منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

سكب العبرات عند السكرات

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هنا تسكب العبرات abou khaled منتدى الدين الاسلامي الحنيف 0 2013-10-11 08:17 PM
هنا تسكب العبرات أم أنس ركن المرئيات والصوتيات الاسلامية 3 2010-10-30 06:15 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-11
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي سكب العبرات عند السكرات

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا وهو على كل شيء شهيد، علا بذاته وقهر بقدرته، وهو أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بشر وأنذر وحذر يوم الوعيد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فلا يخفى على البصير أننا جئنا في هذه الحياة الدنيا للتزود منها ثم نموت لتستأنف حياة ثانية باقية، قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] والسفر فيها مكتوب علينا لا مفر منه؛ لأن الدنيا ليست دار قرار.
فتعال يا عبد الله لنعيش سويًا بين هذه السطور وعبر هذه الكلمات لحظات ستمر علينا تسكب فيها العبرات وتعرف فيها المقامات؛ هو موقف قادم علينا مر بمن قبلنا وسيمر بنا.
إنها لحظات سكرات الموت حين تسكب العبرات؛ إما ندمًا وعض الأصابع لتفريط وتضييع، وإما فرحًا وسرورًا.
إنها لحظات الفراق.. إنها لحظات الوداع، إنها لحظات ترك الأهل والأحباب إنه المصير، مصير من؟ مصير الناس جميعًا، المسلم والكافر، الكبير والصغير، الرئيس والوزير، سل نفسك أي المصيرين تختار، ومن أي الفريقين تكون {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7].
أخي الكريم: لا تخف ولا تنزعج فإنه سبيل لا مفر منه ولن تستطيع أن تهرب منه {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8].
فليس الغريب في هذا المصير ولكن الغريب ألا نستعد ونعتبر بمن مر بهم الموت وعاينوا سكراته وآلامه، واحسب نفسك منهم؛ فلكل بداية نهاية، ومهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر، ومهما طال العمر فلا بد من دخول القبر.

كلنا سنموت
ألا تعتبر أيها الأخ، كم من قريب لك سمعت خبره فإذا هو قد مات، كم من صاحب يمشي ويلعب يبني الآمال، ينكح النساء وينجب الأبناء ويظن أنه مخلد، يظن أنه لما يجمع المال ويبني القصور؛ يظن أن ماله أخلده، يظن أنه يعيش في هذه الدنيا طويلاً، والمسكين لا يدري أنها تلك الليلة الموعودة واللحظة الحاسمة ولعله كان جالسًا مع أولاده يداعبهم ويلاعبهم، يضمهم إلى صدره يرسم البسمة على شفاههم، ذهب إلى الفراش والمسكين قال لهم أيقظوني للعمل، إذ به في أثناء النوم جاءه شخص غريب عنه يراه لأول مرة قال ما بك من أنت؟ قال: ملك الموت. لم يستأذن حين دخل عليه، ما الذي جاء بك؟ قال: جئت أنزع الروح وأقبض الأمانة.
نعم يا عبد الله الأمر فظيع والخطب سريع؛ إنها لحظة مهولة ذات كرب شديد وما بعدها إلا وعد أو وعيد؛ كيف لا وأنت تفارق المال والولد والأحباب والأصحاب والأهل والجيران، وكأنه حال لحظة الموت يقول: أمهلني دعني أصلي ركعتين، أسجد لله سجدة، أتوب إلى الله، عندي مظالم أريد أن أردها، عندي أموال ما زالت من الربا {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99].
تمدد المسكين وانطرح في الفراش، بدأت تخرج الروح، بدأ يعرف شدة نزعها، تخرج من كل عصب من الأعصاب ومن كل مفصل من المفاصل، آلام وشدائد وكرب وأهوال! ما بال الرجلين تبردان!! ما بال اللسان يسكت!! ما بال العينين شاخصتان!! جاءت الزوجة: يا فلان، ما الذي حدث بك تناديه وتكرر النداء ولكن بلا فائدة لا يستطيع أن يجيب، سكتت الزوجة، بكى الأولاد، اجتمعوا حوله، بدأت الصغار تصرخ وتنادي يا أبتاه، مالك لا تجيب، كنت تلاعنبا وتلهوا معنا، تعدنا بسفر وزيارات وشراء لعب وهدايا، ينظر بعينين دامعتين وهو لا يستطيع حراكها يسمع الزوجة تقول: لمن تتركنا؟ من يربي أولادك؟ من يأتي لهم بالطعام؟ من يوقظهم للمدرسة؟ ثم يسمع الأبناء يقولون: ألا تعدنا قبل ساعات؟! ألا تخبرنا؟! مالك لا تجيب؟! ولكن، هو جثة هامدة.
يا عبد الله، ألا تعتبر بحال هذا الرجل؛ قبل قليل كان يلعب ويلهو ويفرح؛ وعد الأولاد بسفر وزيارات، يجمع الأموال ويستعد للسفر، يحسب الرصيد ليشتري سيارة أخرى أو يبني قصرًا أو يؤسس بيتًا، كل هذا ذهب في لمح البصر.
{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} [القيامة: 26]، بلغت الروح الترقوة، {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83]؛ ففي هذه اللحظات لا ينفع راق ولا طبيب ولا دواء ويتأكد الفراق؛ {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} تأكد أن الأمر انتهى والعهد انقضى، علم أن الدنيا دار هوان، سيارات، قصور، أموال، أرصدة، كلها ذهبت وولت؛ أغلى أمنية له أن يرجع ليعمل عملاً صالحًا {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 100].
كلمة يقولها كما كان يقولها في هذه الدنيا، كان إذا أحاط به البلاء واشتد به الكرب في الدنيا قال: رب لئن فرجتها عني لأتوبن لك، فلما انفرجت الأمور رجع إلى معاصيه.
أخي الكريم: هل رأيت مصرعًا مثل هذا، كان يأمل ويحلم ولكن الأجل كان أقرب من حلمه.
الحسن البصري رأى رجلاً يُصرع فرجع إلى البيت فقالوا: يا أبا سعيد العشاء فلم يجبهم ثم قالوا يا أبا سعيد العشاء. فقال: كلوا عشاءكم فإني رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}([1]) [آل عمران: 185].

فمنهم شقي وسعيد
أخي الكريم... اعلم رحمك الله أن الناس تتباين أحوالهم في سكرات الموت بين شقي وسعيد وخائف ومطمئن وفرح وحزين.
فمنهم من يبشَّر ويقال له: لا تخف ولا تحزن. نعم؛ لا تخف من غيب قادم عليك ولا تحزن مما خلفت من أموال وقصور وزوجات وأولاد؛ أنت تخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة؛ {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
ومنهم من يبشر ولكن بعذاب وسوء عقاب على ما فرط واستهان في حق ربه الكبير المتعال؛ {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} [الأنعام: 93].
يقول: من هؤلاء؟ ملائكة سود الوجوه لسوء صحائفه وسوء أعماله؟ من أنتم؟ إنهم الذين يشيعونه إلى الملأ الأعلى.
ثم غُسل وكُفن وحُمل على الأعناق. أين تذهبون بي؟! يا ويلي، أخذوني، يا ويلي ما خشعت، يا ويلي، كنت أصرُّ على المعاصي والذنوب {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30].
إذا به يوضع في التراب لا أنيس ولا جليس وحيدًا فريدًا؛ جاؤوا بك وتركوك، وفي التراب وضعوك، ولم يبق معك إلا الحي الذي لا يموت.
تخيل نفسك يا عبد الله لو كنت مكان هذا الرجل؛ فاحمد ربك أن الله أمهلك وبطريق المعاصي بصَّرَك واعتبِر بما جرى لهؤلاء.
يا أخي، أطلق بصرك وتأمل فستجد أن الغفلة استحكمت قلوبنا وبعنا الباقي بالفاني ولم نعتبر بمن صار تحت التراب وانقطع عن الأهل والأحباب فجاء الموت على بغتة.
فيا صاحبي هل تفكرت يوم مصرعك وانتقالك من موضعك وإذا نقلت من سعة إلى ضيق وخانك الصاحب والرفيق وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر.
فيا جامع المال والمجتهد في البنيان ليس لك والله من حال إلا الأكفان؛ بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب؛ فأين الذي جمعته من المال؟! فهل أنقذك من الأهوال؟! كلا؛ بل تركته لورثتك، وقدما بأوزارك على من لا يعذرك، ولقد أحسن من قال في تفسير قول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ} [القصص: 77]؛ أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا من الطين والماء والتجبر والبغي ([2]).
كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه: «فإنك قد أصبحت تؤمن الدنيا بطول عمرك وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا والسلام».
أخي الحبيب.. تخيل ملك الموت واقفًا على بابكم يطلب جنابك لنزع روحك.. فيا عبد الله، هذا هو يوم المصرع؛ يوم ليس لدفعه حيلة، جاءك الموت في وقت لم تحتسبه.
كفى بالموت مفرقًا وللقلوب مقطعًا وللذات هادما وللأماني قاطعًا، استبدل الأموات بظهر الأرض باطنًا وبالسعة ضيقًا وبالأهل غربة وبالنور ظلمة، جاؤوها حفاة عراة فرادى، اللحود مساكنهم والتراب أكفانهم، لا يجيبون داعيًا ولا يسمعون مناديًا {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98]؛ كانوا أطول أعمارًا وأكثر آثارًا فما أغناهم ذلك شيء لما جاء أمر ربك فأصبحت بيوتهم قبورًا وما جمعوا بورًا وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين؛ حل بهم ريب المنون وجاءهم ما كانوا يوعدون: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].
أخي الكريم.. اعتبر بمن صار تحت التراب وانقطع عن الأهل والأحباب، لتتأمل من مضى من أقرانك؛ إذ التراب محا محاسن وجهه، وأشلاؤه من القبر تفرَّقت، ومن بعده زوجته ترمَّلت وأمواله قسمت، وأولاده يتمت: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94].
اعتبر يا أخي وارجُ الدار الآخرة؛ فتلك دار لا يموت ساكنها ولا يخرب بنيانها ولا يهرم شبابها ولا يبلى نعيمها ولا يتغير حسها.
واعلم يا أخي؛ لو جعل الله الخلود لأحد من خلقه لكان ذلك لأنبيائه، وكان أولاهم سيد ولد آدم محمد صلوات ربي وسلامه عليه، كيف وقد نعاه إلى نفسه وأخبره بأنه سيموت كسائر الناس! {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30].

في السابقين عبرة
وَلْنَسِرْ سويًّا مع الأنبياء والصالحين ونرى حالهم وما حلَّ بهم من سكرات الموت وشدائده؛ ها هو نبينا r خير الأنبياء والمرسلين وأكرم الخلق على الله أجمعين لمَّا أصابته سكرات الموت وشدتها؛ فقد قال r وهو يدخل يديه في ركوة ماء ويمسح بها وجهه الشريف: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». [رواه البخاري].
ولما رأت فاطمة - رضي الله عنها - ما برسول الله r قال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم». [رواه البخاري].
انظر يا عبد الله؛ هذا حال نبينا r وحال أفضل الخلق وسيد ولد آدم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وإليك موقف من مواقف الحزن والبكاء في حياة صديق هذه الأمة أبي بكر الصديق t لما احتضر t؛ تمثلت عائشة رضي الله عنها بهذا البيت:
أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى






إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر







فقال أبو بكر t: ليس كذلك يا بنية؛ ولكن قولي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، ثم قال: انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت ([3]).
وها هو نبينا r يبكي وتذرف عيناه لما رأى سعدًا بن عبادة في لحظات الموت؛ فعن عبد الله بن عون رضي الله عنهما قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي r يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود y، فلما دخل عليه فوجده في غاشية، فقال: «قد قضى؟» قالوا: لا يا رسول الله! فبكى النبي r فلما رأى القوم بكاء النبي r بكوا ([4]).
وتعال معي لنسير لحظات في حال فاروق هذه الأمة وثاني الخلفاء الراشدين وهو في الأنفاس الأخيرة من حياته:
قال عبد الله بن الزبير: ما أصابنا حزن منذ اجتمع عقلي مثل حزن أصابنا على عمر بن الخطاب ليلة طعن، قال: صلى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أسر الناس وأحسنهم حالاً؛ فلما كانت صلاة الفجر صلى بنا رجل أنكرنا تكبيره فإذا هو عبد الرحمن بن عوف، فلما انصرفنا قيل: طعن أمير المؤمنين. قال: فانصرف الناس وهو في دمعه لم يصل الفجر بعد، فقيل: يا أمير المؤمنين، الصلاة، الصلاة! قال: ها الله ذا؛ لاحظ لامرئ في الإسلام ضيع الصلاة؛ قال: ثم وثب ليقوم فانبعث جرحه دمًا؛ قال: يا أيها الناس أكان هذا على ملأ منكم؟ فقال له علي بن أبي طالب: لا والله لا ندري من الطاعن من خلق الله؟ أنفسنا تفدي نفسك ودماؤنا تفدي دمك، فالتفت إلى عبد الله بن عباس فقال: اخرج فسل الناس ما بالهم واصدقني الحديث، فخرج ثم جاء، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر بالجنة، لا والله ما رأيت عينًا تطرف من خلق من ذكر أو أنثى إلا باكية عليك يفدونك بالآباء والأمهات؛ فهم في دمائهم حتى يقضي الله فيهم ما هو قاض، تهنك يا أمير المؤمنين الجنة.. قال: غُر بهذا غيري يا ابن عباس، فقال ابن عباس: ولم لا أقول لك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن كان إسلامك لعزًا وإن كانت هجرتك لفتحًا وإن كانت ولايتك لعدلاً، ولقد قتلت مظلومًا، ثم التفت إلى ابن عباس: تشهد بذلك عند الله يوم القيامة؟ فكأنه تلكأ؛ فقال علي بن أبي طالب وكان بجانبه: نعم يا أمير المؤمنين؛ نشهد لك عند الله يوم القيامة، قال: ثم التفت إلى ابنه عبد الله بن عمر فقال: ضع خدي على الأرض يا بني. قال: فلم أبح (أعبأ) بها وظننت أن ذلك اختلاسًا من عقله. فقالها مرة أخرى: ضع خدي إلى الأرض يا بني، ولم أفعل ثم قال لي المرة الثالثة: ضع خدي إلى الأرض لا أم لك. فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يطيعه إلا ما به من الغلبة، قال: فوضعت خده على الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجة من بين أضغاث التراب قال: وبكى، حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينيه وأصغيت بأذنين لأسمع ما يقول. قال: فسمعته وهو يقول: يا ويل عمر وويل أمه إن لم يتجاوز الله عنه.
نعم يا أخي.. كفى بالموت واعظًا قدره الله على خلقه وكتبه على عباده وانفرد جل شأنه بالبقاء والدوام؛ فما من مخلوق مهما امتد أجله وطال عمره إلا وهو نازل به وخاضع لسلطانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185].
ولما احتضر عثمان بن عفان t جعل يقول ودمعه يسيل: «لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعين بك على أموري وأسألك الصبر على بلائي».
الله أكبر فما أسرع الموت يأتي بغتة ولا مفر منه أينما سرنا، يصل إلينا حتى ولو في بطون الأودية، أو على رؤوس الجبال أو الحصون المنيعة: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
ولما احتضر أبو هريرة من مرضه فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ولكني أبكي على بعد سفري وقلة زادي وأني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، ولا أدري أيهما يؤخذ بي ([5]).
نعم يا أخي تفكر في حال هؤلاء وما أصابهم من شدة الموت وسكراته على جلاله شأنهم وعظم قدرهم؛ فما لنا عن ذكر هذه اللحظات مشغولون وعن الاستعداد لها متخلفون {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67، 68] فالله المستعان.
وبكى ابن المنكدر من مرضه فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته ولكن أخاف أني أتيت شيئًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم. [الثبات عند الممات 94].
واعلم يا عبد الله أن الموت لا يستأذنك ولا يخبرك؛ بل يأتيك بغتة، ولا تقل غدًا أتوب، ولا تقل أتوب إذا حججت أو إذا تزوجت، ما يدريك يا عبد الله أن تدرك هذه الأيام، هل تدري متى ستموت، وأين ستموت؛ لا والله إنك لا تدري: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
تفكر في مشيبك والمآب



ودفنك بعد عز في التراب


إذا وافيت قبرك وأنت فيه



تقيم به إلى يوم الحساب


وفي أوصال جسمك حين تبقى



مقطعة ممزقة الإيهاب


فلولا القبر صار عليك سترًا



لا أمكنت الأباطن الرواب


خلقت من التراب فصرت حيا



وعلمت الفصيح من الخطاب


فطلق هذه الدنيا ثلاثًا



وبادر قبل موتك بالمتاب


نصحتك فاستمع قولي ونصحي



فمثلك قد يدل على الصواب


خلقنا للممات ولو تركنا



لضاق بنا الفسيح من الرحاب


تأمل يا عبد الله إلى حالك بعد خروج الروح منك، جسدك جثة هامدة لا حراك فيها، صرت في عداد الأموات، الذي يدفنك ويواريك في التراب أحب الناس إليك؛ بل أقربهم إليك، ويتقربون بدفنك في التراب، زوجتك تتزوج غيرك، أولادك لا يسألون إلا عن الميراث، أتظن أنهم يؤنسونك على قبرك يحدثوك؟
اسمع إن كنت لاهيًا



اسمع إن كنت غافلاً


ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسب



وتجمع في لوح حفيظ وتكتب


وقلبك في سهو ولهو وغفلة



وأنت على الدنيا حريص معذب


ثم نقلت على الأعناق، وحملت إلى التراب.

إلى متى تغفل عن الموت؟
فيا ساكن القبر غدًا فما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفسيح؟ وأين الغراس الجميل؟ فيا مجاور المهلكات صرت في محل الأموات.
لما نزل الموت بالربيع بن خثيم قالوا له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فتفكر وقال: أين عاد وثمود وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا؟ كانت فيهم الأدواء والأطباء فلا أرى المداوي بقي ولا المداوي؛ كل قد مضى ([6]).
أخي الحبيب: لا يستطيع أحد أن يفر من أمر الله وقضائه ولا يحيد عن حكمه النافذ وابتلائه، فنحن عبيده يتصرف فينا كيف يشاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني






ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني


واشتد نزعي وصار الموت يجذبها






من كل عرق بلا رفق ولا هوني







قالت فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار، فلما كان اليوم الذي قبض فيه خرجت من عنده فجلست في بيت آخر بيني وبينه باب، فسمعته يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
ثم هدأ فجعلت لا أسمع حركة ولا حسًا ولا كلامًا، فقلت للوصيف الذي يخدمه: انظر أمير المؤمنين فلما دخل عليه صاح فوثبت فدخلت عليه، إذا هو ميت، قد استقبل القبلة، وأغمض نفسه، ووضع إحدى يديه على عينيه والأخرى على فيه ([7]).
تبقى النعاة أمير المؤمنين لنا






يا خير من حج بيت الله واعتمرا


حمِّلت أمرًا عظيمًا فاضطلعت به






وسرت فيه بحكم الله يا عمرا


الشمس طالعة ليس بكاسفة






تبكي عليك نجوم الليل والقمرا







هذا بلال مؤذن رسول الله r لما حضرته الوفاة قالت امرأته: واحزناه. فقال: بل واطرباه؛ غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه ([8]).
قال أبو بكر بن عياش: دخلت على الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فقلت: أدعو لك الطبيب؟ قال: ما أصنع به؟! لو كانت نفسي معى لطرحتها في الحش، إذا أنا متُّ فلا تؤذنن بي أحدًا، واذهب بي واطرحني في لحدي ([9]).
اعلم يا أخي الحبيب لو نجا أحد من الموت لِبسطة في جسمه، وقوة في بدنه، أو زيادة في ماله، أو سعة في سلطانه، لنجا من الموت كثير من الناس، وإلا فأين عاد وثمود وفرعون ذو الأوتاد؟! أين الأكاسرة والقياصرة؟! أين الجبابرة؟! فالموت لا يخشى أحدًا ولا يبقي على أحد؛ ينتزع الطفل من حضن أمه ويهجم على الشاب القوي؛ فما أقرب الموت منا! وليس بيننا وبينه إلا أن يبلغ الكتاب أجله.
ويروى عن المزني قال: دخلت على الشافعي - رحمه الله - في علته التي مات فيها فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً وللإخوان مفارقًا ولكأس المنية شاربًا ولسوء عملي ملاقيًا وعلى الله واردًا؛ فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي






جعلت الرجا مني لعفوك سلمًا


تعاظمني ذنبي فلما قرنته






بعفوك ربي كان عفوك أعظما


فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل






تجود وتعفو منةً وتكرما ([10])







اسمع يا عبد الله ماذا يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد ([11]).
عجب لهؤلاء؛ فقد كانوا يكثرون من ذكر الموت حتى في أوقات الصفاء وأيام السرور، وكان ذلك يعينهم دائمًا على الجد في طاعة الله استعدادًا للموت وما بعد الموت.
نعم يا أخي إنها لقلوب حية وآذان واعية؛ علموا أن الدنيا نعيم زائل وأن الآخرة نعيم مقيم.
يا عبد الله هل تخيلت نفسك وأنت في نزع الموت وكربه ورأيت ملك الموت وقد وافاك وأيقنت بالفراق واشتدت بك الأحزان على صراخ الأهل والأحباب، نظرت ببصرك ورأيت أمك وأباك وأختك وأخاك وقد سكبت منهم الدموع والعبرات فلا ترد عليهم جوابًا، ولا يستطيع لسانك خطابًا، والله لو عشت هذه اللحظات واستشعرت تلك الكرب والسكرات لهانت عليك دنياك وأقبلت على طاعة مولاك.
أخي الكريم:
عش ما بدا لك سالمًا



في ظل شاهقة القصور


يسعى عليك بما اشتهيت



لدى الرواح ومن البكور


فإذا النفوس تقعقعت



في ضيق حشرجة الصدور


فهناك تعلم موقنًا



ما كنت إلا في غرور


أخي المبارك.. عجبًا لمن يعرف أن الموت حق كيف يفرح؟! وعجبًا لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك؟! وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها؟! وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب؟!([12])
انظر إلى حالنا في الدنيا نلعب ونمشي ونأكل ونشرب ونبني الآمال ونؤسس الدور ونبني القصور، ونسينا أن الموت يطلبنا والقبر بيتنا ويوم القيامة موعدنا؛ فهل أعددت للسؤال جوابًا؟!
نعم يا أخي؛ عسى اليوم نخطف أو غدًا؛ مالي أراك ترى الموت بعيدًا ويراه الله قريبًا؟! ألا تعلم أن كل آت قريب؟ أما تعلم أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول؟! فما لك لا تستعد للموت وهو أقرب إليك من حبل الوريد: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83].
يا أخي.. أتظن أنك تطيق عذابه؟ هيهات هيهات.. جرب بنفسك وضع أصبعك على النار لترى ضعفك وهوانك: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى} [المعارج: 15].
نعم يا أخي.. ما الذي دهاك تتلذذ؟!! بعاجله تذوق مرارتها في العاقبة؟! أتحسب أنك تترك سدى؟! ألم تكن نطفة من مني يمنى ثم كنت علقة فخلق فسوى، أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى، فإن كان هذا يقينك لماذا لا تأخذ حذرك.
ويحك يا أخي تتجرأ على معصية الله لأنك تظن أن الله لا يراك؟! ما أعظم جرمك لو رآك عبد من عبيد الله وأنت في حالة عصيان لخجلت منه واستحييت! ما هذه أفعال عقلاء.
يا أخي ما الذي يمنعك من الاستقامة؟! هل تمنعك لذة الشهوات؟! فما أبعدك عن الصواب إن كانت حقًا تمنعك شهواتك.
يا أخي اطلب الشهوات الباقية؛ وهي أن تطمع في جنة ربك الخالدة، لو نصحك طبيب بألا تأكل صنف من الطعام لمدة أسبوع لتصح وتهنأ بأكلات طول العمر، وأخبرك بأنك إن أكلت ذلك مرضت، فيا ترى ماذا تفعل؟! أتصبر على هذه الأكلة أم تقضي شهوتك في الحال؟! ما أراك إلا أنك ستسمع كلام طبيبك، أفكان قول ربك أقل عندك من قول طبيب يخطئ ويصيب؟! ما هذه أفعال عقلاء.
أخي المبارك.. لا ينبغي أن تغرك الدنيا، ولا يغرنك بالله الغرور: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]؛ فلا تضيع وقتك فالنفس معدود؛ فإذا قضى فيك يوم ذهب بعضك، فاغتنم الصحة قبل المرض، والفراغ قبل الشغل والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الموت.
ويحك يا أخي إذا كنت موقنًا بالموت مالي أراك ألفت الدنيا وأنست بها فعز عليك مفارقتها؛ ألا تعلم أن كل من يلهث وراء حطام الدنيا ويأنس به فإنما يستكثر من الحسرة عند السكرة.
انظر يا عبد الله إلى الذين رحلوا كيف بنوا وعلوا ثم تركوا وخلوا؟
فجمعوا ما لا يأكلون وبنوا ما لا يسكنون، وأملوا ما لا يدركون.
اسمع هذه القصة التي عاينتها لأن صاحبيها من سكان حيِّنا؛ ليتبين لك طرفًا من هذا المصير:
سافر رجلان إلى إحدى البلاد في طلب رزق للأولاد فجمعا من المال ما يغنيهما عن السؤال، وفتح الله عليهما من الدنيا للمحنة والابتلاء، ظلا سنوات في الغربة والبعد عن الأهل والأحباب، أرسلا الأموال إلى بلادهم فبنوا الديار وجهزوا لهم أحسن مكان، ولما حان وقت الرحيل ورجعا إلى بلدهم وفي الطريق إلى سكنهم وهم في اشتياق وحنين إلى مرجعهم لأنه لم يبق على وصولهم إلا ساعة، بل أقل؛ ليلتقوا بالأهل والأحباب، وهم في الطريق أحس أحدهما بعطش فقال للسائق: نريد ماءً. فوقف بجانب الطريق ليشربوا من مكان أعد للشرب فشربا دون السائق وبعد لحظات إذ هما في غمرات الموت وسكراته، ففزع السائق لما نظر إليهم لأنهم لا يتحركون ولا يتكلمون يناديهم ولكن لا يردون جوابًا، إذا هم في عداد الموتى وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم تبين بعد ذلك أن الماء يوجد به سم الأفعى.
أخي الحبيب: أف لدنيا هذه نهايتها، وهذا مصير لابد منه ولا تستطيع الفرار منه؛ بل تأمل لحظات النهاية لهؤلاء واحسب نفسك منهم؛ فلكل حي نهاية؛ لعلك تعتبر وتتعظ؛ فأنت من الأموات غدًا ومن أصحاب القبور. تأمل حال هؤلاء؛ كانوا بالأمس يمشون ويمرحون ويفرحون ينتظرون لقاء أهلهم بعد طول غياب؛ ظن أن ماله الذي جمعه سيخلده، ظن أنه سيعيش طويلاً، والمسكين لا يدري أنه في لحظة واحدة يصبح العبد كأنه لم يكن شيئًا مذكورًا؛ سيصبح في عداد الموتى. والله المستعان.
نعم يا أخي.. أين أمانيه وأين أحلامه؟! ذهبت وحلت. أين رفيقه المؤانس وأين صديقه المجالس؟! {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]؛ بعد قليل يتقلب على المغتسل بين يدي الغاسل قد زال عزه وسلب ماله وأخرج من بين أحبابه وجهز للتراب ونادوا أين المغسل.
فجاءني رجل فجردني



من الثياب وأعراني وأفردني


وأطرحوني على الألواح منطرحًا



وصار فوقي خرير الماء ينظفني


وأسكب الماء من فوقي وغسلني



غسلاً ثلاثًا ونادى القوم بالكفن


ثم ألبسوه الكفن وحمل للعفن ثم أنزل في قبر فيه دود وضيق وحفرة وظلمة، لا صديق يؤانس ولا صاحب يجالس ولا أب يرافق، وصار يقول كما قال القائل:
وأنزلوني إلى قبري على مهل



وقدموا واحدًا منهم يلحدني


وكشف الثوب عن وجهي لينظرني



وأسبل الدمع من عينيه أغرقني


فقام محتدمًا بالعزم مشتملاً



وصفف اللبن من فوق وفارقني


وقال هلوا عليه التراب واغتنموا



حسن الثواب من الرحمن ذي المنن


في ظلمة القبر لا أم هناك ولا



أب شفيق ولا أخ ليُؤنسني


نعم يا أخي انظر إلى أهل القبور كيف جمعوا كثيرًا وبنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا فأصبح جمعهم بورًا وبنيانهم قبورًا وأملهم مغرورًا؛ ويحك يا أخي أمالك فيهم عبرة! أتظن أنهم رحلوا عنا وسبقونا وأنت من المخلدين؟! هيهات هيهات؛ بئس ما توهمت، ما أنت إلا في إقبال على ربك منذ سقطت من بطن أمك؛ ألا تخاف إذا بلغت روحك التراقي ورأيت ملائكة سود الوجوه ينشدون بعذاب؛ هل ترى ينفع منك ندم أو يرحم منك بكاء؟!
العجب كل العجب؛ إنك تدعي أنك ذو بصيرة تفرح إذا زاد مالك ولا تحزن إذا ذهب يوم من عمرك.
كيف تعرض على آخرة مقبلة وتقبل على دنيا وهي معرضة عنك؛ فكم من مؤمل قطعه الأجل وأدل على ذلك؛ كم تسمع من خبر قريب أو صديق أو جار لك ها هو قد مضى ورحل عنك، يا أخي استمر معي في القراءة ولا تقف؛ لعل الله أن ينفعك بهذه الكلمات، وما يدريك؛ لعلك بعد قراءة هذه الرسالة يكون أجلك، ولعل من أتى بعدك سيعتبر بحالك.
ولكن من يدري متى يفاجئه الأجل؛ في لحظة واحدة ينتقل من النعيم إلى التراب ومن القصور إلى القبور.
ويحك لا تعجب؛ هذا حكم الله، ملك فأمر وحكم فعدل؛ كان الجنيد يقرأ القرآن وهو في سياق الموت ويصلي فختم فقيل له مثل هذه الحال يا أبا علي؟ فقال: ومن أحق مني بذلك وها هو تطوى صحيفة عملي. ثم كبر ومات ([13]).
وقال سلمان الفارسي t: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني وثلاث أحزنتني حتى أبكتني، أما الثلاث الأول: فمؤمل دنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه وضاحك ملأ فيه ولا دري أساخط عليه رب العالمين أم راض عنه؛ أما الثلاث التي أحزنتني حتى أبكتني: ففراق محمد r وفراق الأحبة، والوقوف بين يدي الله تعالى، ولا أدري؛ أيؤمر بي إلى الجنة أم إلى النار ([14]).
يا أخي اسمع إلى رجل ولى وجهه شطر الدار الآخرة يردد نداءات قلبية يبثها في خشوع وصدق من تلامذة الصحابة تربى وصنع على أعينهم؛ يقول عون بن عبد الله بن عتبة: «ويحي؛ كيف أفر من الموت وقد وكل بي؟! ويحي، كيف أنساه ولا ينساني؟! ويحي، إنه يقص أثري؛ فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني.. ويحي هل عسى أن يكون قد أظلني فمساني وصبحني أو طرقني فبغتني.. ويحي، أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي ولا يتجافى جنبي ولا تدمع عيني ولا يسهر ليلي.. ويحي، كيف أنام على مثلها ليلي.. ويحيى هل ينام على مثلها مثلي.. ويحي لقد خشيت ألا يكون هذا الصدق مني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي.
الله أكبر؛ هكذا حال الصالحين؛ عرفوا الله حقًا، استعدوا بالعمل الصالح، ندموا على زلاتهم، تفكيرهم في الآخرة؛ يرجون رحمته ويخافون عذابه.

دعوة للتوبة
يا أخي.. مالي أراك تخاف؟! لعل خوفك يرغبك في توبة خالصة وإنابة صادقة. ويحك؛ مالي أرى خوفك يكون فقط حين تقرأ وحين تسمع فإذا انتهيت من القراءة أو السماع زال خوفك! هذا إيمان لا ينفع صاحبه، إذا نفخت فيه صار كالعهن المنفوش، وأدل على ذلك لما جاءنا الزلزال وكنت في بلدي (مصر) آنذاك، وأدركنا ونحن في صلاة العصر وسمعنا صوتًا من السماء؛ رعدٌ وبرق وزلزلة في الأرض؛ هزة عنيفة- ظننَّا أن هذه النهاية، هربنا وجرينا في فزع وخوف وهلع: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1].
الشاهد من الرواية أننا كنا في صلاة العصر صفًا واحدًا؛ بل يزيد، ثم جئنا في صلاة المغرب وجدنا أن المسجد قد امتلأ عن آخره، قلت: ما الذي غَيَّرَ حال الناس؟! كنت تصرخ فيهم صباح مساء؛ استجيبوا لنداء الله؛ كأنك تناديهم من بعيد؛ ما الذي غَيَّرَ هؤلاء؛ إنه الخوف؛ لما رأوا هذا الغيب المستور عنهم انكشف أقبلوا على الله؛ ولكن لما مضى الزلزال وتناساه الناس زال خوفهم؛ فرجعنا في صلاتنا إلى صف؛ بل يزيد؛ أرأيت يا أخي الكريم كيف تغير الحال؛ فلما عاين القلب أحوال الآخرة وشدائدها أقبل على الله، ولما خلا القلب من ملاحظة أحوال الآخرة وما فيها من شدائد فترت عزائمه وضعفت همته.
قف مع نفسك وقفة صدق؛ فربما تنام ولا تقوم، وقد تذهب إلى عملك ولا تعود، وربما تتناول طعام الغداء ولا تتناول طعام العشاء، قد تركب سيارتك، وقد تخرج منها وأنت في عداد الموتى، قد تلبس ثوبك ويخلعهما غاسلك؛ فعلى أي حال تحب أن تموت؟ وعلى أي حال تحب أن تلقى ربك؟
أخي المبارك.. ما مضى من الدنيا أضغاث أحلام، رحلة سريعة مرت كلمح البصر، ذهبت الأيام والليالي حلوها ومرها، تلك هي الدنيا تمر مر السحاب؛ لكل بداية نهاية. قال بلال بن سعد - رحمه الله: يقال لأحدنا: تريد أن تموت؟ فيقول: لا! فيقال له: اعمل. فيقول: سوف أعمل. فلا يحب أن يموت ولا يحب أن يعمل، فيؤخر عمل الله تعالى ولا يؤخر عمل الدنيا([15]).
أخي الحبيب.. عجل وسارع ولا تتأخر ولب منادي الإيمان: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31].
وإياك والتسويف فإنه مدخل من مداخل الشيطان القوية، أو أن تغرك الأماني فالدنيا ساعة اجعلها طاعة، فإذا قلت له: وعجلت إليك ربي لترضى. غفر لك وقبلك؛ إنه هو الغفور الودود، لا تيأس من رحمة الله، اندم على ما مضى يغفر الله لك ما بقي.
أخي الحبيب.. {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
وعن أنس t قال: سمعت رسول الله r يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»([16]).
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران].
يا عبد الله، ماذا تريد بعد هذه البشارات؟! عد إلى ربك وتب إليه واستغفره وافتح صفحة بيضاء تعاهد فيها ربك وتستغفره ذنبك؛ فباب القبول مفتوح لكل توبة نصوح: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
قبل أن أختم الحديث ونفترق أنا وأنت أوصيك ونفسي بتقوى الله والإخلاص في السر والعلن والقول والعمل، جمعني الله وإياك في دار كرامته وهون علينا سكرات الموت وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاه، ورحم جميع أمواتنا وأموات المسلمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

قصيدة مَن الغريب
للإمام علي زين العابدين ([17])
ليس الغريب غريب الشام واليمن






إن الغريب غريب اللحد والكفن


تمر ساعات أيام بلا ندم






ولا بكاء ولا خوف ولا حزن


سفري بعيد وزادي لا يبلغني






وقسمتي لم تزل والموت يطلبني


ما أحلم الله عني حيث أمهلني






وقد تماديت في ذنبي ويسترني


أنا الذي أغلق الأبواب مجتهدًا






على المعاصي وعين الله تنظرني


يا زلةً كتبت! يا غفلة ذهبت






يا حسرة بقيت في القلب تقتلني


دع عنك عذلي من كان يعذلني






لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني


دعني أنوح على نفس وأندبها






وأقطع الدهر بالتذكار والحزن









دعني أسح دموعًا لا انقطاع لها






فهل عسى عبرة منها تخلصني


كأنني بين تلك الأهل منطرحًا






على الفراش وأيديهم تقلبني


وقد أتوا بطبيب كي يعالجني






ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني


واشتد نزعي وصار الموت يجذبها






من كل عرق بلا رفق ولا هوني


واستخرج الروح مني في تغرغرها






وصار ريقي مريرًا حين غرغرني


وغمضوني وراح الكل وانصرفوا






بعد الإياس وجدوا في شِرَا الكفني


وقام من كان أحب الناس في عجل






إلى المغسل يأتيني يغسلني


وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقًا






حرًا أديبًا أريبًا عارفًا فطن


فجاءني رجل فجردني






من الثياب وأعراني وأفردني


وأطرحوني على الألواح منطرحًا






وصار فوقي خرير الماء ينظفني


وأسكب الماء من فوقي وغسلني






غسلاً ثلاثًا ونادى القوم بالكفن


وقدموني إلى المحراب وانصرفوا






خلف الإمام فصلى ثم ودعني


صلوا علي صلاة لا ركوع لها






ولا سجود لعل الله يرحمني


وأنزلوني إلى قبري على مهل






وقدموا واحدًا منهم يلحدني


وكشف الثوب عن وجهي لينظرني






وأسبل الدمع من عينيه أغرقني


فقام محتدمًا بالعزم مشتملاً






وصفف اللبن من فوقي وفارقني


وقال هلوا عليه التراب واغتنموا






حسن الثواب من الرحمن ذي المنن


وأودعوني ولجوا في سؤالهمو






مالي سواك إلهي من يخلصني


في ظلمة القبر لا أم هناك ولا






أب شفيق ولا أخ يؤانسني


وهالني صورة في العين إذ نظرت






من هول مطلع ما قد كان أدهشني









من منكر ونكير ما أقول لهم






قد هالني أمرهم جدًا فأفزعني


فامنن علي بعفو منك يا أملي






فإنني موثق بالذنب مرتهن


تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا






وصار وزري على ظهري فأثقلني


فلا تغرنك الدنيا وزينتها






وانظر إلى فعلها من الأهل والوطن


وانظر من حوى الدنيا بأجمعها






هل راح فيها بغير الزاد والكفن


خذ القناعة من دنياك وارض بها






ولو لم يكن لك إلا راحة البدن


يا نفس كفِّي عن العصيان واكتسبي






فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني







***


([1])التذكرة للقرطبي.

([2])التذكرة للقرطبي.

([3])الزهد: 163.

([4])رواه البخاري 1/227.

([5])العاقبة: 135.

([6])العاقبة: 10.

([7])سيرة عمر لابن الجوزي 325.

([8])الأحياء 4/513.

([9])حلية الأولياء 5/51.

([10])صفة الصفوة 2/258.

([11])العاقبة: 39.

([12])الأحياء 3/224.

([13])العاقبة: 133.

([14])العاقبة: 64.

([15])العاقبة: 91.

([16])أخرجه الترمذي.

([17])قصيدة للإمام علي زين العابدين.
رد مع اقتباس
اعلانات
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

سكب العبرات عند السكرات



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 08:11 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب