منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

أين دمعتك في دموع الباكين

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
احذر أن يعرف احد سر دمعتك Pam Samir منتدى العام 7 2012-11-27 11:10 PM
لاتجعل احدا يعرف سر دمعتك *فلة* منتدى العام 4 2012-11-16 06:40 PM
لماذا جعلت الهموم والأحزان تتجرأ على إنزال دمعتك المشتاق إلى الجنة منتدى علم النفس وتطوير الذات 4 2012-06-02 08:26 PM
ايهما اصدق دموع الرجل ام دموع المراة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ biba 1989 منتدى النقاش والحوار 8 2010-09-23 02:53 PM
من تختار يمسح دمعتك؟؟؟؟؟؟ سفيرة الجزائر منتدى النقاش والحوار 6 2008-10-26 11:33 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-13
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي أين دمعتك في دموع الباكين

المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ [آل عمران: 102]، }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ [النساء: 1]، }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد: «فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»([1])، فإنه مما لا يخفى على كل مسلم مدى أهمية القلب في البدن، فهو كالملك والأعضاء كالجنود، فإذا انصلح حال الملك انصلح حال الجنود والعكس بالعكس.
وإنه لمن علامات صلاح القلب خوفه ووجله من الله – تبارك وتعالى – ومن علامة الخذلان ترك البكاء من خشية الرحمن – جل وعلا، ولقد كانت أعين السلف الصالح فياضة في عطائها في جانب الدموع من خشية الله، فضربوا أروع المثل في هذا الجانب.
أما حالنا نحن بالقياس مع حال السلف فحالٌ يندى له جبين كل مسلم، ولكن نرجو في رسالتنا هذه أن نضع أقدامنا على أول درجات سلم الخوف والبكاء من خشية الله – عز وجل .
ولا يفوتني في ذلك أن أدعو الله – عز وجل – أن يجزي خيرًا كل من ساعدني في هذه الرسالة، كما لا يفوتني أن أذكر إخواني أن هذا العمل عمل بشري يحتمل الصواب والخطأ فما كان فيه من خير وصواب فهو محض توفيق الله تعالى، وما كان فيه تقصير أو خطأ فإنما هو مني والله ورسوله من ذلك بريئان، ونحن نقبل النصح طالما أنه مدعمٌ بالدليل الشرعي.
وأسأل الله – تعالى – أن تكون هذه الرسالة من الصدقة الجارية لي بعد موتي، ونسأله سبحانه الإخلاص في القول والعمل وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1- البكاء من خشية الله تعالى
1- الأسباب الداعية للحديث في هذا الموضوع:
أ- اهتمام السلف به اهتمامًا عظيمًا في مصنفاتهم:
فلقد خصص السلف لهذا الموضوع في مصنفاتهم كُتبًا وأبوابًا، ففي كتاب «الزهد» للإمام أحمد باب في فضل البكاء من خشية الله.
وفي كتاب «الترغيب والترهيب» للإمام المنذري – فصل في الترغيب في البكاء من خشية الله (4/124-128).
وفي «سنن الترمذي» كتاب الزهد، باب فيما جاء في فضل البكاء من خشية الله (4/555).
وفي كتاب «التبيان في آداب حملة القرآن» للإمام النووي، فصل في البكاء من خشية الله عند تلاوة كلام الله جل وعلا.
وغيرها كثير.
ولقد كان السلف يتصفون به في حال سرهم وجهرهم، فعن عبد الرازق عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: دخل سعد وابن مسعود على سلمان عند الموت، فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عَهْدٌ عَهدَه إلينا رسول الله r لم نحفظه. قال: «ليكن بلاغُ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب».
وأما أنت يا سعد فاتق الله في حُكمك إذا حكمت، وفي قسمك إذا أقسمت، وعند همك إذا هممت.
قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وثلاثين درهمًا نفيقة كانت عنده ([2]).
فسبحان الله! سلمان – رضي الله عنه – ما ترك إلا بضعة وثلاثين درهمًا وهو الذي لُقب بابن الإسلام. ومع ذلك يبكي. فماذا يفعل من ترك الآلاف والملايين من الأموال والأمتعة؟ ولم يكن يبالي من أين جمعها وماذا سيقول حينما يُسأل «من أين اكتسبته وفيم أنفقته»؟ فاللهم ارحمنا يوم العرض عليك يا رب ولا تفضحنا بين خلقك.
ووجود هذا الأمر – البكاء من خشية الله تعالى – فيمن يُتلقى عنه العلم يؤثر في طالب العلم أكثر من العلم النظري بكثير ، ولذا يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى ([3]):" لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم في صحبته العامل منهم بعلمه وإن كان غيره أعلم منه.
ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه.
فكان وأنا صغير السن حينئذ – يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد ، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل.
ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول متقنًا محققًا.
وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن.
وكان كثير الصوم والصمت فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما.
ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول".
ب- حالنا يفطَّر الأكباد في معاملاتنا:
سواء كانت معاملاتنا مع الرب أو معاملاتنا مع العبد، أما مع الرب ففرطنا فيها أشد تفريط. فأين الشوق إلى رؤيته سبحانه ولقائه؟ فمن أحب الله بكى خوفًا من فوات قربه.
ومن خاف من الله بكى من ذنوبه.
ومن رجا الله بكى رجاء رحمته.
وهذه هي مقامات الإيمان الثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء.
فلما ذهبت هذه المقامات تركنا البكاء من خشية الله – تعالى – لأنه كما قال أبو سليمان الداراني – رحمه الله تعالى -: لكل شيء علم، وعلامة الخذلان ترك البكاء، ولكل شيء صدأ، وصدأ القلب الشَّبع ([4]).
فأين البكاء وأين البكاؤون؟!
أما في الآخرة فلقد جعل الله – تعالى – البكاء من خشيته – سبحانه – سببًا من أسباب وقاية حرَّ الشمس يوم القيامة، وما أشد هذا الحر!
فعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: «تُدْنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم على قدر ميل» قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا» قال: وأشار رسول الله r بيده إلى فيه ([5]).
وسُليم بن عامر هو الراوي عن المقداد بن الأسود – رضي الله عنه .
أما كون البكاء سببًا للوقاية من هذا الحر الشديد فلما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – أن النبي r قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء ففاضت عيناه، ورجل قلبه مُعلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها قال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه»([6]).
فهكذا أخي الحبيب: «ورجل ذكر الله في خلاء ففاضت عيناه» فهل وقع منا ذلك؟
أما حالنا مع العباد فلا يقل شناعة عن ذلك. أين النصح والتناصح في الله تعالى؟ أين مجالس العلم؟ أين مجالس البكاء من خشية الله تعالى؟ قد تقول – أخي الحبيب – مجالس البكاء! نعم أيها الحبيب مجالس البكاء – فلقد كان محمد بن سوقة – رحمه الله تعالى – يبحث كل يوم جمعة عن ضرار بن أمية، فإذا التقى أحدهما بالآخر جلسا يبكيان.
أيها اللبيب – أتدري من هو «محمد بن سوقة» قال عنه الذهبي – رحمه الله -([7]): الإمام العابد الحجة، ومن تلامذته السفيانان الثوري وابن عيينة وغيرهما. قال عنه سفيان بن عيينة: كان «محمد بن سوقة» لا يُحسن أن يعصي الله تعالى. وقال النسائي: ثقة مرضي. وروى له أصحاب الكتب الستة.
أخي الحبيب – إن كنت سلفيًا فهذه مجالس السلف «الرجل لا يحسن أن يعصي الله» وله ورده في البكاء!!! فسبحان الملك الوهاب.
ج) أخي الحبيب – أنصح نفسي وإياك بهذه الفضيلة «البكاء» وذلك «الخوف» الذي هو من مقامات الإيمان الثلاثة. فلقد عاتب الله أصحاب النبي r بعد أربع سنين من إسلامهم على ذلك.
فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية }أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ{ [الحديد: 16] إلا أربع سنين»([8]).
أخي المبارك الحبيب ... لقد ذكر الله البكاء في كثير من سور القرآن ولا سيما السور المكية في بداية الدعوة حتى يتربى الصحابة الكرام على ذلك، ففي سورة مريم، وهي مكية بالاتفاق بعد ما ذكر الله تعالى عددًا من أنبيائه وعباده المقربين قال سبحانه: }أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا{ [مريم: 58].
وفي سورة الإسراء قال الله تعالى: }وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا{ [الإسراء: 106-109]. وسورة الإسراء مكية بالاتفاق أيضًا.
بل إن الله – عز وجل – أنكر على من سمع القرآن، ولم يبك. قال الله تعالى: }أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ{ [النجم: 59-61]، وسورة النجم أيضًا مكية.
فهكذا أخي الحبيب لا بد من التربية على هذا المنهج المبارك من البداية وحتى النهاية. فاللهم خذ بنواصينا إلى سنة نبيك r .

أنواع البكاء ([9])
اعلم – أخي الحبيب – علمني الله وإياك- أن السلف قسموا البكاء إلى عدة أقسام وهي:
1- بكاء الرحمة، والرقة.
2- بكاء الخوف والخشية.
3- بكاء المحبة والشوق.
4- بكاء الفرح والسرور.
5- بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
6- بكاء الحزن.
والفرق بينه وبين بكاء الخوف، أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه، أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك، والفرق بين بكاء السرور والفرح، وبكاء الحزن، أن دمعة السرور باردة، والقلب فرحان، ودمعة الحزن حارة، والقلب حزين.
7- بكاء الخور والضعف.
8- بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس، فيُظهر صاحبه الخشوع، وهو من أقسى الناس قلبًا.
9- البكاء المستعار والمستأجر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها كما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – تبيع عَبْرَتها، وتبكي شَجْو غيرها.
10- بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم فيبكى معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون، ولكن يراهم يبكون فيبكي.

هيئات البكاء
ما كان من ذلك دمعًا بلا صوت، فهو بُكى، مقصور، وما كان معه صوت، فهو بكاء، ممدود على بناء الأصوات.
وقال الشاعر:
بكت عيني وحق لها بكاها




وما يُغني البكاء ولا العويل





وما كان منه مستدعى متكلفًا، فهو التباكي، وهو نوعان: محمود، ومذموم.
فالمحمود: أن يستجلب لرقة القلب، ولخشية الله، لا للرياء والسمعة.
والمذموم: أن يجتلب لأجل الخلق، وقد قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – للنبي r وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: « من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما»([10])، ولم ينكر عليه r.
* بكاء النبي r: وأما بكاؤه r فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن.

3- البكاء في القرآن
أخي الحبيب: عندما يقترن الخوف من الله – عز وجل – بالإجلال والتعظيم تفيض العين بالدمع؛ تعبيرًا عن هذا التأثر العميق، وهذا الدمع ليس تفريغًا لهذه الشحنة الإيمانية، وإنما هو ما يسكب فوقها، فيتذوق العبد برد اليقين، ويحس بثلج الإيمان. وإليك أيها – اللبيب – طرفًا من حديث القرآن عن البكاء:
قال الله تعالى: }وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا{ [الإسراء: 109]. قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى -([11]): خضوعًا له – عز وجل – وإيمانًا بكتابه ورسوله }وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا{ أي تسليمًا.اهـ
فعندما يستمع العبد الخاشع لآيات الله تتلى عليه يتأثر بمواعظ القرآن وزواجره فيخر ساجدًا لله تعظيمًا وتوقيرًا وخضوعًا له سبحانه.
وقال الإمام القرطبي – رحمه الله تعالى -([12]): "هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم".
وحق لكل من توسم العلم وحصَّل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل.اهـ
فانتبه – أخي طالب العلم – فإنما العلم الخشية.
وقال سبحانه وتعالى: }أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ{ [النجم: 59، 60].
قال الإمام القرطبي – رحمه الله تعالى -([13]): }أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ{ يعني القرآن.
وهذا استفهام }تَعْجَبُونَ{ تكذيبًا به }وَتَضْحَكُونَ{ استهزاءً. }وَلَا تَبْكُونَ{ انزجارًا وخوفًا من الوعيد.
وقال الله تعالى: }تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ{ [السجدة: 16].
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى ([14]) ": }تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ{ يعني بذلك قيام الليل وقيل الصلاة بين العشاءين".
وعن أنس:" هو انتظار صلاة العتمة – يعني العشاء ".
}يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا{ أي خوفًا من وبال عقابه، وطمعًا في جزيل ثوابه.
قال الحسن البصري – رحمه الله -:" أخفى قوى عملهم – فأخفى الله لهم ما لم ترَ عين ولم يخطر على قلب بشر". رواه ابن أبي حاتم.
وقال البغوي – رحمه الله تعالى ([15]) – "أي خائفين عذابه، طامعين في ثوابه".
أخي الحبيب ... هذا قليل من كثير عن حديث القرآن عن البكاء ولعله فيه عبرة لمن كان له قلب.

4- البكاء وقيام الليل في سنة رسول الله r
أخي الحبيب ... هيا بنا ننظر في سنة النبي r لنرى هذا الخلق النبيل، والذي اتصف به أعبد البشر لربه النبي r ومع ذلك كان في غاية الخوف والوجل وإليك طرفًا من ذلك:
1- عن عبد الله بن الشخير – رضي الله عنه – قال: «أتيت النبي r وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعني يبكي»([16]).
جوفه: صدره وداخله، أزيز المرجل: قال الإمام السندي رحمه الله تعالى ([17]):" أي حنين من الخشية وهو صوت البكاء قيل وهو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء". (والمرجل) بكسر الميم إناء يغلي فيه الماء.
فهذا – أخي اللبيب – حال رسول الله r في صلاته، وذلك لما كان عليه r من كمال الخوف من الله، وهذا دليل على عظيم علمه بالله ومعرفته بقدره، وعلى قدر ذلك يكون العمل.
2- عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال لي رسول الله r اقرأ عليّ القرآن. قال: فقلت يا رسول الله أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟ قال : إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت النساء حتى إذا بلغت }فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا{ رفعت رأسي. أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل ([18]).
قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -([19]):" وفي حديث ابن مسعود هذا فوائد منها: استحباب استماع القراءة، والإصغاء لها والبكاء عندها وتدبرها واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه وفيه تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم".اهـ
3- عن أنس – رضي الله عنه – قال: بلغ رسول الله r عن أصحابه شيء فخطب فقال: «عرضت علي الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا». قال: فما أتى على أصحاب رسول الله r يومٌ أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين ([20]) قال أبو زيد: الخنين: شديد البكاء ([21]).
أخي اللبيب ... فإذا كانت هذه وصية رسول الله r لخير البشر بعد الأنبياء وهم صحابته الكرام لما رأى منهم شيئًا إذًا فكيف بحالنا نحن؟
فاللهم نسألك العفو والعافية يا رب.
4- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم»([22]).
يعود اللبن في الضَّرع: يرجع الحليب إلى الثدي من مسامه وهو مستحيل.
والحديث دليل على أن البكاء من خشية الله تعالى يقي العبد نار جهنم يوم القيامة.
- نعم – أيها الحبيب ... دمعة من خشية الله تعالى تشتري بها الجنة فهي من أسباب دخولها. فهل أنت مشتر وهل معك الثمن؟.
أيها الحبيب ... إنه ثمن غالٍ إلا على من يسره الله عليه ... فكم يبكي العبد على فوات أمر من أمور الدنيا الفانية الحقيرة الزائلة أو فراق حبيب ولا يبكي على موت القلب الذي بين الله تعالى أنه لا فلاح إلا بملاقاة الله به سليمًا.
قال تعالى: }يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{ [الشعراء: 88، 89].
5- عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قام النبي r بآية حتى أصبح يرددها. والآية: }إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [المائدة: 118]([23]).
فهكذا – أخي الحبيب ... يردد النبي r آية واحدة حتى يصبح، فلا يكن هم أحدنا الوصول إلى رؤوس الآيات بل لا بد من التدبر والتفهم لآيات الله تعالى.
واحذر – أخي الحبيب – من كيد الخبيث أن يصدك عن قيام الليل، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد؛ يضربُ على كل عقدة : عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان»([24]).
ولقد أطلق بعض أهل العلم على هذا الحديث حديث الضرب على القفا. فإن أراد هذا الخبيث أن يصدك فاذكر الله فإنه يطرد الخبيث كما جاءت بذلك السنة الصحيحة، حفظني الله وإياك منه.
6- وعن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت: استيقظ رسول الله r ليلة فزعًا يقول: «سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أُنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات – يريد أزواجه – لكي يصلين؛ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»([25]).
وفي الحديث جملة فوائد منها:
1- جواز قول «سبحان الله» عند التعجب.
2- وندبية ذكر الله عند الاستيقاظ.
3- وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند آية تحدث.
7- عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله r قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقُربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم»([26]).
أخي – نعم ... «قيام الليل» دأب الصالحين من قبلنا وستعرف ذلك فيما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهو من أسباب قرب العبد من ربه، ومكفر للذنوب، ومن دواعي الابتعاد عن المعصية.
فعليك أخي – بقيام الليل – فإنه أفضل الصلاة بعد الفريضة.
8- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»([27]).
9- أخي الحبيب ... إياك أن تجعل أذنيك – دورة مياه – للخبيث، فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: ذُكر عند النبي r رجلٌ. فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: «بال الشيطان في أذنه»([28]).
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى ([29])-: "قال القرطبي وغيره: لا مانع من ذلك إذ لا حاجة فيه لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح فلا مانع من أن يبول. وقيل هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر. وقيل معناه إن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر. وقيل هو ازدراء الشيطان به. وقيل أن معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه ..." إلى آخر ما قال – رحمه الله تعالى – وساق بسنده إلى ابن مسعود – رضي الله عنه - «حسب الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه». وقال هو موقوف صحيح.
[قلت: ولا مانع والله أعلم من أن يكون البول حقيقيًا: كما قال القرطبي – رحمه الله – وغيره ولا حاجة لنا لصرف الحديث عن ظاهره].
10- عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقًا مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله، فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع، فرجع حتى هريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، وشفقًا مما عندي حتى هريق دمه»([30]).
11- عن المغيرة بن شُعبة – رضي الله عنه – قال: إن كان النبي r ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه – أو ساقاه – فيقال له فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»([31]) وفي تفسير سورة الفتح، «فقيل له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر».
وقال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفًا من الذنوب وطلبًا للمغفرة والرحمة فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة.
12- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟»([32]).
أخي الحبيب ... هل يليق بنا أن يجدنا ربنا نائمين في هذا الوقت وهو الغني عنا ونحن الفقراء إليه؟!
ومن بكاء الحزن: بكاء النبي r على ابنه إبراهيم حينما مات.


([1]) رواه أحمد في المسند ومسلم (867) وابن ماجة (45) والنسائي (3/188) وقد تفرد بـ[وكل ضلالة في النار] وهي صحيحة (صحيح الجامع 1353).

([2]) حديث صحيح أخرجه ابن ماجة (4104) وأبو نعيم في الحلية (1/196/197) والطبراني (6069)، (6160) من طريق آخر والذي دخل سعد بن مالك وابن مسعود – رضي الله عنهما – وصححه ابن حبان (2480) من طريق آخر وأخرجه الحاكم عن أبي سفيان عن أشياخه قال: دخل سعد ... وصححه ووافقه الذهبي – (سير أعلام النبلاء) (1/552-553).7

([3]) صيد الخاطر، لابن الجوزي ص138.

([4]) سير أعلام النبلاء، الجزء العاشر، ترجمة أبي سليمان الدارني.

([5]) رواه مسلم (2864) والحديث رواه البخاري أيضًا – ولكن بلفظ مختلف عن ذلك – راجع إن شئت غير مأمور – (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان رقم 1821).

([6]) رواه البخار ي(6806) ومسلم (1031) والترمذي (2391) والنسائي (كتاب آداب القضاة. فضل الحاكم العادل في حكمه) واللفظ للبخاري ولفظ النسائي قريب جدًا من هذا اللفظ.

([7]) سير أعلام النبلاء، الجزء السادس في ترجمة محمد بن سوقة.

([8]) رواه مسلم (3027).

([9]) زاد المعاد 1/176-178.

([10]) رواه مسلم (1763).

([11]) تيسر العلي القدير (3/57).

([12]) الجامع لأحكام القرآن (10/341).

([13]) الجامع لأحكام القرآن (10/341).

([14]) تيسير العلي القدير 3/468.

([15]) شرح السنة 4/44

([16]) رواه الإمام أحمد في المسند (6355، 6369) والترمذي في الشمائل (276) وأبو داود (904) والنسائي (3/13) ، واللفظ للنسائي ، رحمهم الله جميعًا ، والحديث صححه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه.

([17]) سنن النسائي بحاشية السندي 3/13.

([18]) رواه البخاري (4582) ومسلم (800) واللفظ لمسلم.

([19]) صحيح مسلم بشرح النووي 6/414.

([20]) رواه البخاري (1044) ومسلم (2359) وهذا لفظ مسلم.

([21]) شرح مسلم للنووي 15/500.

([22]) رواه أحمد في المسند (10567) والترمذي (1633، 2311) والنسائي 6/11 والحاكم 4/260. والحديث صحيح لغيره (رياض الصالحين بتحقيق شعيب الأرناؤوط برقم 448).

([23]) صحيح أخرجه النسائي 2/177 وابن ماجة (1350) والحاكم (1/241) وصححه ووافقه الذهبي وصححه البوصيري في «الزوائد» وابن خزيمة ، وهذا لفظ ابن ماجة.

([24]) البخاري (1142) ومسلم (776) واللفظ للبخاري.

([25]) رواه البخاري (7069) كتاب الفتن باب «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه».

([26]) حديث حسن أخرجه الحاكم 1/308 وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وحسنه الطبراني وراجع شرح السنة رقم (922) بتحقيق الأرناؤوط ، والحديث في سنن الترمذي برقم (3519).

([27]) رواه مسلم (1163) والترمذي (438) وهذا لفظ مسلم.

([28]) رواه البخاري (1144) ومسلم (774) وهذا لفظ البخاري.

([29]) الفتح 3/35 طبعة الريان.

([30]) أخرجه أحمد ورجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب قد اختلط ، وحماد بن سلمة ممن روى عنه قبل الاختلاط وبعده ، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان (643) ، والقسم الأول منه ذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد 2/255) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في «الكبير» وإسناده حسن (شرح السنة رقم 930) قلت : والجزء الثاني منه في صحيح الجامع برقم (3981).

([31]) رواه البخاري (1130) ومسلم (2819) والترمذي (412) وهذا لفظ البخاري.

([32]) رواه البخاري (1145) ومسلم (758).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-13
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أين دمعتك في دموع الباكين

نماذج مضيئة من السلف في الخوف
من الله تعالى على الدرب تسير
أخي الحبيب الفطن اللبيب ... لقد فقه سلفنا الصالح عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها في الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم عن مطامعها، وارتفعت همتهم عن السفاسف، فلا تراهم إلا صوّامين قوّامين، باكين والهين، ولقد زخرت تراجمهم بأخبار زاخرة، وهاك طرفًا من عباراتهم وعباداتهم:
1- عن معمر عن قتادة، قال أبو عبيدة بن الجراح – رضي الله عنه -:« وددت أني كنت كبشًا فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي ويحسون مرقي» ([1]).
أخي الحبيب ... أبو عبيدة ممن شهد بدرًا – المغفور لهم – وهو الذي قال عنه النبي r: «إن لكل أمة أمينًا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»([2]).
2- قال قتادة: بلغني أن عمران بن الحصين قال: [وددت] أني رماد [تذروني الرياح]([3]) عمران بن حصين كنيته أبو نُجيد الخزاعي.
3- قال إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: لو تعلمون ذنوبي، ما وطئ عقبي اثنان، ولحثيتم التراب على رأسي، ولوددت أن الله غفر لي ذنبًا من ذنوبي، ولوددت أني دُعيت عبد الله بن روتشة ([4]).
أخي الحبيب ... إذا كان عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – يقول عن نفسه ذلك ، فماذا يقول مثلي ومثلك؟
2- عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – على الرغم من شدته في الحق – إلا أنه كان ذا قلب رقيق يتأثر عندما يسمع آيات الرحمن، حتى تسقط دموعه خشية لله تعالى.
يقول علقمة بن أبي وقاص – رحمه الله – كان عمر يقرأ في صلاة العشاء الآخرة بسورة يوسف، وأنا في مؤخرة الصفوف حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه ([5])، والنشيج هو الصوت الذي يرافق البكاء. هذا هو عمر – أخي الحبيب – والمبشر بالجنة والذي إذا رآه الشيطان يسلك فجًا سلك فجًا آخر، إلى غير ذلك من مناقبه المدونة في الصحيحين وغيرهما - حاله هكذا في الخوف من الله تعالى.
قال زهير بن حيان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتيته، فإذا بين يديه نطعٌ عليه الذهب منثور نثر الحَثَى.
قال زهير: فقال ابن عباس: يا زهير، هل تدري ما الحثى؟ قلت: لا، قال: التبن.
ثم قال: قال عمر: هلم فاقسم هذا بين قومك، فالله أعلم حيث زوى هذا عن نبيه r، وعن أبي بكر، فأعطيتُه، لخير أعطيتُه، أم لشر؟! قال: فأكببت عليه أقسم وأزيل، فسمعت البكاء، فإذا صوت عمر يبكي ويقول في بكائه: كلا، والذي نفسي بيده ما حبسه عن نبيه r، وعن أبي بكر إرادة الشر لهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له!!([6]).
ويقول ابن عباس – رضي الله عنهما – دخلتُ على عمر حين طُعن، فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين، والله لقد مصَّر الله بك الأمصار، وأوسع بك الرزق، وأظهر بك الحق، ودفع بك النفاق.
فقال عمر: أفي الإمارة تثنى علي يا ابن عباس؟!
قال: نعم يا أمير المؤمنين، وفي غيرها. قال: فوالذي نفسي بيده لوددت أن أنجو منها كفافًا، لا أؤجر ولا أوزر، والله لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها، لا أجر ولا وزر.
والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع ([7]).
ويقول سالم بن عبد الله – رحمه الله – أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كان يدخل يده في دَبَر البعير ويقول: «إني لخائف أن أسأل عما بك»([8]).
دَبَرَ البعير هي: قرحة البعير والمفردة الدَبَرَةَ.
فانظر – أخي الحبيب – مدى خوف عمر – رضي الله عنه – يخشى أن يُسأل يوم القيامة عن دابة تموت ضياعًا في عمله.
وكان – رضي الله عنه – يبكي من خشية الله تعالى، وربما مرَّ بالآية من ورده بالليل فتخنقه، فيبقى في البيت أيامًا، يُعاد يحسبونه مريضًا ([9]).
ويقول أبو سعيد مولى أبي أسيد – رضي الله عنه – كان عمر إذا صلى أخرج الناس من المسجد فأخذ إلينا، فلما رأى أصحابه وضع الدرة وجلس فقال: ادعوا، فدعوا. قال: فجعل يدعو ويدعو حتى انتهت الدعوة إليَّ، فدعوت وأنا مملوك فرأيته دعا وبكى بكاءً لا تبكيه الثكلى، فقلتُ في نفسي. هذا الذي تقولون أنه غليظ!!([10]).
وقال له ابن عباس – رضي الله عنهما – أبشر بالجنة، صاحبت رسول الله r فأطلت صحبته، ووليت أمر المؤمنين فقويت، وأديت الأمانة. فقال عمر: أما تبشيرك إياي بالجنة، فوالله لو أن لي الدنيا بما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر. وأما قولك في أمر المؤمنين، فوالله لوددت أن ذلك كفافًا لا لي، ولا عليَّ ، وأما ما ذكرت من صحبة نبي الله r فذلك ([11]).
أخي الحبيب الفطن اللبيب ... وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على مزيد من طاعة الله، فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه على خديه، ثم يمضي قدمًا في معاصي الله، وإنما الخائف هو من يترك ما يخاف منه.
يقول أبو سعيد مولى أبي أسيد – رضي الله عنه -: كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يغشى المسجد بعد العشاء، فلا يرى فيه أحدًا إلا أخرجه، إلا رجلاً قائمًا يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله r فيهم أُبي بن كعب.
فقال: من هؤلاء؟ قال أبيُّ: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين.
قال: ما خلفكم بعد الصلاة؟
قال: جلسنا نذكر الله، قال: فجلس معهم، ثم قال لأدناهم إليه: هات!
قال: فدعا، فاستقرأهم رجلاً رجلاً يدعون حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه، فقال: هات، فحصرت، وأخذني من الرعدة حتى جعل مس ذلك مني.
فقال: ولو أن تقول: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا.
قال: ثم أخذ عمر، فما كان في القوم أكثر دمعة، ولا أشد بكاء منه، ثم قال: إيها، الآن فتفرقوا ([12]).
يقول إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف – رحمه الله – لما أُتِىَ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بكنوز كسرى، قال عبد الله بن الأرقم: ألا تجعلها في بيت المال حتى تقسمها؟ قال: لا والله، لا أظلها سقف بيت حتى أمضيها ، فأمر بها فوضعت في صرح المسجد، وباتوا عليها يحرسونها، فلما أصبح أمر بها، فكُشف عنها، فرأى ما فيها من البيضاء والحمراء ما كاد يتلألأ منه البصر، فبكى عمر.
فقال له عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه -: ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا ليوم شكر، ويوم فرح؟!
فقال عمر: ويحك إن هذا لم يعطه قوم قط. إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء ([13]).
أخي الحبيب الفطن اللبيب ... ما أحرانا أن نقتدي بالفاروق في البكاء من خشية الله تعالى.
وأجدر بنا أن تسقط دموعنا من خشية الله سبحانه وتعالى.
وهذا تميم بن أوس الداري – رضي الله عنه – روى أبو الضحى، عن مسروق، قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، صلى ليلة حتى أصبح أو كاد، يقرأ آية يرددها ويبكي: }أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ{ [الجاثية:21]([14]).
«وتميم الداري» - رضي الله عنه – كان عابدًا تلاءً لكتاب الله كان يختم كل سبع، وهو راوي حديث النصيحة، وهذا حاله مع عبادة الخوف من الله تبارك وتعالى، وحال قلبه وعينه عند تلاوة كتاب الله تعالى «آية» يرددها حتى أصبح ، أو كاد أن يصبح ، وهو يبكي.
6- عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال هشام الدستوائي: عن القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ فبلغ }يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{ [المطففين: 6] فبكى حتى خر وامتنع من قراءة ما بعدها ([15]).
وعن عثمان بن واقد، عن نافع كان ابن عمر إذا قرأ: }أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ{ [الحديد: 16] بكى حتى يغلبه البكاء ([16]).
أخي الحبيب ... كم مرة قرأنا هاتين الآيتين؟ وكم مرة بكينا عند تلاوتنا لهما؟! فاللهم خذ بنواصينا إليك.
7- عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما – عن ابن أبي مليكة قال: صحبتُ ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل. فسأله أيوب: كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: }وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ{ [ق: 19] فجعل يرتل ويكرر في ذلك النشيج ([17]).
والنشيج: أحر البكاء، وهو مثل البكاء للصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه.
وقال معمر بن سلميان: عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء، قال: رأيت ابن عباس وأسفل عينيه مثل الشراك ([18]) البالي من البكاء([19]).
إذًا فهكذا كان هذا الحبرُ دائمًا باكيًا حتى أصاب أسفل عينيه ما أصابه.
أخي الحبيب ... قد تقول إن هؤلاء الصحب الأبرار الأطهار رأوا رسول الله r واستمعوا له r وتربوا على يديه ومن ذا الذي يطيق ما كانوا يطيقونه، فاعلم – أيها الحبيب – أن السلف بعدهم شمروا عن ساعد الجد وضربوا في ذلك أمثلة رائعة إليك طرفًا منها لعل الله يشرح بها صدورنا.
8- العلاء بن زياد: قال قتادة – رحمه الله تعالى – كان العلاء بن زياد قد بكى حتى عشي بصره. وكان إذا أراد أن يقرأ أو يتكلم، جهشه البكاء. وكان أبوه قد بكى حتى عمى ([20]).
فسبحان ربي العظيم، أبوه بكى حتى عمى، نعم إن نسبه سلسلة ذهبية. فهو العلاء بن زياد بن قطر بن شريح، أما العلاء فقال عنه الذهبي ([21]): أبو نصر العدوي البصري كان ربانيًا تقيًا قانتًا لله، بكَّاءً من خشية الله.
9- سعيد بن المسيب: قال يحيى بن سعيد الأنصاري كان سعيد بن المسيب يكثر أن يقول في مجلسه: اللهم سلَّم سلَّم ([22]).
10- الحسن البصري: قال مطر الوراق: لما ظهر الحسن جاء كأنما كان في الآخرة، فهو يُخبر عما عاين ([23]).
وقال إبراهيم بن عيسى البشكري: ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة ([24]).
وهذه حالة وهيئة العلماء والعباد من السلف – رحمهم الله تعالى.
11- عبد الرحمن بن أبي نُعم: قال بكر بن عامر: كان لو قيل له: قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيادة عمل ([25]).
وهذا الإمام قال عنه الذهبي ([26]): روى له أصحاب الكتب الستة، وقال عنه أمام حجة رباني يُكنى بأبي الحكم.
12- عمر بن عبد العزيز: عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه، فإذا هو في مُصَلاه يده على خده سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد r فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد r. فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته فرحمت نفسي فبكيت ([27]).
وقال النضر بن عربي: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فكان ينتفض أبدًا، كأن عليه حزن الخلق ([28]).
تأمل – أخي اللبيب – حال هذا الحاكم العادل، وخوفه من الله تعالى مع عظيم عدله، والذي يُضرب به المثل. يقول يحيى بن حمزة: حدثنا عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان تُسرجُ عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ أطفأها وأسرج عليه سراجه ([29]).
13- ثابت بن أسلم: قال حماد بن زيد: رأيت ثابتًا يبكي حتى تختلف أضلاعه ([30]).
وقال حماد بن سلمة: قرأ ثابت: }قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا{ [الكهف: 36] وهو يصلي صلاة الليل ينتحب ويرددها ([31]).
وقال جعفر بن سليمان: بكى ثابت حتى كادت عينُه تذهب، فنهاه الكحال عن البكاء، فقال: فما خيرهما إذا لم يبكيا، وأبى أن يُعالج([32]).
نعم – أخي – إنه الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو محمد البناني روى له أصحاب الكتب الستة.
14- محمد بن المنكدر: قال أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن الفضل الأنيس، سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر، أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى، فكثر بكاؤه حتى فرغ له أهله،وسألوه، فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فجاء إليه، فقال ما الذي أبكاك؟ قال: مرَّت بي آية، قال: وما هي؟ قال: }وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ{ فبكى أبو حازم معه، فاشتد بكاؤهما ([33]).
[أتدري – أخي – من هو محمد بن المنكدر؟ قال عنه ابن الماجشون: إن رؤية محمد بن المنكدر لتنفعني في ديني ([34]). فالرجل من الأولياء، ويبكي حتى يفزع له أهله، فماذا يفعل مثلي ومثلك؟!].
15- صفوان بن سُليم: قال محمد بن يزيد الآدمي، عن أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سُليم ولو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة([35]).
نعم – أخي الحبيب – فلقد كان صفوان بن سليم كما روى عنه مالك بن أنس ترم رجلاه حتى يعود كالسقط من قيام، ويظهر فيه عروق خضر ([36]). فهذه وجوه ظهرت عليها الخشية، يقول ابن عُيينة: حجَّ صفوان، فذهبت بمنى فسألت عنه، فقيل لي: إذا دخلت مسجد الخيف فأت المنارة، فانظر أمامها قليلاً شيخًا، إذا رأيته علمت أنه يخشى الله تعالى، فهو صفوان بن سليم، فما سألت عنه أحدًا([37]).
فاللهم ألبسنا لباس الخشية ، يا رب واستر عيوبنا ، يا رحمن يا رحيم.
16- منصور بن المعتمر: قال يحيى القطان، عن الثوري، قال: لو رأيت منصور بن المعتمر لقلت: يموت الساعة ([38]).
وذكر سفيان بن عيينه منصورًا فقال: قد كان عمش من البكاء. ولم لا يعمش – أيها الأخ الحبيب – ولقد قال خلف بن تميم: حدثنا زائدة، أن منصورًا صام أربعين سنة، وقام ليلها، وكان يبكي، فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح كحَّل عينيه، ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس([39]).
فيا له من إخلاص ما أحوجنا إليه!!
تأمل – أخي – قوله: «أنا أعلم بما صنعت بنفسي» وماذا صنع؟ صام أربعين سنة وقام ليلها باكيًا، فلا ندري من أين أتى بكل هذه الدموع؟ «أربعين سنة» فاللهم إنا نسألك عينًا دامعة من خشيتك يا رب.
17- أبو حصين: قال أبو بكر بن عياش: دخلت على أبي حصين في مرضه الذي مات فيه، فأغمي عليه ثم أفاق، فجعل يقول: }وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ{ ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فجعل يرددها فلم يزل على ذلك ([40]).
18- الإمام أبو حنيفة: يروى ابن سَماعة، عن محمد بن الحسن، عن القاسم ابن معن، أن أبا حنيفة قام ليلة يُردد قوله تعالى: }بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ{ [القمر: 46]([41]).
وعن يزيد بن كُميت: أنه سمع رجلاً يقول لأبي حنيفة: اتق الله، فانتفض واصفر، وأطرق، وقال: جزاك الله خيرًا. ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا ([42]).
وهكذا الأئمة إذا ذُكروا بالله تذكروا، فرحم الله الإمام أبا حنيفة.
19- الإمام الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أبو عمرو الأوزاعي: قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا بشر بن المنذر، قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع ([43]).
ولم لا يكون كذلك، ولقد كان يحيي الليلة صلاة وقرآنًا وبكاء، وأخبرني أي الذهبي – بعض أخواني من أهل بيروت، أن أمةً كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع مُصلاه، فتجده رطبًا من دموعه في الليل([44]). فهكذا كان ليل أبي عمرو رحمه الله تعالى.
20- هشام الدستوائي: قال شاذ بن فياض: بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه، فكانت مفتوحة، وهو لا يكاد يبصر بها ([45]).
وعلى الرغم من ذلك يقول – رحمه الله تعالى – ليتنا ننجو لا علينا ولا لنا. فماذا نقول نحن؟ وقد عقمت أعيننا عن الدموع إلا من رحم ربي.
21- سفيان بن سعيد الثوري (أبو عبد الله): قال عطاء الخفاف: ما لقيت سفيان إلا باكيًا، فقلت ما شأنك؟ قال: أتخوف أن أكون في أم الكتاب شقيًا([46]).
قال – أي الذهبي – قد كان لحق سفيان خوف مزعج إلى الغاية. قال ابن مهدي، كنا نكون عنده، فكأنما وقف للحساب.
وقال ابن مهدي: كنت أرمق سفيان في الليلة بعد الليلة، ينهض مرعوبًا ينادي: النارَ، النارَ، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات([47]).
وقال أبو نعيم: كان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع به أيامًا([48]).
وقال يوسف بن أسباط: كان سفيان يبول الدم من طول حزنه وفكرته([49]).
وعن ابن مهدي: كنت لا أستطيع سماع قراءة سفيان من كثرة بكائه.
أخي الحبيب ... هذا هو خوف سفيان وبعد ذلك يخشى أن يكون في أم الكتاب شقيًا. فيا حسرة على أمثالنا!
[ولقد ذكرتُ ترجمته في رسالتي: «طلب العلم بين اجتهاد السلف وتكاسل الخلف». وحاله في طلب العلم وجده واجتهاده فيه أيضًا فرحم الله أبا عبد الله وأسكنه فسيح جناته وأشهد الله أني أحبه في الله تعالى].
22- سعيد بن عبد العزيز: (أبو محمد وقيل أبو عبد العزيز): قال أبو زُرعة: حدثني أبو النضر إسحاق بن إبراهيم، قال: كنت أسمع وقع دموع سعيد بن عبد العزيز على الحصير في الصلاة ([50]) كيف أتى هذا الإمام بهذا البكاء؟ انظر أخي.
قال أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن أخي، وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: لعل الله أن ينفعني به، فقال: ما قمت إلى الصلاة إلا مُثلَت لي جهنم([51]).
23- الفضيل بن عياض (أبو علي): قال إبراهيم بن الأشعث: ما رأيت أحدًا كان الله في صدره أعظم من الفُضيل، كان إذا ذكر الله، أو ذُكر عنده أو سمع القرآن، ظهر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى حتى يرحمه من يحضره، وكان دائم الحزن شديد الفكرة، ما رأيت رجلاً يريد الله بعلمه وعمله وأخذه وعطائه ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها، غيره. كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ، ويذكر ويبكي كأنه مودع أصحابه، ذاهب إلى الآخرة، حتى يبلغ المقابر، فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يُخبر عنها([52]).
24- علي بن الفضيل بن عياض: قال عبد الصمد بن يزيد، سمعت الفضيل يقول: أشرفت ليلة على علي، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟ وقال لي: يا أبهٍ سل الذي وهبني لك في الدنيا أن يهبني لك في الآخرة. ثم قال : لم يزل منكسر القلب حزينًا. ثم بكى الفضيل، ثم قال: كان يساعدني على الحزن والبكاء يا ثمرة قلبي، شكر الله لك ما قد علمه فيك([53]).
وقال أبو سلميان الداراني: كان علي بن الفضيل لا يستطيع أن يقرأ (القارعة) ولا تُقرأ عليه([54]).
وقال الحسن بن عبد العزيز الجروي: حدثنا محمد بن أبي عثمان، قال: كان علي بن الفضيل عند سفيان بن عيينة فحدث بحديث فيه ذكر النار فشهق علي شهقة، ووقع. فالتفت سفيان فقال: لو علمت أنك هاهنا ما حدثت به، فما أفاق إلا بعد ما شاء الله([55]).
قال الذهبي: وهل يُراد من العلم إلا ما انتهى إليه الفضيل رحمة الله عليه.
25- الإمام الترمذي: قال الحاكم: سمعت عمر بن عَلَّك يقول: مات البخاري فلم يخلف بخرسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد بكى حتى عَمي، وبقي ضريرًا سنين([56]).
26- أبو مسلم الخولاني: قال عثمان بن أبي العاتكة: كان علق (أبو مسلم) سوطًا في المسجد، وكان يقول: أنا أولى بالسوط من البهائم، فإذا فتر مَشَقَ ([57]) ساقيه سوطًا أو سوطين: قال وكان يقول: لو رأيت الجنة عيانًا أو النار عيانًا ما كان عندي مستزادٌ([58]).
هُم الرجال وعيبٌ أن يقا




لَ لمن لم يكن مثلهم رجل



واحسرتاه تقضَّي العمر وانصرمت




ساعاته بين ذل العجر والكسل


والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد




ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل





أخي الحبيب – الفطن اللبيب – لعلك اشتقت أن تكون في صفوف هؤلاء البكائين، الذين قضوا ليلهم ونهارهم بكاءً وخشيةً وخوفًا من الله – عز وجل -. لكنني أقول لك – أيها الحبيب -: ليس ذلك بالتمني فحسب، ولا بإحداث الصنعة فيه وإنما هو الثمرة التي تنتجها عبادات وعبادات، وهاك – أخي الحبيب شيئًا من ذلك.


([1]) طبقات ابن سعد (3/1/301).

([2]) أخرجه أحمد (12380، 12989، 13588، 14022) والبخاري (3744، 4382، 7255)، ومسلم (2419) والحاكم (4/267) وصححه ووافقه الذهبي، وابن سعد (3/1/299) وابن عبد البر في الاستيعاب (5/293) والحافظ في الإصابة (5/288) كلهم من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه الترمذي (3796) وابن ماجة (135) من طريق أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة وأخرجه ابن ماجة (136) عن ابن عمر. وهذا الأثر بلفظه هكذا في المسند برقم (13588).

([3]) ابن سعد (4/287) والزيادة منه.

([4]) أخرجه الحاكم (3/316) والفسوى (2/548) في «المعرفة والتاريخ».

([5]) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 8/297.
[تحقيق كل الآثار عن عمر – رضي الله عنه – في هذا الفصل نقلاً عن: «التوثيق في حياة الفاروق لأخينا مجدي فتحي السيد – حفظه الله »].

([6]) أثر صحيح: أخرجه ابن سعد (3/303) في طبقاته، عن طريق ابن عساكر (52/292) في تاريخه.

([7]) أثر صحيح: أخرجه ابن سعد (3/351/353)، وابن أبي شيبة (8/155) والبيهقي (10/97) في سننه الكبرى، وعن طريق ابن عساكر (52/362).

([8]) أثر صحيح: أخرجه ابن سعد 3/286 وابن عساكر (52/304، 305) عن طريقه.

([9]) أثر حسن لغيره: أخرجه أحمد في الزهد (ص149) وابن عساكر (52/263) عن الحسن وفيه انقطاع. وأخرجه ابن عساكر (52/262) عن جعفر بن زيد، وفيه المري من الضعفاء. ومن الطريق الأول أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/51).

([10]) أثر صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (8/296) في مصنفه.

([11]) أخرجه أحمد (322) وعن طريق ابن عساكر (52/363) في تاريخه.

([12]) أثر صحيح: أخرجه ابن سعد (3/294) وعن طريق ابن عساكر (52/263).

([13]) أثر صحيح: أخرجه ابن المبارك (ص265) في الزهد، وعبد الرزاق (20036) في مصنفه، وعنه ابن عساكر (52/288/289) في تاريخه.

([14]) رجاله ثقات أخرجه الطبراني برقم (1250) ونسبه في الإصابة (1/305) إلى البغوي في (الجعديات).

([15]) سير أعلام النبلاء (الجزء الثالث في ترجمة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما).

([16]) المرجع السابق.

([17]) الحلية 1/327.

([18]) الشَّراك: سير النعل على ظهر القدم (القاموس المحيط والمعجم الوسيط – شرك).

([19]) سير أعلام النبلاء (الجزء الثالث في ترجمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما).

([20]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع في ترجمة العلاء بن زياد).

([21]) المرجع السابق.

([22]) نفس المرجع والجزء في ترجمة سعيد بن المسيب.

([23]) نفس المرجع والجزء في ترجمة الحسن البصري.

([24]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع في ترجمة الحسن البصري).

([25]) نفس المرجع (الجزء الخامس في ترجمة عبد الرحمن بن نُعم).

([26]) المرجع السابق.

([27]) نفس المرجع السابق (الجزء الخامس في ترجمة عمر بن عبد العزيز).

([28]) نفس المرجع السابق (الجزء الخامس في ترجمة عمر بن عبد العزيز).

([29]) نفس المرجع (الجزء الخامس في ترجمة عمر بن عبد العزيز).

([30]) سير أعلام النبلاء (الجزء الخامس في ترجمة ثابت بن أسلم).

([31]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([32]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([33]) نفس المرجع السابق (الجزء الخامس في ترجمة محمد بن المنكدر).

([34]) نفس المرجع السابق (الجزء الخامس في ترجمة محمد بن المنكدر).

([35]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([36]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([37]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([38]) نفس المرجع (الجزء الخامس في ترجمة منصور بن المعتمر).

([39]) سير أعلام النبلاء (الجزء الخامس في ترجمة منصور بن المعتمر).

([40]) نفس المرجع (الجزء الخامس في ترجمة أبي حصين).

([41]) نفس المرجع (الجزء السادس في ترجمة أبي حنيفة رحمه الله).

([42]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([43]) سير أعلام النبلاء (الجزء السابع في ترجمة الأوزاعي رحمه الله).

([44]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([45]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة هشام الدستوائي).

([46]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة سفيان الثوري رحمه الله).

([47]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([48]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([49]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([50]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة سعيد بن عبد العزيز).

([51]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة سعيد بن عبد العزيز).

([52]) سير أعلام النبلاء (الجزء الثامن في ترجمة الفضيل بن عياض).

([53]) حلية الأولياء (8/299).

([54]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([55]) سير أعلام النبلاء (الجزء الثامن في ترجمة علي بن الفضيل بن عياض).

([56]) تذكرة الحفاظ (2/634).

([57]) مشق: أمْشقَةُ: ضربه بالسوط (القاموس المحيط – مشق).

([58]) ابن عساكر (9/216).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-13
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أين دمعتك في دموع الباكين

مع السلف في ليلهم
لقد كان السلف يقبلون على الليل يراوحون بين جباههم سجدًا لله تعالى، ويعتبرون ليلهم غنيمة عظيمة، لا سيما ليل الشتاء الطويل، قال أبو عثمان النهدي: قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: «الشتاء غنيمة العابدين»([1]) وإليك أخي الحبيب – طرفًا من حالهم العجيب مع ليلهم:
1- عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: كان عمر – رضي الله عنه – يصلي من الليل ما شاء أن يصلي، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: الصلاة، الصلاة ([2]).
فهذا حال عمر بالليل مع ما كان يحمله من هَمَّ الرعية بالنهار.
2- عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال مسعر: عن معن بن عبد الرحمن، عن عوف بن عبد الله، عن أخيه عبيد الله ... قال:كان عبد الله إذا هدأت العيونُ قام فسمعت له دويًا كدوي النحل ([3]).
3- أنس بن مالك – رضي الله عنه – روى الأنصاري عن أبيه، عن ثُمامة، قال: كان أنس يصلي حتى تفطَّر قدماه دمًا، مما يطيل القيام – رضي الله تعالى عنه ([4]).
نعم – أخي الحبيب – لقد تربى أنس في بيت النبي r ورأى ليله r فعلى الدرب سار – رضي الله عنه وأرضاه – (أبو حمزة) خادم النبي r.
وعلى الدرب سار التابعون – رحمهم الله تعالى .
4- صِلةُ بن أشْيَم: أبو الصهباء زوج العالمة مُعاذة العدوية. قال جعفر بن سليمان: عن يزيد الرشك، عن مُعاذة، قالت: كان أبو الصهباء يُصلي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفًا ([5]).
5- مُعاذة بنت عبد الله زوجة صِلة بن أشْيَم أم الصهباء العدوية البصرية العابدة. قال الذهبي: بلغنا أنها كانت تحيي الليل عبادة، وتقول: عجبت لعين تنام، وقد علمت طول الرقاد في ظلم القبور([6]) روى لها أصحاب الكتب الستة – رحمها الله هي وزوجها رحمة واسعة.
6- طَلْقُ بن حبيب العَنَزي: روى له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. بصريٌ زاهد كبير، من العلماء العاملين، انظر ماذا كان يشتهي:
قال ابن عينية: سمعت عبد الكريم يقول: كان طلق لا يركع إذا افتتح سورة «البقرة» حتى يبلغ «العنكبوت» وكان يقول: أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صُلبي ([7]).
تأمل – أخي الحبيب (عشرون جزءًا) في ركعة واحدة، ثم يشتهي أن يقوم ليله حتى يشتكي صُلبه ، وكأن صلبه لم يشتك بعد!!
7- عطاء بن أبي رباح (أبو محمد) روى له أصحاب الكتب الستة.
عن ابن جُريج قال: لزمت عطاء ثماني عشرة سنة، وكان بعدها كبر وضعف يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مئتي آية من البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك ([8]).
«فسبحان الله» هذا حاله في الكبر فكيف كان حاله في الشباب؟!
8- زُبيدُ بن الحارث: روى له أصحاب الكتب الستة. قال عنه شُعبة: ما رأيت رجلاً خيرًا من زُبيد.
قال ابن شبرمة: كان زبيد يجزيء الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا عليه، وجزءًا على ابنه، وجزءًا على ابنه الآخر عبد الرحمن. فكان هو يصلي، ثم يقول لأحدهما: قُمْ فإن تكاسل، صلَّى جزأه، ثم يقول للآخر: قم، فإن تكاسل أيضًا صلى جزأه، فيُصلي الليل كله ([9]).
فاستحق زبيد – رحمه الله تعالى – أن يقول عنه سعيد بن جُبير: لو خيرت من ألقى الله تعالى في مسلاخه ([10])، لاخترت زبيد اليمامي([11]).
9- عمرو بن دينار (أبو محمد) روى له أصحاب الكتب الستة.
روى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن سفيان، قال: كان عمرو بن دينار جزأ الليل ثلاثة أجزاء، ثلثًا ينام، وثلثًا يدرس حديثه، وثلثًا يصلي ([12]).
10- صفوان بن سُليم (أبو عبد الله وقيل: أبو الحارث) روى له أصحاب الكتب الستة. قال ابن المديني عنه: ثقة.
وقال الإمام أحمد: من الثقات، يُستشفى بحديثه. وقال أبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة.
قال إسحاق بن محمد، عن مالك بن أنس قال: كان صفوان بن سُليم يصلي في الشتاء في السطح ، وفي الصيف في بطن البيت يتيقظ بالحر والبرد، حتى يصبح، ثم يقول: هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم، وإنه لَتَرِمُ رجلاه حتى يعود كالسقط من قيام الليل، ويظهر فيه عروق خضر ([13]).
11- أبو إسحاق السبيعي: روى له أصحاب الكتب الستة. قال أحمد بن عمران، سمعت أبا بكر يقول: قال أبو إسحاق: ذهبت الصلاة مني وضعفت، وإني لأصلي فما أقرأ وأنا قائم إلا بالبقرة وآل عمران، ثم قال الأخنسي: حدثنا العلاء بن سالم العبدي قال: ضعف أبو إسحاق قبل موته بسنتين، فما كان يقدر أن يقوم حتى يُقام، فإذا استتم قائمًا قرأ وهو قائم ألف آية([14]).
ومع كل ذلك يقول فضيل بن مرزوق([15]): سمعت أبا إسحاق يقول: وددت أني أنجو من عملي كفافًا. فماذا يقول مثلي ومثلك؟!
12- أبو شجاع القتباني: روى له مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي. قال عنه الذهبي([16]): الإمام القدوة، بركة الوقت. قال ليث بن عاصم: رأيته إذا أصبح عصب ساقه بمُشاقة وبذركتان من طول التهجد.
13- ابن أبي مريم: روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة وهو أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الحمصي([17]).
قال بقية: قال لنا رجل في قرية أبي بكر بن أبي مريم – وهي كثيرة الزيتون: ما في هذه القرية من شجرة إلا وقد قام أبو بكر – يعني ابن أبي مريم – إليها ليلة جمعاء([18]).
وقيل: كان في خدَّيه أثرٌ من الدموع، رحمه الله تعالى.

الأسباب الميسرة لقيام الليل
اعلم – أخي المسلم – وفقك الله – أن قيام الليل من أثقل الطاعات على النفوس، ومن أشدها على القلوب، ومن أصعبها على الأبدان إلا على من يسره الله عليه وهناك أمور لو تمسك بها العبد ليسرت عليه قيام الليل إن شاء الله تعالى.
وهذه الأمور تنقسم إلى قسمين: أمور ظاهرة، وأخرى باطنة.
أولاً: الأمور الظاهرة:
1- أن لا يكثر العبد من الأكل والشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام، وقد قيل: لا تأكل كثيرًا، فتشرب كثيرًا، فتنام كثيرًا، فتخسر كثيرًا.
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله r قال: «إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدًا في الآخرة»([19]).
وقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة، نتن في الممات.
وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وقال أبو سليمان الداراني: من شبع دخل عليه ست آفات:
أ) فقد حلاوة المناجاة.
ب) تعذر عليه حفظ الحكمة.
ج) وحرمان الشفقة على الخلق – لأنه إذا شبع ظن الخلق كلهم شباعًا.
د) وثقل العبادة.
هـ) وزيادة الشهوات.
و) وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد ، والشباع يدورون حول المزابل.
وقال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم وأفهم، وصفا ورق، وإن كثير الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد.
وقال عمرو بن قيس: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب.
وقال الحسن البصري: كانت بلية أبيكم آدم – عليه السلام – أكلة وهي بليتكم إلى يوم القيامة.
وقد قيل: إذا أردت أن يصح جسمك، ويقل نومك، فأقلل من الأكل.
وقال إبراهيم بن أدهم: من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع، وقريبة من الشبعان ، والشبع يميت القلب.
وقال الشافعي: الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.
وخلاصة القول أن تقلل من الأكل ، وتقوم قبل حد الشبع، وعلامة ذلك أن تقوم وأنت مشتاق إلى الطعام.
2- ألا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك مجلبة للنوم.
3- ألا يترك القيلولة بالنهار للاستعانة بها على قيام الليل، فقد قال النبي r: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»([20]).
4- أن يتجنب ارتكاب المعاصي، فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة، فإن مقترف الذنوب لا يوفق لقيام الليل، ومن أحسن في نهاره وفق في ليله.
قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟!
فقال الحسن البصري: قيدتك ذنوبك.
وقيل لعبد الله بن مسعود: ما لنا لا نستطيع قيام الليل؟ قال: أبعدتكم ذنوبكم.
5- أن يبتعد عن التنعم الزائد في الفراش، فإن ذلك يمنع من قيام الليل.
فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «إنما كان فراش النبي r الذي ينام عليه من أدم ([21]) حشوه ليف»([22]).
6- الابتعاد عن فضول النظر والكلام ، فإن ذلك يقسي القلب ويبعده عن الرب.
7- كثرة ذكر الله فإن الذكر حياة للقلب وصاحب القلب الحي موفق لقيام الليل إن شاء الله تعالى. فقد مثَّل النبي r الذي يذكر ربه كالحي – وهو فعلاً حي القلب – ومثل الغافل عن ذكر الله كالميت – وهو فعلاً ميت القلب – فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت»([23]).
8- أكل الحلال والابتعاد عن الحرام، فكلما كان العبد متحريًا الحلال كان موفقًا. قال سهل بن عبد الله التستري – رحمه الله -: من أكل الحلال أطاع الله شاء أم أبى.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: }يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{ [المؤمنون: 51]، وقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ{ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»([24]).
ثانيًا: الأمور الباطنة:
1- سلامة القلب من الحقد على المسلمين، وعن البدع، وعن فضول هموم الدنيا كي ينشغل القلب بالله مولاه ، ويترك ما سواه.
2- خوف غالب يلازم القلب ، فإنه إذا تفكر العبد في أهوال الآخرة، ودركات جهنم طار نومه، وعظم حذره، وازداد خوفه. وقد قيل:
منع القران بوعده ووعيده




مقل العيون بليلها أن تهجعا


فهموا عن الملك الجليل كلامه




فرقابهم ذلت إليه تخضعا





وقد قيل:
إذا ما الليل أظلم كابدوه




فيسفر عنهم وهم ركوع


أطار الخوف نومهم فقاموا




وأهل الأمن في الدنيا هجوع





3- أن يتفكر في فضل قيام الليل بسماع الآيات والأحاديث والآثار الواردة فيه فإن ذلك يدفعه إلى العمل وييسر عليه المشقة، فإن الشوق إلى الجنة يدفع النفس إلى العمل والاجتهاد لتحصيل المراد من رب العباد.
4- تذكرة حلاوة المناجاة والوقوف بين يدي الله فإن لقيام الليل لذة في القلب، وحلاوة في النفس ولا يشعر بهذه اللذة، وتلك الحلاوة إلا من أخلص الحب لله، وجرد الاتباع لرسول الله r قال تعالى: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ{ [آل عمران: 31].
5- قصر الأمل فإنه يدفع إلى العمل، وإياك وطول الأمل فإنه يدفع إلى الكسل، ويجلب الملل، ويحرمك من لبس الحُلل، والجلوس في الظل. وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: أخذ رسول الله r بمنكبي وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»([25]).
6- تذكر نومتك في القبر الوحيش وظلمته فإن ذلك يهون عليك القيام في ظلمات الليل:
قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى -:
اغتنم في الفراغ فضل ركوع




فعسى أن يكون موتك بغتة


كم من صحيح مات من غير سقم




ذهبت نفسه الصحيحة فلتة([26])





وهاك طرفًا من حالهم في الصلاة عمومًا ومدى خشوعهم على وجه الاختصار لا على وجه الاستطراد:
1- مسروق (أبو عائشة) روى له أصحاب الكتب الستة. روى أنس بن سيرين عن امرأة مسروق قالت: كان مسروق يُصلي حتى تورم قدماه، فربما جلست أبكي مما أره يصنع بنفسه ([27]).
2- عمرو بن ميمون (أبو عبد الله) الإمام الحجة. روى منصور عن إبراهيم، قال: لما كبر عمرو بن ميمون، أوتد له في الحائط، فكان إذا سئم من القيام أمسك به، أو تعلق بحبل ([28])([29]). ولذا قال عنه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه، كان عمرو بن ميمون إذا رُئي، ذُكِرَ الله.
3- إبراهيم بن يزيد التيمي (أبو أسماء) روى له أصحاب الكتب الستة، وكان شابًا صالحًا قانتًا لله عالمًا كبير القدر واعظًا.
قال الأعمش: كان إبراهيم التيمي إذا سجد كأنه جِذْمُ حائط ينزل على ظهره العصافير ([30]). فيا له من سكون غريب في الصلاة ما أحوجنا إليه.
4- مِسْعر (أبو سلمة) الإمام الثبت: الحافظ من أسنان شُعبة. روى له أصحاب الكتب الستة.
عن خالد بن عمرو قال: رأيت مسعرًا كأن جبهته رُكبةُ عنز من السجود.
5- محمد بن نصر المروزي (أبو عبد الله) قال عنه الحاكم: إمام عصره بلا مدافعة في الحديث.
قال أبو بكر الصبغي: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر المروزي، لقد بلغني أن زُنْبُورًا قعد على جَبْهته، فسال الدم على وجهه، ولم يتحرك ([31]).
وقال يعقوب بن الأخرم: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن ناصر، كان الذباب يقع على أذنه، فيسيل الدم، ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة، كان يضع ذقنه على صدره، فينتصب كأنه خشبة منصوبة ([32]).

حال السلف مع القرآن والذكر والصيام
أولاً: حالهم مع القرآن:
- أخي الحبيب – إن القرآن هو كتاب الله تعالى، وفي قراءته الأجر والثواب العظيم وهاك طرفًا من هذا الفضل العظيم:
أبشر قارئ القرآن بشفاعة القرآن يوم القيامة.
فعن أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله r يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»([33]).
وأبشر – قارئ القرآن – بالرفعة في الدنيا والآخرة إن أخلصت النية لله – عز وجل .
ففي الدنيا: عن عامر بن وائلة – رحمه الله – أن نافع بن عبد الله لقي بعُسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة.
فقال: من استعملت على أهل الوادي؟
قال: ابن أبْزَى، قال: ومن ابن أبزى؟
قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟
قال: إنه قارئ لكتاب الله – عز وجل – وإنه عالم بالفرائض.
قال عمر: أما إن نبيكم r قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين»([34]).
أما في الآخرة: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله r: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها»([35]).
وأبشر – يا من تقرأ القرآن – بمهارة – فأنت مع الملائكة -.
فعن – أمنا عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله r: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران»([36]).
وأبشر – قارئ القرآن – بهذه البشارة العظيمة.
فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلَّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول يا رب ارض عنه: فيرضى عنه، فيقال له: ارق واقرأ وارق وتزداد بكل آية حسنة»([37]).
وأبشر – قارئ القرآن – فإن الملائكة تجالسك وأنت تقرأ القرآن.
فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه»([38]).
بل انظر – يا قاريء القرآن – إلى هذا المثل العجيب الذي ضربه رسول الله r كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأنس – رضي الله عنهما – أن النبي r قال: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟ قلنا: نعم، قال: فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاة خير له من ثلاث خلفات عظام سمان»([39]).
خلفات: جمع خلفة وهي الناقة الحامل.
وبالجملة فقاريء القرآن خير الناس بشهادة النبي r: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»([40]).
وإليك – أخي الحبيب – نماذج مضيئة في الاجتهاد مع كتاب الله تعالى.
1- عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال حبيب بن الشهيد: قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه! الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما ([41]).
2- الأسود بن يزيد (أبو عمرو وقيل أبو عبد الرحمن) روى له أصحاب الكتب الستة، وهو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة والسَّنَّ يضرب بعبادتهما المثل.
عن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ستَّ ليالٍ ([42])([43]).
3- علقمة: فقيه الكوفة وعالمها ومُقرئها، الإمام الحافظ المجوَّد. المجتهد الكبير (أبو شبل) روى له أصحاب الكتب الستة.
روى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس ، والأسود في ست، وعبد الرحمن بن يزيد في سبع ([44]).
4- أبو إسحاق السبيعي: قال ابن فضيل، عن أبيه قال: كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث ([45]).
وهذا قليل من كثير أحببت أن أذكر به إخواني في الله تعالى عن السلف وحالهم مع القرآن.

حال السلف في الصوم والذكر
1- عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا – رضي الله عنه وأرضاه – كما في الحديث في الصحيحين وغيرهما.
2- إبراهيم النخعي: قال حماد بن زيد: حدثنا شعيب بن الحبحاب، حدثتني هنيدة امرأة إبراهيم، أن إبراهيم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ([46]).
3- عبد الله بن عون: الإمام القدوة (أبو عون المزني) روى له أصحاب الكتب الستة.
قال عنه هشام بن حسان: لم تر عيناي مثل ابن عون ([47]).
وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا أفضل من ابن عون ([48]).
وقال خارجة بن مصعب: صحبتُ ابن عون أربعًا وعشرين سنة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة ([49]) ، قلت: لعله يقصد – رحمه الله – أنه ما رأى منه ذنبًا.
نادته أمه يومًا فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين ([50]).
وعن حاله مع الصوم يحدثنا بكار بن محمد فيقول: كان أبو عون يصوم يومًا ويفطر يومًا.
4- أبو الدرداء – رضي الله عنه – قال ابن جابر: كان عمير بن هانئ يضحك ثم يقول: بلغني أن أبا الدرداء قال: إني لأستجم ليكون أنشط لي في الحق، فقلت: أراك لا تفتر عن الذكر فكم تسبح؟؟ قال: مئة ألف! إلا أن تخطئ الأصابع ([51]).
أخي الحبيب – والله الذي لا إله غيره، لو علم المسلمون فضل الذكر ما كلَّت وما ملتَّ ألسنتهم من هذا الخير، ولسخروها لهذه التجارة الرابحة بدلاً من الوقوع في الغيبة للمسلمين أحياء وأمواتًا في الليل والنهار، فمن عود لسانه ذكر الله تعالى صان لسانه عن الباطل واللغو. وهاك شيئًا عن فضل ذكر الله تعالى:
1- قال تعالى: }أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ{ [الرعد: 28] فكفى بالذكر فضلاً أنه من أسباب اطمئنان القلب.
2- ومن فضائل الذكر أيضًا أن يكون العبد في معية الله تعالى: فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا»([52]).
3- ومن فضائل الذكر أنه حرز للعبد من الشيطان كما في حديث الحارث الأشعري الطويل وفيه أن النبي r قال: «... وآمركم أن تذكروا الله عز وجل، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله»([53]).
والله لو لم يكن من فضائل الذكر إلا هذه الفضيلة لكان حريًا بالمسلم الصادق أن لا يفتر لسانه عن ذكر الله – عز وجل – ليحمي نفسه من الشيطان الرجيم ووسوسته.
4- ومن فضائل الذكر أن الله – عز وجل – يباهي بالذاكرين ملائكته فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آلله ما أجلسنا غيره، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله r أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله r خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل، فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة»([54]).
الله جل وعلا في سمائه يباهي بالذاكرين الملائكة ... والله الذي لا إله إلا هو إنها لنعمة عظيمة إذا ما وفقك الله لها.
5- ومن فضائل الذكر أنه يضع عن الإنسان الأثقال يوم القيامة. فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله r يسير في طريق مكة، فمرَّ على جبل يقال له جُمْدان، فقال: «سيروا هذا جُمْدان، سبق المفَرِّدون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» وفي رواية الترمذي قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: «المستهترون ([55]) بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافًا»([56]).
وبالجملة فإن الذاكر لله حي وإن ماتت منه الجوارح والأعضاء ... والغافل عن الذكر ميت وإن تحرك بين الأحياء!!
فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت»([57]).
فكن – أيها الحبيب – من الأحياء، ولا تكن من الأموات «جعلني الله وإياك من الذاكرين».

أقسام الناس في البكاء
أخي المسلم الحبيب ... أختي المسلمة اللبيبة: البكاء قافلة ضخمة، حطت ركائبها في سوق رحبة، فابتاع الناس منها على ثلاثة أضرب:
فضرب من الناس اشتروا بكاء العُشَّاق والمشغوفين، أصحاب الهوى والتيم، أهل الصبابة والغرام، الذين هربوا من الرق الذي خُلقوا له، وبلوا أنفسهم برق الهوى والشيطان، فاشترى هؤلاء القوم هذا الضرب من البكاء شراء مفتقرًا لشروط الصحة، فابتاعوا بيعًا فاسدًا، ثم زادوا السقم عالة، والطين بلة، حين أوقفوا هذه الدموع، واحتبسوها، في غير وجه شرعي، فبطل الوقف، وخسر الواقف، وهام الموقوف عليه، فما أعظمها شقوة، وما أوعرها هوة.
فما في الأرض أشقى من محب




وإن وجد الهوى حلو المذاق


تراه باكيًا في كل حين




مخافة فرقة أو لاشتياق


فتسخن عينه عند التلاقي




وتسخن عينه عند الفراق


ويبكي إن نأوا شوقًا إليهم




ويبكي إن دنوا خوف الفراق





أعاذنا الله وإياكم من هذه الحال، ومن حال أهل النار.
وضربٌ من الناس: ابتاعوا بكاء أهل الحزن على مصائبهم ورزاياهم، وعلى هذا الضرب جل الناس، فاقتصروا على سلعة وافقت جبلتهم التي جبلهم الله عليها، فأصبحوا لا لهم ولا عليهم.
وضربٌ ثالث: اشتروا بكاء الخشية من الله – عز وجل – تلكم البضاعة التي زهد فيها معظم القوم – إلا من رحم الله – آيات تتلى، وأحاديث تروى، ومواعظ تُلقى، ولكن تدخل من اليمنى وتخرج من اليسرى، لا يخشع لها قلب، ولا تهتز لها نفس، ولا يسيل على أثرها دمع، «اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع».
وبذلك نكون قد وصلنا إلى الخاتمة، نسأل الله حسن الخاتمة.
إن ترَ عيبًا فسدَّ الخَللا




جلَّ من لا عيب فيه ولا خَلَلا






([1]) أثر صحيح: أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص147.

([2]) أثر صحيح: أخرجه البيهقي (2822) في الشُّعب.

([3]) أخرجه الفسوي في (المعرفة والتاريخ) 2/548 وابن سعد (3/1/110).

([4]) سير أعلام النبلاء (الجزء الثالث في ترجمة أنس رضي الله عنه).

([5]) أخرجه ابن سعد 7/136 من طريق عثمان بهذا الإسناد وهو صحيح.

([6]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع في ترجمة معاذة).

([7]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة طلق بن حبيب العنزي).

([8]) سير أعلام النبلاء (الجزء الخامس في ترجمة عطاء بن أبي رباح).

([9]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة زبيد بن الحارث).

([10]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([11]) المسلاخ: جلد الحية وقيل هو الإهاب (القاموس المحيط – سلخ).

([12]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة عمرو بن دينار).

([13]) سير أعلام النبلاء (الجزء الخامس في ترجمة صفوان بن سُليم).

([14]) نفس المرجع والجزء (في ترجمة أبي إسحاق السبيعي).

([15]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([16]) سير أعلام النبلاء (الجزء السادس في ترجمة أبي شجاع القتباني).

([17]) نفس المرجع (الجزء السادس في ترجمة أبي شجاع القتباني).

([18]) نفس المرجع (الجزء السابع في ترجمة ابن أبي مريم).

([19]) رواه الطبراني بإسناد حسن. قاله المنذري في الترغيب (4/129).

([20]) السلسلة الصحيحة برقم (1647).

([21]) الأدم: جمع أديم وهو الجلد المدبوغ، والليف هو ليف النخل.

([22]) رواه مسلم في اللباس رقم (2082).

([23]) رواه مسلم (1015) والدارمي (2717).

([24]) رواه مسلم (1015) والدارمي (2717) بلفظ قريب من ذلك.

([25]) رواه البخاري رقم (6416).

([26]) انظر هدى الساري (481).

([27]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع في ترجمة مسروق).

([28]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([29]) لعل صدور هذا من هذا الإمام مما لم يصل إلى حد الإفراط ، فإن النبي r قد نهى زينب عن هذا الفعل لما وجَدَ حبلاً مربوطًا بين ساريتين تتعلق به إذا فترت عن العبادة كما هو في الصحيح.

([30]) سير أعلام النبلاء (الجزء الخامس في ترجمة إبراهيم بن يزيد).

([31]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع عشر في ترجمة محمد بن نصر المروزي).

([32]) نفس المرجع.

([33]) رواه مسلم (804).

([34]) رواه مسلم (817).

([35]) رواه أحمد (6799) والترمذي (2914) وأبو داود (1464) وإسناده صحيح (صحيح أبي داود 1317) (والمشكاة 2134) وهذا لفظ الترمذي.

([36]) رواه البخاري (4937) ومسلم (798) والترمذي (2904) وأبو داود (1454) وهذا لفظ مسلم.

([37]) رواه الترمذي (2915) وقال حسن صحيح ، وقال الشيخ الألباني (صحيح الجامع 8030) حسن.

([38]) رواه مسلم (2629).

([39]) رواه مسلم (802).

([40]) رواه البخاري (5027) والترمذي (2907، 2908).

([41]) سير أعلام النبلاء (الجزء الثالث في ترجمة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما).

([42]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع في ترجمة الأسود بن يزيد).

([43]) والمختار أن لا يختم في أقل من ثلاث ، لأن خير الهدى هدي محمد r فمن ختمه في أقل من ثلاث لم يفقهه.

([44]) سير أعلام النبلاء (في ترجمة علقمة).

([45]) نفس المرجع (الجزء الخامس في ترجمة أبي إسحاق السبيعي).

([46]) سير أعلام النبلاء (الجزء الرابع في ترجمة إبراهيم النخعي).

([47]) نفس المرجع (الجزء السادس في ترجمة عبد الله بن عون).

([48]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([49]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([50]) المرجع السابق ، الموضع نفسه.

([51]) سير أعلام النبلاء (الجزء الخامس في ترجمة عمير بن هانيء) ، وهو في الجزء الثاني في ترجمة أبي الدرداء رضي الله عنه.

([52]) رواه البخاري (7405) ومسلم (2675) وابن ماجة (3822) واللفظ للبخاري.

([53]) أخرجه الترمذي (2767) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك وصححه.

([54]) رواه مسلم (2701) والترمذي (3376) والنسائي (8/249) في القضاة باب «كيف يستحلف الحاكم».

([55]) المستهترون: المستهتر بالشيء: المولع به، المواظب عليه من حب ورغبة فيه.

([56]) رواه مسلم (2676) والترمذي (3590).

([57]) رواه البخاري (6407) ومسلم (779).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

أين دمعتك في دموع الباكين



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 07:25 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب