منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كريات بحلوة الترك DALINA ركن الحلويات 10 2016-07-20 10:41 PM
هذه هي الأحكام الصادرة في حق حسني مبارك ونجلاه جمال وعلاء Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2014-05-22 12:07 AM
صابلي بحلوة الترك DALINA ركن الحلويات 2 2013-01-27 07:12 PM
بودينغ بحلوة الترك DALINA ركن الحلويات 1 2012-08-09 09:51 AM
وريدات بحلوة الترك DALINA ركن الحلويات 1 2012-08-09 09:46 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد؛ فهذهدراسة أصولية تطبيقية لقاعدة شرعية عظيمة، وهي سُنَّة الترك، وهذا الترك نوع من أنواع سُنَّتِه المطهرة _عليه الصلاة والسلام.
والملاحظ أن عناية الأصوليين ببحث هذه المسألة كانت جد يسيرة.
وذلك أن معظم الأصوليين لم يتعرض أصلا لذكر السُّنة التركية، ومن تعرض إليها منهم فعلى سبيل الإشارة، وذلك عند الكلام على أفعاله r.
وقد نبه إلى ذلك الإمام بدر الدين الزركشي إذ قال في معرض بيانه أقسام السنة النبوية: القسم السابع: التَّرْكُ لم يتعرضوا لتركه -عليه السلام([1]).
ومن هنا فقد عَزَمْتُ على الكتابة في هذه المسألة وجمع ما يتعلق بها من كلام أهل العلم في كتب أصول الفقه وغيرها.
ومن الدراسات السابقة التي وقفت عليها في هذه المسألة:
كلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم([2]).
كلام ابن القيم في إعلام الموقعين([3]).
كلام الشاطبي في الموافقات([4]).
كلام الشاطبي في الاعتصام([5]).
أفعال الرسول r للدكتور محمد العروسي عبد القادر([6]).
أفعال الرسول r للدكتور محمد سليمان الأشقر([7]).
وقد اقتضى المقام أن تكون خطة البحث في تمهيد وثلاثة فصول بيانها كالآتي.
التمهيد في التعريف بالسُّنَّة وأقسامها وحجيتها.
الفصل الأول: حقيقة السُّنَّة التركية.
وفي هذا الفصل خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الترك وأحكامه.
المطلب الثاني: تعريف السُّنَّة التركية.
المطلب الثالث: أقسام السُّنَّة التركية.
المطلب الرابع: علاقة سُنَّة الترك بالسنة التقريرية.
المطلب الخامس: علاقة سُنَّة الترك بالمصالح المرسلة.
الفصل الثاني: حجية السُّنَّة التركية.
وفي هذا الفصل ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: دلالة السُّنَّة التركية.
المطلب الثاني: شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التركية.
المطلب الثالث: الأدلة على حجية السُّنَّة التركية.
الفصل الثالث: أثر الاحتجاج بالسُّنَّة التركية.
وفي هذا الفصل أربعة فروع:
الفرع الأول: أثر سُنَّة الترك في تخصيص العموم.
الفرع الثاني: أثر سُنَّة الترك في معرفة مقاصد الشريعة.
الفرع الثالث: أثر سُنَّة الترك في إبطال البدع والرَّد على المبتدعة.
الفرع الرابع: أثر سُنَّة الترك في المسائل المعاصرة.
وقد ذيلت هذا البحث بخاتمة، تضمنت خُلاصة البحث، ثم بقائمة للمصادر والمراجع.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.



التمهيد في
التعريف بالسُّنَّة وأقسامها وحجيتها
وفيه ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا.
المسألة الثانية: أقسام السُّنَّة.
المسألة الثالثة: حجية السُّنَّة.

المسألة الأولى
تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا
1- السُّنَّة في اللغة([8]):
السُّنَّة لغة: الطريقة والسيرة, حميدة كانت أو ذميمة؛ فكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم من بعده قيل هو سُنَّة.
ومن الأمثلة على ورود لفظ السُّنَّة بمعناه اللغوي قول الرسول r: «من سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنُّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»([9]).
2- السُّنَّة في الاصطلاح([10]):
للسُّنَّة في اصطلاح أهل الشرع إطلاقات عدة:
فتطلق تارة على ما يقابل القرآن.
وهو اصطلاح الأصوليين، وهو أن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي r غير القرآن([11]).
والسُّنَّة بهذا المعنى تشمل أنواعًا ثلاثة، وهي: قوله r وفعله وتقريره؛ وهذا الإطلاق هو المراد في هذا المقام؛ وتطلق السُّنَّة تارة على ما يقابل الفرض وغيره من الأحكام الخمسة؛ كفروض الوضوء والصلاة والصوم وسننها؛ وتطلق السُّنَّة أيضًا على ما يقابل البدعة ومن ذلك قول النبي r: «ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِعَ مثلها من السُّنَّة فتمسك بِسُنَّة خير من إحداث بدعة»([12]).
وقوله r: «فإن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة؛ فإما إلى سنُةَّ وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سُنَّة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»([13]).
ومعنى السُّنَّة في هذا الإطلاق: الطريقة المسلوكة في الدين؛ وهي ما عليه الرسول r وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وإن كان الغالب تخصيص اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم([14]).

المسألة الثانية: أقسام السُّنَّة
أولا: تنقسم السُّنَّة باعتبار ذاتها إلى: قولية, وفعلية، وتقريرية([15]).
وهذا يشمل قوله r وفعله وتقريره وكتابته وإشارته وهَمَّه وترْكه([16]).
وهذه الأنواع قد يدخل بعضها في بعض؛ فيدخل في الفعل كل من الكتابة والإشارة والهم والترك([17]).
وقد زاد بعض الأصوليين([18]): سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ لقوله r: «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين, عَضُّوًا عليها بالنَّواجِذ»([19]).
قال ابن رجب: "وفي أمره r باتباع سُنَّته وسُنَّة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمر عمومًا دليل على أن سُنَّة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعَة، كاتباع سُنَّته"([20]).
ثانيًا: تنقسم السُّنَّة باعتبار وصولها إلينا وعدد نقلتها ورواتها إلى متواتر وآحاد([21]).
المسألة الثالثة
حُجِّيَّة السُّنَّة
أجمع المسلمون على وجوب طاعة النبي r ولزوم سُنَّته([22]).
قال الإمام الشافعي: "لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم- يخالف في أن فرض الله- عز وجل- اتباع أمر رسول الله r والتسليم لحكمه؛ بأن الله- عز وجل- لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سُنَّة رسوله r, وأن ما سواهما تبع لهما, وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله r واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله r، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى"([23]).
وقال أيضًا: "ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله r إلا قبل خبره وانتهى إليه وأثبت ذلك سُنَّة"([24]).
وقال- رحمه الله: "إذا وجدتم لرسول الله r سُنَّة فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد"([25]).
وقال ابن تيمية: "وهذه السُّنَّة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها"([26]).
والأدلة على وجوب اتباع السُّنَّة كثيرة جدًا([27]):
فمن القرآن الكريم([28]):
1- الأمر بطاعة الرسول r قال -تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32].
2- ترتيب الوعيد على من يخالف أمر النبي r, قال -تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
3- نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم عن رسول الله r, قال -تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
4- الأمر بالرد إلى الرسول r عند النزاع، قال -تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
5- جعل الرد إلى الرسول r عند النزاع من موجبات الإيمان ولوازمه، قال -تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: 59].
ومن السنة:
قوله r: «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ»([29]).
وقوله r: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه, وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»([30]).
وقوله r: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه»([31]).
وقوله r: «ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله»([32]).
هذه بعض النصوص الدالة على حُجِّيَّة السُّنَّة وبذلك يعلم أن الاحتجاج بالسُّنَّة أصل ثابت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعد.


الفصل الأول
حقيقة السُّنَّة التَّرْكِيَّة
وفي هذا الفصل خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف التَّرْك وأحكامه.
المطلب الثاني: تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة.
المطلب الثالث: أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة.
المطلب الرابع: علاقة سُنَّة التَّرْك بالسُّنَّة التقريرية.
المطلب الخامس: علاقة سُنَّة التَّرْك بالمصالح المُرْسَلة.


([1])البحر المحيط (4/214).

([2])انظر (2/519-597).

([3])انظر (2/389-391).

([4])انظر (2/409-414).

([5])انظر (1/360-365).

([6])انظر (207-227).

([7])انظر (45-69).

([8])انظر: لسان العرب (13/225) والمصباح المنير ص( 292) , والمعجم الوسيط ص(456).

([9])أخرجه مسلم ص1393برقم (1017).

([10])انظر شرح مختصر الروضة (2/60-64) والموافقات (4/3-7) وشرح الكوكب المنير (2/159-160).

([11])انظر الإحكام للآمدي (1/169) وقواعد الأصول ص (38) والبحر المحيط (4/739) وشرح الكوكب المنير (2/160).

([12])أخرجه أحمد في مسنده (4/105).

([13])أخرجه أحمد في مسنده (2/158).

([14])انظر جامع العلوم والحكم (2/120).

([15])انظر: شرح مختصر الروضة (2/62) ومختصر ابن اللحام ص(74).

([16])انظر مجموع الفتاوى (1/282) وجامع العلوم والحكم (2/121).

([17])انظر: شرح الكوكب المنير (2/160-166).

([18])انظر الموافقات (4/4-7).

([19])أخرجه أبو داود في سننه (4/200، 201)برقم (4607) والترمذي في سننه (5/44) برقم(2676) وقال حديث حسن صحيح.

([20])جامع العلوم والحكم (2/121).

([21])انظر: المستصفى, ص (155) والإحكام للآمدي (2/13) وشرح مختصر الروضة (2/71).

([22])انظر: مجموع الفتاوى (19/82-92) وإعلام الموقعين (2/290-293).

([23])جماع العلم ص(11، 12).

([24])مفتاح الجنة, ص(34)

([25])مفتاح الجنة ص(77).

([26])مجموع الفتاوى (19/85، 86).

([27])انظر مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (3/1355-1361) ومعارج القبول (2/416-420) وللاستزادة يراجع كتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ص(178) وما بعدها، وكتاب السنة حجيتها ومكانتها للدكتور محمد لقام السلفي ص(29، 30).

([28])انظر الرسالة ص(79، 84) ومجموع الفتاوى (19/83) وإعلام الموقعين (1/49، 50) (2/289، 290).

([29])أخرجه أبو داود والترمذي، وقد تقدم.

([30])أخرجه البخاري في صحيحه ص(480) برقم(7288).

([31])أخرجه أبو داود في سننه (4/200) برقم(4604) ونحوه عند الترمذي في سننه (5/37، 38) برقم(2663، 2664) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة في سننه (1/6، 7) برقم(12، 13).

([32])أخرجه ابن ماجه في سننه (1/6) برقم(12) والترمذي في سننه (5/38) برقم (2664) وقال: حسن غريب.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

المطلب الأول
تعريف التَّرْكِ وأحكامه
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف التَّرْكِ([1]).
التَّرْكُ لُغَةً: تَرْكُ الشيءَ تَرْكًا وتَرْكَانًا، طرحه وخلَّاه، ويُقال: تركتُ المنزل تركًا، رحلتُ عنه؛ وتركتُ الرجل: فارقته.
والتَّرْكُ: عدم فعل المقدور عليه.
وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يُسمَّى تَرْكًا، ولذلك لا يُقال: تَرَكَ فلانٌ خَلْقَ الأجسام.
وذلك أن التَّرْكُ فعل الضد لأنه مقدور، ولا بد أن يكون كلا الضدين مقدورَين حتى يكون ارتكاب أحدهما تَرْكًا للآخر، فإذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مقدورًا لم يصح استعمال التَّرْكِ هناك، فلا يقال: تَرَكَ بقعوده الصعود إلى السماء، ولا تَرَكَ بحركته الاضطرارية حركته الاختيارية.
ثم إن عُدِمَ فعل المقدور إنما يُسمَّى تَرْكًا إذا كان حاصلا بالقصد فلا يُقال تَرَكَ النائم الكتابة، ولذلك يتعلق بالتَّرْكِ الذم والمدح والثواب والعقاب، فلولا أنه اعتبر فيه القصد لم يكن كذلك قطعًا.
وذلك أن التَّرْكَ من أفعال القلوب؛ لأنه انصراف القلب عن الفعل وكَفُّ النَّفس عن ارتياده.
المسألة الثانية: أحكام التَّرْكِ.
ويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية:
أولاً: أن التَّرْكَ داخل تحت التكليف([2]).
التَّرْكُ معدود من الأفعال المُكلَّف بها؛ خلافًا لمن زعم أن التَّرك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.
والدليل على أن الترك فعل من القرآن قوله- تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79] فسمَّى الله عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وذمهم على هذا الفعل، فقال –سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾, ومن السُّنَّة قوله r: «المُسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»([3])فَسُمِّيَ تَرْكُ الأذى إسلامًا وهو يدل على أن التُّرْك فعل.
ثانيًا: متى يكون الترك مطلوبًا أو مباحًا في الشرع؟([4])
1- إذا وقع تَرْك ما أحله الله على وجه معتبر شرعًا وذلك إذا اقترن بهذا التَّرْك نية صحيحة، أو كان التَّرك وسيلة مفضية إلى العمل الصالح وعونًا عليه؛ فإن هذا التَّرك على هذا الوجه يدخل تحت معنى العبادة، فلا يكون بدعة حينئذ، وذلك كمن نوى بترك النَّوم ليلًا لإدراك صلاة الفجر، أو كان ترك النوم بالنسبة إليه سببًا للبر بوالديه أو أحدهما.
2- إذا وقع التَّرك لسبب معقول؛ كمن يترك الطعام لأنه يضره في جسمه، أو لأنه لا يجد ثمنه، أو ما أشبه ذلك من الدواعي الخاصة، ومنه تَرْك النبي r لأكل الضَّب لقوله فيه «إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أَعافه»([5]), ولا يُسَمَّى مثل هذا تحريمًا لأن التحريم يستلزم القصد إليه، وهذا ليس كذلك فهذا التَّرْك في أصله من قبيل المباح.
3- ترك الأمور المشتبهات من باب الاحتياط؛ فإن هذا من باب الورع، وهو الوارد في قوله r: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»([6]), وقوله r: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه»([7]).
4- تَرْك بعض السُّنَّة سُدًا للذريعة؛ لئلا يُظن الوجوب وهذا خاص بمن كان من الناس في مظنة الاقتداء به، وهو منقول عن السلف؛ كَتَرْكِ بعض الصحابة- رضي الله عنهم- الأُضحية؛ خشية أن يظن الناس أنها واجبة؛ نُقِلَ ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس- رضي الله عنهما- وقال أبو مسعود البدري- رضي الله عنه: «إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة»([8]).
والأصل في ذلك: تَرْك النبي r قتل المنافقين([9]), وتَرْكه r هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم r([10]).
قال ابن القيم: ".. هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المَفسدتين باحتمال أدناهما، وقد أمسك النبي r عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حُدثان عهد قريش بالإسلام، وأن ذلك رُبَّما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه".
وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عمَّا سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فِتْنَة له، أمسك عن جوابه([11]).
ثالثًا: متى يصير التَّرْكُ بدعة([12]
ترك ما أحلَّه الله- تعالى- يصير بدعة ضلالة في حالتين:
الحالة الأولى: أن يعتقد تحريم فعل ما أحلَّه الله.
والأصل في ذلك: التحريم الواقع من الكفار؛ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ كما ورد ذلك في قوله- تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 103].
ومن الأمثلة على ذلك:
1- اعتقاد تحريم التمتع بالطيبات.
2- اعتقاد حُرْمة جميع ما يُصنع ويأتي من بلاد الكافرين, من أطعمة وألبسة وغيرها.
3- اعتقاد حُرْمة بعض المخترعات العصرية, كالوسائل الكهربائية.
والحالة الثانية: أن يقترن بِتَرْك فِعْل ما أحَلَّه الله قصد التعبد ونية التقرب إلى الله، من وجه لم يعتبره الشارع، وإن كان هذا التَّارِك يعتقد في نفسه أن إتيان هذا الفعل حلال من حيث الأصل.
وذلك مثل التَّقَرُّب إلى الله- تعالى- بِتَرْك النوم ليلًا أو تَرْك الأكل نهارًا، أو تَرْك إتيان النساء، وهذا ما وَرَدَ في قصة الرَّهْطِ الثلاثة.
فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي r يسألون عن عبادة النبي r فلما أخبروه كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي r قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر.
قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفْطِر. وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله r فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني»([13]).
وذلك أن هؤلاء الثلاثة أرادوا التقرب إلى الله -تعالى- بِتَرْكِ الحلال، وهو تَرْكُ النوم ليلًا، وتَرَكُ الإفطار نهارًا، وتَرَكُ الزَّواج.
ثم إن الرسول r قد أنكر عليهم صنيعهم هذا وبَيَّنَ سُنَّتِه وجَلَّاها, فقال: «لَكِنِّي أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي» والرغبة عن السنة مُوقِع في البدعة.
والأصل في ذلك: قول الله -تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87] حيث نهى أوَّلًا عن تحريم الحلال ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء لا يحبه الله، وذلك أن التَّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل.
ومما يَحْلَق بهذا النوع من التَّرك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، أو الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر فإنه تَنَطُّع؛ لأنه من قبيل التشديد والتَّنَطُّع المذموم، وفيه أيضًا مَنْ قصد الشهرة ما فيه، وهذا كله قد يفضي إلى الوقوع في الغلو المنهي عنه.
رابعًا: متى يصير الترك معصية([14]).
يُعَدُّ التَّرْكُ معصية: إذا تُرِكَ ما هو مطلوب في الشرع كَسَلًا أو تضييعًا أو عبثًا، فهذا الضرب من التَّرْكِ راجع إلى مخالفة أمر الشارع, فإن كان في أمر يفيد الوجوب فالتَّرك يكون حينئذ معصية؛ كَتَرْك الطَّعام يوم العيد.
وإن كان التَّرْك في أمر يفيد النَّدب، فهذا التَّرك لا يُعَدُّ معصية؛ كترك الاستياك والتَّطَيُّب لصلاة الجمعة.

المطلب الثاني
تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة
قبل الشروع في تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة يَجْدُر التعرض بالبيان لأقسام تَرْكِه r وذلك على النحو الآتي:
ينقسم تَرْكِه r إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: التَّرْكُ الجِبِلِّيّ أو العادي، وهو ما يرجع إلى الجِبِلَّة أو العادة؛ كَتْرِكه r أكل الضَّب؛ لكونه لم يكن بأرض قومه([15]).
ومن ذلك: ما تركه r على جهة النسيان.
مثال ذلك: أن الرسول r صلى بأصحابه- رضي الله عنهم- صلاة فزاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟" قالوا: صليت كذا وكذا، فثني رجليه بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تَنْسُون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين»([16]).
القسم الثاني: التَّرك الخاص به r وهو ما ثبت بالدليل كونه خاصًا به r كتَرْكِه r أكل الثَّوم([17]).
القسم الثالث: التَّرك المصلحي، وهو ما يرجع إلى تحقيق مصلحة شرعية.
ومن أمثلته ما يأتي:
تَرْكِه r صلاة القيام في رمضان جماعة بأصحابه؛ رحمةً بأمته([18]).
تَرْكه r هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم r تأليفًا لقلوب أهل مكة؛ لقرب عهدهم بالكفر([19]).
تَرْكه r قتل المنافقين؛ سدًا لذريعة التنفير من الدخول في الإسلام([20]).
تَرْكه r الصلاة على صاحب الدَّين([21])وتركه r الصلاة على الغال([22])من باب العقوبة لهما والترهيب من صنيعهما.
القسم الرابع: التَّرْكُ البياني، أو التَّرْكُ التشريعي، وهو ما تَرَكَه r بيانًا للشرع؛ كتَرْكه r الأذان للعيدين وتَرْكه الاحتفال بمولده r.
وهذا القسم من تَرْكه r هو المُراد من السُّنَّة التَّرْكية، وإنما يُحْتج به فيجب تَرْك ما تَرَكَ r, إذا وجد السبب المُقتضي لفعل هذا المتروك في زمنه r وانتفى المانع من فعله كما سيأتي.
ومما يلتحق بهذا القسم – أعني التُّرْك البياني- ثلاثة أنواع من التَّرْك:
الأول: تَرْكه r واجتنابه لما هو مُحَرَّم شرعًا، ومن ذلك: تَرْكه r وهو مُحْرِم للطيب والصيد؛ فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام([23]).
الثاني: قاعدة: "تَرْك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال", وهي مقالة مشهورة عن الإمام الشافعي([24]).
ومعنى القاعدة: أن النبي r إذا تَرَك السُّؤَال عن تفاصيل واقعة ما فإن عدم السؤال يدل على عموم حكمها، وذلك أن غيلان بن سلمة الثقفي- رضي الله عنه- أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي r أن يتخير أربعًا منهن([25]).
فدَّل تَرْكه r سؤاله: هل عقد عليهن معًا أو مرتبًا على عموم الحكم وعدم الفرق بين الأمرين([26]).
قال تاج الدين السبكي: "اشتهر عن الشافعي- رضي الله عنه- أن تَرْكَ الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال".
وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي- رضي الله عنه.
ومعناه صحيح؛ فقد كانت من عادته r أن يستفصل ويستقصي بحيث لا يدع غاية في البيان ولا إشكالا في الإيضاح.
الثالث: سكوته r على حكم لو كان مشروعًا لبينه، فإنه يدل على عدم الحكم([27]).
ومن أمثلته: القول بأن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في نهار رمضان؛ إذ لو وجبت على المرأة كفارة لبَيَّنَهَا رسول الله r ولأمر الأعرابي بتبليغ ذلك لأهله؛ كما أمر أنيسًا لمَّا قال له: «واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها»([28]).
ومما يدل على ذلك: قوله r «إن الله- عز وجل- فرض فرائض فلا تضيعوها وحرَّم حُرُمات فلا تنتهكوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها»([29]).
ويدل على ذلك- أيضًا- قول ابن عباس- رضي الله عنهما- «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»([30]).
قال التلمساني: واعلم أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان, بحيث يكون التأخير معصية([31]).
وهذا النوع أعني دلالة سكوته r يقرب من السنة التقريرية إلا أن السنة التقريرية- كما سيأتي في المطلب الآتي- لا بد أن يقترن بها فعل أو قول من بعض الصحابة- رضي الله عنهم- بخلاف دلالة السُّكوت فإنها أعَمَّ؛ إذ قد يقترن بها استفسار وسؤال سابق, فتكون من قبيل السُّنَّة التَّقريرية، وقد لا يقترن بها سُؤال؛ فتكون من قبيل التمسك بالأصل، وهو براءة الذمة؛ فتكون من قبيل سُنَّة التَّرْكِ.
القسم الخامس: ما تَرَكَه r لعدم القدرة عليه، وهذا التَّرْك لم يوجد معه القصد إلى التَّرْك([32]).
وهذا على التحقيق لا يُسَمَّى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك كما تقدم مخصوص بتَرْكِ فعل المقدور عليه.
ومن الأمثلة عليه: تركه r الإتيان بالمستجدات الواقعة بعد عصره r كَتَرْكه r قتال مانعي الزكاة؛ فإن جحد وجوب الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر- رضي الله عنه- وكتَرْكِه r دخول الحَمَّامَات، فإن هذه الحَمَّامَات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.
وبناء على ذلك فإن تَرْكه r عاد إلى أربعة أقسام، وهي ترجع إلى قسمين: تَرْكُ تشريعي وتَرْكُ مُعَلَّل.
فالتَّرك التشريعي نوعان: فقد يكون خاصًا به r, وقد يكون تَرْكُه r عامًا له ولأمته، وهذا- أعني التَّرْك التشريعي العام- هو التَّرْك الرَّاتب، وهو مَحَل الاقتداء، وهو الذي يُطْلَق عليه سُنَّة التَّرْك.
وأما الأنواع الأخرى من التُّرُوك فإنها داخلة تحت تَرْكِه r لكنها لا تُسَمَّى سُنَّة تَرْكِيَّة.
وأما التَّرْكُ المُعَلَّل فهو ما وقع فيه التَّرْك لأجل عِلَّة معينة غير عِلَّة التشريع وبيان الحكم.
وذلك أن الترك- ها هنا- حكم معلل بوجود مانع معين، وهذا المانع يتضمن معنى معتبرًا.
إذ قد يرجع هذا المعنى أو المانع إلى الجِبِلَّة والعادة، وقد يرجع إلى تحصيل مصلحة أو درء مفسدة.
وحيث إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا, فإن هذا المعنى أو المانع متى تبين زواله وعُلِمَ انتفاؤه زال حكم التَّرْك وانقطع وصار الإتيان بهذا الأمر المتروك مشروعًا متى ما وُجِدَ في الشرع ما يقتضيه.
فهذا القسم من التَّرْكِ يُسَمَّى بالتَّرْك غير الرَّاتب؛ لأنه منوط بقيام علته، ومقيد بها، ولا يُشْرَع فيه الاقتداء بالنبي r.
وقد أشار ابن تيمية إلى هذين القسمين من التَّرْك بقوله: " فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر".
والتَّرْكُ الرَّاتب سُنَّة كما أن الفعل الرَّاتب سُنَّة.
بخلاف ما كان تَرْكِه بعدم مقتضى أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجَمْعِ الناس التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين, بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به.
وإنَّمَا تَرْكُه r لفوات شرطه أو وجود مانع"([33]):
وبذلك يمكن تعريف سُنَّة التَّرْك بأنها: " تَرْكُه r فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته".
وقد تضمن هذا التعريف قُيودًا أربعة:
القيد الأول: أن يكون هذا الأمر المَتْرُوك مقدورًا عليه من جهة النبي r، وذلك أن التَّرْك- حسبما تقدم في التعريف اللغوي- عدم فعل المقدور عليه.
وبهذا القيد يخرج ما تَرَكَه r لعدم القدرة عليه؛ فإن هذا النوع من الترك لم يوجد معه القصد إلى الترك([34]).
وهذا على التحقيق لا يسمى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك مخصوص بترك فعل المقدور عليه.
ومن الأمثلة على ذلك: تركه r الإتيان بالمستجدات الواقعة بعد عصره r مع وجود مقتضيها؛ كتركه r استعمال مكبرات الصوت الحديثة في نقل الأذان وتكبيرات الإمام والخطبة فهي غير مقدور عليها.
وقد مثل ابن تيمية لذلك بتركه r دخول الحمامات، وذلك أن هذه الحمامات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.
قال رحمه الله: ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أي الحمامات أو عدم استحبابه بكون النبي r لم يدخلها ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها.
وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان([35]).
القيد الثاني: أن يكون هذا الأمر المتروك من قبيل الأفعال فالسنة التركية مخصوصة بتركه r للفعل دون تركه r للقول.
وبهذا القيد يحترز من السنة التقريرية؛ فإنها من قبيل السكوت وذلك تركه r للقول.
القيد الثالث: أن يكون هذا الأمر المتروك من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها.
وبهذا القيد خرج ما تركه الرسول r لعدم الحاجة إليه في زمنه، إلا أن الحاجة إليه طرأت فيما بعد، وهذا هو باب المصالح المرسلة، وذلك أن المصلحة المرسلة فعل أمر لم يكن في عهد النبي لكن دعت الحاجة إلى فعله بعد زمنه.
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكه r قتال مانعي الزكاة؛ فإن منع الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر- رضي الله عنه.
وخرج بهذا القيد- أيضًا: تَرْكه r للمنهيات والمنكرات، إذ ليس هنالك ما يقتضي فعل المعصية، بل الشرع يقتضي تَرْكها واجتنابها.
القيد الرابع: أن يقع هذا التَّرْكُ من النَّبي r على وجه التشريع والبيان؛ وذلك أن يَتْرُك الرَّسُول r فعل الشيء ليبين لأمته أن المشروع في هذا الشيء تَرْكُه وعدم فعله.
وبهذا القيد خَرَجَ ما تَرَكَه r لا على وجه التشريع، وإنما تَرْكُه مِن أجل قيام مانع من الموانع: إما لمانع جِبِلِّي، كَتَرْكِه r أكل الضَّب([36])، أو تأليفًا للقلوب؛ كَتَرْكِه r نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم- عليه السلام([37]), أو لغير ذلك من المعاني.
وخرج بهذا القيد- أيضًا- تَرْكه r فعل أمر من الأمور الدنيوية المحضة؛ فإن هذا التَّرْك منه r إنما يقع من جهة كونه بشرًا، فهو راجع إلى أفعاله r الجِبِلِّيَّة والعادية، وهي في الأصل تأخذ حكم الإباحة.
ومن الأمثلة على ذلك: أمرُه r بِتَرْك تأبير النخل, فعن موسى بن طلحة عن أبيه- رضي الله عنه- قال: مررت مع رسول الله r بقوم على رؤوس النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء» فقالوا: يلقحونه؛ يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح؛ فقال رسول الله r «ما أظن يغني ذلك شيئًا» قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله r بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله- عز وجل»([38]).
وقد خرج بهذا القيد- أيضًا- التَّرْك الخاص به r؛ فإن هذا التَّرْك وإن حصل به بيان للشريعة، لكنه بيان يختص به r دون أمته؛ كَتَرْكِه r أكل الثوم([39]).


([1])انظر: المواقف (2/163) والمصباح المنير ص(74) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/174) والمعجم الوسيط ص(84).

([2])انظر: مذكرة الشنقيطي ص(38، 39).

([3])أخرجه البخاري ص(8) برقم(10) ومسلم ص(47) ص(41).

([4])انظر: الحوادث والبدع ص(43) والباعث ص(57) والاعتصام (1/42، 45) (2/107) والإبداع ص(51-53).

([5])أخرجه البخاري ص(1134) برقم(5391) ومسلم ص(1041) برقم(1946).

([6])أخرجه الترمذي (4/668) برقم(2518) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع (2/637) برقم(3378).

([7])أخرجه البخاري ص(17) برقم(52) ومسلم واللفظ ص(833) برقم(1599).

([8])أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/265) وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (4/145).

([9])أخرجه البخاري ص(735) برقم(3518) ومسلم ص(1351) برقم(2584).

([10])أخرجه البخاري ص(704) برقم(3368).

([11])إعلام الموقعين (4/157، 158).

([12])انظر الاعتصام (1/42-45) والإبداع ص(51-53).

([13])أخرجه البخاري ص(1070) برقم(5063).

([14])انظر: الاعتصام (1/42-45) والإبداع ص(51-53).

([15])أخرجه البخاري ص(1134) برقم(5391) ومسلم ص(1041) برقم(1946) وقد تقدم.

([16])أخرجه البخاري ص(89) برقم(401).

([17])أخرجه البخاري ص(1492) برقم(7359) ومسلم ص(269) برقم(564).

([18])أخرجه البخاري ص(1480) برقم(7290).

([19])أخرجه البخاري ص(704) برقم(3368) وقد تقدم.

([20])أخرجه البخاري ص(735) برقم(3518) ومسلم ص(1351) برقم(2584) وقد تقدم.

([21])انظر في ذلك: ما أخرجه البخاري ص(459) برقم(2295).

([22])انظر في ذلك: ما أخرجه أبو داود في سننه (3/68) برقم(2710) وابن ماجة (2/950) برقم(2848) والنسائي (4/64) والحديث صححه محقق زاد المعاد. انظر: زاد المعاد ص(108).

([23])انظر: إرشاد الفحول ص(213).

([24])وقد نقل عنه قول آخر يخالف هذا القول هو: "حكاية الحال إذا تطرق إليها الإحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط منها الاستدلال".
وقد استشكل ذلك بعض العلماء، وجعلهما بعضهم قولين للشافعي وجمع بعضهم بين القولين بأن الاحتمال إذ كان قريبًا سقط بها الاستدلال وإذا كان بعيدًا فلا يسقط.
انظر القواعد والفوائد الأصولية ص(234، 235) وشرح الكوكب المنير (3/172-174).

([25])رواه ابن ماجة في سننه (1/628) برقم(1953) والترمذي (3/435) برقم(1128) وقال: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق.

([26])انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص(234، 235) وشرح الكوكب المنير (3/171-174) وأضواء البيان (5/100، 581، 6/516، 547).

([27])انظر: مفتاح الأصول ص(581-583) والموافقات (1/161) وما بعدها.

([28])أخرجه البخاري ص(562) برقم(2724-2725) ومسلم ص(902) برقم(1697، 1698).

([29])أخرجه الدارقطني في سننه (4/183) برقم (42) من كتاب الرضاع والحديث حسنه النووي في الأربعين النووية: الحديث الثلاثون.

([30])أخرجه أبو داود (3/354) برقم(3800) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك (4/115) وقد رواه مرفوعًا ابن ماجه في سننه (1/1117) برقم(3367) والترمذي (4/220) برقم(1726) وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه, وقال: وكأن لحديث الموقوف أصح.

([31])انظر مفتاح الوصول ص(583).

([32])انظر مجموع الفتاوى (20/314).

([33])انظر: مجموع الفتاوى (26/172).

([34])انظر: مجموع الفتاوى (20/314).

([35])مجموع الفتاوى (20/314)..

([36])أخرجه البخاري ص(1134) برقم(5391) ومسلم ص(1041) برقم(1946) وقد تقدم.

([37])أخرجه البخاري ص(704) برقم(3368) وقد تقدم.

([38])أخرجه مسلم ص(1243) برقم(2361).

([39])أخرجه البخاري ص(1492) برقم(7359) ومسلم ص(269) برقم(564) وقد تقدم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

المطلب الثالث
أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة
أولاً: تنقسم السَّنَّة التَّرْكِيَّة بحسب مجالاتها إلى ما يأتي:
1- باب الاعتقادات, كالقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إليه، وكالاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع.
2- باب العبادات, كَتَرْكِه r صلاة ركعتين بعد الفراغ من السَّعْي.
3- باب الأعياد، وذلك أن النبي r تَرَكَ الاحتفال بأيام الإسلام المشهودة ولم يتخذها أعيادًا.
قال ابن تيمية: "وللنبي r خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته ودخوله المدينة، وخُطَب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى- عليه السلام- أعيادًا أو اليهود".
وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه([1]).
4- باب النكاح وما يتعلق به، وقد مَثَّلَ الشاطبي لذلك فقال: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المُحَلِّل وأنها بدعة منكرة من حيث وجد في زمانه- عليه الصلاة والسلام- المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.
5- باب الجنايات والحدود، ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه r جَلْدَ الزاني المحصن اكتفاءً برجمه.
وسيأتي مزيد من الأمثلة لهذه الأبواب وغيرها في الفصل الثالث الخاص بالتطبيقات.
ثانيًا: تنقسم السُّنَّة التَّرْكِيَّة بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين([2]):
الطريق الأول: أن يرد نص صريح من الصحابي، بأن الرسول r تَرَكَ كذا وكذا ولم يفعله، وذلك كقوله: «إن رسول الله r صلى العيد بلا أذان ولا إقامة»([3]).
وقد ورد في السُّنَّة المطهرة تَرْكِه r الأذان والإقامة لصلاة العيد بألفاظ متعددة فمن ذلك: عن جابر بن سمرة- رضي الله عنه- قال: "صليت مع النبي r العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة»([4]).
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «صلى رسول الله r ثم خطب وأبو بكر وعمر وعثمان في العيد بغير أذان ولا إقامة»([5]).
وفي "صحيح البخاري" أن ابن عباس- رضي الله عنهما- أرسل إلى ابن الزبير- رضي الله عنهما- في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخُطْبَة بعد الصلاة([6]).
الطريق الثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته r على تَرْكِ هذا الفعل، وذلك بأن تتوافر همم الصحابة- رضي الله عنهم- ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول r فعله, فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن.
ومن أمثلة ذلك: تَرْكُه r التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتَرْكُه الدَّعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يُؤَمِّنُون على دعائه دائمًا بعد الصُّبْح والعصر أو في جميع الصلوات([7]).
قال ابن النجار: "وإذا نُقل عن النبي r أنه تَرَكَ كذا كان- أيضًا- من السنة الفعلية؛ كما وَرَدَ أنه r لما قُدِّمَ إليه الضَّبُّ فأمسك عنه وتَرَكَ أكله: أمسك الصحابة - رضي الله عنهم- وتركوه حتى بين لهم أنه حلال ولَكنَّه يَعَافه"([8]).
ولكن هذا النوع مقيد بتصريح الراوي بأنه تَرك، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه تَرك([9]).

المطلب الرابع
علاقة سُنَّةِ التَّرْكِ بالسُّنَّةِ التقريرية
قبل الشروع في بيان هذه العلاقة يحسن التمهيد لذلك بالكلام عن السُّنَّة التقريرية من حيث معناها وحجيتها. فأقول:
المقصود بتقريره r: أن يفعل أحد الصحابة- رضي الله عنه- بحضرة النبي r فعلًا أو يقول قولا فيمسك r عن الإنكار ويسكت، أو يُضَمَّ إلى عدم الإنكار تحسينًا له، أو مدحًا عليه، أو ضحكًا منه على جهة السرور به([10]).
ومن المثلة على ذلك: أكل الضَّبِّ على مائدة رسول الله r([11])وكإقراره r إنشاد الشعر المباح([12]).
والأصل في حجية إقراره r([13])هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لذلك بَوَّبَ الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من رأى تَرْكَ النكير من النبي r حجة لا من غير الرسول"([14]).
وكذلك فإن من خصائصه r أن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله- تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]([15]).
وإنما يكون سكوته r وعدم إنكاره حُجَّة فيدل على الجواز بشرطين([16]):
أ – أن يعلم r بوقوع الفعل أو القول، فأما أن يقع ذلك بحضرته، أو في غيبته لكن ينقل إليه أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه r.
ب- ألَّا يكون الفعل الذي سكت عنه r صادرًا من كافر لأن إنكاره r لما يفعله الكفار معلوم ضرورة فالعبرة في فعل أحد المسلمين.
قال الطوفي: "نعم شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تَرْكِه الإنكار إقرارًا: علمه بالفعل وقدرته على الإنكار؛ لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مُقِرٌ أو مُنْكِرٌ، ومع العجز يدل على أنه مُقِرٌ كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته".
وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والسُّنَّة التقريرية فيمكن بيانه في أمرين:
الأمر الأول: وجه الاتفاق بينهما:
تشترك السنة التركية والسنة التقريرية في وجهين:
1- أن كُلًّا منهما يدخل تحت السُّنَّة النبوية المُطهرة، ومن هنا فإن كُلًّا منهما طريق يحصل به معرفة الحكم الشرعي.
2- أن كُلًّا منهما يستند إلى التَّرْكِ؛ فسُنَّة التَّرْكِ من قبيل تَرْكَه r للفعل، وسُنَّة التقرير من قبيل تَرْكِه r للقول.
الأمر الثاني: وجه الافتراق بينهما:
تفترق السُّنَّة التَّرْكِيَّة عن السُّنَّة التقريرية من وجهين:
1- أن سُنَّة التَّرك تَعُود إلى السُّنَّة الفعلية، بخلاف السُّنَّة التقريرية فإنها قِسْمٌ مستقل.
2- أن السُّنَّة التقريرية لا بد أن يقترن بها ويحصل معها فعل أو قول من بعض الصحابة- رضي الله عنهم- بخلاف سُنَّة التَّرْكِ فإنها لا يقترن بها فعل ولا قول من الصحابة- رضي الله عنهم- بل الغالب أن يقترن بها تَرْكٌ منهم.
3- أن السُّنَّة التقريرية تَرْكٌ للقول, إذ هي من قبيل الاستدلال بسكوته r بخلاف سُنَّة التَّرك فإنها من قبيل تَرْكِه r للفعل.

المطلب الخامس
علاقة سُنَّة التَّرْك بالمصلحة المُرْسَلة([17])
قبل الشروع في بيان هذه العَلاقة يحسن الكلام على المصلحة المرسلة من حيث معناها وحُجيتها فأقول:
المصلحة لغة: ضد المفسدة، وهي الخير والصواب([18]).
والمصلحة المرسلة عند الأصوليين هي: منفعة لم يشهد الشرع لاعتبارها ولا لإلغائها بدليل خاص([19]).
وتنقسم المصلحة المرسلة بالنظر إلى قُوَّتها إلى ثلاثة أقسام([20]):
فأقواها المصلحة الضرورية ثم الحاجية، ثم التحسينية.
والمراد بالمصلحة المرسلة الضرورية، ما كانت المصلحة فيه في محل الضرورة، بحيث يترتب على تفويت هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها.
ومن الأمثلة على ذلك: تولية أبي بكر- رضي الله عنه- الخلافة من بعده لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وجمع القرآن الكريم([21]).
وأما شروط العمل بالمصلحة المرسلة فهي([22]):
الأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لِنَصٍّ أو إجماع.
الثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة.
الثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد.
الرابع: ألَّا تُعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها وألَّا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها.
وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والمصلحة المُرسلة فيمكن بيانه في أمرين:
أولاً: وجه الاتفاق بين سُنَّة التَّرْكِ والمصلحة المرسلة:
تتفق سُنَّةِ التَّرْك مع المصلحة المرسلة في أن كُلًّا منهما من الأمور التي لم يُنقل عن النبي r أنه فعلها.
ثانيًا: وجه الافتراق بين سُنَّة التَّرْكِ والمَصلحة المُرسلة: تفترق سُنَّة التَّرْك عن المَصلحة المُرسلة من وجوه ثلاثة:
1- أَنَّ سُنَّة التَّرْك تنفرد بأن عدم وقوعها من جهة النبي r إنَّما كان مع قيام المُقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، مع انتفاء المانع، بخلاف المَصلحة المُرسلة فإِنَّ عدم وقوعها منه r إنما كان لأَجْلِ انتفاء المقتضي لفعلها، أو لِأَنَّ المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه.
2- أَنَّ سُنَّة التَّرك إنما تعتبر في الأمور التَّعَبُّدية وما يلتحق بها بخلاف المَصلحة المُرسلة؛ فإنَّ عامة النَّظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرِضَت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل للمَصالح المُرسلة في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية.
3- أنَّ مُخَالفة سُنَّة التَّرك يدخل تحت معنى الابتداع في الدين، وذلك أنَّ مَنْ تَعَبَّدَ الله بعبادة لم يفعلها النبي r فهو مشمول بقوله r: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ»([23]).
ومن هنا يتبين أَصْلٌ مُهم: وهو أنَّ سُنَّة التَّرك تتميز بها البدع وتُعرف، وذلك أنَّ مُخالفة سُنَّة التَّرْك بِدْعَة في الدين.
بخلاف المَصلحة المُرسلة, فإن مخالفتها لا تندرج تحت معنى الابْتِداع في الدين، وإنَّمَا تندرج تحت باب تعارض المَصالح والمَفاسد، وذلك أن المَصالح المُرسلة قد تقع في رتبة الضروريات، وقد تقع في رتبة الحاجيات أو التحسينات؛ فمن تَرَكَ المَصْلحة المُرسلة وأهدرها فإنه قد وقع في المَفسدة، وهذه المَفسدة تتفاوت بِحَسْبِ هذه الرُّتَب([24]).



الفصل الثاني
حُجِّيَّة السُّنَّة التَّرْكِيَّة
وفي هذا الفصل ثلاثة مَطالب:
المطلب الأول: دلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة.
المطلب الثاني: شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِيَّة.
المطلب الثالث: الأدِلَّة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّرْكِيَّة.

المطلب الأول
دلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة
سُنَّة التَّرْك قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة المُطهَّرة، وهي حُجَّة شرعية مُعتبرة، وذلك أنَّ تَرْكَ الرسول r للشيء دليل على تحريمه؛ فيجب حينئذ تَرْك ما تَرَكَه رسول الله r.
إلا أن هذا ليس على إطلاقه؛ إذ مجرد تَرْكه r للشيء لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك، وإنَّما يُستفاد التحريم من تَرْكه r متى انضم إلى هذا التَّرك القرائن المفيدة للتحريم، ولذا فإنَّ الاحتجاج بتَرْكه r لا بد أن تتوافر فيه شروط , هذا ما يمكن ذكره إجمالاً، وإليك فيما يأتي تفصيل ذلك في أصول خمسة:
الأصل الأول: أن النَّبيَّ r إذا تَرَكَ أمرًا من الأمور فإن هذا التَّرك مَحَلٌ للاقتداء والتَّأَسِّي به r وذلك أن تَرْكِه r جُزْء من سُنَّته r إذ سُنَّته تَعُمُّ جميع أفعاله وتَرْكِه r.
وقد دَلَّ على ذلك عُموم قوله- تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
ويدخل تحت معنى التَّأسي بالرسول r في تَرْكِه أمور ثلاثة:
الأول: متابعة الرسول r في تَرْكِ ما تَرَكَه:
قال السمعاني: "إذا ترك النبي r شيئًا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه([25]). ووجوب مُتابعة الرسول r في تَرْكِه ليس على إطلاقه، وإنما يشترط فيه أن يقع هذا التَّرْك منه r مع وجود المُقتضي لفعله في زمنه r مع انتفاء المانع، كما سيأتي.
الثاني: مُوافقة الرسول r في قصده في هذا التَّرْكِ:
إذ لا يكفي في التَّأسي بالرسول r مجرد تَرْك ما تركه الرسول r بل لا بد أن يضم إلى هذا التَّرْك موافقته r في قَصْدِه r من هذا التَّرْك.
أمَّا إذا تَرَكَ الرسول r أمرًا من الأمور بحكم الاتفاق دون قصد للتَّرْكِ، أو وَقَعَ التَّرك منه r دون أن يقصد العبادة بهذا التَّرك؛ فمتابعة الرسول r في هذا التَّرْكِ بقصد العبادة لا يكون من التَّأسي به r لأنه r لم يقصد العبادة([26]).
قال ابن النَّجَّار: وأمَّا التَّأسي في التَّرْك: فهو أنّه تترك ما تركه لأجل أن تَرَكَه([27]).
الثالث: الاقتداء بالرسول r في تحصيل معاني تَرْكِه وتحقيق حِكَمِه:
ومن الأمثلة على ذلك: أنَّ الرَّسول r قد يترك فعل أمر من الأمور من أجل علة معينة؛ كَتَرْكِه r قيام رمضان جماعة([28]), رحمةً بأُمَّتِه وشفقة عليهم فالمتعين على المُفْتِي وهو قائم مقام النبي في الأمة، أن يسلك في فتواه مَسلك الرَّحمة بالخلق والشَّفَقة عليهم، وأن يقتدي بمنهج الرسول r في بيانه للشَّرِيعة.
قال الشاطبي: "لا ينبغي لمن اِلْتَزم عبادة من العبادات البَدَنِيَّة النُّدْبِيَّة أن يُواظب عليها مُوَاظبة يَفهم الجاهل منها الوجوب إذا كان منظورًا إليه مرموقًا، أو مَظَّنَّة لذلك؛ بل الذين ينبغي له أن يدعها بعض الأوقات حتى يُعلم أنها غير واجبة؛ لأن خاصية الواجب المكرر الالتزام والدوام عليه في أوقاته، بحيث لا يتخلف عنه".
كما أن خاصية المَنْدُوب عدم الالتزام، فإذا التزمه فَهِمَ النَّاظر منه نفس الخاصية التي للواجب؛ فحمله على الوجوب، ثم استمر على ذلك فَضَلَّ..
ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب السجدة على المِنْبَر ثم سجد وسجد معه الناس قرأها في كرة أخرى فلما قرب من موضعها تهيأ الناس للسجود فلم يسجدها، وقال: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء"([29]).
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه r نقض الكعبة ثم بنائها على قواعد إبراهيم([30])تأليفًا للقلوب فيجدر بالمفتي أن يقتدي بالرسول r في فتواه بمراعاة المآل والنظر إلى ثاني الحال.
ومن هنا فإن عبد الله بن الزبير لمَّا ُوُلِّيَ الحجاز قام بمد الكعبة على الأركان الأربعة، ثم إن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان رَدَّ الكعبة على ما كانت عليه.
ثم لما جاء بعض خلفاء بني العباس استشار الإمام مالك في ذلك فقال: "أُنْشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت مَلْعَبَةً للملوك, لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلَّا غيره؛ فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه"([31]).
الأصل الثاني: أن تَرْكَه r لأمر من الأمور يدل على مشروعية تَرْكِه وعلى عدم وجوبه في أدنى الدَّرجات.
قال التلمساني: "ويلحق بالفعل في الدلالة: الترك؛ فإنه كما يستدل بفعله r على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم الوجوب"([32]).
وبهذا يتبين أنَّ تَرْكَه r لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك.
وهذا كله إنما يستقيم إذا خلا تَرْكُه r من القرائن.
وهذه قضية في غاية الأهمية؛ فإنَّ تَرْكَه r من حيث هو يحتمل- وهذا هو الأصل- جواز الترك, وهو الإباحة ويحتمل- أيضًا- وجوب الترك، وهو التحريم.
ومن هنا فلا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكه r لأمر من الأمور دليلًا على تحريم هذا الأمر المتروك، كما لا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكِه r لأمر من الأمور دليلًا على إباحة هذا الأمر المتروك.
إلا أن تَرْكَه r قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به فيكون هذا التَّرك دليلًا على الإباحة.
وقد تقترن بتَرْكِه r قرائن تجعل من هذا التَّرك حُجَّة، فيكون هذا التَّرك دليلًا على التحريم، ويتعين إذ ذاك متابعته r في هذا التَّرك. وسيأتي بيان هذه القرائن في الأصل الرابع والخامس.
ثُمَّ إنَّ تَرْكَ النبي r حتى يكون حُجَّة يجب متابعته فيه لا بد أن يتوافر فيه شرطان:
الشرط الأول: أن يترك r فعل أمر من الأمور مع وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده r.
والشرط الثاني: أن يترك r فعل هذا الأمر مع انتفاء الموانع وعدم العوارض.
وسيأتي تفصيل هذه الشروط إن شاء الله في المطلب الآتي.
الأصل الثالث: أن تَرْكَه r ليس قِسما واحدًا بل تَرْكَه r كأفعاله r فإنها على أقسام فمنها التَّرك الجبلي والعادي والتَّرك الخاص به r والتَّرك المصلحي، والتَّرك البياني، وقد تقدم بيان هذه الأقسام في الفصل السابق.
الأصل الرابع: أن تَرْك النبي r قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به، وتفيد عدم مشروعية الاقتداء به r في هذا التَّرك.
ومن الأمثلة على هذه القرائن:
1- أن يترك r الفعل لمانع يرجع إلى الجِبِّلة أو العادة؛ كتَرْكِه r أكل الضَّبِّ لكونه لم يكن بأرض قومه([33]).
2- أن يترك r الفعل لأمر يختص به r وهو أنه يناجي الملائكة وذلك كتَرْكِه r أكل الثَّوم([34]).
3- أن يترك r الفعل تحقيقًا لمصلحة شرعية؛ كتَرْكِه r هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم r تأليفًا لقلوب أهل مكة([35]).
4- أن يترك r الفعل لعدم القدرة عليه، بسبب حدوث مسائل مستجدة وقعت بعد عصره r كتعدد الطوابق في الطواف والسعي ورمي الجمرات.
والضابط لهذه القرائن: أن يحصل هذا الترك منه r لأجل وجود مانع يمنعه من الفعل، أو من أجل انتفاء سبب هذا الفعل المقتضي له.
الأصل الخامس: أنَّ تَرْك النبي قد تقترن به قرائن تجعل من هذا التَّرك حجة قاطعة؛ فيتعين إذ ذاك متابعته r في هذا الترك.
وأقرب هذه القرائن أن يقترن بتَرْكِه r تَرْكِ السلف الصالح من الصحابة- رضي الله عنهم- والتابعين وتابعيهم.
والأصل في ذلك أن كل عبادة اتفق على تَرْكِها الرسول r وسلف الأمة من بعده فهي بلا شك بدعة ضلالة، ليست من الدين في صدر ولا ورد.
فإذا تواطأ النبي r وسلف الأمة من بعده على تَرْكِ عبادة فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.
ذلك أن المانع من فعل عبادة من العبادات إن وُجِدَ في حق النبي r فلا يمكن أن يوجد في حق السلف من بعده؛ إذ لا يمنعهم عن فعل العبادات مانع، ولا يشغلهم عن بيان الدين شاغل.
وذلك أن السكوت عن حكم الفعل أو التَّرْك- إذا وُجِدَ المعنى المقتضى له وانتفى المانع منه- إجماع من كل ساكت على أنْ لا زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به.
ومن هنا يتبين أن كل عبادة من العبادات, ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائماً والمانع منه منتفيًا([36]).
ومِنْ هنا يظهر وجه التقارب والتلازم بين قاعدة السُّنَّة التَّرْكِية وقاعدة تَرْك السلف.
ويعتبر في العمل بقاعدة تَرْك السلف جميع ما يُذْكر من شُروطٍ في حُجِّيِّة تَرْك النبي r سواء بسواء.
ومن الأمثلة على التلازم بين تَرْك النبي r وتَرْك السلف:
1- صلاة الرَّغَائب المُبْتَدعة([37])
وقد اعتمد العِزَّ بن عبد السلام في إنكار هذه الصلاة وبيان بدعيتها على قاعدة تَرْك السلف.
قال_ رحمه الله: "ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دَوَّن الكُتُب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسُّنَّن لم يُنقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تَعَرَّضَ لها في مجالسه.
والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سُنَّة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسُّنَن والحلال والحرام"([38]).
2- الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة واتخاذها أعيادًا([39]).
فمن ذلك: الاحتفال بمولد النبي r فإنه لم ينقل عن أحد من السلف فضلا عن فعله.
قال ابن تيمية: "وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبِع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه"([40]).
وقال أيضًا: "فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف- رضي الله عنه- أحق به منا، فإنهم كانوا أشدَّ محبة لرسول الله r وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص.
وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سُنَّته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعِثَ به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.
فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان"([41]).
المطلب الثاني
شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية([42])
الشرط الأول: أن يقع هذا التَّرْكُ منه r مع وجود السبب المتقضي لهذا الفعل في عهده r وذلك بأن تقوم الحاجة إلى فعله ويتركه r, فَتَرْكُه r حينئذ لهذا الفعل يُعُّد سُنَّة يجب الأخذ بها وتجب متابعته r في تَرْكِ هذا الفعل ولكن ذلك بشرط انتفاء الموانع كما سيأتي في الشرط الثاني.
أمَّا إن انتفى السبب المقتضي ولم يوجد هذا السبب الموجب لهذا الفعل، فإنَّ تَرْكَ النبي r حينئذ لا يكون سُنَّة؛ لأنَّ تَرْكَه كان بسبب عدم وجود المقتضي إذ لو وُجِدَ المقتضي لفعله r.
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكُه r قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب المقتضي، فلمَّا فعل أبو بكر- رضي الله عنه- ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط([43])لم يكن مخالفًا لسنة رسول الله r.
تنبيه:
احتج بعضُهم بذلك في تحسين بعض البدع- كالاحتفال بمولده r وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذِّكر والقيام- حيث قال: إنَّ الرَّسول r لم يفعل بعض العبادات، وذلك لأن المقتضي في حقه r منتف؛ لكونه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومعلوم أنَّ تَرْكَه r كمَّا تقرر لا يكون حُجَّة إلا بشرط قيام المقتضي، فهو r بخلاف أمته- ولا سيما المتأخرين- فإن المقتضي في حقهم قائم ثابت، وذلك لعظم تقصيرهم وكثرة ذنوبهم.
والجواب على ذلك: أن الرسول r قد بَيَّنَ بُطْلَان هذه الدعوى وذلك في قصة الرَّهْط الثلاثة الذين سألوا عن عبادته r فلمَّا أُخبروا بها كأنهم تَقَالُّوها, فقالوا: أين نحن من النبي r وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال r: «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»([44]).
وبذلك يُعلم أن الرَّسول r بلغ الغاية القصوى في تقوى الله والحرص على التقرب إليه بأنواع التعبدات والطاعات.
وبهذا يتقرر أصل مهم في هذا الباب، وهو: أن المقتضي لفعل عمل ما في باب العبادات متى ثبت في حق الأمة فثبوته في حق النبي r أَوْلَى وأَتَم، لأنه r كان أتقى هذه الأمة لله على الإطلاق.
ومثل هذا يُقَال- أيضًا- في حق السلف الصالح، فإن المعنى المقتضي للإحداث- وهو الرغبة في الخير والاستكثار من الطاعة- كان أَتَمُّ في السلف الصالح؛ لأنهم كانوا أحقُّ بالسبق إلى الفضل وأرغب في الخير ممن أتى بعدهم.
وهذا بخلاف غير العبادات من الأعمال، فإن المقتضي لفعلها قد يوجد في حق النبي r وفي حق السلف، وقد لا يوجد([45]).
الشرط الثاني: أن يقع هذا التَّرْك منه r مع تمكنه r من الفعل، ويحصل ذلك بانتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه r قد يَتْرُك فعلا من الأفعال- مع وجود المقتضي له- بسبب وجود مانع يمنع من فعله.
ومن الأمثلة على ذلك: تركه r جمع القرآن([46])فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله r أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر القرآن بموته أَمِنَ الناس من زيادة القرآن ونقصه فكان جمعه داخلا تحت معنى سنته r.
وهكذا تَرْكِه r قيام رمضان مع أصحابه- رضي الله عنه- في جماعة بعد ليالٍ وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم([47])فلما كان في عهد عمر- رضي الله عنه- جمعهم على قارئ واحد([48])ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله r بل هو راجع إلى العمل بالسُّنَّة.
تنبيه:
احتج بعضهم بذلك في تحسين بعض البدع- كالاحتفال بمولده r وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذكر والقيام- حيث قال: إن الرسول r ربما لم يفعل بعض العبادات وآثر تَرْكها مع قيام المقتضي لفعلها؛ رحمة منه r بأمته وشفقة عليهم؛ كما تَرَكَ r الاجتماع في صلاة التراويح خشية أن يُكْتب على أمته، فهذا هو المانع الذي لأجله تَرَكَ r فعل بعض العبادات، ومعلوم أنَّ تَرْكَه r مع وجود المانع- كما تقرر- لا يكون حجة.
والجواب: أن هذا يفتح باب الإحداث في الدين على الإطلاق، فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنه أن يقول: هذه زيادة مشروعة، وهي عمل صالح والرسول r إنما تَرَكَها رحمةً بأمته.
بل الصواب أن ينظر فيما تَرَكَه r من العبادات: هل تَرَكَه كذلك صحابته من بعده- رضي الله عنهم- والتابعون لهم؟
فإن كانت هذه العبادة قد تركها النبي r, ثم لما توفي فعلها الصحابة- رضي الله عنهم- من بعده عُلم أنَّ تَرْكَ النبي r كان لأجل مانع من الموانع؛ كَتَرْكِه r صلاة التراويح جماعة.
أمَّا إذا تواطأ النبي r وصحابته- رضي الله عنهم- من بعده على تَرْكِ عبادةٍ فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.

المطلب الثالث
الأدلة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّركية
تتنوع الأدلة الدالة على حُجَّيَّة سُنَّة التُّرْكِ إلى أنواع ثلاثة.
أولاً: الأدلة الدَّالة على حُجَّيَّة أفعاله r:
من المقرر أن أفعاله r قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة النبوية، وهذه الأفعال تشمل ما قصد r إلى فعله وما قصد إلى تَرْكِه.
والأدلة كثيرة على وجوب الاقتداء به r ومتابعته في أفعاله وتروكه([49])فمن ذلك:
أ- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: 21].
قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله r في أقواله وأفعاله وأحواله"([50]).
ب- وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158].
قال ابن تيمية: "وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل؛ فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك([51]).
ثانيًا: ما ورد عن الصحابة- رضي الله عنهم- وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرْكِ والعمل بها في غير موضع فمن ذلك:
قال حذيفة- رضي الله عنه: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله r فلا تتعبدوا بها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء، خذوا طريق من كان قبلكم»([52]).
وقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها»([53]).
وقال الإمام الشافعي: «كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس له فيه إمام متقدم من النبي r وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا»([54]).
وقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: "خبِّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله r؟ قال: "لا" قال: "ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي r والخلفاء الراشدون- رضي الله عنهم- شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك"([55]).
وبوَّب الإمام ابن خزيمة في صحيحه فقال: "باب ترك الصلاة في المصلي قبل العيدين وبعدها اقتداء بالنبي واستنانًا به"([56]).
وقال السمعاني: "إذا ترك الرسول شيئًا وجب علينا متابعته فيه"([57]).
وقال الطرطوشي في إبطاله لبعض البدع: "ولو كان هذا لشاع وانتشر وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء"([58]).
وقال ابن تيمية في إنكاره لبعض البدع: "ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي r أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم.
فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله([59]).
وسئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: "الحمد لله هذه بدعة لا يَشُكُ فيها أحد، ولا يرتاب في ذلك ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي r ولا في زمن أصحابه ولا عن أحد من علماء السلف"([60]).
وقال ابن القيم: "فإن تَرْكَه r سُنَّة كما أن فعله سُنَّة، فإذا استحببنا فعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرك ما فعله، ولا فرق"([61]).
وقال الشاطبي: "لأن تَرْك العمل به من النبي r في جميع عمره، وتَرْك السَّلف الصالح له على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في التَّرك، وإجماع مِنْ كل مَنْ ترك؛ لأن عمل الإجماع كنصه([62]).
وقال الزركشي: "لأن المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التُّروك([63]).
وقال ابن النجار: "وإذا نقل عن النبي r أنه تَرَك كذا كان- أيضًا- من السُّنَّة الفعلية"([64]).
وقال الشوكاني: "تَرْكه r للشيء كفعله له في التأسي به فيه"([65]).
ثالثًا: أن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك وإهدار العمل بها والغفلة عنها يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية ومحاذير دينية فمن ذلك:
المفسدة الأولى: القول بعدم قيام الرسول r بواجب التبليغ وأن الرسول r لم يُعْلِّم أمته بعض الدين.
مثال ذلك: أن اعتقاد الأذان للتراويح عبادة مشروعة والعمل بها يلزم منه القول بأن الرسول r لم يُبَيِّنْ ذلك لأحد من أمته.
المفسدة الثانية: القول بضياع بعض الدين، وأن الرسول r فعل هذه العبادة وبلغها للأمة، لكن الصحابة رضي الله عنه كتموا نقل ذلك.
المفسدة الثالثة: فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط.
فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنة أن يقول: هذه زيادة مشروعة وهي عمل صالح.
قال ابن القيم: "فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسُنَّته وما كان عليه.
ولو صَحَّ هذا السؤال وقُبِلَ لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟
واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟
... واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقاك: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنَقَل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنَّ هذا لم يُنْقَل؟"
ومن هنا يظهر لكل ذي بصيرة أن العمل بالسُّنَّة التَّركية أمر متعين شرعًا، وهو ضرورة دينية لا بد من المصير إليها.
وذلك أن الاحتجاج بسُنَّة التَّرك مَبْنِي على مقدمات ثابتة راسخة([66]).
المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين فقد أتَمَّ الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا ورضيه فلا يسخطه أبدًا([67]).
ومن الأدلة على هذه المقدمة: قوله- تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
وقوله r: «وأَيْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء»([68]).
المقدمة الثانية: بيانه r لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يُتْرَك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته.
ومن الأدلة على ذلك: قوله -تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67] وقد امتثل r لهذا الأمر، وقام به أَتَمّ القيام.
وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حُجْة الوداع فقال r «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم فاشهد»([69]).
المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهَيَّأ الله له من الأسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله- تعالى.
ومن الأدلة على ذلك قوله- تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
والواقع المشاهد يصدِّق ذلك؛ فإن الله قد حفظ كتابه وسُنَّة نبيه r ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.


([1])اقتضاء الصراط المستقيم (2/614، 615).

([2])انظر إعلام الموقعين (2/389-391).

([3])أخرجه أبو داود في سننه (1/298) برقم(1147) وصححه النووي انظر: لمجموع (5/13) وأصل الحديث في الصحيحين.

([4])أخرجه الترمذي (2/412) وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي r وغيرهم أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل.

([5])أخرجه أحمد في مسنده (4/348).

([6])أخرجه البخاري ص(192) برقم(959).

([7])انظر: إعلام الموقعين (2/389-391) والبحر المحيط (4/190، 191).

([8])أخرجه البخاري ص(1134) برقم(2391) ومسلم ص(1041) برقم(1946) وقد تقدم.

([9])شرح الكوكب المنير (2/165).

([10])انظر شرح مختصر الروضة وقواعد الأصول ص (39) وشرح الكوكب المنير (2/166).

([11])أخرجه لبخاري ص (1134) برقم (5391) ومسلم ص(1041) برقم (1946) وقد تقدم.

([12])انظر صحيح البخاري ص(99) برقم(453).

([13])انظر شرح الكوكب المنير (2/194-196).

([14])صحيح البخاري (13/323).

([15])انظر تفسير ابن كثير (2/81).

([16])انظر المسودة ص(298) وقواعد الأصول ص(39) وشرح الكوكب المنير (2/194).

([17])انظر الاعتصام (2/129-135) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص(83-92).

([18])انظر مجمل اللغة (1/539) والمصباح المنير ص(345).

([19])انظر روضة الناظر (1/413) ومذكرة الشنقيطي ص(168، 169) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص(15).

([20])انظر: المستصفى ص(251) وروضة الناظر (1/412-414) وقواعد الأحكام (2/60) والموافقات (2/17) وشرح الكوكب المنير (4/159-166) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص(6).

([21])انظر المصالح المرسلة للشنقيطي ص(11، 12) ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص(175، 176).

([22])انظر مجموع الفتاوى (11/343) وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/330، 331) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص(21).

([23])أخرجه البخاري ص(554) برقم(2697) ومسلم ص(914) برقم(1718) واللفظ له.

([24])انظر: المستصفى ص(251).

([25])قواطع الأدلة (2/190).

([26])انظر: مجموع الفتاوى (1/280) (10/409).

([27])شرح الكوكب المنير (2/196).

([28])أخرجه البخاري ص(1480) برقم(7290) وقد تقدم.

([29])الموافقات (3/332-333) وأثر عمر- رضي الله عنه- أخرجه البخاري في صحيحه ص(217) برقم(1077).

([30])أخرجه البخاري ص(704) برقم(3368) وقد تقدم.

([31])انظر السيرة الحلبية (1/295).

([32])مفتاح الوصول ص(580).

([33])أخرجه البخاري ص(1134) برقم(5391) ومسلم ص(1041) برقم(1946) وقد تقدم.

([34])أخرجه البخاري ص(1492) برقم(7359) ومسلم ص(269) برقم(564) وقد تقدم.

([35])أخرجه البخاري ص(704) برقم(3368) وقد تقدم.

([36])انظر: الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة ص(9) والباعث ص(47).

([37])وهي اثنتا عشرة ركعة، تصلي بين العشائين ليلة أول جمعة في شهر رجب بكيفية مخصوصة يفصل بين كل ركعتين بتسليمه، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وسورة القدر ثلاث مرات، وسورة الإخلاص اثنتي عشرة مرة.
وكذا صلاة ليلة النصف من شعبان، فإنها تسمى بصلاة الرغائب، وهي مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة. انظر تنزيه الشريعة المرفوعة (2/89-94) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص(58).

([38])الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة ص(9) وانظر: الباعث ص(47).

([39])انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/614).

([40])اقتضاء الصراط المستقيم (2/614، 615).

([41])انظر المصدر السابق (2/615).

([42])انظر مجموع الفتاوى (26/172) واقتضاء الصراط المستقيم (2/591-597).

([43])انظر صحيح البخاري ص(1406) برقم(6924، 6925).

([44])أخرجه البخاري ص(1070) برقم(5063) وقد تقدم.

([45])انظر: الاعتصام (1/368).

([46])انظر صحيح البخاري ص(1056) برقم(4986).

([47])أخرج ذلك البخاري في صحيحه ص(1480) برقم(7290) وقد تقدم.

([48])انظر صحيح البخاري ص(400) برقم(2010).

([49])انظر شرح الكوكب المنير (2/190).

([50])تفسر ابن كثير (3/483).

([51])مجموع الفتاوى (1/280).

([52])انظر الأمر بالاتباع ص(62) وأخرج البخاري نحوه (13/250) برقم(7282).

([53])اقتضاء الصراط المستقيم (2/718).

([54])صون المنطق والكلام ص(150).

([55])انظر الشريعة ص(63).

([56])(2/345).

([57])قواطع الأدلة (2/190).

([58])الحوادث والبدع ص(74).

([59])اقتضاء الصراط المستقيم (2/798).

([60])فتاوى السبكي (2/549).

([61])إعلام الموقعين (2/390).

([62])الاعتصام (1/365).

([63])البحر المحيط (4/191).

([64])شرح الكوكب المنير (2/165).

([65])إرشاد الفحول ص(42).

([66])انظر في هذه المقدمات: إعلام الموقعين (4/375-377) ومعارج القبول (2/346-357).

([67])انظر: تفسير ابن كثير (1/14).

([68])أخرجه ابن ماجه في سننه (1/4) برقم(5) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (2/308) ص(688).

([69])انظر: تفسير ابن كثير (2/80) وانظر خطبة الوداع في صحيح البخاري ص(348) برقم(1741).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

الفصل الثالث
أثر الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية
وفي هذا الفصل أربعة فروع:
الفرع الأول: أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم.
الفرع الثاني: أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة.
الفرع الثالث: أثر سُنَّة التَّرك في إبطال البدع والرد على المبتدعة.
الفرع الرابع: أثر سُنَّة التَّرك في المسائل المعاصرة.

الفرع الأول
أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم
الأصل في ذلك: أن سُنَّة التَّرك دليل خاص يقدم على كل عموم.
وإليك توضيح ذلك بالأمثلة:
المثال الأول: تَرْكه r للأذان في العيدين([1])؛ فإن الرسول r تَرَكَه مع وجود المقتضي لفعله في عهده وهو إقامة ذكر الله ودعاء الناس إلى الصلاة.
فهذا التَّرْك دليل خاص يقدم على العمومات الدَّالة على فضل ذكر الله، كقوله _تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41] والأذان من الذِّكر الذي يدخل تحت هذا العموم.
قال ابن تيمية تعليقًا على هذا المثال: "فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرًا.
فإنَّ كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله r ومع هذا لم يفعله رسول الله r.
فهذا التَّرْك سُنَة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس([2]).
المثال الثاني: إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي r: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سُقِي بالنضح نصف العشر»([3])لأن عدم نقل أن النبي r أخذ الزكاة منها يُنَزَّل كالسُنَّة القائمة في أن لا زكاة فيها.
المثال الثالث: تَرْكه r استلام الرُّكنين الشاميين، وغيرهما من جوانب البيت.
وقد ورد في ذلك أن ابن عباس ومعاوية- رضي الله عنهما- طافا بالبيت فاستلم معاوية- رضي الله عنه- الأركان الأربعة, فقال ابن عباس- رضي الله عنهما- إنَّ رسول الله r لم يستلم إلا الركنين اليمانيين, فقال معاوية- رضي الله عنه: ليس من البيت شيء متروك, فقال ابن عباس- رضي الله عنهما: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] فرجع إليه معاوية- رضي الله عنه([4]).

الفرع الثاني
أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة
عَدَّ الإمام الشاطبي سُنَّة التَّرْك من الطرق التي تُعْرَف بها مقاصد الشريعة, فقال- رحمه الله تعالى: "والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع التسبب أو عن شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضي له"([5]).
وقد بين الشاطبي في هذا المقام أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين:([6]).
الضرب الأول: أن يسكت الشارع عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يُقَدَّر لأجله.
ومن الأمثلة على ذلك: تلك النوازل التي حدثت بعد رسول الله r فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك, فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها وما أحدثه السلف الصالح؛ كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر ذكره، في زمن رسول الله r ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها.
فهذا الضرب يندرج تحت مقاصد الشريعة، وهذا ما يُعْرف باسم المصالح المرسلة.
الضرب الثاني: أن يسكت الشارع عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان.
فهذا الضرب يعتبر فيه سكوت الشارع كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.
وقد مَثَّل الشاطبي لهذا الضرب بقوله: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنها بدعة منكرة؛ من حيث وجد في زمانه- عليه الصلاة والسلام- المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دَلَّ على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.
وهو أصل صحيح إذا اعْتُبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها، ودَلَّ على أن وجود المعنى المقتضي مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودًا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل"([7]).

الفرع الثالث
أثر سُنَّة التَّرْك في إبطال البدع
والرَّد على المُبتدعة
وهذا يشمل البدع العملية والعلمية.
فمن البدع العملية([8]):
التلفظ بالنِّيَّة عند الدخول في الصلاة.
والأذان لغير الصلوات الخمس.
والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة.
قال ابن تيمية: "فأمَّا ما تَرَكَه أي النبي r من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعاً لفعله أو أَذِنَ فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة؛ فيجب القطع بأن فعله بدعة، وضلالة ويمتنع القياس في مثله([9]).
ومن البدع العلمية: كل ما لم يرد في الكتاب والسنة ولم يؤثر عن الصحابة- رضي الله عنهم- والتابعين من الاعتقادات([10]).
ومن الأمثلة على ذلك:
1- علم الكلام([11]):
قال الإمام مالك: "لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل"([12]).
وقال ابن أبي العز: "وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويُعرضون عن الأمر المشروع"([13]).
أ- فمن المسائل المبتدعة: القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر([14]).
ب- ومن الدلائل المبتدعة: الاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع([15]).
قال الخَطَّابي: "واعلم أن الأئمة الماضين وأولي العلم من المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر عجزًا عنه، ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة، وقد كانت هذه الفتن قد وقعت في زمانهم وظهرت, وإنما تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لمَّا تخوفوه من فتنتها وعلموه من سوء عاقبتها وسيء مغبتها.
وقد كانوا على بينة من أمورهم، وعلى بصيرة من دينهم؛ لما هداهم الله بنوره وشرح صدورهم بضياء معرفته فرأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنَّة وبيانها غناء ومندوحة مما سواها، وأن الحجة قد وقعت وتمت بهما وأن العلة والشبهة قد أزيحت بمكانهما.
فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت عنايتهم بها واعترضهم الملحدون بشبههم والطاعنون في الدين بجدلهم حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام ودلائل العقل؛ لم يقووا عليهم ولم يظهروا في الحجاج عليهم.
فكان ذلك ضِلَّة من الرأي وخدعة من الشيطان.
فلو سلكوا سبيل القصد ووقفا عندما انتهى بهم التوقيف لوجدوا بردِّ اليقين ورَوْح القلوب, ولكثرت البركة وتضاعف النماء وانشرحت الصدور وأضاءت فيها مصابيح النور"([16]).
ومن الأمور المبتدعة: التعرض للألفاظ المجملة بالإثبات أو النفي بإطلاق؛ كلفظ الجهة والجسم والعرض.
قال ابن تيمية: "فلم ينطق أحد منهم- أي السلف- في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلاً, بل هذا هو من الكلام المُبْتَدع الذي أنكره السَّلف والأئمة"([17]).
أما طريق السلف: في التعامل مع الألفاظ المجملة فقد بينها ابن أبي العز بقوله: "والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي: فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني.
وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحًا قُبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد.
والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يُخاطَب بها ونحو ذلك"([18]).
وبهذا يعلم أن من" السُّنَّة اللازمة: السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله ورسوله أو يتفق عليه المسلمون على إطلاقه، وترْك التعرض لها بنفي أو إثبات، فكما لا يثبت إلا بنص شرعي فكذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي"([19]).
وتظهر لقاعدة السُّنَّة التَّركية أهمية بالغة في إبطال البدع والرد على أهلها؛ حيث اعتمد أئمة السلف- كثيرًا- على هذه القاعدة في مُنَاظراتهم للمبتدعة والرد عليهم.
فمن ذلك: أن الإمام الشافعي قال لبشر المريسي: "أخبرني عما تدعو إليه؟ أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنَّة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال" فقال بشر: "لا إنه لا يسعنا خلافه" فقال الشافعي: "أقررت بنفسك على الخطأ..."([20]).
وقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: "خبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله r؟ قال: «لا...», قال: "ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهوله؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت: جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي r والخلفاء الراشدون- رضي الله عنهم- شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك"([21]).

الفرع الرابع
أثر سُنَّة التَّرك في المسائل المعاصرة
وتحت هذا الفرع أمثلة ثلاثة:
المثال الأول: وضْع أعلام لحدود حرم المدينة النبوية:
المتأمل لما دونه المؤرخون للمدينة رُبَّمَا يتوقف حيرة في أن النبي r ثم الخلفاء من بعده تركوا نصب أعلام لحدود حرم المدينة؛ إذ لم يُنْقَل شيء من ذلك عنهم، اللهم إلا ما رواه الطبراني وغيره- وهو خاص بالحِمَى دون الحرم- عن كعب بن مالك- رضي الله عنه: "بعثني رسول الله r أعلم على حدود الحِمَى"([22]).
وهذا بخلاف الحرم المكي؛ فإن النبي r والخلفاء من بعده قد تتابعوا على تجديد أعلامه، ولا تزال أعلامه شامخة شاخصة إلى يومنا هذا([23]).
فهل يسوغ اعتبار تركه r نصب أعلام لحدود الحرم المدني سُنَّة نبوية يقتدي بالرسول r فيه؛ فيجب أن نترك ما تركه؟
الجواب: أن السبب المقتضي لوضع أعلام تميز حدود حرم المدينة ويعرف بها ما يدخل في حد الحرم وما لا يدخل قد كان منتفيًا في عصره r حيث كانت حدود حرم المدينة معلومة العين، بارزة لا تخفى على ذي عين، بل إن دور المدينة كلها واقعة بين اللابتين، وكانت اللابتان تحيط بأطراف المدينة.
قال المحب الطبري: "معنى لابتي المدينة: أي طرفاها"([24]).
ومن هنا يعلم أن اللابتين كانتا في عصره r واضحتي المعالم ظاهرتين للمُعاين، لا يرد في حدهما إشكال ولا يتأتى بشأنهما نزاع؛ بسبب قلة السكان، وضيق مساحة العمران, فانتفى لأجل ذلك المقتضي الموجب نصب أعلام على حدود الحرم.
وقد يكون السبب في ترك وضع أعلام لحدود حرم المدينة في العهود السالفة: أن المدينة النبوية ظلت مدة طويلة خاضعة لحكم الدولة العثمانية التي كانت تعتمد المذهب الحنفي الذي يرى أصحابه أن المدينة ليست كمكة في التحريم([25]).
أما في وقتنا هذا فقد وجد هذا المقتضي وقام السبب الداعي إلى وضع أعلام تُبَيِّن حدود هاتين الحرَّتين وما بينهما ونصب علامات تظهر بها حدود الحرم من كل جهة؛ إذ عفت معالم الحرَّتين في الجملة، وانطمست آثارهما، بسبب امتداد البنيان وارتفاعه، وازدياد العمران واتساعه وأصبح السائر فوق تلك الأرض لا يمكنه التعرف على أصلها أو التنبؤ بأساسها؛ أهو واد مركوم أم جبل مقضوم أو هو سهول بيضاء أم حرة سوداء؟
وبهذا يظهر جليًا أن السبب المقتضي لوضع أعلام تميز حدود حرم المدينة إنما وجد في هذا العصر، ولم يكن هذا لمقتضي موجودًا في عصره r وبذلك يعلم أن نصب أعلام على حدود حرم المدينة أمر مشروع، بل هو داخل تحت عموم سُنَّته التي ثبت بها تحريم ما بين لابتي المدينة وما بين جبليها، حيث أصبحت في هذا العصر معرفة حدود هذا الحرم متوقفة على وضع هذه الأعلام؛ إذ يمكن بها معرفة ما يدخل في حدِّ الحرم وما لا يدخل وبدون وضع هذه الأعلام يصعب تمييز حدود الحرم أو يتعذر.
المثال الثاني: وضع المفارش ذوات الخطوط في المساجد للاستعانة بها في إقامة صفوف المصلين وتسويتها:
من الواضح أن استعمال المفارش ذوات الخطوط ليس مقصودًا لذاته، وإنما قُصد من أجل كون هذه المفارش وسيلة معينة على استقامة الصفوف واعتدالها؛ حيث إن الشارع حث على استقامة صفوف المصلين وأمر بتسويتها.
ومعلوم أن هذا النوع من المفارش إنما سهل تصنيعه في هذا العصر بسبب وجود الآلات الكهربائية المتطورة وهذه الآلات لم تكن موجودة في عصر النبوة مع قيام المقتضي لها، وهو الحرص على استقامة الصفوف، فوضع هذه لمفارش كان أمرًا غير مقدور عليه من قبل.
وهذا بخلاف وضع خيط أو حبل أو رسم خط على أرض المسجد؛ لتستقيم عليه أقدام المصلين؛ فإنه كان من الأمور الميسورة والمقدور عليها في عهد النبوة.
ومن هنا فإن وضع خيط أو حبل أو رسم خط في صفوف لمصلين يمكن أن يحكم عليه بأنه إحداث وابتداع في الدين، وأما وضع مفارش ذوات خطوط مصنوعة لهذا الغرض فهذا لم يكن مقدورًا عليه، فكان عدم القدرة عليه هو المانع الذي منع من فعله في عهد النبوة.
المثال الثالث: استعمال مكبرات الصوت في المساجد الكبيرة؛ للاستعانة بها في نقل تكبيرات الإمام وسائر ألفاظه.
من الواضح أن استعمال أجهزة نقل الصوت وتكبيره ليس مقصودًا لذاته، وإنما قصد من أجل كونها وسيلة يحصل بها نقل صوت الإمام؛ حيث إن المأمومين يلزمهم الاقتداء بالإمام ومتابعته في كافة أفعال الصلاة.
ومعلوم أن هذه الأجهزة إنما وُجدت في هذا العصر بسبب وجود الآلات الكهربائية المتطورة، وهذه الآلات لم تكن موجودة أصلا في عصر النبوة مع قيام المقتضي لها، وهو ضرورة لسماع صوت الإمام بالنسبة للمأمومين، فاستعمال أجهزة الصوت لم يكن أمرًا مقدورًا عليه من قبل.
ومن هنا أمكن القول أن استعمال أجهزة الصوت محقق لمصلحة شرعية ظاهرة، بل إن استعمالها يندرج تحت قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لكونها وسيلة لا بد منها في متابعة المأموم للإمام.
وقد كان من المعمول به قديمًا: مسألة التبليغ خلف الإمام، وأمَّا بعد أن وُجدت هذه المكبرات فلا حاجة إلى التبليغ.

الخاتمة
يطيب لي في نهاية المطاف أن أذكر خلاصة لهذا البحث، وذلك في تسع نقاط:
أولا: الترك في اللغة يطلق على عدم فعل المقدور عليه، وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يسمى تركًا.
والترك عند الأصوليين معدود من الأفعال المكلف بها؛ خلافًا لمن زعم أن التَّرك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.
ثانيًا: تَرْكُه r ينقسم إلى أربعة أقسام:
1- الترك الجِبِلِّي أو العادي؛ كتركه r أكل الضَّبِّ.
2- الترك الخاص به r كتركه r أكل الثُّوم.
3- الترك المصلحي، وهو أنواع؛ كتركه r صلاة القيام جماعة بأصحابه؛ رحمة بأمه، وتركه r هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم r تأليفًا لقلوب أهل مكة، وتركه r قتل المنافقين؛ سَدًا لذريعة التنفير من الدخول في الإسلام, وتركه r الصلاة على صاحب الدَّيْنِ وعلى الغال، من باب العقوبة لهما والترهيب من صنيعهما.
4- الترك البياني، أو الترك التشريعي، وهو ما تركه r بيانًا للشرع؛ كتركه r الأذان للعيدين، وتركه الاحتفال بمولده r.
وهذا القسم من تركه r هو المراد من السُّنَّة التَّركية.
ثالثًا: يمكن تعريف سُنَّة التَّرك بأنها: تَرْكه r فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته.
وقد تضمن هذا التعريف قيودًا أربعة: أن يكون هذا الأمر المتروك مقدورًا عليه من جهة النبي r وأن يكون فعلا لا قولا، وأن يكون من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها، وأن يقع هذا التَّرك من النبي r على وجه التشريع والبيان؛ وبهذا القيد خرج ما تركه r من أجل قيام مانع من الموانع.
رابعًا: تتطرق السُّنَّة التَّركية إلى المجالات التالية: باب الاعتقادات وباب العبادات، وهذا يشمل وسائل العبادة ووسائل العلم وتبليغ الدِّين، وباب الأعياد، وباب النكاح وما يتعلق به، وباب الجنايات والحدود.
خامسًا: تنقسم السُّنَّة التَّركية بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين:
الأول: أن يَرِدَ نَصٌّ صريح من الصحابي، بأن الرسول r ترك كذا وكذا ولم يفعله.
والثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته r على ترك هذا الفعل.
وذلك بأن تتوافر هِمَم الصحابة_ رضي الله عنهم- ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول r فعله؛ فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن.
سادسًا: سُنَّة التَّرك قِسم من أقسام السنة المطهرة، وهي حجة شرعية معتبرة؛ إذ ترك الرسول r للشيء دليل على تحريمه؛ فيجب حينئذ ترك ما تركه رسول الله r. وهذا ليس على إطلاقه؛ فإن مجرد تركه r للشيء لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك، وإنما يستفاد التحريم من تَرْكه r متى انضم إلى هذا التَّرك القرائن المفيدة للتحريم.
ثم إن ترك النبي r قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به، فمن هذه القرائن: أن يترك r الفعل لمانع يرجع إلى الجِبِلَّة أو العادة؛ كتركه r أكل الضَّبِّ لكونه لم يكن بأرض قومه، وأن يترك r الفعل لأمر يختص به r كتركه r أكل الثوم.
كما قد تقترن بترك النبي قرائن تجعل من هذا الترك حجة قاطعة وأقرب هذه القرائن أن يقترن بتركه r ترك السلف الصالح من الصحابة- رضي الله عنهم- والتابعين وتابعيهم فإذا تواطأ النبي r وسلف الأمة من بعده على ترك عبادة فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.
سابعًا: يشترك في ترك النبي r حتى يكون حُجَّة شرطان: أولهما: أن يترك r فعل أمر من الأمور مع وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده r وثانيهما: أن يترك r فعل هذا الأمر مع انتفاء الموانع.
ثامنًا: تتنوع الأدلة الدالة على حُجِّية سُنَّة التَّرك إلى أنواع ثلاثة:
الأدلة الدالة على حُجَّية أفعاله r.
ما ورد عن الصحابة- رضي الله عنهم- وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرك والعمل بها في غير موضع.
أن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية، فمن ذلك، القول بعدم قيام الرسول بواجب التبليغ، أو القول بضياع بعض الدين، إضافة إلى فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط.
تاسعًا: من الآثار التطبيقية للاحتجاج بالسُّنَّة التَّركية:
1- أنَّ سُنَّة التَّرك دليل خاص يُقدم على كل عموم.
2- أن سُنَّة التَّرك من الطرق التي تعرف بها مقاصد الشريعة.
3- تعد سُنَّة التَّرك قاعدة بليغة الأثر في إبطال البدع والرَّد على المبتدعة.
4- لسُنَّة التَّرك أثر واضح في استنباط أحكام كثير من المسائل المعاصرة.


([1])أخرجه أبو داود (1/298) برقم(1147) وصححه النووي، وقد تقدم.

([2])اقتضاء الصراط المستقيم (2/597).

([3])أخرجه البخاري ص(301) برقم(1483).

([4])انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/798-799).

([5])الموافقات (2/409).

([6])انظر: الموافقات (2/409-410).

([7])الموافقات (2/414).

([8])انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/591-597) ومجموع الفتاوى (6/172) والاعتصام (1/361) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص(34/45).

([9])مجموع الفتاوى (26/172).

([10])انظر أحكام الجنائز ص(242).

([11])المراد بالكلام الذي ذمَّه أئمة السلف ونهوا عن الخوض فيه: الكلام في الدين على غير طريقة المرسلين.
ومن هنا أمكن تعريف علم الكلام بأنه إثبات أمور العقائد بالأدلة العقلية والطرق الجدلية مع الإعراض عما في القرآن والسنة من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين.
انظر: مجموع الفتاوى (11/335، 336) (12/460، 461) (19/163).

([12])صون المنطق والكلام ص(57) والأمر بالاتباع ص(70).

([13])شرح العقيدة الطحاوية ص(593).

([14])انظر شرح العقيدة الطحاوية ص(74، 75).

([15])انظر: درء التعارض ص(308-310) ومجموع الفتاوى (5/542-544).

([16])انظر: درء التعارض (7/282-283، 286-287) وصون المنطق والكلام ص(93، 94).

([17])مجموع الفتاوى (3/81).

([18])شرح العقيدة الطحاوية ص(239) وانظر منه ص(109، 110).

([19])عقيدة الحافظ عبد الغني ص(113).

([20])انظر صون المنطق والكلام ص(30).

([21])انظر الشريعة ص(63).

([22])أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (19/98) برقم(194).

([23])انظر أخبار مكة للفاكهي (2/273-276) وأخبار مكة للأزرقي (2/128-130) وللاستزادة راجع كتاب: الحرم المكي والأعلام المحيطة به للدكتور عبد الملك بن دهيش.

([24])القرى لقاصد أم القرى ص(673).

([25])انظر المبسوط (4/105).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 03:23 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب