منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى الدين الاسلامي الحنيف

منتدى الدين الاسلامي الحنيف [خاص] بديننا الحنيف على مذهب أهل السنة والجماعة...

الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ربح أيام العمر في تدبر سورة العصر seifellah منتدى طلب العلم الشرعي 1 2014-05-03 07:48 PM
خطأ شائع في قراءة سورة الإخلاص Pam Samir منتدى الدين الاسلامي الحنيف 1 2013-07-25 08:41 PM
صور ،، المعتمرون في البلد الأمين مكة المكرمة Pam Samir منتدى عالم الصور والكاريكاتير 4 2012-08-02 10:40 PM
من اداب تدبر القرأن Emir Abdelkader منتدى القران الكريم وعلومه 9 2012-04-26 08:36 PM
من فضائل سورة الإخلاص المسامح كريم منتدى القران الكريم وعلومه 6 2012-04-03 07:36 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين

المقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن، وجعله للذين آمنوا هدى وشفاء، يشفي بإذن الله عز وجل أمراض القلوب والأبدان، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعـد:
فإن أعظم مصائب المسلمين اليوم بعد كثير منهم عن دينهم، وعن منهج التلقي الصحيح: كتاب الله وسنة رسوله r؛ مما كان سببًا في ضعف عقائدهم، واهتزاز شخصية كثير منهم، وتلاعب شياطين الإنس والجن فيهم.
وإن مما يندى له جبين كل مسلم غيور على معتقد الأمة ما أصيب به كثير من المسلمين اليوم من ضعف في اليقين والتوكل على الله، حتى أصبح بعض منهم بسبب ذلك تنتابه المخاوف على مستقبله، فتارة يخاف من العين، وتارة من السحر، وتارة من الجن، وتارة منها كلها، ومع أن هذه الأعراض كلها حق دل عليها الكتاب والسنة فإن من ضعف اليقين وضعف التوكل على الله أن يستسلم المسلم لوساوس شياطين الإنس والجن، فبمجرد ما يحس بعض الناس بأي ألم في جسمه يوسوس له الشيطان أن هذا عين أو سحر أو كذا وكذا، وسرعان ما تنقلب هذه الوساوس والأوهام إلى مسلمات وحقائق لدى سفهاء الأحلام وضعاف الإيمان عندما يؤكدها شياطين الإنس من الدجالين والسحرة والمشعوذين وغيرهم ممن لا خلاق لهم ولا دين يردعهم، وممن جعلوا هذا العمل وسيلة للكسب والتجارة، فلعبوا في عقول كثير من الناس، بل وفي عقائدهم، فخرجوا بهم من الحقيقة إلى الوهم والخيال، بما توسوس لهم به شياطين الجن؛ شعروا بذلك أو لم يشعروا، فعلى كل من أراد سلامة دينه الحذر منهم وعدم تصديقهم، وإن ظهر على أيديهم ما يوهم صدقهم أحيانًا، ابتلاءً واختبارًا لهم ولغيرهم، فلا يغتر بهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وعلامة هؤلاء الشياطين دخولهم في دعوى علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فإذا جاءهم المريض – ولو توهما – قالوا: فيك كذا وكذا؛ رجمًا بالغيب والعياذ بالله، وقد قال الله عز وجل {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}([1])، فكم اتهموا من بريء، وكم روجوا من فرية، ففرقوا عياذًا بالله بهذا الدجل بين الأقارب والجيران، والأخوات، والإخوان، بل بين الآباء والأبناء، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكيف يحصل هذا وكتاب الله بين أظهرنا فيه الشفاء التام من جميع الأمراض والأسقام، وما حالنا إلا كما قيل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما



والماء فوق ظهورها محمول


وقد جمعت في هذا الكتاب كلام أهل العلم من المفسرين وغيرهم على سورة الإخلاص والمعوذتين والتي في تدبرها بإذن الله عز وجل قراءة وفهمًا وتطبيقًا واعتقادًا الوقاية والشفاء بإذن الله عز وجل، والاستغناء التام عن دجل الدجالين وشعوذة المشعوذين، مع معرفة ما هم عليه من الحدس والتخمين والضلال المبين، وقد سميت هذا الكتاب: «الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين». والله أسأل أن ينفع به جميع إخواني المسلمين، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
المؤلف

* * *
سورة الإخلاص

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
سبب نزول هذه السورة:
عن أبي بن كعب t قال: «إن المشركين قالوا للنبي r: انسب لنا ربك. فأنزل الله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}([2]).
وعن جابر بن عبد الله t: «أن أعرابيًا جاء إلى النبي r، فقال: انسب لنا ربك. فأنزل الله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إلى آخرها»([3]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاءت اليهود إلى النبي r، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد صف لنا ربك، الذي بعثك، فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ} فيخرج منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} فيخرج من شيء»([4]).
ومحصل هذه الروايات بمجموعها أن المشركين من أهل مكة ومن أهل الكتاب سألوا النبي r أن ينسب ويصف لهم ربه فأنزل الله هذه السور.
فضل هذه السورة:
سورة الإخلاص سورة عظيمة من أعظم سور القرآن الكريم؛ لما اشتملت عليه من الدلالة على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات ([5])؛ ولهذا سميت سورة الإخلاص.
وقد وردت أحاديث عدة في فضلها، وفضل قراءتها في الصلاة وخارجها، وفي أدبار الصلوات، وفي الصباح والمساء، وعند النوم والقيام منه، وللاستشفاء بها، وفي أنها تعدل ثلث القرآن إلى غير ذلك. منها ما يلي:
أ- ما ورد في فضل قراءتها وفضل حبها وحب قراءتها:
عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي r بعث رجلاً في سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي r، فقال: سلوه، لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي r: «أخبروه أن الله تعالى يحبه»([6]).
وعن أنس بن مالك t قال: «كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك، حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها؛ إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي r أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال: «حبك إياها أدخلك الجنة»([7]).
وعن أبي هريرة t قال: أقبلت مع النبي r فسمع رجلاً يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فقال رسول الله r: «وجبت. قلت: وما وجبت؟ قال: الجنة»([8]).
وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله r قال: «من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرًا في الجنة»، فقال عمر: إذن نستكثر يا رسول الله؟ فقال رسول الله r: «الله أكثر وأطيب»([9]).
ب- ما ورد في أنها تعدل ثلث القرآن:
عن أبي سعيد الخدري t أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي r، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي r: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن»([10]).
وفي رواية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله r لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟» فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «{اللَّهُ الصَّمَدُ} ثلث القرآن»([11]).
وفي رواية عن أبي سعيد t قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فذكر ذلك للنبي r فقال: «والذي نفسي بيده لتعدل نصف القرآن، أو ثلثه»([12]).
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «أحشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن». فحشد من حشد، ثم خرج النبي r، فقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله r: «فإني سأقرا عليكم ثلث القرآن، إني لأرى هذا خبرًا جاء من السماء»، ثم خرج نبي الله r، فقال: «إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن»([13]).
جـ- ما ورد في فضل قراءتها مع المعوذتين في الصباح والمساء:
عن معاذ بن عبد الله بن خبيب t أن رسول الله r قال له: «قل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين حين تمسي، وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء»([14]).
وعن عقبة بن عامر t قال: لقيت رسول الله r فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله بم نجاة المؤمن؟ قال: «يا عقبة: أخرس لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك»([15]). قال: ثم لقيني رسول الله r فابتدأني فأخذ بيدي فقال: «يا عقبة بن عامر: ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم؟» قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم قال: «يا عقبة، لا تنسهن، ولا تبت ليلة حتى تقرأهن»، قال: فما نسيتهن منذ قال: «لا تنسهن»، وما بت ليلة قط، حتى أقرأهن. قال عقبة: ثم لقيت رسول الله r فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: «يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك ([16])»([17]).
د- ما ورد في قراءتها مع المعوذتين عند النوم:
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي r كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثم يمسح ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات»([18]).
هـ- ما جاء أن فيها اسم الله الأعظم:
وعن سليمان بن بريدة عن أبيه t أنه دخل مع رسول الله r المسجد فإذا رجل يصلي يدعو، يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد». قال: «والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعى به أجاب»([19]).
معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
قوله: {قُلْ}: أمر للنبي r ولكل من يصلح له الأمر والخطاب من أفراد أمته، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى ([20]): «أي: قل قولاً جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه».
قوله: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: «هو»: ضمير الشأن مبتدأ، وخبره «الله أحد» والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب مقول القول، وكذا ما بعدها.
ولفظ الجلالة «الله» معناه المألوه المعبود محبة وتعظيمًا.
وقال: (أحد)، ولم يقل: الأحد؛ لأنه ليس في الموجودات ما يسمى أحدًا في الإثبات مفردًا غير مضاف سواه سبحانه وتعالى؛ بخلاف النفي وما في معناه؛ كالشرط والاستفهام؛ فإنه يقال: هل عندك أحد، وما جاءني أحد ([21]).
وقوله: (أحد): أي الواحد الأحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولهذا قال بعده: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
قال ابن كثير ([22]) رحمه الله تعالى: «يعني هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه، ولا عديل. ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله».
وقال السعدي ([23]): «{هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: أي: قد انحصرت فيه الأحدية؛ فهو الأحد المنفرد بالكمال الذي له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي لا نظير له، ولا مثيل».
قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع خبر ثان لـ «هو».
وأدخل «ال» على الصمد؛ لأن المستحق لوصف الصمدية على الكمال والتمام هو الله وحده لا شريك له؛ بخلاف المخلوق؛ فهو وإن سمي صمدًا من بعض الوجوه فلا يقال له: «الصمد» بالصمدية المطلقة؛ وإنما يقال له «صمد» بمطلق الصمدية ([24]).
و {الصَّمَدُ} المقصود في جميع الحوائج، المستغني عن كل ما سواه، والذي كل ما سواه محتاج ومفتقر إليه ([25])، الذي تصمد وتتجه إليه الخلائق، وتقصده في طلب قضاء حوائجهم ومسائلهم الدينية والدنيوية، قال تعالى: {إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}([26]).
وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}([27]).
وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}([28]).
وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}([29]).
والصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده، والذي بلغ من كل وصف مما يوصف به غاية كماله ونهايته، سؤددا وشرفًا وعظمة وحلمًا وعلمًا وحكمة وحكما، الحي القيوم الذي لا زوال له، والذي لم يلد ولم يولد، والصمد الذي لا جوف له، وقيل غير ذلك([30]).
قال ابن تيمية ([31]) بعدما ذكر الأقوال في معنى «الصمد» - قال: «قلت: الاشتقاق يشهد للقولين جميعًا؛ قول من قال: إن الصمد الذي لا جوف له، وقول من قال: إنه السيد، وهو على الأول أدل؛ فإن الأول أصل الثاني».
وقال ابن كثير ([32]) بعد سياق كثير من الأقوال في معنى «الصمد»: «وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في «كتاب السنة» له بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسيره «الصمد»: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا عز وجل، هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك».
قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أي: لم يكن له ولد، كما قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}([33])، وقال تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}([34]).
وقال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}([35]).
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا}([36]).
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ}([37]).
وقال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}([38]).
{وَلَمْ يُولَدْ } أي: لم يتولد من غيره، فيكون محدثًا؛ بل هو القائم بذاته، القيوم أزلاً وأبدا ([39]).
لأن (الولد): ما تولد من شيء أو شيئين كآدم، خلق وتولد من التراب، وحواء خلقت وتولدت من آدم، وعيسى تولد من مريم، أنثى بلا ذكر، وسائر الخلق تولدوا من ذكر وأنثى.
وعلى هذا فالولد محدث مخلوق بعد أن لم يكن كما قال عز وجل: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}([40])؛ أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا.
وما كان محدثًا مخلوقًا؛ فهو يفنى؛ كما قال عز وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}([41]).
والله عز وجل هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية؛ كما قال عز وجل: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}([42]).
قال الزمخشري ([43]): «لم يلد لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا».
قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: أي: لم يكن له مكافئ، ولا مماثل، ولا شبيه، ولا نظير؛ كما قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}([44]).
قال ابن كثير ([45]): «أي: هو مالك كل شيء وخالفه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه».
وقال السعدي ([46]): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله تبارك وتعالى؛ فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات».
الفوائد والأحكام:
1- أن الرسول r إنما هو مبلغ عن الله عز وجل؛ لقوله (قل)، وفي هذا الرد على من يزعم من أهل البدع أن الرسول r اختلف القرآن، وأن هذا النظم كلامه ابتدأ به؛ كما أن في هذا الرد على الغلاة الذين يرفعونه r إلى مقام الربوبية؛ فهو r عبد لا يعبد ونبي ورسول لا يكذب.
2- إثبات العبادة لله تعالى وحده دون سواه؛ لقوله: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؛ لأن معنى لفظ الجلالة (الله): المألوه المعبود محبة وتعظيمًا.
3- إثبات الوحدانية لله عز وجل، وأنه الواحد الأحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ لقوله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؛ بل كل هذه السورة دليل على إثبات توحيد الأسماء والصفات له عز وجل.
4- إثبات ربوبيته عز وجل وحاجة الخلائق كلهم إليه عز وجل وغناه سبحانه وتعالى عمن سواه؛ لقوله {اللَّهُ الصَّمَدُ}؛ أي: الذي تصمد إليه الخلائق وتتجه إليه وتقصده بطلب قضاء الحوائج؛ إذ الخير كله بيديه؛ لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
5- نفي الولد والمجانس والقريب المداني له عز وجل؛ لقوله {لَمْ يَلِدْ}([47]) كما قال عز وجل: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ}([48])، وقال تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}([49]).
6- الرد على أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم في نسبتهم الولد إلى الله عز وجل، وقول اليهود عزيز ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وزعم المشركين أن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ}([50]).
وقال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}([51]).
وقال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}([52]).
وعن أبي هريرة t عن النبي r قال: «قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ([53]). وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد»([54]).

([1])سورة النمل، آية: 65.

([2])أخرجه الإمام أحمد في «المسند» 5/133، 134، والترمذي في التفسير – تفسير سورة الإخلاص 3424، والطبري في «جامع البيان» 30،221 – الطبعة الحلبية وابن أبي حتم في «تفسيره» 10/3474 – الأثر 19532.

([3])أخرجه الطبري في «جامع البيان» 30/221، وذكره ابن كثير في «تفسيره» 8/538. وقال «إسناده مقارب» وقال ابن كثير أيضا – بعدما ذكر رواية ابن جرير له قال: «وقد أرسله غير واحد من السلف».
وقد روي من طريق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود t قال: «قالت قريش لرسول الله r: انسب لنا ربك» فنزلت هذه السورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. ذكره ابن كثير في «تفسيره» 8/538 وقال: «قال الطبراني: رواه الفريابي وغيره عن أبي وائل مرسلاً».

([4])أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» 10/3474 – الأثر 19534، وفي رواية عن يوسف بن عبد الله بن سلام أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله أنعت لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة، فأسلم عبد الله بن سلام» أخرجها ابن أبي حاتم – الأثر 19533.

([5])انظر «الكشاف» 4/234، «تسير الكريم الرحمن» 7/686.

([6])أخرجه البخاري في التوحيد 7375، ومسلم في صلاة المسافرين – فضل قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، 813، والنسائي في الافتتاح – الفضل في قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 993.

([7])أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الأذان 774، والترمذي في فضائل القرآن – ما جاء في سورة الإخلاص 2901، وقال: «غريب من حديث عبيد الله بن ثابت، وأخرجه أحمد 3/141 مختصرًا عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله r - فقال: «إني أحب هذه السورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}». فقال رسول الله r: «حبك إياها أدخلك الجنة».

([8])أخرجه الترمذي في فضائل القرآن – ما جاء في سورة الإخلاص 2897، ومالك في الموطأ – كتاب القرآن – ما جاء في قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حديث 484.

([9])أخرجه أحمد 3/437 وقال ابن كثير في «تفسيره» 8/544: «تفرد به أحمد» وأخرجه الدارمي في مسنده من حديث سعيد بن المسيب بأطول من هذا، ذكره ابن كثير في «تفسيره» 8/544 وقال: «مرسل جيد».

([10])أخرجه البخاري في الأيمان – باب كيف كان يمين النبي r، 6643، وفي فضائل القرآن – فضل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 5013، 5014، وفي التوحيد 7374، وأخرجه أبو داود في الصلاة 1461، والنسائي في الافتتاح 995. وروى نحوه من حديث أبي مسعود البدري t أحمد 4/122، وابن ماجه في الآداب – ثواب القرآن 3789.

([11])أخرجه البخاري في فضائل القرآن – باب فضل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 5015 وقد أخرج مسلم في صلاة المسافرين – فضل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 811، وأحمد 1/477 – من حديث أبي الدرداء t نحوه. وكذلك روى نحوه من حديث أبي أيوب الأنصاري - رحمه الله - عنه، أخرجه أحمد 5/418-419، والترمذي في فضائل القرآن، فضل سورة الإخلاص 2896.
ومن حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: قال رسول الله r: «{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن». رواه النسائي في اليوم والليلة. انظر: «تفسير ابن كثير» 8/542.

([12])أخرجها البخاري في فضائل القرآن 5014، وأحمد 3/15 – وروي معنى هذا من حديث أبي أيوب الأنصاري t، أخرجه أحمد 2/173.

([13])أخرجه مسلم في الصلاة، باب فضل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 812، والترمذي في فضائل القرآن – ما جاء في سورة الإخلاص 2900، وابن ماجه في الأدب 3787. وروي من حديث أبي بن كعب t، أو رجل من الأنصار قال: قال رسول الله r: «من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فكأنما قرأ بثلث القرآن». رواه أحمد فيما ذكره ابن كثير في «تفسيره» 8/541.

([14])أخرجه أبو داود في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح 5082، والنسائي في الاستعاذة 5428، 5429، والترمذي في الدعوات 3575. وحسنه الألباني، وأحمد 5/312.

([15])في هذا التوجيه الكريم: التحذير من فضول الكلام، وفضول مخالطة الأنام، والحث على صدق الإنابة والتوبة من الآثام – والله المستعان.

([16])هذه الصفات الثلاث لا تتوفر إلا لمن وفقه للتذرع بالصبر كما قال عز وجل {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} سورة فصلت، الآية (35).

([17])أخرجه أحمد 4/158-159، والترمذي مختصرًا وليس فيه ذكر خيرية هذه السور في الزهد – ما جاء في حفظ اللسان 2406، وقال: «حديث حسن».
وهذا الحديث إن صح لا يعارض ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد بن المعلى وغيره من أن سورة الفاتحة هي أفضل وأعظم سورة في القرآن، وتكون خيرية هذه السور الثلاث بين سور القرآن ما عدا سورة الفاتحة التي هي أفضل سورة في القرآن بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

([18])أخرجه البخاري في فضائل القرآن – باب المعوذات 5017، وأبو داود في الأدب ما يقال عند النوم 5056، والترمذي في أبواب الدعوات – ما يقرأ من القرآن عند النوم 3402، وابن ماجه في الدعاء، ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه 3875.

([19])أخرجه أبو داود في الوتر – باب الدعاء 1493، والترمذي في أبواب الدعوات – جامع الدعوات 3475، وابن ماجه في الدعاء – باب اسم الله الأعظم 3857. وصححه الألباني.

([20])في «تيسير الكريم الرحمن» 7/686.

([21])انظر «دقائق التفسير» 6/366.

([22])في «تفسيره» 8/547، وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/244.

([23])في «تيسير الكريم الرحمن» 7/686.

([24])انظر «دقائق التفسير» 6/366-376.

([25])انظر «الكشاف» 4/242، «الجامع لأحكام القرآن 2/245، «تيسير الكريم الرحمن» 7/686.

([26])سورة النحل، آية: 53.

([27])سورة النحل، آية: 62.

([28])سورة الإسراء، آية: 67.

([29])سورة الأنعام، الآيتان: 63، 64.

([30])انظر «جامع البيان» 30/222-223، «تفسير ابن أبي حاتم» 10/3474، وانظر مادة «حمد» في «الصحاح» للجوهري، و«لسان العرب» وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/245، «تفسير ابن كثير» 8/547.

([31])انظر «دقائق التفسير» 6/356-369.

([32])في «تفسيره» 8/547-548.

([33])سورة المؤمنون، آية: 91.

([34])سورة الجن، آية: 3.

([35])سورة الأنعام، آية: 101.

([36])سورة مريم، الآيات: 88-92.

([37])سورة الأنبياء، آية: 26.

([38])سورة الصافات، الآيتان: 158، 159.

([39])انظر «الكشاف» 4/242، «تفسير ابن كثير» 8/547.

([40])سورة الإنسان، آية: 1.

([41])سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27,

([42])سورة الحديد، آية: 3.

([43])انظر «الكشاف» 4/242.

([44])سورة الشورى، آية: 11.

([45])في «تفسيره» 8/547، وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/247.

([46])في «تيسير الكريم الرحمن» 7/686.

([47])انظر «الكشاف» 4/242، «تفسير ابن كثير» 8/547.

([48])سورة الأنعام، آية: 101.

([49])سورة الجن، آية: 3.

([50])سورة الزخرف، الآيتان: 15، 16.

([51])سورة الزخرف، الآية: 19.

([52])سورة النجم، الآيتان: 21، 22.

([53])كما قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} سورة يس الآية (78).

([54])أخرجه البخاري في التفسير 4974، 4975، والنسائي في الجنائز 2078.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين

وعن أبي موسى الأشعري t أن رسول الله r قال: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم»([1]).
7- إثبات أنه عز وجل الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية لقوله {وَلَمْ يُولَدْ}؛ لأن ما تولد من غيره محدث، ونهايته إلى الفناء، والله عز وجل منزه عن ذلك كله، قال عز وجل: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}([2]).
8- تنزيه الله عز وجل عن المكافئ والشبيه والمثيل والنظير؛ لقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}؛ فلا مكافئ له ولا شبيه، ولا مثيل، ولا نظير؛ بل هو الواحد الأحد، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}([3])، وقال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}([4]).
9- وجوب الإقرار والاعتراف ظاهرًا وباطنًا، بنطق اللسان وتصديق القلب، وانقياد الجوارح بألوهية الله عز وجل ووحدانيته وصمديته وربوبيته، وتنزهه عن الولد والوالد والمكافئ؛ لقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}... إلى آخر السورة.

* * *


سورة الفلق
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
كان النبي r قبل نزول هذه السورة وسورة الناس يتعوذ من الجان وعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما»([5]).
اسم السورة:
تسمى هذه السورة: سورة الفلق، وتسمى مع السورة التي بعدها {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} بالمعوذتين؛ قال ابن القيم ([6]): «فسورة الفلق تتضمن الاستعاذة من شر المصيبات، وسورة الناس تتضمن الاستعاذة من شر العيون التي أصلها كلها الوسوسة».
سبب النزول:
روي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما، أن هذه السورة مع سورة الناس نزلتا في سحر اليهود للنبي r([7]).
فضل المعوذتين:
عن عقبة بن عامر t قال: قال رسول الله r: «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}»([8]).
وفي بعض الروايات عند أحمد وأبي داود وغيرهما أن الرسول r قال لعقبة بن عامر t: «ألا أعلمك سورتين من خبر سورتين قرأ بهما الناس؟» قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله r فقرأ بهما ثم مر بي، فقال: «كيف رأيت يا عقيب! اقرأ بهما كلما نمت، وكلما قمت»([9]).
وعن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله r أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة»([10]).
وعن ابن عابس الجهني أن النبي r قال له: يا ابن عابس «ألا أدلك - أو قال: ألا أخبرك - بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} هاتين السورتين»([11]).
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي r كان يقرأ بهما وينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، وما بلغت يداه من جسده»([12]).
قال ابن القيم رحمه الله ([13]): «والمقصود: الكلام على هاتين السورتين، وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًا في دفع السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس».
معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}.
قوله: {قُلْ} الأمر فيه للرسول r ولكل فرد من أفراد أمته ممن يصلح له الخطاب؛ فلا يدخل فيه المجنون والصغير ونحوهما؛ لقوله r: «رفع القلم عن ثلاثة؛ النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ»([14]).
وعن أبيّ بن كعب t قال: «سألت رسول الله r عن المعوذتين؟ فقال: «قيل لي»، فقلت: فنحن نقول كما قال رسول الله r»([15]).
وجملة {أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} وما بعدها إلى نهاية السورة في محل نصب مقول القول.
ومعنى {أَعُوذُ}: أعتصم وألتجئ وأستجير وأتحصن وأتحرز وألوذ ([16]) وهذا هو الركن الأول من أركان الاستعاذة، وهو نفس «التعوذ».
قوله: {بِرَبِّ الْفَلَقِ}: (برب): جار ومجرور متعلق بقوله: (أعوذ)، وهذا هو الركن الثاني من أركان الاستعاذة، وهو: المستعاذ به، وهو رب الفلق. والباء: للاستعانة، و(الرب): لغة: مأخوذ من التربية والتنمية للشيء والقيام عليه وإصلاحه.
قال تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ}([17])، أي: اللاتي تربونهن في حجوركم. وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}([18])، أي: القيوم على كل شيء سبحانه.
والرب: هو الخالق المالك المدبر؛ فرب الفلق خالقه ومالكه ومدبره.
ويأتي «الرب» بمعنى المعبود؛ كما في قوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}([19])؛ أي: أآلهة.
ويأتي بمعنى «الصاحب»؛ كما في قوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}([20])؛ فالمعنى هنا: صاحب العزة ([21]).
و (الرب) بالتعريف لا يطلق إلا على الله.
و «رب كذا» بالإضافة يطلق على الله وعلى غيره، فيقال: رب الدار، ورب الناقة، قال تعالى: {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ}([22]).
وربوبية الله عز وجل لخلقه تنقسم إلى قسمين:
ربوبية عامة لجميع خلقه بمعنى: خالقهم ومالكهم ومدبرهم، كما في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}.
وربوبية خاصة بأوليائه بتوفيقه لهم للطريق المستقيم في الدنيا، وفي الآخرة إلى الجنة، كما في قول المؤمنين {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}([23]).
و(الفلق): الخلق، والشق، وكل ما انشق عن شيء فهو فلق([24])؛ فالصبح والحب فلق ([25])، قال تعالى: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}([26])، وقال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ}([27]). أي الذي خلق وشق الحب والنوى فأخرج منه النبتة فأخرج من الحبة السنابل الكثيرة المشتملة على مئات الحبات كما قال عز وجل: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ}([28])، وأخرج من النواة النخلة؛ بل العدد من النخيل المثمرة؛ كما قال عز وجل: {وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}([29]).
وخلق وشق الصبح وضياءه من ظلام الليل الدامس البهيم، وفي الحديث: «أنه r ما رأى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح»([30]).
وكل ما انفلق وانشق عن غيره من نبات، وحيوان وغير ذلك فهو فلق ([31]).
قال ابن تيمية رحمه الله ([32]): «وإذا قيل: الفلق يعم ويخص، فبعمومه للخلق استعيذ من شر ما خلق، وبخصوصه للنور النهاري – يعني الصبح – استعيذ من شر غاسق إذا وقب».
وقال ابن القيم رحمه الله ([33]): «واعلم أن الخلق كله فلق، وذلك أن فلق «فعل» بمعنى «مفعول» كقبض وسلب وقنص بمعنى مقبوض ومسلوب ومقنوص. والله عز وجل (فالق الإصباح) و (فالق الحب والنوى) وفالق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأجنة، والظلام عن الإصباح، ويسمى الصبح المتصدع عن الظلمة «فلقا وفرقا» يقال: هو أبيض من فرق الصبح وفلقه.. يفرق ظلام الليل بالإصباح.. ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه «فلقًا».
قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
في هذه الآيات: الركن الثالث من أركان الاستعاذة، وهو المستعاذ منه، وهو أمور أربعة؛ الأول منها: ذكره الله عز وجل بقوله:
{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}: فهذا هو المستعاذ منه الأول في هذه السورة. وقوله: {مِنْ شَرِّ}: جار ومجرور متعلق بـ (أعوذ)، و(ما) موصولة، وهي تفيد العموم([34])، لكنه عموم تقييدي وصفي لا عموم إطلاقي؛ أي: أعوذ برب الفلق من شر جميع المخلوقات التي فيها شر؛ سواء من شرور الدنيا أو الآخرة، من شر شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، وشر النار وغير ذلك، وليس المراد الاستعاذة من شر كل ما خلقه الله، وإن كان مما ليس فيه شر؛ بل هو خير محض كالجنة والملائكة، وكذا الأنبياء؛ فإنه خير محض؛ بل الخير كله حصل على أيديهم([35]).
فدخل تحت قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} الاستعاذة من كل شر، في أي مخلوق قام به الشر: من حيوان أو غيره، إنسيًا كان أو جنيًا أو هامة أو دابة أو ريحًا أو صاعقة، أو أي نوع كان من أنواع البلاء والشرور([36]).
وقد روي أنه r إذا سافر فأقبل الليل، قال: «يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد»([37]).
قال r: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء حتى يرتحل منه»([38]).
وفي الحديث الآخر: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن»([39]).
والشر: هو الآلام الحسية والمعنوية، الجسدية والنفسية، وما يسببها من الكفر والشرك والمعاصي؛ فما من ألم نفسي أو معنوي، جسدي أو نفسي إلا سببه الكفر والمعاصي، قال عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}([40]).
قال ابن القيم رحمه الله ([41]): «الشر يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه؛ فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع لذة، لكنها شرور؛ لأنها أسباب للآلام ومفضية إليها كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها، فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة وعلى الذبح، والإحراق في النار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تكون مفضية إلى مسبباتها ولابد، ما لم يمنع من السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه... وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته؛ فإن الله إذا أنعم على عبد نعمة حفظها الله عليه، ولا يغيرها حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}([42]).
وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([43]).
ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال الله نعمه عنهم وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عاقبة عواقب الذنوب كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها



فإن المعاصي تزيل النعم


وحافظ عليها بشكر الإله



فإن الإله سريع النقم ([44])


فما حفظت نعمة لله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس، ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له.
وأما كون مسبباتها شرورًا فلأنها آلام نفسية وبدنية، فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والخسران، ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد والهرب، ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً؛ فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله، وإنما يظهر هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم والإشراف والاطلاع على عالم البقاء؛ فحينئذ يقول {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}([45])، {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}([46]).
ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي r جميعها مدارها على هذين الأصلين؛ فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه؛ فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع، وأمر بالاستعاذة منهن، وهي: «عذاب القبر، وعذاب النار»؛ فهذان أعظم المؤلمات، «وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال»، وهذان سبب العذاب المؤلم؛ فالفتنة سبب العذاب... فعادت الاستعاذة إلى الاستعاذة من الألم والعذاب وأسبابه، وهذا من آكد أدعية الصلاة...».
وقال ابن القيم أيضًا ([47]): «والشر المستعاذ منه نوعان: أحدهما: موجود، يطلب رفعه، والثاني: معدوم، يطلب بقاؤه على العدم، وأن لا يوجد؛ كما أن الخير المطلق نوعان: أحدهما: موجود، فيطلب دوامه وثباته، وأن لا يسلبه، والثاني: معدوم، فيطلب وجوده وحصوله؛ فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين، وعليها مدار طلباتهم.
وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا}؛ فهذا الطلب لدفع الشر الموجود؛ فإن الذنوب والسيئات شر، كما تقدم بيانه، ثم قال: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}؛ فهذا طلب لدوام الخير الموجود - وهو الإيمان - حتى يتوفاهم عليه؛ فهذان قسمان، ثم قال: {رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ}؛ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه، ثم قال: {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}([48])؛ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم، وهو خزي يوم القيامة؛ فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت، ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة؛ وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله، وأن لا يخزيهم يوم القيامة».
قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}: هذا هو المستعاذ منه الثاني في هذه السورة، وهو والمستعاذ منه الثالث والرابع كلها داخلة ضمن المستعاذ منه الأول، وهو قوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} من باب التخصيص بعد التعميم ([49]).
والغاسق هو الليل وظلمته؛ يقال غسق الليل وأغسق الليل إذا أظلم ([50])، ومنه قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}([51]).
وقوله: {إِذَا وَقَبَ} أي: إذا أقبل ودخل في كل شيء، والوقوب: الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس ([52]).
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «أخذ النبي r بيدي، فنظر إلى القمر فقال: «يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا؛ فإن هذا هو الغاسق إذا وقب»([53]).
فالقمر غاسق إذا وقب، أي: إذا غاب، والليل غاسق إذا دخل بظلمته كل شيء([54]).
وقيل: المراد بغسق الليل: برودته ([55]).
قال ابن القيم ([56]): «ولا تنافي بين القولين؛ فإن الليل بارد ومظلم، فمن ذكر برده فقط، أو ظلمته فقط اقتصر على أحد وصفيه».
والأظهر من القولين القول الأول؛ أن المراد بالغاسق الليل إذا أقبل ودخل بظلامه، ومنه القمر إذا وقب.
قال ابن القيم ([57]) بعد كلامه السابق قريبًا: «والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة؛ فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل، ولهذا استعاذ برب الفلق، الذي هو الصبح والنور، من شر الغاسق الذي هو الظلمة، فناسب الوصف المستعاذ به المعنى المطلوب بالاستعاذة».
وإنما أمر الله بالاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب وهو الليل إذا أقبل بظلمته ودخل في كل شيء؛ لأن الليل هو محل الظلام وفيه تتسلط وتنتشر شياطين الإنس والجن والهوام وغيرها من الأرواح الشريرة والخبيثة المؤذية والمفسدة.
ولهذا قال r: «إذا أقبل الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئًا»([58]).
وفي حديث آخر: «فإن الله عز وجل يبث في ليله من خلقه ما يشاء»([59]).
فالشياطين من الإنس والجن والحيوانات تتسلط في الليل لأنه محل الظلام ما لا تتسلط بالنهار؛ لأن النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة، وعلى أهل القلوب المظلمة بالكفر والمعاصي، الخالية من ذكر الله ونوره ([60]).
قال ابن تيمية ([61]) بعدما ذكر القولين في معنى «غاسق»، قال: «فالقمر أحق ما يكون بالليل بالاستعاذة، والليل مظلم، تنتشر فيه شياطين الإنس والجن ما لا تنتشر بالنهار، ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري بالنهار من أنواع الكفر والفسوق والعصيان والسحر والسرقة والخيانة والفواحش، وغير ذلك؛ فالشر دائمًا مقرون بالظلمة، ولهذا إنما جعله الله لسكون الآدميين وراحتهم؛ لكن شياطين الإنس والجن تفعل فيه من الشر ما لا يمكنها فعله بالنهار، ويتوسلون بالقمر وبدعوته، والقمر وعبادته، وأبو معشر البلخي له «مصحف القمر» يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه».
وقال ابن القيم ([62]): «روي أن سائلاً سأل مسيلمة: كيف يأتيك الذي يأتيك؟ فقال: «في ظلماء حندس» وسئل النبي r: «كيف يأتيك؟ فقال: «في مثل ضوء النهار». فاستدل بهذا على نبوته، وأن الذي يأتيه ملك من عند الله، وأن الذي يأتي مسيلمة شيطان.
ولهذا كان سلطان السحر إنما هو بالليل دون النهار؛ فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير، ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم والشياطين تجول فيها وتتحكم، كما يتحكم ساكن البيت فيه، وكلما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن.
ومن ههنا تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع؛ فإن الفلق هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام، وعسكر المفسدين في الليل فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص، وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها.
فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور، الذي يقهر الظلمة ويزيلها، ويقهر عسكرها وجيشها، ولهذا ذكر سبحانه في كل كتاب: أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور، ويدع الكفار في ظلمات الكفر، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}([63]).
وقال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}([64]).
وقال في أعمال الكفار {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}([65]).
وقال عز وجل في وصف نوره ونور الإيمان: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ}([66])».
قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}: هذا هو المستعاذ منه الثالث في هذه السورة، وهو: شر النفاثات.
و «النفاثات»: جمع نفاثة، وهن السواحر اللاتي يعقدن وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل، وهو مرتبة بينهما. والعقد: عقد الخيوط التي يعقدنها وينفثن فيها ([67])؛ قال r: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه»([68]).
والنفاثات: السواحر اللاتي يرقين وينفثن في العقد ([69]).
والمراد بالنفاثات: الأنفس الخبيثة السواحر، فيشمل جميع الأنفس السواحر الخبيثة، من الذكور والإناث.
وقيل: المراد النساء السواحر، وخص النساء بالذكر لأن السحر فيهن أكثر؛ لضعف عقولهن ودينهن.
قال ابن القيم ([70]): «والجواب المحقق أن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات؛ لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح لشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، ولهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث، دون التذكير، والله أعلم».
وقال أيضًا ([71]): «والنفث فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخًا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور، فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري، لا الأمري الشرعي».
قال الزمخشري ([72]): «وعرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق لأنه ليس كل غاسق فيه الشر؛ إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، ورب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات».
والسحر من صفات اليهود؛ فهم أسحر الناس؛ قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}([73]).
قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}: هذا هو المستعاذ منه الرابع والأخير في هذه السورة، وهو شر الحاسد إذا حسد.
قال الزمخشري ([74]): «فإن قلت: قوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} تعميم في كل ما يستعاذ منه فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم».
والحاسد: هو الذي يكره الخير للغير، وربما سعى بمنع ذلك عنهم بما يستطيع من الأسباب بفعله بيده، أو بقوله بلسانه، أو بتمني زوال النعمة عنهم، وربما سعى في زوالها عنهم بما يملك من الأسباب.
وهكذا ذكر ابن القيم ([75]) للحسد المذموم مرتبتين: الأولى: تمني زوال النعمة عن الغير، والثانية تمني استصحاب عدم النعمة، قال: «فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله، من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق، وكلاهما حاسد، عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله وعند الناس».
وإبليس أول الحاسدين، حسد أبانا آدم u على شرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدًا وكبرًا؛ وعلى هذا فالحسد يكون من شياطين الجن وشياطين الإنس، وهذا النوع من الحسد من كبائر الذنوب، وهو المراد بقوله {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} وفي الحديث: «إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال العشب»([76]).
وإنما حرم الحسد وعد من كبائر الذنوب لما فيه من الاعتراض على قضاء الله وقدره في قسمته الأرزاق بين عباده كما قيل:
سبحان من قسم الحظوظ فهذا



يتغنى وذاك يبكي الديارا


وأيضًا لما فيه من أذية المحسود بلا ذنب منه ولا جرم، وغير ذلك([77]).
ويدخل في الحاسد: العائن الذي يؤذي المحسود بنفسه
وعينه، وإن لم يؤذه بيده ولسانه، كما قال عز وجل
عن المشركين:
{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ}
([78])
،
قال ابن كثير
([79]): «أي: ليَعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة».

وعن أبي سعيد الخدري t في رقية جبريل للنبي r قوله: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك»([80]).
فقد أعاذ جبريل u النبي r من شر عين كل حاسد ([81]).
قال r: «العين حق، لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا»([82]).
فالعائن حاسد، لكنه حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد، ولهذا – والله أعلم – إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن، لأنه أعم، فكل عائن حاسد ولابد، وليس كل حاسد عائنًا، فإذا استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن ([83]).
وقوله: {إِذَا حَسَدَ} أي: إذا أظهر حسده وحققه وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود بقوله، أو فعله، أو إتباعه لنفسه ما عند المحسود من نعمة، وفي الحديث: «إذا حسدت فلا تبغ»([84])؛ لأنه إذا لم يظهر الحسد، ولم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر منه يعود على المحسود.

([1])أخرجه البخاري في الأدب 6099، ومسلم في صفة القيامة، 2804.

([2])سورة الحديد، الآية: 3.

([3])سورة الشورى، الآية: 11.

([4])سورة مريم، الآية: 65، وانظر: «دقائق التفسير» 6/471.

([5])أخرجه النسائي في الاستعاذة 5494، والترمذي في الطب 2058 – وقال: «حديث حسن غريب» وابن ماجه في الطب 3511 – من حديث أبي سعيد t، وصححه الألباني.

([6])انظر «التفسير القيم» ص600.

([7])انظر «التفسير القيم» ص567، «تفسير ابن كثير» 8/557.

([8])أخرجه مسلم في صلاة المسافرين – باب فضل قراءة المعوذتين 814، والنسائي في الافتتاح 953، والترمذي في التفسير – تفسير المعوذتين 3367، وأحمد 4/144، 146، 149، 150.

([9])أخرجه أبو داود في الوتر 1462، والنسائي في الاستعاذة 5024، 5025، وصححه الألباني.

([10])أخرجه أبو داود في الصلاة 1523، والنسائي في السهو 1336، والترمذي في فضائل القرآن 2903، وقال: «غريب». وأحمد 4/155، وصححه الألباني. وانظر «تفسير ابن كثير» 8/551-553.

([11])أخرجه النسائي في الاستعاذة وصححه الألباني 5432.

([12])أخرجه البخاري في فضائل القرآن 5018، ومسلم في السلام 2192، وأبو داود في الطب، 3902، وابن ماجه في الطب 3529.

([13])انظر «التفسير القيم» ص537.

([14])أخرجه أبو داود في الحدود 4403، والترمذي في الحدود 1423، وابن ماجه في الطلاق 2042 – من حديث علي بن أبي طالب t، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». وصححه الألباني.

([15])أخرجه البخاري في تفسير سورة الناس 4976، 4977.

([16])انظر «لسان العرب» مادة «عوذ» وانظر كتابنا «اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب».

([17])سورة النساء، آية: 23.

([18])سورة البقرة، آية: 255.

([19])سورة يوسف، آية: 49.

([20])سورة الصافات، آية: 180.

([21])انظر «اللباب» ص226.

([22])سورة يوسف، آية: 50.

([23])سورة آل عمران، آية: 193.

([24])انظر «الكشاف» 4/243، «الجامع لأحكام القرآن» 20/255.

([25])انظر «تيسير الكريم الرحمن» 7/687.

([26])سورة الأنعام، آية: 95.

([27])سورة الأنعام، آية: 96، وانظر «صحيح البخاري مع فتح الباري» تفسير سورة الفلق 8/741، «جامع البيان» 30/325، «تفسير ابن أبي حاتم» 10/3475، «الجامع لأحكام القرآن» 20/254، «تفسير ابن كثير» 8/553، 554.

([28])سورة البقرة، آية: 261.

([29])سورة الرعد، آية: 4.

([30])أخرجه البخاري في بدء الوحي 3، ومسلم في الإيمان 160، وأحمد 6/153، 232 – من حديث عائشة رضي الله عنها.

([31])انظر «الكشاف» 4/243.

([32])انظر «دقائق التفسير» 6/496.

([33])انظر «التفسير القيم» ص562.

([34])انظر «الكشاف» 4/143ـ «تفسير ابن كثير» 8/554.

([35])انظر «التفسير القيم» ص556، وانظر «دقائق التفسير» 6/510.

([36])انظر «التفسير القيم» ص: 556.

([37])أخرجه أبو داود في الجهاد 2603 – من حديث ابن عمر t وضعفه الألباني.

([38])أخرجه مسلم في الذكر والدعاء 2708، والترمذي في الدعوات 3437، وابن ماجه في الطب 3547 – من حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها.

([39])أخرجه أحمد 3/419 – من حديث عبد الرحمن بن خنبش t.

([40])سورة الروم، آية: 41.

([41])انظر «التفسير القيم» ص544-548.

([42])سورة الرعد، آية: 11.

([43])سورة الأنفال، آية: 53.

([44])هذان البيتان لعلي بن أبي طالب t. انظر «ديوانه» ص175، 176 – جمع نعيم زرزورة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

([45])سورة الفجر، آية: 24.

([46])سورة الزمر، آية: 56.

([47])انظر «التفسير القيم» ص548.

([48])سورة آل عمران، الآيتان: 193، 194.

([49])انظر «الكشاف» 4/244، «تيسير الرحمن» 7/687.

([50])انظر «لسان العرب» مادة «غسق».

([51])سورة الإسراء، آية: 17.

([52])انظر «جامع البيان» 30/226-227، «تفسير ابن أبي حاتم» 10/3475، «الكشاف» 4/234، «التفسير القيم» ص557، «تفسير ابن كثير» 8/554-555، «فتح الباري» 8/741.

([53])أخرجه الترمذي في «التفسير» 3366. وقال «حديث حسن صحيح».

([54])انظر «لسان العرب» مادة «وقب» التفسير القيم» ص558.

([55])انظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/256-257، «دقائق التفسير» 6/496.

([56])انظر «التفسير القيم» ص558.

([57])انظر «التفسير القيم» ص558.

([58])أخرجه البخاري في بدء الخلق 3280، ومسلم في الأشربة 2012، وأبو داود في الأشربة 3733، والترمذي في الأطعمة 1812، وابن ماجه في الأدب 3771 – من حديث جابر t.

([59])أخرجه أحمد 3/306، 355 – من حديث جابر بن عبد الله t.

([60])انظر «التفسير القيم» ص560.

([61])انظر «دقائق التفسير» 6/497.

([62])انظر «التفسير القيم» ص560-562.

([63])سورة البقرة، آية: 257.

([64])سورة الأنعام، آية: 122.

([65])سورة النور، آية: 40.

([66])سورة النور، آية: 36.

([67])انظر «الكشاف» 4/244، «لسان العرب» مادة «نفث»، التفسير القيم» ص563.

([68])أخرجه النسائي في تحريم الدم 4079 – من حديث أبي هريرة، وقد ضعف الألباني أوله، وصحح جملة: ومن تعلق شيئًا وكل إليه» انظر ضعيف سنن النسائي حديث 276، وصحيح سنن الترمذي حديث 1691. وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/258.

([69])انظر «تفسير ابن أبي حاتم» 10/3475، «الجامع لأحكام القرآن» 20/257، «تيسير الكريم الرحمن» 7/687.

([70])انظر «التفسير القيم» ص564، وانظر «دقائق التفسير» 6/497.

([71])انظر «التفسير القيم» ص563.

([72])في «الكشاف» 4/244.

([73])سورة البقرة، آية: 102، وانظر «التفسير القيم» ص580-581.

([74])في «الكشاف» 4/244.

([75])انظر «التفسير القيم» ص584.

([76])أخرجه أبو داود في الأدب 4903 من حديث أبي هريرة t. وضعفه الألباني.

([77])سيأتي بسط الكلام في هذا إن شاء الله.

([78])سورة القلم، آية: 51.

([79])«تفسير ابن كثير» 8/227، وانظر «التفسير القيم» ص577، 579، «تيسير الكريم الرحمن» 7/688.

([80])أخرجه مسلم في السلام 2186، وأخرجه أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها 2185.

([81])انظر «التفسير القيم» ص574.

([82])أخرجه مسلم في السلام 2188 – من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه أيضًا بلفظ «العين حق» 2187، وكذا البخاري في الطب 5740 – كلاهما من حديث أبي هريرة t.

([83])انظر «التفسير القيم» ص579.

([84])أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة t، وأخرجه الحافظ عبد الرحمن الأصفهاني في «الإيمان» عن الحسن البصري مرسلاً، وأخرجه الطبراني فيما ذكره ابن كثير في «التفسير» 7/375 من حديث حارثة بن النعمان بلفظ «إذا حسدت فاستغفر الله» وانظر «تفسير آيات الأحكام في سورة النساء» ص765. وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/259، «التفسير القيم» ص573.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين

قال ابن القيم ([1]): «ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسدًا إلا إذا قام به الحسد كالضارب والشاتم والقاتل ونحو ذلك؛ ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود لاهٍ عنه، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قِبَله إليه، وتوجهت إليه سهام الحسد من قلبه، فيتأذى المحسود بمجرد ذلك، فإن لم يستعذ بالله، ويتحصن به، ويكن له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى الله، والإقبال عليه بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله وإلا ناله شر الحاسد ولابد، فقوله تعالى: {إِذَا حَسَدَ} بيان لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل».
وقال أيضًا ([2]): «ومعلوم أن عينه – أي الحاسد – لا تؤثر بمجردها؛ إذ لو نظر إليه نظر لاهٍ ساهٍ عنه كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثر فيه شيئًا، وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة، وانسمت واحتدت، فصارت نفسًا غضبية خبيثة حاسدة أثرت بها تلك النظرة، فأثرت في المحسود تأثيرًا بحسب صفة ضعفه وقوة نفس الحاسد...».
قال القرطبي ([3]): «والحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل، والحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون، ولقد أحسن من قال:
قل للحسود إذا تنفس طعنة



يا ظالمًا وكأنه مظلوم»


فضرر الحاسد إنما يعود على الحاسد لاغتمامه بسرور غيره، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: «لم أر ظالمًا أشبه بالمظلوم من حاسد»([4]).
وهو من أكبر الكبائر، ومحبط للأعمال.
وفي الحديث: «إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو العشب»([5]).
وقال r: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء»([6]).
فهو مع الكبر الذي حمل إبليس على ترك السجود لآدم والكفر والخروج من ملكوت السموات والأرض وطرده وإبعاده وتخليده في النار، كما قال عز وجل عنه أنه قال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}([7])، وقال: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ}([8])، وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}([9]).
وهو الذي حمل أحد ابني آدم على قتل أخيه لما تقبل الله قربانه دونه، كما قال عز وجل {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}([10]).
وهو من صفات اليهود؛ فهو الذي حملهم على رد رسالة الحق، رسالة نبينا محمد r، كما قال الله عز وجل عنهم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}([11]).
وقال عز وجل: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}([12]).
وهو الذي حمل ثمود على تكذيب نبيهم صالح، ورد دعوته، كما قال الله عز وجل عنهم أنهم قالوا: {أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}([13]).
وهو الذي حمل كفار قريش على تكذيب الرسول r، ورد دعوته، كما قال الله عز وجل عنهم أنهم قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}([14]).
والحسد داء عضال، ومرض عام ومنتشر، لا يكاد يسلم منه أحد، إلا من عصمه الله، وقد قيل: «ما خلا جسد من حسد لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه».
وقيل للحسن البصري رحمه الله: «أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك إخوة يوسف»([15]).
قال ابن القيم رحمه الله ([16]): «وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله {إِذَا حَسَدَ}؛ لأن الرجل قد يكون عنده حسد، ولكن يخفيه ولا يترتب عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه ولا بلسانه، ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئًا من ذلك، ولا يعامل أخاه إلا بما يحب؛ فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله؛ لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك، وهو لا يطيعها، ولا يأتمر بها؛ بل يعصيها طاعة لله وخوفًا، وحياء منه، وإجلالاً له أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله وبغضًا لما يحبه الله، ومحبة لما يبغضه؛ فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويلزمها بالدعاء للمحسود، وتمني زيادة الخير له؛ بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسده، ورتب على حسده مقتضاه؛ من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم، هذا كله حسد تمني زوال النعمة».
وقال أيضًا ([17]): «فهذه السورة من أكبر أدوية الحسد؛ فإنها تتضمن التوكل على الله والالتجاء إليه، والاستعاذة به من شر حاسد النعمة؛ فهو مستعيذ بولي النعمة وموليها؛ كأنه يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إلي أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ويزيلها عني، وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه... قال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}([18])».
وقال ابن القيم أيضًا ([19]): «فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم، وتضمنت شرورًا أربعة يستعاذ منها: شرًا عامًا، وهو شر ما خلق، وشر الفاسق إذا وقب، فهذان نوعان، ثم ذكر شر الساحر والحاسد، وهما نوعان أيضًا، لأنهما من شر النفس الشريرة، وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده وهو الساحر.
والنوع الثاني: من يعينه الشيطان وإن لم يستعن به، وهو الحاسد؛ لأنه نائبه وخليفته؛ لأن كليهما عدو نعم الله ومنغصها على عباده».
الفوائد والأحكام:
1- حاجة الرسول r كغيره من البشر إلى الاعتصام بالله واللجوء إليه، وأنه قد تصيبه العوارض التي أمر في هذه السورة بالاستعاذة من شرها، وأنه r لا يملك جلب الخير لنفسه، ولا دفع الضر عنها، وكذا غيره من الخلق من باب أولى لا يملكون شيئًا من ذلك، وإنما المالك لذلك كله هو الله عز وجل؛ لقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، وهذا أمر له r ولأفراد أمته، وفي هذا رد على الذين يغلون بالنبي r، ويصرفون له شيئًا من أنواع العبادة، مما لا يجوز صرفه إلا لله، ومما لا يقدر عليه إلا الله، كالذين يطلبون منه r كشف الكروب، ودفع الخطوب، ونحو ذلك، ولهذا لما سأل أُبَيٌّ بن كعب رسول الله r عن قوله عز وجل: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} قال: «قيل لي»([20]).
2- أن الرسول r إنما هو مبلغ عن الله عز وجل؛ لقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، كما قال عز وجل: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}([21])، وقال عز وجل: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}([22]). وفي هذا رد على من يقول من المشركين والجهمية والمعتزلة ومن سلك طريقهم: إن هذا القرآن العربي وهذا النظم كلام الرسول ابتدأ به([23])، كما أن فيه الرد على الغلاة الذين يرفعونه r إلى مقام الربوبية.
3- إثبات الربوبية العامة لله عز وجل؛ لقوله: {بِرَبِّ الْفَلَقِ}: فهو الذي فلق وخلق جميع الخلق، وهو مالكهم ومدبرهم.
4- مشروعية الاستعاذة برب الفلق من جميع شرور الخلق؛ لقوله {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}.
5- إثبات كمال قدرته عز وجل؛ لقوله: {بِرَبِّ الْفَلَقِ}؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([24]): «وفلق الشيء عن الشيء هو دليل على تمام القدرة، وإخراج الشيء من ضده، كما يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، وهذا من نوع الفلق؛ فهو سبحانه قادر على دفع الضد المؤذي بالضد النافع».
6- أن المستعاذ به هو الله وحده {رَبِّ الْفَلَقِ}؛ فهو الذي يعيذ ويعصم من استعاذ به من جميع الشرور؛ بخلاف من سواه؛ فلا قدرة لهم على ذلك؛ بل لا يزيدون من استعاذ بهم إلا خوفًا ورهقًا؛ كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}([25]).
7- أن عامة المخلوقات قد لا تخلو من الشر لقوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} و «ما» ههنا موصولة تفيد العموم لكنه عموم تقييدي لا إطلاقي؛ أي: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} مما فيه شر كشياطين الإنس والجن والنار والهوام وغير ذلك، ولا يدخل في هذا ما هو خير من المخلوقات كالجنة والملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
8- أن الشر ليس إلى الله؛ لقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}؛ فالشر مسند في الآية إلى المخلوق المفعول، لا إلى الخالق سبحانه؛ فالشر في مخلوقاته، وفي مفعولاته، لا في فعله عز وجل كما قال r: «والشر ليس إليك»([26]).
قال ابن القيم رحمه الله ([27]): «فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى؛ فإن ذاته لها الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق، والجلال التام، ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيها أصلاً، وما يفعله من العدل بعباده وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هو خير محض؛ إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون شرًا بالنسبة إليهم؛ فالشر وقع في تعلقه بهم وقيامه بهم؛ لا في فعله القائم به تعالى، ونحن لا ننكر أن يكون في مفعولاته المنفصلة؛ فإنه خالق الخير والشر؛ ولكن هناك أمران ينبغي أن يكونا منك على بال؛ أحدهما: أن ما هو شر ومتضمن للشر فإنه لا يكون إلا مفعولاً منفصلاً لا يكون وصفًا له، ولا فعلاً من أفعاله.
الثاني: أن كونه شرًا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه، فله وجهان هو من أحدهما خير وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى، خلقًا وتكوينًا ومشيئة، لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها.
ثم مثل ابن القيم - رحمه الله – بقطع يد السارق فهو شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس؛ لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرًا وحكمًا، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عمومًا بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم، فهو محمود على حكمه بذلك وأمره به، مشكور عليه، يستحق عليه الحمد من عباده، والثناء عليه، والمحبة له.
ومثل أيضًا بقتل الصائل عليهم في دمائهم وحرماتهم... إلى أن قال: «وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه، ومن قام به، كقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}([28])، وكقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ}([29])، وتارة بحذف فاعله، كقوله حكاية عن مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}([30]). فحذفوا فاعل الشر ومريده، وصرحوا بمريد الرشد إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها رحمه الله([31]).
9- مشروعية الاستعاذة برب الفلق من الليل إذا أقبل بظلامه ودخل في كل شيء؛ لقوله: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}، وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، وإنما خص هذا بعد العموم؛ لأن الليل وظلمته محل سلطان الأنفس والأرواح الشريرة والخبيثة ووقت انتشارها للسعي بالفساد، من شياطين الإنس والجن والهوام، وغير ذلك.
10- مشروعية الاستعاذة برب الفلق من شر السواحر؛ لقوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، وهذا أيضًا كسابقه من عطف الخاص على العام؛ فإنه داخل تحت عموم قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، وإنما خص شر السواحر – كما خص قبله شر الغاسق – لعظيم خطر السحر، وشدة شر السواحر.
11- إثبات حقيقة السحر وتأثيره بإذن الله الكوني ([32]) لقوله {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} ولقوله عز وجل: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}([33]). وقال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}([34]).
وعن زيد بن أرقم قال: سحر النبي r من اليهود فاشتكى لذلك أيامًا. قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك؛ عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله r عليًا t فاستخرجها، فجاء بها، فحللها قال: فقام رسول الله r كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط حتى مات»([35]).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله r سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن – قال سفيان بن عيينة: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا – فقال: «يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود، وكان منافقًا. قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال: في جَفِّ طلع ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان، قال: فأتى البئر حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء([36])، وكأن نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج، فقلت: أفلا – أي: تنشرت؟ قال: «أمَّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا»([37]).
قال ابن القيم([38]): «وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وليس في هذه الأحاديث الثابتة في أنه r سحر تصديق لقول المشركين: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا}([39])، وكما قال قوم صالح: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}([40]) وكذا قال قوم شعيب له {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}([41])؛ لأن الذي أصابه – كما دلت عليه هذه الأحاديث مرض من الأمراض يصيب غيره، ولا يمنع من اتباعه r؛ وهذا بخلاف ما زعمه المشركون، وكذا ما قاله قوم صالح وقوم شعيب لهما فإنهم يقصدون بأن هؤلاء الرسل سحروا فزالت عقولهم حتى أصبحوا لا يدري الواحد منهم ما يقول كالمجانين.
كما قال الله تعالى عنهم: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}([42])، وهم يقصدون بذلك تحذير سفهائهم من اتباع الرسل ([43]).
وقد أنكر تأثير السحر وأن له حقيقة طائفة من أهل الكلام من المعتزلة والعقلانيين وغيرهم، وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة، لا في مرض، ولا قتل، ولا حل ولا عقد، وقولهم هذا لا مستند له إلا تحكيم عقولهم القاصرة، وهو باطل بدلالة الكتاب والسنة وخلاف ما عليه عامة علماء الأمة، بل وخلاف ما يدل عليه الواقع.
قال ابن القيم([44]) بعد ما ذكر هذا القول: «وهذا خلاف ما تواتر به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير والحديث، وما يعرفه عامة العقلاء...».
12- أن السحر من أعظم الذنوب، بل هو من أكبر الكبائر، لأن الله أمر بالاستعاذة من السواحر، بعد الأمر بالاستعاذة من جميع شرور الخلق مما يدل على خطره وعظيم جرمه وشدة ضرره وشره، وفي حديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منهن «السحر»([45]).
ولهذا كانت عقوبة الساحر القتل حدًا كما قال r: «حد الساحر ضربة بالسيف»([46]).
وعن جندب بن عبد الله t قال: كتب لنا عمر: «أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر»([47]). وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها؛ قال الإمام أحمد: «صح عن ثلاثة من أصحاب النبي r قتل الساحر»؛ يعني: عمر وحفصة وجندب بن عبد الله y([48]).
13- مشروعية الاستعاذة برب الفلق من شر الحاسد إذا حسد؛ لقوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}، وخصه بالذكر مع أنه داخل تحت قوله {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} كشر الغاسق إذا وقب وشر النفاثات في العقد؛ كل ذلك من باب ذكر الخاص بعد العام ([49]) تنبيها وتوكيدًا على عظم خطر وضرر هذه المخصوصات.
14- أن الحسد إنما يؤثر إذا أظهره الحاسد وحققه وعمل بمقتضاهن من بغي الغوائل للمحسود بقوله، أو فعله، أو إتباعه لنفسه ما عند المحسود من نعمة، وفي الحديث: «إذا حسدت فلا تبغ»([50]). وذلك لأن الحسد لا يكاد يخلو منه أحد، ويكثر الحسد بين الأقران الذي يزاولون أعمالاً وحرفًا متشابهة؛ كأصحاب المحلات التجارية والبيع والشراء، وأصحاب الأعمال المهنية، وأرباب الأعمال الوظيفية والمناصب الذين يحصل بينهم التنافس، وكذا كثير من طلاب العلم؛ بل والعلماء، إلا من عصمه الله من ذلك، ولهذا يجب الاحتراس والحذر كل الحذر من ذلك، وتعاهد القلب وإصلاحه والنأي به عن هذا المرض الخطير والداء الوبيل؛ فإن القلوب عليها مدار صلاح الأعمال؛ قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}([51]). وقال r: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»([52]).
15- أنه لا واقي ولا كافي ولا حافظ ولا معيذ من جميع شرور الخلق ومن شر الغاسق والسحر والحسد وغير ذلك إلا الله وحده؛ لأن الله أمر بالاستعاذة به سبحانه من جميع هذه الشرور وقد قال عز وجل: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}([53])، وقال عز وجل: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}([54]). وقال r لابن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك» الحديث([55]).
وفي حديث أنس بن مالك t أن من قال حين يخرج من بيته: «بسم الله آمنت بالله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، أجابه الملك بقوله: كفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان»([56]).
فائدتان:
الفائدة الأولى: أسباب تحريم الحسد:
وإنما حرم الله الحسد، ونهى عنه، وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد لأسباب عدة، منها ما يلي:
أولاً: أن الحسد فيه اعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته في تقسيمه الأرزاق بين عباده ([57]).
ثانيًا: أنه سبب لرد الحق وعدم قبوله كما ذكر الله عز وجل عن أهل الكتاب؛ قال عز وجل: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}([58]).
ثالثًا: أنه من نواقض عرى الإيمان الموجبة لمحبة الخير لأخيه المسلم، وقد قال r: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([59]).
رابعًا: أن فيه اعتداء على المحسود بغير جرم منه، إلا أن الله أعطاه من فضله، وقد قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}([60]).
خامسًا: أنه لا يعود على الحاسد إلا بالهم والكمد والأسى. وقد قيل: «لله در الحسد ما أعد له عاد على صاحبه فقتله».
وقال الشاعر:
دع الحسود وما يلقاه من كمده



يكفيك منه لهيب النار في كبده


سادسًا: أن الحاسد مبغض ممقوت عند الله وعند الناس؛ لأنه عدو نعمة الله، وعدو عباد الله.
قال ابن القيم ([61]): «فالحاسد عدو نعمة الله وعدو عباده، وممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبدًا، ولا يواسى؛ فإن الناس لا يُسَوِّدون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يُسَوِّدونه باختيارهم أبدًا، إلا قهرًا؛ يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها؛ فهم يبغضونه وهو يبغضهم».
سابعًا: أن الحاسد بدل أن يسعى ويعمل ينشغل بمتابعة ما عند الآخرين، وما أعطاهم الله من فضله، والواجب عليه أن يبذل السبب في السعي والعمل، ويسأل الله من فضله، قال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}([62]).
ثامنًا: أن الحسد سبب لإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأنه يحمل الحاسد على الاعتداء على المحسود، ومنع حقه، وجحد فضله؛ مما يوغر الصدور، ويشعل نار العداوة بين الناس.
تاسعًا: أنه كبيرة من كبائر الذنوب، ومن صفات إبليس لعنه الله؛ فهو الذي حسد آدم لشرفه، وأبى أن يسجد له حسدًا وكبرًا، وهو من صفات اليهود المغضوب عليهم.
عاشرًا: أنه مرض قلبي من أخطر أمراض القلوب ومحبط للأعمال، قال r: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»([63]). وفي الحديث: «إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». أو قال: «العشب»([64]).
الفائدة الثانية: الأسباب التي بها يندفع شر الحاسد بإذن الله عز وجل:
يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب ذكرها ابن القيم رحمه الله ([65]): ألخصها فيما يلي:
أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن به واللجوء إليه، وهو المقصود بهذه السورة.
السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه؛ فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}([66]).
وقال النبي r لعبد الله بن عباس t: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك»([67])؛ فمن حفظ الله حفظه ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف؟! وممن يحذر؟!
السبب الثالث: الصبر على عدوه، وألا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصِرَ على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله، ولا يستطيل تأخيره وبغيه؛ فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندًا وقوة للمبغي عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه، وهو لا يشعر؛ فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه، ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه؛ ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي، دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ}([68]).
وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}([69]).
السبب الرابع: التوكل على الله؛ فمن يتوكل على الله فهو حسبه، والتوكل على الله من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه، أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع لعدوه؛ فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره.
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له؛ فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية، ومن أقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره؛ فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له، ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه، لم يقدر عليه، فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر، هكذا الأرواح سواء.
السبب السادس: الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه محل خواطر نفسه وأمانيها؛ قال تعالى حكاية عن إبليس: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}([70]).
وقال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}([71]).
وقال عن يوسف الصديق، {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}([72]).
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه؛ فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}([73]).
وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}([74]).
فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم»؛ فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه، فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب.
ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له، ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك، فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه، فقال له ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي. وليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها؛ فليس للعبد إذا بغي عليه، وأوذي، وتسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح.
وعلامة سعادته: أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها، وبإصلاحها، وبالتوبة منها؛ فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به؛ بل يتولى هو التوبة، وإصلاح عيوبه، والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولابد، فما أسعده من عبد، وما أبركها من نازلة نزلت به، وما أحسن أثرها عليه، ولكن التوفيق والرشد بيد الله، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فما كل أحد يوفق لهذا، لا معرفة به، ولا إرادة له، ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه؛ فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء، ودفع العين، ودفع الحسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديمًا وحديثًا لكفى به؛ فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة؛ فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جُنة واقية وحصن حصين.
وبالجملة: فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببًا لزوالها، فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله، وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفر النعم.
فالمحسن المتصدق يستخدم جندًا وعسكرًا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه.
السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشرًا وبغيًا وحسدًا ازددت له إحسانًا، وله نصيحة، وعليه شفقة، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون، فضلاً عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قول الله عز وجل: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}([75]).
وقال تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}([76]).

وكان r يسلت الدم عنه ويقول: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([77]).
فجمع في هذه الكلمات الأربع مقامات من الإحسان، قابل بها إساءتهم العظيمة إليه؛ أحدها: عفوه عنهم، والثاني: استغفاره لهم، والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه؛ فقال: «رب اغفر لقومي».
وكما تحب أن يعفو الله عن تقصيرك وإساءتك فاعف أنت عمن قصر في حقك، وآذاك، وأساء إليك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباد الله يفعل الله معك.
وفي هذا نزل في شأن الصديق t: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([78]).
وفي الحديث: «وليأت للناس الذي يحب أن يؤتى إليه»([79]).
فمن تصور هذا وشغل به فكره هان عليه الإحسان لمن أساء إليه مع ما يحصل له من نصر الله ومعيته الخاصة؛ كما قال r للذي شكا إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم وهم يسيؤون إليه، قال: «لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك»([80]).

([1])انظر «التفسير القيم» ص573-574.

([2])انظر «التفسير القيم» ص575، وانظر ص577.

([3])في «الجامع لأحكام القرآن» 20/259.

([4])انظر «الكشاف» 4/244.

([5])سبق تخريجه ص50.

([6])أخرجه الترمذي في صفة القيامة 2510 – من حديث الزبير بن العوام t.

([7])سورة الإسراء، آية: 61.

([8])سورة الإسراء، آية: 62.

([9])سورة الأعراف، آية: 123، وسورة ص، آية: 76.

([10])سورة المائدة، آية: 27.

([11])سورة البقرة، آية: 109.

([12])سورة النساء، آية: 55.

([13])سورة القمر، آية: 25.

([14])سورة الزخرف، آية: 31.

([15])انظر «التفسير القيم» ص583.

([16]) انظر «التفسير القيم» ص583.

([17]) انظر «التفسير القيم» ص585.

([18])سورة الطلاق، آية: 3.

([19])انظر «التفسير القيم» ص582-583. وانظر «تيسير الكريم الرحمن» 7/688.

([20])سبق تخريجه ص31.

([21])سورة الشورى، آية: 48.

([22])سورة النور، آية: 54، وسورة العنكبوت، آية: 18.

([23])انظر «التفسير القيم» ص541-542.

([24])انظر «دقائق التفسير» 6/498.

([25])سورة الجن، آية: 6.

([26])أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها 771، وأبو داود في الصلاة 760، والترمذي في الدعوات 3421 – من حديث علي بن أبي طالب t.

([27])انظر «التفسير القيم» ص550-552.

([28])سورة البقرة، آية: 254.

([29])سورة الزخرف، آية: 76.

([30])سورة الجن، آية: 10.

([31])انظر «التفسير القيم» ص555.

([32])انظر «تسير الكريم الرحمن» 7/688.

([33])سورة البقرة، آية: 102.

([34])سورة الأعراف، آية: 155.

([35])أخرجه أحمد 4/367، والنسائي في التحريم – باب سحرة أهل الكتاب 3802 وصححه الألباني.

([36])المشاقة: المشاطة، وهي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التشريح بالمشط.
والجف: قشر الطلع. راعوفة البئر: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها. وبئر ذروان: بئر ببني زريق بالمدينة.
والنقاعة: ما أنقع فيه الشيء، وهو هنا الماء الذي أنقع فيه الحناء، انظر «لسان العرب» مادة «مشق» ومادة «حف» ومادة «رعف» ومادة «نقع»، «التفسير القيم» ص564.

([37])أخرجه البخاري في الطب – باب هل يستخرج السحر 5765، وأحمد 6/96، وانظر «التفسير القيم» ص564، 565.

([38])انظر «التفسير القيم» ص566، 570.

([39])سورة الإسراء، آية: 47، وسورة الفرقان، آية: 8.

([40])سورة الشعراء، آية: 153.

([41])سورة الشعراء، آية: 185.

([42])سورة الدخان، الآيتان: 13، 14.

([43])انظر «التفسير القيم» ص570.

([44])انظر «التفسير القيم» ص571-572.

([45])أخرجه البخاري في الوصايا 2767، ومسلم في الإيمان 89، وأبو داود في الوصايا 2874، والنسائي في الوصايا 3671.

([46])أخرجه الترمذي في الحدود 1460، من حديث جندب t، وقال الصحيح أنه موقوف. ورواه أيضًا الدارقطني والبيهقي والحاكم، وقال: «صحيح غريب» وضعفه البخاري. وقال الذهبي في الكبائر إنه من قول جندب. وقال بعضهم يتقوى بكثرة طرقه، فقد خرجه جمع منهم البغوي الكبير والصغير، والطبراني والبزار، ومن لا يحصى كثرة. واختلفوا في جندب المذكور، فقال بعضهم: هو جندب بن عبد الله البجلي، وقال بعضهم: إنه جندب الخير الأزدي، ورواه بعضهم من حديث بريدة أن النبي r قال: «يضرب ضربة فيكون أمة وحده». انظر «تيسير العزيز الحميد» ص390-392.

([47])ذكره في «تيسير العزيز الحميد» ص392، وقال: «إسناده حسن».

([48])انظر «تسير العزيز الحميد» ص392-394.

([49])انظر «دقائق التفسير» 6/497.

([50])سبق تخريجه ص52، وفي الحديث أيضًا: «إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة». أخرجه ابن ماجه في الطب 3509 – من حديث أبي أمامة ابن سهل بن حنيف t. وصححه الألباني.

([51])سورة الشعراء، الآيتان: 88-89.

([52])أخرجه البخاري في الإيمان 52، ومسلم في المساقاة 1599، وأبو داود في البيوع 3329، والنسائي في البيوع 4453، والترمذي في البيوع 1205.

([53])سورة يوسف، آية: 64.

([54])سورة الطلاق، آية: 3.

([55])أخرجه الترمذي في صفة القيامة 2516، وقال «حسن صحيح» وأحمد 4/286، 288، من حديث حنش الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال: «هذا إسناد مشهور، ورواته ثقات». وقال ابن رجب: «إسناده حسن لا بأس به» وقد شرحه بطوله ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» وفي رسالته «نور الاقتباس في وصية الرسول r لابن عباس» وصححه أحمد شاكر في تصحيحه للمسند 2669، 2763.

([56])أخرجه الترمذي في الدعوات 3426.

([57])انظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/260.

([58])سورة البقرة، آية: 109.

([59])أخرجه مسلم في الإيمان 45، والنسائي في الإيمان 5016، والترمذي في صفة القيامة 2515، وابن ماجه في المقدمة 66، من حديث أنس t.

([60])سورة الأحزاب، آية: 58.

([61])انظر «التفسير القيم» ص584.

([62])سورة النساء، آية: 32.

([63])سبق تخريجه ص54.

([64])سبق تخريجه ص50.
ولزيادة الكلام على هذه الأسباب، انظر الكلام على قوله تعالى في سورة النساء: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} الآية (32) في كتابنا «تفسير آيات الأحكام في سورة النساء».

([65])انظر «التفسير القيم» ص585-594.

([66])سورة آل عمران، آية: 121.

([67])سبق تخريجه ص71.

([68])سورة الحج، آية: 60.

([69])سورة النحل، آية: 126.

([70])سورة ص، الآيتان: 82، 83.

([71])سورة النحل، الآيتان: 99، 100.

([72])سورة يوسف، آية: 24.

([73])سورة الشورى، آية: 30.

([74])سورة آل عمران، آية: 165.

([75])سورة فصلت، الآيات: 34-36.

([76])سورة القصص، آية: 54.

([77])أخرجه البخاري في الأنبياء 3477، ومسلم في الجهاد والسير 1792، وأحمد 1/380، من حديث ابن مسعود t.

([78])سورة النور، آية: 22.

([79])أخرجه من حديث طويل مسلم في الإمارة 1844، وأبو داود في الفتن والملاحم 4248، والنسائي في البيعة 4191، وابن ماجه في الفتن 3956، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

([80])أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب 2558، من حديث أبي هريرة t.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-05-05
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين

وعودًا على ما سبق أقول مؤكدًا: إن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى الرجل الراحلة، الذي يسد مكانه في الأمة؛ أداءً الحقوق لله، وحقوق الأمة؛ مع محاسبة النفس محاسبة دقيقة في ذلك؛ إخلاصًا لله عز وجل ومتابعة للرسول r، وحفاظًا على أوقات هذه الحقوق والواجبات، واجتهادًا في أدائها على الوجه الأكمل، براءة للذمة، ونصحًا لله ولرسوله ولكتابه.
وإنني أنادي الغيورين من أبناء الأمة رجالاً ونساءً من الآباء والأمهات والمربين والموجهين والمدرسين والخطباء والدعاة والواعظين إلى العودة بالأمة إلى هذا المنهج الصحيح؛ فإن به الضمان بإذن الله عز وجل لسعادة الأمة في دنياها وأخراها – والله المستعان.
وأخيرًا فإن الشيطان لا يقف بأذيته للعبد وتسلطه عليه عند هذا الحد، بل إنه إذا عجز عن إيقاعه في المراتب السابقة أو بعضها، وكان ممن هداه الله ووفقه وحفظه وعصمه من الوقوع في حبائل الشيطان سلط عليه حزبه من شياطين الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه، وقصْد إخماله وإطفائه؛ ليشوش عليه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به، فلا يزال المؤمن في حرب معه حتى يلقى الله ([1]).
قوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}: من الجنة: جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً، والتقدير: كائنًا من الجنة والناس.
و «الناس»: معطوف على «الجنة»، وهو بيان للذي يوسوس؛ أي أن الذي يوسوس في صدور الناس نوعان: شياطين جن، وشياطين إنس؛ كما قال تعالى: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}([2]).
وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r قال: «إن الملائكة تُحدِّث في العنان ([3]) بالأمر يكون في الأرض فتستمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن، كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة من عند أنفسهم»([4]).
وعن أبي ذر t أن رسول الله r قال: «نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن»، قلت: أوللإنس شياطين؟ قال: «نعم شر من شياطين الجن»([5]).
ومن وسوسة شياطين الإنس: وسوسة نفس الإنسان له كما قال عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}([6])، وعنه r قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به»([7]).
وقيل: إن قوله {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} بيان للناس الموسوس في صدورهم. والمعنى: الذي يوسوس في صدور الناس، الذين هم من الجنة والناس؛ فالموسوس في صدورهم على هذا قسمان: جن وإنس؛ فالوسواس وهو الشيطان يوسوس للجني كما يوسوس للإنسي([8]).
والأظهر القول الأول ([9])، وقد ضعف ابن القيم رحمه الله القول الثاني من وجوه عدة ([10]): الأول: أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني، ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي ويجري فيه مجراه من الإنسي.
الثاني: أنه على هذا فاسد من جهة اللفظ أيضًا؛ فإنه قال: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} فكيف يبين الناس بالناس؟!
الثالث: أنه قسم الناس إلى قسمين: جنة وناس، وهذا غير صحيح؛ فإن الشيء لا يكون قسيم نفسه.
الرابع: أن الجنة لا يطلق عليه اسم الناس بوجه، لا أصلاً، ولا اشتقاقًا، ولا استعمالاً، ولفظها يأبى ذلك، فإن الجنة إنما سمو جنًا من الاجتنان، وهو الاستتار، فهم مستترون عن أعين البشر.
الفوائد والأحكام:
1- أن الرسول r إنما هو مبلغ عن الله عز وجل؛ لقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، وفي هذا الرد على من يزعم من أهل البدع أن هذا القرآن من نظمه r ابتدأ به.
2- حاجة الرسول r كغيره من البشر إلى الاعتصام بالله، واللجوء إليه، وأنه r كغيره من البشر قد يصيبهم ما يصيبهم من الوساوس، وأنه لا يملك لنفيه دفع ضر أو جلب خير، وإنما المالك لذلك كله هو الله عز وجل؛ لقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} إلى قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} وفي هذا الرد على من يرفعونه r إلى مقام الربوبية، فهو r عبد لا يعبد ورسول لا يكذب.
3- إثبات الربوبية العامة لله عز وجل؛ فهو رب جميع الناس مؤمنهم وكافرهم لقوله: {بِرَبِّ النَّاسِ}؛ فهو خالقهم ومالكهم.
4- إثبات الملك العام لله عز وجل؛ فهو ملك الناس ومدبرهم، له الأمر والنهي بقسميهما الشرعي والكوني؛ لقوله {مَلِكِ النَّاسِ}.
5- إثبات الألوهية العامة لله عز وجل؛ فهو إله الناس ومعبودهم الحق، ولو عبد بعضهم غيره، فليس لهم في الحقيقة معبود سواه؛ لقوله {إِلَهِ النَّاسِ}.
قال تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}([11]).
6- مشروعية الاستعاذة برب الناس وملكهم وإلههم من شر الشيطان ووساوسه؛ لقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، إلى قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ}.
7- عظيم خطر الشيطان ووساوسه؛ فهو أصل الشر كله، وأصل كل كفر وفسوق وعصيان؛ لأن الله أمر بالاستعاذة به سبحانه والاعتصام بجنابه من الوسواس.
8- أن من طبيعة الشيطان أنه يوسوس عند الغفلة عن ذكر الله ويخنس ويختفي ويتراجع ويتأخر ويتصاغر عند ذكر الله عز وجل؛ لأن الله وصفه بقوله {الْخَنَّاسِ}.
9- أن الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس على نوعين: شياطين جن وشياطين إنس؛ لقوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} كما قال عز وجل: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}([12]).
فائدة:
ذكر ابن القيم رحمه الله ([13]) قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز به منه، وذلك عشرة أسباب ألخصها فيما يلي:
1- الحرز الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان؛ كما قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}([14]).
وعن سليمان بن صرد t قال: «استب رجلان عند النبي r ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد أحمر وجهه، فقال النبي r: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي r فقال: «إني لست بمجنون»([15]).
2- الحرز الثاني: قراءة المعوذتين؛ فقد كان النبي r يتعوذ بهما في كل ليلة، وقال r: «ما تَعوذ متعوذ بمثلهما»([16]). وأمر عقبة بن عامر أن يقرأ بهما دبر كل صلاة ([17]).
وقال r: «إن من قرأهما مع سورة لإخلاص ثلاثًا حين يمسي، وثلاثًا حين يصبح كفته من كل شيء»([18]).
وقد تقدم ذكر كلام ابن القيم في أن حاجة الإنسان إلى التعوذ بهاتين السورتين أشد من حاجته إلى الطعام والشراب واللباس والنفس فتأمل هذا.
3- الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي، كما في حديث أبي هريرة t قال: «وكلني رسول الله r بحفظ زكاة رمضان، فأتى آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله r فذكر الحديث إلى أن قال: فقال رسول الله r: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح...»([19]).
4- الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة. كما في حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان»([20]).
5- الحرز الخامس: قراءة خاتمة سورة البقرة، كما في حديث أبي مسعود الأنصاري t، قال: قال رسول الله r: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»([21]).
وعن النعمان بن بشير t عن النبي r قال: «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، فلا يقرأن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان»([22]).
6- الحرز السادس، قراءة أول سورة «حم المؤمن» إلى قوله «إليه المصير» مع آية الكرسي لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «من قرأ حم المؤمن إلى «إليه المصير» وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح»([23]).
7- الحرز السابع: قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. مائة مرة؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك»([24]).
8- الحرز الثامن: كثرة ذكر الله عز وجل، وهو من أنفع الحروز وبه طمأنينة القلب، كما قال عز وجل: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}([25]).
9- الحرز التاسع: الوضوء والصلاة، قال ابن القيم: «وهذا من أعظم ما يتحرز به، ولاسيما عند توارد قوة الغضب والشهوة؛ فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم... والوضوء يطفئها، والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله، وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه»([26]).
10- الحرز العاشر: الإمساك عن فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الأنام، فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة – ويا صعوبة التخلص منها إلا على من وفقه الله؛ فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب، والاشتغال به، والفكرة في الظفر به.
وفي الأثر: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره لله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه».
وقد قيل([27]):
كل الحوادث مبداها من النظر



ومعظم النار من مستصغر الشرر


كم نظرة فتكت في قلب صاحبها



فتك السهام بلا قوس ولا وتر


والإمساك عن فضول الطعام:
فإن تتبُّع أطايب المأكولات وأنواعها سبب للغفلة عن ذكر الله وكون الإنسان بهيميًا همه بطنه، كما أن الإكثار من الأكل سبب للتخمة والكسل وثقل الجسم عن العمل، وفي الحديث:
«ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»([28]).
والإمساك عن فضول الكلام:
فإن الإكثار من الكلام فيما لا يعني سبب للوقوع فيما لا ينبغي، ولهذا أمر الإسلام بحفظ اللسان، قال تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}([29]).
وفي حديث معاذ بن جبل t، أنه قال: فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به أو فيما نقول بألسنتنا؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»([30]).
والإمساك عن فضول مخالطة الأنام:
فإن فضول مخالطة الأنام من أعظم أسباب الشرور والآثام؛ فيجب أن تكون مخالطة العبد للناس على قدر الحاجة.
والناس في هذا أربعة أقسام: القسم الأول: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة – وهم العلماء بالله وأمره، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
القسم الثاني: من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض، فما دام الشخص صحيحًا فلا حاجة له في مخالطتهم، وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، فتكون مخالطتهم بقدر الحاجة.
القسم الثالث: من مخالطتهم كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه، وقوته وضعفه، فمنهم من تكون مخالطته ضررًا عليك في دينك ودنياك فهم كمرض الموت المخوف، ومنهم من تكون مخالطته كوجع الضرس يشتد فإذا فارقك سكن الألم، ومنهم من تكون مخالطته حمى الروح، وهو الثقيل البغيض، الذي لا تستفيد منه ولا يستفيد منك، لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه فيضعها منزلتها، فمخالطة هذا النوع – وهم كل مخالف – حمى الروح، ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب، وليس له بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف، حتى يجعل الله من أمره فرجًا ومخرجًا.
القسم الرابع: مَنْ مخالطتُه الهلك كله بمنزلة أكل السم كأهل البدع والضلال الصادين عن سنة رسول الله r.
فالحزمَ كل الحزم؛ البعد عنهم، والحذر منهم، والتماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم.
وكما قيل:
لقد زادني حبًا لنفسي أنني



بغيض إلى كل امرئ غير طائل ([31])



فائدة: في الفرق بين الموسوس والساحر والحاسد:
أمر الله عز وجل في سورة الناس بالاستعاذة من شر الوسواس، وأمر في سورة الفلق بالاستعاذة من شر الساحر والحاسد.
فأفرد الاستعاذة من شر الوسواس في سورة الناس، لأن الوسواس وإن كان بسبب من شياطين الجن والإنس كما قال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} إلا أنه إنما يؤذي العبد من داخل بواسطة مساكنته له وقبوله منه، ولهذا يعاقب العبد على تماديه مع الوساوس، لأن ذلك بسعيه وإرادته بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه.
وقرن عز وجل بين الاستعاذة من الساحر والحاسد، لأن شر كل منهما خارج عن إرادة المسحور والمحسود فلا يعاقبان على ما يحصل لهما بل يؤجران إذا صبرا على ذلك.
وكل من السحر والحسد من شرور شياطين الإنس والجن، كالوسواس، إلا أن الحسد أخص بشياطين الإنس، لأنه يدل على شر النفس وطبعها، ليس هو شيئًا اكتسب من غيرها، وإن كان كغيره من المعاصي من تزيين الشيطان وتسويله، لكن لو لم تكن النفس خبيثة شريرة ومحلاً لذلك لما حصل الحسد.
أما السحر فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى كالاستعانة بالأرواح الشيطانية، والتقرب إلى الشيطان وعبادته من دون الله، والسجود له، ونحو ذلك ([32]).
فائدة أخيرة:
لعلك أخي المسلم بعد تدبرك في كلام أهل العلم على هذه السور الثلاث اتضح لك ما فيها من الوقاية والحفظ والشفاء بإذن الله عز وجل لأمراض القلوب والأبدان، وخرجت بشخصية المسلم الحق، الذي يجمع بين فعل الأسباب والتوكل على الله، ولا يخاف بعد ذلك إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يعتمد إلى على الله، ولا يستعيذ إلا بالله. فهذا غاية العزة والسعادة والسؤدد والكرامة، وكما قيل:
سأعيش رغم الداء والأعداء






كالنسر فوق القمة الشماء


النور في جنبي وبين جوانحي






فعلام أخشى السير في الظلماء






([1])انظر «التفسير القيم» ص612-614.

([2])سورة الأنعام، آية: 112.

([3])العنان: الغمام. انظر «النهاية في غريب الحديث» ولسان العرب، مادة «عن».

([4])أخرجه البخاري في بدء الخلق 3210، ومسلم في السلام 2228.

([5])أخرجه النسائي في الاستعاذة 5507، وأحمد 5/179، 265، وضعفه الألباني. انظر ضعيف سنن النسائي 424.

([6])سورة ق، آية: 16.

([7])سبق تخريجه ص91.

([8])انظر: «الكشاف» 4/245، «الجامع لأحكام القرآن» 20/263-264، «التفسير القيم» ص615، «تفسير ابن كثير» 8/559.

([9])انظر «دقائق التفسير» 6/699.

([10])انظر «التفسير القيم» ص615، وانظر «دقائق التفسير» 6/500-503.

([11])سورة يوسف، الآيتان: 39، 40.

([12])سورة الأنعام، آية: 112.

([13])انظر «التفسير القيم» ص620-631.

([14])سورة فصلت، آية: 36.

([15])أخرجه البخاري في الأدب – باب الحذر من الغضب – 6155، ومسلم في البر – باب فضل من يملك نفسه عند الغضب 2610.

([16])أخرجه أبو داود في الصلاة 1463، من حديث عقبة بن عامر t. وصححه الألباني.

([17])سبق تخريجه.

([18])سبق تخريجه.

([19])أخرجه البخاري في بدء الخلق 3275، وأبو داود في الصلاة 1379، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1268، من حديث أبي مسعود البدري t.

([20])أخرجه مسلم في صلاة المسافرين 780، وأبو داود في المناسك 2042، والترمذي في فضائل القرآن 2877، من حديث أبي هريرة t.

([21])أخرجه البخاري في المغازي 4008، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها 807، 808.

([22])أخرجه الترمذي في فضائل القرآن 2882، والدارمي في فضائل القرآن 3253.

([23])أخرجه الترمذي في فضائل القرآن 2879، وضعفه الألباني.

([24])أخرجه البخاري في بدء الخلق 3293، ومسلم في الذكر والدعاء 2691، والترمذي في الدعوات 3468، وابن ماجه في الأدب 3798.

([25])سورة الرعد، آية: 28.

([26])انظر «التفسير القيم» ص624.

([27])انظر «التفسير القيم» ص624-629.

([28])أخرجه الترمذي في الزهد 2380، وابن ماجه في الأطعمة 3349، من حديث المقدام بن معد يكرب t. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» وصححه الألباني.

([29])سورة المائدة، آية: 89.

([30])أخرجه الترمذي في الإيمان 2616، وابن ماجه في الفتن 3973، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» وصححه الألباني.

([31])البيت للطرماح وهو في «ديوانه» ص346، تحقيق عزة حسن، دمشق 1968م، وانظر «التفسير القيم» ص630، 631.

([32])انظر «دقائق التفسير» 6/498، «التفسير القيم» ص579-582.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 09:08 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب