منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

الدنيا ظل زائل

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يوم في حياة صائم ( مشاريع رمضان ) abou khaled منتدى الدين الاسلامي الحنيف 7 2012-07-24 06:55 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-11
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الدنيا ظل زائل

مدخل
قال الله -جل وعلا- في وصف الدنيا: }إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ{ [غافر: 39] وحذر -سبحانه- من فتنة الأموال والأولاد، فقال -تعالى-: }وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{ [الأنفال: 28] ونهى جل وعلا عن النظر إلى ما في أيدي الناس }وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ{ [طه: 131].
والآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة، وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا، وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة. فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها([1]).
وها هو رسول الله r يرتسم على لسانه نظرته إلى الدنيا بقوله: «مالي وللدنيا! إنما مثلي ومثل الدنيا: كمثل راكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه الألباني ولكثرة مشاغل الدنيا وأعمال الحياة. وحث -عليه الصلاة والسلام- على الاستعداد ليوم الرحيل والتزود للدار الآخرة، فقال: «كن في الدنيا: كأنك غريب أو عابر سبيل» رواه البخاري.
ومن رأى تهافت الناس على الدنيا وانكبابهم على جمع حطامها من حلال وحرام، تذكر قوله r: «إذا رأيت الله -عز وجل- يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» رواه أحمد والبيهقي.
ومن تعلق بالدنيا الزائفة، وجرى في اللهث وراء المادة، فإن ذلك ربما يصرفه عن الطاعة، والعبادة، وعن تأدية الواجبات في وقتها، وعلى أتم وجه وأكمله.
قال r: «اقتربت الساعة، ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بعدًا» رواه الحاكم.
أما جمع الدنيا بحلال وصرفه في حلال فهذه: عبادة، يتقرب بها إلى الله -جل وعلا- أما إذا كانت من حرام، أو وضعت في حرام، فبئست الزاد إلى النار.
قال يحيى بن معاذ: لست آمركم بترك الدنيا، آمركم بترك الذنوب، ترك الدنيا فضيلة، وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى إقامة الفريضة أحوج منكم إلى الحسنات والفضائل.
والدنيا أخي الكريم: أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ وهي الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن الآدمي، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكم وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى الله -عز وجل- فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحاج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور يمدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنفه الشره، وقع في الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا وجه، لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الأخرى، فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته.
ولا وجه أيضًا للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير، إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي: الوسطى، وهي أن يؤخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها([2]).
قال عون بن عبد الله: الدنيا والآخرة في القلب: ككفتي الميزان، ما ترجح أحدهما تخف الأخرى([3]).
ومن يحمد الدنيا لعيش يسره





فسوف لعمري عن قليل يلومها



إذا أدبرت كانت على المرء حسرة




وإن أقبلت كانت كثيرًا همومها([4])



وقيل للحسن: يا أبا سعيد: من أشد الناس صراخًا يوم القيامة؟ فقال: رجل رزق نعمة؛ فاستعان بها على معصية الله([5]).
ولا شك أن من استعان على الدنيا بالطاعة، فإنه في خير عظيم، يتصدق، وينفق، ويساهم في نشر العلم وبناء المساجد. وهذه نعمة من الله له، أن وجهه لاستعمال هذا المال فيما ينفعه في آخرته.
والإنسان: محب للمال، جامع للذهب والفضة، يجري من مولده حتى موته خلف الدرهم والدينار، ولكن ماذا يبلغ.. وإلى أين ينتهي..؟!
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها




والنفس واحدة والهم منتشر



فالمرء ما عاش ممدود له أجل




لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر



والدنيا مقبلة ومدبرة.. فمن غنى إلى فقر، ومن فرح إلى ترح، لا تبقى على حال، ولا تستمر على منوال.. فهذه سنة الله في خلقه.. والناس يجرون خلف سراب.. سنوات معدودة وأيام معلومة.. ثم تنقضي.
وما هي إلا جيفة مستحيلة




عليها كلاب همهن اجتذابها



فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها




وإن تجتذبها نازعتك كلابها([6])



قال عمر بن الخطاب: الزهد في الدنيا: راحة القلب والبدن([7]).
وقال الحسن: أدركت أقوامًا لا يفرحون بشيء من الدنيا أتوه، ولا يأسفون على شيء منها فاتهم([8]).
وجماع ذلك قول الإمام أحمد: الزهد في الدنيا: قصر الأمل([9]).
والمؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه فيها على جناح سفر([10]).
وهذا هو الفهم الصحيح.. والعلم النافع.. ذكر ذلك يحيى بن معاذ فقال: كيف لا أحب دنيا، قدر لي فيها قوت، أكتسب به حياة، أدرك بها طاعة.. أنال بها الجنة([11]).
هذا هو من يغبط في هذه الدنيا، لا أصحاب الدور والقصور.. المفرطون في العبادات، والمضيعون للطاعات.
إذا ما كساك الدهر ثوبًا لصحة




ولم تخل من قوت يحل ويعذب



فلا تغبطن المترفين فإنه




على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب([12])


وقال عبد الله بن عمر: إن الدنيا: جنة الكافر وسجن المؤمن.. وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه، كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه، فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها([13]).
أيها الناس! إن سهام الموت صوبت إليكم، فانظروها، وحبالة الأمل قد نصبت بين أيديكم، فاحذروها، وفتن الدنيا قد حاطت بكم من كل جانب، فاتقوها، ولا تغتروا بما أنتم فيه من حسن الحال، فإنه إلى زوال، ومقيمة إلى ارتحال، وممتدة إلى تقلص واضمحلال([14]).
تمر بنا الأيام تترى وإنما




نساق إلى الآجال والعين تنظر



فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى




ولا زائل هذا المشيب المكدر([15])



فمن تكفر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر([16]).
وقد لهونا في هذه الدنيا.. وتتابعت ذنوب خلف ذنوب.
أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء؟!
عن أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم، ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة([17]).
عجبت لحالنا.. الدنيا مولية عنا، والآخرة مقبلة علينا، ونشتغل بالمدبرة، ونعرض عن المقبلة.. كأننا لن نصل إليها.. ولن نحط رحالنا فيها..
وقد قال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا -رحمكم الله- منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وإذا لم تكن الدنيا للؤمن دار إقامة ولا وطنًا، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين، إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم ألبتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة([18]).
فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها




ولكن إلى الملك القدير أصير



ومالي شيء غير أني مسلم




بتوحيد ربي مؤمن وخبير([19])



والناس تتصارع وتتكالب على هذه الدنيا.. يفقد البعض دينه، وينسى الكثير أبناءه.. انتشرت الأحقاد.. وزرعت الضغائن.. وعمت البغضاء.. لنرى كيف نظر الفضيل إلى هذه الدنيا بقوله: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من أكل الدينا.
أخي الحبيب:
تبلغ من الدنيا بأيسر زاد




فإنك عنها راحل لمعاد



وغض عن الدنيا وزخرف أهلها




جفونك وأكحلها بطيب سهاد



وجاهد على اللذات نفسك جاهدًا




فإن جهاد النفس خير جهاد



وما هي إلا دار لهو وفتنة




وإن قصارى أهلها لنفاد([20])



قال بلال بن سعد ليذكرنا بمآلنا ومصيرنا: يا أهل التقى، إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما تنقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار([21]).
ولذلك قال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الاشتغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل، إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب([22]).
وقال ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها لميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها([23]).
أيا نفس ويحك جاء المشيب




فماذا التصابي وماذا الغزل



تولى شبابي كأن لم يكن




وجاء مشيبي كأن لم يزل



كأني بنفسي على غرة




وخطب المنون بها قد نزل([24])



أخي الحبيب:
أساس كل خير أن تعلم: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه، فتشكره عليها، وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك([25]).
عندما سئل إبراهيم بن أدهم: كيف أنت؟ قال:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا




فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع



فطوبى لعبد آثر الله ربه




وجاد بدنياه لما يتوقع



إن من علامات حب الدنيا: حب أهل الدنيا، والتملق لهم، ومحاباتهم، وعدم إنكار منكرهم.. وقد أكد ذلك سفيان الثوري بقوله: إني لأعرف حب الرجل للدنيا، بتسليمه على أهل الدنيا([26]).
وانظر إلى الفقير الصالح المتعفف.. لا يتحدث معه.. بل ويسلم عليه سلام من يخاف أن يعديه بفقره.. السلام: بأطراف الأصابع.. والسؤال عن الحال: فيه عبوس وجه، وسوء أدب.
والتفت -أخي- يمنة لترى كيف وقف القوم .. يهللون ويرحبون .. من القادم؟ إنه من أهل الدنيا .. من حاز الدينار والدرهم.. وربما أنه لا يصلي..
وربما يصم الآذان، ويزكم الأنوف.. سوء عمله.. ولكن انظر الفرق.. بين من لو أقسم على الله لأبره، وكيف هو لا يسأل عنه، إن غاب أو حضر، وبين من لا يزن عند الله جناح بعوضة كيف استقباله والحفاوة به..
إنها الدنيا..
واعلم بأن المرء غير مخلد




والناس بعد لغيرهم أخبار



قال عبد الله بن عون: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم([27]).
أخي المسلم:
إن عمر الدنيا والله قصير، وأغنى غني فيها فقير، وكأني بك في عرصة الموت، وقد استنشقت ريح الغربة قبل الرحيل، ورأيت أثر اليتم في الولد قبل الفراق، فتيقظ إذن من رقدة الغفلة، وانتبه من السكرة، وأقلع حب الدنيا من قلبك، فإن العبد إذا أغمض عينه وتولى، تمنى الإقالة فقيل كلا([28]).
في يوم من أيام الحياة ستدبر الدنيا وتقبل الآخرة.. وما كان بعيدًا أضحى قريبًا.. وما كنت تراه في الذاهبين.. سيراه الأحياء فيك.. موت فجأة.. أو مرض بغتة.. أو أنت على فراشك تحمل إلى قبرك .. إنها عبر ترى ومصارع تترى.. ونحن في غفلتنا نائمون.. وفي غينا تائهون.
تبًا لطالب دنيا لا بقاء لها




كأنما هي في تصريفها حلم



صفاؤها كدر، وسراؤها ضرر




أمانها غرر، أنوارها ظلم



شبابها هرم، راحاتها سقم




لذاتها ندم، وجدانها عدم



لا يستفيق من الأنكاد صاحبها




لو كان يملك ما قد ضمنت إرم



فخل عنها، ولا تركن لزهرتها




فإنها نعم في طيتها نقم



واعمل لدار نعيم لا نفاد لها




ولا يخاف بها موت ولا هرم([29])



قال أبو حازم: من عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء .. ولم يحزن على بلوى.
وقال علي بن أبي طالب: من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلبًا ولا عن النار مهربًا، أولها: من عرف الله وأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فاتقاه، وعرف الدنيا فرفضها، وعرف الآخرة فطلبها([30]).
وحسن ظنك بالأيام معجزة




فظن شرًا وكن منها على وجل



والوجل -أخي الكريم- هو الخوف مما ذكره الفضيل بن عياض بقوله: الدخول في الدنيا هين، ولكن الخروج منها شديد([31]).
الخروج أنفاس تتوقف.. ولحظات عصيبة.. تنتزع فيها الروح انتزاعًا.. وحتى إن كان الخروج سهلاً، فإن الجري وراء الدنيا واللهث وراء المادة.. يجلب تشتت الذهن وكثرة الهموم.. واضطراب النفس.
أرى الدنيا لمن هي في يديه




هموما كلما كثرت لديه



تهين المكرمين لها بصفر




وتكرم كل من هانت عليه



إذا استغنيت عن شيء فدعه




وخذ ما أنت محتاج إليه([32])



أخي الحبيب:
كن من أبناء الآخرة، ولا تكن من أبناء الدنيا، فإن الولد يتبع الأم، والدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها، فكيف تعدو خلفها([33])؟
انفض يديك من الدنيا وساكنها




فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا([34])



قالت امرأة حبيب بن محمد: كان يقول: إن مت اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني، وافعلي كذا واصنعي كذا، فقيل لامرأته: أرأى رؤيا؟ قالت: هذا قوله كل يوم([35]).
أخي.. إذا استغنى الناس بالدنيا، فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم؛ لينالوا بهم العزة والرفعة، فتعرف أنت إلى الله، وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة([36]).
وخطب عمر بن عبد العزيز فقال في خطبته: لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من عذابه، فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلبكم. وتنقادوا لعدوكم، فإن الله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يمسي بعد إصباحه، ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت والمنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلما إلا أصابه جارح من ناحية أخرى، فكيف يطمئن؟ أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق([37]).
يا لاهيًا بالمنايا قد غره الأمل




وأنت عما قليل سوف ترتحل



تبغي اللحوق بلا زاد تقدمه




إن المخفين لما شمروا وصلوا



لا تركنن إلى الدنيا وزخرفها




فأنت من عاجل الدنيا ستنتقل



أصبحت ترجو غدًا يأتي وبعد غد




ورب ذي أمل قد خانه الأمل



هذا شبابك قد ولت بشاشته




ما بعد شيبك لا لهو ولا جدل



ماذا التعلل بالدنيا وقد نشرت




لأهلها صحة في طيها علل([38])



قال محمد بن أبي عمران: سمعت حاتمًا الأصم وسأله رجل: على ما بنيت أمرك هذا في التوكل على الله؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت فأنا مستحي منه.
زعم الذين تشرقوا وتغربوا




أن الغريب وإن أعز ذليل



فأجبتهم إن الغريب إذا اتقى




حيث استقل به الركاب جليل([39])



قال عبد الله بن المبارك: يابن آدم.. استعد للآخرة، وأطع الله بقدر حاجتك إليه، وأغضب الله بقدر صبرك على النار.
سبحانك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. نعصيك بجهلنا وتعفوا برحمتك.
هذا الفضيل بن عياض يصور حال المؤمن في هذه الدار بقوله: المؤمن في الدنيا مهموم حزين.. همه مرمة جهازه، ومن كان في الدنيا كذلك، فلا هم له إلا التزود بما ينفعه عند العود إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم([40]).
إنما الدنيا فناء




ليس للدنيا ثبوت



إنما الدنيا كبيت




نسجته العنكبوت([41])



قال وهيب بن الورد: اتق أن تسب إبليس في العلانية وأنت صديقه في السر.
فهذا إبليس، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى أرسو قلاعهم ليصدوا المسلم عن دينه ويزينوا له العثرات... فإنهم يعملون في هذه الدنيا لصده عن الحق وتزيين المعصية.
أخي الحبيب:
الدنيا مضمار سباق وقد انعقد الغبار وخفي السابق، والناس في المضمار بين فارس وراجل وأصحاب حمر معقرة...
سوف ترى إذا انجلى الغبار




أفرس تحتك أم حمار؟



ونحن نسير إلى آجالنا.. تنقص أعمارنا وتدنو نهاياتنا.. نسير: لاهون غافلون، لا نحسب لهذا اليوم حساب.. ولا نتجهز ليوم المعاد.
قال الحسن: تؤمل أن تعمر عمر نوح، وأمر الله يطرق كل ليلة([42]).
يؤمل دنيا لتبقى له




فوافى المنية قبل الأمل



حثيثًا يروي أصول الفسيل




فعاش الفسيل ومات الرجل([43])



قال أبو حازم سلمة بن دينار: إن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك، فأدنى عيش من الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء يكفيك([44]).
فوالله رأينا من يملك الدنيا رحل بكفن.. ورأينا من لا يملك من الدنيا شيء رحل بكفن.. تساوى الجميع عند هذه الحفرة -القبر- واختلفوا في داخلها.. فإما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من
حفر النار.

إنما الدنيا إلى الجنة والـنار طـريق
والليالي متجر الإنسان والأيام سوق([45])
عندما سئل أبو صفوان الرعيني: ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن، والتي ينبغي للعاقل أن يتجنبها؟ فقال: كل ما أحببت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أحببت منها تريد به الآخرة فليس منها([46]).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف الدنيا: حلالها حساب، وحرامها النار.
وقيل: أوحي إلى داود عليه السلام: يا داود: إني لأنظر إلى الشيخ في كل يوم صباحًا ومساءً وأقول له: يا عبدي، كبر سنك، ورق جلدك، ودق عظمك، وحان قدومك علي، فاستحي مني فإني استحي منك([47]).
يا بؤس للإنسان في الـ




ـدنيا وإن نال الأمل



يعيش مكتوم العلل




فيها ومكتوم الأجل



بينا يرى في صحة




مغتبطًا قيل اعتلل



وبينما يوجد فيـ




ـها ثاويًا قيل انتقل



فأوفر الحظ لمن




يتبعه حسن العمل([48])



قال الحسن رضي الله عنه: يابن آدم، إنما هي أيام إذا مضى يومك ينقصك.
ولهفنا ولهثنا وراء الدنيا.. نخاف من الفقر ونطمع في جمع الحطام.. كأننا نخلد أو نبقى فيها إلى الأبد.. نخاف الفقر، ولا نخاف الحساب.. نخاف الجوع، ولا نخاف من التقريع والعقاب.
قال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه: مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة([49]).
وانظر إلى حال من سلف كما قال عنهم الحسن البصري: والذي نفسي بيده، لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه.
نذم زمانا ما له من جناية




ونشكوه لو يغني عن المرء شكواه



ولا ذنب فيها للزمان وإنما




جنينا فعوقبنا بما جنيناه



هو القدر الجاري على الكره والرضا




فصبر وتسليمًا لما قدر الله([50])



قال الفضيل، يفصل واقع الأيام، ويحكى سيرها: إنما أمس: فعل، واليوم: عمل، وغدًا. أمل([51]).

أخي المسلم:
إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك.
كتب بعض السلف إلى أخ له: يا أخي: يخيل إليك أنك مقيم، بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقًا حثيثًا، الموت متوجه إليك، والدنيا تطوى من ورائك. وما مضى من عمرك فليس بكار عليك يوم التغابن([52]).
ونحن نسير في ركب الزاهدين وتمر بنا قوافل الصالحين.. كيف نرى الجمع بين الدنيا والآخرة.. وبين الزهد والقناعة..
قال علي بن الفضيل: سمعت أبي يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟ قال: يا أبا علي، إنما أفعل ذلك لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال: يا ابن المبارك.. ما أحسن هذا إن تم هذا!!
أخي الحبيب:
كيف ترانا على هذه الدنيا؟! ما أحسن الدنيا إذا أتت من حلال.. وصرفت في حلال.. فأوجه الخير لا تحصى.. فمن: صدقة، إلى إعانة ملهوف، ونجدة مصاب.. إلى رعاية أرامل، وكفالة أيتام.
أخي.. قال سفيان: احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمرك، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئًا من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك.
إن من قسم الأرزاق في هذه الدنيا هو: الله، فلا بد أن ترضى لما قسم لك قل أو كثر.. أتى أو ذهب.. وسواء أقبلت الدنيا أو أدبرت.. لا بد أن ترضى بنصيبك منها ولا تشغل بالك.. فلا تتسخط لما قسم لك الله، ولا تنظر إلى من أعلى منك دنيا، ولكن انظر إلى الصالحين الأخيار..
من شاء عيشًا رحيبًا يستطيل به




في دينه ثم في دنياه إقبالاً



فلينظرن إلى من فوقه ورعًا




ولينظرن إلى من دونه مالا([53])



وخير من ذلك كله ما قاله -جل وعلا- في محكم كتابه: }لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ{ [طه: 131].
قال إبراهيم الأشعث: سمعت الفضيل يقول: رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة، من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفقه الله لما يعلم، ومن ساء خلقه شان دينه وحسبه ومروءته([54]).
قال بعض الزهاد: ما علمت أن أحدًا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها: بذكر، أو صلاة، أو قراءة، أو إحسان، فقال له رجل: إني أكثر البكاء، فقال: إنك إن تضحك مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك. وإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه، فقال: أوصني، فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيبًا وإن أطعمت أطعمت طيبًا، وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه([55]).
أخي الحبيب:
ما تذكر أحد الموت إلا هانت الدنيا في عينه، وزالت الغشاوة من أمام ناظره.. فإنها سنوات معدودة مهما جمعت فيها ومهما حصلت على كنوزها؛ فإن وراء ذلك هادم اللذات ومفرق الجماعات.
قال الحسن: إن الموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحًا([56]).
وأي فرح -أخي- وها هي الدنيا..
قد نادت الدنيا على نفسها




لو كان في العالم من يسمع



كم واثق بالعمر أفنيته




وجامع بددت ما يجمع([57])



قال أبو عبيدة الناجي -رحمه الله-: دخلنا على الحسن البصري -رحمه الله- في يومه الذي مات فيه، فقال: مرحبًا بكم وأهلاً، وحياكم الله بالسلام، وأحلنا وإياكم دار المقام، هذه علانية حسنة إن صدقتم وصبرتم، فلا يكونن حظكم من هذا الأمر أن تسمعوه بهذه الآذان، وتخرجوه من هذه الأفواه، فإن مَنْ رأى محمد رسول الله r رآه غاديًا ورائحًا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم فشمر إليه.. الوحا الوحا، النجاء النجاء، علام تعرجون؟ ارتبتم ورب الكعبة، كأنكم والأمر معًا، رحم الله امرءًا جعل العيش عيشًا واحدًا، فأكل كسرة، ولبس خلقًا، ولصق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وفر من العقوبة، وطلب الرحمة، حتى يأتيه أجله وهو على ذلك([58]).
قال النابغة الجعدي عن الدنيا وحال الإنسان فيها:
المرء يرغب في الحيا




ة وطول عيش قد يضره



تفنى بشاشته ويبـ




ـقى بعد حلو العيش مره



وتسوءه الأيام حتـ




ـى ما يرى شيئًا يسره



روى أبو كبشة عن النبي r قال: «إنما الدنيا أربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا، ولم يرزقه مالاً؛ فهو صادق النية، فيقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يتخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه لله حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا، وهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان؛ فهو بنيته فوزرهما سواء»([59]).
أخي الحبيب:
يكفي من الدنيا أنها مزرعة الآخرة، وأنها موسم العبادات وزمن الطاعات، فيها نتزود للآخرة.. ونسير مرحلة إلى الآجلة.
لا تتبع الدنيا وأيامها




ذمًا وإن دارت بك الدائرة



من شرف الدنيا ومن فضلها




أن بها تستدرك الآخرة([60])



قال الفضيل -رحمه الله-: جعل الله الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت مفتاحه الزهد في الدنيا([61]).
أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟
قال عبد الله بن داود: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه، أي كان لا ينام طول الليل، يصلي ويسبح ويستغفر.. يستدرك ما مضى من عمره ويستعد لما أقبل من أيامه.
إن لله رجالاً فطنا




طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا



نظروا فيها فلما علموا




أنها ليست لحي وطنا



جعلوا لجة واتخذوا




صالح الأعمال فيها سفنا



كان عبد الله بن ثعلبة يقول في موعظته: تضحك يا هذا ولعل أكفانك عند القصار!!([62]).
يا راقدًا وقد أوذن بالرحيل، يا مشيد البنيان في مدارج السيول، بادر العمل قبل انقضاء العمر.. لا تنس من يعد الأنفاس للقائك.
أخي الحبيب:
خذ من الرزق ما كفا




ومن العيش ما صفا



كل هذا سينقضي




كسراج إذا انطفا



قال يحيى بن معاذ: الدنيا ذات اشتغال، والآخرة دار أهوال، ولا يزال العبد بين الأشغال والأهوال حتى يستقر به القرار، إما إلى جنة وإما إلى نار([63]).
أخي المسلم:
من بذل وسعه في التفكر التام، علم أن هذه الدار رحلة، فجمع للسفر رحله، ويعلم أن مبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطون الأمهات، ثم إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى الحشر، ثم إلى دار الإقامة الأبدية، فدار الإقامة هي دار السلام من جميع الآفات، وهي دار الخلود، والعدو سبانا إلى دار الدنيا، فنجتهد في فكاك أسرنا، ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى. وليعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير ويقطع بالأنفاس، ويسير بالإنسان سير السفينة ولا يحس بسيرها وهو جالس فيها.
ولا بد له في سفره من زاد، ولا زاد إلى الآخرة إلا التقوى، فلا بد من تعب الشخص والتصبر على مرارة التقوى، لئلا يقول وقت السير: رب ارجعون، فيقال: كلا، فلينتبه الغافل من كسل مسيره، فإن الله تعالى يريه في قطع مسافة سفره آيات يرسلها تخويفًا لعباده، لئلا يميلوا عن طريقهم المستقيم، ونهجهم القويم، فمن مالت به راحلته عن طريق الاستقامة، فرأى ما يخاف منه، فليرغب إلى الله بالرجوع إليه عما ارتكبه من السبل، فيتوب من معصيته([64]).
والحال في الدنيا كما وصفها الربيع بن خثيم عندما سئل: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا([65]).
وكان شميط بن عجلان يقول إذا وصف أهل الدنيا: حيارى سكارى، فارسهم يركض، وراجلهم يسعى سعيًا، لا غنيهم ولا فقيرهم يقنع([66]).
أخي:
خذ القناعة من دنياك وارض بها




لو لم يكن لك فيها إلا راحة البدن



ومن استعد للقاء الله، واستثمر أوقاته فيما يعود عليه نفعها في الآخرة؛ فإنه سيفرح يوم لا ينفع مال ولا بنون.. يوم تتطاير الصحف، وترتجف القلوب، وتتقلب الأفئدة.. وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.. ولكن عذاب الله شديد.
قال أنس بن عياض: رأيت صفوان بن سليم.. لو قيل له غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة([67]).
هؤلاء قوم جاهدوا أنفسهم.. وتفكروا في آخرتهم.. واستعدوا لمعادهم.
إذا ما عدت النفس




عن الحق زجرناها



وإن مالت إلى الدنيا




عن الأخرى منعناها



تخادعنا ونخدعها




وبالصبر غلبناها([68])



قال محمد بن الحنفية: كل ما لا يبتغى به وجه الله يضمحل([69]).
فمن أراد الدنيا للدنيا انقطعت عنه مع أنفاسه الأخيرة.. وولت هاربة عنه في لحظاته الرهيبة.. ومن أراد الدنيا طريقًا إلى الآخرة وسبلاً إلى جنة عرضها السموات والأرض، فحسبه ما طرق.. وسبيله إلى دار السلام برحمة من الله ورضوان.
وأهل الطاعة والصلاح قوم مثلنا يحبون الدنيا وزينتها، ولكنهم قدموا باقية على فانية، فسهل الله لهم الطريق وأذل لهم الصعاب.
صبرت على اللذات لما تولت




وألزمت نفسي صبرها فاستمرت



وكانت على الأيام نفس عزيرة




فلما رأت عزمي على الذل ذلت



فقلت لها يا نفس موتي كريمة




فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت



خليلي لا والله ما من مصيبة




تمر على الأيام إلا تجلت



وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى




فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت([70])



قال رجل للفضيل بن عياض: كيف أصبحت يا أبا علي؟ فكان يثقل عليه، كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟! فقال: في عافية، فقال: كيف حالك؟ فقال: على أي حال تسأل؟ عن حال الدنيا أو حال الآخرة؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا فإن الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب، وإن كنت تسأل عن حال الآخرة فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف عمله، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده، ولم يتأهب للموت، ولم يخضع للموت، ولم يتشمر للموت، ولم يتزين للموت... وتزين للدنيا([71]).

([1]) الإحياء باختصار: 3/216.

([2]) مختصر منهاج القاصدين: 211.

([3]) تزكية النفوس: 129.

([4]) بستان العارفين: 17.

([5]) الحسن البصري: 47.

([6]) شذرات الذهب: 20/10.

([7]) تاريخ عمر: 26.

([8]) الزهد لأحمد: 230.

([9]) مدارج السالكين: 2/11.

([10]) جامع العلوم: 3780.

([11]) تزكية النفوس: 128.

([12]) الزهد للبيهقي: 116.

([13]) شرح الصدور: 13.

([14]) العاقبة: 69.

([15]) شذرات الذهب: 6/231.

([16]) صيد الخاطر: 25.

([17]) السير: 5/366.

([18]) جامع العلوم: 379.

([19]) شذرات الذهب: 2/119.

([20]) المنتخب: 401.

([21]) السير: 5/91.

([22]) الزهد، لابن المبارك: 189.

([23]) شذرات الذهب: 1/304.

([24]) وفيات الأعيان: 3/310.

([25]) الفوائد: 127.

([26]) حلية الأولياء: 7/37.

([27]) صفة الصفوة: 3/101.

([28]) عدة الصابرين: 329.

([29]) مكاشفة القلوب: 329.

([30]) الإحياء: 3/221.

([31]) الإحياء: 3/224.

([32]) الإحياء: 2/344.

([33]) الفوائد: 68.

([34]) شذرات الذهب: 3/388.

([35]) صفة الصفوة: 3/320.

([36]) الفوائد: 152.

([37]) البداية والنهاية: 9/283.

([38]) التبصرة: 1/49.

([39]) شذرات الذهب: 6/349.

([40]) جامع العلوم والحكم: 379.

([41]) الشافعي: 54.

([42]) الزهد: للحسن البصري.

([43]) صفة الصفوة: 4/65.

([44]) صفة الصفوة: 2/158.

([45]) الزهد: للبيهقي 317.

([46]) تزكية النفوس: 128.

([47]) الزهر الفائح: 42.

([48]) تاريخ بغداد: 10/367.

([49]) الإحياء: 4/ 170.

([50]) جنة الرضا: 2/260.

([51]) السير: 8/ 427.

([52]) جامع العلوم والحكم: 381.

([53]) الإحياء: 4/ 131.

([54]) السير: 8/ 426.

([55]) الفوائد: 153.

([56]) تاريخ بغداد: 14/444.

([57]) طبقات الشافعية: 6/78.

([58]) العاقبة: 89.

([59]) جامع العلوم والحكم: 429.الحديث رواه أحمد والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح [تحفة الأحوذي 6/1615] وقال الشيخ الألباني، صحيح.

([60]) أدب الدنيا والدين: 134.

([61]) الإحياء: 4/257.

([62]) العاقبة: 88.

([63]) الزهد: للبيهقي، 248.

([64]) عدة الصابرين: 330.

([65]) صفة الصفوة: 3/67.

([66]) صفة الصفوة: 3/ 346.

([67]) حلية الأولياء: 3/ 159.

([68]) صفة الصفوة: 4/ 114.

([69]) حلية الأولياء: 3/176.

([70]) شذرات الذهب: 2/364.

([71]) حلية الأولياء: 8/86.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-11
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الدنيا ظل زائل

وحال الكثير منا يصفه عوف بن عبد الله حينما قال: إن من كان قبلكم كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم([1]).
وما نراه اليوم من بذل الأوقات والجهد والأخذ والعطاء والتدقيق والتمحيص لأجل الدنيا لوجدنا العجب... حتى إن البعض لو أراد شراء حاجة حقيرة أشغل نفسه أيامًا عديدة، وأضاع من أوقاته ساعات ثمينة... ولو رأيته في المسجد لرأيت نقر الصلاة وعدم الاهتمام بركوعها وسجودها.. بل ومسابقة الإمام.. يؤديها بغير خشوع.. ولا ترى منه الدموع.
فالكثير من الناس مهموم مغموم في أمور الدنيا، ولا يتحرك له طرف إذا فاتته مواسم الخيرات أو ساعات تحري الإجابات.. تراه لاهيًا، ساهيًا.. شاردًا.. يجمع ويطرح، ويزيد وينقص.. وكأن يومه الذي يمر به سيعود إليه.. أو شهره الذي مضى سيرجع إليه؟!
قال بندار يتحدث عن يحيى بن سعيد: اختلفت إليه عشرين سنة، فما أظن أنه عصي الله قط([2]).
أخي المسلم:
اصبر على مضض الإدلاج بالسحر




وفي الرواح على الطاعات والبكر



لا تضجرن ولا يعجزك مطلبها




فالهم يتلف بين اليأس والضجر



إني رأيت في الأيام تجربة




للصبر عاقبة محمودة الأثر



وقل من جد في أمر يطلبه




واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر([3])



قال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم.. طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها، والدنيا قد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها .. فاعقل شأنك.
أخي الحبيب:
من العجب كل العجب أن العبد يصدق بدار الخلود، وهو يسعى لدار الغرور، فمن أحبه الله حماه عن الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه عن الماء، وقد ورد في الحديث مرفوعًا: «إن الله لم يخلق خلقًا أبغض إليه من الدنيا، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها».
وقيل لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين صف لنا الدنيا؟
قال: وما أصف لكم من دار: من صح فيها أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها النار.
وقد وصف الدنيا يونس بن عبيد فقال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم، فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذ انتبه([4]).
وكان شميط بن عجلان يقول: إنسانان معذبان في الدنيا: غني أعطي دنيا فهو بها مشغول، وفقير زويت عنه فهو يتبعها نفسه، فنفسه تقطع عليها حسرات([5]).
وحين ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب قال: الدنيا دار صدق لمن صادقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها([6]).
وكثير يذم الدنيا وأنها السبب في الطغيان والبعد عن الطاعة.. وما علم أنها دار للاستزادة .. بها الطريق إلى الجنة يبنى.. وبها التزود من الدرجات العلا.. ولكن:
يعيب الناس كلهم الزمان




وما لزماننا عيب سوانا



نعيب زماننا والعيب فينا




فلو نطق الزمان به رمانا([7])



قال الأوزاعي يعظ الناس: تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة؛ التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء (الإقامة) فيها قليل، وأنتم فيها مؤجلون، خلائف بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا آنقها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارًا وأمد أجساما، وأعظم آثارًا، فجرودا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد مؤثرين ببطش شديد: وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طويت مدتهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنست ذكراهم، فما تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزًا([8]). كانوا بلهو الأمل آمنين، لبيان قوم غافلين ولصباح قوم نادمين([9]).
أخي الحبيب:
لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:
النظر الأول:
النظر في الدنيا وسرعة: زوالها، وفنائها، واضمحلالها، ونقصها، وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها.
النظر الثاني:
النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا، فهي كما قال سبحانه: }وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى{ فهي خيرات كاملة دائمة([10]).
ألا كل شيء ما خلا الله باطل




وكل نعيم لا محالة زائل



إلا نعيم الجنة؛ جعلنا الله من أهله وممن يتفيأ ظلالها عن اليمين وعن الشمال.
أخي المسلم:
كان فخر الدولة علي بن ركن (من ملوك بني بويه) يقول: جمعت لولدي ما يكفيهم، ويكفي عسكرهم خمس عشرة سنة، وتوفي في قلعة بالري، وكانت مفاتيح خزائنها مع ولده، ولم يحضر، فلم يوجد له كفن، فابتيع من قيم الجامع الذي تحت القلعة ثوب خلف فيه، واختلف الجند فاشتغلوا عنه حتى أراح، فلم يمكنهم القرب منه، فشد بالحبال، جر على درج القلعة من بعد حتى تقطع، وكان قد ترك ألفي ألف دينار، وثمانمائة وخمسة وستين ألفًا، وكان في خزائنه من الجوهر والياقوت واللؤلؤ والبلخش والماس أربعة عشر ألفًا وخمسمائة قطعة قيمتها ألف ألف دينار، ومن أواني الفضة ما وزنه ثلاث ألاف ألف، ومن الأثاث ثلاثة آلاف حمل، ومن السلام ألف حمل، ومن الفرش ألفان وخمسمائة حمل([11]).
سبحان الله العظيم في تدبيره وفي تصريفه.. ملك يملك تلك الأموال، ولا يجد له كفن فيكفن بقيمة ما ابتيع من قيم الجامع.
ملك الأموال والفرش والدور والقصور ولم يوجد له كفن يكفن فيه..؟!
حالي مع الدهر في تقلبه




كطائر ضم رجليه شرك



همته في فكاك مهجته




يروم تخليصها فتشتبك([12])



قال أبو الدرداء: من لم يكن غنيًا عن الدنيا فلا دنيا له([13]).
وقال الحسن -رحمه الله- يصف الدنيا: نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، ذلك أنه عمل قليلاً وأخذ زادًا منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار([14]).
يا من تمتع بالدنيا وبهجتها




ولا تنام عن اللذات عيناه



أفنيت عمرك فيما لست تدركه




تقول لله ماذا حين تلقاه([15])



وحال المؤمن في هذه الدنيا حال عسيرة.. فهو في جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة.
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله عز وجل([16]).
أخي المسلم: هذه الدنيا
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها




وإن تجتذبها نازعتك كلابها([17])



قال ابن مسعود: ما أحد أصبح في الدنيا إلا وهو ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مردودة.
وما هذه الأيام إلا مراحل




يحث بها داع إلى الموت قاصد



وأعجب شيء لو تأملت أنها




منازل تطوى والمسافر قاعد



نداء أخي الكريم من أبي حازم سلمة بن دينار: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير([18]).
فإن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب.. هناك عندما تشرق شمس الآخرة حساب بلا عمل، وهنا حيث شمس الدنيا عمل بلا حساب.. فلنكثر من العمل قبل انقطاعه ونستفيد من الأمر قبل انقضائه.. ونستعد للحساب قبل سؤاله.
إنما الدنيا وإن سرت




قليل من قليل



ليس تعدو أن تبدي




لك في زي جميل



ثم ترميك من المأ




من بالخطب الجليل



إنما العيش جوار الله




في ظل ظليل([19])



وحال السلف في هذه الدنيا خير حال.. فلم ينظروا إلى زخرفها ومتعها ودورها وقصورها.. فهذا عمر بن الخطاب يعتلي المنبر، ويخطب في الناس، وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة.
الخليفة الثاني هذا هو على المنبر.. لو تمزق ثوب أحدنا لما ذهب إلى المسجد وتخلف عن صلاة الجماعة .. بل الكثير يترك صلاة الجماعة لأوهى الأعذار..
ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه: اعبروها ولا تعمروها، وروي أنه قال: من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا([20]).
لنسير مع مسروق بن الأجدع وقد أخذ بيد ابن أخ له فارتقى به على كناسة بالكوفة فقال: ألا أريك الدنيا، هذه الدنيا، أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم([21]).
وقال الحسن يصف حال الأخيار والصالحين: رحم الله أقوامًا كانت الدنيا عندهم وديعة، فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافًا([22]).
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت




أقلب كفي أثرة متندمًا([23])



أخي الحبيب: هذه الدنيا التي نحب؟ ما نهايتها؟ وهذه الأموال التي نجمع أين مصيرها؟
كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام، والسلام.
وانظر -أخي الحبيب- إلى ما فات من عمرك إنه كأضغاث أحلام ... سنوات مرت كلمح البصر ذهبت بأفراحها وأحزانها.. وحلوها ومرها.. ولكن -أخي- بقي الحساب!!
لا تغبطن أخا الدنيا لزخرفها




ولا للذة وقت عجلت فرحًا



فالدهر أسرع شيء في تقلبه




وفعله بين للخلق قد وضحا



كم شارب عسلاً فيه منيته




وكم تقلد سيفًا من به ذبحا([24])



قال ضرار بن مرة: قال إبليس، إذا استمكنت من ابن آدم ثلاثًا أصبت منه حاجتي: إذا نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه([25]).
قال بعض السلف: احذروا دار الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت، فإنهما يفرقان بين المرء وزوجه، والدنيا تفرق بين العبد وربه([26]).
عنت الدنيا لطالبها




واستراح الزاهد الفطن



كل ملك نال زخرفها




حسبه مما حوى كفن



يقتني مالاً ويتركه




في كلا الحالين مفتتن([27])



حالنا كما يراه أبو الدرداء رضي الله عنه بقوله: ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحًا مسرورًا، والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا يحزنه ذلك، ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص([28]).
الكثير يحملهم طلب الدنيا على الهم والغم وتكدر العيش، ولم نر إلا القليل يحزن لذهاب عمره ودنو أجله.
ينسى الكثير سنوات عمره التي مضت، وأيامه التي انقضت، ولا ينسى شيئًا من أمور الدنيا.. كأن الهدف جمع الدنيا
والتفرغ لها.

تفكرت في الدنيا فأبصرت رشدها




وذلك بالتقوى من الله حدها



أسأت بها ظنًا فأخلفت وعدها




وأصبحت مولاها وقد كنت عبدها([29])



هذا صوت يأخذه العجب من عدم توازن الأمور.. هذا يحيى بن معاذ يقول: عجبت ممن يحزن عن نقصان ماله!! كيف لا يحزن على نقصان عمره؟!
لم نر ولم نسمع عمن بات مهمومًا مغمومًا من نقصان عمره.. وذهاب أوقاته.. ولكننا نرى الكثير مهمومًا مغمومًا من نقصان ماله!! أين هو عن تبدل المنازل بعد فترة يسيرة؟ أين هو عن الحساب والجزاء؟!
من كان يوحشه تبديل منزله




وأن يبدل منها منزلاً حسنا



ماذا يقول إذا ضمت جوانبها




عليه واجتمعت من هاهنا وهنا



ماذا يقول إذا أمسى بحفرته




فردًا وقد فارق الأهلين والسكنا



هنالك يعلم قدر الوحشتين وما




يلقاه من بات باللذات مرتهنا



أخي الحبيب:
يا غفلة ورماح الموت شارعة




والشيب ألقى برأسي نحوه الرسنا



ولم أعد مكانًا للنزول ولا




أعددت زادًا ولكن غرة وقنى([30])



من درر الكلام ونفيسه قول الحسن -رضي الله عنه-: من كثر ماله، كثرت ذنوبه، ومن كثر كلامه كثر كذبه. ومن ساء خلقه، عذب نفسه([31]).
أخي الحبيب: نجمع المال لندرك السعادة.. ونبني القصور لنسكن الأنس في قلوبنا.. ونسافر لننسى أحزاننا.. نسير في كل الطرق.. وننفق ما في أيدينا لنستمتع بالسعادة .. ولكن هل هذه هي السعادة.
هناك من طرق هذه الأبواب قبلنا، وجرب هذه الدروب معنا.. ولكن الجميع يتفق على أن السعادة في طاعة الله والقرب منه، والعمل لدار سعادة لا شقاء فيها ولنعيم لا زوال عنه.
وما الدهر والأيام إلا كما ترى




رزية مال أو فراق حبيب



وإن امرءًا قد جرب الدهر ولم يخف




تقلب حاليه لغير لبيب([32])



قال وهب بن منبه: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى([33]).
والحال -رحمنا الله- قال عنها الحسن البصري: عجبت لأقوام أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وهم يلعبون!!
أخي المسلم: ما هو القياس في هذه الدنيا.. وبماذا توزن الأمور.. هذا علي بن أبي طالب يقول: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنوبًا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى كيف يقل ما يتقبل([34]).
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى




وللمشتري دنياه بالدين أعجب



وأعجب من هذين من باع دينه




بدنيا سواه فهو من ذين أخيب([35])



ومن أتته الدنيا بخيلها ورجلها وأقبلت إليه بأصفرها وأبيضها.. عليه أن يدرك قول الحسن: والله ما أحد من الناس بسط له دنياه، ولم يخف أن يكون مكر به فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه، وما أمسكها الله عن عبد مسلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه([36]).

أخي الحبيب:
اعلم أن أيام الدنيا كأحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا أو أيامًا ساءت أشهرًا وأعوامًا، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما حصلت للعبد فيها سرورًا إلا خبأت له أضعاف ذلك شرورًا.
قالت: هند بنت النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكًا، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أذل الناس، وأنه حق على الله - عز وجل - أن لا يملأ دارًا حبرة إلا ملأت عبرة.
وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا.
وبكت أختها حرقة بنت النعمان يومًا وهي في عزها، فقيل لها: ما يبكيك؟ فذكر أنها قالت: رأيت كثرة أهلي وسرورهم، وقلما امتلأت دار سرورًا إلا امتلأت حزنًا، قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يومًا، فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس، إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في حبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وأن الدهر لم يظهر بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه([37]).
سل الأيام ما فعلت بكسرى




وقيصر والقصور وساكنيها



أما استدعتهم للبين طرًا




فلم تدع الحليم ولا السفيها([38])



خطب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فقال: يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر، إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى، إنما خلقتكم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون. عباد الله. إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص، وعن شرابكم شرق، لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعلموا لما أنتم صارون إليه وخالدون فيه، ثم غلبه البكاء([39]).
إن كنت نلت من الحياة وطيبها




مع حسن وجهك عفة وشبابًا



فاحذر لنفسك أن ترى متمنيًا




يوم القيامة أن تكون ترابا([40])



أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟!
قال الحسن: والذي نفسي بيده، لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه([41]).
رحم الله الحسن.. هذا قوله في زمانه، فماذا لو رأى زماننا، وكيف تكالب الناس على الدنيا لقد قطعت الأرحام، وتباعد الأخوان، وغدًا حديث الناس عن أموال فلان .. وما جمع فلان!!
بل إن هناك مجالس عامرة بحديث الدنيا وأموالها .. لا يذكر فيها اسم الله ولا يتورع فيها عن الغيبة وأكل السحت والحرام.
بل سل حديث المجالس عن أرحام تقطعت ووشائج انفصلت بسبب الدنيا.. حديث طويل.. فهذا لم ير أخاه منذ عشر سنوات بسبب حفنة من مال، وذاك لم يردعه دين أو خوف من الله عن أكل أموال الأيتام وآخر همه مصروف كيف يحصل على الأرض الفلانية؟ ولو بالكذب والحلف بالزور.
تناسى الجميع حفرة ضيقة .. وأهوالاًَ مقبلة..!!
قال الحسن -رحمه الله تعالى-: يا عجبًا من ضاحك ومن ورائه النار، ومن مسرور ومن ورائه الموت([42]).
أخي .. ألا عودة من قريب..
تمر الليالي والحوادث تنقضي




كأضغاث أحلام ونحن رقود



وأعجب من ذا أنها كل ساعة




تجد بنا سيرًا ونحن قعود



والسؤال يروح ويغدو على ألسنتا.. ألا نعمل لهذه الدنيا؟! بلى يا أخي! اعمل وجد فإن الإسلام دين العمل.. ولكن تنبه لوصية تالية..
قال رجل لسفيان الثوري: أوصني؟ قال: اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، والسلام([43]).
قارن أخي بين مدة البقاء في هذه الدنيا وبين الخلود في الدار الآخرة.. أعمار -أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- ما بين الستين والسبعين.. هذا لمن لم يدركه الموت قبل.. ولكن لنرى يومًا واحدًا من أيام الآخرة كم طوله }وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ{.
أخي.. ها هي مدة البقاء. قياس بسيط.. اعمل للآخرة.. وللدنيا.. جعلني الله وإياك ممن كان في طاعة الله فبلغه برحمته جنات عدن.. وهيأ لنا من التوفيق ما نصل به إلى رضوانه.
أخي الحبيب:
من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله([44]).
ولننظر أخي إلى مكانتنا من الله، وبماذا استعملنا؟ إن كان في طاعته وعبادته فتلك والله النجاة، وإن كان غير ذلك فالتوبة من قريب.. ألا نستحي من إلهنا وخالقنا ورازقنا، من أحسن صورنا، وسخر لنا النعم ظاهرة وباطنة.
يعيش المرء ما استحيا بخير




ويبقى العود ما بقي اللحاء



فلا والله ما في العيش خير




ولا الدنيا إذا ذهب الحياء



إذا لم تخش عاقبة الليالي




ولم تستح فاصنع ما تشاء



قال شداد بن عمرو: إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له، ولا تعدوا هذه الدنيا شيئًا فإنها لا تبقي على أحد، ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
والمرء ما عاش في الدنيا له أمل




إذا انقضى سفر منها أتى سفر



لها حلاوة عيش غير دائمة




وفي العواقب منها المر والصبر([45])



قال عبيد بن عمير يحذرنا من كثرة الدنيا وحسرة إقبالها: ما كثر مال عبد إلا اشتد حسابه، ولا أكثر أتباعه إلا كثر شياطينه، ولا زاد من السلطان قربًا إلا زاد من الله بعدًا.
ومن هذا الخوف كان مسروق يقول: إنما تحفة المؤمن حفرته.
أخي الحبيب:
جعل الله الدنيا عرضًا عاجلاً ومتاع غرور، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب، وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها، كما قال تعالى: }زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ
وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ
{
[آل عمران: 14].

فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها، وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة، هو سبعة أشياء: النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة، والبنين اللذان بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه، والذهب والفضة اللذان هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها، والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم، وحصونهم. وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم، والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم، وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم، والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم، وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك.
ثم أخبر سبحانه أن ذلك متاع كله: متاع الحياة الدنيا، ثم شوق عباده إلى متاع الآخرة، وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى، فقال: }قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ{ [آل عمران: 15].
ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع، ومن هم أهله الذين هم أولى به، فقال: }الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ{ [آل عمران: 16-17]([46]).
أخي المسلم: لنتأمل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويل لمن كانت الدنيا أمله والخطايا عمله، عظيم بطنته، قليل فطنته، عالم بأمر دنياه، جاهل بأمر آخرته([47]).
وكتب عمر إلى أبي موسى: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا.
أخي:
دع الحرص على الدنيا




وفي العيش فلا تطمع



فلا تجمع من المال




فما تدري لمن تجمع



فإن الرزق مقسوم




وسوء الظن لا ينفع



فقير كل ذي حرص




وغني كل من يقنع([48])



روي عن أبي حازم أنه قال: لو كانت الدنيا لا يدخلها أحد إلا بترك جميع ما يحب من الدنيا لكان يسيرًا في جانبها، فكيف وقد تدخل الجنة بترك جزء من ألف جزء مما تحب، وقد تنجو من النار بتحمل جزء من ألف جزء مما تكره([49]).
أخي الحبيب: درر من الحكم تنثر.. ولكن تبقى الهمة العالية.. والمسارعة المستمرة. ويبقى دومًا تذكر يوم المعاد.
قال الفضيل بن عياض: رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة([50]).
قد نادت الدنيا على نفسها




لو كان في العالم من يسمع



كم واثق بالعمر أنفيته




وجامع بددت ما يجمع([51])



ولنتأمل في قول الحسن -رضي الله عنه-: إن أيسر الناس حسابًا يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم لله في الدنيا، فوقفوا عند همومهم وأعمالهم؛ فإن كان الذي هموا به لله، مضوا فيه، وإن كان عليها أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا، أخذوها على غير محاسبة، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر، ثم قرأ: }يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا{ [الكهف: 49].
ومن تأمل في مزرعة الدنيا ووقت الحصاد رأى أن الأمر جد لا هزل فيه، وتشمير لا هوادة فيه. فمن قدم بين يديه اليوم رآه غدًا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.. يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت.. وتضع كل ذات حمل حملها.. يوم تتطاير فيه الصحف.
قال سلمان بن دينار: ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم. وما كرهت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم([52]).
فهذه الدنيا دار العمل، وغدًا هناك حين تغيب شمس الدنيا، ويشرق يوم القيامة، هناك دار الحساب والجزاء، فعلينا أن نجزم الأمر ونعد العدة.
أخي الحبيب: هذا يحيى بن معاذ في وصيته يقول: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك:
وكن في الدنيا عابر سبيل نرى الرحيل أسرع من البقاء والنقلة أسرع من المهلة.
قال شميط بن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها([53]).
يا غافلاً وله في الدهر موعظة




إن كنت في سنة فالدهر يقظان([54])



قال محمد بن سوقة: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما العذاب، أحدنا يزداد في دنياه فيفرح فرحًا، ما علم الله منه قط أنه فرح بشيء قط زيد في دينه مثله، وأحدنا ينقص من دنياه فيحزن حزنًا ما علم الله منه قط أنه حزن على شيء نقصه من دينه مثله([55]).
وحالنا اليوم هم وغم وتكدر عيش إذا غلبنا في دريهمات أو نقص من مالنا شيء يسير.. ولا نغتم ولا نحزن بفوت صلاة الجماعة عنا؛ بل الأمر لا يعدو تحريك الرءوس ونسيان الأمر.
قال محمد بن واسع: إذا رأيت في الجنة رجلاً يبكي ألست تعجب من بكائه؟ قيل: بلى، قال: فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه!!([56]).
وحال الكثير اليوم ينطبق عليه قول سعيد بن مسعود: إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته وهو به راض، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر([57]).
أخي الحبيب:
تزود من الدنيا فإنك لا تدري




إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر



فكم من فتى أضحى وأمسى ضاحكًا




وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري



وكم من صغار يرتجى طول عمرهم




وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر



وكم من عروس زينوها لزوجها




وقد قبضت أرواحهم ليلة العرس



ها هي الدنيا دار أماني وغرور فاحذرها، فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصوفها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما ميتة قاضية([58]).
وقد أصاب أبو هريرة في وصف حالنا بقوله: ما صدقتكم أنفسكم؛ تأملون ما لا تبلغون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون.
وحال الكثير اليوم: جمع ما لا يأكل، وبني ما لا يسكن.. وحتى إن أكل وسكن سنوات معدودة وأزمنة محدودة.
قال أبو حازم: إن عوفينا من شر ما أعطينا؛ لم يضرنا فقد ما زوي عنا([59]).
هي القناعة لا تبغي بها بديلاً




فيها النعيم وفيها راحة البدن



انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها




هل راح منها بغير القطن والكفن([60])



قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق الكسب عليَّ وأنا شاب، فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب. فكثيرًا ما رأيت القليل عاد سليمًا، قال أبو محرز: ما زلت أعرف بركة كلامها في قنوعي.
أخي الحبيب:
كل من لاقيت يشكو دهره




ليت شعري هذه الدنيا لمن؟!([61])



هل رأيت أخي غير ذلك؟! ولكن القناعة: مكسب وعز، والنفس خير مركب..
وقد قال شعيب بن حرب: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل، ومن تهيأ للذل، أطلق عنانه، ولم يمسك بلجامه.. يتساوى لديه: الحلال والحرام، والرد والصد.. يجري خلف المادة، ويلهث وراء الدنيا.. وكان أبو حازم يرى هذا الجري وذاك اللهث، فقال: لوددت أن أحدكم يتقي على دينه، كما يتقي على نعله.
يا غاديًا في غفلة ورائحًا




إلى متى تستحسن القبائحا



وكم إلى كم لا تخاف موقفًا




يستنطق الله به الجوارحا



واعجبًا منك وأنت مبصر




كيف تجنبت الطريق الواضحا



وكيف ترضى أن تكون خاسرًا




يوم يفوز من كان رابحًا



أخي الحبيب:
إن رب الأرباب ومسبب الأسباب جعل الآخرة: دار الثواب والعقاب، والدنيا: دار التحمل والاضطراب والتشمر والاكتساب، وليس التشمر في الدنيا مقصورًا على المعاد دون المعاش، بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه، فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها([62]).
قال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له بها، والدنيا -أخي- قد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها، فاعقل شأنك([63]).
وقد فصل رحمه الله في طلب الدنيا وتركها، فقال: ترك الدنيا شديد، وترك الجنة أشد منها، وإن مهر الجنة ترك الدنيا([64]).
فهل قدمنا -أخي- هذا المهر؟! بل نحن لاهون ساهون في هذه الدنيا؛ ونحن نعلم أن وراء كل فرح حزنًا، ووراء كل نعيم كدرًا.
قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا([65]).
وكان مسعر بن كدام يكثر أن يتمثل بهذه الأبيات في جنازة:
ويحدث روعات لدي كل فزعة




ونسرع نسيانًا ولم يأتنا أمن



فإنا ولا كفران لله ربنا




كما البدن لا تدري مني يومها البدن([66])



قال بعض السلف: ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة، فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا([67]).
وكيف يلذ العيش من هو عالم




بأن إله الخلق لا بد سائله



فيأخذ منه ظلمة لعباده




ويجزيه بالخير الذي هو فاعله([68])



وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن الدنيا: دار ظعن، وليست بدار إقامة، وإنما أنزل آدم إليها عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها والغنى منها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزّها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن كالمداوي جراحته، يحتمي قليلاً، مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء، مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة، الحيالة الخداعة، التي زينت بخدعها وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشرفت لخطابها، فأصبحت كالروس المجلية، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر على الأول مزدجر، ولا العارف بالله - عز وجل - حين أخبر عنها مدكر، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته، فاغتبر، وطغى، ونسي المعاد، فشغل فيها لبه حتى زالت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسر ما تكون فيها؛ احذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور، أشخصه إلى مكروه، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر، ولقد عرضت على نبيك محمد r بمفاتيحها وخزائنها، فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختبارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا، وجاءت الرواية أنه تبارك وتعالى قال لموسى عليه السلام: «إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحبًا بشعار الصالحين»([69]).
أخي الحبيب:
لو كنت رائد قوم ظاعنين إلى




دنياك هذي لما ألفيت كذابًا



لقلت تلك بلاء نبتها سقم




وماؤها العذب سم للفتى ذابا([70])



أخي: والدنيا تطوي من أمامك.. وشمس الآخرة تقيل عليك.. ماذا حالك؟!
وكيف ترى الأمر؟!
لنرى حال سلمان رضي الله عنه عندما احتضر فبكى، قيل له: ما يبكيك؟ وأنت صاحب رسول الله r قال: ما أبكي أسفًا على الدنيا، ولا رغبة فيها، ولكن رسول الله r عهد إلينا عهدًا، فتركنا ما عهد إلينا، أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب، ثم نظر فيما ترك، فإذا قيمة ما ترك بضع وعشرون درهمًا أو بضع وثلاثون درهمًا([71]).
الدنيا سراب ممتد وليل مظلم.. طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا([72]).
فإنه لا حد لها ولا منتهى إلا بالقناعة والزهد والرضى بما قسم الله.. والاستفادة من مرور الليالي والأيام في طاعة الله جل وعلا.
قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا، ولم يذوقوا أطيب شيء فيها. قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى([73]).
وانظر -أخي الحبيب- في حال المحتضرين من الصالحين ترى الهدوء والسكينة على النفوس المطمئنة، وترى غير ذلك على أصحاب الحرام، اللاهثين وراء الحطام وزخرف الدنيا.
العبد ذو ضجر والرب ذو قدر




والدهر ذو دول والرزق مقسوم



والخير أجمع فيما اختار خالقنا




وفي اختيار سواه اللوم والشوم



قال أبو الدرداء: لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها: لولا إخوة يأتوني ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، أو أعفر وجهي ساجدًا لله -عز وجل- أو غدوة أو روحة في سبيل الله -عز وجل-([74]).
هذه الرغبة الصادقة فيما عند الله .. وهذه هي الاستفادة الكاملة من الأوقات وتلك والله الأمنيات الخيرة.
قال وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على الناس على ما فاتك منها، ولا تفرح بما آتاك منها([75]).
أخي الحبيب:
إنما الدنيا إذا فكرت فيها: ثلاثة أيام، يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموت قبله، وليكن سعيك في دنياك لآخرتك، فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد المشقة([76]).
وليكن طلبك الدنيا اضطرارًا، وتذكرك في الأمور اعتبارًا، وسعيك لمعادك ابتدارًا، فاعمل عمل المرتحل، فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك([77]).
قال الحسن -رحمه الله-: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب([78]).
صاحب الدنيا الذي يعظمه البعض - حتى وإن كان تاركًا للصلاة ويوسع له في المجلس لننظر إلى الحسن رحمه الله- كان إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من شرها ولا تبعتها ولا حسابها، ولقد أخرج منها في خرق([79]).
وكتب علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس: أما بعد فإن المرء يسوءه فوت ما لم يكن يدركه، ويسره درك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما قلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحًا، وليكن همك فيما بعد الموت.
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره




ونال من الدنيا سرور وأنعما



كبانٍ بنى بنيانه فأقامه




فلما استوى ما قد بناه تهدما([80])



أخي الحبيب: يقال: غم الأحياء خمسة أشياء، ينبغي للإنسان أن يكون غمه في هذه الخمسة:
أولها: غم الذنوب الماضية، لأنه قد أذنب ذنبًا، ولم يتبين له العفو، فينبغي أن يكون مغمومًا بها مشغولاً بها.
الثاني: أنه قد عمل الحسنات، ولم يتبين له القبول.
الثالث: قد علم حياته فيما مضى كيف مضت؟ ولا يدري كيف يكون الباقي.
الرابع: قد علم أن لله تعالى دارين، ولا يدري إلى أية دار به يصير.
الخامس: لا يدري أن الله تعالى راض عنه أم ساخط عليه.
فمن كان غمه في هذه الأشياء الخمسة في حياته فإنه يمنعه من الضحك([81]).
قال إبراهيم التيمي: كم بينكم وبين القوم؟ أقبلت عليهم الدنيا فهربوا. وأدبرت عنكم فاتبعتوها([82])([83]).
كأنك لم تسمع بأخبار من مضى




ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر



فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم




محاها مجال الريح بعدك والقطر



على ذاك مروا أجمعون وهكذا




يمرون حتى يستردهم الحشر



فحتى متى لا تصحو وقد قرب المدى




وحتى متى لا ينجاب عن قلبك السكر



بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا




وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر



قام أبو ذر الغفاري: عند الكعبة فقال: يا أيها الناس أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى، قال: فإن سفر طريق يوم القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديدًا حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها، اجعل الدنيا مجلسين، مجلسًا في طلب الحلال، ومجلسًا في طلب الآخرة، الثالث: يضرك ولا ينفعك لا ترده. اجعل المال درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك.
أخي المسلم:
انظر إلى من حوى الدنيا وزينتها




هل راح منها بغير الكسب والكفن



ها هو الحسن البصري: في تباين واضح بين حالنا وحالهم.. يقول: أدركت أقوامًا وصحبت طوائف، ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يقبلون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب ولم ينصب له قدر، ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئًا، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط. فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، ينجاون ربهم في فكاك رقابهم، كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسأله الله أن يغفرها لهم، فلم يزالوا على ذلك. والله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا من الذنوب إلا بالمغفرة -رحمة الله عليهم ورضوانه-([84]).
أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟!
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى




درج الجنان بها وفوز العابد



ونسيت أن الله أخرج آدمًا




منها إلى الدنيا بذنب واحد



ونحن -أخي- نبحث عن المتع والملذات.. نبتعد عن المكدرات والمنغصات.
هذه حالنا أما حال أبي الدرداء فهي كما قال: أحب الفقر تواضعًا لربي -عز وجل- وأحب الموت اشتياقًا إلى ربي -عز وجل- وأحب المرض تكفيرًا لخطاياي([85]).
للناس حرص على الدنيا بتدبير




وصوفها لك ممزوج بتكدير



لم يرزقوها بعقل بعدما قسمت




لكنهم رزقوها بالمقادير



كم من أديب لبيب لا تساعده




وأحمق نال دنياه بتقصير



ولو كان عن قوة أو عن مغالبة




طار البزاة بأرزاق العصافير([86])



والدنيا وإن كانت دنيئة حقيرة.. إلا أنها ممر إلى الدار الآخرة ومعبر إلى إحدى المنـزلتين. جنة أو نار.. ولنرى أحد تلك الممرات التي تؤدي إلى الجنة.. وهي من أعمال الدنيا.
قال r: «حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله -عز وجل- نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
يقول الإمام الشافعي: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف([87]).
وقال الحسن: غدًا كل امرئ فيما يهمه، ومن هم بشيء أكثر من ذكره، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له، ومن آثر الدنيا على الآخرة فلا دنيا له ولا آخرة([88]).
أخي الحبيب: وأنت تسير في هذه الدنيا.. هناك يوم سيتوقف بك المسير وتحط بك القافلة ولكن:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى




ولاقيت من بعد الموت قد تزودا



ندمت على أن لا تكون كمثله




وأنك لم ترصد كما كان أرصدا([89])



أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟!
عن حفص الجعفي قال: ورث داود الطائي من أمه أربعمائة درهم، فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما، فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة يبيعها([90]).
وقال عمر بن أيوب: قال أبو الشعثاء (جابر بن زيد): يا عمر، ما أملك من الدنيا إلا حمارًا([91]).
سهل عليه الحساب وخف به المسير.. ونحن ماذا نملك.. وماذا نأمل؟!
أخي المسلم:
عجبًا لمن يعرف أن الموت حق، كيف يفرح؟ وعجبًا لمن يعرف أن النار حق، كيف يضحك؟ وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها، كيف يطمئن إليها؟ وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق، كيف ينصب؟([92]).
رأيت الدهر مختلفًا يدور




فلا حزن يدوم ولا سرور



وقد بنت الملوك به قصورًا




فلم تبق الملوك ولا القصور([93])



ونحن في هذه الدنيا لاهون ساهون هذا صوت ينادي.. صوت بلال بن سعد يقول: يا أهل التقى إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما تنقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار([94]).
مراحل متتابعة.. وأزمنة متتالية، قطعنا منها مراحل عدة.. من الأصلاب إلى الأرحام ومن الأرحام إلى الدنيا.. ها نحن نسير عليها، ننتظر النقلة التالية إلى القبور.. ووالله نحن في غفلة وإلا كيف تحلو الحياة، ويطيب العيش، ووراءنا القبور والموقف.. ثم الخلود.. أهوال وأهوال.
قال أبو بكر المروذي: دخلت على أحمد بن حنبل يومًا فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه بقبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة([95]).
هذه الدنيا التي نحن نتكالب عليها.. ونتقاتل عليها.. لننظر الوجه المشرق لمن عرف قيمة الوقت في هذه الدنيا ..
يحدثنا أبو ضمرة عن صفوان بن سليم فيقول: رأيته ولو قيل له الساعة غدًا، ما كان عنده مزيد عمل([96]).
أرى حللاً تصان على أناس




وأعراضًا تنال ولا تصان



يقولون الزمان زمان سوء




وهم فسدوا وما فسد الزمان([97])



قال بعض السلف: من ادعى بغض الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه، فهو مجنون([98]).
لأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة.. يتزود فيها بالطاعات والصالحات. وهو أحد رجلين طالب دنيا، فكيف يبغضها وهو يسير في ركبها، ورجل آخر يطلب الآخرة، فأنى له أن يبغض زمن الزرع ووقت العمل؟!
قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته([99]).
وقال الفضيل بن عياض: العجب كل العجب لمن عرف الله ثم عصاه بعد المعرفة([100]).
أهون بداركم الدنيا وأهليها




واضرب بها صفحات من محبيها



الله يعلم أني لست وامقها




ولا أريد بقاء ساعة فيها



لكن تمرغت في أدناسها حقبا




وبت أنشرها حينًا وأطويها



أيام أسحب ذيلي في ملاعبها




جعلاً وأهدمُ من ديني وأنبيها



وكم تحملت فيها غير مكترث




من شامخات ذنوب لست أحصيها



فقلت أبقي لعلي أهدم ما




بنيت منها وأدناسي أنقيها



من ورائي عقاب لست أقطعها




حتى أخفف أحمالي وألقيها



يا ويلتي وبحار العفو زاخرة




إن لم تصبني برش في تثنيها([101])



إخواني: تفكروا ما في الحشر والميعاد، ودعوا طول النوم والرقاد، وتفقدوا أعمالكم، فالمناقش ذو انتقام، إن في القيامة لحسرات، وإن عند الميزان لزفرات، فريق في الجنة وفريق في السعير، ففريق يرتقون إلى الدرجات، وفريق يهبطون إلى الدركات، وما بينك وبين هذا الأمر إلا أن يقال فلان قد مات، يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، أشرف الأشياء قلبك ووقتك، فإن أنت ضيعت وقتك، وأهملت قلبك، فقد ذهب منك الفوائد، إن كنت تبكي على ما فات، فابك على فرقتك، وإن كنت تبكي على ما مات، فابك على قلبك([102]).
ونحن -أخي الحبيب- في هذه الدنيا على قدم وساق سائرون، ولا يأمن مضيعون، نفوت أوقاتنا، ونضيع أيامنا.. ونلهث في سير حثيث وراء حطام الدنيا كأنها تفوت..

([1]) تذكرة الحفاظ: 1/299.

([2]) موارد الظمآن: 3/276.

([3]) عدة الصابرين: 355.

([4]) عدة الصابرين: 355.

([5]) صفة الصفوة: 3/347.

([6]) أدب الدنيا والدين: 134.

([7]) الزهد للبيهقي: 157.

([8]) الركز: الصوت الخفي.

([9]) الشكر: 15.

([10]) الفوائد: 123.

([11]) شذرات الذهب: 3/124.

([12]) السير: 19/517.

([13]) حلية الأولياء: 1/210.

([14]) جامع العلوم والحكم: 360.

([15]) الزهد للبيهقي 282.

([16]) جامع العلوم والحكم: 269.

([17]) شذرات الذهب: 2/10.

([18]) حلية الأولياء: 3/242.

([19]) حلية الأولياء: 10/217.

([20]) جامع العلوم والحكم: 379.

([21]) حلية الأولياء: 2/97.

([22]) الإحياء: 3/221.

([23]) شذرات الذهب: 3/57.

([24]) السير: 18/296.

([25]) صفة الصفوة: 3/116.

([26]) تسلية أهل المصائب: 248.

([27]) السير: 19/483.

([28]) السير: 19/483.

([29]) طبقات الحنابلة: 285.

([30]) العاقبة: 188.

([31]) كتاب الصمت: 85.

([32]) ديوان الإمام علي ص24.

([33]) حلية الأولياء: 4/51.

([34]) صفة الصفوة: 1/321.

([35]) وفيات الأعيان: 6/170.

([36]) حلية الأولياء: 6/272.

([37]) عدة الصابرين: 326.

([38]) مكاشفة القلوب: 288.

([39]) الإحياء: 3/288.

([40]) السير: 19/195.

([41]) تسلية أهل المصائب: 245.

([42]) تنبيه الغافلين: 1/212.

([43]) حلية الأولياء: 7/56.

([44]) الفوائد: 68.

([45]) التبصرة: 1/109.

([46]) عدة الصابرين: 209.

([47]) العاقبة: 90.

([48]) بستان العارفين: 15.

([49]) تنبيه الغافلين: 1/85.

([50]) السير: 8/426.

([51]) عقود اللؤلؤ والمرجان: 285.

([52]) صفة الصفوة: 2/166.

([53]) صفة الصفوة: 3/342.

([54]) موارد الظمآن: 2/710.

([55]) حلية الأولياء: 5/4.

([56]) الإحياء: 3/137.

([57]) مكاشفة القلوب: 157.

([58]) حلية الأولياء: 2/136.

([59]) أدب الدنيا والدين: 121.

([60]) التذكرة: 11.

([61]) موارد الظمآن: 2/71.

([62]) الإحياء: 2/69.

([63]) صفة الصفوة: 4/93.

([64]) تنبيه الغافلين: 1/85.

([65]) تسلية أهل المصائب: 15.

([66]) حلية الأولياء: 7/221.

([67]) فضائل الذكر: لابن الجوزي، 19.

([68]) شرح الصدور: 295.

([69]) عدة الصابرين: 331.

([70]) موارد الظمآن: 1/ 640.

([71]) أدب الدنيا والدين: 119.

([72]) السير: 5/263.

([73]) مدارج السالكين: 2/233.

([74]) الزهد: 198.

([75]) حلية الأولياء: 8/140.

([76]) حلية الأولياء: 2/138.

([77]) أدب الدنيا والدين: 122.

([78]) حلية الأولياء: 2/153.

([79]) حلية الأولياء: 2/144.

([80]) إرشاد العباد: 120.

([81]) تنبيه الغافلين: 1/213.

([82]) صفة الصفوة: 3/90.

([83]) السير: 5/61.

([84]) الإحياء: 4/239.

([85]) الزهد: 217.

([86]) تاريخ الخلفاء: 171.

([87]) صفة الصفوة: 2/251.

([88]) حلية الأولياء: 2/144.

([89]) عقود اللؤلؤ: 31.

([90]) السير: 7/424.

([91]) حلية الأولياء: 3/89.

([92]) الإحياء: 3/224.

([93]) ديوان الإمام علي: 100.

([94]) السير: 5/91.

([95]) مناقب الإمام أحمد: 355.

([96]) تذكرة الحفاظ: 1/134.

([97]) الزهد: للبيهقي، 157.

([98]) صيد الخاطر: 212.

([99]) جامع العلوم والحكم: 381.

([100]) الزهر الفائح: 95.

([101]) العاقبة: 30.

([102]) الزهر الفائح: 414.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-11
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الدنيا ظل زائل

قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك في التوكل؟
قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فأطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا مستحي منه([1]).
إن إلهي لغني حميد




في كل يوم منه رزق جديد



الحمد لله الذي لم يزل




يفعل بي أكثر مما أريد([2])



أخي المسلم:
همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش، ويحرز قيمته. والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط، والمؤمن إذا رأى ظلمة، ذكر ظلمة القبر، وإذا رأى مؤلمًا، ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا، ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا، ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة، ذكر الجنة فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله عن كل ما تم([3]).
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له




من الله في دار المقام نصيب



فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنه




متاع قليل والزوال قريب



قال عبد الله بن مسعود: في درر من الكلام: إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقي شرًا فالله وقاه، المتقون السادة، والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة([4]).
وقيل لعلي -رضي الله عنه -: يا أبا الحسن صف لنا الدنيا؟ قال: أطيل أم أقصر؟ قالوا: بل أقصر، قال: حلالها حساب، وحرامها النار([5]).
كلمات تغني عن مواعظ لمن كان له قلب. ألا وإن الدنيا دار ابتلاء وحزن ونصب وشقاء.
قال سيار أبو الحكم: الفرح بالدنيا والحزن بالآخرة لا يجتمعان في قلب عبد، إذا سكن أحدهما القلب فر الآخر([6]).
أخي الحبيب:
حاسب زمانك في حالي تصرفه




تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا



نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة




فكيف أبكي على شيء إذا ذهبا؟!([7])



حال أبي الدرداء في الجاهلية والإسلام يرويها بنفسه فيقول: كنت تاجرًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أخذت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا لي، فأقبلت على العبادة، وتركت التجارة.
ولا شك أنه -رضي الله عنه - ضحى بدنيا فانية وأعوام قليلة لينعم برحمة الله في دار كرامته.
وليس معنى ذلك ترك العمل وتحصيل المعاش وبذل الأسباب ولكن لا يكن الهم الأول جمع الدنيا واللهث ورائها.. وإلا فالإسلام يحث على العمل، ويعتبره نوع من أنواع الجهاد، إذا خلصت النية، واستوفى الشروط الأخرى من أمانة وإخلاص وغيرهما.
قال عبد الله بن مسعود: من أراد الدنيا أضر بالآخرة، ومن أراد الآخرة أضر بالدنيا، يا قوم، فأضروا بالفاني للباقي.
لا تأسف على الدنيا وما فيها




فالموت لا شك يفنينا ويفنيها



واعمل لدار البقاء رضوان خازنها




والجار أحمد والجبار بانيها([8])



نصيب الدنيا في حياتنا كبيرة وتعلقنا بها شديد.. لا نتحدث إلا فيها ولا نغتم إلا من أجلها.. بل ربما العلاقات الاجتماعية أصبحت المادة أساسًا لها.. ولقد هالني يومًا ما رأيته من قلة زائري أحد جيراننا - وكان مسئولاً كبيرًا فالباب مفتوح كما هو والجار جالس في صدر المجلس في وسط حديقة غناء بعد صلاة العشاء ولم أر حركة ولا زوارًا.. فإذا به تلك الليلة أحيل للتقاعد. زوار الأمس هم زوار الدنيا وأهل الكراسي.. أما زوار الآخرة والمحبة الصادقة فإنهم لا يتجاوزون نصف عدد أصابع اليد الواحدة.
هذه هي النظرة المادية.. والمرض الاجتماعي .. ولو تحدث أحدهم لذم الدنيا والتكالب عليها، ولكن ظهر منه حب الدنيا والقرب من المسئولين دون أن يشعر ودون أن يعلم..
يحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها.
كم سنصوم من السنين لو حسبنا حسابه وسلكنا طريقه..!
قال تعالى: }وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ{ [طه: 131].
وقد ارتاح من أفرغ قلبه من هم الدنيا، وأقبل على الله، واستعد ليوم الرحيل.. هذا حماد بن سلمة لو قيل له: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا([9]).
أخي المسلم:
من تأمل بعين الفكر: داوم البقاء في الجنة، في صفاء بلا كدر، ولذات بلا انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس والزيادة، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال: ألف ألف سنة، ولا مائة ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد الألوف ألوف السنين لا ينقضي عدده، وكان له نهاية. فبقاء الآخرة لا نفاد له، إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر، وما مقدار عمر غايته مائة سنة، منها خمسة عشرة صبوة وجهل، وثلاثون بعد السبعين إن حصلت ضعف وعجز، والتوسط نصفه نوم، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب، والمنتحل منه للعبادات يسير، أفلا يشتري ذلك الدائم بهذا القليل، إن الإعراض عن المشروع في هذا البيع والشراء لغبن فاحش في العقل، وخلل في الإيمان بالوعد([10]).
ولولا ثلاث هن من لذة الفتى




وربك لم أحفل متى قام عودي



سياحة قلبي في رياض أريضة




من العلم مجتازًا على كل مورد



وتسبيحًا لله جل جلاله




عشيًا وبالإبكار في كل مسجد



وترتيل آيات الكتاب منورًا




بها جوف ليل في قيام التهجد([11])



قال الحسن: نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، وذلك أنه عمل قليلاً، وأخذ زاده منها للجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده إلى النار([12]).
أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء؟!
عن أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة([13]).
نحن في دنيا: أعمارها قصيرة، وفرحها مكدر.. ونعيمها زائل..!! وقد وصفها أبو حازم سلمة بن دينار بقوله: ما مضى من الدنيا فحلم، وما بقي فأماني.
يا من تمتع بالدنيا وزينتها




ولا تنام عن اللذات عيناه



شغلت نفسك فيما ليس تدركه




تقول لله ماذا حين تلقاه([14])



(قال الحكيم): أربعة طلبناها فأخطأنا طرقها: طلبنا الغنى في المال؛ فإذا هو في القناعة، وطلبنا الراحة في الكثرة؛ فإذا هي في القلة، وطلبنا الكرامة في الخلق، فإذا هي في التقوى، وطلبنا النعمة في الطعام واللباس، فإذا هي في الستر والإسلام([15]).
أخي.. انظر أين مطلبك من هذه؟ وعلى ماذا تقع عيناك.. وأين تذهب بك المذاهب؟!
ولعل لنا نصيبًا من قول عطاء الخرساني: إني لا أوصيكم بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها حراص، وإنما أوصيكم بآخرتكم، فخذوا من دار الفناء لدار البقاء، واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله لتفارقنها، واجعلوا الموت كشيء ذقتموه، فوالله لتذوقنه، واجعلوا الآخرة كشيء نزلتموه، فوالله لتنـزلنها([16]).
ننافس في الدنيا ونحن نعيبها




وقد حذرتناها لعمري خطوبها



وما نحسب الأيام تنقضي مدة




على أنها فينا سريع دبيبها



كأني برهط يحملون جنازتي




إلى حفرة يحثى عليَّ كثيبها



وكم ثم من مسترجع متوجع




ونائحة يعلو على نحيبها



وباكية تبكي عليَّ وإنني




لفي غفلة من صوتها ما أجيبها



أيا هادم اللذات ما منك مهرب




تحاذر نفسي منك ما سيصيبها



وإني لمن يكره الموت والبلا




ويعجبه روح الحياة وطيبها



رأيت المنايا قسمت بين أنفس




ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها([17])



ذكر عن شفيق البلخي أنه قال: الناس يقولون ثلاثة أقوال وقد تألفوها في أعمالهم: يقولون: نحن عبيد الله وهم يعملون عمل الأحرار، وهذا خلاف قولهم، ويقولون: إن الله كفيل بأرزاقنا، ولا تطمئن قلوبهم إلا بالدنيا وجمع حطامها، وهذا أيضًا خلاف قولهم، ويقولون: لا بد لنا من الموت وهم يعملون أعمال من لا يموت، وهذا أيضًا خلاف قولهم([18]).
وقال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي:
أف للدنيا فليست لي بدار




إنما الراحة في دار القرار



أبت الساعات إلا سرعة




في بلى جسمي بليل ونهار([19])



خطب علي -رضي الله عنه - فقال: ألا وإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم، والسباق غدًا، ألا وإن السبقة الجنة، والغاية الموت، ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل يرثه عجل، فمن عمل في أيام مهلة قبل حضور أجله، نفعه عمله، ولم يضره أمله، ومن لم يعمل في أيام مهلة قبل حضور أجله ضره أمله وساءه عمله([20]).
لا تطمئن إلى الدنيا وزخرفها




وإن توشحت من أثوابها الحسنا



أين الأحبة والجيران ما فعلوا؟




أين الذين هم كانوا لنا سكنا؟



سقاهم الدهر كأسًا غير صافية




فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا([21])



وصف حال الإنسان في هذه الدنيا وما بعدها يحيى بن معاذ فقال: من الدنيا لا ندرك آمالنا، وللآخرة لا نقدم أعمالنا، وفي القيامة لا ندري ما حالنا([22]).
ونحن أخي المسلم نفرح بالدنيا، تقبل من كل جانب، وتدخل علينا من كل باب... لا نلقي بالاً لما أتى، ولا نبالي كيف أتي. لنرى قول أبي حازم سلمة بن دينار في هذه الإقبال من الدنيا.
يقول: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا، أعظم من نعمته علي فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها قومًا فهلكوا([23]).
أترانا نخاف مثله من إقبال الدنيا بأبيضها وأصفرها نحونا، أم ترانا نفرح ولا ندري ما أعد لنا؟!
قال ذو النون المصري: سقم الجسم في الأوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسم لذة الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب.
أخي.. هب أن الدنيا أقبلت عليك.. في كل مكان لك نصيب.. وفي كل استثمار لك سهم. كيف سيكون خشوعك في الصلاة؟! وكيف ستؤدي السنن الرواتب؟! وهل سيكون لسانك رطبًا من ذكر الله؟!
وانظر حال من زويت عنهم الدنيا، وكانت حياتهم كفافًا، لترى نعم الله في قلة الهم والغم والتفرغ للعبادة والطاعة.
قال مضاء بن عيسى: من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ومن أحب شيئًا آثره على غيره.
أخي الكريم .. من موعظة لأبي بن كعب -رضي الله عنه - قال: لا تغبط الحي إلا بما تغبط به الميت([24]).
وبماذا نغبط الميت؟! إنه العمل الصالح، وحسن الذكر، وطول العبادة.
أخي:
هب الدنيا تساق إليك عفوًا




أليس مصير ذاك إلى انتقال



وما دنياك إلا مثل فيء




أظلك ثم آذن بالزوال



قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني. قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إني على طاعتك حريص، قال: صم وأفطر وصل، ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم([25]).
إذا المرء صام عن الدنايا




فكل شهوره شهر الصيام([26])



قال بشر بن الحارث: ليس أحد يحب الدنيا إلا لم يحب الموت، ومن زهد فيها أحب لقاء مولاه([27]).
وقال سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني، وثلاث أحزنتني حتى أبكتني، أما الثلاث الأول: فمؤمل دنيا، والموت يطلبه. وغافل وليس بمغفول عنه. وضاحك ملء فيه، ولا يدري أساخط عليه رب العالمين أم راض عنه.
أما الثلاث التي أحزنتني حتى أبكتني: ففراق محمد r وفراق الأحبة، والوقوف بين يدي الله تعالى، ولا أدري أيؤمر بي إلى الجنة أم إلى النار([28]).
دنياك غرارة فذرها




فإنها مركب جموح([29])



قيل لهرم بن حيان أوصي، قال: قد صدقتني نفسي، ومالي ما أوصي به، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النمل([30]).
وقال حماد لداود الطائي: يا أبا سليمان لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أفلا أدلك على من رضي بأقل من ذلك؟ من رضي بالدنيا كلها عوضًا عن الآخرة([31]).
أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟!
قال أبو داود السجستاني: ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط.
نامت عيون الآمنين عن الردى




وعيونه من حرصه تتوقد



فاستأمنوا مكر الإله وإنه




مكر يسل على الدوام ويغمد



حتى إذا هتف الهلاك تنبهت




نفس الضعيف وهالها ما توعد



يا ويحهم إن الهوى يلهو بهم




والموت في كفن الهوى يتوعد



لقد ضربت الدنيا في نفوسنا بسهم، ونصبت في قلوبنا رايات.. ليلنا ونهارنا في حديث عن الدنيا.. جل تفكيرنا كيف نفعل؟! وأكثر حيلنا كم نربح!! إن ضرب موعد للدنيا ذهبنا إليه مبكرين، وأقمنا عند بابه فرحين.. ولا نبقي للآخرة في قلوبنا ركنًا ولا زاوية.. وانظر إذا رفع الأذان، كم ترى من المبكرين المسرعين.. والتفت إلى الشوارع والطرقات ترى الكثرة تسير بعجلة للدنيا.. مولية عن الآخرة مقبلة على الدنيا..
قال سعيد بن عبد العزيز: من أحسن فليرج الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزًا بغير حق أورثه ذلاً بحق، ومن جمع مالاً بظلم أورثه الله فقرًا بغير ظلم.
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا




فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع([32])



قال الحسن البصري: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم([33]).
الدنيا إن قلت أو كثرت ليست مقياسًا للسعادة ولا مدخلاً للنعيم.. إنما هو قياس نسبي.. فهناك من إذا كثير ماله كثر غمه وهمه، والبعض هادئ البال مطمئن الفؤاد .. لديه ما يكفيه لدفع حاجات الدنيا، فلا يبذل وجهه لأحد، ولا هو يشكو من قلة أو حاجة.
وفي حياتنا نرى الأمثلة محسوسة والشواهد قائمة، وأذكر أن شخصًا يملك من الثروة ما تكفي زكاة ماله لألوف الأسر المحتاجة.. ويشكو لي بين حين وآخر: كدر الدنيا، وقلة سعادتها، وكثرة همومها ومشاغلها..
وعاشرت مؤذن مسجد فترة من الزمن، فما رأيته يشكو ولا يتذمر، بل رأيته يسعد بأيامه، ويفرح بأبنائه، ويعدد نعم الله عليه.. رغم أنه يسكن في بيت المسجد، وحالته المادية يعلم الله بها فلديه من الأبناء الكثير.. ولكن سبحان من يعطى القناعة والرضا، ويستعمله في طاعته ويقربه من رحمته..
أقل من الدهر ما أتاك به




واصبر لريب الزمان إن عثرا



ما لامرئٍ فوق ما يجري القضاء به




فاللهم فضل وخير الناس من صبرا



يا رب ساع في سعيه أمل




يفنى ولم يقض من تأميله وطرا



ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له




ولن ترى قنعا ما عاش مفتقرا



والعرف من يأته يحمد عواقبه




ما ضاع عرف وإن وليته حجرا([34])



قال بعض الحكماء: عجبت لمن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن على نقصان عمره، وعجبت لمن الدنيا مدبرة عنه، والآخرة مقبلة عليه، كيف يشتغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة.
أخي المسلم:
إذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه والهرب من هذه فترت عزائمه، وضعفت همته، ووهي باعثه، وكلما كان أشد طلبًا للجنة وعملاً لها، كان الباعث له أقوى، والهمة أشد والسعي أتم، وهذا أمر معلوم بالذوق([35]).
والكثير يسير في هذه الدنيا، يبحث عن الجادة، وينشد الطريق، ويسرع نحو السعادة.. يا ترى هل أخطأ الطريق وأضاع العلامة.. لنرى ذلك في قول مالك بن دينار حينما قال: خرج أهل الدنيا من الدنيا، ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله([36]).
من شاء عيشا هنيئًا يستفيد به




في دينه ثم في دنياه إقبالا



فلينظرن إلى من فوقه أدبًا




ولينظرن إلى من دونه مالا([37])



قال داود الطائي: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطرت على الموت([38]).
وحين سأل رجل الحسن بقوله: يا أبا سعيد، من الفقيه؟ قال: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المجتهد في العبادة، هذا الفقيه.
الدنيا -أخي- بزينتها ومراكبها.. بقصورها ودورها.. إنما هي:
أحلام نوم أو كظل زائل




إن اللبيب بمثلها لا يخدع([39])



ويا أخي الحبيب:
عجبًا لأمنك والحياة قصيرة




وبفقد إلفٍ لا تزال تروع([40])



حال من سبقنا مقارنة بحالنا اليوم .. بون شاسع.. وفرق واضح.
هذا محمد بن الفضل يقول: ما خطوت أربعين سنة خطوة لغير الله -عز وجل- وما نظرت أربعين سنة في شيء أستحسنه حياء من الله -عز وجل- وما أمليت على ملكي ثلاثين سنة شيئًا، ولو فعلت ذلك لاستحييت منهما([41]).
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟!
ها هي الدنيا تساق بخطامها وزمامها.. بحملها وركابها.. ولكن ماذا فعلوا؟!
عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة. فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام، قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ وتله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك يا أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية، اذهب إلى بيت فلان بكذا، واذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين، فأعطنا، ولم يبق في الخزنة إلا ديناران، فدحا (رمى) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك، فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
ولو لم يأت من ترك الدنيا إلا الراحة عند الموت والاستعداد لما بعد الموت لكفى.. وقد قيل لبعض الزهاد: ألا توصي؟ قال: بماذا أوصي؟ والله ما لنا شيء، ولا لنا عند أحد شيء ولا لأحد عندنا شيء، انظر إلى هذه الراحة، كيف تعجلها؟! وإلى السلامة كيف صار إليها؟!([42])
تجرد من الدنيا فإنك إنما




سقطت إلى الدنيا وأنت مجرد([43])



قال محمد بن سوقة: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما لعذاب الله، أحدنا يزاد الشيء من الدنيا، فيفرح فرحًا، ما علم الله أنه فرح بشيء زاد قط في دينه، وينقص الشيء من الدنيا، فيحزن عليه حزنًا، ما علم أنه حزن على شيء نقص قط في دينه.
وأوصى عبد الله بن خبيق بقوله: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدًا، ولا تفرح بشيء لا يسرك غدًا، وأنفع الخوف ما جحزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة بقية عمرك.
أخي المسلم: الدخول في خوض غمار الدنيا، والسير في وهادها ميسر؛ ولكن الخروج منها شديد.. سكرات الموت مقبلة تقتل كل فرحة في الدنيا.. وما بعد الموت يهون عنده الموت.
إن الليالي والأيام حاملة




وليس يعلم غير الله ما تلد([44])



قال الحسن -رضي الله عنه -: إن الله تعالى أمر بالطاعة، وأعان عليها، ونهى عن المعصية، وأغنى عنها، فاعمل بقدرك على النار ولا تجعل في ركوبها حجة([45]).
وقال التيمي -رحمه الله-: شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الوقوف بين يدي الله([46]).
وما شاب رأس من سنين تتابعت




عليَّ ولكن شيبتني الوقائع



كان سفيان الثوري يقول: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة: رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملاً منه، ورجل له مال فلم يتصدق به فمات، فورثه غيره فتصدق منه، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه فعلم غيره فانتفع به.
أخي المسلم:
وهذه الدنيا تلقي سهامها علينا.. ونحن في ضعف وتقصير.. نفرح برحمة أرحم الراحمين.. رب رحيم.. غفور كريم.
قيل: إن الشبلي رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبني وناقشني حتى يئست، فلما رآني يئست، تغمدني برحمته([47]).
وقال يحيى بن معاذ: إن غفرت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم([48]).
أخي الحبيب:
جعل الله طريقنا في هذه الدنيا نهايته في جنات عدن، وجعلنا ممن تزود في هذه الدار الفانية لدار فيها النعيم المقيم. والظل الظليل.
جمعني الله وإياك وآباءنا وأمهاتنا وأقاربنا في مستقر رحمته وجعلنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

خاتمة
قال تعالى: }وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا{ [سورة الكهف الآية: 45].


([1]) السير: 11/485، وفيات الأعيان: 2/27.

([2]) صفة الصفوة: 4/52.

([3]) صيد الخاطر: 521.

([4]) السير: 1/497.

([5]) تسلية أهل المصائب: 243.

([6]) صفة الصفوة: 3/13.

([7]) موارد الظمآن: 2/77.

([8]) الزهر الفائح: 79.

([9]) تذكرة الحفاظ: 1/203.

([10]) صيد الخاطر: 452.

([11]) موارد الظمآن: 2/28.

([12]) تزكية النفوس: 128.

([13]) صفة الصفوة: 2/153.

([14]) مكاشفة القلوب: 293.

([15]) تنبيه الغافلين: 128.

([16]) صفة الصفوة: 4/151.

([17]) حلية الأولياء: 10/141.

([18]) مكاشفة القلوب: 35.

([19]) صفة الصفوة: 2/517.

([20]) العاقبة: 64.

([21]) السير: 17/189.

([22]) حلية الأولياء: 10/56.

([23]) حلية الأولياء: 3/233.

([24]) بستان العارفين: 111.

([25]) صفة الصفوة: 1/496.

([26]) البركة في فضل السعي والحركة: 111.

([27]) السير: 10/476.

([28]) العاقبة: 64.

([29]) صفة الصفوة: 4/352.

([30]) السير: 4/48.

([31]) صفة الصفوة: 3/141.

([32]) حلية الأولياء: 8/10.

([33]) مختصر منهاج القاصدين: 21.

([34]) حلية الأولياء: 7/220.

([35]) مدارج السالكين: 2/82.

([36]) السير: 5/236.

([37]) أدب الدنيا والدين: 81.

([38]) صفة الصفوة: 3/134.

([39]) الإحياء: 3/228.

([40]) التبصرة: 1/52.

([41]) صفوة الصفوة: 4/165.

([42]) أدب الدنيا والدين: 120.

([43]) مكاشفة القلوب: 328.

([44]) صيد الخاطر: 87.

([45]) الزهر الفائح: 95

([46]) العاقبة: 39.

([47]) الزهر الفائح: 41.

([48]) صفة الصفوة: 4/96.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الدنيا ظل زائل



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 07:34 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب