منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

الهداية

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-12
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الهداية

بسم الله الرحمن الرحيم
الهداية
الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح للقلب ولا فرح إلا في الإخلاص في توحيده.
هو الذي إذا أطيع شكر، وإذا عُصي غفر، وإذا دعي أجاب، وإذا عُومل أثاب.
سبحان من سبحت وسجدت له السموات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، والشجر والدواب والرمال، وكل رطب ويابس.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وبعد:
فقد تكلمنا الأسبوع الماضي عن صلاة الوتر، وكانت لنا وقفات مع السور التي كان رسول الله r يكثر من قراءتها في صلاة الوتر (الأعلى)، و(الكافرون)، و(الإخلاص). ثم تكلمنا عن حكم القنوت بعد صلاة الوتر، وصفته ووقفاتنا اليوم مع (معاني دعاء القنوت).

الوقفة الأولى:
دعاء مهم بدأ به عليه الصلاة والسلام في دعاء القنوت «اللهم اهدني فيمن هديت». فما هي الهداية التي يطلبها، ويعلمها أفضل الخلق وأهداهم لأمته؟ وما أقسامها؟ كيف أهتدي؟ وما ثمرات هذه الهداية؟ وما معوقاتها؟!
«اللهم اهدني فيمن هديت» اللهم إني أتوسل إليك بأفعالك، وأنك تهدي من تشاء، فاهدني يا رب كما هديتهم؛ أي: اهدني في جملة من هديت من عبادك.
ومعلوم– أُخيتي– أن التوسل مشروع، بل هو من أقرب القربات لله أن تتوسلي بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله، وهو من آداب الدعاء. وهنا في دعاء النبي r توسل بفعل من أفعال الله, وهو الهداية؛ فيطلب عليه الصلاة والسلام من ربه عز وجل أن يهديه وأمته هداية الإرشاد، وهداية التوفيق.
وهداية الإرشاد تكون بالعلم، وهداية التوفيق تكون بالعمل؛ لأنه ليس كل من عَلِم عَمِل، وليس كل من عمل عملاً كان عن علم؛ فالتوفيق أن نعلم ونعمل, ومن هنا نعلم أن الهداية مراتب وأقسام؛ وهي على ثلاث مراتب:
أولاً: هداية البيان والدلالة، ولا سبيل إليها إلا من جهة الرسل.
ثانيًا: هداية التوفيق، وهو تحبيب الإيمان إلى العبد وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرًا، راضيًا عنه، راغبًا فيه.
وهداية التوفيق هذه لا تكون إلا من الله وحده.
ثالثًا: الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة، وهو الصراط الموصل إليها، فمن هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه.
واعلمي أخية: أنه على قدر ثبوت قدمك على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمك على الصراط المنصوب على متن جهنم, وعلى قدر سيرك على هذا الصراط، يكون سيرك على ذاك الصراط؛ فإن من الناس من سيمر عليه كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش، ومنهم المسلم، ومنهم المكدوس في النار! أعاذنا الله جميعًا منها! اللهم أمين!
لذا؛ فانظري سيرك هنا لتعلمي سيرك هناك، حذو القذة بالقذة، جزاءً وفاقًا. واعلمي كذلك أن الكلاليب المنصوبة على صراط جهنم تعيق الناس وتلقيهم في النار، هي ذاتها منصوبة على هذا الصراط الدنيوي، وهي التي تعوقك عن السير الجاد على هذا الصراط؛ ألا وهي (الشبهات والشهوات) وكلما كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك }وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ{.
لذا؛ فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر.
ولقد كان سؤال الهداية من أسرار الفاتحة العظيمة، فاتحة المطالب العالية، الفاتحة الشافية.
}اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ{ والصراط: هو الطريق، ولكن انتبهي، فإنه لا تكون الطريق صراطًا حتى تتضمن خمسة أمور– كما قال ابن القيم رحمه الله:
1- الاستقامة.
2- الإيصال إلى المقصود.
3- القرب.
4- سعته للمارين عليه.
5- تعيينه طريقًا للمقصود.
ومعلوم أن الطريق المستقيم يتضمن القرب؛ لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين. وكلما تعوج طال وبعد. وكذلك استقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود. ولا بد أن يكون واسعًا ليمر عليه الجميع. ثم إن هذه الطريق متعينة بإضافتها إلى المنعم عليهم؛ كما قال تعالى: }صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ{ وهذا مخالف لصراط أهل الغضب والضلال: }غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ{.
أخية: تأملي معي قوله تعلى في (الفاتحة) }أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ{ وقوله في سورة أخرى: }الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ{ الله أكبر!! فهذا أحد أسرار هذه الفاتحة الشافية لأمراض القلوب والأبدان! فهل من مدكر؟!!
ثم تأملي معي المقابلة بين (الهداية والنعمة) و(الغضب والضلال)؛ فذكر (المغضوب عليهم والضالين) في مقابلة (المهتدين المنعم عليهم). وهذا كثير في القرآن، يقرن بين الضلال والشقاء، وبين الهدى والفلاح؛ كقوله تعالى: }أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ وأما اقتران الضلال بالشقاء، فكقوله تعالى: }إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ{؛ فالهداية والسعادة متلازمان، كما أن الضلال والشقاء متلازمان. نسألك اللهم أن تهدينا فيمن هديت؛ لنسعد في الدنيا والآخرة!
وأخيرًا تأملي هذه الطريق: فإن لك عليها رفقاء، وهؤلاء الرفاق السالكون عليها هم من الذين أنعم الله عليهم؛ وبذلك يزول عن طالبي الهداية وحشة التفرد على الصراط ويعلمون أن لهم رفاقًا منقمًا, وإن كانوا قليلين عليهم لا يكترثون لمخالفة الناكبين عنه, وإن كانوا هم الأكثرين عددًا؛ وفي هذا المعنى قال أحد السلف: (عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين. وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين).
فكلما استوحشت في تفردك فانظري إلى الرفاق السابقين، واحرصي على اللحاق بهم، وغضي الطرف عمن سواهم؛ فإنهم لن يغنوا عنك شيئًا, وإذا صاحوا بك في طريق سيرك, فلا تلتفتي إليهم؛ فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك.
ولهذا مثل: (الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فضعف سعيه، فيدركه الكلب؛ فيأخذه)!.
أخية: إذن .. هداية لزوم الطريق المستقيم نعمة من النعم العديدة التي يمن الله بها على من يشاء، من عباده، ونور يقذفه الله عز وجل في قلب من يشاء, ولكنها نعمة لا ككل النعم، ونور يختلف عن جميع الأنوار؛ يقول عز من قائل: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي{، نعمة الهداية نعمة عظيمة، بدونها لا قيمة للإنسان ولا معنى لوجوده؛ فهو كسعفة في مهب الريح، ذرة هائمة من ذرَّات هذا الكون، ولكنه بنعمة الهداية يصبح عنصرًا فريدًا، إنسانًا كريمًا، أكرمه الله, وأنزل عليه كتبه، وأرسل إليه رسله، وبين له الطريق، وأعد له الجنة؛ كرامات إثر كرامات.
لكن متى يستحقها الإنسان؟
الجواب: إذا سار في الطريق، وإذا رزق نعمة الهداية!
وأنت إذا لزمت الطريق إلى النهاية، فسوف تحققين آخر مراتب الهداية بإذن الله؛ ألا وهي دخول الجنة. ولتحصيل هذا لا بد من المواصلة، فإنك– مثلاً– لو صمت يومًا من رمضان ثم أفطرت قبل المغرب بثانية، لبطل صومك. ولو صليت العشاء ثم انتقض وضوؤك قبل السلام بلحظة، بطلت صلاتك. لذا كان لا بد من لزوم الطريق إلى النهاية؛ ليتم الانتفاع، ولا يمكن الانتفاع إلا بحسن الخاتمة، فلنتمسك به, ولنعض عليه بالنواجذ, ولو خالفنا العالم كله؛ لأننا عرفنا، وما دمنا عرفنا, فلنلزم، ولا بد من كلمة تُقال:
ماذا نريد من مثل هذه المحاضرات، وهذه المجالس؟!
نريد منها أن تكون مجالس عمل، مجالس منهج، ولا نريد كلامًا يُقال، ثم نهز رؤوسنا موافقين، ثم كأن شيئًا لم يكن. نريد الانتفاع بما يقال، وإلا فما الفائدة؟!
إذن .. اعزمي وتوكلي، ومن هذا المجلس قرري مصيرك، ومن هذا المجلس حددي اتجاهك من الله، ومن هذا المجلس غيري واقعك، واقلبي نفسك رأسًا على عقب، ورددي معي: (اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول, فيتبعون أحسنه) (اللهم اهدنا فيمن هديت).

كيف أهتدي؟!
اعلمي أولاً أن الهداية منة من الله تعالى، يقذفها في قلب من يشاء من عباده؛ فالله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالهداية؛ يقول سبحانه وتعالى: }بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ{، وهي المعنية بقوله تعالى: }وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{. وهذه الهداية هي الهداية التوفيقية، لا هداية الدلالة والإرشاد؛ لأن هداية الإرشاد يقوم بها الرسل وأتباعهم، بل, وعلى الجميع القيام بها من آباء وأمهات ومسؤولين.
والهداية التوفيقية التي ينفرد بها الله سبحانه وتعالى، قد استشعرها الصحابة, فعلموا أن لا هادي إلا الله، فقد ورد في (صحيح البخاري) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله r إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟! وكان شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم فيقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا



ولا تصدقنا ولا صلينا


فاغفر فداء لك ما اقتفينا



وثبت الأقدام إن لاقينا


فلما سمعه الرسول r سأل عنه, ثم دعا له بقوله: «يرحمه الله».
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها؛ وهي:
أن كثيرًا من الناس إذا سمع أحدًا ينصح إنسانًا, ويدعوه إلى الهدى، فسرعان ما يقول بعضهم: دعهم؛ فإنك لا تهدي من أحببت! ولو عرف المعترض معنى هذه الآية ومعنى الهداية المقصودة فيها، لم يقل هذا الكلام.
قال القاسمي في تفسير هذه الآية: إنك لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم، ومعلوم أن الآية نزلت في أبي طالب عم الرسول r وقوله: }وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ{؛ أي: القابلين للهداية؛ لاطلاعه سبحانه وتعالى على استعدادهم, وكونهم غير مطبوع على قلوبهم؛ لأن الله بعلمه السابق يعلم من يهتدي, ويأخذ بأسباب الهداية، ويعلم من يضل ويشقى.
وتأملي معي أول خطاب وجهه الله سبحانه وتعالى لنبيه آدم عليه السلام، بعد أن تاب عليه, وأهبطه إلى الأرض؛ فقال سبحانه: }قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ{ فقوله تعالى: }يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى{ فيه دلالة كبيرة على أن الإنسان يستطيع أن يختار؛ إما الهدى, وإما الضلال.
وهذا كقوله تعالى في سورة طه: }فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى{ وهذا أيضًا كقوله تعالى: }وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا{.
ويبقى على الإنسان الذي يريد الهداية أن يسلك سبيلها أن الله سبحانه وتعالى قد سن في هذا الكون سننًا, وسبب أسبابًا، ومن سُنن الله في الكون أن يرزق الهداية لمن أرادها, وسلك سبيلها.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها




إن السفينة لا تجري على اليبس





وقد ورد في الحديث الصحيح: «يا عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا، يا عبادي, كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم ...» مسلم.
إذن، فاطلبي من الله الهداية يهدك الله؛ فإن الله تعالى لا يرد من أقبل عليه، بل إذا تقرب إليه العبد شبرًا تقرب الله إليه ذراعًا، وإذا تقرب العبد إليه ذراعًا تقرب الله إليه باعًا, وإذا أتاه يمشي أتاه هرولة، وكان الله لعبده بكل خير أسرع، سبحانه!!
وأما طريق الهداية, فيكون بالأخذ في أسبابها، فإذا عزمت على سلوك درب الهداية فأنت الآن بين ثلاثة أوقات– فتدبري:
أ- زمن مضى.
ب- وزمن حاضر.
ج- وزمن مستقبل.
أ- أما الماضي: فإصلاحه بالتوبة والاستغفار، وهذا عمل قلبي لا تعب فيه. ولا يوجد أحد يقول: لا أقدر أن استغفر الله وأتوب إليه. إلا المحروم!. نسأل الله السلامة.
ب- وأما المستقبل: فإصلاحه بالنية الحسنة والعزم على عدم المعصية. فهل في هذا تعب؟! كلا, فهو أيضًا عمل قلبي، فليس هناك أحد يقول: لا أستطيع أن أنوي الخير، أن أنوي التوبة، أن أنوي الإقلاع عن المعاصي، أن أنوي إغلاق التلفاز.
وبالتوبة والإنابة والنية للمستقبل يكون أول طريق الهداية؛ يقول تعالى: }وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ{؛ ولا تدرين! فقد يكون الأجل قريبًا، الساعة، الليلة، غدًا، فيكون حسن الخاتمة إن شاء الله.
ج- وأما الحاضر– وهو المهم: فإصلاحه بالاجتهاد, وأخذ أسباب الهداية.
فما أسباب الهداية؟
أسباب الهداية:
قال بعض أهل العلم: إن للهداية عشرة أسباب. والله أعلم, فقد تقل وقد تكثر، ونجملها على النحو الآتي:
أولاً: التوبة: وكما تعلمين، فإن التوبة ينبغي أن يكون لها محاضرة مستقلة، ولكن نقول على وجه الإجمال: إن من أول أسباب الهداية الرجوع إلى الله عز وجل والاعتراف بالذنب، والاستغفار منه، كما يقال: (التخلية قبل التحلية) وتكون التوبة الآن، قبل الغد، وقبل رمضان، دون تسويف ولا مماطلة؛ لأن التسويف والمماطلة أعظم خسارة؛ وقد ورد في الأثر أن أكثر صياح أهل النار, وهم فيها: (واهًا وأف لمسوِّف).
ثانيًا: العلم: إذ بغير علم لا يمكن أن يهتدي المرء، فالعلم نور، }وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ{، ونعني بالعلم هنا: العلم الموروث عن رسول الله r، علم الكتاب والسنة؛ وهو التوحيد: توحيد الربوبية، وتوحيد الله بأسمائه وصفاته، وتوحيد الألوهية؛ يقول تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ{. وأول هذا العلم هو حق الله على عباده.
ثالثًا: القرآن: فتلاوة القرآن وتدبر معانيه وفهم ألفاظه من أعظم أسباب الهداية – بعد العلم -، فالله سبحانه وتعالى ما أنزل كتبه على عباده إلا لتكون سببًا لهدايتهم:
- فقال عز من قائل: }وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ{ [سورة التوبة: 115].
- وبيَّن تعالى أن التوراة كانت لهداية اليهود؛ فقال سبحانه وتعالى: }أ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ{.
- وكذلك الإنجيل؛ فقال تعالى: }وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ{.
أما القرآن الكريم فهو أعظم الكتب وأشرفها وأجلها وآخرها؛ فقد وردت فيه آيات كثيرة دل على أنه إنما أنزل هدى ورحمة وشفاء للمؤمنين من الجن والإنس:
قال تعالى مبينًا أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كاملاً في شهر رمضان، وإنه أنزل لهداية الناس:
أ- }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{ [سورة البقرة: 185].
ب- }ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ{ [البقرة: 2].
ج- }تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ{ [سورة لقمان: 2-3].
د- }تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{ [سورة النمل: 1-2].
هـ- وبيَّن سبحانه وتعالى أنه شفاء؛ فقال تعالى: }وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ{ [سورة الإسراء: 82]. وفي موضع آخر ذكر جملة من النعم فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ{ [يونس: 57].
و- وقد اهتدت الجن بهذا القرآن الكريم؛ قال تعالى: }قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ{ [سورة الجن: 1-2]. وقال تعالى: }وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ{ [الأحقاف: 29، 30].
ز- والآية التالية تشمل جميع أنواع الهدى؛ قال تعالى: }إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا{ [الإسراء: 9].
يقول سيد قطب– رحمه الله: (هكذا على وجه الإطلاق، فيمن يهديهم وفيما يهديهم؛ فيشمل الهدى أقوامًا وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان)، ثم يقول رحمه الله: (فمن هداية القرآن للتي هي أقوم:
1- هداية الفطرة السليمة إلى توحيد رب الأرباب, ومسبب الأسباب، الواحد الأحد، واستخراجهم من الظلمات إلى النور؛ من ظلمات الباطل والشرك إلى نور الطاعة والتوحيد.
2- ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين عقيدته وعمله؛ قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ{.
3- يهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة؛ بالموازنة بين التكاليف والطاقة؛ فلا تشق حتى تمل وتيأس، ولا تسهل حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، وإنما قصد واعتدال؛ قال تعالى: }لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا{.
4- يهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس فيما بينهم، وما يُرى اليوم من علاقات خاطئة, وتعد على حقوق الغير، وتقاطع وتناجشٍ، وتحاسد، وتنابز، إلا بسبب الإعراض عن العمل بهدي القرآن.
5- وأخيرًا فإن القرآن يقعد قاعدة أصيلة في العمل والجزاء، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، والإيمان بلا عمل مبتور لم يبلغ تمامه، والعمل بلا إيمان مقطوع لا ركيزة له، وبهما معًا تسير الحياة على التي هي أقوم، وبهما معًا تتحقق الهداية بهذا القرآن، وهذا واضح في قوله تعالى: }إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا{ [الإسراء: 10].
ويختم قوله- رحمه الله- عن هدي القرآن: فيقول: (الذين لا يهتدون بهدي القرآن فهم متروكون لهدي الإنسان، وهذا الإنسان عجول جاهل بما ينفعه وما يضره، مندفع لا يضبط انفعالاته، ولا يعرف مصائر الأمور، ولا يقدر على كبح جماح نفسه. فأين هذا من هدي القرآن الثابت الهادي، شتانَ شتان بين هدي القرآن وهدي الإنسان!!). أ.هـ.
وحقًا: } قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا{ [الإسراء: 88].
أخيَّة: لا يخفى علينا أنه بفضل هذا القرآن هُدي كثير من الضالين، كثير دخل في حظيرة الدين بفضل تلاوة آيات القرآن الكريم، فهذا عمر رضي الله عنه كان سبب هدايته سماع القرآن، وكذلك أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ، وجبير بن مطعم، وغيرهم كثير.
رابعًا: من أسباب الهداية اتباع الرسول r:
يقول سبحانه وتعالى مبينًا أن من اتبع الرسول فقد اهتدى: }قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ{ ويقول بعدها: }وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا{ [النور: 54].
- وهذه سنة الله في كونه، يُرسل المرسلين هادين لأقوامهم لإقامة الحجة عليهم قال تعالى: }إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ{.
- وقال الله تعالى على لسان الرجل المؤمن لأهل القرية الكافرة: }اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ{.
وهذا يوسف عليه الصلاة والسلام يهدي الله تعالى على يديه الضالين، وهو في أحلك الظروف وأشدها، فها هو يدخل السجن ظلمًا وعدوانًا بعد نجاته من إغراءات امرأة العزيز، ومع ذلك لا تصرف عنه كيدها، بل تنتقم منه فتدخله السجن؛ لعدم خضوعه لرغبتها الآثمة، وهناك– في السجن– لا ينسى مهمته كرسول؛ فيدعو ويرشد ويهدي؛ ويعبر لصاحبيه في السجن ما رأياه من رُؤى، وقبل جوابه عن تفسير الرؤيا يستغل الفرصة فيقول لهما: }يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{.
- وقال تعالى مبينًا أن موسى– عليه السلام– إنما أرسل بالكتاب هداية لقومه: }وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ{؛ إذن, لا يشك عاقل في مهمة الرسل ودعوتهم, وتبقى دعوة نبينا– عليه أفضل الصلاة والسلام– أشمل وأكمل، وخوفه على أمته وحرصه على هدايتها، الحرص وهو الذي يقول عليه الصلاة والسلام يوم الحشر: (أمتي! أمتي).
ولا بد أن تكون محبة الرسول r من لوازم الإيمان وواجباته، كيف لا, وهو الذي شجت وجنتاه وكسرت رباعيته ومع ذلك يقول: (اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون).
وقام ليلة يبكي, ويردد قوله تعالى: }إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{، وما ذاك إلا شفقة على قومه ورحمة لهم.
وهذا غلام يهودي على غير ملة الإسلام، يكتب الله له الهداية بدعوة الرسول الكريم r وينجيه الله من النار؛ فما بالك به بأمته عليه الصلاة والسلام؟!
خامسًا: من أسباب الهداية: الإيمان:
يقول تعالى: }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{، فقد بينت الآية أن الإيمان سبب الهداية في الدنيا. وفي موضع آخر بين الله سبحانه وتعالى أن الإيمان سبب للهداية في الدنيا والآخرة فقال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ{؛ أي: بسبب إيمانهم؛ فالإيمان بالله تعالى من أهم أسباب الهداية.
والإيمان لا بد أن يكون اعتقادًا، وتصديقًا بالجنان، ونطقًا باللسان، وعملاً بالأركان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، فمن أتى بأركان الإيمان هذه فقد اهتدى بإذن ربه، ومن تحصن بهذه النعمة العظيمة فقد فاز.
عاش كثير من العائلات في أمريكا، وتحصنوا بالإيمان كالصحابة، وترك بعض الناس في الجزيرة الإيمان فتردوا حتى كأنهم من ذرية أبي لهب!! لماذا؟! لأن الإيمان أعظم ما يهدي العبد إلى الله تعالى.
وقد تقول قائلة: كيف أحصل على هذه النعمة العظيمة؟
يقول لك ابن القيم– رحمه الله وأجزل مثوبته -: (هلم, لتدخل على الله من أقرب الطرق وأوسع الأبواب).
وابن القيم رحمه الله يعني بقوله هذا:
أن أقرب الطرق وأوسع الأبواب إلى الله عز وجل هو الإيمان به سبحانه وتعالى؛ لأن الإيمان سبب للهداية كما قال جل وعلا: }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{. فهداية القلب نتجت عن الإيمان بالله.
والإيمان المقصود هنا هو الإيمان الكامل ظاهرًا وباطنًا، قلبًا وقالبًا؛ وهو الخضوع والتسليم لأوامر الله سبحانه وتعالى وأوامر نبيه r؛ يقول الله تعالى في هذا المعنى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً{.
وكما بينا سابقًا أن الإيمان يزداد بالطاعات؛ وكلما زاد الإيمان كان سببًا في الهداية والسداد والتوفيق، حتى يؤدي بالعبد إلى مرتبة سامية من مراتب الهداية؛ ألا وهي التقوى، واسمعي معي قوله تعالى: }وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ{ [محمد: 17].
ولا يُنال هذا المطلب السامي إلا بالتقرب من الله سبحانه، وذلك بأداء الفرائض والإكثار من الطاعات والنوافل؛ فتتولد بهذا محبة الله؛ كما ورد في الحديث القدسي الذي رواه النبي r عن ربه عز وجل: «وما تقرب إلي عبدي بعمل أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، [تسألينه الهداية يهديك]، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه».
إذن؛ من هذا الحديث القدسي يتبين لنا فائدة جليلة مرتبطة بآية كريمة في كتاب الله في سورة الحجرات؛ وهي قوله تعالى: }وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً{ [الحجرات: 7، 8]. فمن تقربت إلى الله بفرائضه ونوافله التي افترضها عليها، أحبها الله، وحبب لها الإيمان وزينه في قلبها، وكره إليها الكفر والفسوق والعصيان، وجعلها راشدة مرشدة؛ وذلك تفضل منه ونعمة، سبحانه وتعالى.
فإذا وجدت في قلبك كراهية المعاصي والآثام، وإذا كرهت التبرج والمعازف، والأسواق واللغو، والخوض في قيل وقال, فليس هذا لأنك معصومة, وليس لأنه ليس لديك شهوة؛ ولكن لأن الله كره إليك هذا بطاعتك وحرصك على زيادة إيمانك، فحبب إليك الإيمان، فكنت من الراشدين، وهذا هو والله الفضل والنعمة التي يحسد عليها صاحبها!.
أما التي أعرضت، فقد تولاها الشيطان وزين لها المعاصي وسوء الأعمال، وحبّبها إليها، وكره إليها الإيمان والطاعات، وعسرها عليها؛ يعني العكس، وفي هذا يقول تعالى: }وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى{. نسأل الله العفو والسلامة!
سادسًا: من أسباب الهداية: الاعتصام بالله سبحانه وتعالى:
يقول الله في كتابه الكريم: }وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [آل عمران: 101]، ويقول تعالى في الحديث القدسي: «وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بي فكادته السموات والأرض إلا جعلت له منها مخرجًا، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني إلا قطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالي بأي واد هلك». ولو عدنا إلى الآيات من أولها لوجدنا التوجيه للأمة المسلمة بالتمسك بشرعها ودينها، فتأملي معي هذا القول الكريم: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [آل عمران: 100، 101].
والآن قد استوفى رسول الله r أجله واختاره الرفيق الأعلى، ولكن آيات الله باقية وهدي رسوله r باق، ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن وبسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، كما خُوطب الأولون، وطريق الاعتصام بين، ولواؤه مرفوع بقوله تعالى: }وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{. وهذا يعني أن الاعتصام بالله يهدي، وأنه يعصم، والله سبحانه وتعالى باق، وهو سبحانه الحي القيوم.
سابعًا: من أسباب الهداية: الصدق مع الله والمجاهدة فيه:
أخية: تريدين الهداية, وتسألين الله الهداية؟! إذن لا بد أن تصدقي مع الله، وتشحذي الهمة على اتباع الأوامر واجتناب النواهي، وأن تبحثي عما يوصل إلى محبة الله.
أما أن تسألي الله الهداية, وأنت مقيمة على ما أنت عليه من المعاصي والآثام واللهو، وإضاعة الأوقات في الأسواق والحفلات والمنافسة فيها، فأنت حينئذ لم تصدقي مع الله في سؤالك الهداية، فالله قد أعطاك اليد, فكما حركتها على الأغاني فحركيها على القرآن! والله قد أعطاك القدم، فمثلما حملتك إلى الأسواق وإلى مجالس اللهو والمحرمات، فلتحملك إلى مجالس الذكر! وهذا يجري على كل جوارحك.
وقد تقول قائلة: وكيف أكون معصومة عن الذنوب؟
نقول: ليس هذا ما نعني، وليس منا معصوم، ولكن القصد هو المجاهدة والمحبة الصادقة لاتباع أوامر الله يقينًا في قلوبنا، فلا يجدنا الله حيث نهانا.
ألم يكن في عهد رسول الله r شارب خمر، وشرب الخمر من الكبائر، فجلده رسول الله مرات, ولم ينتهِ، فقال له أحد الصحابة مرة: قاتلك الله، فقال رسول الله r: (لا تسبه، فو الذي نفسي بيده ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)!.
الله أكبر! لا يقاوم شهوة، ولكن في قلبه حب لله, ولرسوله، بذرة هو ما سقاها, ولا قواها حتى تصبح شجرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
من هنا اعلمي أن من أكثر الأمور التي تعين على الصدق مع الله: المجاهدة؛ يقول تعالى: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا{، وليس هناك من شيء في هذه الدنيا إلا ويأتي بالتعب والجهد.
والمجاهدة أنواع:
1) مجاهدة النفس، ولها مراتب:
أ- مجاهدة النفس على تعلم الهدى.
ب- مجاهدة النفس على العمل بالعلم.
ج- مجاهدة النفس على الدعوة إلى الله.
د- مجاهدة النفس على الصبر على الأذى في سبيل الله.
2) مجاهدة الشيطان بعد مجاهدة النفس, فلا يجد له عليك سبيلاً.
3) جهاد المنافقين أعداء الدين.
4) جهاد الكفار.
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب رحمه الله: (إن الهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه, والذين يجاهدون فيه).
ثامنًا: من أسباب الهداية: الدعاء:
وبعد الصدق مع الله والمجاهدة، نتبع ذلك بالدعاء فنقول: (اللهم اهدنا فيمن هديت). ومعلوم أن الدعاء هو العبادة، ونحن نتعبد لله بذلك يوميًا عند قراءتنا الفاتحة في أثناء الصلاة فنقول: }اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ{.
وكان النبي r يعلم عليًا رضي الله عنه الدعاء فيقول له: «يا علي، سلِ الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم».
بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام!! فقد ضرب لنا المثل الحي لطلب الهداية، فهو يقول: إذا خرجت إلى مكان لا تعرفينه وسلكت طريقًا لا بد أنك مجتهدة في معرفة الطريق الصحيح للاستدلال، وهكذا طريق الهداية, لا بد أنك مجتهدة لمعرفة الطريق الموصل إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! وذلك بسؤال الله, والتوجه إليه أن يسدد خطاك ويوفقك.
ولا بد لك من استشعار الذل والخضوع بين يدي الله؛ لأن الدعاء استعانة من عاجز ضعيف بقوي قادر، واستغاثة من ملهوف برب رؤوف، وتوجه إلى مصرف الكون ومدبر الأمر, ليرفع غمة أو يكشف كربة أو يحقق رجاء, وأي رجاء أكبر من سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة؟!
وقفي معي هذه الوقفات مع دعاء النبي الكريم r وسؤاله الهداية:
أ- كان عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل افتتح صلاته بدعاء تنخلع له القلوب؛ فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
ما أحوجنا أخواتي إلى مثل هذا الدعاء في زمان كثرت فيه الأهواء والبدع, وانتشرت الضلالات والمضلون, على الله أن يهدينا سبحانه بإذنه, فهو ولي ذلك.
يقول بعض أهل العلم معلقًا على دعاء النبي r هذا (فهداية الله سبحانه وتعالى هداية عامة، وهداية خاصة، وهُديت به الأمم، فكل من ينطق بـ"لا إله إلا الله" وكل هذه الملايين التي توحد وتصوم، من ورقات شجرة محمد r ). اهـ.
ب- وكان عليه الصلاة والسلام يكثر وهو ساجد من قوله: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والغنى».
ج- وكان يحث أمته على الإكثار من الدعاء بين السجدتين ويقول: «قولوا: رب اغفر لي وارحمني واهدني وأجبرني...».
د- ثم يختم وتره صلوات الله وسلامه عليه بقوله: «اللهم اهدني فيمن هديت».
تاسعًا: من أسباب الهداية: التأمل والتفكر في مخلوقات الله الكونية وآياته الشرعية:
ألم يقل رسول الله r عندما نزلت عليه أواخر آل عمران: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ{ الآيات؛ قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر بها».
ولأن لسان الحال والمقال لا يملك أمام هذا الخلق العظيم والتنظيم البديع إلا أن يقول: }لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{ [الفتح: 4].
تالله إن في التفكر في مخلوقات الله دعوةً إلى أصحاب القلوب الذاكرة، العابدة، العاقلة، المؤمنة، إلى أولي النهى وأولي الألباب؛ ليتفكروا ويتأملوا، ثم ينتفعوا ويزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، وينطبق عليهم قوله تعالى: }وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ{.
وتالله إنها لدعوة للغافلات الساهيات، المعرضات، وللتبرج فاعلات، وإلى الأسواق هاربات، وفي الحفلات غارقات، دعوة إلى العلم بالله علمًا يقود إلى خشيته ومحبته، فمن كان به أعلم كان له أخشى وأتقى.
فهي دعوة لهم ليتأملوا, ويتدبروا آيات الله الشرعية المتلوة في كتابه الكريم، وهي دعوة للتأمل والتدبر في مخلوقات الله وآياته الكونية؛ ليحققوا معنى }لِيَعْبُدُونِ{ }لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{، }لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ{، }لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{، }لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ{، }وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ فيرجعون للخالق, ويعلمون أن الله لم يخلقهم عبثًا, فيتعلمون علمًا يقودهم إلى توحيد الله ومحبته وخشيته.
تأملي:
تأمل في الوجود بعين فكر



تر الدنيا الدنية كالخيال


ومن فيها جميعًا سوف يفنى



ويبقى وجه ربك ذو الجلال


وتأملي:
واطعن برمح الحق كل معاند



واركب جواد العزم في الجولان


واجعل كتاب الله درعًا سابغًا



والشرع سيفك وابْدُ في الميدان


أخواتي .. يقول تعالى: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ [البقرة: 164].
إن تأملت هذا القول الكريم عرفت حقًا أنه إله واحد خالق عظيم، وعرفت أن الكون كتاب مسطور ينطق تسبيحًا وتوحيدًا وذراته تهتف تمجيدًا }هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ{.
هذه السماء التي بغير عمد من رفعها؟! وتلك الكواكب من زينها؟! والجبال من نصبها؟! وهذه الأرض من سطحها وذللها وقال: }فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا{؟! والطبيب من أرداه, وقد كان يرجى بإذن ربه منه الشفاء؟! والمريض, وقد يئس منه من عافاه! الصحيح من بالمنايا رماه؟! البصير من بالحفرة أهواه؟! والأعمى في الزحام من يقود خطاه؟! الجنين في ظلمات ثلاث من يرعاه؟! الوليد من أبكاه؟! الثعبان من أحياه والسم يملأ فاه؟! الشهد من حلاه؟! اللبن من بين فرث ودم من صفاه؟! الهواء تحسه الأيدي ولا تراه, من أخفاه؟! النخل من شق نواه؟! الجبل من أرساه؟! الصخر من فجر منه المياه؟! النهر من أجراه؟! البحر من أطغاه؟! الليل من حاك دجاه؟! الصبح من أسفره, وصاغ ضحاه؟! النوم من جعله وفاة؟!، واليقظة منه بعثًا وحياة؟! العقل من منحه وأعطاه؟! والنحل من هداه؟! الطير في جو السماء من أمسكه ورعاه؟! وفي أوكاره من غذاه ونماه؟! الظالم من يمهله؟! الجبار من يقصمه؟! المظلوم من ينصره؟! المضطر من يجيبه؟! الملهوف من يغيثه؟! الضال من يهديه؟! الحيران من يرشده؟! العاري من يكسوه؟! الجائع من يشبعه؟! الكسير من يجبره؟! الفقير من يغنيه؟! أنت, أنت من خلقك من صورك؟! من شق سمعك وبصرك؟! ومن سواك فعدلك؟! من رزقك؟! من آواك وسترك؟!
إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه لا إله إلا هو.
أنت من آياته، والكون من آياته، والآفاق من آياته، كلها تشهد بوحدانيته، وأنت أمة مخلوقة موحدة تهتفين تمجيدًا:
}هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ{.
لله في الأوقات آيات لعل



أقلها هو ما إليه هداك


ولعل ما في النفس من آياته



عجب عجاب لو ترى عيناك


والكون مشحون بأسرار إذا



حاولت تفسيرًا لها أعياك



عاشرًا: من أسباب الهداية: الرفقة الصالحة والجماعة الطيبة والإخاء في الله:
يقول سبحانه وتعالى: }الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ{ [الزخرف: 67].
ويقول r: «الأرواح جنود مجندة، ما تشابه منها ائتلف, وما تنافر منها اختلف».
فمن أحبت الطيبات طيبة، والتي تحب السيئات لديها ضعف إيمان جعلها تركن إليها. ومَن صاحبت أهل القلوب الرقيقة الخاشعة خشعت، ومن جالست أهل العيون الدامعة بكت من خشية الله، فنالت عفو الله عنها بإذنه ورضوانه.
و(قل لي من تخالل أقل لك من أنت).
والصاحب السيئ والصاحب الطيب كنافخ الكير وحامل المسك.
والمرء يحشر مع من يحب.
وكفى بهذا واعظًا.
ولنا وقفة إن شاء الله عند معوقات الهداية عن أثر الصاحب السيئ وصده عن سبيل الهدى.

خاتمة
وبعد .. فهذه بعض الأسباب التي تهيأ لي جمعها في هذه العجالة, أسأل الله أن يوفقنا للأخذ بها, والعمل بمقتضاها.
وبقيت لنا وقفتان مع الهداية:
1) ما ثمراتها.
2) ما معوقاتها.

رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-12
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الهداية

ثمرات الهداية، ومعوقاتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثمرات الهداية
إن الإنسان حينما يعرف أنه إنما خلق لعبادة الله، ويستقيم على منهج الله، ويستجيب لداعي الله، ويتمسك بهداية الله تتحقق له نتيجة لهذه الاستجابة عدة معطيات وعدة ثمار وآثار يجنيها في الدنيا والآخرة. أما ثمرات الهداية في الآخرة, فنؤخر عنها الكلام الآن؛ لأن الناس قد جبلوا على حب العاجلة: }إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا{، }كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ{.
ولكن ثمار الهداية الغالية نجنيها في الدنيا قبل الآخرة، وأما الكفر والضلال والانحراف, فهو شجرة السم التي يتجرعها الفاسق والعاصي في الدنيا قبل الآخرة.
وبإيجاز نلخص هذه الثمار في عدة نقاط:
1- الثمرة الأولى:
أن الله عز وجل ينزع من قلب المهتدي الاضطراب والحيرة، ويزرع في قلبه الطمأنينة والهدوء والسكون والارتياح، وهذه وحدها كافية لتعدل كل لذة في الدنيا؛ فإن القلق داء العصر، والاضطراب والحيرة مرض هذا الزمان، وسببه البعد والضلال عن منهج الله؛ كحال من ضل, وهو مسافر عن الطريق، والوقود يريد أن ينفد، والزاد كذلك، وكل دقيقة تمر عليه تقربه إلى الهلاك، ويأتيه من يعرفه الطريق فقال: امشي ورائي، حتى دله وأرشده. فكيف حاله عندما رأى الطريق؟! يكون الفرح والطمأنينة والسكينة ثم ينام, ويأكل, ويشرب, ويهدأ باله.
وهذه الدنيا صحراء ومتاهة كبيرة يعيشها الإنسان, ويعاني منها، فترى الضال والمنحرف يتيه فيها وفي متاهاتها، ولا يدري أين يتجه، وهو في غاية القلق، خاصة إذا تذكر الآخرة, وأن الزاد سينفد, وأن الوقود سينتهي؛ لأنه سيموت؛ لذلك تجدهم إذا ذكر الموت تضيق أخلاقهم وصدورهم, ويقولون: نخاف, لا تتكلموا عنه. ويغالطون أنفسهم, لينقلوا أنفسهم من الواقع المرير الذي يعيشون فيه بالمغالطة، حتى أنك تجدين ضحكهم غريبًا (قهقهة)، ويكثرون من قراءة النكات والصفحات الضاحكة، وكذلك يحضرون الحفلات بكثرة والمسرحيات، بل قد يشترون الكتب الضاحكة خاصة، لماذا؟! هل الضحك غاية؟! كلا بل هو دليل ضيق في الداخل وعذاب في الباطن، يريد الإنسان أن ينتزع هذا الألم بالمغالطات, أما الهداية فهي السكون والراحة والحمد، ولا يعرف نعمة الهداية إلا من ذاقها }وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ{ [الأنعام: 153].
وقصة ابن تيمية وسجنه دليل على السكينة، ولو كان في أضيق السجون، وكان يقول رحمه الله: المسجون من سُجن عن ربه، والمأسور من أُسر عن طريق ربه.
2- الثمرة الثانية:
ومن الثمرات أن الهداية تضبط سلوك المكلف، وهذا الضبط للسلوك يصرف عنه الآفات والمحن، ويحميه من الزلات والمشاكل التي يجرها عليه طريق الضلالة في الدنيا والآخرة.
كيف؟!:
حينما يستجيب الإنسان لداعي الله, ويلتزم بمنهج الله تنضبط تصرفاته، أليس كذلك؟! فهذه لأنها لا تخرج متبرجة؛ فهي لا تقع في فتن ومعاكسات قد تذهب بعرضها، والكثير من الوقوع في الورطات بسبب الضلالة، بينما الهداية تجعل الإنسان يتبصر, ويحسب الحساب لكل تصرفاته.
3- الثمرة الثالثة:
ومن ثمار الهداية بسط رزق المؤمن المهتدي، فإن الله يبسط له رزقه, ويوسع له فيه حتى لو كان قليلاً لجعله الله بفضل هدايته مباركًا, ويجعل له عيشه واسعًا.
حاتم الأصم أراد أن يحج فقال لأهله: أريد الحج، ولم يكن لأهله رزق غير ما يريد به الحج, فقالت ابنته الكبرى: عندي شيء. ومر عليهم أيام، ثم قالوا للبنت: هاتي ما عندك. قالت: والله, ما أردت أحرم أبي من الحج، ولكن إذا غاب أبونا فربنا موجود؛ فإن الله سوف يجعل لنا من أمرنا مخرجًا. وفي الليل مر حاكم البلد يعس، ثم شعر بظمأ، وكان قريبًا من بيت حاتم الأصم، فسقته البنت, وكان الحاكم عطشانَ والماء باردًا، فارتوى، فأخذ ما بجيبه من مال ومن جيوب مرافقيه ووضعها في الكأس, فخرجت الكأس مليئة بالماء, ورجعت مليئة بالنقود، فدخلت البنت, وسكتت ثم في اليوم التالي ضاق حال أهلها، وقالوا للبنت: أنت قلت: عندي شيء، ولو لم تقولي لما سافر. فقالت: عندي شيء. وجاءت بالمال.
فمن رزقه إياه؟! إنه الله سبحانه وتعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ{.
فبالتقوى يأتيه الرزق من كل طريق، والرزق في هذه الآية ليس هو الرزق الكمي بل الرزق الكيفي، فيجعل في رزقك بركة, وفي قلبك قناعة.
4- الثمرة الرابعة:
ومن ثمار الهداية محبة الخلق للمهتدي، وهذه ينتزعها من الناس انتزاعًا، من يستطيع أن يجبر الخلق على محبته؟! لا أحد؛ لأن القلوب بيد الرحمن؛ وفي الحديث الشريف: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه. فيحبه، ثم ينادي في السماء: يا أهل السماء، إن الله يحب فلانًا فأحبوه. فيحبونه، ثم يلقي له القبول في الأرض». والعكس من ذلك حتى ترى كل شيء يبغض العاصي حتى جلده وأولاده وثوبه الذي هو عليه.
ومن فوائد هذه الثمرة أنها تبقى له بعد مماته؛ فيشهدون له بالخير, وتأتيه الدعوات وهو في قبره.
5- الثمرة الخامسة:
ومن ثمار الهداية– أخيرًا– أن الله عز وجل يرزق المؤمن قوة في بدنه، أي قوة في عبادته لله، فينشطه ويقويه، فتراه قويًا في الصلاة والصيام والحج والعلم وطلبه، وفي كل ما يحبه الله, ويرضاه وبعكس ذلك الفاسق؛ تراه جبانًا ضعيفًا، وتراه قويًا في كل شيء سوى الدين، قويًا في المنكرات, وكل هذا وذاك بسبب الضلال أو الهداية.
يقول أحد الشباب قبل هدايته: كنت أرحم أحد جيراني كلما ذهب للصلاة أو رجع أقول في نفسي: خارج ... نازل ... أما الآن فأعرف طعم العبادة، فيقول: الحمد لله الذي هداني لهذا.

معوقات الهداية
المعوقات التي تعوق الناس وتمنعهم– إلا من رحمه الله– من اتخاذ سبل الهدى كثيرة؛ فلزوم طريق الهدى على كثير من الناس اليوم طويل، عقباته شاقة كؤود. كيف لا, فالجنة عالية, وسلعتها غالية، قال الشاعر:
تهون علينا في المعالي نفوسنا




ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر





والجنة حسناء لا مثيل لحسنها، فلا بد من المشقة للفوز بها، لكن دونها، موانع وفي طريقها عقبات، فإذا استطعنا السير إليها بحرص واجتهاد وتشمير وحذر وانتباه، تخطينا العقبات وبلغنا غايتنا وذقنا لذة الراحة بعد المشقة، وما ألذ طعم الراحة بعد التعب!! أليس هذا بصحيح؟!
أما إن قصرت بنا الهمة, وضعفت بنا النفس، ووقفنا أمام العقبات موقف العاجزين الضعفاء، وتقهقرنا إلى الوراء خسرنا الدنيا والآخرة؛ وذلك هو الخسران المبين! اللهم نسألك الهدى، ورباطة الجأش، والجهد والمجاهدة والجد، والصبر والمصابرة، ونسألك العزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ونسألك الثبات على الأمر، حتى نلقاك وتلقانا بالبشرى وبالجنات والتحيات التي وعدتنا بها }وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ [يونس: 10].
وصدق الشاعر لبيد بن ربيعة حينما هداه الله للإسلام، وكانت له جماهير يصفقون له اعتزلهم واعتزل الشعر، وقال قوله المشهور:
والحمد لله إذ لم يأتني أجلي




حتى اكتسيت من الإسلام سربالا





إذن ما هي معوقات الهداية:
اعلمي أن معوقات الهداية متعلقة كثيرًا بأسبابها.
وأول هذه المعوقات: الإعراض عن شرع الله, لا يتعلمه ولا يعمل به.
وقد ذكرنا في الأسباب العلم.
فللأسف، فإن كثيرًا من الناس لو سألتهم عن معنى (لا إله إلا الله) لا يعرفونها ولا يعرفون شروطها ونواقضها، بل يرددونها بألسنتهم, ولا تفقهها قلوبهم، وما ذاك إلا لأن الناس قد تساهلوا كثيرًا في أمور دينهم وتوحيدهم وفقه عباداتهم، فنجد الواحدة تتعبد لله كما تعلمت من جدتها عن جدتها.
ووالله, قد تكون هذه التي اقتصرت في علمها الشرعي على جدتها أحسن كثيرًا من حال اللواتي يتلقين عقائدهن وفقه عباداتهن عن أهل الضلالة والهوى كالصوفية وغيرها, وهن يجهلن تمامًا أن هذا أدخلهن في البدع، ولو ذكرت للواحدة ما تفعل من بعض أنواع العبادات غير المشروعة لفتحت فاها استغرابًا ثم استنكارًا عليك، فتنقلب الموازين لديها، فتصبح السنة بدعة والبدعة سنة، وتموت على ذلك إن لم يشأ لها الله الهداية والبصيرة بالحق!
وهناك صنف آخر الآن: طالبات علم شرعي مجتهدات حريصات على الجلوس لتلقي العلم، معهن أقلامهن وأوراقهن، لكن أتعلمين في أي الجامعات يدرسن؟! في جامعات الدش والقنوات يلبس عليهن الكثير من أمور عقائدهن ودينهن، وهن عمياوات البصيرة لا فقه ولا علم هدى، بل ضلالة وبدع وأمور يأباها الله ويأباها رسوله.
إذن العلم الشرعي لا بد أن يؤخذ من مظانه؛ من القرآن الكريم وكتب السنة والحديث ومصنفات أهل العلم من سلف هذه الأمة, ومن علمائها الأجلاء الذين يأخذون العلم الصحيح خلفًا عن سلف.
تريدين الهداية؟! لا بد لك من نور ينير لك الطريق، ولن يكون هذا النور أبدًا نور الإشعاعات الصادرة من شاشات القنوات، بل هو نور أجل وأعظم؛ هو نور من الله، نور من آيات الله، ونور من أحاديث رسوله، ونور العلم الشرعي، }وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ{ [النور: 40].
أما الصنف الآخر: فهو الجهل بعينه, وهذا هو أول أسباب الضلال، ومن ثمرات الضلال، ولو كان صاحبه غارقًا في المتاع؛ لأن هذا المتاع ذاته هو شقوته، شقوته في الدنيا وشقوته في الآخرة، وما حال الكثير من الشابات والشبان الآن, وما وصلوا إليه من الضياع والتقليد الأعمى والمسخ إلا الضلال والجهل بعلم الله ورسوله، نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما نعلم.
ثانيًا: ومن معوقات الهداية: الاحتجاج بالمشيئة، وعدم المجاهدة:
وهذه المجاهدة قد خالفها البعض إما جهلاً وإما اتباعًا للهوى، فنجدهم يحتجون بالمشيئة ويقولون: (لو شاء الله لهدانا) أو (لو شاء الله ألا نفعل المعاصي ما فعلناها) أو (ما شاء الله لنا هداية بعد).
وهؤلاء قد سبقهم الكفار بالاحتجاج بالمشيئة فقال الله عز وجل عنهم: }وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ{، وقال تعالى: }سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ{.
فاحتجوا بالمشيئة، وكلامهم في الظاهر صحيح؛ لأنه لو شاء الله ما أشركوا ولا شك في ذلك، ولكن وإن كان كلامهم صحيحًا ظاهرًا، لكنه خطأ محض صادر عن جهل وعمى؛ لذلك كذبهم الله عز وجل فقال: }إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ{ [الزخرف: 20]، وقال عنهم: }وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ{.
لماذا كذبهم الله وظاهر كلامهم صحيح؟
الجواب: لأن مرادهم من قولهم هذا أن الله قادر على منعهم من الشرك، فلما لم يمنعهم دل ذلك عندهم أنه راض عنهم وعن شركهم وقالوا: لو لم يكن الله راضيًا لصرفنا، فكذبهم الله سبحانه على هذا الزعم؛ لأن الله لو شاء شيئًا لا يعني أنه يحبه، ولو قدر شيئًا ليس يقتضي ذلك أنه راض عنه؛ فإن الله يشاء الخير, ويشاء الشر، فسبحان الله وتعالى, وهذا متعلق بالفهم الصحيح لمعنى المشيئة.
وهذه وقفة سريعة على عجالة مع المشيئة الإلهية
فلله سبحانه وتعالى مشيئة وإرادة شرعية، ومشيئة وإرادة كونية, وللإنسان مشيئة وقدرة يفعل بها أفعاله، ومشيئة الإنسان وقدرته واقعتان بمشيئة الله تابعتان لها.
والمشيئة الكونية: هي ما يقدر الله ويشاء، ويقع بها مراده، ولا يلزم أن يكون محبوبًا له، وهي كما يقول الله تعالى: }وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ{.
وأما المشيئة الشرعية: فهي ما يقدر الله ويشاء، ولا يلزم منها وقوع المراد, ولا بد أن يكون المراد هنا محبوبًا له؛ كقوله تعالى: }وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ{ [النساء: 28].
ومشيئة الله وإرادته الكونية شاملة للهداية والإضلال؛ أي يريد الهداية, ويريد الإضلال كونًا وقدرًا لحكم بالغة؛ يقول الله تعالى: }فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ{.
فالهداية الأولى شرعية يحبها الله, ويريدها ولا يلزم وقوعها، والثانية إرادة كونية لازم وقوعها, وإن كان الله لا يحبها, ولا يرضاها.
ونحن نؤمن أن مراد الله الكوني والشرعي تابع لحكمته سبحانه، فكل ما اقتضاه كونًا أو تعبد به خلقه شرعًا, فإنه لحكمه وعلى وفق الحكمة، سواء علمناها أو تقاصرت عقولنا عن ذلك }أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ{، }وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{.
وأخيرًا: اعلمي أن الإرادة الشرعية مقصودة لذاتها، فالله أراد الطاعة كونًا وشرعًا وأحبها ورضيها.
أما الإرادة الكونية فهي مقصودة لغيرها؛ كخلق إبليس وخلق الشرور وخلق الأمراض وغير ذلك، لتحصل بسببها المجاهدة والتوبة والاستغفار, وغير ذلك من المحاب التي يحبها الله سبحانه.
تنبيه: هل تجتمع الإرادتان الشرعية والكونية؟؟
لا تجتمع الإرادة الكونية والإرادة الشرعية إلا في حق المخلص المطيع، بينما تنفرد المشيئة الكونية في حق العاصي، لذلك ترين العاصي يحتج بالمشيئة الكونية, وينكر المشيئة الشرعية، ويكون حاله كحال الجبرية الذين غالوا في إثبات القدر حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقي، بل هو في زعمهم لا حرية له ولا فعل له كالريشة في مهب الريح، وأما قولهم: (فعلت كذا) فمن باب المجاز، فهم يسندون إليهم الأفعال مجازًا فيقولوا: صلى، صام، كما يقال: طلعت الشمس، أو هبت الريح؛ أي لا مشيئة لهم في صلاتهم وصيامهم.
وفي المقابل هناك الفرقة المقابلة لهؤلاء الذين هم على الضد منهم، وهم القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته في ذلك أثر، ويقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون؟ لها نعوذ بالله من جهل الجميع وضلالهم وعملهم.
ولذلك أهل الوسط والعلم والهدى والنور توسطوا بين ذلك فقالوا: نثبت للعبد مشيئة يختار بها، وقدرة يفعل بها، ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله تابعتان لها؛ لقوله تعالى: }لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ{.
فالمشيئة الأولى للعبد يفعل ما يشاء، ولكنها تابعة للمشيئة الثانية مشيئة الله؛ فالعباد فاعلون والله خالق أفعالهم؛ }وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ{ [الصافات: 96]. فأفعالنا من الله خلقًا وإعجازًا وتقديرًا، والله يخلقها ويقدرها علينا، وهي من العباد فعلاً وكسبًا.
ومن هنا نعلم أن هؤلاء الذين احتجوا بالمشيئة إما أنهم يعلمون الغيب, ويعلمون ما قدر الله عليهم من الضلالة وعدم الهداية، وهذا لا يمكن, ولا ينبغي ولا يجوز؛ لأنه ليس هناك أحد يعلم الغيب، ولم يطلع الله أحد على أعماله التي سيعملها في المستقبل يقول الله تعالى: }عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا{.
أو أنهم لبس عليهم أهل الجهل والهوى فهمهم الصحيح، فضلوا، فهم لا يعذرون بجهلهم هذا.
إذن, لا بد من العمل والمجاهدة كما ذكرنا؛ والله تعالى يقول: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا{. ولا بد من الصبر وطلب الهدى من الله وتحمل الأذى كما ذُكر في أسباب الهداية عند الكلام عن المجاهدة.
ثالثًا: من معوقات الهداية: اتباع الهوى والكبر عن قبول الحق وسماع الموعظة، مع الإصرار على الغفلة عن الدار الآخرة وأهوالها:
كما تبين معنا في المعوقين الأول والثاني: فالإعراض عن العلم الشرعي، يؤدي إلى الجهل، وهذا يقود بدوره إلى العمى والضلالة واتباع الهوى، والهوى يُعمي ويضل، بعكس قبول الحق يهدي ويرشد ويبصر.
ما أضل الكثير إلا هذا الإعراض عن شرع الله لا يتعلمه ولا يعمل به، ولا ينشأ هذا إلا عن هوى.
يقدم لها شريط .. تعرض عن سماعه، كتيب .. لا تحب القراءة، تعرض عليها آيات الله وحديث رسوله .. تبكي وترق، ثم تقول: نفسي .. هواي .. فهذه تكون عبدة للشهوات وللهوى وللنفس وليس لله، وهذه لا يهديها الله: }أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ{.
لهذا ذم الله بني إسرائيل حينما استكبروا عن الحق, وأعرضوا عنه, واتبعوا أهوائهم، فقال فيهم عز من قائل: }وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا{.
فقد تبين من خلال الآيات أن الاستماع للوعظ ومجاهدة النفس للعمل به، ينتج عنه:
1- الأجر العظيم من الله والدليل قوله تعالى: }أَجْرًا عَظِيمًا{ [البقرة: 40].
2- الهداية، وهو المطلوب.
3- رفقة الأنبياء والصالحين والشهداء، وهذا يعني الفوز بالجنة، وهذا أقصى أمانينا: الفوز بالجنة والنجاة من النار.
وقد توعد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من استكبر عن قبول الحق بصرفه عن الهداية؛ قال تعالى: }سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا{.
رابعًا: من معوقات الهداية: ضعف الإيمان:
بما أنه من أول معوقات الهداية الإعراض عن العلم الشرعي وعدم المجاهدة وسماع الموعظة والإعراض عن قبول الحق، كان لزامًا أن يضعف الإيمان, وينقص حتى لا يكاد يكون؛ مما يؤدي بالتالي إلى عدم الهداية.
نجد ضعاف الإيمان كثيرًا ما يشتكون من قسوة القلوب أو عدم الشعور باللذة أثناء أداء العبادة. وقد يقول أحدهم: أشعر أن إيماني في الحضيض، ولا أتأثر بتلاوة القرآن! ونجدهم يقعون في المعاصي بسهولة، وما ذاك إلا بسبب ضعف الإيمان المانع من تمام الهداية.
إذن, لا بد من تعاهد الإيمان بالنفس، وذلك عن طريق لزوم حلق الذكر، وطلب العلم الشرعي، وتدبر القرآن، والخوف من سوء الخاتمة، والتفكر في حقارة الدنيا، وتعظيم حرمات الله، والبراءة من الكفرة والملحدين، والولاية للمؤمنين؛ ليرتفع مستوى الإيمان فيكون سببًا للهداية.


خامسًا: من معوقات الهداية: الصحبة السيئة:
فالصحابة السوء، والقرينة الضالة، وأخوة الدنيا لا أخوة الدين، قاطعة للطريق بينك وبين الله؛ كلما أردت أن تسلكي السبيل إلى الله قطعت عليك الطريق؛ لا تريد لك الهداية حتى يكثر أمثالها.
تريدها عوجًا وضلالاً, والله يريدها هدى، تريدها معصية, والله يريدها طاعة، تريدها ظلامًا, والله يريدها نورًا، وكم سببت الرفقة السيئة– من خلال الواقع والتجربة– النكبة على أصحابها, وجرت عليهم الويلات دنيا وآخرة.
والقرآن الكريم نبه على هذا فقال عز من قائل: }وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا{.
وفلانًا في الآية تعني الصاحب، وتعني كتب الضلالة، وأشرطة الضلالة، وتعني المدرسة السيئة، وكل أحد يضل عن الله.
قال أهل العلم: القرين السوء غبن يغبنك, ويضلك عن الحق؛ ولذلك سمي يوم القيامة بيوم التغابن.
وأوجه لك سؤالاً مهمًا: هل نجالس رفقاء مرضى بالإيدز؟ طبعًا لا.
بل نجعل بيننا وبينهم حجرًا صحيًا، فكيف بمن لديهم إيدز في إيمانهم أو كوليرا في عقيدتهم، أو سل في أخلاقهم كيف نجالسهم؟! فهؤلاء أخطر من المرضى بهذه الأمراض؛ لأن هؤلاء على أسوأ الأحوال يموتون، ولكن إيدز وكوليرا وسل العقيدة والإيمان والهداية، يؤدي إلى جهنم، ويا ليتهم يموتون في جهنم }وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ{ [إبراهيم: 17].
سادسًا: من معوقات الهداية: الضعف أمام العادات السيئة والتقاليد الجاهلية المخالفة لشرع الله ومجاملة المجتمع:
فكم أردت المجاملة وخوف الملامة من الناس أصحاب الخير ومنعتهم من المضي في دروب الهدى، نجد البعض تعرض عن الحجاب عن أهل الزوج وأولاد العم والخالة، وتقول: عاداتنا لا أستطيع الحجاب أمامهم. وهكذا.
سابعًا: من المعوقات: المجادلة والعناد بغير علم:
قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ{، }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ{.
فتدبري كيف ربط الله سبحانه وتعالى من خلال الآيات بين المجادلة والمعاندة وعدم الهداية؛ مما يؤدي إلى الطبع على القلوب, ومقت الله لهم. بينما مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين الذين يستجيبون لنداء الله ورسوله: }إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{.
ثامنًا وأخيرًا: من معوقات الهداية: الكذب:
قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ{. وقال تعالى: }فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ{. وفي البخاري ومسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ...» وذكر منهم «رجلاً باع سلعة, فحلف بالله أنه اشتراها بكذا, وهو كاذب».
وقال رسول الله r: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن الرجل ليصدق, ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب, ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
وأخيرً لا بد من كلمة تقال:
من كان لديها قناعة وأرضية صلبة لتصبح مهتدية، ستهتدي بإذن الله. ومن كانت على غير ذلك، فعليها مراجعة نفسها مرات قبل الندم!!
وهذا ما وفقني الله لقوله, فأسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول, فيتبعون أحسنه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الهداية



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:16 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب