منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى القران الكريم وعلومه

منتدى القران الكريم وعلومه [خاص] بكل مايتعلق بالقرآن الكريم من تلاوة وتفسير وأحكام.

وقفات مع آيات الجهاد

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وقفات قبل شهر الخير Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 9 2016-05-27 12:28 AM
وقفات شامخة غيث منتدى العام 3 2013-05-20 11:30 AM
وقفات ذهبية abou khaled منتدى الدين الاسلامي الحنيف 7 2012-02-03 04:21 PM
وقفات ومسائل حول يوم عرفة .... أم الشهداء منتدى الدين الاسلامي الحنيف 3 2011-11-07 08:12 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-17
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي وقفات مع آيات الجهاد

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فليس بخاف أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وناشر لوائه، وحامي حماه، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به، فبه نال المسلمون العز والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله حصل للمسلمين الذل والهوان والصغار، واستولى عليهم الكفار، بل تداعت عليهم أرذل أمم الأرض كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وأصبحوا مع كثرتهم غثاء كغثاء السيل، ونزع الله المهابة من قلوب أعدائهم ووضعها في قلوبهم.
ولقد حرص الأعداء على تشويه صورة الجهاد والمجاهدين، وتخذيل المسلمين عنه، ووضع العراقيل دونه، وعلى قصر معناه على الدفاع فقط، كل ذلك وغيره خوفا من أن يؤوب المسلمون إليه، فيهزموهم ويذلوهم ويلزموهم الذل والصغار، لأنهم يعلمون أنه متى أعيد الجهاد بصورته التي كان عليها الرعيل الأول، فإنه لن تقوم لهم قائمة، ولن يقدروا على الصمود أمام زحف جحافل الحق التي وعدت بالنصر والتمكين ]وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ[ [الحج: 40].
وفي هذه الرسالة المختصرة تجلية لمعنى الجهاد، وعرض لصوره، وذكر لفضائله وأنواعه، وحكمه وأحكامه، وغير ذلك من زوايا قرآنية، لخصتها لطلاب مادة التفسير الموضوعي بكلية المعلمين عام 1412هـ من جملة من الكتب في موضوع الجهاد، ككتاب: "حقيقة الجهاد في سبيل الله" (رسالة دكتوراة) للدكتور عبد الله قادري وكتاب: "أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية والرد على الطوائف الضالة فيه" (رسالة دكتوراة) للدكتور: علي بن نفيع العلياني، وكتاب: "الجهاد في الإسلام" لمحمد شديد، وكتاب: "القتال في الإسلام" للشيخ محمد الجعوان، وكتاب: "وسائل النصر" وغيرها، وقد سميتها (وقفات مع آيات الجهاد) أسأل الله أن ينفع بها، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.


الوقفة الأولى: تعريف الجهاد
‌أ- لغة: الجهاد مأخوذ من الجهد: وهو الطاقة والمشقة، وقيل: هو بالفتح المشقة، وسمي الجهاد بذلك لما فيه من المشقة، وبالضم: الطاقة والوسع، وسمي الجهاد به لما فيه من بذل الوسع واستفراغ الطاقة في تحصيل محبوب أو دفع مكروه.
‌ب- شرعا: تطلق كلمة الجهاد في الشرع مرادا بها أحد معنيين:
1- المعنى العام: بذل الوسع في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق، وهذا تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ([1]).
2- المعنى الخاص: بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله. والنصوص الواردة تدل أحيانا على العموم كما في قوله تعالى: ]وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ[ [الحج: 78]، وقول النبي r : «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»([2])، وقوله r للذي استأذنه في الجهاد: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد»([3]).
ولكن لفظ الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، قال ابن رشد في مقدماته ([4]): "الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومما يدل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله r «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله»، قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره» [رواه البخاري] فالثاني مجاهد لنفسه ولكنه أطلق الجهاد على الأول.
وليس جهاد النفس هو الجهاد الأكبر على الإطلاق كما يزعمه بعضهم، فإن (وصف قتال الكفار بالجهاد الأصغر، وجهاد النفس بالجهاد الأكبر مغالطة لم يدل عليها دليل من كتاب ولا سنة، ثم إن من جاهد نفسه حقيقة حتى تغلب عليها فإنه يسرع إلى امتثال أمر الله -عز وجل-، ومن تأخر عن قتال الكفار فليس بمجاهد لنفسه على امتثال أمر الله، فالتذرع بجهاد النفس قد يكون من الحيل الشيطانية الصارفة للمسلمين عن جهاد أعدائهم.
وجهاد النفس يندرج تحته أنواع كثيرة من أهمها: جهاد العبد نفسه على إخلاص العبودية لله سبحانه، والبراءة من الشرك وأهله، ولاشك أن المجاهد في ميدان القتال إذا لم يحقق إخلاص العبودية لله.... لا يستفيد من جهاده، فعلى هذا لا يقال: جهاد النفس أكبر، ولا جهاد الكفار أكبر بإطلاق، بل يسأل القائل: ما مرادك بجهاد النفس؟ هل تريد جهادها على تحقيق التوحيد، أو تريد تهذيبها وتزكيتها بالأذكار والنوافل؟ فإن كنت تريد الأول فلا شك أنه أكبر، لكن ينبغي أن يقال: جهاد النفس على تحقيق التوحيد أكبر من غيره، وإن أردت الثاني فلا شك أن الجهاد أكبر منه وأفضل، وأما الحديث المروي (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) فهو ضعيف......)([5]).

الوقفة الثانية: حكم الجهاد
تقدم أن الجهاد له معنيان في الشرع، وعلى هذا فيختلف الحكم:
- فأما حكم بمعناه العام فإنه فرض عين على كل مسلم، لأن المسلم لا يخلو في لحظة من لحظاته من مجاهدة نفسه وشيطانه وأعدائه وهواه، وهذا يفهم من قوله تعالى: ]وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ......[ [الحج: 78]، قال ابن القيم -رحمه الله-: "والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع"([6]).
- وأما حكمه بمعناه الخاص فينقسم قسمين:
القسم الأول: جهاد الطلب: وهو تطلب الكفار في عقر دارهم، ودعوتهم إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام، وهذا فرض كفاية على المسلمين، إذا قام به من تكون به الكفاية سقط الإثم عن الباقين.
والدليل على كونه فرضا: قوله تعالى: ]فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [التوبة: 5]، وقوله: ]وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[
[التوبة: 36]، وقوله: ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ [التوبة: 41]، وقوله: ]إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ[ [التوبة: 39]، وقوله: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ[
[البقرة: 193]، وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب جهاد الطلب.

والدليل على كونه ليس على الأعيان وإنما هو على الكفاية: قوله تعالى: ]وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[ [التوبة: 122]، فقوله: ]وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً[ دال على أن النفرة لا تكون على جميع المؤمنين؛ لما في ذلك من ضياع العيال والأموال وترك النفقة في الدين ونحوه. وفي قوله: ]فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ[ أي: أنه يبقى من كل مجموعة من يقوم بتعلم العلم وحفظه ليكونوا نذر الهداية في قومهم، أو أن الطائفة النافرة هي المتفقهة في الدين، فالدلالة من كلا المعنيين واحد.
وكذلك قوله تعالى: ]لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا[ [النساء: 95] ووجه الدلالة: أنه وعد كلا الفريقين بالحسنى القاعد والمجاهد، ولو كان فرض عين لما وعد بها القاعد.
ومما يدل لذلك أيضا: سيرة رسول الله r ، فقد كان يخرج للغزو تارة، ويبقى تارة، ولم يكن جميع أصحابه يخرجون في كل غزوة، بل تخرج ثلة وتبقى بقية.
القسم الثاني: جهاد الدفاع: وهو فرض عين على كل مسلم بالإجماع، فإذا هجم الكفار على بلد من بلدان المسلمين وجب على كل قادر مدافعتهم وصد عدوانهم، قال تعالى: ]وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ[ [التوبة: 190]، وقال تعالى: ]وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا[ [النساء: 75].
ويتعين الجهاد أيضا في الأحوال التالية:
أ- النفير العام والنفير الخاص: أي إذا استنفر الإمام الناس أو واحدا بعينه لقتال العدو، كأن يستنفر أهل قرية، فإنه يجب على كل قادر منهم، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ[
[التوبة: 38 - 39]، وفي حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي r قال يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»([7]).

قال الحافظ ابن حجر: (فيه وجوب تعين الخروج في الغزو على من عينه الإمام) ([8]).
وقال الكاساني: (فإذا عمَّ النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة) ([9]).
ب- إذا التقى الصفان حرم على المسلم الفرار، بل هو من كبائر الذنوب، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[ [الأنفال: 15 - 16]، وقال رسول الله r : «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر ...... والتولي يوم الزحف»([10]).
وقد استثنى في الآية جواز الفرار في حالتين:
الأولى: التحرف: وهو أن ينتقل المجاهد من موقع إلى آخر احتيالا على العدو، وقد يدبر عنه لكي يوهمه بالهرب ثم يكر عليه.
الثانية: التحيز إلى فئة، وذلك أن يعلم المجاهدون أن لا طاقة لهم بقتال العدو إما لكثرته أو قوة عدته، فينحازون إلى طائفة من جيش المسلمين لمناصرتهم بعيدة كانت أو قريبة.
واستثنيت حالة ثالثة: وهي في آية المصابرة في قوله: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[ [الأنفال: 65 - 66]، أي فإذا كان عدد العدو أكثر من ضعف عدد المجاهدين فإن لهم أن ينسحبوا أو يفروا، وقيد بعضهم جواز ذلك بأن يكون عدد المجاهدين أقل من اثني عشر ألفا، لقوله r : «ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة»([11]).
ويرى آخرون من أهل العلم: بأن هذه الآية ليست مستثناة من آية تحريم التولي، بل يحرم على المجاهدين أن ينفروا من عدوهم إذا قابلوهم، لقوله تعالى: ]وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ....[ ، ولحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات ......» وقالوا: إذا كان عدد العدو لا يطيقه المجاهدون فإن لهم مخرجا بواحد من أمرين: إما التحيز إلى فئة، وإما التحرف لقتال بأن ينتقلوا إلى مكان آخر يمكنهم الثبات فيه. وعلى هذا يكون الخلاف شبه لفظي. والله أعلم.
ج- إذا كان للمسلمين أسرى عند الكفار حتى يستنقذوهم منهم، قال تعالى: ]وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ..... الآية[ [النساء: 75].
المعذورون عن الجهاد:
يعذر عن الخروج في الجهاد أنواع من الناس ذكر منهم في القرآن:
1- الضعفاء. 2- المرضى. 3- الذين لا يجدون ما ينفقون. قال تعالى: ]لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ[
[التوبة: 91 - 92].

وقال تعالى: ]لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ[ [الفتح: 17]، قال ابن كثير في تفسيره لآيتي سورة التوبة: (ثم بين الله الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها:
1- ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به.
2- ومنها: ما هو عارض بسبب مرض عن له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله.
3- أو بسبب فقر لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم) أ.هـ.
وهؤلاء المعذورون يكتب لهم كأجر القائمين بالجهاد إذا علم الله منهم الصدق في أنهم لولا العذر لخرجوا، ولذا فهم متحسرون على تخلفهم.
أما كونهم يكتب لهم الأجر، فلقوله تعالى: ]لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ[ فاستثنى من القاعدين أولي الضرر وألحقهم بالمجاهدين، ويدل لذلك: ما رواه مسلم عن جابر قال: كنا مع النبي r في غزوة تبوك, فقال: «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر» ويدل له أيضا: ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: «لما نزلت ]لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ دعا رسول الله r زيدا فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت ]لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ[ »، قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : "فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي. فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة، والله أعلم".
وأما كونهم لا يكتب لهم ذلك الأجر إلا إذا نصحوا الله ورسوله، أي: لم يقارن تخلفهم بسبب العذر فرحٌ بتخلصهم من الجهاد، بل يجب أن يكونوا قد عقدوا العزيمة على أن لو زالت أعذارهم لم يتخلفوا ولم يتوانوا ويتباطؤا عنه لحظة، قال تعالى: ]لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ ثم ضرب الله تعالى مثلا لهؤلاء الناصحين بالبكائين الذين طلبوا من رسول الله r أن يحملهم ليخرجوا معه لجهاد الأعداء، فاعتذر بأنه لا يجد ما يحملهم عليه، فرجعوا يبكون مغمومين بسبب ذلك: ]وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ[ [التوبة: 92].
ومع أن الله تعالى قد عذرهم كما تقدم فإن بعضهم يحمله حبه للشهادة وإعلاء كلمة الله والاستجابة لله حيث يقول تعالى: ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا[ [التوبة: 41]، كما فعل عمرو بن الجموح ـ وكان شديد العرج ـ في غزوة أحد، حين هم بالخروج فاعترضه أبناؤه بأن الله قد عذره، فأتى رسول الله r فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله r : «أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك» وقال لبنيه: «ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة» فخرج معه، فقتل يوم أحد ([12]).
* * * * *
الوقفة الثالثة: فضائل الجهاد
قد وردت في الكتاب والسنة فضائل كثيرة للجهاد نجتزئ بذكر طرف مما ورد في كتاب الله منها:
1- إن حركات المجاهد كلها مكتوبة له من حين يخرج من بيته، قال تعالى: ]مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [التوبة: 120 - 121].
2- إنه أفضل من نوافل العبادات، قال تعالى: ]أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[ [التوبة: 19 - 21]، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : "فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام ـ وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن ـ وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات، فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عماره بقوله تعالى: ]إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ[ فهؤلاء هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم"([13]).
3- إنه سبب للحصول على رحمة الله للآية السابقة.
4- إنه سبب للحصول على رضوان الله للآية السابقة.
5- إنه سبب للفوز بمرتبة الشهادة، والتي جعل الله أصحابها في مصاف النبيين، فقال تعالى: ]وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا[ [النساء: 69] وأخبر الله عن منزلتهم عنده فقال: ]وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[ [آل عمران: 169 - 171].
6- حصول المجاهد على الأجر العظيم، قال تعالى: ]فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[ [النساء: 74]، وقال: ]وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً[.
7- إنه سبب لدخول الجنة، قال تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 111]، وقال تعالى: ]الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[ [التوبة: 20 - 22]، وقال: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[ [الصف: 10 - 13].
8- إنه سبب لمغفرة الله، لآية الصف السابقة.
9- إنه سبب للنجاة من العذاب الأليم، ودليل ذلك: آية الصف السابقة.
10- إنه سبب للفلاح، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [المائدة: 35].
11- إنه سبب لتحقق الإيمان قال تعالى: ]وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[ [الأنفال: 74].
12- إنه سبب لحفظ الحق وتمكينه ودفع الباطل، قال تعالى: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[ [الحج: 40]، ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[ [البقرة: 251].
هذه جملة من فضائله في القرآن وما تركناه أكثر من ذلك، وأما السنة فقد وردت أحاديث كثيرة جدا في الحث على الجهاد، وبيان فضل الشهادة في سبيل الله، والترغيب في الرباط في سبيل الله، وتفضيل النفقة في هذا الباب.
فمما ورد في الترغيب في الجهاد في سبيل الله:
1- ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله r : أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وبرسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». متفق عليه ([14]).
2- وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: أتى رجل رسول الله r فقال: أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وبماله في سبيل الله تعالى». قال: ثم من؟ قال: «ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره» متفق عليه ([15]).
3- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه» فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا تستطيعونه» ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله» متفق عليه ([16]).
4- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله r قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض»([17]).
5- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: مر رجل من أصحاب رسول الله r بشعب فيه عيينة من ماء عذب فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله r ، فذكر ذلك لرسول الله r ، فقال: «لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله تعالى أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة»([18]).
6- وعن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال: «مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة»([19]).
7- وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله r : «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى، أنت سمعت رسول الله r يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل ([20]).
8- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون دم، والريح ريح مسك» متفق عليه ([21]).
9- وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله r قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» متفق عليه ([22]).
10- وعن سلمان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله r يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتَّان»([23]).
11- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله r يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله»([24]).
12- وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي r قال: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة» وفي رواية: «لما يرى من فضل الشهادة» متفق عليه ([25]).
13- وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي r قال: «إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» رواه أحمد ([26])، وللترمذي نحوه عن المقدام ([27]).
14- وعن خريم بن فاتك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r : «من أنفق في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف»([28]).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ([29]).

الوقفة الرابعة: مراحل تشريع الجهاد ([30])
مر الجهاد الإسلامي بمراحل قبل أن يصل إلى حكمه النهائي الآنف الذكر، وهي:
المرحلة الأولى:
مرحلة الكف عن المشركين, والإعراض عنهم, والصبر على أذاهم مع الاستمرار في دعوتهم إلى دين الله، وقد دلت على ذلك كثير من الآيات المكية، منها قوله تعالى: ]قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ .......[ [الجاثية: 14]، وقال تعالى: ]فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا[ [الطارق: 17]، وقال تعالى: ]لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ[ [الغاشية: 22]، وقال تقدست أسماؤه: ]وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[ [الزخرف: 88 - 89]، وغير ذلك من الآيات المكية.
وبينت ذلك بعض الآيات المدنية، قال تعالى: ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ[ [النساء: 77]، وقال رسول الله r لأصحابه في مكة: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا .....»([31]) ولما استأذنه أهل يثرب ليلة العقبة أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم قال: «إني لم أومر بهذا»([32]).
ولعل من حكم الكف ـ والله أعلم ـ ما يأتي:
1- تربية الصحابة على الصبر على الظلم الذي يواجهونه من قومهم، فيتعودون على ضبط أعصابهم عند استثارتها، لأنهم تربوا في بيئة لا ترضى بذلك ولا تصبر عليه، وذلك ليتم الاعتدال في طبائعهم، وليكون في ذلك تربية على الانقياد والطاعة للقيادة التي لا يعرفها العرب.
2- وقد يكون لأن الدعوة السلمية أكثر أثرا في قبيلة ذات عنجهية وثارات إذ قد يدفعها قتالها إلى زيادة العناد، فتتولد من ذلك ثارات لا تنطفئ أبدا، وتكون مرتبطة بالدعوة إلى الإسلام، فتتحول فكرة الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.
3- ولو أمروا بذلك وهم ليسوا سلطة منتظمة لوقعت مقتلة في كل بيت فيه مؤمن، ثم يقال: هذا هو الإسلام يأمر بقتل الأهل والذرية، فتكون سلاحا إعلاميا ضد المسلمين.
4- ولعلم الله السابق بأن كثيرا من هؤلاء المعاندين سيكونون من جند الله بل من خُلَّصهم وقادتهم، وعمر بن الخطاب خير شاهد على ذلك.
5- ولقلة عدد المسلمين وانحصارهم في مكة، فلو أمروا بالقتال لكان سببا إلى فناء المؤمنين، ولابد قبل الخوض في معركة مع الباطل من تأسيس القاعدة العريضة التي لا تتأثر بفناء ثلة منهم في معركة حاسمة مع الطغاة.
6- وربما كان ذلك أيضا لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم، وقد وقع ما يدل لهذا، فابن الدغنة ثار لأبي بكر لما رآه خارج مكة يريد مفارقتها، وكذلك خبر نقض الصحيفة الجائرة، والصبر في مثل هذه المواطن يكسب الدعوة والدعاة تعاطفا شعبيا، ولو أنهم لجئوا إلى القوة لخسروا هذا التعاطف، بل قد يزداد الأمر شدة من كل الناس.
7- ولأن الصبر في مثل هذه المواطن يدعو إلى تفكر المجتمع في حال هؤلاء المؤمنين وإلى تساؤل مفاده: ما الذي يدعوهم إلى كل هذا التحمل؟ إن الذين يدعوهم إليه حق يحملونه في قلوبهم، ويقين بصدق ما هم عليه لا يمكنهم التراجع عنه، فيكون ذلك سببا في إيمانهم.
8- ولم تكن هناك ضرورة ملحة للقتال؛ لأن النبي r بعث في أمة تعيش على النظام القبلي، فالقبيلة لا ترضى أن يخلص إلى رجل منها وإن كان على غير دينها من قبيل النخوة، وقد كان رسول الله r محميا من بني هاشم، وكان يقوم بدعوته ولم تقدر قريش على قتله خوفا من بني هاشم.
هذه بعض الحكم المستفادة من تلك المرحلة أطنب في ذكر بعضها سيد قطب في كتابه الظلال ([33]).

([1])الفتاوى الكبرى 2/385.

([2])رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه.

([3])رواه البخاري.

([4])1/369.

([5])بتصرف من كتاب أهمية الجهاد للعلياني / 121).

([6])زاد المعاد (2/65).

([7])رواه البخاري.

([8])فتح الباري (6/39).

([9])بدائع الصنائع (9/4301).

([10])رواه البخاري ومسلم.

([11])رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والحاكم وصححه.

([12])السيرة النبوية (2/90). وقد رواه أحمد 5/199 وابن المبارك في كتاب الجهاد ص 69.

([13])طريق الهجرتين ص (623).

([14])رواه البخاري (26) ومسلم (83).

([15])رواه البخاري (2786) ومسلم (1888).

([16])رواه البخاري (2787) ومسلم (1878).

([17])رواه البخاري (2790).

([18])رواه الترمذي (1650) وقال: حديث حسن، والحاكم (2/68)، وصححه، ووافقه الذهبي. وفواق الناقة: هو ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها، وقيل: هو ما بين الحلبتين.

([19])رواه الحاكم (2/68) وصححه، ووافقه الذهبي.

([20])رواه مسلم (1920).

([21])رواه البخاري (2803) ومسلم (2986).

([22])رواه البخاري (2892) ومسلم (1881).

([23])رواه مسلم (1913).

([24])رواه الترمذي (1639) وقال: حسن غريب.

([25])رواه البخاري (2817) ومسلم (1877).

([26])رواه أحمد (4/131) وحسن إسناده المنذري، وقال الهيثمي: رجال أحمد والطبراني ثقات.

([27])رواه الترمذي (1663) وقال: صحيح غريب، وابن ماجة (2799).

([28])رواه النسائي (6/49)، والترمذي (1625) وحسنه، وابن حبان (4628)، والحاكم (2/87)، وصححه، ووافقه الذهبي.

([29])من شاء الاستزادة فلينظر الترغيب والترهيب للمنذري كتاب الجهاد (2/199) وما بعدها فقد شفى وكفى.

([30])ينظر للأهمية كتاب: أهمية الجهاد للعلياني ص 136.

([31])رواه النسائي والحاكم، وقال: على شرط البخاري.

([32])أخرجه أحمد والطيالسي.

([33])الظلال (2/713 – 715).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-17
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: وقفات مع آيات الجهاد

المرحلة الثانية: إباحة القتال من غير فرض في المدينة:
قال تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ ......[ الآية [الحج: 38 - 40].
المرحلة الثالثة: فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط:
قال تعالى: ]فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا[ [النساء: 90 - 91].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولم يؤمروا بقتال من طلب مسالمتهم، بل قال: ]فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ .......[ الآيات. وكذلك من هادنهم لم يكونوا مأمورين بقتاله، وإن كانت الهدنة عقدا جائزا غير لازم) ([1]).
وقال أيضا: (فمن المعلوم من سيرة النبي r الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة: أنه r لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة, بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج، فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذا قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون، ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يُحارِب ولا يُحارَب. وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي r على حلفهم) ([2]).
المرحلة الرابعة: قتال جميع الكفار من كل الأديان ابتداء وإن لم يبدؤوا بقتال حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية على الخلاف المعروف فيمن تؤخذ منه:
وهذه المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة، ومن بعد انقضاء العهود المؤقتة، وتوفي رسول الله r والعمل على هذه المرحلة، وعليها استقر حكم الجهاد، قال تعالى: ]فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [التوبة: 5]، وقال: ]قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[ [التوبة: 29].
قال ابن القيم -رحمه الله-: (فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آل حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة) ([3]).
وهل هذه المرحلة ناسخة لما قبلها من المراحل؟
نقول: إنها ناسخة بالنسبة لأقوام وغير ناسخة بالنسبة لآخرين، فمن كان ذا قوة ومنعة ودولة وحاله كالحال التي آلت إليها دولة رسول الله r ، فإن المراحل السابقة منسوخة في حقه لا يجوز له العمل بها البتة. ومن كان في ضعف وذل بل ولا دولة له، فإن المراحل السابقة غير منسوخة في حقه بل يعمل بالذي يناسب ظرفه الذي يعيش فيه، كما كان عليه المسلمون أول الأمر.
قال -شيخ الإسلام- ابن تيمية: ( ..... فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ([4]).
الوقفة الخامسة: أهداف الجهاد وغاياته ([5])
لم يشرع الجهاد عبثا، ولا لتحقيق أهداف شخصية، أو مطامع مادية، أو مكاسب سياسية، أو لبسط النفوذ وتوسيع الرقعة، ولا لإزهاق النفوس وسفك الدماء، والتسلط على الناس واستعبادهم، وإنما شرع لأهداف جليلة، وغايات نبيلة، نذكر بأهمها بعد ذكر هدفه الأساسي:
أما هدفه الأساسي: فهو تعبيد الناس لله وحده، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وإظهار دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
قال تعالى: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ[ [البقرة: 193]، وقال سبحانه: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[ [الأنفال: 39]، وقال سبحانه: ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ [التوبة: 33 ، والصف: 9]، وقال r : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» رواه مسلم.
ومن أهداف الجهاد:
1- رد اعتداء المعتدين على المسلمين، قال تعالى: ]وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[ [البقرة: 190]، وقال تعالى: ]أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[
[التوبة: 13].

2- إزالة الفتنة عن الناس؛ حتى يستمعوا إلى دلائل التوحيد من غير عائق، وحتى يروا نظام الإسلام مطبقا ليعرفوا ما فيه من عدل وإصلاح للبشر، قال تعالى: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ[ والفتنة أنواع:
‌أ- ما يمارسه الكفار من تعذيب المستضعفين من المؤمنين والتضييق عليهم ليرتدوا عن دينهم، قال تعالى: ]وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ......[ [النساء: 75]، ومن ذلك أيضا فك أسرى المسلمين كيلا يفتنهم الكفار.
‌ب- الأوضاع والأنظمة الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة، فإن هذه من شأنها أن تفتن المسلم عن دينه، وبهذا فسر بعض السلف قوله تعالى: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ[ قالوا: إن الفتنة والشرك ونحوه، ولذلك فإن أهل الجزية من أهل الذمة ونحوهم يمنعون من المجاهرة بدينهم والتعامل بالربا وإظهار الزنا والخنا، لأن هذه الأوضاع تفتن المسلم عن دينه.
‌ج- فتنة الكفار أنفسهم وصدهم الناس ومن تحت ولايتهم عن استماع الحق وإقامتهم سياجا منيعة أمام دين الله لئلا يدخله الناس، فيجب أن يقام على هؤلاء الجهاد حتى يفسح المجال لدين الله يراه الناس ويعرفونه وتقوم عليهم الحجة به، وبهذا يدخل الناس في الإسلام، إذ غالب ما يصد الشعوب عن دين الله إقامة دول الكفر الحواجز والسدود أمام دين الله كيلا يدخل إلى الشعوب.
3- حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار: قال تعالى: ]وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ .....[ ومن أجل ذلك شرع الرباط على الثغور لحماية دولة الإسلام من المتربصين بها ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [آل عمران: 200].
4- تأديب المتمردين والناكثين للعهود المنتهزين لسماحة الإسلام وأهله: قال تعالى في حق من نقضوا العهود والمواثيق: ]وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ[ [التوبة: 12 - 13]، وكذلك من كان بينه وبين المسلمين عهد وتوجس المسلمون منه شرا وحربا، فإنه ينبذ إليه عهده، ويكشف له حقيقة الأمر ثم يقاتل، قال تعالى: ]وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ[ [الأنفال: 58]، وكذلك البغاة من المسلمين وهم الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل، فيقاتلون حتى تذهب ريحهم ]فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ[ [الحجرات: 9]، ومثل البغاة: من أجمعوا على ترك واجب أو فعل محرم وتواطؤوا عليه فيقاتلون حتى يستقيموا. وأشد منهم المرتدون، فيقاتلون حتى يسلموا أو يبادوا كما فعل ذلك أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ مع المرتدين.
5- دفع الظلم والدفاع عن الأنفس والحرمات والأوطان والأموال قال تعالى: ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ[ [الحج: 39 - 40].
6- إرهاب الكفار وإخزاؤهم وإذلالهم وإغاظتهم: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[ [الأنفال: 60]، وقال سبحانه: ]قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ[ [التوبة: 14]، وقال: ]ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ[ [الأنفال: 18]، وقال رسول الله r : «خير الناس في الفتنة رجل معتزل في ماله يعبد ربه ويؤدي حقه، ورجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله يخيفهم ويخيفونه» رواه أحمد.
قال ابن القيم: ( ....... ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه، أحدها قوله: ]وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً[ [النساء: 100] سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما، يراغم به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى: ]ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ[ وقال تعالى في مثل رسول الله r وأتباعه: ]وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ[ [الفتح: 29])([6]).
تلك بعض أهداف الجهاد التي شرع من أجل تحقيقها، وأما غايته التي يتوقف عندها الجهاد: فهي إسلام أهل الأرض كلهم واعتناقهم عقيدة الإسلام من غير أهل الكتاب والمجوس. أما هؤلاء ([7]) إذا دفعوا الجزية ملتزمين أحكام الإسلام حال كونهم في ذل وصغار فإن المسلمين يكفون عن قتالهم، وبهذا تكون كلمة الله هي العليا ودين الله هو الأعلى.
ومع ذلك فإننا نقول: إن الجهاد لا يتوقف لأن الصراع بين الحق والباطل وأهلهما قائم ما وجد في الأرض اثنان، قال r : «لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» متفق عليه، وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي r : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمنغم» قال الحافظ (سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد، لأنه r ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم. والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا) ([8]).

الوقفة السادسة:
الترهيب من ترك الجهاد وبيان عواقبه
ترك الجهاد مع القدرة عليه كبيرة من كبائر الذنوب، بل لا خلاف بين العلماء على أن أي طائفة امتنعت عن جهاد الكفار أو ضرب الجزية عليهم تجاهد هي بذاتها حتى ترجع إلى الصواب، وتلتزم هذه الفريضة المحكمة التي ورد بها الكتاب والسنة والإجماع.
قال -شيخ الإسلام- ابن تيمية: (فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام .... أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء .......) ([9]).
وقد وردت نصوص كثيرة تحذر من ترك الجهاد وتبين عواقب تركه، وتصف الناكلين عنه بأقبح الأوصاف، وإليك بعضا منها:
1- ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة، أما هلاك الدنيا فبالذلة والاستعباد وتسلط الكفار عليهم، وأما هلاك الآخرة فمعلوم، قال تعالى: ]وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ [البقرة: 195]، قال أسلم بن عمران: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال أناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما أنزلت فينا، صحبنا رسول الله r ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجيا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه r ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيها، فنزل فينا ]وَأَنْفِقُوا .....[ الآية، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد" ([10]).
2- ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه، قال تعالى: ]إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [التوبة: 39].
3- ترك الجهاد والفرح بالقعود من صفات المنافقين، قال تعالى: ]لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[ [التوبة: 44 - 45]، وقال سبحانه: ]فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[ [التوبة: 81 - 82].
4- ترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم، قال تعالى: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[ [البقرة: 251]، وقال سبحانه: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا[ [الحج: 40].
5- ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة وفضائل جمة، منها: الأجر، والثواب، والشهادة، والمغنم، والتربية، ودفع شر الكفار، وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين وإعزازهم.
6- ترك الجهاد قد يعرض لعقوبة عاجلة تنزل بالقاعدين عن الجهاد، كما قص الله تعالى من خبر بني إسرائيل لما طلب إليهم موسى -عليه الصلاة والسلام- أن يدخلوا الأرض المقدسة فقالوا: ]يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[ ، وقال: ]رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ[ ، قال: ]فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ[ [المائدة: 24 - 26]، وقد وعى أصحاب رسول الله r هذا الدرس جيدا، ففي يوم بدر لما استشارهم رسول الله r في القتال قال له المقداد: يا رسول الله: إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك مقاتلون ([11]).
وقال رسول الله r : «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم»([12]).
7- ترك الجهاد سبب للذل والهوان، قال تعالى: ]إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [التوبة: 39]، قال القرطبي: (فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدو، وبالنار في الآخرة) قال r : «لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله، وترجعوا إلى ما كنتم عليه»([13]).
هذه بعض عواقب ترك الجهاد، وتفصيلها يطول، فاللهم أقم على الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وانشر رحمتك على العباد.

الوقفة السابعة: ثمرات الجهاد وفوائده
للجهاد فوائد عظيمة، وثمرات يانعة، ومصالح جمة تتحقق للأمة، بل وللعالم كله، نذكر على سبيل المثال منها:
1- كشف المنافقين، فإنهم في حال الرخاء لا يتميزون عن غيرهم، فإذا جاءت الشدة والبأساء تبينوا للمؤمنين وانكشفوا، قال تعالى: ]مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ[
[آل عمران: 179]، وقال سبحانه: ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[
[آل عمران: 142]، وقال عنهم في بدر: ]إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ[ [الأنفال: 49]، وقال عنهم في غزوة الأحزاب: ]وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا[
[الأحزاب: 12]، وقال سبحانه: ]فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ[ [محمد: 20].

2- تمحيص المؤمنين من ذنوبهم، قال تعالى: ]وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ[ [آل عمران: 140 - 141].
3- اتخاذ الشهداء منهم، للآية السابقة.
4- محْقُ الكافرين، للآية السابقة.
5- تربية المؤمنين على الصبر والثبات والطاعة وبذل النفس والإيثار، قال تعالى: ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[.
6- دخول الناس في دين الله تعالى، فإن كثيرا من الناس لا ينقادون للحق الذي لا تحميه قوة ولا يكون له بأس، وعامة الخلق ينفرون من الضعيف والضعف، ولذلك قال تعالى: ]لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[ [الحديد: 25].
قال ابن كثير: "وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده من بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله r بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده) ([14]).
ودعوة رسول الله r أكبر شاهد على هذا، إذ لما تكونت للمؤمنين في المدينة قوة يضربون بها في الأرض وفتحوا مكة جاءت العرب مسلمة مذعنة.
7- محو الفساد من الأرض، لأنه إن لم يجاهد المسلمون المفسدين، ارتفع منار الفساد، وقويت شوكة المفسدين، وتلك سنة جارية، قال الله عنها: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[ [البقرة: 251]، وقال سبحانه: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[
[الحج: 40].

قال ابن زيد: "لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض: أي: لولا القتال والجهاد" ([15]). وقال مقاتل: (لولا دفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد) ([16]). وقال سبحانه: ]كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً[ [التوبة: 8]، وقال تعالى: ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[ [البقرة: 120].
8- ظهور صدق الدعوة للناس، وذلك من وجوه:
‌أ- أن يشاهد الناس الدعاة إلى الله وهم يبذلون من أجله كل شيء مع خلوهم من المطامع، فيدعوهم ذلك إلى التفكر فيهم وفيما يدعون إليه.
‌ب- أن يرى الناس معاني ومبادئ تلك الدعوة تتحرك في أهلها بلا مواربة ولا خفاء، ولذلك هاجر الرسول r وأصحابه ليتموا أمر الله ويعملوا بكل ما يؤمرون به، ولو كان أداء بعض شعائر الإسلام خفية كافيا في أداء حق الله تعالى على المسلم لما كان القاعد عن الهجرة بين ظهراني المشركين آثما ]إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ .....[ [النساء: 97 - 99].
‌ج- ما يمنحه الله للمجاهدين من أسباب النصر التي تخرق الأسباب المادية المألوفة، والتي تكون سببا لتصديق الناس بهذه الدعوة، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا[ [الأحزاب: 9]، وهذا في غزوة الأحزاب، ومثلها صار في بدر وغيرها من المشاهد...
9- إنه سبب لرأب صدع المسلمين وتآلفهم وقلة خلافاتهم، إذ يكون جل همهم ملاحقة عدوهم، ونشر دينهم، ودعوة الناس إلى الله، قال تعالى: ]هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ [الأنفال: 62 - 63]، وقال: ]وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[ [الأنفال: 46]، وقال: ]يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [الأنفال: 1].
10- إنه سبب للهداية، قال تعالى: ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[ [العنكبوت: 69]، قال سفيان بن عينية لابن المبارك: "إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: ]لَنَهْدِيَنَّهُمْ[ "([17])، وقال ابن جرير: ]لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[ يقول: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا r "([18]).
11- إنه سبب لاستمساك المسلمين بدينهم وحرصهم على الحفاظ عليه، وذلك لأنهم بذلوا في سبيله الغالي والرخيص فلا يمكن أن يفرطوا فيه أو يتهاونوا به، قال سيد قطب: (ولابد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف... ليؤدي المؤمنون تكاليف هذه العقيدة، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين) ([19]).
الوقفة الثامنة: عوامل النصر ([20])
للنصر عوامل وأسباب كثيرة بينتها نصوص جمة من الكتاب والسنة، ومما ورد منها في القرآن الكريم ما يلي:
الأول: الإيمان والتقوى، قال تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا[ [الحج: 38]، وقال تعالى: ]إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ[ [غافر: 51]، وقال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ [الروم: 47]، وقال سبحانه: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ..... الآية[ [النور: 55]، والآيات الدالة على أن الإيمان عامل مهم من عوامل النصر على الأعداء كثيرة جدا.
وأما التقوى: فقال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[ [التوبة: 123]، وقال تعالى: ]تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ [القصص: 83]، وقال: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا[ [الطلاق: 2]، وقال جل وعز: ]وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا[ [آل عمران: 120]، وقال سبحانه: ]بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[ [آل عمران: 125]، وغير ذلك من الآيات.
الثاني: الإعداد، وذلك بإعداد الآتي:
‌أ- إعداد القوة الضاربة.
‌ب- إعداد المال اللازم.
‌ج- إعداد الجنود الصالحين للجهاد.
ويجمع هذه الألوان من الإعداد قوله تعالى: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ[ [الأنفال: 60].
الثالث: الثبات.
الرابع: ذكر الله كثيرا.
الخامس: طاعة الله وطاعة رسوله.
السادس: عدم التنازع.
السابع: الصبر.
والدليل على هذه الخمسة أول سورة الأنفال: ]يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ وقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [الأنفال: 45 - 46] وقد لقن المؤمنون درسا شديدا في أحد حينما تنازعوا وعصوا الرسول r ، قال تعالى: ]وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ[ [آل عمران: 152].
الثامن: الإخلاص لله تعالى في القتال، فلا يقاتلون حمية ولا عصبية ولا رياء وسمعة، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ....[ [محمد: 7]، وقال: ]وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ[ [الحج: 40] ومثل ذلك الآيات التي وصفت القتال بأنه في سبيل الله، وهي كثيرة جدا، وقد نهى الله المؤمنين عن التشبه بالكافرين في القتال من أجل الرياء والفخر والبطر حيث قال جل ذكره: ]وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[ [الأنفال: 47].
التاسع: تطهير الجيش من العناصر الفاسدة والضعيفة، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ....[ [آل عمران: 118]، وقال تعالى مبينا ضرر خروج المنافقين في صفوف المجاهدين: ]لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ[ [التوبة: 47]، وقد اختبر طالوت جنوده قبل لقاء العدو ليطهر جيشه من العناصر المخذولة: ]فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[ [البقرة: 249].
وظهر أثر هذا التطهير بغلبة طالوت على جالوت: ]فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ[.
العاشر: التوكل على الله: إن المجاهدين إذا أعدوا عدتهم وأخذوا بأسباب النصر لزمهم أن يتوكلوا على الله، ولا يتكلوا على أسبابهم المادية، فإن الأسباب لا تغني من الحق شيئا إذا لم يأذن الله بالنصر، قال تعالى: ]إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [آل عمران: 160]، وقال: ]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].
الحادي عشر: الدعاء، قال تعالى في حق قوم طالوت: ]وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[ [البقرة: 250]، وقال تعالى: ]وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[
[آل عمران: 146 - 147]، والآيات الدالة على وجوب الدعاء كثيرة.

الثاني عشر: التوبة، لاشك أن التوبة من أعظم وسائل النصر، ولذلك كان أتباع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يلهجون بالاستغفار قبل الدخول في المعركة كما في الآية السابقة، وقال تعالى: ]وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[ [الشورى: 30]، وقال جل شأنه: ]أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ[ [آل عمران: 165].
الثالث عشر: التحريض على القتال وترغيب المؤمنين في الجهاد، وذلك بإقامة الخطباء المؤثرين والوعاظ، والأناشيد الحماسية: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ... الآية[ [الأنفال: 65]، وقال جل وعز: ]فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ....[ [النساء: 84].
الرابع عشر: الحذر من تغرير الشيطان بالمؤمنين، وذلك بأن يتكلوا على أسبابهم المادية، أو يعجبوا بأعمالهم وينسوا ذنوبهم كما فعل بالمشركين في بدر ]وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ[ [الأنفال: 48]، قال ابن عباس: (لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم وإني جار لكم، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى أمداد الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني أرى ما لا ترون) ([21]).
الخامس عشر: إيهام العدو بغير الحقيقة، كأن يوهمهم المجاهدون أن عددهم قليل، ليتقدم العدو ثم ينقض عليهم المجاهدون، أو يوهموهم بكثرة عددهم ليرهبوهم، قال تعالى: ]إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ[ [الأنفال: 43 - 44]، فأرى الله نبيه قلة عدد العدو ليخبر أصحابه فيكون تثبيتا لهم، ولو أراه العدو كثيرا فأخبرهم لوهنوا وضعفوا، فلما التقوا أرى الله المؤمنين قلة عدد العدو ليقدموا على قتالهم حتى قال ابن مسعود لرجل بجواره: أتراهم سبعين فقال: أراهم مائة([22]). وقلل المؤمنين في أعين العدو ليجترئوا على المسلمين ولا يستعدوا لقتالهم حتى قال أبو جهل: "إنما أصحاب محمد أكلة جزور" أي لقلتهم يكفيهم جزور واحد في اليوم ([23]) .... قال رسول الله r : «الحرب خدعة» متفق عليه.
السادس عشر: أخذ الحذر من العدو، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا[ [النساء: 71]، وقال تعالى في آية صلاة الخوف: ]وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا[ [النساء: 102].
السابع عشر: التنظيم، ومنه قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ[
[الصف: 4]، ومنه: الاستئذان عند الانصراف، قال تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[
[النور: 62]، ومنه الآية في صلاة الخوف.

الثامن عشر: إذكاء روح العزة في نفوس المؤمنين، واستشعارهم أنهم الأعلون أصحاب الحق الخالد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ]وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [آل عمران: 139] ومن صور إظهار العزة: الخيلاء، وله صورتان:
‌أ- إظهار التجلد للكافرين وإبراز القوة وشدة البأس، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في عمرة القضاء: "قدم رسول الله r وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي r أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" متفق عليه، قال ابن حجر: "ويؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم" ([24]).
‌ب- أن يختال المجاهد في مشيته أمام عدوه ليظهر عزته على الكافرين ]أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ[ وفي حديث جابر بن عتيك عن رسول الله r أنه قال: «.... وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال...»([25]).
تلك بعض وسائل النصر الواردة في كتاب الله وما تركناه منها كثير، والله المستعان.


([1])الجواب الصحيح (1/73).

([2])الصارم المسلول ص99.

([3])زاد المعاد (3/160).

([4])الصارم المسلول ص 221.

([5])هذه الوقفة ملخصة برمتها من كتاب: أهمية الجهاد للدكتور علي العلياني ص158.

([6])مدارج السالكين (1/266).

([7])أي: أهل الكتاب والمجوس. وقد اختلف العلماء في حكم قبول الجزية من غيرهم.

([8])فتح الباري (6/42).

([9])مجموع الفتاوى (28/503).

([10])رواه ابن حبان والحاكم وصححاه.

([11])رواه البخاري.

([12])رواه أحمد.

([13])رواه أحمد.

([14])ابن كثير (8/53).

([15])الطبري (7/124).

([16])زاد المسير (1/30).

([17])القرطبي (13/364).

([18])الطبري (21/15).

([19])الظلال (2/145).

([20])بتصرف من كتاب: وسائل النصر.

([21])ابن جرير 6/265.

([22])رواه الطبراني في الكبير 10/147 وابن جرير 6/259.

([23])السيرة النبوية لابن هشام 2/623.

([24])فتح الباري (3/470).

([25])رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2016-02-23
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  ahmed-dz غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 19095
تاريخ التسجيل : May 2014
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 61 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : ahmed-dz
افتراضي رد: وقفات مع آيات الجهاد

يعجز القلم على الاطراء
ويعجز النبض على التعبير بما كتبت وبما طرحت
.. بارك الله فيك وجعله فى موزين حسناااااااتك
وجزيت الجنه ونعيمهااااا** }
تحياتى
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

وقفات مع آيات الجهاد



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 11:00 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب