منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى الدين الاسلامي الحنيف

منتدى الدين الاسلامي الحنيف [خاص] بديننا الحنيف على مذهب أهل السنة والجماعة...

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرقية الشرعية من الكتاب والسنة Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 0 2014-03-12 03:43 PM
أسباب الخشوع في الصلاة DALINA ركن كن داعيا 1 2012-12-16 08:48 PM
الخشوع أم الكثرة في العبادة Pam Samir منتدى الدين الاسلامي الحنيف 8 2012-06-28 11:42 AM
الخشوع في الصلاة نور التوحيد ركن القصة والرواية 10 2011-12-20 07:55 PM
طاقة الخشوع.. لحن الحياة منتدى الدين الاسلامي الحنيف 3 2009-07-22 02:48 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

الخشوع في الصلاة

في ضوء الكتاب والسنة

مفهوم، وفروق، وفضائل، وعلم، وعمل، وفوائد، وأسباب، وآداب، وأحكام
الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مُفصَّلة في ((الخشوع في الصلاة)) ذكرت فيها واحداً وعشرين مبحثاً، وذكرت في المبحث الحادي والعشرين ثلاثة وخمسين سبباً من الأسباب التي تزيل الغفلة، وتجلب الخشوع في الصلاة، وهذه المباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول:

مفهوم الخشوع: لغة وشرعاً.


المبحث الثاني:


الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق.


المبحث الثالث:


الخشوع في الصلاة: علم نافع وعمل صالح.
المبحث الرابع:


فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة.


المبحث الخامس:


الفرق بين الخشوع،والوجل،والقنوت،والسكينة،والإخبات، والطمأنينة.
المبحث السادس:


حكم الخشوع في الصلاة.


المبحث السابع:


منزلة الخشوع في الصلاة.


المبحث الثامن:


حكم الوسوسة في الصلاة.


المبحث التاسع:


الخشوع في الصلاة من إقامتها.


المبحث العاشر:


التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.


المبحث الحادي عشر:


الصلاة بخشوع قرةٌ للعين وراحةٌ للقلب.


المبحث الثاني عشر:


مشاهد الصلاة التي تقرُّ بها العين.


المبحث الثالث عشر:


أقسام الناس في الخشوع في الصلاة.


المبحث الرابع عشر:


خشوع النبي r في صلاته.


المبحث الخامس عشر:


خشوع الصحابة yفي صلاتهم.


المبحث السادس عشر:


خشوع التابعين وأتباعهم في صلاتهم.


المبحث السابع عشر:


الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها.


المبحث الثامن عشر:


درجات الخشوع في الصلاة.


المبحث التاسع عشر:


فوائد الخشوع في الصلاة.


المبحث العشرون:


الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة.


المبحث الحادي والعشرون:


ما يزيل الغفلة، ويجلب الخشوع في الصلاة.


وتحته ثلاثة وخمسون سبباً من أسباب الخشوع في الصلاة، وهي على النحو الآتي:
السبب الأول:


معرفة الله تعالى.


السبب الثاني:


علاج قسوة القلب.


السبب الثالث:


الابتعاد عن الوسوسة.


السبب الرابع:


متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة.



السبب الخامس:


العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع.


السبب السادس:


عدم الالتفات لغير حاجة.


السبب السابع:


عدم رفع البصر إلى السماء.



السبب الثامن:


عدم افتراش الذراعين في السجود.


السبب التاسع:


عدم التَّخصُّر.


السبب العاشر:


عدم النظر إلى ما يُلهي ويشغل.



السبب الحادي عشر:


عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي.



السبب الثاني عشر:


عدم الإقعاء المذموم.



السبب الثالث عشر:


عدم عبث المصلي بجوارحه.


السبب الرابع عشر:


عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة.


السبب الخامس عشر:


عدم الصلاة بحضرة الطعام.



السبب السادس عشر:


عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط].


السبب السابع عشر:


عدم بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه في الصلاة.



السبب الثامن عشر:


عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة.


السبب التاسع عشر:


عدم عقص الرأس في الصلاة.


السبب العشرون:


عدم تغطية الفم في الصلاة.


السبب الحادي والعشرون:


عدم الســــــــــــــــــــــــــدل في الصلاة.


السبب الثاني والعشرون:


عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة.


السبب الثالث والعشرون:


عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة.


السبب الرابع والعشرون:


عدم التثاؤب في الصلاة.


السبب الخامس والعشرون:


عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف.


السبب السادس والعشرون:


عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم.



السبب السابع والعشرون:


عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم.



السبب الثامن والعشرون:


الصلاة إلى سترة، والدنوِّ منها.


السبب التاسع والعشرون:


وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر.


السبب الثلاثون:


الإشارة بالسبابة، وتحريكها في الدعاء في التشهد.



السبب الحادي والثلاثون:


النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة.



السبب الثاني والثلاثون:


العلم بأنَّ المصلِّي يدعو الله ويخاطبه، وأن الله يرَدّ عليه.


السبب الثالث والثلاثون:


الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.


السبب الرابع والثلاثون:


تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة.


السبب الخامس والثلاثون:


تحسين القراءة بالقرآن وترتيله.



السبب السادس والثلاثون:


سجود التلاوة في الصلاة.


السبب السابع والثلاثون:


المحافظة على سنن الصلاة:القولية والفعلية.


السبب الثامن والثلاثون:


ذكر الموت في الصلاة.


السبب التاسع والثلاثون:


الحذر من الغفلة.



السبب الأربعون:


الاستجابة لله ولرسوله، مع العلم أن الله يحول بين العبد وقلبه.


السبب الحادي والأربعون:


سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة.



السبب الثاني والأربعون:


العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها.



السبب الثالث والأربعون:


معرفة خشوع النبي r في صلاته.


السبب الرابع والأربعون:


معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم رحمهم الله.


السبب الخامس والأربعون:


العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع.


السبب السادس والأربعون:


فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها.


السبب السابع والأربعون:


فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة.



السبب الثامن والأربعون:


التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة.



السبب التاسع والأربعون:


الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة.


السبب الخمسون:


إحسان الطهور، وإكماله.



السبب الحادي والخمسون:


المحافظة على صفة الصلاة الكاملة من كل وجه.



السبب الثاني والخمسون:


المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة.



السبب الثالث والخمسون:


المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها.



وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله تعالى.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل: خالصاً لوجهه الكريم، مباركاً، نافعاً لي في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، وأن يجعله حجةً لنا، لا حجَّةً علينا؛ فإنه تعالى أكرم مسؤول، وأحسن مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر بعد ظهر يوم السبت 20/ 6/1430هـ







المبحث الأول: مفهوم الخشوع: لغة وشرعاً
أولاً: الخشوع لغة: قال ابن فارس رحمه الله: ((خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التَّطامُن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعاً، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في
البدن ... والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى
:]خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ[(
[1])، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والراكع...))([2]).
وقال ابن منظور رحمه الله: ((خشع يخشع خشوعاً، واختشع وتخشَّع:رمى ببصره نحو الأرض،وغضّه،وخفض صوته..وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن ... والخشوع: في البدن، والصوت، والبصر، كقوله تعالى: ]وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ[([3])، أي: سكنت، وكل ساكن خاضع خاشع ...))([4]).
وقال الفيروزأبادي رحمه الله: ((الخشوع: الخضوع، كالاختشاع - والفعل كمنع - أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر، والخشوع: السكون والتذلل ...))([5]) .
وقال محمد بن أبي بكر الرازي رحمه الله: ((الخشوع: الخضوع، وبابهما واحد، يقال: خشع واختشع، وخشع ببصره: أي غضه... والتخشُّع: تكلّف الخشوع ...))([6]).
وقال الفيُّومي رحمه الله: ((خشع خشوعاً: إذا خضع، وخشع في صلاته ودعائه: أقبل بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من خشعت الأرض، إذا سكنت واطمأنت))([7]).
وقال أبوالسعادات ابن الأثير رحمه الله: ((... والخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن))([8]).
وقال الراغب الأصفهاني: ((الخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ...))([9]).
وقال الجرجاني رحمه الله: ((الخشوع، والخضوع، والتواضع: بمعنى واحد ...))([10]) .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((والخشوع في أصل اللغة: الانخفاض، والذّل، والسكون، قال اللَّهُ تعالى: ]وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً[([11])، أي سكنت، وذلَّت، وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يبسها، وانخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال اللَّه تعالى: ]وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[([12])([13]) .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ]خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ[([14])، وقوله تعالى: ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ[([15])، وقال سبحانه: ]خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ[([16])، وقال U: ]قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ[([17]). وقال تعالى: ]وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ[([18]) .
وهذا المعنى الذي دار في هذه الآيات: يدلُّ على الخضوع، والسكون، والتذلُّل لجميع الأعضاء كلها.
ثانياً: الخشوع اصطلاحاً:قال الجرجاني رحمه الله: ((الخشوع ... في اصطلاح أهل الحقيقة ... الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب، قيل من علامات الخشوع: أن العبد إذا غضب أو خُولف أو رُدَّ عليه استقبل ذلك بالقبول))([19]).
وقال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه: ((الخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخُضُوع والذُّلِّ ...))([20]).
وقيل: ((الخشوع: الانقياد للحق، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علامته: أن العبد إذا خولف ورُدَّ عليه بالحق، استقبل ذلك بالقبول والانقياد))([21]) .
وقيل: ((الخشوع تذلّل القلوب لعلاَّم الغيوب))([22]) .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تظهره))([23]) .
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله: ((وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي r: ((... ألاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ))([24]) .
فإذا خشع القلب خشع: السمع، والبصر، والرأس، والوجه، وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام؛ [و]لهذا كان النبي r يقول في ركوعه في الصلاة: (( .. اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، ..)) [((وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي))]([25]).
وقيل: الخشوع: الخضوع، والتواضع([26]).
وقال العلامة السعدي رحمه الله: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوَجَل: معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أنَّ خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواصّ المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد بربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب كما تستولي المحبة))([27]).
والتعريف المختار: الخشوع: لين القلب، وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تَلبُّسه بطاعة الله، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء ظاهراً وباطناً؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم.


###




المبحث الثاني: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق
إذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح، ولم يكن في القلب شيء منه، فهذا خشوع النفاق؛ ولهذا قال حذيفة t: ((إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع))([28]).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، ورأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع ها هنا - وأشار إلى صدره- لا ها هنا- وأشار إلى منكبيه-،...))([29])، ورأى عمر بن الخطاب t رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة فقال: ((يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب))([30]).
ورأت عائشة رضي الله عنها شباباً يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا نُسَّاك (أي عُبَّاد)، فقالت: ((كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع ، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقّاً))([31]).
وقال الفضيل:((كان يُكْرَهُ أن يُرِيَ الرجلُ من الخشوع أكثر مما في قلبه))([32]).
وقال حذيفة t: ((أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة، فلا ترى فيهم خاشعاً))([33]).
وقال سهل: ((من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان))([34])([35]) .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح.
وأما خشوع النفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعاً وتكلُّفاً، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعاً، والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حُشِيَ به، وخمدت الجوارح، وتوقّر القلب، واطمأنّ إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مُخبِتاً له، والمخبت([36]) المطمئنّ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأنّ([37]) فاستنقع فيه الماء.
فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن([38]) كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه - إجلالاً، وذُلاًّ، وانكساراً بين يديه - سجدة، لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه... فهذا خشوع الإيمان.
وأما التماوت، وخشوع النفاق، فهو حالُ عبدٍ تكلَّف إسكان الجوارح تَصنُّعاً، ومراعاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات، وإرادات، فهو يتخشع([39]) في الظاهر، وحية الوادي، وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة))([40]).



المبحث الثالث:الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح
الخشوع علم نافع، وهو عمل صالح من أعمال القلوب، ويتبعها عمل الجوارح، للأحاديث الآتية:
1- عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء t قال : ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)) فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ t: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟! فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا! فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ([41]) يَا زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟)).
قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ: الْخُشُوعُ؛ يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَامِعِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعاً))([42]) .
2- عن شداد بن أوس t أن رسول الله r قال: ((أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ))([43]).
3- عن زيد بن أرقم t عن النبي r أنه قال في دعائه: ((...اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا))([44]).
وقلب لا يخشع:علمه لا ينفع،وصوته لا يسمع،ودعاؤه لا يرفع([45]).
قال الإمام ابن رجب رحمه الله: ((فالعلم النافع هو ما باشر القلوب، فأوجب لها السكينة، والخشية، والإخبات لله، والتواضع، والانكسار، وإذا لم يباشر القلب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان، فهو حجة الله على ابن آدم يقوم على صاحبه، وغيره كما قال ابن مسعود t: إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب يرسخ فيه نفع صاحبه.
وقال الحسن رحمه الله: العلم علمان: علم باللسان، وعلم بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على ابن آدم))([46]).
وقد قال الله تعالى: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ[([47])، وقال U: ]أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[([48]).

([1]) سورة القلم، الآية: 43.

([2]) معجم المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، المتوفى سنة 395هـ، تحقيق شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ، كتاب الخاء، باب الخاء والشين ...، ص 316.

([3]) سورة طه، الآية: 108.

([4]) لسان العرب، لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، ت 630، باب الخاء والشين ...، ص 316.

([5]) القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزأبادي، ت 817هـ، باب العين، فصل الخاء، ص 921.

([6]) مختار الصحاح للرازي، مادة: (خشع) ص 74.

([7]) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد بن محمد الفيُّومي، مادة ((خشع)) 1/ 170.

([8]) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الخاء مع الشين، 2/ 34.

([9]) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، مادة : ((خشع)) ص 283.

([10]) التعريفات للجرجاني، ص 132 فصل الشين.

([11]) سورة طه، الآية: 108.

([12]) سورة فصلت، الآية: 39.

([13]) مدارج السالكين، لابن القيم، 1/ 520.

([14]) سورة القلم، الآية: 43.

([15]) سورة الغاشية، الآية: 2.

([16]) سورة القمر، الآية: 7.

([17]) سورة النازعات، الآيات: 8-10.

([18]) سورة الشورى، الآية: 45.

([19]) التعريفات للجرجاني، فصل الشين، ص132.

([20]) مدارج السالكين، 1/ 521.

([21]) المرجع السابق: 1/ 521.

([22]) مدارج السالكين: 1/ 521.

([23]) المرجع السابق: 1/ 521.

([24]) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، برقم 52، ومسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، برقم 1599.

([25]) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم 771، وما بين المعقوفين من لفظ ابن خزيمة في صحيحه، برقم 607، وابن حبان، برقم 1901.

([26]) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روّاس، ص173.

([27]) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص 361 – 362، دار عالم الكتب، 1424هـ إشراف وتوزيع وزارة الشئون الإسلامية، المملكة العربية السعودية.

([28]) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين، 1/ 521، وابن رجب في كتاب الخشوع في الصلاة، ص 13، وأخرجه الديلمي، في مسند الفردوس، 2/204 ، برقم 3007، وابن عدي، في الكامل في الضعفاء، 3/455 ، ترجمة رقم871.

([29]) ذكره ابن القيم في: مدارج السالكين، 1/ 521، والأثر في حلية الأولياء، 10/ 230، واعتبره صاحب كتاب تكميل النفع، ص 123غير صحيح نسبته لعمر t.

([30]) مدارج السالكين، 1/ 521، وأورده صاحب إحياء علوم الدين، 5/ 41.

([31]) مدارج السالكين، 1/ 521، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي، 2/ 916: ((وَكَأَنَّهُ أَخذه من الْفَائِق))، وقال العجلوني في كشف الخفاء، 1 / 452 : ((وهو في النهاية والفائق وغيرهما)) .

([32]) مدارج السالكين، 1/ 521، وذكره القشيري في رسالته الشهيرة، ص 68.

([33]) مصنف ابن أبي شيبة، 7/140، برقم 34808، وحلية الأولياء، 1/ 281، وقال المناوي في فيض القدير، 3/114: ((قال الزين العراقي في شرح الترمذي وتبعه الهيثمي: فيه عمران القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد)).

([34]) ذكره الثعالبي في تفسيره، 3/ 64 وعزاه لسهل التستري أيضاً، ومثله الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز، 1/ 722.

([35]) ذكر هذه الآثار ابن القيم في مدارج السالكين، 1/ 521 – 522.

([36]) انظر: مفردات غريب القرآن للراغب، ص 141.

([37]) وفي مخطوطة: (ما تطامن).

([38]) وفي بعض المخطوطات: (ما تطامن).

([39]) وفي مخطوطة: (متخشع).

([40]) كتاب الروح لابن القيم، تحقيق د. بسام علي سلامة العموش، الطبعة الأولى 1406هـ، نشر دار ابن تيمية، المملكة العربية السعودية، الرياض، 2/ 694- 695.

([41]) ثكلتك أمك: أي فقدتك، وأصله الدعاء بالموت، ثم يستعمل في التعجب. انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري، 7/ 413.

([42]) أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، برقم 2653، وقال: ((هذا حديث حسن غريب))، والدرامي، 1/ 75، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 3/59، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند من حديث جبير، عن عوف بن مالك، وساق الحديث بنحوه، برقم 23990، والنسائي في الكبرى، برقم 5878، وابن حبان، برقم 4572، ورقم 6720.

([43]) الطبراني في الكبير، برقم 7183 مرفوعاً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، 2/ 136:
(( .. وفيه عمران بن داوود القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد، وابن حبان)) وقد جاء موقوفاً على شداد عند أحمد، برقم 23990، وصححه محققو المسند، وأخرج هذا الموقوف النسائي في الكبرى، برقم 5878،وابن حبان،برقم 4572،ورقم 6720، وله شاهد عن أبي الدرداء t أن النبي r،قال: ((أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعاً)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، 2/ 136، وقال: ((رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن)). ثم حديث شداد لا يقال بالرأي والاجتهاد، فله حكم الرفع.


([44]) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في الأدعية، برقم 2722.

([45]) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص 19.

([46]) الخشوع في الصلاة لابن رجب ص 16. وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، 1/ 83 مرفوعاً، وقال هذا حديث لا يصح، وضعفه الألباني في تخريج كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص 24.

([47]) سورة فاطر، الآية: 28.

([48]) سورة الزمر، الآية: 9.


رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً[([1])، وقوله سبحانه في وصف هؤلاء الذين أوتوا العلم، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً: مدحٌ لمن أوجب له سماع كتاب الخشوع لله U في قلبه))([2]) .

###



المبحث الرابع: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة:
ثبت في الخشوع في الصلاة فضائل كثيرة، منها الفضائل الآتية:
1- من فرَّغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه؛ لحديث عمرو بن عبسة السُّلمي t الطويل، وفيه أن النبي r قال بعد أن ذكر فضائل الوضوء: (( .... فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ..)) وذكر عمرو بن عبسة t أنه سمع هذا من النبي r أكثر من سبع مرات([3]) .

2- من صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسَه غفر الله له ما تقدم من ذنبه؛ لحديث عثمان t، أنه حين توضأ وضوءاً كاملاً قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))([4]) .

3- من صلَّى صلاةً مكتوبةً فأحسن خشوعها كانت كفّارةًلما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان t قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ:((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا إِلاَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يأْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ))([5]) .
4- من صَلَّى ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه وجبتله الجنة؛ لحديث عقبة بن عامر t، أنه سمع النبي r يقول:((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))([6]) .
5-الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعينفي صلاتهم، قال الله تعالى: ]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[([7]).
والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضراً لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقلُّ التفاته، متأدِّباً بين يدي ربه، مستحضراً جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الرديئة، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها، ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثاباً عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها([8]).
6- المغفرة والأجر العظيم للخاشعين؛ لقول الله تعالى:]وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[([9]).
وقال تعالى: ]إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً[([10]) .
7- الخاشعون والخاضعون لله مُبشَّرون بكل خير في الدنياوالآخرة؛ لقول الله تعالى:]وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِالْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ[([11]).
قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((الخبت: المطمئن من الأرض ... ثم استعمل الإخباتُ استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ]وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[([12]).
وقال تعالى: ]وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ[([13])، أي المتواضعين، نحو: ]الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ[([14])، وقوله تعالى: ]فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ[([15]) أي تلين وتخشع، والإخبات هنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: ]وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[([16]).
وقال ابن منظور رحمه الله: ((الخبت ما اطمأن من الأرض واتَّسع ... ]وَأَخْبَتُوا إِلَىرَبِّهِمْ[([17]) أي تواضعوا، وقال الفرّاء: أي تخشَّعوا لربهم ... وأخبت لله: خشع، وأخبت: تواضع، وكلاهما من الخبت، وفي التنزيل العزيز: ]فَتُخْبِتَ لَهُقُلُوبُهُمْ[[([18]) فسَّره ثعلب بأنه التواضع، وفي حديث الدعاء: ((وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتَاً))([19]) أي خاشعاً مطيعاً، والإخبات: الخشوع والتواضع([20]) .
وقال ابن الأثير رحمه الله: ((وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتَاً))([21]) أي خاشعاً مطيعاً، والإخبات: الخشوع والتواضع، وقد أخبت لله: يخبت .. وأصلها من الخبت المطمئن من الأرض))([22]) .
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله هذه المعاني السابقة، ثم قال: ((والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض ... ))، ثم قال: ((وقال إبراهيم النخعي: المصلُّون المخلصون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم .. وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسكون إلى الله U...))([23]) .
8- الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة،والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[([24]) .
9- الخشوع لله تعالى يورث هداية الله تعالى وتثبيته؛ لقوله تعالى: ]وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[([25]) .
قال العلامة السعدي رحمه الله: ((]فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ[أي تخشع، وتخضع، وتسلِّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم ] وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا[ بسبب إيمانهم ] إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده))([26]).
10-أفضل الناس أخشعهم لله تعالى،فالخشوع لله تعالى إذا كان بسبب معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله، والرغبة فيما عنده، والخشية من عقابه، ومبْنيٌّ على حبه، وخوفه مع رجائه، فهذا كلُّه يجعل العبد أفضل الناس؛ ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى:((أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله))([27]).
وقال سفيان أيضاً: ((يراد للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر))([28]).
وقال سفيان أيضاً رحمه الله: ((كان يُقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله، ليس بعالم بأمر الله، وعالمٌ بالله، عالم بأمر الله، يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، لا يخشى الله، فذلك العالم الفاجر))([29]).
وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((هذه الكلمات ينبغي أن تنقل))([30]) .
11- مَنْ أتمَّ الصَّلوات الخمس بخشوع كان له على اللهعهد أن يغفر له؛ لحديث عبادة بن الصامت t قال ... أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ:((خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ))([31]) .
12-مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفه لهم بالعلم؛لقوله تعالى: ]أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[([32])، والقنوت هنا هو الخشوع في الطاعة؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: (( ... القنوت يرد في القرآن على قسمين: قنوت عام، كقوله تعالى: ]وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ[([33])أي الكل عبيد خاضعون لربوبيّته، وتدبيره، والنوع الثاني: وهو الأكثر في القرآن: القنوت الخاص، وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ]أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَاللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً[([34])، وقوله: ]وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[([35])، وقوله: ]يَا مَرْيَمُاقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي[([36])، وقوله: ]وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ[([37])، ونحوها))([38]).
وقد قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسِّرَ بكل واحد منهما في قوله تعالى: ]وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[[([39])، وقوله: ]كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ[([40]) قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يُعْنَ به كل السكوت، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة السلام: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَمَّا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))([41])، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طُولُ القُنُوتِ))([42]) أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه، وقال اللّه تعالى: ]إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً[([43])، وقال: ]وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ[([44])، وقال: ]أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً[([45])، وقال: ]اقْنُتِي لِرَبِّكِ[([46])، وقال:
]وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ[([47])، وقال: ]
وَالْقَانِتِينَ
وَالْقَانِتَاتِ[([48])، وقال U: ]فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ[([49])([50]).

والقنوت في الحديث يُروَى بمعانٍ متعددةٍ، فيطلق على: الخشوع، والطاعة، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع([51])، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن ابن العربي ذكر أن القنوت ورد لعشرة معانٍ، نظمها الحافظ زين الدين العراقي، فقال:
((ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد




مزيداً على عشرة معاني مرضيَّه



دعاءٌ، خشوعٌ، والعبادة، طاعة




إقامتها، إفراده بالعبودية



سكوتٌ، صلاة،ٌ والقيام، وطوله




كذا دوام الطاعة الرابح القنية))([52])



ويصرف كل واحدة من هذه المعاني إلى ما يدل عليه الحديث، أو الكلام الوارد فيه، وما يقتضيه سياقه([53]) .
13- أثنى الله U على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه، ووصفه بالإيمان الكامل، قال الله تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً[([54])، وقوله تعالى: ]إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ[([55])، وقوله تعالى: ]وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[([56])، وقال تعالى: ]وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[([57]).
ووجل القلب: الوجل: استشعار الخوف، يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلاً، فهو وَجِل([58]).
قال ابن كثير رحمه الله: ((]وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[: فرقت: أي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن ... الذي إذا ذكر الله وجل قلبه: أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره))([59]).
وقال السعدي رحمه الله: ((أي خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب))([60])، وقال رحمه الله: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب، كما تستولي المحبة))([61]).
14-وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية للهتعالى؛ لقوله تعالى: ]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[([62])، فحصل لهم قشعريرة الجلد، ثم لين القلب والجلد.
قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((]تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ[([63]) أي يعلوها قشعريرة))([64]) .
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ]ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[كما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه ...))([65]).
وقال العلامة السعدي رحمه الله: ((]تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ[لما فيه من التخويف والترهيب المزعج ]ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[أي عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر))([66]).

###





المبحث الخامس:الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة
الفرق بين هذه الأمور على النحو الآتي:
1- الخشوع:لين القلب وخضوعه،ورقته،وسكونه، وحضوره وقت تلبُّسه بالطاعة، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء: ظاهراً وباطناً؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم([67]).
2- الوجل:الخوف الموجب لخشية الله تعالى، وأكبر علاماته: أن يقوم صاحبه بفعل أوامر الله، وترك نواهيه رغبة فيما عنده من الثواب، وخوفاً مما عنده من العقاب، والله تعالى أعلم([68]).
3- القنوت:القنوت يرد في القرآن على قسمين:
القسم الأول: قنوت عام لجميع المخلوقات،كقوله تعالى: ]وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ[([69])، والمعنى: الكل عبيد خاضعون لربوبيَّته، وتدبيره I، لا معبود بحق سواه.
القسم الثاني، وهو الأكثر في القرآن الكريم: القنوت الخاص: وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ]أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً[([70])، ونحو ذلك([71])، والقنوت أيضاً يرد لعشرة معانٍ أخرى، تقدم ذكرها بالتفصيل([72]) .
4- السكينة:
قيل: السكينة: المهابة والرَّزانة والوقار([73]).
وقيل: ما يجده القلب من الطمأنينة ... وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده، ويطمئن وهو مبادئ عين اليقين([74]).
وقيل: السكينة: الطمأنينة([75])، وتأتي السكينة بمعنى: الوقار، والتَّأنِّي في الحركة والسير: ((السكينةَ، السكينةَ)) أي الزموا السكينة([76])، وفي حديث الخروج إلى الصلاة: ((فليأتِ وعليه السكينة))([77]).
وقد ذكر الله سبحانه ((السكينة)) في كتابه في ستة مواضع:
الأول: قوله تعالى: ]وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ[([78]).
الثاني: قوله تعالى: ]ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ[([79]).
الثالث: قوله تعالى: ]إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا[([80]).
الرابع: قوله تعالى: ]هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً[([81]).
الخامس: قوله تعالى: ]لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً[([82]).
السادس: قوله تعالى: ]إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ[([83]).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار، والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده، عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات.
ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله r، وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة، إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حُنَيْن، حين وَلَّوْا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكُّمِ الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس، وحسبك بضعف عمر t عن حملها، وهو عمر، حتى ثَبَّتَهُ اللَّهُ بالصِّدِّيق t.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة، إلا التي في سورة البقرة))([84]).
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: ((رأيت النبي r نقل من تراب الخندق، حتى وارى الترابُ جلدةَ بطنه، وهو يرتجز بكلمة عبدالله بن رواحة t:
اللَّهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا




ولا تصدقْنا ولا صلَّينا



فأنزلنْ سكينةً علينا




وثبِّت الأقدام إن لاقينا



إنَّ الأُلى قد بَغَوا علينا




وإنْ أرادوا فتنة أبينا))([85])([86])



وقال العلامة السعدي رحمه الله: ((والسكينة ما يجعله اللّه في القلوب وقت القلاقل، والزلازل، والمفظعات، مما يثبِّتها، ويسكِّنها، ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم اللّه العظيمة على العباد))([87])، وهي: ((الثبات والطمأنينة، والسكون المُثَبِّتَة للفؤاد))([88]).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (( (السكينة) إذا نزلت على القلب اطمأنّ بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب، والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا، والفحش، واللغو، والهجر، وكل باطل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((كُنَّا نَتَحدَّث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه))([89]).
وكثيراً ما ينطق صاحب (السكينة) بكلام لم يكن عن فكرة منه، ولا روِّية، ولا هبة، ويستغربه هو من نفسه، كما يستغرب السامع له، وربّما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه.
وأكثر ما يكون: هذا عند الحاجة، وصدق الرغبة من السائل، والمجالس، وصدق الرغبة منه: هو إلى الله، والإسراع بقلبه إلى بين يديه، وحضرته، مع تجرُّدِه من الأهواء، وتجريده النصيحة لله ولرسوله، ولعباده المؤمنين، وإزالة نفسه من البين))([90]).
ومن السكينة: سكينة الخشوع عند القيام بالعبادة لله تعالى، وهو الوقار، والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان .
ولما كان الإيمان موجباً للخشوع، وداعياً إليه، قال الله تعالى: ]أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ[([91]) دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آن لهم أن يَصِلُوا إلى الإحسان بالإيمان؟ وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟))([92]).
5- الإخبات: التواضع والخشوع، واللين، والسكون([93]).
وهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أوَّلُ مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض([94]).
6- الطمأنينة:قال الله تعالى: ]الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[([95])، وقال تعالى: ]يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي[([96]).
(الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: ((دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ))([97]) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكوناً إليه، والكذب يوجب له اضطراباً وارتياباً، ومنه قول النَّبيِّ r: ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ))([98]) أي سكن إليه، وزال عنه اضطرابه وقلقه.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((]الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ[ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيراً؛ ولهذا قال: ]أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[ أي: هو حقيق بذلك))([99]).
وقال العلامة السعدي رحمه الله: ((]الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ[ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
]أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته))([100]).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وفي قوله تعالى: ]يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ[([101]) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: ((اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك))([102]).


###





المبحث السادس: حكم الخشوع في الصلاة
الخشوع في الصلاة واجب على الصحيح([103]) للأدلة الآتية:
1- قال الله تعالى:]وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[([104]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين... وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع... فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة))([105]) .
2- قوله تعالى:]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْغَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[([106]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما يستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً، فالخشوع يتضمن السكينة، والتواضع جميعاً ... ولهذا كان النبي r يقول في حال ركوعه: ((اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي، وعظمي، وعصبي))([107])، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع ... ))([108]) .
وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ]الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[([109]) أقوال: فقيل: ((خائفون ساكنون))، وقيل: ((الخشوع في القلب))، وقيل: ((الخشوع: الرهبة لله))، وقيل: ((الخشوع في القلب، وأن يلين كنفه للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك، والخوف، وغض البصر في الصلاة، وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات، ومن ذلك خشوع الصوت([110]) .
فإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض، لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه، ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثماً عاصياً([111]).
3- مما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن الله ينصرف عن من التفت فيها لغير حاجة؛ لحديث أبي ذر t، قال: قال رسول اللهr: ((لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ))وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وأحمد:((لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ))([112]) .

4- ومما يدل على وجوب الخشوع أيضاً:حديث الحارث الأشعري t الطويل عن النبي r وفيه: ((...وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ..)) هذا لفظ الترمذي ، ولفظ أحمد: ((... وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ U يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا...))([113]) .

5- ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة t قال: خرج علينا رسول الله r فقال: ((مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ([114])، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ ..))([115]) .

6- ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى:]فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ[([116])، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعمّ النوعين؛ فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها، وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالسهو، ولو كان السهو تركاً لما كان هناك رياء ..))([117]).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن وسواس الرجل في صلاته، وما حد المبطل للصلاة؟ وما حد المكروه منه، وهل يُباح منه شيء في الصلاة؟ وهل يعذّب الرجل في شيء منه؟ وما حدّ الإخلاص في الصلاة؟... [وقول بعض السلف]: ((لَيْسَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا))([118]).
فأجاب: ((الحمد لله، الوسواس نوعان:
أحدهما: لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي في الصلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر، فهذا لا يبطل الصلاة؛ لكن من سلمت صلاته منه فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته، الأول شبه حال المقربين، والثاني: شبه حال المقتصدين.
وأما الثالث: فهو ما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير الرجل غافلاً، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب، كما روى أبو داود في سننه، عن عمار بن ياسر، عن النبي r قال: ( إن الرجل لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، حتى قال إلا عشرها))([119])، فأخبر r أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر.
وقال ابن عباس: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها))([120])، ولكن هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور، والغالب الحضور، لم تجب الإعادة، وإن كان الثواب ناقصاً، فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطل الصلاة، وإنما يجبر بعضه بسجدتي السهو، وأما إن غلبت الغفلة على الحضور، ففيه للعلماء قولان:
أحدهما: لا تصح الصلاة في الباطن، وإن صحت في الظاهر، كحقن الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يحصل، فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتفاق لا يبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد، وأبي حامد الغزالي وغيرهما.
والثاني: تبرأ الذمة، فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها، ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي ((لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ))([121])، وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، واستدلوا بما في الصحيحين عن أبي هريرة t، عن النبي r أنه قال ((إذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ))([122])، فقد أخبر النبي r أن الشيطان يذكِّره بأمور حتى لا يدري كم صلى، وأمره بسجدتين للسهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يفرّق بين القليل والكثير.
وهذا القول أشبه وأعدل؛ فإن النصوص والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور، لا تدل على وجوب الإعادة، لا باطناً ولا ظاهراً، والله أعلم([123]).


###





المبحث السابع: منزلة الخشوع في الصلاة
الخشوع في الصلاة بمنزلة الروح من الجسد، فإذا فُقِدَت الروح مات الجسد، فالخشوع روح الصلاة، ولبُّها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (( ... وكذلك فَوتُ الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب تبارك وتعالى، الذي هو روحها، ولُبُّها، فصلاةٌ بلا خشوعٍ، ولا حضور، كبدنٍ ميِّتٍ لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يُهدي إلى مخلوقٍ مثله عبداً ميِّتاً، أو جارية ميِّتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها: من ملكٍ، أو أميرٍ، أو غيره، فهكذا؛ سواء الصلاة الخالية عن الخشوع، وجمع الهمة على الله تعالى فيها، بمنزلة هذا العبد – أو الأمة – الميِّت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك؛ ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه، وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها ..))([124]) .
وذكر ابن القيم رحمه الله قول من قال: إن غلب على المصلِّي عدم الخشوع في الصلاة، وعدم تعقُّلِها وجب عليه إعادتها، واحتجوا: بأنها صلاة لا يُثاب عليها، ولم يُضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها ...؛ ولأن الخشوع، والتعقُّلَ: روح الصلاة، ومقصودها، ولبُّها، فكيف يُعتدّ بصلاةٍ فقدت روحها، ولبَّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟ وقالوا: ولو ترك العبد واجباً من واجباتها عمداً لأبطلها تركه، وغايته أن يكون بعضاً من أبعاضها، بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها، ولُبَّها، وصارت بمنزلة العبد الميِّت، فإذا لم يعتدّ بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقرّباً لله تعالى في كفارة واجبة، فكيف يعتدّ بالعبد الميت .. ؟؟ وذكر بأن حجج أصحاب هذا القول قويّة ظاهرة.
ولكنه رحمه الله رجّح القول الثاني الذي لا يوجب الإعادة، وإنما يفُوت المصلِّي غير الخاشع الثواب بقدر ما فاته من الخشوع في صلاته، ويفوته ما يحصل من الدرجات العُلا في الآخرة، ومرافقة المقرّبين، كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وذَكَر أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإن أراد الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصِّلها، وإن شاء أن يفوّتها على نفسه فوَّتها، ولا نلزمه بإعادتها ولا نعاقبه على تركها، ولا نرتب عليه أحكام تارك الصلاة، وهذا أرجح القولين([125]) .

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

وكلام ابن القيم رحمه الله هنا مختص بحضور القلب وخشوعه في الصلاة، أما من نقر الصلاة، ولم يتم ركوعها، أو سجودها، أو ترك شيئاً من شروطها، أو أركانها، أو تعمّد ترك واجب من واجباتها، فلا شكّ أن الإعادة تجب عليه.
ومما يدل على عظم منزلة الخشوع في الصلاة: أن الله تعالى يُعرِض عن من التفت بقلبه أو ببصره؛ لحديث أبي ذر t ، يرفعه إلى النبي r: ((لاَ يَزَالُ اللَّهُ U مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ))([1])؛
ولحديث الحارث الأشعري يرفعه، وفيه: (( ... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ...))([2]) .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((الالتفات المنهيُّ عنه في الصلاة قسمان:
أحدهما: التفات القلب عن الله U إلى غير الله تعالى.
والثاني: التفات البصر، وكلاهما منهي عنه، ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه... ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتف عن السلطان يميناً وشمالاً، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضراً معه، فما ظنُّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أقلّ المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً، قد سقط من عينيه؟ فهذا المُصلِّي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلَّ عُنُقه له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض؛ وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله U، والآخر ساهٍ غافلٌ، فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالاً ولا تقرّباً، فما الظن بالخالق U، وإذا أقبل على الخالق U، وبينه وبينه حجاب: الشهوات، والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملْأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالاً، وقد ألهته الوساوس، والأفكار، وذهبت به كل مذهب))([3]).

###



المبحث الثامن: حكم الوسواس في الصلاة
الوسواس في الصلاة يدل على عدم كمال الإيمان، وعلى عدم استحضار العبد عظمة الله، وعدم الإحسان الكامل في الصلاة؛ فإن الإحسان في الصلاة: هو أن يصلّي المُصلِّي كأنه يرى الله؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، كما قال النبي r حينما سأله جبريل u بقوله: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؛ فَقَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))([4]) .
وأما حكم الوسواس في الصلاة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له الوسواس تارة، فما الذي يستعين به على دوام الحضور في الصلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة؟ أو منقصة لها أم لا؟ وفي قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيَّته أو لا؟؟
فأجاب: ((الحمد لله رب العالمين، الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلاً باتفاق أهل العلم؛ بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلْتَ منها))([5]).
وفي السنن عن النبي r أنه قال: ((إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا))([6]).
ويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي r أنه قال: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ))([7])، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقاً.
وأما الوسواس الذي يكون غالباً على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضاً لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة t أن النبي r قال: ((إذَا أَذَّنَ الـْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ))([8])، وقد صحّ عن النبي r: الصلاة مع الوسواس مطلقاً، ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان t عن النبي r أنه قال: ((أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))([9])، وكذلك فى الصحيح أنه قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))([10]).
وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ t: ((فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدِّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها))([11]).
وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر([12]).
وكان عبد الله بن الزبير t يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه([13]).
وقالوا لعامر بن عبدالقيس أتُحَدِّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدِّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ، وأمثال هذا متعدد([14]).
والذي يُعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى، وضعف الشاغل:
أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبّرالقراءة، والذكر، والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله تعالى، كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائماً فإنما يناجي ربه، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان النبي r يقول: ((حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ : النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))([15])، وفي حديث آخر أنه قال: ((أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ))([16])، ولم يقل أرحنا منها.
وفي أثر آخر: ((ليس بمستكملٍ للإيمان من لم يزل مهموماً حتى يقوم إلى الصلاة))([17])، أو كلام يقارب هذا، وهذا باب واسع.
فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك، مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلاً عظيماً، ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبراً للقرآن وفهماً، ومعرفة: بأسماء الله، وصفاته، وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب؛ فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذّ بذكره، ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد، وهلك هلاكاً لا صلاح معه، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ، ولا منجا منه إلا إليه.
وأما زوال العارض: فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعينه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه؛ فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها.
والوساوس إما من قبيل الحب، من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل الطلب، وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله.
ومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنفاق، فيتألَّم لها قلب المؤمن تألُّماً شديداً، كما قال الصحابة: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: أَوَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ))، وَفِي لَفْظٍ: ((إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ))([18]).
قال كثير من العلماء: فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح الإيمان، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة؛ فإن شيطان الجن إذا غُلب وسوس، وشيطان الإنس إذا غلب كذب، والوسواس يعرض لكل من توجَّه إلى الله تعالى بِذكرٍ أو غيره، لا بُدّ له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ]إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً[([19])، وكلما أراد العبد توجّهاً إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسواس أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: ((إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب))([20])، وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه.
وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب t من قوله: ((إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي، وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ))([21])، فذاك لأن عمر كان مأموراً بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلِّي الذي يصلِّي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما
حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[([22]).

ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدِّرَ أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد، لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته؛ ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولما ذكر I صلاة الخوف قال: ]فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً[([23])، فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف.
ومع هذا: فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المُحَدَّث المُلْهَم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله r حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف فى الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة؟.
وبالجملة فَتَفَكُّر المُصلِّي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكُّره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا في تلك الحال، وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائماً يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يُذكر أن بعض السلف: ((ذَكَرَ لَهُ رَجُلٌ أنَّه دفن مالاً وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلّ، فقام فصلَّى، فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يُذَكِّره بما يشغله، ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن))([24])، لكن العبد الكيِّس يجتهد في كمال الحضور، مع كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))([25]).

###




المبحث التاسع: الخشوع في الصلاة من إقامتها
لا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا تكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله r بذلك، قال تعالى: ]وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ[([26])، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعاً؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال: ] [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ[([27])، وقال: ]الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ[([28])، وقال: ]وَأَقِمِ الصَّلَاةَ[([29])، وقال: ]فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ[([30])، وقال: ]وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ[([31])، وقال إبراهيم u: ]رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ[([32])، وقال لموسى: ]فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي[([33])، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقروناً بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر t: ((الحاج قليل والركب كثير))([34]).
فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ Y بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيِّنه ويُحسِّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع([35]).
وليس من كانت الصلاة ربيعاً لقلبه، وحياةً له، وراحةً، وقرةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهاباً لهمه وغمه، ومفزعاً له إليه في نوائبه ونوازله، كمن هي سحت لقلبه، وقيد لجوارحه، وتكليف له، وثِقَلٌ عليه، فهي كبيرة على هذا، وقرّةُ عينٍ وراحة لذلك.
قال تعالى: ]وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[([36])، فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلوّ قلوبهم من محبّة الله تعالى، وتكبيره، وتعظيمه، والخشوع له، وقلَّة رغبتهم فيه؛ فإن حضور العبد في الصلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وِسْعَه في إقامتها، وإتمامها على قدر رغبته في الله...
وها هنا عجيبة تحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني القرآن من عجائب الأسماء والصفات، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه؛ بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعاً من صلاته، ومحلاًّ منها، فإنه إذا انتصب قائماً بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيُّوميَّته، وإذا قال: ((الله أكبر)) شاهد كبرياءه، وإذا قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) شاهد بقلبه رباً مُنزَّهاً عن كل عيب، سالماً من كل نقص، محموداً بكل حمد، فَحَمْدُهُ يتضمن وصفه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقص، تبارك اسمه، فلا يُذكُر على قليلٍ إلا كثَّرهُ، وعلى خيرٍ إلا أنماه، وبارك فيه، ولا على آفةٍ إلا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلا ردَّه خاسئاً داحراً، وكمال الاسم من كمال مُسمَّاه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المُسمَّى أعلى وأجل، وتعالى جدُّه، أي ارتفعت عظمته، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن، وقهر سلطانه على كل سلطان، فتعالى جدُّه أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيَّتِه، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمن الجنّ: ]وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً[([37])، فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المُعطِّل لحقائقها.
وإذا قال: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فقد أوى إلى ركنه الشديد، واعتصم بحوله وقوته من عدوِّه الذي يريد أن يقطعه عن ربه، ويبعده عن قربه؛ ليكون أسوأ حالاً.
فإذا قال: ]الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ وقف هُنَيْهَةً يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: ((حمدني عبدي))، فإذا قال: ]الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[ انتظر الجواب بقوله: ((أثنى عليَّ عبدي)) فإذا قال: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ انتظر جوابه: ((مَجَّدني عبدي)) فيا لّذة قلبه، وقرّة عينه، وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات، وغيم النفوس، لاستطيرت فرحاً وسروراً بقول ربها، وفاطرها، ومعبودها: ((حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي))...
فإذا قال: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ [انتظر جواب ربه بقوله: ((هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل))]، ففيها سر الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجلّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلّ الوسائل.
فإذا قال: ]اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[ انتظر جواب ربه بقوله: ((هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)) ثم يشهد الداعي شدة فاقته، وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشدّ فاقة، وحاجة منه إليها البتة؛ فإنه محتاج إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة عين، وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتمّ إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التفصيل، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته، وتكوينه، وتوقيعه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب I، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله، وبعد فعله.
ولما كان العبد مفتقراً في كل حالٍ إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره... فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة.
ثم بيَّن أن أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته دون المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين، وهم الذين عبدوا الله بغير علم، فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم، فسبيل المنعم [عليهم] مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها عِلْماً وعملاً.
فلما فرغ من هذا الثناء، والدعاء، والتوحيد، شُرِعَ له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السماء، وهذا التأمين من زينة الصلاة، كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة، واتباع للسنة، وتعظيم أمر الله، وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن([38]).
وقد تَبيَّن بما تقدم: أن الخشوع يدخل في الأمر بإقامة الصلاة، والله I أعلم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

المبحث الثاني عشر:مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقرّ بها العين
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقرّ بها العين، ويستريح بها القلب، هي التي تجمع ستة مشاهد))([1])، وذكر هذه المشاهد رحمه الله، وهي على النحو الآتي:
المشهد الأول: الإخلاص: وهو أن يكون الحامل عليها، والداعي إليها، رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودُّد إليه، وامتثال أمره؛ بحيث لا يكون الباعث له عليها حظّاً من حظوظ الدنيا البتة؛ بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى: محبةً له، وخوفاً من عذابه، ورجاء لمغفرته، وثوابه.
المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح: وهو أن يُفرِّغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، وأكملها ظاهراً وباطناً؛ فإن الصلاة لها ظاهر وباطن:
فظاهرها الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله والإقبال بكُليَّته على الله فيها بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك، ولهذا تُلفُّ كما يلفّ الثوب الخلق، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول ضيعك الله كما ضيعتني.
والصلاة التي كَمُلَ ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس، حتى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني([2]).
المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء: وهو أن يحرص كلّ الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي r، ويُصلِّي كما كان يُصلِّي، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة: من الزيادة، والنقصان، والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله r شيء منها، ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخِّصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه، ولعل الأحاديث الثابتة، والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: نحن مقلِّدون لمذهب فلان، وهذا لا يُخلِّص عند الله، ولا يكون عذراً لمن تخلَّف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله، واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول، وكل أحد سوى الرسول r فمأخوذ من قوله ومتروك، وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه، ونُسلِّم تسليماً، فلا ينفعنا تحكيم غيره، والانقياد له، ولا ينجينا من عذاب الله، ولا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه سبحانه يوم القيامة: ]ماذا أجبتم المرسلين[([3])؛ فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك، ويطالبنا بالجواب، قال تعالى:]فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ[([4])،وقال النبيr: ((أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ بِي تُفْتنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ))([5])، يعني المسألة في القبر، فمن انتهت إليه سنة رسول الله r، وتركها لقول أحد من الناس، فسيرد يوم القيامة ويعلم.
المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله، وأسمائه، وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته، مستوياً على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويُدبِّر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده، ويصعد إليه، وتُعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كُلَّه بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيُّوماً، حيّاً، سميعاً، بصيراً، عزيزاً، حكيماً، آمراً، ناهياً، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ولا أقوالهم ولا بواطنهم؛ بل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كُلِّها؛ فإنه يوجب: الحياء، والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخضوع لله سبحانه، والذُّلّ له، ويقطع الوسواس وحديث ... النفس، ويجمع القلب والهمّ على الله، فحظّ العبد من القرب من الله على قدر حظِّه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة، حتى [أنَّه]يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض: وقيامهما، وركوعهما، وسجودهما واحد.
المشهد الخامس: مشهد المِنَّةِ: وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام، وأهَّله له، ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدون بين يدي النبي r فيقولون:
والله لولا الله ما اهتدينا



ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا


قال الله تعالى: ]يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[([6])، فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلماً، والمُصلِّي مصلِّياً كما قال الخليل r: ]رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ[([7])، وقال: ]رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي[([8])، فالمنّة لله وحده في أن جعل عبده قائماً بطاعته، وكان هذا من أعظم نعمه عليه، قال تعالى: ]وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ[([9])، وقال: ]وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ[([10]).
وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلّما كان العبد أعظم توحيداً، كان حظُّه من هذا المشهد أتمَّ.
وفيه من الفوائد: أنه يحول بين القلب وبين العُجْب بالعمل، ورؤيته؛ فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المانُّ به، الموفق له، الهادي إليه، شغله شهودُ ذلك عن رؤيته، والإعجاب به، وأن يصول به على الناس، فيُرفع من قلبه، فلا يعجب به، ومن لسانه، فلا يمنّ به، ولا يتكثّر به، وهذا شأن العمل المرفوع.
ومن فوائده: أنه يضيف الحمد إلى وليّه، ومستحقّه، فلا يشهد لنفسه حمداً، بل يشهده كلّه لله، كما يشهد النعمة كلّها منه، والفضل كله له، والخير كله في يديه، وهذا من تمام التوحيد، فلا يستقرّ قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشهوده؛ فإذا علمه، ورسخ فيه، صار له مشهداً، وإذا صار لقلبه مشهداً، أثمر له من المحبة والأنس بالله، والشوق إلى لقائه، والتنعّم بذكره، وطاعته، ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا البتّة.
وما للمرء خير في حياته، إذا كان قلبه عن هذا مصدوداً، وطريق الوصول إليه عنه مسدوداً، بل هو كما قال تعالى: ]ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[([11]).
المشهد السادس: مشهد التقصير: وأن العبد لو اجتهد في القيامبالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه، فهو مقصِّر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم، والتعظيم، والاحترام، والتوقير، والحياء، والمهابة، والخشية، والنصح، بحيث يُفَرِّغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك، ورب السموات والأرض، أولى أن يعامل بذلك، بل بأضعاف ذلك.
وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريباً من حقه، علم تقصيره، ولم يسعْه مع ذلك غير الاستغفار، والاعتذار من تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه، وأنه إلى أن يغفر له العبودية، ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثواباً، وهو لو وفَّاها حقها كما ينبغي، لكانت مستحقّة عليه بمقتضى العبودية؛ فإن عمل العبد، وخدمته لسيده، مستحقّ عليه بحكم كونه عبده ومملوكه، فلو طلب منه الأجرة على عمله، وخدمته لعدَّه الناس أحمق وأخرق، هذا وليس ... هو عبده، ولا مملوكه على الحقيقة، وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كلِّ وجه لله سبحانه، فعمله وخدمته مستحقّ عليه بحكم كونه عبده، فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنَّة وإحسان إليه، لا يستحقّه العبد عليه.
ومن ههنا يُفْهَم معنى قول النبي r: ((لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُم الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ))، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ))([12]).
وقال أنس بن مالك t: ((يُخْرَجُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ: دِيوَانٌ فِيهِ حَسَنَاتُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ سَيِّئَاتُهُ، وَدِيوَان النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا؛ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى لنِعَمِه: خُذِي حَقَّكِ مِنْ حَسَنَاتِ عَبْدِي، فَيَقُوْمُ أَصْغَرُهَا فَتَسْتَنْفِدَ حَسَنَاتِهِ،ثُمَّ تَقُولُ: وَعِزَّتِك مَا اسْتَوْفَيْتُ حَقِّي بَعْدُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ عَبْدَهُ وَهَبَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ سَيِّئَاتِهِ، وَضَاعَفَ لَهُ حَسَنَاتِهِ))([13])،[قال الإمام ابن القيم رحمه لله]: وهذا ثابت عن أنس، وهو أدلُّ شيء على كمال علم الصحابة بربهم، وحقوقه عليهم، كما أنهم أعلم الأمة بنبيِّهم وسنَّته ودينه؛ فإنَّ في هذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يدركه إلا أولو البصائر، العارفون بالله، وأسمائه، وصفاته، وحقه، ومن هنا يُفْهَم قول النبي r في الحديث الذي رواه أبو داود، والإمام أحمد، من حديث زيد بن ثابت، وحذيفة وغيرهما: ((إِنَّ اللَّهَ لَوْ عذَّبَ أهْلَ سَمَوَاتِهِ، وأهْلَ أرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خيْراً لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ))([14]).
وملاك هذا الشأن أربعة أمور:
نيَّةٌ صحيحةٌ، وقوةٌ عاليةٌ، يقارنهما رغبةٌ، ورهبةٌ:
فهذه الأربعة هي قواعد هذا الشأن، ومهما دخل على العبد من النقص في إيمانه وأحواله، وظاهره، وباطنه، فهو من نقصان هذه الأربعة، أو نقصان بعضها، فليتأمّل اللبيب هذه الأربعة الأشياء، وليجعلها سيره وسلوكه، ويبني عليها علومه وأعماله وأقواله وأحواله، فما نتج من نتج إلا منها، ولا تخلف من تخلف، إلا من فقدها))([15]).

###




المبحث الثالث عشر:أقسام الناس في الخشوع في الصلاة
الناس يختلفون في الخشوع في الصلاة على حسب حضور قلب كل إنسان، وغفلته، وإقباله على صلاته، وانصراف قلبه عن ربه، والعياذ بالله تعالى، والناس في الخشوع في الصلاة على أقسام خمسة على النحو الآتي:
القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المُفرِّط: وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.

القسم الثاني:من يحافظ على مواقيتها، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها، لكن قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.
القسم الثالث:من حافظ على حدودها، وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوِّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.
القسم الرابع:من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئاً منها؛ بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبوديّة ربه تبارك وتعالى فيها.
القسم الخامس:من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه، ووضعه بين يدي ربه U، ناظراً بقلبه إليه، مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل، وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه U، قرير العين به.
فالقسم الأول معاقبٌ، والثاني محاسبٌ، والثالث مكفَّرٌ عنه، والرابع مُثابٌ، والخامس مُقَرَّبٌ من ربّه؛ لأن له نصيباً ممن جُعِلَتْ قرّة عينه في الصلاة، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرَّت عينه بقربه من ربه U في الآخرة، وقرّت عينه أيضاً به في الدنيا، ومن قرَّت عينه بالله، قرّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى، تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات.
وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة، واشتغاله فيها بربه U إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعداً تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟([16]).
###




المبحث الرابع عشر: خشوع النبي r في صلاته
النبي r: هو أتقى الناس لربه، وأخشاهم، وأشدَّهم خشية وخشوعاً لله تعالى، ومن أعظم خشيته لله، ومحبَّته له، وإجلاله له، وتعظيمه: خشوعه في صلاته، ورقّة قلبه في الصلاة، وغيرها من العبادات:
أولاً: خشوعه r في أفعال الصلاة وأقوالها:
كان r إذا قام في الصلاة، طأطأ رأسَه، ذكره الإِمام أحمد رحمه الله، وكان في التشهد لا يُجاوز بَصَرُهُ إشارتَه، وقد تقدّم.
وكان قد جعل الله تعالى قُرّة عينه، ونعيمَه، وسرورَه، وروحَه في الصلاة. وكان يقول النبي r: ((يا بِلاَلُ أرِحْنا بِالصلاَةِ))([17]). وكان يقول r: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ))([18]).
ومع هذا لم يكن يشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله تعالى، وحضورِ قلبه بين يديه، واجتماعِه عليه.
وكان يَدْخُلُ فِي الصّلَاةِ وَهُوَ يُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصّبِيّ فَيُخَفّفُهَا، وَأَرْسَلَ مَرّةً فَارِساً طَلِيعَةً لَهُ، فَقَامَ يُصَلّي، وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى الشّعْبِ الّذِي يَجِيءُ مِنْهُ الْفَارِسُ([19])، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ حَالِ فَارِسِهِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ يُصَلّي الْفَرْضَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنِ الرّبِيعِ ابْنَةَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ عَلَى عَاتِقِهِ، إذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ، وَضَعَهَا([20]).
وكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره، فيُطيل السجدة، كَراهية أن يُلقيَه عن ظهره([21]).
وكان يُصلي، فتجيء عائشةُ مِن حاجتها والبابُ مُغلَق، فيمشي، فيفتح لها البابَ، ثمَّ يرجِعُ إلى الصلاة([22]).
وكان يَرُدُّ السلامَ بالإِشارة على من يُسلّم عليه وهو في الصلاة.
وقال جابر: بعثني رسولُ الله r لحاجة، ثم أدركتُهُ وهو يُصلِّي، فسلمتُ عليه، فأشار إليَّ([23]).
قال أنس t: ((كان النبيُّ r يُشير في الصلاة))([24]).
وقال صُهيبٌ: ((مررتُ برسول الله r وهو يُصلي، فسلّمتُ عليه، فردَّ إشارةً))، قال الراوي: لا أعلمه، قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في ((السنن))، و((المسند))([25]).
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((خرج رسولُ الله r إلى قُباء يُصلِّي فيه، قال: فجاءته الأنصارُ، فسلَّموا عليه وهو في الصلاة، فقلتُ لبلال: كيف رأيتَ رسول الله r يردُّ عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق))([26]).
وقال عبد الله بن مسعود t: ((لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي r وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأومأ برأسه))([27]).
قال الإمام ابن القيم: ((وأما حديث أبي غطفان عن أبي هُرَيْرَة t قال: قال رسولُ الله r: ((مَنْ أَشَارَ فِي صَلاَتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنهُ، فَلْيُعِدْ صَلاته))، فحديث باطل، ذكره الدارقطني([28])، وقال: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول([29])، والصحيح عن النبي r أنه كان يُشير في صلاته. رواه أنس، وجابر وغيرهما([30])))([31]).
وكان r يُصلي وعائشة معترِضَةٌ بينَه وبين القبلة، فإذا سجد، غَمَزَهَا بيده، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما([32]).
وكان يُصلي، فجاءه الشيطانُ ليقطع عليه صلاتَه، فأخذه، فخنقه حتى سَالَ لُعابُه عَلَى يَدِه([33]).
وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة، نزل القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرض ثم صَعِدَ عليه([34]).
وكان يُصلي إلى جِدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارئها، حتى لَصِقَ بطنُه بالجدار، ومرّت من ورائه([35]).
يدارئها: يفاعلها، من المدارأة، وهي المدافعة.
وكان يُصلّي، فجاءته جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فَنَزَعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة([36]). ولفظ أحمد فيه: فأخذتا بركبتي النبي r، فنزع بينهما، أو فرَّق بينهما، ولم يَنْصَرِفْ([37]).
وكان يُصلّي، فمرَّ بين يديه غلام، فقال بيده هكذا، فرجع، ومرّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلَّى رسولُ الله r، قال: ((هُنّ أَغْلَبُ))([38])، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ.
وَكَانَ يَنْفُخُ فِي صَلَاتِهِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ([39]).
قال الإمام ابن القيم: ((وَأَمّا حَدِيثُ: ((النّفْخُ فِي الصّلَاةِ كَلَامٌ))، فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ r، وَإِنّمَا رواه سعيد في سننه عن ابْنِ عَبّاسٍ رَضْيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ قَوْلِهِ إنْ صَحّ([40]).
وَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ. قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ t: ((كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللّهِ r سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلّي فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْته فَارِغاً أَذِنَ لِي))، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: ((كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللّهِ r مَدْخَلَانِ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ، وَكُنْتُ إذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي، تَنَحْنَحَ([41]).وَعَمِلَ بِهِ أحمد، فَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَى النّحْنَحَةَ مُبْطِلَةً لِلصّلَاةِ.
وَكَانَ يُصَلّي حَافِياً تَارَةً، وَمُنْتَعِلاً أُخْرَى، كَذَلِك قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ([42])، وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّعْلِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ([43]).
وَكَانَ يُصَلّي فِي الثّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً، وَفِي الثّوْبَيْنِ تَارَةً، وَهُوَ أَكْثَرُ))([44]).
ثانياً: رقة قلبه r وبُكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة:
لم يكن النبي r يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا، ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته، وشفقة عليها، وتارة من خشية الله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ([45]).
ومن الحالات التي بكى فيها النبي r ما يأتي:
1 - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل، فقال بلال: يا رسول الله لِـمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت عليّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها:]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[»([46])([47]).
2 - بكاء النبي r في الصلاة من خشية الله تعالى،فعن عبدالله بن الشخِّير قال: أتيت رسول الله r وهو يُصلِّي ولصدره أَزِيزٌ كأزيز المِرجل من البكاءِ([48]).
3 - بكاء النبي r عند سماع القرآن،فعن عبد الله بن مسعود t قال: قال لي رسول الله r : «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: «نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري» قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً[([49])، فإذا عيناه تذرفان([50]).
4 - بكاء النبي r عند فقد الأحبة، بكى النبي r عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف t : وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف! إنها رحمة... إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنّا بفراقك
يا إبراهيم لمحزونون»
([51]).

5 - بكاء النبي r عند وفاة إحدى بناته، قيل:هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس t قال: شهدنا بنتاً للنبي r قال: ورسول الله r جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم أحد لم يُقارف([52]) الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا، قال: «فانزل في قبرها» قال: فنزل في قبرها فقَبَرها([53]).
6 - بكى r عند موت ابنة له أيضاً، فعن ابن عباسرَضْيَ اللَّهُ عَنْهُمَاقال: أخذ رسول الله r ابنة له تقضي([54])فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله r: «أتبكين عند رسول الله؟» فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: «إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله U»([55]).
7 - بكى r عند وفاة أحد أحفاده،فعن أسامة بن زيد رَضْيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: أرسلَتْ بنتُ النبيِّr([56]): إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: «إنّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب» فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال y، فرُفِعَ إلى النبي r الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، قال: كأنها شَنّ، وفي رواية: (تقعقع([57]) كأنها في
شنٍّ
([58])، ففاضت عيناه) فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» وفي رواية: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ»([59]).

8 - بكى النبي r عند موت عثمان بن مظعون، فعن عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالت: رأيتُ رسولَ الله rيُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل.ولفظ الترمذي:((أن النبي r قَبّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان))([60]).
9 - بكى r على شهداء مؤتة،فعن أنسٍ t أن النبي r نعى زيداً وجعفراً للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الرّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخَذَ جعفرٌ فأصيب، ثم أَخَذَ ابنُ رَواحةَ فأصيب، -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم»([61]).
10- بكى عند زيارة قبر أمه، فعن أبي هريرة t قال: زار النبي r قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها تذكركم الموت»([62]).
11 - بكى r عند سعد بن عبادة وهو مريض، فعن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي r يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص،وعبد الله بن مسعود y، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله([63])، فقال: «قد قضى؟» قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي r ، فلما رأى القوم بكاء النبي r بَكَوْا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا»([64]) وأشار إلى لسانه «أو يرحم...»([65])الحديث([66]).
12 - بكى r عند القبر، فعن البراء بن عازب رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: كُنّا مع رسول الله r في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى، ثم قال: «يا إخواني! لِـمِثْلِ هذا فأعِدُّوا»([67]).
13 - بكى r في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربهويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب t ، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله r تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح([68]).
14 - بكى r في صلاة الكسوف،فعن عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: انكسفتِ الشمس يوماً على عهد رسول الله r ،فقام رسول الله r يُصلّي، ثم سجد،فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال:فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم» وفيه: «ربِّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم»([69]).
15 - بكى r لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر، ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب y: ((... فلما أسروا الأسارى قال رسول الله r لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء؟» فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله r : «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن علياً من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيباً لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله r ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَـمّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله r وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله r: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله r ، وأنزل الله U: ]مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ([70])فِي الْأَرْضِ[ إلى قوله: ]فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّباً[([71])، فأحلّ الله الغنيمة لهم))([72]).
16 - بكى النبيُّ r شفقة على أمته،فعن عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أنّ النبيَّ r تلا قول الله U في إبراهيم: ]رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي[([73]) الآية، وقال عيسى u: ]إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[([74]) الآية، فرفع يديه وقال: «اللهم أُمّتي أُمّتي» وبكى، فقال الله U: «يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل u فسأله، فأخبره رسول الله r بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك»([75]).

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

المبحث الخامس عشر: خشوع الصحابة y في صلاتهم
الصحابة y يقتدون بالنبي r في خشوعه في صلاته، ومن أمثلة ذلك الأمثلة والنماذج الآتية:
1- خشوع أبي بكر t في صلاته، فعن عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ r جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ([1])، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) وفي رواية: أنه قال r: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))قالت عائشة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))([2]).
وهذا فيه من الفوائد: خشوع أبي بكر في صلاته، وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه، لكن لا يتكلَّف ذلك، ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج([3]).
2- خشوع عمر بن الخطاب t في صلاته، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر حين رأى نزف الدماء: قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليصلِّ بالناس، ثم غُشي على عمر t، فحُمل فأدخلوه بيته، ثم صلَّى بالناس عبد الرحمن بن عوف t، فأنكر الناس صوت عبدالرحمن، ولم يزل عمر t في غشية واحدة، حتى أسفر، فلمَّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله فقال: ((أصلَّى الناس؟)) قالوا: نعم، فقال: ((لا إسلام لمن ترك الصلاة))، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلَّى، وجرحه ينزف دماً، ثم أمر بعد صلاته من يسأل عن من قتله؟ فأخبروه أنه طعنه أبو لؤلؤة، فقال عمر t: ((الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط))([4]) .
فكان عمر بن الخطاب t حريصاً على صلاة المسلمين، وكان ذلك أعظم عنده من نفسه، فسأل بقول: ((أصلى الناس؟))، ثم أقبل على صلاته، ثم بعد أن صلَّى سأل عن من قتله t؟.
وكان عمر t قد رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال:
((يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرِّقاب، إنّما الخشوع في القلوب))([5]) .

3- خشوع سعد بن معاذ t في صلاته، فقد ذُكِرَ أنه قال: ((فيَّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّثُ نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله r حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحدِّث نفسي بغير ما تقول ويُقال لها))([6]) .
4- خشوع عبد الله بن الزبير t في صلاته،قد ذُكِرَ أنه ((كان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه))([7]) .
وغيرهم من أصحاب النبي r كثير، ولكن هذه من باب الأمثلة والله المستعان.

###






المبحث السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم
التابعون من القرون المُفضَّلة، وكذلك أتباعهم y، لهم مواقف في خشوعهم في صلاتهم، تدل على رغبتهم فيما عند الله تعالى، ومنها الأمثلة الآتية:
1- خشوع عروة بن الزبير في صلاتهرحمه الله تعالى([8])، كان عروة يخشع في صلاته خشوعاً عظيماً، فقد ذُكِرَ عنه أنه خرج من المدينة مُتوجِّهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وعندما كان في وادٍ قرب المدينة أصابه أكلة في رجله، ولم يصل إلى دمشق إلا وقد وصلت الأكلة إلى نصف ساقه، ودخل على الوليد، فجمع له الأطباء، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلَّها إلى وركه، وربما ترقَّت إلى الجسد، فطابت نفسه بقطعها، وقالوا له: ألا نسقيك مُرَقِّداً؟ فقال: ما ظننت أن أحداً يشرب شراباً، أو يأكل شيئاً يُذْهِبُ عقله حتى لا يعرف ربه، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحسُّ بذلك، ولا أشعر به، فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي احتياطاً حتى لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي، فما تألَّم ولا اضطرب، فلمَّا انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً، وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذتَ فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فَلَطَالَمَا عافيت، فلك الحمد على ما أخذت، وعلى ما عافيت، وكان قد صحبه بعض أولاده ... فمات أحبهم إليه فَعَزَّوْهُ فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة، فأخذتَ منهم واحداً وأبقيتَ ستة، فلئن كنتَ قد ابتليتَ، فلطالما عافيتَ، ولئن كنتَ قد أخذتَ، فلطالما أعطيتَ، ثم رجع إلى المدينة، وما شكا ذلك إلى أحد، فلمّا دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويُعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس:
لعمركَ ما أهويتُ كفِّي لريبةٍ




ولا حَمَلَتني نحوَ فاحشةٍ رجلي



ولاقادني سمعي ولابصري لها




ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي([9])



2- خشوع عامر بن عبد الله بن قيس([10]) في صلاته رحمه اللهتعالى كان لهذا الرجل من الأخبار في الخشوع في صلاته الأخبار الكثيرة، ومنها:
*قيل له: أتحدِّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدِّثها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي([11])أيِّ إلى أي الدارين.
*وذكروا له بعض ما يجدونه في الصلاة من أمر الضيعة، فقال: أتجدونه؟ قالوا: نعم، قال: والله لأن تختلف الأسنّة في جوفي أحبُّ إليَّ من أن يكون هذا منِّي في صلاتي([12]).
*وعندما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل([13]).
*وكان يُقرئ القرآن لمن يتعلَّم عنده، ثم يقوم فيصلِّي إلى الظهر، ثم يصلِّي إلى العصر، ثم يُقرئ الناس إلى المغرب، ثم يُصلّي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفاً، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحَّر رغيفاً ويخرج([14]).
3- خشوع علي بن الحسين في صلاته رحمه الله([15])،كان إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته، أخذته رِعدةٌ ونفضة، فقيل له في ذلك؟ فقال: ((ويحكم أتدرون إلى من أقوم، ومن أريد أن أناجي؟))([16])، وفي لفظ: ((تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟))([17]) .
4- خشوع مسلم بن يسار في صلاته رحمه الله([18]) :
*قال عنه ابنه عبد الله بن مسلم: ((كان إذا صلَّى كأنه ودٌّ [أي وتد] لا يميل لا هكذا، ولا هكذا([19]).
*وقيل عنه: كان مسلم بن يسار إذا صلَّى كأنه ثوب مُلقى، وكان يقول لأهله إذا دخل في الصلاة: تحدَّثوا فلست أسمع حديثكم، وذُكر أنه وقع حريق في داره وهو يصلِّي، فلما ذُكِرَ له قال: ما شعرت([20]) .
5- خشوع حاتم الأصم رحمه الله في صلاته([21])، كان حاتم ينطق بالحكمة، ويخشع لله تعالى في صلاته، فقد مرَّ عصام بن يوسف رحمه الله بحاتم الأصمّ وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تُحْسِنْ تُصَلِّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: ((أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهّد بالتمام، وأسلِّم بالسبل([22]) والسنة [وفي لفظ: وأسلم بالنية] وأسلمها بالإخلاص لله U، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت)). قال: تكلَّم فأنت تُحْسِنُ تصلِّي([23]).
6- قال الحسن رحمه الله تعالى: ((إذا قمت إلى الصلاة قانتاً، فقم كما أمرك الله، وإيَّاك والسَّهْو، والالتفات، إيَّاك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره، وتسأل الله الجنة، وتعوّذ به من النار وقلبك ساهٍ لا تدري ما تقول بلسانك))([24]) .
7- قال الفضيل بن عياض: ((كان يُكره أن يُرِيَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه))([25]) .
1- خشوع الإمام البخاري رحمه الله([26]) في صلاته:قال مسبح بن سعيد: ((كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة([27])، وكان رحمه الله يُصلِّي ذات يوم أو ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال : انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعاً، ولم يقطع صلاته([28]). وقد قيل : إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته : كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال : ((كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمَّها))([29]).
وقال مقسم بن سعد : ((كان محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة))([30]).
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق : ((... كان أبو عبد اللّه يُصلِّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة))([31]).
ومن شعره رحمه الله تعالى :
اغتنم في الفراغ فضل ركوع




فعسى أن يكون موتك بغتة



كم صحيح رأيت من غير سقم




ذهبت نفسه الصحيحة فلتة([32])



وقد قيل : إنه لما ألَّف الصحيح كان يُصلِّي ركعتين عند كل ترجمة([33])، يعني يستخير الله في وضعها وعدمه.


###





المبحث السابع عشر:الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها
الخشوع في تلاوة القرآن يكون في الصلاة وخارج الصلاة، والخشوع في قراءته في الصلاة أعظم وآكد، وأهل الإيمان يتأثرون بقراءة القرآن فيخشعون لله، داخل الصلاة وخارجها، وهذا التأثير يكون على النفوس والقلوب والأرواح، وهذا التأثير جاء على أنواع على النحو الآتي:
النوع الأول:تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم
القرآن العظيم مُؤثِّر في القلوب والنفوس والأرواح؛ لأنه كلام العليم الخبير بما يصلح هذه القلوب والنفوس في الدنيا والآخرة، ومن هذا التأثير ما يأتي:
1- تأثيره على علماء أهل الكتاب وغيرهم من أهل العقول، قال الله تعالى:]وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الـْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين[([34]).
2- الذين أوتوا العلم من قبله يتأثَّرون به، قال الله تعالى:]قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً[([35]).
3- الذين أنعم الله عليهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرُّوا سُجَّداً وبُكِيّاُ:قال تعالى:]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَالنَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً[([36]).
4- من علامات الإيمان التأثر بالقرآن وزيادة الإيمان،قال تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون[([37]).
5- المُؤمنون الصادقون في إيمانهم، الخائفون من ربهم تقشَعِرُّ جلودهمعند قراءة القرآن، قال سبحانه: ]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادِ[([38]).
6- الصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله، قال U:]أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْـحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون[([39]).
عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن أنزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين([40]).
وعن عبد الله بن مسعود t قال: ((مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ]أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ[إلاأربع سنين))([41]).
النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي r:
وجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي r وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك ما يأتي:
1- أَمَرَ النبيُّ r أن يُقرأ عليه القرآن فبكى،فعن عبد الله بن مسعود t، قال: قال لي رسول الله r:((اقرأ عليَّ القرآن))،قال:فقلت:يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أُنزِلَ؟ فقال:((إني أشتهي أن أسمعه من غيري))، وفي لفظ للبخاري:((فإني أحب أن أسمعه من غيري))، فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت:]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً[([42])، وفي لفظ للبخاري: ((فقال حسبك الآن))، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعترأسي، فرأيت دموعه تسيل))، وفي لفظ للبخاري: ((فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان))([43]).
2- وعن أنس بن مالك t:أن رسول الله r قال لأبيّ بن كعب: ((إن الله U أمرني أن أقرأ عليك))، قال: آلله سمَّاني لك؟ قال:((الله سمَّاك لي))، قال فجعل أُبيّ يبكي))، وفي رواية: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ]لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا[([44])قال: وسمَّاني لك؟ قال:((نعم))
قال: فبكى(
[45]).
3- وعن عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا في حديث طويل ذكرت فيه صلاة النبي r بالليل، وأنه بكى مرات،قالت:((فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي،قال:يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟قال:((أفلا أكون عبداً شكوراً؛لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها:]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ...[([46])الآية كلها([47]).
4- وعن عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أن النبي r تلا قول الله U في إبراهيم:]رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
مِنِّي[(
[48])الآية، وقال عيسى u: ]إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لـَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم[([49]) الآية. فرفع يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي))، وبكى فقال الله U: ((يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل u فسأله، فأخبره رسول الله r بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك))([50]).
5- وعن أبي ذر t قال: قام النبي r بآية حتى أصبح يردِّدها،والآية: ]إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لـَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم[([51])([52])، ولم يكن النبي r يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ،كما لم يكن ضحكه قهقهةً، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملان،ويُسمع لصدره أزيز،وكان بكاؤه:تارة رحمة للميت،وتارة خوفاً على أمَّتِهِ وشفقة عليها،وتارة خشيةً لله تعالى،وتارة عند سماع القرآن،وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ([53])([54]).
النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواحوالنفوس كما جاء في الآثار عن السلف الصالح:
1- ثبت عن جبير بن مطعم t:أنه قال:سمعت النبي r يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ]أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون[([55]) كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي]))([56]).وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب.
2- ذُكِر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t أنه صلَّى بالجماعة صلاة الصبح، فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: أنه كان في صلاة العشاء، فيدل على تكريره منه، وفي رواية أنه بكى حتى سُمِعَ بكاؤه من وراء الصفوف([57]).
3- وذُكِر أنه قدم أُناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق t، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق t: ((هكذا كنَّا، ثم قست القلوب))([58]).
4- وذُكِرَ عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك([59]) البالي من الدموع([60]).
والذي جعل النبي r يبكي من خشية الله تعالى،هو علمه بالله تعالى، وأسمائه،وصفاته،وعظمته،وعلمه بما أخبر الله به من أمور الآخرة؛ولهذا كان أبو هريرة tيقول:قال رسول الله r:((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))،وفي لفظ:قال:قال أبو القاسم r: ((والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً))([61]).
وعن أنس t قال: قال النبي r: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))([62]).
وعن أبي ذر t في حديث طويل عن النبي r وفيه قوله r:
((... والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً،وما تلذذتم بالنساء على الفُرُشات، ولخرجتم إلى الصُّعُداتِ تجأرون إلى الله...))(
[63]).
وهكذا أصحابه y وأتباعهم بإحسان: علمهم بالله تعالى وبما أخبر به عن الدار الآخرة جعلهم يخشون الله تعالى، ويخشعون في قراءتهم لكتابه، وفي صلاتهم، ويتأثرون بكلامه U.


###





المبحث الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة
الخشوع الكامل في الصلاة: في القراءة فيها، والأدعية، والأذكار يكون على ثلاث درجات على النحو الآتي:
الدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها، وهذه الدرجة أدنى ما يُجزِئ من الخشوع الكامل، فقد ثبت أن النبي r بكى وهو يصلِّي صلاة الليل، فقال بلال t: يا رسول الله لِمَ تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[([64])))([65]).
قال عبد الرحمن بن سليمان: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلّق المتعلّق وينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنية، ثم قال: ((يقرؤهنّ وهو يعقلهنّ))([66]).
وذلك أن من لم يعقل ما يقول، وسها بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، ومما يدلّ على ذلك حديث عثمان t: أنه توضأ وضوءاً كاملاً ثم قال: ((رأيت النبي r توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه))([67]).
وعن عقبة بن عامر t: أنه سمع النبي r يقول: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة))([68]) .
ويُؤكِّد ذلك قول ابن عباس رَضْيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها))([69]).
ومما يدل على حضور القلب مع القول قول النبي r: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه))([70])، وفيه حديث عمر بن الخطاب t في فضل إجابة المؤذن، وفيه: ((...إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر ...)) إلى قوله: ((...ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة))([71])، فهذا والله تعالى أعلم: أدنى الخشوع الكامل: أن يقرأ الآيات والأذكار متفَهِّماً لمعانيها، وكذلك أذكار الصلاة: كأذكار الركوع، والرفع منه، وأذكار السجود، والجلسة بين السجدتين، وغير ذلك من أذكار الصلاة، وأدنى الخشوع في ذلك أن لا يقولها غافلاً عن معناها([72]) .
الدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها، ومتأثراً بمعانيها حال قراءتها، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها بوجود التأثّر من تلك المعاني، حتى يُعرف خشوعه من صوته، ويتأثَّر به من سَمِعَه، ويحسب أنه يخشى الله فيها، فيرغب في آيات الوعد، ويرهب من آيات الوعيد.
الدرجة الثالثة: أن يقرأها مُتأثِّراً غاية التأثر بحقائقها تلك، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها ببلوغ التأثُّر غايته، وشهود حقائق المعاني بالقلب، حتى كأنَّها رأي عين؛ وفي حديث حنظلة t أنه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله r: ((وما ذاك؟)) قال: قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضّيعات - نسينا كثيراً- فقال رسول الله r: ((والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) ثلاث مرار، وفي لفظ:
((يا حنظلة ساعة وساعة، لو كانت تكونُ قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلّم عليكم في الطرق))([73]) .
ويشعر صاحب هذه الدرجة من الخشوع بتقصير، وتفريط، فيسأل الله تعالى من فضله راغباً، ويستعيذ من عذابه راهباً، يدفعه إلى ذلك تأثّره؛ ولهذا كان النبي r في صلاة الليل: ((إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ ...))([74]) .
ومن أصحاب هذه الدرجة من قال الله عنهم: ]وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[([75])، قالت عائشة:
يا رسول، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا ابنة أبي بكر))، أو ((يا بنت الصديق)) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويُصلّي، وهو يخاف أن لا يُتقبَّل منه))([76]) .

وهذه الدرجات الثلاث لعلّ ابن القيم يعنيها في الأقسام الثلاثة الأخيرة من مراتب الناس الخمسة في الصلاة، فقد ذكر أن القسم الثالث من حافظ على حدود الصلاة وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه؛ لئلا يسـرق صـلاته، فهو في صلاة وجهاد، ثم بيّن رحمه الله أن هذا مكفّر عنه.
وقال في القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها، وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئاً منها ، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها، ثم بيّن رحمه الله: أن هذا القسم: مثاب.
وقال في القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك: [أي كما في القسم الرابع]، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه U ناظراً بقلبه إليه، مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، ... فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربّه U قرير العين، ثم بيَّن رحمه الله: أن هذا القسم الخامس مقرّب من ربّه؛ لأن له نصيباً ممن جعلت قرّة عينه في الصلاة ...([77])
فالقسم الثالث عند ابن القيم هو الدرجة الأولى من درجات الخشوع في الصلاة، وهي أدنى درجات الكمال في الخشوع.
والقسم الرابع عند ابن القيم هو الدرجة الثانية من درجات الخشوع في الصلاة.
والقسم الخامس عند ابن القيم هو الدرجة الثالثة من درجات الخشوع في الصلاة. والعلم عند الله تعالى.
وهذه الدرجات الثلاث إنما هي في الخشوع الكامل الذي يجزئ، أما أحوال الناس في صلاتهم فتتفاوت أشدّ التفاوت، والله المستعان([78]) .


###




المبحث التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة
الخشوع في الصلاة له فوائد كثيرة منها الفوائد الآتية:
أولاً: الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي،قال الله تعالى: ]وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون[([79]).
قال العلامة السعدي رحمه الله: ((وإنها)) أي الصلاة ((لكبيرة)) أي شاقة ((إلا على الخاشعين)) فإنها سهلة عليهم، خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحاً صدره؛ لترقُّبه للثواب ، وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك؛ فإنه لا داعي له يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه ...؛ ولهذا قال: ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ)) أي يستيقنون ((أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)) فيجازيهم بأعمالهم ((وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون)) فهذا الذي خفف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلِّي في المصيبات، ونفّس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه))([80]).
وقد كان النبي r إذا حزبه أمر صلَّى، فعن حذيفة t قال: ((كان النبي r إذا حزبه أمر صلَّى))([81]) .
وعن صهيب t، عن النبي r فيما حكاه عن نبي من الأنبياء السابقين، وفيه: أن هذا النبي استشار قومه، فقالوا: أنت نبي الله نَكِلُ ذلك إليك، فَخِرْ لنا، قال ((فقام إلى صلاته)) قال: ((وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة))([82])، وهذا يدل على أن النبي r إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر شديد] فزع إلى الصلاة، وكان الأنبياء قبله عادتهم الاشتغال بالصلاة في الشدائد))([83])([84]).
ثانياً: الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر:
قال تعالى: ]اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[([85]) .
فالله تعالى أمر بتلاوة كتابه، ومن تلاوته: اتباع ما يأمر به، والابتعاد عما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبُّر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، عُلِمَ أن إقامة الدين كلّه داخلة في تلاوة كتاب الله، فيكون قوله تعالى: ]وأقم الصلاة[ من باب عطف الخاص على العام لفضل الصلاة، وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي ((إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ))، ووجه ذلك أن العبد المقيم لها، المتمّم لأركانها، وشروطها، وخشوعها يستنير قلبه، ويتطهَّر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتعدم رغبته في الشرّ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها([86]).
فالخشوع في الصلاة من الواجبات التي تجب لها، فحينئذٍ تنهى عن الفحشاء والمنكر: إذا قام بها العبد كاملة بما يجب لها. والله تعالى أعلم.
وقد ثبت أنه قيل للنبي r: ((إن فلاناً يصلِّي الليل كلَّه، فإذا أصبح سرق، فقال: ((سينهاه ما تقول))، أو قال: ((ستمنعه صلاته))([87]).
فإذا صلَّى العبد المسلم الصلاة على الوجه الأكمل: بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وخشوعها، والتدبّر في قراءتها منعته من الفحشاء والمنكر([88]) .
ثالثاً: الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى:
لا شك أن الخشوع الكامل في الصلاة يجلب البكاء من خشية الله تعالى، وإذا حصل هذا العمل الصالح كان من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار؛ لحديث أبي هريرة t، قال: قال رسول الله r: ((لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ))([89]) .
وعن أبي أمامة t عن النبي r قال: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ))([90]) .
وعن ابن عباس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، قال: سمعت رسول الله r يقول: ((عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))([91]).
وعن أبي هريرة t عن النبي r قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهِ: إِمَامٌ عاَدِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلُمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يِمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))([92]) .
والمشروع في البكاء أن يكون الباعث عليه: التفكُّر في الذنب، أو عدد الذنوب، أو التفكُّر في تقصيره، أو خوف عذاب الله تعالى، أو الخوف من أن لا يقبل عمله؛ لفقد شرطٍ من شروط صحته، أو خوف الموت قبل الاستعداد، أو توقير الله وتعظيمه، أو خوف الفتن، أو خوف عدم الثبات على الدين، أو التذلّل لله في الدعاء، أو الطَّمع في رضوان الله والجنّة، أو الشوق إلى لقاء الله تعالى، وأعظم البكاء من خشية الله في الخلوات.
رابعاً: الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي، وهو التوجه والحضور بالقلب، والجسد بين يدي الله تعالى، والتقرُّب له بذلك.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

خامساً: الخشوع في الصلاة يهوِّن الوقوف على العبد يوم القيامة؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هُوِّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف، ولم يوفِّه حقَّه شُدِّد عليه ذلك الموقف، قال الله تعالى: ]وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً[([93])([94]).
سادساً: الخشوع في الصلاة يقرِّب العبد من الله، ويستفيد منهاللذة في مناجاة الله؛ لأن اللذة تابعة للمحبَّة تقوى بقوَّتها، وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت الّلذَّة بالوصول إليه أتمّ([95]).
سابعاً: الخشوع الكامل يزداد به الإيمان، ويليِّن القلب، ويورثالزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويبعث في القلب محبة الخير، والرغبة فيه، وكراهية الشرِّ والنفور منه، وبهذا تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر.
ثامناً: الخشوع في الصلاة يزيل الهمَّ عن القلب، ويشرح الصدر.
تاسعاً: الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حُبَّاً في الصلاة حتىتكونأحبَّ شيء إلى النفس فتصبح قُرَّة العين، وراحة النفس، كما تقدم في الأدلة.
عاشراً: الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام اللهتعالى، قال الله I: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً[([96]) .
الحادي عشر: الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد، فيدعو اللهويتضرَّع إليه، وكلما ازداد الخشوع كان ذلك أبلغ([97]) .
الثاني عشر: الخشوع في الصلاة يجعلها شفاءً من عامة الأوجاعقبل استحكامها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
((قَالَ اللّهُ تَعَالَى : ]وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[([98]).
وَقَالَ: ]يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ[([99]).
وَقَالَ تَعَالَى: ]وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَى[([100]).
وَفِي السّنَنِ:((كَانَ رَسُولُ اللّهِ r إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصّلَاةِ))([101]).
وَقَدْ ذَكَرَ الإِمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ عُمُومَ ((الِاسْتِشْفَاءِ بِالصّلَاةِ مِنْ عَامّةِ الْأَوْجَاعِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا))([102]).
وَالصّلَاةُ مُجْلِبَةٌ لِلرّزْقِ، حَافِظَةٌ لِلصّحّةِ، دَافِعَةٌ لِلْأَذَى، مُطْرِدَةٌ لِلْأَدْوَاءِ، مُقَوّيَةٌ لِلْقَلْبِ، مُبَيّضَةٌ لِلْوَجْهِ، مُفْرِحَةٌ لِلنّفْسِ، مُذْهِبَةٌ لِلْكَسَلِ، مُنَشّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ، مُمِدّةٌ لِلْقُوَى، شَارِحَةٌ لِلصّدْرِ، مُغَذّيَةٌ لِلرّوحِ، مُنَوّرَةٌ لِلْقَلْبِ، حَافِظَةٌ لِلنّعْمَةِ، دَافِعَةٌ لِلنّقْمَةِ، جَالِبَةٌ لِلْبَرَكَةِ، مُبْعِدَةٌ مِنَ الشّيْطَانِ، مُقَرّبَةٌ مِنَ الرّحْمَنِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَقُوَاهُمَا، وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ عَنْهُمَا، وَمَا اُبْتُلِيَ رَجُلَانِ بِعَاهَةٍ، أَوْ دَاءٍ، أَوْ مِحْنَةٍ، أَوْ بَلِيّةٍ، إلّا كَانَ حَظّ الْمُصَلّي مِنْهُمَا أَقَلّ، وَعَاقِبَتُهُ أَسْلَمَ.
وَلِلصّلَاةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ شُرُورِ الدّنْيَا، وَلَا سِيّمَا إذَا أُعْطِيَتْ حَقّهَا مِنَ التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدْفِعَتْ شرورُ الدُّنيا والآخرة، ولا استُجْلِبَت مصالِحُهُمَا بمثل الصلاة، وسِرُّ ذلك أنَّ الصلاة صِلةٌ باللهِ U، وَعَلَى قَدْرِ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبّهِ U تُفْتَحُ عَلَيْهِ مِن الْخَيْرَاتِ أَبْوَابُهَا، وَتُقْطَعُ عَنْهُ مِن الشّرُورِ أَسْبَابُهَا، وَتُفِيضُ عَلَيْهِ مَوَادّ التّوْفِيقِ مِنْ رَبّهِ U، وَالْعَافِيَةُ، وَالصّحّةُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالْغِنَى، وَالرّاحَةُ وَالنّعِيمُ، وَالْأَفْرَاحُ وَالْمَسَرّاتُ، كُلّهَا مُحْضَرَةٌ لَدَيْهِ وَمُسَارِعَةٌ إلَيْهِ))([103]).

###





المبحث العشرون:الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة
لا شك أن للصلاة طعماً؛ لأنها من أعظم العبادات، والعبادة لله تعالى يتلذَذ بها المسلم الصادق مع الله تعالى؛ ولهذا قال النبي r: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً))([104]) .
ومما يدل على التلذُّذ بالعبادة قول النبيّ r: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُكَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ))([105]) .
وفي رواية للإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي: ((...فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ))([106]) .
فمن وفقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوته، فيستلذُّ الطاعة، ويتحمَّل المشاق في رضى الله U ورسوله r([107]) .
والتلذذ بالصلاة يكون بأمرين:
الأمر الأول: المبادرة والتبكير برغبةٍ ولذَّةٍ إلى الصلاة:
كان النبي r يبادر إلى الصلاة، فقد كان يكون مع أهله، فإذا أذَّنَ المؤذِّنُ خَرَج وتَرَكَهُم([108])؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ))([109]).
وقد كان r يحثُّ الناس ويرغِّبهم في المبادرة إلى الصلاة، وإلى الصف الأول، فعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِوَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ([110]) لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ([111]) وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً))([112]) .
* وكان الصحابي عبد الله بن رواحة t([113]) إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، وإذا دخل بيته صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبداً([114]).
وقد مدحه النبي r بقوله: ((رَحِمَ اللهُ أخي عَبْدَاللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كانَ أَيْنَما أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ أَناخَ))([115]).
فهو t من ناحيةٍ يُحِبُّ أن يستقبل بيته ويفارقه على ذكرٍ لله U، ومن ناحية أخرى لا يُحِبُّ أن يُؤَخِّر الصلاة عن وقتها، ولو كان في شغلٍ أو على سفر، وذلك منه حباً للصلاة، واستباقاً للمناجاة.
وإذا كان هذا في الصلاة، ففي سائر الطاعات كذلك.
* وتسابق أبي بكر وعمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا في أبوابِ الخير مشهور، معروف([116]).
* قال الصحابي عدي بن حاتم t([117]): ((ما جاء وقت صلاةٍ قطُّ إلا وقد أخذتُ لهَا أُهْبَتها، وما جاءت إلا وأنا إليها بالأشواق))([118])، فهو يستعدّ للصلاة قبل وقتها، ويتشوَّق للدخول فيها.
* وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ([119]): ((مَا أَذَّنَ الْـمُؤَذِّنُ مُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَةٍ ، إِلاَّ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ))([120])، فلولا أنه مشتاقٌ للقاء الله تعالى ما بادر إلى المسجد قبل الأذان منذ ثلاثين سنة.
* وكان الإمام القارئ عاصم بن أبي النجود الأسدي رحمه الله([121]) إذا صلَّى ينتصب كأنَّه عود، وكان يكون يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابداً خيّراً يصلي كثيراً جداً، ربما أتى حاجة، فإذا رأى مسجداً، قال: ((مِلْ بِنَا، فإن حاجتنا لا تفوت))، ثم يدخل، فيصلي([122])، وهذا منه رحمه الله شوق للصلاة، وهمٌّ بها كل وقت.
* وقال محمد بن سماعة القاضي التميمي الكوفي رحمه الله([123]): ((مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوماً واحداً ماتت فيه أمي ))([124]). وهذا أقل درجةً من سعيد بن المسيب؛ لأنه يذكر التكبيرة الأولى، لا الحضور قبل الأذان.
والشيطان يحرص على أن يؤخر المؤمن عن المبادرة إلى الطاعات، فجاء في الحديث الصحيح: ((يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلاَّ أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ))([125]).
وهذا التسابق إلى الطاعات ليس داخلاً في العجلة المذمومة، بل بيَّن لنا النبي r أن ((التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ))([126]).
* وما أحسن ما وصف به يونس بن عُبيدٍ رحمه الله ((أنه كان لا يحضره أمرٌ من الله إلا كان له مستعداً))([127])، فهو مثلاً على وضوءٍ
دائماً؛ لئلا يتأخَّر عن صلاة نافلة أو فريضة متى حضر وقتها، وهو أيضاً زاهدٌ في دنياه، وقد كتب وصيته استعداداً للموت، أو للخروج للجهاد، وهكذا.

فإن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، كما أوصاك، ولا تكن ممن يسبق غيره إلى الدنيا، ويتأخر عنهم في أعمال الآخرة، وَقَدْ رُوِيَ: ((لَا تَكُنْ أَوَّلَ دَاخِلٍ السُّوقَ وَلَا آخِرَ خَارِجٍ مِنْهَا))([128]). وذلك لأنه بيت الشيطان، وقد ثبت في الحديث الصحيح: ((أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))([129])، والله المستعان.
الأمر الثاني: إطالة الصلاة بتلذُذٍ ورغبة عظيمة:
فمن أحسَّ بلذَّةِ الصلاة لم يشعر بالوقت وهو يمرُّ، بل تمضي الساعات الطويلة كأنها دقائق، وقد قال القائل:
زمانٌ تقضَّى بالمسرة ساعة




ويومٌ تقضَّى بالمساءة عام




ولهذا كان النبي r يقوم ليلاً طويلاً، ويتلذَّذ بذلك، وقد ثبت قيامه طويلاً في أحاديث كثيرة، منها:
1- عن عبدالله بن مسعود t قال:((صلَّيْت مع رسول الله r ليلةً، فأطال حتى هَمَمت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه))([130]).
2- وعن حذيفة بن اليمان t قال:((صلَّيت مع النبي r ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلِّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُترسِّلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعَوُّذٍ تَعوَّذ... ))([131]).
3- وعن عوف بن مالك t قال:((قمت مع رسول الله r ليلة، فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة))، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة))([132]).
4- وعن حذيفة t أنه رأى رسول الله rيُصلِّي من الليل، فصلَّى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، أو الأنعام))([133]).
5- وعن زيد بن خالد الجهني t قال: لأرمُقنَّ صلاة رسول الله r الليلة، فصلَّى ركعتين خفيفتين، ثم صلَّى ركعتين: طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللّتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة))([134]).
6- وعن عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أن النبي r كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((أفلا أكون عبداً شكورا))([135]) .
7- وقالت عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عن النبي r: ((كان يصلِّي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته – يعني بالليل- فيسجد السجدة قدر ما يقرأُ أحدُكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه))([136]) .
8- وعن عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا في صلاة النبي من الليل في آخر حياته، قالت: (( ...وكان يُصلِّي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد...))([137])([138]).
9- وعن حفصة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قالت: ((ما رأيت رسول الله r صلَّى في سبحته([139]) قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلِّي في سبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها))([140]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 7 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة


10- وعن عبد الله بن مسعود t أن رجلاً قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: ((هذَّاً كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله r يقرن بينهن،فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة))([1]).وفي لفظ:((كان النبي r يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة))وقال:((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم:]حم[،الدخان،و]عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ[([2]). وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف عبد الله))([3]). وفي لفظ لمسلم: ((...هذّاً كهذِّ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إنَّ أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله r يقرن بينهن...))([4]).
11- وعن عائشة رضي الله عنها قالت:((قام رسول الله r بآية من القرآن ليلة))([5]). وعن أبي ذر t قال: ((قام النبي r بآية حتى أصبح يُردِّدها، والآية: ]إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[([6]).
وهذا يدل على التنويع في القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده، وعلى حسب الأحوال وقوة الإيمان.
وهذا يدل على تلذُّذ النبي r بالصلاة فهي قرُّة عينه، وراحة نفسه r.
* وكذلك كان أصحابهy، والتابعون لهم بإحسان: فقد كان الخليفة الراشد عثمان بن عفان t([7]) يختم القرآن في ركعة كما ثبت ذلك عنه([8])، وما ذاك إلا لغيبته عن تعب طول القيام بإحساسه بلذة القرآن، وهو القائل: ((لو طَهُرَتْ قلوبُكم ما شبعتُم من كلام ربكم))([9]).
* وكذا تميم الداريt([10])، وسعيد بن جبير([11])، والإمام أبو حنيفة النعمان([12])، رحمهما الله يختمون القرآن في ركعة واحدة في أناسٍ لا يحصون كثرةً كما قال النووي رحمه الله([13])، ولعل هذا في ليالي الشتاء الطويلة، أضف لذلك بركة الوقت.
والأفضل أن لا يختم في أقلِّ من ثلاثة أيام؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي r، وفيه: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقلِّ من ثلاث))([14]).
* وكان أبو إسحاق السَّبيعي رحمه الله([15]) لما كبر كان لا يقدر على القيام حتى يُقام، فإذا أقاموه قرأ بألف آية! وقال: ((ضعفت ورقّ عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران))([16]).
* وأقل منه عطاء بن أبي رباح([17])؛ فإنه بعد ما كبر و ضعُفَ يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مائتي آية من البقرة و هو قائم ما يزول منه شيء و لا يتحرك ))([18]).
* وقال: خالد بن دريك([19]): ((كان لنا إمامٌ بالبصرة يختم بنا في شهر رمضان في كل ثلاثٍ، فمرض، فأمَّنا غيره، فختم بنا في كلِّ أربع، فرأينا أنه قد خفَّفَ))([20]). بمعنى أنه يقرأ ربع القرآن كل يوم، ومع ذلك عدُّوا صلاته خفيفة! وليس لذلك تفسيرٌ إلا أنهم كانوا إذا واجهوا ربهم تبارك وتعالى، فإنهم ينسون كل ما سواه.
* وهناك إطالةٌ للصلاة من نوعٍ آخر، وهو أن كثيراً من السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا يصلون الفجر بوضوء العشاء، أي أنهم كانوا لا ينامون الليل، فيجعلونه وقتاً للعبادة والخلوة بالله U.
منهم التابعي الجليل سعيد بن المسيَّب رحمه الله الذي ذُكر عنه أنه صلَّى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة ([21])، هذا وهو إمام التابعين، وسيِّدُهم، فليس في فعله منكرٌ ينكر عليه، ثم إن ذلك ليس لسنةٍ ولا سنتين، ولو فرضنا أن العدد المذكور مبالغٌ فيه، فلن تكون الحقيقة أقل من النصف منه.
* وَصَلَّى سليمان التيمي البصري رحمه الله([22]) الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة([23])، ويقال فيه كما قيل فيما قبله.
ولكن سنة النبي r هي المُتَّبعة، ولم يكن يفعل ذلك، فعن أنس t قال: ((جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي r، يسألون عن عبادة النبي r، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي r!؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ، فقال أحدهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخرُ: أنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبداً، فجاء إليهم رسول الله r فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))([24]).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله r إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وما رأيت رسول الله r قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهراً متتابعاً إلا رمضان))([25]).
* ومن السلف الصالح من كان يَجْتَهِدُ في العبادة حتى لو قيل له: إن غداً القيامة ما استطاع أن يزيد في عبادته شيئاً؛ لأنه قد أتى منها بأكثر ما يقدر، منهم: أبو مسلم الخولاني رحمه الله([26])، الذي كان يقول: ((لو قيل: إن جهنم تسعر ما استطعت أن أزيد في عملي))([27]).
* ومنهم منصور بن زاذان الواسطي([28])، وصفوان بن سليم القرشي([29])، وعبد الرحمن بن أبي نعم الكوفي([30])، وحماد بن سلمة البصري([31]) رحمهم الله تعالى.
* وبلغ التلذذ بالعبادة عند بعضهم مبلغاً حتى تمنّى على الله تعالى أن يرزقه الصلاة في قبره، ليلتذّ بها في القبر كما التذّ بها في الدنيا، فهذا ثابت بن أسلم البناني البصري رحمه الله([32]) يقول: ((اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَعْطَيْت أَحَداً الصَّلاَةَ فِي قَبْرِهِ، فَأَعْطِنِي الصَّلاَةَ فِي قَبْرِي))([33])، فأعطاها إياه، فرآه من دفنه – وهو أبو سنان – يصلي في القبر. وأقسم آخر أنه رآه في المنام يصلي في القبر بثياب خضر([34]):
يُحْيُونَ لَيْلَهُمْ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ



بِتِلاوَةٍ وَتَضَرُّعٍ وَسُؤَالِ


وَعُيُونُهُمْ تَجْرِي بِفَيْضِ دُمُوعِهِمْ




مِثْلَ انْهِمَالِ الْوَابِلِ الْهَطَّالِ


فِي اللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَعِنْدَ جِهَادِهِمْ



لِعَدُوِّهِمْ مِنْ أَشْجَعِ الأَبْطَالِ


بِوُجُوهِهِمْ أَثَرُ السُّجُودِ لِرَبِّهِمْ



وَبِهَا أَشِعَةُ نُورِهِ الْمُتَلالِي([35])



قال الشاطبي رحمه الله([36]): ((ما ذُكر عن الأولين من الأعمال الشاقة التي لا يطيقها إلا الأفراد؛ الذين هيأهم الله لها، وهيأها لهم، وحببها إليهم، ولم يكونوا بذلك مخالفين للسنة بل كانوا معدودين في السابقين، جعلنا الله منهم؛ وذلك لأن العلَّة التي لأجلها نُهيَ عن العمل الشاق مفقودة في حقهم، فلم ينتهض النهي في حقهم))([37]).
* وإذا كان هذا في الزمن الغابر، فلا تزال لذَّة الصلاة مستمرةً إلى يومنا هذا، والحمد لله، وممن أُثر عنهم المحافظة على قيام الليل سفراً وحضراً، شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله([38])، فقد ذكر مَنْ صاحبه في سفره برّاً من الرياض إلى مكة أنه عندما جاءت الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، قال الشيخ: ما رأيكم لو نمنا هنا ثم في الصباح نكمل السفر، فوافق من معه، ثم ناموا، والشيخ طلب ماءً فتوضأ ثم شرع يُصلِّي ما شاء الله له، ثم نام، ولما قاموا لصلاة الفجر وجدوا الشيخ قد سبقهم للقيام وهو يصلي([39])([40]).
ودعي مرةً إلى جدة – وكان بمكة – فأجاب الدعوة، ولم يعد إلى منزله بمكة إلا في الساعة الثانية ليلاً، فنام من معه، فلما جاءت الساعة التي يقوم فيها للتهجد – وهي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل – إذا هو يوقظ من نام معه للصلاة، ثم قام يصلي حتى الفجر، وبعد الصلاة ألقى كلمة، ثم أخذ يستمع إلى المعاملات... وهكذا حسب برنامجه اليومي! فلم يترك – رحمه الله – قيام الليل مع إرهاقه واختلاف برنامجه([41]).
* وكان ما تقدم عندما ينسى المصلّي نفسه برغبته العظيمة، وتلذّذه بالعبادة؛ فإن النبي r كانت الصلاة قرّة عينه، كما قال r: ((حُبِّبَ إليَّ النساء، والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة))([42])، وقال r: ((يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها))([43]) .
وأما الأمة فقد قال لهم النبيّ r: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا))([44]) .
وعن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال : ((إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلَبه، فسدِّدُوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيءٍ من الدّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا))([45])([46]).
وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((وهذا يدلُّ على أن الأفضل في حقنا القصد، وعدم التطويل الذي يشقُّ علينا حتى لا نملَّ، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلِّي ويجتهد، ويتعبَّد، لكن من غير مشقة، بل يتوسط في كل الأمور حتى لا يملَّ العبادة))([47]) .
ولهذا جاء في حديث أنس عن النبي r وفيه: ((... ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد))([48]) .

###



المبحث الحادي والعشرون:الأسباب التي تزيل الغفلة وتجلب الخشوع في الصلاة
يجب ترك الأسباب التي تزيل الخشوع في الصلاة، أو تضعفه، والعمل بالأسباب التي تجلبه وتقوِّيه، وهي كثيرة، منها الأسباب الآتية:
السبب الأول: معرفة الله تعالى: بأسمائه، وصفاته، وألوهيَّته، وربوبيَّته، فيجب على العبد أن يعلم أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، والصفات العُلا؛ فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسول الله r، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تَكْييفٍ، ولا تمثيل، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله r، وأن الله تعالى هو: الخالق المالك لكل شيء، المدبّر له، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا مذلَّ لمن أعزَّ، ولا معزَّ لمن أذلَّ، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ومن هذه صفاته وأسماؤه وأفعاله، فهو المستحقُّ للعبادة وحده، لا شريك له، ولا معبود بحقٍّ سواه، ولا ربَّ غيره، فيجب على العبد أن يعبد هذا الربَّ الكريم كأنه يراه؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن معرفة الله نوعان:
النوع الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس: البرُّ والفاجر، والمطيع والعاصي.
النوع الثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلّق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته، والإنابة إليه، والأُنس به، والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخاصة، والناس يتفاوتون فيها؛ ولهذه المعرفة بابان واسعان:
الباب الأول: التفكُّر والتأمُّل في آيات القرآن كلِّها، والفهم الخاص عن الله تعالى، ورسوله r.
الباب الثاني: التفكُّر في آيات الله المشهودة، وتأمل حكمته فيها، وقدرته، ولطفه، وإحسانه، وعدله، وقيامه بالقسط على خلقه، وجِمَاعُ ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى، وجلالها، وكمالها، وتفرُّدِهِ بذلك، وتعلُّقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهاً في أوامره، ونواهيه، فقيهاً في قضائه وقدره، فقيهاً في أسمائه وصفاته، فقيهاً في الحكم الديني الشرعي، والحكم الكوني القدري، و ]ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[([49])))([50]).
السبب الثاني: علاج قسوة القلب،ومرضه، وغفلته؛ فإن هذه الأمراض من أعظم الأسباب في عدم الخشوع في الصلاة؛ لأن القلب إذا صلح صلحت الأعمال، والأحوال، فقد قال النبي r: ((أَلَا وَإِنَّ فِي اَلْجَسَدِ مُضْغَةً, إِذَا صَلَحَتْ, صَلَحَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ اَلْقَلْبُ))([51]).
· وقد ذمَّ الله أصحاب القلوب القاسية، وأقساها قلوب اليهود، قال الله تعالى عنهم وعن قلوبهم: ]وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[([52]).
· وقد حذَّر الله المؤمنين من قسوة القلوب فقال I: ]أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْـحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[([53]).
· وذمَّ الله تعالى ذمَّاً عاماً لكلِّ من قسا قلبه، وأثبت له الويل والهلاك، فقال: ]أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[([54]).
ولا شك أن علاج قسوة القلوب يكون بالنظر إلى أسباب القساوة ثم إزالتها، ويكون ذلك على النحو الآتي:
1- الوفاء بالعهد مع الله تعالى في القيام بالواجبات التي أوجبها تعالى، والابتعاد عن المحرَّمات التي حرّمها على عباده، وكذلك الوفاء بالعهد مع المخلوقين، قال الله تعالى في سبب قساوة قلوب اليهود: ]فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ[([55]).
2- كثرة ذكر الله تعالى بالقلب مع اللسان، من أعظم أسباب سلامة القلوب من القسوة والأمراض المعنوية؛ فإن من أسباب قسوة القلوب كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى؛ لحديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، قال: قال رسول الله r: ((لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي))([56]).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((...وَلَا رَيْبَ أَنَّ القَلْبَ يَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ النُّحَاسُ، وَالفِضَّةُ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَلَاؤُهُ بِالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ يَجْلُوهُ حَتَّى يَدَعَهُ كَالمِرْآةِ البَيضَاءِ؛ فَإِذَا تَرَكَ الذِّكْرَ صَدِئَ، فَإِذَا ذَكَرَ جَلَاهُ، وَصَدَأُ القَلْبِ بِأَمْرَيْنِ: بِالغَفْلَةِ وَالذَّنْبِ، وَجَلَاؤُهُ بِشَيْئَيْنِ: بِالاسْتِغْفَارِ وَالذِّكْرِ))([57]).
وقد بين الله U: أن بذكره تطمئن القلوب، فقال سبحانه: ]الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[([58]).
وأعظم الذكر: القرآن الكريم، قال الله تعالى: ]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[([59]).
ومن ذِكْر الله تعالى الدعاء؛ فإن الدعاء لغة: الطلب والابتهال: يُقال: دعوتُ الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير([60]) ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر([61]).
والدعاء: سؤال العبد ربه على وجه الابتهال،وقد يطلق على التقديس والتحميد ونحوهما([62]).
فالدعاء نوعٌ من أنواع الذكر؛ فإن الذكر ثلاثة أنواع:
النوع الأول:ذكر أسماء الله وصفاته ومعانيها والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها وتنزيهه عما لا يليق به. وهو نوعان أيضاً:
أ‌- إنشاء الثناء عليه بها من الذاكروهذا النوع هو المذكور في الأحاديث نحو: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
ب‌- الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله U على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد لراحلته، وهو يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم.
النوع الثاني: ذكر الأمر، والنهي، والحلال والحرام، وأحكامه فيعمل بالأمر ويترك النهي، ويُحرِّمُ الحرامَ ويُحلُّ الحلالَ، وهو نوعان أيضاً:
أ‌- ذكره بذلك إخباراً عنه بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا، وأحب كذا، وسخط كذا، ورضي كذا.
ب‌- ذكره عند أمره فيبادر إليه ويعمل به،وعند نهيه فيهرب منه ويتركه.
النوع الثالث: ذكر الآلاء والنعماء والإحسان، وهذا أيضاً من أجَلِّ أنواع الذكر، فهذه خمسة أنواع.
وهي تكون ثلاثة أنواع أيضاً:
‌أ- ذكرٌ يتواطأ عليه القلب واللسان، وهو أعلاها.
‌ب- ذكرٌ بالقلب وحده، وهو في الدرجة الثانية.
‌ج- ذكرٌ باللسان المجرد، وهو في الدرجة الثالثة([63]).
ومفهوم الذكر: هو التخلص من الغفلة والنسيان،والغفلة: هي تركٌ باختيار الإنسان، والنسيان تركٌ بغير اختياره.
والذكر على ثلاث درجات:
1- الذكر الظاهر: ثناءٌ على الله تعالىكقول: ((سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر)).
أو ذكر دعاء: نحو: ]قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[([64]). ونحو قوله: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)). ونحو ذلك.
أو ذكر رعاية: مثل قول القائل: الله معي، الله ينظر إليَّ، الله شاهدي، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة، والاعتصام بالله من الشيطان وشر النفس.
والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة، فإنها تضمنت الثناء على الله، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به. وهي متضمنة لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان.
2- الذكر الخفي: وهو الذكر بمجرد القلب والتخلص من الغفلة، والنسيان، والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه، وملازمة الحضور بالقلب مع الله كأنه يراه.
3- الذكر الحقيقي: وهو ذكر الله تعالى للعبد([65]): ]فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ[([66]).
وقال النبي r: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ِشِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))([67]).
3- ترك الذنوب والتوبة منها؛فإن كثرة الذنوب من أعظم أسباب قساوة القلوب، والحذر منها والابتعاد عنها من أعظم أسباب السلامة، قال الله تعالى: ]كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[([68])، وقال النبي r: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادّاً([69]) كَالْكُوزِ مُجَخِّياً([70]) لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَراً إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ))([71]).
قال الإمام ابن المبارك رحمه الله:
رأيتُ الذنوب تُميت القلوب




ويُورث الذُّلَّ إدمانُها


وترك الذنوب حياة القلوب



وخير لنفسك عصيانها([72])


قال عبد الله بن عباس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: ((إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإنّ للسيئة: سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق))([73]).
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله: أن القلب يفسد بأمورٍ: التعلق بغير الله تعالى، وركوب بحر التمني، وكثرة النوم، وكثرة الطعام، والمفسد منه نوعان: أكل الحرام، والإسراف([74]).
وقال رحمه الله: ((قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة))([75]).
4- ترك كثرة الضحك والقهقهة؛ فإن كثرة ذلك تميت القلب؛ لحديث أبي هريرة t، قال: قال رسول الله r: ((مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟))، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ t فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْساً، وَقَالَ: ((اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ))([76]).
5- كثرة ذكر الموت؛فإن الغفلة عن الموت وطول الأمل مما يُقسي القلب؛ لحديث أبي هريرة t، قال: قال رسول الله r: ((أكثروا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ))([77]) يعني الموت، وفي لفظ لابن حبان: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَه عَلَيْهِ، وَلَا ذَكَرَهْ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضيَّقَهُ عَلَيْهِ))([78]). وَفِي لفظ لابن حبان أيضاً: «كَانَ رسول الله r يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّات))([79])، فَالْمَوت يقطع اللذات ويزيلها، والحديث دليل على أنه لا ينبغي أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ! وهو الموت، قال الإمام الصنعاني رحمه الله: ((وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله: ((فَإِنّكُمْ لاَ تَذْكُرُونَهُ فِي كَثِيرٍ إلاّ قَلّلهُ، وَلاَ فِي قَليلٍ إلاّ كَثَّرَهُ))([80]).
وعن ابن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّr، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً)) قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ([81])؟ قَالَ: ((أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمُ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَاداً، أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ))([82]).
6- إطعام المسكين ومسح رأس اليتيم؛فإن من أسباب قسوة القلوب ترك الإحسان إلى اليتامى والمساكين؛ لحديث أبي هريرة t: أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: ((إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ))([83]).
7- زيارة القبور والتفكر في حال أهلها ومصيرهم؛ لأن الغفلة عن ذلك من أسباب قسوة القلب؛ لحديث أبي هريرة t، قال: زَارَ النَّبِيُّ r قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ r: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ))([84]).
وعن بريدة t قال: قال رسول الله r: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا)) [زاد الترمذي]: ((فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ))، وفي لفظ أبي داود: ((فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَة))([85]).
وعن أبي سعيد الخدري t، قال: قال رسول الله r: ((إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً [وَلاَ تَقُولُوا مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ]))([86]).
وعن أنس t، قال: قال رسول الله r: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُرُوهَا؛ فإنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ،َ وَلَا تَقُولُوا هَجْراً))([87])([88]).
وعن هانئ مولى عثمان t قال: كَانَ عُثْمَانُ t إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حتَّى يَبَلَّ لِحْيَتَهُ، فَقيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلاَ تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قالَ:«إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَمَنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ». قَالَ: وَقَالَ رسول اللَّه r: ((مَا رَأَيْتُ مَنْظَراً قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ([89])مِنْهُ))([90]).
8- النظر في ديار الهالكين،والاعتبار بمنازل الغابرين؛ فإن الغفلة عن التَّفَكُّرِ في ذلك من أسباب قسوة القلب؛ ولهذا كان ابن عمر
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها، وينادي بصوت حزين، فيقول: ((أين أهلك؟))، ثم يرجع إلى نفسه، فيقول: ]كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[([91]).

قال الله U: ]أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ[([92]).
9- الاستفادة في علاج القلوب من حِكَمِ الحكماء؛ فإن ذلك مما يوقظ القلوب؛ لما جعل الله تعالى على ألسنتهم من الحِكَمِ:
* قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ رحمه الله تعالى: ((دَوَاءُ الْقُلُوبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ، وَخَلَاءُ الْبَطْنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ))([93]).
* ونُقل عن لقمان الحكيم، أنه قال لابنه: ((جمعت لك حكمتي في ست كلمات:
اعمل للدنيا بمقدار بقائك فيها،
واعمل للآخرة بمقدار بقائك فيها،
واعمل لله بقدر حاجتك له،
واعمل من المعصية بمقدار ما تطيق من العقوبة،
ولا تسأل إلا من لا يحتاج إلى أحد،
وإذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه
))([94]).

* وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى في موعظته حين سألوه عن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ([95])، وإنَّا ندعوه فلم يستجب لنا، فقال:
((عرفتم الله فلم تطيعوه،
وقرأتم القرآن فلم تعملوا به،
وعرفتم الشيطان فوافقتموه،
وادّعيتم حبّ رسول الله r وتركتم سنته،
وادّعيتم حبّ الجنة ولم تعملوا لها،
وادّعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب،
وقلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له،
واشتغلتم بعيوب غيركم ولم تنظروا إلى عيوبكم،
وتأكلون رزق الله ولا تشكرون،
وتدفنون أمواتكم ولا تعتبرون))([96]).


10- علاج قسوة القلوب كما ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فقد ذكر رحمه الله: أن القلوب ثلاثة:
القلبُ الأوَّلُ: القَلْبُ السَلِيمُ: وَهُوَ الَّذِي لاَ يَنْجُو يَوْمَ الْقِيَامِةِ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ]يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[([97]) .
وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي قَدْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ، وَمِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، فَسَلِمَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَاهُ، وَسَلِمَ مِنْ تَحْكِيمِ غَيْرِ رَسُولِهِ r.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شِرْكٌ بِوَجْهٍ مَا؛ بَلْ قَدْ خَلُصَتْ عُبُودِيَّتُهُ لِلَّهِ: إِرَادَةً، وَمَحَبَّةً، وَتَوَكُّلاً، وَإِنَابَةً، وَإِخْبَاتَاً، وَخَشْيَةً، وَرَجَاءً، وَخَلُصَ عَمَلُهُ لِلَّهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَإِنْ أَبْغَضَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِلَّهِ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِلَّهِ، فَهَمُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَحُبُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَقَصْدُهُ لَهُ، وَبَدَنُهُ لَهُ، وَأَعْمَالُهُ لَهُ، وَنَوْمُهُ لَهُ، وَيَقَظَتُهُ لَهُ، وَحَدِيثُهُ، وَالْحَدِيثُ عَنْهُ أَشْهَى إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدِيثٍ، وَأَفْكَارُهُ تَحُومُ عَلَى مَرَاضِيهِ، وَمَحَابِّهِ([98])، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى هَذَا القَلْبَ.
القلب الثاني: الْقَلْبُ الْمَيِّتُ: وَهُوَ ضِدُّ الأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَعْرِفُ رَبَّهُ، وَلاَ يَعْبُدُهُ بِأَمْرِهِ، وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ بَلْ هُوَ وَاقِفٌ مَعَ شَهَوَاتِهِ وَلَذَاذَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا سَخَطُ رَبِّهِ وَغَضَبُهُ، فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ: حُبَّاً، وَخَوْفَاً، وَرَجَاءً، وَرِضَاً، وَسُخْطَاً، وَتَعْظِيمَاً، وَذُلاًّ، إِنْ أَبْغَضَ أَبْغَضَ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أًحَبَّ أَحَبَّ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِهَوَاهُ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِهَوَاهُ، فَالْهَوَى إمَامُهُ، وَالشَّهْوَةُ قَائِدُهُ، وَالْجَهْلُ سَائِقُهُ، وَالْغَفْلَةُ مَرْكَبُهُ([99]). نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ.
القلب الثالث: الْقَلْبُ الْمَرِيضُ: هُوَ قَلْبٌ لَهُ حَيَاةٌ، وَبِهِ عِلَّةٌ، فَلَهُ مَادَّتَانِ تُمِدُّهُ هَذِهِ مَرَّةً، وَهَذِهِ أُخْرَى، وهُوَ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمُا، فَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالإِيمَانِ بِهِ، وَالإِخْلاَصِ لَهُ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ: مَا هُوَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ، وَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ الشَّهَوَاتِ، وَالْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَحُبِّالْعُلُوِّ، وَالْفَسَادِ فِي الأَرْضِ بِالرِّيَاسَةِ، وَالنِّفَاقِ، وَالرِّيَاءِ، وَالشُّحِ وَالْبُخْلِ مَا هُوَ مَادَّةُ هَلاَكِهِ وَعَطَبِهِ([100])، نَعُوذُ بَاللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ.
وقد مُثِّل ذلك بمثال حسن. وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره، [وهذا مثال للقلب السليم]، وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليس جواهر الملك وذخائره، [وهذا مثال للقلب المريض]، وبيت خالٍ صفر لا شيء فيه، [وهذا مثال للقلب الميت]، فجاء اللصّ يسرق من أحد البيوت، فمن أيِّها يسرق؟
فإن قلت: من البيت الخالي، كان محالاً؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يُسرَق؛ ولهذا قيل لابن عباس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب؟([101]).
وإن قلت: يسرق من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإن عليه من الحرس واليزَك([102]) ما لا يستطيع اللِّصُّ الدنو منه، كيف وحارسه الملك بنفسه، وكيف يستطيع اللِّصِّ الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق لِلّص إلا البيت الثالث، فهو الذي يشن عليه الغارات.
فليتأمل اللبيب هذا المثال حقّ التأمل، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله.
فقلب خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه واتخذه سكناً ومستقراً، فأي شيءٍ يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟.
وقلبٌ قد امتلأ من جلال الله U وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟ وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق، وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لابد له منها، إذ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع.
وقلبٌ فيه توحيد الله تعالى، ومعرفته، ومحبته، والإيمان به والتصديق بوعده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها ودواعي الهوى والطبع.
وقلبٌ بين هذين الداعيين. فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان، والمعرفة، والمحبة لله تعالى، وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان، والهوى، والطباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويعطي الله النصر من يشاء ]وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[ ([103])، وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشيطان، فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله به؛ فإنَّ أسلحته هي: الشهوات، والشبهات، والخيالات، والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة فيأخذها ويصول بها على القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوِّه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإذا أَذِنَ العبدُ لعدوِّه وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومكنَّه من السلاح يقاتله به، فهو الملوم.
فنفسك لم ولا تلم المطايا



ومت كمداً فليس لك اعتذار([104])


وَعِلاَجُ الْقَلْبِ مِنْ جَمِيعِ أَمْرَاضِهِ قَدْ تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.
قَالَ الله تَعَالَى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[([105])، وقال الله U: ]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً[([106]).
وَأَمْرَاضُ الْقُلُوبِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ لاَ يَتَأَلَّمُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَرَضُ الْجَهْلِ، وَالشُّبُهَاتِ وَالشُّكُوكِ، وَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ أَلَمَاً، وَلَكِنْ لِفَسَادِ الْقَلْبِ لاَ يُحِسُّ بَهَ.
وَنَوْعٌ: مَرَضٌ مُؤْلِمٌ فِي الْحَالِ: كَالْـهَمِّ، وَالْغَمِّ، وَالْحُزْنِ، وَالْغَيْظِ، وَهَذَا الْمَرْضُ قَدْ يَزُولُ بِأَدْوِيَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بِإزِالَةِ أَسْبَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ([107]).
وَعِلاَجُ الْقَلْبِ يَكُونُ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ:
الأَمْرُ الأَوَّلُ: بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الشَّكِّ، وَيُزِيلُ مَا فِيهَا مِنَ الشِّرْكِ، وَدَنَسِ الْكُفْرِ، وَأَمْرَاضِ الشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَهُوَ هُدَىً لِمَنْ عَلِمَ بِالْـحَقِّ، وَعَمِلَ بِهِ، وَرَحْمَةٌ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالآجِلِ، قال الله U: ]أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[([108]).
الأَمْرُ الثَّانِي: الْقَلْبُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلاَثَةِ أُمُورً:
1- مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ قُوَّتَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَعَملِ أَوْرَادِ الطَّاعَاتِ.
2- الْحِمْيَةُ عَنِ الْمَضَارِ، وَذَلِكَ بِاجْتِنَابِ جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ.
3- الاسْتِفْرَاغُ مِنْ كُلِّ مَادَّةٍ مُؤْذِيَةٍ، وَذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ.
الأَمْرُ الثَّالِثُ: عِلاَجُ مَرَضِ الْقَلْبِ مِنِ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلَيْهِ:
لَهُ عِلاَجَانِ: مُحَاسَبَتُهَا، وَمُخَالَفَتُهَا، وَالْمُحَاسَبَةُ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأَوَّلُ: قَبْلَ الْعَمَلِ، وَلَهُ أَرْبَعُ مَقَامَاتً:
1- هَلْ هَذَا الْعَمَلُ مَقْدُورٌ لَهُ؟
2- هَلْ هَذَا الْعَمَلُ فِعْلُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ؟
3- هَلْ هَذَا الْعَمَلُ يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ؟
4- هَلْ هَذَا الْعَمَلُ مُعَانٌ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَعْوَانٌ يُسَاعِدُونَهُ، وَيَنْصُرُونَهُ إِذَا كَانَ الْعَمَلُ يَحْتَاجُ إِلَى أَعْوَانٍ؟ فَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ مَوْجُودَاً أَقْدَمَ وَإِلاَّ لاَ يُقْدِمْ عَلَيْهِ أَبَدَاً.
النَّوْعُ الثَّانِي: بَعْدَ الْعَمَلِ وَهُو ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
1- مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى طَاعَةِ قَصَّرَتْ فِيهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ تُوقِعْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: الإِخْلاَصُ، وَالنَّصِيحَةُ، وَالْمُتَابَعَةُ، وَشُهُودُ مَشْهَدِ الإِحْسَانِ، وَشُهُودُ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَشُهُودُ التَّقْصِيرِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
2- مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ كَانَ تَرْكُهُ خَيْرَاً لَهُ مِنْ فِعْلِهِ.
3- مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ، أَوْ مُعْتَادٍ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَهَلْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، فَيَكُونُ رَابِحَا؟ أَوْ أَرَادَ بِهِ الدُّنِيَا فَيَكُونَ خَاسِرَاً؟
وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ أَوَّلاً عَلَى الْفَرَائِضِ، ثُمَّ يُكَمِّلُهَا إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً، ثُمَّ يُحَاسِبُهَا عَلَى الْمَنَاهِي، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ شَيْئَاً مِنْهَا تَدَارَكَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ عَلَى مَا عَمِلَتْ بِهِ جَوَارِحُهُ، ثُمَّ عَلَى الْغَفْلَةِ([109]).
الأمْرُ الرَّابِعُ: عِلاجُ مَرَضِ الْقَلْبِ مِنِ اسْتِيلاَءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ:
الشَّيْطَانُ عَدُوُّ الإِنْسَانِ، وَالْفِكَاكُ مِنْهُ هُوَ بِمَا شَرَعَ اللَّهُ مِنَ الاسْتِعَاذَةِ، وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ r بَيْنَ الاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ، فقَالَ r لأَبِي بَكْرٍ: ((قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءَاً، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ، قُلهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ))([110]).
وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالإِخْلاَصُ، يَمْنَعُ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ([111]).
السبب الثالث: الابتعاد عن الوسوسة؛ فإنها أعظم موانع الخشوع في الصلاة، فإذا نجا العبد من هذا المرض الخطير فقد نجا من شرور كثيرة:
* والوسواس: الشيطان، قال الله U: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ([112]).
والوسوسة: حديث النفس والشيطان، بما لا نفع فيه ولا خير([113]).
وقال ابن الأثير: الوسوسة: هي حديث النفس والأفكار، ورجل مُوَسْوَسٌ: إذا غلبت عليه الوسوسة، وقد وسوست إليه نفسه، وسوسةً، وَوسْوَاساً...، والوسواس ... اسم للشيطان، ووسوسَ: إذا تكلم بكلام لم يُبيِّنهُ))([114]).
وفي الحديث ((...الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ...))([115]).
والفرق بين الشك والوسوسة: أن الشك: هو التَّردُّدُ في الوقوع وعدمه، فهو مستوي الطرفين، وهو اعتقاد أن تقاوم تساويهما لا مزية لأحدهما على الآخر، وأما الوسوسة فهي كما تقدم: حديث النفس والشيطان لا تُبْنَى على أصل، بخلاف الشك، فإنه يُبْنَى على أصل([116]) .
* أسباب الوسوسة:
1- قِلَّةُ العلم الشرعي: أي بالكتاب والسنة، وما عليه الصحابة وأتباعهم y.
2- ضعف الإيمان؛ لأن الشيطان يتسلّط على أهل المعاصي، بخلاف قويّ الإيمان.
3- الاسترسال مع الأفكار؛ فإن هذا الاسترسال يجعل للشيطان مدخلاً عليه.
4- الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فإن الذكر يطرد الشيطان ووساوسه.
5- ضعف العقل؛ فإن صاحب العقل الكامل المؤمن ينجو من الوسوسة بفضل الله تعالى.
6- عدم مخالطة أهل العلم والإيمان الكامل.
7- عدم اتباع الرسول r؛ فإن الشيطان يدخل من هذا المدخل.
وهذه الأسباب لها أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها([117]).
* مظاهر الوسوسة عند الموسوسين:
1_ التأخر في حال الاستنجاء، أو الوضوء والاغتسال، وهذه أغلب حالات الوسواس.
2_ تكرار الوضوء، أو الطهارة، أو الصلاة، والإسراف في ماء الطهارة، وإعادة هذه العبادات؛ لأنه يظن أنها فاسدة.
3_ تكرير الحرف في ألفاظ القراءة، أو أذكار الصلاة وغيرها، كما ذكر ابن قدامة رحمه الله في ذم الموسوسين، وابن القيم في إغاثة اللهفان رحمه الله.
4- إبدال الملابس؛ لأنه يتوهَّم أنه أصابها نجاسة.
5_ وسوستهم في العقيدة، وقد حذّر النبي r من ذلك، فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ))، وفي لفظ لمسلم: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ))، وفي رواية لمسلم: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: ((وَرُسُلِهِ))([118]).
وعن زُمَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ! قَالَ: فَقَالَ لِي أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ. قَالَ: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ ... )) الخبر، وفي آخره قال ابن عباس: ((إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئاً فَقُلْ: ]هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ[([119])([120]) .
وعن أبي هريرة t، قال: ((جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: ((أوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ)). قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ))، وفي لفظ: ((تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ))([121]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 8 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

وقوله: ((ذاك صريح الإيمان)) معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة([1]).
وعن ابن عباس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ؛ لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ))، وفي لفظ: ((رَدَّ أَمْرَهُ))([2]).
والوسوسة خطيرة على المسلم، وقد ذكر الوسوسة وأحكامها، وأخطارها العلماء رحمهم الله تعالى، ومن أعظم من فصَّل في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في: ((مجموع الفتاوى))([3])، وتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه: ((إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان))([4]).
وعلاج الوسوسة على النحو الآتي:
1- طلب العلم الشرعي.
2- تقوية الإيمان بالطاعات والنوافل.
3- مداومة ذكر الله تعالى على كل حال؛ فهي حصن حصين من الوسوسة، ومن كلِّ شرٍّ.
4- مجالسة الصاحين، ومخالطة الناس الذين يستفيد منهم.
5- معرفة أن الحق هو ما جاء به الرسول r.
6- الاعتراف بأن الوسوسة من أبطل الباطل.
7- الاستعاذة بالله من الشيطان كما ثبت في الأدلة.
8- لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق حاجته؛ لأن في ذلك كشفاً للعورة بلا حاجة؛ ولأن الحشوش والمراحيض مأوى الشياطين، والنفوس الخبيثة([5]).
9- ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة؛ لحديث الحكم بن سفيان قال: ((كان رسول الله r إذا بال توضأ وينتضح))([6]).
10- إذا تَيَقَّنَ الطهارة ثم شَكَّ في الحدث فله أن يصلِّي بطهارته؛ لأنه على طهارة، وإذا تَيَقَّنَ الحدث ثم شَكَّ هل تطهَّر أم لا فليس له أن يصلي إلا بعد الطهارة؛ وإذا شكَّ بعد الانتهاء من العبادة، فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن يقيناً لا شك فيه، وإذا كثرت الشكوك فلا يلتفت إليها([7]).
السبب الرابع: متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة:
لا شك أن متابعة المؤذن والقول مثل ما يقول تكون من أسباب جلب الخشوع في الصلاة؛ لأن إجابة المؤذن، بـ: ((لا حول ولا قوة إلا بالله )) فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي رحمه الله: ((قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله... وقيل: لا حول في دفع شرٍّ، ولا قوّة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوّة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود t))([8]).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً، والفوز بالنعيم آجلاً، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته))([9]).
فيُسنُّ لمن سمع المؤذن والمقيم أن يتابعه سرّاً بقوله، فيقول مثله، إلا في الحيعلتين فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، ثم يصلي على النبي r، ويقول الأذكار المشروعة بعد الأذان، ولا شك أن النبي r شرع لأمته في الذكر عند الأذان وبعده خمسة أنواع([10]) على النحو الآتي:
النوع الأول: يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في لفظ: ((حي على الصلاة، وحي على الفلاح))، فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ لحديث أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r قال: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن))([11]).
وعن عمر بن الخطاب t قال: قال رسول الله r: ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرُ، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة))([12]).
النوع الثاني: يقول عقب تشهد المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربّاً، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام ديناً([13])، فعن سعد بن أبي وقاص t عن رسول الله r أنه قال: ((من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربّاً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفِرَ له ذنبُهُ)). وفي رواية: ((من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد... ))([14]).
النوع الثالث: يُصلِّي على النبي r بعد فراغه من إجابة المؤذن؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي r يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة))([15]).
النوع الرابع: يقول بعد صلاته على النبي r ما ثبت في حديث جابر t أن رسول الله r قال: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة))([16]).
وثبت عند البيهقي زيادة: ((إنك لا تخلف الميعاد))([17]).
النوع الخامس: يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله؛ فإنه يستجاب له، فعن أنس t قال: قال رسول الله r: ((الدعوة لا ترد بين الأذان والإقامة فادعوا))([18]).
وسمعت شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - رحمه الله وقدس روحه - يقول: ((هذه الأنواع تقال كلها مرة واحدة مجموعة مع كل أذان))([19]).
# # #
السبب الخامس:العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع:
إذا عمل المسلم بالآداب المشروعة في المشي إلى الصلاة؛ فإن ذلك يكون من أسباب التوفيق للخشوع في الصلاة، ومن هذه الآداب الآداب الآتية:
1- يتوَضأ في بيته ويسبغ الوضوء؛ لحديث عمر t يرفعه: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ))([20])،زاد الترمذي: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المـُتَطَهِّرِينَ))([21])، وفي النسائي: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))([22])، ثم يُصلِّي ركعتين بعد الوضوء؛ لحديث عقبة بن عامر، عن النبي r: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَه، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))([23])؛ ولحديث ابن مسعود t:((ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة،ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة))([24]).
2- يبتعد عن الروائح الكريهة؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)). وفي لفظ لمسلم: ((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس)). وفي لفظ لمسلم: ((من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم))([25]).
3- يأخذ زينته ويتجمل؛ لقول الله تعالى: ]يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ[([26])؛ ولقول النبي r: ((إن الله جميل يحب الجمال))([27]).
4- يدعو دعاء الخروج من المنزل ويخرج بنية الصلاة؛ فيقول: ((بسم الله توكلت على الله،ولا حول ولا قوة إلا بالله))([28]). ((اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَ، أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَم ، أو أجهل أو يُجهل عليَّ))([29]). ((اللهم اجعل في قلبي نوراً،وفي لساني نوراً،وفي سمعي نوراً،وفي بصري نوراً، ومن فوقي نوراً،ومن تحتي نوراً،وعن يميني نوراً،وعن شمالي نوراً، ومن أمامي نوراً،ومن خلفي نوراً،واجعل في نفسي نوراً،وأعظم لي نوراً، وعظِّم لي نوراً،واجعل لي نوراً،واجعلني نوراً،اللهم أعطني نوراً،واجعل في عصبي نوراً،وفي لحمي نوراً،وفي دمي نوراً،وفي شعري نوراً،وفي بشري نوراً))([30]).
5- لا يشبك بين أصابعه في طريقه إلى المسجد ولا في صلاته؛لحديث
كعب بن عجرة
t أن رسول الله r قال:((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه،ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة))([31]).

6- يمشي وعليه السكينة والوقار؛ لحديث أبي هريرة t عن النبي r قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). وفي لفظ:((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))([32]).
وفي هذا الحديث الحث على إتيان الصلاة بسكينة ووقار، والنهي عن إتيانها سعياً،سواء في صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أو لا، وقوله ((إذا سمعت الإقامة)) إنما ذكر الإقامة للتنبيه على ما سواها؛ لأنه إذا نُهي عن إتيانها سعياً في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكَّد ذلك ببيان العلة فقال r: ((فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة))، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكَّد ذلك تأكيداً آخر، فقال: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)). فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهَّم مُتَوَهِّمٌ أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرَّح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبيَّن ما يفعل فيما فات([33]).
7- ينظر في نعليه قبل دخول المسجد، فإن رأى فيهما أذى مسحه بالتراب؛ لحديث أبي سعيد الخدري t وفيه: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصلِّ فيهما))([34]). وتطهير النعلين يكون بمسحهما بالتراب؛ لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: ((إذا وطئَ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور)). وفي لفظ: ((إذا وطئَ الأذى بخفيه فطهورهما التراب))([35]).
8- يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد ويقول: ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم))([36]). [بسم الله والصلاة]([37]) [والسلام على رسول الله]([38]) [اللهم افتح لي أبواب رحمتك]؛ لحديث أبي حميد أو أبي أسيد، قال: قال رسول الله r: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك))([39]).
9- يُسلِّم إذا دخل المسجد على من فيه بصوت يسمعه من حوله؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))([40]). وقال عمار بن ياسر t: ((ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار))([41]).
10- يُصلِّي تحية المسجد، فإن كان المؤذن قد أذن بعد دخول الوقت صلى الراتبة إن كان للصلاة راتبة، فإن لم يكن لها راتبة قبلها فسنة ما بين الأذانين؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وتجزئ عن تحية المسجد، فإن دخل المسجد قبل دخول وقت الصلاة صلى ركعتين؛ لحديث أبي قتادة t أن رسول الله r قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))([42]).
11- إذا خلع نعليه داخل المسجد وضعهما بين رجليه؛ لحديث أبي هريرة t عن رسول الله r قال: ((إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما)). وفي لفظ: ((إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه))([43]).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - رحمه الله- يقول: ((الصلاة في النعال سنة خلاف اليهود، لكن بعد العناية، فإن رأى فيها شيئاً أزاله بالتراب أو الحجر أو غيره، أما المساجد المفروشة فقد يحصل عليها الغبار للتساهل من بعض الناس، فيحصل تنفير الناس، فالأولى عندي والله أعلم أن يوضع لها محل))([44]).
12- يختار الجلوس في الصف الأول على يمين الإمام إن تيسر، بلا مزاحمة ولا أذىً لأحدٍ؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا))([45])؛ ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله r:((إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف))([46]).
13- يجلس مستقبلاً القبلة يقرأ القرآن أو يذكر الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: ((إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة))([47]).
14- ينوي انتظار الصلاة ولا يؤذي؛فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة، وتُصلِّي عليه الملائكة،قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه؛لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال:((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة،وتقول الملائكة: اللهم اغفر له،اللهم ارحمه...)). وفي لفظ لمسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه،اللهم اغفر له،اللهم تب عليه،ما لم يؤذ،ما لم يحدث))([48]).
15- إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة؛ لحديث أبي هريرة t أن النبي r قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))([49]).
16- يقدم رجله اليسرى عند الخروج من المسجد بعكس دخوله؛ لأن النبي r كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره، وترجُّله، وتنعُّله([50]). وكان ابن عمر رضي الله عنهما يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى([51]). وقال أنس t: ((من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى([52]). ويقول: ((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك]([53]) [اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم]))([54]).
السبب السادس: عدم الالتفات لغير حاجة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله r عن الالتفات في الصلاة، فقال: ((هو اختلاسٌ يختلِسُه الشيطانُ من صلاةِ أحدِكم))([55]).
والالتفات نوعان:
النوع الأول:التفات حِسّي،وعلاجه بالسكون في الصلاة،وعدم الحركة.
النوع الثاني: التفات معنوي بالقلب، وهذا علاجه صعب شاقٌّ، إلا على من يسَّره الله عليه، ولكن من أعظم العلاج استحضار عظمة الله، والوقوف بين يديه، والاستعاذة بالله من الشيطان، والتفل عن اليسار ثلاثاً؛ لحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي r فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبِّسُها عليّ، فقال رسول الله r: ((ذاك شيطان يقال له: خنـزبٌ فإذا أحْسَسْتَه فتعوذْ بالله منه، واتفلْ عن يسارك ثلاثاً)) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني([56]).
السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء؛ لحديث أنس t قال: قال رسول الله r: ((ما بالُ أقوامٍ يرفعون أبصارَهم إلى السماء في صلاتهم))؟ فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال: ((لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخَطَفَنَّ أبصارُهم))([57]).
السبب الثامن: عدم افتراش الذراعين في السجود؛لحديث أنس t عن النبي r قال: ((اعتدِلوا في السجود، ولا يبسطُ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب))([58]).
السبب التاسع: عدم التخصر؛لحديث أبي هريرة t قال: ((نهى رسول الله r أن يصلي الرجل مختصِراً))([59])؛ ولقول عائشة رضي الله عنها((أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يدَه في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله))([60]).
السبب العاشر: عدم النظر إلى ما يُلهي ويُشغل؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي r صلى في خميصة([61]) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنجبانية([62]) أبي جَهْم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي))([63]).
السبب الحادي عشر: عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي؛لحديث أنس t قال: كان قرام([64]) لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي r: ((أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويرُه تعرِض [لي] في صلاتي))([65]).
السبب الثاني عشر: عدم الإقعاء المذموم؛لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي r وفيه: ((وكان ينهى عن عقبة الشيطان))([66])، هذا الإقعاء المكروه، وهو: أن يُلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وغيره من السباع، وهذا الإقعاء على هذه الصفة مكروه باتفاق العلماء([67]).
وقد جاء نوع آخر في جواز الإقعاء بل سُنِّيَّته، فعن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: ((هي السنة)) فقلنا له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: ((بل هي سنة نبيكم r))([68]).
وقد ذكر النووي رحمه الله أن العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً في الإقعاء وتفسيره، ثم قال: ((والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:
أحدهما: أن يُلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب... وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.
والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: ((سنة نبيكم r))([69]) فظهر أن الإقعاء الذي اختار ابن عباس وغيره من العبادلة أنه من السنة: هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتين على الأرض([70]) وهناك نوع ثالث للإقعاء وهو أن يفرش قدميه فيجعل ظهورهما نحو الأرض ويجلس([71]) على عقبيه([72]).
السبب الثالث عشر: عدم عبث المصلي بجوارحه، أو مكانه لغير حاجة؛ لحديث معيقيب t أن النبي r قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد، قال: ((إن كنت فاعلاً فواحدة))([73]).
السبب الرابع عشر: عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة؛لحديث كعب بن عُجرة، أن رسول الله r قال: ((إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ وضوءَه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة))([74]). فمن كان في الصلاة فهو أولى بالنهي([75])؛ ولقول ابن عمر رضي الله عنهما في الذي يصلي وهو مشبك بين يديه: ((تلك صلاة المغضوب عليهم))([76]). والتشبيك بين الأصابع يكره أثناء الذهاب إلى الصلاة،وفي أثناء الصلاة،أما بعد الصلاة فلا بأس به([77])؛لحديث أبي هريرة t يرفعه وفيه:((صلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه... الحديث))([78]).
السبب الخامس عشر: عدم الصلاة بحضرة الطعام؛ لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي r أنه قال: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء))([79])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي r: ((إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة))([80]). ويشترط لذلك ثلاثة شروط:
أولاً: أن يكون الطعام حاضراً، والثاني: أن تكون نفس المصلي تتوق إليه، فإذا كان شبعان لا يلتفت إليه فليصلِّ ولا كراهية، والثالث: أن يكون قادراً على تناوله حسّاً وشرعاً: فالحس كأن يكون الطعام حارّاً لا يستطيع تناوله، والشرع كأن يكون المسلم صائماً ممنوعاً من الطعام شرعاً، فلا كراهة في الصلاة حينئذٍ([81]).
السبب السادس عشر: عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط]في الصلاة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: إني سمعت رسول الله r يقول: ((لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان))([82]).
وعن أبي الدَّرْدَاءِ t قال: ((مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ))([83]).
السبب السابع عشر: عدم بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة؛ لحديث أنس t قال: قال رسول الله r: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)) ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رَدَّ بعضه على بعض فقال: ((أو يفعل هكذا))([84])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا يرفعه، وفيه: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى))([85])؛ ولحديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن رسول الله r رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، ثم قال: ((إذا تنخمَّ أحدكم فلا يتنخَّمْ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى))([86]). وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة t: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله مادام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها))([87]).
وقد جزم الإمام النووي رحمه الله بالمنع من البزاق قِبَل القبلة وعن اليمين مطلقاً سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره؛ لأحاديث دلت على العموم([88]).
أما إذا كان المصلي في المسجد فيتعيَّن عليه أن لا يبصق مطلقاً إلا في ثوبه أو في منديل؛ لحديث أنس t قال: قال النبي r: ((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها))([89]).
وعن أبي ذر t عن النبي r قال: ((عرضت علَّي أعمال أمتي: حَسنُها، وسَيئُها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدتُ في مساوئ أعمالها النَّخاعة تكون في المسجد ولا تدفن))([90]).
السبب الثامن عشر: عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة؛لحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي r أنه قال: ((أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُمٍ، ولا أكفَّ ثوباً، ولا شعراً))([91]).
السبب التاسع عشر:عدم عقص الرأس في الصلاة؛لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رأى عبد الله بن الحارث يُصلِّي ورأسه معقوصٌ([92]) من ورائه، فقام فجعل يحلّه، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال:مالك ورأسي؟ فقال:إني سمعت رسول الله r يقول:((إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف))([93]).
السبب العشرون: عدم تغطية الفم في الصلاة.
السبب الحادي والعشرون: عدم السدل في الصلاة؛لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r: ((نهى عن السدل([94]) في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه))([95]).
السبب الثاني والعشرون:عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائماً لغير الإمام؛ لحديث عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أن رسول الله r: ((نهى عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يُوطِّن الرجل مقامه في الصلاة كما يُوطِّن البعير))([96]).
السبب الثالث والعشرون:عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:((نهى رسول الله r أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده))([97]).
السبب الرابع والعشرون: عدم التثاؤب في الصلاة؛لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: ((التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع))([98])؛ ولحديث أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله r: ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل))، وفي لفظ: ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع؛ فإن الشيطان يدخل))([99])، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله يقول: ((والمشروع هنا ثلاثة أمور:
1- يكظم ما استطاع.
2- يضع يده على فيه.
3- لا يقل: ها حتى لا يضحك منه الشيطان))([100]).
السبب الخامس والعشرون: عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف؛لحديث أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي r وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي r فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تعد))([101]).
السبب السادس والعشرون:عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثومأو الكراث؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله r قال:((من أكل ثوماً أو بصلاً فلْيَعْتَزِلْنَا،أو ليعتزل مسجدنا،وليقعد في بيته)).وفي لفظ لمسلم:((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس)). وفي لفظ لمسلم: ((من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم))([102]).
السبب السابع والعشرون: عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال: ((إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه))([103])؛ ولحديث أبي هريرة t يرفعه: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع))([104]).
السبب الثامن والعشرون: الصلاة إلى سترة والدنوِّ منها:
من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة: أن يجعل المُصلِّي له سترة يصلِّي إليها إن كان إماماً أو منفرداً؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال:قال رسول الله r: ((ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو بسهمٍ))([105])؛ولحديث أبي ذر t قال:قال رسول الله e:((إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل،فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته:الحمار،والمرأة، والكلب الأسود))([106]).
ويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري t عن النبي e أنه قال:((إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها))([107])؛ ولحديث سهل t عن النبي r قال: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا؛ لاَ يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ))([108]).
ويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع،وكذلك بين الصفوف؛لحديث سهل بن سعد الساعدي t قال:((كان بين مُصلَّى رسول الله e وبين الجدار ممر الشاة))([109]). وإذا أراد أحد أن يَمُرَّ بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري t قال: سمعت رسول الله r يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان))([110]). وفي رواية لمسلم: ((فإن معه القرين))([111]). ولا يجوز المرور بين يدي المُصَلِّي؛ لحديث أبي جُهيم t قال: قال رسول الله r: ((لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه)) قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة([112]).
وسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وفيه: أنه أقبل راكباً على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله r قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصفَّ مع الناس وراء رسول الله r، ولم ينكر ذلك عليه أحد([113]).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله يقول: ((هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة))([114]).
قال الإمام النووي رحمه الله: ((قال العلماء: الحكمة في السترة: كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه...))([115]).
السبب التاسع والعشرون:وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر:
من الأمور التي تجلب الخشوع وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر أثناء قيامه في الصلاة؛ لأن النبي r كان يضع يديه على صدره: اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛لحديث وائل بن حُجْر قال: ((صليت مع النبي r فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره))([116])، وفي لفظ: ((ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرُّسغ والساعد))([117])، وهذا يَعمُّ القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل t في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله r((إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله))([118])، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين – رحمه الله -: ((إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع))([119]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 9 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

وعن سهل بن سعد t قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)). قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي r))([1])، وسمعت سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز – رحمه الله – يقول:((وهذا يحتمل أن يكون نوعاً ثانياً،ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل)) ([2]).

وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن المراد بوضع اليدين إحداهما على الأخرى حال القيام، فقال: ((هو ذلٌّ بين يدي العزيز))([3]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع))([4]).

وعن ابن عباس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: سمعت نبي اللَّهِ r يقول: ((إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا بِتَعْجِيلِ فِطْرِنَا، وَتَأْخِيرِ سُحُورِنَا، وَوَضْعِ أَيْمَانِنِا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلاَةِ))([5]).

السبب الثلاثون: الإشارة بالسبابة وتحريكها في الدعاء في التشهد: الإشارة بالسبابة تجلب الخشوع، وفيها إغاظة للشيطان؛ لحديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أنه كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله r: ((لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ)) يعني السبابة([6]).

فالإشارة بالسبابة عند التشهد في الصلاة أشَدَّ على الشيطان من الضرب بالحديد؛ لأنها تُذَكِّر العبد بوحدانيَّة الله تعالى، والإخلاص في العبادة، وهذا أعظم شيء يكرهه الشيطان نعوذ بالله منه))([7]).

فالمصلي يستحب له في الجلوس في التشهد أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى،ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى،ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما:((أن رسول الله r كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)) ([8]).

ويُحَلِّق الإبهام والوسطى،ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر t قال:((رأيت النبي r قد حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد)) ([9]).

أو يعقد ثلاثاً وخمسين ويشير بالسبابة،وصفتها أن يجعل
الإبهام مفتوحة تحت الـمُسبِّحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو يعطف الإبهام إلى أصلها([10])؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله r كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على
ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى([11])، وعقد ثلاثاً وخمسين([12])، وأشار بالسبابة))([13]) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:

النوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة.

النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة.

النوع الثالث: عقد ثلاثاً وخمسين والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير رَضْيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ((أن رسول الله r كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته))([14])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه: ((فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله r يصنع)) ([15]).

ويشير بالسبابة عند ذكر الله U حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة([16]) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها([17])، ولا يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة([18])، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر t وفيه: ((ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها))([19])،ودلَّ على عدم تحريكها دائماً حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما:((أن النبي r كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يُحرِّكها)) ([20])، فالجمع بين الحديثين سَهْلٌ: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء([21])، وتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي r بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي هريرة t أن رجلاً كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله r: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) ([22]) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله r وأنا أدعو بأصابِعِي، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) وأشار بالسبابة([23]).

والحكمة في الإشارة بالسباحة إلى أن المعبود I واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد([24])، فعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها([25]).

السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة:

النظر إلى موضع السجود وإلى السبابة أثناء التشهد يعين على الخشوع في الصلاة؛ فإن النبي r كان يفعل ذلك، فالسنة أن ينظر المصلي موضع سجوده، فقد ذُكر أن النبي r: ((كَانَ إذا صَلّى طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَرَمَى بِبَصَرِهِ نحْوَ الأَرْضِ))([26]).

و((عندما دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ r الْكَعْبَةَ مَا خَلَّفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا))([27]).

وأما في الجلوس في التشهد فينظر إلى سبابة يده اليمنى، ولا يجاز بصره ذلك؛ لحديث عبد الله بن الزبير رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قال: كان رسول الله r إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يجاز بصره إشارته))([28])؛ ولحديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أنه وضع يده اليمنى على فخذه، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله r يصنع))([29]).

السبب الثاني والثلاثون:العلم بأنه يدعو الله ويخاطبه وأن الله يرَدّ عليه ويُجيبه:

المسلم يخاطب ربه تعالى في صلاته، واللّه تعالى يجيبه؛ فإذا عَلِمَ ذلك، فإنه يخشع في صلاته، ويُقْبِلُ بقلبه إلى ربه I؛ لحديث أبي هريرة t عن النبي r وفيه: فإني سمعت رسول الله r يقول: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ]الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ]الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ]اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَل))([30]) .

وهذا حديث قدسي عظيم جليل، لو استحضره كل مصلٍّ لحصل له الخشوع الكامل في صلاته.

وعن أبي هريرة t قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ r الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، نَادَى رَجُلاً كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: ((يَا فُلاَنُ، أَلاَ تَتَّقِي اللهَ، أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي، إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرُ كَيْفَ يُنَاجِيهِ))([31]).

السبب الثالث والثلاثون: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:

الشيطان عدوٌّ لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمُصلِّي؛ كي يذهب خشوعه، ويُلَبِّس عليه صلاته.

والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره،
لا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر، والصلاة، و لا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ]إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً[([32]).

وكلما أراد العبد تَوجُّهاً إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسوسة أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: ((إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب))([33]).

وقد تقدم قول الإمام ابن القيم رحمه الله في أقسام القلوب الثلاثة فقال: ((وقد مُثّل ذلك بمثالٍ حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه، وذخائره، وجواهره، وبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره، وجواهره، وليس جواهر الملك، وذخائره، وبيت خالٍ، صفر، لا شيء فيه، فجاء اللصّ يسرق من أحد البيوت، فمن أيِّها يسرق؟))([34]).

والعبد إذا قام في الصلاة، غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه، وأغيظه للشيطان، وأشده عليه، فهو يحرص، ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه؛ بل لا يزال به يَعِدُه، ويمنّيه، وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله، حتى يهوّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها، فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء، والحاجة، وأيس منها، فيُذكِّره إيَّاها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله U، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى، وكرامته، وقربه ما يناله المقبل على ربه U الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته، مثلما دخل فيها بخطاياه، وذنوبه، وأثقاله، لم تُخَفَّفْ عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفِّر سيئات من أدَّى حقَّها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه([35]).

ولمواجهة كيد الشيطان، وإذهاب وسوسته، أرشدنا النبي r إلى العلاج الآتي: عن أَبِي الْعَاصِ t قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يَلْبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثاً))، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي([36]).

ومن كيد الشيطان للمُصلِّي: ما أخبرنا عنه r، وعن علاجه فقال: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ))([37]).

ومن كيده كذلك ما أخبرنا عنه رسول الله r بقوله: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً))([38]).

بل إن كيده ليبلغ مبلغاً عجيباً كما يوضحه هذا الحديث، عن ابن عباس أن النبي r سُئل عن الرجل يخيّل إليه في صلاته أنه أحدث ولم يُحدِث، فقال رسول الله r: ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ حَتَّى يَفْتَحَ مَقْعَدَتَهُ، فَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْصَرِفَنْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَ ذَلِكَ بأذنه، أَوْ يَجِدَ رِيحَ ذَلِكَ بِأَنْفِهِ))([39]).

السبب الرابع والثلاثون: تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع:

لا شك أن تدبُّر القرآن الكريم في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة، وهو العلاج الأعظم للقلوب، والحث على التدبر جاء على أنواع كثيرة، منها الأنواع الآتية:

النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر:

1- قال الله تعالى: ]أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً[([40])، فقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه، وتحديد الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإنَّ تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج كل العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرِّف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال، وما ينزَّه عنه من صفات النقص، ويُعرِّف الطريق الموصل إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب، وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد: علماً، وعملاً, وبصيرة ([41]).

2- قال الله تعالى: ]كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[([42])،فهذا الكتاب فيه خيرٌ كثيرٌ،وعِلْم غزير،فيه كل هدى من ضلالة،وشفاء من كل داء،ونور يُستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلَّفون،وهذا كله من بركته والحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته، وفي هذه الآية:الحثُّ على تدبر القرآن،وأنه من أفضل الأعمال،ومن فضائل التدبر:أنَّ العَبْدَ يصل به إلى درجة اليقين، والعلم بأن القرآن كلام الله تعالى؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً...([43]).

3- قال الله تعالى: ]أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالـُهَا[([44])، فَهلاَّ يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله ويتأمَّلونه حق التأمُّل؛ فإنهم لو تَدَبَّروه لدلَّهم على كل خير ولحذَّرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان؛ ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية... ] أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالـُهَا [ أي قد أُغْلِقَ على ما فيها من الشر، وأقفلت فلا يدخلها خير أبداً، هذا هو الواقع... ([45]).

النوع الثاني: حض النبي r على تدبر القرآن:

ما ثبت عن النبي r من ترغيب في القرآن، وبيان فضائله، وبيان فضائل حافظ القرآن، يستفاد منه الحث على تدبر القرآن. وقد جاء تدبر القرآن من فعله r أيضاً في أحاديث كثيرة ومنها:

1- حديث حذيفة t، قال: صليت مع النبي r ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى يصلي، فقلت: يُصلِّي بها في ركعة، فمضَى، فقلت: يركع بها،ثم افتتح النساء فقرأها،ثم افتتح آل عمران فقرأها،يقرأ مترسِّلاً،إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ...))([46]).

2- حديث عوف بن مالك t،قال:قمت مع رسول الله r ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يَمُرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل،ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ...)) ([47]).

3- عن أبي جحيفة t، قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت قال: ((قد شيَّبتني هود وأخواتها))([48])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: ((شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت))([49]).

وهذا يدل على كمال تدبره r للقرآن حق التدبر.

4- حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله r: ((زيّنوا القرآن بأصواتكم))([50]).

النوع الثالث: حث الصحابة y على تدبر القرآن:

1- قال أمير المؤمنين عثمان t: ((لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم))([51]).

2- وقال عبد الله بن مسعود t: ((من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله))([52]).

3- وقال خبَّاب بن الأرتِّ t:((تقرَّبْ إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحبّ إليه من كلامه))([53]).

4- وقال عبد الله بن مسعود t: ((من أراد العلم، فليقرأ القرآن؛ فإن فيه علم الأولّين والآخرين))([54]).

5- وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: ((إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقَّدونها في النهار))([55]).

النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:

لا شك أن من أحبَّ القرآن تدبَّره،وأقبل على التلذّذ بتلاوته،وهذا دليل على محبته للمتكلِّم به سبحانه؛ولهذا قال أبو عبيدٍ رحمه الله:((لا يسأل عبدٌ نفسه إلا بالقرآن،فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله))([56]).

وقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى في الحث على تدبر القرآن العظيم، ومن أبرز من حث على ذلك من الأئمة ابن القيم رحمه الله في كتبه، فقد ذكر رحمه الله: أنّ تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءته هو المقصود والمطلوب، فبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال رحمه الله: ((إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وسماعه، وألقِ سمعك، واحْضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به، منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد [))([57]).

فقوله: ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى[ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا، وهذا هو المؤثر.

وقوله: ]لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ[ القلب الحي، وهذا هو المحل القابل،كما قال الله تعالى: ]لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً[ ([58]).

وقوله تعالى: ]أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ[ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.

وقوله تعالى: ]وَهُوَ شَهِيد [ أي شاهد القلب حاضر غير غائب، واستمع كتاب الله،وشاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ،وهذا إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عما يقال له،والنظر فيه، وتأمله.

فإذا حصل المؤثر:وهو القرآن،والمحل القابل:وهو القلب الحي، ووجد الشرط:وهو الإصغاء،وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر، وهو: الانتفاع، والتذكر([59]).

فلا بد من تدبر القرآن،وتعقّله،والتفكر في معانيه؛ لأن الله U أمر بذلك.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله.

وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها))؛ فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خير من قراءة ختمةٍ بغير تَدَبُّرٍ وتفَهُّمٍ، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يُردِّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي r أنه قام بآية يُردِّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ]إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لـَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الـْحَكِيم[ ([60]).

وقد أخبر الله تعالى في القرآن:أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن،فقال تعالى:]وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالـِمُون[([61])،وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلاً([62])، وقد كان بعض السلف الصالح،وهو عمرو بن مرة:إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه يبكي ويقول:((لست من العالمين))([63])،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛لينال هذا العلم العظيم،وقد قال يحيى بن أبي كثير:((لا يُنال العلم براحة الجسم))([64])، ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة([65]).

ولا شك أن التأمل في القرآن هو:تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتَعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم،قال الله تعالى: ]كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[ ([66])،وقال تعالى: ]إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون[ ([67]) .

وينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنِّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب([68]).

والتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله.

ولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم([69]).

وليحذر المسلم من هجر القرآن؛فإن هجرهُ خمسة أنواع:

النوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

النوع الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.

النوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.

النوع الرابع: هجر تدبُّره وتفهّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

النوع الخامس: هجر الاستشفاء به والتداوي به من جميع أمراض القلوب، والأجساد... وكل هذا داخل في قوله تعالى: ]وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً[ ([70])، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض([71]).

السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله:

مما يجلب الخشوع في الصلاة تحسين القراءة بالقرآن، والترنم بذلك، وترتيله، ومن الأفضل والأكمل أن يستاك عند قراءة القرآن؛ لحديث علي t، قال: قال رسول الله r: ((إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهِّروا أفواهكم للقرآن))([72]).

وعن علي t قال:((إن أفواهكم طرق القرآن فطيِّبوها بالسواك))([73]). والقارئ للقرآن إذا تأدَّب بآدابه حصل له الخشوع في صلاته، وقراءته، ومن هذه الآداب الآداب الآتية:

أولاً:يُحسِّن صوته بقراءة القرآن الكريم، ويترنَّم به؛ للأحاديث الآتية:

1- حديث أبي هريرة t عن النبي r قال: ((ما أَذِنَ([74]) الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيِّ أن يتغنَّى([75]) بالقرآن))، ولفظ مسلم: ((ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيِّ حَسَن الصوت يتغنّى بالقرآن))، وفي لفظ لمسلم: ((ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر به))([76]).

2- حديث أبي موسى الأشعري t، عن النبي r أنه قال له:
((يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير([77]) آل داود))، وفي لفظٍ لمسلم: ((لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود))([78]).

3- حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله r: ((زيّنوا القرآن بأصواتكم))([79]).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث في ذلك محمولة على التحزين والتشويق))([80]) ([81]).

4- حديث سعد بن أبي وقاص t قال: قال رسول الله r: ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن))([82]).

5- حديث أبي لبابة، قال سمعت رسول الله r يقول: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))، فقيل لابن أَبِي مُليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يُحسِّن ما استطاع([83]) .

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول:((والتغنِّي بالقرآن: يجهر به ويُحسّن به صوته حتى يستفيد هو ويستفيد الناس،فالمؤمن يجاهد نفسه يخشع ويُخشِّع من حوله،((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن))،وهذا يدل على الوعيد لمن لم يتغن بالقرآن،وهو مثل قوله r:((من غشنا فليس منّا)) فيه الوعيد الشديد لمن لم يتغنَّ بالقرآن؛لأن الله أنزل القرآن للتدبر والعمل ]ليدّبروا آياته[([84]) ولم يقل:ليقرؤوا، فقليل بتدبر خير من كثير بلا تدبر))([85]).

6- حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقرأ: ]وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون[ في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءةً))، وفي لفظ عن عديٍّ، قال: سمعت البراء يُحدِّث عن النبي r أنه كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين: ]وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون[))([86]) ([87]).

ثانياً:يُرتِّل القرآن ترتيلاً؛لقول الله تعالى:]وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[([88]).

والترتيل مصدر رتّل الكلام: أحسن تأليفه.

وهو في الاصطلاح: قراءة القرآن على مُكثٍ، وتفهّمٍ من غير عجلةٍ، وهو الذي نزل به القرآن.

فيقرأ القرآن: بِتَلَبُّثٍ في قراءتِهِ، وتمهّلٍ فيها، ويفصل الحرف عن الحرف الذي بعده، وفي ذلك عون على تدبُّرِ القرآن وتفهُّمِهِ، ومرتبة الترتيل أفضل مراتب القراءة.

وعن أنس t ، قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي r فقال: كان يمدُّ مداًّ: ثم قرأ: ]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم[ يمدّ ((بسم الله))، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم([89])([90]).

وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها ذكرت قراءة رسول الله r ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم * الـْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمـنِ الرَّحِيم * مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين. يُقطِّع قراءته آية آية. قال أبو داود: ((سمعت أحمد يقول: ((القراءة القديمة مالك يوم الدين))، ولفظ الترمذي: ((الـْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين))، ثم يقف ((الرَّحْمـنِ الرَّحِيم)) ثم يقف...))([91]).

وعن عبد الله بن مغفل t قال: رأيت رسول الله r يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّع))([92])، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع))، وفي لفظ للبخاري: ((رأيت النبي r يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة ليّنة يقرأ وهو يرجع))، وفي رواية: ((... ثم قرأ معاوية [بن قرة] يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم، لرجَّعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي r، فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه؟ قال: آ آ آ ثلاث مرات))([93])، وفي الحديث ملازمة النبي r للعبادة؛ لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم، وإيقاظ الغافل، ونحو ذلك([94]).

وعن عبد الله بن مسعود t أن رجلاً قرأ المفصل في ركعة، فقال له: ((هذّاً كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله r يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل:سورتين من آل حم في كل ركعة([95])، وفي لفظ: ((كان النبي r يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة ))، وقال: ((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم ((حم)) الدخان،و((عم يتساءلون))([96])، وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله))([97])، وفي لفظ لمسلم: ((... هذاً كهذ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإنَّ أفضل الصلاة: الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله r يقرن بينهن))([98]) .

فيستحب للقارئ التالي لكتاب الله تعالى أن يرتل، وهذا هو الأفضل أن يُرتِّل، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ: بإسقاط بعض الحروف، أو إدغام ما لا يصح إدغامه، وهذه قراءة الحدر: وهو إدراج القراءة وسرعتها، ولابد فيه من مراعاة أحكام التجويد: من المدّ، والتشديد، والقطع، والوصل؛ وليحذر فيه من بتر حرف المد، وذهاب الغنة.

فإن حصل إخلال باللفظ في هذه القراءة فهي حرام؛لأنها تغيير للقرآن([99]).

ثالثاً: إذا مرَّ بآية رحمة سأل الله من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله تعالى، وإذا مرّ بآية فيها سؤال سأل، وهذا في النوافل لا في الفرائض؛ لحديث حذيفة t، قال صليت مع النبي r ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى يُصلِّي، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ...))([100]).

رابعاً: يجهر بالقرآن ما لم يتأذَّ أحد بصوته:

دلت الأحاديث في تحسين الصوت بالقرآن، وفي الترتيل والترنيم بالقرآن، والتغنِّي به على استحباب رفع الصوت والجهر بالقرآن، كما دلت أحاديث أخرى على الحث على الإسرار بالقرآن؛ فكانت الأحاديث في ذلك على نوعين:

النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن:

جاء في هذا النوع من الأحاديث المذكورة آنفاً في الأمر بتزيين الصوت بالقرآن وتحسينه، كقوله r: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به)) ([101])، وقول النبي r لأبي موسى: ((لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود))([102])،وقوله r:((زينوا القرآن بأصواتكم))([103]).وغير ذلك مما تقدم في الترغيب في تحسين الصوت بالقراءة،وعن أبي موسى t،قال:قال رسول الله r:((إني لأعرف أصوات رُفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار... ))([104]) . وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول:((كان لهم أصوات حسنة بالقرآن y))([105]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أبطأتُ على عهد رسول الله r ليلة بعد العشاء، ثم جئتُ فقال: ((أين كنتِ؟))، قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحدٍ، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ فقال: ((هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا))([106]).

وعن جابر t، قال: قال رسول الله r: ((إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله))([107]).

وفي إثبات الجهر بالقرآن أحاديث كثيرة.

النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها:

جاء في ذلك أحاديث منها حديث عقبة بن عامر الجهني t قال: قال رسول الله r: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمسر بالصدقة))([108]).

وعن أبي سعيد t، قال:اعتكف رسول الله r في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال:((ألا إن كُلَّكم مناجٍ ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة))،أو قال:((في الصلاة))([109]).

فعلى هذا دلت الأحاديث على النوعين: فجاءت الأحاديث في النوع الأول باستحباب رفع الصوت بالقراءة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين: من أقوالهم، وأفعالهم أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر([110]).

وجاء في النوع الثاني أحاديث وآثار تدل على استحباب الإسرار وخفض الصوت بالقراءة.

والجمع بين هذين النوعين: أن القارئ إذا خاف الرياء، أو السمعة،أو يتأذَّى مصلون، أو نيام بجهره، أو خاف إعجاباً، أو يُلَبِّس على من يقرأ أو غير ذلك من أنواع القبائح، فالإسرار بالقراءة والإخفاء بها أفضل.

أما من لم يخفْ شيئاً من ذلك فالجهر بالقراءة له أفضل، ويستحب له ذلك؛ لأن العمل في الجهر أكثر؛ ولأن فائدته تتعدَّى للسامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إلى التدبر، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، ويطرد الشيطان، فإن كانت القراءة بحضور من يستمع إليه، تأكد استحباب الجهر([111]).

قلت: ويدل على هذا الجمع حديث عبد الله بن أبي قيس رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أنه سألها في حديث طويل، وفيه أنه سألها عن قراءة النبي r، فقال: ... فقلت: كيف كانت قراءته: أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: ((كل ذلك قد كان يفعل: قد كان ربما أسر، وربما جهر))، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً...))([112]).

وعن أبي قتادة t، أن النبي r قال لأبي بكر: ((يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك؟))، قال: قد أسمعت من ناجيتُ يا رسول الله!، قال: ((ارفع قليلاً))، وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلِّي رافعاً صوتك؟))، قال: يا رسول الله أُوقظ الوسنان([113])، وأطرد الشيطان! قال: ((اخفض قليلاً))([114]).

السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة:

مما يجلب الخشوع في الصلاة سجود التلاوة؛ لحديث أبي هريرة t، قال: قال رسول الله r: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار))([115])، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه.

وسجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح للتالي والمستمع([116])؛ لحديث عبد الله بن مسعود t قال: قرأ النبي r النجم بمكة فسجد بها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير شيخ أخذ كفَّاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته [فسجد عليه]، وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافراً [وهو أمية بن خلف]))، وفي رواية: ((أول سورة أنزلت فيها سجدة ]وَالنَّجْمِ[، فسجد رسول الله r، وسجد من خلفه...)) الحديث([117]).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 10 )  
قديم 2014-04-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((سجد النبي r [بالنجم]، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس))([1]).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي r يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه))، ولفظ مسلم: ((أن النبي r كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، ونسجد معه...))الحديث([2]).
وعن أبي هريرة t قال:سجدنا مع النبي r في ]إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ[، و ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ[([3]).
وهذه الأحاديث تدل على أهمية سجود التلاوة ومشروعيته المؤكدة وعناية النبي r به، ولكن دلت الأدلة الأخرى على عدم الوجوب، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب t قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: ((يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) ولم يسجد عمر t، وفي لفظ: ((إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء))([4]).
ومن أوضح الأدلة على أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب حديث زيد بن ثابت t قال: ((قرأت على النبي r
]وَالنَّجْمِ[ فلم يسجد فيها))(
[5]).
ورجّح الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وابن قدامة - رحمهم الله - أن حديث زيد بن ثابت هذا محمول على بيان جواز عدم السجود، وأنه سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك([6])، وقال الحافظ ابن حجر: ((وأقوى الأدلة على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب))([7])، وتعقبه الإمام عبد العزيز ابن باز - رحمه الله -فبين ((أن أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة: قراءة زيد بن ثابت على النبي r سورة النجم، فلم يسجد فيها، ولم يأمره النبي r بالسجود، ولو كان واجباً لأمره به))([8]).
وسجود المستمع إذا سجد القارئ، وإذا لم يسجد لم يسجد؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي r يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه))([9])، وقال ابن مسعود t لتميم بن حَذْلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: ((اسجد فأنت إمامنا فيها))([10])، فالمستمع الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع يسجد مع القارئ إذا سجد، وإذا لم يسجد فلا([11]).
أما السامع الذي لا يقصد سماع القرآن وإنما مرَّ فسمع القراءة وسجد القارئ، فإنه لا يلزمه السجود، قيل لعمران بن حصين t: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال: ((أرأيت لو قعد لها)) كأنه لا يوجبه عليه([12]). وقال سلمان الفارسي t: ((ما لهذا غدونا))([13])، وقال عثمان t: ((إنما السجدة على من استمعها))([14])، وأما المستمع بقصدٍ فقال ابن بطال: ((وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد))([15]).
فقد فرَّق بعض العلماء بين السامع والمستمع بما دلت عليه هذه
الآثار
(
[16]).
وعدد سجدات القرآن ومواضعها، خمس عشرة سجدة([17]) في المواضع الآتية:
الموضع الأول:آخر سورة الأعراف،عند قوله تعالى:]وَلَهُ يَسْجُدُونَ[([18]).
الموضع الثاني:في الرعد عند قوله تعالى:]وَظِلالـُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ[([19]).
الموضع الثالث:في النحل عند قوله تعالى: ]وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[([20]).
الموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى:]وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً[([21]).
الموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله:] خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً[([22]).
الموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ
مَا يَشَاءُ
[(
[23]).
الموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى: ]وَافْعَلُوا الـْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[([24]).
الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ]وَزَادَهُمْ نُفُوراً[([25]).
الموضع التاسع:في سورة النمل،عند قوله تعالى:]رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[([26]).
الموضع العاشر: في سورة ]الم[ السجدة، عند قوله تعالى: ]وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ[([27]).
الموضع الحادي عشر:في سورة ص، عند قوله:]وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ[([28]).
الموضع الثاني عشر:في سورة فصلت،عند قوله تعالى:]وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ[([29]).
وهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك - رحمه الله - وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى:]إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[([30]).
الموضع الثالث عشر:في آخر سورة النجم،عند قوله تعالى: ]فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا[([31]).
الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى:]وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ[([32]).
الموضع الخامس عشر:في آخر سورة العلق عند قوله تعالى:]وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[([33]). وسجدتا سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان t قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين))([34])، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: ((فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما))([35]).
وسجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت؛ لحديث أبي هريرة t أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ]إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ[ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم r، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه))([36]).
وصفة سجود التلاوة: أنَّ من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب له أن يستقبل القبلة ويكبر،ويسجد ثم يقول دعاء السجود،ثم يرفع من السجود بدون تكبير،ولا تشهد،ولا سلام([37])؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله r يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه))([38]). وإذا كان سجود التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي r كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع([39])، وقد قال r: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))([40])، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة))([41]).
والدعاء في سجود التلاوة، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله r يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً]([42]): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره]([43]) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين]))([44])([45]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي r فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((فرأيت النبي r قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة))([46]).
ويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة([47]).
والصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب([48]).
السبب السابع والثلاثون:المحافظة على سنن الصلاة:القولية والفعلية:
لا شك أن العمل بسنن الصلاة القولية والفعلية يجلب الخشوع في الصلاة، ويزيد ثوابها، ويرفع درجات صاحبها في الدنيا والآخرة، وهي سنن أقوال وأفعال، ولا تبطل الصلاة بترك شيء منها عمداً ولا سهواً، وسنن الصلاة، هي ما عدا الشروط، والأركان، والواجبات، وهي على النحو الآتي([49]):
1- رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين، مع تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول؛ لحديث
عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما([50])؛ ولحديث مالك بن الحويرث t([51]).

2- وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر؛لحديث وائل t([52])؛ ولحديث سهل t([53]).
3- النظر إلى موضع السجود في الصلاة؛ لحديث عشرة من أصحاب النبي r([54]).
4-دعاء الاستفتاح؛ لحديث أبي هريرة t([55]).
5- التعوذ بالله من الشيطان؛ للآية؛ ولحديث أبي سعيد t([56]).
6- البسملة؛ لحديث أنس t([57]).
7- قول آمين بعد قراءة الفاتحة، يجهر بها في الجهرية ويُسرُّ في السّرية؛ لحديث أبي هريرة t([58]).
8- قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، أو ما تيسَّرَ من القرآن؛ لحديث أبي قتادة t([59]).
9-الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية؛لحديث جبير بن مطعم t([60])؛ ولغيره من الأحاديث([61]).
10- الإسرار في الصلاة السِّرية؛لحديث خباب t وأنهم كانوا يعرفون قراءة النبي r في صلاة الظهر والعصر،باضطراب لحيته([62]).
11- السكتة اللطيفة بعد الفراغ من القراءة كلها؛ لحديث الحسن عن سمرة t([63]).
12- وضع اليدين مفرجتي الأصابع على الركبتين كأنه قابض عليهما؛ لحديث أبي حُميد الساعدي t([64]).
13- مدّ الظَّهْر في الركوع حتى لو صب عليه الماء لاستقر، وجعل الرأس حيال الظهر؛ لحديث رفاعة بن رافع t([65])؛ ولحديث وابصة بن معبد t([66]).
14- مجافاة اليدين عن الجنبين في الركوع؛لحديث أبي حميد الساعدي t([67]).
15- ما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود؛ لحديث حذيفة بن اليمان t([68]).
16- ما زاد على المرة الواحدة في سؤال الله المغفرة بين السجدتين؛ لحديث حذيفة t([69]).
17- قول ((ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)) بعد قول: ربنا لك الحمد؛ لحديث أبي سعيد الخدري t([70]).
18- وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ورفع اليدين قبل الركبتين في القيام؛ لحديث وائل بن حُجر t([71]).
19-ضم أصابع اليدين في السجود؛ لحديث وائل t([72]).
20- تفريج أصابع الرجلين في السجود؛ لحديث أبي حُميد t([73]).
21- استقبال القبلة بأطراف أصابع اليدين والرجلين في السجود؛ لحديث أبي حُميد الساعدي([74]).
22- مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة t([75]).
23- مجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، والتفريج بين الفخذين؛ لحديث أبي حُميد t([76]).
24- وضع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين في السجود، والسجود بينهما؛ لحديث أبي حُميد t([77])، وحديث وائل t([78])؛ والبراء t([79]).
25- ضم القدمين والعقبين ونصبهما في السجود؛لحديث عائشة رضي الله عنها([80]).
26- الإكثار من الدعاء في السجود؛ لحديث أبي هريرة t([81])؛ ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما([82]).
27- افتراش الرجل اليسرى ونصب اليمنى في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول؛ لحديث عائشة رضي الله عنها([83]).
28- وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى إذا جلس في الصلاة، أو وضع الكفين على الركبتين، أو وضع الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى ويُلْقِمُ كفّه اليسرى ركبته؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا([84])؛وحديث عبد الله بن عمر y([85]).
29- وضع الذارعين على الفخذين في التشهد، وفي الجلوس بين السجدتين؛ لحديث وائل بن حُجر t([86]).
30- قبض خِنصر وبِنصر اليد اليمنى في التشهد، والتّحْليق بين الإبهام والوُسْطى، والإشارة بالسبابة وتحريكها إلى القبلة عند ذكر الله، وعند الدعاء؛ لحديث وائل بن حجر t([87]).
31- جلسة الاستراحة قبل القيام إلى الركعة الثانية، والركعة الرابعة؛ لحديث مالك بن الحويرث t([88])؛ولحديث أبي حُميد السّاعدي t([89])،وأبي هريرة t([90]).
32- التورُّك في التشهد الثاني؛ لحديث أبي حُميد الساعدي t([91]).
33- النظر إلى السبابة عند الإشارة بها في الجلوس؛ لحديث
عبد الله بن الزبير
([92])؛ ولحديث عبد الله بن عمرy([93]).

34- الصلاة والتبريك على محمد وآل محمد، وعلى إبراهيم وآل إبراهيم في التشهد الأول؛ لعموم الأدلة([94]).
35- الدعاء والتعوُّذ من أربع بعد التشهد الثاني؛لحديث أبي هريرة t([95]).
36- الالتفات يميناً وشمالاً في التسليمتين؛لحديث عامر بن سعد عن أبيه t([96]).
37- نيته في سلامه: الخروج من الصلاة، والسلام على الملائكة والحاضرين؛ لأدلة كثيرة([97])، منها حديث جابر بن سمرة t وفيه: ((علامَ تؤمِئُون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمُسٍ، إنما يكفي أحدَكم أن يضعَ يدَه على فخذه ثم يسلِّم على أخيه: من على يمينه وشماله))([98]).
والمحافظة على هذه السنن يزيد الخشوع في الصلاة، ويزيد في الثواب عند الله تعالى.
السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة:
لا شك أن من دخل في صلاته وهو يذكر الموت، ويخشى أن تكون هذه الصلاة هي أخر صلاةٍ يُصلِّيها، فإنه سيخشع في صلاته؛ ولهذا أوصى النبي r بذلك؛ فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّr فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ؟ فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَداً، وَأجْمِعِ الْيَأسَ مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ))، وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّr فَقَالَ: يَا رَسُولَ! اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ، قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ))([99]).
وعن أنس t، قال: قال رسول الله r: ((اذْكُر المَوْتَ في صَلاَتِكَ؛ فإِنَّ الرَّجُلَ إذا ذَكَرَ المَوْتَ في صَلاَتِهِ لَحَرِيٌّ أنْ يُحْسِنَ صلاتَهُ، وَصَلِّ صلاةَ رَجُلٍ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُصَلِّي صلاةً غَيْرَها، وإِيَّاكَ وكُلَّ أمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ))([100]).
السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة:
لا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الحذر من الغفلة؛ فإن الغفلة من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ والغفلة: تركٌ باختيار الغافل، وأما النسيان فهو: تركٌ بغير اختيار الإنسان، والسلامة منهما بالذكر، وهو التخلّص من الغفلة والنسيان([101])؛ ولعظم خطر الغفلة نهى الله تعالى رسوله عنها فقال: ]وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ[([102])، والغافلون هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ فإنهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمَّن كلِّ السعادة والفوز بذكره، وعبوديَّته، وأقبلوا على من كلِّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به([103]).
ومن أعظم خطر الغفلة أن من غفل عن الله عاقبه بأن يُغفله عن ذكره، ويجعله يتبع هواه، ويكون أمره ضائعاً معطلاً([104])، قال الله تعالى: ]وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[([105])، وأكثر الناس يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الله والدار الآخرة، قال الله تعالى: ]وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[([106]).
السبب الأربعون:الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول بين المرء وقلبه:
لا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الاستجابة لله ورسوله r مع الخوف من أن يحول الله بين العبد وقلبه، قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[([107])، فالله تعالى يأمر عباده المؤمنين بالاستجابة له ولرسوله، والانقياد والمبادرة إلى ذلك، والاجتناب لما نهى عنه الله ورسوله، والدعوة إلى ذلك؛ لأن حياة القلب والروح بعبوديته تعالى، ولزوم طاعته وطاعة رسوله r؛ ولهذا حذّر عن عدم الاستجابة لله ولرسوله فقال: ]وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ[ فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها كيف شاء([108]).
فينبغي للعبد أن يسأل الله أن يصرِّف قلبه على طاعته؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أنه سمع رسول الله r يقول: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ))، ثم قال رسول الله r: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))([109]).
وفي حديث أُمِّ سلمة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أن النبي r حينما يكون عندها- كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لأَكْثَر دُعَائِكَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ))، فَتَلَا مُعَاذٌ: ]رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا[([110]).
السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة:
من الأسباب العظيمة التي تجلب الخشوع في الصلاة أن يسأل العبد ربه، ويتضرع إليه بسؤاله التوفيق للخشوع الذي يحبه اللَّه سبحانه في الصلاة، قال الله تعالى: ]وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيفَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[([111])، وقال U: ]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[([112]).
وعن أبي سعيد t: أن النبي r قال: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلِهَا))، قَالُوا: إِذاً نُكْثِرُ؟ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْثَرُ))([113]).
وعن أبي هريرة t، قال: قال رسول الله r: ((مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ))([114]).
السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها:
من الأسباب التي تُعينُ على الخشوع في الصلاة:أن يعلم العبد المسلم أنه ليس له من صلاته إلا ما أقبل عليه بقلبه؛لحديث عمّار بن ياسر t قال: سمعت رسول الله r يقول: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا))([115]).
وعن كعب بن عمرو السلمي t: أن رسول الله r قال: ((مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّيالنِّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ، حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ))([116]).
وقال ابن عباس: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها))([117]).
السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي r في صلاته:
مما يُعين على الخشوع في الصلاة ويجلبه معرفة ما كان عليه النبي r من الخشوع في الصلاة؛ وقد كانت الصلاة قرّة عينه، فعن أنس t قال: قال رسول الله r: ((حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))([118]).
وقال النبي r لبلال: ((قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاَةِ))، وفي لفظ: ((يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا))([119]).
وقد كان النَّبيُّ r إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض موضع السجود، وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته، هكذا ذُكِرَ عنه r([120])([121]).
السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم رحمهم الله:
المتأمل بتفكّرٍ في خشوع السلف الصالح في صلاتهم يزيده ذلك خشوعاً؛ لما يرى ويعلم من خشوعهم العظيم الذي يدل على إحسانهم في صلاتهم، وأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، وهذه هي الدرجة العظمى من الإحسان في العبادة.
فهذا أبو بكر t يبكي في صلاته كما ذكرت عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا([122]).
وهذا عمر الفاروق يُقتل وهو يُصلِّي، ثم أغمي عليه، وعندما أفاق قال: ((هل صلَّى الناس؟))، فسأل: عن الصلاة قبل أن يسأل عمن قتله؟([123]).
وذاك سعد بن معاذ إذا صلى لا يحدث نفسه بغير ما هو فيه من صلاته([124]).
وهذا التابعي الجليل عروة بن الزبير يأمر الأطباء بقطع رجله في الصلاة؛ لأنه لا يشعر بذلك؛ لتعلق قلبه بالله ومناجاته([125]).
وهذا الإمام البخاري يلسعه الزنبور في سبعة عشر موضعاً من جسده تحت ثوبه ولم ينصرف من صلاته، ولم ينظر حتى سلَّم من صلاته([126])، وغير ذلك كثير([127]).
فمن نظر في خشوع السلف الصالح في صلاتهم جلب له ذلك الخشوع إن كان قلبه سليماً.
السبب الخامس والأربعون:العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع:
مما يُعين على الخشوع معرفة ما جاء عن النبي r من التحذير من ترك الخشوع في الصلاة وسرقتها، والعلم بما ثبت من فضائل الخشوع وفوائده، ومن ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار ما يأتي:
أولاً: ثبت عن النبي r: إخباره بأن أشدّ الناس سرقةالذي يسرق صلاته، فلا يتم ركوعها ولا سجودها([128])، وأن الله لا ينظر إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم فيها صلبه بين ركوعه وسجوده([129])، وإن مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده مات على غير ملة محمد r([130])، وقد يُصلِّي المرء ستين سنة، وما قَبِلَ اللَّهُ منه صلاة واحدة؛ لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع([131]).
ثانياً: الخشوع في الصلاة له فضائل عظيمة،فقد ثبت عن النبي r: أن من صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه([132])، وأن من أحسن الوضوء ثم صلَّى ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة([133])، وجاء في القرآن الكريم أن الفوز والفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم([134])، وغير ذلك من الفضائل والفوائد العظيمة([135]).
السبب السادس والأربعون: فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها:
لا شك أن من تدبَّر معاني أفعال الصلاة خشع في صلاته، ومن ذلك تدبّر الأفعال الآتية:
أولاً: فهم وَتّدّبُّر معنى القيام في الصلاة،فقد قال الله تعالى: ]وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[([136])، فإذا انتصب العبد قائماً لله في صلاته بين يديه سبحانه فليشاهد بقلبه قيُّوميته تعالى([137])، ويذكر أنه إذا أحسن هذا الوقوف في الصلاة في الدنيا سهُل عليه الوقوف أمام الله يوم القيامة، وإذا استهان بهذا الوقوف، ولم يُوفّه حقه شُدِّد عليه الوقوف يوم القيامة([138])، ومن مقتضى هذا القيام أن يقبل على لله بقلبه وجسده، فلا يلتفت: لا بقلبه، ولا ببصره، ولا جسده([139]).
ثانياً: فهم وتدبر معنى رفع الأيدي في الصلاةحذو المنكبين أو حذو الأذنين في أربعة مواضع: إذا كبّر تكبيرة الإحرام، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من الركعتين - أي من التشهد الأول - يرفعهما كما صنع عند الافتتاح، وهذا هو السنة.
والحكمة في ذلك: اتبّاع النبي r، ويضاف إلى ذلك من الحكم:
أن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فيه الإشارة إلى رفع حجاب الغفلة بينك وبين الله، وفي غير تكبيرة الإحرام إعظاماً لله.
وقال بعضهم:إنها استسلام لله وانقياد له تعالى،كالأسير المستسلم.
وقال بعضهم: نفي الكبرياء عن غير الله.
وقال بعضهم: زينة للصلاة، وعلى كل حال: فهو اتبّاع للسنة الثابتة عن النبي r([140])؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأســـه من الركوع، ولا يفعـــله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه))([141])، وفي حديث مالك بن الحويرث t أن رسول الله r كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه،وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: ((سمع الله لمن حمده))، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: ((حتى يحاذي بهما فروع أذنيه))([142]).
والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة:
الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه r رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله r إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر))([143])؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي tيُحدِّث به في عشرة من أصحاب رسول الله r، وفيه: ((كان رسول الله r إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه، ثم يُكبِّر))([144]).
الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه r كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه ((رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه... وحدَّث أن رسول الله r كان يفعل هكذا))([145]).
الوجه الثالث:جاء ما يدل على أنه r رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه،فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:((رأيت رسول الله r افتتح التكبير في الصلاة،فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه))([146]). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة([147]).
وإن نوَّع بين هذه الصفات الثلاث، فتارة يفعل هذا، وتارة هذا، وتارة هذا، فلا بأس، وهذا يعين على الخشوع في الصلاة، والعلم عند الله تعالى.
ثالثاً: فهم وتدبّر معنى وضع اليدين على الصدرفي حال القيام في الصلاة: اليد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّسغ والساعد، وهذا فيه إظهار الذُّل، والانكسار، والخشوع لله تعالى، وقد ذُكِرَ عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سُئل عن المراد بذلك فقال : ((هو ذُلٌّ بين يدي عزيز))([148]).
رابعاً: فهم وتدبّر معنى الركوع؛فإنه يدل على الذُّل بظاهر الجسد؛ ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، وقد قال تعالى ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ[([149])، وتمام الخضوع في الركوع أن يخضع القلب لله، ويذلَّ له، فيتمّ بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله U([150]).
قال العلامة الأصفهاني رحمه الله: ((الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها))([151]).
خامساً: فهم وتدبّر معنى السجود؛ فإنه أعظم ما يظهر فيه ذلّ العبد لربِّه تعالى، حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزّها عليه، وأعلاها عليه، حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفِّراً، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه, وخشوعه لله U؛ ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقرِّبه الله U إليه؛ فإن ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء))([152])، كما صح عن النبي r.
والسجود أيضاً مما كان يأنفه المشركون المستكبرون عن عبادة الله U، وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد فتعلوني استي، وبعضهم يأخذ كفاً من حصىً فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود، وإبليس إنما طرده الله لمّا استكبر عن السجود، لمن أمره الله بالسجود له([153]).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 08:05 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب