منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ملثّمون على متن دراجات نارية يشعلون نار الفتنة في غرداية رابط الموضوع : http://www.ennaharonline.c Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2013-10-01 11:17 PM
انفلونزا الذنوب الداعية لله ركن كن داعيا 6 2012-04-05 06:59 PM
انواع الذنوب ........... ام احمد منتدى الدين الاسلامي الحنيف 8 2011-11-25 08:29 PM
إنفلونزا الذنوب malikx10 منتدى الدين الاسلامي الحنيف 9 2009-11-19 07:00 PM
للتخلص من الذنوب katia منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2009-07-11 08:33 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-20
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى»([1])، أما بعد:
فإن مما يحزن القلوب, ويفتت الأكباد انتشار كثير من المحرمات([2]) بين عامة الناس؛ حتى استمرأتها قلوب كثير منهم، فهؤلاء – عياذًا بالله – لا يرجون لله وقارًا – على تفاوت بينهم في ذلك – لأنهم لو وقروه وعظموه حقًا لما عصوه وأصروا على ذنوبهم, فلم يتوبوا منها, ولم يقلعوا عنها، فتراهم يعصون الله بأنواع الذنوب ليلاً ونهارًا، سرًا وجهارًا.
والمصيبة أن كثيرًا من الناس ابتلوا باستصغار الذنوب، فترى أحدهم يحتقر في نفسه بعض الصغائر – وما يدري لربما كانت سببًا في هلاكه ودخوله النار – فيقول في نفسه، أو تقول في نفسها. مثلاً: ماذا تضر نظرة أو مصافحة أجنبية أو أجنبي([3])، أو سماع أغنية أو ... ([4]).
وإذا ما نصحت أحدهم قال لك: الله غفور رحيم؛ ونحن خير من غيرنا؛ ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الله شديد العقاب، وأنهم وإن كانوا خيرًا من غيرهم – كما يقولون – فقد يسلبهم الله ذلك, فيكونون شرًا من غيرهم.
وبعض الناس إذا ما نصحته عن المعاصي والذنوب التي يقترفها أبناؤه وبناته كمشاهدة التلفاز أو متابعة القنوات الفضائية أو متابعة المجلات والجرائد الساقطة؛ قال لك: سيهديهم الله، لقد كنا على ذنوب ومعاصي مثلهم أو أشد وما ضرتنا, بل, ولله الحمد هدانا الله.
سبحان الله، ما يُدري هؤلاء أنها لم تضرهم؟!!
لربما كان قولهم هذا الذي أخشى أن يكون من الكلمات التي يقولها قائلها لا يبالي بها يهوى بها في النار – عياذًا بالله – أبعد ما بين المشرق والمغرب، وعدم قدرتهم على تغيير المنكرات في بيوتهم ضررًا من أضرار معاصيهم السابقة، عياذًا بالله من الخذلان.
ولربما ما حدث ويحدث لهم من مصائب أو ديون أو أمراض أو هموم وأحزان أو عقوق أبنائهم أو بناتهم لهم هي ضرر وعقوبة على معاصيهم السابقة.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
(وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنوب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فيُنسى، فيظن العبد أنه لا يغبر بعد ذلك، وأن الأمر كما قال القائل:

إذا لم يغبر حائط في وقوعه




فليس له بعد الوقوع غبار





وسبحان الله! كم أهلكت هذه البلية من الخلق؟ وكم أزالت من نعمة؟ وكم جلبت من نقمة؟.
وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلاً عن الجهال, ولم يعلم المغتر أن الذنب يُنقض, ولو بعد حين, كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل)([5]).
لأجل ما تقدم من استهانة كثير من الناس بالمعاصي والذنوب واستمراء قلوبهم لها؛ الذي يدل دلالة واضحة على نقص؛ إن لم يكن انعدام تعظيم الله – عز وجل – وتوقيره في قلوبهم؛ ولخطورة هذا الأمر كانت هذه الرسالة؛ تنبيهًا للغافل, وتذكيرًا للناسي, وتحذيرًا للعاصي.
أسأل الله – عز وجل – أن ينفع بهذه الرسالة كاتبها وقارئها، وأن يحسن القصد, إنه سميع مجيب، وهو المستعان, وعليه التكلان.
وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.



المبحث الأول
الذنوب جراحات
- تعظيم الله تبارك وتعالى.
- وقفات صادقة.
- حسن الظن بالله تعالى.
- ليس بيننا وبين الله حسب ولا نسب.
- هلموا بنا إلى الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r.

المبحث الأول
(الذنوب جراحات)
تعظيم الله تبارك وتعالى:
الله عز وجل ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه، فليس لعظمته بداية، ولا لجلاله نهاية، له العز والعظمة، والمجد والكبرياء، فهو سبحانه وتعالى أعظم من كل عظيم في وجوده، وأعظم من كل عظيم في علمه وقدرته وقهره وسلطانه ونفاذ حكمه، }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{ [الشورى: 11]([6]).
والله عز وجل مع ما له من كمال الصفات التي تستوجب وحدها حمده وشكره والثناء عليه بما هو أهله؛ فقد أنعم على عباده بجزيل النعم التي لا تحصى, ولا تعد، ومن هذه النعم وأعظمها وأجلها نعمة الإسلام التي أعطاها إياك أيها المسلم وأيتها المسلمة, وحرم منها غيركم.
وأن هذه النعم لتستوجب على العبد شكرها حق الشكر, وذلك بفعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ وأما من فرط في ذلك, فما أدى شكر نعم ربه عليه, وما قدره حق قدره, وما عظمه حق تعظيمه.
لذا كان من أعظم الظلم والجهل أيها العبد أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس, وقلبك خال أو ناقص من تعظيم الله وتوقيره، فإنك توقر المخلوق, وتجله, وتخشاه أن يراك حال اقترافك للذنب، ولكنك لا توقر الله, وتعظمه, وتجله, وهو يراك على ذلك، ولو وقرته, وعظمته لما عصيته, وأصررت على ذنبك, فلم تتب منه, ولم تقلع عنه، قال تعالى: }مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا{ [نوح: 13]([7]).
ولما كانت الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل([8])؛ لذا }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [النور: 63].
وقفات صادقة:
أخي المسلم ... أختي المسلمة كم من ذنب اقترفناه, ونسيناه؛ ولكن لم ينس عنا.
كم من كلمة من سخط الله قلناها ونسيناها، ولكن لم تنس عنا.
كم من نظرة نظرناها إلى محرم, ونسيناها, ولكن لم تنس عنا.
كم من كذبة كذبناها, ونسيناها، ولكن لم تنس عنا.
كم أمر من أوامر الله قصرنا, وفرطنا فيه, ونسيناه، ولكن لم ينس عنا.
كم ..، وكم...، وكم...، ونسيناه, ولكن لم ينس عنا.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, يقول الله تبارك وتعالى: }فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{ [الزلزلة: 7، 8].
ويقول النبي r: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» الحديث ([9]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر؛ إن كنا لنعدها على عهد رسول الله r من الموبقات) قال أبو عبد الله البخاري: يعني بذلك المهلكات([10]).
أخي المسلم ... أختي المسلمة علينا أن لا ننظر إلى صغر المعصية؛ ولكن لننظر إلى من عصينا، إنه الله رب العالمين.
ثم علينا أن نعلم أنه قد يكون ذنب واحد فقط من ذنوب أحد العباد سببًا في هلاكه وهوانه على ربه، وسقوطه من عينه، عياذًا بالله من الخذلان، فالحذر الحذر أن نكون ذلك الشخص؛ فإن الله جل شأنه يغار أن تنتهك محارمه، قال النبي r: «إن الله تعالى يغار، وأن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه»([11]).
يقول ابن القيم – رحمه الله – في صدد هذا الأمر:
(يا مغرورًا بالأماني: لُعن إبليس، وأهبط من منزل العز؛ بترك سجدة واحدة أمر بها, وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها، وحُجب القاتل عنها [أي الجنة] بعد أن رآها عيانًا بملء كف من دم، وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل، وأمر بإيساع الظهر سياطًا [أي بالجلد] بكلمة قذف، أو بقطرة من مسكر. وأبان عضوًا من أعضائك بثلاثة دراهم([12]), فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه: }وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا{ [الشمس: 15].
دخلت امرأة النار في هرة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، فإذا كان عند الموت جار في الوصية([13])، فيختم له بسوء عمله, فيدخل النار، (العمر بآخره والعمل بخاتمته)([14]). اهـ.
حسن الظن بالله تبارك وتعالى:
أخي المسلم ... أختي المسلمة قد يتكل بعض الناس على قوله r حاكيًا عن ربه: «أنا عند حسن ظن عبدي بي, فليظن بي ما شاء»([15])، فيقول أحدهم: أنا أحسن الظن بالله, أنه سيغفر لي ذنبي, ويستر لي عيبي, ولن يعذبني، ولكن أما علم هذا, وغيره أن حسن الظن إنما يكون مع إحسان العمل.
وأما المسيء العاصي المصر على الكبائر والظلم والمخالفات, فإن وحشة المعاصي والظلم الحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد, فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده, لا يحسن الظن به.
وعلى هذا, فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظنًا بربه أطوعهم له.
قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسن الظن بربه, فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه, فأساء العمل.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, تأملوا معي كيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه, ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره, وأنه موقوف بين يديه، ومسؤول عن كل ما عمل؛ وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره، معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به، وهل هذا إلا من خدع النفوس، وغرور الأماني؟
ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل, حسن ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله, ويثيبه عليها, ويتقبلها منه؛ وأنه لو عصى الله, وأذنب ثم تاب توبة صادقة نصوحًا فإنه يحسن الظن بالله أنه يقبل توبته, ويغفر له ذنبه، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله، وإلا فحسن الظن من اتباع الهوى, واقتراف المعاصي وعدم التوبة منها عجزٌ, وليس حسن ظن.
وبالجملة, فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وإما مع انعقاد أسباب الهلاك, فلا يتأتى إحسان الظن([16]).
ليس بيننا وبين الله حسب, ولا نسب:
أخي المسلم ... أختي المسلمة, ليس بيننا وبين الله حسب, ولا نسب, ولا قرابة، ولكن من أطاعه دخل الجنة, ومن عصاه دخل النار.
يقول النبي r: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم، وفي لفظ له: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم, ولا إلى صوركم, ولكن ينظر إلى قلوبكم»([17]).
فقرب العبد من ربه بطاعته وتقواه، وبعده عنه – سبحانه – بمعصيته.
وهاكم مثلاً يدل على هذا الأمر دلالة واضحة:
جيش مؤمن لإعلاء كلمة الله ضد أعداء الله، وقائدهم رسول الله r، في ثاني غزوة من غزوات المسلمين الفاصلة، ورغم هذه الامتيازات العظيمة لهذا الجيش العظيم إلا أنه لما خالف أربعون من الرماة أمر الرسول r ونزلوا من الجبل([18]) – وهم جزء يسير من الجيش – دارت رحى المعركة ضد المسلمين حتى قُتل سبعون من الصحابة, وفيهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله r، بل وكسرت رباعيته r وشج في وجهه، وكلمت شفته السفلى, ورمي في جبهته حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في جبهته, بأبي هو وأمي r.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, إذا كان هذا الجيش قائده أفضل من مشي على الأرض r، وأفراده أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وحدث لهما ما حدث بسبب مخالفة بعضهم لأمر رسول الله r، فكيف بنا نحن العصاة المذنبين المسرفين على أنفسنا، حتى أنه – ولا حول ولا قوة إلا بالله – لا يمر يوم إلا ونخالف أمر الله وأمر رسول الله r فيه عدة مرات.
هلموا بنا إلى الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r:
أخي المسلم ... أختي المسلمة, بعدما عرفنا أن الذنب الواحد قد يكون سببًا في هلاك العبد وهوانه على ربه – عياذًا بالله – هلموا بنا إلى الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r والتوبة الصادقة النصوح([19]) من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، وعدم التواني في ذلك؛ لأننا اليوم قد نستطيع الاستجابة والتوبة، وغدًا قد يحال بيننا وبين ذلك – عياذًا بالله -، ذلك أن الله تعالى يقول: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ{ [الأنفال: 24].
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية:
(يأمر تعالى عباده بما يقتضيه الإيمان منهم, وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمر به والمبادرة إلى ذلك، والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه، والنهي عنه.
وقوله: }إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ{ وصف ملازم، لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح، بعبودية الله تعالى، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله على الدوام.
ثم حذر من عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: }وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ{؛ فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا اردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء، ويصرفها أنَّى شاء، فليكثر العبد من قول: «يا مقلب القلوب, ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب, اصرف قلبي إلى طاعتك»([20]).أ.هـ.

المبحث الثاني
(أما يخشى الذي...؟!)
- اتباع الهوى.
- ران القلوب.
- المعيشة الضنك.
- فيسبق عليه الكتاب.
- انتهاك الحرمات في الخلوات.
- الغيرة المفقودة.
- العقوبات والمصائب.
- إما إلى النار.
- وإما إلى الجنة.

المبحث الثاني
أما يخشى الذي...؟!
اتباع الهوى
أخي المسلم ... أختي المسلمة, أما يخشى الذي يتوانى, ويسوف في الاستجابة لأمر الله وأمر رسول الله r تعظيمًا لله وتوقيرًا له، وهو مصر على المعاصي أن يصدق عليه قوله تعالى:
}وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ{ [الأعراف: 175-176].
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير هذه الآيات:
(يقول تعالى لنبيه r: }وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا{ أي: علمناه كتاب الله، فصار العالم الكبير، والحبر النحرير) اهـ.
ويدخل في معنى الآية كل من آتاه الله من آياته, وعلمه من علمه؛ سواءً كان هذا العلم كثيرًا فهو من العلماء, أم قليلاً فهو من عامة الناس، وسواءً كان من هذه الأمة, أم من غيرها، ولكنه رغم تعليم الله له وإعطائه آياته: }فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ{.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في معناها:
(أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله، فإن العلم بذلك يصير صاحبه متصفًا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس.
فلما انسلخ منها، أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه، حين خرج من الحصن الحصين, وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزًا }فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ{ بعد أن كان من الراشدين.
وهذا لأن الله تعالى خذله، ووكله إلى نفسه، فلهذا قال تعالى: }وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا{ بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه.
(ولكنه) فعل ما يقتضي الخذلان، إذ (أخلد إلى الأرض) أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية، (واتبع هواه) وترك طاعة مولاه، (فمثله) في شدة حرصه على الدنيا، وانقطاع قلبه إليها، }كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ{ أي: لا يزال لاهثًا في كل حال، وهذا لا يزال حريصًا، حرصًا قاطعًا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا)([21]). أ.هـ.

ران القلوب
أخي المسلم ... أختي المسلمة, أما يخشى الذي يتوانى في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r تعظيمًا لله وتوقيرًا له, وهو مصر على المعاصي أن يصدق عليه قوله تعالى: }كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [المطففين: 14].
يقول النبي r: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع, واستغفر, وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه، وهو الران الذي ذكر الله تعالى: }كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{»([22]).
قال الحسن البصري – رحمه الله -: (هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب).
وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم.
ويقول ابن القيم رحمه الله:
(وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإن زادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلاً وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإن حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس, فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه([23]), ويسوقه حيث أراد)([24]). أ.هـ.
القلوب الميتة:
وإن من خذلان الله سبحانه لبعض عباده – نسأل الله العافية – أن يستمرئ العبد المعاصي والذنوب، فلا يحس حال اقترافه لها بحرارة ومرارة الذنب والمعصية؛ لأنها رانت على قلبه, وألفها, وأصبحت له عادة وطبعًا.
فالعبد إذا أحس بحرارة ومرارة الذنب والمعصية حال اقترافه لها؛ فإن ذلك يدعوه في الغالب للندم والاستغفار والإقلاع عنها والتوبة النصوح منها.
كما أن عدم إحساسه بحرارة ومرارة الذنب والمعصية لا يدعوه للندم والاستغفار والإقلاع عنها؛ لأنه لا يشعر أنه فعل ذنبًا ومعصية, فبالتالي, لماذا يستغفر, وعلى ماذا يندم؟!
وهذا – نسأل الله العافية – قد انسلخ من قلبه استقباح الذنب، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له, وهو يرتكب الذنب؛ ولا كلامهم فيه.
وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان, عملت كذا وكذا!
وهذا الضرب من الناس لا يعافون، ويسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عليهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي r: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ, وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ, فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ, عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا, وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ, وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْه»([25])([26]).
فهذه القلوب هي القلوب التي عميت, وصدأت، ورانت عليها كثرة الذنوب والمعاصي حتى أصبحت من أقسام القلوب الميتة؛ التي لا تعرف معروفًا, ولا تنكر منكرًا إلا ما أشربت من هواها عياذًا بالله.
القلوب الحية:
أما القلوب الحية, فهي القلوب الوجلة الخائفة أن تقع فيما يغضب ربها تبارك وتعالى، وإذا ما غفلت, ووقعت في معصية، أو قارفت ذنبًا سارعت للتوبة والاستغفار.
يقول ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب محمد r, كلهم يخشى النفاق على نفسه)([27]).
وورد أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الذي بشره الصادق المصدوق r بالجنة قال لحذيفة بن اليمان الذي علمه رسول الله r أسماء المنافقين: أناشدك الله، هل عدني رسول الله r من المنافقين، فقال حذيفة: لا، ولن أزكي أحدًا بعدك.
(وعن عبيد الله بن السري قال: قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل به علي الدين ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس، قال عبيد الله بن السري: فحدثت به أبا سليمان الداراني, فقال: قلت ذنوبهم, فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك, فليس ندري من أين نوتى؟
وعن قبيصة بن قيس العنبري قال: كان الضحاك بن مزاحم إذا أمسى بكى، فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي.
وحكى القاضي حسين عن القفال أستاذه أنه كان في كثير من الأوقاف يقع عليه البكاء حالة الدرس، ثم يرفع رأسه ويقول: ما أغفلنا عما يراد بنا)([28]).
أخي المسلم ... أختي المسلمة, إذا كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين وهم من هم؟!، في شدة الطاعة والاتباع؛ منهم من يخشى على نفسه النفاق، ومنهم من يخشى ألا يقبل عمله، ومنهم من يحاسب نفسه على الكلمة والكلمتين، فبالله عليكم ماذا نقول نحن العصاة المذنبين المسرفين على أنفسنا؟!
المعيشة الضنك
أخي المسلم .. أختي المسلمة .. أما يخشى الذي يتوانى في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r تعظيمًا لله وتوقيرًا له، وهو مصر على المعاصي أن يصدق عليه قوله تعالى: }وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا{ [طه: 124] الآية.
ذلك أن فعل المعاصي واقتراف الذنوب هي من الإعراض عن ذكر الله تعالى، ولكن الناس متفاوتون في ذلك فمقل ومستكثر.
يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – عن هذه الآية:
(فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلب، والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكر الشهوات، والعشق وحب الدنيا والرئاسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم – عياذًا بالله – من سكر الخمر، فإن سكر الخمر يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه – غالبًا – إلا إذا كان في عسكر الأموات)([29]) أ.هـ.

([1]) البخاري برقم (1) ومسلم برقم (1907).

([2]) ارجع إن شئت إلى كتاب (محرمات استهان بها الناس) للشيخ/ محمد صالح المنجد.

([3]) الأجانب: هم ما سوى المحارم.

([4]) انظر: (أريد أن أتوب, ولكن) للشيخ/ محمد صالح المنجد ص[7] بتصرف.

([5]) «الداء والدواء» لابن القيم ص[84-85].

([6]) انظر «أسماء الله الحسنى من القرآن الكريم والحديث الصحيح» للدكتور/ زين محمد شحاته ص [135] بتصرف يسير.

([7]) انظر «الفوائد» لابن القيم. ص [267] بتصرف.

([8]) الفوائد لابن القيم ص66.

([9]) رواه أحمد (1/402) وغيره. وصححه الألباني في (صحيح الجامع) رقم (2687)، (1/523).

([10]) رواه البخاري برقم (6492).

([11]) مسلم برقم (2761) والبخاري مختصرًا برقم (5223).

([12]) أي: أن سرقة ثلاثة دراهم توجب قطع يد السارق.

([13]) أي: ظلم في الوصية.

([14]) (الفوائد) لابن القيم ص(96، 97).

([15]) رواه أحمد (3/491), وابن حبان (633)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1663), وصحيح الجامع برقم (4191) (4192).

([16]) انظر (الداء والدواء) لابن القيم, تحقيق وتخريج علي بن حسن الحلبي الأثري. ص (34، 35، 36) بتصرف يسير.

([17]) رواه مسلم برقم (2564).

([18]) روى البخاري عن النبي r أنه قال للرماة الذين وضعهم على الجبل الذي عرف فيما بعد بجبل الرماة: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير, فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وأن رأيتمونا هزمنا القوم, وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم». صحيح البخاري برقم (3039).

([19]) للتوبة النصوح شروط هي:
1- الإقلاع عن الذنب فورًا.
2- الندم على ما فات.
3- العزم على عدم العودة إلى الذنب.
4- إرجاع حقوق من ظلمهم، أو طلب البراءة منهم، إن كان هذا الذنب بينه وبين أحد.
وذكر بعض أهل العلم تفصيلات أخرى لشروط التوبة النصوح.
ارجع إن شئت الإطلاع عليها إلى كتاب (أريد أن أتوب, ولكن) للشيخ/ محمد صالح المنجد ص[10] وما بعدها.

([20]) (تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للشيخ/ عبد الرحمن السعدي ص(280).

([21]) (تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للشيخ عبد الرحمن السعدي ص (272).

([22]) رواه أحمد (2/297) وغيره, وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) (1/342-343).

([23]) أي: الشيطان الرجيم, أعاذنا الله منه.

([24]) (الداء والدواء) لابن القيم ص(96).

([25]) رواه البخاري برقم (5721)، ومسلم برقم (2990).

([26]) انظر (الداء والدواء) لابن القيم ص(92) بتصرف.

([27]) رواه البخاري في الإيمان 1/109.

([28]) انظر (أين نحن من أخلاق السلف؟) بقلم/ عبد العزيز ناصر الجليل وبهاء الدين عقيل. ص (17) وما بعدها.

([29]) (الداء والدواء) ص(185).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-20
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل

ولذا لا عجب أن ترى بعض العصاة – سواء من الرجال أو النساء هداهم الله – ما أن يقع في معصية إلا ويعقبها بأخرى, فيومه وليلته كلها معاصي تلو معاصي وذنوب تلو ذنوب، فهو إما نائم عن طاعة أو قائم على معصية، ونادرًا ما يجلس لوحده – لأنه حينها يحس بالوحشة حقًا – وإن جلس فهو على معصية إما سماع لأغنية أو رؤية لما حرم الله عبر شاشات التلفاز أو القنوات الفضائية أو معاكسات عبر الهاتف أو غير ذلك مما حرم الله.
ذلك أن المعيشة الضنك من الوحشة والذل والحسرات والهموم والأحزان التي تقطع قلبه تطارده في كل مكان وفي كل وقت، فهو يحاول أن يواريها, ويبتعد عنها بلذة المعصية التي تنتهي بانتهاء المعصية، فهو في سباق محمود ومطاردة رهيبة مخيفة، وما يدري المسكين أنه كلما ازداد معصية, كلما ازداد بعدًا عن ربه وإعراضًا عن ذكره، وكلما ازداد بعدًا عن ربه, كلما زادت الوحشة والذل والحسرات والهموم والأحزان في قلبه – عياذًا بالله -.
وما يدري المسكين أنه لو أقبل على ربه حق الإقبال لزال عنه كل ما يجد من الوحشة والهموم والأحزان، ولأبدله الله أنسًا وفرحًا وانشراحًا يجده في قلبه، ولذة لا تعادلها لذة المعاصي كلها.
ولذا للذة الطائعين في محاريبهم أعظم من لذة العاصين في مراقصهم.
المعيشة السعيدة:
يقول أحد السلف: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها, وما ذاقوا لذيذ العيش فيها، وما ذاقوا أطيب ما فيها.
ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه – أي من نعمة – لجالدونا عليها بالسيوف.
ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة.
ويقول الآخر: والله, إنه لتمر على القلب أوقات – أي: من الإنس بالله والفرح به – أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, انظروا إلى البون الشاسع بين هؤلاء وأولئك, وصدق الله إذ يقول: }إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ{ [الانفطار: 13، 14].
وهذا النعيم وذلك الجحيم ليس مقصورًا على نعيم الآخرة وجحيمها فقط.
بل هو عام في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة.
فهؤلاء الأبرار في نعيم, وأولئك الفجار في جحيم – عياذًا بالله – وهل النعيم إلا نعيم القلب؟!
وهل العذاب إلا عذاب القلب؟!
اللهم, لا تحرمنا بذنوبنا لذة مناجاتك والفرح والإنس بك, إنك جواد كريم.
فيسبق عليه الكتاب:
أخي المسلم ... أختي المسلمة, أما يخشى الذي يتواني, ويسوف في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r تعظيمًا لله وتوقيرًا له, وهو مصر على المعاصي أن يصدق عليه قوله r: «... فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها» الحديث ([1]).
يقول ابن القيم – رحمه الله – في شرح هذا الحديث:
(وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب؛ فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملاً صالحًا مقبولاً للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه.
وقوله: «لم يبق بينه وبينها إلا ذراع» يُشكل على هذا التأويل، فيقال: لما كان العمل بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خُذل بها في آخر عمره, فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت الحاجة, فرجع إلى موجبها, وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه)([2]). أ.هـ.
ومما سبق يتضح لنا أن بعض الذنوب وآثار بعض الصفات الذميمة التي لم يتب منها العبد قد يؤخر الله عز وجل – عياذًا بالله – عقوبتها، فينساها العبد, ويظن أنها لا تضره.
نظر رجل إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأُتي في منامه، وقيل له: لتجدن غبها – أي عاقبتها – بعد أربعين سنة.
يقول ابن القيم – رحمه الله – في صدد هذا الأمر:
(وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنوب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فيُنسى، فيظن العبد أنه لا يغبر بعد ذلك, وأن الأمر كما قال القائل:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه




فليس له بعد الوقوع غبار





وسبحان الله كما أهلكت هذه البلية من الخلق؟ وكم أزالت من نعمة؟ وكم جلبت من نقمة؟.
وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلاً عن الجهال, ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض, ولو بعد حين كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل) أ.هـ ([3]).
أخي المسلم ... أختي المسلمة, فلنحذر من الذنوب والمعاصي ولنتب منها ومن الصفات الذميمة والآفات الكامنة في نفوسنا؛ لنحذر من الحسد والحقد والغل والكبر والرياء والسمعة والعجب وغيرها من الصفات والآفات التي ذمها الله ورسوله r، ولنجاهد أنفسنا في ذلك، فإن الله تعالى قال: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ{ [العنكبوت: 69].
انتهاك الحرمات في الخلوات
أخي المسلم .. أختي المسلمة .. أما يخشى الذي يتوانى, ويسوف في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r تعظيمًا لله وتوقيرًا له, وهو مصر على المعاصي مستخف بها عن الناس، أن يصدق عليه قوله r: «لأعلمن أقوامًا من أمتي، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها الله هباءً منثورًا، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها»([4]).
قال يحيى بن معاذ الرازي: عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم, لا تشمت بي الأعداء, ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يعصي الله, ويشمت به في القيامة كل عدو.
وذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: (ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم قال: تدري مم هذا؟ قلت: لا، قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر).
وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر, فيصبح وعليه مذلته.
وقال ذو النون: من خان الله في السر، هتك الله ستره في العلانية ([5]).

الغيرة المفقودة
أخي المسلم ... أختي المسلمة, أما يخشى الذي يتوانى في الاستجابة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله r تعظيمًا لله وتوقيرًا له؛ وهو مصر على المعاصي أن يطفئ الله عز وجل من قلبه تلك الصفة التي ذكرت في حديث: «وإن المؤمن يغار»([6]).
ذلك أنه كلما اشتدت ملابسة العبد للمعاصي والذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف الغيرة في القلب جدًا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك, نسأل الله العافية.
يصف ابن القيم – رحمه الله تعالى – الغيرة بمفهومها الشرعي وهي: الغيرة على النفس أن تقع في معصية، والغيرة على الأهل والأبناء, وخاصة المرء أن يقعوا فيما حرم الله أو أن ينالهم أحد بمكروه؛ والغيرة على عامة الناس أن تنتشر بينهم المعاصي والمحرمات؛ فيقول:
(الغيرة التي([7]) هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد، وأشرف الناس وأجدهم وأعلاهم همة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس، ولهذا كان النبي r أغير الخلق على الأمة، والله سبحانه أشد غيرة منه، كما ثبت في صحيح البخاري عنه r أنه قال: «أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني»([8])).اهـ ([9]).
ولما كان ارتكاب الذنوب وفعل المعاصي له الأثر البالغ في ضعف الغيرة في القلب – على تفاوت بين الناس في ذلك – لذا, لا عجب أن تروا كثيرًا من المسلمين يرون المنكرات أمامهم سواء في بيوتهم أو في غيرها من الأماكن, ولا ينكرونها، بل ولا تتمعر وجوههم لله رب العالمين.
ولا عجب – أيضًا – أن تروا بعض الرجال لا يغار – عياذًا بالله – على زوجته أو ابنته أو أخته أن تخرج إلى الأسواق أو المنتزهات أو غيرها من الأماكن؛ وقد لبست ما يلفت أنظار الرجال إليها من وضع غطاء خفيف على الوجه؛ هذا إذا لم تكشف عن وجهها، أو تلبس العباءة على الكتف – فضلاً عن أن تلبس تلك العباءة المخصرة التي تبدي مفاتن الجسم وتحجمه – أو تلبس النقاب الذي يبرز جمال العينين.
ولا عجب – أيضًا – أن ترى بعض الرجال لا يغار على زوجته وأولاده أن يخرجوا إلى المطاعم، أو المنتزهات المختلطة، ناهيك عما يحدث فيها من مسابقات وألعاب، واقتراع على الجوائز، وما يحدث من خلال ذلك لهتك للحياء وضياع للفضيلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الظاهرة الخطيرة:
وهناك من الرجال من لا يغار على ابنته أو أخته التي قاربت البلوغ إن لم تكن قد بلغت أن تخرج من البيت كاشفة عن وجهها وشعرها، وإذا ما نوصح ولي أمرها في ذلك اعتذر بأنها صغيرة، سبحان الله، والله, لو كانت هذه صغيرة – كما يدعي ولي أمرها – لكان حري به أن يعودها على الحجاب الشرعي كي لا تستثقله إذا كبرت، فكيف بالتي قد بلغت مبلغ النساء, ففتنت الرجال من حولها، ثم يعتذر لها بأنها صغيرة.
ولي وقفتان مع هذه الظاهرة الخطيرة:
الوقفة الأولى:
إن تهاون الآباء والأمهات في هذه الظاهرة قد يخرج لنا جيلاً من الفتيات – والعياذ بالله – قد اعتدن كشف وجوههن، فيتعذر على آبائهن، وأمهاتهن إلزامهن بالحجاب الشرعي بعد ذلك، وإن ألزمت إحداهن بتغطية وجهها، فإنها قد تخفف غطاءها عن وجهها أو تنزعه إذا غاب الرقيب.
وصدق من قال:
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت




ولا تلين إذا كانت من الخشب






الوقفة الثانية:
إن تهاون الآباء والأمهات في هذه الظاهرة قد يعرض فتياتهم لمواقف لا تحمد عقباها من بعض السفهاء؛ لظنهم أن هذه الفتيات من اللائي كشفن وجوهن ليبدين زينتهن لكل رائي.
ولا عجب – أيضًا – كما نعلم, وتعلمون أن هناك من الرجال من يجلس هو زوجته وأولاده من ذكور وإناث أمام التلفاز أو القنوات الفضائية، وقد يظهر على شاشاته من النساء ما تفوق امرأته جمالاً، مما قد يؤدي إلى فتنة الزوج, ولربما الأبناء بهن.
وقد يظهر – كذلك – من الرجال ما يفوق زوجها جمالاً، مما قد يؤدي إلى فتنة الزوجة, ولربما البنات بهم، ولكن رغم علم الزوج والزوجة بذلك لا أحد منهم ينكر على الآخر نظره إلى ما حرم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولكن الأمر يختلف – طبعًا عند من فيه غيرة فقط – إذا ذهبوا إلى الأسواق أو المنتزهات أو غيرها، فإذا ما نظرت المرأة إلى رجل, وأطالت النظر إليه؛ وعلم زوجها بذلك أقام الدنيا, ولم يقعدها غيرة على زوجته، بل إن هذا الأمر قد يؤدي إلى خلاف كبير، إن لم يصل إلى الطلاق.
والأمر كذلك إذا ما نظر الرجل إلى امرأة, وأطال النظر إليها؛ وعلمت زوجته بذلك أقامت الدنيا, ولم تقعدها غيرةً على زوجها، هذا إذا لم تطلب الطلاق.
وهذا الأمر كما قلت بالنسبة لمن فيه غيرة فقط، وإن كن هو في حد ذاته أمر محمود إلى حد ما؛ ولكن فيه تناقض؛ أمام شاشات التلفاز أو القنوات الفضائية، لا غيرة, ولا إنكار لما يظهر فيها من المنكرات والمحرمات، ولكن في الأسواق والمنتزهات وغيرها تأتي الغيرة التي لا أدري أهي لله أم لغيره؟!
رسالة إلى كل أب شفيق وأم رؤوم:
وفي نهاية الكلام عن حديث «وأن المؤمن يغار»([10]) تجدر الإشارة إلى أمر مهم, ألا وهو أن بعض الآباء والأمهات ممن فيهم خير وصلاح يشكون من انحراف في سلوك بعض أولادهم من ذكور أو إناث، كأن يشكوا من تلوث في أفكارهم مثلاً، أو يشكوا من جنوحهم نحو الشهوات والمغريات والمعاكسات الهاتفية أو غير ذلك من الانحرافات السلوكية.
ولكن إذا ما جلست مع أحدهم جلسة مصارحة, وطرحت عليه بعض الأسئلة وقلت له:
- هل بذلت جهدك أنت وأم أولادك في تربيتهم التربية الإسلامية منذ نعومة أظافرهم؟!
قال: لا، لا أعرفهم كلهم.
- هل وضعت في بيتك أجهزة استقبال القنوات الفضائية؟!
بعض الآباء سيجيب: نعم، وبعضهم: لا.
- الذي أجاب: بلا، نسأله، هل في بيتك تلفاز؟
قال: نعم.
- هل يشاهد أبناؤك وبناتك المسلسلات والتمثيليات الغرامية والمسرحيات الهابطة، ويسمعون الأغاني الماجنة، وغيرها من المحرمات سواء عبر القنوات الفضائية أو التلفاز، ولا تنهاهم عن ذلك؟!
قال: نعم.
- هل تسمح بدخول المجلات الساقطة إلى بيتك؟!
قال: نعم.
أيها الأب الشفيق ... أيتها الأم الرؤوم, إن التهاون في واحد من الأمور التي ذكرت من قبل لكفيل – إن لم يرحمنا الله – في انحراف الشباب من ذكور وإناث عن الطريق المستقيم، فكيف ببعضها، بل فكيف بها كلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وما مثل من يفعل ذلك ومثل أبنائه وبناته إلا كما قال القائل:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له




إياك إياك أن تبتل بالماء





ولكن من كان صادقًا في حرصه على أبنائه وبناته وأهل بيته، ويخشى على نفسه وأنفسهم النار، فليبادر بإخراج هذه المحرمات من بيته، ثم عليه بتربيتهم التربية الإسلامية مع الصبر والاحتساب والدعاء، ثم ليبشر بالذي يسره؛ فإن الله مع الصادقين.

العقوبات والمصائب
أخي المسلم ... أختي المسلمة, أما يخشى الذي يتوانى في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r وهو مصر على المعاصي – خاصة تلك المعاصي التي فيها ظلم للعباد أو التسلط على عوراتهم وأعراضهم أو نشر الرذيلة والفحشاء بينهم – أن يبتليه الله في عرضه أو أن ينزل الله به عقوبة من عنده تنقله من العز والجاه إلى الذل والصغار، أو من الصحة إلى الأمراض والآلام، أو من الغنى إلى الفقر، أو غير ذلك من العقوبات والمصائب والكوارث }وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا{ [الكهف: 49].
فما([11]) الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
إنه الذنب والمعصية.
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه؟
إنه الذنب والمعصية.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
إنها الذنوب والمعاصي.
وما الذي سلط الرحي على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض, كأنهم أعجاز نخل خاوية؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم, وماتوا عن آخرهم؟
إنها الذنوب والمعاصي.
وما الذي رفع القرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد([12]
إنها الذنوب والمعاصي.
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟
إنها الذنوب والمعاصي.
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقل أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟!
إنها الذنوب والمعاصي.
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
إنها الذنوب والمعاصي.
وما الذي سلط على بني إسرائيل أنواع العقوبات، مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى: }لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ{ [الأعراف: 167]؟...([13]).
إنها الذنوب والمعاصي.
إما إلى النار
أخي المسلم ... أختي المسلمة, وبعد هذا كله, أما يخشى الذي يتوانى في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله r وهو مصر على المعاصي أن يخطفه الموت قبل أن يتوب, فيدخله الله نارًا قال عنها: }كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى{ [المعارج: 15-18]، وقال عنها: }إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ{ [المرسلات: 32، 33]، وقال r: «يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها»([14]) رواه مسلم.
وفي الصحيحين عنه r قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم»، قالوا: يا رسول الله إنها كافية قال: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا, كلهن مثل حرها»([15]).
وقال الله عن أهلها الذين يعذبون فيها: }لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ{ [الزمر: 16].
وقال: }وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ{ [إبراهيم: 49، 50]، وقال: }إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ{ [غافر: 71].
وقال النبي r - عن أقل أهل النار عذابًا -: «إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا, وإنه لأهونهم عذابًا» ([16]) رواه مسلم.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, إذا كان هذا أقل أهل النار عذابًا, ليت شعري, فكيف بمن أشد من ذلك، رحماك.. رحماك رب العالمين.
وقال تعالى عن طعام أهل النار فيها: }لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ{ [الغاشية: 6، 7]. وقال: }إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ{ [الدخان: 43-46].
وقال النبي r عن شجرة الزقوم: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه»([17]).
وقال تعالى عن شرابهم: }وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ{ [محمد: 15].
وقال: }وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ{ [إبراهيم: 16، 17]([18]).
وإما إلى الجنة
أخي المسلمة ... وأختي المسلمة, أين هؤلاء من أهل الجنة التي قال الله عنها: }مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا{ [الرعد: 35].
ويقول النبي r: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, واقرؤوا إن شئتم }فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [السجدة: 17]»([19]).
ويقول الله تعالى عن لباسهم فيها: }يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ{ [الحج: 23].
وقال تعالى: }عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ{ [الإنسان: 1].
ويقول تعالى عن أزواجهم فيها: }فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ{ [الرحمن: 56-58].
ويقول تعالى عن طعامهم وشرابهم فيها: }يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ [الزخرف: 71].
ويقول النبي r «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسلك يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس»([20]) رواه مسلم.
ويقول الله عز وجل عن رؤية المؤمنين له – سبحانه – في الجنة: }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ{ [القيامة: 22، 23].
ويقول النبي r: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة, إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه, فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا, ويبيض وجوهنا, ويدخلنا الجنة, ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب, فينظرون إليه، فوالله, ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه, ولا أقر لأعينهم منه»([21]) رواه مسلم ([22]).
اللهم, ارزقنا الخلد في جنانك, وأحل علينا فيها رضوانك, وارزقنا لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة. اللهم آمين.
اللهم, صلِّ على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.

الخاتمة
}وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ{ [الزمر: 67].
حقًا ما قدروه حق قدره، ولو قدروه حق قدره لعظموه, ووقروه, وأحبوه وأجلوه، ولو عظموه, ووقروه, وأحبوه, وأجلوه, لما عصوه, وأصروا على ذنوبهم.
اللهم, إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, أن ترزقنا حبك, وحب من يحبك, وعمل يقربنا إلى حبك، وأن ترزقنا تعظيمك وإجلالك وتوقيرك, وأن نقدرك حق قدرك، وأن تعصمنا من مغاضبك ومساخطك, وأن تغفر لنا ما قدمنا, وما أخرنا, وما أسررنا, وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا.
ثم أسأله – عز وجل – أن تكون هذه الرسالة حجة لي, ولمن قرأها لا علينا، وأن يتقبلها, وينفع بها, وأن يخلص أعمالنا جميعًا لوجهه الكريم.
اللهم آمين، اللهم, صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, ما كان في هذه الرسالة من صواب فمن الله – عز وجل – وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان, والله ورسوله r منه براء، واستغفر الله, وأتوب إليه من ذلك.
أخي المسلم ... أختي المسلمة, يظهر من خلال هذه الرسالة عدة أمور منها:
1- وجوب تعظيم الله عز وجل وتوقيره في نفوسنا, وتربية أبنائنا, ومن تحت أيدينا على ذلك من صغرهم؛ لتتشرب قلوبهم تعظيم الله وإجلاله، فينشأ عليها الصغير, ويهرم عليها الكبير.
2- إن من تعظيم الله عز وجل ترك الذنوب والمعاصي وعدم الإصرار عليها، وسرعة التوبة والاستغفار من الذنوب, إذا ما وقع المسلم فيها.
3- وجوب سرعة الاستجابة لأمر الله – عز وجل – وأمر رسوله r، وأن من ترك ذلك أو توانى فيه, فقد يحال بينه وبين الاستجابة إذا أرادها.
4- إن للذنوب والمعاصي أضرارًا وآثارًا قبيحة في الدنيا والآخرة إن لم يتب المسلم منها توبة نصوحًا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


([1]) البخاري برقم (3208), ورقم (3332), ومسلم برقم (2643).

([2]) «الفوائد» لابن القيم ص(236-237).

([3]) (الداء والدواء) ص(84-85).

([4]) رواه ابن ماجة برقم (4245)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع) (1/897) برقم (5082).

([5]) انظر (الداء والدواء) لابن القيم ص(84-85).

([6]) مسلم برقم (2761).

([7]) في قلب المؤمن.

([8]) رواه البخاري (4923)، ومسلم (1499).

([9]) (الداء والدواء) لابن القيم ص(106-107).

([10]) مسلم برقم (2761).

([11]) أي: ما السبب؟!

([12]) فلنحذر - أخي المسلم, أختي المسلمة - أن نكون منهم. عياذًا بالله.

([13]) انظر (الداء والدواء) لابن القيم ص(65) وما بعدها.

([14]) مسلم برقم (2842).

([15]) البخاري برقم (3265), ومسلم برقم (2843).

([16]) مسلم برقم (213), والبخاري مختصرًا برقم (6561).

([17]) الترمذي برقم (2585), وابن ماجة برقم (4325), وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5126).

([18]) انظر (من القبر إلى الجنة أو النار) إعداد/ عبد الله بن أحمد الغامدي ص46، وما بعدها.

([19]) البخاري برقم (3244), ومسلم برقم (2824).

([20]) مسلم برقم (2835).

([21]) مسلم برقم (181).

([22]) انظر (من القبر إلى الجنة أو النار) إعداد/ عبد الله بن أحمد الغامدي ص31 وما بعدها.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 07:26 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب