منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

اتباع الهـوى .. (مظاهره . خطره . علاجه)

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الداء الفتاك وداعي الهلاك "الهـوى" seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-11 08:01 PM
الملل أسبابه و علاجه Emir Abdelkader منتدى النقاش والحوار 6 2012-11-12 10:12 PM
الادمان وطرق علاجه ولاء منتدى الأسرة العام 5 2012-02-17 06:03 PM
بحث حول التلوث أنواعه أضراره علاجه 3algeria منتدى البحوث والمذكرات 5 2011-08-05 04:29 PM
انطردت من المنتدى .... ارجوا منكم عمل مظاهره في المنتدى حتى يرجعوني رهف97 منتدى الطرائف والنكت 11 2010-08-02 09:18 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-20
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي اتباع الهـوى .. (مظاهره . خطره . علاجه)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ [آل عمران: 102].
}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{
[النساء: 1].

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد
فإن من أعظم الآفات التي قد يصاب بها المسلم اتباع الهوى.
وإن من يقلب طرفه في أحوال الناس ، ويصغى سمعه في أقوالهم يرى ويسمع من تلك الأهواء التي تتجارى بهم عجبًا.
فيرى أناسًا يمدحون أمورًا ثم يذمونها ويعيبون أشياءً ثم يفعلونها، وقد يأخذون على شخص في مقام المسؤولية بعض تصرفاته دون تأمل أو نظر في مبناها الشرعي وإذا تولى أحدهم هذه المسؤولية عمل ما كان يعيب به أخاه وأكثر.
ويرى أناسًا يتقبلون أقوالاً وأفعالاً ويتبنون أفكارًا لأنها صادرة عن فلان من الناس ولو عملها غيره لم تحظ منهم بقبول بل ربما تقابل برد ونفور.
ويعجب الإنسان من أشخاص يعملون أمورًا ظاهرة العيب، واضحة الخطأ ومع ذلك يستميتون في الدفاع عنها وبيان صوابها، ويذكرون مسوغات لفعلها يضحك منها عامة الناس فضلاً عن خواصهم.
وغير ذلك كثير كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وما ذاك إلا لأن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى، فإذا تكلم فبهوى، وإذا صمت فلهوى، وإذا فعل فلهوى، وإذا ترك فلهوى، ولأنه يعيش في محيط هواه الذي أضله وأعماه وأصمه ، والذي أسره وقيده، فإن الهوى يأسر صاحبه كما قال شيخ الإسلام – رحمه الله - «المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه»([1]).
ولخطورة هذا الموضوع وانتشاره في الناس على اختلاف طبقاتهم، وتنوع مواردهم، وتباين مستوياتهم أحببت أن أسهم في بيانه والتحذير منه، وذكر شيء من علاجه؛ لعلي أفيد منه نفسي، ولعل غيري يجد فيه ما يفيد وينفع وليكون دافعًا لمزيد من الكتابة فيه من أولي العلم والعدل كتابة أقوم وأوسع، وما أبرئ نفسي من النقص والخلل فإن هذا من سمة البشر، وصدق الله إذ يقول: }وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا{ [النساء: 82]. وأسأل الله تعالى العافية والحفظ من الهوى والزيغ والزلل. هذا وسيلاحظ القارئ الكريم أني أكثرت من ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأطلت النقل عنه وما ذاك إلا لأني وجدت له في ذلك كلامًا رصينًا قويمًا، فأثرت الاكتفاء به عن غيره في كثير من الأحيان.
وإني ألتمس من كل ناصح يطلع على هذه الرسالة ويجد فيها خطأ أو نقصًا – ولا بد أن يوجد – أن ينبهني عليه، ويرشدني إلى الصواب، شاكرًا له صنيعه، وداعيًا له بالتوفيق والسداد.
وأخيرًا فإني أشكر كل من اطلع على هذه الرسالة من المشايخ الفضلاء على ما أبدوه وأضافوه وأرشدوا إليه من ملحوظات قيمة، داعيًا الله لهم أن يأجرهم ويثيبهم ويبارك في جهودهم.
وأسأل الله تعالى أن يجنب الجميع مضلات الهوى في الشؤون كلها، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل والسر والعلن، وأن يهدينا ويسددنا فيما نفعل وما نذر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعريف الهوى
الهوى في الأصل هو ميل النفس إلى ما تحب من الخير أو الشر.
ويعرفه ابن الجوزي – رحمه الله – بأنه:
«ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر»([2]).
وقال ابن رجب – رحمه الله -:
«وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقًا، فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه»([3]).
واستدل – رحمه الله – على قوله ببعض الآثار، ومنها ما جاء أنه لما نزل قوله – تعالى -: }تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ{ [الأحزاب: 51]. قالت عائشة للنبي r: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»([4]).
ويمكن أن يستشهد للهوى الممدوح بما روي في الحديث أنه r، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»([5]). ففي الحديث دلالة على أن الهوى قد يكون تابعًا لسنة الرسول r، مائلاً إليها محبًا لها ونابعًا منها فيكون صاحبه ممدوحًا ومثنيًا عليه بالإيمان.
إذن فالهوى في الأصل ميل النفس إلى ما تهواه، فإن مالت إلى ما يخالف الشرع فهو الهوى المذموم، وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح، وإذا ذكر الهوى مطلقًا أو ذكر ذمه فإنما يراد به الهوى المذموم لأنه الغالب والله أعلم.
واتباع الهوى المذموم قد يكون في أمور الدين وقد يكون في شهوات الدنيا أو بعبارة أخرى قد يكون في الشبهات وقد يكون في الشهوات، وقد يكون في أمر مشترك بينهما.
وهوى الشبهة قد يوصل صاحبه إلى حد الابتداع في الدين وهو المراد في عامة كلام السلف حينما يتحدثون عن أهل الأهواء، فإنما يريدون بذلك أهل البدع.
وأما هوى الشهوة فقد يكون في الأمور المباحة كالأكل والشرب والنكاح والملبس وقد يكون في الأمور المحرمة كالزنا والخمر ومرتكب هذه المحرمات يسمى فاجرًا وفاسقًا وعاصيًا ([6]).
قال ابن رجب – رحمه الله -:
«وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء.
وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه»([7]).
وقال الشاطبي – رحمه الله -: «ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك»([8]).
ومما ينبغي أن يعلم أن أهواء الشبهات أعظم وأخطر من أهواء الشهوات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
«واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى: }فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ{ [القصص: 50].
ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه ، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله»([9]).
ولذا فسيكون مدار الحديث في هذه الرسالة على أهواء الشبهات، أي الأهواء التي قد لا يشعر أصحابها أنهم على معصية لخفائها لالتباس الحق بالباطل فيها كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
* * *

ذم اتباع الهوى
لقد تظافرت النصوص الشرعية والآثار السلفية في ذم الأهواء المضلة والتحذير من اتباعها.
ومن ذلك ما خاطب الله تعالى به نبيه داود عليه السلام بقوله: }يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ{ [ص: 26]. وقال في حق نبيه محمد r: }ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ{ [الجاثية: 18] وقال: }وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ{ [البقرة: 145]. وقال تعالى: }قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ{ [الأنعام: 56]. وقال تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين ومحذرًا لهم من اتباع الهوى: }فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا{ [النساء: 135].
وأخبرنا تعالى بأنه لا أحد أضل ممن يتبع هواه بغير هدى ولا علم كما قال – تعالى - }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ{ [القصص: 50]. وقال تعالى: }وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ{ [الأنعام: 119]. والآيات في ذم الأهواء الباطلة والتحذير من اتباعها كثيرة جدًا.
وأما الأحاديث فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أبي برزة عن النبي r قال: «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى»([10]).
وأخبرنا نبينا r أن اتباع الهوى من المهلكات فقال: «ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه»([11]) ولخطورة اتباع الهوى وشدة مجاهدته على النفس فقد جعل رسول الله r مجاهدة الرجل لهواه أفضل الجهاد فقال: «أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه»([12]).
ولقد حذر السلف – رحمهم الله – من الهوى واتباعه، ورهبوا من مجالسة أهله وأصحابه، ومن ذلك ما ذكر عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق»([13]).
ولما قال رجل لابن عباس – رضي الله عنهما -: «الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم» قال ابن عباس: «الهوى كله ضلالة»([14]). وقال ابن عباس – أيضًا -: «لا تجالسوا أصحاب الهوى فإنهم يمرضون القلوب»([15]).
وقال معاوية: المروءة ترك اللذة وعصيان الهوى ([16]).
وقال ميمون بن مهران: إياكم وكل هوى يسمى بغير الإسلام([17]).
وعن الحسن أنه كان يقول: «اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم»([18]).
وقال أبو قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون»([19]).
وقال إبراهيم النخعي: «لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين»([20]).
وقال يونس بن عبيد: «أوصيكم بثلاث فخذوها عني حييت أو مت: لا تمكن سمعك من صاحب هوى، ولا تخل بامرأة ليست لك بمحرم ولو أن تقرأ عليها القرآن، ولا تدخلن على أمير ولو أن تعظه»([21]).
وقال الشعبي: «إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه»([22]).
وقال مالك بين دينار: «بئس العبد عبد همه هواه وبطنه»([23]).
وقال بشر: «اعلم أن البلاء كله في هواك، والشفاء كله في مخالفتك إياه»([24]).
ولقد أكثر الشعراء من ذكر الهوى وأحسن كثير منهم في تصويره والتحذير منه: ومما قيل في ذلك.
إن الهوان هو الهوى قلب اسمه




فإذا هويت لقد لقيت هوانا





وقال آخر:
نون الهوان من الهوى مسروقة




فإذا هويت فقد لقيت هوانا





وقال آخر:
إن المرآة لا تريك عيوب وجهك مع صداها
وكذلك نفسك لا تريك عيوب نفسك مع هواها
وقال آخر:
وكل امريء يدري مواقع رشده




ولكنه أعمى أسير هواه


يشير عليه الناصحون بجهدهم




فيأبى قبول النصح وهو يراه


هوى نفسه يعميه عن قصد رشده




ويبصر عن فهم عيوب سواه ([25])





والمقصود أن اتباع أهواء النفوس بغير هدى من الشرع مما تضافرت على ذمه النصوص الشرعية والآثار السلفية والحكم الشعرية.
وفي الحقيقة فإن اتباع الإنسان لهواه دليل على نقص عقله وضعف إرادته وإيمانه وقلة مراقبته لربه.
وهو دليل على فساد القلب وخبث النفس وانطوائها على ركام من الحسد والبغي وحب للعلو والرياسة وحرص على قضاء الوطر، وصاحبه شبيه بالأطفال بل بالأنعام، بل هو أضل من الأنعام إذ الهوى يعمي صاحبه ويصمه عن قبول الحق. قال تعالى: }وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ{ [الأعراف، 179].
ومما ينبغي أن يعلم أن اتباع الهوى ينتج عن أسباب كثيرة من أهمها أمران:
أحدهما: ضعف الإيمان وما يتبع ذلك من آثار: كالحسد والغرور والتطلع إلى الشهرة والتكالب على الشهوة، وضعف الإرادة والتعلق بالدنيا وغير ذلك.
الثاني: مجالسة أهل الأهواء والتأثر بهم.
***

مظاهر اتباع الهوى
إن اتباع الهوى كثيرًا ما يكون فيه غموض وخفاء، ولذا قد لا يتنبه ولا يدرك المتبع لهواه أنه يفعل ما يفعل أو يقول ما يقول اتباعًا لهواه، وقد لا يشعر الآخرون أيضًا أن هذا الشخص يمارس بعض الأشياء اتباعًا لهواه، بل يظنون فيما يصدر منه أن فيه تحريًا للصدق والعدل والحق، وفي الحقيقة فإن هذا الأمر دقيق جدًا، فقد يعمل شخص عملاً أو يقول قولاً لهوى في نفسه ،ويعمل شخص آخر العمل نفسه ، أو يقول القول نفسه لا لهوى في نفسه ، وإنما نصرة للحق، فيصعب التفريق بين الشخصين ومعرفة الدافع لكل منهما، وإنما يعرف حقيقة ذلك الشخص نفسه عند التجرد، وقد يدركه بعض الناس لأمارات تظهر على القول أو الفعل وقرائن تحف بهما وبصاحبهما. يقول الشاطبي – رحمه الله – عن قضية اتباع الهوى إنها «راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه، إلا أن يكون عليها دليل خارجي»([26]) وعلى كل حال يمكن ذكر بعض المظاهر التي يمكن أن يستدل بها على أن من صدرت منه متبع لهواه. فمن ذلك:
أولاً: تعليق الولاء والبراء بما لم يعلقه الله ورسوله r، كأن يجعل الشخص ولاءه على من يوافقه في آرائه أو أقوال شيخه ، وعلى من ينتصر لأقوال طائفته وتوجهات أصحابه أو أهل بلده وجماعته انتصارًا مطلقًا دون نظر ولا تمحيص ولا اعتراض، ويجعل عداءه لمن يخالف ذلك أو ينصب للناس مقالة أو يرفع شعارًا يوالي ويعادي عليه دون حجة شرعية فهذا من اتباع الهوى.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«ومن نصب شخصًا كائنًا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو }مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا{ [الأنعام: 159] وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل اتباع الأئمة والمشايخ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به فهذا زاجر. وكمائن القلوب تظهر عند المحن، وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله أو أخبر الله به ورسوله. لكون ذلك طاعة الله ورسوله»([27]).
وقال – رحمه الله – في موطن آخر:
«ولهذا تجد قومًا كثيرين يحبون قومًا ويبغضون قومًا لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها، أو يعادون من غير أن تكون منقولة نقلاً صحيحًا عن النبي r وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها ومقتضاها»([28]).
وقال شيخ الإسلام أيضًا:
«وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك، بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ولا يخص أحدًا بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقدم من قدم الله ورسوله عليه ويفضل من فضله الله ورسوله»([29]).
وقال في موطن آخر:
«وليس لأحد أن ينصب للعامة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي r، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة. بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون»([30]).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
«ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورًا وقد لا يكون معذورًا، بل يكوم متبعًا لهواه، مقصرًا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإن كثيرًا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعًا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه، فهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرد الهوى والألفة أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه، خشية أن يقع فيما نهي عنه عن البغض المحرم.
وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له. ولا والى من يوافقه، ولا عادى من خالفه، ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق لمنزلة متبوعه، وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده.
وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق فافهم هذا فإنه مهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم»([31]).
ومن هنا نعلم مدى الأهواء التي تحصل في نفوس بعض الناس ممن يتعلقون بأشخاص ويعجبون بهم ويقلدونهم وتتجمد أفكارهم وعقولهم أمام كل ما ينطق به هذا الشخص حتى ربما يحصل في نفوس بعضهم هاجس بأن كل ما ينطق به هذا الشخص أو يراه أو يتوقعه فهو الصواب الذي لا يصح لأحد أن يناقش فيه أو يعترض عليه. والمقصود بهذا كله ما يحصل من الآراء والاجتهادات في المسائل التي ليس عليها دليل صحيح صريح من الشرع، أما ما كان ظاهرًا وليس للاجتهاد فيه مجال فليس مقصودًا بالكلام هنا.
فمن جعل معيار الحق والموالاة موقوفًا على موافقته في آرائه واجتهاداته دون برهان مبين، ومعيار الباطل والمعاداة على من خالفه في آرائه وتوجهاته - كان من أهل الأهواء.
ولذا نجد أصحاب هذه الأهواء قد يوافق بعضهم بعضًا في الباطل كما أنهم قد يذمون من لم يذمه الله ورسوله r انتصارًا لأهوائهم.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلاً سيئ القصد، ليس له علم ولا حسن قصد فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله»([32]).
ثانيًا: التحامل على المخالف والتشنيع عليه بما يخرج عن الحد الشرعي ويوقع في البغي والعدوان، وهذا التحامل والتشنيع قد يكون في أمور مختلقة لا أساس لها من الصحة، لكنها وافقت هوى في نفس المتحامل فأخذ يلوكها ويشيعها. وقد يكون لها أو لبعضها أساس من الصحة لكن زيد فيها أو نُقص منها وفسرت بتفسيرات لم تخطر في بال قائلها أو فاعلها. وقد يحكم عليه بلوازم لا تلزم أو لا يلتزمها. وقد تكون هذه الأمور التي شُنَّع بها صحيحة النسبة لمن قالها أو فعلها لكن له فيها اجتهادًا وهو مستند فيها إلى أدلة ربما تكون مساوية لأدلة من خالفه فيها ، وهو في اجتهاده هذا له مندوحة يخرج بها عن موجب التشنيع ويستحق بها العذر، وإن كان هذا لا يعني السكوت وعدم المناقشة والنصيحة للوصول إلى الحق والتحذير من الخطأ.
وقد تكون تلك الأمور التي شُنَّع به على المخالف خطؤها ظاهر وفاعلها مجانب للصواب وقد يكون مستحقًا للإنكار، لكن يقع الناقد لها والمشنع على فاعلها في أمور تخرجه عن سمت العدل والإنصاف، وتوقعه في الظلم والاعتداء وذلك بتجاوزه في النقد والإنكار إلى حد يغمط فيه كل فضيلة للمخالف ويجحدها، ويتبرأ منه، ويناصبه العداء وقد يكون هذا المخالف من أولياء الله، وله حسنات تغمر ما حصل منه من خطأ أو زلة عابرة قد يكون لم يتقصدها، ولم يرفع بها لواء، ولم يدع إليها، لكن عين صاحب الهوى وقعت عليها، فتلقفها وخاض فيها، وعلق عليها الشروح والحواشي واللوازم التي لم تخطر على بال قائلها وفاعلها فيعتدي على المخالف بقوله أو فعله أو كتابته، ويتجاوز في ذمه وبغضه. وينسى حكمة الدعوة إلى الله، ويترك سنة النصيحة سرًا، التي هي خير للناصح والمنصوح فهي خير للناصح من حيث كونها أدعى إلى الإخلاص والبعد عن الرياء وحظوظ النفس، وهي خير للمنصوح من جهة أنها أقرب إلى القبول، وأبعد عن العزة التي تأخذ صاحبها بالإثم وتجعله يجحد ما مع الناصح من الحق ويستكبر عن الاعتراف بالخطأ. وقد حذر شيخ الإسلام – رحمه الله – في معرض ذكره لفوائد قوله تعالى: }عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ{ [المائدة: 105]. حذر من التعدي والتجاوز في عقوبة أشخاص مرتكبين لأمور متفق على إنكارها فقال:
«الرابع: أن لا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أو عقوبتهم ... فإن كثيرًا من الآمرين الناهين قد يعتدي حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين ..» ثم قال:
«وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين الأمة وعلمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل. كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن، محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم: }رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا{ [آل عمران: 147]»([33]).

([1]) ذيل بقات الحنابلة، (2/402).

([2]) ذم الهوى لابن الجوزي، ص12.

([3]) جامع العلوم والحكم، 3/227.

([4]) رواه البخاري، في كتاب التفسير، سورة الأحزاب، 6/24.

([5]) رواه ابن أبي عاصم في السنة 1/12، برقم 15، وابن بطة في الإبانة 1/388، وغيرهما. والحديث ضعفه الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم 3/220، والألباني في تخريجه لكتاب السنة لابن ابي عاصم 1/12.

([6]) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/143-144.

([7]) جامع العلوم والحكم، 3/226.

([8]) الاعتصام 2/176.

([9]) انظر مجموع الفتاوى، 28/132-133.

([10]) رواه الإمام أحمد في مسنده 4/420، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد 1/188.

([11]) الحديث حسنه المحدث الألباني ، وذكر أنه رواه أبو الشيخ في التوبيخ والطبراني في الأوسط، انظر صحيح الجامع الصغير 1/583.

([12]) الحديث صححه المحدث الألباني وذكر أنه رواه ابن النجار وأبو نعيم والديلمي. انظر صحيح الجامع الصغير، 1/247.

([13]) رواه الإمام أحمد في الزهد، ص192.

([14]) رواه ابن بطة في الإبانة، 1/355.

([15]) رواه ابن بطة في الإبانة، 1/438.

([16]) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى، ص22.

([17]) رواه ابن بطة في الإبانة، 1/354.

([18]) رواه ابن بطة في الإبانة، 1/389.

([19]) رواه الدارمي 1/108، وابن بطة في الإبانة 2/435.

([20]) رواه ابن بطة في الإبانة 2/439.

([21]) المرجع السابق، 2/442.

([22]) رواه الدارمي في سننه 1/109.

([23]) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى، ص23.

([24]) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى، ص24.

([25]) ذكر هذه الأبيات وغيرها ابن الجوزي في ذم الهوى، ص34-35.

([26]) الاعتصام 2/235.

([27]) مجموع الفتاوى، 20/8-9.

([28]) مجموع الفتاوى، 20/163.

([29]) مجموع الفتاوى، 11/512.

([30]) مجموع الفتاوى، 20/164.

([31]) جامع العلوم والحكم 3/76-78.

([32]) منهاج السنة، 1/255.

([33]) مجموع الفتاوى، 14/481-483 باختصار.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-20
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: اتباع الهـوى .. (مظاهره . خطره . علاجه)

وقد تصل الحال بصاحب الهوى إلى أن يرد ما مع المخالف من الحق ويستكبر عن اتباعه والخضوع له، بل قد يفسر ما يفعله المخالف من الأعمال الصالحة بتفسيرات وتأويلات بعيدة ويحكم على النيات والمقاصد بأحكام قاطعة.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر قوله تعالى: }إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ{ [آل عمران: 19]، وذكر غيرها من الآيات في هذا المعنى قال:
«فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات فاختلفوا للبغي والظلم لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم وهذا حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم، فيبغي بعضهم على بعض. ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغي على الآخر، فيكذب بما معه من الحق مع علمه أنه حق ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم أنه باطل»([1]).
والواجب قبول الحق ممن جاء به كائنًا من كان.

ثالثًا: الاضطراب والتناقض في المواقف والآراء والأحكام فصاحب الهوى قد يعيب أمرًا ثم يفعله، وقد ينتقص عملاً أو مشروعًا ، ثم يشيد به ويشارك فيه، وقد يسفه رأيًا لأن قائله فلان من الناس، فإذا قال به شخص يعظمه عاد إلى تمجيد ذلك الرأي الذي سفهه وقد يذم شخصًا ثم يمدحه أو العكس دون مسوغ صحيح لمدحه أو ذمه، فيكون ميزان قبوله ورده للأشياء والأقوال ومدار مواقفه وتوجهاته أهواء النفس فحسب فيقع في اضطراب كبير وتناقض كثير وفساد في الرأي ، ولهذا حذرنا ربنا – سبحانه وتعالى – من طاعة صاحب الهوى لأن أمره لا يؤول إلى رشد وسداد أبدًا، قال تعالى: }وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا{ [الكهف: 28]، وكما قال الشاعر ابن دريد:
وآفة العقل الهوى فمن علا




على هواه عقله فقد نجا ([2])





وقال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه»([3]).
ومن مظاهر التناقض والاضطراب وفساد الموازين لدى صاحب الهوى أن يتحاشى أمورًا ويشدد فيها ثم يفعل ما هو أكبر منها ويتساهل فيها.
وما ذاك إلا لغلبة الجهل واستيلاء الهوى.
قال ابن الجوزي – رحمه الله -: «رأيت كثيرًا من الناس يتحرزون من رشاش نجاسة ولا يتحاشون من الغيبة، ويكثرون من الصدقة ، ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت في أشياء يطول عدها من حفظ فروع وتضييع أصول ، فبحثت عن سبب ذلك فوجدته من شيئين: أحدهما: العادة ، والثاني: غلبة الهوى في تحصل المطلوب، فإنه قد يغلب فلا يترك سمعًا ولا بصرًا ...»([4]).
ويذكرني هذا بموقف الخوارج لما أسروا عبد الله بن خباب – رضي الله عنه – واقتادوه فبينما هم يسيرون لقي بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة فضربه فشق جلده، فأنكروا على صاحبهم حتى ذهب إلى الذمي فاستحله وأرضاه، وأخذ أحدهم تمرة ساقطة من نخلة، فأنكروا عليه حتى ألقاها من فمه، ومع ذلك ذبحوا عبد الله بن خباب – رضي الله عنه – وقتلوا زوجته وبقروا بطنها عن ولدها([5]).

رابعًا: تقصد تتبع السقطات والأخطاء في زلات الكلم وسبق القلم وفلتات اللسان وعثرات الأفكار، دون قصد النصيحة أو التألم لحصول ذلك في الأمة، وضلال أخيه عن الصواب، بل إن صاحب الهوى قد يفرح بوقوفه على خطأ أخيه وقرينه ليتخذ من ذلك ذريعة للحط من قدره والتشهير بعثرته وفي المقابل يحصل له – أي لصاحب الهوى – رفعة وشهرة في ظنه.
وقد لا يفكر في الاعتذار لأخيه أو تلمس المعاذير له أو التلطف في نصحه وبيان عيبه والستر عليه، لأن الدافع له أصلاً ليس الرغبة في الخير وهداية الضال بل لغرض في نفسه من الأهواء والأغراض الخسيسة.
ويقرب من هذا المظهر الخامس لاتباع الهوى وهو.
خامسًا: أن ينكر بعض المنكرات وينهى عنها لهوى في نفسه لا لكونه منكرًا فحسب وهذا يظهر من خلال أمور منها:
أن ينكر منكرًا ويقع فيه أو في شر منه، وقد ينكر أمرًا ويتجاوز في إنكاره الحد الشرعي، وقد ينكر أمرًا ويترك أمرًا آخر أولى بالإنكار دون مسوغ شرعي بل لمجرد الهوى. وقد ينكر منكرًا لكون الواقع فيه شخصًا لا يحبه ويترك الإنكار إذا وقع فيه من يحبه ، وقد يكون الدافع للإنكار الانتصار للنفس أو للطائفة والمذهب والقبيلة أو لحصول الشهرة أو لشجاعة في الطبع دون إخلاص النية لله تعالى.
قال شيخ الإسلام عن صاحب الهوى الذي يغضب ويرضى لهواه: «ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة ، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظم هو ويثني عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو لغرض من الدنيا، لم يكن لله ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعى الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل، وسنة وبدعة ، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة»([6]).
وقال في موطن آخر:
«وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر. وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا، إذ الإنسان ظلوم جهول. والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر وآخر»([7]).
وقال أيضًا: «فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه، والحسد له والتعدي عليه في حقه، وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث فهي قد تظلم من لا يظلمها. وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير ، وقد تصبر ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك ، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب والجهاد على ذلك من الدين.
والناس هنا ثلاثة أقسام:
- قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطى أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان عنده منكرًا – ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه – مرضيًا عنده، وصار فاعلاً له وشريكًا فيه، ومعاونًا عليه ومعاديًا لمن نهى عنه، وينكر عليه. وهذا غالب في بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه، وسببه أن الإنسان ظلوم جهول فلذلك لا يعدل، بل ربما كان ظالمًا في الحالين، يرى قومًا ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم، فيرضى أولئك ببعض الشيء فينقلبون أعوانًا له، وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه..
- وقوم يقومون ديانة صحيحة: يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما عملوه، ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا...
- وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهم غالب المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية وربما غلب هذا تارة وهذا تارة»([8]).
وذكر شيخ الإسلام: أن الأقوال والأفعال يجب أن يراد بها وجه الله وأن تكون موافقة للشريعة ثم قال:
«ويحتاج أيضًا أن يؤمر بذلك لأمر الله وينهى عنه لنهي الله ويخبر بما أخبر الله به لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسل، كما تحتاج العبادة أن يقصد بها وجه الله، فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى، والحمية، أو لإظهار العلم والفضيلة أو لطلب السمعة والرياء، كان بمنزلة المقاتل شجاعة وحميَّة ورياء، ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال وأهل العبادة والحال، فكثيرًا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة ووفاقها. وكثيرًا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها بل قد نهى عنها أو ما يتضمن مشروعًا محظورًا وكثيرًا ما يقاتل هؤلاء قتالاً مخالفًا للقتال المأمور به أو متضمنًا لمأمور محظور.
ثم كل من الأقسام الثلاثة المأمور والمحظور والمشتمل على الأمرين قد يكون لصاحبه نية حسنة وقد يكون متبعًا لهواه وقد يجتمع له هذا وهذا»([9]).
ويدخل في هذا المظهر من يتقصى في ذكر عيوب وأخطاء بعض إخوانه من المسلمين في بعض المجالس سواء كان ذلك يحتاج إليه أو لا يحتاج إليه. ويذكر ذلك لمن في معرفته مصلحة ولمن لا مصلحة في علمه بذلك، حتى صارت مجالس هؤلاء موائد يأكلون عليها أعراض ولحوم المسلمين من غير أن يجدوا في أنفسهم حرجًا مما يقولون، بل ربما اختلقوا لذلك مسوغات شرعية – في زعمهم – فضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
سادسًا: المبالغة في المدح أو الذم، فإذا أحب طائفة أو شخصًا غلا في حبه وتجاوز في مدحه حتى يثنى عليه بما ليس فيه، بل تعود مَسَاوئُه محاسنَ في نظر الهاوي ويجعله في مقام العصمة أو قريبًا منها، ولا يتقبل أي قدح فيه ولا بيان أي خطأ حصل منه وإن كان ظاهرًا ظهور الشمس في رابعة النهار ويبدأ يتأول أقواله ويفسر أفعاله بما لا يدل عليه سياق الكلام ولا ظاهر الحال فلا يكون حبه لمن أحب خالصًا لله، ولا تكون متابعته لمن تابعه لمعرفة الحق وسلوكه بل لهوى في نفسه. وفي المقابل فإن صاحب الهوى إذا أبغض جماعة أو مذهبًا أو أهل بلد أو شخصًا فإنه يبغي في بغضه ويقذع ويتعدى في ذمه بالاستطالة في قوله أو فعله حتى ربما ينسى أو يتناسى كل خير وفضيلة لمن أبغضه بل ربما عادت محاسنه مساوئَ في نظر صاحب الهوى ويرد ما معه من الحق. فيخرج عن حد الشرع في ذلك وتختل عنده الموازين حتى ربما يحب المذموم ويكره المحمود شرعًا، ويخرج عن الصراط المستقيم ومنهج أهل العدل والإيمان.
وهذا الأمر ظاهر جدًا يرى الإنسان ويقرأ ويسمع عنه كثيرًا.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«وأمام من أحب شخصًا لهواه، مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه أو لحاجة يقوم لها بها، أو لمال يتأكله به، أو بعصبية فيه، ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر والفسوق والعصيان، وما أكثر من يدعي حب مشايخ لله، ولو كان يحبهم لله لأطاع الله الذي أحبهم لأجله، فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير وكيف يحب شخصًا لله من لا يكون محبًا لله، وكيف يكون محبًا لله من يكون معرضًا عن رسول الله r، وسبيل الله.
وما أكثر من يحب شيوخًا أو ملوكًا أو غيرهم فيتخذهم أندادًا يحبهم كحب الله»([10]).
وقال الحافظ ابن رجب: «وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول r فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا ... ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول r من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها»([11]).
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهيته بحسب محبة نفسه وبغضها لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله وهذا من نوع الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ{ [القصص: 50]. فإن أصل الهوى محبة النفس ويتبع ذلك بغضها.
فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله، بحيث يكون مأمورًا بذلك الحب والبغض لا يكون متقدمًا فيه بين يدي الله ورسوله فإنه قد قال: }لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ{ [الحجرات: 1]. ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله، ومجرد الحب والبغض هوى، لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله»([12]).
وكذلك ينبغي على المسلم أن ينظر فيما يصدر عمن يحبه من أقوال وأعمال هل هي صحيحة ومشروعة أم أنها باطلة وصادرة عن هوى النفس، فإن أهواء النفوس لا يكاد ينجو منها أحد سواء من الصالحين أو الفاسقين.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله - «ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، أهل البيت وغيرهم ، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظن ونوع من الهوى الخفى ([13]). فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه ، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتزيد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد. والخوارج والروافض وغيرهم من أهل الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا ، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيُعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من وجه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم»([14]).
سابعًا: ومن مظاهر اتباع الهوى قلة وندرة الاستشهاد بنصوص الشرع المحكمة الواضحة ، وإذا استشهد بها صاحب الهوى على ما يريد فلا يستشهد بها على معناها الصحيح بل يضعها في غيرها موضعها، فأهل الأهواء يتتبعون المتشابه ويدعون المحكم. ويستشهدون بحوادث الأعيان ويدعون القواعد والأصول والأركان ، كحال الذين في قلوبهم زيغ أو في قلوبهم مرض. قال تعالى: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ{ [آل عمران: 7]. وفي الحديث عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله r، تلا هذه الآية ثم قال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»([15]).
فصاحب الهوى يتتبع المتشابه([16]) ويقرأ نصوص الشرع لا ليستفيد منها حقًا ومنهجًا يقوم به فكره وتصوره ، بل ليأخذ منها ما يرى أن فيه حجة له أو ردًا على من خالفه ولذا روى ابن بطة بسنده عن أيوب قال: «لا أعلم أحدًا من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه» ومن ذلك ما جاء أن واصل بن عطاء رأس المعتزلة كان يصلي في الليل ، ولوح ودواة موضوعان فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف ، جلس فكتبها ثم عاد إلى صلاته([17]).
وكما يتبع صاحب الهوى المتشابه من النصوص الشرعية فإنه يتبع – أيضًا – المتشابه من كلام العلماء وعباراتهم ويدع ما يبينه من محكم كلامهم.
وصاحب الهوى يكره سماع وقراءة النصوص الشرعية المخالفة لما هو عليه كما ذكر ذلك غير واحد من السلف عن بعض أهل البدع ، ومن المعلوم أنه لا يلزم أن يقف كل صاحب هوى من النصوص الشرعية موقف هؤلاء المبتدعة، فهذا أمر يتفاوت فيه أهل الأهواء بحسب غلوهم في اتباع أهوائهم لكن يجمعهم على الأقل استثقال سماع تلك النصوص المخالفة لمنهجهم وعقيدتهم، والتبرم بها، والحرج عند سماعها وإسماعها.
وما ذاك إلا لأن أهل الأهواء يأخذون ببعض النصوص دون بعض يأخذون منها ما يوافق أهواءهم ويردون ما يخالفهم بالتأويلات الفاسدة والتحريفات الظاهرة.
فتجد صاحب الهوى ينادي بالتمسك بالشرع والتأسي بالرسول r في الأمور الموافقة لهواه أو التي له فيها مصلحة وله فيها حق يريد أن يستخرجه، أما ما كان مخالفًا لهواه أو ما كان فيه بيان لحقوق غيره عليه ونحو ذلك ، فإنه يصد ويعرض ويتغافل عن تحكيم الشرع أو يرده ردًّا صريحًا أو غير صريح، وهؤلاء لهم نصيب من الذم المذكور في قوله تعالى: }وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ{ [النور: 47-52].
ثامنًا: ومن المظاهر أيضًا الكراهية للناصحين من أهل الإيمان والتقوى وأهل العدل والإنصاف المتبعين للسنة ومنهج السلف قولاً وفعلاً واعتقادًا ومنهجًا. فالمتبع لهواه يجد في هؤلاء تقويمًا لقوله وفعله، وصدًا له عن هواه، ونطقًا بالحجة والبرهان الذي يسكته وهذا ما لا يعجبه ولا يرتضيه، إذ إن من سمات أهل الأهواء حبهم لمن يمدحهم ولو بالباطل وبغضهم لمن ينصحهم وينكر عليهم أهواءهم قال تعالى: }وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ{
[الأعراف: 79]. بل ربما اتهموا من ينصحهم ويبين لهم عيوبهم بأنه متبع لهواه ومريد للفتنة وسيئ القصد والإرادة ... وقد يكون منطق بعضهم مشابهًا لمنطق فرعون حين قال في موسى عليه الصلاة والسلام ما حكاه الله تعالى عنه بقوله: }إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ{ [غافر: 26]، ومشابهًا لموقف من قالوا لرسلهم: }لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا{ [إبراهيم: 13].

تاسعًا: ومن مظاهر اتباع الهوى كثرة التفرق والاختلاف وتعدد الطوائف والأحزاب وتناحرها ، وطعن كل فريق في الآخر والزعم بأن الحق كله معه والباطل كله مع من خالفه ونحو ذلك.
فهذا كله لا شك أنه ليس من دين الإسلام في شيء قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ{ [الأنعام: 159]. وقال تعالى: }وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ [آل عمران: 105]. وقال تعالى: }وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{ [الجاثية: 16-20].
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر هذه الآيات الأخيرات وغيرها «فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات، فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم، وهذا حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم، لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم، فيبغي بعضهم على بعض ...»([18]).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله:
«ومن نظر في كثير من الخلافات بين الجماعات والأفراد سواء كان ذلك في مسائل العلم أو في مجال التوجيه والعمل وجد ظاهرها في طلب العدل والإنصاف، أو الصواب وترك الانحراف، وحقيقتها حب عبادة النفس واتباع الهوى أو أغراض سيئة دنيئة»([19]).
فهذه التحزبات والانتسابات التي يكون عليها مدار ومعقد الولاء والبراء والتي يحصل بسببها التفرق والشحناء وظهور العداوة والبغضاء بين المسلمين هي من طرق أهل الأهواء والابتداع لا من منهج أهل السنة والاتباع.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله
«فأما الانتساب الذي يفرق بين المسلمين وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة، وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع، فهذا مما ينهى عنه، ويأثم فاعله ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله r»([20]).
ولا يدخل في هذا من يجتمعون على التعاون على البر والتقوى ويوالون جميع المؤمنين بحسب ما فيهم من الطاعة سواء كانوا في جماعتهم أم لا، ويعادون من كان فيه سبب العداوة بحسب ما فيه من المعصية سواء كان في جماعتهم أم لا.
عاشرًا: في الأخذ ببعض المسائل العلمية وترجيحها، لا يكون رائد صاحب الهوى الحق ومعرفة الدليل الصحيح والدلالة الصريحة بل يتبنى بعض المسائل ويرجح بعض الأمور لهوى في نفسه إما موافقة لشيخه أو مخالفة لقرينه ومنازعه أو لكونه رأيًا جديدًا أو غريبًا أو لغرض دنيوي، وقد يكون هواه في الأخذ بالأسهل وتتبع الرخص وقد يكون هواه في الأخذ بالأشد وإن كان مرجوحًا ودون مراعاة لمصالح شرعية.
وقد وقفت على كلام نفيس طويل للشيخ عبد الرحمن المعلمي – رحمه الله – تكلم فيه عن غلبة الهوى على كثير من النفوس ودقة مداخله، وضرب لذلك أمثالاً تصوره وتقربه ومما جاء فيه قوله:
«افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول أخر له، أيكون نظرك إليهما سواء لا تبالي أن يتبين منهما بعد التدبر صحة ما لاح لك، أو عدم صحته؟
افرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما أحدهما يوافق قولاً لإمامك والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما أو يضعف؟
افرض أن رجلاً تحبه وأخر تبغضه تنازعًا في قضية فاستفتيت فيها ولا تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر، ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟
افرض أنك وعالمًا تحبه وأخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية واطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صوابًا ، ثم بلغك أن عالمًا أخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى وشدد النكير عليها ، أتكون حالك واحدة سواء كانت هي فتواك أم فتوى صديقك أم فتوى مكروهك؟
افرض أنك تعلم من رجل منكرًا وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه ثم بلغك أن عالمًا أنكر عليه وشدد النكير، أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكر صديقك أم عدوك، والمنكر عليه صديقك أم عدوك؟ فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أو نقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أو نقص أخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساويًا لمقتك إياه؟
وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى وقد جربت نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي فيلوح لي فيها معنى، فأقرره تقريرًا يعجبني، ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرم بذلك الخادش وتنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه وغض النظر عن مناقشة ذاك الجواب؛ وإنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولاً تقريرًا أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يلح لي الخدش ولكن رجلاً آخر اعترض علي به؟ فكيف لو كان المعترض ممن أكرهه.
والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يكثر منه الاسترسال مع هواه، ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد، ومنهم من يقل ذلك منه ويخف، ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسًا رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له ذلك إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى. أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى»([21]).
حادي عشر: الجدل بالباطل وعدم الاعتراف بالخطأ ومحاولة إيجاد الأعذار الوهمية والكاذبة للنفس والتسويغ للتقصير، واستبدال المناقشة الهادئة المبنية على الأدلة والبراهين وتفهم الرأي الآخر، استبدال ذلك برفع الأصوات وتسفيه وتحقير الطرف الآخر والتعالم عليه، ومن استحكم في نفسه اتباع الهوى قد يعلم في قرارة نفسه أن الحق مع خصمه ، وأنه في جدله هذا إنما يحاول إلباس نفسه ألبسة الزور وذر الرماد في العيون والظهور بمظهر العصمة من الخطأ، وادعاء الصواب والرشد في كل أقواله وأفعاله بل وفي توقعاته وظنونه ، فهذه كلها دليل على أن صاحبها متبع لهواه معجب بقوله غير مخلص في مجادلته.
ومن أخطر الأمور أن يضفي على باطله صفة الحق، وأن يستدل لأخطائه وتقصيره بما لا يدل على ذلك من النصوص الشرعية ويضعها في غير موضعها.
ومما ذكره إمام الحرمين الجويني في آداب الجدل قال:
«فأول شيء فيه مما على الناظر أن يقصد التقرب إلى الله سبحانه وطلب مرضاته في امتثال أمره – سبحانه – فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء إلى الحق عن الباطل، وعما يخبر فيه، ويبالغ قدر طاقته في البيان والكشف عن تحقيق الحق وتمحيق الباطل ، ويتقي الله أن يقصد بنظره المباهاة وطلب الجاه والتكسب والمماراة والمحك والرياء ويحذر أليم عقاب الله – سبحانه – ولا يكن قصده الظفر بالخصم والسرور بالغلبة والقهر فإن من دأب الأنعام الفحولة كالكباش والديكة»([22]).
فصاحب الهوى معجب برأيه ولذا تجده ينفذ ويمضي كل ما يخطر بباله وما تهواه نفسه دون أن يسترشد بآراء الآخرين أو يستشيرهم. وإن استشار فإنما يستشير من يغلب على ظنه أنه يوافقه في هواه، أو يستشير في أشياء تافهة ليست ذات بال.
ثاني عشر: التقصير في محاسبة النفس ورؤيتها بعين الكمال والاعتذار لها عن تسويفها وتقصيرها واتباعها هواها ، والإسراف في المباحات والتقصير في المندوبات وغشيان المكروهات والمشتبهات، وعدم أخذ النفس بالعزائم والاحتياطات وعدم تطلعها إلى مقامات الورع والتسابق والمنافسة في الخيرات.
فكل هذه علامات على أن صاحبها واقع في أسر شيء من الهوى .
قال ابن الجوزي – رحمه الله -.
«وقد كان أهل الحزم يعودون أنفسهم مخالفة هواها وإن كان مباحًا، ليقع التمرين للنفس على ترك الهوى مطلقًا وليطلب الأرباح في المعاملة بترك المباح»([23]).
ثالث عشر: الخمول والكسل والدعة والخلود للراحة والبطالة وتوهم كثرة الانشغال وعدم التطلع لمعالي الأمور بل يهون من شأن من يسعى لذلك ويعيب عليه، ويكون داعية تخذيل وتحقير ويشهد لهذا ما روى في الحديث: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»([24]).
رابع عشر: اختراع العيوب والعراقيل أمام الأعمال التي لا تهواها نفسه، فقد يصور أمرًا ما بصورة المستحيل ويوهم وجود العقبات والصعوبات أمام القيام به وفعله. لكن لو وافق هذا الأمر هوى في نفسه فإن كل ما صوره من العقبات والصعوبات يتلاشى ويزول ويذهب أدراج الرياح وتجد هذا الهاوي يقوم بهذا العمل خير قيام متناسبًا أوهامه وأهواءه السابقة وقد يقلل صاحب الهوى من شأن عمل ما لأنه لا يرغب فيه أو لا تهواه نفسه أو لأنه يكلفه، رغم قناعته الداخلية بأهميته وثمرته وجدواه لكنك تجده في وقت أو موقف آخر ينتصر لهذا العمل نفسه ويعلي من شأنه ويحاول إقناع الناس به ويسفه من ينتقصه وما ذاك إلا لأنه وافق هوى في نفسه أو وجد مصلحة شخصية من ورائه دون وزن مواقفه هذه بميزان الشرع.

خامس عشر: الغموض وعدم الوضوح أو الإفصاح عن حقيقة أهدافه ومقاصده التي حملته على قول ما قال أو فعل ما فعل أو ترك ما ترك، وإذا سئل عن ذلك حاد عن الجواب لأنه ليس لديه جواب مقنع، وقد يجيب ويعلل لموقفه بما لا يدل على حقيقة فعله أو تركه ولذا فإن صاحب الهوى يكون متصفًا بلي لسانه وإعراضه عن قول الحق والشهادة به، وقد قال تعالى: }فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{ [النساء: 135].
سادس عشر: إن صاحب الهوى «لا يرى إلا الهوى»([25]) كما قاله ابن الجوزي – رحمه الله – فكما أنه يعمل ما يعمل لهواه، فإنه في الوقت نفسه يفسر كثيرًا من أعمال الناس أو أكثر ما يصدر منهم بالهوى، فإذا تكلم شخص نسبه للهوى وإذا سكت فكذلك، وإذا زاره شخص زعم أنه إنما زاره لغرض ولمصلحة ، وإذا تركه شخص اتهمه بالهوى وإذا أحسن إليه أحد زعم أنه غير مخلص وهكذا لا يكاد يسلم منه أحد وكما قيل:«كل إناء بما فيه ينضح» وما ذاك إلا لأنه ينظر بمنظار الهوى فلا يرى إلا الهوى.

***


([1]) منهاج السنة، 5/264.

([2]) بهجة المجالس لابن عبد البر، ص1/808.

([3]) منهاج السنة، 5/256.

([4]) صيد الخاطر، ص193-194.

([5]) انظر هذه القصة في البداية والنهاية 7/288.

([6]) منهاج السنة، 5/256.

([7]) مجموع الفتاوى، 28/142.

([8]) مجموع الفتاوى، 28/146-148 باختصار.

([9]) مجموع الفتاوى، 28/172-173.

([10]) مجموع الفتاوى، 11/521.

([11]) جامع العلوم والحكم، 3/226.

([12]) مجموع الفتاوى، 28/131-134 باختصار.

([13]) هذا راجع إلى أصل أهل السنة والجماعة في أنه لا أحد معصوم بعد الرسول r، لا الصحابة – رضي الله عنهم – ولا غيرهم ، خلافًا للرافضة القائلين بعصمة الأئمة الاثني عشر ، وغلاة الصوفية في غلوهم في شيوخهم.

([14]) منهاج السنة، 4/543-544.

([15]) رواه البخاري في صحيحه، في كتاب تفسير القرآن، سورة آل عمران، 5/166.ومسلم في كتاب العلم رقم 1، 4/2053.

([16]) الإبانة لابن بطة ، 2/501.

([17]) انظر المنية والأمل لابن المرتضى، ص141.

([18]) منهاج السنة، 5/264.

([19]) الهوى وأثره في الخلاف، للشيخ عبد الله الغنيمان، ص20-21.

([20]) مجموع الفتاوى، 11، 514.

([21]) القائد إلى تصحيح العقائد ضمن التنكيل 2/196-198 باختصار.

([22]) الكافية في الجدل، ص529.

([23]) ذم الهوى، ص54.

([24]) الحديث رواه أحمد في المسند 4/124، وابن ماجة في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، 2/1423، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، 4/167.

([25]) ذم الهوى، ص14.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-20
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: اتباع الهـوى .. (مظاهره . خطره . علاجه)

خطر اتباع الهوى وآثاره السيئة
لاتباع الهوى أضرار كثيرة وآثار سيئة يمكن إيجازها فيما يلي:
الأول: أنه سبب لفساد الأمور، قال تعالى: }وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ{
[المؤمنون: 71].

الثاني: أنه سبب الضلال عن الهدى والهوان في الدنيا، قال تعالى: }وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{ [الأعراف: 176].
الثالث: أنه سبب فساد الرأي والفكر والوقوع في التناقض. ولهذا حذرنا – سبحانه وتعالى – من طاعة صاحب الهوى لأنه يتكلم بغير هدى ويقع في الغفلة والعمى. قال تعالى: }وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا{
[الكهف: 28] ولأنه لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما وافق هواه ولهذا ورد في الحديث الذي رواه حذيفة، قال: سمعت رسول الله r يقول: «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والأخر أسود مُربادًّا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه»([1]).

الرابع: أنه سبب التفرق والاختلاف وكثرة الشقاق والنزاع يقول الإمام ابن بطة:
«أعاذنا الله وإياكم من الآراء المخترعة والأهواء المتبعة والمذاهب المبتدعة، فإن أهلها خرجوا عن اجتماع إلى شتات وعن نظام إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن ائتلاف إلى اختلاف، وعن محبة إلى بغضة، وعن نصيحة وموالاة إلى غش ومعاداة، وعصمنا وإياكم من الانتماء إلى كل اسم خالف الإسلام والسنة»([2]).
الخامس: أنه موجب للعقوبة من الله لأنه يؤدي بصاحبه إلى تزيين الباطل والزهد في الحق وتأليه الهوى فيطبع على قلبه ويختم على سمعه، ويجعل على بصره غشاوة، قال تعالى: }أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ{ [الجاثية: 23]. وقال سبحانه وتعالى: }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ{ [القصص: 50].
السادس: أنه يورث الكبر والعجب فيزري بصاحبه أمام الآخرين، لا سيما أهل الصدق والعدل، ويكون مستثقلاً عندهم ممقوتًا في نفوسهم لما يرونه فيه من المخالفة للحق والتكبر عن اتباعه وإعجاب صاحبه برأيه وهواه.
السابع: أن يصد عن قبول الحق واتباعه، ويزين الباطل ويقلبه في صورة الحق، بل ربما صار صاحبه منافحًا عن الباطل مضادًا للصواب من حيث يشعر أو لا يشعر.
وقد سبق ذكر قول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: «إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: طول الأمل، واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق».
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله»([3]).
الثامن: أنه سبب في ظلم العبد لنفسه ولغيره، فيظلم نفسه بارتكابه ما حرم الله وإعراضه عما أمر الله به، ويظلم غيره بالبغي والعدوان في أقواله وأفعاله.
التاسع: أنه يضعف الإرادة والعزيمة ويخذل عن طلب المعالي، ويجعل صاحبه في عداد أهل الجهل والخذلان ويحجبه عن منازل أهل الشرف والعرفان.
العاشر: أنه سبب في البعد عن السنة والنطق بالبدعة ولذا يقول أبو عثمان النيسابوري ... من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأن الله يقول: }وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا{ [النور: 54]([4]).
الحادي عشر: أنه سبب للهموم والأحزان يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو، وتعلقه بالصور الجميلة، أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى، ولا يحصل له ما يسره، بل هو في خوف وحزن دائمًا: إن كان طالبًا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم حيث لم يحصل، فإذا أدركه كان خائفًا من زواله وفراقه»([5]).


***

علاج اتباع الهوى
وبعد هذه الجولة مع مظاهر اتباع الهوى، وبعد الإشارة إلى شيء من مخاطره وأضراره، فإن المسلم الصادق المنصف من نفسه يدرك أنه واقع في شيء من تلك الأهواء إن قليلاً أو كثيرًا.
والحق أن هوى النفس لا يكاد ينجو منه أحد، وهذه الأهواء ما دامت حديث نفس فإن صاحبها لا يلام عليها، لكن إن اتبعها وأظهرها قولاً أو فعلاً فإنه يلام على ذلك.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
ونفس الهوى – وهو الحب والبغض الذي في النفس – لا يلام عليه فإن ذلك قد لا يملك، وإنما يلام على اتباعه كما قال تعالى: }يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ{ [ص: 26]. وقال تعالى: }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ{ [القصص: 50]. وقال النبي r: «ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»([6])([7]).
ويشهد لعدم اللوم على حديث النفس قوله r: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»([8]).
فمنع ورود الهوى على النفس أمر محال، وإنما يكلف الإنسان بالاحتراز منه وعدم اتباعه.
يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي:
«ولم يكلف العالم بأنه لا يكون له هوى، فإن هذا خارج عن الوسع وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه ثم يحترز منه، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه ...»([9]).
وفي الحقيقة فإن كف النفس عن هواها دليل على القوة والحزم، والعكس بالعكس ويمكن أن يمثل لذلك بحال من يغضب فيكظم غيظه ويمنع جوارحه عن التعدي بالقول أو الفعل، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وغير ذلك مما تضافرت النصوص بمدح فاعله كما قال تعالى: }وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{ [آل عمران: 134]. وقال تعالى: }وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{ [الشورى: 43]. وقال سبحانه وتعالى: }وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{ [البقرة: 237]. وقال r: «ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»([10]) وغير ذلك من النصوص المعلومة الدالة على هذا المعنى.
ولا شك أن مغالبة الهوى ومجاهدته أمر صعب على النفوس، كما قال أبو العتاهية:
أشد الجهاد جهاد الهوى




وما كرَّم المرء إلا التقى


وأخلاق ذي الفضل معروفة




ببذل الجميل وكف الأذى ([11])





ولذا كان الخوف من الله ومنع النفس عن هواها موجبًا لدخول الجنة، كما قال تعالى: }وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{
[النازعات: 40-41]. وصار جهاد الهوى أفضل الجهاد، كما قال رسول الله r: «أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه»([12]). وما ذاك إلا لأنه إذا تغلب على هواه عمل الطاعات واجتنب المحرمات، بخلاف ما لو كان إلهه هواه.

وعلى كل حال فإذا داوم الإنسان على مجاهدة نفسه ومغالبة هواه ومخالفته شعر بلذة وأحس بعزة ونطق بالحكمة. وقد قال بعض الحكماء: «أعز العز الامتناع من ملك الهوى» وقال بعض البلغاء: «خير الناس من أخرج الشهوة من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه». وقال بعض الأدباء: «من أمات شهوته فقد أحيا مروءته» وقيل لبعض الحكماء: «من أشجع الناس وأحراهم بالظفر في مجاهدته؟ قال: من جاهد الهوى طاعة لربه واحترس في مجاهدته من ورود خواطر الهوى على قلبه»([13]).
وقال سفيان الثوري: «أشجع الناس أشدهم من الهوى امتناعًا»([14]).
وقيل ليحيى بن معاذ: من أصح الناس عزمًا؟ قال: الغالب لهواه.
وقال بعض العباد: أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا واستصعب قيادُه على الهوى.
وقال معاوية:« المروءة ترك اللذة وعصيان الهوى».
وقال بشر الحافي: «من جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرق الشيطان من ظله. ومن غلب علمه هواه فهو الصابر الغالب، واعلم أن البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه»([15]).
والمقصود: أن جهاد الهوى صعب لكن في قهره لذة وعزة تحدو الإنسان إلى الاستمرار في مغالبة هواه وتسهلها عليه متى ما أخلص النية وصدق الطوية.
ويمكن أن يقال – على جهة العموم – بأن علاج الهوى هو في مجانبة الهوى والابتعاد عن التلبس بشيء من مظاهره السابقة ويعين على ذلك معرفة أضراره وأخطاره.
وأما على جهة التفصيل فإن علاج الهوى يكون بأمور منها:
أولاً : خشية الله ومراقبته في القول والعمل وفي السر والعلنوتحري الصدق والعدل والقسط مع الأقربين والأبعدين ومع الموافقين والمخالفين مع الأصدقاء والأعداء. كما قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{ [النساء: 135].
قال الحافظ ابن كثير: على هذه الآية:
«يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي العدل فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: }شُهَدَاءَ لِلَّهِ{ كما قال: }وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ{ أي أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: }وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ{ أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه. وقوله: }أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ{ أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد وقوله: }إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا{ أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: }فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا{ أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس لكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان»([16]).
وقال سيد قطب: رحمه الله – في تفسيره لهذه الآية:
«كونوا قوامين بالقسط – حسبة لله – لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم. ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة ولا تعاملا مع الملابسات المحيطة بأي عنصر من عناصر القضية ولكن شهادة لله، وتعاملا مع الله، وتجردًا من كل ميل .. ومن كل هوى، ومن كل مصلحة، ومن كل اعتبار.
«ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين».
وهنا يجند المنهج النفس في وجه ذاتها وفي وجه عواطفها تجاه ذاتها أولاً، وتجاه الوالدين والأقربين ثانيًا ... وهي محاولة شاقة ... أشق كثيرًا من نطقها باللسان. ومن إدراك معناها ومدلولها بالعقل ... إن مزاولتها عمليًا شيء آخر غير إدراكها عقليًا ... ولكن المنهج يجند النفس المؤمنة لهذه التجربة الشاقة.
والهوى صنوف شتى ذكر منها بعضها ... حب الذات هوى ...وحب الأهل والأقربين هوى، والعطف على الفقير في موطن الشهادة والحكم هوى ... ومجاملة الغني هوى، ومضارته هوى، والتعصب للعشيرة والقبيلة والأمة والدولة والوطن، في موضع الشهادة والحكم هوى، وكراهة الأعداء ولو كانوا أعداء الدين في موطن الشهادة والحكم هوى ... وأهواء شتى الصنوف والألوان ... كلها مما ينهى الله الذين آمنوا عن التأثر بها، والعدول عن الحق والصدق تحت تأثيرها»([17]).
فالعدل والإنصاف واجب حتى مع الكفار كما قال تعالى: }وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا{ [المائدة: 2]. وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{ [المائدة: 8].
قال القرطبي في هذه الآية: «واشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم وحيف على أعدائكم ... ولا يجرمنكم شنآن قوم على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق ... ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه ...»([18]).
ويشهد لهذا قول عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – لما بعثه النبي r، يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض ([19]).
والمقصود: أن على الإنسان أن يتحرى الصدق والعدل فيما يأتي وما يذر وفيما يقول ويفعل، لا بهوى النفس ورغبات الناس، وعليه ألا تزيله المواقف العابرة عن الأصول الثابتة.
ففي مقام الولاء والبراء مثلاً عليه أن ينطلق من الأصل الثابت وهو موالاة المؤمنين كما قال تعالى: }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ{ [التوبة: 71]. فلا تزول هذه الموالاة بخلاف عابر أو جرم ظاهر لا يخرج عن دائرة الإسلام. وإن كانت هذه الموالاة تزيد وتنقص بحسب الطاعة والمعصية.
كما أن على المسلم أن ينطلق من الأصل الثابت في العداء والبراء من الكافرين. فلا يتولاهم لمعروف صنعوه أو عمل أقاموه لقوله تعالى: }لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ{ [المجادلة: 22] وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ [المائدة: 51].
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
«وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله – سبحانه – بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه ، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة. وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم»([20]).
وبعد هذا فإنه يحق للإنسان أن يعجب من أناس لا يستطيعون – عمليًا وواقعيًا – أن يوالوا الشخص من وجه ويعادوه من وجه آخر بل لا يعرفون إلا الموالاة جملة أو المعاداة جملة، بل ربما يعادون بعض المسلمين كعدائهم للكافرين.
وليس معنى هذا الكلام ترك الإنكار على المبطلين ولا الرضا بعمل المفسدين والعاصين ولا السكوت عن التحذير من ضلال المنحرفين، بل يواجه الزائغون بالطرق المشروعة من الهجر والإنكار أو التأليف حسب ما تقتضيه المصلحة مع كره أعمالهم وقلة الحب لهم وبقاء أصل الموالاة الإيمانية لهم ما داموا في دائرة الإسلام.
وعلى كل حال فالميزان الدقيق في هذه المسألة إنما يحصل بالعلم والعدل والخشية لله، فبالعلم يرتفع الحكم بالجهل، وبالعدل يبعد الإنسان عن الظلم، والخشية لله هي التي تورث الإنسان ورعًا ومراقبة وتحريًا فيما يقوله ويفعله، وتضبط مشاعره وانفعالاته، وتحجزه عن بغيه وعدوانه.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«والإنسان خلق ظلومًا جهولاً، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وأكله وشربه، ونومه ويقظته، فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم»([21]).
وقال في موطن آخر وهو يتكلم عن الحديث السابق: «ثلاث مهلكات ...» الحديث «فخشية الله بإزاء اتباع الهوى، فإن الخشية تمنع ذلك كما قال: }وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{ [النازعات: 40]. والقصد في الفقر والغنى بإزاء الشح المطاع، وكلمة الحق في الغضب والرضا بإزاء إعجاب المرء بنفسه»([22]).
ثانيًا: استحضار عواقب اتباع الهوى وآثاره السيئة في الدنيا والآخرة ففي الدنيا تناقض وذلة وفي الآخرة عذاب وحسرة.
قال ابن الجوزي في ذكر علاج الهوى:
«أن يفكر في عواقب الهوى، فكم قد أفات من فضيلة، وكم قد أوقع في رذيلة، وكم من مطعم قد أوقع في مرض، وكم من زلة أوجبت انكسار جاه وقبح ذكر مع إثم.
غير أن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى، فأقرب الأشياء شبهًا به في المدبغة، فإنه لا يجد ريحها حتى يخرج فيعلم أين كان»([23]).
ثالثًا: أن يعوّد نفسه مخالفة هواها، ويأخذ بزمامها. ويقوى إرادته، ويروض نفسه على الحق والنطق به والانتصار له ممن كان ولمن كان، كما يروضها على ترك الانتصار والمتابعة للباطل، وعلى ترك المماراة والجدل بغير علم، ولو كان عن نفسه، فليس للإنسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت مبطلة فكيف عن غيره.
وما أحسن ما قاله أبو العتاهية:
خالف هواك إذا دعاك لريبة




فلرب خير في مخالفة الهوى


حتى متى لا ترعوي يا صاحبي




حتى متى حتى متى وإلى متى ([24])





وقال أيضًا:
سبحان ربك كيف يغلبك الهوى




سبحانه إن الهوى لغلوب


سبحان ربك ما تزال وفيك عن




إصلاح نفسك فترة ونكوب ([25])





وقال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
«إنه لا يجوز الجدال عن الخائن، ولا يجوز للإنسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت خائنة، لها في السر أهواء وأفعال باطنة تخفى على الناس، فلا يجوز المجادلة عنها...
وقد قال تعالى: }بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ{ [القيامة: 14-15]. وقد قال النبي r: «أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم»([26]) فهو يجادل عن نفسه بالباطل وفيه لدد: أي ميل واعوجاج عن الحق، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن تكون مجادلته وذبه عن نفسه مع الناس.
والثاني: فيما بينه وبين ربه، بحيث يقيم أعذار نفسه ويظنها محقة وقصدها حسنا وهي خائنة ظالمة، لها أهواء خفية قد كتمتها حتى لا يعرف بها الرجل حتى يرى وينظر»([27]).
رابعًا: أنه يتصور تلك الأهواء في حق غيره، ثم يتلمح عاقبتها بفكره، فإنه سيدرك مدى سوئها وقبحها، وافتضاح صاحبها وحقارته وجبنه وسفالته.
خامسًا: الإكثار من مجالسة أهل التقوى والخشية والعدل والإنصاف والرؤية القويمة للأمور، وفي المقابل يبتعد عن مجالسة أهل الأهواء، ويحذر منهم ويمحص كل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتصرفات وألا يقترب منهم إلا لنصحهم ومعالجتهم. إن كان يستطيع ذلك وظن استجابتهم له وانتفاعهم به.
سادسًا: أن يكون وقافًا عند النصوص الشرعية يزن كل ما يصدر منه ومن غيره بميزان الشرع غير متأثر بإرجاف المرجفين، أو تزيين المفسدين، أو أهواء البطالين، أو غير ذلك من أحوال الناس الفاسدة التي ليس لها اعتبار في الشرع. فإن لم تكن لديه القدرة والأهلية للنظر في النصوص الشرعية فليسأل أهل الذكر وليستفت أهل العلم.
سابعًا: اتهام النفس ومحاسبتها دائمًا فيما يصدر منها وعدم الاغترار بأهوائها وتزييناتها وخداعها.
ثامنًا: الإكثار من استشارة أهل العلم والإيمان واستجلاء آرائهم حول ما يريد أن يقوله ويفعله وكذلك ترويض النفس على استنصاح الآخرين وتقبل الآراء الصحيحة الصائبة وإن كانت مخالفة لما في النفس.
تاسعًا: التريث وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام وإمضاء الأعمال، والحذر من ردود الأفعال التي قد يكون فيها إفراط أو تفريط وغلو أو تقصير، وجهل وبغي وعدوان.
عاشرًا: الإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يجنبه اتباع الهوى ومضلات الفتن ويسأله تعالى أن يوفقه لقول كلمة الحق في الغضب والرضا. كما كان من دعائه r: «وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب»([28]). ويكثر من الدعاء الذي علمه رسول الله r لعلي بن أبي طالب وهو قوله: «اللهم اهدني وسددني»([29]) ويدعو بدعاء الرسول r: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء»([30]).
***

الخاتمة
الحمد لله وبعد، فقد تبين فيما سبق أن اتباع الهوى خطير جدًا،وأرى أنه لا زال بحاجة إلى كتابة أو كتابات دقيقة وعميقة لتشخيصه والتذكير بخطورته والتواصي باجتنابه والحذر منه، لأن الفتن كثيرة، والأهواء جامحة، والنفوس ضعيفة، وهي كثيرًا ما تنساق مع الأهواء من حيث تشعر أو لا تشعر.
فالواجب على كل مسلم التنبه لذلك وأن يكون له جهد في مقاومته عن نفسه وعن غيره قدر ما يستطيع بالعلم والعدل والإخلاص في ذلك كله.
ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لما يحبه ويرضاه وأن يسلك بهم صراطه المستقيم ويجنبهم مضلات الهوى والفتن وأن يهديهم ويسددهم في أقوالهم وأفعالهم وتوجهاتهم، وأن يؤلف بين قلوبهم وأن يريهم الحق حقًا ويرزقهم اتباعه ، والباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه ، وأن يوحد صفوف خاصتهم وعامتهم تحت راية السنة واتباع منهج سلف الأمة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***


([1]) رواه مسلم في كتاب الإيمان، برقم 231، 1/128-129.

([2]) الإبانة لابن بطة، 1/388-389.

([3]) مجموع الفتاوى، 28/207.

([4]) مجموع الفتاوى، 11/586.

([5]) مجموع الفتاوى 10/651.

([6]) الحديث سبق تخريجه ص14.

([7]) مجموع الفتاوى، 28/132.

([8]) رواه البخاري في كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق 6/169، ومسلم في كتاب الإيمان برقم 202، 1/117.

([9]) القائد إلى تصحيح العقائد ضمن التنكيل 2/198.

([10]) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، برقم 107، 4/2014.

([11]) ديوان أبي العتاهية ص/20.

([12]) الحديث سبق تخريجه، ص14.

([13]) انظر هذه الحكم والأقوال في منهاج اليقين شرح كتاب أدب الدنيا والدين، ج40، ديوان أبي العتاهية، ص20.

([14]) بهجة المجالس، لابن عبد البر، 1/808.

([15]) انظر هذه الأقوال وغيرها في ذم الهوى لابن الجوزي، ص22-32.

([16]) تفسير ابن كثير، 2/413.

([17]) في ظلال القرآن 2/776، باختصار.

([18]) تفسير القرطبي 6/109-110 باختصار.

([19]) رواه البيهقي، في دلائل النبوة، 4/230.

([20]) مجموع الفتاوى، 28/207.

([21]) مجموع الفتاوى، 14/38.

([22]) مجموع الفتاوى 14/480.

([23]) ذم الهوى، ص14.

([24]) البيتان في ديوان أبي العتاهية، ص26-27، وهما من قصيدة واحدة وليسا متعاقبين.

([25]) ديوان أبي العتاهية، ص44.

([26]) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب الألد الخصم، 8/117، ومسلم في كتاب العلم برقم 5، 4/2054.

([27]) مجموع الفتاوى، 14/444-445 باختصار.

([28]) رواه النسائي في كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر 3/55، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع الصغير 1/279.

([29]) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، برقم 78، 4/2090.

([30]) رواه الترمذي وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي، 3/183.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

اتباع الهـوى .. (مظاهره . خطره . علاجه)



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 10:59 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب