منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

أحكام الاستئذان في السنة والقرآن

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أنواع المياه بين العلم والقرآن هبة المولى منتدى القران الكريم وعلومه 0 2013-11-21 02:39 PM
هل وصل الإستهزاء بالله والدين والرسول والقرآن وصل لهذه الدرجـة؟!!!!"أنصر دينكـ" Djazairy منتدى الدين الاسلامي الحنيف 0 2010-10-31 04:59 PM
اذكارالكتاب والسنة نسخة مصورة+الصوت والقلم+أحكام تهم المسلم=اذكارالصباح والمساء صعيب بن عبدالله منتدى الدين الاسلامي الحنيف 7 2010-03-24 11:49 PM
الموقف الخامس :[ البرزخ ] بين العلم والقرآن الكريم Ahmed_Sat منتدى القران الكريم وعلومه 1 2009-02-12 06:06 PM
محمود وخالد عرفوا أين يقضيان رأس السنة وانت حتقضي راس السنة فين ؟؟ صلاح الجزائري 2009 منتدى الدين الاسلامي الحنيف 4 2008-12-26 09:05 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي أحكام الاستئذان في السنة والقرآن

التمهيد
تعريف الاستئذان وحكمته التشريعية
أولاً: التعريف:
أ- التعريف اللغوي:
ذكر علماء اللغة للإذن استعمالات شتى، وأظهرها أنه يفيد معنى "العلم أو الإعلام"، يُقال: أذن به إذنًا وأذانة: أي علم([1]). وقال ابن منظور: وآذنه الأمر أعلمه، وأذنت أكثرت الإعلام، والأذان الإعلام. وقوله تعالى: }وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ{[التوبة: 3]. أي إعلام. وأذِن له في الشيء إذنًا: أباحه له. وأذن تأذينًا: أكثر الإعلام([2]).
وقال الفيروزآبادي: أذن بالشيء: علم به، واستأذنه: طلب منه الإذن([3]).
ووجه التعبير عن الاستئذان بالاستئناس: أنه مثله في معنى الاستعلام([4]) ويفسر الإذن في القرآن الكريم بما يتناسب مع السياق، فقوله تعالى: } قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ { [البقرة: 97]. أي بعلمه وإرادته وتسهيله وتيسيره([5]).
وقوله تعالى: } وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ {[آل عمران: 145]. أي بأمره وقدره.
وقال تعالى: } وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ {[النساء: 64]. أي بأمره وتوفيقه.
وكلمة الاستئذان تفيد الطلب؛ لأن السين والتاء تدلان على الطلب.
وملخص القول: أن كلمة الإذن ذات معانٍ كثيرة يعنينا في هذا البحث أهمها وأظهرها، وهي: العلم والإعلام والإباحة والأنس والنداء([6]).
ب- التعريف الاصطلاحي:
الاستئذان في اصطلاح الفقهاء هو: فك الحجر وإطلاق التصرف لمن كان ممنوعًا شرعًا([7]). ويمكننا أن نصوغ تعريفًا للإذن من الحيثية التي تعنينا، فنقول هو: التماس الإذن تأدبًا خشية الاطلاع على عورة.
أو هو استباحة المحظور على وجه مشروع([8]).
ويمكننا أن نقول إنه: طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن([9]).
ثانيًا: الحكمة من مشروعية الاستئذان:
ما من ريب أن الأهداف الاجتماعية ترمي إلى أهداف سامية وفي سنها أحكام وحِكم يدركها المتفقهون. والتشريعات الإسلامية على الجملة تتوخى في شموليتها إسعاد المجتمع الإسلامي وبناءه على نحو فريد ليكون مجتمع إيمان وبِرّ وتقوى، متميزًا في خصائصه وسماته وأحوالها كلها. قال تعالى: } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ { [آل عمران: 110]. وإن نظرة متأنية إلى أسرار أدب الاستئذان تكشف عن حِكمه وواقعيته، فالإنسان ذو غرائز وشهوات وميول ورغبات وليس كل أحد يمتنع عن إرسال شهواته ومسبباتها بدافع الضمير الإنساني أو بدوافع المروءة والنخوة كما يمتنع بالوازع الإيماني، والشريعة الإسلامية ذات أحكام ميسرة ونظرات بعيدة متعمقة فإنها إذا حرّمت شيئًا تحرم كل سبب وداعٍ يؤدي إليه.
فالإسلام مثلاً حينما حرم الزنا حرم دواعيه من النظر والخلوة والتبرج وكل ما يؤدي إلى الزنا، وكذلك حرم الغناء -أيضًا- لما ذكر بعض أهل العلم من أن الغناء بريد الزنا، فنظرة الإسلام بعيدة ومتعمقة لا يدركها كل إنسان.
ومن المعلوم خطورة النظر على المجتمع الإسلامي، فإن نعمة البصر أشرف وأعظم النعم في البدن، وكلما عظمت النعمة عظم الخطر، فمن لم يحفظ أشرف الحواس وهو البصر يقع في أقبح الأمور وهو الزنا، وهذا فيما يتعلق بالنظر المحرَّم، وإلا فإن الإسلام أباح من النظر ما فيه مصلحة أو ضرورة، كنظر الخاطب إلى مخطوبته -بل استحبه بعض العلماء- وكنظر الإنسان إلى محارمه.
وإذا كان النظر المحرَّم يشكل خطرًا عظيمًا على المجتمع المسلم الذي يتميز عن غيره من المجتمعات بالحشمة والسَّتر؛ فإن الشرع سنَّ آدابًا تتمشى مع مصالح المجتمع، فشرع الاستئذان، حتى إن الله -سبحانه وتعالى- أنزل أحكام الاستئذان في محكم التنزيل، وهذا من كمال التشريع الذي يلمّ بكل صغيرة وكبيرة، ومن أهمية هذا الأدب أيضًا.
والاستئذان أدبٌ رفيع يحفظ للبيوت حُرماتها، وإنها لحرمات عظيمة تطويها بيوت المسلمين، وأي حرمة أعظم من هذه الحرمة التي تجعل المصطفى r يهدر عينَ من اطّلع على دار قوم بغير إذنهم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي، r قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جناح»([10]).
فالاستئذان يحقق للبيوت حرمتها، ويجنب أهلها الحرج الواقع من المفاجأة والمباغتة والتأذي بانكشاف العورات، والعورات كثيرة تعني غير ما يتبادر إلى الذهن، فليست عورة البدن وحدها وإنما يُضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث التي لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمُّل وإعداد، وهي عورات المشاعر والحالات النفسية، فكم منا من لا يحب أن يراه أحد وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر أو يغضب لشأن مثير، أو يتوجع لألم يخفيه عن الغرباء([11]).
ومن حِكم الاستئذان صيانة المرأة المسلمة عن التبذُّل، دون أن يراها أحدٌ غير مَحرم، ومن تأمل سورة النور وترتيب موضوعاتها وجد أن آيات الاستئذان جاءت بعد تقرير حدّ الزنا والقذف والوقاية منهما.
ويقول الشوكاني -رحمه الله- في صدد هذا الموضوع: لما فرَغ -سُبحانه- من ذكر الزجر عن الزنا والقذف، شرع في ذكر الزجر عن دخول البيت بغير استئذان؛ لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء، فربما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين. اﻫ([12]). فأدب الاستئذان متضمن لقطع ألسنة السوء من مظنة الريبة، فإذا دخل امرؤ بيتًا بلا استئذان وكان ذلك مباحًا، فقد يراه حال دخوله أو حال خروجه من يتهمه ويتهم أهل البيت المدخول عليهم بما لم يخطر ببال.
ولقد يصادفه حال خروجه ربُّ الدار وليس فيها إلا امرأته مثلاً، فتذهب به الظنون كل مذهب، ويجد الشيطان له في نفسه مرتعًا خصبًا، وربما جرَّ إلى خراب البيت وإلحاق أطفالهما بالأيتام، وتتسع المقالة لضعفاء الإيمان، فيخوضون في الأعراض بما ليس لهم به علم، فتشريع هذا الحكم من أعظم مظاهر الرحمة في تشريع الحنيفية السَّمحة([13]).
ومن كمال التشريع الإسلامي أن جاء بالاستئذان مفصلاً كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-، فمنه الخاص ومنه العام، وقد أباح الله -سبحانه- للمماليك والصغار الطواف في البيوت بغير استئذان وذلك لحاجة أهليهم وأسيادهم إليهم إلا في أوقات ثلاثة، فقد فرض الله عليهم الاستئذان فيها، وهذه الأوقات الثلاثة هي: ما قبل الفجر، ووقت الظهيرة، وبعد العشاء.
فلا يجوز لأي إنسان الدخول في هذه الأوقات إلا بإذنٍ؛ وذلك لأنه وقتٌ يأوي فيه الناس إلى أزواجهم، وتنزع فيه الثياب، وقد يحصل بين الأزواج ما يحصل، فالدخول محظور حتى على الصغار والمماليك؛ لكي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم، وهذا أدبٌ قد يغفل عنه بعض الناس فيعتقد أن المملوك والصغير لا تمتد أعينهم إلى ساداتهم وأهليهم، وهذا اعتقاد خاطئ، بل إنه قد ثبت لدى علماء النفس أن اطّلاع الصغير على بعض المشاهد له تأثير في حياته النفسية، وقد يؤدي إلى أمراض عصبية.
وقد أدرك الإسلام كل هذه الأبعاد، فما أكمل تشريعات الإسلام وأشملها! ولكن أين الذين يعتقدون التقدم ويتبعون ما يُسمى بالحضارة، وهي أفكار انصبت عليهم من الغرب الفاشل؟! أين هم عن هذه التشريعات السَّامية؟! التي من المستحيل أن تأتي بمثلها عقول البشر، فهي أحكام صادرة من عند الله -سبحانه وتعالى- الذي أخبرنا أنه أكمل لنا ديننا وارتضاه إذ يقول تعالى:
} الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا {[المائدة: 3].

هذا ما جادت به النفسُ وأمكن تسطيره حول الحكمة من مشروعية الاستئذان وإن كان جهدًا يسيرًا، لكن لو لم يأتِ في حكمة الاستئذان إلا أنه أمرٌ من الله ورسوله لكفى؛ لأنه يغنينا عن البحث عن الحكمة، والله أعلم.
* * * *

الفصل الأول
الاستئذان في القرآن الكريم


وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاستئذان العام.
المبحث الثاني: الاستئذان الخاص.
المبحث الثالث: الاستئذان عند الانصراف.
المبحث الرابع: التحية عند دخول البيوت.
المبحث الخامس: خلوّ آيات الاستئذان من النسخ.
* * * *

المبحث الأول
الاستئذان العام
الاستئذان العام هو ما يكون خارج البيوت:
وفيه قوله تعالى: } لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ {[النور: 27-29].
هذه أول آية من آيات الاستئذان وهي آية الاستئذان العام، والتي أدَّب الله بها عباده المؤمنين وأرشدهم إلى الآداب الإسلامية؛ حيث كان الرجلُ في الجاهلية إذا لقي أخاه لا يسلَِّم عليه بل يقول له: حُيَّيت صباحًا وحُيَّيت مساءً([14])، فأبدلهم الله بتحية تجمع أكمل الدعاء وأنفع الخير والثناء([15])، وقد نهى الله عباده في هذه الآية عن الدخول في بيوت الغير إلا بعد الاستئذان والإذن، وجعل هذا من مقتضيات الإيمان.
والنهي للتحريم، فيحرّم على الإنسان أن يدخل بيت غيره إلا بإذنه؛ لما في ذلك من كشف العورات والاطلاع على ما يطويه الناس في بيوتهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليه، ولأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فكان كالغصب([16]).
وأما سبب نزول هذه الآية فلم يرد منه شيء في الصحاح، وكما قال الآلوسي: «إن ما ذكر في سبب النزول ليس مُجمعًا عليه»([17]).
ولكن معرفة سبب النزول، وإن كان لا يرتبط بالأحكام ارتباطًا كبيرًا، إلا أنه يعين على فهم المعنى وتصوره.
فقد روي أنها نزلت في امرأة من الأنصار، جاءت إلى النبي r، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حالٍ لا أحبّ أن يراني عليها أحد، والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا {[النور: 27].
قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طريق الشام ليس فيها المساكن؟ فأنزل الله قوله تعالى: } لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ {[النور: 29]([18]).
وقوله تعالى: } غَيْرَ بُيُوتِكُمْ { الإضافة هنا تفيد اختصاص السُّكنى؛ لأن الإنسان قد يسكن ملكه وقد يسكن في غير ملكه، فليست الإضافة لاختصاص الملك.
وقوله تعالى: } حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا {. جاء في تفسير الاستئناس أقوال عدة، أشهرها قولان:
الأول: أن يكون الاستئناس من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا أو علمه، وهذا الاستكشاف والعلم يكون بالاستئذان([19]).
الثاني: أن يكون من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش؛ لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أُيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أُذِنَ له زال عنه الاستيحاش. فيكون المعنى تستأذنوا([20]).
وقوله تعالى: } حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا { التعبير بالاستئناس قد يفيد معنى آخر غير الاستئذان، فهو استئذان وزيادة؛ لأن المعنى: حتى تستشعروا أنس أهل البيت بكم، ففيها إشارة لطيفة وهي أنه ينبغي للزائر أن يرجع إذا تبين له من حال صاحب البيت أنه لا يرغب دخوله وإن صرَّح بالإذن.
وقوله تعالى: } ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ {. أي الاستئناس أو التسليم خير من أن تدخلوا بغتة.
وقوله تعالى: } فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ { [النور: 28] أي إن لم تجدوا أحدًا من الآذنين فاصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم.
ويحتمل المعنى: إن لم تجدوا فيها أحدًا من أهلها ولكم فيها حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها، وذلك لأن الاستئذان من أجل البيت وساكنه.
وقوله تعالى: } وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا { أي إذا ردُّوكم من الباب سواء قبل الاستئذان أو بعده ممن يملك الإذن، فارجعوا أزكى لكم رجوعكم، وأطهر لكم من إلحاحكم ووقوفكم على الباب.
فالآية تضمنت الرجوع في حالتين:
في حالة عدم الإذن الصريح، كأن يُقال: ارجع أو لا تدخل.
وفي حالة عدم الإذن الضمني، كأن لم يكن بالبيت أحد.
وقوله تعالى: } وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ {. أي ومن جملة علمه أنه يعلم من يدخل بإذنٍ، ومن يدخل بغير إذن؛ فيجازي كلاًّ بعمله.
وهذا الحكم في البيوت المسكونة؛ سواء فيها متاع للإنسان أم لا، وفي البيوت غير المسكونة التي لا متاع فيها للإنسان.
وأما البيوت التي ليس فيها أهلها وفيها متاع الإنسان المحتاج للدخول إليه فقال الله عنها: } لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ {.
والمعنى: ليس عليكم إثمٌ ولا حرجٌ، ونفي الحرج هنا يدل على أن الدخول من غير استئذان في البيوت السابقة حرامٌ وفيه حرج([21]).
وقد اختلف العلماء في البيوت غير المسكونة والمتاع الذي فيها على أقوال أشهرها ثلاثة أقوال:
فقال بعضهم: إن البيوت هي الحوانيت والدكاكين في الأسواق، والمتاع المقصود به ما يُباع ويُشترى من السلع، وهذا مرويٌّ عن الشعبي.
وقال بعض العلماء: إن المراد بها الخرب التي تكون في المدن والقرى.
والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الغائط والبول، وهذا مرويٌّ عن عطاء.
وقال آخرون: بل هي الفنادق والبيوت التي في الطرق السابلة، الموضوعة لابن السبيل يأوي إليها، والمتاع فيها هو اتقاء الحرِّ والبرد. وهذا مرويٌّ عن مجاهد.
والذي يظهر أن المراد بالبيوت: كل بيت ليس فيه ساكن خاص كالدكاكين والحوانيت والفنادق -باستثناء الغرف المسكونة فيها- فتكون الآية عامة وهذا أولى([22]).
وقد روي عن جابر بن زيد([23]) قال: ليس يعني بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة؛ إما منزل ينـزله قوم من ليل أو نهار، أو خربة يدخلها الرجل لقضاء حاجته، أو دار ينظر إليها، فهذا متاع، وكل منافع الدنيا متاع.
قال النحاس -رحمه الله-: هذا من أجمع ما قيل في الآية... وهو شرحٌ حسن من قول إمام من أئمة المسلمين، وهو موافق للغة، والمتاع في لغة العرب: المنفعة، ومنه: أمتع الله بك، ومنه قوله تعالى: } فَمَتِّعُوهُنَّ { [الأحزاب: 49]([24]).
فتكون هذه البيوت مستثناة من العموم السابق، لأن قوله تعالى: } لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ { لفظٌ عامٌّ في كل بيت ليس ملكًا للإنسان.
فأخرج الله منه البيوت التي ليست ملكه، وفيها متاعه وليس فيها ساكن، فأسقط الحرج في الدخول فيها([25])، هذا ما يمكن إيراده حول الاستئذان العام.

المبحث الثاني
الاستئذان الخاص
الاستئذان الخاص هو ما يكون داخل البيت:
وجاء فيه قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ { [النور: 58، 59].
هذه آيات الاستئذان الخاص وهو ما يكون داخل البيوت.
والآية عامة في الرجال والنساء، قال الرازي: وإن كان ظاهره الرجال، فالمراد الرجال والنساء؛ لأن التذكير يغلب على التأنيث، فإذا لم يميز فيدخل الكل، والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جليّ؛ وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشدّ حالاً من الرجال، فإذا ثبت هذا الحكم في الرجال فهو في النساء من باب أولى. اﻫ([26]).

وقوله تعالى: } وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ { يعني الأحرار، وليس المراد الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل المراد الذين عرفوا أمر النساء ولكنهم لم يبلغوا الحلم.
وقوله تعالى: } كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ { أي في سائر الأوقات، والمراد بالذين من قبلهم هم الذين ذكرهم الله بقوله: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا {.
وقد بين الله سبحانه هذه الأوقات الثلاثة بقوله: } ثَلَاثَ مَرَّاتٍ {.
فذكر قبل صلاة الفجر أي عند الانتباه للصلاة، وعند الظهيرة وهي القائلة، ومن بعد صلاة العشاء، وهذه أوقات الخلوة التي يكون فيها التصرف، بخلاف الليل كله فإنه وقت خلوة ولكن لا تصرف فيه؛ لأن كل أحد مستغرق بنومه.
وهذه الأوقات الثلاثة أوقات تصرف وخلوة، فنهوا عن الدخول فيها بغير إذنٍ؛ لئلا يصادفوا منظرة مكروهة([27]) فالمماليك والصغار كغيرهم في هذه الأحوال الثلاثة، فلا يمكَّنون من الدخول إلا بإذن، وأما ما عدا هذه الأحوال الثلاثة فإنهم يحتاج إليهم دائمًا، فيشق الاستئذان منهم في كل وقت، فرخَّص الله لهم الدخول بغير استئذان، وبينَّ العلة وهي كونهم يطوفون للخدمة وقضاء الأشغال والحوائج.
وقوله تعالى: } وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ { أي له العلم المحيط بالواجبات والمستحبات والممكنات، والحكمة: التي وضعت كل شيء موضعه، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به وأعطى كل حكم شرعي حكمه اللائق به، ومنه هذه الأحكام التي بيَّنها وبينَّ مآخذها وحسنها([28]).
وقد ورد في هذه الآيات أكثر من سبب نزول، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فمنها ما روى مقاتل، قال: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقتٍ كرهته، فأتت رسول الله r، فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله سبحانه وتعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ... {([29]).
وقال السدي: كان أناسٌ من أصحاب الرسول r يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله -سبحانه وتعالى- أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن([30]).
وقال ابن عباس: وجَّه رسول الله r غلامًا من الأنصار([31]) إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته عند ذلك؛ فأنزل الله هذه الآية([32]).
* * * *

المبحث الثالث
الاستئذان عند الانصراف
ورد هذا النوع من الاستئذان في الكتاب والسنة، وطبقه السلف الصالح رضي الله عنهم.
أما القرآن فقال الله تعالى: } إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { [النور: 62]. فهذه الآية الكريمة بينت نوعًا من الأدب أرشد الله إليه عباده المؤمنين ألا وهو الاستئذان عند الانصراف، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، فالمؤمن حقًّا لا يذهب لبعض الحوائج إلا بإذنٍ من الرسول r، أو نائبه من بعده، وقد مدح الله من امتثل هذا الأدب الرفيع، وأمر رسوله r ومن بعده من أولياء الأمور بالإذن لمن يستأذن إذا كان الإذن لشغل وعذر، وشاءه الولي بأن لا يضر بالآذن([33]).
وهذا الاستئذان الوارد في الآية في شأن الاجتماعات الرسمية التي يحضرها أولياء الأمور، فهو خاص بهذا النوع من الاستئذان.

وأما الاستئذان المطلق عند الانصراف، فيدل له ما جاء في الحديث من قوله r: «إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلَِّم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلَِّم فليست الأولى بأحق من الآخرة»([34]).
وظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجب على الجماعة رد السلام على الذي يسلِّم على الجماعة عند المفارقة([35]).
وقد بوَّب البخاري -رحمه الله- في الأدب المفرد فقال: باب إذا جلس الرجل إلى الرجل يستأذنه في القيام، ثم ساق حديث أبي بردة بن أبي موسى قال: «جلست إلى عبد الله بن سلام، فقال: إنك جلست إلينا وقد حان منا قيام، فقلت: فإذا شئت فقام، فتبعته حتى بلغ الباب»([36]).
* * * *


([1]) المعجم الوسيط (1/11) مادة «أذن».

([2]) لسان العرب (13/9) مادة «أذن».

([3]) القاموس المحيط (1516) مادة «أذن».

([4]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1359).

([5]) فتح القدير للشوكاني (1/117)

([6]) أدب الاستئذان (17).

([7]) التعريفات (15).

([8]) أدب الاستئذان (18)

([9]) فتح الباري (11/5).

([10]) رواه البخاري في كتاب الديات، باب من اطلع على بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له (12/253 فتح الباري). ومسلم في كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت الغير (14/1138 بشرح النووي).

([11]) في ظلال القرآن (6/98).

([12]) فتح القدير (4/19).

([13]) منهج سورة النور، لكامل الدقس (215).

([14]) تفسير القرآن العظيم (3/450).

([15]) الفواكه الشهية في الخطب المنبرية، للسعدي ص131.

([16]) الكشاف (3/70).

([17]) روح المعاني (18/209).

([18]) أسباب النزول للواحدي (375)، وجامع البيان من تأويل أي القرآن (18/111)، وتفسير القرآن العظيم (3/448). والجامع لأحكام القرآن (12/213).

([19]) ورجح هذا القول الشنقيطي في أضواء البيان (6/168).

([20]) ورجح هذا القول الطبري في جامع البيان (18/112)، وابن عطية في المحرر الوجيز (11/192)، والزمخشري في الكشاف (3/70).

([21]) انظر في تفسير هذه الآيات: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي.

([22]) انظر: فتح القدير (4/24)، وزاد المسير (6/29).

([23]) هو جابر بن زيد الأزدي اليحمدي أبو الشعثاء الجوفي البصري الفقيه. روى عن ابن عباس وابن عمر ومعاوية بن أبي سفيان، وروى عنه قتادة وعمرو بن دينار وأيوب السختياني، ثقة، مات سنة 93ﻫ (تهذيب التهذيب 2/38).

([24]) الناسخ والمنسوخ في كتاب الله -عز وجل- (2/549)، تحقيق د/ سليمان اللاحم.

([25]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (5/408).

([26]) تفسير الرازي (24-28).

([27]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1397).

([28]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (5/442).

([29]) تفسير القرآن العظيم (3/486)، والدر المنثور (5/55) وأسباب النزول للواحدي (380).

([30]) تفسير القرآن العظيم (3/486)، وعبارته: «يحبون أن يواقعوا نساءهم»، والدر المنثور (5/55)، وروح المعاني (18/209).

([31]) ذكر البيضاوي والخازن في تفسيرهما أن الغلام: مدلج بن عمرو الأنصاري.

([32]) الجامع لأحكام القرآن (12/304)، وأسباب النزول للواحدي (380)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (2/130) ولباب التأويل في معاني التنزيل (4/415).

([33]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (5/451).

([34]) أخرجه الترمذي في كتاب الاستئذان، باب التسليم عند القيام وعند القعود (7/341)، وقال الترمذي: حديث حسن، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في السلام إذا قام من المجلس، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود للألباني 3/978).

([35]) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (7/485).

([36]) الأدب المفرد بشرحه، فضل الله الصمد (2/583).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أحكام الاستئذان في السنة والقرآن

المبحث الرابع
التحية عند دخول البيت
جاءت التحية عند دخول البيوت مطلقًا، كما في قوله تعالى: } فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ { [النور: 61].
فهذه تحية شرعها الله لعباده المؤمنين، ومدحها، وجعلها مباركة لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة.
وقد جعلها الله طيبة؛ لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله تعالى.
وقوله تعالى: } بُيُوتًا { نكرة في سياق الشرط فتعمّ بيت الإنسان، وبيت غيره سواء كان في البيت ساكن أم لا([1]).
إذن، فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت من غير فرق بين بيتٍ وبيتٍ، فيسلِّم المؤمنون بعضهم على بعض؛ لأنهم كالشخص الواحد من توادهم وتراحمهم وتعاطفهم([2]).
وفي معنى هذه الآية قوله r لأنس -رضي الله عنه-: «يا بني، إذا دخلت على أهلك فسلم، يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك»([3]).
وإذا كان السلام مشروعًا -سواء كان في البيت ساكن أو لا- فإن صيغة السلام معلومة وفيها أحاديث كثيرة -أعني السلام على الساكن في البيت- وأما إذا لم يكن في البيت أحدٌ فقد جاء عن عكرمة أنه قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»([4]).
وجاء عن ابن عمر في الرجل يدخل البيت أو المسجد ليس فيه أحد قال: يقول: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»([5]). وجاء عن مالك أيضًا مثل ذلك([6]).
هذا على أن الآية عامة، سواء كان في البيت ساكن أم لا.
وذهب بعض العلماء إلى أن معنى الآية: إذا دخلتم بيوتًا من بيوت المسلمين فيها ناس منكم، فليسلم بعضكم على بعض.
أي: فسلَِّموا على من هم بمنزلة أنفسكم من المؤمنين؛ لأن المؤمنين كالنفس الواحدة، وعلى هذا المعنى فلا يسلَِّم الداخل إلا إذا كان في البيت أحدٌ([7]).
قلت: والأمر في هذا واسع، فإن عمل بهذا فلا حرج، وإن عمل بالأول فهو أولى لوروده عن بعض السلف. والله أعلم.
* * * *

المبحث الخامس
خلوّ آيات الاستئذان من النسخ
مما ينبغي التنبيه عليه في هذا الفصل: إحكام آيات الاستئذان كلها وخلوّها من النسخ، على الصحيح من أقوال أهل العلم.
وإن كان بعض أهل العلم يقول إن قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا { [النور: 27].
حكم عام في جميع البيوت، ثم نسخ الله واستثنى منه بقوله تعالى: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ{ [النور: 29].
وهذا القول مرويٌّ عن الحسن وعكرمة.
لكن الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الجمهور: أن الآيتين محكمتان، وأن الآية الأولى في البيوت التي لها أرباب وسكان، والآية الأخرى في البيوت التي ليس لها أرباب يُعرفون ولا سكان، وهذا القول هو الراجح والله أعلم. وفيه جمعٌ بين الأدلة، والجمع مقدَّم على النسخ.
كما قال أبو جعفر النحاس -رحمه الله-: «والقول بأنهما محكمتان قول أكثر أهل التأويل»([8]).
وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: «آية لا يؤمن بها أكثر الناس: آية الإذن، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن عليَّ»([9]).
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: «لم يَصِرْ أحدٌ من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ»([10]).
فالذي عليه المحققون الجهابذة من أهل العلم: أن آيات الاستئذان ليس فيها نسخ البته، ومنهم القرطبي([11])، وابن القيم([12])، وابن الجوزي([13]) -رحمهم الله- وفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-.
* * * *

الفصل الثاني
أحكام الاستئذان في السنة المطهرة

وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: حكم الاستئذان.
المبحث الثاني: صيغ الاستئذان.
المبحث الثالث: عدد مرات الاستئذان.
المبحث الرابع: الاستئذان على المحارم.
المبحث الخامس: هل السلام قبل الاستئذان أم بعده؟
المبحث السادس: الاطلاع على دار الغير بغير إذن، وما يترتب على ذلك.
المبحث السابع: هل رسول الرجل إلى الرجل إذنه؟
وإليك التفصيل في هذه المباحث:
* * * *

المبحث الأول
حكم الاستئذان
لقد اتفق العلماء على أن الاستئذان بنوعيه -العام والخاص- أدبٌ إسلامي كريم، له أهمية خاصة، ودورٌ متميز في صيانة حرمات البيوت.
ويدل على ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- صدَّر آيات الاستئذان بالنداء بوصف الإيمان، وهذا يعني أن الاستئذان من مقتضيات الإيمان.
قال النووي -رحمه الله-: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروعٌ، وتظافرت به دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. اﻫ([14]).
وأما حكم الاستئذان بنوعيه فقد ذكر بعض العلماء فيه خلافًا، حيث زعم بعضهم أن الاستئذان مستحب([15]) ولكن الذي يظهر من الأدلة أنه واجب بنوعيه، أي: العام والخاص.
قال ابن مفلح -رحمه الله-: «ولا وجه لحكاية الخلاف، فيجب في الجملة على غير زوجه وأمه». اﻫ([16]).
وأما الأدلة على وجوب الاستئذان فكثيرة نذكر منها:
أولاً: أدلة وجوب الاستئذان العام:
1- قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا { [النور: 27]؛ حيث إن } لَا{ ناهية ونهى عن ذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن([17]). فظاهر الآية يدل على تحريم دخول بيوت الغير بغير إذن؛ لأن النهي المتجرّد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح([18]).
2- قوله تعالى: } لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ { [النور: 29]. فهذا ترخيصٌ من الله للدخول في البيوت غير المسكونة التي فيها متاع الناس، فلما جاءت الرخصة في حالة انتفاء السكن الذي هو علة الوجوب بنص الآية- دلَّ على أن وجود هذه العلة -وهي السكن- يوجب الاستئذان، وإلا أشبه الغصب([19]).
3- قوله تعالى: } وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ { [النور: 29].
والمعنى: أن الله يعلم ما تظهرون وما تخفون، وهذا فيه وعيدٌ لمن لم يتأدب بآداب الله، في دخول بيوت الغير، ولا يكون الوعيد إلا على ترك واجب([20]).
4- قوله r: «الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع»([21]).
ثانيًا: أدلة وجوب الاستئذان الخاص:
1- قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ { [النور: 58]؛ حيث إن اللام في قوله: } لِيَسْتَأْذِنْكُمُ { للأمر، وظاهر الأمر يدل على الوجوب فيحمل عليه.
2- أن ستر العورة واجب بالاتفاق، وقد وصف الله هذه الأوقات الثلاثة بأنها عورات. فقال تعالى: } ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ {. فبين العلة الموجبة للإذن وهي الخلوة في حال العورة([22]).
3- قوله تعالى: } طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ { فيه بيانٌ للعذر المرخِّص في ترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة، وهذا يدل على أن الأصل هو الوجوب([23]).
هذه مجمل أدلة وجوب الاستئذان بنوعيه. وهو القول الراجح -إن شاء الله-. وقد رجَّحه الرازي([24]) والسيوطي([25]) وابن عبد البر([26]) وفضيلة شيخنا محمد بن عثيمين -رحمه الله-، وأما من قال بالاستحباب فلهم أدلة، لكنها لا تقوى على معارضة القائلين بالوجوب، فضربت عنها صفحًا خشية الإطالة. والله أعلم.
* * * *

المبحث الثاني
صيغ الاستئذان
لقد جاءت صيغة الاستئذان في السنة المطهرة مفصَّلة أتم تفصيل، وهذا يدل على أهمية الاستئذان في حياة المسلم.
وطريقة الاستئذان الصحيحة: أن يقول المستأذن: السلام عليكم، أأدْخل؟ فإن أُذن له دخل، وإن أُمر بالرجوع انصرف، وإن سُكت عنه استأذن ثلاثًا ثم انصرف من بعد الثلاث؛ وذلك لما رواه أبو داود وغيره أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي r، وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي r لخادمه([27]): «اخرج إلى هذا؛ فعلِّمه الاستئذان». فقال له: قل: «السلام عليكم، أأدخل»، فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي r، فدخل([28]).
وجاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه إذا استأذن فقيل له: ادخُل بسلام، رجع وقال: لا أدري أدخل بسلام أو بغير سلام!!»([29]).
ففي هذا الأثر امتنع ابن عمر عن الدخول لما قيل له: بسلام. لاحتمال أن يكون المراد بسلامك لا بشخصك([30])؛ ولأنهم اشترطوا عليه شرطًا لا يدري أيفي به أم لا. كما علل بذلك رضي الله عنه ([31]).
هذه هي الصيغة التي يجب أن يسير عليها المسلم في الاستئذان، وهي التي وردت عن المصطفى r، وقد امتثلها أصحابه -رضوان الله عليهم- وعملوا بها.
فقد جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه استأذن على النبي r، فقال: «السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر»([32]). لكن ليعلم أنه ليس من الواجب التزام هذه الصيغة، بل لكل قوم عُرفهم وعادتهم في الاستئذان.
وقد روي عن عبد الملك -مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب- قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة، فجاء معي، فلما بلغ الباب قال: أندر؟ قالت: أندرون، وذكر العلماء أن هذا من الاستئذان بالفارسية([33]).
فرد الاستئذان يجوز عمومًا بكل ما تعارف عليه الناس، ما لم يكن فيه محظور شرعًا، لكن اتباع السنة أولى وأفضل([34]) والله أعلم.

المبحث الثالث
عدد مرات الاستئذان
لقد صح عن الرسول r عدد مرات الاستئذان.
ومن ذلك ما بوَّب له البخاري -رحمه الله- في صحيحه، حيث قال: «باب التسليم والاستئذان ثلاثًا»، وذكر -رحمه الله- حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أن رسول الله r كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا»([35]).
ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث إن ظنَّ أن الأول لم يحصل به الإسماع، وإلا لو كان هديه الدائم التسليم ثلاثًا، لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلَّم على كل من لقيه ثلاثًا، وإذا دخل بيته ثلاثًا، ومن تأمل هديه علم أن الأمر ليس كذلك، وأن تكرار السلام كان منه أمرًا عارضًا في بعض الأحيان([36]).
هذا فيما يخص السلام نفسه، وأما الاستئذان فإنه ثلاث، لا بد منها إن لم يجبه أحدٌ. وعلى هذا دلت السنة الصحيحة دلالة واضحة.
فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور([37]) فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا؛ فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يُؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله r: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له- فليرجع». فقال: والله لتقيمَن عليه بينة.
أمنكم أحدٌ سمعه من رسول الله r؟ فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم([38])، فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي r قال ذلك([39]).
فهذه هي السنة في الاستئذان: أن يكون ثلاث مرات لا يزيد عليها؛ لأن هذا هو هدي النبي r، وهو ما طبقه أبو موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وشهد مع أبي موسى أبو سعيد الخدري.
لكن هل يجوز أن يزيد المستأذن على الثلاث؟
منع الجمهور ذلك، خلافًا للإمام مالك -رحمه الله- فقال: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحدٌ عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسًا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع([40]).
فالإمام مالك أجاز الزيادة بشرط التيقن من عدم السماع، وأما الجمهور فقد منعوا ذلك.
والصحيح ما ذهب إليه الإمام مالك -رحمه الله-، قال ابن عبد البر: السنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الإباحة والتخفيف على المستأذن، فمن استأذن أكثر من ثلاث مرات لم يحرج. والله أعلم. اﻫ([41]).
قلت: ورجح رأي الإمام مالك شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-.
فتبين أنه لا مانع من الزيادة على الثلاث، وأنه لا حرج في ذلك -إن شاء الله- بالشرط المذكور، وإن كان الأولى الالتزام بما عليه الجمهور، فإن لم يؤذن له انصرف بعد الثلاث، ولا يزيد عليها، وهذا ثابتٌ عن النبي r ثبوتًا لا مطعن فيه، وهو نصٌّ صريح عنه، والظاهر من نصوص السنة أن الاستئناس في قوله تعالى: }حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا { [النور: 27].
الظاهر أن الاستئذان المكرر ثلاثًا؛ لأنه خير ما يفسر به كلام الله -بعد كلام الله- هو سنة رسول الله r، وهذا خلاف لمن قال: إن الاستئناس هو التنحنح؛ لأن الاستئناس بالسلام ثابتٌ عن النبي r في حديث سعد بن عبادة -وهو حديث طويل- وفيه:
عن قيس بن سعد بن عبادة قال: زارنا رسول الله r في منزلنا، فقال: «السلام عليكم ورحمة الله». قال: فرد سعدٌ ردًّا خفيًّا. قلت: ألا تأذن لرسول الله؟ فقال: ذره يكثر علينا السلام. فقال r: «السلام عليكم ورحمة الله»، فرد سعدٌ ردًّا خفيًّا، ثم قال r: «السلام عليكم ورحمة الله»، ثم رجع رسول الله r، واتبعه سعدٌ فقال: يا رسول الله، إني كنت أسمع تسليمك وأرد ردًّا خفيًّا لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه r([42]).
فرجوع المستأذن بعد ثلاث وعدم الزيادة ثابتٌ من قول النبي r ومن فعله.
ثم إن المستأذن إذا تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثلاث؛ لأنهم لما سمعوه ولم يأذنوا له- دلَّ ذلك على عدم الإذن.
وعدم الزيادة على الثلاث ثابتٌ بالسنة، خلافًا لمن قال: له أن يزيد([43]).
ومما ينبغي للمستأذن: أن لا يستأذن ثلاثًا متصلة، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت. وأما قرع الباب بعنف، والصياح بصاحب الدار، فهذا حرام، لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش([44]).
وقد عاتب الله -سبحانه- الأعراب حينما فعلوا هذا مع رسول الله r -كما في سورة الحجرات- حيث يقول سبحانه: }إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ { [الحجرات: 4، 5]، فقد قدم أعراب إلى النبي r، وهو في بيته فلم ينتظروا عند بابه بل صوتوا له: يا محمد، ولم يصبروا، فعاتبهم الله على فعلهم ووصفهم بأنهم لا يعقلون([45]).
وأما الحكمة من تخصيص الاستئذان بثلاث: فإن الأُولى للإسماع، والثانية ليأخذوا حذرهم، والثالثة: إن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردّوا([46]).
وقال بعض العلماء: إن الأُولى استعلام، والثانية تأكيد، والثالثة إعذار([47]) والمعنى قريب. ولأن الغالب في الكلام إذا كرر ثلاثًا سُمع وفهم، ولذلك كان النبي r إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا -كما تقدم-.
وإن لم يؤذن له بعد الثلاث ظهر أن ربَّ البيت لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه.
فينبغي أن ينصرف بعد الثلاث؛ لأن الزيادة تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشغولاً به، وهذا يظهر أيضًا من قول النبي r لعتبان -رضي الله عنه- حينما استأذنه فخرج ورأسه يقطر، فقال r: «لعلنا أعجلناك» قال: نعم([48]).
وفي حديث سعد بن عبادة -رضي الله عنه- المتقدم([49]) حينما استأذنه النبي r ثلاثًا، فلم يسمع النبي r الرد، انصرف بعد الثالثة ولم يلحّ عليه؛ لأنه تبين له انشغاله.
فهذا أدب المصطفى r، فيجب على المسلم أن يتأدَّب بأدبه، لأن من بانت له سنته r، فليس له العدول عنها، والله أعلم.
* * * *


([1]) أخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس: أنها المسجد، فيكون المقصود بالآية: عند دخول المساجد (المستدرك كتاب التفسير تفسير سورة النور (2/401)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي لكن العموم هو الراجح وهو ما رجحه الطبري -رحمه الله- في جامع البيان (18/175).

([2]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (5/448).

([3]) أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في التسليم إذا دخل بيته (7/337)، وقال عنه: حديث حسن صحيح غريب.

([4]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأدب، في الرجل يدخل البيت ليس فيه أحد (5/265)، والبخاري في الأدب المفرد، باب إذا دخل بيتًا غير مسكون (2/498).

([5]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأدب، في الرجل يدخل البيت ليس فيه أحد (5/256) والبخاري في الأدب المفرد، باب إذا دخل بيتًا غير مسكون (2/498).

([6]) موطأ مالك، كتاب السلام، باب جامع السلام (2/962).

([7]) ورجح هذا الطبري في جامع البيان (10/174)، ورجحه أيضًا شيخنا ابن عثيمين.

([8]) الناسخ والمنسوخ في كتاب الله -عز وجل- (2/545) تحقيق د/ سليمان اللاحم.

([9]) أخرجه البيهقي في كتاب النكاح، باب استئذان المملوك والطفل في العورات الثلاثة... (7/97) وأبو داود في الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاثة، وقال الألباني: «صحيح الإسناد موقوف» صحيح سنن أبي داود (3/975) ولفظ أبي داود: لم يؤمر بها أكثر الناس.

([10]) التفسير الكبير (23/24).

([11]) الجامع لأحكام القرآن (12/303).

([12]) زاد المعاد (2/433).

([13]) زاد المسير في علم التفسير (6/29).

([14]) المنهاج في شرح مسلم (14/130).

([15]) والمستحب هو الاستئذان الخاص عند الجمهور رفعًا للمشقة.

([16]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/393).

([17]) تفسير القرآن العظيم (3/281).

([18]) أضواء البيان (6/169).

([19]) التفسير الكبير للرازي (23/198).

([20]) فتح القدير للشوكاني (4/20).

([21]) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا (11/29 مع الفتح) ومسلم في الأدب باب الاستئذان (14/130 بشرح النووي).

([22]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1399).

([23]) فتح القدير للشوكاني (4/51).

([24]) تفسير الرازي (23/24).

([25]) الدر المنثور (5/55).

([26]) التمهيد (3/196).

([27]) وفي رواية: أنه r قال لأمة يقال لها: روضة.

([28]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب إذا قال: أدخل؟ ولم يسلّم (2/518 بشرحه، فضل الله الصمد)، وأبو داود في الأدب، باب كيف الاستئذان، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود 3/973). وابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الأدب في الاستئذان (5/242).

([29]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الأدب: في الرجل يقال له: ادخل بسلام (5/256).

([30]) الجامع لأحكام القرآن (12/215).

([31]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/399).

([32]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب كيف الاستئذان (2/521 بشرحه، فضل الله الصمد).

([33]) الجامع لأحكام القرآن (12/218).

([34]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (2/118).

([35]) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا (11/28 البخاري مع الفتح).

([36]) زاد المعاد (2/418).

([37]) الذعر: الفزع والخوف (النهاية 2/161).

([38]) لا يقوم معه إلا أصغر القوم: وذلك لأنه أمر معروف مشتهر يعرفه الصغير والكبير (شرح مسلم للنووي 14/131).

([39]) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا (11/28 مع الفتح)، ومسلم في الأدب، باب الاستئذان (14/130 بشرح النووي).

([40]) انظر: الجامع لأحكام القرآن (12/214).

([41]) راجع: التمهيد (3/197).

([42]) أخرجه أبو داود في الاستئذان، باب كم مرة يسلم الرجل (14/88 بشرحه عون المعبود)، والبخاري في الأدب المفرد، باب إذا سلم الرجل على الرجل في بيته (2/508 بشرحه فضل الله الصمد)، والإمام أحمد في المسند في مسند قيس (3/421).

([43]) انظر: أضواء البيان (6/169).

([44]) التفسير الكبير (23/198).

([45]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (7/129).

([46]) تفسير القرآن العظيم (3/449).

([47]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1359).

([48]) أخرجه البخاري في الوضوء، باب من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين (1/340 فتح الباري).

([49]) تقدم الحديث بتخريجه في هذا المبحث ص32.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أحكام الاستئذان في السنة والقرآن

المبحث الرابع
الاستئذان على المحارم
لقد اهتم الشارع في شأن المحارم اهتمامًا بالغًا، وهذا من كمال التشريع الإسلامي وشموله وحرصه على صيانة المحارم، مهما كانت.
وهذا المبحث يعتبر من أهم المباحث، وذلك لخفاء حكمه على كثير من الناس، فترى الكثير يغفلون الاستئذان على المحارم بحجة عدم الحجاب بينهم وبينهن، والاستئذان على المحارم يختلف حكمه في حالة دون حالة، لاختلاف المحارم، فحكم الزوجة غير حكم الأم والأخت.
والاستئذان مشروع عمومًا ومرغب فيه؛ لقوله r: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر»([1]).
فهذا الحديث يؤخذ منه مشروعية الاستئذان على كل أحد حتى المحارم؛ لئلا تكون منكشفة العورة([2])، وقد ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما - أنه كان إذا بلغ بعض ولده الحلم عزله، فلا يدخل عليه إلا بإذن([3]).
وسأل رجل حذيفة -رضي الله عنه- فقال: «أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره»([4]).
فيشرع الاستئذان على الأم -وإن كانا في بيت واحد- حتى لو كان الولد يخدمها، ويتردد عليها، لهذه العلة المذكورة -وهي خشية انكشاف العورة-، ولما جاء أن رجلاً سأل النبي r، فقال: «أستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إني أخدمها، قال: استأذن عليها. فعاوده ثلاثًا، قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها»([5]). وجاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «عليكم الإذن على أمهاتكم وأخواتكم»([6])، وجاء عن موسى بن طلحة قال: «دخلتُ مع أبي على أمي، فدخل فأتبعته فالتفتُّ، فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟!»([7])، فعاتب طلحة ابنه على دخوله بغير إذن.
وقال عطاء: «سألت ابن عباس: أستأذن على أختي؟ قال: نعم. قلت: إنها في حجري؟([8]) قال: أتحب أن تراها عريانة؟».
وذكر الحافظ ابن حَجَر -رحمه الله- أن طرق هذه الآثار المتقدمة كلها صحيحة([9]).
وورد عن جابر -رضي الله عنه- أنه قال: «يستأذن الرجل على ولده وأمه -وإن كانت عجوزًا- وأخيه وأخته وأبيه»([10]).
وهذه الآثار تفيد أن الاستئذان مطلوب عمومًا، حتى على المحارم، فيلزم الرجل الاستئذان على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين، لأنه إن دخل على أحد منهم بغير استئذان فقد تقع عينه على عوراتهم، وذلك لا يحل([11])، لكن يُستثنى من ذلك كله الاستئذان على الزوجة إذا لم يكن في البيت إلا الزوج وزوجته؛ لأن الله سبحانه يقول: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ { [النور: 27]. فظاهر الآية يدل على جواز ترك الاستئذان في هذه الحالة، ولأنه لا حشمة بين الرجل وزوجته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ويدل على ذلك ما ورد في الأثر المتقدم عن موسى بن طلحة، فإنه حينما دخل مع أبيه على أمه زجره -أبوه- على تركه الاستئذان، مع أن طلحة -زوجها- لم يستأذن عليها([12]).
وفي الأثر عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: «أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا». وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلِمها بدخوله، ولا يفاجئها به لاحتمال أن تكون على هيئة لا تُحب أن يراها عليها([13]).
كما جاء عن زينب -زوجة ابن مسعود- قالت: «كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم منا على أمرٍ يكرهه»([14]).
قلت: ومن هذه الآثار يعلم التفريق بين الاستئذان على الزوجة وبين إعلامها بالدخول، فالزوجة تُعلم بالدخول لئلا تكون على حال تكره أن يراها زوجها عليها، وإلا فالزوجة لا يجب الاستئذان عليها([15])؛ لأنه لو فاجأها فإنه يحل له النظر إلى عورتها، بخلاف غيرها من المحارم، فلا يحل له النظر إلى عوراتهن.

ثم اعلم، أن ترك الاستئذان على المحارم -وإن كان غير جائز- إلا أنه أيسر والأمر فيه أوسع، لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء.
والتحقيق: أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء؛ فهذا يدخل فيه الكل إلا الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلاً بأمرٍ يكره اطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل؛ حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذنها([16]).
هذا ما يمكن إيراده حول الاستئذان على المحارم، ويظهر أن المحافظة على الاستئذان أفضل من تركه على كل حال؛ لأن الاستئذان لا يأتي إلا بخير. والله أعلم.
* * * *

المبحث الخامس
هل السلام قبل الاستئذان أو بعده؟
لا شك أن السلام من الشعائر الإسلامية، وهو مما حثنا عليه الرسول r.
والسلام له ارتباطٌ وثيقٌ بالاستئذان، وله فضلٌ عظيم، وهو سنةٌ وردُّه واجب، وهو مما يوجب الأُلفة والمحبة والترابط بين المسلمين.
ولو أردنا أن نستعرض النصوص الواردة في فضل السلام والحثّ عليه لطال بنا المقام، وليس هذا مجال بسطها، ولكن من باب التذكير بالسلام الذي تهاون فيه كثير من الناس ونسوا عظيم فضله الذي يكفي فيه قوله r في الحديث الصحيح: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم»([17]).
وفي حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «أمرنا رسول الله r، بسبع وذكر منها إفشاء السلام»([18]).
فحريٌّ بالمسلمين جميعًا أن يحرصوا على هذه السنة العظيمة ويقيموها في مجتمعاتهم؛ كي ينالوا الأجر والثواب من الله -سبحانه وتعالى-، ويحصلوا على فوائدها الكثيرة في الدنيا.
ثم إنه من الواجب التفريق بين السلام والاستئذان في الحكم، فإن الاستئذان واجبٌ -على القول الصحيح-، وأما السلام فابتداؤه سُنَّة؛ إذ لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة([19])؛ ولأن الاستئذان من أجل البصر، لئلا يقع نظرٌ على عورات الناس كما جاء في الحديث الصحيح: «إنما جُعِلَ الاستئذان من أجل البصر»([20]).
وأما السلام فهو من أجل المحبة والمودة كما في الحديث السابق، وأما مسألة التقديم بين السلام والاستئذان فاختلف فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إنه يقدم الاستئذان فيقول: أدخل؟ السلام عليكم ورحمة الله، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام، ولا مانع أن يستأذن بالسلام([21]).
وقيل: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، والذي عليه كثير من أهل العلم أنه يقدَّم السلام على الاستئذان، فيقول: السلام عليكم، أدخل؟ وهذا هو الحق والصواب -إن شاء الله- لأن البيان منه r للآية كان هكذا([22]).
وقد صحَّ عنه r التسليم قبل الاستئذان فعلاً وتعليمًا، حيث استأذن عليه رجل فقال: أَأَلِج؟ فقال r للرجل: «اخرج إلى هذا؛ فعلمه الاستئذان. فقال له: قل: السلام عليكم، أَأَدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أَأَدخل؟ فأذن له النبي r»([23]).
ولما استأذن عليه عمر -رضي الله عنه- وهو في مشربته([24]) مؤليًا([25]) من نسائه قال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟»([26]).
قال ابن القيم -رحمه الله-: وفي هذه السنن ردٌّ على من قال بتقديم الاستئذان على السلام، وردٌّ على من قال: إن وقعت عينه على صاحب الدار قَبْل دخوله قدَّم السلام، وإلا قدَّم الاستئذان، وهذان القولان مخالفان للسنة. اﻫ([27]).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: فمن سلَّم ولم يقل: أَأَدخل أو يدخل فلان، أو قال: أدخل أو يدخل فلان ولم يسلم، فليس بإذن يستحق به أن يؤذن له. اﻫ([28]).
ففي كلامه -رحمه الله- ردٌّ على من قال: يستأذن بالسلام.

قال النووي -رحمه الله-: الصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المحققون: أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أَأَدخل؟ وصح عن النبي r، حديثان في تقديم السلام. اﻫ([29]). وفي حديث آخر: أن النبي r، قال: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام»([30]).
قلت: ويؤيد هذا ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول: «إذا دخل ولم يقل: السلام عليكم؛ فقل: لا، حتى تأتي بالمفتاح، السلام»([31]).
فالذي يظهر رجحانه من خلال الأدلة وأقوال العلماء هو القول بتقديم السلام على الاستئذان، فهو الذي دلَّت عليه السنة دلالة صريحة.
وأما الذين قدموا الاستئذان على السلام لقوله تعالى: }حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا{، فإن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلب التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو كقوله تعالى: }يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ{ [آل عمران: 43].
والركوع قبل السجود([32])، وأما من قال: يستأذن بالسلام، فيجمع بينهما جمعًا بين الأقوال، فتقدم كلام ابن عبد البر -رحمه الله- في الرد عليه. والله أعلم.
* * * *

المبحث السادس
الاطلاع على دار الغير بغير إذن وما يترتب على ذلك
لا شك أن الإسلام يحفظ حرمات الناس، فلا يتيح الفرصة لأي إنسان أن يطَّلع على أحد بغير إذنه، حتى في حال الشبهة غير المتيقنة، فليس لأي أحد الاطلاع على الآخرين بغير إذنهم، وقد بيّنت السنة هذا الحكم بيانًا شافيًا وعمل به الرسول r، ومما ورد عنه r في هذا حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: «اطلع رجل من جُحر في حُجَر([33]) النبي r ومع النبي مدرى([34]) يحك بها رأسه، فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر»([35]).
وفي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أن رجلاً اطلع من بعض حجر النبي r، فقام النبي r بمشقص([36]) فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه».

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي r يقول: «لو اطلع في بيتك أحدٌ فلم تأذن له، فخذفته([37]) بحصاة ففقأت عينه- ما كان عليك من جناح»([38]).
وفي الأثر عن عمر -رضي الله عنه-: «من ملأ عينه من قاع بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق»([39]).
ففي هذه الآثار الصحيحة عدة مسائل:
المسألة الأولى: إهدار عين من اطلع في دار قوم بغير إذنهم، وقد دلَّت تلك الآثار على هذا دلالة صريحة، وإلى هذا ذهب الحنابلة والشافعية، فقالوا: إن عينه هدر لا قصاص فيها ولا دية.
واستدلوا بالأحاديث المتقدمة، وأن النبي r، قال: «ما كان عليك من جُناح». وإيجاب الدِّية أو القصاص جناح. ولأن قوله r: «لو أعلم أنك تنظر طعنتُ به عينك» يدل على الجواز.
فلا يمكن أن يهمّ النبي r إلا على فعل جائز. فلما جاز فقؤها استلزم أنه ليس عليه شيء.
قال النووي -رحمه الله- في الكلام حول حديث أبي هريرة -المتقدم-: في الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف، فلو رماه بخفيف ففقأها فلا ضمان، إذا كان قد نظر في بيتٍ ليس فيه امرأة محرم. والله أعلم. اﻫ([40]).
وخالف في هذه المسألة المالكية والحنفية فقالوا: إنه إذا فقأ عينه وجب عليه القصاص أو الدِّية.
قال الشوكاني -رحمه الله-: «وغاية ما عوّلوا عليه قولهم: إن المعاصي لا تدفع بمثلها، وهذا من الغرائب التي يتعجب المنصف من الإقدام على التمسك بمثلها في مقابلة تلك الأحاديث الصحيحة. فإن كل عالم يعلم أن ما أذن فيه الشارع ليس بمعصية، فكيف يجعل فقء عين المطلع من باب مقابلة المعاصي بمثلها. ومما عولوا عليه أن الحديث وارد على سبيل التغليظ والإرهاب. ويجاب بالمنع لأن ما بلغنا عن الرسول r محمول على التشريع إلا لقرينة... وفرق بعضهم بين رمي الناظر قبل الإنذار وبعده، وظاهر أحاديث الباب عدم التفريق». اﻫ([41]).
فالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن عينه هدر لا قصاص فيها ولا دية، ولا يجوز العدول عن هذا القول إلا لدليل يجب الرجوع إليه([42]). وقد رجح هذا القول كثيرٌ من العلماء منهم الشوكاني([43]) -رحمه الله- والنووي([44])، وفضيلة شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين.
المسألة الثانية: قوله r: «إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر»، لا يؤخذ منه أن الأعمى لا يستأذن؛ لأن النادر لا حكم له، فلا بد أن يستأذن ولو كان أعمى([45]).
المسألة الثالثة: من اطلع من الباب المفتوح فلا تهدر عينه؛ لأن الباب المفتوح لا حرمة له([46]).
المسألة الرابعة: لو اطلع من فوق الجدار، فعينُه هدر أيضًا؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي r قال: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ فقد حلَّ لهم أن يفقئوا عينه»([47]).
فقوله: «بيت قوم» يشمل الاطلاع من فوق الجدار([48]).
المسألة الخامسة: لو اطلع ثم انصرف، فليس له أن يلحقه ويفقأ عينه، بل له أن يلحقه لينظر ما يريد، أما أن يفقأ عينه فلا([49]).
المسألة السادسة: لو أن رجلاً أذن لرجل أن يطلع في بيته فاطلع فوجد أهل الدار ففقئوا عينه فإنهم يضمنون عينه، ويرجعون بالدية على الذي أذن له([50]).
المسألة السابعة: أن المهدر العين فقط، فلو ضرب صاحب الدار من اطلع عليه فأصاب غير العين كالجبهة والحاجب، فيضمن، لكنه من باب الخطأ لا العمد([51]).
* * * *

المبحث السابع
هل رسولُ الرجل إلى الرجل إذنُه؟
بوَّب البخاري -رحمه الله- لهذا فقال: «باب إذا دعي الرجل فجاء، هل يستأذن»؟ ثم ساق -رحمه الله- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي r قال: «هو إذنه»([52]).
ثم ساق بعده حديث أبي هريرة أيضًا قال: «دخلت مع رسول الله r، فوجد لبنًا في قدح، فقال: أبا هر، اِلحق أهل الصفة([53]) فادعُهم إليَّ، قال: فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلوا»([54]).
وظاهر هذين الحديثين التعارض. وقد جمع بينهما ابن القيم -رحمه الله- فقال: إن جاء الداعي على الفور من غير تراخٍ؛ لم يحتج إلى استئذان، وإن تراخى المجيء عن الدعوة وطال الوقت؛ احتاج إلى استئذان.

وقال آخرون: إن كان عند الداعي من قد أذن له قبل مجيء المدعو؛ لم يحتج إلى استئذان، وإن لم يكن عنده من قد أذن له لم يدخل حتى يستأذن([55]).
وجمع الشنقيطي -رحمه الله تعالى- بجمع آخر، فقال: إذا حضر مع الرسول فلا يستأذن، وإن تأخر عنه لزمه الاستئذان؛ لأن في حديث أبي هريرة مع أصحاب الصفة قال: «فأقبلوا فاستأذنوا» وهذا يدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم، وإلا لقال: فأقبلنا، لكن الاستئذان أحوط وأبرأ للذمة([56]).
وقد جاء عن النبي r في حديث آخر أنه قال: «رسول الرجل إلى الرجل إذنه»([57]).
وفي رواية: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن»([58]). قال الموفق -رحمه الله-: في هذا الحديث دلالة على أن الدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول والأكل([59]).
فالأمر في هذه المسألة واسع، ويختلف حسب الأعراف وخصوصًا في هذا الزمان؛ حيث اتسعت بيوت الناس، حتى تميز مدخل الرجال عن مدخل النساء، فإذا أعد الإنسان المكان للضيوف على موعد معين فلا يلزم الاستئذان.
قال شيخنا محمد بن عثيمين: إذا دعي الرجل فوجد الباب مفتوحًا والمكان مهيئًا فيدخل بدون استئذان لجريان العرف بذلك. اﻫ.
قلت: وإلى هذا النوع من الاستئذان -أعني الإذن العرفي- أشار ابن القيم -رحمه الله- عند كلامه على ثناء الله على إبراهيم -عليه السلام- في إكرام ضيفه من الملائكة } هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ { [الذاريات: 24، 25].
حيث قال: قوله تعالى: } إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ { فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه r كان عُرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم، فبقي منزله مضيفة، مطروقًا لمن ورده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم. اﻫ([60]).
* * * *

([1]) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر (11/26 فتح الباري). ومسلم في الأدب، باب تحريم النظر في بيوت الغير (14/136 بشرح النووي).

([2]) فتح الباري (11/27).

([3]) رواه البخاري في الأدب المفرد، باب قوله تعالى: }وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ{(2/500 بشرحه فضل الله الصمد).

([4]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أمه (2/500 بشرحه فضل الله الصمد) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب استئذان المملوك والطفل في العورات الثلاث (7/97).

([5]) أخرجه مالك في الموطأ مرسلاً في كتاب الاستئذان، باب الاستئذان (2/963) وقال ابن عبد البر: مرسل صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب استئذان المملوك والطفل في العورات الثلاث (7/97)، وأورده الطبري في تفسيره (10/112) والقرطبي (12/219).

([6]) أخرجه البيهقي في المصدر السابق، وهو في تفسير ابن مسعود (467) وتفسير الطبري (18/112).

([7]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أبيه (2/501 بشرحه فضل الله الصمد).

([8]) أي في حضانتي وكفالتي.

([9]) فتح الباري (11/27).

([10]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أبيه وولده (2/501 بشرحه فضل الله الصمد).

([11]) أضواء البيان (6/178).

([12]) انظر: أضواء البيان (6/80) ورجح الشنقيطي -رحمه الله- ترك الاستئذان على الزوجة، وقال: لا سيما من يرى جواز نظر الزوج إلى فرج امرأته كمالك وأصحابه.

([13]) تفسير القرآن العظيم (3/449).

([14]) تفسير ابن مسعود (456) وقال ابن كثير عن أثر زينب هذا: إسناده صحيح (تفسير القرآن العظيم 3/449).

([15]) قال فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين: واستئذان الرجل في بيته لا يجب عليه.

([16]) التفسير الكبير (23/199).

([17]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (1/35) بشرح النووي.

([18]) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب إفشاء السلام (11/20 فتح الباري).

([19]) فتح الباري (11/21).

([20]) تقدم تخريجه في مبحث الاستئذان على المحارم.

([21]) وقال به فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين استدلالاً بظاهر الآية.

([22]) فتح القدير للشوكاني (4/20).

([23]) تقدم تخريجه في مبحث صيغ الاستئذان.

([24]) المشربة: الدرجة من النخل أو الجذع (شرح النووي 10/87).

([25]) الإيلاء عند الفقهاء: حلف الرجل أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر (الروض المربع 451).

([26]) أخرجه البخاري في التفسير، في تفسير سورة التحريم (8/525 فتح الباري) ومسلم في الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء (1479). زاد المعاد (2/430).

([27]) زاد المعاد (2/430).

([28]) التمهيد (3/203).

([29]) شرح النووي على مسلم (14/131).

([30]) أخرجه البيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع (7190) والسلسلة (187).

([31]) رواه البخاري في الأدب المفرد، باب الاستئذان غير السلام (2/505 بشرحه فضل الله الصمد) وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الأدب، باب في الرجل يستأذن ولا يسلم (5/255).

([32]) أضواء البيان (6/174).

([33]) الجُحر بضم الجيم: كل ثقب مستدير في أرض أو حائط وأصله مكان الوحوش، والحُجَر بضم الحاء: جمع حُجرة وهي ناحية البيت (فتح الباري 11/27).

([34]) المدرى: حديدة يسوّى بها شعر الرأس، وقيل شبه المشط (شرح النووي على مسلم 14/137).

([35]) رواه البخاري في الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر (11/26 فتح الباري) ومسلم في الأدب، باب تحريم النظر في بيت الغير (14/136 بشرح النووي).

([36]) المشقص بكسر أوله: نصل عريض للسهم (شرح النووي على مسلم 14/138).

([37]) خذفته: أي رميته بها من بين أصبعيك (شرح النووي على مسلم 14/138).

([38]) أخرجه البخاري في الديات، باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان (12/225 فتح الباري).

([39]) أخرجه البخاري، حسبما عزاه له الحافظ، راجع فتح الباري (11/26).

([40]) شرح النووي على مسلم (14/138).

([41]) نيل الأوطار (7/26).

([42]) أضواء البيان (6/182).

([43]) أضواء البيان (6/182).

([44]) أضواء البيان (6/182).

([45]) من إفادات فضيلة شيخنا محمد بن عثيمين.

([46]) من إفادات فضيلة شيخنا محمد بن عثيمين.

([47]) أخرجه أحمد في مسنده (2/266)، ومسلم في الأدب، باب تحريم النظر في بيت الغير (14/136 بشرح النووي).

([48]) من إفادات فضيلة شيخنا محمد بن عثيمين.

([49]) من إفادات فضيلة شيخنا محمد بن عثيمين.

([50]) من إفادات فضيلة شيخنا محمد بن عثيمين.

([51]) من إفادات فضيلة شيخنا محمد بن عثيمين.

([52]) رواه البخاري تعليقًا -بصيغة الجزم، والبخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلا الصحيح كما ذكر ذلك الحافظ في تغليق التعليق- في كتاب الاستئذان، باب إذا دعي الرجل فجاء فهل يستأذن (11/33) فتح الباري.

([53]) الصفة: ظلة كانت في الركن الشمالي الشرقي من المسجد النبوي، يأوي إليها الغرباء، من المهاجرين الذين لا مأوى لهم (أخبار المدينة، للشنقيطي 62).

([54]) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب إذا دعي الرجل فجاء فهل يستأذن (11/33 فتح الباري).

([55]) انظر: زاد المعاد (2/433).

([56]) انظر: أضواء البيان (6/86).

([57]) رواه أبو داود في الأدب، باب في الرجل يدعى أن يكون ذلك إذنه (14/93 بشرحه عون المعبود)، وقال الألباني: إسناده صحيح (المشكاة/3/1324).

([58]) رواه أبو داود في الأدب، باب في الرجل يدعى أن يكون ذلك إذنه (14/93 بشرحه عون المعبود)، وقال الألباني: إسناده صحيح (المشكاة/3/1324).

([59]) المغني (8/108).

([60]) جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام (271).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-05-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أحكام الاستئذان في السنة والقرآن

الفصل الثالث
آداب الاستئذان في السنة المطهرة
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: اختيار الأوقات المناسبة.
المبحث الثاني: الوقوف الشرعي على الباب.
المبحث الثالث: إخبار المستأذن باسمه إذا طُلب منه.
المبحث الرابع: ما ينبغي للمسلم من الآداب عند الدخول.
المبحث الخامس: تنبيهات حول الاستئذان.
* * * *

المبحث الأول
اختيار الأوقات المناسبة
إن من الواجب على المسلم أن يُراعي الأوقات وظروف الناس، فيختار الوقت المناسب، حسب الأعراف والظروف.
وهذا ما تمليه علينا شريعتنا السمحة اللطيفة، الشاملة.
وهو ما أرشدنا إليه وحثنا عليه قدوتنا r، فقد جاء عنه أنه نهى الصحابة أن يطرقوا([1]) النساء ليلاً([2]).
ولما قدِم r المدينة من بعض أسفاره أناخ بظاهرها، وقال: «انتظروا حتى ندخل العشاء -يعني آخر النهار- حتى تمتشط الشعثة([3])، وتستحد المغيبة([4])»([5]). وكونه r أمرهم بأن ينتظروا حتى العشاء لأجل أن يعلم أهلهم بقدومهم، فيستعدوا لهم.
فهذا الأدب النبوي الكريم ينهى عن طرق النساء ليلاً، أو على حال الغفلة، ويبين العلة في ذلك، وهي أن الزوجة قد لا تتجمل لزوجها؛ لعدم علمها بقدومه، فقد يرى منها ما يكره.
وفي طرقها ليلاً من الإيحاش ما الله به عليم، فقد يفزعها زوجها إذا جاء إلى البيت على غرّة وهي لا تتوقع قدومه في تلك الليلة.
فيجب على المسلم أن يتنبه لهذا ويراعي مشاعر أهله في ذلك، خصوصًا في وقتنا هذا -ولله الحمد-، فإن الإخبار بالقدوم متيسر مهما بعد السفر؛ لتوفر آلات الاتصال والمراسلة في كل مكان من العالم.
قال النووي -رحمه الله-: «يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلاً بغتة، فأما من كان سفره قريبًا تتوقع امرأته إتيانه ليلاً- فلا بأس، وكذلك لو كان في قفل عظيم كعسكر ونحوه واشتهر أمر قدومهم فلا بأس بقدومه». اﻫ([6]).
ومن خلال هذا نجد أن الأخلاق النبوية الكريمة تراعي مشاعر الآخرين وتحافظ على الفرد والمجتمع، بل قد جاء عنه r في حديث المقداد -رضي الله عنه-: «أنه كان يجيء من الليل فيسلم تسليمًا، لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان»([7]).
فمراعاة الأوقات في الاستئذان من الأمور المهمة التي يجب على المسلم أن ينتبه لها، وهي أيضًا من الأمور التي أغفلها كثير من الناس اليوم، فنحن مسلمون ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبلَّدت وغلظت، وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته في أي لحظة من لحظات الليل أو النهار، يطرقه ويطرقه!! فلا ينصرف أبدًا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له، وقد يكون في البيت هاتف يملك أن يستأذن عن طريقه قبل أن يجيء، ولكنه يهمل هذا الطريق ويهجم في غير أوانٍ، وعلى غير موعد، ثم لا يقبل أن يرد عن البيت، وقد يطرق أحدنا أخاه في موعد الطعام، فإن لم يقدم له الطعام وجد في نفسه من ذلك شيئًا، وقد يطرقه في وقت النوم، فإن لم يدعه إلى المبيت وجد في نفسه شيئًا، دون أن يقدِّر عذره في هذا وذاك؛ لأننا لا نتأدب بأدب الإسلام، ولا نجعل هَوَانَا تبعًا لما جاء به الرسول r، ونرى غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا، فيعجبنا ما نراهم عليه، ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل؛ فنفيء إليه مطمئنين([8]).
* * * *

المبحث الثاني
الوقوف الشرعي على الباب أثناء الاستئذان
إن من أهم آداب الاستئذان مراعاة الهيئة حال الاستئذان، فلا يستقبل الزائر الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله، وقد صح ذلك عن النبي r في عدة مواضع، ففي حديث عبد الله بن بسر -رضي الله عنه- قال: «كان النبي r إذا جاء الباب يستأذن- لم يستقبله، يقول: يمشي مع الحائط، حتى يستأذن فيؤذن له أو ينصرف»([9]).
وفي حديث آخر: أن رجلاً جاء إلى باب النبي r يستأذن، فقام على الباب، فقال له النبي r: «هكذا عنك، فإنما الاستئذان من النظر»([10]).
فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام العلة لهذا الرجل، وهي أن الاستئذان من أجل النظر؛ لأن المستأذن إذا وقف تلقاء الباب فإنه سوف يطّلع على ما في الدار عند فتح الباب، بغير إذن أهله، وقد تقدَّم ما في هذا من الحرج.
وفي الأثر عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «من ملأ عينه من قاع بيت قبل أن يُؤذن له فقد فسق»([11]).
وأكثر ما يحصل النظر في البيوت بغير إذن ناتج عن المخالفة في الوقوف على الباب أثناء الاستئذان، فيجب على المسلمين أن يتحلوا بآداب المصطفى r، حتى في عصرنا، فإن الدُّور وإن كان لها أبواب محكمة فإنه عند فتح الباب سوف يقع النظر في الدار، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه أو شماله، فإنه وقت فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت.
وكذلك ينبغي للمسلم -إذا استأذن فقيل له: امكث حتى نخرج إليك- أن يتنحى عن الباب ويمكث إلى جانبه، يمينًا أو شمالاً، والله أعلم.
* * * *

المبحث الثالث
إخبار المستأذن باسمه إذا طلب منه ذلك
هذا الأدب من أهم آداب الاستئذان، وقد أغفله كثير من الناس، فتجد الطارق إذا طرق الباب فقيل له: من أنت؟ قال: أنا، أو ربما يسكت. أو يطلب حاجته من أهل البيت دون إخبارهم باسمه، وهذا مخالف للسنة الصحيحة عن النبي r، فالواجب على المستأذن أن يخبر باسمه، فإن هذا أدعى وأسرع لإجابته وتلبية طلبه واطمئنان أهل البيت بقدومه، كما في الصحيحين عن جابر -رضي الله عنه- قال: «أتيت النبي r في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا أنا!! كأنه كرهها»([12]).
فيؤخذ من الحديث جواز دق الباب، لكن بلطف؛ لما جاء من حديث أنس -رضي الله عنه- أن أبواب النبي r كانت تقرع بالأظافير([13]).
وكون الصحابة -رضوان الله عليهم- يقرعونها بالأظافير من المبالغة في الأدب والتوقير والإجلال، وهذا حسن لمن قرب محله من بابه، أما من كان بعيدًا عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر، فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه([14])، لكن ليجتنب دق الباب بعنف لنسبة فاعله عرفًا إلى قلة الأدب([15]).
وفي حديث جابر -أيضًا- دلالة صريحة على أن المستأذن إذا قال له ربُّ المنزل: من أنت؟ فإنه يصرح باسمه، أو كنيته، أو ما يعرف به، قال ابن القيم -رحمه الله-: وكان هديه r أن المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلان، أو يذكر كُنيته، أو لقبه، ولا يقول: أنا، كما قال جبريل للملائكة في ليلة المعراج لما استفتح باب السماء فسألوه من؟ قال: جبريل، واستمر ذلك في كل سماء سماء.
وكذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي r لما جلس في البستان وجاء أبو بكر -رضي الله عنه- فاستأذن فقال: من؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر -رضي الله عنه- فاستأذن فقال: من؟ قال: عمر، ثم عثمان -رضي الله عنه- كذلك([16]).
ولما استأذنت أم هانئ -رضي الله عنها- قال لها النبي r: «من هذه؟» قالت: أم هانئ، فلم يكره ذكرها الكنية([17]).
وكذلك لما قال r لأبي ذر: «من هذا؟» قال: أبو ذر.
وكذلك لما قال لأبي قتادة: «من هذا؟» قال: أبو قتادة([18]).
والحكمة من كون النبي r كره فعل جابر بقوله: (أنا)؛ لأن قوله: (أنا) لا يحصل بها تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب وأبو بكر -رضي الله عنهما-؛ لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال([19]).
فمما تقدم يعلم أن المستأذن إذا قال له رب المنزل: من أنت؟ فلا يجوز له أن يقول له: (أنا)، بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهورًا بها؛ لأن لفظة (أنا) يعبر بها كل أحد عن نفسه، فلا تحصل بها معرفة المستأذن، وهذا ثابت عن النبي r ثبوتًا لا مطعن فيه([20]).
وتكريره r لفظة (أنا) في حديث جابر -المتقدم- دليل على أنه لم يرضها من جابر؛ لأنها لا يعرف بها المستأذن، فهي جواب بما لا يطابق السؤال.
وقول جابر: «كأنه كرهها» فيه ظهور كراهة النبي r لذلك وعدم رضاه، وظاهر الحديث أن جواب المستأذن بـ (أنا) لا يجوز لكراهة النبي r وعدم رضاه به، خلافًا لمن قال: إنه مكروه كراهة تنزيه، وهو قول الجمهور. والله أعلم([21]).

المبحث الرابع
ما ينبغي للمسلم من الآداب عند الدخول
هناك آداب ينبغي للمسلم أن يتحلَّى بها بعد أن يُؤذن له بالدخول، ومن أهمها غضّ البصر وخفض الصوت.
وأن يجلس حيث أمره صاحب البيت، فإذا حدَّد له مكانًا للجلوس فلا يتعدَّاه؛ لأنه قد يكون في بيته شيء يكره أن يستقبله فيتعين عليه الجلوس في المكان الذي عينه له صاحب الدار. وقد ورد عن بعض السلف أنه قال: «إذا دخل أحدكم بيتًا فأينما أجلسوه فليجلس، هم أعلم بعورة بيتهم»([22]).
وأما إذا لم يأمره بالجلوس في مكان معين فإنه يجلس حيث انتهى به المجلس؛ لما في حديث جابر بن سمرة قال: «كنا إذا أتينا النبي r جلس أحدنا حيث ينتهي»([23]).
ولا يقيم أحدًا فيجلس مكانه؛ لما صح عن النبي r أنه قال: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا»([24]).
ولا يجلس بين اثنين إلا بإذنهما؛ لقوله r: «لا يحل لرجل أن يفرَّق بين اثنين إلا بإذنهما»([25])؛ لأنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سرٍّ وأمانة؛ فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما.
ولا يجلس وسط الحلقة لما فيه من الأذى للجالسين، والحيلولة بين وجوههم فيفسد نظام الجلوس إلا إذا وُجد سبب لجلوسه كدرس علم ونحوه فلا بأس. وقد ورد الوعيد على من جلس وسط الحلقة في أحاديث لكنها لا تستقيم من حيث الإسناد، والمهم أنه من قلة الأدب.
وليحذر محبة قيام الناس له، ورغبته في ذلك، فقد صح عن النبي r أنه قال: «من سرّه أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار»([26]).
وهذا لا يعني أن القيام إلى الغير لا يجوز، فقد ثبت أن النبي r قال للأنصار: «قوموا لسيدكم»([27])، وذلك لما قدم سعد بن معاذ إلى النبي r، وجاء القيام أيضًا في أحاديث أخرى.

والتحقيق في هذا ما ذكره أهل العلم من التفصيل، حيث قال ابن القيم -رحمه الله-: «إن المذموم هو القيام للرجال، أما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به، وبهذا تجتمع الأحاديث». اﻫ([28]).
وقال النووي -رحمه الله-: «وأما إكرام الداخل بالقيام فالذي نختاره أنه مستحب لمن كان له فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية، ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبِرِّ والإكرام والاحترام لا للرياء والإعظام». اﻫ([29]).
فيتحصل أن الوعيد الوارد في الحديث المتقدم على من أحب أن يقوم له الناس، وأما من قام إليه الناس لإكرامه فهذا لا يدخل في الوعيد؛ لأنه لم يحبه ولم يطلبه، بل الناس هم الذين أكرموه، ولكن ينبغي أن يكون لمن يستحقه([30]).
ويستحب للزائر إذا أكل من طعام صاحب البيت أن يدعو له بما ورد، ومما ورد: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم»([31]).
وكذلك قوله: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة»([32]).
هذه أبرز الآداب التي ينبغي للمسلم التحلي بها، وإلا فالآداب كثيرة؛ لأن الشريعة الشاملة لم تترك شيئًا إلا بيَّنته. ولو أوردناها بالتفصيل لطال المقال وليس هذا مجال بسطها. والله أعلم.
* * * *

المبحث الخامس
تنبيهات حول الاستئذان
قبل أن أختم الحديث عن آداب الاستئذان رأيت من المناسب أن أذكر بعض التنبيهات، التي قد تغيب عن بعض الناس، ومنها:
أولاً: هناك حالات يسقط فيها الاستئذان، ومنها ما نبَّه الله -سبحانه- عليه بقوله: } لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ { [النور: 29]. وقد تقدم تفسير هذه البيوت وأقوال العلماء فيها([33]). ومن الحالات التي يسقط فيها الاستئذان: عندما يحصل في الدار أمرٌ عارض كالحريق وهجوم سارق، أو ظهور منكر ونحوه، فهذا يسقط الاستئذان([34]).
ومن الحالات أيضًا ما سبق الكلام عليه، وهو الإذن العرفي([35]).
ثانيًا: أن الأمر بالرجوع أدبٌ شرعيٌّ، فيه امتثال الراجع أمر الله -سبحانه-، وقد حرص عليه بعض السلف لتحصل له التزكية([36])، فعندما يستأذن الإنسان فيقال له: ارجع، فيجب عليه أن يرجع دون أن يحمل في نفسه شيئًا، فلا يكون رجوعه مصدر غضب وابتداء فرقة؛ وذلك لأن صاحب المنزل لم يمنعه حقه بل هو متبرع؛ فإن شاء أذن وإن شاء منع.
ثالثًا: قد يأتي الإنسان إلى منزل ليس فيه أحد، فيظن عند ذلك أن الإذن يسقط؛ لأنه ليس هناك متحجب، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الإذن ليس من أجل الدخول على أهل البيت فقط، بل لأجله، ولأجل كشف البيت واطلاعه، فالبيت محجوب سواء وجد فيه أحد أو لم يوجد فيه، فلا يدخل إلى بإذن([37]).
رابعًا: لا عبرة إلا بإذن صاحب الدار، أو من يعتقده المستأذن يأذن من قبل صاحب الدار، كالخادم ونحوه من أفراد البيت المسئولين.
فإن كان الآذِن طفلاً لا يعقِل فلا ينبغي أن يدخل الدار؛ لأنه لا ثقة بإذنه، وأما الصبي والكافر والمرأة فيقبل إذنهم.
قال ابن القيم -رحمه الله-: «يقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان، وعليه عمل الأمة قديمًا وحديثًا، لما احتفَّ بذلك من القرائن، ولعموم البلوى والحاجة». اﻫ([38]).
خامسًا: قد يكون الإذن غير الكلام، وذلك بجعل علامة كرفع ستر أو إرخائه ونحو ذلك. فهذه علامة معتبرة في الإذن، بدليل قوله r لابن مسعود: «إذنك عليَّ أن يرفع الحجاب، وأن تسمع سِوادي حتى أنهاك»([39]).

والسواد بكسر السين: المراد به السرار، من ساودت الرجل: إذا ساررته، أي أدنيت شخصك من شخصه، والسواد: اسم لكل شخص.
وفي الحديث دليلٌ على جواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول. فإذا جعل الرجل في بيته رفع الستر علامة في الإذن جاز الدخول بغير استئذان عند رفعه([40]).
ولكن ينبغي لصاحب المنزل أن لا يأذن بالعلامة من غير أن يتحقق المستأذن، فقد يكون المستأذن غير من ظنَّه فيترتب على ذلك ما لا يليق ويحصل به شرٌّ ومحذور([41]).
سادسًا: مما شاع في وقتنا -للأسف الشديد- استعمال بعض الألفاظ التي ينبغي اجتنابها مثل: (صباح الفل) ونحوها.
وبعضهم إذا حييته بالسلام رد عليك بقوله: (أهلاً، أو هلا) وهذه لا تكفي عن رد السلام؛ لأنه من المعلوم أن ردّ السلام واجب.
ورد السلام لا يجوز بغير السلام، وأما استدلال بعض الناس بقوله تعالى: } وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا { [النساء: 86].

فيقول: أنا أحيي بأحسن منها من الألفاظ غير السلام، فهذا استدلال خاطئ؛ لأنه لا شيء أحسن من السلام، وهو الوارد عن الرسول r.
وأما المقصود بالآية: فإن ردها قول مثلها، والأحسن منها الزيادة عليها، كما ذكر ذلك المفسرون([42]). ولا مانع من أن يرحب الإنسان بألفاظ غير السلام، لكن بعد رد السلام، وإلا فقد جاء عن النبي r أنه قال: «مرحبًا بأم هانئ». وقال لابنته فاطمة: «مرحبًا بابنتي»([43]).
فعلى المسلم، أن يتمسك بسنة نبيه محمد r، ففيها من الآداب والألفاظ ما يغني عن استعمال غيرها من الألفاظ الدخيلة على مجتمعاتنا، والله أعلم.
سابعًا: ليحذر المسلم ترك الاستئذان، وليعلم أن تركه مشتمل على مفاسد عظيمة:
فمنها: ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله r، من الدخول بغير إذن، وبذلك يحصل الإثم بارتكاب النهي، ويفوت الأجر الحاصل للمسلم بامتثال شرع الله.
ومن المفاسد أيضًا: وقوع البصر على عورات الناس داخل بيوتهم، فإن البيت يستر عوراته كما يستر الثوب عورة الإنسان.
ومن المفاسد أيضًا: حصول الريبة من الداخل بغير استئذان، واتهامه بالشر، لأن الدخول خفية -بغير استئذان- يوجب ذلك والعلم عند الله.
ثامنًا: إذا استؤذن على المصلي، فإن كان رجلاً فإذنه التسبيح، وإن كانت امرأة فإذنها التصفيق؛ لقوله r: «إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق»([44]).
وفي الصحيحين أنه r قال: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء»([45]). وكون المصلي يسبح أو يصفق: يحتمل أنه إذن، ويحتمل أنه للإشعار بأنه يصلي. وقد يرجع للعرف في ذلك، والمهم أنه لا مانع من التصفيق أو التسبيح في الصلاة، وهذا أمر عام حتى في غير الاستئذان، فكل ما ناب المصلي من شيء فالرجل يسبح والمرأة تصفق، ولا يقطع ذلك الصلاةَ ولا يؤثر عليها. والله أعلم.
تاسعًا: السن الذي يستأذن عنده الأولاد داخل البيوت:
الأَولى أن يربي الولد على الاستئذان من الصغر، ولكن الذي يجب تعليمه الاستئذان وإلزامه به هو من عرف العورة، ولا يحدد بسنٍّ معين.

الخاتمــة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد:
فهذا ما وسعه الجهد، وجاد به القلم، وسمح به الزمن، وقد بذلت فيه طاقتي، واستفرغت في وسعي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وذلك ما كنت أبغيه، وإن يكن فيه نقص فمني، ولا أدعي الكمال، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الرسالة r.
وقد تبين لي من خلال البحث في الاستئذان وآدابه على ضوء الكتاب والسنة ما يلي:
1- أن الاستئذان أدبٌ رفيع، اهتم به القرآن والسنة اهتمامًا بالغًا.
2- أن حكم الاستئذان واجبٌ مطلقًا على الرجال والنساء والصبيان والمماليك -على التفصيل السابق- ولا نسخ في آيات الاستئذان البتة.
3- أن السلام مشروع عند دخول البيوت مطلقًا.
4- أن السلام مقدم على الاستئذان، فيقول: السلام عليكم، أَأَدخل؟
5- أن الاستئذان ثلاث مرات؛ فإن أذن للإنسان وإلا وجب عليه الرجوع.
6- أنه لو اطلع إنسان على دار غيره بغير إذنه ففقأ عينه فهي هدر.
7- أن الرجل إذا دعي فجاء مع الرسول؛ فذلك إذنه، وإن تراخى عنه وجب عليه الاستئذان.
8- أنه يجب على المستأذن الإخبار باسمه أو بما يعرف به إذا طُلب منه ذلك.
9- أنه يجب على المستأذن أن يقف عن يمين الباب أو شماله، ولا يستقبله.
10- لا عبرة إلا بإذن صاحب الدار أو من يقوم مقامه، فلا عبرة بإذن الطفل ونحوه.
11- أن حرمة الدار باقية، حتى في حال خلوها من أهلها، فلا تقتحم إلا بإذن.
12- أن الاستئذان يسقط في بعض الحالات: كالمرافق العامة والحدائق ونحوها، وفي حالة حصول حريق في الدار أو هجوم سارق ونحو ذلك.
هذا ما تلخص لي من البحث، وأسأل الله -سبحانه- أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه جواد كريم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين
* * * *

([1]) الطرق هو الإتيان في الليل (شرح النووي على مسلم 13/17).

([2]) رواه الترمذي في الاستئذان، باب ما جاء في كراهية طروق الرجل أهله ليلاً (7/345) وقال الترمذي عن الحديث: حسن صحيح.

([3]) الشعثة: شعر الرأس الثائر (النهاية في غريب الحديث 2/478).

([4]) تستحد المغيبة: أي تزيل شعر عانتها، والمغيبة بضم الميم وكسر الغين: المرأة التي غاب زوجها (المنهاج 13/71).

([5]) أخرجه البخاري في الطلاق، باب لا يطرق أهله ليلاً (9/251 فتح الباري) ومسلم في الإمارة، باب كراهية الطروق (13/70 بشرح النووي).

([6]) شرح النووي على مسلم (13/17).

([7]) رواه البخاري في الأدب، باب التسليم على النائم (2/482 بشرحه فضل الله الصمد).

([8]) في ظلال القرآن (18/91) بتصرف.

([9]) رواه الإمام أحمد في المسند من مسند عبد الله بن بسر (4/89)، والبخاري في الأدب المفرد، باب كيف يقوم عند الباب (2/513 بشرحه فضل الله الصمد)، وأبو داود في الأدب بلفظ قريب من هذا، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان وصححه الألباني (3/974 صحيح سنن أبي داود).

([10]) رواه أبو داود في الأدب، باب في الاستئذان، وصححه الألباني (3/972 صحيح سنن أبي داود).

([11]) تقدم تخريجه في الفصل الثاني، المبحث السادس، ص72.

([12]) خرَّجه البخاري في الاستئذان، باب إذا قيل: من؟ فقال: أنا (11/37 فتح الباري)، ومسلم في الاستئذان، باب كراهية قول المستأذن: أنا، إذا قيل: من هذا؟ (14/135 بشرح النووي).

([13]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب قرع الباب (2/515 شرحه فضل الله الصمد).

([14]) انظر: فتح الباري (11/38).

([15]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/399).

([16]) أخرجه البخاري في الفضائل، باب مناقب عثمان (7/65 فتح الباري)، ومسلم في الفضائل، باب فضائل عثمان (15/17 بشرح النووي).

([17]) أخرجه البخاري في الغسل، باب التستر في الغسل عند الناس (1/461 فتح الباري) ومسلم في الحيض، باب تستر المغتسل بثوب ونحوه (4/28 بشرح النووي).

([18]) انظر: زاد المعاد (2/431).

([19]) الجامع لأحكام القرآن (12/217).

([20]) انظر: أضواء البيان (6/177).

([21]) انظر: أضواء البيان (6/177).

([22]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأدب، باب إذا دخلت على قوم فاجلس حيث يجلسونك (5/235).

([23]) رواه الترمذي في الأدب، باب اجلس حيث انتهى بك المجلس (7/354) وقال: حديث حسن صحيح غريب، وأبو داود في الأدب باب في التحلق، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود 3/916).

([24]) أخرجه البخاري في الأدب، باب لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه (11/64 فتح الباري) ومسلم في الآداب في الجلوس في المجلس (14/160 بشرح النووي).

([25]) رواه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في كراهية الجلوس بين اثنين بغير إذنهما (8/5)، وقال: حسن صحيح وأبو داود في الأدب، باب في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما (13/194 عون المعبود) وحسنه الألباني في المشكاة (4704).

([26]) رواه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل (7/7 وقال: حديث حسن)، وصححه الألباني في المشكاة (4699).

([27]) أخرجه البخاري في الاستئذان باب قول النبي r: «قوموا لسيدكم» (11/51 فتح الباري).

([28]) شرح سنن أبي داود مع عون المعبود (14/127).

([29]) الأذكار النووية ص251.

([30]) من إفادات شيخنا ابن عثيمين.

([31]) أخرجه مسلم في الأطعمة، استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام (13/225 شرح النووي).

([32]) أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام، وصححه الألباني (2/730 صحيح سنن أبي داود) وابن ماجه في الصيام، باب في ثواب من فطَّر صائمًا (1/291 صحيح سنن ابن ماجه).

([33]) راجع: الفصل الأول، المبحث الأول، ص23.

([34]) الكشاف (3/70).

([35]) راجع الفصل الثاني، المبحث السابع، ص93.

([36]) جامع البيان عن تأويل أي القرآن (18/113).

([37]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1362).

([38]) بدائع الفوائد (1/6).

([39]) رواه مسلم في الآداب، باب جعل الإذن رفع الحجاب (14/150 بشرح النووي).

([40]) شرح النووي على مسلم (14/150).

([41]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/402).

([42]) انظر: زاد المسير (2/152)، والمحرر الوجيز (4/196)، وتفسير القرآن العظيم (1/850).

([43]) أخرجه البخاري في الأدب، باب قول الرجل: مرحبًا (10/578 فتح الباري).

([44]) رواه البيهقي في (السنن الكبرى 2/247)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/815).

([45]) رواه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب التصفيق للنساء (3/93 فتح الباري)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة (4/148 شرح النووي).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

أحكام الاستئذان في السنة والقرآن



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 01:06 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب