منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي > ركن كن داعيا

ركن كن داعيا هنا جميع المواضيع التي تطرح من طرف فريق عمل شباب الصحوة

وتحسبونه هينا

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
"البلاك بلوك" لـ"الإخوان": "إحنا مسلمين وموحدين بالله وبلاش فتنة" Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-01-29 06:58 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي وتحسبونه هينا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله r وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
قال الإمام ابن القيم الجوزية -رحمه الله-:
فإن الذنوب تضر ولابد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة؟ دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار قوادًا لكل فاسق ومجرم، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذًا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟
وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل إلى قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها. فأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد.
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رءوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا؟
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا؟
وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى: }لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ{ [الأعراف: 167].
* قال السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن القُبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت.
وقال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خُلق دابتي وامرأتي.
* وفي الحلية عن ابن عباس: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال – وأنت على الذنب – أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب، ويحك هل تدري ما كان ذنب أيوب فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه فلم يغثه ولم ينه الظالم عن ظلمه فابتلاه الله.
* وقال عبد الله بن عباس: إن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.
* وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.
* وقال يحيى بن معاذ الرازي: عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له، قيل وكيف ذلك؟ قال: يعصي الله ويشمت به في القيامة كل عدو.
* وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال بن سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى مَن عصيت.
* وقال محمد بن سيرين: إنه لما ركبه الدِّين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة.
وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسى ويظن العبد أن لا يغير بعد ذلك، وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم أزالت من نعمة؟ وكم جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلاً عن الجهال؟ ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السهم، وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدَّغل.
* * *

عقوبات الذنوب والمعاصي
للمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله فمنها([1]):
1- حرمان العلم:
فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية.
2- حرمان الرزق:
وفي المسند «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه»([2]) فكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر، فما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي.
3- وحشة في القلب:
وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلاً ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة. وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة وما لجرح بميت إيلام، فلو لم تترك الذنوب إلا حذرًا من وقوع الوحشة لكان العاقل حريًا بتركها.

4- وحشة تحصل بينه وبين الناس:
ولاسيما أهل الخير منهم فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بَعُد منهم ومن مجالستهم، وحُرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من جند الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشًا من نفسه.
5- تعسير أموره عليه:
فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه أو متعسرًا عليه.
وهذا كما أن من اتقى الله جعل من أمره يسرًا، فمن عطل التقوى جع له من أمره عسرًا، ويالله العجب كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه وطرقها معسرة عليه وهو لا يعلم من أين أُتي؟
6- ظلمة يجدها في قلبه:
حقيقة يحس بها كما يحس ظلمة الليل البهيم إذا ادلَهَمَّ، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد.
7- المعاصي توهن القلب والبدن:
أما وهنها للقلب فأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية، وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته في قلبه وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه.
8- حرمان الطاعة:
فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله وتقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها.
9- تقصر العمر وتمحق بركته ولابد:
فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقصه. فإذا أعرض العبد عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غِبَّ إضاعتها يوم يقول: }يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي{ [الفجر: 24]. فلا يخلو إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا، فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله، وذهبت حياته باطلاً، وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها وذلك نقصان حقيقي من عمره.
10- أن المعاصي تزرع أمثالها:
ويولد بعضها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه، ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره، وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها حتى أن كثيرًا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية إليها إلا لما يجد من الألم بمفارقتها.
11- أنها تضعف القلب عن إرادته:
فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية، مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.
12- أنه ينسلخ من القلب استقباحها:
فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها مَن لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا، وهذا الضرب من الناس لا يعافون ويسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب كما قال النبي r: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون»([3]).
13- المعاصي ميراث الأمم الهالكة:
إن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل؛ فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود. فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء الله.
14- سبب لهوان العبد على ربه:
إن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزُّوا عليه لعصمهم. وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال تعالى: }وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ{ [الحج: 18]. وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه.
15- أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه:
وذلك علامة الهلاك؛ فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الرب.
وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار».
16- أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والمعاصي.
قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم.
وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم.
فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنه من لا ذنب له.
17- أن المعصية تورث الذل ولابد:
فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى، قال تعالى: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا{ [فاطر: 10]. أي فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله.
وكان من دعاء السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.
وقال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إن ذلك المعصية لا يفارق قلوبهم، أبي الله إلا أن يُذل من عصاه.
18- أن المعاصي تفسد العقل:
فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل ولابد، وإذا طفئ نوره ضعف ونقص.
قال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله وهذا ظاهر؛ فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى، أو تحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يُقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟؟
19- أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين:
كما قال بعض السلف في قوله تعالى: }كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [المطففين: 14] قال: هو الذنب بعد الذنب.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم.
وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلاً وختمًا. فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.
20- أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله r:
فإنه لعن على معاصي والتي غيرها أكبر منها فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة.
هؤلاء لعنهم رسول الله r
- لعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصولة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة.
- ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده.
- ولعن المحلل والمحلل له.
- ولعن السارق.
- ولعن شارب الخمر وعاصرها ومعترصها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه.
- ولعن من غير منار الأرض وهي أعلامها وحدودها.
- ولعن من لعن والديه.
- ولعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا يرميه بسهم.
- ولعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء.
- ولعن من ذبح لغير الله.
- ولعن من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا.
- ولعن المصورين.
- ولعن من عمل عمل قوم لوط.
- ولعن من سب أباه وأمه.
- ولعن من كمه أعمى عن الطريق.
- ولعن من أتى بهيمة.
- ولعن من وسم دابة في وجهها.
- ولعن من ضار مسلمًا أو مكر به.
- ولعن زورات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.
- ولعن من أفسد امرأة على زوجها، أو مملوكًا على سيده.
- ولعن من أتى امرأة في دبرها.
- ولعن من انتسب إلى غير أبيه.
- ولعن من سب الصحابة.
- وقد لعن الله في كتابه من أفسد في الأرض وقطع رحمه وآذاه وآذى رسول الله r.
- ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى.
- ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة.
- ولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المسلمين.
- ولعن الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل.
- ولعن الراشي والمرتشي والرائش.
21- حرمان دعوة رسول الله ودعوة الملائكة:
فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فقال تعالى: }الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [غافر: 7-9].
فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتبعين لكتابه وسنة رسوله اللذين لا سبيل لهم غيرهما، فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة إذا لم يتصف بصفات المدعو له بها.
22- أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد:
في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن. قال تعالى: }ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ [الروم: 41] قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يجب الفساد ثم قرأ الآية وقال: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر. قلت: أراد أن الذنوب سبب الفساد الذي ظهر وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، ولو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة.
23- ما يحل بالأرض من الخسف والزلازل:
ومن تأثير المعاصي في الأرض: ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركاتها وقد مر رسول الله r على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم لنواضح الإبل لتأثير شؤم المعصية في الماء.
24- تأثير شؤم الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات:
وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: «وجدت في خزائن بعض بني أمية حبة حنطة بقدر نواة التمرة وهي في صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل» وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب.
وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها وإنما حدثت من قرب.
25- تأثير الذنوب في الصور والخلق:
فقد روى الترمذي في جامعه عنه r أنه قال: «خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن»([4]). فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والفجرة والخونة يخرج عبدًا من عباده من أهل بيت نبيه r فيملأ الأرض قسطًا «أي عدلاً» كما ملئت جورًا ويقتل المسيح اليهود والنصارى ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله وتخرج الأرض بركتها، وتعود كما كانت حتى أن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، وأن اللقحة الواحدة لتكفي الفئام من الناس – أي الجماعة الكثيرة – وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر.
ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم فهذه الآثار في الأرض من آثار تلك العقوبات.
26- أنها تطفئ في القلب نار الغيرة:
التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزي لحياة جميع البدن.
فكلما اشتدت ملابسة العبد للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس. وقد تضعف في القلب جدًا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك. وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح بل يحسن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله، ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله، والجنة عليه حرام، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه له. فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة.
وعدم الغيرة يميت القلب فتموت له الجوارح؛ فلا يبقي عندها دفع البتة ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه؛ فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلاً، ولم يجد دافعًا، فتمكن فكان الهلاك، ومثلها مثل صياصي (قرون) الجاموس التي يدفع بها عن نفسه وولده فإذا كسرت طمع فيه عدوه.
27- ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب:
وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير بأجمعه قال r: «الحياء كله خير»([5]) وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت»([6]) إن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى أنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع.
28- أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله:
وتضعف وقاره في قلب العبد ولابد، شاء أم أبى، ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء وطمعي في عفوه لا ضعف عظمته في قلبي. وهذا من مغالطة النفس؛ فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته؛ وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب، والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره، أو يرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال وأبين الباطل وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته ويهون عليه حقه.
29- أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق:
ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس، وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق ولهذا قال الله تعالى: }وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ{ [الحج: 18]. فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم من أهانه الله؟ أو يهين من أكرمه الله؟
30- أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه:
وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهناك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ [الحشر: 18، 19] وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعه ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيع مَن لا غنى له عنه ولا عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض، فالله سبحانه وتعالى يعوض عن كل ما سواه ولا يعوض منه شيء، ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء ويجبر من كل شيء ولا يجبر منه شيء، ويمنع من كل شيء، ولا يمنع منه شيء فكيف يستغني العبد عن طاعة مَنْ هذا شأنه طرفة عين؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم؟ فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه. وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه.
31- تُخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه ثواب المحسنين:
فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي، فإن من عَبدَ الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية فضلاً عن مواقعتها، فإذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبة رفقته الخاصة وعيشهم الهنيء ونعيمهم التام، فإن أراد الله به خيرًا أقره في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي التي تخرج من دائرة الإيمان فاته رفقة المؤمنين، ومن فاته رفقة المؤمنين:
(1) يحرم مدافعة الله عنه: }إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا{ [الحج: 38].
(2) ويحرم استغفار الملائكة حملة العرش لهم: }الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا{ [غافر: 7].
(3) ويحرم موالاة الله له ولا يذل من مولاه الله: }اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا{ [البقرة: 257].
(4) يحرم من تثبيت الملائكة له قال تعالى: }إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا{ [الأنفال: 12].
(5) يحرم الدرجات عند ربه والمغفرة والرزق الكريم.
(6) يحرم العزة قال تعالى: }وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ{ [المنافقون: 8]
(7) يحرم معية الله التي هي لأهل الإيمان }وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ{ [الأنفال: 19].
(8) يحرم الرفعة في الدنيا والآخرة }يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ{ [المجادلة: 11].
(9) ويحرم الكفلين من رحمة الله والنور الذي يمشي به المؤمنون قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ [الحديد: 28].
(10) ويحرم الود الذي يجعله الله سبحانه للمؤمنين وهو أنه يحببهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين: }إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا{ [مريم: 96].
(11) ويحرم الأمن من الخوف يوم يشتد الخوف }فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ{ [الأنعام: 48].
(12) يحرم شفاء القرآن له }قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ{ [فصلت: 44].
32- ضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة:
أو تعوقه أو توقفه وتقطعه عن السير فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة. هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه.
فالذنب إما أن يميت القلب أو يمرضه مرضًا مخوفًا، أو يضعف قوته ولابد حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي r وهي: «الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال»([7]). فالذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه.
33- زوال النعم وحلول النقم:
فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب قال تعالى: }وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ{ [الشورى: 30] فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ{
[الرعد: 11].

34- يلقي الله سبحانه الرعب والخوف في قلب العاصي:
فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانًا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرًا بالعطب، يحسب أن كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصدًا إليه، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.
35- وقوع الوحشة العظيمة في القلب:
فيجد المذنب نفسه مستوحشًا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبين الخلق وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين، والوحشة سببها الحجاب فكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة فالغفلة توجب الوحشة وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك والكفر، ولا تجد أحدًا ملابسًا شيئًا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه؛ فتعلو الوحشة وجهه وقلبه.
36- تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه:
فلا يزال مريضًا معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولا دواء لها إلا تركها.
37- أنها تعمى بصيرة القلب وتطمس نوره:
وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهداية ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها، فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة، فإذا كان يوم المعاد وحشر العباد علت الوجوه علوًا ظاهرًا يراه كل أحد حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة (الفحم).
38- أنها تصغر النفس وتقمعها وتدسِّيها:
وتحقرها حتى تكون أصغر شيء وأحقره.
39- أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه:
فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسير أسوأ حالاً من أسير أسره أعدى عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة؛ فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟
إن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض فالغفلة تبعد القلب عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.
40- سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه:
فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه فأسقطه من قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك فعاش بينهم أسوأ عيش، خامل الذكر، ساقط القدر، رديء الحال، لا حرمة له ولا فرح له ولا سرور.
41- أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف:
وتكسوه أسماء الذم والصَّغار فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والمتقي والمطيع والمنيب والولي والورع والصالح والعابد والخائف والأواب والطيب ونحوها، وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيء والمفسد والخبيث والزاني والسارق والقاتل والغادر واللوطي والكاذب والخائن وقاطع الرحم وأمثالها فهذه أسماء الفسوق قال تعالى: }بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ{ [الحجرات: 11]. الذي يوجب غضب الديان ودخول النيران وعيش الخزي والهوان.

([1]) ترقيم هذه العقوبات من معد الكتاب ليسهل حصرها وتنفيذها.

([2]) مسند الإمام أحمد (5/280، 282) من حديث ثوبان t.

([3]) أخرجه البخاري (10/501) كتاب الأدب: باب ستر المؤمن على نفسه، ومسلم (2990) كتاب الزهد والرقائق: باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، من حديث أبي هريرة t.

([4]) أخرجه البخاري (6/362)، ومسلم (2841). من حديث أبي
هريرة
t.

([5]) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه (37) (61) كتاب الإيمان، وأخرجه البخاري بلفظ «الحياء لا يأتي إلا بخير» (10/537) كتاب الأدب: باب الحياء، كلاهما عن عمران بن حُصين t.

([6]) أخرجه البخاري (10/539) كتاب الأدب: باب إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، من حديث أبي مسعود t.

([7]) أخرجه البخاري (11/177) كتاب الدعوات: باب التعوذ من غلبة الرجال، من حديث أنس بن مالك t.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: وتحسبونه هينا


42- أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل:
فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح، ورأيه أسد، والصواب قرينه. أما العاصي كيف يكون عاقلاً وافر العقل مَن يعصي مَنْ هو في قبضته وفي داره، وهو يعلم أنه يراه ويشاهده؟ فيعصيه وهو بعينه غير متوار عنه، ويستعين بنعمه على مساخطه ويستدعي كل وقت غضبه عليه ولعنته له، وإبعاده عن قربه، وطرده من بابهِ، فأي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر ثم تقضى كأنها حلم لم يكن.
43- أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى:
وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشر. فأي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين، ولا بدل له منه ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب.
44- أنها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل وبركة الطاعة:
وبالجملة تمحق بركة الدين والدنيا فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق.
45- أنها تجعل صاحبها مع السَّفلة:
بعد أن كان مهيئًا لأن يكون من العلية، فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين.
46- أنها تجرئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه:
من أصناف المخلوقات فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين، وإنسائه ما به مصلحته في ذكره ومضرته في نسيانه، فتجترئ عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله أزًا، وتجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره، ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم.
47- أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه في تحصيل هذا العلم:
فإن كل أحد محتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس وأعرفهم بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكسبهم مَنْ قوي على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه، وكفها عما يضره، وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهمهم ومنازلهم، فأعرفهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدهم مَن آثر هذه على هذه، كما أن أسفههم من عكس الأمر، والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين، فإذا وقع في مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به، كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنًا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئًا، والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها فما الظن بها؟
48- أنها تعمي القلب:
فإن لم تعمه أضعفت بصيرته ولابد، فإذا عمي القلبي وضعف فاته من معرفة الهدى وقوته، على تنفيذه في نفسه وفي غيره بحسب ضعف بصيرته وقوته فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقًا والحق باطلاً والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة.
49- أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه:
وجيش يقويه به على حربه. وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين ولا ينام عنه ولا يغفل عنه، لا يدع أمرًا يكيده به ويقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه ويستعين عليه ببني جنسه من شياطين الجن وغيرهم من شياطين الإنس.
50- أنها تنسي العبد نفسه:
وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها قال تعالى: }وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ [الحشر: 19] فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين:
إحداهما: أنه سبحانه نسيه، والثانية: أنه أنساه نفسه ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم، وأيضًا ينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها، وأيضًا ينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك، فهو مريض مثخن بالمرض ومرضه مترام به إلى التلف ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته وهذا من أعظم العقوبة العامة والخاصة.
51- أنها تزيل النعم الحاضرة:
وتقطع النعم الواصلة فتزيل الحاصل، وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حُفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استُجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ما عنده لا يُنال إلا بطاعته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى
عصاه بها.

52- أنها تباعد عن العبد وليه وأنفع الخلق له وأنصحهم له ومن سعادته في قربه منه:
وهو الملك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق له، وأعظمهم ضررًا له، وهو الشيطان. فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية حتى إنه يتباعد عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.
53- أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته:
فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت ولابد، وكما أن البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها مما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان، والأعمال الصالحة تحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح تستفرغ بها المواد الفاسدة والأخلاط الردية منه. والذنوب تستجلب المواد المؤذية وتوجب التخليط المضاد للحمية وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.
54- الختم على القلوب والأسماع والغشاوة على الأبصار والإقفال على القلوب:
وجعل الأكنة عليها والرين عليها والطبع وتقليب الأفئدة والأبصار والحيلولة بين المرء وقلبه وإغفال القلب عن ذكر الرب.
55- أنها تثبط عن الطاعة وتُبعد عنها.
56- أنها تجعل القلب أعمى أصم أبكم تجعله أصم:
لا يسمع الحق، وأبكم لا ينطق به، وأعمى لا يراه، فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام: }فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ{ [الحج: 46].
57- الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه:
فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر، وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالاً حول السفليات والقاذروات والرذائل.
58- مسخ القلب:
فيمسخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب: ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير، ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الثعالب التي تراوغ كروغانها، وتقوى هذه المشابهة باطنًا حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهورًا خفيًا يراه المتفرسون، وتظهر في الأعمال ظهورًا يراه كل أحد، ولا يزال يقوى حتى تعلو الصورة فتنقلب له الصورة بإذن الله وهو المسخ التام، فيقلب الله الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم.
فسبحان الله! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر؟ وكم من مفتون بثناء الناس عليه؟ ومغرور بستر الله له؟ ومستدرج بنعم الله عليه؟ وكل هذه عقوبات وإهانات، ويظن الجاهل أنها كرامة.
59- ومنها مكر الله بالماكر:
ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ، وإزاغته القلب الزائغ عن الحق.
60- ومنها نكس القلب:
حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلاً والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ويُفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى.
61- ومنها حجاب القلب عن الرب:
في الدنيا والحجاب الأكبر يوم القيامة قال تعالى: }كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ{ [المطففين: 14، 15].
62- المعيشة الضنك:
في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة قال تعالى: }وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى{ [طه: 124] فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله.
المخرج من هذه العقوبات
ولا تتم للإنسان السلامة المطلقة حتى يسلم من خمسة أشياء:
من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السُّنَّة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص يعمُّ.
وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادًا لا تحصر، ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها؛ فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالاً وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه وهو الصراط المستقيم وإن عجز عنه، وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده، كسلاً وتهاونًا، أو لقيام مانع وغير ذلك وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله، وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص، وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه، وهذا كله واقع سار في الخلق فمستقل ومستكثر؛ وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك بل متى وُكِلَ إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم.
والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره، فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته، وجعله الهداية حيث تصلح، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم بعدله وحكمته. فمن أعظم عقوبات الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة.
فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين تعلم حينئذ علمًا يقينًا لا شك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما وبالله التوفيق.
الدواء:
الدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن.
وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكنه قد يخففه وإن كان ضعيفًا.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
قال r: «لا يغني حذر عن قدر والدعاء ينفع مما ينزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة»([1]).
وقال r: «من لم يسأل الله يغضب عليه»([2]).
أخي المسلم:
انتهى كلام الإمام ابن القيم في عقوبات الذنوب والمعاصي في الدنيا أما في الآخرة فهو أشد عقوبة فهل من توبة قبل الممات!! تابع معي ما تحمله الصفحات القادمة إليك.
كيف نتوب([3]):
حقيقة التوبة هي الرجوع إلى الله ولا يصح الرجوع ولا يتم إلا بمعرفة الرب بمعرفة أسمائه وصفاته وآثاره في النفس ولا يصح الرجوع إلا بأن تعرف أنك كنت فارًا من الله أسيرًا في قبضة عدوك، أن تعرف لكي تتوب أنه لا بد من اليقين بأنك ما وقعت في مخالب عدوك إلا بسبب جهلك بربك وجرأتك عليه.
فلابد للتائب أن يعرف كيف جهل؟ ومتى جهل؟
لابد للتائب أن يعرف كيف وقع أسيرًا؟ ومتى وقع؟
لابد للتائب أن يؤمن أن التوبة إنما هي عملية شاقة تحتاج إلى مجهود كبير ويقظة تامة للتخلص من العدو والرجوع والفرار إلى الرب الرحمن الرحيم والعودة من طريق الهلاك الذي أخذه إليه عدوه. لابد أن تعرف أيها التائب مقدار الخطوات التي قطعتها بعيدًا عن الله لعودها بعددها، لابد أن تعرف المجهود والعقبات التي لابد من الحرص على اقتحامها للعودة إلى الصراط المستقيم لابد أن تعرف أيها التائب أنك إنما أُتيت من قبل نفسك وبسبب متابعتك لهواك. لابد أن تعرف أيها التائب أنك أتيت من غفلتك عن الله وعدم اعتصامك بحبله. لابد أن تعرف أيها التائب أنك إنما أُتيت من قبل حسن ظنك بنفسك وسوء ظنك بالله.
أخي التائب: إذا تبين لك ذلك وعرفت أن في طاعة نفسك عطبك وهلاكك يوم ميعادك، وأن في عصيان نفسك نجاتك في آخرتك، وأن نفسك قد اعتادت سلوك طريق هلكتها وألفت طول النفور والاشمئزاز، فعصيانها يرضي عنك سيدك ومولاك.
صفات التائب:
إن التائب منكسر القلب، غزير الدمعة، حي الوجدان، قلق الأحشاء، صادق العبارة، جم المشاعر، جياش الفؤاد، مشبوب الضمير، خلي من العجب.. فقير من الكبر.. مُقل من الدعاوى، التائب بين الرجاء والخوف، بين السلامة والعطب، بين النجاة والهلاك، التائب في قلبه حرقة، وفي وجدانه لوعة، وفي وجهه أسى، في دمعه أسرار، يعرف معنى الهجر والوصال.. يعرف معنى الوصال واللقاء يعرف التائب يفرق بين اللقاء والفراق. التائب بين الإقبال والإعراض مُجرب ذاق العذاب في البعد عن الله.. وذاق النعيم حين اقترب من حب الله.
التائب له في كل واقعة عبرة.. إذا رأى جمعًّا ذكر القيامة.. وإذا رأى مذنبًا لكى عليه خوفًا من ذنوبه.. إذا رأى نعيمًا خاف أن يحرم الجنة.. إذا رأى نارًا ظن أنه مواقعها.
التائب.. إذا هدل الحمام بكى، وإذا صاح الطير ناح.. وإذا شدا البلبل تذكر، وإذا لمع البرق اهتز قلبه خوفًا مِمَّن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
التائب يجد للطاعة حلاوة.. يجد للعبادة طلاوة.. يجد للإيمان طعمًا.. يجد للإقبال لذة..!
التائب يكتب من الدموع قصصًا، وينظم من الآهات أبياتًا، ويؤلف من البكاء خطابًا. التائب كالأم اختلس منها طفلها ثم اختلست طفلها من يد الأعداء أتدري كم فرحتها؟ أتقدر سعادتها؟
التائب كالغائص في البحر إذا نجا من اللجة إلى الشاطئ بعد أن آيس من النجاة.
التائب كالعقيم بُشر بولد. التائب كالرجل البارز للإعدام ثم عفى عنه.. التائب أعتق رقبته من أسر الهوى، أطلق قلبه من سجن المعصية.. التائب فك روحه من شباك الجريمة، أخرج نفسه من كبر الخطيئة.. التائب كالطائر الجريح لا يختال.. كالقمر الكاسف لا يتكلم كالنجم الغابر لا يصيح.
لو رأيت التائب لرأيت جفنًا مقروحًا تبصره في الأسحار على باب الاعتذار مطروحًا، سمع قول الإله يوحي فيما يوحى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا{ [التحريم: 8].
التائب قد نحل بدنه الصيام، وأتعب قدمه القيام.. حلف بالعزم على هجر المنام.. فبذل لله جسمًا وروحًا، وتاب إلى الله توبة نصوحًا. التائب الذل قد علاه، والحزن قد وهاه، يذم نفسه على هواه؛ وبذلك صار عند الله ممدوحًا؛ لأنه تاب إلى الله توبة نصوحًا.
نسألك اللهمَّ توبةً نصوحًا نذوق بها برد اليقين، وطعم الإخلاص، ولذة الرضا، وأُنس القبول.

([1]) أخرجه الإمام أحمد في المسند (5/234) من حديث معاذ t، والترمذي (3780) – تحفة – عن ابن عمر t، دون قوله «وإن البلاء لينزل..»، وأخرجه بتمامه الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها. وحسَّنه الشيخ الألباني كما في صحيح الجامع (7739).

([2]) أخرجه الإمام أحمد (2/442)، والترمذي (3597) – تحفة – من حديث أبي هريرة - t - وصححه الشيخ الألباني، صحيح الجامع (2418).

([3]) من كتاب بنفس العنوان تأليف محمد حسين يعقوب.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

وتحسبونه هينا



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 01:25 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب