منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

إلى من أرقه السهـاد

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-12
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي إلى من أرقه السهـاد

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
كنتُ مع أخوات لي في الله نبحث لإحدى الأمهات الخيِّرات عن فتاةٍ تناسب ولدها الشاب، وكنا نبحث له عن الأفضل خُلقًا ودِينًا .. وبينما نحن على هذه الحال إذ بي أفاجأ باتصال من هذه الأم وهي تبكي حال ولدها وقد عشق فتاة ما عرَفَتْ الله بطرف ساعةٍ ولا أعدت لقيام الساعة.
ومن العجب أن استطاعت هذه الفتاة أن تحيك مؤامرتها وتمثيلها على هذا الشاب، فتقنعه بالزواج منها بالحلال!
قالت لي الأم: إنَّ ولدها في منتهى البراءة والسذاجة، ولكنه كان ممَّن يُطلق العنان لناظريه في الحرام، يُفتش عن الصور الخليعة في المجلات وفي القنوات الهابطة والإنترنت؛ فاتقدت الشهوة والغريزة في قلبه، ولكنَّ بصيص النور في قلبه دفعه للبحث عن علاج لحال العشق عنده، ما زال منخدعًا بمكر هذه الفتاة، فعرض على والدته الزواج منها دون أن يسأل عن هذه الفتاة أو يتأكَّد من صدق نواياها.
بل ويقول لأهله: إنها تريد أن تبدأ صفحةً جديدة معه، وأنها تُعلن توبتها على يديه، وأنها أصبحت تصلِّي وتصوم النوافل، ولم يبقَ إلاَّ أن تتحجَّب جيدًا .. إلاَّ أنها ومع هذه التوبة مازالت تكلِّمه بالهاتف والمحمول وتراسله وتلاحقه في كلِّ مكان!
لم يبقَ عذرٌ للشاب؛ فقد وعدته بالتوبة والزواج بالحلال .. فما المشكلة إذن؟!
عندها سطَّرت لها الجواب في هذه الصفحات، علَّ الله أن ينفع بها ولدها ومن مثله من شباب المسلمين وبناتهم، والله القادر على ذلك، وهو نعم الهادي إلى سواء السبيل.

همسة في أذنك أيها الشاب
1- بحثك عن علاج لِما أنت فيه بداية طيبة، وإلاَّ فإنَّ كثيرًا من الناس تموت قلوبهم ولا يبحثون عن علاجٍ لها، وقد يبتلى المرء بمعصية، ويعلم أنه لو استمرَّ فيها فسوف تفسد عليه دنياه وآخرته، فماذا يفعل؟ هل يبقى أسيرًا للهمِّ والغم؟ أم يطلب شفاءه من عند من ابتلاه..؟!!
واعلم.. يا أخي أنَّ تشخيص الداء أول قدم في طريق الشفاء.
2- هذه التجربة (تجربة الحب) تمحيص لك واختبار .. كم كنت تطلق بصرك هنا وهناك في الحرام، وعلى شاشات الفضائيات، وعلى الإنترنت، وفي مواقع ربما يتحرج الزوجان أن ينظرا فيها إلى ما تراه أنت من الصور الفاضحة!
ومع ذلك تمرّ هذه الصورة على بصرك كأيسر ما تكون.
وكلُّ صورة لها أثرها فيما بعدها، وكذلك فعلك مع الاتصالات الغرامية واللهث وراء إشباع العواطف.
فما حصلت لك هذه البلية إلاَّ بسوابق فعلتَها من تساهلك في عدم غضَّ البصر والاسترسال وراء هذا السهم المسموم الذي دخل قلبك فابتُلِيت بما يُسمَّى «العشق».
وبين «نظرة العين والقلب» طريق واحد فإذا انتقلت الصورة إلى العين استحسنها القلب فأصبح أسيرًا لها يجري ويلهث وراءها.
فصلاحُك يبدأ من ترك النظر، وفساد قلبك يبدأ بدوام النظر.
3- تصوركم هو لهيب النار في قلبك الآن من جراء هذا الحبِّ؟ الذي دخل مع نظرة محرمة إلى قلب فارغ...؟!!
أتَاني هَوَاهاَ قَبلَ أَنْ أَعْرِفَ الهوى




فَصَادَفَ قَلبًا خَالِيًا فَتَمَكَّنَا





فنفذ هذا الحب إلى قلبك، ثم صارت تتزيَّن الصورة في داخل القلب، والشيطان يوقد نار الشهوة، فيذوب القلب في لهيبها، ثم تخرج الآهات والزفرات والتنهُّدات من قلبك المحروم.
وعلى قدر هذا اللهيب الذي يعيشه العاشق في دنياه سيعيشه مع قلبه في وسط النار كشاةٍ في وسط التنور .. ولهذا كانت عقوبة أصحاب العشَّاق المرتكبَين للمحرَّمات أن جعل الله لهم تنورًا من نار، وأُودِعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، هذا وهُم في قبورهم كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن سمرة بن جندب.
4- كلُّ خطرٍ وابتلاءٍ في هذه الحياة يبدأ بخاطرة، فإن سيطرت عليها وإلاَّ استُحكمت هي فيك «فالنظرة تولِّد خطرة، ثم تولِّد الخطرة فكرة، ثم تولِّد الفكرة شهوة، ثم تولِّد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع»([1]).
يقول وليم چيمس: «الحب هزَّةٌ في الأعصاب يعقبها خدرٌ سريع، فإذا أحسست جمال فتاة قد طلعت عليك من الطريق، فصبرت عنها نفسك، وغضضت بصرك، وثبتَّ لحظة واحدة حتى تمرَّ بك وتمضي عنك وأنت بعيد عنها ببصرك، نسيتها. ولكن إذا كرَّرت النظر إليها، أو تبعتها لتعرف مقرَّها ولَّد حبُّك إياها رغبة في اللقاء بها مرة أخرى».
هذا كلام عالم غربي .. وماذا يقول الحديث([2])؟ ألم يقل: «النظرة الأولى لك» أي التي تُلقيها عرضًا بلا تعمُّدٍ ولا قصد، «وعليك الثانية» أي المتعمِّدة المقصودة؟
ويقول r: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركه مخافتي أبدلته إيمانه يجد حلاوته في قلبه»([3]).
5- «كلُّ حبٍّ مصيره إلى النكاح أو السفاح»، فاختر أيَّ نوعٍ من الحبِّ سيقودك هذا الحب؟!
أخي..
لو أنَّ ديكَين اجتمعا على دجاجةٍ اقتتلا غيرةً عليها وذودًا عنها، ومثل ذلك كثيرٌ من الحيوانات .. وهذه "المحبوبة" المزعومة يراها الأجانب، وربما كلَّ شيءٍ فيها، تغازل الرجال في الشوارع، وتتعرَّف إلى هذا وذاك، وتتكلَّم بصوتٍ رخيمٍ مع من تشاء عبر الهاتف، وتلبس اللبس الذي يكشف المفاتن قد لامستها العيون .. فهلا كانت لديك غيرة الديك؟!
6- يقولون للمحب «مجنون»، نعم، فهو مجنون "جنون الغرام".
لقد كان «قيس» قبل أن يعرف «ليلى» يعيش كما يعيش سائر بني آدم، وكانت حياته سعيدة، فاشتهى يومًا أن يدنو من امرأةٍ كما يشتهي كلُّ رجل (طبعا وهذا لا يحلُّ إلاَّ بالزواج)، لكن قادته الأقدار إلى «ليلى» فأرادها، فلمَّا لم يصل إليها جن.
ولو كان عاقلا لرأى في كلِّ امرأةٍ في الدنيا غناءً عن ليلى..
«وإنَّ مثله كمثل رجل أراد يدخل بيتًا له مائة باب. فطرق بابًا منه وحاول أن يفتحه فلم يُفتح له فوقف يبكي وينتحب شوقًا إلى الدخول ويضرب الجدار برأسه، والأبواب التسعة والتسعون مفتَّحةٌ أمامه!» ([4]).
أيها الشاب:
ذاك مثل من أمثلة هذا لجنون فافهمه وتأمَّل فيه وفي حالك، يرى المحبُّ الدنيا كلَّها خلوةً من خلوات الحب، والحياة قصَّةً من قصص الغرام، والوجود كلَّه في الجلوس مع التي يحبها .. يفعل ذلك من أجل امرأة ربما تعرض عنه وتميل إلى غيره كما مالت إليه، وربما تميل إلى صديقه أو جاره وهذا المحب لا يحسُّ ولا يدري!
ذاك لأنَّ الحب أعماه وأصمَّه، هل رأيت محبًّا له بصر؟!
إنَّ الزواج إذا بُنِي على هذا الجنون الذي يُسمِّيه أصحابه «الحب»، لجعل البيت من بعدهما مستشفى مجانين، فكيف بك وأنت لا أمل لك في الزواج منها.
أُرِيدُ لأَنسَى ذِكرَهَا فَكَأنَّمَا




تمَثَّلَ لِي لَيلَى بِكُلِّ سَبِيلِ





هذا هو الحب أيها الشاب..!
يُضحِّي المحِبُّ بكلِّ شيءٍ ليفوز بمحبوبته، فإذا خسرها خسر كلَّ شيءٍ ثم يصبح مجنونًا، ويصير عضوًا في الأمَّة مشلولاً.
6- إذا أردت أن تعرف – أيها الشاب - إن كنت مجنونًا بمحبوبتك أم لا فانظر إلى حالك..
ألست تطلب نظرةً تروي غليلك فتذوب وتفنى فيها؟!
إذا أكَلَتْ شَبِعتَ، وإن تألَّمَتْ بَكَيتَ، وإن أصابَها الصداع آلمك رأسك!
تُؤثِر رضاها في الغَيبة والحضور!
تتقلَّب على فراشك من الشوق إليها، وتعدُّ الكلام الطويل لتقوله لها، فإذا لقيتها نسيت ما كنتَ أعددتَه من هيبتها في نفسك!
إن تكلَّمتَ لم تنطق بغير حديثها، وإن سكتَّ لم تفكر إلاَّ فيها!
نسيتَ كلَّ طريقٍ كنت تعرفه إلاَّ طريقها!
ينام الناس وتسهر ليلك تفكر فيها!
تراها بين سطور الكتاب إن نظرتَ في صفحات الكتاب!
تُحِبُّ لأجلها حتى ما تنفر من النفوس!
من أجل حبِّها تنسى طعامك وشرابك، وتزهد في المجد ولا تبالي به!
إنَّ نلتَ العظائم فلأجل أن تعظم في عينيها، وإن حرص العقلاء على رضا الله لم تحرص أنت إلاَّ على رضاها!
ترى القصر والدنيا الفسيحة كلها سجنًا إذا لم تكن فيها، والسجن إن كان معها يصبح عندك قصرًا!
تؤرقك وترجو لها طيب المنام!.. وتُمرِضك وتسأل لها العافية!([5])
أليست هذه الصفات "المجنونة" في شخصك المحبِّ "المجنون"؟!!
أيها الشاب..
أعاذنا الله وإياك من الجنون.
ما الحبُّ إلا شهوةٌ لم تُقضَ ورغبةٌ لم تتحقَّق.
إنك تقول: إنك لا تطلب إلا مجالستها والحديث معها، ثم تطلب بعد ذلك لمسة اليد..
ثم.... و.... ثم.....
كمثل صاعد الجبل، يرى الجبل أمامه فيحسب أنه إذا وصل أعلاه فلا شيء فوقه، فإذا وصل إلى هناك بدت له ذروة أعلى، وهكذا..
إنها سلسلة لها حلقات متصلات، ما إن تمسك بواحدةٍ منها إلاّ جرت معها التي بعدها .. حتى تصل إلى آخر حلقة فيها:
نَظرةٌ فابتِسَامَةٌ فسلامٌ




فَكلامٌ فمَوْعِدٌ فَلِقَاءُ





أيها الشاب..
لم يجعل الله طريقًا للصداقة بين الشاب والفتاة، لا ولا بين الكهل والشوهاء، لا صداقة قط بين رجلٍ وامرأة.
إنَّ الصداقة صلة بين متشابهين بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة.
وأما الحبُّ صلةٌ بين مختلفين ليتكاملا به، فيغدوا بالحبِّ كالكائن الواحد.
الحبُّ عاطفةٍ عابرةٍ، تدوم وتتجدَّد ما دامت الرغبة والامتناع موجود.
ولو أنَّ المجنون تزوج «ليلى» زواج عاطفة فقط، لكان بينهما بعد ثلاث سنوات على الأكثر طلاق .. هذا إذا بُنِي على الحبِّ وحده.
ويسخر علماء النفس من رجلٍ يتوسَّل إلى المرأة التي يُحبُّها بالأرق والسهاد والضعف والنحول والهزال المميت، وبأنه شبحٌ يمشي وخيالٌ يتحرَّك .. فماذا تصنع محبوبته بهذا "البلاء" الذي إن توكَّأَتْ عليه انهدم؟!
إنَّ الحبَّ الشريف الذي "يدَّعيه" البعض وأنه ليس فيه مطلب جنسي، هو في نظر العلم كذبة حمراء، ليس لها أصل.
هل تصدِّق الجائع إذا حلف لك أنه لا يريد من المائدة العظيمة الفاخرة إلاَّ أن ينظر إليها ويشمُّ على البعد ريحها؟!([6])
كلاَّ .. كلُّ حبٍّ مصيره إلى النكاح أو السفاح..
هذا هو الحب، وهذا هو العشق الذي أنت فيه.
أمَّا علاجه فسأعطيك إياه بعد قراءتك للكلام السابق عدَّة مرات، ومن ثمَّ اقتناعك به، فذلك أول خطوة في طريق علاجك.
يقول الشيخ علي الطنطاوي([7]) رحمه الله:
«إنَّ الله ركّب هذه الشهوة في الإنسان، وجعل لها سِرًّا عجبًا من العجب، وسرُّها أنك إذا وضعتها في موضعها واتَّقيتَ الله فيها سكنت واستقرت، وربحت مع السكينة والاستقرار الصحبة في الدنيا والجنة في الآخرة، وإذا أنت أطلقتها ولم تقيِّدها بقيد الشرع والخلق، لم تزل طائشة هائجة كالنار، كلما زدتها حطبًا زادت للحطب طلبًا.
يرى الفاسق المرأة فيملأ منها بصره، فيتبعها قلبه، فلا يزال يتخيَّل فيها المفاتن ويتوهَّم في وصالها الملاذ حتى يعتقد أنَّ لذائذ الدنيا كلِّها ومسرَّاتها قد اجتمعت في لقائها، وأنَّ آلامه كلَّها في بعدها ويجعلها مطلبه من دنياه، ويُجنُّ بها جنونا .. فإن هو استطاع الوصول إليها ورؤيتها رؤية عابرة وجد اللذَّة به، ولكنه وجد أنه لم يشبع منها، ولم ينلْ من وصالها ما كان يصوِّر له وهمه، فيعود إلى التفكير فيها .. وإلى تخيُّل اللذَّة بلقائها .. ويتوهم أن سيحظى هذه المرة بما فاته المرة الأولى، فإذا عاد إليها عادت إليه خيبة الأمل، ولا يزال هذا دأبه معها حتى ييئس من أن يجد عندها لذَّته الموهومة فيتعلَّق بسواها. ولو أنه عاشر ألف امرأة، ثم رأى واحدة أخرى لعشقها وظنَّ أن طلبته عندها، فلا يشبع أبدًا ولا يستريح!
إذن..
ليس في إطلاق الشهوة من راحة ولا شبع، وأن نساء الأرض كلهنَّ لا يرضينك، ولكنَّ امرأة واحدة بالحلال ترضيك وتشبعك.
هب أنَّ رجلاً وسعته أحواله وأمواله أن يمدَّ يده حيث شاء أفتسعه صحَّته؟
هل يحمل جسمه أثقال هواه؟
إنه لابد أن تجيء ساعةٌ يعجز فيها ويصبح مريضًا يشتهي ذلك "الشيء" ولا يقدر عليه ويقعد بالحرمان، فلماذا لا يرتدُّ عن الإثم فيكون، صحيح الدين والجسم والشرف؟!
أليس ذلك خيرٌ له من أن يجمع على نفسه الحسرة والحرمان والمرض وجهنم؟!
وإنَّ من بديع صُنع الله أنَّه لم يخلق امرأةً تُشبه في جمالها الأخرى؛ فالنساء مختلفاتٌ ولكنَّ المتعة بهنَّ واحدة لا تختلف، وما فرّق بين هذه الراقصة وبين امرأتك إلاَّ أنَّ الأولى تأتيك على جوعك بالرغيف قد لفَّته بمنديل الحرير، ووضعت المنديل في شملة، وألقت الشملة في صندوقٍ من الفضة المذهَّبة، وجعلت حول الصندوق الورق الشفيف؛ فأنت كلَّما رفعت حجابًا من هذه الحجُب اشتدَّ جوعك وشوقك إلى ما وراءها.
فإذا بلغت الرغيف حسبته قد قُطِف من قمح الجنة، ثم طحنته الملائكة، ثم عجنته الحور العين.
وأمَّا المرأة الأخرى فتأتيك بالمائدة الحافلة مكشوفة ظاهرة، وأنت لا تأكل المنديل ولا الشملة ولا الصندوق، إنما تأكل الرغيف.
وأنت لا تريد هذه الثياب ولا هذه الأنوار، إنما تريد المرأة، ولعلَّ امرأتك أبهى منها وأجمل.
وهب أنَّ هذه أطرى جسمًا وأحلى وجهًا وأقدر على الفتنة، فمن قال لك إنَّ الجمال هو هذا؟
إنَّ الجمال هو الإخلاص، إنك ترى أمك جميلة في عينيك، حبيبة إلى قلبك، ولعلّ في وجهها أودية وجبالاً .. ولعلَّ فمها كالمغارة الخالية، وترى المرأة التي خانتك وغدرت بك قبيحة بغيضة، وإن كانت في عين الرائي أجمل النساء..
أخي..
لا يألم لفقد المعصية إلاَّ من جعلها أكبر همه، وترك لنفسه الحبل على الغارب، وأطلق الجوارح كلَّها في الشهوات؛ فالعين تنظر العورات، والأذُن تسمع أحاديث الموبقات، والذهن يحفظ هذه الصور والذكريات([8]).
أيها الشاب..
قلت لأمِّك: إنَّ محبوبتك تلك قد بدَّلت لك طعم الحياة، وبدَّلت قيم الأشياء في نظرك، وجعلتك أقرب إلى العبادة والخشوع من ذي قبل؛ إذ أصبحت تبكي في صلاتك وتخشع في دعائك وترى الوجود جميلا!
أيها الشاب..
هذه إنما هي خُدعةٌ عظيمةٌ من خُدِع الحياة، خُفِيَت عن المحبِّين كلُّهم من عهد آدم إلى هذا اليوم، وهو أنَّ الرجل يحمل في يده مصباحًا، ويوجِّهه إلى أول امرأة يلقاها، فيراها مُشرقة الوجه بين نساء لا تشرق بالنور وجوههنَّ، فيحسبها خُلقت من النور، فلا يطلب غيرها، ولا يهيم بسواها، وهو لا يدري أنه هو الذي أضاء محيَّاها بمصباح حبِّه.
هذه هي حقيقة الحب، وهي أفقر قصة في الحياة، فهي تتكرَّر دائمًا بمشاهدها وفصولها، لا يتبدَّل فيها إلاَّ الأشخاص الممثلون([9]).
وأمَّا محاسن المرأة فهي خيالٌ مُتخيَّل، ولا حقيقة لشيء منها في الطبيعة، وإنما حقيقتها في العين الناظرة إليها، فلا تكون امرأةً فاتنةً إلا للمفتون بها ليس غير.
وبهذا يختلف الجمال عند فقد النظر، فلا يفتن الأعمى جمال الصور ولا سِحر الشكل ولا جمال المنظر، وإنما يفتنه صوت المرأة ورائحتها مثلاً.
فلا حقيقة في المرأة إلاَّ المرأة نفسها([10])، ومتى أخذت المرأة واختيرت لحظ الغريزة فقط، فإنَّ حياتها ستصبح ملأى بالتصنُّع والمصلحة والضجر والتبرم والإلحاح، وسوف يتبدل حياؤها ويقلُّ إخلاصها ويكثر طمعها.
أيها الشاب..
كأني أسمعك تقول: وماذا في الأمر لو تزوجتها بالحلال، دون أن أسأل عنها أو أعرف سيرتها، يكفي محبتي لها وإخلاصها لي عنوانًا لشرفها؟!
وأقول لك: ما رأيك لو تزوجت هذه المعشوقة ثم اكتشفتَ بعد الزواج والأولاد أنها كانت على علاقة مع شخصٍ آخر أو أشخاص، وربما كان لديهم صور لها عندهم، وأن علاقتها بهم أفضل من علاقتك معها؛ فهي تحنُّ للقائهم، وتستجيب لهم عند أدنى إشارة منهم .. أو ربما هددوها بالصور مقابل أن تعود إليهم..
أمَّا أنت فإنَّ الشكّ سوف يدُبُّ فيك ليل نهار؛ لأنَّ التي خرجت معك ستخرج مع غيرك، وستراقب الهاتف، وستشكُّ في أولادك .. ونتيجة الشك مشاكل مستمرَّة ثم طلاق([11]).. فزواجك منها إذن لن يستمرَّ، وستتجرَّع غصصه ومرارته بعد حين من الزمن.

العلاج
وعلاجك مما أنت فيه يتلخَّص في الآتي:
1- غضُّ البصر..
أخي الشاب..
كأني بك تمشي في السوق أو إلى العمل فتجد تلك المرأة تلبس العباءة على الكتف، ويكون للعباءة تطريز وأكمام واسعة ومخصرة كأنها فستان خلاب، ومن تحت العباءة يظهر بنطال يظهر تقاطيع جسمها جزءًا جزءًا ويبرز مفاتنها.
أو تلبس النقاب وتجعله واسعا وتُجهد نفسها في رسم الكحل حول عينيها والإكثار من مساحيق التبييض والتجميل حول العينين..
كلُّ ذلك لتعرض جمالها سلعةً رخيصةً أمام كلِّ الأعين الشرهة..
تفعل كل ذلك لتكون مصدر إثارةٍ وشهوةٍ في نفس كلِّ رجلٍ يراها، قد ملأت حياتها بنظراتٍ وقِحَةً جريئة، فكيف يرضى عاقلٌ حرٌّ بأن يكون مقترِنًا بامرأةٍ مثل هذه؟!
وكيف يراها جميلةً في عينيه وقد برزت أمام كلَّ الأعين؟ بل كيف يرضى أن تأخذ حيِّزًا من تفكيره ليل نهار وهي لا تستحقُّ كلَّ هذا العناء؟!
إنها نظرة واحدة، نظرت فيها إلى هذه المرأة، لو عالجتها وصرفت النظر عنها سَهُل الأمر عليك.
أمَّا أن تُكرِّر النظر إليها، سواءً كانت هذه المرأة في السوق أو في حتى صورة مجلة أو في مسلسل؛ فإنَّ الخيال سَيُوشِّيها ويُزيِّنها بالمبالغات، فينتشر السُّمُّ في جسدك من تلك النظرة، ولن يبقى لك في الدنيا عملٌ سوى ابتغاء الوسيلة إلى تلك اللذَّة.
لذلك أمر الله بغضِّ البصر عن النظرة إلى الحرام، وغضُّ البصر عن المرأة بألاَّ تجعل صورتها تدور في ذاكرتك؛ فإنَّ تكرار النظر يؤدِّي إلى ترسيخ الصورة في الذهن وتعلق القلب بها.
لذلك يقول ابن القيم: «إنَّ النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بدَّ ما لم يمنع مانع».
وفي هذا قيل: "الصبر على غضِّ البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده" ([12]).
والذي ينظر في المسلسلات الغرامية والتي تتحدَّث عن الحب، ويطالع في الإنترنت ما يهيج الغريزة، ويقرأ عنه في القصص الغرامية، ويسمع به من رفاق السوء، وكلٌّ يحكي عن بطولاته المحرَّمة ومعاكسته للفتيات، فلماذا لا تسد - أيها الشاب - هذه المنافذ عليك لترجو الخلاص؟!
وتحضرني هاهنا قصة امرأةٍ تحادث ابنها وتقول له: ما رأيك يا ولدي في رجلٍ جائعٍ وليس في بيته طعام؟
قال لها: يذهب إلى المطعم أو يشتري طعامًا ليأكله في بيته.
ردَّت أمُّه: وإن لم يكن معه نقود؟!
وقبل أن يُجيب عن سؤالها الثاني قالت:
- أرأيتَ إلى هذا الرجل الجائع الذي لا يملك في بيته طعامًا يأكله، ولا نقودًا يشتري بها طعامًا من السوق، وقد بادر إلى دواءٍ فاتحٍ للشهيةٍ يتناوله؟!
ابتسم ولدها وهو يقول لأمِّه: من المؤكد أنك تتحدَّثين عن رجلٍ مجنون!
إنه يشبه رجلاً يتألَّم من جُرح في جسده فيقوم برشِّ الملح عليه فيزيد بهذا ألمه، فكيف يتناول عاقل ما يزيد في ألمه؟!
ابتسمت أمه وهي تقول: أنت تفعل يا ولدي، مثلما يفعل ذلك الرجل؟! وذلك بمشاهدتك ما يثير شهواتك في النساء......) ([13]).
ولتستح من نظر الله إليك: (فالحذر من أن يراك الله حيث نهاك، ويفتقدك حيث أمرك) ([14]).
وفي بعض الآثار يقول الله: «ابن آدم، خيري إليك نازل، وشرك إليَّ صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك وكم تتبغض إليَّ بالمعاصي، وأنت فقير إليَّ، ولا يزال الملك الكريم يعرج إليَّ منك بعمل قبيح».
ومدافعة الخطرات والنظرات جهاد عظيم غير أن له لذة لا تعدلها لذة...
يقول أحد الشباب([15]): كنت مدة في مصر، وكنت شابا قويا، بعيدا عن أهلي، والمغريات من كل جانب والتكشف في كل مكان، وغلبت عليّ غريزتي حتى لقد هممت أن أقارف الإثم، وكنت أسير في الطريق، فتوجهت بقلبي إلى الله، قلت: يا رب، الطلب في نفسي، وسبل المعصية مفتحة أمامي، وليس لي قوة إلا بك، يا الله، ووجدتني أردد بإخلاص وابتهال: يا الله، يا الله، وأحلف أني قد أحسست بالمغريات تضمحل من حولي كأنها صورة في سينما، تمحى شيئا بعد شيء وأحسست بالشهوة تملص من نفسي، كأنها تُسلُّ من أعصابي سلا، وشعرت بالرضا وبالاطمئنان وبلذة نفسية...
هذه اللحظات علمتني أن الحقيقة ليست الحياة المادية، وأن اللذات العميقة هي لذة الروح، وهذه التي يقول عنها الصالحون (لو عرف الملوك ما عندنا لقاتلونا عليه بالسيف).
2- اللجوء إلى الله تعالى:
بالإكثار من الدعاء: أن يصرف الله قلبك عنها، ويعوِّضك محبة خيرًا من محبتها، ويعلق قلبك بمحبته، فإنه إن كان القلب مُحِبًّا لله وحده، لم يُبْتَلَ بحبِّ غيره، وإذا كان الله أحبَّ إلى العبد من كلِّ شيءٍ وأخوف عنده من كلِّ شيء لم يحصل معه عشق ولا مزاحمة إلاَّ عند غفلةٍ أو ضعفِ هذا الحبِّ والخوف([16]).
* ولتكن رغبتك إلى الله قوية؛ فتتقرَّب إليه بأنواع الوسائل والقربات وذلك بالآتي:
1- الإقبال على القرآن؛ فهو شفاء لِما في الصدور.
2- وبالإكثار من الاستغفار ومن «لا حول ولا قوة إلاَّ بالله».
3- وبالنوافل بعد الفرائض؛ فإنه من تقرَّب إلى الله شِبرًا تقرَّب الله إليه باعًا .. وكلَّما تقرَّبت درجة قرب الله عزَّ وجلَّ منك أكثر .. فلتحرص على حبِّ الله ومحبة ما يحبه الله.
4- ولتكن همتك في فعل محبة الله ورضوانه والرغبة في الجنَّة ونعيمها، وما أعدَّ الله فيها لأوليائه.
فإن لم تكن لك رغبة في ذلك فخشية النار وما أعد الله فيها لمن عصاه([17]).
5- الاستعانة بالرفقة الصالحة، وأن تُصبِّر نفسك معهم، وإن وجدت بعض الأخطاء فيهم، أو التقصير منهم، فإنك إن أخذت هؤلاء الصالحين على أنهم بشرٌ ربما يُخطِئون في حقِّك ويُقصرون معك فستنعم بصحبتهم وتستفيد من خيرهم الشيء الكثير وأما إن أردت السير معهم وتحملهم مسئوليتك دون أن تجد من أحدهم خطأً ما في حقّك فهذا قد يحدث وقد لا يحدث لكن إن حدث، فصبتهم خير لك من رفاق السوء الذين يزيِّنون لك طريق جهنم وطريق الحرام.
فإننا نرى في هذه الأيام شبابًا آثروا صحبة السوء لأنهم رأوا بعض الصالحين ما لا يعجبهم من التصرفات، وآثر الواحد منهم أن يبقى بعيدًا عن الحقِّ بدل أن يسمع من صاحبه نصيحة أو موعظة توقظ قلبه؟!
نعم، إنَّ الشيطان ينـزغ ومن نزغه أن يبدي لك مساوئ إخوانك ويعظمها في عينك ويعميك ويصمك من مساوئ رفاق السوء كي تكون مثلهم .. وهذا هو الحرمان؛ فالصحبة الصالحة رزق من الله، ومن حقِّ العبد على ربِّه أن يشكر الله على ما رزقه من أصحاب صالحين يذكرونه إذا نسي، ويأخذون على يديه إن هو زلَّ عن الطريق القويم.
6- وأخيرًا .. ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزن فقال: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همِّي؛ إلاَّ أذهب الله همَّه وحزنه وأبدل له مكانه فرحًا»([18]).
وينبغي لكلِّ ذي لبٍّ وفطنةٍ أن يحذر عواقب المعاصي؛ فإنه ليس بين الآدمي وبين الله تعالى قرابةٌ ولا رحم، وإنما هو قائمٌ بالقسط، حاكمٌ بالعدل. وإن كان حِلمه يسع الذنوب، إلاَّ أنه إذا شاء عفا فعفا كلُّ كثيف من الذنوب، وإذا شاء أخذ وآخذ باليسير فالحذر الحذر([19]).
3- قوة الإرادة، والعزم على ترك هذا المرض:
أيها الشاب:
كأني بك تقول لأمِّك: إنني أحبها بجنون.. ولا أستطيع الحياة بدونها.
أخي..
لقد ألصقت بنفسك هذا المرض، وأفتيت من عند نفسك أنه لا فكاك منه، وأقنعت نفسك بهذا الكلام الذي لا أصل له .. فها أنت ترى بعض الشباب ممَّن وقعوا ضحية هذا الحب تحلَّوا بالإرادة وعقدوا العزم على أن يتحرَّروا من هذا الوهم وصلحوا في النهاية.
أيها الشاب..
إنَّ العشق هو فسادٌ في الإدراك والتخيُّل والمعرفة؛ فإنَّ العاشق يُخيَّل له المعشوق على خلاف ما هو به، ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حدِّ العشق..
ولهذا يقول الأطباء: «العشق مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا»! فجعلوه من الأمراض الدماغية التي تُفسد التخيُّل كما يفسده المالنخوليا([20])!
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله خمسين أمرًا يُتخلَّص بها من الهوى، نكتفي منها بذِكر الآتي:
* أن تكون لديك عزيمة حرٍّ يغار لنفسه وعليها.
* التفكير في أنك لم تُخلق للهوى، وإنما لأمرٍ عظيمٍ لا تناله إلاَّ بمعصيتك للهوى.
* ألاَّ تختار لنفسك أن تكون البهائم أحسن حالاً منك؛ فإنَّ الحيوان بطبعه يؤثر النافع على الضار.
* أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممَّن يهواه ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر وما فاته وما حصل له([21]).
4- أن يتذكر عيوبها وما تنفر نفسه منها ويقطع التفكير بها:
أولا- تذكر أنه لو كان حبُّك في حُسن صورتها وصوتها أو أيِّ شيءٍ من هذا القبيل؛ فإنَّ حبَّك لها سيولَّى مع انقضاء ذلك الشيء، فمثلاً لو أُصيبت بمرضٍ أو تشويهٍ في الوجه أو مرض معدٍ أو جُذام؛ فسيزول حبُّك مع زوال ما أحببته فيها.
وثانيًا- تذكر قبائحها وما يدعوك إلى النفرة منها، واسأل جيرانك عمَّا خفي عليك منها؛ فالمساوئ داعية البغض والنفرة([22]).
فالعقل يغيب عند تناول ما تشتهي من الطعام، ولكن عندما تتفكَّر في تقلُّب الطعام في الفم وبلعه ومن ثمَّ خروجه؛ فسيخفُّ العشق عن ذِكر ما تأنف منه النفوس.
ثالثًا- تتذكر قُبح صورتها عند موتها، وفي قصة «الانتحار» للأديب مصطفى الرافعي يحكي فيها تجربة نافعة:
وانطلق الشيطان بعد ذلك فيَّ وفيها، وحنكته وبكل ما جرَّب في النساء والرجال من لدنّ آدم وحواء إلى يومي ويومها!.. فكان يجذبني إليها أشدَّ الجذب، ويدفعها عني أقوى الدفع.. انحصرت نفسي فيها، فرجعت معها أشدَّ غباوة من الجاهل، ينظر إلى مدِّ بصره من الأفق فيحكم أن هاهنا نهاية العالم... وما هاهنا إلا آخر بصره وأول جهله.
لقد اختلَّ استواء فكري، ولم أر لي منجاة إلاَّ في قتل نفسي، فما إن هممتُ بذلك حتى ذكرت أمي؛ فظهرت لخيالي مشدوخة الرأس في هيئة موتها، وإلى جانبها هذه المرأة في هيئة جمالها، وثبتت على عيني هذه الرؤيا، وأدمنت النظر طويلاً، فإذا أنا رجل آخر غير الأول، وإذا المرأة غير تلك، وطغت عبرة الموت على شهوة الحياة فمحتها، وصحَّ عندي من يومئذ ألاَّ علاج من هذا الحبِّ إلاّ أن تقرن في النفس صورة امرأةٍ ميتةٍ إلى صورة المرأة الحية، وكلما ذكرت هذه أحضر لها بتلك، فإذا استمريت على ذلك فإنَّ الميتة تميتها في النفس، وتميت الشهوة إليها، وما من ذلك بد فليجربه من شك فيه ([23]).
يقول علماء النفس:
إنَّ الإنسان يرى وردة جميلة في البستان (رؤيته لهذه الوردة إدراك) فإذا أعجبته الوردة وأحبها (فهذا وجدان) فإذا وجد في نفسه أثر ذلك الإدراك وذهب ليقطف تلك الوردة (وهي عملية النـزوع) هنا يتدخَّل القانون.
وكذلك الإنسان إذا رأى امرأةً جميلةً وتقاسيمها بديعة، بعثت في نفسه إعجابًا، فهذا الإعجاب هو «موتور» داخلي([24]).
فالإسلام يمنع عملية الإدراك من الأساس - لذلك - اقطع تفكيرك بها وانسَ أمرها تمامًا واشتغل بالرياضة والقراءة وكلَّ ما يفيد حتى تدخر هذا الشعور.
5- الابتعاد عن الخلوة بالمرأة:
الإنسان مفطورٌ على الميل للجنس الآخر الذي يُكمِّله، فإذا كانت الخلوة شحذ الشيطان فيه غريزة الإنسان، وقد اعترفت بذلك إحدى طبيبات الغرب الدكتورة «ماريون» تقول:
وإني أعتقد أنه ليس في الإمكان قيام علاقة بريئة من الشهوة بين رجل وامرأة ينفرد أحدهما بالآخر أوقاتًا طويلة، وكنت أسأل بعضهنَّ ممن يتسمن بالذكاء: كيف أمكن أن يحدث ذلك؟ - أي الوقوع في الفاحشة - فكانت الفتاة تجيبني قائلة: "لم أستطع أن أضبط نفسي" ([25]).
قال يونس بن عبيد:
أوصيكم بثلاث:. لا تمكِّننَّ سمعك من صاحب هوى، ولا تخلونَّ بامرأة ليست لك بمحرم ولو أن تقرأ عليها القرآن، ولا تدخلنَّ على أمير ولو أن تعظه ([26]).
وقد ظهرت في هذه الأونة «المحادثة» أو «الشات»، حيث يكتب الشاب للفتاة ما يريده عبر الإنترنت وهي تحادثه أيضًا (مكالمةً أو كتابة)، وربما ظهر فيها صورته وصورتها، وقد حدث بسبب ذلك مخاطر عظيمة ربما تعدَّى أثرها حتى على بيوت المتزوجين.
6- الابتعاد عن الغناء والموسيقى:
فهي التي تؤجِّج نار الشهوة. قال r: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرّ والحرير والخمر والمعازف»([27]).
وقال ابن القيم رحمه الله: «الغناء بريد الزنا»، فإذا كانت النظرة الخاطفة من مرَّة أو مرَّتين تفعل الأفاعيل فكيف بمن يتعمَّد النظر إلى الراقصات وبائعات الهوى، وما يسمى «الڤيديو كليب» والذي تتلاعب فيه المرأة بجسدها يمنةً ويسرةً حتى ليخال للمرء أنَّ قد تلبَّسها جنٌّ أو مسَّها شيطان لشدَّة هيجان حركاتها.. فلتحذر أيها الشاب من مشاهدة هذا الغناء المحموم؛ فإنه أشدُّ فتكًا وسُمًّا من سماع الغناء وحده، ولو أنَّ كليهما شرٌّ وحرام.
7- تذكر سوء الخاتمة:
والخوف من أن يأخذك الموت وأنت متجرِّئ مُقدِم على معصية الله عزَّ وجلَّ فتحول بينك وبين الخاتمة الحسنى .. يُروَى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقى يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دارٌ لنصراني، فاطَّلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ قال: أريدك. فقالت: لماذا؟ قال: لقد سبيت لبِّي وعقلي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة أبدًا. فقال لها: إذن أتزوجك؟ قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوِّجني منك، قال: أتنصَّر، قالت: إن فعلت أفعل. فتنصر الرجل ليتزوجها وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلم يظفر بها، وفاته دينه!([28]).
وقال عبدة بن عبد الرحيم:
خرجنا في سرية إلى أرض الروم فصحبنا شابٌ لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه ولا أفقه ولا أفرض، صائمٌ النهار قائمٌ الليل، فمررنا بحصنٍ فمال عنه العسكر، ونزل بقرب الحصن فظننا أنه يبول، فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن فعشقها فقال لها بالرومية: كيف السبيل إليك؟ قالت: حين تتنصَّر يفتح لك الباب وأنا لك؟!.. ففعل، فأُدخِل الحصن!
قال: فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم، كأنَّ كلَّ رجلٍ منا يرى ذلك بولده من صلبه.
ثم عدنا في سرية أخرى فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى، فقلنا: يا فلان، ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلواتك وصيامك؟ قال: اعلموا أني نسيت القرآن كلَّه ما أذكر منه إلاَّ هذه الآية: }رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ{ [الحجر: 203)([29]).
8- معرفة أنَّ الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان:
إنها سنة كونية لا تتخلَّف ولا تتبدَّل، إنَّ من يُطلق العنان لهوى نفسه وشهوته دون وازعٍ أو ضابطٍ فلن يسلم من عذاب الله وعقوبته.
يقول الشافعي:
عِفُّوا تعفُّ نسَاؤُكُم فِي المحَرَّم




وَتَجنَّبوا مَا لا يَلِيقُ بِمُسْلِمِ


إنَّ الزِّنَا دَينٌ فَإنْ أَقرَضتَّه




كَانَ الوَفَا ِمِن أَهلِ بَيْتِكَ فَاعْلَمِ


مَنْ يَزْنِ يُزْن بِهِ ولَوْ بِجِدَارِهِ




إنْ كُنْتَ يَا هَذَا لَبِيبًا فَافْهَمِ





فمن تَجرَّأ على انتهاك عرض الآخرين معرَّضٌ ولا شكَّ أن يرى ذلك في أمِّه أو أخته أو ابنته، ومن لا يبالي بمحارم الله فقد تخونه زوجته([30]).
وذكر ابن كثير أنَّ رجلاً في إحدى بلاد الشام أراد أن يُرسِل ابنه للتجارة إلى بلاد أخرى، وهذه التجارة هي تجارة الصابون. فلما عزم الابن المكلَّف على السفر أخذه أبوه على حدة وأسدى إليه نصائح عظيمة. وكان هذا التاجر له ابن وابنة فقط لا ثالث لهما فقال لابنه: يا بني، حافظ على عرض أختك. فذهب الابن للتجارة .. وبينما الأب ينظر يومًا إلى ابنته من أعلى منزله، إذ بالسقاء (الذي يسقي الماء) يحضر الماء يسكبها في مكانه المعهود، وبعد ما سكبه إذ بالبنت قريبة منه، فنال منها قبلةً ثم خرج.
فتعجَّب الوالد من هذا الصنيع .. فلمَّا عاد الابن من سفرته وقد ربح خيرًا كثيرًا أخذ أبوه في استجوابه وسؤاله عمَّا فعل. فأخذ الابن يذكر له ما عمل من أمور التجارة، وكان الأب لا يريد هذا المغزى، فسأله عن سلوكه في ذهابه وإيابه، فقال الابن: والله يا أبتِ لم أصنع سوءًا قط، فظلَّ الأب يُكرِّر عليه السؤال، وكان الابن يعيد الجواب نفسه، ثم بعد ذلك قال الابن "إلا أني يا أبت في عودتي أصبت من امرأةٍ قبلةً فقط"، فقال الأب: وكذلك السقاء أصاب من أختك قُبلة فقط، ولو زدت لزاد([31]).
أو كما قيل: «دقة بدقة، ولو زدتها لزاد السقا».
أيها الشاب:
إن طلَّت عليك فتاة لتغويك ولتقع معها في وهم الحب، فأشفق عليها بنُصحك إيَّاها بالكفِّ عنك وإن رأيت أنك مستضعف عن نصحها، فسد المنافذ التي تأتيك منها، فإن جاءك اتصال منها أقفله فورًا، وإن فتحت معك خطًّا على الـ«الشات» فتحوَّل عنه، فإنها إن عرفت أنه لا أرب لك فيها ولست بحاجة إلى تافهة مثلها فستنصرف عنك.
وقل كما قال أحدهم([32])
أَطَلَّتْ تَنثرُ الإغْرَاءَ عِطْرَا




وَتَتْرُكُ مَن يَرَاهَا فِي شُرُودِ


وَمَرَّتْ مِنْ أَمَامِي عَلَ قَلْبِي




يُذَلُّ لَهُ كَأفْئِدَةِ العَبِيدِ


فَتَاةُ الحيِّ إنِّي فِي انْشِغَالٍ




بِنَيْلِ الخُلْدِ عَنْ مَيْسِ القُدُودِ


عَلَى حَرْبِ الْهَوَى عَاهَدتُ رَبِّي




وَإنِّي لَسْتُ أَنكُثُ بِالعُهُودِ


تَنحِّي عَنْ طَرِيقِي إنَّ رُوحِي




لَتَأْبَى أَنْ تُكَبَّلَ بِالقُيُودِ


وَلا تبْغِي لَدَى قَلْبِي مَكَانًا




فَقَدْ شَغلتْهُ أَنَّاتُ السُّجُودِ





... وفقك الله لما يحبه ويرضاه، وأراك الحقَّ حقًّا ورزقك اتباعه، وأراك الباطل باطلاً ورزقك اجتنابه.


([1]) الداء والدواء لابن القيم الجوزية ص(174).

([2]) رواه أبو داود والترمذي.

([3]) رواه الإمام أحمد.

([4]) صور وخواطر علي طنطاوي.

([5]) صور وخواطر بتصرف.

([6]) صور وخواطر (بتصرف).

([7]) ننصح بقراءة كتاب (يا بنّي) وهي رسالة وجهها الشيخ، للشباب ففيها الكثير من الفائدة.

([8]) قصص من الحياة/ علي الطنطاي، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة.

([9]) المصدر السابق.

([10]) وحي القلم/ مصطفى صادق الرافعي ج(2).

([11]) إليك/ أمل بنت عبد الله.

([12]) الجواب الكافي ص «106» لابن القيم.

([13]) بتصرف من مقال للدكتور محمد رشيد العويد - مجلة الأسرة العدد (115) شوال 1423هـ.

([14]) طريق الهجرتين وباب السعادتين - لابن القيم الجوزية ص(468).

([15]) الشيخ علي الطنطاوي من كتاب (فصول إسلامية ص153).

([16]) أمراض القلوب وشفاؤها لابن تيمية.

([17]) روضة المحبين - لابن القيم الجوزية.

([18]) صحيح الكلم الطيب - (105).

([19]) صيد الخاطر - لابن الجوزي ص(100).

([20]) قاعدة في المحبة، لابن تيمية ص(57-58).

([21]) روضة المحبين لابن القيم الجوزية ص(465-467).

([22]) طب القلوب، لابن القيم الجوزية.

([23]) وحي القلوب، ج(2) ص(140) مصطفى صادق الرافعي.

([24]) المرأة - محمد متولي الشعرواي.

([25]) مشكلات الشباب الجنسية والعاطفية - عبد الرحمن واصل.

([26]) رواه ابن بطة رقم (387)، من كتاب الهوى وأثره في الخلاف عبدالله محمد الغنيمان.

([27]) رواه البخاري في صحيحه (10/51).

([28]) الداء والدواء - لابن القيم الجوزية.

([29]) السهم المسموم - أحمد الجهيمي.

([30]) المرجع السابق.

([31]) رسالتي إلى أهل المعاكسات - أمل بنت عبد الله.

([32]) دمعات تائب - ياسر العيني.
رد مع اقتباس
اعلانات
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

إلى من أرقه السهـاد



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 02:59 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب