منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

رسائل إلى أبي وأخي

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قلبي على ولدي وقلب ولدي على حجر ابو ليث منتدى الأسرة العام 2 2012-10-30 10:39 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-15
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رسائل إلى أبي وأخي

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
والصلاة والسلام على البشير النذير الأمي، الذي بعثه الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليبعدهم عن مراتع الشرور صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
ـ فهذه الرسالة ـ أو هذا الكتيب الذي بين أيديكم ـ ما هي إلا نداءات من القلب لكل أب ولكل أخ.
ولقد راعيت في هذه الرسالة أن يكون الحوار صريحا وموجها إليك أبا كنت أو أخا وهذا الحوار أساسه مبني على قال الله تعالى وقال رسوله r .
أسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضى، وأن يكتب الله لنا ولكم السعادة في الدارين الدنيا والآخرة والله ولي ذلك والله على كل شيء قدير.

بسم الله الرحمن الرحيم
الرسالة الأولى
إلى أبي:
إلى الذي غمرني بعطفه ورعايته.. إليك أنت يا أبي.. أخط إليك أولى رسائلي وفيها محبتي ... ومودتي ... ونصيحتي إليك... ينثرها قلبي على صحائف رسائلي.
أبي ـ
اعلم أنك مسؤول عن نفسك، وأهلك، وأولادك، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله r يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته فكلكم راع ومسؤول عن رعيته»([1]).
وقال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ[ [سورة التحريم الآية: 6].


1- مسؤول عن نفسك
أ- الاستقامة:
بتقويم نفسك وإصلاحها من العطب، ورفعها عن سفاسف الأمور وبمعنى أعم وأشمل (الاستقامة) قال الله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [
[سورة فصلت الآية: 30].

وعن ابن عمر ـ وقيل أبي عمرة ـ سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله!! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: «آمنت بالله ثم استقم»([2]).
قال العلماء: ومعنى الاستقامة لزوم الطاعة. وقالوا: هي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور.
ب- المحافظة على الأعمال الصالحة والمداومة عليها:
قال الله تعالى: ]وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا [ [سورة النمل الآية: 92].
وقال تعالى: ]وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [.
[سورة الحجر الآية: 99]. ومن حديث عائشة «وكان أحب العمل إليه ما داوم صاحبه عليه».

وإن دوام العمل يا أبي ولو كان يسيرا أفضل من انقطاعه ومثال ذلك لأن تقوم كل ليلة بركعة واحدة خير لك من أن تقوم بثلاث عشرة ركعة ولا تدوم.
ج- الصبر:
اعلم يا أبي أنه لابد من توطين النفس وتعويدها على الصبر والصبر ثلاثة أنواع: صبر على المكاره والابتلاءات، وصبر على الأعمال الصالحة والعبادات، وصبر على ترك المحارم والمآثم.
فالصبر الأول: صبر على المكاره والابتلاءات:
قال الله تعالى: ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [. [سورة البقرة الآيات: 55 - 57].
فقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يبتلي عباده بالسراء والضراء فهو امتحان واختبار لهم.
والابتلاءات كثيرة فمنها الفقر، والمرض، والجوع، وقبض الأنفس (كقبض نفس الحبيب، أو الولد)، وجميع هذه الابتلاءات التي قدرها الله لعباده، تمحص عن حقيقة صاحبها، فمن صبر فله الأجر والمثوبة، لأنه آمن لقضاء الله وقدره وصبر واحتسبها لوجه الله الكريم، فلذلك نال الأجر العظيم والثواب الجزيل قال تعالى: ]إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [. [سورة الزمر الآية: 10].
وأما من سخط ولم يرض بقضاء الله وقدره فقد ضل عن الطريق السويّ ولم يهتد وله السخط ولقد تعجب الرسول r من أمر المؤمن فعن أبي يحيى صهيب بن سنان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»([3]).
الصبر الثاني: صبر على الأعمال الصالحة والعبادات:
قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [. [سورة البقرة الآية: 51]. وقال تعالى: ]وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [. [سورة البقرة الآية: 45].
يرشد الله تعالى عباده إلى صلاحهم والطرق الموصلة إلى ذلك، فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدهر، ولقد كان الرسول r يصلي إذا حزَّ به أمر ما.. والصبر والصلاة سمة من سمات المؤمنين الخاشعين، فمثلا "الصلاة" تجدها ثقيلة وكبيرة إلا على المؤمنين الخشع، وذلك لأنهم أيقنوا بالمعاد وبالجزاء والحساب، ولذلك سهل عليهم أداء الطاعات والعبادات قال تعالى: ]وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [. [سورة الشورى الآية: 43].

الصبر الثالث: صبر على ترك المحارم والمآثم:
وهذا النوع من الصبر شاق على النفس، فمجاهدة الهوى ليس بالأمر اليسير الهين قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [. [سورة آل عمران: 200].
قال أبو هريرة في تفسير هذه الآية (اصبروا) على الصلوات الخمس (صابروا) أنفسكم وهواكم (ورابطوا) في مساجدكم.
د- الزهد في الدنيا:
اعلم يا أبي أن الدنيا هي كما وصفت في كتاب الله العزيز قال تعالى: ]اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [. [سورة الحديد الآية: 20].
وقال تعالى: ]أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [.
يقول تعالى أشغلكم ([4]) حب الدنيا ونعيمها وزهرها عن طلب الآخرة وابتغائها وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها.
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r «إن الدنيا حلوة خضرة, وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»([5]).
· اعلم يا أبي أن حقيقة الزهد ليس ترك الطيبات والانقطاع عن الناس بل الزهد هو كما قيل فيه: أن لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها.
· أبي يرحمك الله... إن الضرب في الأرض طلبا للرزق ليس كما يظنه بعضهم جمع الأموال الوفيرة مخافة الفقر، ولكن طلب الرزق هو الرضى بالقليل الذي يكفي ويسد حاجتك وحاجة من تعول فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه»([6]) وفي الحديث الذي رواه عمرو بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه- أن الرسول r قال: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها ([7]) فتهلككم كما أهلكتهم»([8]).
· واعلم يا أبي أن الله خلق الخلق، وقدر بينهم أقواتهم ومعايشهم وفضل بعضهم على بعض في الرزق والأولاد والأزواج... ولهذا احذر يا أبي أن تمد عينيك إلى من هو أعلى منك وأفضل، فلربما كان مال الذي نظرت إلى ماله وعناه وبالا عليه وابتلاء من الله واختبارا له.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه»([9]).
وما أحسن قول القائل:
إن لله عبادا فطنا






طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا


نظروا فيها فلما علموا






أنها ليست لحي وطنا


جعلوها لجة واتخذوا






صالح الأعمال فيها سفنا







هـ- حسن الخلق:
· أبي يرحمك الله... إن حسن الخلق صفة حميدة، وقربة إلى الله، ولقد امتدح الله تعالى رسوله r بهذه الصفة الحميدة حيث قال في كتابه العزيز: ]وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [. [سورة القلم الآية: (4)].
· وسئلت عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- عن خلق رسول الله r فقالت: «كان خلقه القرآن» وعن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله r عن البر والإثم فقال: «البر: حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»([10]) وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن النبي r قال: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق. وإن الله يبغض الفاحش البذيء»([11]) وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله r عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: «تقوى الله وحسن الخلق» وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: «الفم والفرج»([12]).
و- الخوف والرجاء:
قال الله تعالى: ]إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [. [سورة البروج الآية: 12]. وقال تعالى: ]وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [. [سورة الرحمن الآية: 46]. وقال تعالى: ]قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [. [سورة الزمر الآية: 53]. ونذكر بعض الأحاديث فيما يختص بهذا الجانب: فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «إني أرى ما لا ترون أطت السماء وحق لها أن تئط وما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى. والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات ([13]) تجأرون ([14]) إلى الله تعالى»([15]).
فقوله r : «والله لو تعلمون ما أعلم .... الحديث» له دلالة واضحة أن هناك من العذاب الشديد ما لا يحتمله البشر ولا تطيقه النفس البشرية وكيف لا ورسول الله r هو أعلم الخلق بربه! وكيف لا وهو الذي رأى النار في حادثة الإسراء والمعراج ,ورأى صنوف العذاب وألوانه, ورأى أناسا يعذبون في النار فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة»([16]) وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال النبي r : يقول الله عز وجل: «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة»([17]).
فيا سبحان الله فاطر السماوات والأرض وصاحب الملك الواسع العزيز الجبار الغني عن عباده يتقرب إلى عباده بأفضل مما تقرب عبده إليه.. فأي رحمة أوسع من ذلك.
قال ابن تيمية -رحمه الله- ([18]) : والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو أيضا راج خائف راغب راهب، يرغب في حصول مراده، ويرهب من فواته قال تعالى: ]إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [ وقال تعالى: ]تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [ ولا يتصور أن يخلو داع لله ـ دعاء عبادة أو دعاء مسألة ـ من الرغب والرهب من الخوف والطمع". انتهى كلامه.
· أبي غفر الله لك ليكن الرجاء والخوف عندك متلازمين متساويين، أي أن تخاف الله وتخشى عقابه وترجو رحمته وعفوه فالله "رؤوف رحيم" وهو "شديد العقاب" فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله r قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد»([19]).
ز- مالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته:
* اعلم يا أبي -يرحمك الله-:
إن الأموال منها ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه وما إلى ذلك فهذا يطلبه من الله ويرغب الله منه.
ومنها ما لا يحتاج العبد إليه فهذه لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها. وإذا أنعم الله عليك بالمال الوفير فاعمل على أن تكون ممن مدحهم الله في كتابه الكريم بقوله: ]وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [. [سورة الفرقان الآية: 66]. أي لا إفراط ولا تفريط، معتدلا بين الإسراف والتقتير.
فاحذر يا أبي كل الحذر أن يكون مدخل هذا المال حراما أو صرفه وإنفاقه في حرام, فوالله الذي لا إله إلا هو سوف تسأل عن هذا المال.
عن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه»([20]).
· أبي إن من شروط استجابة الدعوات إطابة المطعم فكلما كان مصدر المال والطعام والشراب حلالا كان ذلك أحرى بالإجابة فعن ابن عباس قال تلوت هذه الآية عند النبي r : ]كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال: «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما. وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به».
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- في حديث طويل أنه r : «ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»([21]) وقوله «فأنى يستجاب لذلك» أي لمن تستجاب دعوته.
· أبي غفر الله لك.... تذكر قول الله تعالى: ]فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى[. [سورة الليل الآيات: 5 - 13].
وتذكر قول الرسول r في الحديث الذي رواه ابن عمر أنه قال: قال رسول الله r : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار»([22]).


([1])متفق عليه.

([2])متفق عليه.

([3])رواه مسلم.

([4])تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

([5])رواه مسلم.

([6])رواه مسلم.

([7])أي تتصارعون من أجلها فيحل بينكم الحقد والحسد والقطيعة.

([8])متفق عليه.

([9])رواه البخاري.

([10])رواه مسلم.

([11])الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام.

([12])رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

([13])الطرقات.

([14])تستغيثون.

([15])رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([16])رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([17])رواه مسلم.

([18])مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية المجلد العاشر ص240.

([19])رواه مسلم.

([20])رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

([21])رواه مسلم في صحيحه.

([22])أي ساعات.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-15
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: رسائل إلى أبي وأخي

2- مسؤول عن زوجك
قال الله تعالى: ]وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [. [سورة الروم الآية: 21]. وقال تعالى: ]وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ[. [سورة النساء الآية: 4].
· أبي يرحمك الله... لا أجد قولا أخبرك به عن زوجك أفصح ولا أبلغ من قول الرسول r فهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وهو الذي أوتي جوامع الكلم. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته ([1]) وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء»([2]).
· واعلم يا أبي... أن الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة»([3])، وقد أخبر النبي r عن خيار الناس فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قال رسول الله r : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم»([4]).
· أبي رعاك الله...
استوص بزوجك خيرا وأحسن إليها ولا تسئ إليها، فهي زوجك وأم ولدك، فكم عانت من المشقة في حمل ولدك تسعة أشهر في بطنها، وكم حرمت لذيذ النوم من أوجاعها، وهي بعد ذلك تعاني من آلام الطلق والولادة ما لا يعلم بها إلا ربها.
· أبي كن رحيما بزوجك ودودا لينا سمحا ولا تبغضها لكونك وجدت منها شيئا تكرهه فلعلك تجد منها شيئا تحبه فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «لا يفرك([5]) مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر»([6]) ويجب عليك يا أبي أن تعطي زوجك حقها، دونما نقصان وحقها بينه رسول الله r فعن معاوية بن حيدة -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح([7])، ولا تهجر إلا في المبيت ([8])»([9]).
ولك يا أبي أن تضرب زوجك إن رأيت منها خطأ كبيرا ولكن عليك بالنصيحة أولًا وقول المعروف وبيان الصواب من الخطأ، والضرب يكون غير مبرح، ولا يكون في الوجه، ولك أن تهجرها في المضاجعة فقط وذلك كما أمر النبي r .
والملاحظ يا أبي أن بعض الرجال -هداهم الله- يضربون أزواجهم ضربا شديدا مبرحا، وقولنا لهم: اتقوا الله في إماء الله، اتقوا الله في أزواجكم وعليكم بالرأفة والرحمة.
عن عبد الله بن زمعة –رضي الله عنه- أنه سمع النبي r يقول: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد([10])، فلعله يضاجعها([11]) من آخر يومه»([12]).
· أبي يرحمك الله...
إن كان لك أكثر من زوجة وجب عليك العدل بينهن في القسمة وغيرها ولا تفضل إحداهن على الأخرى ففي السنن الأربعة عن أبي هريرة -رضي الله عنه-عن النبي r قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل».
قال الله تعالى: ]وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ([13]) فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ([14]) وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [.
[سورة النساء الآية: 129].

في هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بالعدل بين الأزواج، وأن لا يبالغ أحد من الناس في الميل لإحدى زوجاته دون الأخرى لأن هذا مما يؤاخذ الله عليه، أما الحب فهذا ما لا يملك أحد من البشر زمامه ولا السيطرة عليه، والله سبحانه بعدله وحكمته لا يؤاخذ عباده على ما لا يطيقون قال تعالى: ]لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [. [سورة البقرة الآية: 286]. وفي السنن الأربعة، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله r يقسم ويعدل فيقول: «هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني: القلب.
· أبي رحمك الله...
تذكر قول الرسول r : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»([15]).

3- مسؤول عن أبنائك
أ- التربية السليمة:
اختلف في تربية الأبناء: فطائفة من الناس ذهبت إلى اللين في المعاملة وفي جميع الأحوال وطائفة تقول لابد من القسوة مطلقا حتى يشب الولد مستقيما، وبعبارة أخرى (العصا لمن عصى) ولكن لنا في ذلك وقفة.
· اعلم يا أبي... أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وقدر معايشهم وأحوالهم وأرزاقهم وأنزل الله القرآن العظيم وفيه صلاح الدنيا والدين، فهو أحكم الحاكمين، وهو الذي خلق النفس البشرية وهو الذي يحييها ويميتها قال الله تعالى: ]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [. [سورة الروم الآية: 40]. فإذا كان الله –سبحانه وتعالى- هو الخالق الرازق المحيي المميت. إذا فهو العليم بالنفس البشرية والعليم بما يصلحها ويقومها.
وقد أرشدنا الله -سبحانه وتعالى- إلى السبيل الذي يصلح حالنا وأحوالنا ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه r حيث تعهد الله في كتابه العزيز لمن اتبع القرآن وجعله منهجا له في حياته الدنيا بأن لا يضل ولا يشقى قال تعالى: ]فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى[. [سورة طه الآية: 123]. وبالمقابل فإن من أعرض عن كتاب الله وعن العمل بما فيه توعده الله بالعيش الضنك والحياة الشقية.
قال تعالى: ]وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [. [سورة طه الآية: 124].
لذا لابد أن يكون مصدرنا الأساس في تربية أبنائنا وبناتنا هو الكتاب والسنة قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [. [سورة يونس الآية: 57]. وقال تعالى: ]قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [. [سورة المائدة الآيتان: 15 - 16]. والمتأمل في السيرة النبوية يجد أروع الأمثلة في حسن تربيته r وفي معاملته لأولاده ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
إن المتأمل في حال أبناء الجيل يجد العجب العجاب.
فمنهم من تجده معقدا في حياته يشك في كل شيء ويتأثر بكل شيء منطويا على نفسه لا يختلط بأحد، وهذا قد يكون نتيجة للقسوة الشديدة عليه من قبل والديه.
ومنهم من تجده لا يحترم أبويه، فهو يرفع صوته على صوتيهما ولا يأبه لهما، ويضرب بكلامهما عرض الحائط، وهذا قد يكون نتيجة للين الزائد عن الحد.
أما المنهج التربوي السليم "فلا إفراط ولا تفريط" فأساس بنيانه تقوى الله، وأسواره كتاب الله وسنة نبيه r ، فالكتاب والسنة هما الحصن الحصين والمنهج القويم الذي يضمن للبشر السعادة في الدنيا والآخرة.
· أبي ... حفظك الله....
إن الكتاب والسنة لهما أثر كبير في تصحيح المسار وإصلاح الأخلاق، فمن كان القرآن زاده والسنة شرابه كانت الجنة مصيره ومآله.
فهو إن أراد أن يتحدث مع أبويه تذكر قول الله تعالى: ]فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [ عندئذ يخفض صوته امتثالا لأمر ربه، وإذا نازعته نفسه لعمل الفاحشة تذكر قوله تعالى: ]وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [ فكانت هذه الآية رادعا له عن عمل الفحشاء والسوء، وإذا تحدث الناس بالغيبة في المجالس تذكر قوله تعالى: ]أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [ فيكره ذلك ويبتعد عن ذلك المجلس، وإذا قصر في الصلاة تذكر وعيد الله بقوله: ]فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [ فعندئذ يجتهد في أداء الصلوات ويحرص على أن لا تفوته.
ب- المساواة:
* أبي أبقاك الله
إن العدل من صفات المؤمنين والله -سبحانه وتعالى- يحب المقسطين قال الله تعالى: ]وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [. [سورة الحجرات الآية: 9]. فإن كان لك أبناء فاتق الله فيهم وأقسط واعدل بينهم فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا»([16]).
أبي.. ليكن حكمك عادلا بين أبنائك، فإذا أعطيت أحدهم شيئا فأعط الآخر مثله فإما أن تعطي الجميع وإلا فلا، عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- أن أباه أتى رسول الله r فقال: إني نحلت ([17]) ابني هذا غلاما كان لي. فقال رسول الله r : «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟» فقال: لا. فقال رسول الله: «فارجعه»([18]) والحكمة في ذلك هي منع البغضاء والشحناء والحسد بين الإخوة، حتى لا تحدث المشاكل والصراعات بينهم. وأغلب ما نراه اليوم من مشاكل وقطيعة رحم، وتناحر بين الإخوة هو بسبب عدم المساواة بينهم وتفضيل أحدهم أو بعضهم على الآخر من قبل الآباء.
ج- الزواج:
* اعلم يا أبي يرحمك الله...
أن الأبناء إذا بلغوا الحلم فقد بلغوا الخطر (فترة أو مرحلة المراهقة) وهذه المرحلة إن لم تحكم وتقاد وفق شريعة الله ومنهجه كان ذلك نذيرا بالانحراف.
ولذلك كان من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله "شاب نشأ في عبادة الله تعالى" فالله -سبحانه وتعالى- بعلمه الغيب وبعلمه لأسرار النفس البشرية يعلم ما تكتنفه هذه المرحلة من هوى ورغبة جنسية جامحة، واستجابة قوية للمؤثرات الخارجية. وهذه الطاقة المتفجرة لا تكبح إلا باثنتين: الخوف من الله، واتباع المنهج الرباني في كبح جماح مثل هذه الثورات الجنسية. فإذا استعملت هذين الأمرين، كان لهذه النفس أعلى المراتب.
· أبي...
إن صيانة النفس من الوقوع في المحرم ولاسيما لدى الشباب تستلزم جهدا وصبرا وعزيمة قوية، وخاصة في هذا الزمن، لوجود المواد المساعدة على ذلك (كالتلفاز والفيديو) فعندما تثور هذه الطاقة وتشتعل نار الشهوة في داخل الإنسان، تحتاج إلى متنفس لها، فإذا لم تكن هناك ضوابط وفق المنهج الرباني كان السقوط أقرب.
· أبي...
ليكن شغلك الشاغل هو تزويج أبنائك وبناتك عند بلوغهم هذه المرحلة لكي تحافظ عليهم من الوقوع في الزلل، فإذا كنت ميسور الحال فبادر إلى تزويج ابنك، ولا تنتظر منه عبارة (حتى أكون نفسي)، فإنك أعلم منه بما يضره وينفعه خصوصا في هذه الفترة الحرجة من عمر الإنسان (فترة الشباب أو المراهقة) والتي غالبا ما يكون فيها تحكيم العاطفة أقوى من تحكيم العقل. أما إن كنت لا تملك من المال ما تزوج به ابنك، فعليك بالآتي:
1- احرص على أن يؤدي ابنك الصلوات الخمس مع الجماعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر قال الله تعالى: ]إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [.
2- حث ابنك على صيام التطوع، لأنه وقاية للإنسان من الزلل والوقوع في المحرم. قال الرسول r : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»([19]).
3- كن أداة فعالة في اختيار الجليس لابنك, لأن الإنسان مجبول على الاقتداء بصاحبه قال الرسول r «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»([20]).
* أما فيما يختص بتزويج ابنتك...
فأنت تعلم يا أبي بأن المرأة إذا وقعت في المحظور كان دمارا لها وعارا ووبالا عليك وعليها، فنصيحتي إليك يا أبي أن تبادر بتزويج ابنتك وأن لا تنتظر من يطرق عليك بابك، بل كن أنت الطارق (وهناك كثير من الطرق غير المباشرة في الخطبة).
وزوجها لأول رجل يتقدم إليك ترضى بدينه وخلقه واعلم يا أبي أن من جاءك اليوم قد لا يأتيك غدا، قال الرسول r : «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»([21]).
د- المغالاة في المهور:
* أبي... في عصرنا الحاضر ضربت أرقام قياسية في قيمة الصداق (المهر)، مع العلم بأن السنة أمرت بتخفيف الصداق وتيسيره, فلو أنك يا أبي طلبت مالا كثيرا مهرا لابنتك فإنك ستجد الخطاب على ثلاثة أضرب.
- فإما أن يكون المتقدم غنيا، فعندها سيكون قادرا على دفع قيمة الصداق الذي تطلبه، ولكن ذلك سوف يحز في نفسه، ويرى أن زواجه أصبح سلعة أو صفقة من الصفقات وهذا يؤثر سلبيا على سير الحياة الزوجية مستقبلا.
- أو أن يكون المتقدم فقيرا، فهو لن يستطيع أن يدفع ربع قيمة الصداق، وعندها سوف يعود من حيث أتى.
- وإما أن يكون المتقدم بين هذا وذاك، فهو إن كان راغبا في ابنتك، فسيقترض قيمة المهر لكي يحصل على بغيته، ولا يخفي عليك ما ستكون عليه حال ابنتك وزوجها بعد ذلك.
هـ- حفلات الزواج:
1- أصبحت حفلات الزواج في عصرنا الحاضر مجال تفاخر بين العائلات وتسابق فيما بينهم فهذا زواج يستمر سبع ليال، وآخر يقام في أفخر الفنادق وأغلاها، هذا بالإضافة إلى المبالغة في أنواع المأكولات والمشروبات والتي مصيرها بلا شك (برميل النفايات) ـ نسأل الله العفو والعافية ـ فلماذا يا مسلمون؟ ... لماذا الإسراف والتبذير؟ ... يقول البارئ -عز وجل-: ]وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [. [سورة الإسراء الآيتان: 26 ، 27]. ويقابل الإسراف التقتير، فالإسلام دين الوسطية (لا إفراط ولا تفريط) فلا تسرف في إقامة حفلات الزواج ولا تقتر في ذلك، قال الله تعالى: ]وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [. [سورة الفرقان الآية: 67].
ومن الملاحظ أن أغلب حفلات الزواج التي يتم فيها إسراف وبذخ، سرعان ما تنتهي بالطلاق، وتأملوا في أحوال الناس وسوف ترون صدق كلامي.
2- الغناء والمغنيات:
قد يصاحب بعض حفلات الزواج حضور بعض المطربين أو المطربات للغناء في هذه الحفلات، ولقد قيل في تحريم الغناء الكثير والكثير.
ونحن هنا لسنا بصدد ذكر الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الغناء فهو محرم ولا جدال فيه، ولكن سوف نناقش هذه الظاهرة التي تفشت في المجتمع وإن كانت والحمد لله في طريقها إلى الزوال.
أ- صرف المال في غير الأوجه الشرعية:
قال الله تعالى: ]فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [. [سورة الحجر الآيتان: 92 ، 93]. وروي عنه r أنه قال: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن عمله ماذا عمل به»([22]) وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال... هل صرف المال على المغنين والمغنيات من المباحات أو من المحرمات؟
هذا سؤال أدعك تجيب عليه فهو لن يكلفك جهدا في البحث عن جوابه.
ب- قد يقول قائل: إن المستخدم في بعض الحفلات هي "الدفوف" وهي جائزة شرعا:
وأقول لك: إن كلامك صحيح وليس لأحد من الناس أن يعترض على "الدفوف" ولكن الذي يحدث في هذه الحفلات تستطيع أن تقول عنه (حق أريد به باطل) كيف ذلك؟ أقول لك... إن آلة الدف والغناء المصاحب له غزل صريح وكلام فاضح أفلا يكون ذلك حقا أريد به باطل؟ ولا أحتاج أن أقدم دليلا لإثبات ما أقول فالجميع يعلمون حقيقة ذلك، وهو إعلان للنكاح وتميز له عن السفاح.
ج- الغناء والرقص حتى منتصف الليل:
وهل جعلت حفلات الزواج للغناء والرقص أو لإعلان الزواج وإشاعته بين الناس؟ هذا والله فيه من التفريط الشيء الكثير، ففيه فوات الأجر العظيم عند نزول رب السماوات والأرض إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له.. الحديث.
فكيف بمن يهز ويرقص حتى وقت متأخر من الليل. والذي لا يدع مجالا للشك هو فوات صلاة الفجر نتيجة للسهر حتى ساعات متأخرة من الليل.
3- تصوير الحفلات (بأشرطة فيديو)
إن بعض حفلات الزواج لا تخلو من تصوير بالفيديو وهي إحدى موضات العصر التي تجلب الدمار للمجتمع الإسلامي، حيث تتناقل هذه الأشرطة بين الناس (ضعاف النفوس) الذين لا هم لهم سوى إرضاء شهواتهم وملذاتهم البهمية، والتمتع بمشاهدة النساء.
وهنا أوجه نداء إلى كل من يقرأ كلماتي، أوجهه إلى كل مسلم يغار على دينه، أوجهه إلى كل مسلم يغار على عرضه، أترضى يا مسلم أن يرى أحد من الناس زوجتك أو أختك أو ابنتك! أترضى يا مسلم أن يرى أحد من الناس مفاتن امرأتك؟.
إن كنت ترضى فتلك مصيبة، وإن كنت لا ترضى فامنع أهلك من حضور مثل هذه الحفلات وبين لهم مغبة ومضرة ذلك وآثاره السيئة.
وإليك هذه القصة التي تصور العواقب الوخيمة الناتجة من الحفلات المصورة، وهذه القصة حقيقية بالفعل وإن لم أكن أحفظها كاملة، ولكن سوف أذكر منها ما يفي بالغرض، قال صديق لصديقه: سوف نسهر الليلة على شريط رائع فتعال الليلة ولا تفتك الفرصة، وعند حضوره كان ذلك الشريط تصويرا لإحدى حفلات الزواج، وكانت زوجته إحدى المدعوات لهذه الحفلة، بل وكانت هي محط أنظار أصدقائه وعند ذلك عاد إلى بيته غاضبا وطلق امرأته.
· أبي غفر الله لك...
تذكر أن زوجتك وأولادك أمانة في عنقك وأنت المسؤول عنهم أمام الله فأحسن إليهم وأعط كل ذي حق حقه، واتق الله في نفسك وفيهم.. قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [
[سورة الأنفال الآية: 28].



* * *

الرسالة الثانية
* * إلى أخي...
إلى أخي وصديقي، إلى الذي شاركني همي.. وحزني.. وفرحي.. إلى رفيق صباي.. وصغري.. أهدي إليك رسالتي..
· أخي الحبيب:
اعلم -رحمك الله- بأن الحياة فانية، وأن الساعة آتية، ومصيرك إلى النار حامية أو إلى جنة عالية، وما من شك يا أخي الحبيب أنك تريد الجنة دار الأبرار، ودار السلام "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".
قال تعالى: ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [. [سورة آل عمران الآية: 142].
· أخي الحبيب.. لو تأملت الآية السابقة لعلمت أن الجنة تحتاج إلى توجه إلى الله بقلبك وقالبك، تحتاج إلى عزيمة وصبر وجهاد ومجاهدة.. "ألا أن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".

1- الصلاة
قال الله تعالى: ]قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ [. [سورة إبراهيم الآية: 31].
· أخي الحبيب هداك الله... هل سألت نفسك يوما لماذا يُكثِر الوعاظ وأئمة المساجد في ذكر أهمية الصلاة ووجوب المحافظة عليها؟.
هل سألت نفسك يوما ما الفرق بين الصلاة في المسجد مع الجماعة والصلاة في البيت منفردا؟.
الإجابة على هذه الأسئلة نقول -والله الموفق...
· اعلم يا أخي -يرحمك الله-، بأن الصلاة هي عمود الإسلام، فكما أن الخيمة لا تقوم ولا تنصب إلا بالعمود، فكذلك الإسلام لا يقوم إلا بالصلاة. قال الرسول r : «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد».
· أخي إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة هو الصلاة فإن صلحت صلاته صلح سائر عمله، وإن فسدت صلاته فسد سائر عمله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ([23])، وإن فسدت، فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئا، قال الرب -عز وجل-: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل منها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر أعماله على هذا»([24]).
وتارك الصلاة على شقين اثنين:
‌أ- تارك للصلاة جحودا أو تهاونا وكسلا ـ نعوذ بالله من غضب الله ـ فهؤلاء أسقطوا ركنا من أركان الإسلام لا يقوم الإسلام بدونه، فعن بريدة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي r قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»([25]). وتارك الصلاة عمدا يستتاب فإن تاب وإلا يقتل، وهو لا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهذا عقابه في الحياة الدنيا فما بالك بالحياة الآخرة! ففي الآخرة حياة ولا موت، نعيم سرمدي أبدي، أو عذاب دائم أبدي... قال الله تعالى مخبرا عن أهل النار: ]مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [. [سورة المدثر الآيتان: 42 - 43]. وما سقر؟ ما حقيقتها؟. ما صنفها؟. قال الله تعالى واصفا سقر: ]وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [. [سورة المدثر الآيات: 27 - 30]. ورد في تفسير هذه الآية ([26]) ]لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ [ أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم ثم تبدل غير ذلك وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون ([27]) وأما قوله: ]لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ [ قال قتادة: أي حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان.
‌ب- تارك الصلاة مع جماعة المسلمين...
قال الله تعالى: ]حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [. [سورة البقرة الآية: 238]. وقال الرسول r : «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم»([28]) ولقد كان ذلك آخر كلامه قبل موته r .
· أخي الحبيب... إنني أتعجب ممن يسمع حي على الصلاة حين ينادى بها ولا يجيب الدعوة! ألا يعلم بأنها دعوة لتكفير الآثام والخطايا! ألا يعلم أنها دعوة للوقوف بين يدي الله! ألا يعلم بأنها دعوة لإصلاح النفوس وقربة إلى الله! عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله r يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها, إلا وكانت كفارة لما قبلها من الذنوب, ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله»([29]) وإنني أتعجب ممن يسمع حي على الفلاح حين ينادى بها ولا يجيب الدعوة ألا يعلم بأنها دعوة إلى الخير، دعوة إلى صلاح الدين والدنيا والآخرة، دعوة للقاء الله بعمل صالح، فعن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال كنا عند النبي r فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، ولا تضامون ([30]) في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا»([31]).
· أخي الحبيب هداك الله:
ليس الفرق بين صلاة الرجل مع الجماعة وصلاته في بيته، هو تفضيل الجماعة بسبع وعشرين درجة فقط, بل إن الصلاة في وقتها ومع جماعة المسلمين لها مزايا كثيرة منها.
1- تجمع المسلمين في مكان واحد كل يوم خمس مرات ووقوفهم صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص.
2- وقوف جميع المسلمين صفا واحدا غنيهم وفقيرهم, شريفهم ووضيعهم، صغيرهم وكبيرهم، يعمل على تحقيق مبدأ المساواة وعلى نزع الأحقاد والضغائن من القلوب.
3- وقوف المصلين خلف رجل واحد (الإمام) مظهر يوحي بالتجمع حول راية واحدة وحول إمام واحد، ودعوة إلى نبذ الاختلاف والتفرق.
وقد ورد في وجوب الصلاة في أوقاتها ومع جماعة المسلمين أحاديث كثيرة نذكر منها... عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حين ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم r سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف»([32]).
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: أتى النبي r رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله r أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال له: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال نعم، قال: «فأجب»([33]).
وعنه قال عن رسول الله r قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم»([34]).
* أخي من الأحاديث السابقة... نستطيع أن نخرج بعدة نقاط:
ففي الحديث الأول ـ أن صلاة المتخلف هي ترك لسنة النبي r .

وفي الحديث الثاني:
‌أ- أن الرسول r لم يرخص للأعمى فما بالك بالبصير.
‌ب- وجوب إجابة الدعوة عند سماع النداء.
وفي الحديث الثالث ـ إن الأمر الذي همَّ به الرسول r وهو حرق بيوت المتخلفين عن الصلاة هو دلالة واضحة على عظم ذنب المتخلفين عن الصلاة.
· أخي الحبيب اسمح لي أن ألقي عليك سؤالا: لماذا بنيت المساجد ولماذا شرع الآذان؟
هل بنيت المساجد لإثراء الفن المعماري؟ أو لتحويله إلى معلم سياحي؟ أو هو تقليد توارثناه أبا عن جد؟!!.
لقد شرع الآذان لإقامة الصلوات في أوقاتها في المساجد ومع جماعة المسلمين قال الله تعالى: ]فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ وقال تعالى: ]إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ [.
· أخي
الصلاة هي صلة العبد بربه وقربة يتقرب بها العبد إلى الله، فلقد كان الرسول r يلجأ إليها وقت الشدة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. والصلاة فرجة لكل هم، وعزاء لكل مصيبة، ودواء لكل داء، وهدي لكل قلب، ونور لكل ظلمة، وطريق موصل للجنة.
والصلاة إن أحسن فيها الوضوء والخشوع والركوع تحقق الغرض من قول الله تعالى: ]إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [.
قال شيخ الإسلام ([35]): قال ابن عباس: " ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" وقد قال النبي r : «إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها، حتى قال إلا عشرها».
فإن الصلاة إذا أُتيَ بها كما أمر؛ نهته عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مطيعا، وقد قال الله تعالى: ]فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ [ الآية، وإضاعتها التفريط في واجباتها وإن كان يصليها والله أعلم. انتهى.
· أخي الحبيب صحح المسلك وأعد الحساب، لتفوز بجنة رب الأرباب...

2- بر الوالدين
قال الله تعالى: ]وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [ وقال تعالى: ]وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [. [سورة الإسراء الآيتان: 23 - 24].
· أخي الحبيب -غفر الله لك-
اعلم أن بر الوالدين من أعظم القربات إلى الله وأحبها إليه، فعن أبي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما- قال: سألت النبي r : أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة إلى وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»([36]) وبرهما وطاعتهما واجبة مادامت في غير معصية الله، وكلما تقدمت بهما السن كان الاهتمام بهما ورعايتهما أولى وأكبر، وطاعتهما وبرهما سبيلا موصلا إلى الجنة، وعلى النقيض من ذلك، فإن عصيانهما وقطيعتهما سبيل موصل إلى النار ـ والعياذ بالله من النار ـ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي r قال: «رغم أنف رغم أنف رغم أنف ([37]) من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة»([38]).
· أخي الحبيب... هداك الله.
تذكر مكوثك في بطن أمك تسعة أشهر... تذكر متاعب الحمل وآلام الولادة... تذكر رعايتهما لك وخوفهما عليك... تذكر صدرا دافئا ضمك في ليالي الشتاء... وتذكر عند مرضك ما يلاقيان من شقاء... ورفعهما أكف الضراعة إلى رب السماء... يا رب يا رب ابننا اشفه بيدك الشفاء.
أبعد هذا يقابل الإحسان بالجفاء!!. لا يا أخي فقد قال فاطر الأرض والسماء... ]هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [. [سورة الرحمن الآية: 60].
* أخي الحبيب... هذه دعوة مني إليك وأسئلة موجهة إليك، فتول أنت الإجابة عليها لتعرف ما أنت عليه من بر وطاعة وإحسان لوالديك... هل قمت بواجبيهما حق القيام؟ هل ترفع صوتك على صوتيهما؟ هل تنهرهما؟ هل وفرت لهما حاجتهما من ملبس ومأكل ومشرب خصوصا إذا كانا كبيرين؟. هل عملت على إدخال السرور إلى قلبيهما؟ أجب عن هذه الأسئلة يا أخي.. لترى هل أنت مقصر في حقهما أو لا. والمتأمل في أحوال الناس يرى عجبا فمنهم من يضرب أروع الأمثلة في البر بوالديه والإحسان إليهما، ومنهم على العكس من ذلك من يشتمهما ويضربهما ـ حسبنا الله ونعم الوكيل ـ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي r قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»([39]).
وعن أبي محمد جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله r قال: «لا يدخل الجنة قاطع ([40])»([41]).
* أخي الحبيب... أحسن إلى والديك والزم طاعتهما واعلم أن في وصلهما وبرهما والإحسان إليهما أجرا عظيما، وأن في عصيانهما وقطيعتهما ضلالا وخسرانا مبينا. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: أقبل رجل إلى نبي الله r فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى. قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم بل كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما»([42]).


([1])في رواية لمسلم "وكسرها طلاقها".

([2])متفق عليه.

([3])رواه مسلم.

([4])رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([5])أي: يبغض.

([6])رواه مسلم.

([7])أي لا تقول قبحك الله.

([8])أي لا تهجرها إلا في المضاجعة، أما الكلام فلا تهجرها فيه.

([9])حديث حسن رواه أبو داود.

([10])أي مثل ضربه في كونه مبرحا مؤذيا.

([11])وفي رواية للبخاري يجامعها.

([12])متفق عليه.

([13])أي: لا تفعلوا فعلا تقصدون به التفضيل وأنتم تقدرون على تركه.

([14])أي: فلا هي ذات زوج، ولا هي أيم.

([15])رواه الترمذي في المناقب باب فضل أزواج النبي r .

([16])رواه مسلم.

([17])أي: أعطيت.

([18])متفق عليه.

([19])أي: وقاية.

([20])رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

([21])رواه الترمذي.

([22])رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح.

([23])أي: فاز وظفر بمطلوبه.

([24])رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([25])رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([26])تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

([27])قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهما.

([28])رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحيهما.

([29])رواه مسلم.

([30])أي: لا يلحقكم ضيم ولا مشقة في رؤيته.

([31])متفق عليه.

([32])رواه مسلم.

([33])رواه مسلم.

([34])متفق عليه.

([35])مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، المجلد الثاني والعشرون ص6.

([36])متفق عليه.

([37])رغم أنف: كناية عن الذل، كأنه لصق بالرغام، وهو التراب هوانا.

([38])رواه مسلم.

([39])رواه البخاري.

([40])قال سفيان في روايته يعني: قاطع رحم.

([41])متفق عليه.

([42])متفق عليه وهذا لفظ مسلم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-15
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: رسائل إلى أبي وأخي

3- الجليس
قال تعالى: ]قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [. [سورة المائدة الآية: 100].
قال r : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك, وإما أن تبتاع منه, وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد منه ريحا خبيثة»([1]).
* أخي الحبيب... أصلحك الله لا يختلف اثنان على أن تأثير الجليس أكبر من تأثير الأخ على أخيه؛ لأن الإنسان مجبول على الاقتداء بصاحبه وجليسه ـ يقول r : «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»([2]). وقيل: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت. وقال طرفة بن العبد:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه






فإن القرين بالمقارن يقتدي







وأقول لك يا أخي الحبيب... إن من الأمور الهامة في حياتنا والتي يغفل عنها كثير منا اختيار الصاحب (الجليس)، وإنك لو استعرضت أصحابك وجلساءك وسألت نفسك عدة أسئلة:
من منهم الذي يصاحبني ويجالسني بقصد محبتي ومودتي فقط لا لمصلحة له؟.
من منهم ينصحني ويرشدني دائما إلى الطريق الصحيح وإلى طريق الخير؟
من منهم يسأل عن حالي وعن همومي ومشكلاتي؟ من منهم إذا مرضت يعودني؟
من منهم إذا احتجت مالا يقرضني؟
من منهم يحفظني في غيبتي؟.
أجب يا أخي الحبيب عن هذه الأسئلة فإن لم تجد أحدا منهم تنطبق عليه هذه الصفات تكن كما قال الشاعر:
وحدة الإنسان خير






من جليس السوء عنده


وجليس الصدق خير






من جلوس المرء وحده







· اعلم يا أخي الحبيب أن صحبة أصدقاء السوء ضياع وسقوط في بحر المعاصي واقتراف للمحرمات وسقوط من عين الله ومن أعين الناس، فلا تذكر في المجالس إلا قالوا: أخزاه الله، إنه ولد سيئ, وإذا ألمت بك نائبة لا تجد معينا ولا نصيرا حتى من جلسائك وأصدقائك فهم أول من ينصرف عنك، هذا في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فتأمل قول البارئ -عز وجل-: ]وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [. [سورة الفرقان الآيات: 27 - 29].

4- الغيبة
قال تعالى: ]وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [. [سورة الحجرات الآية: 12].
· أخي الحبيب.
من المؤسف بل والمحزن جدا أن الغيبة أصبحت حديث أكثر المجالس وبعضهم ـ نسأل الله السلامة ـ يسميها فاكهة المجالس، ومن الطبيعية جدا أن يسموها بغير اسمها ويعطوها ألقابا ومن هذه الأسماء والألقاب: (الحش ـ القصب ـ التقطيع)، ومن المؤسف أيضا
أنها أصبحت عادة يومية لدى بعض الناس وبعبارة أخرى "الوجبة الرابعة" في يومه، والأدهى والأمرُّ أن بعض الناس يفتخر ويزهو بعمله هذا، فقد تسمع يوما ما ـ مع أني متأكد أنك سمعت مثل هذا ـ شابا يقول لصديقه: (فاتك أمس البارحة حشينا حش وقطعناه تقطيع).
لماذا يا عباد الله؟ لماذا يا أمة محمد؟.. هذه غيبة لا ترضي الله ورسوله، والغيبة قد فسرها الرسول r ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله r قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت ([3]) إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته»([4]).
· أخي الحبيب أمسك عليك لسانك من الوقوع في أعراض الناس، واحذر من الغيبة فإنها مورد الهلكات، ومن حديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ قال: ثم قال ـ الرسول r : «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه فقال: «كف عليك هذا». قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال «ثكلتك أمك! ([5]) وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم!»([6]).
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله r : «من ضمن لي ما بين لحييه ([7]) وما بين رجليه أضمن له الجنة»([8]).
* واعلم يا أخي أنه مهما كان نوع الكلام في الغائب ـ مادام يكرهه ـ فهو غيبة، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قلت للنبي r : حسبك ([9]) من صفية كذا وكذا، فقال: بعض الرواه: تعني قصيرة، فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته!» قالت: وحكيت له إنسانا ([10]) فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانا ([11]) وأن لي كذا وكذا»([12]).
* واعلم يا أخي أن سماع الغيبة محرم أيضا، ووجب على من سمعها أن يردها وينكر على فاعلها، فإن عجز أو لم يقبل منه، فارق ذلك المجلس قال تعالى: ]وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ ([13]) أَعْرَضُوا عَنْهُ [. [سورة القصص الآية: 55].
وقال تعالى: ]وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [
[سورة الأنعام الآية: 68].

وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ عن النبي r قال: «من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»([14]).
* أخي الحبيب... إنني أتعجب أشد العجب من رجل يبيع الحياة الآخرة بعرض من الدنيا، ويبيع الدائم بالزائل، ويبيع سعادة أبدية بفرحة زائفة وقتية... الناس تجد في السير وترجو رضوان الله، وهو يتراجع القهري، ويقع في سخط الله، الناس تبحث عن النجاة من النار، فأين النجاة؟ عن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك»([15]) وعن سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: «قل: ربي الله. ثم استقم» قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «هذا»([16]).

5- الغناء
قال الله تعالى: ]وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ وقد صح عن رسول الله r أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف»([17]).
* * أخي الحبيب... -هداك الله- ... لقد كثر الحديث عن الغناء، وبيان حكمه، وسطرت في هذا الخصوص كتب ورسائل وكانت شافية ووافية، ولكن حديثي موجه إليك أنت أنت يا من رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد r نبيا ورسولا, أدعوك يا أخي أن تحكم عقلك وتحكم على ذلك بنفسك.
أولا: سئل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن هذه الآية ]وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ...[ فقال: عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو، ورددها ثلاث مرات، وعبد الله بن مسعود هو من أئمة الصحابة في التفسير.
ثانيا: انظر يا أخي الحبيب إلى حال الذي استهواه الغناء تجد قلبه معلقا بالطرب، والهوى. انظر إلى حال الرجل الوقور إذا استمع إلى الغناء وأخذته النشوة، فتجده يخرج عن طوره ولا يملك السيطرة على أعضائه فتراه يميل برأسه ويهز منكبيه ويضرب الأرض برجليه، ويقل حياؤه وتذهب مروءته، فأين الوقار وأين الرجولة؟!.
ثالثا: انظر يا أخي إلى من امتلأ قلبه بسماع الأغاني تجده هائما على وجهه معذبا لا يلوي على شيء إن سمع لحنا جميلا طرب وانتشى، وإن سمع مقطعا حزينا بكى... فليله سهد وسهر, ونهاره ألم وقهر... قال تعالى: ]فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى[. [سورة طه الآيات: 123 - 126]. قال ابن عباس في تفسير ]فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [ أي ضنكا في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره, بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء, فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبه يتردد فهذا من ضنك المعيشة. انتهى كلامه.
رابعا: انظر يا أخي إلى من استهوته الأغاني واسأله ماذا تحفظ من كتاب الله؟ فالقرآن هو حجة لك أو حجة عليك وقد خاب وخسر من كان القرآن حجة عليه وقد فاز من كان القرآن شفيعه يوم القيامة فعن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله r يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»([18]).
خامسا: قال رجل لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام؟
فقال: لا أقول حراما إلا ما في كتاب الله، فقال: أفحلال هو؟ فقال ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفنيت نفسك.
سادسا: واقعنا المعاصر يشهد بذلك، فأنت ترى يا أخي كم من مغنٍ هداه الله وعرف طريق الحق، وعاد إلى الله تائبا خاشعا نابذا وراء ظهره الحياة الدنيا وزخرفها، وود لو أن الأرض انشقت وابتلعته ولم يغن أغنية واحدة فانظر إليهم وإلى أحوالهم واسألهم إن شئت ـ ماذا وجدتم؟ فسيقولون لك: ]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [.
سابعا: اعلم يا أخي أن القلوب إن لم تشغلها بذكر الله شغلتك بغيره، وإن لم توظفها في طاعة الله ورضوانه أصبحت أسيرا للهوى والنزوات, فتلاوة القرآن والاستماع إليه شفاء للقلوب التي في الصدور، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [. [سورة يونس الآية: 57].
* واعلم يا أخي أنك محاسب وسوف تشهد عليك حواسك وأعضاؤك (إلا من رحم الله) قال تعالى: ]يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [. [سورة النور الآية: 24]. وقال تعالى: ]الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [. [سورة يس الآية: 65]. وقال تعالى: ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [. [سورة الإسراء الآية: 36].
* أخي الحبيب... حاسب نفسك قبل أن تحاسب.. فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.

6- السفر
أخي الحبيب -هداك الله- مما لا يخفى عليك ظاهرة السفر خارج بلدنا هذا (مهبط الوحي)، وخصوصا في العطلات الصيفية... وقبل الدخول في هذا الباب أود أن أذكرك بقول الرسول r ، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله إني أريد أن أسافر فأوصني قال: «عليك بتقوى الله, والتكبير على كل شرف»([19]) فلما ولى الرجل قال: «اللهم اطو له البعد وهون عليه السفر»([20]).
* والشاهد هنا هو قول الرسول r : «عليك بتقوى الله» فأول وصية للمسافر هي العمل على تحقيق التقوى.
أخي الحبيب لا شك أن بعضنا وبعض بني جلدتنا قد افتتن بالحضارة الغربية وما وصلت إليه من التطور التقني، فتجده يخصص شهرا أو شهرين في السنة، يقضيها في إحدى البلدان الأوروبية أو غيرها، وإذا عاد من هذه البلاد تجده خبيرا ودليلا في شوارعها وأسواقها وحدائقها، ناهيك عن أماكن اللهو فيها، وإذا تحدث عن هذه البلاد سرد لك تفصيلا عن التطور العلمي فيها، وحضاراتها وصناعاتها، وإذا سألته عن أهل هذه البلاد وصفاتهم فسيقول لك: الصراحة والأمانة، وقد يردد عبارة: "هنا مسلمون بلا إسلام وهناك إسلام بلا مسلمين" لا والله هنا الإسلام والمسلمون وهناك الكفر والكافرون.
* أخي... نعم لقد وصلت هذه الدول (أوروبا ـ أمريكا ـ وغيرها) إلى قمة التطور العلمي في الصناعات والمخترعات، ولكنها في المقابل وصلت إلى الحضيض في المعاملات والعلاقات الإنسانية، وقد اعترف كثير من علمائهم وكتابهم بذلك، فبجانب وصولهم للقمر تجد آلافا من حالات الطلاق تتم يوميا، وبجانب اختراع القنبلة النيوترونية تجد المئات من حالات الانتحار تتم يوميا.
* أخي الحبيب.... -غفر الله لك-... مهما كان سفرك للترويح أو الدراسة أو العمل، وحيثما كنت هنا أو هناك في مكة أو في أوروبا فالرب -سبحانه وتعالى- يراك ]وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [. [سورة الحديد الآية: 4]. ومهما كانت نيتك أو قصدك فعلام الغيوب ]يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [. [سورة غافر الآية: 19]. وهو الذي يعلم السر وأخفى ]قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [. [سورة آل عمران الآية: 29]. فإن خفت الله واتقيته ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [. [سورة الطلاق الآيتان: 2 ، 3]. وإذا أعرضت عن الله وعصيته فاعلم ]إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [. [سورة الفجر الآية: 14].
* أخي... تذكر قول الحبيب r عن أبي ذر (جندب بن جنادة) (وأبي عبد الرحمن) معاذ بن جبل ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله r قال: «اتق الله حيثما كنت ([21]) وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»([22])، وتذكر دعاءك في السفر: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى" فهل عملت على تحقيق البر والتقوى والعمل الذي يجعل الإله يرضى؟
* أخي الحبيب... إن عقدت العزم على السفر وكان سفرك هذا في غير ما يرضي الله، فاسمح لي يا أخي أن أهمس في أذنيك قبل أن تضع قدمك على سلم الطائرة.
أولا: تذكر كم ستنفق من الأموال خلال سفرك هذا، قال الله تعالى: ]وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [. [سورة الإسراء الآيتان: 27 ، 28]. وعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله r : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه»([23]) ومما لا يخفى عليك يا أخي أن سفر المعصية هو تبذير للمال وصرفه له في ما حرم الله ونهى عنه.
ثانيا: تذكر أنك تهدر صحتك وعقلك وأنك مسؤول عن هذا الإهدار، قال تعالى: ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [. [سورة الإسراء الآية: 36]. أي سوف تسأل عن السمع والبصر والفؤاد وفي الحديث السابق قول رسول الله r : «وعن جسمه فيم أبلاه».
ثالثا: تذكر عقوبة ارتكاب ما حرم الله في الدنيا والآخرة... أما في الدنيا فقد تصاب بالأمراض الفتاكة كالإيدز وغيره أو الإدمان نسأل الله السلامة قال تعالى: ]فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [. [سورة النور الآية: 63]. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي r قال: «إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه»([24]).
وأما في الآخرة فقد قال تعالى: ]وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [. [سورة النور الآيات: 68 - 81].

7- الزواج
قال تعالى: ]وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [.
* أخي الحبيب -هداك الله-: الزواج حصن حصين ودرع منيع ضد الوقوع في المحرمات والشهوات وهو أغض للبصر وأحصن للفرج، والزواج عبادة يستكمل بها الإنسان نصف دينه فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله r قال: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي»([25]) والزواج راحة للنفس وصفاء للعقل والقلب واستقرار في الحياة.
* أخي إن العزوف عن الزواج أمر مناف للفطرة فقد خلق الله الإنسان وركب فيه الغريزة الجنسية ولم يدع الله عباده هملا, بل شرع لهم الزواج كمتنفس لهذه الغريزة ولاستمرار الحياة البشرية فمن رغب عن الزواج فقد شذ وضل عن الطريق الصحيح.
والزواج عقد مقدس وصيانة وطهارة للنفس وحفظ للأنساب وإذا تأملت أحوال الناس تجد أن العازب من الناس لا يستقر على حال وأن به اضطرابا في عقله وقلبه فإذا تزوج سكن قلبه، وارتاحت سريرته، وهدأت نفسه وأكسبه الزواج ثوبا من الرزانة.
* أخي الحبيب اعلم أنك إذا أردت العفاف فإن الله يكون معك ويعينك ففي الحديث أن رسول الله r قال: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف»([26]).
وقد رغب الرسول r بالزواج وأخبر أنه صيانة للنفس وحماية لها من الوقوع في المحرم.
وأخبر الرسول r بالعلاج لمن لم يجد النكاح.
قال الرسول r : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»([27]) وقد أمر سبحانه -جل وعلا- بالعفة والتعفف لمن لم يجدوا النكاح ووعدهم بالغنى إن هم أطاعوه فيما أمر به قال تعالى: ]وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [.
* أخي الحبيب اعلم أن الجمال ليس كل شيء فكم من جمال لم ينفع صاحبه، فالجمال لا يدوم وأما الخلق الحسن والدين فيدومان.
والعجب يا أخي أن هناك من يطلب مواصفات معينة في زوجة المستقبل (كما يقولون) فهو يريدها غيداء، هيفاء، نجلاء. ذات شعر طويل وقد جميل وخد أسيل وخصر نحيل... إلخ من المواصفات التي لم ولن يجدها في امرأة واحدة أبدا. ولكن دعني أهمس في أذنيك بضع كلمات: أولا: نصيبك من الزواج قد كتب لك وقدر من قبل أن تولد. ثانيا: صفات الحسن التي طلبتها لن تجدها إلا في الحور العين لذلك اجتهد في طلب ذات الدين لكي تكون لك معينا في الوصول إلى جنات النعيم والظفر بالحور العين ففي الصحيحين قال الرسول r : «تنكح المرأة لأربع لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله r : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة»([28]).
لذلك احرص يا أخي على أن تظفر بذات الدين فإنك إن أمرتها أطاعتك، وإن نظرت إليها سرتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك.
* أخي الحبيب.... -أصلحك الله-.
هناك من يحتج بالدراسة ويجعلها عائقا في سبيل الزواج ويقول لك: الزواج مسؤولية.... وأعباء.... إلخ أي نعم الزواج مسؤولية وأعباء، ولكن إذا كنت ممن أنعم الله عليهم بالمال الذي يمكنهم من الزواج فما المانع من زواجك؟ وعلى العكس فالزواج سوف ينظم لك شؤونك ووقتك، ويريح قلبك وعقلك، ويسكن نفسك، ويساعدك على التحصيل العلمي.
أما إن كنت لا تملك مالا يمكنك من الزواج فعليك بالعفة حتى يغنيك الله وعليك بالصوم فإنه وقاية لك.
أخي أقدم على الزواج بنفس واثقة واكسر هذا الحاجز وتوكل على الله فهو حسبك قال تعالى: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [.
]رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [.

8- إعفاء اللحية
* أخي الحبيب -هداك الله-
يتساهل كثير من الناس في أمر إعفاء اللحية، مع العلم بأن الأدلة في وجوب إعفائها وتحريم حلقها، ووجوب قص الشارب كثيرة، ونورد منها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r : «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» ولهما أيضا «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحية» وفي رواية «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحية».
قال بعض العلماء ([29]) ورد هذا الأمر بألفاظ مختلفة عدها النووي -رحمه الله- فبلغت خمسا هي قوله: «أعفوا، أوفوا، أرخوا، أرجوا، وفروا»، والأمر بهذا يفيد وجوب المأمور به، بحيث يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ومنه يعلم أن حلق اللحية مخالفة صريحة لأمر رسول الله r ـ انتهى ـ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله-: يحرم حلق اللحية. وقال القرطبي: لا يجوز حلقها أو نتفها ولا قصها.
قال الله تعالى: ]فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ([30]) مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [. [سورة النساء الآية: 65].
وقال تعالى: ]فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [. [سورة النور، الآية: 63]. وقال تعالى: ]وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [. [سورة الحشر، الآية: 7]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله r قال «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([31]) وقال الرسول r : «من رغب عن سنتي فليس مني»([32]).
* أخي إنه يجب عليك الانقياد لحكم الله ورسوله ]إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [. [سورة النور الآية: 51]. ولا تكن يا أخي كالذين "قالوا سمعنا وعصينا" فإنه والله خسران مبين، وضلال عن الصراط المستقيم، فالدين كله لله، وليس لنا الخيار في الأمر مادام أمر الله ورسوله ثابتا لدينا قال تعالى: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [.
* أخي الحبيب... أجب دعوة الله ورسوله واحذر مخالفة أمره واعلم أنك لن تعجز الله, واعلم أن أخذه أليم شديد... وتأمل قول البارئ -عز وجل-: ]وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [
[سورة الأنعام الآية: 153].

* أخي -هداك الله-... اللحية زينة للرجل وهي مخالفة للمشركين وشعار للمسلمين وتكسب صاحبها هيبة ووقارا, وكذلك هي سنة الحبيب r الذي تبرأ عمن رغب عنها قال r : «ومن رغب عن سنتي فليس مني»([33])، وهي تمنع صاحبها من الإقدام على المعاصي قال أبو ذر القلموني ([34]): ومن الصعب على المسلم الملتحي أن يتردد على أماكن المعصية؛ لأن اللحية تقول بالمعنى الصامت أنت تبع النبي r انتهى.
* أخي قد يود البعض أن يعفي لحيته (يطلقها) ولكنه قد يجد حرجا على نفسه، ولمن وجد مثل هذا نقول: قال الله تعالى: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [. أي: إذا قضى الله ورسوله أمرا يا عبد الله فإنك غير مخير في العقل أو الترك. وقد يحدث أن يأمره والداه بحلق لحيته وعدم إعفائها. ونقول لمن وجد مثل هذا قول النبي r : «لا طاعة لأحد في معصية الله» فطاعة الله أولى من طاعة والديك.
وإن كان حلق اللحية رضوخا لطلب الزوجة، فنقول لمن وجد مثل هذا: قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [. [سورة التغابن الآية: 14].
ومن المؤسف جدا أن تجد بعض الناس يسخرون من اللحى وأصحابها ويستهزؤون بهم، وقد تجد من يحتقر اللحية ويحتقر أصحابها ونقول هنا: ألم يعلم هذا الجاهل المستهزئ بأنه يسخر من شرع الله وسنة نبيه، ألم يعلم هذا الغافل المستهزئ بمن قالوا: ]سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ ألم يسمع قول الله -سبحانه وتعالى-: ]قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [.
* أخي الحبيب -هداك الله- احذر أنت يطغى عليك حب الدنيا وزينتها، فإنها زائلة، مولية مدبرة ]كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [. [سورة الرحمن الآيتان: 26 ، 27]. ونداء من القلب إليك، للفوز بمغفرة الرب، فأسرع.. أسرع يا باغي جنة الرب ]وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[
[سورة آل عمران الآية: 133].


9- آفة التدخين
الدخان: هو سم بطيء المفعول يعمل على إتلاف رئة الإنسان ويسبب أمراضا كثيرة، ويهدد صحة الإنسان... وكل ما يتلف الإنسان ويعطبه يسمى خبيثا، والخبائث محرمة في كتاب الله -عز وجل- قال تعالى: ]وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[. وقال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[. ومن المؤسف جدا أن بعض الناس يأتيهم هادم اللذات وهم مقيمون على تعاطي هذه الآفة الخبيثة... أفلا يخشون ذلك.
* أخي إن مضار التدخين لا تكون مقتصرة على متعاطيها فقط، لا بل تشمل الفرد والمجتمع سواء، ومن مضار التدخين على الفرد، أنه يضعف البدن، ويوهي قواه المادية والروحية، ويحدث السعال المؤدي إلى السل وهو عامل رئيسي في حدوث السكتة القلبية، ويؤدي إلى تآكل الأسنان واصفرارها، ويحدث رائحة كريهة في الفم، ويتلف الرئتين، ويؤدي إلى الإصابة بمرض السرطان، وبالإضافة إلى ذلك كله صرف المال ـ في غير أوجهه الشرعية ـ على هذه الآفة الخبيثة. وأما مضار التدخين على المجتمع... فمنها:
1- إنه ينتج مجتمعا خاملا.
2- يؤثر سلبيا على صحة المجتمع.
3- إهدار للطاقة البشرية.
4- إهدار للأموال
* أخي الحبيب... إنك لو تأملت أحوال الدول الغربية المنتجة لهذه الآفة الخطيرة لوجدت شيئا عجيبا.. لقد أدرك الغربيون خطورة هذه المادة السامة على أفرادهم ومجتمعاتهم ففي أمريكا مثلا وجد أن ما يصرفه 60 مليون مدخن يساوي 4 مليارات دولار في العام الواحد. لذا عملوا بكل الوسائل الممكنة على الإقلال من نسبة التدخين والمدخنين.
ومن هذه الوسائل:
1- إنفاق ملايين من الدولارات على الحملات الدعائية في جميع وسائل الإعلام المختلفة.
2- فرض رسوم على بيع الدخان.
3- فرض أوامر صريحة بعدم التدخين في الدوائر والمستشفيات.
4- إنشاء مراكز خاصة لمن يريد الإقلاع عن عادة التدخين وبأجور رمزية.
وهناك وسائل كثيرة اتخذوها لمواجهة هذا الخطر القائم والذي يهدد حياة الفرد والمجتمع.
* أخي إذا كان هذه حال من أنتج هذه الآفة المدمرة، إذا فما بال بعض بني جلدتنا الذين سلموا أنفسهم لهذه العادة السيئة التي تجر وراءها الغضب الرباني والمرض الجسماني.
إن خطر الدخان لا يقتصر أثره عليك فقط، بل يشمل زوجك وأولادك وأهلك أيضا ولكن:
هل فكرت في خطر الدخان على أولادك وزوجك وإخوانك!؟.
هل فكرت في رائحة ثيابك النتنة عندما تجلس مع أهلك وإخوتك!؟.
هل فكرت في امرأتك عندما تقابلها ولسان حالها يقول أف من هذا الفم المنتن؟!.
هل علمت بأنك تؤذي الملائكة والمؤمنين برائحتك الخبيثة الكريهة، وذلك لقول النبي r في صحيح مسلم، بعد أن تكلم عن رائحة البصل: «وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم».
هل علمت بأنك تنفق مالا أنت محاسب عنه يوم العرض الأكبر ففي الحديث «لا تزول قدما عبد حتى يسأل» حتى قال «وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه».
هل تذكرت كم مرة أيقظت زوجتك وأولادك في أثناء الليل بسعالك المتواصل المزعج هل تذكرت هذا أم أنك غارق في النوم لا تعلم شيئا.
هل تصورت يوما أن هذه العادة السيئة سوف تجرك إلى ما هو أخطر منها فالتدخين سبيل موصل إلى المخدرات أو المسكرات.
هل حدثت نفسك يوما بأن تذهب إلى المستشفى وتأخذ صورا بالأشعة للرئتين... أنا متأكد أنك لن تستطيع، وإن فعلت فسوف تجد بدل الرئتين "فحمتين".
* أخي الحبيب قد يقول قائل: إنني أود أن أترك هذه العادة السيئة ولكنه يصعب علي هذا، بالإضافة إلى أنه يستلزم وقتا.. وأقول: أولا وقبل كل شيء إن هذا التدخين عادة وليس إدمانا، والعادة تزول بقطعها ومنع استمرارها، وأما قولك يصعب علي تركه فهذا عذر واه يحتج به كثيرون من المدخنين وهو غير مقنع البتة، ولو قال لك الدكتور: إنه يجب عليك أن تترك التدخين وإلا فستموت لتركته الآن وبدون مقدمات خوفا من الموت، ويا عجبا كيف تخاف من الموت ولا تخاف من الذي سوف يبعثك من بعد الموت!!.
* أخي الحبيب -غفر الله لك-... إن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، فأنت يا من أسرفت في حق نفسك, عد إلى الله واطلب من الله الصفح والغفران. وقد قيل: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
وإليك يا أخي... علاجان... علاج رباني وعلاج بشري.
فالعلاج الرباني....
1- صدق الالتجاء إلى الله والإخلاص له. قال تعالى: ]فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [. [سورة غافر الآية: 14].
2- تحري ساعات الإجابة:
‌أ- ثلث الليل الأخير تدعو الله فيه بأن يعينك على ترك هذه المعصية ففي الصحيحين قال رسول الله r : «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له».
‌ب- دبر الصلوات المكتوبات عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال قيل يا رسول الله أي الدعاء يسمع؟ قال: «جوف الليل ودبر الصلوات»([35]).
‌ج- السجود... قول النبي r : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء»([36]).
* أخي قم فتوضأ وأحسن الوضوء. وصل ركعتين لله وأحسن فيهما الركوع والسجود والخشوع، وإذا سجدت فادع الله بأسمائه العظام الحسنى قال تعالى: ]وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [. [سورة الأعراف الآية: 80]. وقال: ]لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ فإن رسول الله r قال: «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم شيء قط إلا استجاب الله له»([37]).
* أخي الحبيب بادر بالتوبة، وأقلع عن هذه المعصية، وتذكر أنك ما تركت شيئا لله إلا عوضك خيرا منه، وأقول مرة أخرى: عليك بصدق الالتجاء إلى الله فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور فمتى كنت صادقا مع الله فإن الله معك ولن يخذلك.
أما العلاج البشري فمهما كان نوعه أو شكله فلا غنى له عن العلاج الرباني ونورد هنا بعض الطرق التي تساعد على ترك هذه العادة السيئة.
1- ابتعد عن جميع المؤثرات التي تجرك إلى التدخين مثل الأشخاص المدخنين أنفسهم، والانفعالات العصبية.
2- ابتعد عن مداومة العمل ومن المستحسن أن تأخذ إجازة لمدة أسبوعين فأكثر ويفضل أن يكون المكان بعيد عن نطاق المدينة.
3- قلل من شرب الشاي والقهوة ما استطعت وحاول أن تستبدل بها العصائر الطازجة مثل عصير البرتقال والليمون.
4- إذا وجدت حنينا إلى الدخان فعليك باستخدام السواك أو العلك.
5- إذا وجدت صداعا فاخلد إلى النوم مباشرة فهو علاج الصداع.
6- اشغل وقتك بأمور مفيدة ومارس الرياضة فهي تساعدك على ذلك.
* وأخيرا أدعوك يا من أسرفت على نفسك أدعوك لتكون سيد نفسك لا أسيرا لعادة سيئة أدعوك لأن تحكم عقلك وتنقذ نفسك وتحفظ مالك.

10- غض البصر
أخي الحبيب -غفر الله لك-.
إن نعمة البصر التي ركبها الله في عباده من أعظم النعم ودلالة ذلك قول النبي r : قال الله تعالى: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته بهما الجنة» يريد عينيه.
ورعاية هذه النعمة تكون بصيانتها عن النظر إلى الحرام والاستعانة بهما على طاعة الله.
* واعلم يا أخي أن النظرة الحرام بداية كل شر واقتراب من الخطر كما قال الشاعر:
كل الحوادث مبدأها من النظر






ومعظم النار من مستصغر الشرر


كم نظرة فتكت في قلب صاحبها






فتك السهام بلا قوس ولا وتر


يسر مقلته ما ضر مهجته






لا مرحبا بسرور عاد بالضرر







وفي مسند الإمام أحمد, عن النبي r أنه قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره من محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة يجدها إلى يوم يلقاه».
* فاحذر يا أخي من هذه السهام وجاهد نفسك ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [. [سورة آل عمران الآية: 142].
* واعلم أن الخير كل الخير في غض البصر فهو راحة للبال وصون للنفس، وقمع للشهوات وسد للشر، فقد ثبت عن النبي r أنه قال: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة»([38]) فالنظرة الأولى لك، والآخرة عليك، لأن النظرة الأولى لم تملك زمامها، وجاءت عفوية بغير إرادتك، أما الأخرى فهي عليك ومحاسب عليها قال جرير بن عبد الله: سألت رسول الله r عن نظرة الفجأة «فأمرني أن أصرف بصري»([39]). حدث أن أحد الأشخاص أطال النظر في امرأة فقيل له: اتق الله فقال: إن الأولى لك والآخرة عليك... فيا سبحان الله يستغفل من هذا؟؟.
ألم يعلم بأن الله ليس غافلا عما يعملون قال تعالى: ]يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [. [سورة المجادلة الآية: 6].
* أخي -أصلحك الله-... اعلم أن غض البصر أمر إلهي من رب السماوات والأرض حيث قال سبحانه في كتابه العزيز: ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [. [سورة النور الآية: 30]. فقد ورد في الآية السابقة الأمر الإلهي بغض البصر واتبعه أمر آخر وهو حفظ الفرج، وقد جاء غض البصر مقدما على حفظ الفرج وذلك لأن غض البصر ـ عما حرم الله ـ وسيلة لحفظ الفرج من الوقوع في المحرم، والله أعلم.
* أخي.... لو أنك تأملت حال الذي أطلق بصره فإنك تجده أسيرا لهواه مشتت الفكر والعقل، يعتصر قلبه ألم الحسرة، وفيه نزوع إلى الشهوة، والذي يؤسف حقا هو ما نشاهده من بعض الشباب في الأسواق، فهو يمضي ساعات من الليل والنهار متنقلا بين الأسواق إما ماشيا أو راكبا، وذلك ليحظى بنظرة إلى عين وخد أو ثغر، وقد يعود هذا المسكين إلى بيته متعبا محملا بآلام وجراح وحسرة في قلبه فهذه لم تلق له بالا، وهذه لم تضحك له، وهذه لم تكلمه .... وهذه ..... إلخ، وفوق هذا كله غفلة وإعراض عن الله -سبحانه وتعالى- ألم يسمع قول البارئ -عز وجل-: ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [. [سورة الإسراء الآية: 36].
ألم يعلم هذا الغافل لو أنه غض بصره لوجد الإيمان في قلبه، ولسكنت نفسه، واستراح قلبه.
ألم يعلم هذا الجاهل أن في غض البصر قطعا لدابر الشهوة، وخلاصا للقلب من ألم الحسرة.
* أخي -رعاك الله-:
قال الله تعالى: ]وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [. [سورة طه الآية: 131].
هذا الخطاب موجه إلى محمد r وإلى عامة المسلمين وهو يقضي بغض البصر يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية ([40]): يقول الله تعالى لنبيه محمد r : لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما هم فيه من النعيم فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور. قال مجاهد: أزواجا منهم يعني الأغنياء ([41]).
فائــدة:
سئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟
قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره.

خاتمــة
أخي المسلم:
هنا يقف قلمي ليعلن لك انتصاف الطريق، والانتهاء من الجزء الأول لهذه الرسالة والتي أرجو من الله أن ينفع بها المسلمين، وأن يجعل فيها خيرا كثيرا.
وما أنا إلا بشر فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

([1])رواه البخاري ومسلم.

([2])رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

([3])أي: أخبرني.

([4])أي: افتريت عليه الكذب.

([5]) أي: فقدتك أمك.

([6]) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([7])أي: اللسان.

([8])متفق عليه.

([9])أي: كافيك.

([10])حكيت إنسانا أي: حكيت له حركة إنسان يكرهها.

([11]) أني حكيت إنسانا أي: فعلت مثل فعله.

([12]) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([13])أي القول القبيح.

([14])رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([15])رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([16])رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

([17])رواه البخاري.

([18])رواه مسلم.

([19])أي: كل علو ومرتفع.

([20])رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([21])أي: في أي مكان كنت حيث يراك الناس وحيث لا يرونك فإن الله تعالى يراك.

([22])رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

([23])رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([24])متفق عليه.

([25])رواه الطبراني في الأوسط والحاكم وقال صحيح الإسناد.

([26])رواه أحمد والترمذي والنسائي ورمز السيوطي لصحته.

([27])رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([28])رواه مسلم.

([29])كتاب ففروا إلى الله (أبي ذر القلموني ص226).

([30])أي: ضيقا.

([31])رواه البخاري.

([32])متفق عليه.

([33])متفق عليه.

([34])مؤلف كتاب ففروا إلى الله ص228.

([35])أخرجه الترمذي وحسنه.

([36])أخرجه مسلم وغيره.

([37])أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك وأحمد في المسند.

([38])رواه أحمد.

([39])رواه مسلم.

([40])تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

([41])من كتاب ففروا إلى الله.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

رسائل إلى أبي وأخي



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 08:42 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب