعلك عهدهم - وهو حدث غر لا يعرف الشر من الخير - ولكن يا زوبعة لا بد لك أن تقتل لي سملقة بن حباب - وكان زوبعة صاحباً لسملقة - فقال له زوبعة: ويحك يا جذع إنه أخي وصاحبي فكيف أقتله؟ قال له جذع: قد أخبرتك، فأتى زوبعة الغساني إلى سملقة العكي فقال له: يا بن العم عقب ابن عمك في المنزل لتعرف العرب إكرامه فانه يكره الرحم وفساد ما بيننا وبينك واعلم أن مقامنا في بلادكم قليل حتى نرتاد منزلاً؟ فقال له
سملقة: إني أحب مسرتك وانك لتطلب غير النصف وانك لتعلم ما يريد أصحابك وما قال لهم قاشر
(1/283)
________________________________________
الجني وأصحابه، قال لهم: كذا وكذا ولم يرد بنا وبكم الخير وأنا أعلم ما يؤول إليه هذا الأمر - وكان سملقة رجلاً عائقاً زاجراً يقول الشعر - فقال لسملقة: ما لنا من حاجة وكان ذلك اليوم نزل سملقة قوماً من زبيد وكان كريم عك فباتوا عنده. فبينما سملقة يكلم زوبعة إذ قال له سملقة: يا زوبعة إن الذي أتيت فيه مخنوق أو مذبوح، قال: وكيف ذلك يا سملقة؟ قال له انك لما كلمتني وامرأة من الحي قد مرت بي وفي يدها ديك فعلمت بزجري ما قلت لك. ثم إنه بان معه تلك الليلة وتركه حتى تحكمت الخمر في رأسه فقتله وأتى إلى الزبيديين فقال لهم: فروا فإن سملقة قد مات، وأخشى عليكم من عك، ففر الزبيديون ورجع زوبعة إلى جذع فأخبره. فعند ذلك لما أصبح ووجدت عك سملقة مقتولاً ثارت بالسلاح إلى غسان، فقال لهم جذع: مالكم أنتم أخواننا؟ قالوا له: يا جذع قتل زوبعة سيدنا سملقة. قال لهم: كأنه للم يبت مع سملقة في القبة إلا زوبعة؟ قالوا له: بات معه نفر من زبيد، قال لهم: لا تعلمون من قتله، وإن زوبعة لن تروه بعد هذا وما كان عن أمر منا وهذه أموالنا لكم تحكمون فيها وأنه لولا وع ثعلبة بن عمرو لغذا عليكم - فنظر بعضهم إلى بعض وأتمروا بجذع - فقالوا: نقتل أعور أصم دنيا في قومه. ثم قالت عك: قد اعتذر إليكم بنو عمكم وقد علموا ما كان منكم من سوء فعل زبيد وصاحبهم، ولكن كفوا حتى يدفعوا إليكم زوبعة تقتلوه بسملقة. قال لهم جذع: ذلك لكم، فرجع جذع ومضى إلى ثعلبة بن عمرو فلم يخبره إنه أمر زوبعة بقتل سملقة فقال له ثعلبة: ادفع إليهم زوبعة يقتلوه بسملقة - فإنه لا عذر لكم - قال له جذع: لا تعجل إن كان هو من صاحبنا زوبعة - فهو من الزبيديين - ثم إن جذع بن سنان أتى إلى غسان
(1/284)
________________________________________
تخير منهم مائة رجل ثم قال لعك: تخيروا منكم مائة رجل يحكمون الأمر بيننا وبينكم فتواعدوا
للعهد على مكان بعيد. ورجع جذع واختار مائة رجل من قومه وأمر أن ينطلقوا ليلاً إلى المكان الذي تواعدوا فيه وأمرهم أن يدفنوا فيه سلاحهم. فلما أصبحوا قال لهم جذع: يا معشر غسان أصحابكم لن يغدوا حتى يروكم فاغدوا في رفيع الثياب، ففعلوا وتعرضوا دون سلاح. فلما رأوا ذلك عك اطمأنوا وخرج منهم مائة رجل من أشرافهم بمثل ذلك الزي - وقد كان جذع قال لأصحابه احبسوهم بالأحاديث واضربوا لهم الأمثال حتى يحمي الهجير وتعلو الشمس ويدخل جميع عك فإذا لوحت لكم بثوبي فعليكم بالسلاح - ففعلوا ذلك وقلوهم حتى أبادوا المائة رجل. ونظر رجل من عك - يقال له يزيد بن زياد - إلى قتلهم فنادى: يا آل عك غدرتم في أصحابكم. فأقبلت إليه عك على الصعب والذلول وتداعت غسان فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى انهزمت غسان ووقعت عك في الغنائم. فلما ملئوا أيديهم وانصرفوا تبعتهم غسان فقتلوهم حتى أمعنوا هاربين في الأرض وخلوا منازلهم. فنادى جذع في أصحابه: ارفعوا السيف فلا حاجة لنا فيمن بقي من عك ولا تقربوا غنائمهم وعيالاتهم وحال بينهم وبين ذلك ثعلبة بن عمرو وقال: إياكم وبنات عمكم. فقال المقنع العكي: حين انهزمت غسان:
غسان غسان وعك عك ... والأشعريون رجال ضنك
والقوس فيها وتر عنك ... والنبل كالنيران صفر سك
والمشرفيات لنا والد لك ... والخرد العين لنا والمسك
سيعلمون أينا الأرك
(1/285)
________________________________________
فلما كرت غسان عليهم وهزمتهم، أنشأ جذع بن سنان يقول:
نحن بنو مازن فينا الملك ... سيدفع الأبطال عنا الشك
سيعلمون من هو الأرك ... إذا التقينا والمكان ضنك
غسان غسان وعك عك ... ليس لكم من البلا مفك
قال فعظم على ثعلبة بن عمرو غدر عك ولم يجد سبيلاً. ومالت قبائل غسان مع جذع، فقال ثعلبة: لا خير لنا في المقام معك بعد غدرنا بهم فقال جذع: أوطنوا أرض عك يا آل غسان. فأرسلت عك إلى الملك ثعلبة وقالت له: أعطنا عهد الملك، فتشاءم ثعلبة بجذع، وأتى إلى ثعلبة أخوته المرتادون فأخبروه عن أرض همدان وخصب أرضهم ومراعيهم. فدعا بظريفة فقال لها: ما ترين؟ فقد جاء بنوك بخير وبخصب أرض همدان وقد أسأنا جوار عك وكرهت المقام فيهم وأردت المسير إلى همدان فما ترين؟ قالت: أما عك أهل المكر فقد أرسلتم عليهم الأمر نقمة من نقم الدهر وأما أرض همدان فقد أعلمتكم بها منذ زمان. ثم قالت: والشهاب والفلك والنظرة والوعك ليتخلفن منكم حيان في عك ويملكنهم أيما ملك وليد ألن عليهم بالدك. فساروا إلى همدان وتخلف منهم حيان عنس وبولان فانتسبوا في عك إلى الآن. فقيل عنس وبولان ابنا أصحاب بن عك وإنما عك وبولان أصحاب الحارث بن مازن بن الأزد، فبينما هم في مسيرهم إذ قالت ظريفة لغلام لها - يقال له سنان -: يا سنان بشر الأزد غسان من ولد الأغر كهلان بالنصر على همدان والملكإلى زمان. فلما انتهوا إلى بلاد همدان لمهم الملك ثعلبة العنقاء ففزعوا أن يكون منهم إليهم ما كان منهم إلى عك بن عدنان بعد المواساة والإحسان قاموا عليهم فناصبوهم إلى القتال فاقتتلوا قتالاً شديداً بموضع يقال له (البطحاء) فانهزمت همدان
(1/286)
________________________________________
ورحلوا عن بلادهم وأموالهم. فقال ثعلبة بن عمرو: لا تمسوا شيئاً من أموالهم فانظروا إلى موضع من بلادهم ترضونه فانزلوه إلى أن تروا مكاناً وترحلون عنهم فانا لا نريد الإقامة في بلادهم وهم كارهون، وأحسنوا جوار من رجع منهم. ثم بعث إلى همدان: هلموا إلى أموالكم وبلادكم فإنا لا حاجة لنا فيهم، فرجعوا فقالوا لهم: يا قومنا وقعت بيننا وبينكم قتلى كانت حياتهم خيراً لنا ولكم من موتهم وليس بد من المقدور فاطمأنت همدان
ورجعت إلى منازلها وأصلحت مع غسان. قال ثعلبة لهمدان: يا قومنا نريد أن نرحل عنكم، فقالت همدان: أيها الملك سخطنا قدومك وأساءتنا رحلتك، فما أحسن الفرقة قبل المعرفة، وأحسن الاجتماع بعد الفرقة. ثم إن ثعلبة وغسان رحلوا وتخلف في بلاد همدان بنو وادعة ابن عمرو فأحسنت همدان جوارهم وملكوهم على أنفسهم وأسندوا إليهم أمورهم حتى دعاهم ذلك إلى أن انتسبوا إليهم فقيل وادعة بن عمرو بن جشم بن حاشد بن همدان. فلما اجمعوا للمسير دعا ثعلبة ظريفة فقال لها: يا ابنة الخير أين ترين وجه السير؟ فقالت: والبرق والبيان والذهب والعقيان لتحار بن الفرسان ولتلقون خيلاً ذات سنان ذوي أسل وأبدان وصفائح الإيمان. فقدموا إلى أهل بنجران فعليكم بنجران فلما آتوها لقيهم مذحج سعد العشيرة فقاتلوهم حتى حال بينهم الليل. فلما هدأ الناس نادت ظريفة في جوف الليل: يا بني عمرو بن عامر يا عظام المنابر قد جرى لكم خير طائر فإذا أضاء صبح وأصبح واعتلج الليل وبرح، فوبى لمن أفلح ونظر في أمره والصلح. فلما أصبح غدوا إلى مذحج فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزم قبائل مذحج ووقعت بينهم قتلى، ثم تصالحت غسان مع مذحج وانتسبت في مذحج من غسان بنو زيد بن الهبور وصاروا معهم أخوة فيقال
(1/287)
________________________________________
إلى اليوم بنو زيد بن الحارث بن كعب بن عبيد بن خالد بن مالك. ثم أجمع ثعلبة على المسير فقال لظريفة: أين ترين لبنيك المسير؟ فقالت:
نحو السراة عجلوا الرحيلا ... لا تجعلوا من دونها بديلا
أصبح وجه الأمر مستحيلا
ثم قالت: يا ثعلبة من هذا المكان أحكم بالبيان امضوا الآن مسرعين ويتخلف منكم حيان. فمن كان منكم ذا هم بعيد ومراد جديد وحمل شديد فليأت كابر وليد وقصر عمان المشيد فأنت هذه نصر الأزد. فسار من سار إلى عمان من الأزد وكان
الذين تحملوا إلى عمان بنو نصر ابن الأزد هم أهل بيت عمرو بن الخليد بن البكير وسار بهم رئيسهم خيوان بن سالم بن ناهدة بن عمرو بن نصر بن الأزد فنزلوا عمان والبحرين ثم قالت: يا ثعلبة من كان منكم ذا هم أمدن وخيل أدكن فليلحق أرض شنء - فكانت هذه صفات أزد شنوءة - فلحق بهم عون بن عدي بن حارثة بن عمرو وهؤلاء أزد شنوءة. ثم قالت: يا ثعلبة من كان منكم ذا حاجة وأسر وأناة وصبر على أزمات الدهر فلينزل الأراك من بطن مر - فأنت هذه صفة خزاعة - فسارت خزاعة حتى نزلوا ببطن مر. ثم قالت: من كان منكم ذا رمح نجل وسيف نصل ورأي جزل وقول فصل - يريد صدق القول - والراسيات في الوحل المطعمات في المحل يعلم بعد الجهل وينصر خاتم الرسل فلينزل بيثرب ذات النخل - وهي المدينة - فنزلت بها قبيلتان: الأوس والخزرج - أهل الوجوه الوضية والأنفس الرضية والمناقب السنية فليخرجوا قبل نزول المنية وحلول القضية ولينزلوا
(1/288)
________________________________________
بيثرب بجوار هزان بن حمير ذات التيجان أفضل الأخوان والجيران - فخرج حارثة وأخوته بنو ثعلبة العنقاء. قالت له: يا ثعلبة تفرق قومك ثم تلحق بنيك فمن كان منكم يريد بلداً عالياً وعيشاً راضياً وخيلاً صوافنا وملكاً دانياً فليلحق بالمشرق من أرض بابل بين القبائل في أطيب المنازل وأحسن المناهل وأعلى المعاقل - فهذه صفة بني همدان بن الأزد - فسار نحو العراق إلى بابل. ثم قالت: ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً وديباجاً وحريراً وملكاً كبيراً وتأميراً فليأت بصري وحفيراً ودمشقاً وغويراً، ومن كان وجهه منيراً وفرسه حميراً وطعمه قديراً وولده كثيراً فليمض إلى دمشق - فكانت هذه صفة علبة بن عمرو بن عامر - وعلبة هو فنة، فسار جفنة وبنوه وكان لعلبة ولد كثير - وهو أعز غسان وأعز ولد عمرو بن عامر - وتخلف بمأرب مالك بن النعمان بن عمرو ابن مازن بن الأزد بعد خروج عمرو بن عامر على متخلف من وشل
الأزد. ونزل السراة من لأزد بنو هبير بن الهبور بن الأزد، والبعض من ولد الهبور بن دهمان وأمر وآهلة ابنا عبد الله بن نصر بن كعب بن الأزد - وهم أزد شنوءة - فهذه القبائل الذين سكنوا السراة بظهر الجبل الذي يقال له (الحجاز) أعلى نجد شديد البرد والحجاز ما حجز بين نجد وتهامة. ففي أعلى نجد الحر في الشتاء والصيف وفي أسفله غور في الشتاء بارد، ونزل سهب ومنهب وراسب بنو مالك بن نصر بن الأزد - وهم برق دهمان بن دهوان بن كعب بن نصر بن الأزد وهم اولاد عامر الجادر أول من جعل للبيت جداراً - وهو الجادر بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد - وهم أهل بيت المهلب بن أبي صفرة - وهو ظالم بن سراق
(1/289)
________________________________________
ثم قالت ظريفة لحارثة ولولده: خذوا الجمل الأزور فضرجوه بالدم الأحمر وأرسلوه يمشي على قدر حتى ينزل بكم البلد الأغر بلد النبي الأزهر صلى الله عليه وآله وسلم. فنزلوا هؤلاء القبائل الذين نزلوا السراة الذي يقال له الحجاز - لأنه حجز بين نجد وتهامة - وهو السراة - وإنما سمي السراة لاستوائه كاستواء سراة الفرس - وأقام بالسراة من غسان من ولد عمرو بن عامر وولد عمران بن عامر. ثم سار ثعلبة بن عمرو في أصحابه ووجوه قومه، حتى إذا كان ببعض الطريق قالت لهم ظريفة: وحق ما نزل من علمي بالبيان وما نطق به اللسان ما أعلم مني إلا الرب الأعظم رب جميع الأمم إني لا أرى علماً يكتم، قالوا: ما ذاك يا ظريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم فانحروه وخصبوه بالدم حتى تأتوا أرض جرهم ولا تبغ بالغلبة فتندم وكف يسلموا وتسلم جوار بيت الله الحرام بيت بناه النبي الأكرم خليل الولي المنعم بيت النبي الأعظم يقتل من كفر وأجرم. قال: فأخذوا الجمل فنحروه ثم مضوا حتى انتهوا إلى مكة فأصابوا بها جرهم وبني إسماعيل. فقال ثعلبة لجرهم: يا معشر جرهم أنتم أهل العز ولكم البأس والمجد ولكم على الناس حق بولايتكم هذا البيت ولسنا
نحب أن يكون بينا وبينكم حرب فانا ما نصب لنا أحد من الناس حرباً إلا نصرنا عليه فخلوا لنا السهل والوطاء حتى تشحم وتلحم أنعامنا ونمضي عنكم ولا يكون بيننا وبينكم حرب فإنكم لا تدرون لمن تكون الغلبة ألكم أن عليكم. فغضبت جرهم وقالت: ما كنا نرى أن يطمع فينا أحد بهذا أو يرجوه. ثم تهيئوا للقتال هم وبنو إسماعيل وكانت جرهم وبنو إسماعيل قليلاً - فهزموهم حتى أدخلوهم مكة واستغاثوا بالحرم. وأقام ثعلبة بمكة في بطحائها. فذاق شدة العيش هو وأصحابه، ثم شخصوا عنها وبقي بمكة من
(1/290)
________________________________________
غسان أبو حارثة بن عمرو بن عامر فولي أمرها فأخذه الرعاف ومات، فكان كل من وليها منهم لا يقيم إلا سبعة أيام ثم يموت من الرعاف. ثم عم الرعاف عليهم فكانوا لا يتداركون، فهربوا ولحقوا ثعلبة. وإن ثعلبة انتهى إلى الجحفة. فلما بلغ المشلل قالت ظريفة: يا بني عمرو بن عامر أوصيكم - فقد حان موتي - ولكل أمر نبأ ولكل نبأ يولد ارتضاء، ثم قالت: انزلوا وأقيموا فاني ميتة هذه الليلة وقد رأيت أن علمي يخلفني فيه مولودان في هذه الليلة فجعلهما الله آية للأولين والآخرين فهو مولود من غسان - ويقال له مسعود بن مازن بن ذؤيب بن عدي - ثم قالت: والاسم والرياء والعلم والإباء والنور والضياء لقد ولد في تميم آخر من بني العم ليس له مفصل ولا عظم يخرج ممسوحاً ثم تموت أمه لسبع ليال ينبئ بالزيادة والنقصان إلى فراغ الخلق والزمان واقسم بالنور والفلق ما له رأس ولا عنق فكان يكبر كل شيء حتى صار كالرجل من أهل زمانه، وماتت أمه لسبعة أيام من مولده فأتوا به إلى ظريفة ففتحت فمه فنفثت فيه وقالت: لا تسقوه لبن امرأة وأغذوه فإن هذا يكفيه إلى بلوغه ثم قالت: أنت خليفتي من بعدي، ثم قالت: اقسم بالله يمين الحق ليأتين مثل هذا شق يعلم ما جل وما دق به يد واحدة ورجل واحدة وآية الله عليه شاهدة يعلم ما خفي وما ظهر يبني بالحق عند تصديق الخبر فأتوها به فتفلت في فمه وقالت له: أنت
خليفتي من بعدي، ثم قالت: يا ثعلبة إذا جاوزت الحجر والمقام فانزلوا على الأعلام من أرض الشام، فإذا آتاك الملك الأعجم في الجحفل العرمرم فقوموا عند انصر أم الليل الأدهم فالتمسوا امرأة في جيبها إرقم فقلدوها الحرب الأصم، ثم سر أنت في
(1/291)
________________________________________
الجيش اللهام إلى البلد الحرام. ثم قالت:
إن ابنة الخير لها أعجوبة ... وميتة تقضي لها مكتوبة
يؤدي بها في ليلة العروبة
فماتت ليلة الجمعة في عقبة الجحفة وقبرها هناك مشهور، وإن عمرو ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر نزل مكة فاحتقر فيها بئراً وسماها غسان وخزاعة من بني عمران الكاهن ولما تخزعت خزاعة قال فيهم عمرو ابن أنيف الغساني:
ولما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في بطون كراكر
حمت كل واد من تهامة واحتمت ... بيض القنا والمرهفات البواتر
ولما نزلت أزد شنوءة السراة وجدوا بها امرأة من قوم عاد بن قحطان فقالت لهم: إني بقية من قوم عاد أنا أعلم بالبلاد منكم فاحملوني على بعير وسيروا بي أخبركم عن الأرضين. فحملوها على بعير، فلم يستقل بها فقالوا لها: ما نجد بعيراً يحملك؟ فقالت: هل من ناقة هبراء فحملوها عليها فسارت بهم حتى أتت أرضاً تسمى ظطرب فقالت: هذه طرب حجرها ضر وجبلها وعر يلقى الراعي بها شر. ثم خرجت بهم حتى أتت كراء. فقالت: هذا كراء مرملة قاتلة للنساء، ثم سارت إلى بيشة فقالت: منزلة خربة آمنة مانعة. فنزلت الأزد بهذه المنازل كلها. فقال لها رجل يومئذ - أي القسي خير - قال: أما السدرة فإنها مذرة هذرة ولكن عليك بالتبع فأنه أصلب عند تقارب النزع وإياك والشريان فإنها قسي الصبيان. ثم ساروا عنها وتركوها بالوادي، فقامت أزد شنوءة بالسراة
(1/292)
________________________________________
وسارت منهم قبائل إلى عمان - فأول من خرج بهم مالك بن فهم - وكان سبب خروجه إنه كان له جارة
وكان لجارته كلبة وكان له أخ له أولاد كثيرة، فرمى ابن أخيه كلبة جارته فقتلها، وكان بنو أخيه أكثر من بنيه، فلم يستطع أن يفعل في بني أخيه شيئاً فغضب وقال: والله لا أقيم ببلد يفعل هذا فيه بضيفي، فسار حتى نزل عمان فسمي الموضع الذي رحل إليه نجد الكلبة إلى اليوم. فلما ورد مالك بن فهم عمان تزوج بها امرأة من بني عبد القيس فولدت له غلماناً كثيرة وكان أصغرهم سليمة وأنه أناخ إبله ذات ليلة وخشي عليها الطرد فعقلها ومعه سليمة فباتا فيها. فلما كان في الليل قام يفتقد عقلها فرآه سليمة وهو يكب عليها ويرفع رأسه فظن إنه لص فنزع له سهماً فرماه فقطع نساه فقتله ثم لحق بعمان ثم أن الأزد ضاقت بهم أرض السراة فخرج من كل قبيلة منهم ناس، فخرج بنو رابعة بن عمران وبنو حارثة بن عمرو وبنو غالب بن دهران، فخرجوا ونزلوا بالشعب من أرض عمان فقال في ذلك شاعر من غسان:
كونوا كعمران إذ سبه محلته ... فقال حبس وضيف بات في رصد
شد المطي على الانساع فانشمرت ... تطوى الصحاصح حتى منتهى الرصد
وان ثعلبة العنقاء سار حتى قدم الشام - وكان أكثر من مضى إلى الشام بنو جفنة بن عمرو بن عامر - فلما نزلوا بالشام عورض ثعلبة العنقاء وكان جميلاً فقتلته الجن فاستحلف ابنه حارثة وهو ابن الأوس والخزرج وأمره أن يشاور في أمره جذع بن سنان ولا يعصيه. فكان جذع ذا رأي مبين على ما كان من عوره وصممه - وكان شجاعاً لا يملأ قلبه شيء - ومات ثعلبة
(1/293)
________________________________________
العنقاء وهو ابن مائة سنة. ومضى القوم حتى بلغوا الشام، وبالشام سليح وهو قبيل من قضاعة، فأصابوا قيصرة قد تغلب على الشام وذلك بالفترة التي كانت باليمن بعد انقضاء التبابعة، وذلك بعد موت قيصر ماهان عامل تبع شمر يرعش، فولي بعده ابنه دقيوس بن ماهان فقالت غسان لسليح: ارعونا بلدكم، قالوا لهم: ليس لنا من الأمر
شيء وذلك إلى الملك قيصر، فقالت لهم غسان: أنتم شفعاؤنا إليه فكلموه في غسان وأخذوا لهم منه عهد على عهد عيسى وأذن لهم بالنزول بالشام وأقاموا مع سليح وجاوروهم بأحسن جوار، وهند غسان كتاب من عند قيصر بالعهد، وخرج عامل لقيصر يجبي من تحت يده من الروم وغيرهم فأتى غسان يجيبهم فعظم ذلك عليهم لأنهم كانوا لا يعرفون الجباية ولم تكن التبابعة تفعل ذلك ولا هي من سنتهم وما كانوا يدخلون بيوت أموالهم إلا ما جبوه بأسيافهم. فلما آتاهم في الجباية عظم عليهم ذلك وثقل فقالوا له إن كتاب قيصر بالعهد عندنا وإنما جاورنا لوجه الراحة! قال لهم: ما أدري ما تقولون ولكنكم أدوا ما عليكم وإلا فلكم عندنا السيف والسيئ، ثم قال لهم: لا يبقى منكم إنسان إلا أعطاني ديناراً فاصطفوا صفاً واحداً فإذا مررت برجل ناولني ديناراً. ففعلا وجعل لا يمر برجل إلا أعطاه ديناراً حتى أتى على الصفوف والملك حارثة بن ثعلبة العنقاء قائم بمعزل عنهم فقال لهم: ما بال هذا لا يعطيني! قالوا له: هات ديناراً، فقال له حارثة: أنا راعي قومي والملك أبصر لنفسه يحمل عنهم الضيم ولا يؤدي قومه إلى ما يكرهون - وكان اسم الجابي وسيطاً - فمر على جذع بن سنان وهو واقف في طرف الناس
(1/294)
________________________________________
وفي يده سيف خلق الجفن وقد قعد به الدهر - فقال له جذع: خذ سيفي حتى أعطيك ديناراً فكاكه، فانتهزه الرومي وقال: أدخله في حرامك. فلم يسمع ما قاله، ولكنه علم إنه لم يقل خيراً له، فقال لمن حوله: ما قال؟ قالوا له: لم يقل شيئاً وكرهوا أن يعلموه لشدة نفسه، فقال له ابن أخت له قال: كذا وكذا، فسل جذع سيفه فضرب به رأس الرومي فرماه، ثم قال: خلفت الراحة والدعة في سد سبأ، ثم أحمل ضيماً لطلب الراحة والدعة، فقال رجل من سليح للجابي: خذ من جذع بن سنان ما أعطاك؟ قال: فذهبت مثلاً، وخرج كاتب لقيصر فأعلمه الذي كان فبعث إليهم قيصر مائة رجل ليسوقوا غسان فيقتلوا منهم من شاءوا فلقوهم غسان بوادي الكسوة (تسمى
بذلك للكسوة التي أخذت غسان من الروم فيه) - فعمدت غسان إلى المائة الرجل فقتلوهم وأخذوا كسوتهم وخيلهم وأتى الخبر إلى قيصر فبعث إلى غسان الجاثليق وقال له: انظر لي خبر القوم وما هم عليه فأتى الجاثليق إلى غسان فوجدهم على عهد قيصر وأخرجوا له كتاب قيصر فرجع إليه فأعلمه بذلك وقال الجاثليق لقيصر: أيها الملك ارفع عن القوم الجور واعلم أن لهم منعة فاكفف عنهم جندك وأوف لهم شرطك فبعث إليهم أن ابعثوا إلي بمائة رجل من أشرافكم وخياركم حتى أعهد بيني وبينهم عهداً واعقد لهم عقداً - وإن الأعاجم سريعة قلوبهم إلى الغدر عند الغلبة - فلما آتاهم رسول قيصر قال حارثة: ما تقول يا جذع؟ قال له جذع: كلا يا حارثة ليس الأمر على ما قال قيصر ولكن أرسل معي تسعة وتسعين عداً وأنا تمام المائة، فقال له حارثة: الرأي رأيك، فسار إليه. فلما أتى جذع إلى قيصر قال: من أنت؟ قال: جذع بن سنان، قال قيصر: ومن هؤلاء الذين معك سمهم؟ قال له جذع: هؤلاء تسعة
(1/295)
________________________________________
وتسعون عبداً ليس فيهم حر غيري، وأما على أن يأتيك خيارنا ووجوهنا فتفعل بهم بأمرك فلا فافعل خيراً إن أردنه وإن كان شراً قتلت تسعة وتسعين عبداً وقتلتني شيخاً أعور أصم. فلما رأى قيصر ذلك وأنه لم ينل حاجته شاور أصحابه وقال لهم: ما ترون؟ فقالوا له إذا لم تنل حاجتك فأعط هذا الكلب الأصم حاجته، فقال له قيصر: ما حاجتك؟ فقال له جذع: إن في نفسك منا شيئاً لا بد لك منه ومقامنا معك غرور وأنت ملك تقدر أن تقول فتفعل، وإذا قدر الأعجمي فعل ونحن العرب نقدر ونترك لطفاً ورأفة. فقال قيصر: أسمعتم ما لقيني به هذا الكلب الأعمى! قالوا له رجاله: أتذر الحب العالم لمن يريد أن يذبحه قاتل فقال له جذع: اكتب لي كتاباً بالصلح بيني وبينك وأعطنا فيه ذمة إبراهيم وإسحاق وتفي بالكتاب الأول الذي قد كنت كتبت لنا ولا تمنع منا من أراد الدخول في بلدك ولا من أراد الخروج ولا تمنعنا مرعى نرعاه ولا يأتينا
عدو إلا كانت عساكرك أنصارنا ولا يظلمنا ظالم إلا نصرتنا والمواساة منك بالعدل. فأعطاه ذلك وكتب له كتاباً وأرسله إلى عامله وأرسله العامل إلى حارثة وقال لهم: لكم العدل المقام متى شئتم الرحيل متى شئتم، فقال جذع لأصحابه: أعطاكم الله عطفاً تحته حتف، فأعطوه استقامة تعقبها ندامة واحذروا فاني لا آمنه عليكم! إنما أراد أن يسكنكم حتى تسكنوا، ثم يفاجئكم بغدره كأن قلبه لكم كالمرجل وإني والله ما التقى بصره وبصري حتى رأيت العداوة في نظره وبعد ذلك فإن ظريفة قد وصفت لكم من يقيم بأرض الشام وما تلقون من حروبهم - وإنهم بنو علبة بن عمرو وهم بنو جفنة - فأقيموا وقد وصفت من يلحق بيثرب فإنهم يا حارثة بنوك وبنو بنيك فأطيعوني
(1/296)
________________________________________
فما زلت لكم ناصحاً، فقال له حارثة: صدقت يا جذع. فسار حارثة وبنوه الأوس والخزرج للوصف الذي قد كانت ظريفة وصفته لهم، وأقام بنو جفنة ومن أقام معهم من أخوانهم من بني عمرو بن عامر وغيرهم من قبائل الأزد، فدخلوا في نسب بني جفنة - وهم بنو قيس بن جفنة وعمرو ابن جفنة وعامر بن جفنة وجبلة بن جفنة وأولادهم - وتقدم حارثة بن ثعلبة العنقاء إلى يثرب وقدم عمرو بن جفنة على قومه وأخوته وبني عمه بالشام وانصرف حارثة إلى يثرب.

عمرو بن جفنة أول من تتوج من ملوك غسان
بالشام
وان عمرو بن جفنة نزل أرض البلقاء أرضاً يقال لها (بالعة) وبلغ ذلك قيصر دقيوس أن ملكهم حارثة خرج يريد أرض العرب، ولم يبق إلا أناس فجمع إليهم روم البلقاء وأمر سليح أن تعين الروم فقالت سليح: نغدر بإخواننا وقد لجئوا إلينا ولم نر منهم إلا خيراً فقال لهم رجل منهم: إنكم بين أمرين: إما قيصر وإما غسان
فكونوا بأجسامكم مع قيصر وبقلوبكم مع غسان، ففعلوا فالتقوا بالبلقاء فاستدعت سليح الهزيمة على الروم وغمهم تطاول الروم عليهم وغدرتهم بغسان، فقتلت غسان من الروم بالبلقاء مقتلة عظيمة، فقال في ذلك عمرو بن جفنة:
كأن الجماجم بيض النعام ... بقارعة الشعب من بالعه
أقمنا الظبي في رؤوس العدى ... نقد بها في الوغى قاطعة
على كل طرف رفيع القذال ... وقباء سلهبة رائعة
ثم أنهم التقوا مرة ثانية بمرج الظباء وهو يوم حليمة فتداعت عليهم الروم وكثروا ولنو جفنة قليل ومن كان معهم قليل فصبروا للروم فاقتتلوا
(1/297)
________________________________________
قتالاً شديد. فلما رأى عمرو بن جفنة قلة قومه وازدياد الروم وتكالبهم عليهم وسليح وكنانة وجذام مع الروم على غسان ورأى ذلك زيد بن نمر الكناني نادى يا آل حلب تأنف النفوس من هذا ما ترون الروم يقتلون غسان ويهدمون بني قحطان ونحن نسر بذلك ونعين عليهم وإن عمرو بن جفنة قال: يا بني جفنة أطيعوني في أمر أشير به عليكم قد افترق عنكم من هولكم وفشت فيكم الجراح وتكالبت العلوج عليكم والله لأمرن السيف على ودجي قبل أن أولي ظهري أعجمياً، قال له: رأيك يا عمرو؟ فأرسل إلى القيصر في المهادنة، فأرسل إليه القيصر: لا صلح حتى ترموا سلاحكم وتسلموا أنفسكم للبلاء، فقال في ذلك غسان بن جذع ابن سنان:
لعمري لقد فاز الذين تقدموا ... وصاروا إلى عز ولم يتذللوا
فما الموت عار أن يصاب به الفتى ... ولكن عاراً أن يزول التجمل
فلا تخضعوا للدهر عند ملمسه ... فكل الذي يؤتى به المرء ينزل
ثم نهض للقتال مع غسان فأرسل إليهم قيصر أن احبسوا سلاحكم واسمعوا وأطيعوا. فأرسل إليهم عمرو بن جذع بن سنان فقال له: نحن قوم لم تجر علينا طاعة لأحد غير تبع وكانت علينا وعليكم ولكن أرى ما أحببت غير هذين فقال:
أعطوني ديناراً جزية عن كل واحد منكم، فصالحوه على أن يعطوه ديناراً على كل واحد، وأتى رسول قيصر يجني المال من غسان، فنزل بباب دمشق فسمي باب الجابية إلى اليوم، ثم أن غسان أخذتهم سنة جدبة فنزلوا لواد يقال له (المحفف) وشتوا فيه في جهد شديد، ثم أن عاملاً لقيصر من سليح يقال له وسيط بن عوف الضجعمي أرسله قيصر إلى غسان وأمره فيهم بالغلظة وقال لرجاله: القوا بهم الشر
(1/298)
________________________________________
بالشر فإن كان شراً كان برؤوسهم وإن كان خيراً فلنا وإن وسيطاً أتى غسان ليستوفى منهم الإتاوة في أصحابه ومعه نفر من الروم ومن وجوه روم الشام فجمع وسيط الإتاوة حتى انتهى إلى دار جذع بن سنان فوجدوه وامرأته تغسل رأسه وفي رأسه شيب كثير فضحكت الروم وعلم ذلك جذع وأسره في نفسه. فلما نظرت امرأة جذع إلى وسيط وجماعة الروم ألقت بكمها على رأسها وكانت من أجمل النساء فجعلوا يختلسون النظر إليها وجذع ينظر، فقال لها وسيط: أعطيني ما عليك واتركي جذعاً فقال له جذع: يا وسيط أما ترى ما نحن فيه من الهزال وما بينك وبين الخصب إلا انسلاخ هذا الشهر فاصبر إلى أن تأخذ فقال له وسيط: ما أنا بفاعل، قال جذع: اصبر اغسل رأسي وأعطيك، فقال له رجل من الروم: دع الكلب يغسل صرفه، فقال له وسط: والله لئن لم تعجلن لآخذن بيد امرأتك، فقام جذع وترك الغسل وقال: علي أبي وبي أخي أودي عنهم فنادى بهم فآتوه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم قبض على القائم وأعطى وسيطاً النعل فأخذها وسيط فضربه جذع بالسيف بعد أن أخرجه وضرب رأسه إلى الأرض وقال لبنيه وبني أخيه: عليكم بالعلوج فتواثبوا إلى العلوج فقتلوهم أجمعين وأخذوا ما معهم من المال الذي جمعوه من غسان، ثم قال (لا يرد الشر إلا الشر) فذهبت مثلاً، ثم نادى في غسان من أعطى شيئاً فليأخذه فأخذ كل رجل منهم ما له وأخذ جذع وبنوه مال الروم وكساءهم وكانوا مائة رجل. واجتمعت سليح لقتل
وسيط واشتعلت الحرب بين الروم وغسان ونصرت سليح الروم فقاتلهم غسان وأتى حارثة بن ثعلبة العنقاء في بني عمه وبني جفنة وعدد عظيم من الأزد إلى الروم فجمع جمعاً عظيماً وأتى بهم إلى غسان فاقتتلوا بالمحفف فقاتلوهم قتالاً شديداً
(1/299)
________________________________________
فانهزم قيصر إلى الدرب فأرسل إلى غسان وخشي أن يدخل عليه من الخلل في ملكه وخشي أن يفتق عليه ما لا يستطيع رتقه وقال لهم: إن الرعية قد ظلمتكم ولم أعمل بظلمكم إلى الآن فصالحوه على ما أرادوا وعظم ملك عمرو بن علبة وبني جفنة - وعمرو وهو أول ملك من آل جفنة متوج بالشام حتى أخرجهم جبلة بن الايهم. فقال في ذلك رجل من غسان يقال له حبة بن الأسود:
فمن مبلغ عنا يماني قومنا ... بأنا قتلنا بالمحفف ضجعا
قتلنا سليحاً والذين تضجعموا ... بأسيافنا إذ صيروا الأمر مبهما
أرادوا ليجروا عند ذلك جزية ... علينا ويضحي ما لنا ثم مغنما
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأولى بالطعان وأكرما
أراد ملوك الروم أن يبلغوا العلا ... فلاقى وسيطاً نحبه بقطر الدما
فذوقوا من الوجد الذي هو دائم ... فإن لكم يوماً عبوساً سرمرما
قال: ثم أن الروم صالحت غسان. على أن لغسان ملك الشام وأن لأشرافهم بالشام ما لأشراف الروم بأرض الروم وإن لملكهم عمة على الروم وعلى الروم إن دهمت غسان شدة أربعة آلاف فارس وثمانية آلاف راجل. فلبثوا على ذلك دهراً، ثم أن الملك حارثة بن ثعلبة ترك بني عمه بالشام وسار حارثة يريد يثرب بمن معه من ولده وولد ولده، وسار معهم ثعلبة بن جفنة أخو عمرو بن جفنة ومعهم جذع بن سنان فوردوا يثرب فنزلوا بصؤار وأهل يثرب يومئذ اليهود وملكهم شريف بن كعب اليهودي، فقال لحارثة بن ثعلبة: لا ندعك تقيم معنا إلا على شرط وعهد تكتبونه بيننا وبينكم، قال له حارثة: وما هو؟ قال: تكتبون عهداً بين بني
إسرائيل وغسان: أن اليهود لغسان حاضرة وإن غسان لليهود بادية،
(1/300)
________________________________________
فقال جذع: عاهدوهم حتى تعفى أموالكم وتستريح دوابكم وأنفسكم، فانه يحدث بعد الأمر أمر - وهم عجم والعجم لا تقيم على عهد إلا على الذل والخوف - ولا يصبرون على خطة وإنكم تجدون فيهم ما تريدون، فنزلوا وكتبوا العهد وأقاموا زماناً. وإن رجلاً من غسان اشترى من يهودي كرباسة بأربعة دراهم فاشترط عليه الغساني أن يريها لأهله، فإن لم يرضوها ردها عليه ورد اليهودي عليه دراهمه وأشهد رجالاً من غسان كانوا بحضرته. وإن الغساني لم يرضوا أهله الكرباسة فردها على اليهودي فأبى أن يقبلها منه اليهودي، ورجع الغساني راجعاً بها إلى أهله فسبوه وقالوا له: فزعت من اليهودي. فردها إلى اليهودي ثانية فسبه فانتهره. فترافعا إلى شريف بن كعب، وأتى الغساني بالشهود الغسانيين فشهدوا إنه قد اشترط عليه ردها إن لم يرضوها أهله، فقال لهم شريف: انتم معاشر غسان لكم آنفة وأنفتكم تحملكم على شهادات الزور، قال له شهاب بن عبد الله الغساني: كذبت بل لنا أحساب تمنعنا من شهادات الزور بلى قد كان بينهما ما كان ولكم أنتم يا شريف بكل ارض أذلاء إلا بأرض العرب، فكيف لا تسرع بلسانك في سبهم ولو البسوك الذلة وكسوك المسكنة لعرفت لهم حقهم، ثم سار بقومه فولي بهم وإن صاحب الكرباسة أتى إلى جذع بن سنان فشكا إليه ما نزل به من اليهودي ومن أهله. فمشى جذع إليه وكلمة وقال له: خذ من الرجل كرباستك ورد عليه دراهمه، فقال له اليهودي: يا أعود أمرتني عينك الواحدة فأمهل حتى تأمرني عينك الأخرى. فولى جذع وأخذ بيده صاحبه وخلا به وقال له: ويحك إن قومي قد تشاء موابي واني لا أحمل فيهم ضيماً وانصب روحي غرضاً دونهم واني أجني عليهم الجنايات وأسوق إليهم الحروب، وسأبلغ مرضاتك
(1/301)
________________________________________
فاصدقني الخبر على وجهه إن كنت ظالماً أو مظلوماً فانه أطيب لنفسي، فحلف له الغساني إنه مظلوم. فبعث
جذع إلى ابن أخت له إنه أجلب إلي قومك. فلما آتاه بهم قال لهم مروا بناتكم يدخلن يثرب على نساء اليهود يضربن نسائهم وكونوا أنتم على أهبة وخذوا ولاماتكم فإذا سمعتم الصيحة اقتلوا من وجدتم من اليهود واسكنوا في المدينة فلم يتحرموا علينا إلا بهذه المدينة، وإن جذعاً مضى إلى صاحب الكرباسة فجلس بإزائه، فلما وقعت الصيحة كان أول قتيل قتله جذع، ثم قامت الصيحة في السوق فانتهبته غسان وقتلوا من فيه فلم تصل الصيحة إلى منزل شريف إلا وغسان في المدينة - فما وصل إلى المدينة وكان بين منزل شريف وبين المدينة عشرة أميال - وإن غسان تمكنوا منها وأخذوا ما كان فيها من مال وسلاح وثياب واتقوا به غسان، ثم حبسوا نساء اليهود عندهم واتقوها. فلما رأى اليهود ما لقوا من قتل الأنفس ونهب الأموال وسبى الذراري طلبوا الصلح ومفادة الأولاد، ثم أرسلوا إلى من كان منهم من يهود الشام يستنصرون بهم على غسان، وجعلوا ذلك مكراً وخديعة، وبلغ الأمر إلي حارثة الملك وما اجتمع إلى يهود من أخوانهم من أهل خيبر وفدك والعوالي والشام. فقال لجذع: ما ترى؟ فقال له جذع: كلما كثروا كان أضعف لهم، ولكن ابعث إليهم بالصلح فصالحوهم على أن يعطوهم من حوزة يثرب ومنازلهم ما يكفيهم ويسعهم وينزلون معهم ويجاورونهم. ففعلت اليهود ذلك ورضوا به ونزلت الاوس والخزرج بيثرب وسكنوا فيها.
قال أبو محمد: ولما كان الوقت الذي أراد الله فيه خراب السد انهدم فأرسل الله سيل العرم ففاض على الأرض فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر الله في كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم {لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان} إلى قوله {أكل خمط} الآية. وقد قال في
(1/302)
________________________________________
ذلك كثير من العرب الأخبار والأشعار - قال الأعشى:
وفي ذاك للمؤتسى أسوة ... بمأرب عفى عليها العرم
رخام بناه لها حمير ... إذا جاء دفاعه لم يسرم
فاروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قسم
فساروا أيادي لا يقدرو ... ن منها على شرب طفلفطم
وقد ذكرته العرب في أخبارها وأشعارها في مواضع كثيرة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 10 )  
قديم 2014-04-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

ربيعة بن نصر بن مالك متوج باليمن بين
أضعاف التبابعة
قال أبو محمد: حدثني زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال: كان ربيعة بن نصر بن مالك بين أضعاف التبابعة، فرأى رؤيا هالته فجمع كل من كان في اليمن من منجم وكاهن وساحر فقال لهم: قد رأيت رؤيا هالتني وفزعت منها فاخبروني بها وبتأويلها، فقالوا له: أيها الملك اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال لهم: ان أخبرتكم بها لا أصدقكم في تأويلها وإن انتم أخبرتموني بها صدقتكم؟ فقال له رجل منهم: فإن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح وشق فانه ليس أحد أعلم منهما. فبعث إليهما فاقبل إليه سطيح قبل شق فقال له: اني رأيت رؤيا هالتني وفزعت منها فاخبرني بها وبتأويلها وإن أنت أصبتها أصبت تأويلها فقال له: افعل أيها الملك، رأيت أيها الملك حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح - فما عندك في تأويلها - فقال: احلف بما بين الحرتين من حنش ليملكن أرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين إلى جرش. فقال له الملك: وأبيك يا سطيح
(1/303)
________________________________________
إن هذا لغائط لنا موجع، فمتى هو كائن أفي زمامنا هذا أم بعده؟ فقال: بعده يحين أكثر من ستين إلى سبعين - قال: فيدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ويخرجون منها هاربين. فقال: ومن يلي ذلك من إخراجهم؟ قال: يليه ارم
ذو يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحداً منهم باليمن. قال: فيدوم ذلك من ملكه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: ومن هو هذا النبي؟ قال: هو من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون ملكه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرني؟ قال: أي والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما نبأتك به لحق. قال: ثم قدم شق وقال له مثل قوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان فقال له شق: رأيت في منامك أيها الملك حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً فما عندك في تأويلها؟ قال: اخلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان وليملكن كل طفلة البنان وليغلبن على ما بين أبين إلى نجران. قال له: يا شق إن هذا لغائط لنا موجع فمتى يكون في زماننا هذا أم بعده؟ قال: لا بل بعده بزمان. ثم يستفزهم ملك عظيم الشأن ويدفعهم بأشد الهوان. قال: ومن هو العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدني ولا مزن يخرج من بيت ذي يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل بقطع برسول مرسل يأمر بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال له: وما يوم الفصل؟
(1/304)
________________________________________
يوم تجزى فيه الولاة ويدعى فيه من السماء بدعوات يسمعها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال: أحق ما تقول. قال: أي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض. قال فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وتب كتاباً إلى سابور بن يزن خرزاد فأسكنهم الحيرة فمن بقية ولد ربيعة بن نصر هو النعمان بن المنذر. فلما هلك ربيعة ابن نصر رجع ملك اليمن إلى تبان
أسعد أبي كرب.

تبان أسعد أبو كرب ملك متوج باليمن
قال ابن هشام ويقال له - الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر ابن كعب كهف الظلم - وتبان أسعد أبو كرب هو الذي قدم المدينة وساق الحبرين من اليهود وكسا البيت الحرام وكان ملكه قبل ربيعة ابن نصر وهو الذي يقال له:
ليت حظي من أبي كرب ... أن يسد خيره خبله
وكان جعل طريقه حين قفل من المشرق إلى المدينة، وكان قد مر بها في بداية أمره، فلم يهج أهلها وخاف بين أظهرهم ابناً له فقتل غيله - قتله عمرو بن طلة الأنصاري من بني عدي بن النجار فزاد ذلك تبعاً حتنقاً عليهم فقاتلهم فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه نهاراً ويقرونه ليلاً ويعجبه ذلك منهم، ويقول: إن قومنا لكرام فبينما تبع ذلك من حربهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من قريظة آتياً إليه حين سمعا إنه يريد خراب
(1/305)
________________________________________
المدينة وهلاك أهلها فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإن كان أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبين ما تريد ولم تأمن من العقوبة، قال لهما: ولم ذلك فقالا له: لأنه حرم مهاجرة نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان يكون داره وقراره فأعجبه ما سمع منهما ورأى أن لهما علماً فبنى المدينة وانصرف عنها واتبعهما، وهذا الحي من الأنصار يزعمون إنما كان حنق تبع على اليهود وإنما كان مراد تبع هلاك اليهود فمنعه الحبران من ذلك وكان أصحابه أصحاب أوثان يعبدونها. فتوجه إلى مكة وطريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وأمج آتاه نفر من هذيل فقالوا له: أيها الملك ندلك على بيت مال دائر فيه اللؤلؤ واذهب والفضة، قال لهم: بلى. قالوا له: هو بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما أراد الهذليون بهذا هلاكه لما عرفوا من هلاك كل من أراد مكة من الملوك بسوء فأرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك؟ فقالا: ما أراد القوم
إلا هلاكك وهلاك جندك، أوما علمت أن لله تعالى بيتاً في الأرض اتخذه لنفسه ولئن أنت فعلت ما أمروك به لتهلكن وليهلكن جميع من معك. قال: فما تريان؟ إني اصنع قالا له: اصنع عنده ما يصنع أهله وتطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتتذلل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ فقالا له: أما إنه لبيت أبينا إبراهيم الخليل وأنه لكما أخبرناك به وإن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله والدماء التي يهرقون عنده فعرف صدق حديثهما وقرن النفر الهذليين وقطع أيديهم وأرجلهم، ثم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه وأقام بمكة سبعة أيام ينحر للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل. ورأى في المنام أن يكسو البيت فكساه الحصف وهو حصير من السعف. ثم رأى
(1/306)
________________________________________
أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والأدوية والحرير فإن تبع أول من كسا البيت وأوصى به ولأنه من جرهم وأمر بتطهيره وإن لا يقربوه بدم ولا ميتة وجعل له باباً ومفتاحاً وانصرف إلى اليمن.

قصة النار التي كانت تعبدها حمير
وكيف تركتها ورجعت إلى دين اليهودية
وان تبعاً لما رجع إلى اليمن بمن معه من الجنود والحبرين معه. فلما وصل إلى اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن.
قال ابن هشام: وإن تبعاً لما دخل اليمن حالت حمير بينه وبينها وقالوا له: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. قال: إنه خير من دينكم، فقالوا له: حاكمنا إلى النار، قال: نعم. وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نا تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأكل الظالم ولا تضر المظلوم شيئاً فخرج قومهم بأوثانهم وما يتقربون به،
وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلدين بها حتى قعدوا للنار عند مخرجها - فخرجت النار إليهم - فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فأمرهم من حضر بالصبر وصبروا حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير. وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما، فاتفقت عند ذلك حمير على دينه فمن هناك كان أصل دين اليهودية باليمن. وقد حدثني محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير اتبعوا النار ليردوها وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير
(1/307)
________________________________________
ليردوها فلم يقدروا ودنت منهم لتأكلهم ولم يستطيعوا ردها، فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وهي تنكص إلى مخرجها الذي خرجت منه. فرجعت عند ذلك حمير إلى دين الحبرين. والله أعلم، أي ذلك كان.
وكان رئام بيتاً له يعظمونه وينحرون عنده ويتكلمون فيه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران: لتبع إنما هو شيطان يفتنهم فخلب وبينه فقال: شأنكما به، فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلياً أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت. ويقال أن تبعاً هو الذي آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره وهو القائل شعراً:
شهدت على أحمد إنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلي عمره ... لكنت وزيراً له وابن عم
وعمر ملك بع ثلاثمائة وعشرين سنة، فلما هلك ولي بعده ربيعة بن نصر - الذي تقدم ذكره - فلما هلك ربيعة بن نصر رجع الملك إلى حسان ابن تبان.

حسان بن تبان أسعد أبو كرب ملك متوج
والملك حسان بن تبان أبو كرب هو الذي بعث إلى جديس باليمامة فأبادها - وكانت جديس وطسم تنزل باليمامة وكان بها ملك من طسم وكانوا لا يزوجون امرأة من جديس إلا بعث إليها ليلة هدائها فافترعها قبل أن تزف إلى زوجها -
فوثبت جديس على طسم فقتلت مقتلة عظيمة. فبلغ ذلك إلى الملك - وكان اسمه عملوق - فمضى جمع من طسم إلى
(1/308)
________________________________________
حسان تبع مستنصراً به فوجه جيشاً إلى اليمامة - وتسمى يومئذ جوا - وكان بها امرأة يقال لها زرقاء اليمامة تبصر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام وباسمها سميت اليمامة. فلما خافوا أن تبصرهم قطعوا الشجر وجعل كل واحد منهم بين يديه شجرة. فنظرت إليهم اليمامة فقالت: يا جديس لقد سارت إليكم الشجر وأتتكم حمير. فقالوا: وما رأيت؟ فقالت رأيت في الشجر رجلاً معه كتف يأكلها ونعلاً يخصفها، فكذبوها. فصحبهم حمير فأوقعت بهم وقعة أفنتهم إلا يسيراً. وسار حسان بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم العرب والعجم حتى إذا كان بأرض العراق كرهت حمير المسير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فكلموا أخاً له يقال له عمرو - وكان معه في جيشه - وقالوا: اقتل آخاك حسان وتملك أمرنا ونرجع إلى بلادنا. حتى أجابهم وأجمعوا على ذلك غير رجل يقال له ذو رعين الكلاعي فإنه نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه فقال في ذلك:
إلا من يشتري سهراً بنوم ... إلا من لا يبيت قرير عين
فأما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم كتبهما في رقعة وختم عليها وقال له: أيها الملك احبس هذه عندك فمسك الرقعة وقتل أباه وتابعته حمير ورجع إلى اليمن ومعهم وولي.

عمرو بن تبان ملك متوج
وملك عمرو بن تبان فمنع النوم فشكا ذلك فقيل له: لا يأتيك النوم حتى تقتل من أمرك بقتل أخيك - فنادى في أهل مملكته - أن الملك يريد أن يحدث عهداً، فاجتمعوا إليه وأقام لهم الرجال وقعد في مجلسه وأمرهم
(1/309)
________________________________________
أن يبخلوا عليه خمسة بعد خمسة، فإذا دخلوا عدل بهم فقتلوا حتى أتى على عامة القوم، ثم أدخل ذو رعين فلما رآه ذكر ما قال له في البيتين اللذين في الكتاب فأمر يتخليته وإكرامه وقربه
واختص به، واضطربت عليه أموره وبرد العز فسمي موثبان لقعوده والمواثب الفراش، وأرادوا إنه لازم الفراش. وفي مملكته نزوح عمرو بن حجر الكندي جد امرئ القيس الشاعر ابنة أخيه حسان تبع فولدت الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو - وكان سيد كندة وكان من فوارسها - وكان ملك عمرو بن تبان ثلاثاً وستين سنة.

عبد كاليل بن ينوف ملك متوج
ثم ملك بعده عبد كاليل بن ينوف وكان مؤمناً على دين عيسى وستر إيمانه، وكان ملكه أربعاً وستين سنة - وكان حسن السيرة جيد العشرة وكان قليل الغزو.

تبع بن حسان ملك متوج
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع، وهو تبع الأصغر آخر التبابعة - وكان مهيباً - فبعث ابن بنت أخيه الحارث بن عمرو بن حجر الكندي إلى معد وملكه عليها وسار إلى الشام فلقيه قوم من بني عمرو بن عامر فشكوا إليه ما نزل بهم من اليهود بيثرب وذكروا له سوء مجاورتهم لهم ونقضهم العهد الذي بينهم. فسار إلى يثرب ونزل في سفح أحد وبعث إلى اليهود فقتل منهم ثلاثمائة رجل وذللها لهم. وتبع هذا - هو الذي عقد الحلف بين اليمن وربيعة - وكان ملكه ثمانية وسبعين سنة.
(1/310)
________________________________________
ربيعة بن مرثد ملك متوج
ثم ملك ربيعة بن مرثد بن عبد كاليل، وكان عاقلاً حسن التدبير، وكان ملكه سبعاً وثلاثين سنة.

حسان بن عمرو ملك متوج
ثم ملك حسان بن عمرو بن تبع - وهو الذي أتاه خالد بن جعفر بن كلاب في اسارى قومه فأطلقهم - وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة.

أبرهة بن الصباح ملك متوج
ثم ولي أبرهة بن الصباح - وكان عالماً جواداً - وكان يعلم أن الملك في بني نضر بن كنانة، فكان يكرم معداً، وكان ملكه ثلاثاً وسبعين سنة.

لخيعة بن ينوف ملك متوج
ثم ملك بعده رجل ليس من أهل الملك ولكنه من أبناء المقاول يقال له (لخيعة بن ينوف) فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل الملك منهم - وكان رجلاً فاسقاً يعمل عمل قوم لوط، وكان يرسل إلى الغلام من ابناء الملوك فيقع عليه في مشربة قد صنعها لذلك - ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده - وقد أخذ مسواكاً جعله في فمه ليعلمهم إنه قد فرغ - ولم يزل كذلك حتى بلغ إلى زرعه ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان - وكان صبياً صغيراً - حين قتل حسان، ثم شب غلاماً جميلاً،
(1/311)
________________________________________
فلما آتاه رسوله عرف ما يريده فأخذ سكيناً لطيفاً وجعله بين قدمه ونعله. ثم آتاه، فلما خلا به وثب عليه ذو نواس فقتله، ثم حز رأسه وجعله في الكوة التي كان يشرف منها على الحرس ووضع مسواكه في فمه، ثم خرج على الناس فقالوا له: ذو نواس أرطب أم يباس؟ فقال لهم: سلتحماس اسطرباس لا باس فلما نظروا إلى الكوة إذا رأسه مقطوع، وكان ملكه سبعاً وعشرين سنة.

ذو نواس زرعة بن تبان أسعد ملك متوج
فلما بلغ حمير ما فعله ذو نواس قالوا له: ما ينبغي أن يكون لنا ملكك غيرك، إذ
قد أرحتنا من هذا الخبيث - وكان آخر ملوك حمير - فأقام في ملكه زماناً وهو صاحب الأخدود الذي ذكره الله في القرآن، وذلك إنه بلغه عن أهل نجران أنهم آتاهم رجل من آل جفنة من غسان، فردهم إلى دين النصرانية، فسار إليهم ذو نواس بنفسه حتى احتفر أخاديد في الأرض وملأها ناراً، فمن تبعه على دينه خلى عنه ومن أقام على النصرانية قذفه فيها حتى أتى بامرأة ومعها صبي صغير ابن سبعة أشهر فقال لها: ابنها أمضي يا أماه على دينك فإنها نار وليس بعدها نار، فمر بالمرأة وابنها في النار رجل يقال له ذو ثعلبان واسمه دوس، فسار في البحر إلى ملك الحبشة فأخبره بما فعل ذو نواس بأهل دينه، فكتب ملك الحبشة إلى قيصر يعلمه بما فعل ذو نواس ويستأذنه في التوجه إلى اليمن. فكتب إليه يأمرن بالمسير إليها. فأعلمه إنه سيظهر عليها وأمره أن يولي ذا ثعلبان أمر قومه ويقيم فيمن معه باليمن. فأقبل ملك الحبشة في سبعين رجل فجمع أهل ذو نواس وحاربهم فهزمهم وقتلوا كثيراً من أصحابه، ومضى مهزوماً - وهم
(1/312)
________________________________________
في أثره إلى البحر - فاقتحم فيه فغرق بمن معه من أصحابه، وكان ملك ذي نواس ثمانية وثلاثين سنة، فقال رجل من حمير يرثى حمير وذهاب ملكهم:
دعيني لا أبا لك لن تطيقي ... لحاك الله قد انزف تريقي
لدى عزف القياناذ انتشينا ... وإذ نسقي من الخمر الرحيق
وشرب الخمر ليس علي عاراً ... إذا لم يشكني فيه رفيقي
فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع السويق
ولا مترهب في اسطوان ... يناطح جدره بيض الانوق
وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه مسمكاً في رأس نيق
مصابيح السليط يلحن فيه ... إذا أمسى كتوماً ماض البروق
فاسلم ذو نواس مستكيناً ... وحذر قومه ضنك المضيق
وان الحبشة هدمت سلحين وبينون، وكان الذي هدمهما ارياط الحبشي، ولم يكن يوجد مثلهما في الدنيا - فقال في ذلك شاعر من حمير:
أو ما رأيت وكل شيء هالك ... بينون خاوية كأن لم تعمر
أو ما رأيت وكل شيء هالك ... سلحين خاوية كظهر الادبر
أو ما رأيت بني عطاة ناهيا ... قد أصبحت تسقي عليهم صرصر
أو ما سمعت بحمير وقصورها ... أمست معطلة مساكن حمير
فابكيهم أما بكيت لمعشر ... لله درك حمير من معشر
قال ابن هشام - وهو الذي عنى شق وسطيح الكاهان - حين قال: سطيح: ليملكن أرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين إلى جرش
(1/313)
________________________________________
- وهو الذي عنى شق بقوله -: لينزلن أرضكم السودان وليغلبن على كل طفلة البنان ليملكن ما بين أبين إلى نجران.

أبرهة الاشرم
أول ملك من الحبشة افتتح اليمن وملكها - وهو الذي أراد هدم البيت - فسار إليه ومعه الفيل، فأهلك الله جيشه بطير أبابيل، ووقعت في جسده الآكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها. وفي ذلك العصر ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال نفيل سائس الفيل حين رأى ما أنزل الله عز وجل من نقمته:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
وقال أيضاً:
إلا حييت عنايا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت فلا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت أمري ... ولم تأسى على وأأمبما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيراً ... وخفت حجارة تلقى علينا
وكل القوم يسأل عن نفيل ... كان علي للحبشان دينا
فخرجوا يتساقطون بكل طريق فهلكوا على كل منهل، فيقال: أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري في أرض العرب من ذلك العام. فقال طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب في ذلك:
ألم تعلموا ما كانفي حرب داحس ... وحرب أبي يكسوم إذ ملكوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غره ... لا صبحتوا ولا تملكون لكم شرابا
(1/314)
________________________________________
يكسوم بن ابرهة الاشرم ملك متوج
ثم ملك بعد ابرهة الاشرم ابننه يكسوم، سار سيرة الحبشة باليمن، فخرج سيف بن ذي يزن الحميري - ويكنى أبا مرة - حتى قدم على قصير فشكا إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم ويليهم قيصر ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون لهم، فلم يجبه إلى ما سأل. فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة - وشا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان: أن لي على كسرى وفادة فيكل عام فاصبر حتى يكون ذلك ففعل. ثم خرج معه فأدخله على كسرى - وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه تحت تاجه، وكان تاجه مثل الهيكل فيه من الدر والياقوت والزبرجد والذهب والفضة عشرة قناطير، وتاجه معلق بسلسلة في رأس طاقة في مجلسه وعنقه ولا يحمل تاجه وإنما يستر السلسلة بالثياب حتى يقعد تحت التاج فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا سجد له هيبة - فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك. قال ابن هشام: ولما دخل عليه سيف بن ذي يزن طأطأ رأسه. فقال الملك: ما بال هذا الأحمق يدخل مجلسي من هذا الباب ثم يطأطئ رأسه؟ فقيل ذلك لسيف فقال: إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء، ثم قال له: أيها الملك غلبت الأغربة علينا في بلادنا، فقال كسرى: أي الاغربة السند أم الحبشة؟ قال له: الحبشة. وجئتك لتنصرني ويكون ملك أرضي لك. قال له
كسرى: بعدت أرضك مع قلة خيرها ما كنت لأورط فارس في بلاد الحبشة لا حاجة لي بذلك. ثم أجازه بعشرة آلاف درهم وكساه بكسوة حسنة، فلما خرج سيف نثر ذلك الورق للناس. فلما بلغ ذلك الملك قال: إن لهذا شأناً، ثم بعث إليه
(1/315)
________________________________________
فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس، فقال: ما اصنع به من جبال أرضي كلها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها. فقال: فجمع سرى مرازبته وقال: ما ترون في أمر هذا الرجل وما حاله؟ فقال له رجل منهم: أيها الملك أن في سجونك رجالاً حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكها كان في ذلك الذي أردت، وإن ظفروا كان ملكاً زاده الملك إلى مله فبعث كسرى بمن كان في سجونه معه - وكانوا ثمانمائة رجل - واستعمل عليهم وهرز وكان ذا سن فيهم وفضل وحسب، وخرجوا في ثمان سفن فغرقت سفينتان ونجا منها ست غلى ساحل عدن. وجمع سيف من استطاع من ثومه وقال لو هرز: رجلي ورجلك حتى نموت جميعاً أو ننصر. فقال وهرز: أنصف الرجل. فخرج إليهم يكسوم بن ابرهة بجنوده، فأرسل إليهم وهرز ابناً له فقاتلهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقاً عليهم. فلما أخذ الناس على مصافهم قال وهرز: أروني ملككم؟ فقالوا له: هو ذلك الذي على الفيل عاقداً تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة، قال: قد رأيته اتركوه.
ووقف طويلاً وقال: أين هو؟ قالوا له: قد ركب البغلة. قال وهرز: بنت الحمار ذل وذل ملكه سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا إلى أن أوذنكم فاني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم وقد اجتمعوا فقد أصيب فاحملوا عليهم. ثم أوتر قوسه وكان لا يوترها غيره لشدتها، ثم رمى بقصد الياقوتة التي بين عينيه فنفذت النشابة من الياقوتة وخرجت من قفاه واستدارت الحبشة عليه وحملت عليهم الفرس وقبائل اليمن فانهزموا وقتلوا وهربوا في كل وجهة. فقال سيف بن ذي يزن في ذلك:
يظن الناس بالملكين ... أنهما قد التأما
(1/316)
________________________________________
ومن يسمع بأمرهما ... فإن الأمر قد فهما
قتلنا القيل يكسوما ... واروينا الكثيب دما
وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي في ذلك أيضاً: وقال في غير الكتاب أمية بن أبي الصلت:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... إذ ريم البحر للأعداء أحوالا
يمم قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إليك عندي لقد أشرفت إقبالا
لله درهم من عصبة صبروا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
واطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعداً بوالا

سيف بن ذي يزن أول ملك متوج
وأقام سيف بن ذي يزن ملكاً من قبل كسرى يكاتبه ويصدر في الأمور عن رأيه إلى أن قتل وإن سبب قتله إنه أخذ من أولئك الحبشة خداماً فخلو به في منضدة فزرقوه بحرابهم فقتلوه وهربوا فطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعاً. وانتشر الأمر باليمن ولم يملكوا أحداً على أنفسهم غير أن كل ناحية ملكوا عليهم رجلاً من حمير، وكانوا كمثل ملوك الطوائف حتى أتى الله بالإسلام. وهذا ما كان من أخبار الملوك الدابرة والأمم
(1/317)
________________________________________
الغابرة والحمد لله على ذلك كثيراً كما هو أهله. تم الكتاب بحمد الله الوهاب.
وما ذكر من أخبار سيف بن ذي يزن الحميري في نسخة من غير هذا التأليف.
قيل: لما ظفر سيف بن ذي يزن الحميري بالحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنين أتته وفود العرب وأشرافا وشعراؤها لتهنئة وتمدحه وتذكر ما كان من آلائه وطلبه بثار قومه. فوفد عليه عبد المطلب بن هاشم وأمية بن أبي الصلت وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد في جماعة من أهل بيته وإذا الملك جالساً في رأس غمدان - وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت لطلب الوتر:
إن المكارم والأفضال في يزن ... لجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده النصر الذي سالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمها ... تخالهم فوق متن الأرض أجبالا
من مثل كسرى وما دار الملوك له ... ومثل وهرز يوم الموت إذ صالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا
لا يفخرون وإن جدت مفاخرهم ... فلا ترى منهم في الطعن ميالا
غر حجا حجة بيض مراجحة ... أسد تربب في الغيطان أشبالا
يرمون عن شدف كأنه عطب ... في جحفل جعل الأموات أسجالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
(1/318)
________________________________________
ثم أطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد ابوالا
ثم استأذن وهو على سريره وتاجه على رأسه ووميض المسك في مفرقه وسيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول وأبناء الملوك، فسلم عبد المطلب، ودنا وأستأذنه في الكلام. فقال له سيف: إن كنت ممن يتكلم بين أيدي الملوك فقد أذنا لك. فقال عبد المطلب: أيها الملك، إن الله جل اسمه قد أحلك محلاً رفيعاً
صعباً منيعاً شامخاً باذخاً وأنبتك منبتاً طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن. وأنت أيها الملك رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وأنت عمودها الذي عليه عمادها ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك لنا خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف ولم يخمد ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا الذي أبهجنا إليك لكشف الكرب فنحن وفد التهنئة لا وفد الرزية. فقال سيف: أيهم المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم أصلح الله الملك. قال: مرحباً وأهلاً وناقة ورحلا وملكاً ربحلا يعطي عطاء جزلاً قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فأهل الليل والنهار ما أقمتم ولكم الحباء إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الإنزال وأقاموا لا يصلون إليه ولا بأذن لهم شهراً. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأحضره وأدنى مجلسه ورفع قدره. ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفوض إليك أمراً لو كان غيرك لم أبح له به، وجدتك معدنه فأطلعتك عليه: إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون خيراً عظيماً وخطراً جسماً فيه شرف الحياة
(1/319)
________________________________________
وفضيلة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وطال عمرك ودام ملكك، فهل المملك مخبري بإيضاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح. فقال سيف: هذا حبه الذي يولد فيه أو قد ولد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مراراً والله باعثه جهاراً وجاعل له منا أنصاراً بعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب الناس عن عرض ويستبيح بهم كرام الأرض بعبد لرحمن ويكسر الأوثان، قوله فصل ووجهه سهل وأمره عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله غضيض الطرف عفيف للفرج مبارك الطلعة ميمون الغرة، صادق اللهجة تظله الغمام ويهتدي به الأنام. قال: فخر عبد
المطلب ساجداً لله. فقال سيف: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك، فهل أحسست من أمره شيئاً؟ قال: نعم. أصلح الله الملك كان لي ولد وكنت به معجباً وعليه شفيقاً فزوجته بكريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فجاءت بغلام سميته محمد. مات أبوه قبل أمه وكفلته أنا وعمه. فقال سيف: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب، انك يا عبد المطلب لجده غير الكذب، فاحفظ ابنك واحذر عليه من اليهود فأنهم له عدى ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً وأطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الذين معك، فلست آمن أن تدخل النفاسة بأن تكون لك الرياسة فيبتغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم غافلون عن ذلك وآباؤهم ولولا أن الموت محتاجي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته. فاني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون أن بيثرب استحكام أمره ودار هجرته وأهل نصرته وموضع حفرته ولولا أني أخشى عليه
(1/320)
________________________________________
الآفات واحذر عليه العاهات لا وطأت رقاب العرب كعبة وأعليت على حداثة سنه ذكره ولكني سأصرف ذلك إليك من غير تقصير مني، ثم أمر لكل واحد منهم بثمان من الإبل وعشرة من الخيل وعشرة ن البقر وعشرة من الغنم وعشرة من العبيد وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال من الفضة وبكرش مملوءة عنبر أو بكرش كلؤلؤة مسكاً، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال: يا عبد المطلب إذا رأس الحول فأتني بخبر ابنك وما يكون من أمره. فمات سيف قبل رأس الحول. فكان عبد المطلب يقول: لا يغبطني أحد بجزيل عطاء الملك ولكن يغبطني بما سيبقى لي شرفه وذكره إلى يوم القيمة - والله أعلم.
تم الكتاب بحمد الله تعالى ومنه وكرمه وحسن توفيقه فله الحمد على كل حال وكان الفراغ من رقمه وقت العصر من يوم الأحد الرابع عشر من شهر جمادي الآخرة أحد شهور سنة أربع وثلاثين بعد ألف من الهجرة وذلك بخط الفقير إلى الله
سبحانه وعالي المطهر بن عبد الرحمن بن المطهر بن الإمام شرف الدين وكتبه يومئذ في الدار الحمراء ولي سبع سنين وثلاثة أشهر أسيراً. فلله الحمد على ما قسم لي واسأل الله بحق القرآن العظيم أن يضاعف الأجر ويمن بحسن الصبر والقبول لما كتبه الله وإن يفك أسري بحق محمد المصطفى ويفك أسر الجميع من المسجونين آمين آمين آمين وصلى الله على أشرف خلقه إليه وأقربهم منزلة لديه خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1/321)
________________________________________
أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن
وأشعارها وأنسابها على الوفاء والكمال
والحمد لله على كل حال
(1/323)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله حمد الشاكرين وسبحانه تعداد الأيام والسنين وصلى الله على رسوله خاتم النبيين وخيرته من خلقه الأمين وعلى آله الطاهرين ورحمته وسلامه. حدثنا عبيد بن شرية الجرهمي عن البرقي يرفع الحديث: أن معاوية بن أبي سفيان، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عشر سنين ووليها لعثمان أيضاً عشراً، ثم وليها بنفسه عشرين سنة، ودانت له المشارق والمغارب ونال رفاعة الملك - وهو أول من تملك واتخذ المقصورة ووقف على رأسه إذا سجد وجمع الأموال - وكانت أفضل لذاته في آخر عمره المسامرة وأحاديث من مضى. فقال له عمرو بن العاص: لو بعثت إلى الجرهمي الذي بالرقة من بقايا من مضى فانه أدرك ملوك الجاهلية وهو أعلم من بقي اليوم في أحاديث العرب وأنسابها، وأوصفه لما مر عليه من تصاريف الدهر. فبعث إليه معاوية، فأتى في محمل بعد أيام كثيرة وشدة شوق من معاوية إليه، فدخل عليه شيخ كبير السن صحيح البدن ثابت
(1/325)
________________________________________
العقل منتبه ذرب اللسان كأنه الجذع فسلم على معاوية بالخلافة، فرحب به معاوية وقال له: أني أردت اتخاذك مؤدباً لي وسميراً ومقوماً، وانا باعث إلى أهلك وأنقلهم إلى جواري وكن لي سميراً في ليلي ووزيراً في أمري. قال: يا أمير المؤمنين (رأيتني ورأيت رحلي) فأرسلها مثلاً في العرب، قال له معاوية: فذلك أخف لمئونتك وأحلى للزومك. فأمر به معاوية فأنزله في قربه وأخدمه وأمر من يجري وضيفته ووسع عليه وألطفه. فإذا كان ذلك في وقت السمر فهو سميره في خاصته من أهل بيته وكان يقصر عليه ليله ويذهب عنه همومه وأنساه على كل سمير كان قبله ولم
يخر على قلبه شيء قط إلا وجد عنده فيه شيئاً وفرحاً ومرحاً. فإذا به كان يحدثه وقائع العرب وأشعاره وأخباره أمر أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوه ويدونه في الكتب. فبينما هو ذات يوم في مجلس لمعاوية وفيه عمرو بن العاص وجماعة من قريش - وقد أخذوا في الحديث وعبيد بن شرية يحدثهم - قال له معاوية: كما أتى عليك من العمر يا عبيد؟ قال: كثيراً يا أمير المؤمنين، كفاك إنه لم يبق جرهمي غيري أتى علي مائة سنة وخمسون سنة. قال له معاوية: هل شهدت دخول الحبشة ورجمها البيت الحرام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. إنما كان ذلك بالأمس، ولقد أدركت عامة ملوك لخم وكندة وحمير وغسان. قال له معاوية: حدثني يا عبيد كيف كانت الجاهلية باليمن ولم يكن لبنى معد بن عدنان معهم ذكر ولم يظفروا منها طائل؟ قال: يا أمير المؤمنين، ومثلك يجهل هذا إنما كانت مضر بالأمس وكانت اليمن وملكت ولم يكن مضر ولا معد ولا عدنان ولا إسماعيل، إنما اليمن من ولد هود واسمه بالسريانية عابر وبينه وبين
(1/326)
________________________________________
إبراهيم عليه السلام ثمانمائة سنة وعاش صلوات الله عليه مائتي سنة وقيذار عاش مائة سنة وأربعين سنة ومضر من ولد قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم فكيف حتى ولد عدنان ومعد ونزار ومضر وكيف حتى شعبت الآثار وانتشروا في البلاد؟ فالله معاوية: صدقت وبررت. أخبرني عنك مالك إذا ذكرت إبراهيم لم تملك أن تصلي عليه، وقد ذكرت والدكم هوداً نبي الله فلم تصل عليه وهو نبي الله! قال: يا أمير المؤمنين والله لهو أحب إلي من أبي الذي حملني في صلبه وأحب ألي من أمي التي أرضعتني ولا أعدل بخليل الرحمن أحداً ولا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولا هودا صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء. قال له معاوية: انك لمنصف فخذ في حديثك يرحمك الله عن ملوك اليمن. وقد بلغني عن حمير وسيرها في البلاد وملكها في مشارق الأرض ومغاربها وكيف كان ذلك تسخر العرب والعجم؟ وعن
افتراق السنة الناس وعن أهل بابل؟ ومتى كان ذلك؟ وكيف كان ذلك؟ وسألتك الاتمر بشعر تحفظه فيما قاله أحد إلا ذكرته؟ قال: يا أمير المؤمنين لك في غير هذا الحديث ما يقصر ليلك وتلذ به في نهارك فإن فيه ما تهوى وما لا تهوى ومغضبة وشغفاً للملوك! ونعش المودة. قال: عزمت عليك إلا اتبعت هواي وحدثتني ما علمت مما أسألك عنه فأنت في جوار الله وذمته وآمان مني ومن غضبي ونعش مودتي. قال جميع جلساء معاوية: ولك منا ذلك من جميعنا. وأمر معاوية كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر قيه مع معاوية. قال عبيد: سل يا أمير المؤمنين، قال معاوية: فمن العرب العاربة ومن العرب المستعربة؟ قال: يا معاوية أتعلم أنت وغيرك من أولى العلم إنما هي عاد وثمود وسم وجديس وأرم والعماليق ورهم وقحطان بن هود، فهم
(1/327)
________________________________________
كانوا أوائل الناس منهم يعرب الذي تكلم بالعربية كل أخذه من يعرب ابن قحطان بن هود وإليه تنسب العربية. فقيل: عربي لأن يعرب أول من نطق بها وليس أحد غيره تكلم قبله بها، فهذه الأجناس التي سميت لك تكلمت بكلام يعرب بن قحطان بن هود، النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان إسماعيل ونقله أبوه إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بلاده فأنزله بمكة فكنا نحن جرهم أهل البلد الحرام فنشأ إسماعيل فينا وتكلم بكلام العربية وتزوج منا. فجميع ولد إسماعيل من بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وأبوه وإسماعيل منا. وأنتم يا قريش منا، والعرب بعضها من بعض. ألم تعلموا أنكم من ولد إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم ونحن ولدنا وأبوه آزر واسمه تارخ بن ناحور بن ارغو بن شارخ بن فالغ بن عابر - وهو هود - فهو أبونا وأبوكم فنحن ولدناكم وأنتم منا ونحن منكم قليل في كثير - قال معاوية: كانك تحدث عن حديث الجاهلية! قال عبيد: يا أمير المؤمنين لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك، فقد محق الإسلام ما كان قبله - كما محق
الشمس ضوء القمر - قال: عزمت عليك إلا حدثتني عما أسألك عنه؟ قال: يا أمير المؤمنين كان من خبر أهل بابل وافتراق السنة الناس، إنه لما كثر ولد سام ويافث وحام - أولاد نوح - في بلاد الله وأراد الله أن يفرقهم في البلدان ويخالف بين ألسنتهم، فبعث عليهم الأرواح الأربع، قال معاوية: ما هذه الأرواح الأربعة؟ قال: الشمال والجنوب والصبا والدبور، فضمتهم الأرواح الأربع من أربع جوانب من كل ناحية كانوا بها ساقتهم فجمعتهم ببابل وكانوا بها، ثم مكثوا بها ثلاثة أيام يموج بعضهم في بعض وعلموا أن ذلك أمر من السماء ولا يدرون ما يراد بهم غير أنهم لا يشكون أن الله
(1/328)
________________________________________
الذي فعل بهم ذلك، والله مظهر إرادته. فلما كان اليوم الرابع سمعوا من قبل السماء صوتاً ينادي: إلا أن الله مفرق بين ألسنتكم ومسكنكم أطراف الأرض فأيما قوم توجهوا وجهاً فكلامهم ولسانهم واحد. قال معاوية: وما كان اللسان يومئذ؟ قال عبيد: سرياني أوله وآخره وهو لسان أبينا آدم عليه السلام ونوح وإدريس. قال معاوية: كيف اختصت أرض بابل باجتماع الناس فيها؟ قال عبيد: هي سرة الأرض في فضلها وأراد الله ذلك بها. قال معاوية: ومن أول من انطقه الله غير السريانية، وأول من توجه من بابل؟ قال: أول من توجه من بابل يعرب بن قحطان ابن عابر - وهو هود النبي عليه السلام - بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح توجه من بابل بجميع ولده ومن اتبعه، ثم نادى إني سائر في بلاد الله فمن تبعني فله ما لي وعليه ما علي. قال معاوية: بالعربية أم بالسريانية؟ قال عبيد: لم ينطق بغير اللسان السرياني حتى استقر به قراره في بلد سوى بابل. قال معاوية: سألتك إلا أخبرتني بما تكلم يعرب أو ما تكلم؟ قال: يا أمير المؤمنين ذكر اسم ربه عند نزوله بالعربية وتكلم شعراً وتكلم بها بعده ولده. قال معاوية: أذكر الشعر الذي قاله يعرب. قال عبيد قال يعرب:
أنا ابن قحطان الهمام الأقيل ... لست بنكال ولا مؤمل
والمبتدئ باللسان المسهل ... بالمنطق إلا بين غير المشكل
برزت والأمة في تبلبل ... نحو يمين الشمس في تمهل
ونقهر الأمة في تفضل ... قد جاءنا نوح بقول فيصل
ونوح جد للجدود الأول ... لابد في عقب الزمان الأطول
(1/329)
________________________________________
نميركم ينطق بالمرسل ... بالنحو والإعراب والتنزل
وكل خير ما روى الرواة لي ... من الآلة ذي الجلال المفضل
قال معاوية: فأين توجه؟ قال عبيد: لما خرج يعرب بجميع ولده - وكان أقوى ولد سام بن نوح - وأعظمهم شأناً لم يقصر حتى نزل بأرض اليمن التي هم بها اليوم. قال معاوية: فمن شخص بعد يعرب؟ قال: عاد ابن عوص بن ارم بن سام بن نوح حتى جاوره. قال معاوية: فما صار إليه شأنه وبما أنطقه الله؟ قال عبيد: لما توجه إلى ما قبل يعرب تكلم بكلام يعرب. قال: فهل نطق بشيء من الشعر؟ قال: نعم كثير. قال: فاذكر بعض ما ذكره فانا نرويه، قال عبيد: سأذكر لك من كل شيء سبباً. قال عبيد: لما استقر باد قراره أنشأ يقول:
إني أنا عاجد الطويل النادي ... ذو العز والقوة والسداد
والبطش والموال والأولاد ... يا قوم أجيبوا صوت ذا المنادى
فقد سمعتموه إذ ينادي ... من غير ما شخص ترون بادي
ففيه عبرة لذي السداد ... فسرت بالطارف والتلاد
حتى حللت بالهمام عادي ... قد قال نوح خيركم أولادي
عاد المعادي غالب الأعادي ... من ولد عوص الغر ذي الميعاد
وحل عاد بالأحقاف، ثم شخص بعده ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح في وادي صنعاء ليعرب حتى حل في جهتهم وتكلم بكلامهم - وبعض ما قال حين نزل مضاهياً لقول بني أعمامه:
يا قوم سيروا واعلموا القعودا ... لعلنا ندرك ذا الوفودا
(1/330)
________________________________________
ويعرب المتوج الصنديدا ... وخلفوا الأرذال والوغودا
والمعشر الأنذال والعبيدا ... قد مات نوح راشداً محمودا
وقال إن خيركم ثمودا ... وسوف بعدي يوصفون جودا
ويبعث الله لكم وليداً نبي صدق راحماً ودودا
ونزل هؤلاء الحجر إلى قرح وهو نجو وادي القرى بين الشام والحجاز، قال ثمود أيضاً يدعو آخاه جديساً ويرغبه في إتباعه إياه:
أيا جديس يا جديس ويحكا ... أخوك لا تؤثر عليه عمكا
ولا تصر من منه حبلكا ... ويعرب الهمام بادر مجدكا
وعاد ما عاد فاوطا الملكا ... لا تكثرون في المقام رأيكا
قال: فلما انتهى قوله إلى جديس رحل في طلبهم بجميع ولده ومن اتبعه معهم فنزل بقربهم ونطق بكلامهم لام يعرب - وبعض ما قال له جديس:
أيا ثمود قد أجبت صوتك ... وقد عرفت أن المجد مجدك
فدتك نفسي يا ثمود أنك ... دعوتني فما عصيت أمرك
وكيف صبري يا ثمود بعدك ... وبعد عاد لا عدمت قربك
ثم شخص بعده عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح متوجهاً في أثرهم حتى حل بقربهم بجميع ولده ومن ينسب إليه فتكلم بلسانهم وهو كلام يعرب. قال معاوية: سألتك إلا شددت حديثك ببعض ما قالوا من الشعر ولو ثلاثة أبيات؟ قال عبيد: في بعض ما قال عمليق:
لما رأيت الناس في تبلبل ... وسار مناخيرنا في أول
خير الملوك يعرب المفضل ... بالسادة الغر ذوي التجمل
أهل الحجا والنبل والتبتل ... وسار عاد ذو القوام الأطول
فجد منا في لحاق المعقل ... بمورد الحزم بأمر فيصل
فقلت سيروا غير ما تخزل ... فسرت طرداً بلا سوام النقل
(1/331)
________________________________________
فقلت يا طسم إلي فأعجل ... إني أنا عمليق غير مشكل
أريد أرضاً ذات ملك أطول ... لعلنا نحل دار العدمل
ثم اتبعه طسم بن لاوذ بن ارم بنسام بن نوح حتى لحق آخاه عمليقاً فتكلم بكلام يعرب قال:
إني أنا طسم شبيه سام ... ووالدي لاوذ بن أرم
لما رأيت من بني أعمامي ... وإخوتي الرحيل باعتزام
قد اقتدوا بيعرب الهمام ... كرهت بعد أخوتي مقامي
وكيف صبري بعد آل سام ... عمليق ثم عاد ذي القوام
ويعرب ذي العزم والإقدام ... وخلفنا يافث وآل حام
قال معاوية: هؤلاء أجمع ولد سام بن نوح؟ قال عبيد: نعم لم يرحل معهم سواهم. قال معاوية: فنزلوا جميعاً أم شتاتاً؟ قال: كل ذلك يا أمير المؤمنين لما ناداهم الصوت ببابل كل قوم توجهوا ناحية واحدة وكلامهم واحد، توجه يعرب أول من توجه بولده ولحق به ولد سام فتكلموا جميعاً بالعربية نزلوا جهة واحدة: فنزل يعرب وولده باليمن ونزل عاد بالأحقاف، ونزل ثمود مما يليهم على الساحل وجاور بعضهم بعضاً، وبقي ببابل ولد يافث وولد حام. قال معاوية: فلم صار أمرهم إليه؟ قال: يأتي عليك في الحديث حتى أخبرك خبراً يغنيك، إنه لما كثر ولد يعرب وولد عاد وثمود وطسم وعمليق وجديس ضاقت بهم أرضهم، فأول من رحل منهم عمليق وولده حتى أتوا الحرم فنزلوا به كافة. قال معاوية: وهم يعلمون إنه حرم الله؟ قال عبيد: نعم قد كانوا لمعلمون أن آدم وإدريس ونوحاً كانوا يعظمونه. قال عاوية: فمن قال في نزولهم
(1/332)
________________________________________
الحرم شعراً. قال: نعم قد قال أصغر
بن الحارث بن يعفر بن عمليق:
أنا ابن مأمون الجوار الأصعر ... الحارث المفضال نجل يعفر
وجدي السيار غير المنكر ... عمليق إذ سار بجيش مشهر
لما رأيت الدهر ذا غير ... فسرت سيراً بالجموع البهر
من آل عمليق الكريم المفخر ... إلى حريم الأرض أرض المحشر
من أرض سام جدنا الموثر
فلما رأى ذلك ولد جديس رحلوا بأجمعهم حتى نزلوا بأرض اليمامة فاتسعوا بها. فلما رأى ذلك جميع ولد طسم لم يهنئهم المقام بعد ولد جديس وضاق بهم المقام وقد بلغهم عن بني جديس سعة بلادهم فرحلوا حتى حلوا بهم وقال في ذلك الأعجب بن مهراق بن سلام بن جديس:
غرنا الدهر بطول للبقا ... ورمى الدهر فأودى إذ رمى
فلقد أخنى علينا كلكلا ... مهد القوة منا والقوى
رحلت طسم إلينا للقضا ... بعدما ضاقت بها الأرض الفضا
فقبلناها على ما كان من ... حدث الدهر وقلنا مرحبا
ليس عيش دونكم يصفو لنا ... كل عيش بعد طسم لا صفا
ابلغا يعرب عنا لما ... دارت الشمس وأوفت بالسما
يا خليلي سلاماً دائماً ... من عشير بهم شط النوى
ليت شعري كيف أنتم بعدنا ... يا بني يعرب يا أهل الحجا
يا بني يعرب أنتم سادة ... كنتم من آل سام في الذرى
ولقد فضلكم خالقكم ... بلسان فيه نور وسنا
فجميع الناس طوعاً لكم ... كلهم فلا عز فيكم والسنا
(1/333)
________________________________________
وبنو عاد جميعاً غلبوا ... من يناويهم بعزوبها
وبني عمليق منا فاذكروا ... وبني طسم وكل قربا
إنما ابكي لنأتي عنهم ... وبحق يسأل منا من بكى
ذل من أصبح من أخيارنا ... نازح الدار وأمسى موهنا
لست أنساه إذا نادى بنا ... يوم نادانا بلا شخص يرى
فانصرفنا إلى أوطاننا ... بكلام غير سر بيننا
بعدما كان لساناً واحداً ... صار اثنين وسبعين سوا
قال: فما صنع من بقي ببابل من ولد حام ويافث وقد سبقهم ولد سام إلى أفضل البلدان؟ قال: فسار طسم بن لاوذ بن يافث بن نوح راغباً عن مسير ابن عمه حتى دخل أرض فارس، فيقال ان جميع أجناس الفرس منولده، فلما رآهم جميع ولد يافث بن نوح قد رحلوا، بأجمعهم حتى حلوا بين المشرق والمغرب من ناحية الجربياء - وهم فيما يقال الترك والصقالبة وياجوج وماجوج وبرجان والروم والأسبان - والروم ولد ياوار بن يافث بن نوح وولد ياجوج وماجوج بن يافث بننوح، الترك وأجناسهم وماشج بن يافث بننوح وبرجان من بني يافث بن نوح، والصقالبة ولد اشميل بن يافث بن نوح، ثم سار جميع ولد كوش بن حام ابن نوح وأجناسهم حتى حلوا أطواف المشارق والمغارب. وأما ولد كنعان ابن حام بن نوح فهم ولد كنعان بن كوش بن حام - وهم البربر - فسار حتى جاز بفلسطين وبيت المقدس وفي أطراف الأرضين وأتوا بها حتى بعث الله نبيه داود وهو الذي أسس بيت المقدس وسليمان بن داود معه ولقد بلغني أن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم سأل الله أن لا يدخل
(1/334)
________________________________________
بيت المقدس مؤمن بالله ورسله وكبه إلا أخرجه الله من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك ولم تسخر الريح بعده لأحد ولا الشياطين ولا العفاريت ولا الطير، وبلغني إنه لم يملك أحد ملكه. فدعا داود البربر إلى الله فكذبوه وقاتلوه كما سمعت في كتاب الله {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك
والحكمة} وبلغني عن هذه الآية {إن فيها قوماً جبارين} أنهم أولاد بربر ابن كنعان بن كوش بن حام، فقتلهم بعد ذلك يوشع بن نون، فلم يزل يقاتلهم حتى نقلهم إلى أطراف الأرض ملك من ملوك حمير يقال له افريقيس.
ثم ابرهة ذو المنار بن الرائش كثير الغزو ومغير في الأرض. فلما دخل أرض أفريقية وباسمه سميت أفريقية، فرأى أرض المغارب يبة خالية طنجة وتنيس فنقلهم إليهما وعمر بهم المغارب وأطراف الأرض. وأما أخوتهم ولد قبط بن مصرايم بن حام فنزلوا بفلوات المغارب ففيهم أنزل الله {إن فيها قوماً جبارين} و {قتل داود جالوت} وهم يدعون إلى قيس وكانت البربر ولم تكن قيس قاطنة مصر - وهم ولد سام بن نوح والبربر من ولد حام - فأين الملتقى إلى نوح ولكنهم بالأمس نظروا أهل تنيس إذ كانوا ببيت المقدس ولو دعاهم أحد إلى نسبه أيضاً أجابوه ولكنهم ولد بربر بن كنعان بن كوش بن حام، وذو والأحلام منهم يعلمون أن هذا باطل - وهم أقدم من ذلك - وهل يجهل ما وصفت لك أهل العلم منهم - وهم أخوة النوبة - وولد قوط الحبشة، وفيهم ما في ولد حام من عزة النفس والشجاعة والشدة وقلة الرحمة ونساءهم أرحم من رجالهم، وفيهم الجفاء والخلف نرى ثقل أهل الحلم منهم، فنقول: صالحون ما لم يغضبون فإن غضبوا كفروا، دين أحدهم على طرف لسانه أصحاب غدر
(1/335)
________________________________________
وسحر لا يعرفون المكر من جاء إليهم منعوه كان على الحق أو غيره. ولا ينقادون بعضهم لبعض - تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى - لهم بأس وصبر وقد حرموا النصر يربحون ولا يربحون ولا يدينون وإن قهروا يتبعون أهواءهم ويعصون أمراءهم إلا أن كانوا من غيرهم، حالفهم الخسران ولا ينظرون في النقصان، يكثرون الحجج من غير نية ويحلون في الحمية وأومأت أحدهم على غية، أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق أصحاب لهو وطرب، وأمورهم عجب من العجب لا يوقرون كبيراً ولا يرحمون
صغيراً، يسيغون الأنساب ويتبعون الغراب من جاءهم بالإفك صدقوه، وإن دعاهم أجابوه، ويهينون الأموال ويكثرون الانتقال، يطرحون المودة ويخلفون الصديق، والقسوةمن رجالهم والرحمة من نساءهم.
وبلغني في الحديث يرفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم {إن الملح والشهرة نزعت من بني إسرائيل وجعلت في نساء البربر} وبلغني أن أولاد بربر بن كنعان بن كوش بن حام الذين يزحفون لرجل من ولد فاطمة حتى يردوه إلى مكة - وهو صاحب العدل في آخر الزمان - وأصحابه يقال لهم الغرباء.
قال له معاوية: قلت الصواب إن شاء الله وإن كلامك طيب وشقاء لما في الصدور، فأخبرني من كان الملك؟ قال عبيد: كان الملك يومئذ فارس بن أرم بن سام بن نوح، وافترقوا في البلدان، ثم ملك يعرب جميع ولد سام وكل جنس ملكهم منهم. قال معاوية: أخبرني عن القبط، من أبوهم وهل ملك منهم أحد؟ قال عبيد: أبوهم مليط بن ماش، وكان ملكهم دارا بن دارا الذي قتله الاسكنر. قال معاوية: فهل ملك القبط؟
(1/336)
________________________________________
قال: نعم كان ملكهم نمرود بن كنعان بن كوش بن حام وهو الذي أرسل إليه إبراهيم الخليل صلوات الله عليه قال: قد كان ادعى الربوبية قال: نعم يا معاوية يا سبحان الله لقد رغبته نفسه إلى أمر عظيم. قال عبيد: وقد كان فرعون قال أنا ربكم الأعلى ولم يملك إلا مصر وحدها وقوله: يدلك على ذلك إنه قال {أليس لي ملك مصر وهذه النهار تجري من تحتي أفلا تبصرون} قال معاوية: فما فعل نمرود؟ قال عبيد: لم يزل إبراهيم صلى الله عليه وسلم يدعوه وأهل مملكته فعصى فأهلكه الله ومن معه من الكافرين، فأقام إبراهيم يدعوه ما شاء الله، ثم دعا بالختان فزعموا إنه اختتن وهو ابن عشرين سنة ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وأمر بالمسير إلى بيت الله الحرام ووضع عند البيت ابنه إسماعيل وأم إسماعيل وكان أهل البيت يومئذ العماليق وجرهم وكانت أمور
كثيرة بعد.
قال: يا معاوية كان صالح وهود قبل إبراهيم بمائتي سنة، ولقد بلغني أن بين موت هود وصالح خمسمائة سنة. قال معاوية: كذلك بلغني. قال معاوية: فما الذي أخرج جرهماً من دار اليمن إلى الحرم؟ قال: لما تبلبلوا ولد يعرب وكثروا وضيقوا عليهم وتمادوا بأجمعهم على جرهم فرحلوا إلى الحرم. قال معاوية: فكم كانوا ولد قحطان الذين من صلبه خاصة؟ قال عبيد: كان جميع ولد قحطان أكبرهم يعرب وهو أول من تكلم بالعربية وأول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن وهي تحية الملوك ملوك الجاهلية وهو أول من حيي بها، والحارث بن قحطان وحضر موت بن قحطان ولام بن قحطان والعاص بن قحطان والشمر بن قحطان والملتمس بن قحطان وتحاسم بن قحطان وماعز بن قحطان وتبع بن قحطان والقطام بن قحطان وظالم بن قحطان وجرهم بن قحطان وامهم
(1/337)
________________________________________
امرأة من ولد عاد وكلهم قد ملك ملكاً عظيماً غير ظالم كان يسير بالجيوش.

حديث هلاك عاد
قال معاوية: فحدثني يا عبيد عن هلاك عاد وكيف كان هلاكهم؟ قال عبيد: يا معاوية. إنه كان عاد بن عوص بن سام بن نوح - وهو الذي أحدث له عشرة من الولد وهم: شداد وهو أول من ملك منهم وطال ملكه وهو الذي عمل أرم ذات العماد، والخلود وهم رهط النبي هود صلى الله عليه وسلم، وتيم بن عاد وبر وبهار والعنود والحقود والصور وهم رهط أبي سعيد المؤمن وصدوهم رهط لقمان بن عاد صاحب النسور، ووفد وثمود ومتاب وهم رهط صاحب السحابات وأس وفد غار ورمل - وكانت عاد عشر قبائل وكانوا عرباً، وكانت مساكنهم الأحقاف - وهي الرمال ما بين حضر موت وبحر عدن - وذلك قول الله تعالى: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف}، وكانوا قد كثروا وانتشروا في البلاد من ارض اليمن كلها وما قاربها من البلاد وقسوا في البلاد، وكان الله قد أعطاهم بسطة في الجسم وقوة في الأبدان وسعة في الأرزاق ومهلاً في الأعمار لم يعطه أحداً من الخلق من بعد قوم نوح، وذلك قول الله عز وجل: {وزادكم في الخلق بسطة}، وقال سبحانه: {أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون}. فكفروا ربهم وطغوا بما فضل به على غيرهم فافسدوا في الأرض وعتوا عتواً كبيراً واغتروا بجهلهم وقالوا لنبيهم هود: أن هذا إلا خلق الأولين ظن وقال الله عز وجل: {وأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة} الآية. فلما كثر
(1/338)
________________________________________
عتوهم وكفرهم وظهرت فيهم المعاصي بعث الله نبيه هودا صلى الله عليه حجة عليهم لينذرهم وابعثه إليهم، وكان من أوسطهم بيتاً وأكرمهم حسباً وأعزهم رهطاً ليمنع من سفاهتهم حتى يبلغ رسالات الله، وقد سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إن الله لم يبعث نبياً قط إلى قومه إلا من أوسطهم بيتاً وأعزهم ليمتنع من سفاهتهم حتى يبلغ رسالات الله. قال: صدقت يا أخا جرهم، فهل تعرف أحداً من شعر العرب ذكر هوداً في شعره؟ وإن في كتاب الله لشفاء من العمى وبياناً من الجهلة ونحب أن نزداد، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: {إن من الشعر لحكمة}؟ قال عبيد: يا معاوية قال فيه حسان بن ثابت الأنصاري حيث يقول:
وإن أخا الأحقاف إذ يعذلونه ... يجاهد في دين النبي ويعذل
قال معاوية: صدقت يا ابن شريه، فحدثني حديثك عن عاد؟ قال: يا معاوية، وكان لعام أصنام يعبدونها دون الله تسمى صداء وبغاء وصمود. قال معاوية: فهل قيل فيها شعر؟ قال عبيد: نعم. قال أبو سعيد المؤمن - وهو من بيت سعيد - حيث قال:
لنا صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والبغاء
قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك عن عاد. قال: فبعث الله إليهم نبيه هوداً صلى الله عليه برسالاته وداعياً إلى عباداته فبلغهم الرسالة ونصح لهم ما استطاع. فردوا نصيحته وطرحوا قوله وكرهوا ما جاءهم به وكان من قولهم ما ذكر الله في كتابه في غير آية ولا آيتين: {وقالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين
(1/339)
________________________________________
أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}. قد سمعت ابن عمك يقول: أصابك بعض آلهتنا بجنون، قال هود: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه} الآية. وسمعت ابن عمك يقول: إني بريء من آلهتكم الذين تزعمون أنها أصابتني بسوء فأصيبوني بأعظم من ذلك أن أخببتم، وقوله تعالى: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} - يعني بكل نجد - والربع هو النجد مما ينصبون من الحجارة في النجاد وهي للنائي. سمعت ذلك من ابن عمك أيضاً.
قال: صدقت يا عبيد وجئت بالبرهان الواضح، فحدثني عن هود. قال: نصح لهم هود بجهده وآتاهم بالحق من ربه، فلم يزدادوا إلا طغياناً وكفراً وتمادياً في معصيته. وأسلم مع هود منهم نفر يسير لا يبلغون أربعين رجلاً وأسلم رجل من أشرافهم وساداتهم وذوي أحسابهم يقال له: أبو سعيد بن سعد بن عفير، وكان يكتم إيمانه - وهو رأس الوفود وصاحب البر والتقوى وودها - وقد بلغني يا معاوية إنه كان سائراً ذات يوم إذ مر بجماعة منهم في نادي قومهم فدعاهم إلى الله ووعظهم فحمل عليه رجل من سفهائهم بحجر فأدمى كعبه، فدعا عليهم هود عليه السلام أن يبتليهم الله بالقحط ويحبس القطر عنهم ثلاث سنين، فاستجاب الله له فحبس عنهم المطر وابتلاهم بالقحط ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. قال معاوية: لله أنت يا عبيد فهل قيل في ذلك شعراً؟ قال عبيد: نعم. قال: فاسمعني ذلك. قال: لما دخلت السنة الأولى عليهم علموا أنها سنة قحط وأزمة فسموها حجرة. فقال
في ذلك رجل من المسلمين - يقال له حماد هذا الشعر:
(1/340)
________________________________________
قد نزلت بأرض عاد حجره ... لها لهيب وعليها غبره
فأرضهم جادبة مغبرة ... جاحمة وحرثها مصفرة
ليس لها في يومها مسره ... ولا لعين بالنهار قره
حلاوة الإتراف فيها مره ... لطاعة الله وفيها عبره
وفي معاصيه الردى والحسرة ... فقد رأوا منك عظيم القدره
إذ أرضهم يابسة كالصخره ... موحشة دون البلاد قفره
مستبدلين خيره مضره ... إذ لم تزل تربتها مغبره
وصادفت من ربها المعره
فأجابه رجل من المشركين قال: وما أسمه؟ قال: اسمه الخلجان ابن الوهم فأنشأ يقول:
إن السنين حلوه ومره ... فاخرة ولدنة مخضرة
فمرة جدب وخصب مره ... ليست بنكر سنة مغبره
معينهم ليست تدوم العره ... وعاد أولو همة وخبره
محتالة للكسب ذات قدره ... وكلهم ذو وسعة يمره
لهم بعز شوكة مسره ... كأنهم عند اللقاء جمره
وهم معا في الخافقين عبره
قال: فلما دخلت الثانية سموها كحلاً. فقال رجل من المسلمين يقال له مبتدع شعراً يقول فيه:
قد نزلت كحل بآل عاد ... من السنين الازم الشداد
حين بغت عن سنن السداد ... تذل ذا الإتراف والفساد
من في القرى منهم وفي البوادي ... كلوحها على العزيز بادي
(1/341)
________________________________________
تمنع عاداً سنن الإيراد ... عقوبه من ملك العباد
إذ جانبت عاد هدى الرشاد ... ثم طغت في البغي في البلاد
مغترة بأوهن الأجناد ... بعد اصامتنا مع المراد
فأصبحوا في سمة الحساد ... وسلكوا في طرق الفساد
فأجابه رجل من المشركين يقال له جيحون:
إن السنين لم تزل تجاد ... لم تزل السنين في ترداد
لها بروق جمة الإرعاد ... بروقها رائحة غواد
من غير ما وعث ولا فساد ... أمر قضاه ملك العباد
ولا تضر دعوة الأنداد ... وكل أنداد إلى المعاد
إلى العلى الخالق الجواد ... يرجون أمراً حاضر السداد
شفاعة ترجى لآل عاد ... قد علمت جماعة الأوغاد
وكل ذي رأي وذي فؤاد ... من ساكن القرى أو البوادي
بأن عاداً صعبة القياد ... قاطنة الأوطان والمهاد
قاهرة الأقران في العناد ... شديدة الأركان والاعضاد
قوية في البطش والعماد ... غالبة جماعة الحساد
تصيب بالمخالب الحداد ... ذا المنعة المغالب المعادي
قال: فلما دخلت السنة الثالثة سموها لح. فقال رجل من المسلمين هذا الشعر:
كيف لعاد بعد كحل بكلح ... بذات قحط وغبار وبلح
تمنع ذات لذات الفرح ... لأن عاداً حاربت نهج الفلح
(1/342)
________________________________________
ولم تطع نبيها حين نصح ... ورام أن تصلح فيمن قد صلح
فأنكرت دين الهدى لما وضح ... وغرها التمهل من رب صفح
فاتبعت من المحارب جمع ... من الصمود ذبحة لما ذبح
فذكره منقطع إذا افتتح ... فخف في ميزانه وما رجح
فأجابه رجل من المشركين يقال له الخلجان أيضاً:
إن لعاد قوة لن تفتلح ... وعزها رأس لها أن يقترح
والأمر فيها بينهما أمر صلح ... والعز فيها خالد لا يطرح
وأمر شاويها إذا شاء سرح ... تم لها فيها مناخ منفسخ
عارفة غبوقها والمصطبخ ... نحو الذي يكسب كساب النقح
تذل بالعزة منها من جمح ... ومن بي عمداً عليها أو طمح
وكلهم ذو منعة وذو فرح ... وإن يشا من خرد بيض نكح
قال معاوية: لقد جئت بالبرهان في حديثك يا عبيد فماذا فعلوا؟ قال: يا معاوية، لما تولت عليهن سنون ب. متها وحطمتها، فاشتد فيها قحطهم وهم في ذلك غير تائبين ولا مطيعين لنبيهم هود صلى الله عليه. ثم قام رجل من أشرافهم وذوي أنسابهم - يقال له زميل بن عنز أخو القيل ابن عنز - وكان القيل رأس عاد وسيدها في زمانه وصاحب السحابات والريح التي أهلكت عاداً بإذن الله عز وجل - فقام زميل فنادى قومه، فقال: يا قوم إني فكرت لما نزل بكم من هذا القحط ورأيت رأياً وقلت فيه قولاً وأنا عارض ذلك عليكم - أن رأيتم ذلك - فقالت له الجماعة: إن رأيك لأصيل وإن فعلك لجميل فقل نسمع ما تقول. فقام زميل فيهم
(1/343)
________________________________________
منشداً هذا الشعر حيث يقول:
إلا نزلت بنا حجج ثلاث ... على عاد فما تحتال عاد
فدمعهم يبل الترب منها ... وما يدرون ما بهم يراد
وقد علمت بنو عاد بن عوص ... بأن مشورتي لهم سداد
واني عارض رأيي عليهم ... وما مني به فيه انفراد
بأن يتخيروا وفدا يسيروا ... إلى البت العتيق لهم سداد
من القول السداد إذا آتوه ... وهيمنه لهم فيها اقتصاد
فيستسقوا المليك البرغيثا ... به تحي البرية والعباد
وقد جربتم ذاكم فعرفي ... لديه في بدايته السداد
لأن الله مقتدر حكيم ... غفور رزاق بر جواد
فإن يسمع مقالتنا سقانا ... فقد نزلت بنا أزم شداد
وإن نهلك فأمر الله ماض ... له منا المقادة والقباد
قال: فلما سمعوا مقالته أجمعوا على المسير إلى بيت الله الحرام يستسقون الغيث. قال معاوية: لله أنت يا عبيد وكيف كانوا يطمعون إن الله يستجيب لهم وهم مقيمون على الشرك بالله وعبادة الأصنام؟ قال عبيد: يا معاوية. كان الناس في ذلك الزمان العرب وغيرهم من المشركين، إذا نزل بهم فادحة أو نابهم نائبة أو جهدهم قحط أو غيره فزعوا إلى الله، فيأتوا إلى البلد الحرام يطلبون من الله الفرج، فيطيعون مسائلهم ويعرفون من الله الاستجابة عند بيته الحرام فيجتمع بمكة بشر كثير مختلفة أديانهم يطلبون من الله حوائجهم كلهم عارف بمكة وحرامها فلا يبرحون حتى يعطى السائل سؤاله مما سأل.
(1/344)
________________________________________
قال معاوية: فهل كان في ذلك الوقت يعرف موضعه؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. قد كان موضعاً منذ وضعه الله لآدم إلى أن بناه إبراهيم عليه السلام معروفاً مكانه، ولم مبيناً يومئذ. فلما أجمعت على المسير إلى مكة ليستسقوا جهزوا من عظمائهم وأشرافهم وذوي أحسابهم سبعين رجلاً. ثم وضعوا على السبعين أربعة منهم قيل بن عنز وهو رأسهم وصاحب أمرهم ولقمان بن عاد - هو صاحب النسور - وأبو سعيد مرثد ابن سعد - وهو خير النفر - وجلهمة بن الخيبري. فساروا حتى أتوا مكة - وسكانها يومئذ العماليق - وهم يومئذ ملوك الحجاز وأرضها، فنزلوا على رجل منهم يقال له بكر بن معاوية بن بكر وجميع ولده
وكانت أخت لبكر بن معاوية وهي هزيلة ابنة هزال بن معاوية متزوجة في عاد وزوجها أبو سعيد المؤمن مرثد بن سعد، فولدت عمراً وعامر وعميراً أبناء مرثد بن سعد وهي وولدها التي نجت من العذاب يوم الريح - وبنو أبي سعيد هؤلاء هم عاد الآخرة - فلما قدم وفد عاد إلى الحرم نزلوا على صهرهم بكر بن معاوية وابنه معاوية، وكان منزلهما بظهر مكة خارجاً من الحرم ففرحا بالوفد وأكرماهم وأحسنا منزلتهم عند ابن أختهم معاوية ابن بكر. وكان معاوية قد كبر وضعف وكانت الرئاسة لابنه بعده، فأنزل أخواله وحبسهم عنده شهراً يأكلون الخبز واللحم ويشربون الخمر وتغنيهم قينتان يقال لهما الجرادتان - ويقال إنه أول من اتخذ القينات في الأرض للغناء - وكان أكثر العرب مالاً في زمانه. فأقبل وفد عاد في اللهو والشراب وتركوا ما جاءوا له. فلما رأى ذلك معاوية بن بكر غمه ذلك
(1/345)
________________________________________
وقال: لئن تركت أخوالي وأصهاري إنها لهلكتكم وهلك من خلفوا من أهلهم وقومهم في بلادهم - وهم أيضاً ضيفي ووجوه قومي - وأنا استحي أن آمرهم بالشخوص لما قاموا له - فلما طال مقامهم ولم ينظروا في ما قدموا له قال شعراً، ثم حفظه لجاريتيه وأمرهما إذا انتشى القوم وأخذ فيهم الشراب أن تقوما على رأس كبيرهم وشريفهم قيل بن عنز وغنياه. فأضاف لهم الطعام والشراب. فلما انتشوا قامت الجاريان على رأس قيل بن عنز، وأنشأتا تقولان:
إلا يا قيل ويحك قم فهنيم ... لعل الله يصحبنا غماً ما
فيسقي آل عاد إن عادا ... قد أضحوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فما تراهم ... ولا الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتيهم نهاراً ... فما تخشى لعادي سهاما
وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامي
وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم نياما
فقبح وفدكم من كل وفد ... ولا لقوا التحية والسلاما
قال: فلما قالتا الشعر ووعته أسماعهم فزعوا لذلك وتركوا ما هم فيه من اللهو وحلو الحياة وقال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لهذا البلاء الذي قد نزل بهم وقد أبطأتم فسرتم شهراً من بلدكم وأهلكم إلى ها هنا ولكم منذ شهر ها هنا فانطلقوا إلى بنية ربكم واطلبوا الغوث من ربكم لقومكم.
فقال أبو سعيد المؤمن: يا قوم هلمكم لأمر أدعوكم إليه تذكرون به
(1/346)
________________________________________
حاجتكم وتغيثون به قومكم. قالوا: وما ذاك؟ قال: تؤمنون بنبيكم هود عليه السلام تؤمنون بربكم فذلكم خير لكم. قال: فكرهوا قوله وردوا النصيحة. قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم. قال في ذلك أبو جلهمة:
أبا سعيد كأنك من قبيل ... سوى عاد وأمك من ثمود
أتأمرنا لنترك دين وفد ... ورمل وآل صد والعنود
أنترك دين أقوام كرام ... ذوي حسب ونتبع دين هود
وإنا لا نعطيك ما حيينا ... ولسنا فاعلمن على عهود
قال: فغضب من ذلك رجل من الوفد من قوم أبي سعيد فأجابه:
فمرثد مخ عاد في ذراها ... وأنت لساقط وغد كنود
نماه يا زنيم إلى المعالي ... من أخوال وأعمام صمود
وأفضل قوم عاد بعد هود ... وخيرهم الكريم أبو سعيد
قال معاوية: فما فعل الوفد يا عبيد؟ قال: إن الوفد لما أرادوا المسير إلى الكعبة سألوا بكراً وابنه أن يحبسا أبا سعيد ففعلا وكلماه في ذلك. فقال: نعم. ووقف عنهم هو ولقمان بن عاد، ومضى سائر الوفد إلى البيت يتقدمهم قيل بن عنز وصف الوفد حوله ولاذ بالكعبة ودعا وتضرع فسمع منادياً ينادي من السماء يقول: يا قيل بن عنز ما جئت تطلب فاسأل تعط، فقال: جئت أطلب القطر الذي
ينبت الشجر ويكثر الثمر ويحيي به البشر ويصلح به قومي وبلادي. قال: فأنشأ الله ثلاث سحابات بيضاء وحمراء وسوداء، ثم قيل له: اختر أيها شئت، قال: أما البيضاء فجهام ليس فيها مطر ولا لغيثها روي، وأما الحمراء فجهام غير أتى الذي ينفي
(1/347)
________________________________________
السراء ويأتي بالضراء ولا حاجة لنا فيها، وأما السوداء فكثيرة الماء والروي معقبة لرخاء مبلغة المنى غائطة الأعداء وقد اخترتها لقومي وبلادي. فناداه المنادي رماداً أرمد لا يبقى من عاد بن عوص أحداً لا والدً ولا ولداً إلا القبيل الأبعد.
قال معاوية: لله أنت من يعني بقوله إلا القبيل إلا بعد. قال: من ولد عملوق بن لاوذ وهي أخت بكر بن معاوية - يعني هزيلة بنت هزيل العمليقة - وهي أخت بكر بن معاوية، وهي زوجة أبي سعيد المؤمن؟ وقد بلغني يا معاوية أن هزيلة كانت امرأة فاضلة في عقلها وأدبها وكانت محبة لهود عليه السلام وأصحابه وتلطف بهم وتوسع عليهم في مالها وكانت كثيرة المال. وقد كان الإسلام وقع في قلبها وهي تكتم ذلك في قومها فنجاها الله من العذاب وولدها وانصرف وفد عاد إلى منزلهم عند بكر بن معاوية فرحين مسرورين أنهم قد أصابوا الغيث. ولما رجعوا انطلق أبو سعيد المؤمن ولقمان إلى البيت العتيق، فقدم أبو سعيد المؤمن إلى البيت فلاذ بالكعبة ودعا وتضرع وقال: رب إني جئتك في حاجتي فأعطني سؤالي، فسمع مناد من السماء يقول: يا أبا سعيد بن مرثد ما جئت تطلب سل تعط؟ قال: جئت أطلب البر والتقوى، فنودي: إلا قد أوتيتهما ولك بهما الفضل الكبير.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 12:34 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب