منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى القران الكريم وعلومه

منتدى القران الكريم وعلومه [خاص] بكل مايتعلق بالقرآن الكريم من تلاوة وتفسير وأحكام.

أعظم ما نزل من القرآن

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أعظم يوم abou khaled منتدى الدين الاسلامي الحنيف 1 2013-10-14 12:36 PM
أعظم عذاب ..!؟ Pam Samir ركن المرئيات والصوتيات الاسلامية 0 2013-07-03 07:33 PM
أعظم أم أبو معاذ منتدى الدين الاسلامي الحنيف 8 2013-03-24 10:03 AM
أعظم العبادات ! Pam Samir منتدى الدين الاسلامي الحنيف 9 2012-08-05 04:24 AM
أسرار القرآن العددية العدد 7 في القرآن الكريم BOUBA منتدى القران الكريم وعلومه 6 2012-07-20 09:24 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي أعظم ما نزل من القرآن

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن سورة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، يقرؤها المسلم في يومه سبعة عشر مرة وجوبًا، وهي فاتحة الكتاب، والسبع المثاني، وأم القرآن وأعظم ما نزل منه.
وقد أُفردت سورة الفاتحة بمؤلفات كثيرة قديمًا وحديثًا لأهميتها وعظم شأنها، وقد أردت في بحثي هذا ان يعيش المسلم في صحبة الفاتحة، وهو يقف بين يدي الله تعالى في صلاته، فيتعرف على رقائق ودقائق كل آية فيها، حتى يساعده على الخشوع في صلاته، ويتعرف على مقاصد السورة، ومجمل ما فصله القرآن الكريم من معانيها، ويتجنب اللحن في حروفها وألفاظها، فنحن متعبدون بسلامة الحروف وإقامتها كما نحن متعبدون بفهم معانيها والعمل بما فيها، ويتعرف المسلم أيضًا على أحكام الفاتحة الفقهية حتى لا يقع في محظور أو مكروه أو ما يخالف الأولى، إلى جوار ما يتقدم الفاتحة أو يتأخر عنها من أقوال الصلاة وأفعالها، مع التعرف على أحوال أهل الغواية والضلال، حتى يأخذ هذا بيد المسلم إلى طريق الهداية والاستقامة.
وقد اشتمل هذا المؤلف على خمسة عشر بحثًا تناولت فيها نزول السورة وأسماءها وإجمالها لما فصله القرآن، وفضلها، ومشروعية الرقية بها، وغير ذلك.
ونصحب القارئ في رحاب الصلاة مع أهم مقاصد السورة، ثم نُعرج على ما في السورة من أحكام التجويد والقراءات المتواترة والشاذة، وأخطاء التجويد التي يقع فيها بعض الناس في السورة، ومن ثم إلى إعراب ألفاظ السورة، ثم ما يتعلق بالبسملة بين القراء والفقهاء، وعلماء عدّ الآي، وحكم قراءة الفاتحة في الصلاة، وحكم الإسرار والجهر بالبسملة فيها.
ولم أجد فيما اطلعتُ عليه مؤلفًا عن سورة الفاتحة يتوخى هذه المقاصد، ولعلي بهذا أكون قد وُفقت في الإمام بجوانب سورة الفاتحة، وأسأل الله تعالى أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، ولا يخلو أحد بعد الرسل من الخطأ، ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا.


المبحث الأول: نزول السورة وأسماؤها.
المبحث الثاني: فضل سورة الفاتحة ومشروعية الرقية بها.
المبحث الثالث: مقاصد سورة الفاتحة خمسة.
المبحث الرابع: الاستعاذة.
المبحث الخامس: البسملة. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الافتتاح بالبسملة في الصلاة وغيرها.
والمطلب الثاني: التحليل اللفظي للبسملة.
المبحث السادس: البسملة بين القراء والفقهاء وعلماء عد الآي. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: البسملة عند القراء.
المطلب الثاني: البسملة عند علماء العدد.
المطلب الثالث: البسملة عند الفقهاء والمحدثين.
المبحث السابع: الحمد له.
المبحث الثامن: صفة الرحمة.
المبحث التاسع: يوم الدين.
المبحث العاشر: العبادة والاستعانة.
المبحث الحادي عشر: طلب الهداية.
المبحث الثاني عشر: أصناف الناس.
المبحث الثالث عشر: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة.
المبحث الرابع عشر: التجويد والقراءات والإعراب في سورة الفاتحة.
المبحث الخامس عشر: في رحاب الصلاة من التكبير إلى التسليم.








المبحثُ الأولُ: نُزُولُ السُّورةِ وَأَسمَاؤُها

أولًا: نزول سورة الفاتحة: الفاتحة أول سورة نزلت كاملة، دفعة واحدة، على النبي r بمكة المكرمة، على ما عليه جمهور العلماء، وقيل: إنها نزلت مرة أخرى بالمدينة المنورة حين حُولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ونزل قبلها مطلع سورة العلق والمزمل والمدثر والقلم، فهي خامس سورة في ترتيب النزول، وفيها براعة الاستهلال لافتتاح القرآن الكريم.
ويؤكد كونها نزلت بمكة، أن الصلاة فُرضت بها، وليس هناك صلاة بدون الفاتحة.
وقد جاءت الإشارة إليها في سورة مكية هي سورة الحجر في قوله تعالى: ]وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ[ [الحجر: 87] والسبع المثاني هي سورة الفاتحة على الأرجح؛ لأنها تثني في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة.
وجمهور العلماء على أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[ [العلق: 1] الآيات الخمس الأولى من سورة العلق.
والفاتحة أول سورة في ترتيب المصحف؛ لأنها تشبه ديباجة الخطبة، وتتضمن مقاصد القرآن، وهذا الترتيب للسور في المصحف، ترتيب توقيفي على الراجح؛ لأنه بأمر النبي r، وهو يختلف عن ترتيب نزول القرآن، حسب الوقائع والأحداث.
عدد كلماتها: سبع وعشرون كلمة.
وعدد حروفها: مئة وأربعون حرفًا، وقد بين النبي r أن من يقرأ القرآن، له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء.
وعدد آياتها: سبع آيات باتفاق، فمن عد البسملة آية من علماء عد أي القرآن الكريم أسقط من العدد قوله تعالى: ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[، ومن أسقط البسملة من العدد عد قوله تعالى: ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ آية، وقد عد المصحف المكي والكوفي «البسملة» آية، وأسقط ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ من العدد، وأسقط بقية علماء العدد «البسملة» وعدوا ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ آية.
والمصحف الذي بأيدينا هو المصحف الكوفي؛ لأنه برواية حفص عن عاصم الكوفي، وهو أحد المصاحف التي أرسلها عثمان t إلى الأمصار الإسلامية.
ثانيًا: أسماؤها: وقد ذكر المفسرون لسورة الفاتحة أكثر من عشرين اسمًا، ذكر القرطبي منها اثني عشر اسمًا، وعدد الزمخشري في الكشاف عشرةً منها، وذكر الألوسي في روح المعاني والسيوطي في الإتقان أنها نيف وعشرون اسمًا، ومن هذه الأسماء:
1- الفاتحة: أو فاتحة الكتاب، أي: بدايته.
2- وتسمى أم الكتاب: أو أم القرآن؛ لأن القرآن يتبعها، كما يتبع الجيش أمه، أي: رايته.
3- وتسمى سورة الحمد: أي السورة التي ذُكر فيها الحمد، كما يُقال سورة الأنفال؛ لأن السورة تُسمى باسم بعضها.
4- وتسمى السبع المثاني: لأنها سبع آيات تثنى، أي: تكرر وتُعاد في الصلاة.
5- ومن أسمائها: القرآن العظيم؛ لاشتمالها على مقاصده الأساسية.
6- وتسمى سورة الرقية: لمشروعية قراءتها في الرقية.
7- وتسمى: الشفاء والشافية والواقية؛ وكلها بمعنى الرقية.
8- ومن أسمائها: سورة الصلاة؛ لحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين...» الحديث([1]). والمراد بالصلاة: الفاتحة، وسميت سورة الصلاة؛ لأنها ركن وشرط فيها.
9- وتسمى الأساس: لأنها أساس القرآن واصله، وأول سورة منه.
10- وتسمى الكافية: أي التي تكفي عما عداها، ولا يكفي عنها ما سواها.
11- وتسمى أيضًا؛ سورة: الكنز، والنور، والتفويض، والمناجاة، وتعليم المسألة، وغير ذلك.
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «الحمد لله» أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني»([2]).
وعن أبي هريرة أيضًا أن رسول الله r قال: «هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم»([3]).

المبحث الثاني: فضل الفاتحة ومشروعية الرقية بها

أولًا: فضل سورة الفاتحة

1- إنها أعظم سور القرآن الكريم:

عن أبي سعيد بن المعلي t قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله r فلم أجب حتى صليت، ثم أتيته، فقال: «ما منعك أن تأتي؟» فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، قال: «ألم يقل الله ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ[ [سورة الأنفال: 24] ثم قال: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت: يا رسول الله، ألم تقل: «لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن»، قال: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته»([4]).
2- وسورة الفاتحة فُتح له باب خاص، ونزل بها ملك خاص، غير جبريل u

عن ابن عباس t قال: بينما جبريل u قاعد عند النبي r سمع نقيضًا من فوقه، فرفع جبريل رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف إلا أوتيته([5]).
فسورة الفاتحة نور، نزل بها ملك خاص، وفُتح لها باب خاص، وحين نزلت سمع لإبليس رنة([6]) أي: صيحة حزينة.
3- سورة الفاتحة لا يوجد مثلها في الكتب السماوية

عن أبي هريرة t أن النبي r قال لأبي بن كعب t: «أتحب أن أعلمك سورة لم يُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها؟» قال: نعم، قال: «كيف تقرأ في الصلاة؟» قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله r: «والذي نفسي بيده، ما أُنزل في التوراة وفي في الإنجيل ولا في القرآن مثلها، وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته»([7]).
4- وفي حديث أبي هريرة t قال: سمعت رسول الله r يقول: قال الله I: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ]الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ[ قال الله I: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ قال: مجدني عبدي»، وقال مرة: «فوض إلي عبدي، فإذا قال: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»([8]).
5- وعن أنس t قال: كان النبي r في مسير فنزل، ونزل رجل إلى جانبه، قال: فالتفت النبي r فقال: «ألا أخبرك بأفضل القرآن؟» قال: بلى. فتلا ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[([9]).
وجاء في الأثر: أُنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[([10]).
ومن أجل هذا الفضل الذي اختصت به سورة الفاتحة شرع الله لنا قراءتها في كل صورة من بين سور القرآن كلها، وتوقف قبول الصلاة على قراءتها، ومن لم يقرأها في الصلاة فصلاته باطلة، فضلًا عن مشروعية قراءتها في الصباح والمساء، والاستشفاء بها، ونحو ذلك.
ثانيًا: الرقية بالفاتحة: وسورة الفاتحة يُرقى بها، ويُستشفى بها من المرض، ومن العين والحمى، ولدغ الحية والعقرب، ومن كل داء وسم.
ولذا فإن من أسمائها: الشفاء والشافية والرقية والواقية والكافية.
أخرج الإمام مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري t قال: نزلنا منزلا، فأتتنا امرأة، فقالت: إن سيد الحي سليم (لدغ) فهل فيكم من راق؟ فقام معها رجل منا، ما كنا نظنه يحسن رقية، فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوه غنمًا، وسقونا لبنًا، فقلنا: أكنت تحسن رقية؟ فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب، قال: قلت: لا تحركوها (أي: الغنم) حتى نأتي النبي r فأتينا النبي r فذكرنا ذلك له، فقال: «ما كان يدريه أنها رقية؟! اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم»([11]).
وفي رواية البخاري: أن الرجل أمر له بثلاثين شاة، وأن النبي r قال: «خذوها واضربوا لي بسهم»([12]).
وفي البخاري وغيره عن ابن عباس y أن النبي r قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»([13]) أي: على قراءته في الرقية، على ألا يمتهن الإنسان ذلك ويتخذها وسيلة للتكسب، ومعاودة الرقية وبيع الماء والزيت والعسل وغير ذلك، وعلى ألا يختلي بمن يرقيها من النساء، ولا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، كأن ينفث مباشرة في صدر المرأة مثلًا.
وفي رواية أبي داود في حديث الرقية أن الراقي: أخذ يتفل على سيد الحي، ويقرأ: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ أي: سورة الفاتحة، قال: فكأنما أنشط من عقال.
وفي رواية الترمذي: أن أبا سعيد هو الذي رقاه: وأنه قرأ سورة ]الْحَمْدُ[ سبع مرات.
وكان أبو سعيد ضمن نفر من الصحابة في سفر، وقد نزلوا هذا الحي، فأبى أهله أن يضيفوهم، فلدغ سيد هذا الحي، وبحثوا له عن راقٍ أو علاج، فأبى أبو سعيد أن يرقيه إلا بأجر؛ جزاء بخلهم وعدم استضافتهم لهم([14]).
قال تعالى: ]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا[ [الإسراء: 82].
والمراد بالظالم: الكافر، فهو الذي لا ينتفع بالقرآن ولا يستفيد منه؛ لأن الله تعالى جعل هذا القرآن شفاءً ورحمة للمؤمنين لا لغيرهم، كما قال تعالى: ]فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[ [البقرة: 2].
وقال سبحانه: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ[ [يونس: 57].
وقال جل شأنه: ]قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى[ [فصلت: 44].
ثالثًا: الرقية بالتسمية وحدها:
وكما تشرع الرقية بالفاتحة، فإنها تُشرع أيضًا بالبسملة وحدها.
عن عثمان بن أبي العاص الثقفي t أنه شكا إلى رسول الله r وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله r: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته، من شر ما أجد وأحاذر»، وفي رواية «أعوذ بعزة الله وقدرته...» ([15]).
وفي حديث ابن عباس y أن النبي r قال: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله I من ذلك المرض»([16]).
رقيا جبريل للنبي r
1- عن أبي سعيد t: أن جبريل عليه السلام أتى النبي r فقال: «يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك»([17]).
2- وعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان إذا اشتكى رسول الله r رقاه جبريل u، قال: «بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين»([18]).
3- وعنها (رضي الله عنها) أن النبي r كان يقول للمريض: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا بإذن ربنا»([19]) وفي كلام النووي الآتي شرح لهذا المعنى.
قال الحافظ ابن حجر في التح: يدل على أنه r كان يتفل عند كل رقية.
ونُقل عن النووي: أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق به شيء منه، ثم مسح به الموضع العليل، أو الجريح.
قيل: إن التراب ينفع في تجفيف الجروح، وإيقاف الدم، قلت: والمواد الطبية تؤدي الغرض نفسه، أما النفث أو الريق: فلبركة أسماء الله الحسنى، وبركة الرسول r وما يُتلى من القرآن، والأدعية من الراقي، والمراد بأرضنا: أرض المدينة، والصحيح أنه يشمل كل أرض، قال القرطبي: فيه دلالة على جواز الرقى من كل الآلام([20]).

رابعًا: تلازم وعلاج:
تشتمل سورة الفاتحة على العبادة والاستعانة، وبالعبادة والاستعانة تتحقق السعادة الأبدية للعبد، وينجو من الأمراض المهلكة.
فأعظم أمراض القلب: الرياء والكبر، ودواء الرياء: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[ ودواء الكبر ]وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[.
يقول ابن تيمية: و ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[ تدفع الرياء تدفع ]وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ تدفع الكبرياء، فإذا عُوفي العبد من مرض الرياء بـ ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[ ومن مرض الكبر بـ ]وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ عُوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في ثوب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم، غير المغضوب عليهم: وهم أهل الفساد في القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، ولا الضالين: وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه، وحق لسورة تشتمل على هذا أن يستشفى بها من كل مرض، وصدق الله العظيم: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[ [يونس: 57، 58].
* * *

المبحث الثالث: مقاصد سورة الفاتحة الخمسة

اشتملت سورة الفاتحة على أهم مقاصد القرآن الكريم على وجه الإجمال، ثم فصل ما أجملته في القرآن كله؛ فقد اشتملت الفاتحة على التوحيد والعبادة وطلب الهداية، والثبات على الإيمان، وفيها أخبار وقصص الأمم السابقة، وفيها معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وقد نزل القرآن لبيان حقوق الخالق على خلقه، وحاجة الخلق إلى خالقهم، وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق.
وهذه جملة المقاصد التي جاء بها القرآن الكريم، بل التي جاءت بها الكتب السماوية والشرائع الإلهية جميعًا:
في ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ بيان لحقوق الله تعالى على خلقه.
وفي ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[ تنظيم للصلة بين المخلوق والخالق.
وفي طلب الهداية بمناجاة العبد ربه قائلًا: ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[ بيان لحاجة الخلق إلى خالقهم.
وفي ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[ إشارة إلى جميع طوائف المبطلين الخارجين عن الصراط المستقيم، وبيان أسباب هذا الخروج، وهي لا تتعدى الغضب عليهم، أو وقوع الضلال منهم.
وبهذا استحقت الفاتحة أن يطلق عليها «أم القرآن» بل «القرآن العظيم».
وقبل الإشارة إلى حقوق الخلق والخالق، وتنظيم الصلة بين العباد ورب العباد قررت السورة توحيد الله تعالى، واستحقاقه لهذه العبادة وحده دون سواه.
وبينت سورة الفاتحة أن الناس محاسبون ومجزون على أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
اشتمالها على جميع ما جاء في القرآن الكريم:
والفاتحة متضمنة لمجمل ما فصل في القرآن الكريم:
1- فالإشارة إلى توحيد الألوهية جاءت في لفظ الجلالة ]اللهِ[.
2- والإشارة إلى توحيد الربوبية جاءت في لفظ ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[.
3- والإشارة إلى الأسماء والصفات وجميع صفات الكمال جاءت في آية ]الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ[. ولفظ (الحمد)
4- والإشارة إلى اليوم الآخر، وما فيه من عدل وفضل، وما فيه من بعث وحشر ونشر، وحساب وجزاء، جاءت في آية ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[.
5- والإشارة إلى كافة أنواع العبادات والإخلاص فيها جاءت في آية]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[.
6- والإشارة إلى إثبات النبوات، وغلى قصص الأنبياء والمرسلين والصالحين، وإلى إثبات صفة القدر، وأن العبد حر مختار، والرد على أهل البدع والضلال، جاء ذلك في قوله سبحانه: ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[.
7- وجاء الحث على السير على نهج الأنبياء والصالحين والاهتداء بهديهم في قوله جل شأنه: ]صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[.
8- والحديث عن أهل الكتاب وأهل الزيغ والضلال، جاء في نهاية السورة: ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[.
وعلى هذا ففي سورة الفاتحة خمسة مقاصد:
المقصد الأول: توحيد الله سبحانه: اشتملت السورة على التعريف بالمعبود جل في علاه، على توحيد الخالق سبحانه، وتضمنت سورة الفاتحة خلاصة وجيزة لعقائد الإسلام، واجتثاث جذور الشرك التي كانت فاشية في الأمم، ومقتضى ذلك توحيد العبادة، والتوجه بها إلى الله سبحانه، فهو جل شأنه المعبود بحق دون سواه، يرشد إلى ذلك قوله تعالى ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[.
ففيها تعليم وإرشاد إلى كيفية التمجيد والثناء والحمد لله تعالى، ولا يكون ذلك إلا عن نعمة، وأهمها نعمة الخلق والإيجاد، ومن كان كذلك فهو جدير بالعبادة وحده؛ ولذلك فقد اشتملت السورة على ثلاثة أسماء لله تعالى، هي مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا، وعليها مدارها، وهي: (الله، الرب، الرحمن).
والحمد يتضمن الاعتراف بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات وتوحيدها...إلخ.
وربوبيته سبحانه لخلقه ليست مبنية على القهر والجبروت، بل مبنية على الرحمة، فهو سبحانه الرحمن الرحيم، وهذا بيان لحقيقة العلاقة بين الله تعالى وبين خلقه، وأنها مبنية على الرحمة التي تغمر الخلائق كلهم، وبخاصة العبد المؤمن.
وقد فصل القرآن الكريم جانب التوحيد، ونهى عن الشرك في عشرات السور منه، واعتنى بذلك أيما عناية، حيث كان التوحيد هو المهمة الأساس في الفترة المكية، وهي أطول مدتي الرسالة.
المقصد الثاني: الإيمان باليوم الآخر:واشتملت السورة على أهم أركان الإيمان، بعد الإيمان بالله تعالى؛ وهو إثبات المعاد والجزاء على الأعمال، والإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وسؤال وحشر ونشر وحساب وجنة ونار، وغير ذلك مما فصله القرآن الكريم في العديد من السور والآيات، لاسيما القرآن المكي، الذي يُعنى بغرس العقيدة في النفوس أولًا، في مثل جزأي (عم وتبارك).
وإذا كان في الدنيا نوع من التقاضي بين الناس، وألوان من الجزاء على الأعمال، فإن الله سبحانه هو المتفرد بالحكم العادل يوم القيامة، وهو سبحانه ملك هذا اليوم ومالكه.
ومن يملك مصير العباد، ومآلهم الدائم يوم الآخرة، فهو المالك الحقيقي لما قبله في الدنيا من باب أولى، وإذا كان في الدنيا نوع ملك لبعض ملوك الأرض، فإن الملك كله لله تعالى في الدنيا والآخرة، وهو ملك حقيقي لا يحول ولا يزول وإلى هذا يشير قوله تعالى ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[.
ويوم الدين هو يوم الحساب والجزاء، الذي يُدان فيه العباد إلى رب الأرض والسماء.
وقد أشار القرآن الكريم إلى الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر، إلى جوار العمل الصالح في كثير من آياته، وبين أن ذلك هو أساس الفوز بالسعادة الأخروية، قال تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[[البقرة: 62].
والمراد: إيمان كل أمة برسولها قبل أن تنسخ رسالته، ولا يقبل الله تعالى إيمان أي من أرباب الشرائع السابقة بعد مجيء الرسالة الخاتمة، إلا بالإيمان بمحمد r والعمل بشريعته.
قال تعالى: ]وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ [آل عمران: 85].
وما من أحد يسمع برسالة محمد r ثم لا يؤمن بها إلا مات كافرًا والعياذ بالله.
المقصد الثالث: التكاليف الشرعية: أما جانب العبادات: مما يتعلق بالصلاة والزكاة والصيام والحج والأذان والذبح والنذر والدعاء والاستغاثة والاستعاذة والرجاء والخوف والتوكل والاستعانة وما إلى ذلك، وتوجيه هذه العبادات إلى الله تعالى وحده، فقد أشار إليه قوله تعالى: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[.
وقد تضمنت هذه الآية عهدًا وثيقًا بين الناس وربهم، يحقق رسالتهم في الوجود، فلا عبادة إلا لله، ولا توكل إلا على الله، ولا استعانة إلا بالله، وقد فصّل القرآن الكريم أنواع العبادة في أكثر سوره، في حديثه عن أركان الإسلام الأربعة، وفصل القرآن الاستعانة بالله تعالى في آيات التوكل والإنابة ونحوها.
المقصد الرابع: قصص الأنبياء والمرسلين: أما جانب النبوات والرسالات في سورة الفاتحة، فيشير إليه قوله تعالى: ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[.
فالقرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، يهدي للتي هي أقوم، ويدعو إلى الطريق المستقيم، ويأمر بالعدل والقسط والوسطية والاستقامة، والسعادة في الدارين لا تتم إلا بترك الانحراف والضلال وسبل الغواية والاعوجاج، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الرسل والكتب المنزلة، والرسل هم أول الذين أنعم الله عليهم، ولا سبيل إلى هداية البشر، ولا إلى معرفة الحق من الضلال، والخير من الشر، إلا عن طريق الرسل.
وقد فصّل القرآن الكريم ما أجملته سورة الفاتحة من الحديث عن أنبياء الله ورسله في عشرات السور، إلى جانب الحديث عن الصديقين والشهداء والصالحين، مما يأخذ بيد المسلم إلى طريق الهداية وسبيل الرشاد، وطريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وهذا الجانب من قصص الأنبياء والمرسلين تناولته السور المكية، فالهداية هي التطبيق العملي لدعوة الأنبياء، وهي طريق الإنسان إلى معرفة ربه سبحانه.
ولعل هذا هو السر في اختيار هذه السورة؛ ليقرأها المسلم في صلاته وجوبًا في اليوم الواحد سبع عشرة مرة، ثم يُكثر منها في النوافل وغيرها ما شاء الله له.
المقصد الخامس: أهل الكتاب:

أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين فصّل القرآن الكريم الحديث عنهم في سوره المدنية، وأوضح زيغهم وضلالهم، وأسباب غضب الله تعالى عليهم، فقد أجملت سورة الفاتحة هذه المعاني في قوله تعالى: ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[.
ومعلوم أن مقاصد القرآن الكريم تتناول جانب العقيدة والنبوة والرسالة والعبادة والهداية، التي هي الهدف من القصص والأخبار القرآنية، وهذا ما أجملته سورة الفاتحة، وفصله القرآن الكريم.
* * *
المبحث الرابع: الاستعاذة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

1- الحكمة من التعوذ: يستعيذ المسلم بالله سبحانه من الشيطان الرجيم، في جميع أقواله وأفعاله المشروعة، وفي ذلك اعتصام بجناب الله تعالى من كيد الشيطان ومكره، واستجارة بالله سبحانه من همزه ونفخه ونفثه، كأنه يقول: أستجير بالله تعالى من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أُمرت به، أو يحثني على فعل ما نُهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله تعالى.
وأعتصم بحول الله تعالى وقوته أن يقطع هذا الشيطان – الملعون المذموم – العلاقة بيني وبين ربي، وألجأ إلى الله تعالى وألوذ بحماه، وآوي إلى ركنه الشديد أن يغويني الشيطان أو يضلني أو يفسد علي صلاتي، وفي هذه الاستعاذة إقرار بأن الشيطان عدو مبين للإنسان، كما قال تعالى: ]إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[ [فاطر: 6].
والمسلم باستعاذته بالله من الشيطان الرجيم، يعترف بعجزه وضعفه أمام حيل الشيطان ووساوسه، وأنه لا يقوى على مقاومة الشيطان وحده.
ويعترف أيضًا بقوة الله تعالى وقدرته، وأنه وحده القادر على دفع جميع الثغرات، ومنها كيد الشيطان؛ إذ لا يقدر على دفعها عن العبد إلا الله سبحانه، فالمسلم إذن يستعين بالله تعالى ويلجأ إليه ويسأله أن يدفع عنه كيد عدوه؛ حيث لا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه.
ولفظ ]الشَّيْطَانَ[ مشتق من (شَطَنَ) بمعنى (بَعُد) أي: أنه بعيد عن الخير وبعيد عن طباع البشر.
و ]الرَّجِيمِ[ بمعنى المرجوم، أي: المطرود من رحمة الله تعالى، والمطرود عن الخير كله، و(الاستعاذة) طلب العوذ بمعنى اللجوء إلى الله تعالى، واللياذ بحماه من هذا الشيطان، وقد أمرنا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند بدء القراءة فقال: ]فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[ [النحل: 98] والأمر في الآية للوجوب.
قال جعفر الصادق: إنه لابد قبل القراءة من التعوذ، وأما سائر الطاعات فإنه لا يتعوذ منها، والحكمة في ذلك أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب، أو الغيبة، والنميمة ونحو ذلك، فأمره الله تعالى بالتعوذ؛ ليعود لسانه طاهرًا، فيقرأ بلسان طاهر كلامًا أُنزل من رب طيب طاهر([21]).
إن بعض أجهزة التحليل الصوتي أو التحليل الضوئي قد تتمكن من الوصول إلى معرفة شيء من المهام العلمية، سواء رُكبت هذه الأجهزة في أقمار صناعية، أم في محطات فضائية، أم في أطباق طائرة، لكنها حين تحاول التجسس في نطاق الملأ الأعلى فإنها تكون قد سعت إلى حتفها ودحرها، ومن ثم فإن الوحي الإلهي في مأمن تام من استراق الإنس أو الجن، سواء أكان ذلك التجسس على الكوكب الأرضي أم على غيره من الكواكب ]لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ[ [الصافات: 8، 9].
2- ضعف الشيطان أمام قوة الإيمان:

وقد حمل الشيطان على عاتقه إغواء بني آدم، وإتيانهم من جميع الجهات، والقعود لهم بكل مرصد، إلا عباد الله المخلصين، الذين قويت إرادتهم، وأصبح إيمانهم أقوى من كيد الشيطان، فإنه لا سلطان له عليهم، فقد أعان الله تعالى رسوله r على شيطانه حتى أسلم، وأصبح زمامه بيد رسول الله r بحيث لا يقوى على كيده، وكذلك عمر t كان أقوى من الشيطان بقوة إيمانه، فما سلك عمر فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا غيره.
وهكذا كل مسلم قوي الإيمان، يتحصن بالله تعالى من كيد الشيطان، فيستعيد به سبحانه، ويلوذ بحماه في صباحه ومسائه، وغدوه ورواحه، وأقواله وأفعاله، ولذا: أُمرنا بقراءة المعوذات (الإخلاص والفلق والناس) في صباحنا ومسائنا، وعند النوم، وفي أدبار الصلوات، لاسيما المغرب والفجر، أي: في أول النهار وآخره، وعند النوم، وكذا قراءة آية الكرسي، وآخر سورة البقرة؛ دبر كل صلاة طلبًا للتحصن من الشيطان، فضلًا عن أن ذلك عبادة، وفيه أجر من الله تعالى.
ومن فضل الله تعالى علينا، أن الشيطان يضعف ويخنس ويبطل عمله بتلاوة آيات التحصن، نعوذ بالله تعالى من شره، قال تعالى: ]وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[ [الأعراف: 200].
وقال سبحانه: ]وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ [فصلت: 36].
وقال جل شأنه: ]وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ[ [المؤمنون: 97، 98].
3- الوسوسة في الصلاة: والاستعاذة بالله تعالى من الشيطان، تطهر القلب من كل ما يشغل العبد عن ربه، لاسيما إذا وقف بين يدي الله تبارك وتعالى يناجيه في صلاته، فهي تطرد عنه وسوسة الشيطان وهواجسه التي تنقص من أجر الصلاة أو تذهب بها.

([1]) يأتي ذكره وتخريجه في المبحث الثاني.

([2]) «صحيح سنن الترمذي» باختصار السند للشيخ الألباني (3/66) ورقم (2498)، وصحيح سنن أبي داود (131) وهو في «المسند» (9790)، والبخاري (4704).

([3]) «المسند» (9788، 9790) قال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه الطبري (1/105) وابن أبي حاتم.

([4]) أخرجه البخاري بأرقام: (4474، 5006) وأبو داود (1458) والنسائي (2/139) برقم (912) وفي «الكبرى» (8010، 11275) وهو في «جامع الأصول» (8/465) رقم (6234) و«المسند» (3/450، 4/212) برقم (15730، 17851) بإسناد صحيح على شرط الشيخين وابن ماجة (3785) والدارمي (2/445) وابن حبان (777) والبيهقي (2/368) وغيرهم.

([5]) أخرجه مسلم برقم (806) والنسائي (2/638) برقم (911) وفي «الكبرى» (8014، 8021، 10558) وابن حبان (778) والطبراني (12255) والحاكم (1/558) وانظر: «جامع الأصول» حديث رقم (6239) والترمذي: (2875) و«المسند» (2/413) عن أبي بن كعب t.

([6]) جاء هذا عن أبي هريرة عند ابن أبي شيبة (10/522) والطبراني في «الكبير» (4788) قال الهيثمي: شبيه بالمرفوع، ورجاله رجال الصحيح: «مجمع الزوائد» (6/311).

([7]) قال الترمذي (2875): هذا حديث صحيح، وهو في «صحيح سنن الترمذي» (2307) وفي «جامع الأصول» رقم (6263) ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده برقم (8682، 9345) بإسناد صحيح ورجال ثقات وبنحوه النسائي في «الكبرى» (11205) ومالك في «الموطأ» حديث رقم (6235، 6237) «جامع الأصول»، وعند ابن خزيمة (861) وصححه البغوي في «شرح السنة» (1186) وهو في صحيح الترغيب والترهيب برقم 1453.

([8]) «صحيح مسلم» برقم (395) ومصنف عبد الرزاق (2767) و«سنن النسائي الكبرى» برقم (8013) و«المسند» (7836) وأبو داود (821) وصحيح أبي داود (734) والترمذي (2953) والنسائي (908) وفي صحيح سنن النسائي (272) وابن ماجة (3784) وصحيح سنن ابن ماجة (3051) وابن حبان (776).

([9]) صحيح الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم 1454 ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

([10]) البيهقي في «الشعب» (2328) وأبو عبيد في «الفضائل» ص115 وابن مردويه، ورواه الدار قطني برقم (29) وفي سنده عبد الكريم ويزيد بن أبي خالد، متكلم فيهما.

([11]) «صحيح مسلم» برقم (2201) وفي البخاري برقم (5736، 5749).

([12]) البخاري (2276، 5007) ومسلم (2201).

([13]) البخاري (5737) والبيهقي (6/124).

([14]) ينظر: طرق الحديث وروايته في «جامع الأصول» (7/566) حديث رقم (5720).

([15]) أخرجه مسلم برقم (2202) وابن ماجة (3523) ومالك في «الموطأ» (2/942) والترمذي (2081) وأبو داود (391) وهو في «جامع الأصول» (7/564) حديث رقم (5718) وفي «المسند» (17907)، إسناده صحيح ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة 1000.

([16]) حديث صحيح أخرجه أبو داود (3106) والنسائي في عمل اليوم والليلة (1048) والطبراني في الدعاء (1114) والحاكم (1/432)، والمسند (2137، 2182) وهو حديث صحيح. كما قال محققوه، والترمذي (2083).

([17]) أخرجه مسلم (2186) والترمذي (972) وهو في «جامع الأصول» (7/563) حديث رقم (5715) وأخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (1005) وابن ماجة (3523) بأسانيد صحيحة.

([18]) في صحيح مسلم، برقم 2185 وانظر مسند أحمد (25272) وابن سعد (2/213) وعن أبي سعيد الخدري في مسلم (2186) وأبي هريرة في المسند (9757)، وهو برقم (1443) في «مختصر صحيح مسلم» للمنذري بتحقيق الألباني.

([19]) أخرجه البخاري (5745) ومسلم (2194) وأبو داود (3895) والمسند (24617).

([20]) «فتح الباري» (10/170) ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.

([21]) تفسير الفخر الرازي.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أعظم ما نزل من القرآن

عن أبي علاء: أن عثمان بن أبي العاص t أتى النبي r فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، يلبسها علي، فقال الرسول r: «ذاك شيطان يقال له: حنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني»([1]).
وقد ورد عن أبي سعيد الخدري، وعائشة (رضي الله عنها) أن النبي r إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك»([2]) ثم يقول: «لا إله إلا الله» ثلاثًا ثم يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»([3]).
وهمز الشيطان: الجنون، ونفخه: الكبر؛ لأن المتكبر ينتفخ في نفسه، ونفثه: أي الشعر المذموم؛ لأن الشعر يخرج من الفم، ويلفظه اللسان، وينفثه شياطين الإنس والجن.
4- كل متمرد من الإنس أو الجن فهو شيطان:

فهناك شيطان الإنس وشيطان الجن، وهو المتمرد من كل منهما، وكلاهما يؤذي ويضر ويغوي، فالمتمرد بعدت أخلاقه عن الخير، وابتعد عن بني جنسه، فناسب إطلاق الشيطان عليه، قال تعالى: ]وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ[ [الأنعام: 128].
وقال تعالى: ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ[ [الأنعام: 112].
ودليل إطلاق مسمى الشيطان على المتمرد من الدواب، قول عمر t وقد ركب برذونًا فتبختر به فقال: (لقد حملتموني على شيطان، والله لقد أنكرت نفسي) فناسب إطلاق الشيطان عليه.
وكل من شيطان الإنس والجن يضل ويغوي، ويتسبب في جلب الشر ودفع الخير، لكن الشيطان يكون خفيًا، يوسوس من الداخل، والإنسان يكون ظاهرًا ماثلًا أمام العينين يحسن ويزين العمل السيئ للمرء فيراه حسنًا، ويقلب الخير شرًا والمعروف منكرًا، وشيطان الإنسان يمكن مصانعته ومداراته وكف شره، بإسداء الجميل إليه وبذل المعروف له، قال تعالى: ]وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[ [فصلت: 34] وقال: ]خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ[ [الأعراف: 199].
أما شيطان الجن فلا يقدر عليه إلا قوي الإيمان، ولا يكف أذاه إلا الله سبحانه؛ لأنه شرير بطبعه، ولا يكف عن أذى خلقه، وشيطان الدواب يؤذي كذلك، من غير تعرض له بالأذى.
فكل متمرد من شياطين الإنس والجن والحيوان يؤذي، ولا يرد أذاهم إلا الله سبحانه.
وقد أمرنا سبحانه أن نستعيذ بالله، ونستعين به على كف شرورهم، فهو وحده القادر على ذلك، وفي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تحصن وكف لذلك كله.
عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي r فغضب أحدهما، فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير، فقال النبي r: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد»، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي r وقال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال: أترى بي بأس؟ أمجنون أنا؟ اذهب([4]).
5- موضع الاستعاذة في الصلاة وخارجها: وتكون الاستعاذة في الركعة الأولى فقط قبل البسملة، أي: في افتتاح الصلاة فحسب، ويؤتى بها سرًا، سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، ولا تشرع الاستعاذة في غير الركعة الأولى، أما خارج الصلاة فيسر بها حال كون القراءة سرًا، ويجهر بها حال الجهر بالقراءة، سواء أكان ذلك في بدء السورة أم في أوسطها، فإن كانت التلاوة من أول السورة خارج الصلاة فعلى القارئ أن يستعيذ ويبسمل، سواء أوقف على كل من الاستعاذة والبسملة أم وصلهما ببعضهما في نفس واحد، وسواء أوصلهما معًا بأول السورة أم قطعهما عنها.
والأولى الوقف على كل من الاستعاذة والبسملة، ثم البدء بأول السورة، فكل منهما آية، والوقوف على رؤوس الآي سنة، ولا يصح للقارئ في بدء السورة أن يستعيذ ولا يبسمل؛ لأن البسملة لابد من الإتيان بها في أول السورة، سواء أكان ذلك على اعتبار أنها آية من السورة، أم على أنها للفصل بين السور، أو للتيمن والتبرك، فيؤتى بها على كل حال.
أما إذا كانت التلاوة في وسط السورة، فللقارئ أن يأتي بالبسملة بعد الاستعاذة، وله أن يستعيذ ولا يبسمل، وينبغي ألا يقتصر على الحالة الثانية حتى لا يظن الناشئة أن الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة في وسط السورة غير جائز، وهذا غير صحيح، وسواء أكان هذا في سورة التوبة أم في غيرها، إلا أنه لا يجوز له أن يبسمل في أول سورة براءة، وله البسملة وعدمها في أثنائها.
6- أحكام الاستعاذة:

وفيما يأتي بيان لتعريفها وحكمها وصيغتها، والإسرار بها أو الجهر، وأوجهها مع البسملة:
أ- التعريف: الاستعاذة هي: اللجوء إلى الله تعالى، والاعتصام بجنابه، والتحصن به سبحانه من الشيطان الرجيم.
ب- موضعها: وإذا أراد المسلم أن يشرع في القراءة، فإنه ينبغي له أن يبدأها بالاستعاذة، بدليل قوله تعالى: ]فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[ [النحل: 98] أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، سواء أكانت القراءة من أول السورة أم في أثنائها.
جـ- صيغتها: واللفظ الوارد في سورة النحل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) هو المختار عند الجمهور في الصلاة وغيرها، وإذا زاد المسلم عليه مثل: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) كما قال تعالى: ]وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ [فصلت: 36] أو قال بعد الشيطان الرجيم: (من همزه ونفخه ونفثه) فهو جائز لحديث أبي سعيد عن رسول الله r أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»([5]).
قال تعالى: ]وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ[ [المؤمنون: 97].
وهي ليست آية من القرآن بالاتفاق.
د- حكمها: جمهور العلماء على حمل الأمر بالاستعاذة الوارد في آية سورة النحل على الندب والاستحباب، وحمله بعضهم على الوجوب بحيث لو تركها يكون آثمًا، وهو ظاهر الأمر بها ولا صارف عنه إلى الندب، سواء أكانت القراءة سرًا أم جهرًا، في الصلاة أم في غيرها، والجمهور على أن الاستعاذة سنة في الصلاة فلا تبطل بتركها.
هـ- الجهر بها: يُجهر بالاستعاذة إذا كانت قراءة القارئ جهرًا لنفسه، أو كان هناك من يستمع إليه؛ إشعارًا ببدء القراءة، وذلك في غير الصلاة، أما في الصلاة فيؤتى بها سرًا قبل البسملة في الركعة الأولى فقط سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية.
وإذا كانت هناك مقرأة، أو درس قرآني، فإن الذي يبدأ الحلقة أو الدرس يستعيذ جهرًا، ولا يلزم إعادتها من بقية من يقرؤون في الحلقة، ويرى ابن الجزري أن استعاذة كل واحد جهرًا أولى.
أقول: وكذا إن كان كل واحد منهم يقرأ من مكان مختلف، وليست القراءة متتابعة.
وإذا قُطعت القراءة لأمر يتعلق بها، أو لأمر خارج عن الإرادة، كالعُطَاس أو الكُحَة، فلا تُعاد الاستعاذة، أما إذا قُطعت لأمر لا يتعلق بالقراءة فإنها تعاد.
و- الإسرار بالتعوذ:ويسر القارئ بها إذا كانت القراءة سرًا، أو كانت في الصلاة، أو كان القارئ يقرأ مع جماعة ولم يكن هو البادئ بالتلاوة، بأن كانت القراءة موصولة في حلقة أو مجلس قرآن أو طلاب يقرءون، كل واحد يقرأ بعد الآخر، فإنه يكتفي بالاستعاذة جهرًا عند البدء بالقراءة، دون قراءتها من كل واحد فيهم.
ز- أوجه أول السورة

1- قطع الجميع: أي قطع الاستعاذة عن البسملة عن أول السورة.
2- قطع الاستعاذة عن البسملة، ووصل البسملة بأول السورة.
3- وصل الأول بالثاني وقطع الثالث (الأول: الاستعاذة، والثاني: البسملة، والثالث: أول السورة).
4- وصل الجميع: أي وصل الاستعاذة بالبسملة بأول السورة.
حـ- أول براءة: أما الابتداء بأول سورة براءة، فليس فيها إلا وجهان:
- الوقف على الاستعاذة والبدء بأول السورة دون البسملة.
- وصل الاستعاذة بأول السورة من غير بسملة كذلك.
- أما إذا وصل القارئ آخر الأنفال بأول براءة، فهو مخير بين ثلاثة أوجه وهي: وصل السورتين ببعضهما دون الاستعاذة ولا بسملة. أو الوقف على آخر الأنفال مع التنفس ثم يبدأ أول براءة أو يسكت بين السورتين سكتة خفيفة دون تنفس ثم يبدأ أول براءة.
ط- أوجه الاستعاذة أثناء السورة: ولاقتران الاستعاذة بغير أول السورة وجهان:
- الوقف على الاستعاذة، والابتداء بأول الآية.
- وصل الاستعاذة بأول الآية.
ي- أما إذا استعاذ القارئ وبسمل، وقرأ من أثناء السورة فله الأوجه الأربعة السابقة

ومن المعلوم أن القارئ مخير في وسط السورة بين الإتيان بالبسملة أو تركها، بما في ذلك (براءة) والإتيان بها أفضل، والقطع في كل الوجوه أفضل؛ لأن فيه الوقف على رؤوس الآي وهو سُنة.
الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة في أثناء السورة:

وإذا بدأ القارئ في أثناء السورة بآية تتعلق بالله تعالى، أو تتعلق برسوله r، أو تتعلق بالمؤمنين، أو بالجنة ونعيمها، ونحو ذلك، فإن المقام يقضي أن يؤتى بالبسملة بعد الاستعاذة، حتى لا يعود الضمير على الشيطان في مثل ]هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ[ [غافر: 68]، ومثل ]اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ[ [البقرة: 255]، ومثل ]هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ[ [الأحزاب: 43]، ومثل ]يَا نِسَاء النَّبِيِّ[ [الأحزاب: 30، 32] وهكذا.
أما إذا بدأ القارئ بكلام عن النار أو عن الشيطان، أو عن غير المسلمين ونحو ذلك، جاز له أن يبسمل بعد الاستعاذة، أو يكتفي بالاستعاذة.
المبحث الخامس: البسملة، ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ وفيه مطلبان:

المطلب الأول: الافتتاح بالبسملة في الصلاة وغيرها

(أ) يبدأ المسلم قراءته أو صلاته مفتتحًا ومتيمنًا ومتبركًا بـ(بسم الله)
وقد افتتح الله سبحانه القرآن الكريم بالبسملة، وافتتح كل سورة منه بها، والمسلم يبدأ جميع شؤونه الدينية والدنيوية باسم الله تعالى وحده، لا بسام ملك من الملوك، ولا باسم شعب من الشعوب، ولا أمة من الأمم، ولا عظيم من العظماء، ولا باسم مبدأ من المبادئ، أو تنظيم أو حزب، أو مذهب أو فكر.
وحينما نزل الوحي على رسول الله r، كان اللفظ الأول يتضمن الأمر بالبسملة ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ[، وفيه الإشارة إلى بدء الأمور ذات الشأن باسم الله تعالى وحده، والنبي r كان يقرأ البسملة في أول كل سورة، وفي ذلك إرشادٌ لنا أن نستفتح بالبسملة جميع شؤوننا، وكل أقوالنا وأفعالنا.
والمعنى: باسم الله أبدأ، باسم الله أفعل، باسم الله أقول، باسم الله أتحرك، باسم الله أنام، باسم الله أستيقظ، باسم الله أعمل، باسم الله أصلي، باسم الله أجامع أهلي، باسم الله آكل، باسم الله أشرب، وهكذا، ولفظ (اسم) يعم جميع الأسماء الحسنى.
فالمسلم يتبرأ من أن يكون هذا الشيء الذي يقوله أو يفعله باسمه أو باسم غيره، وإنما هو باسم الله الذي يُستمد منه العون والقوة والعناية، فلا استعانة له إلا به سبحانه، عليه توكلت، وبه أقدمت، وبه أحجمت، وقد علمنا القرآن أن نضع التوحيد مكان التثليت الذي يبدأ به النصارى شئونهم: باسم الأب والابن والروح القدس.
فاسم الجلالة ]اللهِ[ هو الاسم العلم على الذات الإلهية، وهو المألوه، أي المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية، وهي من صفات الكمال.
و ]الرَّحْمنِ الرَّحِيم[ صفتان لموصوف واحد هو الله سبحانه، بخلاف الأب والابن والروح القدس، فكل من الثلاثة عندهم علم على ذات مستقلة عن الأخرى: الله، وعيسى، وجبريل، أو مريم، والله سبحانه هو ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها، ونعم الله كلها أثر من آثار رحمته.
(ب) نتائج الافتتاح بالبسملة: والاستفتاح بالبسملة في كل شيء ذي بال يُرجى منه ثلاث نتائج:
النتيجة الأولى: الاعتقاد بأن الله تعالى سيحفظ المسلم بالبسملة من كل شر؛ لأن مجرد ذكر اسم الله تعالى فيه تيمن وتبرك، وإحالة دون وقوع الشرور، وفيه حفظ وبُعد عن نزغات الشيطان ومضالته ومغرياته.
النتيجة الثانية: أن بدء الأعمال والأقوال الصحيحة باسم الله تعالى سوف يوجه الإنسان الوجهة القويمة منذ البداية، ويأخذ بيده إلى الطريق الصحيح.
النتيجة الثالثة: أن المسلم بالبسملة سيلقى عون الله تعالى وبركته؛ لأن الله تعالى يتوجه إلى العبد إذا يمم وجهه شطره، ويأخذ بيده.
ففي البسملة تبرك واستعانة بالله تعالى وحده، وإلا كان الأمر الذي يُقدم عليه خاليًا من الخير والبركة.
(ج) ومن الأمور التي يُستحب ذكر البسملة في أولها
1- أول الحديث أو المحاضرة أو الندوة أو الاجتماع أو الخطبة، ما عدا خطبتي الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف لورود الأمر ببدئها بالحمد.
والبدء بالبسملة أول الكلام الهام مأخوذ من افتتاح القرآن باسم الله تبارك وتعالى، ويستأنس له بالأثر: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله، فهو أقطع».
وفي رواية: «أبتر» وفي رواية: «أجزم»([6]).
وفي رواية: «لا يبدأ فيه بحمد الله» بدل «بسم الله»([7]).
وفيما يلي ذكر للدعاء المقرون بالبسملة أو البسملة وحدها، في كثير من حالات المسلم اليومية:
2- عند دخول الخلاء؛ لحديث أنس t: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»([8]).
3- وعند الوضوء؛ لحديث أبي هريرة t: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»([9]).
4- وعند الأكل؛ لقول النبي r لعمر بن أبي سلمة y: «سم الله، وكل بيمينك، وكل ما يليك»([10]).
ولحديث عائشة رضي الله عنها: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: باسم الله في أوله وآخره»([11]).
5- وعند دخول المسجد؛ لحديث أبي حميد وأبي أسيد: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك»([12]).
6- وعند الخروج من المسجد: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك»([13]).
7- وعند دخول المنزل: لحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه: «بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا»([14]).
8- وعند الخروج من المنزل؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله»([15]).
9- وعند ركوب السيارة وغيرها؛ لحديث علي بن أبي طالب t: «بسم الله والحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون»([16]).
10- وعند وضع الثياب لحديث أنس رضي الله عنه: «بسم الله الذي لا إله إلا هو»([17]).
11- وعند تعطل السيارة أو الدابة ونحوهما: «بسم الله»([18]).
12- وعند القيام من النوم؛ لحديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال: وإذا استيقظ من منامه (أي: النبي r) قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور»([19]).
13- وعند الجماع؛ لما جاء في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس y أن رسول الله r قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا»([20]).
14- وعند النوم؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين»([21]).
وفي حديث حذيفة t قال: كان النبي r إذا أراد أن ينام قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا»([22]).
15- وفي الصباح والمساء كما في حديث عثمان بن عفان t أن النبي rكان يقول: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم»([23]).
16- وعند الرقية كما في حديث عثمان بن أبي العاص t أنه شكا إلى رسول الله r وجعًا يجده في جسده، فقال له رسول الله r: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، وفي لفظ: «أعوذ بعزة الله وقدرته»([24]).
17- وعند الذبح كما جاء عن أنس رضي الله عنه عن النبي r أنه كان يقول: «بسم الله، الله أكبر، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وسلم»([25]).
18- وعند إدخال الميت القبر كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال: «إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله، وعلى سنة رسول الله»([26]).
هذا: والأذكار الواردة فيما ذكرت وغيرها كثيرة، منها ما هو بلفظ (الحمد) أو لفظ (اللهم) مما لم نتعرض له هنا، وغير ذلك من مختلف الصيغ الواردة في هذا المقام مما هو في الكتب الخاصة بذلك كالأذكار للنووي، والوابل الصيب لابن تيمية، وعمل اليوم والليلة لابن السني والنسائي وغير ذلك.
* * *
المطلب الثاني: التحليل اللفظي للبسملة

اشتملت البسملة على الألفاظ التالية: الباء، اسم، لفظ الجلالة، الرحمن، الرحيم.
أولًا: الباء من لفظ ]بِسْمِ[ تدل على البدء، وهي متعلقة بفعل محذوف يناسب المقام، فالقارئ يبدأ قراءته باسم الله، والكاتب يبدأ كتابته بسم الله، وهكذا.
وقد حذفت الألف التي بعد الباء تخفيفًا؛ لكثرة استعمالها.
ثانيًا: لفظ ]بِسْمِ[ يدل على ذات من الذوات، أو معنى من المعاني، فيذكر بعده هذا الاسم أو هذا المعنى؛ كي يوضحه ويفسره، وهو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، أو هو مشتق من السمة، أي: العلامة.
ثالثًا: اسم الجلالة ]اللهِ[ وهو علم على الذات الإلهية، سبحانه وتعالى، لا يشاركه فيه غيره.
قيل: إنه اسم الله الأعظم؛ لأنه يوصف بكل الصفات، وهذا اللفظ وحده ]اللهِ[ هو العلم، وما عداه صفات له سبحانه، ويطلق عليها كلها (الأسماء الحسني) وكل اسم منها صفة في المعنى، بخلاف لفظ الجلالة فهو الاسم الوحيد الخالي من الصفة، وجميع الصفات (الأسماء الحسنى) تدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة أيضًا، ولفظ الجلالة يدل عليها كلها.
وصفات الجلال والكمال والجمال أخص باسم ]اللهِ[ تعالى.
وصفات الفعل والقدرة والتدبير والتفرد بالضر والنفع ونفوذ المشيئة وكمال القوة أخص باسم (الرب).
وصفات الإحسان والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص باسم ]الرَّحْمنِ[.
(الله) و(الإله)
الصحيح أن لفظ الجلالة (الله) غير مشتق، وأنه علم لا يطلق إلا على الذات العلية، وقيل: هو اسم مشتق من الإله، وهو المألوه المعبود، أي: المستحق لإفراده بالعبادة، لا يشاركه فيه غيره، ومعناه: المعبود بحق.
وأما الثاني (الإله): فهو يطلق على كل معبود بحق أو لا، فالأصنام تسمى آلهة، وكل ما يُعبد من دون الله يقال له: (إله) بالنسبة لمن عبده، ثم غلب لفظ (الإله) على ما يعبد بحق، وهو الله تعالى.
ولفظ (الله) لا يطلق إلا على المعبود بحق، وهو خالق هذا الكون سبحانه.
ولفظ (الإله) يطلق عليه سبحانه وعلى غيره، أي: المعبود بحق أو باطل، فهو اسم جنس لكل ما عبد.












المبحث السادس: البسملة لدى القراء والفقهاء والمحدثين وعلماء عد الآي

وفيه ثالثة مطالب:
المطلب الأول: البسملة عند القراء

أولًا: أول السورة: أجمع القراء العشرة على الإتيان بالبسملة عند الابتداء بأول كل سورة عدا براءة، بأن كان القارئ قد تنفس في نهاية السورة التي قبلها، وابتدأ بالسورة التي بعدها، أو كان مبتدئًا للقراءة أصلًا، وهذا حكم عام في جميع السور ولاسيما الفاتحة.
ثانيًا: في وسط السورة: وأما الابتداء بأواسط السور فيجوز لكل القراء الإتيان بالبسملة أو تركها، لا فرق بين براءة وغيرها.
ثالثًا: بين السورتين: وأما حكم ما بين كل سورتين، فاختلف القراء فيه على النحو التالي:
1- قرأ قالون وابن كثير وعاصم والكسائي وأبو جعفر بالفصل بالبسملة بين كل سورتين.
2- وقرأ حمزة وخلف بوصل السورتين من غير البسملة.
3- وورد عن ورش وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب ثلاثة أوجه وهي:

([1]) أخرجه مسلم كما في «جامع الأصول» ج6 رقم (4376) وهو في «صحيح مسلم» برقم (2203).

([2]) أبو داود (776) والترمذي (242) والمسند (11473، 11657) بإسناد ضعيف لتفرد (الضبعى) به – جعفر بن سليمان – وهو مختلف فيه، قال محققو المسند: قال الترمذي: وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، وقال ابن خزيمة: لا نعلم في هذا خبراً ثابتاً عن النبي r، وضعفه النووي في المجموع (3/278)وهو عند ابن ماجة (806) والحاكم (1/235) والبهيقي (2/33) وعبد الرزاق (2554) والدار قطني (1/299) وانظر الألباني في «الإرواء» (341).

([3]) ينظر: أبو داود (242) باب ما يقوله عند افتتاح الصلاة، وصحيح سنن أبي داود (701).

([4]) «المسند» (27205) قال محققوه: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والحديث في البخاري (6048) ومسلم (2610) و«الكبرى» للنسائي (10224) والطبراني في «الكبير» (6489) وابن أبي عاصم (2351) وابن حبان (5692) وشرح السنة للبغوي (1333).

([5]) قال الترمذي برقم (242): هذا أشهر حديث في هذا الباب، وانظر: الألباني في «إرواء الغليل» ج2 رقم (342) وانظر: ابن قدامة في «المغني» ج1 ص457 والحديث في «صحيح سنن أبي داود» (701) وفي سنن أبي داود (776) والبيهقي (2/35).

([6]) ضعيف، يُنظر في تخريجه والحكم عليه: «إرواء الغليل» للشيخ الألباني حديث رقم 1 وقال السيوطي: أخرجه الحافظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعاً، «الدر المنثور» (1/45) وقد روى هذا الحديث بلفظ (بسم الله) موصولاً ومرسلاً، وأخرجه الخطيب في كتابه (الجامع لآداب السامع) قال فيه السخاوي: غريب، وقال الحافظ: في سنده ضعف.

([7]) وهذه رواية أبي هريرة في «سنن النسائي الكبرى» (10255) والتحفة (15232) وأبي داود (4840) وابن ماجة (1894) و«مسند أحمد» (8712) وصحيح ابن حبان (1، 2) وفي الموارد (578) والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (494) وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (1031)، ولفظ أحمد (لا يفتتح بذكر الله).

([8]) ينظر: الأذكار، الإمام النووي ص21، وزيادة (بسم الله) أخرجها سعيد بن منصور وابن السني (20) وبدونها جاء في الصحيحين وغيرهما في «جامع الأصول» (4/312) والحديث عن أنس t في البخاري (142) ومسلم (375) وأبو داود (4، 5) والترمذي (5) والنسائي (19).

([9]) أخرجه الترمذي (25، 26) وأحمد وغيرهما بإسناد صحيح عن أبي هريرة، «صحيح الجامع الصغير» ج1 حديث رقم (444) وهو في «المسند» برقم (9418) وعن أبي سعيد (11370، 11371) ورواه أبو داود (101) عن أبي هريرة وابن ماجة (399) والطبراني في «الدعاء» (379) قال العلامة أحمد شاكر: إسناده جيد حسن.

([10]) أخرجه الشيخان عن عمر بن أبي سلمة، «الأذكار» ص199 وهو في البخاري (5376) ومسلم (2022).

([11]) «صحيح سنن الترمذي» باختصار السند للشيخ الألباني (3/158) وهو في «سنن الترمذي» (1858) وأبي داود (3767).

([12]) يُنظر الروايات الواردة في ذلك في الأذكار للنووي ص25 وقد رواه مسلم (713) والترمذي (314) وابن ماجة (722) وأبو داود (465) والنسائي (3/53) وفي «عمل اليوم والليلة» (177) وابن السني (156).

([13]) المراجع السابقة.

([14]) حسن إسناده الشيخ ابن باز في «تحفة الأخيار» ص28 وأخرجه أبو داود، كما في «مشكاة المصابيح» حديث رقم (2444، 2/755) وهو في سنن أبي داود برقم: (5096).

([15]) أخرجه أبو داود (5095) والترمذي (3426) والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (89) وهو في «مشكاة المصابيح» حديث رقم (2443، 2/754) وصحيح الترمذي (3/151).

([16]) صحيح الترمذي (3/156) و«سنن الترمذي» (3446) وأبو داود (2602) والنسائي في «اليوم والليلة» (502) وسنده صحيح.

([17]) «صحيح الجامع الصغير» (3/203) برقم (3610). وابن السني (2740).

([18]) سنن أبي داود (4/296) برقم (4982) عن أبي المليح عن رجل.

([19]) البخاري من حديث حذيفة (6314) ومسلم من حديث البراء (2711) وابن السني: (274).

([20]) أخرجه الشيخان في البخاري (141، 3271، 5165) ومسلم (1434) وأحمد برقم (1867، 2178، 2555، 2597) عن ابن عباس، ينظر «صحيح الجامع الصغير» ج2 حديث رقم (5117) و«المشكاة» (2/748) وأبو داود (5049) وابن ماجة (3880) والترمذي (3417) و«المسند» (23271) وابن حبان (5532) والسنن «الكبرى» للنسائي (10515).

([21]) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، «المشكاة» (2/736) وهو في «صحيح مسلم» برقم (2714) و«صحيح البخاري» (6320، 7393) والترمذي (3398).

([22]) البخاري (6312، 6314، 6324) وفي الأدب المفرد له (1205) يُنظر: «مشكاة المصابيح» الحديث رقم (2382) و«مختصر صحيح مسلم» حديث رقم (1897) وهو بلفظ (اللهم باسمك).

([23]) أخرجه أبو داود برقم: (5088) والترمذي برقم: (3388) وقال حسن صحيح غريب، وابن ماجه (3869) والطيالسي (79) وانظر «المسند» برقم (446، 474، 528). قال محققوه: إسناده حسن، وله طرق وألفاظ متقاربة.

([24]) «صحيح مسلم» (4/1728) برقم (2202) وأبو داود (3891) وابن ماجة (3522) والترمذي (2080) و«المسند» (16268) وابن حبان (2964) و«الكبرى» للنسائي (7504) وفي التحفة (9774).

([25]) «الأذكار» ص172 وهو في «صحيح مسلم» (1966) وأبي داود (2795) والترمذي (1494) وابن ماجة (3120).

([26]) سنن أبي داود (3/314) برقم (3213) و«المسند» (4812) قال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين: وأخرجه ابن حبان (3109، 3110) والنسائي في «الكبرى» (10860، 10861) وأبو يعلى (5755) وابن حبان (3110) قال الحاكم (1/366): هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أعظم ما نزل من القرآن

(أ) البسملة. (ب) السكت من غير تنفس ولا بسملة. (ج) وصل السورتين بدون بسملة.
ولا خلاف في أن البسملة جزء آية في سورة النمل، ولا خلاف في تركها من أول براءة لجميع القراء.
رابعًا: أوجه ما بين السورتين

إذا وصل القارئ آخر السورة بالتي بعدها أو غيرها سوى براءة فله ثلاثة أوجه:
1- قطع الجميع: أي قطع السورة عن البسملة عن أول السورة التالية.
2- قطع آخر السورة، ووصل البسملة بأول السورة الأخرى، سواء التي تليها أم لا.
3- وصل الجميع: أي وصل آخر السورة بالبسملة بأول السورة التي تليها.
ويمتنع وصل آخر السورة بالبسملة والوقف عليها، ثم الابتداء بأول السورة؛ لأن البسملة لأول السور لا لأواخرها.
خامسًا: أوجه ما بين الأنفاق وبراءة: إذا وصل القارئ آخر الأنفال بأول براءة فله ثلاثة أوجه:
1- وصل آخر الأنفال بأول التوبة بدون بسملة.
2- الوقف مع التنفس على آخر الأنفال ثم بدء براءة بدون بسملة.
3- قطع الصوت بدون تنفس على آخر الأنفال لمدة يسيرة، ثم الإتيان بأول براءة بدون بسملة.
أما إذا وصل القارئ أول سورة براءة بآخر سورة مما بعدها على غير ترتيب المصحف (كآخر الكهف مع أول براءة) فليس له إلا القطع، ويمتنع الوصل والسكت؛ لعكس ترتيب المصحف، وكذلك لو كرر السورة نفسها([1]).
وهذه الأوجه جائزة بين آخر آية سورة قبل براءة وبينها.
وترك البسملة في أول سورة براءة، لعدم تواتر الرواية بها عن رسول الله r، ولترك كتابتها في المصحف، فقد حذفت لحذفها منه، وتقرأ في سائر السور لثبوتها فيها.
أما علة الحذف؛ فقيل: لأن البسملة آية أمان، وبراءة نزلت لنقض عهد المشركين، وإعلان الحرب عليهم، وهذا لا يتناسب مع الأمان، فالبسملة رحمة وبراءة عذاب([2]).
وعدم وجود البسملة في أولها أمر توقيفي بتعليم الله لرسوله، وترتيبها بعد سورة الأنفال ثابت من العرضتين الأخيرتين للقرآن بين جبريل والرسول r، إذ عارضه القرآن كله في شهر رمضان الذي كان قبل موته r وفق ترتيب آيات سور المصحف كما هي عليه الآن، والأثر الوارد عن عثمان في ذلك وهو أن الرسول r مات دون أن يبين موضع سور براءة من القرآن أثر غير صحيح.
المطلب الثاني: البسملة عند علماء العدد

أجمع علماء عد الآي (علم الفواصل) على عدم عد البسملة آية من أوائل السور، وإن رسمت في المصحف، ومن علماء العدد من عد البسملة آية في أول الفاتحة، ومنهم من أسقطها.
وأجمع علماء العدد على أن عدد آي سورة الفاتحة إجمالًا سبع آيات باتفاق:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «الحمد لله رب العالمين) سبع آيات (بسم الله الرحمن الرحيم) إحداهن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي أم القرآن، وفاتحة الكتاب»([3]).
فهي سبع آيات على أي حال عند جميع علماء عد آي القرآن الكريم، وإن اختلفوا في تفصيل ذلك، فمن عد (البسملة) أسقط ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[، ومن عد ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ أسقط (البسملة).
وقد عد المصحف المكي والكوفي (البسملة) آية وأسقط ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[، من العدد، وعد المصحف المدني الأول والأخير والبصري والشامي ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ آية، وأسقط (البسملة) من العدد.
والمصحف الذي بين أيدينا برواية (حفص عن عاصم) الكوفي، وهو يعد (البسملة) آية من الفاتحة، ولا يعد ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ وموافقة الرسم العثماني شرط في صحة القراءة.
واختلاف علماء العدد في عد (البسملة) آية أو تركها من سورة الفاتحة هو سبب اختلاف الفقهاء في قراءتها أو عدم قراءتها، وفي الإسرار أو الجهر بها في الصلاة.
واختلاف علماء العدد مبني على اختلاف القراءات المتواترة الواردة في البسملة بين إثباتها وعدمه، وكلها صحيحة قطعية؛ لثبوتها عن رسول الله r.
واختلاف علماء الفواصل في عد أي سور القرآن بالزيادة أو النقصان يرجع إلى عد بعض الألفاظ واعتبارها آية عند بعضهم، وعدم عدها آية عند الآخرين دون نقص أو زيادة في الآيات نفسها.
مثاله: أن المصحف الكوفي يعتبر ]الْقَارِعَةُ[ الأولى آية، وغير المصحف الكوفي لا يعتبرها آية، ويسقطها من العدد، فيزيد المصحف الكوفي بذلك آية في سورة القارعة عن غيره، وليس هناك زيادة حرف ولا نقص حرف من السورة.
ومثل: ]مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[ في سورة البينة، يعدها المصحف البصري والشامي آية، ويسقطها غيرهما ويضمها للآية التي بعدها.
وسبب ذلك، أن النبي r وقف عليها مرة وتركها أخرى، أما ما وقف عليه دائمًا، أو وصله دائمًا فلا خلاف فيه.
* * *
المطلب الثالث: البسملة عند الفقهاء والمحدثين

أولًا: هل البسملة آية من القرآن أم لا؟

اختلف الفقهاء في عد البسملة آية من سورة الفاتحة، ومن أول كل سورة في القرآن، على أقوال أربعة:
الأول: مذهب مالك([4]) أنها ليست آية من القرآن، لا من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما هي للتبرك.
الثاني: مذهب أبي حنيفة أنها آية من القرآن، أُنزلت للفصل بين السور([5]).
الثالث: مذهب أحمد أنها آية من أول الفاتحة دون غيرها من السور([6]).
الرابع: مذهب الشافعي([7]) أنها آية في القرآن كله، من الفاتحة ومن غيرها في بدايات السور.
ولا خلاف في عدم وجود البسملة في أول سورة براءة، وأنها جزء من آية في سورة النمل.
ثانيًا: حكم قراءة البسملة في الصلاة سرًا وجهرًا

للفقهاء في قراءة البسملة في الصلاة والإسرار بها أو الجهر ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب مالك أنها لا تُقرأ في الصلاة المفروضة، لا سرًا ولا جهرًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها، ويجوز قراءتها في النوافل([8]).
الثاني: مذهب أبي حنيفة وأحمد([9]) أنها تقرأ سرًا في الصلاة ولا يجهر بها، وقد يجهر بها عند أحمد لمصلحة راجحة([10]).
الثالث: مذهب الشافعي أنه يُجهر بها في الصلاة الجهرية، ويُسر بها في الصلاة السرية([11]).
وسبب الخلاف في ذلك هو: هل البسملة آية من الفاتحة ومن كل سور القرآن أم لا؟ فمن ذهب إلى أنها آية أوجب قراءتها، ومن ذهب إلى أنها ليست آية، منع قراءتها، وإليك دليل كل منهم.
ثالثًا: أدلة الجهر بالبسملة في الصلاة، وكونها آية.

(أ) دليل الشافعية: استدل الشافعية على أن البسملة آية من الفاتحة وغيرها، ويجهر بها في الصلاة الجهرية بأحاديث منها:
1- حديث أم سلمة y أن النبي r قرأ في الصلاة: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[وعدها آية، وفي رواية: كان يقطع قراءته آية آية: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[([12]).
وعد البسملة آية وقطعها عما بعدها لا يُعلم إلا من الجهر بها، وقد نص الحديث على أن ذلك كان في الصلاة، ولفظ (في الصلاة) نص عليه من سمعت البسملة من الرسول r، وهي أم سلمة (رضي الله عنها) راوية الحديث.
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال: «إذا قرأتم ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[فاقرؤوا]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها»([13]).
وفي لفظ له: «]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[سبع آيات، إحداهن ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[»([14]).
ويُفهم من الحديث إطلاق لفظ ]الْحَمْدُ[على سورة الفاتحة، وأن البسملة آية منها.
3- حديث أنس t أنه سئل عن قراءة النبي r فقال: «كانت قراءته مدًا، ثم قرأ ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[»([15]).
ففي الحديث أن النبي r كان يعطي المدود الطبيعية حقها، وضرب المثل على ذلك بسورة الفاتحة، وأن النبي r كان يمد ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ مدًا طبيعيًا بمقدار حركتين.
ولا يُعلم كون البسملة آية إلا من الجهر بها، وقد نص الحديث على أن النبي r قرأ البسملة في أول الفاتحة.
4- أخرج الحاكم وغيره بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يجهر بـ ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[([16]).
5- حديث أنس أيضًا قال: بينما رسول الله r ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفي إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفًا سورة، فقرأ: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[]إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ[ ([17]).
فأثبت النبي r البسملة في أول سورة الكوثر، وهو دليل ثبوتها آية في أول السور، وغير ذلك من الأحاديث.
ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الدار قطني عن علي t أنه سئل عن السبع المثاني فقال: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[فقيل: إنما هي ست، فقال: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ أي: أن البسملة هي الآية السابعة([18]).
فهذه الأحاديث تدل على أن البسملة آية من أول كل سورة، وأنه يُجهر بها في القراءة الجهرية في الصلاة وغيرها؛ لأن النبي r قرأها جهرًا ونقلها عنه الصحابة كما سبق بيانه.
وقد أثبت الجهر بالبسملة أحاديث أخرى جاءت من طرق كثيرة لم أذكرها؛ لأن معظمها لا يخلو من مقال، وهي أكثر من طرق الإسرار بالبسملة في الصلاة.
هذا: وقد كُتبت البسملة في المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار الإسلامية، في أول كل سورة من القرآن، ما عدا براءة، وتواتر ذلك وثبت بالإجماع، ولم يُكتب في المصحف ما ليس منه مع تشدد الصحابة في ذلك، بمنع كتابة الأعشار، وأسماء السور، ونقط الإعجام، وما وُجد من ذلك أخيرًا كتب بمداد مختلف، والجهر بالبسملة أخذ به الشافعي ومن وافقه، وهو الطريق الثابت في الرسم بين دفتي المصحف.
(ب) أدلة الجمهور (الأحناف والحنابلة والمالكية): في الإسرار بالبسملة
حجة المالكية في عدم قراءة البسملة أصلًا في الفريضة، وحجة الأحناف والحنابلة في قراءتها سرًا في الصلاة الجهرية أو السرية، أحاديث؛ جاء منها: أن النبي r كان يفتتح صلاته بالحمد؛ من ذلك:
1- حديث أنس قال: صليت خلف النبي r وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[وفي رواية مسلم: لا يذكرون ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[([19]).
2- حديث عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان رسول الله r يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[([20]).
3- حديث أبي هريرة t قال: سمعت رسول الله r يقول: «قال الله I: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي»([21]) ولم يذكر البسملة.
وقال الأحناف: إن كتابة البسملة في المصحف يدل على أنها قرآن، ولا يدل على أنها آية من كل سورة.
ورأى مالك أن أهل المدينة لا يقرؤون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، فلو كانت آية من الفاتحة لوجب قراءتها معها في الصلاة، ولكنها كُتبت للتبرك وليست بقرآن.
والأحاديث المذكورة تدل على عدم قراءتها في الصلاة، وأنها ليست من الفاتحة، وإنما نزلت للفصل بين السور([22]).
4- وفي حديث أبي هريرة t أن النبي r قال: «إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غُفر له ]تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ[»([23]).
والبسملة ليست منها، وكذلك سورة الكوثر ثلاث آيات، ليست منها البسملة.
قلت: لعل الأرجح أن البسملة آية معدودة من سورة الفاتحة، وأنها نزلت للفصل بين كل سورتين كما قال الأحناف، ويؤيده حديث ابن عباس y أن رسول الله r كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت([24]).
وعن سعيد بن جبير أنهم كانوا لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت ونزلت أخرى([25]).
وعليه: فإنه يجوز الجهر بالبسملة في أول سورة الفاتحة في الصلاة وغيرها في القراءة الجهرية لعدها آية منها، وللأدلة الواردة في ذلك، وهي أحاديث صحيحة وصريحة في الحكم.
وتقرأ جهرًا كذلك للفصل بها بين السورتين كما هي في المصحف؛ ولحديث ابن عباس السابق؛ وللتيمن والتبرك؛ ومعرفة أول السورة من آخرها، وذلك حال وصل السورة بالسورة في الصلاة وغيرها.
ويجهر بها كذلك عند البدء بالسورة في الصلاة وغيرها لإجماع القراء على ذلك، ولأحاديث الجهر بها.
ويمكن تلخيص حالات الجهر فيما يأتي:
1- عند البدء بأول السورة في القراءة الجهرية.
2- عند وصل السورة بالسورة للفصل بينهما؛ حتى لا يكون القرآن كله سورة واحدة، وللتيمن والتبرك، كما في صلاة التراويح وغيرهما.
3- في أول سورة الفاتحة على سبيل الجواز في القراءة الجهرية، في الصلاة المكتوبة المسنونة، وفي غير الصلاة.

رابعًا: الجمع بين أدلة الجهر والإسرار:

أي: الجمع بين أدلة الجهر بالبسملة وأدلة الإسرار بها في الصلاة.
يبدو من مجموع الأدلة أن النبي r كان يجهر بالبسملة في أول الدعوة، ثم أسر بها بسبب استهزاء المشركين؛ فقد كانوا إذا سمعوه يقرأ البسملة في الصلاة وفيها: ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ قالوا: لا نعرف إلا رحمن اليمامة، يعنون (مسيلمة الكذاب) فكانوا يسمونه (رحمن اليمامة).
فأُمر النبي r أن يخفض صوته بالقراءة في قوله تعالى: ]وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا[([26]) [الإسراء: 110] ونص الحديث على أن النبي r كان إذا قرأ: ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ يستهزئ منه المشركون، ويقولون: (محمد يذكر إله اليمامة)([27])؛ فيكون المراد بـ(صلاتك) في الآية (البسملة).
وهذا لا يتعارض مع عموم الأمر بخفض الصوت في الصلاة بالقراءة كما في الروايات الأخرى لأسباب النزول([28])، فإن البسملة من القراءة في الصلاة.
قال الحكيم الترمذي([29]): وقد استمر العمل على ذلك بخفض الصوت بالبسملة إلى يومنا، مع عدم النسخ وزوال العلة، فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم، وإن زالت العلة([30]).
ويستفاد من ذلك: أن النبي rكان يجهر بالبسملة في أول الدعوة، ولما استهزأ المشركون منه أسر بها، ولما هاجر إلى المدينة كان يجهر بها تارة ويسر أخرى، واختلفت الروايات بناء على ذلك، وحمل أحاديث الإسرار بها على ما بعد ذلك مع زوال العلة وعدم النسخ، وهو من باب الاختلاف المباح.
ويمكن حمل أحاديث الإسرار بها أيضًا على أن النبي r يفتتح صلاته بسورة الحمد لا بلفظ ]الْحَمْدُ[ وفيه تمسك بظاهر الحديث، ويقال لسورة الفاتحة: سورة الحمد، ولا يقال لها: سورة البسملة.
قلت: والمتأمل في أحاديث أنس في الباب يجد أنها نقلت الإسرار والجهر، وكلاهما صح من طرق، فدل هذا على جوازهما معًا، وقد تمسك أهل كل بلد بما جاء في مذهبهم، وربما تعصبوا له، وهذه هي مذاهبهم في الجهر بالبسملة في الصلاة وغيرها:
1- قيل: يُسن الجهر بالبسملة، كقول الشافعي ومن وافقه.
2- وقيل: لا يسن الجهر بها، كما هو قول الجمهور من أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار.
3- وقيل: يُخير بين الجهر والإسرار، كما يُروى عن إسحاق، وهو قول ابن حزم وغيره([31]).
وقال ابن القيم: وكان النبي rيجهر بـ ]بِسْمِ اللهِ[تارة، ويخيفها أكثر مما يجهر بها([32]).
وقد أجمع العلماء على صحة صلاة من أسر ومن جهر بالبسملة([33]) على أن الجهر الدائم بالبسملة، يوحي بأن الإسرار بها لا يجوز، والإسرار الدائم بالبسملة يوحي بأن الجهر بها بدعة، فالأولى أن يسر بها تارة ويجهر بها أخرى جمعًا بين الأدلة.
خامسًا: بين القراء والفقهاء

1- لم يرو عن أحد من أئمة القراءة جواز ابتداء القراءة في أول السورة بدون البسملة سوى براءة، واختلافهم في ذلك إنما هو في حالة وصل السورتين معًا، فمنهم من أثبتها، ومنهم من حذفها.
واتفقوا جميعًا على قراءة البسملة في أول الفاتحة وإن وصلت بغيرها.
2- ولا خلاف في أن البسملة كتبت في أول كل سورة في المصحف سوى براءة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذلك، ولم يكتبوا في المصحف مثلًا (آمين) أو (صدق الله العظيم).
3- وموافقة رسم المصحف شرط في صحة القراءة، وقد كُتبت البسملة في ثلاث عشرة ومئة سورة، وهؤلاء الأئمة الأعلام أئمة القراءات هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي، شيوخًا عن شيوخ، في التلاوة والأداء، حتى وصل إلينا السند بالتواتر القطعي عن رسول الله r.
4- وعلى ذلك فإن مذهب الإمام مالك ومن معه في أن البسملة ليست آية أصلًا لا من الفاتحة ولا من غيرها لا يوافق قاعدة أصولية، ولا قراءة صحيحة، والقول بأنها ليست قرآنًا لا يتفق مع أمر النبي r لكتاب الوحي قائلًا لهم: «اجعلوها في أول كل سورة»، ويخالف رسم المصحف، وهو شرط في صحة القراءة، كما يخالف إجماع الصحابة وأئمة القراءة، وهم الناقلون للبسملة بالتواتر عن رسول الله r، ووجوه القراءات مقدمة على أقوال الفقهاء؛ لأن الفقه يستنبط منها، والقراءات قرآن منزل من عند الله تعالى.
سادسًا: بين قراءة حمزة ومذهب مالك:

1- من الثابت أن (حمزة الكوفي) وهو من القراء السبعة و(خلف العاشر) وهو آخر القراء العشرة، كل منهما يبتدئ القراءة بالبسملة كسائر القراء في أول السورة، لاسيما الفاتحة، ولكنهما يسقطان البسملة حالة وصل السورة بالسورة؛ لأن البسملة عندهما ليست آية معدودة من أول كل سورة، وإنما هي للتبرك والفصل، أما الإتيان بالبسملة في أول السورة فليعلم انتهاء السورة السابقة وابتداء السورة الآتية.
2- وعلى هذا: فلا مطعن في قراءة حمزة وخلف بالموازنة مع مذهب مالك، للفرق بينهما وبين مذهبه، ومالك لا يعد البسملة آية مطلقًا لا من الفاتحة ولا من غيرها.
3- وجميع القراء بما فيهم (حمزة وخلف) اتفقوا على الإتيان بالبسملة في أول الفاتحة، وإن وصلت بغيرها، والرواية المذكورة عن (حمزة وخلف) بوصل السورتين بدون البسملة بينهما، إنما تتناول جميع سور القرآن عدا الفاتحة.
4- قال الإمام ابن الجزري: ولذلك لم يكن بينهم – أي القراء – خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة سواء وُصلت بسورة قبلها أم ابتدئ بها([34]).
الخلاصة:
1- تقرأ البسملة في القراءة السرية، ومنها الصلاة بإجماع القراء والفقهاء، إلا مالكًا.
2- وتقرأ جهرًا بإجماع القراء واختلاف الفقهاء عند ابتداء السور، ولاسيما الفاتحة، في الصلاة الجهرية وخارج الصلاة.
3- يفصل بين السورتين بالبسملة؛ لصحة الدليل في ذلك؛ ولكون البسملة نزلت للفصل والتبرك؛ ولكتابتها في المصحف.
4- البسملة آية من الفاتحة، ويؤتى بها للفصل بين السورتين بعدها.
5- يؤتى بالبسملة جهرًا في الصلاة حال وصل السورة بالسورة للإشعار بانتهاء سورة وبدء سورة أخرى.
6- يؤتى بالبسملة في أول السورة اتفاقًا، ووسطها اختيارًا، وبين السورتين للفصل بينهما، وأثناء سورة التوبة.
7- الأوجه التي بين الأنفاق وبراءة ليس فيها بسملة؛ لعدم تواتر الرواية بنزول البسملة في أولها؛ ولعدم كتابتها في المصحف.
8- بعض الفقهاء يعد البسملة آية في القرآن الكريم، وبعضهم يعدها آية في الفاتحة فقط، وبعضهم يجعلها آية للفصل غير معدودة في القرآن كله، وبعضهم لا يجعلها آية لا في العد ولا للفصل، وهو يجانب الصواب.
9- من القراء من بسمل بين السورتين حال وصلهما، ومنهم من سكت بينهما بدون تنفس، ومنهم من وصلهما بدون البسملة.
10- عدم الإتيان بالبسملة جهرًا في أول الفاتحة أحيانًا، وحال وصل السورة بالسورة في الصلاة وغيرها، يشعر بأن قراءتها جهرًا بدعة، وهو مجانب للصواب، وفيه تعصب للمذهب، وترك للأخذ بالأدلة.
المبحث السابع: الحمدلة ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[

القرآن كتاب قيم: يُنذر ويُبشر، وفيه علم الأولين والآخرين

1- الحمد لله: ثناء أثنى الله تعالى به على نفسه ليعلمنا كيف نُثني عليه سبحانه، وكيف نشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
ومن أعظم نعم الله تعالى علينا أن مكن أجسادنا من عبادته وأداء فرائضه، وبسط لنا في الرزق ونعيم العيش، ويسر لنا الأسباب التي تؤدي إلى الخلود في دار النعيم، فالله تعالى خلق الخلق، ورزقهم، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض، وقبل نزول هذه الآية: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ لم يكن الإنسان يعرف كيف يحمد الله تعالى ويشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
يقول الطبري: الحمد لله: الشكر خالصًا لله تعالى بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بها غيره أحد؛ في توفيقنا لطاعته، وتمكن أجسامنا لأداء فرائضه مع ما قسم لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا([35]).
2- الحمد حق لله وحده: لفظ ]الْحَمْدُ[مقرونًا بالألف واللام، يستغرق جميع أنواع المحامد، فالحمد كله حق واجب لله تعالى، وهو وحده المستحق للحمد دون سواه، والحمد هو الثناء الحسن على الله تعالى بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله سبحانه الحمد بكل الوجوه، وإذا كان الإنسان لا يُحصي نعم الله تعالى عليه فكيف يستطيع أن يقوم بما يجب عليه إزاءها من شكر الله تعالى والثناء عليه وحمده؟! ومع ذلك فإن الله تعالى يعلمنا كيف نحمده.
وقد أجمع القراء العشرة على رفع الدال من لفظ ]الْحَمْدُ[؛ لأنها تدل على ثبوت الحمد واستقراره لله تعالى.
واللام في لفظ ]للّهِ[ للاستحقاق، أي: أن الحمد كله مستحق ومستقر وثابت لله تعالى على نعمه.
ومن هذه النعم ما ليس للمخلوق فيها يد: كالخلق والرزق والإحياء والإماتة..، فالجائع يحمد الله تعالى عند الشبع، والمريض يحمده سبحانه عند الشفاء، والفقير يحمده عند الغنى، والمرحوم يحمده عند العطاء، وهكذا، وهذا هو سر الجمع بين لفظ ]الْحَمْدُ[ ولفظ ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[.
ومن المحامد ما يُحمد عليها المخلوق، كشكر من صنع لك معروفًا، والحقيقة أن الله تعالى هو الذي أجرى الخير على يد العبد، وجعله سببًا مباشرًا لهذه النعمة، وذلك كحمد من أسدى إليك معروفًا، وما يثنى به على الأنبياء والصالحين، باعتبار أن الله تعالى هو الذي خلق الفاعل، وأعطاه ما فعل، وحببه إليه وقواه عليه، والعبد كان الأداة المنفذة لذلك.
ومن ذلك شكر الوالدين؛ لأنهما كانا السبب المباشر في إيجاد العبد، مع أن الله تعالى هو الذي خلق الوالد والولد، ومثل شكر المعلم، والمتصدق، وكذا من شفع لك شفاعة حسنة، أو تسبب لك في جلب خير أو دفع ضر، فهو يُحمد ويُشكر على معروفه؛ لأن الله تعالى أجراه على يديه، وهو سبحانه مصدر النعم.
3- حمد الله تعالى نوعان:
(أ) حمد مستحق واجب لذات الله I؛ لأنه متصف بصفات الكمال، وهو المانع المعطي، وهو مصدر النعم، فهو أحق بالحمد من كل محمود.
(ب) وحمد على إحسانه تعالى إلى عباده، وتفضله عليهم بالنعم، وهو نوع من الشكر.
4- حمد الناس وشكرهم: وحمد الناس وشكرهم على ما قدموه للإنسان من معروف جرى على أيديهم بفضل الله تعالى، أمر مطلوب شرعًا.
- في الحديث عن أبي هريرة tأن رسول الله rقال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»([36]).
- وفي الحديث أيضًا عن عبد الله بن عمر yأن رسول الله rقال: «... ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه بادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه»([37]).
وعدم مكافأة الناس على ما أسدوه من معروف جحد لهم، وكفر لمعروفهم عليه.
- وعن جابر بن عبد الله yقال: قال رسول الله r: «من أُعطي عطاءً فليجز به إن وجد، وإن لم يجد فليثن به، فإن من أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفر...»([38]).
فإن لم يجد العبد ما يكافئ به، فلا أقل من شكر اللسان والاعتراف بالجميل والدعاء.
وروى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله r قال: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء»([39]).
وحمد الناس قد يكون على الصفات اللازمة التي لا تنفع غير صاحبها، كما يقال: حمدته لفروسيته وبطولته، وقد يكون على الصفات المتعدية التي كون نفعها لغير فاعلها، كما يقال: حمدته لكرمه وإحسانه.
ولا يتحقق الحمد إلا بحب المحمود سبحانه، والحب يقتضي إخلاص العبادة، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وتقديم ذلك على هوى النفس، فالحمد والتوحيد أصلان متلازمان.
لذا: فإن الداعي ينبغي له أولًا أن يحمد الله تعالى وينثي عليه؛ ليكون ذلك أدعى إلى الإجابة.
ولهذا: فإن خطب الجُمع والأعياد وغيرها افتُتحت بالحمد؛ لأن الحمد هو أفضل الدعاء، وبه افتتح الله سبحانه سور: (الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر) وحمده تعالى على النعم السابقة يغلق على الحامد أبواب النيران.
وحمده تعالى على النعم المتجددة في المستقبل يفتح أبواب الجنات، فتأثيره في الماضي ستر أبواب الحجاب، وتأثيره في المستقبل يفتح أبواب معرفة الله تعالى.
5- الفرق بين الحمد والشكر: الحمد يكون باللسان، والشكر يكون بالقلب واللسان الجوارح، أي: بالقول والفعل والنية، والحمد نقيض الذم، والشكر نقيض الكفر، والحمد أعم من الشكر؛ لأن الشكر يكون مقابل النعمة، بخلاف الحمد، فإنه يكون مستحقًا لذات الله تعالى.
ويجب أن يُترجم الشكر باللسان، إلى العمل الذي يمتد إلى العقيدة والعبادة والسلوك والمعاملة، ولكي يكون المرء حامدًا لله تعالى، فلابد أن تكون أقواله وأفعاله وأحاسيسه ومشاعره وانفعالاته كلها لوجه الله تعالى، ففي ذلك دليل يشهد على صحة القول والفهم.
وحمد الله تعالى بالقلب يكون باعتقاد أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال والجلال.
وحمد الجوارح يكون بفعل ما أمره الله به، وترك ما نهى عنه.
وحمد اللسان يكون بذكر الله تعالى وشكره.
6- العموم والخصوص بين الحمد والشكر: وفي بيان العموم والخصوص بين الحمد والشكر والفرق بينهما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء أكان إحسانًا إلى الحامد أم لم يكن، والشكر لا يكون إلا على (إحسان المشكور).
فمن هذه الوجوه: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الشكر لا يكون على المحاسن والإحسان، والله تعالى يُحمد على ما له من الأسماء الحسنى، وما خلقه في الآخرة والأولى.
وأما الشكر: فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذه الوجهة، لكنه يكون بالقلب واللسان واليد، فمن هذا الوجه: الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه([40]).
فدل هذا على أن الحمد أعم من الشكر، وأن العبد إذا قال: الحمد لله والشكر لله، فإن ذلك يكون شاملًا لقمتي الثناء على الله تعالى إذا ترجم حمد اللسان وشكره إلى العمل، ومن أعظم نعم الله تعالى على العبد أن يلهمه شكره وحمده، فثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى.
قال تعالى: ]الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا[ [الكهف: 46].
7- الحمد في السنة: وهناك كثير من الأحاديث التي تُبين فضل الحمد وعظيم الأجر عليه، منها:
1- أن حمد الله تعالى يسبب رضاه:
عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله r: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها»([41]).
2- وحمد الله تعالى كلمة ثقيلة تملأ ميزان العبد بالحسنات:
عن أبي مالك الأشعري t قال: قال رسول الله r: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض...» ([42]).
3- والله تعالى يصدق عبده إذا حمده:
عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري y عن النبي r قال: «إذا قال العبد: لا إله إلا الله، له الملك وله الحمد، قال تعالى: صدق عبدي لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد»([43]).
4- وحينما يحمد العبد ربه في صلاته فإن الله تعالى يجيبه ويرد عليه:
وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي... إذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي...»([44]).
5- والحمد أفضل الدعاء، عن جابر بن عبد الله y قال: قال رسول الله r: «أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله»([45]).
6- وحمد الله تعالى يزيد النعم والعطاء، ويُعوض العبد أفضل مما أُخذ منه:
قال تعالى: ]لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ[ [إبراهيم: 7].
وعن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله r: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أُعطي أفضل مما أخذ»([46]).
7- وعن ابن عمر y أن رسول الله r حدثهم: «أن عبدًا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت على الملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى الله تعالى، وقالا: يا ربنا إن عبدًا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال: وهو أعلم بما قال عبده، ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها»([47]).
8- الملائكة تتسابق إلى كتابة أجر الحمد حين الرفع من الركوع:
عن رفاعة ابن رافع t قال: كنا نصلي وراء النبي r فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سمع الله لمن حمده» وقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: «من المتكلم آنفًا؟» قال: أنا، قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول»([48]).
وكان يحمد العبد ربه في الربع من الركوع فإنه يدعوه بين السجدتين:
عن عبد الله بن عباس y قال: إن النبي r كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني»([49]).
9- والحمد من الأدعية التي تقال في الركوع والسجود إلى جوار غيره من الأدعية، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله r يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن([50]).

([1]) الشيخ عبد الفتاح المرصفي، «هداية القارئ» ص576. والتجويد الواضح للمؤلف ص63.

([2]) ورد هذا عن ابن عباس وأنه سأل علياً فأجابه بذلك، انظر: الشيخ عبد الفتاح القاضي «الوافي بشرح الشاطبية» ص48، وانظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ج1 ص19.

([3]) الطبراني في «الأوسط» (5102) والبيهقي (2/45) واللفظ له، وقال الهيثمي: رجاله ثقات «مجمع الزوائد» (2/109).

([4]) والأوزاعي وابن جرير والطبري وداود، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وصاحبيه (أبي يوسف ومحمد).

([5]) انظر: «بدائع الصنائع للكسائي» نشر دار العربي، بيروت، سنة 1394هـ ج1 ص63، وكتاب «الاختيار لتعليل المختار» لأبي عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، دار الموفق، بيروت ط ثالثة سنة (1395)هـ، ج1 ص50.

([6]) وذلك في إحدى الرواتين عنه، وقال به إسحاق وأبو عبيدة وأهل مكة والعراق، ومحمد بن كعب وغيرهم، راجع: «المغني» لابن قدامة نشر مكتبة الرياض، ج1 ص477، ص480، والرواية الثانية لأبي حنيفة.

([7]) ورواية عن أحمد، وحكاه ابن عبد البر عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس ومكحول، وحكاه ابن كثير عن ابن هريرة وعلي وسعيد بن جبير والزهري وابن المبارك، وبعض فقهاء مكة وقرائها.

([8]) انظر: « بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد، نشر دار الكتب الحديثة بالقاهرة ج1 ص124، 133، وكتاب «الكافي في فقه أهل المدينة» لابن عبد البر، يوسف بن عبد الله القرطبي، ط أولى سنة 1398هـ مكتبة الرياض الحديثة ج1 ص201، وفيه: أن من جهر بالبسملة في الفريضة فلا حرج، ومن أهل المدينة من يقول: لابد من البسملة في الصلاة كابن عمر، وابن شهاب.

([9]) وجمهور أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار.

([10]) كجهر الإمام أحمد بها عندما صلى في المدينة للتعليم وإحياء السنة؛ نظراً لقول بعض أهل المدينة بعدم قراءتها، انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية، باب صفة الصلاة ج22 ص274.

([11]) انظر: « المجموع شرح المهذب للنووي» ط دار الفكر، ج3 ص332، و«فقه السنة» لسيد سابق، ط دار الفكر بيروت، ج1 ص115 وغيرهما.

([12]) أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي والدار قطني وأحمد والحاكم وابن خزيمة وغيرهم، انظر: تصحيحه وتخريجه للشيخ الألباني في «إرواء الغليل» ج2، حديث رقم (343) قال الدار قطني: إسناد صحيح ورواته كلهم ثقات، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن خزيمة والنووي وغيرهما، والحديث في «المسند» (26583) قال محققوه: صحيح لغيره، وهذا سند رجاله ثقات، رجال الشيخين، وهو عند أبي داود (4001) والترمذي (2927) وأبي يعلى (7022) والطبراني في «الكبير» (23/603) والدار قطني في «السنن» (1/312) والحاكم (2/231) والبيهقي في «السنن» (2/44) وابن خزيمة (493).

([13]) رواه الدار قطني برقم (1190) والبيهقي بإسناد صحيح، انظر: «صحيح الجامع الصغير» ج1 حديث (742) و«سلسلة الأحاديث الصحيحة» حديث رقم (1183) وقال ابن حجر: أخرجه الدار ق طني ورجح في العلل أنه موقوف.

([14]) عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن الدار قطني برقم (1190) وانظر: (1194).

([15]) أخرجه البخاري كما في «جامع الأصول» ج2، رقم (918) والدار قطني: برقم (1177) وفي «المسند» (12198، 13050، 14076)، وابن حبان (6316).

([16]) قال الحاكم: رواته عن آخرهم ثقات، وأقره الذهبي، ينظر: «المستدرك في الصحيحين» ج1 ص233، ورواه أيضاً الدار قطني والخطيب من طريق آخر، ينظر: «تدريب الراوي» (1/215).

([17]) أخرجه الستة، «جامع الأصول» ج2 حديث رقم (787) ورقم (919) وانظر: «صحيح الجامع» رقم (1510) وهو في مسلم (400) وأبي داود (784، 4747) والنسائي في «السنن الكبرى» (979) و«المسند» (11996).

([18]) «سنن الدار قطني» برقم (1194).

([19]) أخرجه الشيخان البخاري (743) ومن (117-127) ومسلم (399) ومن (50-52) و«المسند» (11991) ومالك وأبو داود (782) والنسائي في «الكبرى» (981) والترمذي (246) وابن ماجة (813) وابن حبان (1799) انظر: طرق الحديث في «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3419), وقد ذكر ابن رشد في « بداية المجتهد» ج1 ص133 أن أهل الحديث قالوا: إن النقل فيه مضطرب اضطراباً لا تقوم به حجة، فرُوي مرفوعاً وموقوفاً، وذكر فيه الجهر والإسرار، وأنه رُوي من عشرة طرق فيها بُعد واضطراب، وانظر: «طريق الرشد إلى تخريج أحاديث ابن رشد» للشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ج1، رقم (253) فقد قال: وروي بألفاظ متعددة لكنها متقاربة المعنى، ويصدق بعضها بعضاً، وقال الحافظ ابن حجر: إنه يصعب أن يصحب أنس النبي r عشر سنين ثم يصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمساً وعشرين سنة، فلم يسمع منهم البسملة جهراً مرة واحدة، بل لكون أنس لا يحفظ هذا الحكم؛ لبعد عهده به، انظر: «فتح الباري» ج2 ص12، 212، وصح أن أبا سلمة سأله: أكان رسول الله يقرأ البسملة أم الحمد؟ فقال للسائل: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، انظر: «الراية» لابن حجر (1/136). أما حديث عبد الله بن مغفل عن الترمذي والنسائي فمعروف بضعفه كما في تحقيق عبد القادر الأرناؤوط على جامع الأصول و«تدريب الراوي» (1/215) و«جامع الأصول» ج5 حديث رقم (4320)، وإن كان الزيلعي في «نصب الراية» قد رفع الجهالة عن ابن مغفل بسبب رواية ثلاثة من أهل الحديث عنه، فعلم من هذا أن الحديث لا يخلو من مقال، وأنه معلول المتن، قال ابن عبد البر: اختلف في ألفاظ هذا الحديث اختلاف كثير متدافع مضطرب، منهم من يقول: صليت خلف رسول الله وأبى بكر وعمر، ومنهم من يذكر عثمان، ومنهم من يقتصر على أبي بكر وعثمان، ومنهم من لا يذكر، فكانوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، ومنهم من قال: فكانوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم، قال: وهذا اضطراب لا تقوم معه صحة لأحد، عن «تدريب الراوي» (214) في شرح تقريب النووي للسيوطي، تحقيق د/أحمد عمر هاشم.

([20]) أخرجه مسلم وأبو داود «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3582) وهو في مسلم (498) وأبي داود (783) وابن ماجة (783) وابن حبان (1768) والطيالسي (1547) و«المسند» (24030) وعبد الرزاق في «المصنف» (3050)، (2540) وأبو يعلى (4667).

([21]) أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي، انظر: الحديث في «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3424) وينظر تخريجه في المبحث الثاني والسادس السابقين.

([22]) نقلاً عن الشيخ محمد علي الصابوني في «تفسير آيات الأحكام» ط ثالثة سنة 1400هـ، ج1 ص51 بتصرف.

([23]) أخرجه النسائي في «الكبرى» (10478، 11548) وأبو داود (1400) والترمذي (2891) وابن ماجة (3786) و«المسند» (7975) وابن حبان (788، 787).

([24]) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح (788) انظر: «صحيح سنن أبي داود» للشيخ الألباني ج1 ص149، حديث رقم (788) والبزار (2187) «كشف الأستار» والطبراني (12544) والحاكم (1/231) والبيهقي في «السنن» (1/513).

([25]) أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص114.

([26]) والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» عن سعيد بن جبير، قال: الهيثمي في «مجمع الزوائد» ج2 ص108: رجاله موثقون، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في «المصنف» والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس كما قال السيوطي في «الدر المنثور» ج4 ص207، وحكاه الحافظ ابن حجر عن أبي داود من طريق سعيد بن جبير، وقد أعله بالإرسال في «الدراية» (1/136) وقال في ص133: وأصله مرسل بإسناد رجال ثقات.

([27]) أخرجه الدار قطني والطبراني في «الأوسط» من طريق يحيى بن طلحة اليربوعي عن عباد بن العوام عن شريك موصولاً، وقد أخرجه البخاري من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ]وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا[ ورسول الله مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن... الحديث في «المسند» (155، 1853) وانظر: «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» لابن حجر (1/134) و«فتح الباري» (8/329).

([28]) انظرها في «الدر المنثور» 4/207 الطبعة القديمة.

([29]) محمد بن علي بن حسن بن بشير، أبو عبد الله، المؤذن، الحكيم، الترمذي، محدث، حافظ، صوفي، صاحب «نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول»، عاش إلى حدود سنة 320 نحواً من تسعين سنة (معجم المؤلفين 1/315).

([30]) نقلاً من «الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد» بتصرف ج3 ص190.

([31]) انظر: «مجموع الفتاوى» ج3 ص436.

([32]) «زاد المعاد» بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط ج1 ص206.

([33]) «تفسير ابن كثير» (1/118) الطبعة الثانية دار طيبة.

([34]) «النشر في القراءات العشر» ص262.

([35]) من تفسير الآية في سورة الفاتحة للطبري بتصرف.

([36]) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح، «جامع الأصول» حديث رقم (1033) وفي «المسند» برقم (7939، 9944) وعن الأشعث بن قيس برقم (21838، 21847) والحديث في «صحيح سنن الترمذي» (2037) و«صحيح سنن أبي داود» (4026) وفي «صحيح الجامع الصغير» (4541) و«مشكاة المصابيح» (3025).

([37]) «سلسلة الأحاديث الصحيحة» حديث رقم (254) وانظر: المسند (5703) بنحوه، صحيح لغيره كما قال محققوه، وأخرجه ابن أبي شيبة (3/228) وهو في المسند أيضاً (5365) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وفي الطيالسي (1895) والنسائي الكبرى (2348).

([38]) أخرجه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح، انظر: «جامع الأصول» حديث رقم (1032) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (4028) و«صحيح سنن الترمذي» (2120).

([39]) أخرجه الترمذي بإسناد حسن، ينظر: «جامع الأصول» حديث رقم (1031) ورقم (1037) وهو في «صحيح سنن الترمذي» (1657) و«مشكاة المصابيح» (3024) والروض النضير برقم (8).

([40]) من «تفسير سور الفاتحة» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، تحقيق د/ فهد بن عبد الرحمن الرومي.

([41]) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي، «صحيح الجامع الصغير» ج2 حديث رقم (1812) ورقمه في «المسند» (11973، 12168) بإسناد صحيح على شرط الشيخين وفي مسلم (2734)، والترمذي (1816) وفي «الشمائل» له (194) وابن أبي شيبة (10/344) و«سنن النسائي الكبرى» (6872).

([42]) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي، «صحيح الجامع الصغير» ج4 حديث (3852) ورقمه في «المسند» (22902، 22908) حديث صحيح، ومسلم (223) والترمذي (3517) والطبراني (3423) وابن ماجة (280) وابن حبان (844) وابن أبي شيبة (1/6).

([43]) يُنظر الحديث بتمامه في صحيح «سنن ابن ماجة» باختصار السند للألباني (2/317) حديث رقم (3061) وهو في السلسلة الصحيحة (1390) والتعليق الرغيب (4/165).

([44]) أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي، «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3424) وهو في مسلم (395) وأبي داود (821) والترمذي (2953) وابن ماجة (838) و«المسند» (7836) وابن حبان (1784، 1789) والنسائي في «الكبرى» (983، 7958).

([45]) أخرجه الترمذي (3383) والنسائي في «الكبرى» (10667) وابن ماجة (3800) وابن حبان (846) والبيهقي في الشعب (4371) وحسنه الألباني في صحيح «سنن ابن ماجة» (3065) والحاكم بإسناد حسن، وانظر: «صحيح الجامع» ج1 رقم (1115) والسلسلة الصحيحة (1497) والمشكاة (4306).

([46]) أخرجه ابن ماجة بإسناد صحيح (3805) كما في «صحيح الجامع الصغير» ج5 رقم (5439) وهو في صحيح «سنن ابن ماجة» (3067) والبيهقي (3067).

([47]) أخرجه أحمد وابن ماجة وإسناده متصل ورواته ثقات، ينظر «الترغيب والترهيب» (2/440) تعليق مصطفى عمارة، وأخرجه النسائي (2/220) باب فضل الحامدين، وانظر حديث أنس في المسند (12612) بنحوه، وإسناده قوي كما قال محققوه.

([48]) هذه رواية البخاري برقم (799) و«الموطأ» وأخرجه أيضاً أبو داود برقم (770) والنسائي في «الكبرى» (653) وهو في «جامع الأصول» (4/201) حديث رقم (2173) وفي «المسند» (18996) وابن حبان (1910).

([49]) أخرجه الترمذي في صحيح سننه (233) بهذا اللفظ وصحيح «سنن ابن ماجة» (898) وفي «صحيح سنن أبي داود» (756) بلفظ: (وعافني) بدل (واجبرني) بإسناد حسن وصححه الحاكم، يُنظر: «جامع الأصول» حديث رقم (2174).

([50]) أخرجه الجماعة إلا «الموطأ» والترمذي، «جامع الأصول» برقم (2157) وهو في «سنن النسائي الكبرى» (713) بهذا اللفظ وفي البخاري (794، 4293) ومسلم (219)، (484)، وأبو داود (877) وابن ماجة (889) و«المسند» (24163) وابن حبان (1929، 1930).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أعظم ما نزل من القرآن

يعني يتأول قول الله تعالى: ]فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ[ [النصر: 3].
وعنها (رضي الله عنها) قالت: افتقدت النبي r ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست، ثم رجعت، فإذا هو راكع – أو ساجد – يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت» فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر([1]).
وعن ابن أبي أوفى t قال: كان رسول الله r إذا رفع ظهره من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد»([2]).
10- والحمد لله، أحب شيء إلى الله تعالى: ففي حديث أنس أن النبي r قال: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد»([3]).
وهكذا الكثير من صيغ ]الْحَمْدُ[ التي جاءت مفردة ومضمومة مع غيرها، في كثير من مواطن الدعاء والعبادة.
رب العالمين: ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[ فإن هذه الجملة تتألف من جزأين:
]رَبِّ[ وهي تشير إلى وحدة الربوبية، فالرب سبحانه هو الذي خلق الخلق، ورباهم وحباهم بنعمه، لم يُنكر ذلك مؤمن ولا كافر ولا منافق، فالكل مقر بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر.
ولفظ ]الْعَالَمِينَ[ تشير إلى وحدة البشر؛ لأنها تنتظم الخلق جميعًا، ومنهم البشر، ومرجعهم إلى رب واحد وأم واحدة ]وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا[ [الفرقان: 54] ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[ [الحجرات: 13].
ولفظ «الرب» في اللغة يطلق على: المالك، والسيد المطاع، والمصلح، والمربي، والحاكم، والعاهل، والكفيل، والرئيس، والرقيب، والمؤسس.... وغير ذلك، والله وحده هو ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[ بكل هذه المعاني جملة وتفصيلًا، فهو سيد العوالم كلها من العرش إلى الفرش، وهو المربي لجميع العالمين، بخلقه لهم، وإنعامه عليهم، وترتبيته لهم، ورزقه لهم، وهدايته لهم، ومن ذلك تربيته لأوليائه تربية خاصة فيوفقهم للإيمان الكامل، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق، ويعصهم من الشرور والآثام.
ولا يُطلق لفظ «الرب» معرفًا غير مضاف إلا على الله تعالى، فإذا أضيف بأن قيل: رب الدار، أو رب الناقة، فإنه قد يراد به غير الله تعالى.
فالرب: هو المعبود، الخالق الرازق المالك المتصرف، المربي جميع العوالم بأصناف النعم، فقد خلقهم ورزقهم ورباهم بنعمه، وهداهم لما يحفظ حياتهم ونسلهم، وسخر بعضهم لبعض؛ لتستقيم شئون الحياة ومصالح العباد، كما سخر لهم ما في الأرض جميعًا من شمس وحيوان ونبات وغذاء...
فهو السيد المطاع، الذي لا يُطاع سواه، وهو مالك الدنيا ويوم الدين، وهو المصلح شئون خلقه، وكما هداهم الله تعالى لما يُصلح حياتهم، ويحفظ بقاءهم، هداهم أيضًا لما فيه سعادتهم في الدار الآخرة.
وقيل: إن لفظ «الرب» مشتق من التربية، بمعنى أن الله تعالى هو مربي العباد، والمدبر لأمورهم، والمصلح لشئونهم، وهذه التربية نوعان:
1- تربية عامة لجميع خلقه: فالإنسان والحيوان والنبات والجماد والطير...إلخ، كل ذلك مخلوق ومربوب لله تعالى.
2- تربية خاصة: وهي إعداد فئة من البشر إعدادًا خاصًا؛ كتربية الأنبياء والصالحين تربية روحية مسلمة من كل شر، مع وجود الصوارف والعوائق والشهوات والشبهات، وإخلاصهم له سبحانه.
7- التوحيد في آخر القرآن وأوله
(أ) اشتملت سورة الناس على توحيد الألوهية في قوله تعالى: ]إِلَهِ النَّاسِ[ كما اشتملت عليه سورة الفاتحة في قوله تعالى: ]الْحَمْدُ للّهِ[.
(ب) واشتملت سورة الناس على توحيد الربوبية في قوله: ]بِرَبِّ النَّاسِ[ كما اشتملت عليه سورة الفاتحة في قوله سبحانه: ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[.
(ج) وكلتا السورتين اشتملتا على إثبات «الملك» لله تعالى في الدنيا والآخرة في قوله تعالى: ]مَلِكِ النَّاسِ[ بسورة الناس، وقوله: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ بالفاتحة، وهما آخر وأول سورة في القرآن.
والتوحيد هو أول مأمور به في القرآن الكريم، ويناقضه الشرك وهو أول منهي عنه.
والتوحيد هو أول فاتحة القرآن الكريم وهو خاتمته.
فاسم الجلالة من ]الْحَمْدُ للّهِ[ إشارة إلى توحيد الألوهية:
ولفظ ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[ إشارة إلى توحيد الربوبية.
ولفظ ]الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ[ إشارة على توحيد الأسماء والصفات.
وهذه هي أنواع التوحيد التي قامت دلالة استقراء نصوص الشرع عليها، وفي خاتمة القرآن العظيم ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ[ فأشار سبحانه إلى توحيد في ربوبيته، وفي ألوهيته، وهما تستلزمان توحيده تعالى في أسمائه وصفاته.
والتوحيد هو الغاية من خلق الله تعالى لخلقه، قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ [الذاريات: 56] أي: يوحدوني، والتوحيد هو الغاية من بعثة الرسل والأنبياء، قال تعالى: ]وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[ [النحل: 36].
فالتوحيد هو البداية، وهو النهاية، وهو الغاية من خلق الجن والإنس، وهو الغاية من بعثة الأنبياء والرسل، وهو مفتتح القرآن، وخاتمته، وهو أول أمر فيه، ومن أجله أُسست الملة، ونُصبت القبلة، وجُردت سيوف الجهاد، وخُلقت الجنة والنار.
والمراد بـ ]الْعَالَمِينَ[ في الآية كل موجود ما عدا الله سبحانه، وهو شامل لأصناف المخلوقات في السموات والأرض، والبر والبحر، في كل زمان ومكان، وهو جمع عالم، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وهو اسم لكل أصناف الأمم؛ فالإنس عالم، والملائكة عالم، والجن عالم، والطير عالم، والنبات عالم، والجماد عالم، والدواب عالم...إلخ، وجميع العوالم مفتقرة إلى الله تعالى ومربوبة له.
قيل: وأهل كل قرن وزمان، عالم، يدل على عالم زمانه، وخصه بعضهم بمن يعقل (الإنس والجن والملائكة والشياطين).
قال تعالى: ]وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم[ [الأنعام: 38].









المبحث الثامن: صفة الرحمة ] الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [

صفتان مشتقان من الرحمة، و«الرحمن» أشد مبالغة من «رحيم» وزيادة المبنى تدل على كثرة المعنى، فهما صفتان لمعنى واحد هو «الرحمة» وهي تعني: الرقة والعطف والحنو والمغفرة، والرحمة من الله تعالى نعم وفضل، ومن الآدميين رقة وعطف ولين جانب.
قال أبو الأعلى المودودي في تفسيره لسورة الفاتحة:
«رحمن» صيغة مبالغة، وهي تعبر عن صفات الإحسان والرحمة، وتظهرها في أعلى وأرقى مراتبها، إلا أنها تعجز عن التعبير عن كمال صفات الله تعالى غير المحدودة، ولهذا أضيفت لها كلمة أخرى من نفس الأصل، وهي ]الرَّحِيمِ[؛ ليسد هذا النقص.
و]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ اسمان دالان على أن الله سبحانه ذو الرحمة الواسعة العظيمة المطلقة الشاملة التي وسعت كل شيء، رحمة عامة بجميع خلقه، ورحمة خاصة بعباده المؤمنين.
قال تعالى: ]وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ[ [الأعراف: 156، 157].
و ]الرَّحْمنِ[ صفة قائمة بذات الله I (وصف ذاتي ثابت له سبحانه.
أما ]الرَّحِيمِ[: فهي صفة تتعلق بالمرحوم، وهو (فعل الرحمة) الذي يرحم الله به عباده، ويخص به منهم المؤمنون، وهو يدل على تجدد واستمرار رحمة الله تعالى بخلقه.
و ]الرَّحْمنِ[ هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافر والمؤمن.
و ]الرَّحِيمِ[ أي: المنعم بنعم خاصة بالمؤمنين فقط، فهو تخصيص بعد تعميم.
والله سبحانه هو المنعم بجلائل النعم، وهو المنعم بدقائقها.
وقد اشتملت البسملة على ثلاثة من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا وهي: ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[، ولفظ الجلالة منها هو العلم على الذات الإلهية، و ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ صفتان للفظ الجلالة، فالله تعالى هو نفسه الرحمن الرحيم، وفيها تدرج معنوي، وتحول منطقي، من أخص الأسماء، وهو الاسم الأعظم للذات الإلهية ]اللهِ[ إلى أخص الصفات وهي ]الرَّحْمنِ[ إلى رحمة خاصة وهي ]الرَّحِيمِ[.
وقد علمنا القرآن أن نضع التوحيد مكان التثليث الذي يبدأ به النصارى شئونهم باسم الأب والابن والروح القدس، وهذه ثلاثة مختلفة، فالأب غير الابن، والابن غير الروح القدس (جبريل)، وكل واحد منهما يدل على ذات غير الذات الأخرى، فهي آلهة ثلاثة.
أما ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ فهما صفتان لذات واحدة هو الله سبحانه، كما يقال: فلان كريم شجاع عفيف...
فالأول ذات، وما بعده صفات، ويُضاف إليهما وصف رابع في الآية التي بعدها هي ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[، فهذه صفات ثلاث لموصوف واحد وهو الاسم الوحيد ]اللهِ[ المذكور أولًا.
ولفظ ]الرَّحْمنِ[ يضارع لفظ الجلالة، فلا يطلق إلا على الله سبحانه، ولا يتصف به غيره، ولا يتسمى به مخلوق.
ومن أسمائه الحسنى ما يسمى بها غيره، ومنها ما لا يسمى بها غيره، لاسيما ما كان معرفًا منها، بالألف واللام، ولفظ الجلالة هو أعظم الأسماء الحسنى، ولفظ ]الرَّحْمنِ[ هو أعظم صفات الله سبحانه، وقد جمعتهما آية الإسراء: ]قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى[ [الإسراء: 110].
فما أحرى بالمؤمنين أن يحمدوا ربهم ويشكروه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه!
وهكذا وصف الله I نفسه بأنه رحمن رحيم في (البسملة)، ثم جاء هذا الوصف نفسه في آية مستقلة بعد ذلك؛ لتأكيد هذا المعنى وتقويته، ولتثبيت الصلة بين الخالق والمخلوق، وبيان طبيعتها، وأنها تقوم على الرحمن العامة والخاصة.
وليس هذا تكرار لما جاء في (البسملة) وإنما لما ذكر سبحانه أنه رب العالمين، وكأن لفظ ]رَبِّ[ ينبئ عن معنى الكبرياء والسيادة والغلبة والقهر، فربما توهم السامع أن هذا «الرب» قهار جبار، لا يرحم العباد، فيدخل في نفسه الفزع واليأس والخوف والقنوط؛ لذلك جاءت هذه الآية.
]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ بعد ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[ لتؤكد أن الرب – جل وعلا – رحمن رحيم، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأن ربوبيته ربوبية رحمة، وليست ربوبية قهر وجبروت.
قال القرطبي في تفسيره: وصف نفسه تعالى بعد ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[ بأنه «رحمن رحيم»؛ لأنه لما كان في اتصافه برب العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمتع.
كما قال تعالى: ]نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ[ [الحجر: 49، 50].
وقال سبحانه: ]غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ[ [غافر: 3].
وقال جل شأنه: ]إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ[ [الأعراف: 167].
وقال I: ]وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ[ [الرعد: 6].
وقال أيضًا: ]اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ [المائدة: 98].
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد»([4]).
فهذه الآية ليست تكرارًا لما سبق، وإنما لها مناسبتها وضرورتها بالنسبة للآية قبلها، والآية بعدها.
فقد تدرجت السورة تدرجًا معنويًا ومنطقيًا؛ حيث بدأت بتوحيد الألوهية، ممثلًا في لفظ الجلالة ]بِسْمِ اللهِ[ وهو أخص الأسماء الحسنى، والعلم الوحيد على الذات، ثم أتبعته بأخص الصفات، وهي الرحمة العامة الشاملة للمؤمن والكافر، ثم الرحمة الخاصة بالمؤمنين، من باب الخصوص بعد العموم، أو من باب تقوية وتمام الرحمة غير المحدودة.
ثم ثنت بتوحيد الربوبية الممثل في ]رَبِّ الْعَالَمِينَ[ فهي صفات ثلاث: «رحمن، رحيم، رب» لمسمى واحد هو «الله»، وأعقبت ذلك بالرحمة ثانيًا؛ لأنه سبحانه رحمن رحيم في ألوهيته وربوبيته، فالرحمة من صفات الله تعالى، وهي قريبة من المحسنين المهتدين التائبين.
قال سبحانه: ]إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ[ [الأعراف: 56].
فمن تباعد عن الله بإحسانه، تباعد الله عنه برحمته.
قال سبحانه: ]وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ[ [الحجر: 56].
فالمهتدون يطمعون في رحمة الله تعالى بمقتضى هدايتهم.
قال تعالى: ]وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ[ [الكهف: 58، والأنعام: 133].
وقال أيضًا: ]فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ[ [البقرة: 64].
وقال جل شأنه: ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[ [الأنعام: 54].
وقال سبحانه: ]إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[ [البقرة: 143].
وقال I: ]إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[ [البقرة: 37] وغير ذلك من عشرات الآيات.
وللرحمة جوانب للخير وجوانب للشر في حياة الناس، كالرحمة التي تستدعي كف العقاب عن الظالمين، وكرحمة الأم الرعناء التي تهمل تأديب ولدها مهما أساء؛ لأن الرحمة لا تتنافى مع التأديب والعقاب المناسب، أما الله سبحانه، فإنه لا يرحم إلا في الخير، قال تعالى: ]وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ[ [المؤمنون: 118]، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلمًا ]رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ[ [غافر: 7].
فبرحمته يهدي عباده إلى سبيل السعادة، وبرحمته يغفر للمسيئين، وبرحمته يُدخل المؤمنين الجنة، وبرحمته يجيب المضطر إذا دعاه، وقد كتب الله على نفسه الرحمة، ووصف نفسه بأنه أرحم الراحمين، وخير الراحمين، وأنه سبحانه ذو رحمة واسعة، وأن رحمته وسعت كل شيء.
في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه»([5]).
وفي رواية البخاري: «جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه»([6]).
وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر بن الخطاب t قال: قدم على النبي r سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي r: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار، وهي تقدر أن تطرحه؟ قلنا: لا، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها»([7]).
فرحمة الله تعالى وسعت كل شيء، ولكن رحمته تعالى مقرونة بحكمته، وقد كتبها سبحانه للذين يتقون ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآيات الله جل وعلا، ويتبعون الرسول النبي الأمي: ]قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ[ [الأعراف: 156، 157].
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن رحمته سبقت غضبه، وأن من تقرب إلى الله شبرًا تقرب منه ذراعًا، ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، ومن أتى ربه يمشي أتاه هرولة.
ومن لقي ربه بقراب الأرض خطايا وهو لا يشرك به شيئًا لقيه بقرابها مغفرة.
* * *
المبحث التاسع: يوم الدين ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[

كلمة «مالك» مأخوذة من «المِلك» بكسر الميم، أو من «المُلك» بضم الميم، وبضمها أخص؛ لأن «الملك» بكسر اللام يكون نافذ الأمر في ملكه، وهي تدل على ذات وصفه...؛ حيث لا يوجد «ملك» بكسر اللام بدون «ملك» بضم الميم.
أما «الملك» بضم الميم، فهو يدل على الصفة والعرض، ولا يدل على الذات و«مالك» اسم فاعل تدل على الذات والصفة، أي: تدل على وجود «ملك» بضم الميم، وتدل على وجود «ملك» بكسر اللام، يملك هذا الملك.
والملك في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ لا مالك إلا هو، وإطلاق «ملك» على غير الله تعالى إنما هو على سبيل المجاز.
فالمالك هو من اتصف بصفة الملك، ومن آثارها أنه يأمر وينهي، ويثيب ويعاقب، ويتصرف في ملكه كما يشاء.
وقد أفاد القرطبي: أن «ملك» بكسر الميم صفة ذاتية لله تعالى، وأن «مالك» اسم فاعل، وهي صفة فعله سبحانه، وبضم الميم جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى:
1- ]يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[ [غافر: 16].
2- وقوله: ]وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا[ [الفرقان: 25، 26].
3- وقوله أيضًا: ]وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[ [الأنعام: 73].
وكلها تشير إلى صفة الملك، وصاحب الذات الذي يملك هذا الملك يشار إليه في الآية الأولى بقوله تعالى: ]للّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[ وفي الثانية بقوله: ]لِلرَّحْمَنِ[ وفي الثالثة: بضمير الإشارة في ]وَلَهُ الْمُلْكُ[.
1- وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: «أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة: رجل تسمى بملك الأملاك (أي: ملك الملوك) لا مالك إلا الله، وله الملك»([8]).
وفيه إشارة على عدم جواز التسمية بـ«ملك الملوك» أو بمعناها «شاهٍ شاه» إذ إن هذا من خصائص الله تعالى وحده، ولا يطلق على غيره سبحانه.
2- وعن ابن أنيس أن رسول الله r قال: «يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان»([9]).
3- وعن أبي هريرة t عن النبي r قال: «يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟»([10]).
مناسبة الآية لما قبلها: لما وصف الله تعالى نفسه بالرحمة العامة والخاصة، وأدى ذلك إلى تغليب جانب الرجاء عند العباد أتبعه ببيان أنه سبحانه هو المالك ليوم الفصل والجزاء، وأن رحمته السابق ذكرها في الآية قبلها، والعدل يوم الحساب المذكور في هذه الآية قرينان؛ ليكون المرء على وَجَلٍ من عمله، ويدرك أن لعمله يومًا تظهر له فيه ثمرته من خير أو شر، فيجمع بذلك بين الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء، حتى لا يغتر أحد في رحمة الله تعالى وشفقته، فيأمن مكر الله I، ويُهمل العمل لذلك اليوم، وحتى يعلم أنه محاسب على ما كسبت يداه، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، وعليه أن يتزود فيها بالعمل الصالح، ويحسن اختيار الزاد ليوم المعاد.
وهذه الآية: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ تتحدث عن الدار الآخرة عقب الآيتين: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ[ وهما يتحدثان غالبًا عن الحياة الدنيا، وكلا الحياتين متصل، والموت بينهما فاصل برزخي حتى يتكامل فناء العالم، والحياة الأولى هي دار العمل، والحياة الآخرة هي دار الجزاء والخلود، ولابد أن يكون الجزاء من جنس العمل، فمن وجد خيرًا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
والخلق في يوم القيامة أحوج ما يكونون إلى رحمة الله تعالى في ذلك اليوم المجموع له الناس، وذلك اليوم المشهود.
ولهذا: جاءت هذه الآية ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ بعد الآية قبلها ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[.
ولم يرد لفظ ]الرَّحْمنِ[ في القرآن الكريم إلا مصاحبًا للمواقف العصبية، كقوله تعالى: ]الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا[ [الفرقان: 26].
مناسبة الآية لما بعدها: ولعل في تقديم ]يَوْمِ الدِّينِ[ وهو الجانب الأخروي، على العبادة لله تعالى والاستعانة به في الدنيا الواردتين في ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ يفيد أن جانب الدين مقدم على جانب الدنيا.
لماذا خص يوم الدين بالذكر؟
ويوم الدين: هو يوم الحساب والجزاء على الأعمال، اليوم الذي يدان فيه الناس بأعمالهم خيرها وشرها، وفي ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الملك، وكمال العدل، الذي يعلو كل شيء، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء؛ لأنه سبحانه صاحب السلطان المطلق بقوته غير المحدودة.
وتظهر الحكمة في تخصيص يوم الدين بالذكر، في قوله تعالى: ]يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ[ [الانفطار: 19].
حيث تنقطع أملاك الخلائق كلهم، فيستوي الملوك والرعايا، والأغنياء والفقراء، الكل خاضع خاشع لله تعالى ينتظر الحساب والجزاء ]وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا[ [طه: 108].
وقد خُص يوم الدين بالملك حيث لا يدعي فيه أحد ملكًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ]يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا[ [النبأ: 38] وإلا فهو سبحانه رب العالمين، مالك للدين والدنيا؛ لأن من ملك الآخرة فهو مالك للدنيا من باب أولى، وهو سبحانه مالك الأزمنة والأمكنة جميعًا، وخص التنبيه على يوم الدين لما فيه من الأمور العظام والأهوال الجسام، والناس في أيامنا لا يكادون يذكرون الحياة الآخرة، فقد طغت عليهم الحضارة المادية؛ فأنستهم لقاء الله.
وفي الأثر: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»([11]).
(ومعنى دان نفسه أي: حاسبها).
ويوم القيامة هو أهم قضايا المؤمن التي يجب أن يهتم بها ويحاسب نفسه عليها، ويعمل في الدنيا من أجلها؛ إذ يترتب عليها السعادة الأبدية، أو الشقاء الأبدي، والعياذ بالله تعالى.
والملك الحق تام الملك، له دار عذاب هي النار، يُعذب بها من يشاء، ممن هم من أهلها، وعملوا لها في الدنيا، وله دار نعيم، أعدها لمن عمل لها في الدنيا.
وإذا قرأ العبد: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ فإنه يقف هنيهة عند نهاية كل آية منها، ينتظر جواب الله تعالى له ورده عليه وهو يقول سبحانه: «حمدني عبدي» «أثنى علي عبدي» «مجدني عبدي» وعينه تقر بمناجاته لربه، وذكر العبد أصول أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا (الله، الرحمن، الرحيم) يجعله يطير فرحًا وسرورًا بإجابة الله تعالى له.










المبحث العاشر: العبادة والاستعانة ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[

أولًا: العبادة ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[

1- نقل الكلام من أسلوب الغيبة في ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ إلى أسلوب الخطاب في ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[ من أساليب البلاغة؛ لما فيه من الالتفات، وتنوع العبارة، وتفنن القول، وفي هذا تنشيط للسامع، وإيقاظ له، وتحريك همته للاستماع.
وهذا الأسلوب مناسب بعد الثناء على الله تعالى، كأن العبد بعد أن أثنى على ربه أقبل عليه، فاقترب منه سبحانه، وحضر بين يديه، وخاطبه بقوله: ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ[.
2- وقدم المفعول وهو ]إِيَّاكَ[ على الفعل وهو ]نَعْبُدُ[ لإفادة التعظيم والاهتمام، وقصر العبادة على الله I، واختصاصها به جل شأنه دون سواه.
3- والتعبير بالنون في ]نَعْبُدُ[ بدل الهمزة في «أعبد» للإشعار بأن المسلم يناجي ربه باسم الجماعة التي انتظم بين يدي ربه في صفوفها، فهو لا يعبد الله تعالى بمفرده، ولا يناجيه ويدعوه منفردًا، وإنما يعبد ربه ويناجيه ويدعوه مع إخوانه المسلمين أن يحقق لهم خيري الدنيا والآخرة، وهو وإن صلى منفردًا إلا أنه مع إخوانه المسلمين بمشاعره وأحاسيسه وعقله وقلبه، مما يُفهم منه قيمة الجماعة وأهميتها في الإسلام، والعمل على تقويتها، ودعم الروابط والأخوة الإسلامية، والوحدة الإيمانية، والتعاون على البر والتقوى، وأنهم جميعًا كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص.
ومن هنا فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع أو خمس وعشرين درجة، فضلًا عما يتبع ذلك من أنه وهو في طريقه إلى المسجد كلما رفع قدمًا ووضع قدمًا رُفعت له درجة، وُحطت عنه خطيئة، ويتجلى هذا المظهر في صلاة الجمعة والعيدين ويبلغ قمته في وقفة عرفات.
4- تعريف العبادة: والعبادة في اللغة لها ثلاث معانٍ:
(أ) العبادة. (ب) الطاعة والتسليم. (ج) الخضوع والعبودية.
وكلها مرادة من العبد، فهو يعبد الله تعالى ويطيعه ويخضع له، ويسلم وجهه إليه.
والعبادة شرعًا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
5- العبد: والعبد هو الإنسان، حرًا كان أم رقيقًا، ذكرًا كان أم أنثى؛ لأن الجميع مربوب لله تعالى.
6- العبادة والعبودية: والعبادة أبلغ من العبودية؛ لأن العبادة غاية التذلل والخضوع والحب للمعبود، والعبودية: تمام الانقياد والطاعة لله تعالى.
فالعبادة تعني: غاية الذل والخضوع لله تعالى مع المحبة والتفاني والإخلاص للمعبود سبحانه، وهي الغاية والهدف الذي خُلق الإنسان من أجله، قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ [الذاريات: 56] وهي نوع من شكر الخالق سبحانه على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.
قال تعالى: ]بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ[ [الزمر: 66] فقرن العبادة بالشكر، وكان النبي r يصلي حتى تتفطر قدماه، ولما سئل عن السبب، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»([12]).
وقُدمت العبادة على الاستعانة من باب تقديم العام على الخاص، ولأن العبد يحتاج في جميع عبادته إلى الاستعانة بالله، فإن لم يُعنه الله لم يحصل له ما يريد من فعل الأوامر وترك النواهي.
والعبادة مطلوبة من العبد حتى يوافيه الأجل ]وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[ [الحجر: 99] واليقين هو الموت، والعبادة أعلى مراتب الدين، وأرقى درجات الطاعة حين تكون على أكمل وجه وأحسن صورة، جاء في الحديث عن معنى الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»([13]) ولابد فيها من الإخلاص الخالي من الرياء ومن الشرك، وأن تكون موافقة لهدي النبي r كي تكون سبيلًا إلى النجاة.
والعبودية هي أشرف ما ينتسب به العبد إلى ربه، وأعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى.
ولأمر ما: كان وصف النبي r بالعبودية، وشرف الإضافة والانتساب إليه سبحانه، وقد تحقق هذا الوصف للنبي r بعد شق صدره وصفاء روحه، وإعداده للالتقاء بالملائكة الكرام، وإخوانه من الرسل والأنبياء عليهم السلام، وفرضية الصلاة عليه وعلى أمته، وكان ذلك في ليلة الإسراء: ]سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[ [الإسراء: 1] وحين عُرج به r إلى السموات العلى: ]فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى[ [النجم: 10].
وجاء الوصف بالعبودية للنبي r في تشريفه بالرسالة، وهي أشرف الفضائل وأعلى المنازل ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[ [الفرقان: 1].
]وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا[ [البقرة: 23].
وهي أشرف وصف للأنبياء والمرسلين: ]وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ[ [ص: 45].
وأشرف وصف للأبرار من عباد الله: ]وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[ [الفرقان: 63].
7- شمول العبادة: وأطلقت العبادة لتشمل كل عبادة؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج والنذر والدعاء والاستعانة والاستغاثة والمحبة...إلخ.
والتعبد المطلق هو شغل كل وقت بما يناسبه من طاعة.
فإن رأى المجاهدين فهو معهم، وإن رأى الذاكرين فهو معهم، وإن رأى المتصدقين فهو معهم، وإن رأى المحسنين فهو معهم، وإن رأى الضيف قام بواجبه، وإن رأى الملهوف أغاثه، وإن كان مع الزوجة والأولاد أحسن معاملتهم، وإن رأى الجاهل أقبل على تعليمه، وإن سمع الأذان أظهر الاستجابة والتلبية، وعند تلاوة القرآن يُقبل بتدبر وخشوع، وإن وجد متخاصمين أسرع إلى الصلح بينهما، وإن قصده صاحب حاجة أو شفاعة حسنة لدى مسئول انبرى لقضائها، فهو دائمًا مسارع في سبيل الله، خادم لعباد الله.
والنية تفرق العادة من العبادة في الأكل والشرب والنوم والعمل وإتيان الرجل أهله، وغير ذلك من سائر الأقوال والأفعال، فإذا أكلت لإشباع بطنك فهو عادة، وإذا أكلت بنية التقوى على طاعة الله وعلى أداء العمل المشروع فهو عبادة، وهكذا سائر الأمور.
8- نوعا العبادة:
(أ) عبودية عامة لأهل السموات والأرض جميعًا: وهي عبودية لا خيار للعبد في تركها، كما قال تعالى: ]إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا[ [مريم: 93].
فجميع الكائنات تسبح بحمد الله: ]تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[ [الإسراء: 44].
وجميع الكائنات تسجد وتصلي لله تعالى: ]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ[ [الحج: 18].
وهذه العبادة تقع من جميع الخلائق دون تسويف ولا عصيان ولا مخالفة، عدا الإنس والجن، فبعضهم يؤمن وبعضهم يكفر.
وهذه العبادة هي مقتضى أداء الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وعدم حمل الكائنات للأمانة، معناه أداؤها فورًا دون تأخير ولا تأجيل، كما هو شأن الإنسان الذي قبل ذلك.
(ب) وعبودية خاصة بالإنسان:
وهي عبادة المطيعين لربهم، المحبين له عن طواعية واختيار، وهو مقتضى حمل الأمانة والقيام بها، ولأن من الناس من يعصي الله ويخالف الغرض الذي خلق من أجله، فقد استثنى الله سبحانه من جميع الكائنات (الإنسان) وفي حكمه (الجن) فقال سبحانه: ]وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ[ أي: لا يسجد ولا يطيع ثم قال: ]وَكَثِيرٌ[أي من الناس ]حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ[، أما سائر الكائنات فإنها تطيع بلا استثناء ]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ[ [النور: 41].
ومن قام بواجب الطاعة فهو المحب المتبع لله والرسول، ومن زعم أنه وصل إلى مقام يسقط عنه فيه العبادة فهو كافر زنديق؛ كمن يدعي أن الصلاة تسقط عنه لأمر ما؛ كادعاء نسب، أو منزلة عالية، أو أنه يصلي في الحرم وهو في بلده، يلبس على الناس دينهم، أو أنه ليس بحاجة إلى التكاليف الشرعية؛ لأنه منتهٍ عن الفحشاء والمنكر، أو لأنه من نسل الرسول r، أو من سلالة فلان أو علان، أو أن الله تعالى أسقط صلاة الجماعة عن ذرية فاطمة (رضي الله عنها)، أو غير ذلك.
9- تحقيق العبودية: ولا تتحقق العبادة إلا بأصلين عظيمين:
أحدهما: إخلاص العبادة لله تعالى دون شرك ولا رياء.
ثانيهما: متابعة الرسول r وعدم الابتداع في الدين.
قال تعالى: ]فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[ [الكهف: 110].
والعمل الصالح هو الذي لا يشوبه شرك ولا بدعة، بأن يكون عملًا خالصًا لوجه الله تعالى، صوابًا موافقًا لهدي محمد r.
والناس – بحسب هذين الأصلين – منقسمون إلى أربعة أقسام:
الأول: المخلص في عبادته، المتبع لما جاء به محمد r، وهم أهل الإخلاص والمتابعة.
الثاني: من لا إخلاص عنده ولا متابعة، فعمله ليس خالصًا لله تعالى ولا موافقًا للشرع.
الثالث: من هو مخلص لله تعالى في عبادته، ولكن على غير متابعة للرسول r عن جهل منه أو عمد.
الرابع: من كانت أعماله على المتابعة، لكنها لغير الله تعالى، كطاعة المرائين.
ولا تصح العبادة إلا إذا كانت خالصة لله تعالى، موافقة لهدي محمد r، ولا سبيل إلى النجاة إلا بذلك.
10- عبادة القلب واللسان والجوارح
وتكون العبادة بقول اللسان، واعتقاد القلب، وعمل الجوارح.
فالعبادة تنتظم الجسم والروح والعقل والقلب، وهي اسم جامع لهذه المراتب الأربع:
1- فعبادة القلب: اعتقاد ما أخبر الله به عن نفسه على لسان رسله، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته، ولقائه، وجنته وناره.
2- وعمل القلب: كمحبته لله تعالى، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء فيه، والإخلاص له، والرضى بقضاءه وقدره...إلخ.
3- وقول اللسان: تبليغ أوامر الله سبحانه، والقيام بذكره، والدعوة إليه، وبيان الحق وبطلان البدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...إلخ.
4- وأعمال الجوارح: كالصلاة، والجهاد، وأنواع الذكر؛ كالتسبيح والتكبير والتهليل، ومساعدة العاجز، وكثرة الخطى إلى المساجد، وإصلاح ذات البين...إلخ.
والأعمال الصادرة من القلب واللسان والجوارح إما أن تكون واجبة، أو محرمة، أو مستحبة، أو مكروهة، وإليك الأمثلة:
1- واجب القلب: كالإخلاص والمحبة، والتوكل.
ومحرمات القلب: كالعجب والرياء والكبر.
2- واجب اللسان: كالنطق بالشهادتين، ورد السلام، وتلاوة ما يلزم من القرآن.
والمستحب: كالذكر، ومطلق التلاوة. والمكروه: كالكلام بما لا فائدة فيه.
والحرام: كالغيبة والنميمة والكذب والبهتان والسب والفحش.
وعبودية الجوارح مقسمة على الحواس الخمس:
كوجوب الإنصات لخطبة الجمعة، وتلاوة القرآن عند قصد السماع... وتحريم سماع الكفر والبدعة والمعازف... واستحباب سماع العلم... وتحريم النظر بشهوة إلى الأجنبيات... واستحباب النظر في كتب العلم... وكراهية فضول النظر... وذوق الطعام واجب عند الاضطرار، وحرام إن كان مسكرًا، ومكروه إن كان مشتبهًا فيه. وكذلك الشم واللمس... إلخ.
قال تعالى: ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا[ [الإسراء: 36].
11- السعادة في العبادة:
والعبادة الحقة تُترجم إلى أعمال صالحة يؤديها القلب واللسان والجوارح، وهي تحقق للعبد السعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ]مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[ [النحل: 97].
وهذه العبادة الصحيحة من شأنها أنها ترفع أسباب الشقاء التي تعاني منها الإنسانية اليوم، ومن أهمها:
اتخاذ الهوى والشيطان معبودين من دون الله بإتباع إشارته، وتنفيذ مطلوبه، والافتتان بمظاهر الحياة، وتقليد المجتمع في الصغيرة والكبيرة من فتنة الشهادات الدراسية، والمناصب الرفيعة، وتحصيل الأموال، والمساكن الفاخرة، والفرش الوثيرة، ونظر النساء إلى غيرهن في الذهب والفضة والضرورات والكماليات.
ولا بأس بكل ذلك إن صحبه الخلق والدين وجاء من حله، ولم يكن سببًا للتطاول على الآخرين، وكان في مقدور الإنسان، أما أن يستدين الناس ويتحملوا ما لا يطيقون، أو تمتد أيديهم إلى الحرام في سبيل المظاهر الخادعة، ومواكبة المجتمع، وتقليد الناس، فسبب ذلك هو الفراغ الديني.
لقد أصبح الناس يقاسون بما يركبون من سيارات ونحوها، وما يسكنون من قصور وغيرها، وما يخدمون من خدم وحشم، وما يلبسون من ثياب، وهكذا، فترتفع النظرة إليهم بارتفاع القيمة المادية، وتنخفض بانخفاضها، وينصرف الناس عن المقياس الحقيقي مقياس الدين والخلق والتقوى والعمل الصالح، وهو ميزان التفاضل عند رب العالمين، قال تعالى: ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[ [الحجرات: 13] ولقد عرف السلف هذه الحقيقة، ولم تفتنهم مظاهر الحياة، فكانت لهم شخصيتهم المستقلة، فسادوا في الدنيا، وسعدوا في الآخرة.
ثانيًا: الاستعانة ]وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[
والاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، ففيها طلب المعونة من الله تعالى؛ لدفع العجز، وللمساعدة على ما يعجز المستعين عن أدائه، وفيها اعتراف بتقصير العبد حال وقوفه بين يدي الله تبارك وتعالى، وطلبه منه سبحانه الاستعانة والهداية.
فكأن العبد يقول: نحن ننشد عونك يا رب، ونطلب مساعدتك، ونتوجه إليك، ونسألك قضاء حاجاتنا وأداء متطلباتنا، وفي ذلك عهد بين العبد وربه ألا يستعين إلا به سبحانه، وفيه تبرؤ من الحول والطول والقوة، وفيه تفويض الأمر لله تعالى، كما قال تعالى: ]فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ[ [هود: 123] أي: استعن به واعتمد عليه سبحانه.
وقد جمعت هذه الآية بين العبادة والاستعانة، وهي الوسيلة للقيام بعبادته جل شأنه، فإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها، وفي ذلك طلب العون من الله تعالى، فإن مما يدعو به المسلم عقب الصلاة كما جاء في حديث معاذ t: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»([14]).
والاستعانة هي الوسيلة التي يتم بها الحصول على خيري الدنيا والآخرة، وأطلقت الاستعانة لتشمل كل استعانة مشروعة؛ كالاعتماد على الله تعالى، والتوكل عليه، والدعاء والرجاء، وطلب المدد، وقضاء الحاجات.
وطلب الاستعانة لا يقتصر على التوفيق في العبادة، بل يشملها ويشمل غيرها، وكل ذلك مختص بالله تعالى.
والاستعانة نوعان:
1- نوع خاص بالله تعالى: لا يُطلب إلا منه I، ولا يُقصد غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه؛ كالاستعاذة، والمدد، وجلب الخير، ودفع الضر، وإجابة الدعاء، والاستغاثة، وطلب النجاح والشفاء، وطلب الولد والرزق.
ومن استعان بولي أو نبي فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو اتخذه واسطة بينه وبين ربه؛ فقد أشرك بالله تعالى.
2- ونوع هو في مقدور الناس: كالاستعانة بشخص في حمل شيء لا يستطيع حمله، أو الاستعانة به في إنهاء معاملة أو مصلحة مشروعة، أو الاستعانة به في أن يشفع له شفاعة حسنة لدى مسئول للتوصل إلى حقه، أو لدفع الضرر عنه، كذلك كل ما يعجز عنه الإنسان في أمور الدنيا ويحتاج إلى مساعدة غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي تدخل في قدرة الإنسان وتصرفه، فهي استعانة جائزة مشروعة.
الأخذ بالأسباب: وكلمة الاستعانة تُشعر بوجوب العمل، والأخذ بالأسباب؛ لأن الاستعانة طلب العون من الله تعالى على أداء عمل أو إتمامه، وذلك في كل ما للإنسان فيه كسب؛ كطلب الشفاء من الله تعالى مع بذل سبب العلاج وأخذ الدواء، وطلب الرزق مع بذل السبب، وطلب النصر على العدو مع مجاهدته وإعداد العدة، وطلب النجاح في الامتحان من الله تعالى مع الجد والاجتهاد في تحصيل الدروس، وهكذا.
وكل من ترك الأخذ بالأسباب يكون قد جانب الصواب، وكل من اعتمد على الله تعالى دون أن يبذل الأسباب فقد أخطأ الاعتقاد، فإن العبد لا يستغني عن العون الإلهي مهما أوتي من قوة وحصافة، ولابد له من العمل والتوكل، ولا ينفع التوكل بدون عمل، ولا ينفع عمل بدون توكل واستعانة.
وقد اشتملت هذه الآية ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ على توحيد الربوبية والاستعانة به I، وهي أفضل الوسائل للإعانة على العبادة، والتعبد يكون باسم الله، واسم الرحمن، واسم الرب، والمسلم يعبد الله تعالى بألوهيته، ويستعين بربوبيته.
عن الحسن: أن الله تعالى أنزل مئة وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة هن: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[([15]).
وإذا قرأ العبد ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ وعند التلفظ بـ ]وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ تغمره السكينة والطمأنينة؛ لأنه قد توكل على الله، وألقى إليه مقاليد أموره في الدنيا والآخرة؛ لعينه سبحانه على الوصول إليها.
* * *
المبحث الحادي عشر: طلب الهداية ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[

(أ) الهداية في الآية بمعنى: طلب التوفيق والإرشاد إلى الحق، والدلالة عليه، والثبات على الصراط إلى الممات.
والمعنى: ألهمنا يا ربنا ووفقنا وأرشدنا ودلنا على طريق الخير والهدى والفلاح. وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى وإلى جنته بمعرفة الحق والعمل به ولزوم دين الإسلام وترك ما سواه.
(ب) المناسبة: ولما كان الجانب الديني في الاستعانة المذكورة في الآية قبلها هو الأهم، كان طلب المسلم للهداية أهم ما ينبغي على العبد أن يُلح في دعائه لله تعالى بشأنه؛ لأن طلب الهداية من الله تعالى، والاستعانة به سبحانه على تحقيقها، أهم ما يشغل المسلم، وأول أمر يعنيه هو الحاجة إلى الهداية، والعبد وإن كان من المهتدين إلا أنه محتاج ليل نهار إلى سؤال الهداية من ربه، وتثبيته عليها، وازدياده منها، واستمراره عليها، وهو مفتقر في كل ساعة إلى إجابة الدعاء.
ومن هنا فإن المسلم يردد طلب الهداية من الله تعالى، وهو يناجيه في صلاته كلها، فريضة أو نافلة، آناء الليل وأطراف النهار وما بين ذلك، عشرات المرات في اليوم الواحد.
قال ابن القيم: ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، أجل المطالب لنيل أشرف المواهب، علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يدي الدعاء حمده سبحانه، والثناء عليه، وتمجيده، ثم ذكرهم عبوديته وتوحيده، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم:
1- توسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته.
2- توسل إليه بعبوديته والاستعانة به سبحانه.
وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء.
وقد اشتملت سورة الفاتحة في نصفها الأول على هذين النوعين من التوسل، ثم كان الدعاء بعدهما في النصف الثاني، بطلب الهداية من الله تعالى، وسلوك طريق الذين أنعم الله عليهم بالاستقامة والسعادة في الدارين.
وقد جمعت سورة الفاتحة بين التوسل بالحمد والثناء، والتوسل بالتوحيد والعبودية، ثم جاء سؤال أهم المطالب، وهو طلب الهداية بعد هاتين الوسيلتين، فالداعي حينئذ حقيق بالإجابة بمحض فضل الله تعالى عليه.
فنصف سورة الفاتحة الأول يشتمل على نوعي التوسل المشروع؛ وهما: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، والتوسل إليه سبحانه بالعبادة والعمل الصالح.
وقد جاء النوع الأول في حمد الله تعالى والثناء عليه وتمجيده.
وجاء النوع الثاني في توجه العبد بعبادته إلى الله وحده واستعانته به سبحانه.
وبعد ذلك يكون العبد حريًا بإجابة الدعاء، وقد طلب من ربه أن يهديه إلى أعدل الطرق وأقومها، ويبعده عن طريق أهل الغضب والضلال، بعد أن قدم بين يدي ربه دواعي الإجابة، فيكون جديرًا بالهداية.
1- فالتوسل المشروع يكون بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العليا، كما قال تعالى: ]وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[ [الأعراف: 180] أي: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى.
كأن يقول العبد: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي، وكما في حديث الرجل الذي سأل ربه الجنة في تشهده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
وهو حديث أنس رضي الله عنه أن النبي r سمع رجلًا يقول في تشهده: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، فقال r: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى»([16]).
فهذا توسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته.
2- ويكون التوسل المشروع أيضًا بالعبادة والعمل الصالح الذي قدمه العبد بنفسه، كما في قصة الثلاثة الذين آواهم الغار وانطبقت عليهم الصخرة، فدعا كل منهم ربه بعمل صالح عمله، حيث دعا الأول ربه ببره لوالده، ودعا الثاني بحفظ الأمانة وتنميتها لصاحبها، ودعا الثالث بترك شهوته خوفًا من الله تعالى، بعد أن تمكن من المرأة، وقعد بين شعبها الأربع، فرفع الله عنهم الصخرة، والحديث في الصحيحين.
ومن ذلك قوله تعالى: ]الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[ [آل عمران: 16] وقوله تعالى: ]رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ[ [آل عمران: 193].
ومن ذلك حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمع النبي r رجلًا يدعو ويقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب»([17]).
فهذا توسل إلى الله تعالى بعمل صالح هو الشهادة والتوحيد.
(ج) والهداية تتعدى بنفسها وبغيرها:
1- الهداية قد تتعدى بنفسها، كما قال تعالى: ]وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[ [البلد: 10] أي: طريق الخير والشر.
2- وقد تتعدى الهداية باللام، كما قال تعالى على لسان أهل الجنة: ]الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ[[الأعراف: 43].
أي: الحمد لله الذي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلًا.
3- وقد تتعدى الهداية بإلى، كما قال تعالى: ]وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[ [الشورى: 52، 53].
وقد فرق بعضهم بين الفعل المتعدي بنفسه؛ فقالوا: معناه الدلالة على الخير، وبين المتعدي بغيره؛ فقالوا: معناه إيصال الخير إلى العبد.
(د) طلب الزيادة من الهداية: والمهتدي يطلب من الله تعالى زيادة الهدى، كما قال سبحانه: ]وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ[ [محمد: 17].
وكما قال جل شأنه: ]إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[ [الكهف: 13].
(هـ) أنواع الهداية؛ الهداية نوعان:
النوع الأول: خلق الهداية وإيجادها في نفس العبد.
وهذه الهداية خاصة بالله تعالى لا يملكها غيره، وعلى هذا المعنى يُحمل مثل:
1- قول الله تعالى: ]إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[ [القصص: 56].
2- وقوله سبحانه: ]إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ[ [النحل: 37].
3- وقوله جل شأنه: ]وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ[ [يونس: 99].
والله تعالى لا يهدي من سبق في عمله أنه لا يهتدي من أهل الضلال والزيغ والظلم، كما قال تعالى: ]وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ[ [البقرة: 26].
وكما قال سبحانه: ]وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[ [الصف: 7] وقال أيضًا: ]فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ[ [الصف: 5] ففسقهم وظلمهم وزيغهم وكرفهم هو السبب.
النوع الثاني: الهداية بمعنى الدعوة إلى الله تعالى، والدلالة على الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا النوع من الهداية، هو وظيفة الرسل والأنبياء والدعاة والمصلحين، وهي المرادة في قوله تعالى: ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[.
وفي قوله تعالى: ]وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[ [الشورى: 52، 53].
(و) ومن الهدايات التي يطلبها العبد من ربه، أن يطلب منه:
1- الهداية بالتوبة عن المعاصي مما ألم به من ذنوب وآثام اقترفها وهو على غير هدى.
2- ويطلب منه أن يهديه؛ بمعنى يوفقه إلى الثبات والاستمرار على الاستقامة إن كان مهتديًا في حاضره.
3- ويطلب من الله تعالى أن يهديه في المستقبل كما حصل له من الهداية في الماضي.
4- ويطلب أن يزيده الله هداية فوق هدايته، وتقوى على تقواه.
5- ويطلب منه أن يوفقه إلى تمام الهداية في الأمور التي هُدي فيها من وجه دون وجه.
فالمسلم يطلب من ربه أن يهديه في جميع أنواع هذه الهدايات إلى أفضل الأحوال.
أ- وأهل هذه الهداية المختصون بنعمته سبحانه هم من عرفوا الحق وعملوا به.
ب- دون من عرفوا الحق ولم يعملوا به، ممن غضب الله عليهم؛ بسبب النكوص بعد الاهتداء.
ج- ودون من فقدوا طريق الهداية، فعبدوا الله بغير علم، فضلوا وأضلوا، ولم يوفقوا إلى الوصول إليه.
وقد كان النبي r يطلب من ربه وهو متوجه إليه في صلاته، أن يهديه إلى أعدل الطرق وأقومها، ويعلمنا ذلك، فكان يقول في دعاء استفتاح الصلاة:

([1]) هذه رواية مسلم برقم (485) والنسائي، أخرجه أيضاً «الموطأ» والترمذي وأبو داود، «جامع الأصول» برقم (2159) وهو في «المسند» (25178) وفي «سنن النسائي الكبرى» (721، 10159).

([2]) أخرجه مسلم عن ابن عباس برقم (1906) مختصراً وعن أبي سعيد الخدري (477) مطولاً وأخرجه الترمذي وأبو داود، ينظر روايات الحديث في «جامع الأصول» (4/199) حديث رقم (2168) وفي «سنن النسائي الكبرى» برقم (657، 659).

([3]) البيهقي في «شعب الإيمان» (4367) وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1795).

([4]) «صحيح مسلم» برقم (2755) و«صحيح البخاري» برقم (6469) بنحوه.

([5]) لفظ مسلم برقم (2752) وانظر: «صحيح البخاري» برقم (6000، 6469).

([6]) «اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان» حديث رقم (1751) وهو في البخاري برقم (6000) ومسلم برقم (2752).

([7]) «اللؤلؤ والمرجان» حديث رقم (1750) وهو في البخاري (5999) وفي مسلم (2754).

([8]) أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي، «صحيح الجامع الصغير» ج1 حديث رقم (235) وهو في البخاري (6205، 6206) ومسلم (2143) وفي «صحيح سنن الترمذي» (2283) وفي «صحيح سنن أبي داود» (4150).

([9]) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد عن جابر بن عبد الله عن ابن أنيس قبل الحديث رقم (7481) ك (97) ب (32).

([10]) أخرجه البخاري برقم (4812، 6519، 7382) ومسلم (2787).

([11]) أخرجه أحمد برقم (17123) بإسناد ضعيف، كما قال محققوا المسند، لضعف أبي بكر بن أبي مريم، وبقية رجال الإسناد ثقات عن شداد، وأخرجه الترمذي (2459) وابن ماجة (4260) والحاكم (1/57) وغيرهم عن شداد بن أوس، وانظر: «ضعيف الجامع الصغير» برقم (4310).

([12]) من حديث المغيرة بن شعبة في البخاري (1130) ومسلم (2819) والترمذي (412) وابن ماجة (1419) و«سنن النسائي الكبرى» (1327) و«المسند» (1898) وابن ماجة (311).

([13]) من حديث الإسلام والإيمان والإحسان عن عمر t في «صحيح مسلم» (8) والبخاري (50) عن أبي هريرة.

([14]) أخرجه أبو داود برقم (1522) والنسائي في «الكبرى» (1227، 9857) عن معاذ، انظر: «جامع الأصول» حديث رقم (4/2091) وهو في «المسند» (22119، 22126) بإسناد صحيح ورجال ثقات كما قال محققوه، وابن حبان (2020) والبزار في مسنده (2661) وابن خزيمة (751).

([15]) «كتاب الصلاة» لابن القيم ص242 وأخرجه البيهقي عن الحسن في «شعب الإيمان» (2371).

([16]) رواه أبو داود برقم (1495) والنسائي وأحمد في «المسند» برقم (12611) قال محققوه: حديث صحيح وإسناد قوي، والبخاري في «الأدب المفرد» (705) وابن حبان (893) وغيرهم بإسناد صحيح.

([17]) رواه أحمد (5/349) برقم (22952، 22965) بإسناد صحيح ورجال ثقات رجال الشيخين، والترمذي (3475) والنسائي في «الكبرى» (8058) وابن حبان (892) وأبو داود (1493) وغيرهم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أعظم ما نزل من القرآن

1- «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت»([1]).
2- وكان عليه الصلاة والسلام أيضًا يستفتح صلاته بطلب الهداية من ربه بقوله:
«اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»([2]).
3- وبعد الفراغ من الصلاة كان عليه الصلاة والسلام يحرص أيضًا على طلب الهداية من ربه فيقول: «اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وترد بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني من كل سوء» ثم يقول: «اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، وحربًا على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك، اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، اللهم هذا الجهد وعليك التكلان»([3]).
وإذا كان رسول الله r هذا حاله في الحرص على طلب الهداية من ربه لاسيما في افتتاح الصلاة وبعد الفراغ منها، وهو النبي المصطفى المختار، فإننا أحوج ما نكون إلى الإكثار من طلب الهداية، والأخذ بأسباب تحصيلها.
(ز) مراتب الهداية: وقد بين ابن القيم([4]) أن الهدياة على عشرة مراتب:
1- تكليم الله تعالى يقظةً بلا واسطة، كتكليم موسى u، وفي ذلك هداية خاصة له.
2- مرتبة الوحي المختصة بالأنبياء، وفيها هدايتهم للاقتداء بهم.
3- مرتبة إرسال الرسل لهداية البشر بعد اجتبائهم واصطفائهم.
وهذه المراتب الثالث، هداية خاصة بالأنبياء؛ بتكليمهم، والوحي إليهم، وإرسالهم.
4- مرتبة التحديث، أي: الإلهام والتوفيق والسداد، وهي هداية من الله تعالى كحديث أبي هريرة t عن رسول الله r أنه قال: «لقد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في هذه الأمة، فعمر بن الخطاب»([5]).
5- مرتبة الإفهام، كقوله تعالى: ]فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ[ [الأنبياء: 79] وهي نوع هداية.
6- مرتبة بيان الحق وتمييزه من الباطل، كقوله تعالى: ]وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ [التوبة: 115].
7- مرتبة البيان الخاص المستلزم للهداية الخاصة، كقوله تعالى: ]إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ[ [النحل: 37].
8- مرتبة الإسماع، كقوله تعالى: ]وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ[ [الأنفال: 23].
9- مرتبة الإلهام، كقوله تعالى: ]وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[ [الشمس: 7، 8].
10- مرتبة الهداية: بالرؤيا الصادقة، وهي جزء من أجزاء النبوة.
(ح) وللهداية طرق أربعة:
1- الإلهام الفطري: وهو يكون مع الطفل حين ولادته، فهو يلتقم ثدي أمه، ويمتصه بإلهام فطري.
2- حواس الإنسان: السمع والبصر والذوق والشم والحس، وهي تنمو مع الإنسان، ولكنها تخطئ كثيرًا.
3- الإرشاد الإلهي عن طريق الرسالات السماوية والكتب المنزلة.
4- العقل: وهو مناط التكليف، وبه تدرك الحقائق، وتصحح أخطاء الحواس، وهو مختلف في الناس.
وقد لا ينتفع الإنسان بهذه الحواس، فتقصر أو تضعف، ويضل العقل أو ينصرف، وقد يجهل المرء دينه أو يعرض عنه.
لهذا وغيره، شرع لنا سبحانه أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم؛ فلا تقصر الحواس، ولا تضعف العقول، ولا تحيد عن الدين الحنيف، وفي هذا الإيجاز منتهى الإعجاز.
فاللهم ثبتنا على الإيمان، ووفقنا لصالح الأعمال، واجعلنا ممن سلك طريق الإسلام الموصل إلى جناتك جنات النعيم.
(ط) الصراط المستقيم هو دعوة الرسل: الصراط المستقيم، هو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله من العباد غيره، والقرآن الكريم متضمن لهذا الصراط، وهو عين ما جاء به الإسلام في دعوة الرسل، فهو الطريق الذي نصبه الله تعالى لعباده على ألسنة الرسل، وجعله موصلًا إليه سبحانه، وهو مضمون الشهادتين.
وقد وصل الله تعالى الصراط، بأنه مستقيم، ثم وضح وبين هذا الصراط، بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم، وينسب الصراط إلى الله تعالى؛ لأنه شرعه ونصبه، ويضاف إلى العباد؛ لأنهم أهل سلوكه.
(ي) صراط الدنيا وصراط الآخرة: ومن هُدِىَ إلى الصراط المستقيم في الدنيا، هدي إلى الصراط الموصل إلى الجنة، وعلى قدر استقامة العبد على الصراط في الدنيا، على قدر ثبوت قدمه على الصراط الحسي، وهو الجسر المنصوب على متن جهنم يوم القيامة، فعلى قدر سير العبد على الصراط في الدنيا يكون سيره على ذاك الصراط في الآخرة.
والهداية إلى الصراط الأخروي وطلب الثبات عليه، والنجاة منه، هداية خاصة بالطريق إلى الجنة يوم القيامة، فهي نوع من الهداية بالمؤمنين، وهو داخل ضمن مراد الآية.
(ك) المرور على الصراط: ويوم القيامة ينصب الصراط على متن جهنم فتختلف أحوال الناس وهم يمرون عليه، فالمؤمنون يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، والكافرون يكونون في ظلمات لا يبصرون، والمنافقون يكونون في بصيص من نور، ثم يسلب منهم فيتخبطون.
وهكذا فإن الناس في المرور على الصراط يوم القيامة أصناف:
فمنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يُخطف خطفًا ويُلقى في جهنم ]ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا[ [مريم: 72].
(ل) العوائق: فلينظر العبد في الصوارف والشواغل والعوائق، التي تعوقه عن السير على الصراط يوم القيامة، من الشهوات والشبهات وهو في الدنيا؛ فإن الكلاليب التي بجنبي الصراط على متن جهنم تخطفه وتعوقه عن المرور عليه يوم القيامة، فإن قويت هذه الشهوات وكثرت في الدنيا، فإن الأمر يكون كذلك هناك.
وعلى قدر سير العبد على طريق الهدى في الدنيا، فإنه سيكون كذلك في الآخرة حذو القذة بالقذة، جزاءً وفاقًا، وقد ضرب النبي r المثل لأصحابه هذا المعنى إلى الأمة.
عن النواس بن سمعان t قال: قال رسول الله r: «إن الله تبارك وتعالى ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا على كنفي الصراط داران (وفي رواية: سوران) لهما أبواب مفتحة، على الأبواب ستور، وداع يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم»([6]).
فالأبواب التي على كنفي الصراط، حدود الله تعالى، فلا يقع أحد في حدود الله تعالى حتى يكشف الستر، والذي يدعو من فوقه واعظ ربه.
ويقول ابن مسعود t: خط لنا رسول الله r خطًا، وقال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: «هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ قوله تعالى: ]وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ[([7]) [الأنعام: 153].
وفسره رزين عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب هي محارم الله تعالى في قلب كل مؤمن([8]).
* * *
المبحث الثاني عشر: أصناف الناس ]صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[

الناس في هذه الآية ثلاث طوائف:
1- المؤمنون من أمة محمد r أو من غيرهم من الأمم السابقة في زمن رسلهم.
2- المغضوب عليهم؛ وهم اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة في زمن نبيهم، ولم يؤمنوا بعيسى ولا بمحمد عليهما السلام، وكذا كل من شاكلهم.
3- الضالون؛ وهم النصارى الذين لم يتمسكوا بتعاليم الإنجيل الصحيح في زمن نبيهم، ولم يؤمنوا بمحمد r بعد بعثته، وكذا كل من كان مثلهم.
وقد أرشدنا الله سبحانه إلى أن نسأله الهداية إلى طريق الصنف الأول: (الذين أنعم عليهم)، وأن نبرأ من الصنفين الآخرين، فكلاهما هالك.
الصنف الأول: المنعم عليهم: هذا تفسير للصراط المستقيم المذكور في الآية السابقة، فالمسلم يطلب من ربه ليل نهار أن يهديه إلى طريق الذين أنعم عليهم، وهم الذين أطاعوا الله والرسول وليس في قلوبهم ذرة إلا وهي معمورة بحب الله تعالى، والذين أنعم الله عليهم، هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.
فهؤلاء قد أنعم الله عليهم بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأنهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهذه النعمة، نعمة مطلقة، شاملة، موجبة للفلاح الدائم، وإلا فكل الخلق يعيش في نعمة الله تعالى، ومنهم الكافر، فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلق النعمة للمؤمن والكافر، وفيه نسبة النعمة إلى الله تعالى دون غيره، حتى لا ينسب الشر إلى الله تعالى، من باب تعليم الأدب مع الله تعالى.
والذين أسبغ الله عليهم نعمه ليسوا من الذين ينحرفون عن صراطه المستقيم، أو يجلبون على أنفسهم نيران غضبه ولعنته، وإنما يستجلبون رضى الله تعالى، ويبتعدون عن أسباب غضبه وتنكب الصراط.
والمنعم عليهم هم صفوة البشر الميطعون لله والرسول، يبدأ وصفهم بالنبوة وينتهي بالصلاح، قال تعالى: ]وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا[ [النساء: 69، 70].
وقال سبحانه بعد أن ذكر عددًا من الأنبياء والمرسلين، ممن أنعم الله عليهم من ذرية آدم، وممن حملوا مع نوح، وممن هدى الله: ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا[ [مريم: 58].
ومن هؤلاء الذين عنتهم الآية: أنبياء وصديقون وشهداء وصالحون.
وصراط الذين أنعم الله عليهم، هو الصراط المستقيم، الذل لا اعوجاج فيه.
وعلى كل مسلم ألا يغفل عن طلب العون من الله تعالى، ونعمة الهداية هي أكبر النعم التي امتن الله بها على عباده، إذ إن الهداية لا ينالها إلا المطيعون الموفقون الصالحون، والمنعم عليهم هم المؤمنون المتقون، الذين عرفوا الحق، فاتبعوه وعملوا به في مقابلة من يأتي ذكرهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به وأنكروه، والذين ضلوا عن الصراط وأخطئوا الطريق الصحيح.
الصنف الثاني: اليهود ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ[
عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: أخبرني من سمع النبي r وهو بوادي القرى على فرس له، وسأله رجل من بني القين فقال: من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ قال: «اليهود» قال: فمن الضالون: قال: «النصارى»([9]).
وعن الشريد بن سويد قال: مر رسول الله r وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على إلية يدي، فقال: «أتقعد قعدة المغضوب عليهم»([10]).
وقد غضب الله عليهم؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، ومن ذلك معرفتهم بأوصاف محمد r وعدم الإيمان به.
فغير المنعم عليهم صفنان: صنف خرج عن الحق بعد علمه به، وأعرض عنه بعد أن استبان له، وهم المغضوب عليهم.
وصنف لم يعرفوا الحق أبدًا أو عرفوه على وجه غير صحيح، فهم في عماية وضلال، وكلا المسلكين فاسد؛ لأنه حاد عن صراط الإسلام، فكل من اليهود والنصارى وأمثالهم، ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، كما قال تعالى فيهم: ]مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ[ [المائدة: 60]، وقال تعالى عنهم: ]فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ[ [البقرة: 90].
الصنف الثالث: النصارى ]وَلاَ الضَّالِّينَ[
الضال هو الذي حاد عن السبيل وسلك غير المنهج القويم.
والضالون: هم النصارى ومن على شاكلتهم، ممن فقد العلم وأخطأ الطريق الصحيح، فهام على وجهه ولم يهتد إلى الحق.
وأخص أوصاف النصارى الضلال، فهم قد ضلوا عن طريق التوحيد؛ فنسبوا لله تعالى الشريك والولد، فضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم، كما قال تعالى عنهم: ]قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ[ [المائدة: 77].
والضلال سلوك الطريق غير السوي، وهو ضد الهدى والرشاد.
وفي حديث عدي بن حاتم، أن النبي r قال: «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى»([11]).
وعن أبي ذر t قال: سألت رسول الله r عن المغضوب عليهم: قال: «اليهود» قلت: الضالين؟ قال: «النصارى»([12]).
وهذا من باب التمثيل باليهود والنصارى وليس من باب الحصر، وإلا فإن الآية تشمل كل ما انطبق عليه الوصف.
وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل، أنه لما خرج مع جماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قال له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ نصيبك من سخط الله، فقال: لا أستطيعه، فاستمر على فطرته مجانبًا دين المشركين وعبادة الأوثان، ولم يدخل في اليهودية ولا النصرانية.
والآية عامة في كل من غضب الله عليه، وكل من ضل وحاد عن الصواب، ومن عرف حقيقة اليهود والنصارى حاليًا أيقن بانطباق وصف الغضب والضلال عليهم واستحقاقهم له، فاللهم اجعلنا ممن أنعمت عليهم وأبعدنا عن طريق المغضوب عليهم والضالين.

مع الفاتحة آية آية:
ثم يبدأ – المسلم – قراءة الفاتحة متيمنًا ومتبركًا باسم الله تعالى، الذي يبدأ باسمه جميع شئونه، فباسمه تعالى قامت السموات والأرض، وآثار صنعه تعالى في الكون دالة عليه سبحانه، وبيده الحول والطول، وهو جل شأنه الموصوف بالرحمة التي شملت المؤمن والكافر، فرحمته وسعت كل شيء، ونعمته وسعت كل حي، وهو سبحانه الموصوف بالرحمة الخاصة بالمؤمنين، وبالرحمة العامة للخلق أجمعين، وكأن المسلم يشاهد ربه وهو يُحسن إلى جميع خلقه، ويغدق عليهم نعمه، ومنها هذه العبادة، وهذه الرحمة هي التي تصل بين العبد وخالقه، فمنه الرحمة ومنهم العبادة، وكأن المسلم يشاهد نصيبه من الرحمة، وهو قائم بين يدي ربه يدعوه ويعبده ويناجيه ]بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[.
ثم يحمد المسلم ربه على عظيم نعمه، وكريم فضله أن هداه للإسلام، ووفقه للإيمان، وتفضل عليه بالتربية والإنعام، وهو يستشعر نعمة الله عليه، وفضله وإحسانه بقلبه وعقله، وهو وحده المستحق لكل الحمد؛ لأن نعمه تعم جميع المخلوقات ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[.
وهذه النعم تفضل من الله تعالى وإحسان إلى خلقه، فهو سبحانه ليس إلها ظالمًا؛ لأنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم، بل تقوم العلاقة بينه سبحانه وبين خلقه على الرحمة فهو جل شأنه: ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ[.
وهذه الرحمة مقرونة بالعدل، فهناك الحساب والجزاء بعد الفضل والإنعام.
والمسلم يضع نصب عينيه ما يحصل في اليوم الآخر من الأحوال والأهوال، من جزاء المحسنين، وعقاب المسيئين، فيستحضر هذا الملك القاهر، وهذا المجد العظيم الذي لا يليق إلا بالله تعالى، لاسيما يوم يدان الخلائق، وتعنو الوجوه لعظمته سبحانه، وتخشع الأصوات لجبروته، فلا تسمع إلا همسًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، فهو سبحانه: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[.
فإذا قرأ العبد: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ فإنه يقف عند نهاية كل آية منها هنيهة، وينتظر جواب الله تعالى له حين يرد عليه قائلًا: «حمدني عبدي» «أثنى علي عبدي» «مجدني عبدي» وقلبه يطير فرحًا وسرورًا بإجابة الله تعالى له، وتقر عينه بمناجاته لربه، وذكر أصول أسماء الله الحسنى وصفاته العليا (الله، الرب، الرحمن).
وهذا الجزاء الأخروي يحتاج إلى بحث عن وسائل النجاة وطرقها، فيلجأ العبد إلى ربه بالعبادة، ويُقبل عليه، ويستغرق في مشاهدة أنواره بمناجاته لربه، وضراعته إليه، ووقوفه بين يديه، فكأنه يرى ربه سبحانه، فإن لم يكن قد وصل إلى هذه الدرجة، فليعلم أن الله تعالى يراه ويطلع عليه، وهي مرتبة الإحسان التي قال عنها النبي r: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وكأن الحجاب الذي بين العبد وبين ربه قد انكشف له وهو يخاطبه بقوله: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[.
ثم يستحضر المسلم فاقته وحاجته إلى الهداية، فهو محتاج إليها في كل طرفة عين، وهو أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، فليسأل ربه الهداية من فضله، وكأنه قد أبصر طريق الإسلام الذي اشتمل على سعادة الدارين، وعليه أن يحرص على التمسك به والتزامه ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[.
وكأن المسلم حين يقرأ: ]صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ يرى بعينه درجات أهل السعادة، وأصحاب الكرامة في الجنة؛ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحين يقرأ: ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[ كأنه ينظر إلى دركات الفاسقين والكفار في النار، ويرى بعينه عواقبهم الوخيمة ]صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[.
التأمين (آمين): وحين يفرغ المسلم من هذا الدعاء والثناء يشرع له أن يطبعه بالتأمين، كالخاتم عليه، موافقًا بذلك تأمين إمامه، وتأمين الملائكة الكرام؛ ليحظى بالقبول والإجابة، فاللهم استجب (آمين).
ولفظ آمين من أسماء الأفعال، معناها: اللهم استجب، وليست من الفاتحة بالإجماع، ويستحب الإتيان بها مع رفع الصوت للإمام في الصلاة الجهرية ويندب قولها للمنفرد، ويقولها المأموم فرضًا.
(أ) في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول اللهr قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه»([13]).
وفيه دليل على تأمين الملائكة، وغفران الذنوب، وأن ذلك من أشد المواطن على غيظ الشيطان ودحره.
(ب) وكان النبي r يرفع صوته ويمده بها، ويُسمع من يليه، وكان المسجد يرتج بها([14]).
والتأمين مستحب بعد كل دعاء، فهو كالطابع على الصحيفة، وبه يُختم الدعاء، ويكون مظنة للإجابة.
(ج) وعن أبي هريرة t أن رسول الله r كان إذا تلا: ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[ قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول([15]).
وقد أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة([16]).
وقال عطاء: أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد، إذا قال الإمام: ولا الضالين، سمعت لهم رجة آمين([17]).
(د) وعن عائشة (رضي الله عنها) أن النبي r قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين خلف الإمام»([18]).
ويستحب للمأموم أن يوافق الإمام في التأمين، فلا يسبقه ولا يتأخر عنه، وينبغي على الإمام أن يرفع بها صوته حتى يسمع من خلفه.
المبحث الثالث عشر: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة

1- يرى جمهور العلماء أن قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة ركن من أركانها، سواء أكانت صلاة فرضًا أم نفلًا، سرًا أم جهرًا، وسواء أكان المصلي إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، فلا تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؛ لأن ذلك شرط في صحتها، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد.
2- وذهب الثوري والكوفيون وأبو حنيفة إلى أن الصلاة تجزئ بقراءة ما تيسر من القرآن؛ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار، أو سورة قصيرة.
3- وذهب الحسن البصري وغيره إلى أن قراءة الفاتحة واجبة مرة واحدة في كل صلاة.
أدلة المخالفين لقول الجمهور والرد عليها:
وقد استدل أبو حنيفة ومن معه بقوله تعالى: ]فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ[ [المزمل: 20] وبحديث المسيء في صلاته، وفيه أن النبي r قال له: «ثم اقرأ ما تيسر من القرآن»([19]).
قالوا: وهذا يدل على أن المصلي يقرأ أي شيء يتيسر له من القرآن، وهو مردود بأن المراد بالقراءة في الآية: هو تلاوة القرآن بعد الفاتحة بما يتيسر منه، وذلك في صلاة التهجد، كما يدل عليه أول الآية: ]إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ[ [المزمل: 20]، وليس المراد قراءة الفاتحة نفسها.
أما حديث المسيء في صلاته، فهو يشير أيضًا إلى القراءة بعد الفاتحة بما يتيسر من القرآن، ويوضحه ويفسره الرواية الأخرى للحديث: «ثم اقرأ بأم القرآن»([20]).
وقالوا في حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أي: لا صلاة كاملة، فهو نفي للكمال، لا لحقيقة الصلاة وصحتها.
من أدلة الجمهور:
واستدل الجمهور على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة بأحاديث؛ منها:
1- ما رواه الجماعة عن عبادة بن الصامت أن رسول الله r قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»([21]).
2- وما رواه أحمد وابن ماجة وغيرهما عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله r يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهو خداج»([22]).
3- وعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب»([23]).
4- وفي الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»([24]).
5- وروى أبو هريرة t أن النبي r قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، يقولها ثلاثًا»([25]).
6- وعن أبي هريرة أيضًا أن النبي r أمره أن يخرج فينادي: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فما زاد»([26]).
والمراد في الأحاديث السابقة نفي حقيقة الصلاة؛ أي: أن صلاة العبد بدون قراءة سورة الفاتحة لا تصح.
7- ويؤيد قول الجمهور حديث مسلم وغيره عن أبي قتادة أنه قال: كان رسول الله r يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويُسمعنا الآية أحيانًا، وكان يُطول في الركعة الأولى من الظهر، ويقصر في الثانية، وكذلك الصبح، وفي رواية: ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب([27]).
8- ولم يثبت أن النبي r صلى ركعة واحدة، أو أي صلاة بدون الفاتحة، ولا أحدًا من خلفائه، أو أصحابه وأتباعه بإحسان، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وما دامت الأحاديث قد صحت في قراءة الفاتحة في الصلاة في كل ركعة منها، فلا مجال للخوف في ذلك، وقد أثبت أن النبي r كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، ولم يثبت خلاف ذلك، وقد قال r في حديث مالك ابن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»([28]).
حكم من لم يحفظ الفاتحة

الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة الفاتحة، فإن كان المصلي لا يحسنها، ويحسن سبع آيات غيرها من القرآن كان عليه أن يقرأها، وإن كان غير عربي ولم يحفظ شيئًا من القرآن كان له أن يذكر الله تعالى قدر الفاتحة بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
عن رفاعة بن رافع t: أن النبي r علم رجلًا الصلاة، فقال: «إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمده وكبره وهلله ثم اركع»([29]).
هل يقرأ المأموم الفاتحة؟

أجمع العلماء على أن قراءة الفاتحة تسقط عن المأموم إذا أدرك الإمام حال ركوعه. أما إذا أدركه قائمًا قبل الركوع، فهل تكفيه قراءة الإمام للفاتحة أم لابد له من قراءتها؟
(أ) ذهب الشافعي وأحمد إلى وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، وأن صلاته لا تصح بدونها، مستدلًا بحديث عبادة بن الصامت السابق: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
(ب) وذهب مالك إلى أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصلاة السرية دون الجهرية، وإن تركها في الصلاة السرية فقد أساء ولا شيء عليه، واستدل بالحديث السابق، ويمنع القراءة في الصلاة الجهرية؛ لوجوب الاستماع إلى الإمام وهو يقرأ، لقوله تعالى: ]وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[ [الأعراف: 204].
(ج) وذهب أبو حنيفة إلى أن المأموم لا يقرأ شيئًا في الصلاة السرية، ولا في الصلاة الجهرية أخذًا من الآية السابقة، ولحديث جابر: «من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له»([30]).
ولحديث أبي هريرة: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبر كبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»([31]).
وما عليه الجمهور من أن على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية معًا هو الذي يُجمع به بين الأدلة خروجًا من الخلاف.
المبحث الرابع عشر: التجويد والقراءات والإعراب في سورة الفاتحة

أولًا: من أحكام التجويد في سورة الفاتحة

1- الوقف في سورة الفاتحة: يسن للقارئ أن يقف عند رأس كل آية منها؛ لحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها سُئلت عن قراءة رسول الله r قالت: كان يقطع قراءته، يقول: ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ ثم يقف ]الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ[ ثم يقف... الحديث.
وفي رواية أخرى قالت: «يقطع قراءته آية آية»([32]).
والفاتحة سبع آيات باتفاق، فإذا عد القارئ البسملة آية؛ فالآية السابعة من ]صِرَاطَ الَّذِينَ[ إلى ]وَلاَ الضَّالِّينَ[ وإذا لم يعد القارئ البسملة آية؛ فإن الآية السابعة هي ]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[، والمصحف الذي بأيدينا برواية حفص عن عاصم وفق خط المصحف الكوفي أحد المصاحف العثمانية التي أرسلها عثمان t إلى الأمصار، وهو يعد البسملة آية، ويعد من ]صِرَاطَ الَّذِينَ[ إلى آخر السورة آية.
2- المدود في سورة الفاتحة:

(أ) في قوله تعالى: ]وَلاَ الضَّالِّينَ[ مدان:
المد الأول: مد لازم يُمد ست حركات، بقدر تكرار الحرف – وهو الضاد – ست مرات، ويقال: يمد بقدر حركة الإصبع قبضًا أو بسطًا، ست مرات، قولًا واحدًا لجميع القراء، وهذا المد موجود في الألف التي بعد الضاد وقبل اللام المشددة، وهكذا كل مد لازم في القرآن.
والمد الثاني: موجود في الياء من ]وَلاَ الضَّالِّينَ[ وهو مد عارض للسكون؛ لوجود (النون بعدها ساكنة للوقف) ويمد قدر حركتين أو أربع أو ست، وكذا بقية المد العارض للسكون في القرآن.
(ب) وفي سورة الفاتحة مدود عارضة للسكون، نظرًا للوقوف عليها، وهي: نهاية كل آية في السورة، آية البسملة و]الْعَالَمِينَ[ ونهاية الآية الثالثة وما بعدها: ]الرَّحِيمِ[ و]الدِّينِ[ و]نَسْتَعِينُ[ و]المُستَقِيمَ[ والياء مع النون مع ]وَلاَ الضَّالِّينَ[، فيقف القارئ على كل رأس آية، من هذه الآيات السبع، ويمدها كلها بمقدار واحد، يلتزم به في قراءته كلها، حركتين أو أربعًا أو ستًا، ولا يجوز أن يمد آية، حركتين، والثانية أربعًا، وإنما يوحد المدود في جميع الآيات، وكذلك الشأن في القرآن كله.
(ج) مدود طبيعية في سورة الفاتحة تمد حركتين فقط، وهي كلمات: (الله، الرحمن، لله، إياك، وإياك، الصراط، صراط، الذين، المغضوب).
ثانيًا: ملحوظات من باب اللحن الجلي

وهناك ملحوظات مستقرأة من تتبع بعض من سمعناهم يقرءون الفاتحة، منها ما يتعلق بالإعراب في الألفاظ التالية يخطئ فيها بعض العامة وهي:
1- ]الْحَمْدُ[ بضم الدال، فلا يكسرها القارئ ولا يفتحها.
2- ]رَبِّ[ بكسر الباء مشددة، فلا تُفتح ولا تُضم.
3- ]الْعَالَمِينَ[ بفتح اللام الثانية، فلا تُكسر.
4- ]الرَّحِيمِ[ بكسر النون، فلا تُضم ولا تفتح.
5- ]مَالِكِ[ بكسر الكاف، فلا تفتح ولا تضم.
6- ينبغي تشديد الياء من ]إِيَّاكَ[]وإِيَّاكَ[ دون غنٍ ولا مد للهمزة قبلها.
7- ]نَعْبُدُ[ بضم الباء، فلا تُفتح ولا تُكسر.
8- ويلاحظ عدم إشباع ضمة الدال من ]نَعْبُدُ[ حتى لا يتولد منها واو في النطق، ولا تفتح الباء ولا تكسر كما يفعل بعض الناس.
9- ]نَسْتَعِينُ[ بفتح النون الأولى، فلا تُكسر كما يفعل بعض العامة.
10- ]المُستَقِيمَ[ بعض العامة يقف عليها بالنون.
11- ويلاحظ فتح همزة الوصل عند البدء بها من لفظ ]الْحَمْدُ[ وكسرها من لفظ ]اهدِنَـا[ مع مراعاة الشدة والجهر في الدال حتى لا تشبه التاء في النطق، وما عدا ذلك لهو لحن.
12- وينبغي عدم ترقيق الصاد من لفظ ]الصِّرَاطَ[ و]صِرَاطَ[ حتى لا تُنطق سينًا، وحفص يقرؤها بالصاد، مع مراعاة تفخيم الطاء حتى لا تختلط بالتاء.
13- ]أَنعَمتَ[ التاء مفتوحة فلا تُضم ولا تُكسر.
14- ويلاحظ عدم مد السكون الذي على الياء من ]عَلَيهِمْ[ وصلًا ولا وقفًا، وإنما تُسكن سكونًا جازمًا حال الوصل أو الوقف عليها.
15- والياء من لفظ ]غَيرِ[ ساكنة والراء مكسورة، فلا يمد السكون الذي في الياء، ولا يحرف كسر الراء.
16- والضاد من لفظ ]المَغضُوبِ[ ولفظ ]الضَّالِّينَ[ حرف مستطيل، يمتد الصوت عند النطق به فيشمل حافة اللسان كلها، ويرتفع اللسان إلى سقف الحلق، ثم يُضغط عليه فينحبس الصوت، ويستغرق مدة تقدر بنصف حركة؛ للتمكن من نطقها، مع عدم الفصل بينها وبين الحرف الذي يليها، وعدم القلقة فيها، ومراعاة الإطباق والاستعلاء فيها حتى لا تشبه الدال أو التاء، ولا ينبغي إخراج اللسان فيها حتى لا تلتبس بالظاء، فهي من الضلال وليست من الظل ونحوه، وتشدد ضاد ]الضَّالِّينَ[ من غير غنة، ولا ركنة عليها، كما تُشدد اللام التي بعدها من غير وقف عليها ولا غنة لها.
ثالثًا: القراءات المتواترة في سورة الفاتحة: وقد وردت هذه القراءات في أربع كلمات:


([1]) من حديث طويل أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن علي بن أبي طالب t، «جامع الأصول» حديث رقم (2181) (4/206).

([2]) أخرجه مسلم برقم (770) عن عائشة، والترمذي (3420) وأبو داود (767) والنسائي في «الكبرى» (1324) عن عائشة (رضي الله عنها)، ويُنظر: «جامع الأصول» (4/235) حديث رقم (2213) وهو في «المسند» (25225) وابن حبان (2600).

([3]) من حديث أخرجه الترمذي عن ابن عباس بسند ضعيف، ينظر: «جامع الأصول» حديث رقم (2189) وهو دعاء حسن، ومعناه صحيح.

([4]) من تفسير سورة الفاتحة له بتصرف.

([5]) أخرجه البخاري عن أبي هريرة (3469، 3689) وينظر: «جامع الأصول» حديث رقم (6434) و(6435) (8/609).

([6]) ينظر الحديث في «صحيح سنن الترمذي» (2295) ورقمه في السنن 859 وهو في «المسند» (17634، 17636) حديث صحيح بأطول من هذا، وفي «السنن الكبرى» للنسائي (11233) والحاكم (1/73) والبيهقي في «الشعب» (7216).

([7]) حديث صحيح أخرجه أحمد ورزين عن ابن مسعود برقم (4142، 4437) بإسناد حسن من أجل عاصم بن أبي النجود، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن عياش فمن رجال البخاري كما قال محققو المسند، وأخرجه الطيالسي (244) والدارمي (208) وابن أبي عاصم (17) والبزار في «الزوائد» (2210) والحاكم (2/318) وأبو نعيم في «الحلية» (6/263) والنسائي في «السنن الكبرى» (11109) والبيهقي في «شعب الإيمان»، والترمذي مختصراً عن النواس، ينظر: «مشكاة المصابيح» (1/67) رقم (191).

([8]) ينظر: «مسند الإمام أحمد» (4/182، 183).

([9]) «المسند» (20351) (20736) بنحوه والبيهقي (6/336) وعبد الرزاق في تفسيره (1/37) قال محققو المسند: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وأخرجه أيضاً الطبري (1/187).

([10]) «المسند» (19454) قال محققوه: فيه ابن جريج مدلس وقد عنعن، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (4058) وفي سنن أبي داود برقم (4848) وابن حبان (5674) والحاكم (4/269) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (7242).

([11]) أخرجه الترمذي بإسناد حسن، ينظر: «جامع الأصول» حديث رقم (471) (2/7)، وهو في صحيح سنن الترمذي (2254) وفي «المسند» (19381) من حديث طويل فيه عباد بن حبيش، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين وابن أبي حاتم (40، 41) وابن حبان (6246، 7206).

([12]) ينظر هذا وغيره في «الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد» (18/68)، وقد أورد الهيثمي نحوه بسند صحيح والأثر عند ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/46) و«الدر المنثور» (1/85).

([13]) رواه الجماعة ينظر «صحيح الجامع الصغير» ج1 حديث رقم (388) وهو في البخاري (780، 6402) ومسلم (410) وأبو داود (936) والترمذي (250) والنسائي (924) وابن ماجة (851) و«المسند» (9921) ومالك (1/87) والشافعي في «الأم» (1/109).

([14]) من حديث أبي هريرة في سنن ابن ماجة برقم (853) وينظر نص الحديث الذي أخرجه الترمذي في «جامع الأصول» ج2 حديث رقم (428) وانظر: «المسند» (18842) وأبو داود (932) والنسائي (931).

([15]) أخرجه أبو داود بإسناد حسن، «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3427) وأخرجه أيضاً ابن ماجة (855).

([16]) ينظر صحته في الأحاديث الضعيفة برقم (952).

([17]) أخرجه البيهقي بسند ضعيف، ينظر: «تمام المنة» للشيخ الألباني (1/179).

([18]) أخرجه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح، «صحيح الجامع» ج5 رقم (5489) وهو في «المسند» برقم (25029) و«صحيح سنن ابن ماجة» (856) والبيهقي في «السنن» (2/56) و«سنن ابن ماجة» (997).

([19]) ينظر الحديث بتمامه للشيخين وغيرهما في «جامع الأصول» ج5 بحديث رقم (3578).

([20]) ينظر الحديث الذي قبله في «جامع الأصول» برقم (3577).

([21]) أخرجه الجماعة إلا مالكاً، ينظر: «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3424) وهو في «المسند» برقم (22677) وفي البخاري (299، 756) ومسلم (394) ومن (34-38) وأبو داود (822) وابن ماجة (837) والترمذي (247) وابن حبان (1782).

([22]) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن كما في «المسند» (25099، 26356) وهو عند ابن أبي شيبة (1/360) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (1087) وابن ماجة (840) والطبراني في «الأوسط» (7422).

([23]) رواه ابن خزيمة وابن حبان وأبو حاتم، ينظر: «صحيح ابن خزيمة» (1/248) بحديث رقم (490) صحيح الإسناد.

([24]) ينظر: «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3425) وقد أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، ولفظ الحديث لمسلم (395) وهو في البخاري (72218-75) وعند أبي داود (821) وابن ماجة (838، 3784) والترمذي (2953) و«المسند» (7836) وابن حبان (776).

([25]) أخرجه مسلم ومالك والترمذي والنسائي، «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3424) وهو في «المسند» برقم (7406، 9932، 103219).

([26]) هذا لفظ أبي داود برقم (219، 220) وعن عبادة بن الصامت (822) بلفظ (فصاعداً) وعن أبي سعيد (818) بلفظ (وما تيسر) وهو في «المسند» برقم (9529) و«صحيح سنن ابن ماجة» (685) وابن ابي شيبة (1/360) والبيهقي (2/37) وانظر: «جامع الأصول» حديث (3424).

([27]) هذه رواية أبي داود والنسائي، انظر: رواية الشيخين وغيرهما في «جامع الأصول» ج5 حديث رقم (3446) والحديث في «صحيح مسلم» برقم (451) بهذا اللفظ وفي البخاري (759، 776، 779) وأبي داود (798، 800) وابن ماجة (829) و«المسند» (22520) وابن حبان (1829) و«السنن الكبرى« للنسائي (1049).

([28]) «المسند» (20531) والبخاري برقم (628، 631، 6008) ومسلم برقم (674).

([29]) ينظر الحديث بتمامه في «جامع الأصول» ج5 برقم (3577).

([30]) حديث حسن أخرجه أحمد برقم (14643) وابن ماجة عن جابر برقم (850) وانظر: «صحيح الجامع» حديث رقم (56363/344).

([31]) حديث صحيح أخرجه البخاري (734) ومسلم (414) وأبو داود (603) وابن ماجة (846، 1239) و«المسند» (9438) وابن حبان (2107، 2115) والنسائي في «الكبرى» (995، 996) عن أبي هريرة «صحيح الجامع» رقم (1046) (2/287).

([32]) ينظر طرق الحديث في «جامع الأصول» ج2 حديث رقم (919) وهو في «صحيح سنن الترمذي» من رواية ابن أبي مليكة (2336) وعند أبي داود والنسائي من رواية أم سلمة وفي «إرواء الغليل» (343) و«مشكاة المصابيح» (2205) و«المسند» (26583) وشرح «مشكل الآثار للطحاوي» (5405) والدار قطني (1175).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-05-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أعظم ما نزل من القرآن

الكلمة الأولى: ]الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ...[.

قرأ السوسي عن أبي عمرو من طريق الشاطبية، ويعقوب البصري من طريق المصباح بإدغام الميم الأولى في الثانية حال وصل الآية الثانية بالثالثة، وهي ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ ويجوز المد والقصر والتوسط في الياء التي قبل الميم الأولى عند الإدغام حال الوصل، وعند الوقف عليها لجميع القراء باعتبارها رأس آية، والوقف على رؤوس الآي سنة.
وقرأ بقية القراء بعدم الإدغام بين الميمين وصلًا، والإظهار هو الأصل، والإدغام فرع عنه طلبًا للخفة في النطق، وهما لغتان للعرب.
الكلمة الثانية: ]مَالِكِ[ من قوله تعالى: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[.

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر بإثبات ألف بعد الميم لفظًا.
وقرأ بقية القراء العشرة وهم: نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وحمزة وأبو جعفر بحذف الألف، وقد رسمت في المصحف بدون ألف لاحتمال القراءتين هكذا ]مَالِكِ[ والألف الصغيرة التي فوق الميم من علامات الضبط إشارة إلى قراءة الإثبات، ]مَالِكِ[ بإثبات الألف، صفة مشبهة؛ معناها: الرب والسيد، أي: قاضي يوم الدين، و]مَالِكِ[ بحذف الألف، أعم من ]مَالِكِ[ بإثبات الألف؛ لأنه قد يكون المالك غير الملك، ولا يكون الملك إلا مالكًا.
الكلمة الثالثة: ]الصِّرَاطَ[ من ]اهدِنَـا الصِّرَاطَ[ و]صِرَاطَ[ من]صِرَاطَ الَّذِينَ[.

قرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب، بالسين فيهما، وقرأ خلف عن حمزة بإشمام الصاد صوت الزاي، بحيث يتولد منهما حرف مزدوج ليس بصاد ولا زاي؛ وهو حرف فرعي عن حروف الهجاء، وذلك في الكلمتين معًا، ووافقه (خلاد عن حمزة) في الكلمة الأولى دون الثانية، وهي لغة العرب، وقرأ بقية القراء بالصاد الخالصة.
والأصل في الكلمة السين، وإنما أبدلت صادًا لأجل الطاء التي بعدها، والإشمام الذي في الصاد نظرًا للجهر والإطباق الذي في الطاء.
فقراءة السين على الأصل، وقراءة الصاد لموافقة رسم المصحف، وقراءة الإشمام لمجاورة الطاء وخفته على اللسان، والقراءات الثلاث سبعية متواترة.
الكلمة الرابعة: ]عَلَيهِمْ[ من ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ بالنسبة للهاء التي فيها قرأ بضمها وصلًا ووقفًا حمزة ويعقوب، إتباعًا لضم الميم، فالأصل فيها الضم، وقرأ بقية القراء بكسر الهاء وصلًا ووقفًا؛ لمجانسة الكسرة للياء، والضم لغة قريش والحجازيين، والكسر لغة قيس وتميم وبني سعد.
وأما بالنسبة إلى الميم: فقد قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون عن نافع بخلف عنه بضم ميم الجمع حالة الوصل مع وصلها بواو لفظًا؛ لأن الأصل في الميم الضم، وقرأ بقية القراء بإسكان الميم طلبًا للخفة.
وهذه القراءات يُقرأ بها تعبدًا وتعلمًا وفي الصلاة، وأن تكون القراءة لكل السورة برواية واحدة كرواية قالون أو ورش عن نافع مثلًا.
ولا يوجد في سورة الفاتحة قراءات أخرى متواترة غير ما ذكرت، سوى قراءات شاذة تعلم، ويؤخذ منها الأحكام، ووجوه اللغة، ولا يقرأ بها، وينبغي التنبيه على عدم تواترها.
رابعًا: القراءات الشاذة في سورة الفاتحة في تسع كلمات:

القراءة الشاذة هي التي لم تثبت بطريق التواتر، وإنما انفرد بنقلها أئمة القراءات الشاذة الأربعة أو أحدهم، وهم: (ابن محيص، ويحيى اليزيدي، والحسن البصري، والأعمش) وهم من أهل المئة الهجرية الثانية، كانوا أئمة في القراءات بمكة والعراق.
والشذوذ فيها ليس من جهة عدم صحتها، وإنما من جهة ثبوتها بطريق الآحاد وعدم التواتر فيها؛ ولهذا فهي تُدون في الكتب وتُعلم، ويُحتج بها في وجوه الإعراب، ويُعمل بمعناها، ويُستنبط منها الأحكام الشرعية، وقواعد اللغة، وغير ذلك.
ولا يجوز القراءة بها تعبدًا، ولا في الصلاة، وينكر على من قرأ بها في الصلاة أو غيرها، وسوف نذكر القراءات الشاذة الواردة في سورة الفاتحة لمجرد العلم بها دون العمل، وقد جاءت هذه القراءات في تسع كلمات هي:
1- الاستعاذة: اختار الحسن البصري في التعوذ هذه الصيغة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم) مع إدغام هاء لفظ الجلالة الأخير في هاء (هو) بعدها.
واختار الأعمش هذه الصيغة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم) وورد عنه الإدغام والإظهار في الهاءين السابق ذكرهما (إن الله هو) وقد جاءت الصيغتان في الأحاديث النبوية الصحيحة.
2- البسملة: ويثبت الحسن البصري البسملة في أول الفاتحة فقط، ويتركها في غيرها، لا فرق عنده بين أوائل السور وأواسطها، فهي عنده آية من الفاتحة فقط، وللتبرك وُضعت في أول بقية السور، وهذا موافق لبعض القراءات المتواترة.
3- ]الْحَمْدُ للّهِ[ قرأ الحسن بكسر الدال حيث وقع في القرآن على الإتباع؛ أي: أن الحرف الأول وهو الدال تابع للحرف الثاني وهو اللام الأولى من لفظ الجلالة، على الإتباع؛ للتجانس بينهما، وهي لغة، وجمهور القراء برفع الدال على الابتداء والخبر.
4- ]مَالِكِ[ قرأ الأعمش بإثبات الألف ونصب الكاف، على أنه نعت مقطوع، أو منادى حُذف منه حرف النداء، كأنه قال: أمدح مالك، أو يا مالك.
5- ]نَعْبُدُ[ قرأ الحسن (يُعبَد) بياء مضمومة بدل النون وباء مفتوحة على البناء للمجهول، والأصل: أنت تُعبد، على الالتفات.
6- ]نَسْتَعِينُ[ قرأ المطوعي عن الأعش بكسر النون، وهو لغة تميم وهذيل وأسد وربيعة.
7- ]الصِّرَاطَ[ قرأ الحسن (صراطا) بالتنكير.
8- ]غَيرِ[ قرأ ابن محيصن بنصب الراء، على أن (غير) حال من الضمير في ]عَلَيهِمْ[ أو معمول لمحذوف تقديره (أعني) أو نحوه.
9- ]عَلَيهِمْ[ قرأ الحسن بصلة ميم الجمع بياء؛ لمناسبة الكسر الذي قبلها، وكذا في كل القرآن عنده، وهو يصل الميم بواو إن كان قبلها ضم للمناسبة أيضًا نحو (أنفسهم)، فهو يتبع الميم لما قبلها كسرًا أو ضمًا([1]).
خامسًا: إعراب سورة الفاتحة

]بِسْمِ[ الباء حرف جر زائد، وقال الكسائي: لا موضع لها من الإعراب.
(اسم) مجرور بالباء، عند القراء والكوفيين، والجار والمجرور من ]بِسْمِ[ في موضع نصب بالفعل المحذوف، على معنى: ابتدأت باسم الله، أو: ابدأ بسم الله، وعند البصريين أن الباء وما بعدها من ]بِسْمِ[ في موضع رفع بالمبتدأ المحذوف، والجار والمجرور خبره، والتقدير: ابتدائي كائن باسم الله، فالباء متعلقة بالكون والاستقرار؛ أي: متعلقة بمحذوف عندهما.
وقد حذفت الألف التي بين الباء والسين من اللفظ؛ لأنها ألف وصل، وأصلها هكذا (باسم) وحذفت من الخط لكثرة استعمالها؛ لأن الباء لا تنفصل عن الحرف الذي بعدها، أو لأنها ليست من اللفظ، أو لأن الأصل (سِم) بكسر السين، أو (سُم) بضم السين، ثم جيء بالباء، وحذفت الكسرة، فصارت ]بِسْمِ[ وهو لغة فيها، وعلى هذا القول الأخير؛ فإن ]بِسْمِ[ ليس فيها ألف أصلًا، وتثبت الألف في غير هذا اللفظ بالذات، كقولك (باسم ربك) أو (لاسم الله بركة).
]بِسْمِ اللهِ[] بِسْمِ[ مضاف، ولفظ الجلالة ]اللهِ[ مضاف إليه.
ولفظ (اسم) من التسمية، والتسمية معناها: التلفظ بالاسم، الذي هو لفظ الجلالة، والألف من ]اللهِ[ ألف وصل، ومن العرب من يقطعها للزومها.
وأصلها (الإله) مصدر في موضع المفعول، أي: المألوه، وهو المعبود؛ لأنه من أله يأله، إذا عُبد، وقيل: أصل الهمزة واو؛ لأن الإله تتوله له القلوب؛ أي: تتحير.
]الرَّحْمنِ[ صفة للفظ الجلالة، لا يُثنى ولا يُجمع، فأدغمت اللام في الراء؛ لأنهما حرفان متقاربان في المخرج، ولكثرة دوران لام التعريف.
]الرَّحِيمِ[ نعت أيضًا، وجمعه (رحماء) فهما صفتان مشتقتان من الرحمة، إلا أن الأول أبلغ من الثاني، وهما مجروران على الصفة، وحذفت الألف التي بعد الميم؛ لكثرة استعمالها. ]الْحَمْدُ للّهِ[]الْحَمْدُ[ مرفوع على الابتداء.
]للّهِ[ جار ومجرور، متعلق بمحذوف تقديره: الحمد واجب أو ثابت لله، وهو في محل رفع خبر للمبتدأ، الذي هو ]الْحَمْدُ[.
]رَبِّ[مجرور على أنها صفة، أو بدل مع لفظ الجلالة، والرب مصدر، ثم جعل صفة.
]الْعَالَمِينَ[ مخفوض بالإضافة، والياء علامة على الخفض، وهو جمع عالم، بفتح اللام، مشتق من العلامة عند من جعله لجميع الخلائق، أو هو جمع عالم بكسر اللام مشتق من العلم عند من جعله لمن يعقل.
]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[ صفتان للفظ ]رَبِّ[ وصفة المجرور مجرور.
]مَالِكِ[ بدون ألف، مجرور على أنه صفة أو بدل من لفظ الجلالة ]للّهِ[ وهو ]يَوْمِ[ مضاف إليه، وقرئ ]مَالِكِ[ بألف بعد الميم، اسم فاعل؛ فيكون مجرورًا على البدل لا على الصفة؛ لأن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولفظ ]مَالِكِ[ نكرة، وفي الكلام مفعول محذوف، تقديره: مالك أمر يوم الدين، أو مالك يوم الدين الأمر.
و]مَالِكِ[ مضاف وليس ظرفًا؛ لأنه لا يصح فيه تقدير (ف). و]الدِّينِ[ مضاف إليه.
و]إِيَّاكَ[ مفعول مقدم على الفعل والفاعل، وهو منصوب بـ]نَعْبُدُ[ بعدها.
و(إيا) عند الخليل وسيبويه اسم مضمر، و(الكاف) حرف خطاب عند سيبويه لا موضع لها، ولا تكون اسمًا، وعند الخليل اسم مضمر أُضيفت (إيا) إليه.
]وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ الواو حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما قبلها.
]اهدِنَـا[ فعل بلفظ الأمر، ومعناه: الدعاء والطلب؛ لأنه صادر من أدنى إلى أعلى، وهو مجزوم، وفعل الأمر مبني على السكون عند البصريين، ومعرب عند الكوفيين مجزوم بحذف الياء، فأصله هدى، والنون والألف مفعول أول لهدى.
]الصِّرَاطَ[مفعول ثانٍ لهدى. ]صِرَاطَ[ بدل من الصراط.
]الَّذِينَ[ في موضع خفض بالإضافة، وهو اسم موصول مبني، صلته ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ والعائد الهاء والميم. ]أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[ داخل في الصلة، فهو صلة الموصول ]الَّذِينَ[ والهاء والميم يعودان على ]الَّذِينَ[، ]غَيرِ[ مجرور على أنه بدل من ]الَّذِينَ[ أو نعت له، أو بدل من الهاء والميم في ]عَلَيهِمْ[ و]غَيرِ[ مضاف، و]المَغضُوبِ[ مضاف إليه.
]عَلَيهِمْ[ في موضع رفع؛ لأنه اسم ما لم يُسم فاعله، والواو بعدها حرف عطف، و]لاَ[ زائدة للتوكيد عند البصريين، أو بمعنى غير عند الكوفيين.
]وَلاَ الضَّالِّينَ[ عطف على ما قبله.
(آمين) اسم فعل بمعنى: اللهم استجب، وهو مبني، وحُرك بالفتح لوقوع الياء قبل آخره، كما فتحت أين([2]).












المبث الخامس عشر: في رحاب الصلاة من التكبير إلى التسليم

1- تمهيد: الصلاة عماد الدين، وركنه المتين، والمسلم مطالب بتدبر سورة الفاتحة في تلاوته بصفة عامة، وفي صلاته بصفة خاصة، فلا يليق بالمسلم أن يقف بين يدي الله تعالى ويأتي بأفعال وأقوال لا يحاول فهم معناها، ولا يليق به أن يناجي ربه في صلاته بكلام ما يدرك معناه، وقد أمر سبحانه بتدبر القرآن وحض عليه في قوله تعالى:
]أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[ [النساء: 82].
]أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمد: 24].
ولو وقف الإنسان بين يدي مسئول من الخلق، وشرد عنه بذهنه وهو يحادثه؛ لكان ذلك جُرمًا كبيرًا يعاقب عليه، فكيف به وهو واقف بين يدي رب العباد، وملك الملوك، وهو سبحانه يجيب عبده حال قراءته للفاتحة: «حمدني عبدي» «أثنى علي عبدي» «مجدني عبدي»، «هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل».
وعدم تدبر القرآن نوع من هجره، وقد شكا الرسول r إلى ربه عدم تدبر أمته للقرآن، وهجرهم له، فقال تعالى: ]وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[ [الفرقان: 30].
ولا ينبغي للقارئ أن يصرفه عن التأمل والتدبر؛ انشغاله بتحسين القراءة، والحرص على أداء الحروف والألفاظ، والمبالغة في ذلك.
وتحسين الصوت بالقراءة أمر مطلوب، رغب الإسلام فيه، وحث عليه، وهو يعين على الخشوع والخضوع، ولكن الذي لا ينبغي هو صرف الهمة إلى الألفاظ، والمبالغة فيها، وانشغال القلب بها أكثر من انشغاله بالمعنى، فيصرفه هذا التكلف عن تدبر المعاني، وفقه الآيات، وفهم مقاصدها وأهدافها.
وقد مدح – سبحانه – الخاشعين في صلاتهم، وبين أن الخشوع في الصلاة من صفات المؤمنين الذين فازوا بالفلاح يوم القيامة، فقال تعالى: ]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[ [المؤمنين: 1، 2] فكان الخشوع في الصلاة هو أول صفاتهم وأخصها.
ومما يعين على الخشوع في الصلاة، تدبر قراءة سورة الفاتحة، وتدبر ما يقرأه المسلم أو يستمع إليه في الصلاة من القرآن الكريم، وتأمله له بوعي وإدراك وإقبال على الله تعالى، والتأمل أيضًا في أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود واعتدال، وكذا ما يقرؤه المسلم بعد ذلك من أذكار.
إن فهم سورة الفاتحة، وتحليل ألفاظها، ومعرفة مقاصدها وأهدافها يعين على الخشوع في الصلاة، وعلى دعم الصلة بين العبد وربه، وصدق العروج إليه سبحانه بالقلب والروح آناء الليل وأطراف النهار في الصلوات الخمس.
2- الله أكبر: يقف المسلم بين يدي الله تبارك وتعالى متطهرًا، مستقبلًا القبلة مستحضرًا عظمة الله تعالى، كأنه يستقبل وجهه الكريم، ناويًا في قلبه أداء فرضه أو نافلته، بادئًا صلاته بالتكبير، مستشعرًا بأن الله تعالى أكبر من كل شيء في الوجود، أكبر من الدنيا وما فيها وما عليها، أكبر من المال والبنين، أكبر من المنصب والجاه، يقف بين يدي ربه يدعوه ويناجيه ويخاطبه، فلا يليق أن يُشغل عنه بغيره، ولا أن يفكر فيما سواه.
والتكبير من العبد إقرار لله تعالى بالكبرياء والعظمة، وبراءة للمصلي من صفة الكبر، حتى لا ينازع ربه صفة من صفاته، وحتى يتحلى بصفة التواضع، وإذا تواضع العبد لله رفعه؛ لأنه صار في مقام العبودية، وهو سبحانه يحب المتواضعين، ولا يحب المستكبرين.
3- دعاء الاستفتاح: يستفتح المؤمن صلاته بالثناء على الله تعالى، وتوجيه وجهه إليه سبحانه، متبرئًا من الشرك وأهله، سائلًا ربه التوبة وغفران الذنوب، ومقرًا بأن حياته ومماته وصلاته ونسكه لله وحده لا شريك له، متوجهًا بجسمه وعقله وقلبه إلى خالق هذا الكون ومبدعه، فاطر السموات والأرض، فهو وحده المستحق للعبادة دون سواه، وكأن المسلم حين يقرأ دعاء الاستفتاح، يشاهد ربه بقلبه، وينزهه عن جميع النقائص، ويقر باستحقاقه للحمد والثناء كله، فهو الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، تعالى جده، وارتفعت عظمته فوق كل شيء، سبحانه أن يكون له شريك في ملكه،أو في إلهيته وربوبيته، أو أفعاله وصفاته، فإليه وجهت وجهي، ومنه وحده أطلب غفران ذنبي.
ومن أدعية استفتاح الصلاة:

(أ) «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» ([3]).
(ب) «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، وأنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» ([4]).
(ج) «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» ([5]).
4- الاستعاذة: ثم يعتصم المسلم بجانب الله تعالى من كيد الشيطان ومكره، ويستجير به من همزة ونفخه ونفثه، مقرًا ومعترفًا بعداوته له، وبعجزه وضعفه أمام حيله ووساوسه، ويُعلن أنه باستعاذته بالله تعالى يأوى إلى ركن شديد، ويعتصم بحول الله تعالى وقوته من عدوه اللدود الذي يريد أن يقطع الصلة بينه وبين ربه (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
5- التسبيح في الصلاة: وفي التسبيح أثناء الركوع والسجود إقبال على الله تعالى، وتنزيه له سبحنه، وتقديس لعظمته، واقتراب من ساحة رضوانه ]وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[ [العلق: 19] ]فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ[ [الواقعة: 74] ]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[ [الأعلى: 1].
وفي الدعاء بين السجدتين وبعد الركوع تعبد وتضرع وخشية وإنابة، وقد خص القيام بالقراءة، والركوع والسجود بالذكر والتسبيح، حال انخفاض المسلم وخضوعه وخشوعه مع وصف الله تبارك وتعالى بالعظمة والعلو، وهو يضاد الكبر ويعالجه.
6- التشهد: كان الناس في الجاهلية يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع من التحيات المختلفة من تقبيل للأرض، أو سجود، أو قيام، أو ركوع، أو انحناء، أو تسليم مع تعظيم، كما نرى ذلك بين يدي بعض الملوك والرؤساء؛ وكان بعضهم يقول: أنعم صباحًا، أو لك البقاء والنعمة، أو أطال الله بقاءك، أو تعش ألف عام.
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة الطيبة، فلما جاء الإسلام أمر أن يجعلوا أطيب التحيات وأزكاها وأفضلها لله تعالى، فقد ألغى الإسلام جميع أنواع التحيات التي كانت تحيا بها ملوك الأرض وأصنامها، وجمع الإسلام كل هذه التحيات ونحوها لله تعالى خاصة، وأمر أبناءه أن يتوجهوا بها إلى الحي القيوم، فهو وحده المستحق لجميع التحيات والتعظيمات، ولجميع ما يحيي به البشر عظماءهم وملوكهم، ومن عجب أن يبقى شيء من رواسب الجاهلية يُعظم به بعض الملوك والحكام إلى وقتنا هذا..!!
وهذه التحيات هي التي حيا بها الرسول ربه ليلة الإسراء والعروج حيث قال: «التحيات لله والصلوات والطيبات»، وقد أمر المسلم أن يقرأ هذه التحيات حين يعرج إلى ربه في صلاته، أي: أن التحيات بجميع ألوانها مستحقة لله وحده، فهو الحي الدائم الذي لا يزول ملكه، خالق الخلق وموجدهم من العدم.
والصلوات: بأقوالها وأفعالها وأذكارها ودعائها يُراد بها تعظيم الله تعالى، فهو وحده المستحق لها، والصلاة لغيره كفر وشرك.
والطيبات: من الأقوال والأفعال والصفات والأسماء، وكل ما يُثنى به على الله تعالى، وكل ما طاب من الكلمات والأعمال، لا يليق إلا بجلال الله سبحانه، حيث لا يعبد إلا الله، ولا يثنى إلا على الله، فهو سبحانه طيب، لا يقبل إلا طيبًا، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا طيب.
كل ذلك مستحق لله وحده، ولا يليق بغيره سبحانه، والمصلي يجلس بين يدي ربه جلسة الراغب الراهب، يسأل ربه ما لا غنى له عنه، ويقدم التحيات بين يدي سؤاله، ويتوسل إلى الله بعبادته والثناء عليه، والشهادة له وحده بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم يتبع ذلك بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يديه، ثم الصلاة على آله تكميلًا لقرة عينه، وهي أفضل صيغ الصلاة على الرسول، ثم يثني فيصلي على أبي الأنبياء إبراهيم r وآله.
7- السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته: السلام من أنواع التحيات، وقد شُرع للمسلم أن يبدأ بالسلام على أشرف خلق الله وأحبهم إليه، وأقربهم منه منزلة، وهو تنزيه للنبي r حيًا وميتًا من جميع النقائص، ودعاء له بالرحمة، وثناء عليه، وتعظيم له.
والمسلم يستحضر في قلبه وهو يتشهد، عظمة الله عز وجل وهو يقف بين يديه، كأنه يراه، وهو الذي أرسل إليه نبيه محمدًا الذي يسلم عليه في صلاته ويقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، وفي ذلك استحضار وترديد ومحاكاة لما حيا الله تعالى به رسوله ليلة العروج، والعبد وهو يصلي يعرج إلى ربه في صلاته ويخاطبه ويناجيه، ويقوم في حضرته بين يديه صباحًا ومساءًا، وهو يردد هذه الصيغة التي حيا الله تعالى بها رسوله.
وقد رد النبي r تحية ربه بقوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وهو دعاء بالوقاية والسلامة من جميع الآفات والنقائص، ودعاء يصيب كل عبد صالح في السموات والأرض إلى يوم القيامة.
وكان الناس في الجاهلية يقولون: السلام على الله من عباده، فنهوا عن ذلك، قال ابن مسعود: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله r: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله r ذات يوم: «إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»([6]).
وأمر أن يستبدلوا ذلك بهذه العبارة: (السلام علينا وعلى عباده الصالحين) وكأننا لما بدأنا بالتحيات لله أراد سبحانه أن يرد علينا بالتحية، ولما لم يكن في مقدورنا أن نسمع كلام الله تعالى، فقد أجرى رد التحية على لساننا: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).
وفي النطق بالشهادتين في التشهد أثناء الصلاة إقرار بالتوحيد والرسالة، وتجديد للعهد مع الله تعالى على الإيمان به، والاستمرار على العمل بشريعته، وإتباع هدي رسوله، وفيه تعظيم للنبي r، وإظهار دينه، كما عظم إبراهيم أبو الأنبياء ورسالته، فالمصلي يطلب من ربه أن يكون محمودًا محبوبًا مباركًا كما هو الشأن في أبيه إبراهيم.
8- الدعاء في نهاية التشهد: ثم يذكر العبد في نهاية الصلاة ربه سبحانه بما شرعه له من الأدعية في نهاية التشهد؛ من الاستجارة بالله تعالى من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا وفتنة الممات، وفتنة المسيح الدجال: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال»([7]).
وبعد الاستعاذة بالله تعالى من أسباب الفتن ومجامع الشر يتخير العبد من أحب الدعاء له ولوالديه وجميع المؤمنين، ثم يسلم على الملائكة ومن معه من المؤمنين، ويتلفت يمينًا وشمالًا.
9- الذكر بعد الصلاة: ثم يُقبل العبد على الدنيا من جديد، بعد الفراغ من صلاته ذاكرًا ربه بما شرعه له من الاستغفار والثناء، وأنه وحده المعطي المانع، وأن الإنسان لا ينفعه نسبه وحسبه أو غناه وجاهه، ثم يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره ثلاثًا وثلاثين ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ويقرأ آية الكرسي والمعوذات.
وفي صلاتي الفجر والمغرب يزيد المسلم على هذه الأذكار: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير) عشر مرات.
وبعد: فهذه مباحث خمسة عشر، خُصت بها سورة الفاتحة، وتناولت جميع ما يتعلق بجوانبها المختلفة، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يغفر لي ما كان من نقص أو خلل، وألا يحرمني الأجر والمثوبة على ما بذلته من جهد المقل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تمت مباحث سورة الفاتحة وملحقاتها ولله الحمد والمنة


([1]) ينظر فيما سبق البنا الدمياطي «إتحاف فضلاء البشر» سورة الفاتحة، والقراءات الشاذة للشيخ عبد الفتاح القاضي، وهناك قراءات شاذة أخرى ذكرها أبو البقاء الكعبري في كتابه «تعليل القراءات الشاذة» وهو مخطوط عرف به الدكتور على حسين البواب في مجلة كلية اللغة العربية في العدد الثاني عشر سنة 1412هـ.

([2]) الإعراب مقتبس من كتاب: «إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن» على هامش حاشية الجمل، لأبي البقاء بن الحسن العكبري ج1 سورة الفاتحة.

([3]) أخرجه البخاري (744) ومسلم (598) وأبو داود (781) والنسائي في «الكبرى» (970، 71، 60) وابن ماجة (805) و«المسند» (7164) وابن حبان (1776) كلهم عن أبي هريرة، وانظر: «جامع الأصول» حديث رقم (2146).

([4]) أخرجه مسلم (201، 771) والنسائي في «الكبرى» (973) وأبو داود (744) والترمذي (266) عن علي بن أبي طالب ومحمد بن سلمة، وانظر: «جامع الأصول» حديث رقم (2151) وهو في ابن ماجة (864) و«المسند» (802) وابن حبان (1771) والبخاري في جزء رفع اليدين (1، 9).

([5]) من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي (242) وأبو داود (775) وابن ماجة (804) و«المسند» (11472) وهو حديث ضعيف كما سبق بيانه في المبحث الرابع وانظر: «جامع الأصول» ج2 حديث رقم (2152) وينظر حديث رقم (2188).

([6]) مسلم (1/301) برقم (402) والبخاري برقم (831، 1202، 6328) وأبو داود (969، 968) وابن ماجة (899) و«المسند» (3622) وابن حبان (1948، 1949).

([7]) من حديث أبي هريرة في مسلم (588) وأبي داود (983) وابن ماجة (909).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

أعظم ما نزل من القرآن



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 01:18 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب