منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى الدين الاسلامي الحنيف

منتدى الدين الاسلامي الحنيف [خاص] بديننا الحنيف على مذهب أهل السنة والجماعة...

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرقية الشرعية من الكتاب والسنة Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 0 2014-03-12 03:43 PM
أسباب الخشوع في الصلاة DALINA ركن كن داعيا 1 2012-12-16 08:48 PM
الخشوع أم الكثرة في العبادة Pam Samir منتدى الدين الاسلامي الحنيف 8 2012-06-28 11:42 AM
الخشوع في الصلاة نور التوحيد ركن القصة والرواية 10 2011-12-20 07:55 PM
طاقة الخشوع.. لحن الحياة منتدى الدين الاسلامي الحنيف 3 2009-07-22 02:48 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 11 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((السجود: أصله التطامن والتذلّل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلّل لله وعبادته.
وهو عام في الإنسان، والحيوان، والجمادات، وذلك ضربان:
سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب.
وسجود تسخير وهو: للإنسان، والحيوان، والنبات))([1]).
وسجود التسخير يعم كل شيء ]وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ[([2]).
وغير ذلك من فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة: كالجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد واضعاً يديه على ركبتيه، كل ذلك يدل على الخضوع والتذلل لله تعالى.
السبب السابع والأربعون: فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة:
لا شك أن من تدبَّر معاني أقوال الصلاة خشع قلبه في صلاته، ومن ذلك على سبيل الاختصار تدبر المعاني الآتية:
أولاً: فهم وتدبّر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر:
((الله أكبر)) أي: الله تعالى أكبر من كل شيء: في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وحُذِف المفضل عليه ليتناول اللفظ كل شيء، فتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله.
وأكبر من أن يُذكر بغير المدح والتمجيد والثناء الحسن.
وحكمة الاستفتاح بها: ليستحضر المصلِّي عظمة من يقف بين يديه، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل بغيره؛ ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها و حضر قلبه، قال الله تعالى: ]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[([3])، والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرِّغ قلبه لها، و يشتغل بها عمَّا عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال النبي r: ((وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فَي الصَّلاَةِ))([4]).
فإذا استشعر العبد بقلبه أن الله أكبر من كلِّ ما يخطر بالبال استحيا منه أن يُشغل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفياً لمعنى ((الله أكبر))، ولا مؤدِّياً لحق هذا اللفظ، فقبيح بالمُصلِّي أن يقول بلسانه: ((الله أكبر))، وقد امتلأ قلبه بغير الله، فلو قضى حق هذا اللفظ لدخل و انصرف بأنواع التحف والخيرات([5]).
ثانياً: فهم وتدبُّر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة
1-((سبحانك اللهم وبحمدك([6])، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك))([7]).
قوله: ((سبحانك اللهم)) تنزيه، ((وبحمدك)) إثبات؛ فهذه الجملة تتضمن التنزيه، والإثبات، ومعناها: تنزيهاً لك يا رب عن النقص في صفات الكمال: كالعلم، والحياة، وعن صفات النقص المجردة عن الكمال: كالعجز، والظلم، وعن مماثلة المخلوقات
و((اللهم)) أصله يا الله، لكن حُذفت ياء النداء، وعُوّض عنها الميم، وبقيت ((الله))، وإنما حُذفت الـ((يا)) لكثرة الاستعمال، وعوض عنها الميم للدلالة عليها، وأخرت بعد لفظ الجلالة تيمناً، وتبركاً بالابتداء باسم الله، واختير حرف الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع، كأن الداعي يجمع قلبه على ربه U، وعلى ما يريد أن يدعوه به([8]).
والحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع محبته وتعظيمه: الكمال الذاتي، والكمال الفعلي، فالله I، كامل في ذاته، ومن لازم ذلك أن يكون كاملاً في صفاته، وكذلك في فعله، ففعله جل وعلا دائر بين العدل والإحسان، لا يمكن أن يظلم، إما أن يعامل عباده بالعدل، وإما أن يعاملهم بالإحسان، فالمسيء يعامله بالعدل ]وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍسَيِّئَةٌ مِثْلُهَا[([9])، والمحسن يعامله بالفضل: ]مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[([10])، ومن كان فعله دائراً بين هذين الأمرين: العدل و الفضل، فلا شك أنه محمود على أفعاله، كما هو محمود على صفاته.
والواو هنا ((وبحمدك)) تفيد معنى المعية، يعني: نزهتك تنزيهاً مقروناً بالحمد.
قوله: ((وتبارك اسمك)) أي: كَمُلَ، وتَعَاظَمَ، وَتَقَدَّسَ، وكثرت بركته في السموات والأرض، وإذا كان اسم المسمّى بركة، فالمسمّى أعظم بركة وأولى، وجاء بناؤها على السعة والمبالغة، فدل على كمال بركتها وعظمتها وسعتها، ولا يقال إلا له I؛ فإن ((تبارك)) من باب ((مَجَدَ))، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال والسعة، والفضل، فاسم الله نفسه كله بركة، ومثاله: إذا سمَّيت على الطعام لم يشاركك الشيطان فيه، وإن لم تسمِّ شاركك، ولو ذبحت ذبيحة بدون تسمية لكانت ميتة نجسة حراماً، ولو سمَّيت الله عليها لكانت ذكية طيبة حلالاً، وكل أمر لا يُبدأ ببسم الله فهو أبتر.
قوله: ((وتعالى جدك)) تعالى: أي : ارتفع ارتفاعاً معنوياً، والجَدُّ: العظمة، والمعنى: علت عظمتك وارتفعت بحيث لا يساويها أي عظمة من عظمة المخلوق.
((ولا إله غيرك)) هذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل عليهم السلام، ومعناها: لا معبود حق إلا الله، فيكون توحيده سبحانه بالألوهية مبنياً على كماله، فالسابق كالسبب الذي بُني عليه اللاحق، يعني أنه لكمال صفاتك لا معبود حق إلا أنت([11]).
2- عن أبي هريرة t قال: ((كان رسول الله r، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة([12]) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ بالثلج والماء والبَرَدِ))([13]).
قوله: ((اللهم باعد بيني و بين خطاياي كما باعدت بين المشرق و المغرب)): المباعدة بين المشرق والمغرب هي غاية ما يبالغ فيه الناس، والغرض من هذا التشبيه امتناع الاقتراب من الذنوب كامتناع اقتراب المشرق من المغرب، والمعنى: باعد بيني وبين فعل الخطايا بحيث لا أفعلها، وباعد بيني وبين عقوبتها إن فعلتها.
قوله: ((اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)) المراد الخطايا والذنوب التي فعلها فينقَّى منها، وهذا التشبيه لقوَّة التَّنقية، أي: اللهم طهرني من خطاياي طهارة كاملة, وأزلها عني كما يُطهَّر الثوب الأبيض من الوسخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض؛ لأن ظهور النقاء فيه أشد و أكمل لصفائه، بخلاف غيره من الألوان، وبعد التنقية قال: ((اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد))، وفي لفظ: ((اللهم اغسلني من خطاياي: بالثلج، والماء، والبرد)) أي طهرني من خطاياي بأنواع مغفرتك التي هي تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ، وذكر أنواع المطهِّرات المُنَزَّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها تبياناً لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها، فبان أن المراد بالمباعدة أي: أن لا أفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها، ثم أزل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، و بالغ فيه باستعمال المبردات، ترقياً عن الماء إلى أبرد منه([14]).
3- ((الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه))([15]).
((الحمد)) هو الوصف بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والألف واللام في ((الحمد)) لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى.
((طيباً)) أي: خالصاً لوجهه تعالى. ((مباركا فيه)) أي: كثير الخير، يعني كثيراً غاية الكثرة([16]).
1- ((الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً))([17]).
قوله: ((الله أكبر كبيراً)) أي: الله تعالى أكبر من كل شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، و((كبيراً)) أي: أكبر كبيراً، أو تكبيراً كبيراً .
قوله: ((والحمد لله كثيراً)) أي حمداً كثيراً.
قوله: ((وسبحان الله بكرة وأصيلاً)) أي أوَّل النهار وآخره، وخص هذين الوقتين بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، أو لتنزيه الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون([18]).
2- ((اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))([19]).
قوله: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل)) خصَّ هؤلاء الثلاثة من الملائكة بالذكر تشريفاً لهم وتعظيماً، إذْ بهم تنتظم أمور العباد، فجبرائيل u كان موكَّلاً بالوحي وإنزال الكتب السماوية على الأنبياء عليهم السلام، وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل u موكَّلٌ بجميع القطر والنبات وأرزاق بني آدم وغيرهم، وإسرافيل u موكَّلٌ باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور.
قوله: ((عالم الغيب والشهادة)) أي: ما غاب عن العباد، وما شاهدوه وظهر لهم.
قوله: ((فيما كانوا فيه يختلفون)): في الدنيا من أمر دينهم، فتعذب العاصي إن شئت، وتثيب الطائعين.
قوله: ((اهدني لما اختُلِف فيه من الحق)) أي: دلني على الحق الذي اختلفوا فيه، ولم يقبلوه.
قوله: ((بإذنك)) أي: بإرادتك وتوفيقك .
قوله: ((إنك تهدي من تشاء)): هنا إشارة إلى أن الهداية والإضلال ليسا من فعل الإنسان، بل بخلق الله تعالى: ]فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً[([20]).
قوله: ((إلى صراط مستقيم)): أي طريق الحق، وسمي صراطاً؛ لأنه موصل للمقصود، كما أن الطريق الحسي كذلك([21]).
6- عن علي بن أبي طالب t عن رسول الله r أنه كان إذا قام إلى الصلاة([22]) قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك))([23]). وإن شاء قال ما ثبت عن النبي r من الأنواع الأخرى في الاستفتاح([24]).
قوله: ((وجهت وجهي)) أي توجَّهْتُ بذاتي، وأخلصت عبادتي لله تعالى، فالمراد بالوجه هنا الذات، ويحتمل أن يراد بوجه الإنسان هنا القلب: أي وجهت قلبي لعبادة الله تعالى، ويؤخذ منه أنه ينبغي للمصلي عند قراءة هذا الدعاء أن يكون على غاية من الحضور والإخلاص، وإلا كان كاذباً، وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية.
قوله: ((للذي فطر السموات والأرض)) أي خلقهما وأوجدهما على غير مثال سابق، والمراد بالسموات ما علا فيشمل العرش، وبالأرض ما سفل، فيشمل ما تحتها، والعلم عند الله تعالى، وقدم السموات؛ لأنها أشرف من الأرض؛ لكونها مسكن الملائكة المطهرين لا غير، والأرض وإن كان فيها الأنبياء لكنها احتوت على المفسدين، وجمع السموات لاختلاف أجناسها، وأفرد الأرض وهي سبع أرضين؛ لأنها من جنس واحد.
قوله: ((حنيفاً مسلماً...)) أي وجهت وجهي حال كوني مائلاً عن كل دين باطل إلى دين الحق ثابتاً عليه، منقاداً مطيعاً لأمره تعالى ومجتنباً لنهيه، وما أنا من المشركين: أي الكافرين، فيشمل عبداً لوثن وغيره.
قوله: ((إن صلاتي ونسكي)) أي عباداتي من حج وغيره، فعطف النسك على الصلاة من عطف العام على الخاص [ويدخل في النسك: الذبح].
قوله: ((ومحياي ومماتي...)) أي حياتي، وموتي وما آتيه في حياتي، وأحوز عليه من الإيمان والعمل الصالح، ((لله رب العالمين)) خالصاً لوجهه U.
قوله: ((لا شريك له)) أي: في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وربوبيته وألوهيته.
قوله: ((وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)) أي بالتوحيد الكامل، والطاعات الخالصة، أمرت وأنا من المنقادين المستسلمين، المطيعين لله تعالى، ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الدعاء، وكل ما ورد من الأذكار والأدعية.
قوله: ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت)) أي المتصرف في جميع المخلوقات بدون معارض، وأنت مربّيني على موائد كرمك، وهو تخصيص بعد تعميم.
قوله: ((ظلمت نفسي)) اعتراف بالتقصير، وبما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي، أما بالنسبة لنا فظاهر، وأما بالنسبة للنبي r فهو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو قال ذلك تواضعاً وتعليماً للأمة، وقدمه على سؤال المغفرة تأدباً كما وقع لآدم وحواء في قوله: ]رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[([25]).
قوله: ((إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وهذا بمنزلة التعليل لطلب المغفرة، فكأنه قال: اغفر لي ذنوبي؛ لأن مغفرة الذنوب بيدك لا يتولاها غيرك، ولا يقدر عليها أحد إلا أنت.
قوله: ((واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت...)) أي أرشدني لأكمل الأخلاق، ووفقني للتحلّي بها.
قوله: ((واصرف عني سيئها)) أي: أبعد عني قبيح الأخلاق.
قوله: ((لبيك وسعديك)) أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأسعد بإقامتي على طاعتك، وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة.
قوله: ((والخير كله بيديك)) أي: جميع الخير حسياًّ ومعنوياً بيدي الله تعالى.
قوله: ((والشر ليس إليك)) أي: لا يتقرّب به إليك، ولا يضاف إليك، وهذا تأدُّباً، بل يضاف إلى من فعله، والله تعالى هو خالق كل شيء، ولكن لا يأتي منه إلا الخير؛ لأن الشر يضاف إلى المفعولات، وخلق الله تعالى ذلك لا يأتي إلا بخير.
قوله: ((أنا بك وإليك)) أي: أستعين بك، وألتجئ إليك، أو بك وُجدت، وإليك ينتهي أمري.
وقوله: ((تباركت وتعاليت)) أي: تكاثر خيرك، وتزايد برُّك، وتنزَّهت عن النقائص، واتصفت بالكمالات المطلقة.
قوله: ((أستغفرك وأتوب إليك)) أي أطلب منك المغفرة لما مضى، وأرجع عن فعل الذنب فيما بقي متوجِّهاً إليك بالتوفيق والثبات إلى الممات([26]).
7- ((اللَّهُمَّ لَكَ الـحَمْدُ([27]) أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولَكَ الـحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومَنْ فيهنَّ، [وَلَكَ الـحَمْدُ أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ]، [وَلَكَ الـحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ] [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ] [وَلَكَ الحَمْدُ] [أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ, وقَوْلُكَ الحَقُّ, ولِقَاؤُكَ الحَقُّ, والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ r حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ] [اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آَمَنْتُ, وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإليْكَ حَاكَمْتُ. فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ، ومَا أعْلَنْتُ] [أنْتَ الـمُقَدِّمُ، وأنْتَ الـمُؤَخِّرُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ] [أنْتَ إلَهِي لَا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ]))([28]).([29]).
قوله: ((أنت نور السموات والأرض)) أي: أنَّ كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك، وأضاف النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشو ضيائه، وعلى هذا فسر قوله تعالى: ]اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ[([30]).
وقد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه: ((نور السموات والأرض)) بالكتاب والسنة، وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة، وفي الحديث الصحيح([31]) الذي جاء عن أبي ذر t من غير إضافة، وذلك قوله r: ((نور أنَّى أراه)) حين سأله أبو ذر t: ((هل رأيت ربك؟)).
قوله r: ((نور أنَّى أراه)) معناه: حجابه نور، فكيف أراه، وقد فسر ذلك الحديث الآخر الذي قال فيه النبي r: ((إن الله U لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور))، وفي رواية: ((النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه))([32]). فاسم النور بدون إضافة يحتاج إلى دليل، أما القرآن فقد جاء مضافاً ]نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ[.
وسألت شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هل من أسماء الله النور؟ فقال: ]نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ[.
قوله: ((أنت قيم السموات والأرض))أي: الذي يقوم بحفظها ومراعاتها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، يؤتي كل شيء ما به قوامه، ويقوم على كل شيء من خلقه مما يراه من تدبيره.
قوله: ((أنت رب السموات والأرض))أي: أنت مالك السماوات والأرض ((ومن فيهن)) والرب يأتي بمعنى المالك والسيد والمطاع والمصلح.
قوله: ((أنت الحق)) الحق اسم من أسماء الله تعالى -؛ ومعناه: الموجود حقيقة، المتحقق وجوده وإلاهيته.
قوله: ((ووعدكالحق))أي: الثابتغير الباطل؛قالاللهتعالى: ]رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[([33]).
قوله: ((وقولك الحق)) أي: غير كذب، بل هو صدق حقاً وجزماً.
قوله: ((ولقاؤك الحق)) أي: واقع كائن لا محالة.
ولقاء الله تعالى حق لا شك فيه، على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل، ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[([34]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير، وقال: إن لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى... كما قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ[([35]) فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه: يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما...))([36]).
قوله: ((والجنة حق)) أي: موجودة مُعدَّة للمؤمنين.
قوله: ((والنار حق)) موجودة مُعدَّة للكافرين.
قوله: ((والنبيون حق)) أي: حق في أنهم من عند الله تعالى وأنهم أنبياء الله تعالى وعبيده.
قوله: ((ومحمد حق)) أي: حق نبوته ورسالته، وأنه عبدالله ورسوله إلى العرب والعجم [والإنس والجن، ولا نبي بعده]، وإنما أفرد نفسه بالذكر، وإن كان داخلاً في النبيين، تنبيهاً على شرفه وفضله.
قوله: ((والساعة حق)) أي: واقعة كائنة لا محالة، والمراد من الساعة هو الحشر والنشر.
قوله: ((اللهم لك أسلمت))أي: انقدتُ وأطعت.
قوله: ((وبك آمنت)) أي: صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت.
فيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام.
قوله: ((وعليك توكلت))أي: فوَّضت أمري إليك، واعتمدتُ في كل شأني عليك.
قوله: ((وإليك أنبت))أي: رجعت وأقبلت بهمتي وطاعتي إليك، وأعرضت عما سواك.
قوله: ((وبك خاصمت)) أي: بك أحتج وأدافع، وأقاتل من عاند فيك، وكفر بك، وأقمعه بالحجة وبالسيف.
قوله: ((وإليك حاكمت)) أي: رفعت محاكمتي إليك في كل من جحد الحق، وجعلتك الحكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم، من صنم وكاهن ونار وشيطان.. وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد على غيرك.
قوله: ((فاغفر لي ما قدمت وما أخرت)) أي: من الذنوب.
قوله: ((وما أسررت)) بها، ((وما أعلنت)) منها؛ أي: من المعاصي والذنوب([37]).
ثالثاً: فهم وتدبّر معاني الاستعاذة:
1- «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»
قوله: ((أعوذ بالله)) أي: ألتجئ وأعتصم به، فالله سبحانه هو الملاذ، وهو المعاذ، فاللياذ: لطلب الخير، والعياذ: للفرار من الشر.
قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله




ومن أعوذ به ممن أحاذره


لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره




ولا يهيضون عظماً أنت جابره([38])



قوله: «من الشيطان»: اسم: جنس يشمل الشيطان الأول الذي أُمر بالسجود لأبينا آدم u فلم يسجد، ويشمل ذريته أيضاً، وهو من «شطن» إذا بعُد، لبُعده من رحمة الله؛ فإن الله لعنه أي: طرده وأبعده عن رحمته.
قوله: «الرجيم» فعيل بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم. فهو راجم، أي: يرجم غيره بالإغواء، فهو يؤز أهل المعاصي إلى المعاصي أزاً ، قال اللَّه تعالى: ]أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً[([39]). وهو مرجوم: بلعنة الله، وطرده، وإبعاده عن رحمته، قال تعالى: ]قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ[([40]).
وفائدة الاستعاذة هنا: ليكون الشيطان بعيداً عن قلب المرء، وهو يتلو كتاب الله U حتى يحصل له بذلك تدبّر القرآن، وتفهّم معانيه، والانتفاع به([41]).
ومن لطائف الاستعاذة: أنها طهارة للفم، مما كان يتعاطاه: من اللّغو، والرفث، وتطييب له، وتهيّؤٌ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف، والعجز عن مقاومة العدو المبين، الباطني، الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، الذي يراه وهو لا يراه، فهو في مقابل ذلك يستعين بالذي يرى الشيطان، ولا يراه الشيطان، فالمسلم يلجأ إلى الله من الشيطان أن يضرَّه في دينه أو دنياه، بصدِّه عن فعل ما أُمر به، أو بحثِّه على فعل ما نُهي عنه([42]).
2-((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه))([43]).
قوله:((من همزه)): فسَّره بعض الرواة بالمؤتة، بضم الميم، وفتح التاء: نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه عقله.
قوله: ((ونفخه)): فسَّره الراوي بالكِبْر، وكان الكِبْر من نفخ الشيطان؛ لأنه ينفخ في الشخص بالوسوسة، فيعتقد عظم نفسه، وحقارة غيره.
قوله:((ونفثه)): فسَّره الراوي بالشعر، والمراد: الشعر المذموم كالهجاء([44])؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن من الشعر حِكَماً))([45]).
رابعاً: فهم وتدبُّر معنى البسملة:
((بسم الله الرحمن الرحيم)) أي: أقرأ باسم الله، ويأتي معنى ((الرحمن الرحيم)) في تفسير الفاتحة الآتي:
خامساً: فهم وتدبُّر معاني الفاتحة أُمّ القرآن:
قوله U: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ)) الحمد: هو الوصف بصفات الكمال، مع كمال المحبة والتعظيم، والألف واللام في ((الْحَمْدُ)): لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى.
قوله U: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)): الربّ: هو الخالق، المالك، المتصرف، ولا يستعمل لغير الله إلا بالإضافة؛ كقولك: رب الدار، و((الْعَالَمِينَ)): جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله U من أصناف المخلوقات: في السموات، والبر، والبحر، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه علَم دالّ على وجود خالقه سبحانه.
قوله U: ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)): اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والأول أبلغ لعمومه في الدارين لجميع خلقه، أما الثاني فخاص بالمؤمنين.
قوله U: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)): لا يملك مع الله سبحانه أحد في هذا اليوم حكماً كملكهم في الدنيا، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، إلا من عفا عنه سبحانه؛ قال تعالى: ]لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[([46])، وقال النبيّ r: ((يَقْبِضُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟))([47]). و((الدين)): الجزاء والحساب لله 0
قوله U: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)): هذان مرجع الدين، وقُدّم المفعول للاهتمام والحصر، والمعنى: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين، ونتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة؛ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتَحوَّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب؛ لأن القارئ كأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ((إياك))، وهذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة، وإرشاده لعباده أن يثنوا عليه بذلك.
((إيَّاكَ نَعْبُدُ)) أي: نُوَحِّدُ ونخاف ونرجو، ((وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) على طاعتك، وعلى أمورنا كُلِّها، وقدّم العبادة له؛ لأنها هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، وللاهتمام والحزم يقدم الأهم فالأهم.
قوله U: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) : بعد تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يُعقّب بالسؤال وهو الهداية، والهداية هاهنا هي هداية الإرشاد، أي: العلم، وهداية التوفيق، أي العمل، والصراط أي الطريق الواضح المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، الذي نصبه الله لأهل نعمته، وهو العبادة، فالصراط ها هنا: المتابعة لله تعالى وللرسول r، والمؤمن يسأل الله تعالى في كل صلاة الهداية؛ وذلك لأن العبد مفتقر كلَّ ساعةٍ، وحالةٍ إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصّره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فمعنى ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) أي. استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره.
قوله U: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)): المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ]وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَوَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً[([48])، أي أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
قوله U: ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)): هم اليهود، وكل من علم الحق ولم يعمل به. و((الضَّالِّينَ)): هم النصارى، وكل من جهل الحقّ، وقُدِّم اليهود على النصارى في الذكر؛ لأنهم كانوا هم الذين يلون النبي r، حيث كانوا جيرانه في المدينة بخلاف النصارى فإن ديارهم كانت نائية؛ ولذا نجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن أكثر من خطاب النصارى([49]).
* ((آمين)): بتخفيف الميم، أي: اللَّهم استجب لنا ما سألناك، قال الفقهاء: من شدّد الميم بطلت صلاته؛ لأنَّ معناها حينئذ: قاصدين، وهذا من جنس كلام المخلوقين([50]).
وفي التأمين فضل عظيم، فمع كونه قولاً يسيراً لا كلفة فيه، يترتب عليه المغفرة؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ، وقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))([51]).
وعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ]غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))([52]).
سادساً: فَهْمُ وتدبُّر معاني أذكار الركوع:
1- ((سبحان ربي العظيم))([53])[ثلاث مرات]([54]).
التسبيح: يعنى تنزيه الله عن مطلق النقص: كالجهل، والعجز، وعن النقص في كماله؛ فينزَّه مثلاً: عن التعب والإعياء فيما يخلقه ويفعله، وينزَّه عن مشابهة المخلوقين.
و((العظيم)): أي في ذاته وصفاته؛ فإنه سبحانه في ذاته أعظم من كل شيء([55]).
2- ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ الملائكَةِ وَالرُّوح))([56]).
قوله: ((سُبُّوح)): صيغة مبالغة من سبحان، وهو تنزيه الله U عن كل نقص.
و((قُدُّوس)): أي الطاهر من كلّ عيبٍ ونقصٍ: أي أنزهه تنزيهاً عن كل نقصٍ، و((القدوس)): صيغة مبالغة من التقديس: وهو التطهير من العيوب.
قوله: ((والروح)): قيل: مَلَكٌ عظيم، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل u، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، كما لا نرى نحن الملائكة، والله I أعلم([57]).
3-((سبحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))([58]).
التسبيح: التنزيه، أي: براءة وتنزيهاً لله جل وعلا من كل نقص.
قوله: ((وبحمدك)): أي: وبحمدك سبحتك، ومعناه: بتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليَّ سبحتك، لا بحولي، ولا بقوتي، ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى([59]).
1- ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، [ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي]))([60]).
قوله: ((خشع لك سمعي وبصري)): أي: خضع لك، فلا يسمع إلا ما أذنت في سماعه، وخضع بصري، فلا يُبصر إلا ما أذنت في إبصاره، وخصَّ السمع والبصر بالذكر من بين الحواس؛ لأن أكثر الآفات منهما، فإذا خشعا قلَّت الوساوس؛ ولأن تحصيل العلم النقلي والعقلي بهما.
قوله: ((مخي، وعظمي، وعصبي)): المراد خضع لك جسمي باطناً، كما خضع لك ظاهراً، وكَنَّى بهذه الثلاثة عن الجسم؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كله المبالغة في الانقياد والخضوع لله جل وعلا([61]).
5- ((سبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ، والمَلَكُوتِ، والْكِبْرِياءِ، والْعَظَمَةِ))([62]).
قوله: ((ذي الجبروت)): فَعَلُوت: من الجبر، وهو القهر، وهو صفة من صفات الله تعالى، ومنه الجبَّار، ومعناه: الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، وكل شيء يريده.
قوله: ((والملكوت)): من الملك، ومعنى ذي الملكوت: مالك كل شيء، وصيغة الفعلوت للمبالغة: كالرحموت، والرهبوت.
قوله: ((والكبرياء)): أي: سبحان ذي الكبرياء: أي العظمة، والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذّات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله I([63]).
سابعاً: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار الرفع من الركوع:
1- ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))([64]).
قوله: ((سمع)): أي: استجاب، والمعنى: استجاب الله دعاء من حمده، يقال: اسمع دعائي، أي: أجب؛ لأن غرض السائل الإجابة والقبول، فمن حمد الله فإنه يكون قد دعا ربه بلسان الحال؛ لأن الذي يحمد الله يرجو الثواب، فإذا كان يرجو الثواب فإن الثناء على الله بالحمد والذكر والتكبير متضمن للدعاء([65]).
2- ((ربنا لك الحمد))([66]). أو ((اللهم ربنا لك الحمد))([67])،
أو ((اللهم ربنا ولك الحمد))([68])، أو ((ربنا ولك الحمد))([69])[حمداً، كثيراً، طيباً، مباركاً فيه]([70]).
قوله: ((ربنا)): أي: أنت الرب الملك القيُّوم، الذي بيده الأمور، ثم عطف على هذا المعنى قوله: ((ولك الحمد)) فجمع بين الدعاء والاعتراف، أي: ربنا تقبل منا، ولك الحمد على هدايتك إيّانا لما يرضيك عنَّا، والحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم، ثم أخبر عن شأن هذا الحمد بقوله: ((ملءَ السموات)) إلخ، كما سيأتي في نص آخر([71]).
قوله: ((طيباً)) أي: خالصاً.
قوله: ((مباركاً )) أي: متزايداً كثير الخير([72]).
3- ((ملءَ السمواتِ، وملءَ الأرض، وما بينهما، ومِلءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ))([73]).
قوله: ((ملءَ السموات، وملءِ الأرض)): الله سبحانه محمود على كل شيء؛ على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله؛ ولأن المخلوقات تملأ السموات والأرض، فيكون الحمد حينئذ مالئاً للسموات والأرض، فالـمُصلِّي يستحضر بهذا الذكر أن الله محمود على كل فعل فعله، وعلى كل خلق خلقه.
وقوله: ((وَمِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ)) أي: بعد السموات والأرَضين: كالكرسي، والعرش، وما تحت الأرَضين مما لا يعلمه إلا الله، ولا يحيط به سواه، والمراد الاعتناء في تكثير الحمد، وفي هذا اللفظ إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه، وأنه r حَمِدَه مِلءَ السموات والأرض، وملءَ ما بينهما، ثم ارتفع فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهى([74]).
قوله: ((أهلَ الثناء والمجد)): أهل الثناء: منصوب على النداء، والثناء هو الوصف الجميل والمدح.
قوله: ((والمجد)) أي: العظمة، ونهاية الشرف، يقال: رجل ماجدٌ مفضال كثير الخير شريف، والمجيد فعيل للمبالغة، ومنه سُمّي الله مجيداً([75]).
قوله: ((الجَدّ)): المشهور فيه فتح الجيم، وهو: الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، والمعنى: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ]الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ[([76])، فبيَّن النبي r أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك، ولم يخلِّصْه من الله؛ وإنما ينجيه من عذابه إيمانُه وتقواهُ، فهاهنا أصلان عظيمان: أحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، ولا مانع لما أعطاه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يُسأل إلا هو. والثاني: توحيد الألوهية، وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأنه ليس كل من أُعطي مالاً أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعاً له عند الله، منجياً له من عذابه؛ فإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب([77]).
قوله: «أحق ما قال العبد» تقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت... إلخ، واعترض بينهما: ((وكلنا لك عبد)) للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلّنا لك عبد، فينبغي لنا أن نقوله.
وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي r الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نحافظ عليه، ولا نهمله؛ لأن كلنا عبد، وإنما كان أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لاحول ولاقوة إلا به، وأن الخير والشر منه، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة.
قوله: ((لا مانع لما أعطيت)) أي : لا مانع لما أردت إعطاءه ، وهذا نظير قوله تعالى: ]مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[([78]).
قوله: ((ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)): أي لا ينفع صاحب الغنى من عذابك غناه , ويحتمل أن تكون ((منك)) بمعنى عندك , أي: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه, وإنما ينفعه العمل بطاعتك([79]).
4-((اللهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد, اللَّهمّ طهّرني
من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الوسخ))([80]).
قوله: ((اللَّهمّ طهّرني بالثلج والبرد والماء البارد)): استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب وغيرها.
قوله: ((اللهم طهرني من الذنوب والخطايا)) الذنب: الإثم بين العبد وبين الآدمي, والخطيئة: المعصية بين العبد وبين الله تعالى، كما في قوله تعالى: ]وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً[([81]).
قوله: ((كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ))معناه:نقِّني نقاء كاملاً، كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس([82]).
ثامناً: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار السجود:
1- ((سبحان ربي الأعلى))([83])[ثلاث مرات]([84]).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 12 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

أي: تنزيهاً لك يا رب عن كل نقص في الكمال، وعن مماثلة المخلوقين، و((الأعلى)): ثناء على الله سبحانه بالعلو، فالـمُصلِّي نزل للسجود، والنزول نقص، فكان الثناء على الله بالعلو أولى؛ لتنزيهه تعالى عن النقص الذي حصل للساجد، والمراد بالعلوّ: علو المكان، وعلو الصفة، فهو سبحانه عليٌّ في ذاته، وعليٌّ في صفاته، بل هو أعلى من كل شيء I([85])، وله سبحانه الكمال المطلق: في علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
2- ((سبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والرُّوح))([86]).
3- ((سبحانك اللَّهُمَّ ربّنا وبحمدك اللَّهُمَّ اغفر لي))([87]).
4- ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلْقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))([88]).
قوله: ((وشقَّسمعَه)) أي: طريق سمعه؛ إذ السمع ليس في الأذنين، بل في مقعد الصماخ، ((أحسن الخالقين)) أي: أحسن المصورين والموجدين؛ فإنه سبحانه الخالق الحقيقي، المنفرد بالإيجاد والإعدام([89]).
5- ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة))([90]).
6- ((اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأوَّلَهُ و آخِرَهُ، وعَلانِيتَهُ وسِرَّهُ))([91]).
قوله: ((دقّه وجلّه)): أي صغيره وكبيره [قليله وكثيره]، وقدم الصغير على الكبير؛ لأن الكبائر تنشأ غالباً من عدم المبالاة بالصغائر والإصرار عليها، فكأنها وسيلة، ومن حق الوسائل أن تقدم في الذكر؛ ولأن السائل يترقَّى في سؤاله من الأدنى إلى الأعلى.
قوله: ((دقه وجله)) تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: ((اغفر لي ذنبي كله)) تناول جميع ذنوبه مجملاً، ثم فصَّله بقوله: ((دقه وجله))، وفائدته: أن التفصيل بعد الإجمال أوقع، وفيه علمان، والعلمان خير من علم واحد، وهو أعظم بالاعتراف والإقرار بما اقترف من الذنب.
قوله: ((وأوله وآخره)): المراد ما تقدم من ذنبه، وما تأخر منه.
قوله: ((علانيته وسره)): أي ظاهره وخفيه، وهو بالنسبة لغير الله تعالى؛ لأنهما عند الله سواء، والغرض من هذا كمال التواضع والإذعان من النبي r؛ لامتثال أمر الله I، والتشريع للأمة، وإلا فهو r معصوم من الذنوب.
وفي هذا اللفظ توكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه، وإن أغنى بعضه عن بعض، إلا أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإنسان إذا أحب شيئاً أحب طول مناجاته، فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء، وبسطك له دليل على محبتك لمناجاة الله U، ثم إن تكثير ألفاظ الدعاء يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال، فالله الغني ونحن الفقراء، واستحضار الإنسان لذنوبه؛ لأن للذنوب أنواعاً، فإذا زيد في الدعاء استحضرت([92]).
7- ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعاَفاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))([93]).
قوله: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)) أي: أتحصَّن بفعلٍ يوجب رضاك من فعلٍ يوجب سخطك، وهذا من باب التوسل برضاء الله أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استجرت من الشيء بضده، فجعلت الرضاء وسيلة تتخلَّص به من السخط، والمراد: أسألك التوفيق لفعل الطاعات الموجبة لرضاك، وأسألك الحفظ من المعاصي الموجبة لسخطك.
قوله: ((وبمعافاتك من عقوبتك)) المعافاة هي: أن يعافيك الله من كل بليَّة في الدين، أو في الدنيا، وضد المعافاة: العقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، وإذا استعذت بمعافاة الله من عقوبته، فإنك تستعيذ من ذنوبك حتى يعفو الله عنك، إما بمجرد فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التوبة.
قوله: ((وأعوذ بك منك)): لا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله إذ لا أحد يعيذك من الله إلا الله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، ومعلوم أن الله I قد يريد بك سوءاً، ولكن إذا استعذت به منه ‏أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله وأن الإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه ‏لا مرجع له إلا ربه I، قال الخطابي رحمه الله: ((في هذا الكلام معنى لطيف، وهو أنه قد استعاذ بالله تعالى، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضاء والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلمَّا صار إلى ‏ذكر ما لا ضد له - وهو الله سبحانه - أعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه))([94]).
قوله: ((لا أُحصي ثناء عليك)) أي: لا أطيقه، ولا أبلغه، ولا أصل إليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك رحمه الله: معناه: لا أُحصي: نعمتك، وإحسانك، والثناء بها عليك، وإن اجتهدتُ في الثناء عليك.
والثناء هو: تكرار الوصف بالكمال، ففي الحديث القدسي: قال الله تعالى: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ : ((حَمِدَنِي عَبْدِي))، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّه تعالى: ((أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي...))([95]).
فلا يمكن أن تُحصي الثناء على الله أبداً ولو بقيت أبد الآبدين؛ وذلك؛ لأن أفعال الله غير محصورة، وكل فعل من أفعاله فهو كمال، وأقواله غير محصورة، وكل قول من أقواله فهو كمال، وما يدفع عن عباده أيضاً غير محصور، فالثناء على الله لا يمكن أن يصل الإنسان منه ‏إلى غاية ما يجب لله من الثناء مهما بلغ من الثناء على الله، وغاية الإنسان أن يعترف بالنقص والتقصير، فيقول: ((لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) أي: أنت يا ربنا كما أثنيت على نفسك، أما نحن فلا نستطيع أن نُحصي الثناء عليك، وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم.
وفي قوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك)): اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء على الله تعالى، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته وإحصائه إلا هو تعالى؛ ولهذا عدل النبيُّ r عن التفصيل والإحصاء والتعيين، ووكَّل ذلك إلى الله I المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً، وكما أنه لا نهاية لصفاته كذلك لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، وكل ثناء أُثني به عليه – وإن كثر وطال وبولغ فيه – فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر وأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ([96]).
تاسعاً: فَهْمُ وتدبُّر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين:
1- ((ربِّ اغْفِرْ لي، ربِّ اغْفِرْ لي))([97]).
2- ((اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني))، ولفظ ابن ماجه: ((ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني))([98]).
أي: يا الله امح ذنوبي، وتقصيري، وأحسن إليَّ بقبول عبادتي، وعافني من البلاء ومضلات الفتن في الدَّارَيْن، واهدني لصالح الأعمال، وثبتني على الدِّين الحقّ، وارزقني رزقاً حسناً، ودرجة عالية في الآخرة، واجبر نقصي في كل شيء([99]).
قوله: ((رب اغفر لي)): سؤال الله I أن يغفر لك الذنوب كلها: الصغائر والكبائر، والمغفرة هي: ستر الذنب، والعفو عنه، مأخوذة من المغفر – وهو لباس للرأس عند الحرب يتقى به السهام -، وفي المغفر ستر ووقاية، وليس ستراً فقط، فالمعنى: اغفر لي، أي: استر ذنوبي، وتجاوز عنِّي حتى أسلم من عقوبتها، ومن الفضيحة بها.
قوله: ((وارحمني)): طلب رحمة الله U التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جمع بينهما؛ فإن الرحمة إذا قرنت بالمغفرة: فالمغفرة لما مضى، والرحمة سؤال الله تعالى السلامة من ضرر الذنوب وشرِّها في المستقبل، وأما إذا أُفرد الدعاء بالرحمة: فهو طلب المغفرة لما مضى، والتوفيق والعصمة فيما يستقبل([100]).
قوله: ((وعافني)): المعافاة: المراد بها المعافاة في الدين والدنيا، فتشمل الأمرين: أن يعافيك الله من أسقام الدِّين: وهي أمراض القلوب: كالغلِّ، والحسد، وسوء الظن، ومدار أمراض القلوب على: أمراض الشهوات، والشبهات، وأن يعافيك من أمراض الأبدان، وهي اعتلال صحة البدن.
والإنسان محتاج إلى هذا وإلى هذا، وحاجته إلى المعافاة من مرض القلب أعظم من حاجته إلى المعافاة من مرض البدن، فإذا كنت تنظّف قلبك دائماً في معاملتك مع الله، وفي معاملتك مع الخلق حصَّلت خيراً كثيراً، وإلا فإنك سوف تغفل، وتفقد الصلة بالله، وحينئذٍ يصعب عليك التراجع، فحافظ على أن تُفَتِّش قلبك دائماً، فقد يكون فيه مرض شبهة، أو مرض شهوة، وكل شيء – ولله الحمد – له دواء، فالقرآن والسنة الصحيحة دواء للشبهات والشهوات، فالترغيب في الجنة، والتحذير من النار دواء للشهوات، وأيضاً إذا خفت أن تميل إلى الشهوات في الدنيا التي فيها المتعة، فتذكر متعة الآخرة .
ولهذا قال النبي r عندما كان يحفر الخندق مع المهاجرين والأنصار: ((اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلاَّ عَيْش الآخِرَةِ))([101])، فيقول: ((اللَّهُمَّ)) من أجل أن يكبح جماح النفس حتى لا تغترّ بما شاهدتْ من متع الدنيا، فيُقبلُ على الله، ثم يوطِّن النفس ويقول: ((لا عَيْشَ إلاَّ عَيْش الآخِرَةِ))، لا عيش الدنيا، وصدق رسول الله r، والله إن العيش عيش الآخرة؛ فإنه عيش دائم، ونعيم لا تنغيص فيه، بخلاف عيش الدنيا فإنه ناقص منغص زائل.
وأما دواء القلوب من أمراض الشبهات، فالقرآن كله مملوء بالعلم والبيان الذي يزول به داء الشبهات، ومملوء بالترغيب، والترهيب الذي يزول به داء الشهوات، ولكننا في غفلة عن هذا الكتاب العزيز الذي كلَّه خير، وكذلك السنة المطهرة الثابتة عن رسول الله r.
أما عافية الأبدان فطبّها نوعان:
النوع الأول:طب جاءت به الشريعة، فهو أكمل الطب وأوثقه؛ لأنه من عند الله الذي خلق الأبدان، وعلم أمراضها وأدويتها، وهو ضربان:
الضرب الأول: طبٌّ مادي: كالتداوي بالعسل، والحبة السوداء.
الضرب الثاني: معنوي روحي، وذلك بالقراءة على المرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرع تأثيراً([102]).
النوع الثاني:طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو: ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب.
قوله: ((واهدني)): يعني هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فهداية الإرشاد: التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق: التي ضدها الغي، فأنت إذا قلت: ((واهدني)) تسأل الله سبحانه الهدايتين: هداية الإرشاد، وذلك بالعلم النافع، وهداية التوفيق، وذلك بالعمل الصالح، فينبغي للإنسان أن يستحضر أنه يسأل ربه العلم النافع، والعمل الصالح، وذلك لأن الهداية التامة النافعة هي التي يجمع الله فيها للعبد بين العلم والعمل؛ لأن الهداية بدون عمل لا تنفع، بل هي ضرر؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بما علم صار علمه وبالاً عليه، ومثال الهداية العلمية بدون عمل قوله تعالى: ]وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى[([103])، معنى ((هَدَيْنَاهُمْ)) أي: بيَّنّا لهم الطريق، وأبلغناهم العلم، ولكنهم – والعياذ بالله - ]فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى[.
قوله: ((وارزقني)) طلب الرزق مما يقوم به البدن: من طعام، وشراب، ولباس، وسكن، وما يقوم به الدين: من علم، وإيمان، وعمل صالح، والإنسان ينبغي أن يُعوِّدَ نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة حتى يخرج منتفعاً، فإذا قال: ((ارزقني)) يعني: ارزقني ما به قوام الدين، وما به قوام البدن.
قوله: ((واجبرني)) الجَبْرُ يكون من النَّقْصِ، فالإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ حتى يعود سليماً بعد كَسْرِه من كسر العظام البدنية، كما أن الإنسان الناقص المفرِّط المُسِرف على نفسه بتجاوز الحدِّ أو القصور عنه، يحتاج إلى جبر ليعود سليماً من الكسور المعنوية؛ فالحاصل أن الإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ يَجبرُ له النَّقْصَ الذي يكون فيه([104]).
قوله: ((وارفعني)): أي ارفعني في الدارين: بالعلم النافع، والعمل الصالح، وارزقني درجة عالية في الجنة([105]).
عاشراً: فهم وتدبُّر أذكار سجود التلاوة:
1- ((سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ]فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[))([106]).
قوله: ((للذي خلقه وشق سمعه وبصره)) تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك.
قوله: ((بحوله)) أي: بتحويله وصرفه الآفات عنها.
قوله: ((وقوَّته)) أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما.
2- ((اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بها عِندَك أجراً، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْراً، وَاجْعَلْهَا لي عِنْدَكَ ذُخْراً، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ))([107]).
قوله: ((وِزْرَاً ))أي: ذنباً.
قوله:((ذخراً ))أي: كنزاً، وقيل: أجراً؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط أو مبطل.
قوله:((كما تقبَّلْتها من عبدك داود)) حين ]خَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ[([108]).
والصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر t قال: قلت: يا رسول الله، فُضِّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال:((نعم، ومن لم يسجدْهما فلا يقرأْهما))([109]).
والصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئاً من القرآن حتى يتطهَّر([110])؛ ولهذا كان ابن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، مع شدة اتباعه للسنة ((ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد))([111])].
الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد:
1- ((التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ] وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))([112]).
قوله: ((التحيات لله)): جمع تحية، والتحية هي التعظيم، فكل لفظ يدل على التعظيم فهو تحية، والمعنى: أن كل نوع من أنواع التحيات على سبيل العموم والكمال لا يكون إلا لله U، فنحن نُعَظِّم الله سبحانه ليس لأنه بحاجة إلى ذلك، ولكن هو أهل للتعظيم، فنعظِّمه لحاجتنا لذلك.
قوله: ((والصلوات)) أي: والصلوات لله، أي: كل الصلوات: فرضها، ونفلها لله سبحانه، وجميع العبادات، وكل الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى هو مستحقها، لا أحد يستحقها، وليست حقّا لأحد سوى الله U.
قوله: ((والطيبات)) : منها: ما يتعلق بالله، ومنها ما يتعلق بأعمال العباد، فما يتعلق بالله فله من الأوصاف أطيبها، ومن الأعمال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، قال النبي r: ((إن الله طيب ... ))([113])، يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتَّصف إلا بالطيب، فالله سبحانه طيب في كل شيء: في ذاته، وصفاته، وأفعاله.
وما يتعلق بأعمال العباد: القولية والفعلية، فله سبحانه منها الطيب، قال النبي r: ((... لا يقبل إلا طيباً))([114])، فإن الطيب لا يليق به إلا الطيب، ولا يقدم له إلا الطيب، ]إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ[([115])، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض، لا يصعد إلى السماء، وهو تعالى: لا يقبل إلاّ الطيب: من أقوال العباد، وأفعالهم، واعتقاداتهم.
قوله: ((السلام عليك)) المراد بالسلام : اسم الله U؛ لأن النبي r قال: ((إن الله هو السلام))([116])، وقال الله تعالى: ]الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ[([117])، ومعنى سلام الله على الرسول ، أي بالحفظ، والكلاءة، والعناية، فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتنٍ بك، حافظ لك من الآفات، وما أشبه ذلك.
وقيل: السلام بمعنى التسليم، أي: ندعو له بالسلامة من كل آفة، وإن قال قائل يكون هذا الدعاء في حياته عليه الصلاة والسلام واضحاً، لكن بعد مماته، كيف يناسب أن ندعو له بالسلامة؟ والجواب ليس الدعاء بالسلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة؛ ولهذا كان دعاء الرسل أثناء عبور الناس الصراط: ((اللَّهُمَّ سَلِّمْسَلِّمْ))([118])، فالمرء لا ينتهي من المخاوف والآفات بمجرد موته.
كما قد يكون السلام بمعنى أعم؛ وهو السلام على شرعه وسنته وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين.
قوله: ((أيُّها النبي)): منادى حُذفت منه ((يا )) النداء، والأصل: يا أيها النبي، وقيل في حكمة وصفه r هنا بالنّبوّة؛ ليجتمع له الوصفان؛ فإنه وُصف بالرسالة في آخر التشهد، وإن كانت الرسالة تستلزم النبوة، فالتصريح بها أبلغ.
قوله: ((ورحمة الله)) أي: ورحمة الله عليك، والرحمة إذا قُرِنت بالمغفرة، أو بالسلام، صار المراد بها: ما يحصل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعاً، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله r بالسلام، دعوت له بالرحمة؛ ليزول المرهوب، ويحصل له المطلوب.
قوله: ((وبركاته)): جمع بِرْكَة: وهي الخير الكثير الثابت، فندعو لرسول الله r أن يبارك فيه بكثرة أتباعه، وكثرة عمل أتباعه؛ لأن كل ‏عمل صالح يفعله أتباع الرسول r فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة، وبهذا يُردُّ على من يُهدون ثواب القُرب إلى رسول الله r؛ فإن هذا بدعة ضلالة.
قوله: ((السلام علينا)): السلام هنا بنفس ما مضى في ((السلام عليك))، ونون الجماعة في ((علينا)) يراد بها الشخص نفسه، وجميع الأمة المحمدية، واستدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، ومنه قول نوح وإبراهيم عليهما السلام في القرآن.
قوله: ((وعلى عباد الله الصالحين)): هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن عباد الله الصالحين هم: كل عبد صالح في السماء والأرض، حي أو ميت، من الآدميين والملائكة، والجن، وعباد الله هم الذين تعبَّدوا لله: أي تذللوا له بالطاعة امتثالاً للأمر، واجتناباً للنهي، فالعبادة مبنيَّةٌ على أمرين: الحب، والتعظيم.
‏فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته؛ لأنك تحبه فتطلبه، وتعظمه فتخافه. وأما شرطا قبول العبادة فهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله r، قال الله تعالى: ]فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[([119]).
وعباد الله الصالحون هم الذين صلحت سرائرهم وظواهرهم بأمرين:
الأول: بإخلاص العبادة لله، والثاني: بمتابعة رسول الله r.
وضد ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسرائر، وإما بالظواهر، فالمشرك فاسد بالسريرة، والمبتدع فاسد الظاهر؛ لأن بعض المبتدعة يريد الخير، لكنه فاسد الظاهر لم يمش على الطريق الذي رسمه رسول الله r، والمشرك فاسد الباطن، ولو عمل عملاً ظاهره الصحة والصلاح مثل المرائي.
قوله: ((أشهد أنْ لا إلهَ إلاَّ الله)): أشهد، أبلغ من قول: أُخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة لا تكون إلا عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه.
وهذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل، ومعناها: لا معبود حق إلاّ الله.
قوله: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)): شهادة بأن المصطفى r عبدٌ لله، لا شريك، فهو بشر مثلنا تميّز عنا بالوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة والأخلاق، وبأنه رسولٌ أرسله الله جلّ وعلا، وجعله واسطة بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه فقط([120]).
2- ((التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّـبَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ))([121]).
((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)) تقديره: التحيات، والمباركات، والصلوات، والطيبات لله، ولكن حُذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة، ومعنى الحديث: إن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها لغيره([122]).
3- ((التَّحِيَّاتُ الطَّيِّـبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))([123]).
الثاني عشر:فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي r:
1- ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ))([124]).
قوله: ((اللهم)) معناها: يا الله، لكن حُذفت ((يا))النداء، وعُوّض عنها بالميم، وجُعلت في الآخر تيمناً بالبداءة باسم الله U، وكانت ميماً، ولم تكن جيماً، ولا حاء مثلاً؛ لأن الميم أدل على الجمع؛ ولهذا تجتمع الشفتان فيها، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ودعا.
و((اللهم))((الله)) منادى مبنيٌّ على الضّمِّ في محلّ نصب، ومعنى الله: أي: ذو الألوهية الذي يألَهُه كل من تعبّد له I.
((صلِّ على محمد))وأحسن ما قيل في معناها ما ذكره أبو العالية رحمه الله: أن صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند ملائكتك المقربين، وقيل: معناه عظِّمْهُ في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وما ورد بصيغة الأمر موجَّهاً من المخلوق إلى الخالق، فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق سبحانه.
قوله: ((وعلى آل محمد)) أي: وصلِّ على آل محمد، وهم أتباعه على دينه، لكن لو قيل: وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه، صار المراد بآله: قرابته المؤمنون، وبأصحابه: من رآه مؤمناً به ومات على ذلك، وبأتباعه: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 13 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

قوله: ((كما صليت على إبراهيم)): الكاف هنا للتعليل، وهنا توسل بفعل الله السابق لتحقيق الفعل اللاحق؛ يعني: كما أنك سبحانك سبق الفضل منك إلى إبراهيم u وأتباعه، فألحق الفضل منك على محمد r وأتباعه، فأتباع إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في أتباع محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي r ولأتباعه من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وأتباعه، وفيهم الأنبياء حصل لأتباع محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء – وفيهم إبراهيم – لمحمد r، فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره([1]).
وقد اشتهر الخلاف والتساؤل بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: ((كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم))؛ لأن المقرر أن المشبه دون المشبه به, والواقع هنا عكسه؛ إذ أن محمداً r أفضل من إبراهيم r، وقضية كونه أفضل؛ أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل.
واستحسن كثير من العلماء قول من قال: ((إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي r ولآله من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء؛ حصل لآل محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد r، فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره)).
قال العلامة ابن القيم رحمه الله مُعلِّقاً على هذا القول: ((وهذا أحسن ما قيل، وأحسن منه أن يقال: محمد r هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس t في قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ[([2])؛ قال ابن عباس: ((محمد من آل إبراهيم))، وهذا نص [فإنه] إذا دخل([3]) غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله؛ فدخول رسول الله r أولى؛ فيكون قولنا: ((كما صليت على آل إبراهيم)) متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله تعالى أن نُصلِّي عليه وعلى آله خصوصاً؛ بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له r)).
قال: ((ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله r معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه؛ صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله وفيهم النبيون ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته))([4]).
قوله: ((إنك حميد مجيد)): حميد بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمد U على ما له من صفات الكمال في ذاته، وصفاته، وأفعاله بألسنة خلقه.
وأما ((مجيد)) فهي: فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد، والمجد هو: العظمة وكمال السلطان، وهو كالتعليل لما قبله؛ لأن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه في الملأ الأعلى، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد.
قوله: «اللهم بارك على محمد» أي: أنزل البركة على محمد r، والبركة مأخوذة من البِرْكَةِ، وهو مجتمع الماء، ولا يكون إلا على وجه الكثرة، والقرار، والثبوت، وعليه: فالبركة هي كثرة الخيرات، ودوامها، واستمرارها في العمل، وفي الأثر: أما البركة في العمل: فبأن يوفق الله الإنسان لعمل لا يوفق له من نُزعت منه البركة.
وأما البركة في الأثر: فبأن يكون لعمله آثارٌ جليلة نافعة ينتفع بها الناس، ولا شك أن بركة النبي r لا نظير لها؛ وذلك لأن الله جعل أمته أكثر الأمم؛ ولأن اجتهادهم في الخير أكثر من اجتهاد غيرهم، فبورك له r فيمن اتبعه، وبورك له في عمل من اتبعه.
قوله: ((وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم)) توسلٌ بفعل الله السابق إلى فعله اللاحق، كأنك تقول: كما أنك يا رب قد تفضّلت على أتباع إبراهيم، وباركت عليهم، فبارك على محمد r وأتباعه([5]).
2- ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ))([6]).
3- ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ؛ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ))([7]).
فائدة: لا يُشرع تلفيقُ صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، وكذلك صيغ الاستفتاحات، لا يجمع بين ذلك، بل ذلك بدعة في الدين، وإنما السنة أن يقال هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وَطَرْدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَذْكُرَ التَّشَهُّدَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَأَنْ يُقَالَ الِاسْتِفْتَاحُ بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ، بَلْ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ، فَهُوَ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ، فَاسِدٌ فِي الْعَقْلِ))([8]).
4- ((اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى أزواجِهِ وذُرِّيتهِ، كمَا صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْراهيمَ، وبَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ، وَعَلَى أزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتـِهِ، كمَا بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيْمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ))([9]).
الثالث عشر: فهم وتدبُّر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة:
1- ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))([10]).
قوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ)) أي: من العذاب الحاصل منها، وقد ورد في صفات جهنم، وصفات العذاب فيها في الكتاب والسنة ما تقشعرّ منه الجلود، نسأل الله السلامة منها، والاستعاذة هنا تشمل عذاب جهنم، ومن فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما عصمة من الذنوب، فهنا إعاذة الله من فعل السبب، وإما عفو عن الذنوب، وهنا إعاذة الله من أثر السبب.
قوله: ((عذاب القبر)): أي: من عذاب البرزخ الذي بين موت الداعي، وبين قيام الساعة، فليس المراد بالقبر هنا مدفن الميت؛ لأن الإنسان حقيقة لا يدري هل يموت ويدفن؟ أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق ويكون رماداً، فالداعي يستحضر بهذا القول: العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
قوله: ((ومن فتنة المحيا والممات)): أي: اختبار المرء في دينه في حياته، وفي مماته، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات، أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، وهي فتنة عظيمة وشديدة، وقلّ من يتخلَّص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين: شبهات، وشهوات.
أما الشبهات – ومنشؤها الجهل – فتعرض للإنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقاً، والحق باطلاً، وإذا رأى الحق باطلاً تجنبه، وإذا رأى الباطل حقاً فعله، وهذه فتنة عظيمة؛ فما أكثر الذين يرون الربا حقاً فينتهكونه، وما أكثر الذين يرون غش الناس في البيع والشراء شطارة وجودة، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذاً وتمتعاً وحُرِّيَّة.
وأما الشهوات – ومنشؤها الهوَى – فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده فله هوى مخالف لما جاء به النبي r، فأنت تسأل الله العافية من أمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.
وأما فتنة الممات فيراد بها ما يكون عند الموت في آخر الحياة، وما يكون بعد الموت مباشرة من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيِّه، والإنسان عند موته ووداع العمل صائر إمَّا إلى سعادة، وإمَّا إلى شقاوة، ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى أنه - كما قال أهل العلم – قد يعرض للإنسان الأديان اليهودية والنصرانية بصورة أبيه وأمه، والعياذ بالله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وعرض الْأَدْيَان عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَ أَمْراً عَامّاً لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا هُوَ أَيْضاً مَنْفِيّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، بَلْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا الَّتِي أَمَرَنَا الرسول r أَنْ نَسْتَعِيذَ فِي صَلَاتِنَا مِنْهَا، وَوَقْت الْمَوْتِ يَكُونُ الشَّيْطَانُ أَحْرَصَ مَا يَكُونُ عَلَى إغْوَاءِ بَنِي آدَمَ))([11]).
قوله: ((ومن شر فتنة المسيح الدجال)): المسيح الدجال أعظم فتنة في الدنيا على وجه الأرض منذ خُلق آدم u إلى قيام الساعة، كما قال ذلك النبي r؛ ولهذا ما من نبيٍّ من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم إلا أنذر قومه منه، تنويهاً بشأنه، وتحذيراً منه.
وفتنة المسيح الدجال من فتن الدنيا؛لأن الأموات قد سلموا من فتنته.
وهذه الفتن الأربع هي مجامع الشرِّ كله؛ فإن الشر إما عذاب الآخرة، وإما سببه، والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ، وعذاب في الآخرة، وأسبابه: الفتنة، وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات، والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال؛ فإن المفتون فيهما لا يتداركها([12]).
2- ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم))([13]).
قوله: ((المأثم والمغرم)): المأثم هو الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، والمغرم هو الدَّين، بدليل تمام الحديث: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله فقال: ((إن الرجل إذا غرم: حَدَّث فكذب، ووعد فأخلف))، ويُراد به ما استدين فيما يكرهه الله تعالى، أو فيما يجوز، ثم عجز عن أدائه، فأما دينٌ احتيج إليه شرعاً، ويقدر على أدائه فلا يستعاذ منه([14]).
1- ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم))([15]).
قوله: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)): فيه أن الإنسان كثير التقصير، وإن كان صدِّيقاً؛ لأن النعم عليه كثيرة، وقوته لا تطيق بأداء أقل القليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم - أيضاً- ، فيحتاج إلى شكر هو أيضاً، فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير.
وقُدِّم هذا الاعتراف على سؤال المغفرة تأدُّباً، كما وقع لأبينا آدم وأُمِّنا حواء عليهما السلام في قوله تعالى: ]قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين[[16]).
4-((اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت))([17]).
قوله: ((أنت المقدم)) أي: ما تشاء إلى رحمتك بتوفيقه إلى طاعتك.
قوله: ((وأنت المؤخر)) لمن تشاء عن رحمتك بعدم توفيقه لطاعتك، كما اقتضته حكمتك([18]).
5-((اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ))([19]).
قوله:((ذكرك)) يشتمل على جميع أنواع الثناء حتى قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم الديني، وغير ذلك من أنواع الذكر المشروع.
وإنما قَدَّم الذكر على الشكر؛ لأن العبد إذا لم يكن ذاكراً لم يكن شاكراً، كما تقَدَّمَ في قوله تعالى: ]فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ[([20]).
قوله: ((وحُسنِ عبادتك))قيد بالحسن؛ لأن العبادة الحسنة هي العبادة الخالصة، فالعبادة إذا لم تكن خالصة [صواباً على السنة] لا تقبل، ولا تنفع صاحبها([21]).
6- ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا, وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ))([22]).
قوله: ((البخل))أي: منع إنفاق المال، بعد الحصول عليه، وحبه وإمساكه.
قوله: ((الجبن)) أي: تَهَيُّب الإقدام على ما لا ينبغي أن يُخاف.
قوله: ((أن أُردَّ إلى أرذلِ العمر)) هو البلوغ إلى حدٍّ في الهرم، يعود معه كالطفل؛ في سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة.
والأرذل: هو الرَّديء من كل شيء.
قوله: ((فتنة الدنيا)) ومعنى الفتنة: الاختبار، قال شعبة رحمه الله: ((يعني: فتنة الدَّجَّال))، وفي إطلاق الدنيا على الدجال، إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صريحاً في قول النبيّ r: ((إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال))([23]).
ومعنى ((ذرأ)): خلق.
قوله: ((عذاب القبر)) فيه إثبات لعذاب القبر؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ ومَا دينك؟ ومَن نبيك؟ ]يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ[([24])؛ فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبةٍ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين: الإنس والجن([25])، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب!!
7 - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ))([26]).
أي:اللهم إني أطلب منك الفوز بالجنة،وأن تجيرني من عذاب النار.
ويتضمن هذا الدعاء طلب التوفيق والهداية إلى الأعمال الصالحة المبتغى بها وجه الله تعالى، التي هي سبب للفوز بالجنة، وطلب البعد عن الأعمال السيئة، التي هي سبب لعذاب النار([27]).
8- ((اللَّهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أحْيِني مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْراً لِي، وتَوَفَّنِي إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْراً لي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا والغَضَبِ، وأسْألُكَ القَصْدَ فِي الغِنَى والفَقْرِ، وأسْألُكَ نَعِيماً لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ الـمَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِيْنَةِ الإيْمَانِ، واجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ))([28]).
قوله: ((ما علمت الحياة خيراً لي)) أي: إذا كانت الحياة خيراً لي في علمك للغيب، وكذلك التقدير في قوله: ((وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)) أي: إذا كانت الوفاة خيراً لي في علمك.
قوله: ((خشيتك في الغيب والشهادة)) أي: فيما غاب عني وفيما أشاهده، والمراد منه: الخشية في جميع الأحوال.
قوله: ((كلمة الحق))أي: التكلم بالحق؛ والمراد: العون والتوفيق على التكلم بالحق.
قوله: ((في الرضا والغضب)) أي: في حالة الرضا وحالة الغضب، أو المعنى: عند رضاء الراضي، وعند غضب الغاضب.
قوله: ((القصد)) القصد من الأمور؛ أي: المعتدل الذي لا يميل على أحد طرفي التفريط والإفراط؛ يعني: أسألك الاعتدال والوسط في الفقر والغنى، لا فقراً بالتفريط، ولا غِنَىً بالإفراط؛ لأن الفقر جداً يستدعي ترك الصبر، المؤدي إلى ارتكاب الطعن في التقدير، والتكلم بأنواع البشاعة، والغنى جداً يؤدي إلى الطغيان والفساد، وخير الأمور أوسطها.
قوله: ((نعيماً لا ينفد)) أي: لا يفرغ، وهو نعيم الجنة.
قوله: ((قرة عين لا تنقطع)) كناية عن السرور والفرح، يقال: قرَّتْ عيناه؛ أي: سُرَّ بذلك وفرح، وقيل معناه: بلوغ الأُمنية حتى ترضى النفس، وتسكن العين، ولا تستشرف إلى غيره.
قوله: ((وأسألك الرضا بعد القضاء)) أي: بعد قضائك عليَّ بشيء من الخير والشر؛ أما في الخير فيرضى به ويقنع به، ولا يتكلَّف في طلب الزيادة، ويشكر على ما أوتي به، وأما في الشر فيصبر عليه ولا يكفر.
قوله: ((وأسألك برد العيش بعد الموت)) كناية عن الراحة بعد الموت.
قوله: ((وأسألك لذة النظر إلى وجهك)) إنما سأل هنا لذَّة النظر ولم يكتف بسؤال النظر، مبالغة في الرؤية وكثرتها؛ لأنه فرق بين رؤية ورؤية.
قوله: ((والشوق)) أي: أسألك لذة الشوق إلى لقائك؛ والشوق هو تعلق النفس بالشيء.
قوله: ((في غير ضراء))متعلّق بقوله: ((أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي)) أي: أحيني إذا أردت حياتي في غير ضراء مضرّة، ولا فتنة مضلّة، وتوفني إذا أردت وفاتي في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة عند الموت.
والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء.
ووصف الضراء بالمضرة، والفتنة بالمضلة للتأكيد والمبالغة.
قوله: ((اللهم زينا بزينة الإيمان)) أي: بشرائعه؛ لأن الشرائع زينة الإيمان؛ يعني: وفقنا لأداء طاعتك وإقامة شرائعك، حتى تكون لنا زينة في الدنيا والآخرة.
قوله:((هداة)) جمع هادي؛ أي: اجمع لنا فينا بين الهدى والاهتداء([29]).
9- ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ يَا أللهُ بأنَّكَ الوَاحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَـمْ يَلِدْ وَلَـمْ يُولَدْ، ولَـمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ, أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ))([30]).
قوله: ((بأنك)) الباء سببية؛ أي: بسبب أنك الواحد.
قوله: ((الواحد الأحد)) لا فرق بين الواحد والأحد؛ أي: الفرد الذي لا نظير له، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله تعالى؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.
قوله: ((الصمد)) هو الذي يُصمد إليه في الحاجات؛ أي: يُقصد لكونه قادراً على قضائها، قال الزجاج رحمه الله: ((الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد، فلا سيد فوقه))، وقيل: هو المستغني عن كلِّ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، وقيل: هو الذي لا جوف له؛ قال الشعبي رحمه الله: ((هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب)).
قوله: ((الذي لم يلد ولم يولد)) أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.
قوله: ((كفواً )) أي: مثلاً ونداً ونظيراً([31]).
10- ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأنَّ لَكَ الحَـمْدَ، لَا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، الـمَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَـواتِ والأرْضِ، يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ))([32]).
قوله: ((المنَّان)) أي: كثير العطاء، من المنَّة بمعنى النِّعمة، والمنَّة مذمومة من الخلق؛ لأنهم لا يملكون شيئاً، قال صاحب ((الصحاح)): ((مَنَّ عليه هنا؛ أي: أنعم، والمنَّان من أسماء الله تعالى)).
قوله: ((يا بديع السموات والأرض)) أي: مبدعها ومخترعها لا على مثال سبق.
قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)) أي: صاحب العظمة، والسلطان والإنعام، والإحسان.
وجاء في نهاية الحديث؛ قوله r: ((لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعْطَى)).
قال الطيبي رحمه الله: ((فيه دلالة على أن لله تعالى اسماً أعظم إذا دُعي به أجاب)).
قال الشوكاني رحمه الله: ((قد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولاً)).
قال ابن حجر رحمه الله: ((وأرجحها من حيث السند: الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)).
وقال الجزري رحمه الله: ((وعندي أن الاسم الأعظم: لا إله إلا هو الحي القيوم)).
ورجح ذلك ابن القيم وغيره، والله أعلم([33]).
11- ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأَنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَـمْ يَلِدْ وَلَـمْ يُولَدْ، ولَـمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ))([34]). وتقدم شرحه قبل حديث واحد.
12- ((السلام عليكم ورحمة الله،السلام عليكم ورحمة
الله))([35])([36])، تقدّم معنى السلام في شرح كلمات التشهد، والسنة أن ينوي بالسلام الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين عن يمينه وشماله، وعلى الملائكة؛ لأدلة منها قول النبي r: ((... ثم يسلم على أخيه: من على يمينه وشماله))([37]).

الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة
1- ((أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))([38]).
قوله: ((أستغفر الله)) السنة أن يستغفر المصلي بعد سلامه ثلاث مرات - والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه - تحقيراً لعمله، وتعظيماً لجناب ربه جل وعلا، وكذلك ينبغي أن يكون حال العبد، فيلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه، وعمله لديه، فيزداد تضرُّعاً واستغفاراً، كلما يزداد عملاً، وقد مدح الله تعالى أهل الاستغفار بعد القيام بقوله: ]كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون[([39]) .
قوله: ((اللهم أنت السلام)): السلام من أسماء الله تعالى، أي: أنت السالم مما يلحق الخلق: من المعائب، والآفات، والحوادث، والتغيّر، ومن كلّ نَقْصٍ، وقيل: المُسلِّم على الأنبياء عليهم السلام في الدنيا، وعلى المؤمنين في الجنة.
قوله: ((ومنك السلام)): هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تعطي السلامة من الآفات الدنيوية والأخروية، ومنك يطلب السلام، ويرجى، ويستوهب، ويستفاد .
قوله: ((تباركت)): من البِرْكَةِ: وهي: الكثرة، والنماء، والزيادة، والدوام: والمعنى: تعاليت، وتعاظمت، وكثرت خيراتك واتسعت، وتزايد برك.
قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)) الجلال: والعظمة، والإكرام: الإحسان، وهو المستحق لأن يهاب؛ لسلطانه، وجلاله، ويُثني عليه بما يليق بعلو شأنه، والجلال مصدر الجليل، يقال: جليل بيِّن الجلالة، والجلال: عظم القدر، فالمعنى: أن الله تعالى مستحق أن يُجَلَّ، والإكرام: مصدر أكرم يكرم، فالمعنى: أن الله مستحق أن يُجَلَّ ويُكرم فلا يُجحد، ولا يكفر به، وهو الرب المستحق للعبادة، والإجلال والإكرام([40]).
2- ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ))([41]) .
هذا الذكر مستحب لما فيه من ألفاظ التوحيد، ونسبة صفات الكمال إلى الله، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة، فأوَّله كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل عليهم السلام، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وكلما عظُم إيمان العبد بهذه الكلمة؛ ازداد نورها في قلبه واشتد، وأحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهةً، ولا شهوةً، ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئاً فأي ذنب، أو شهوة، أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها([42]).
قوله: ((له الملك، وله الحمد)): له الملك أي له سبحانه التصرف في السموات والأرض، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، والحمد هو الوصف بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والألف واللام في ((الحمد)) لاستغراق جميع أجناس الحمد، وصنوفه لله تعالى.
قوله: ((لا مانع لما أعطيت)) أي: لا مانع لما أردت إعطاءه، قال تعالى: ]مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم[([43])، فلا أحد يقدر على منع ما أعطيت أحداً من عبادك، فإذا أراد الله أن يعطي أحداً شيئاً، واجتمع الجن والإنس على منعه، فإنهم يعجزون عن ذلك.
قوله: ((ولا معطي لما منعت)) أي: ولا أحد يقدر على إعطاء ما منعت.
قوله: ((ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)) بفتح الجيم في اللفظين: هو الحظ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان: أي: لا ينفع صاحب الغنى منك، ولا من عذابك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح بفضلك ورحمتك([44]).
3- ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون))([45]).
قوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)): الحول بمعنى التحوّل، أي لا تحوَّل من حال إلى حال إلا بالله جل وعلا، والقوة: أخص من القدرة، والباء في قوله ((إلا بالله)) للاستعانة، والمعنى: لا أستطيع ولا أقوى على التحوّل إلا بمعونة الله، فكل إنسان لا يستطيع أن يتحوّل من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها إلا بالله تعالى.
قوله: ((ولا نعبد إلا إياه)) أي عبادتنا مقصورة على الله، غير متجاوزة عنه.
قوله: ((له النعمة)) :أي النعمة الظاهرة والباطنة.
قوله: ((وله الفضل)): أي في كل شيء ]وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[([46]): وهو الإنعام والإكرام.
وقوله: ((والثناء الحسن)) أي الذكر الجميل، وهو تكرار الوصف بالكمال.
والثناء الحسن: يشمل أنواع الحمد، والمدح، والشكر، ولا نُحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه.
((مخلصين له الدين))أي: مخلصين له العبادة، لا نشرك فيها غيره شركاً أصغر، ولا أكبر، ولو كره الكافرون الإخلاص في العبادة له جل وعلا.
قوله: ((ولو كره الكافرون)) أي وإن كره الكافرون، ومفعوله محذوف تقديره: ولو كرهوا كوننا مخلصين لله، وكوننا عابدين له([47]).
4- ثم يذكر الله تعالى بنوعٍ من الأنواع الآتية:
النوع الأول:((سبحان الله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الحمد لله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الله أكبر)) ثلاثاً وثلاثين، ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) مرة واحدة([48]).
النوع الثاني:((سبحان الله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الحمد لله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الله أكبر))أربعاً وثلاثين([49]).
النوع الثالث:((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر)) ثلاثاً وثلاثين([50]).
النوع الرابع:((سبحان الله)) خمساً وعشرين، ((الحمد لله)) خمساً وعشرين،((الله أكبر)) خمساً وعشرين، ((لا إله إلا الله)) خمساً وعشرين([51]).
النوع الخامس:((سبحان الله)) إحدى عشرة، ((الحمد لله)) إحدى عشرة، ((الله أكبر)) إحدى عشرة([52]).
النوع السادس:((سبحان الله)) عشر مرات، ((الحمد لله)) عشر مرات، ((الله أكبر)) عشر مرات([53]).
و((الأولى – كما قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله- البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الله I، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذْ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده I بجميع ذلك))([54]).
5- يقرأ آية الكرسي: ]اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[([55]).
قوله U:]اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ[: إخبار بأنه سبحانه المنفرد بالإلهِيَّةِ لجميع الخلائق [ولفظ الجلالة عَلَمٌ خاص بالذَّات العليَّة، فهو سبحانه الإله الحق، وما سواه من الآلهة فهو باطل، و((إله)) بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود: حباً، وتعظيماً، وخوفاً، ورجاءً].
]الْحَيُّ الْقَيُّومُ[: هذان اسمان من أسماء الله تبارك وتعالى، وهما جامعان لكمال الأوصاف والأفعال؛ فكمال الأوصاف في ((الْحَيُّ))، وكمال الأفعال في ((الْقَيُّومُ))؛ لأن معنى الحي: ذو الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، فالله الحيُّ في نفسه، الذي لا يموت أبداً، ومعنى القيّوم: القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى أكل وشرب، ولا مُعين، ولا ناصر، والقائم على غيره بما كسب، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيٌّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، ومن تمام القَيُّوميَّة أن لا يعتريه سنة ولا نوم.
قوله U:]لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ[ أي: لا يعتريه نقصٌ، ولا غفلةٌ، ولا ذهولٌ عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، وقوله: ]لاَ تَأْخُذُهُ[: لا تغلبه سِنَةٌ وهي الوسن والنعاس؛ ولهذا قال: ((وَلاَ نَوْمٌ))، لأنه أقوى من السِّنة.
[ولم يقل: ((لا ينام))حتى يشمل الأخذ بالغلبة، والأخذ بالاختيار، ولو قلت لا ينام، فقد يكون معناه: لا ينام اختياراً، لكن الله U لا ينام لا بالغلبة، ولا بالاختيار].
قوله U:]لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ[: إخبار بأن الجميع عبيده، وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
قوله U:]مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه[: هذا من عظمة الله وجلاله، وكبريائه U، وأنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه ((إِلاَّ بِإِذْنِهِ))، إلا أن يأذن له في الشفاعة، حتى أعظم الناس جاهاً عند الله محمد r لا يشفع إلا بإذن الله] كما في حديث الشفاعة الطويل، عن النبي r، وفيه: ((فأستأذن على ربي فيُؤذن لي، ويُلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخرُّ له ساجداً، فَيُقَال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تُعطَ، واشفع تُشفَّع ...))([56]).
قوله U:]يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ[: دليل على إحاطة علمه سبحانه بجميع الكائنات: ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها.
قوله U:]وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء[: أي: لا يطَّلع أحد على شيء من علم الله إلا بما أعلمه الله جل وعلا وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته، وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله تعالى: ]وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمِاً[([57]).
قوله U:]وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ[: والصحيح أن الكرسي موضع القدمين، وأنه غير العرش، والعرش أكبر منه، قال ابن عباس
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: ((الكرسي موضع القدمين والعرش: لا يقدر أحد قدره))([58])، [وسع: بمعنى شمل وأحاط، والكرسي موضع قدمي الرب سبحانه، وهو بين يدي العرش كالمقدمة له].
قوله U:]وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا[: أي: لا يُثقله، ولا يكترثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما؛ بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو سبحانه القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة، صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعّال لما يريد، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، والحسيب لكل شيء.
قوله U:]وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم[: العليُّ أي: ذو العلو المطلق، والعلو: صفة من صفات الله تعالى، ومعنى العلو المطلق: علو الذات، وهو أنه تعالى مستوٍ على عرشه، استواء يليق بجلاله، وله القدر، وله علوُّ القهر. والعظيم: أي: ذو العظمة، والعظيم من كل شيء، الذي يكون بالغ الأهمية، وبالغ الصفات، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه([59]).
6- يقرأ سورة الإخلاص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[:
قوله U: ]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد[ أي: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يُطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله U؛ لأنه الكامل في جميع صفاته، وأسمائه، وأفعاله.
قوله U: ]اللَّهُ الصَّمَد[يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في طلبحوائجهم، ومسائلهم، وهو السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، وهذه صفة لا تنبغي إلا له، وليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار.
قوله U: ]لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد[أي: ليس له ولد ولا والد، ولا صاحبة.
قوله U: ]وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ[يعني: ليس له نظير يساميه، أو قريب يدانيه: تعالى،وتقدَّس، وتنزَّه، قال الله تعالى: ]بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ[([60]).
وقال تعالى:]وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً[([61]).
قال النبي r: ((قال الله U: كذَّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إيّاي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد))([62])([63]).
7- يقرأ سورة الفلق: بسم الله الرحمن الرحيم: ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق * مِن شَرِّ مَا خَلَق * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد[([64]).
قوله U: ((قُلْ)) أمرٌ: أي أمرك أن تقول ...
قوله U:]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق[: الاستعاذة هي: الالتجاء، والاعتصام، والاستجارة بالله سبحانه، أي: ألجأ، وأعتصم، وأستجير، والفلق الصبح، وذلك: ]مِن شَرِّ مَا خَلَق[أي من شر جميع المخلوقات، والشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين:
إمّا ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك الشر: بفعله، وقصده، وسعيه، فيكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين، وأدومهما وأشدهما اتصالاً بصاحبه.
وإمَّا شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلَّف كالإنسان والجني، أو غير مكلَّف كالهوام، وذوات السموم، وغيرها: فتضمنت هذه الاستعاذة في هذه السورة الاستعاذة من الشرور كُلِّها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدلّه على المراد، وأعمّه استعاذةً، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه.
والقسم الأول هو أعظم الشرين، وأدومهما، وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته، فإن الله إذا أنعم على عبده بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها، في نفسه: قال الله U:]إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[([65])، فما حُفِظَتْ نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شُكْره، قال الله I: ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد[([66])، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه؛ فإنها – أي المعصية – نار النِّعم التي تعمل فيه كما تعمل النار في الحطب اليابس([67]).
قوله U: ]وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب[الغاسق: هو الليل إذا أقبل بظلامه، فإن الشر فيه أكثر، والتحرز من الشرور فيه أصعب، وقد أخبر النبي r أن الشمس إذا غربت، انتشرت الشياطين؛ ولهذا قال r: ((لا ترسلوا فواشيكم([68]) وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة
العشاء))([69])

قوله U:]وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد[النفاثات: هي الأرواح والأنفس الشريرة، وهنَّ السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث: النفخ مع ريق، والعقد: جمع عقدة، وهي من خيوط كما تقدم.
قوله U: ]وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ[ الحسد: تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود، وهي: كراهة نعمة الله على الغير، ويدخل في معنى الحاسد: العائن؛ لأن العين لا تصدر إلا من حاسدٍ شرّير الطبع، خبيث النفس، وهذا غير حسد الغبطة: وهو أن يتمنَّى أن يرزقه الله مثل فلان من الخير، مع محبته أن تبقى النعمة ولا تزول، وهذا لا بأس به.
ومعنى ]إِذَا حَسَدَ[أي: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وحمله على إيقاع الشر بالمحسود([70]).
7- يقرأ سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم: ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاس[.
قوله U:]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاس[هذه ثلاث صفات من صفات الرب U: الربوبية، والملك، والإلهيَّة، فهو سبحانه ربُّ كل شيء، فربوبيته تعالى: متضمنة لخلق الخلق، وتدبيرهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، وما يحتاجون إليه، ورفع الشر عنهم، وحفظهم مما يفسدهم، وهو مليك كلّ شيء: فهو مليكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكه، المدبِّر لهم كما يشاء، الذي له السلطان التام عليهم، فهو مليكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم، ومعاذهم، وملجؤهم، فلا صلاح لهم، ولا قيام إلا به وبتدبيره.
وهو إله كل شيء، فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله لهم حق سواه. فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة، عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات.
قوله U:]مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس[: وهو الشيطان الموكَّل بالإنسان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وَسْوَسَ، فإذا ذكر الله خنس؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيِّن له الفواحش، والمعصوم من عصمه الله، قال النبي r: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكّل الله به قرينه من الجن)) قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير))، وفي لفظ: ((وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة))([71]) .
قوله U:]الْوَسْوَاسِ[ أي:الموسوس،والوسوسة هي حديث النفس.
قوله U:]الْخَنَّاس[أي: كثير الخنس، والخنس: التواري والاختفاء، ووصف الشيطان بالخنَّاس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى:]فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّس[([72])، يعني النجوم تبدو بالليل، وتخنس بالنهار فتختفي ولا تُرى.
قوله U: ]مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاس[تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن، أي: نعوذ بالله من شياطين الجن والإنس، والجِنَّة: جمع جني. وكل شر في العالم فالشيطان سبب فيه، ولكن يمكن حصر شره في ستة أجناس، فلا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحداً منها أو أكثر:
الشر الأول: شر الكفر والشرك، ومعاداة الله تعالى ورسوله r، فإن يئس منه ذلك، نقله إلى:
المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحبّ إليه من الفسوق والمعاصي، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبدُ ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى:
المرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة، نقله إلى:
المرتبة الرابعة، وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، نقله إلى:
المرتبة الخامسة، وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظاً لوقته، شحيحاً به، نقله إلى:
المرتبة السادسة، وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليزيح عنه الفضيلة، ويفوِّته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول، وقلّ من يتنبه لهذا من الناس، فإن أعجزه العبد عن هذه المراتب الست، وأعيا عليه سلّط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى([73])، والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه ليمنع الناس من الانتفاع به([74]).
السبب الثامن والأربعون: التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة:
المصلِّي إذا حافظ على السنة في قراءة الاستفتاحات في الصلاة بأنواعها: فيقرأ هذا النوع تارة، والنوع الآخر تارة أخرى، والثالث تارة ثالثة، وقد سبق أن ذكرت منها في فهم وتدبر معاني الاستفتاح ثمانية أنواع، فإذا حافظ المسلم على هذه الأنواع منوِّعاً لها في صلواته حصل على الخشوع، وعلى ثواب العمل بالسنة، وعلى حفظ هذه الاستفتاحات([75]).
وكذلك ينوِّع في قراءته للقرآن في الصلاة، فيلتزم السنة فيما يقرأ في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء كما جاءت به السنة، وكذلك قراءة سورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة سبح اسم ربك الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة تارة، والجمعة والمنافقون تارة أخرى، والجمعة والغاشية تارة ثالثة، كما ثبتت السنة بذلك عن النبي r([76]).
وكذلك تنويع أذكار الرفع من الركوع بعد قوله: ((سمع الله لمن حمده))، فتارة يقول: ((ربنا لك الحمد))، وتارة يقول: ((ربنا ولك الحمد))، وتارة يقول: ((اللهم ربنا لك الحمد))، وتارة يقول: ((اللهم ربنا ولك الحمد))([77]).
وكذلك تنويع الأذكار أدبار الصلوات كما جاءت بذلك سنة النبي r، فقد ذكرت في فهم وتدبر الأذكار بعد السلام من الصلاة أنواع التسبيح، وأنها قد جاءت على ستة أنواع، فيقول المسلم كلَّ نوعٍ في دبر صلاةٍ من صلواته([78]).
وكذلك ينوِّع في قراءة التشهد، فإنه جاء في السنة على أنواع([79]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 14 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

وأيضاً الصلاة على النبي r جاءت على أنواع([80]).
فإذا فعل المسلم ذلك حصل له الخشوع في صلاته بتوفيق الله تعالى.
السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة:
الدعاء مناجاةٌ لله تعالى، فإذا اجتهد العبد في الدعاء، والتذلُّل لله فيه، والإلحاح، والطلب منه تعالى؛ فإن هذا مما يزيد العبد محبة لربِّه، وخشوعاً، وتذلُّلاً، ورغبة فيما عنده، ورهبة من عذابه، والدعاء في الحقيقة عبادة عظيمة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي r: ((الدعاء هو العبادة، قال ربّكم: ((ادعوني أستجب لكم))([81])، وثبت عن النبي r أنه قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))([82]).
وقد شرع الله تعالى الدعاء في الصلاة في مواضع ومواطن أثناء أداء المسلم للصلاة، ومن أعظم هذه المواضع:
الدعاء في السجود، فينبغي أن يجتهد المسلم في الدعاء في السجود؛ لقول النبي r: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء))([83])، وقوله r: (( ... وأما الركوع فعظموا فيه الربّ [U]، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن([84]) أن يستجاب لكم))([85]) .
فحرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء في السجود، وقد شرع النبي r أدعية كثيرة للدعاء في السجود([86])،
وأذكار الركوع، والدعاء بها([87])،
وأذكار الرفع من الركوع، وبعد الاعتدال منه([88])،
وأذكار الجلسة بين السجدتين([89])،
والدعاء قبل السلام بعد التشهد الأخير([90]).
فينبغي للمسلم أن يجتهد في ذلك، ويقتدي بالنبي r في ذلك، ويدعو الله وهو موقن بالإجابة، ويجمع بين الخوف من الله تعالى ورجائه، مع المحبة لله تعالى.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ((القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائرُ يطير جيداً، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقِدَ الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوِّي في الصحة جناح الخوف، وعند الخروج من الدنيا يقوِّي جناح الرجاء على جناح الخوف)).
وقال بعض السلف: ((أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنّه وكرمه))([91]).
قال الله U: ]أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ[([92]).
فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه: بالعبوديَّة، والمحبة، فقد ذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء([93]).
ومع ذلك ينبغي أن يكون المسلم قبل دعائه متطهِّراً من الذنوب بالتوبة، ويكون زاهداً ورعاً: وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد والورع فقال: ((الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة))([94]).
السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله:
لا شك: أن إحسان الطهارة : من الوضوء، والغسل على الوجه الأكمل يعين على الخشوع في الصلاة، وقد حذَّر النبيُّ r من النقص في ذلك، وتَرْك استيعاب غسل الأعضاء في الوضوء، فعن أبي هريرة t، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم r قال: ((ويل للأعقاب من النار))، ولفظ مسلم أن النبي r رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ((ويل للأعقاب من النار))، وفي لفظ لمسلم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم r يقول: ((ويل للعراقيب من النار))([95]) .
وعن رجل من أصحاب النبي r: أن النبي r صلَّى الصبح، فقرأ الروم فالْتَبَسَ عليه، فلما صلَّى قال: ((ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسنون الطُّهورَ، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك))([96])، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي روح الكلاعي: ((إنما يلبّسُ علينا الشيطان القراءة من أجل أقوامٍ يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء))، وفي لفظ: ((صلى الصبح فقرأ فيها الروم، فأوهم ...))، وفي لفظ له: ((... أنه صلى مع النبي r الصبح، فقرأ بالروم فتردَّد في آية، فلما انصرف قال: ((إنه يلْبِسُ علينا القرآن: أن أقواماً منكم معنا لا يُحسنون الوُضُوءَ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء))([97])، وأورده ابن كثير في تفسيره في آخر سورة الروم، ثم قال: ((وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه r تأثر بنقصان وضوء من ائتمَّ به، فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام))([98]).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في موضع آخر: ((فدلَّ هذا على أن إكمال الطهارة يُسهِّلُ القيام في العبادة، ويُعين على إتمامها، وإكمالها، والقيام بمشروعاتها))([99]).
وقال السندي رحمه الله تعالى عن الحديث المذكور: ((وفيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر، والله تعالى أعلم))([100]).
ومما تقدم يتضح: أن النقص في الطهارة يؤثر على الـمُصلِّي، ويتعدَّى تأثيره إلى الإمام إذا كان ذلك الـمُقصِّر في الوضوء يصلِّي في جماعة، والله المستعان([101]) .
السبب الحادي والخمسون:المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه:
أعظم الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة: أن يصلِّي المسلم الصلاة الكاملة من كل وجهٍ، وذلك: بإكمال شروطها قبل الدخول فيها، والقيام بإكمال أركانها، وواجباتها، وخشوعها، وسننها، والابتعاد عن مبطلاتها، ومكروهاتها.
وصفة الصلاة الكاملة من كل وجهٍ: أن يصلي المسلم كما كان النبي rيصلِّي؛ لحديث مالك بن الحويرث t أن النبي r قال: ((... صلوا كما رأيتموني أصلي ))([102]). فينبغي للمسلم أن يصلِّي الصلاة بخشوع النحو الآتي:
1- يسبغ الوضوء وهو أن يتوضأ كما أمره الله U عملاً بقوله I:
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[([103])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي r أنه قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول))([104])، فيجب على المسلم العناية بالطهارة، قبل دخول الصلاة([105]).
2 -يتوجه إلى القبلة، وهي الكعبة، لقول الله تعالى: ]قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ[([106])؛ ولحديث أبي هريرة t في قصة المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة...))([107]).
3 ـ يجعل له سترةيصلِّي إليها إن كان إماماً أو منفرداً؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال:قال رسول الله r: ((ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو
بسهمٍ))([108])؛ولحديث أبي ذر t قال:قال رسول الله e:((إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل،فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته:الحمار،والمرأة،والكلب الأسود))([109]). ويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري t عن النبي e أنه قال:((إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها))([110]). ويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع،وكذلك بين الصفوف؛لحديث سهل بن سعد الساعدي t قال:((كان بين مصلى رسول الله e وبين الجدار ممر الشاة))([111]). وإذا أراد أحد أن يمر بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري t قال: سمعت رسول الله r يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان))([112]). وفي رواية لمسلم: ((فإن معه القرين))([113]). ولا يجوز المرور بين يدي المصلي؛ لحديث أبي جُهيم t قال: قال رسول الله r: ((لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه)) قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة([114]).
وسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وفيه: أنه أقبل راكباً على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله r قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصف مع الناس وراء رسول الله r، ولم ينكر ذلك عليه أحد([115]). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله يقول: ((هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة))([116]).
4- يكبّر تكبيرة الإحرام، قائماً، قاصداً بقلبه فعل الصلاة التي يريدها: من فريضة أو نافلة؛ تقرباً لله تعالى، قائلاً: الله أكبر، ناظراً ببصره إلى محل سجوده، رافعاً يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة إلى حذو منكبيه، أو إلى حيال أذنيه؛ لقول النبي r في حديث المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر))([117])، ولقول الله تعالى: ]وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ[([118]) ؛ولقول النبي r لعمران بن حصين t:((صلِّ قائماً، فإن لم تستطعْ فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ))([119])؛ ولحديث عمر بن الخطاب t عن النبي r أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات))([120])،ولا ينطق بلسانه بالنية؛لأن النبي r لم ينطق بها،ولا أصحابه y([121])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأســـه من الركوع، ولا يفعـــله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه))([122])، وفي حديث مالك بن الحويرث t أن رسول الله r كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه،وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: ((سمع الله لمن حمده))، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: ((حتى يحاذي بهما فروع أذنيه))([123]).
والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة:
الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه r رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر رضي الله عنهماقال: ((كان رسول الله r إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر))([124])؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي tيُحدِّث به في عشرة من أصحاب رسول الله r وفيه: ((كان رسول الله r إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه ثم يُكبِّر))([125]).
الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه r كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه ((رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه... وحدَّث أن رسول الله r كان يفعل هكذا))([126]).
الوجه الثالث:جاء ما يدل على أنه r رفع يديه مع التكبير،وانتهى منه مع انتهائه،فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهماقال:((رأيت رسول الله r افتتح التكبير في الصلاة،فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه))([127]). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة([128]).
وأما النظر إلى موضع السجود، ومطأطأة الرأس، ورمي البصر نحو الأرض؛ فلما رواه البيهقي والحاكم، وشهد له حديث عشرة من أصحاب النبي r([129]).
وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: ((لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم))([130]).
5- يضع يديه على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع، اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر قال: ((صليت مع النبي r فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره))([131])، وفي لفظ: ((ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرُّسغ والساعد))([132])، وهذا يَعمُّ القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل t في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله r((إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله))([133])، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين – رحمه الله -: ((إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع))([134])، وعن سهل بن سعد t قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)). قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي r))([135])، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – رحمه الله – يقول:((وهذا يحتمل أن يكون نوعاً ثانياً،ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل))([136]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 15 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة


6 - يستفتح الصلاة بدعاء الاستفتاح وهو أنواع، يأتي بواحد منها ولا يجمع بينها،ولكن ينوِّع لكل صلاة، ومنها:
أ- عن أبي هريرة t قال: ((كان رسول الله r، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة([1]) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ بالثلج والماء والبَرَدِ))([2]).
ب - وإن شاء قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك([3])، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك))([4]).
ج - وإن شاء قال ما ثبت عن علي بن أبي طالب t عن رسول الله r أنه كان إذا قام إلى الصلاة([5]) قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك))([6]). وإن شاء قال ما ثبت عن النبي r من الأنواع الأخرى في الاستفتاح([7]).
7- يقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) لقول الله تعالى: ]فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[([8])، أو يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه([9])، ونفخه([10])، ونفثه([11])))([12]).
8 - يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم، سرّاً؛ لحديث أنس t قال: ((صلَّيْتُ خلف رسول الله r، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم))([13])، والبسملة آية مستقلة([14]).
9- يقرأ الفاتحة ]الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرحمن الرَّحِيمِ* مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهدِنَـا الصِّرَاطَ الـمُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الـمَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[؛ لحديث عبادة بن الصامت t أن رسول الله r قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))([15]).
وقراءة الفاتحة تجب على كل مصلٍّ، ويدخل في ذلك المأموم في الصلاة الجهرية والسرية؛لرواية حديث عبادة t السابق،يرفعه:((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم)) قلنا:نعم،هذّاً يا رسول الله:،قال:((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها))([16]).وعن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي r قال: قال رسول الله r: ((لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ))؟ قالوا:إنا لنفعل، قال: ((لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب))([17])،وتسقط الفاتحة عن مسبوقٍ أدرك الإمام راكعاً، لحديث أبي بكرة t أنه انتهى إلى النبي r وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف،فذكر ذلك للنبي r فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ))([18]).
ولم يأمره النبي r بقضاء الركعة التي أدرك ركوعها دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره r بإعادتها.
وتسقط عن المأموم مع السهو والجهل([19]).
10- يقول بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة: ((آمين)) يجهر بها في الجهرية، ويُسرُّ في السِّرية، [ومعناها: اللهم استجب]؛ لحديث أبي هريرة t قال: ((كان رسول الله r إذا فرغ من قراءة أمِّ القرآن رفع صوته وقال:
((آمين))([20])؛ ولحديثه t أن النبي r قال: ((إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه))([21])؛ ولحديثه t: أن رسول الله r قال: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا:آمين؛فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))([22]). ومن لم يستطعْ قراءة الفاتحة وعجز عنها قرأ غيرها مما تيسَّر من القرآن، فإن لم يكن عنده شيء قال: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى t قال: جاء رجل إلى النبي r فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلِّمْني ما يجزئني منه، فقال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))([23]).
11- يقرأ سورة بعد الفاتحة، أو ما تيسر من القرآن في ركعتي الصبح، والجمعة، وفي الركعتين الأوليين: من صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي جميع ركعات النفل؛ لحديث أبي قتادة t قال: كان رسول الله r يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية، ويُسْمِعُ الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يُطوِّل في الأولى، وكان يُطوِّل في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويُقصِّر في الثانية))([24]). وفي لفظ: ((كان النبي r يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحياناً))([25])، وأما صلاة الظهر خاصة فقد ثبت ما يدل على أنه ربما قرأ في الركعتين الأخريين زيادة مع سورة الفاتحة، فعن أبي سعيد الخدري t قال: ((كنا نحزر([26]) قيام رسول الله r في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ]الم، تَنزِيلُ[ السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه من الأخريين من الظهر، وفي الأخريين على النصف من ذلك)). وفي لفظ: ((كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية [في كل ركعة] أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك))([27]).وهذا الحديث يدل على أنه r كان يقرأ أحياناً بزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين من الظهر([28]). وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة t قال: ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله r من فلان لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل))([29])، وربما طول النبي r القراءة في صلاة الظهر أكثر مما تقدَّمَ؛ لحديث أبي سعيد الخدري t قال: ((لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله r في الركعة الأولى مما يُطوِّلُها))([30])، وثبت من حديث أبي برزة الأسلمي t أن النبي r((كان يصلي الصبح وينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة))([31])، وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز –رحمه الله– يقول في القراءة في الصلوات الخمس: ((الأفضل في الفجر من طوال المفصل([32])، وفي الظهر والعصر والعشاء من أواسطه، وفي المغرب من قصاره؛ لفعل النبي r في الأغلب، ولا بأس أن يقرأ من قصاره في الصبح في السفر والمرض، لكن الأفضل ما تقدم؛ لحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة t([33]) عن النبي r))([34]).
وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في قراءته r بعد الفاتحة: ((فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة، ويخففها لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالباً))([35]). قلت: الأفضل في ذلك مراعاة فعل النبي r في جميع الأوقات، والأحوال، والأزمان([36]).
12- إذا فرغ من القراءة كلها سكت سكتة بقدر ما يترادُّ إليه نَفَسُه حتى لا يصل القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى قبل قراءة الفاتحة؛ فإنه يقرأ فيها دعاء الاستفتاح فتكون بقدره؛ لحديث الحسن عن سمرة عن النبي r((أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ من القراءة كلها))([37]). قال الترمذي: ((وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا))([38]).

التعديل الأخير تم بواسطة seifellah ; 2014-04-28 الساعة 11:02 PM
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 16 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة


13- يركع مكبراً رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو أذنيه، جاعلاً رأسه حيال ظهره، واضعاً يديه على ركبتيه، مفرقاً أصابع يديه؛ لقول الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون[([39])؛ ولحديث أبي هريرة t في قصة المسيء صلاته وفيه: ((ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعاً))([40])؛ ولحديث أبي هريرة t قال: ((كان رسول الله r إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع))([41])، وفي لفظ: ((إنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله r))([42])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهماأن رسول الله r((كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع...))([43])،وفي حديث مالك بن الحويرث t:((كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه))([44])؛ ولحديث عائشة رضي الله عنها: ((وكان إذا ركع لم يشخص رأسه([45]) ولم يصوِّبه ولكن بين ذلك))([46])؛ ولحديث أبي حميد الساعدي t أنه قال لنفر من أصحاب النبي r: ((أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله r، رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه [وفرج بين أصابعه] ثم هصر([47]) ظهره...))([48]). وفي لفظ: ((ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه،كأنه قابضٌ عليهما، ووتَّر([49]) يديه فتجافى عن جنبيه..))([50]).وفي حديث رفاعة بن رافع عن النبي r: ((وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك))([51])،وعن وابصة بن معبد t قال:رأيت رسول الله r يصلي،فكان إذا ركع سوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرّ))([52]). ويطمئن في ركوعه؛لقول حذيفة t لرجلٍ رآه لا يتمُّ الركوع والسجود، فقال له: ((ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله [عليها] محمداً r))([53])، وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: ((كان ركوع النبي r، وسجوده، وقعوده بين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء))([54]).
14-يقول في الركوع:((سبحان ربي العظيم)) والأفضل [ثلاثاً]؛ لحديث حذيفة بن اليمان t أنه صلى مع النبي r فكان يقول في ركوعه: ((سبحان ربي العظيم)) وفي سجوده ((سبحان ربي الأعلى))([55])، وفي رواية: ((سبحان ربي العظيم)) ثلاث مرات، وإذا سجد قال: ((سبحان ربي الأعلى)) ثلاث مرات([56])، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت عن النبي r ومن ذلك ما يأتي:
أولاً: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي r يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأوَّل القرآن([57]).
ثانياً: وقالت رضي الله عنها: كان r يقول في ركوعه وسجوده: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح))([58]).
ثالثاً: وعن عوف بن مالك الأشجعي t أن النبي r يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة))، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك([59]).
رابعاً: وفي حديث علي t أن النبي r إذا ركع قال: ((اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومُخّي وعظمي وعَصَبي))([60]).
ونهى النبي r عن قراءة القرآن في الركوع والسجود فقال: ((ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً،وأما الركوع فعظِّموا فيه الرب U، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ([61]) أن يُستجاب لكم))([62]).
15- يرفع رأسه من الركوع([63]) رافعاً يديه حذو منكبيه أو أذنيه([64]) قائلاً: سمع الله لمن حمده – إذا كان إماماً أو منفرداً – ويقولان بعد قيامهما: ((ربنا ولك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة t قال: كان النبي r إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) قال: ((اللهم ربنا ولك الحمد))([65]). أما إن كان مأموماً فإنه يقول عند الرفع: ((ربنا ولك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال:((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا:اللهم ربَّنا لك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه))([66]). وقوله: ((اللهم ربَّنا لك الحمد)) ثبت لها أربعة أنواع:
النوع الأول:((ربنا لك الحمد)) لحديث أبي هريرة t:كان رسول الله r إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع،ثم يقول:سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع،ثم يقول وهو قائم:((ربنا لك الحمد))([67]).
النوع الثاني: ((ربنا ولك الحمد))؛ لحديث أنس t عن النبي r أنه قال: ((إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد))([68]).
النوع الثالث:((اللهم ربَّنا لك الحمد)) ؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))([69]).
النوع الرابع:((اللهم ربَّنا ولك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة t قال: كان النبي r إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ((اللهم ربنا ولك الحمد))([70])، فالأفضل أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة؛ لثبوته عن النبي r،والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يزيدوا بعد: ((ربنا ولك الحمد)) فيقولوا:((حمداً كثيراً طيباً مُباركاً فيه))([71])((ملء السموات،وملء الأرض،[وما بينهما] وملء ما شئت من شيء بعد،أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد،وكلنا لك عبد،اللهم لا مانع لما أعطيت،ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))((اللهم طهِّرْني بالثلج، والبَرَدِ، والماء البارد، اللهم طهِّرْني من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الوسخ([72])))([73])، ((لربي الحمد)) يكررها؛ لحديث حذيفة t يرفعه: ((ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحواً من ركوعه يقول: (لربي الحمد))([74]). والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يضع كل منهم يده اليمنى على اليسرى على صدره بعد الرفع من الركوع كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لحديث وائل t قال: ((رأيت رسول الله r إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله))([75]).
ويطمئنُّ في قيامه بعد الرفع من الركوع، فعن ثابت عن أنس t قال: إني لا آلو أن أصلِّيَ بكم كما رأيت رسول الله r يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي([76]). ويقول في هذا الركن الأذكارَ المشروعةَ سوى ما تقدم إذا شاء([77]).
16ـ يسجد مُكبِّراً، واضعاً ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك، فإن شقَّ عليه قدّم يديه قبل ركبتيه، لقول الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[([78])؛ولحديث أبي هريرة t في قصة المسيء صلاته:((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً))([79])؛ ولحديث أبي هريرة t وفيه: ((ثم يُكبّر حين يهوي ساجداً))([80])؛ ولحديث وائل بن حُجْرٍ t قال: ((رأيت النبي r إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه))([81]). ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة؛ لحديث أبي حُمَيد الساعدي t وفيه: ((فإذا سجد وضع يديه غير مفترشٍ ولا قابضهما،واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة))([82])، ويضمُّ أصابعَ يديه ويمدّها؛ لحديث علقمة بن واثلة عن أبيه: أن النبي r كان إذا سجد ضمّ أصابعه([83])؛ ولحديث وائل t أن النبي r((كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه وإذا سجد ضمّ أصابعه))([84])؛ ولحديث أبي حُميد، وفيه: ((واستقبل بأطراف أصابعه القبلة))([85])، ويفتح أصابع رجليه؛ لحديث أبي حميد وفيه:((ثم جافى عضدَيْه عن جنبيه وفتح أصابع رجليه))([86])، ويكون سجوده على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين؛لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي r: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة – وأشار بيده على أنفه – واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفُت الثياب والشعر)) وفي لفظ لمسلم: ((ولا أكفّ ثوباً ولا شعراً))([87])، ويجافي عضديه عن جنبيه؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة أن النبي r((كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه))([88])، ويجافي بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويفرّج بين فخذيه؛ لحديث أبي حميد t وفيه: ((وإذا سجد فرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه))([89])، ويجعل كفيه حذو منكبيه؛ لحديث أبي حُميد t وفيه: ((ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحَّى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو
منكبيه))([90])، أو يجعلهما حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر t وفيه: ((ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه))([91])، وهو مثل حديث البراء عندما سئل: أين كان النبي r يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: ((بين كفيه))([92])، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لحديث أنس t قال: قال رسول الله r: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب))([93])؛ ولحديث البراء t يرفعه: ((إذا سَجَدْتَ فضَعْ كفيك وارفعْ مرفقيك))([94]). ويضم قدميه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها وفيه: ((فوجدته ساجداً راصّاً عقبيه مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة))([95])، وينصبهما؛ لحديث عائشة رضي الله عنها وفيه: ((فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه [وفي نسخة قدميه] وهو في المسجد، وهما منصوبتان))([96]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 17 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة


17ـ يقول في السجود: ((سبحان ربي الأعلى)) والأفضل ثلاثاً؛ لحديث حذيفة t([97])، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت في الأحاديث الأخرى عن النبي r ومن ذلك ما يأتي:
أولاً:((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)) لحديث عائشة رضي الله عنها([98]).
ثانياً:((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح))؛ لحديث عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا([99]).
ثالثاً:((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة))([100]).
رابعاً: ((اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين))؛ لحديث علي t([101]).
خامساً: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك،لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك))؛لحديث عائشة رضي الله عنها([102]).
سادساً:((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه)) ؛ لحديث أبي هريرة t أن النبي r كان يقول ذلك في سجوده([103]).
ويكثر من الدعاء في السجود، ويسأل ربه من خيري: الدنيا، والآخرة، سواءٌ كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء))([104])؛ ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب U، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يُستجاب لكم))([105]).
18- يرفع رأسه من السجود مكبّراً، ويعتدل جالساً؛ لحديث أبي هريرة t في قصة المسيء صلاته، وفيه: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً))([106])؛ ولحديثه t وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود))([107])، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويستقبل بأصابعه القبلة؛ لحديث عائشة رضي الله عنهاوفيه: ((وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى))([108])؛ ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة،والجلوس على اليسرى))([109])، ويضع يديه على فخذيه؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه رضي الله عنهما يرفعه، وفيه: ((كان رسول الله r إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى))([110])،أو يضع كفيه على ركبتيه؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهمايرفعه: ((أن النبي r كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه))([111])، أو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته))؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه رضي الله عنهما([112])، فعلى هذا حصل ثلاث صفات لوضع الكفين هي:
أولاً: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على اليسرى.
ثانياً: الكف اليمنى على الركبة اليمنى، واليسرى على اليسرى.
ثالثاً: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على الفخذ اليسرى، ويلقم كفه اليسرى ركبته([113]).
أما كيفية: وضع الكفين؛ فإنه يبسط يده اليسرى؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهمايرفعه، وفيه: ((ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها))([114])، ويضع ذراعيه على فخذيه؛ لحديث وائل بن حجر t يرفعه، وفيه: ((وضع ذراعيه على فخذيه))([115])، أما اليد اليمنى فيقبض منها الخنصر والبنصر ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر t يرفعه، وفيه: ((فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض اثنتين وحلَّق حلقة – ورأيته يقول: هكذا – وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى))([116])، وهذا اختيار الإمام ابن القيم-رحمه الله-([117]) أن المصلي يفعل هذه الصفة بين السجدتين([118]).
19- يقول بين السجدتين: ((ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفر لي))؛ لحديث حذيفة t يرفعه: ((وكان يقعد بين السجدتين نحواً من سجوده وكان يقول: ((ربّ اغفر لي، رب اغفر لي))([119]). وإن شاء زاد على ذلك فقال: ((اللهم اغفر لي، وارحمني [وعافني، واهدني] واجبرني، وارزقني، وارفعني))؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني))([120])، ولفظ ابن ماجه: ((ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني))([121]).
وكان النبي r يطيل هذا الركن بقدر السجود([122])؛ لحديث البراء t قال: ((كان ركوع النبي r وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء))([123]).
20- يسجد السجدة الثانية مكبّراً، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى؛ لحديث أبي هريرة t في حديث المسيء صلاته: ((ثم اسجد حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تَطمئنَّ جالساً، ثم اسجدْ حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها))([124])؛ ولحديثه t وفيه: ((ثم يُكبِّرحين يَهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يُكبِّر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس))([125]).
21- يرفع رأسه مُكبّراً، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة؛ لحديث أبي هريرة t في قصة المسيء صلاته وفيه: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))، قال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستوي قائماً))([126])؛ ولحديثه الآخر، وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس))([127])، أما جلسة الاستراحة؛ فلحديث مالك بن الحويرث t:((أنه رأى النبي r يصلّي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستويَ قاعداً))([128])، وجاءت جلسة الاستراحة في لفظ آخر من حديث مالك: ((أنه صلى بأصحابه، فكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى))([129]).
وقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته، ولفظها: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم افعلْ
ذلك في صلاتك كلها))([130])، وجاءت هذه الجلسة من حديث أبي حُميد وفيه: ((ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه
ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد،
ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه([131])،ثم يصنع في الأخرى
مثل ذلك))([132]).
22- ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبّراً قائماً إلى الركعة الثانية، معتمداً على فخذيه إن تيسر له ذلك؛ لحديث وائل وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه))([133])، وإن شقَّ عليه اعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: ((وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام))([134]).
23- يصلي الركعة الثانية كالأولى؛ لقوله r للمسيء صلاته: ((ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها))([135]) إلا في خمسة أمور:
الأمر الأول:تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام؛ لأنها للدخول في الصلاة.
الأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية؛ لحديث أبي هريرة t قال: ((كان رسول الله r إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ ولم يسكت))([136]).
الأمر الثالث: الاستفتاح، فلا يستفتح في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي هريرة t: ((كان رسول الله r إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ((الحمد لله رب العالمين))([137]).
الأمر الرابع: لا يُطوِّلها كالأولى؛ بل تكون أقصر من الأولى في كل صلاة؛ لحديث أبي قتادة t وفيه:((يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية))([138]). وكان rيُطوِّل الأوليين ويُقصِّر الأخريين من كل صلاة([139]).
الأمر الخامس:لا يجدد النية؛للاكتفاء باستصحابها؛لأنه لو نوى الدخول بنية جديدة في الركعة الثانية لبطلت الركعة الأولى لقطعه استصحاب النية([140]).أما التعوذ فقيل: يشرع في كل ركعة؛ لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل ركعة؛ ولقول الله تعالى: ]فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[([141])، وهذا هو الأفضل([142])، وقيل: تختص الاستعاذة بالركعة الأولى؛ لأن الصلاة جملة واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة فيكفي فيها استعاذة واحدة([143])، إلا إذا لم يستعذ في الركعة الأولى فيتعوذ في الثانية([144]).
وأما البسملة فتستحب في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة([145]).
24- إذا كانت الصلاة ثنائية:أي ركعتين:كصلاة الفجر،والجمعة، والعيدين،جلس للتشهد بعد فراغه من السجدة الثانية من الركعة الثانية، ناصباً رجله اليمنى،مفترشاً رجله اليسرى؛لحديث أبي حُميد t يرفعه وفيه: ((وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى))([146])،وصفة جلوسه في هذا كجلوسه بين السجدتين سواء([147])،فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى،ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى،ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما:((أن رسول الله r كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى))([148])،أو يُحَلِّق الإبهام والوسطى،ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛لحديث وائل بن حجر t قال:((رأيت النبي r قد حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد))([149])،
أو يعقد ثلاثاً وخمسين ويشير بالسبابة،وصفتها أن يجعل الإبهام
مفتوحة تحت المسبِّحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو
يعطف الإبهام إلى أصلها([150]) لحديث ابن عمر رضي الله عنهماأن رسول الله r
كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى
ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى([151])، وعقد ثلاثاً وخمسين([152])، وأشار بالسبابة))([153]) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:
النوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة.
النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى، وقبض الخنصر والبنصر، والإشارة بالسبابة.
النوع الثالث: عقد ثلاثاً وخمسين، والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير t:((أن رسول الله r كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته))([154])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه: ((فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله r يصنع))([155]).
ويشير بالسبابة عند ذكر الله U حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة([156]) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها([157])، ولا يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة([158])، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر t وفيه: ((ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها))([159])،ودلَّ على عدم تحريكها دائماً حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما:((أن النبي r كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها))([160])، فالجمع بين الحديثين سهل: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء([161])، وتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي r بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي هريرة t أن رجلاً كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله r: ((أحِّدْ، أحِّدْ))([162]) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله r وأنا أدعو بأصابعيَّ، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) وأشار بالسبابة([163])، والحكمة في الإشارة بالسبَّاحة إلى أن المعبود I واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد([164])، فعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها([165]).
25- يقرأ التشهد في هذا الجلوس، فيقول: ((التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))([166])، وهذا أصح ما ثبت في
التشهد([167]) ثم يقول: ((اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))([168])، وهذا أكمل ما ثبت في الصلاة عن النبي r([169])، ويستعيذ بالله من أربع: فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال))؛ لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: ((إذا تشهد أحدُكم فليستعِذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم.. الحديث)). ولفظ مسلم: ((إذا فرغ أحدُكم من التشهد الآخر، فليتعوَّذْ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم... الحديث))([170])، ويدعو بما شاء، ومن ذلك ما يلي:
أولاً: عن عائشة رضي الله عنهاأن النبي r كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثَم والمغرَم)) قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال:((إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذَب ووعدَ فأخلَف))([171]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 18 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

ثانياً:((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))؛ لحديث أبي بكر t أنه قال لرسول الله r: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: ((قل اللهم...)) الحديث([172]). وفي رواية لمسلم: ((علمني دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي))([173]).
ثالثاً:((اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت))؛ لحديث علي بن أبي طالب t وفيه: ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي...)) الحديث([174]).
رابعاً:((اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك [من] أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر))؛ لحديث سعد بن أبي وقاص t أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول: ((إن رسول الله r كان يتعوذ منهن دبر الصلاة))([175]). وفي رواية: ((كان النبي r يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلَّم الكتابةُ))([176]).
خامساً: ((اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)) لحديث معاذ t أن رسول الله r أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك)) فقال: ((أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقول: اللهم أعني...)) الحديث([177]).
سادساً:((اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار))؛ لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r لرجلٍ: ((ما تقول في الصلاة؟)) قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أُحسنُ دندنَتَك، ولا دندنةَ مُعاذ، قال: ((حولها نُدندِنُ))([178]).
سابعاً:((اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد،الأحد، الصمد،الذي لم يلد ولم يولد،ولم يكن له كفواً أحد،أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم))؛لحديث مِحْجَن بن الأدرع أن رسول الله r دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، ويقول: ((اللهم إني أسألك يا الله..)) وفي آخره فقال رسول اللهr:((قد غفر له)) ثلاثاً([179]).
ثامناً:((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك...]؛ لحديث أنس t أنه كان مع رسول الله r جالساً، ورجل يصلي، ثم دعا: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد...)) الحديث وفي آخره، فقال النبي r: ((لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أَعطَى))([180]).
تاسعاً:((اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد))؛ لحديث بريدة t أن رسول الله r سمع رجلاً يقول: ((اللهم إني أسألك...)) الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله r: ((والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى))([181]).
عاشراً:((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفدُ، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضرَّة ولا فتنة مُضلَّة، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين))؛ لحديث عمار t أنه صلى بأصحابه فأوجز في صلاته، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله r، ثم ذكر هذه الدعوات([182]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 19 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

ويدعو بما يشاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، لعموم قول النبي r لابن مسعود t لَـمَّـا علمه التشهد: ((ثم ليتخيّرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو)) وفي لفظ: ((ثم ليتخيّرْ من المسألة ما شاء))([1])، وهذا يعمّ جميع ما ينفع في الدنيا والآخرة([2]).
26- ثم يسلِّم عن يمينه وشماله قائلاً: ((السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله))؛ لحديث جابر بن سمرة t قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله r قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله r: ((علام تُومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه، من على يمينه وشماله))([3])،وعن أبي معمر أن أميراً كان بمكة يُسلِّمُ تسليمتين، فقال عبد الله: أنَّى عَلِقَها؟([4]) قال الحكم في حديثه: ((إن رسول الله r كان يفعله))([5])،وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: ((كنت أرى رسول الله rيُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده))([6])، وينصرف عن يمينه وعن شماله لا حرج في شيء من ذلك([7]).
27- إن كانت الصلاة ثلاثية: كصلاة المغرب،أو رباعية: كالظهر، والعصر، والعشاء، اكتفى بالتشهد الأول والأفضل أن يصلي على النبي r([8]) كما تقدّم آنفاً، ثم ينهض على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمداً على فخذيه مكبراً رافعاً يديه حذو أذنيه أو منكبيه؛ لحديث وائل t، وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه))([9])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه))([10])؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي t وفيه: ((ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته))([11])، ويضع يديه على صدره؛ لحديث وائل بن حجر t وفيه: ((رأيت رسول الله r إذا كان قائماً في الصلاة قبض يمينه على شماله))([12])، ويقرأ الفاتحة سرّاً فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة على الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛لحديث أبي سعيد t([13]). ويصلي الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من الظهر والعصر والعشاء كالركعة الثانية كما تقدّم؛ لقوله r في حديث المسيء صلاته بعد أن علَّمه الركعة الأولى: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))([14]).
28- يجلس في التشهد الأخير متورِّكاً([15])؛لحديث أبي حُميد الساعدي tوفيه: ((فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى
ونصب الأخرى وقعد على مقعدته))([16]). وفي لفظ:((حتى إذا
كانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متوركاً
على شقه الأيسر)) قالوا: صدقت هكذا كان يصلي r([17]) وهذا
هو الأفضل: أن يفترش في التشهد الأول([18])، ويتورك في
الأخير([19]) لفعله r([20]).
29- يقرأ التشهد مع الصلاة على النبي r،والدعاء بما يحب بعد الثالثة من المغرب،وبعد الرابعة من الظهر والعصر،والعشاء،كما تقدم تفصيلاً([21]).
30- يُسلِّم عن يمينه وشماله، قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله([22]).
السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة:
لا شك أن مما يُعين على تثبيت الخشوع في القلب المحافظة على الأذكار المشروعة أدبار الصلوات المفروضة، وفيها من الفوائد مع ما يحصل بسبب ذلك من تثبيت الخشوع في القلب: أن المُصلِّي يستغفر ربه عمَّا حصل من التقصير في صلاته، وعما حصل من الخلل في الخشوع، ولا شك أن الأذكار بعد الصلاة مما يجبر النقص فيها، وقد شرع رسول الله r أذكاراً ودعواتٍ أدبار الصلوات المفروضة وهي على النحو الآتي:
أولاً:((أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))؛ لحديث ثوبان t قال: كان رسول الله r إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أنت السلام...)) الحديث([23]). وعن عائشة رضي الله عنهاقالت:كان النبي r إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))([24])، ومقصودها رضي الله عنها: لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار هذا الدعاء ثم يستقبل الناس بوجهه؛ ولحديث سمرة t: ((كان النبي r إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه))([25]).
ثانياً:((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) ثلاث مرات؛لحديث المغيرة t ولفظه:عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة: أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله r، قال: فكتب إليه المغيرةُ: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) [ثلاث مرات] قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات))([26]).
ثالثاً:((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير] ([27])، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ [ولا رادّ لما قضيتَ] ([28])، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ))؛لحديث المغيرة t فعن ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة قال:كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان t:أن رسول الله r كان يقول دبر كل صلاة إذا سلم:((لا إله إلا الله وحده لا شريك له...)) الحديث([29]).
رابعاً:((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون))؛ لحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهماأنه كان يقولها في دبر كل صلاة حين يسلم... ثم قال: ((كان رسول الله rيُهَلِّل بهن دبر كل صلاة))([30]).
خامساً:((سبحان الله،والحمد لله،والله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد،وهو على كل شيء قدير))؛ لحديث أبي هريرة t عن رسول الله r قال:((من سبَّحَ الله دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين،وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين،فتلك تسعة وتسعون،وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير،غفرت خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البَحْرِ))([31]).
والتسبيح والتحميد، والتكبير وَرَدَ على عدة أنواع ينبغي للمسلم أن ينوع بينها إذا شاء، فيقول هذا في صلاة، ويقول الآخر في صلاة أخرى؛ لأن في ذلك فوائد منها: اتباع السنة، وإحياء السنة، وحضور القلب([32])، ومن هذه الأنواع في التسبيح، والتحميد، والتكبير، ما يأتي:
النوع الأول:((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، ويختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) فتكون مائة؛ لحديث أبي هريرة السابق([33]).
النوع الثاني:((سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين)) فتكون مائة؛ لحديث كعب بن عجرة t عن رسول الله r قال: ((مُعقِّبات([34]) لا يخيب قائلُهن أو فاعلُهن دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، وأربعاً وثلاثين تكبيرة))([35]).
النوع الثالث:((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون))؛ لحديث أبي هريرة t أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله r فقالوا: ذهب أهل الدثور([36]) من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم [فقال: ((وما ذاك))؟ قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون فقال [((أفلا أُعلِّمكم شيئاً تُدركون به من سبقكم، وتَسبقون به مَنْ بَعْدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثلَ ما صنعتم))؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تُسبّحون، وتُكبّرون، وتَحْمَدون في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله r، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله r: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))]([37]).
النوع الرابع:((سبحان الله ))عشر مرات(( والحمد لله ))عشر مرات)) والله أكبر ((عشر مرات))؛ لحديث عبد الله بن عمرو رَضْيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: قال رسول الله r: ((خصلتان لا يُحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يَسيرٌ ومن يعمل بهما قليل)) قال رسول الله r: ((الصلوات الخمس، يُسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويُكبر عشراً، فهي خمسون ومائة في اللسان([38])، وألف وخمسمائة في الميزان))([39]) فرأيت رسول الله r يعقدهن بيده، ((وإذا أوى أحدُكم إلى فراشه أو مضجعه، سبّح ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثاً وثلاثين، وكبّر أربعاً وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان)) قال: قال رسول الله r:((فأيّكم يعمل في كل يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة))؟قيل: يا رسول الله وكيف لا نحصيهما؟فقال:((إن الشيطان يأتي أحدَكم وهو في صلاته، فيقول: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا،ويأتيه عند منامه، فينيمه))، وفي لفظ ابن ماجه: ((فلا يزال ينوِّمه حتى ينام))([40]).
وعن أبي هريرة t يرفعه وفيه: ((تُسبّحون في دُبُرِ كل صلاة عشراً، وتَحْمَدون عشراً، وتُكبِّرون عشراً))([41]).
النوع الخامس:((يُسبِّح إحدى عشرة، ويَحْمَدُ إحدى عشرة، ويُكبِّر إحدى عشرة))([42])؛ لحديث أبي هريرة في فقراء المهاجرين، ففي رواية من روايات هذا الحديث عن سهيل عن أبيه، يقول سهيل: ((إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون))([43]).
النوع السادس:((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،والله أكبر))يقول ذلك كله خمساً وعشرين مرة؛ لحديث زيد بن ثابت t،وثبت عن ابن عمر يرفعه أيضاً رضي الله عنهما([44]).
سادساً: يقرأ آية الكرسي: ]اللهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ[ إلى آخرها؛ لحديث أبي أمامة t قال: قال رسول الله r: ((مَنْ قرأ آية الكرسي دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنة إلا الموتُ)). وزاد الطبراني: و]قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ[([45]).
سابعاً: يقرأ المعوذات الثلاث: ]قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ[، و]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
الفلق[، و]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس[ دبر كل صلاة؛ لحديث عقبة بن عامر t قال: ((أمرني رسول الله r أن أقرأ بالمعوذات دُبُرَ كلّ صلاة))([46]).
ثامناً:((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [بيده الخير] ([47]) وهو على كل شيء قدير)) عشر مرات عقب صلاة الفجر وعقب صلاة المغرب؛ لحديث أبي ذر، ومعاذ، وأبي عياش الزرقي، وأبي أيوب، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعمارة بن شبيب السبائي y([48]).
ومجموع ما في أحاديثهم y أن من قالها بعد صلاة المغرب أو صلاة الصبح عشر مرات، بعث الله له مسلحة([49]) يحرسونه من الشيطان حتى يصبح، ومن حين يصبح حتى يمسي، ورفع له عشر درجات، وكان في حرزٍ من كل مكروه يومه ذلك، وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له كعدل عشر رقبات مؤمنات، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله)) وكان من أفضل الناس عملاً إلا رجلاً يفضله بقول أفضل مما قال.
تاسعاً: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً مُتَقَبَّلاً)) بعد السلام من صلاة الفجر؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي r كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم:((اللهم إني أسألك علماً نافعاً...)) الحديث([50]).
عاشراً:((ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك))؛لحديث البراء t قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله r أحببنا أن نكون عن يمينه،يقبل علينا بوجهه، قال:فسمعته يقول:((ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك أو تجمع عبادك))([51]).
الحادي عشر: رفع الصوت بالذكر عند انصراف الناس من الفريضة سنة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله r بالتكبير))([52])، وفي لفظ للبخاري: ((أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي r))([53]). قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: ((فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر: أي التكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد))([54])، وقد فسَّر ذلك ووضَّحه ما جاء في حديث أبي هريرة t أن أبا صالح قال: ((الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثاً وثلاثين([55])، فبدأ بالتكبير.
السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها:
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 20 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

المحافظة على أداء السنن الرواتب التي قبل الصلاة يوقظ القلب السَّلِيم، ويهيئه للخشوع في الفريضة، والمحافظة على السنن الرواتب التي بعد الصلاة يجبر نقصها، ويجبر ما حصل من الخلل في خشوعها، وقد شرع رسول الله r هذه الرواتب؛
لحديث عائشة رضي الله عنها:أن النبي r كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة))([56])؛ولحديث أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت:سمعت رسول الله r يقول:((من صلَّى اثنتي عشرةَ ركعةً في يوم وليلة بُنِيَ له بهنَّ بيتٌ في الجنة))،وفي لفظ:((ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلا بُنيَ له بيتٌ في الجنة))([57])، وزاد الترمذي في تفسيرها: ((أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة([58])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:((حفظت من النبي r عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح))، وفي رواية ((وركعتين بعد الجمعة في بيته))([59]).
فالرواتب عشر، كما قال ابن عمر رضي الله عنهماأو اثنتي عشرة، كما قالت أم حبيبة وعائشة رضي الله عنهما وسمعت شيخنا الإمام العلامة ابن باز – رحمه الله – يذكر أن من أخذ بحديث ابن عمر قال: الرواتب عشر، ومن أخذ بحديث عائشة قال: اثنتي عشرة، ويؤيد حديث عائشة ما رواه الترمذي في تفسيرها، ويدل عليه حديث أم حبيبة في فضل هذه الرواتب، ويحتمل أن رسول الله r كان تارة يصلي ثنتي عشرة، كما في حديث أم حبيبة وعائشة، وتارة يصلي عشراً، كما في حديث ابن عمر، فإذا نشط المسلم صلى ثنتي عشرة، وإذا كان هناك شاغل صلى عشراً، وكلها رواتب، والكمال والتمام أن يصلي كما في حديث عائشة وأم حبيبة([60]).
وإن أراد المسلم أن يحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار؛ لحديث أم حبيبة رضي الله عنهاقالت: سمعت رسول الله r يقول: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار))([61]).
وإن أراد المسلم أن يصلي أربعاً قبل العصر رحمه الله؛لحديث ابن عمر رضي الله عنهماقال: قال رسول الله r:((رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر))([62]).
وصلى الله، وسلَّم، وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 05:50 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب