منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الاستغفار .. (فضله.أقسامه.أحكامه.آثاره)

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شيطان العين، آثاره، علاجه، وضعف الحديث الوارد فيه Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 5 2013-09-15 07:05 PM
صور ( حسن الخاتمه ) نسأل الله من فضله المشتاق إلى الجنة منتدى الدين الاسلامي الحنيف 9 2012-09-29 03:32 PM
الصلح بين الزوجين وبيان آثاره الايجابية والنفسية راجية الجنة منتدى الأسرة العام 7 2012-05-01 05:14 PM
الاستغفار سمو الامير منتدى الترحيب والتهاني والتعازي 1 2011-01-09 06:44 PM
سجود التلاوة أحكامه وكيفيته انيا منتدى الدين الاسلامي الحنيف 1 2009-12-26 02:33 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الاستغفار .. (فضله.أقسامه.أحكامه.آثاره)

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإنَّ الاستغفار هو بداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها، ولهذا كان قوام الدين بالتوحيد والاستغفار، كما قال الله تعالى: }الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ{ [هود: 1-3].
وقال تعالى: }وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً{ [الكهف: 55].
فانظر كيف قرن الله تعالى بين الإيمان والاستغفار في هذه الآية التي خاطب بها كفار مكة، والذين ما منعهم من الإيمان ونبذ الشرك ومن الاستغفار مما سلف من ذنوبهم، إلا تقدير الله إتيانهم ما جرت به سُنته في الأمم المكذبة السابقة من الهلاك الدنيوي أو العذاب الأخروي، أو إرادته سبحانه وتعالى ذلك بناء على علمه السابق من سوء حالهم وخُبث نفوسهم.
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرجل مسلمًا علَّمه أن يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني» ([1]).
والعبد دائمًا بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنب منه يحتاج فيه إلى استغفار، وكلاهما من الأمور اللازمة للعبد دائمًا، فلو نظرت في جنس الإنسان لرأيت أنه لا يزال يتقلَّب في نِعم الله تعالى التي لا تُحصى، ولا يزال محتاجًا على التوبة والاستغفار لكونه خطَّاءً، وخير الخطائين التوابون.
فعـن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم»([2]). وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: «... يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم...»([3]) فهذا دليل على أنَّ الأصل في جنس الإنسان الجنوح إلى الخطيئة والذنب، وأنه مأمور بالتوبة والاستغفار لمحو الذنب والخطيئة.
قال ابن رجب: "... هذا يقتضي أنَّ جميع الخلق مُفتقِرون إلى الله تعالى في جلب صالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأنَّ العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كلِّه، وأنَّ من لم يتفضَّل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضَّل عليه بمغفرة ذنوبه أوبقتهُ خطاياه في الآخرة " ([4]).
ومن فضله سبحانه وعظيم كرمه وكبير منته أن سهًّل على عباده الخروج من الذنب، فليس في شريعتنا ذنب على عباده الخروج من الذنب، فليس في شريعتنــا ذنب إذا فعله الإنسان لا يمكن الخروج منه إلا بمشقة عظيمة أو حرج شديد، بل إنَّ الأمر يسير لمن يسَّره الله عليه، فالله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسـيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه يفرح بتوبة عبده وأوبته }وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ{ [آل عمران: 135].
فلله الحمد أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
ولقد يسَّر الله تعالى أمر الاستغفار للعباد، فبمقدور كلِّ عبدٍ الإتيان به في جميع أحواله وأوقاته: في ليله ونهاره، وفي خلوته وجلوته، وفي صحته ومرضه، وفي ظعنه وإقامته، وفي قيامه وقعوده، وهو طاهر ومحدث، لا عذر للمرء في التكاسل عنه بوجهٍ من الوجوه.
والمتأمِّل في باب الاستغفار يجده مُتشعِّبًا وواسعًا، لا يقتصر الإتيان به على التخلُّص من تبعة الذنب فقط، بل إنه يدخل في كثيرٍ من العبادات والأعمال والتروك، وله أحكام كثيرة يغفل عنها الكثير، وهذا ما سأوضح بعضه في هذه الرسالة المختصرة بتوفيق الله تعالى.
والله أسأل أن ينفع بها، وأن يدَّخرها لي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

فصل
تعريف الاستغفار
الاستغفار: هو طلب المغفرة من الله تعالى والتجاوز عن الذنب وعدم المؤاخذة به، إما بترك التوبيخ والعقاب رأسًا، أو بعد التقرير([5]) به فيما بين العبد وربِّه.
وطلب المغفرة: قد يكون بالقول أو الفعل، فإن المغفرة هي: وقاية شر الذنب، ومن أهل العلم من يقول: إنَّ الاستغفار من «الغفر»، والغفر هو «الستر»، ويقول: إنما سُمِّي المغفرة والغفار، لِما فيه من معنى الستر، يقول تعالى: }وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ " [التغابن: 14].
ومعنى «وتغفروا» أى: تستروا عيوبهم، وتمهدوا لهم في الاعتذار.
ويأتي الاستغفار في القرآن على معانٍ عديدة:
فيأتي بمعنى «الإسـلام» عند فريق من أهل العلم بالتفسير، كمجاهد وعكرمة، واستدلُّوا لذلك بقول الله سبحانه وتعالى }وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [الأنفال: 33]. أي: يسلمون.
ويأتي الاستغفار بمعنى «الدعاء» عند فريق آخر، فكلُّ دعاء فيه سؤال الغفران فهو استغفار، إلا أن بين الاستغفار والدعاء عمومًا وخصوصًا من وجه، فيجتمعان في طلب المغفرة، وينفرد الاستغفار إن كان بالفعل لا بالقول، كما ينفرد الدعاء إن كان بطلب غير المغفرة.
ويأتي الاستغفار بمعنى «التوبة»، وهنا قد يلتبس الأمر على كثيرٍ من الناس فيظنون أنَّ الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار، وبتتبُّع النصوص يظهر أنَّ بين التوبة والاستغفار عمومًا وخصوصًا من وجه، فإذا تفرَّقا اجتمعا، وإذا اجتمعا تفرَّقا، فعند الإطلاق يدخل كلٌّ منهما في مسمَّى الآخر، وعند اقترانهما يكون الاستغفار طلب وقاية شرِّ ما مضى، والتوبــة: الرجوع وطلب وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله.
قال ابن القيم: "وأما الاستغفار فهو نوعان: مفرد، ومقرون بالتوبة، فالمفرد: كقول نوح عليه السلام، لقومه: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ [نوح: 10، 11].
وقــول صالـح لقومــه: } لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{ [النمل: 46 ].
وكقولـه تعالــى: }وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ [البقرة: 199].
وقوله: }وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [الأنفال: 33].
والمقرون كقوله تعالى: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ{ [هود: 3].
وقول هود لقومه: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ [هود: 52].
وقول صالح لقومه: }هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ{ [هود: 61].
وقــول شعيــب: }وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ{ [هود: 90].
فالاستغفـار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها مع تضمُّنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شرّه، لا كما ظنَّـه بعض الناس أنها الستر، فإنَّ الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسمَّاها أو جزؤه، فدلالتها عليه إما بالتضمُّن وإما باللزوم، وحقيقتها وقاية شرِّ الذنب، ومنه المغفرة لما يقي الرأس من الأذى، والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرًا ولا القبعة ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ المغفرة من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قولــه: }وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [الأنفال: 33].
فإنَّ الله لا يعذِّب مستغفِرًا، وأمَّا من أصرَّ على الذنب، وطلب مـن الله مغفرته، فهذا ليس باستغفارٍ مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمَّن التوبـة، والتوبة تتضمَّن الاستغفار، وكلٌّ منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق.
وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضــى، والتوبـة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان: ذنب قد مضى فالاستغفار منه: طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة: العزم على ألاَّ يفعله.
والرجوع إلى الله يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شرَّ ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شرَّ ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله.
وأيضًا فإنَّ الذنب بمنزلة من ركب طريقًا تؤدِّيه إلى هلاكه، ولا توصله إلى المقصود، فهو مأمورٌ أن يولِّيها ظهره، ويرجع إلى السلام التي فيها نجاته، والتي توصله إلى مقصوده وفيها فلاحه، فهنا أمران لا بدَّ منهما: مفارقة شيء والرجوع إلى غيره، فخُصَّت التوبة بالرجوع، والاستغفار بالمفارقة، عند إفراد أحدهما بتناول الأمرين، ولهذا جاء - والله أعلم - الأمر يهما مرتبًا بقوله: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ{ [هود: 3]. فإنه الرجوع إلى طريق الحقِّ بعد مفارقة الباطل.
وأيضًا: فالاستغفار من باب إزالة الضرر، والتوبة: طلب جلب المنفعة، فالمغفرة، أن يقيه شر الذنب، والتوبة: أن يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه، وكلٌّ منهما يستلزم الآخر عند إفراده، والله أعلم([6]).

فصل
حكم الاستغفار
الاستغفار: عبادة من العبادات الجليلة والقُرَب العظيمة، سواء استغفر المرء لنفسه أو استغفر لغيره.
والأصل: أنه مندوب إليه، لقول الله سبحانه وتعالى: }وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ [المزمل: 20].
والأمر هنا يُحمل على الندب، لأنه قد يكون من غير معصية، فيستغفر المرء لنفسه ولوالديه ولذريته ولإخوانه الذين سبقوه بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
لكنَّ الاستغفار قد يخرج عند الندب إلى الوجوب، كالاستغفار من المعصية بعد الوقوع فيها، وكالاستغفار لمن اغتابه على الصحيح([7]).
وقد يخرج إلى الكراهة، وذكر بعض أهل العلم لذلك مثالاً، كالاستغفار للميت خلف الجنازة، لأنه توظيف لهذه العبادة في غير مكانها المشروع، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستغفر خلف الجنازة، ولا عن أحدٍ من أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما الاستغفار للميت يكون أثناء الصلاة وبعد الدفن كما سيمرُّ معنا.
وقد يخرج إلى الحرمة، كالاستغفار للكفار، ولو كانوا أولي قربى، للنهي الصريح الوارد في كتاب الله جلَّ وعلا، قال تعالى: }مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ{ [التوبة: 113، 114].
وقال في حقِّ المنافقين: }سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ{ [المنافقون: 6].
فالاستغفار لا ينفعهم شيئًا، وذلك لفداحة ما هم عليه من الاعتقاد الفاسد المبطن، ولإيغالهم في الكفر وانهماكهم في الفسق والقبائح، فاستحقوا هذا الجزاء الخطير، قـال تعالـى: }إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا{ [النساء: 145].

* * *

فصل
حاجة العبد إلى الاستغفار
للاستغفار شأن عظيم ومنزلة كبيرة ومكانة سامية، ويكفي لبيان عظمة الاستغفار مواظبة الأنبياء عليه ودعوة أقوامهم إليه وثناء الله تعالى على المتلبسين به واللاهجين به في الأسحار، والعبد بالنسبة إلى ربه عز وجل فقير إليه فقر ذات وفقر صفات، واحتياجه إلى ربه عز وجل أمر ذاتي لا ينفكُّ عن العبد في كلِّ لحظةٍ وفي كلِّ حركة وسكنة، ولذلك يتفاوت الناس في إدراك هذا الأمر، ولَمَّا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعرف الناس بالله كانوا أكثرهم خشيةً وإنابة له، وأشدُّهم تمسُّكًا بهذا الاستغفار، وهكذا العلماء يأتون في المرتبة الثانية بعد الأنبياء في حيازة الخشية والإنابة، لأنَّ من كان بالله أعرف كان له أخوف، قال تعالى: }إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ{ [فاطر: 28], ولذلك نجد أهل العلم في غالب أحوالهم على هذا المسلك من الاستمساك بالاستغفار، وكذلك وصاياهم به لا تكاد تغيب عن منهجهم في التعليم والتوجيه، فهم يُرغِّبون الناس في المحافظة على الاستغفار، لِما يعلمون ما فيه من السلامة والعصمة ومحق الذنوب وتيسير الأمور للعبد.
قال شيخ الإسـلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا حاجة العبد إلى الاستغفار: "الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، ومن العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإنَّ العابد لله والعارف بالله في كلِّ يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة، يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبوديته، بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية، وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطرٌّ إليه دائمًا في الأقوال والأحوال، في الغوائـب والمشاهد، لِما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرَّات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية.
وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها بشهادة ألاَّ إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلِّهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكلِّ عاملٍ مقامٍ معلوم، فشهادة ألاَّ إله إلا الله بصدقٍ ويقينٍ تُذهب الشرك كله، دقَّه وجلَّه، خطأه وعمده، أوله وآخره، سرَّه وعلانيته، وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه.
والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شُعَب الشرك، فإنَّ الذنوب كلها من شعب الشرك، فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول: « لا إله إلا الله»، وأبلغ الدعاء قول: «أستغفر الله»، فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين".
وقال: ".... التوبة من أعظم الحسنات، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات، وبابه واسع، فمن أحسَّ بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه، أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار؛ ففيهما الشفاء إذا كانا بصدقٍ وإخلاص، وكذلك إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان؛ فعليه بالدعاء لهم والاستغفار، قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لي لسانًا ذربًا على أهلي. فقال له: «أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة»" ([8]).

* * *

فصل
فضل الاستغفار
ورد في فضل الاستغفار نصوص في الكتاب والسنة، كلها تشير إلى أهمية الاستغفار وفضله، وكثرة خيره وبركته، وكبير عوائده وفوائده، على المستغفِر والمستغفَر له، وقد تنوَّعت دلالات نصوص القرآن والسنة في ذلك ما بين أمرٌ به وإرشادٌ إليه، وحكاية ما عليه حال الأنبياء - عليهم السلام - من التمسُّك به، كلُّ ذلك لبيان فضله، ولكونه عبادة محبَّبة إلى الله تعالى.
فممَّا يدلُّ على فضل الاستغفار :
أولاً- ثناء الله تعالى على المستغفرين:
يقول تعالى: }وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ{ [الذاريات: 18].
والأسحار: جمع «سَحَر»، وهو من ثُلث الليل الأخير، وتخصيص السحر بالاستغفار لأنَّ الدعاء فيه أقرب إلى الإجابة، إذ العبادة حينئذ أشـقُّ والنفس أصفى، والربُّ تعالى ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته إلى سماء الدنيا، ويقول: «هل من مستغفر فاغفر له؟» ([9]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرُّب والرقَّة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت، وهذا مناسب لنزوله إلى سماء الدنيا وقوله: «هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من تائب»" ([10]).
ولذلك لَمَّا طلب أبناء يعقوب عليه السلام من أبيهم أن يستغفر لهم، أجَّلهم إلى السَّحر، وقال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» [يوسف: 98]. قاله ابن مسعود والنخعي وعمر بن قيس وابن جريج وغيرهم ([11]).
وهكذا قال إبراهيم لأبيه: }سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا{ [مريم: 47]. قيل: إنه أخَّر الاستغفار له إلى السحر.
ثانيًا- ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم للاستغفار..
ومما يدلُّ على فضله وكثرة خيره وبركته ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم له، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلاَّ الأفضل من العمل، فضلاً عن الملازمة التامة له، فقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم واظب على الاستغفار، حتى كان شعارًا ظاهرًا له، وقد جاءت نصوص كثيرة بهذا، فمن ذلك:
• عـن الأغر المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرَّة» ([12]).
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة» ([13]).
• وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " كنا نعدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة قول: «ربِّ اغفر لي وتبْ عليَّ إنك أنت التواب الرحيم»" ([14]).
ثالثًا: أن الاستغفار هو شعار الأنبياء جميعًا. عليهم الصلاة والسلام:
فما من نبيٍّ إلا استغفر ودعا أمته إلى الاستغفار، قال تعالى على لسان آدم وحواء عليهما السلام وهما يستغفران الله من الخطيئة: }رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ " [الأعراف: 23].
وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: }قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [القصص: 16]، وقال تعالى عن داود عليه السلام: }وَظَـنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ{ [ص: 24]. وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام وهو يعظ قومه: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ [نوح: 10، 11]، وقال تعالى على لسان صالح عليه السلام وهو يعظ ثمودًا: }لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{ " [النمل: 46]. وفي آية أخرى: }هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ{ [هود: 61]
وقال تعالى على لسان هود عليه السلام وهو يعظ قومه: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{، [هود: 52]، وقال تعالى على لسـان شعيب عليه السلام: }وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ{ [هود: 90].
والنصوص في هذا الأمر كثيرة جدًا مما يدل على عظيم مقام الاستغفار.
رابعًا- أنَّ الاستغفار أساس العبودية ورُوحها؛ لأنَّ المستغفِر إنما يُظهر كمال ذُلِّه وافتقاره وخضوعه بين يدي مولاه، لعلمه أنه وحده الخالق المتفرد والمستحق للعبادة، وأنه بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو، ولا يقبل العثرات، ويغفر الزلات ويتجاوز عن الخطيئات إلا هو، فهنا لا يتوكل العبد إلا عليه، ولا يرجو أحدًا سواه، ولا يسأل غيره ولا يستعين إلا به، فهاجسه الذي يُقلقه على الدوام: طلب رضا الله وعفوه، فهو في كلِّ لحظة يستشعر افتقاره إلى ربه وحاجته إليه، ومن يحمل مثل هذا الأمر يكون قد نجا بإذن الله تعالى من الأمن من مكر الله، ومن القنوط من رحمته، لأنَّ غير المستغفر أحد رجلين: إما أنه آمن من مكر الله، }فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ{ [الأعراف: 99]. وإما أنه قانط من رحمة الله }وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ{ [الحجر: 56].
قال ابن القيم: "أساس كلِّ خير أن تعلم أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ فتيقن حينئذ أنَّ الحسنات من نعمه فتشكره عليها وتتضرع إليه ألاَّ يقطعها عنك، وأنَّ السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أنَّ كلِّ خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شرٍّ فأصله خذلانه لعبده، وأجمعـوا أنَّ التوفيق: ألاَّ يكلك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلان هو أن يُخلي بينك وبين نفسك، فإذا كان كل خير، فأصلـه التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد، فمفتاحه الدعـاء، والافتقار وصدق اللجوء والرغبة والرهبة إليه، فمتى أَعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجًّا دونه".
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "إني لا أحمل همَّ الإجابة ولكن همَّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء فإنَّ الإجابة معه".
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده، ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به، هو العليم الحكيم، وما أُتي من أُتي إلاَّ من قِبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلاَّ بقيامه بالشكر، وصدق الافتقار والدعاء... " ([15]).
خامسًا- أن في الاستغفار مصالح لا يدركها العبد.
قال ابن القيــم وهو يتحدَّث عن فوائد التضرُّع إلى الله تعالى، ومشاهدة الذنب: "ومنها أنَّ الله سبحانه إذا أراد بعبده خيرًا أنساه رؤية طاعاته، ورفعها من قلبه ولسانه، فإذا ابتُلِي بالذنب جعله نصب عينيه، ونسي طاعاته، وجعل همَّه كلَّه بذنبه، فلا يزال ذنبه أمامــه، إن قام أو قعد أو غدا أو راح، فيكون هذا عين الرحمة في حقِّه، كما قال بعض السلف: «إنَّ العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار»، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: «يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه كلما ذكرها بكى وندم وتاب واستغفر وتضرَّع وأناب إلى الله وذلَّ لـه وانكسر وعمل لها أعمالاً، فتكون سبب الرحمة في حقِّه، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يمنُّ بها ويراها ويعتدُّ بها على ربه وعلى الخلق ويتكبر بها ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه ويكرمونه، ويجلونه عليها، فلا تزال هذه الأمور به حتى تقوى عليه آثارها فتدخله النار».
فعلامة السعادة: أن تكون حسنات العبد خلف ظهره، وسيئاته نصب عينيه، وعلامة الشقاوة: أن يجعل حسناته نصب عينيه، وسيئاته خلف ظهره، والله المستعان.
ومنها: أن شهود العبد ذنوبه وخطاياه موجب له ألا يرى لنفسه على أحد فضلاً، ولا له على أحد حقَّا، فإنه يشهد عيوب نفسه وذنوبه، فلا يظنُّ أنه خيرٌ من مسلم يؤمن بالله ورسوله، ويُحرِّم ما حرم الله ورسوله، وإذا شهد ذلك من نفسه، لم يرَ لها على الناس حقوقًا من الإكرام يتقاضاهم إيَّاها، ويذمُّهم على ترك القيام بها، فإنها عنده أخسُّ قدرًا وأقلُّ قيمةً من أن يكون له بها على عباد الله حقوق، يجب عليهم مراعاتها، أو له عليهم فضل يستحق أن يكرم ويعظم ويقدَّم لأجلها، فيرى أن من سلَّـــم عليه أو لقيــه بوجه منبسط فقد أحسن إليه، وبذل له ما لا يستحقه، فاستراح هذا في نفسه، وأراح الناس من شكايته وغضبه على الوجود وأهله، فما طاب عيشه وما أنعم باله وما أقرَّ عينه، وأين هذا ممن لا يزال عاتبًا على الخلق شاكيًا ترك قيامهم بحقه، ساخطًا عليهم وهم عليه أسخط؟!
ومنها: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه في شغل بعيب نفسه، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس، هذا من علامة الشقاوة، كما الأول من أمارات السعادة.
ومنها: أنه إذا وقع في الذنب شهد نفسه مثل إخوانه الخطائين، وشهد أنَّ المصيبة واحدة، والجميع مشتركون في الحاجة، بل في الضرورة إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، فكما يحب أن يستغفر لأخيه المسلم، فيصبر هجيراه: ربِّ اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات، وللمؤمنين والمؤمنات.
فإذا شهد العبد أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أصيب به، محتاجون إلى ما هو محتاج إليه، لم يمتنع من مساعدتهم، إلا لفرط جهلٍ بمغفرة الله وفضله، وحقيقٌ بهذا ألاَّ يساعد؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، وقد قال بعض السلف: إنَّ الله لَما عتب على الملائكة بسبب قولهم }أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ{ [البقرة: 30]
وامتحن هاروت وماروت بما امتحنهما به، جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم، وتدعو الله لهم " ([16])

* * *


([1]) أخرجه مسلم من حديث طارق بن أشيم.

([2]) أخرجه مسلم.

([3]) أخرجه مسلم.

([4]) جامع العلوم والحكم (2/37-38).

([5]) التقرير: أن يوقف الله تعالى عبده على الذنب فيقرُّ العبد به أو جوارحه.

([6]) مدارج السالكين (1/307-308).

([7]) انظر مدارج السالكين (1/291).

([8]) مجموع الفتاوى قلت: والحديث رواه أحمد والنسائي والدارمي والبيهقي والطبراني عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بأسانيد لا يخلو كلُّ واحد منها من مقال، وله شواهد في الصحيحين.

([9]) حديث قدسي أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.

([10]) مجموع الفتاوى (5/130-131).

([11]) تفسير ابن كثير (4/515).

([12]) أخرجه أحمد ومسلم.

([13]) أخرجه البخاري.

([14]) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح.

([15]) الفوائد (127-128).

([16]) مفتاح دار السعادة (1/297- 299).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الاستغفار .. (فضله.أقسامه.أحكامه.آثاره)

فصل
ما هو الاستغفار المطلوب؟
مرَّ معنا أنَّ الاستغفار عبادة من أجلِّ العبادات، وأنَّ فضله عظيم وعوائده أثيرة وخيره عميم، وخيراته على العبد متوالية في الدنيا والآخرة، وقد ذكرنا ما عليه حال الأنبياء مع الاستغفار، وسيمرُّ معنا بيان آثاره في فصلٍ مستقل، لكنَّ السؤال الذي نطرحه في هذا الفصل: ما هو الاستغفار المطلوب من العبد الإتيان به؟ والذي به يستنزل المستغفر عطف الله ورحمته ويكون مقبولاً بإذن الله رب العالمين؟
ها هنا قاعدة عند أهل السنة والجماعة يذكرونها دائمًا في شروط قبول العمل، أذكرها قبل الحديث عن الاستغفار المطلوب، وهي أنَّ العبادة لا تُقبل إلاَّ بشرطين أساسيين:
الأول- أن يكون العمل خالصًا لله تعالى.
والثاني- أن يكون صوابًا على سُنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويُطرِّدون هذين الشرطين في جميع العبادات، وقد يضيفون لبعض العبادات شروطًا أخرى لافتقارها إليها، والبعض يسميها «أركانًا»، والبعض يسميها «شروطًا»، وهذه في الحقيقة راجعة إلي جنس العبادة المأمور بها، وما ورد بخصوصها من نصوص تضاف إلى شرطي قبول العمل، فالاستغفار مثلاً الذي نحن بصدده: عبادة من العبادات اشترط فيه حتى يكون مقبولاً: أن يكون خالصًا لله تعالى لا يبتغي به صاحبه أحدًا سوى الله تعالى، وأن يكون مشروعًا ليس فيه ألفاظًا شركية: كطلب المغفرة من المقبورين، أو بدعية: كتوظيفه في وقت محدد غير مشروع في أصل السنة، أو محرمة: كقول «اللهم اغفر لي إن شئت».
وأيضًا يذكر كثير من أهل العلم أن من شروطه: أن يكون التلفُّظ باللسان لهذا الاستغفار مصحوبًا معناه في القلب، وأن يتذكر الذنب المستغفَر منه في الحال إن كان ثمَّة ذنب، وذلك لتتحقق له نتائج الاستغفار وثمراته، لقوله تعالى: }فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ{ [آل عمران: 135]
أما إن كان الاستغفار باللسان فقط دون تذكر معناه في الجنان، أو يستغفر وهو مصرٌّ على المعصية، فقد ذكر كثير من أهل العلم أنه استغفار غير مقبول، لعدم توفر شرط صحته، بل ذكروا أنه ذنب يحتاج إلى استغفار، كما روي: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربِّه!([1]).
والتحقيق أن هذا الأمر من شروط قبول الاستغفار، هذا إذا كان الاستغفار بسبب تقصير في واجب، أو وقوع في محرم، فيشترط لصحة الاستغفار عن الذنب: أن يصطحبه المستغفر بقلبه، فيجمع بين الاستغفار باللسان، وتذكر الذنب بالقلب، ليتخلص منه، وليجتث جذوره العالقة في قلبه.
وقد ذكر بعض أهل العلم من ذوي التحقيق أنَّ من لم يتيسَّر له استجماع القلب مع اللسان، ولكنه يجاهد نفسه، إلاَّ أن لسانه يغلب على قلبه، فهذا إن انتفى الإصرار فهو حَسن، بل لا يُنهى عنه، بل مطالب من العبد أن يرطِّب لسانه بالاستغفار على الدوام، لأنَّ الاستغفار عن غفلة خيرٌ من الصمت، وهو طريق ووسيلة إلى انتباه القلب، فاللسان إذا ألف ذكرًا، يوشك القلب أن يألفه، فيوافقه عليه، ولذلك من مكائد الشيطان على بني الإنسان: منعهم من الاستغفار بسبب غفلة القلب، فلينتبه!
فالاستغفار على الدوام أمر محمود وخلَّة حميدة، لأنه عبادة مستقلة بذاتها، يستغفر على ما علمه من ذنوبه رجاء غفرانها وما لم يعلمه مما يصدر منه، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه أن يقولوا على الدوام: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم» ([2]).

فصل
من أي شيء يكون الاستغفار؟
إن الاستغفار يكون من ترك الواجبات، ومن الوقوع في المحرمات، لا كما يظن البعض أن الاستغفار يكون من فعل الذنب فقط.
وأنقل هنا كلامًا ماتعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُقرِّر فيه أنَّ الاستغفار كما أنه واجب على من وقع في المحرمات، كذلك هو واجب على من ترك الواجبات فيقول: " التوبة والاستغفار يكون من ترك الواجبات وفعل المحرمات، والأول يخفى على كثير من الناس. قال تعالى: }فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ{ [غافر: 55]، وقال تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ{ [محمد: 19] وقـال تعالى: }لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ{ [الفتح: 2]، قال: }أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى{ [هود: 2، 3]. ومثل هذا في القرآن كثير.
فنقول: التوبة والاستغفار يكون من ترك مأمور ومن فعل محظور، فإنَّ كلاهما من السيئات والخطايا والذنوب، وترك الإيمان والتوحيد والفرائض التي فرضها الله تعالى على القلب والبدن من الذنوب بلا ريب عند كلِّ أحد، بل هي أعظم الصنفين؛ فإنَّ جنس ترك الواجبات أعظم من جنس فعل المحرمات، إذ قد يدخل في ذلك ترك الإيمان والتوحيد، ومن أتى بالإيمان والتوحيد لم يخلد في النار ولو فعل ما فعل، ومن لم يأت بالإيمان والتوحيد كان مخلدًا، ولو كانت ذنوبه من جهة الأفعال قليلة: كالزهَّاد والعُبَّاد من المشركين وأهل الكتاب، كعباد مشركي الهند وعُباد النصارى وغيرهم، فإنهم لا يقتلون ولا يزنون ولا يظلمون الناس، لكنَّ نفس الإيمان والتوحيد الواجب تركوه.
ولكن يقال: ترك الإيمان والتوحيد الواجب إنما يكون مع الاشتغال بضدِّه، وضده إذا كان كفرًا فهم يُعاقبون على الكفر، وهو من باب المنهيِّ عنه، وإن كان ضده من جنس المباحات كالاشتغال بأهواء النفس ولذاتها من الأكل والشرب والرئاسة وغير ذلك عن الإيمان الواجب، فالعقوبة هنا لأجل ترك الإيمان، لا لأجل ترك هذا الجنس.
وقد يقـال: كلُّ من ترك الإيمان والتوحيد فلا يتركه إلاَّ إلى كفرٍ وشك، فإنَّ النفس لا بدَّ لها من إله تعبده، فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان. فيقال: عباد الشيطان جنس عام، وهذا إذا أمره أن يشتغل بما هو مانع له من الإيمان والتوحيد يقال عَبَدَه، كما أنَّ من أطاع الشيطان فقد عبدَه ولكن عبادة دون عبادة.
والناس نوعان: طلاب دين، وطلاب دنيا.
فهو يأمر طلاب الدين بالشرك والبدعة، كعباد المشركين وأهل الكتاب، ويأمر طلاب الدنيا بالشهوات البدنية.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغيِّ في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن» ([3])..
ولهذا قال الحسن البصري لما ذكر الحديث: «لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فإنَّ صاحبها سدَّد وقارب فارجوه، وإن أُشير إليه بالأصابع فلا تعدوه»([4]).
فقالوا: أنت إذا مررت في السوق أشار إليك الناس.
فقال: إنه لم يعنِ هذا، وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في دنياه؛ فإنَّ ترك الواجب وفعل المحرَّم متلازمان، ولهذا كان من فعل ما نهى عنه يقال: إنه عصى الأمر، ولو قال لها: "إن عصيتِ أمري فأنت طالق"، فنهاها، فعصته، ففيه وجهان: أصحًّهما أنها تُطلَّق، وبعض الفقهاء يُعلِّل ذلك بأنَّ هذا يُعدُّ في العرف عاصيًا، ويجعلون هذا في الأصل نوعين، والتحقيق: أنَّ كلَّ نهي ففيه طلب واستدعاء لِما يقصـده الناهي، فهو أمر، فالأمر يتناول هذا وهذا، ومنه: قول الخضر لموسى: }إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا{ [الكهف: 67 – 69]. وقـال لـه: }فَإِنِ اتَّبَعْتَنِـي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا{ [الكهف: 70]، فقوله: }فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا{ قد تناوله قوله: }وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا{، ومنه قول موسى لأخيه: }مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي{ [طه: 92، 93]، وموسى قال له: }اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ{ [الأعراف: 142]. نهي: وهو لامه على أنه لم يتبعه، وقال: أفعصيت أمري؟ وعباد العجل كانوا مفسدين، وقد جعل هذا كلّه أمرًا، وكذلك قوله: }عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{ [التحريم: 6] فهم لا يعصونه إذا نهاهم. وقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم: }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [النور: 63]، فمن ركب ما نهى عنه فقد خالف أمره، وقال تعالى: }وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى{ [طه: 121] وإنما كان فعلاً منهيًا عنه، وقوله: }وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ{ [الأحزاب: 36]، هو يتناول ما نُهي عنه، أقوى مما يتناول ما أُمر به، فإنه قال في الحديث الصحيح: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ([5])، وقوله: }يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ{ [النساء: 42] فالمعصية: مخالفة الأمر، ومخالف النهي عاص، فإنَّ مخالف الأمر وفاعل المحظور، قد يكون أظهر معصية من تارك المأمور، وبالجملة فهما متلازمان. كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده، ومن نهى عن فعل أمر بفعل ضده، كما بسط في موضعه، ولكن لفظ الأمر يعمُّ النوعين، واللفظ العام قد يخصُّ أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام للنوع الآخر، فلفظ الأمر عام، لكن خصُّوا أحد النوعين بلفظ النهي، فإذا قرن النهي بالأمر كان المراد به أحد النوعين لا العموم ([6]). ا هـ. باختصار.
وأما الاستغفار من المحرَّمات فهو واجب أيضًا، وهو المتبادر عند إطلاق الاستغفار، أنه يكون مِن فعل المحرم، والنصوص الآمرة بالاستغفار من فعل المحرمات أكثر من أن تُحصَى في الكتاب والسنة، من ذلك:
يقول الله تعالى: }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ [النساء: 110].
ويقول تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ [آل عمران: 135].
* * *

فصل
صيغ الاستغفار
ورد الاستغفار بصيغ متعددة، سبق ذكر بعض ٍ منها على سبيل الإجمال، واستخدام واحد من هذه الصيغ مجزئ في تحقيق الغرض والمقصود، إلا ما جاء النص بورود بعض الصيغ التي تُقال في بعض العبادات وفي بعض الأوقات، فهذه ينبغي التقيُّد بألفاظها، ومكان بيانها سأذكره في الحديث عن أنواع الاستغفار المقيد، وهنا أذكر بعض الصيغ الواردة في السنة من ذلك:
(أ) «اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعـت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وهذا هو سيد الاستغفار.
(ب) أستغفر الله الذي لا إله إلا هو، وأتوب إليه.
(ج) رب اغفر لي وتُب علي، إنك أنت التواب الرحيم.
(د) سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه.
(هـ) أستغفر الله أستغفر الله.
(و) اللهم اغفر لي.
(ز) غفرانك، غفرانك.
(ح) أستغفر الله الذي لا إله إلا الله هو الحي القيوم، وأتوب إليه.
(ط) وإذا كان الاستغفار للغير، كالوالدين والمؤمنين يقول: }رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ{ [نوح: 1]. ويقول: }رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِـي قُلُوبِنـَا غِلاً لِلَّذِيـنَ آَمَنُـوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ [الحشر: 10]. أو «اللهم اغفر لأخي» أو «اللهم اغفر له وارحمه» وهكذا.
وهذا على سبيل الذكر لا الحصر.
وهنا فائدة متعلِّقة بلفظٍ نهى الشارع عن استخدامه حال الذكر والدعاء لِما يشتمل عليه من سوء الأدب مع المولى تبارك وتعالى، سبق وأن أشرت إليها، وهي ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مستكره له»([7]).
وقد بوَّب المجدِّد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – على هذا الحديث بابًا في كتاب التوحيد، لينبه على أنَّ قول الرجل: اللهم اغفر لي إن شئت: دليل على قلة اهتمامه في طلب المغفرة، وأن قوله هذا متضمن استغناءه عن ربه، وعدم اكتراثه بذنبه، وهو مما يتنافى مع التوحيد الواجب، وأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم الرغبة؛ فإنَّ الله لا يتعاظمه شيء، وإلى العزم في المسألة؛ فإنَّ الله لا مستكره له.

* * *

فصل
أنواع الاستغفار
باستقراء النصوص الشرعية يتبيَّن أنَّ الاستغفار على نوعين اثنين:
الأول: استغفار مطلق، ليس له وقت محدد، بل ينبغي رفع العقيرة به في جميع الأوقات والساعات، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، فلقــد كان يعدُّ عليه في المجلس الواحد مائة مرة قول: «أستغفر الله وأتوب إليه»([8])، فيجعله الإنسان ديدنه وهجيراه، يلهج به في الصباح والمساء، وفي الخلوة والجلوة، لأنَّ به تزكو النفس وتطهر، ويحصل له من التعلُّق بربه الشيء الذي يدفعه إلى فعل الخيرات، في جميع الأوقات والساعات، ويعتاد اللسان أيضًا القول الحسن ويترقَّى العبد في مدارج الكمال بإذن الله تعالى، فالحسنة تقول: أختي.. أختي.
والثاني: استغفـار مقيَّد، وردت نصوصٌ ثابتةٌ فيه، يلزم المسلم التقيُّد بألفاظها وأعدادها إن ورد دليل مخصوص بعددها، وبتتبُّع النصوص الشرعية أجد أنَّ الاستغفار المقيَّد يكون في بعض العبادات والأوقات والأزمان والأماكن.
* * *

فصل
في الاستغفار في العبادات
ورد الاستغفار في كثيرٍ من أبوب العبادات، وسأذكرها في هذا الفصل سَيْرًا على أبوب الفقه حسب ما صنَّفه الفقهاء.
(ا) أبواب الطهارة:
(1) الاستغفار عقب الخروج من الخلاء، فيندب للمسلم أن يستغفر الله تعالى بعد الانتهاء من قضاء الحاجة، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» ([9]).
ووجه سؤال المغفرة أنَّ الإنسان لَمَّا تَخفَّف من أذيَّة الجسم، ناسب أن يتذكَّر أذيَّة الإثم، فدعا الله أن يُخفِّف عنه أذية الإثم، كما أعانه بتخفيف أذية الجسم، وقيل في مناسبة الاستغفار في هذه الحال: إظهار العجز عن شكر النعمة في تيسير الغذاء، وإيصال منفعته، وإخراج فضلته، وإبقاء قوته في جسد العبد .. والله أعلم.
(2) الاستغفار بعد الوضوء، فيُسَن للمسلم أن يستغفر الله عند إتمام الوضوء، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فقال "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"، طُبع بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة» ([10]).
(ب) في أبواب الصلاة:
ورد الاستغفار في أحوال ومواطن كثيرة في الصلاة من ذلك:
(1) الاستغفار عند الدخول والخروج من المسجد: فقد استحبَّ كثيرٌ من أهل العلم للمسلم أن يستغفر الله عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، كما هو الوارد في حديث فاطمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: «ربّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج قال: «رب اغفر ذنوبي لي أبواب فضلك» ([11]).
(2) الاستغفار في أول الصلاة وآخرها وأثنائها، فيُسَن للمصلِّي أن يستغفر الله تعالى في أول الصلاة وفي آخرها وفي أثنائها، ففي أول الصلاة: جاء الاستغفار في بعض الروايات التي وردت في دعاء الافتتاح منها: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كلُّه بيديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» ([12]).
وعـن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: الله أكبر عشر مرات، ثم يُسبِّح عشـر مرات، ثم يُحمد عشر مرات، ثم يُهلِّل عشرًا، ثم يستغفر عشرًا، ثم يقول: «اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني عشرًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة عشرًا»([13]).
والذي يظهر: أن هذا النوع من الدعاء كان يقوله صلى الله عليه وسلم في افتتاح قيام الليل، كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره([14]).
وأما في أثنائها: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في ركوعه وسجوده، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلـم يكثـر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتـأول القرآن ([15]) أي: يحقق قوله تعالى: }فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ{ [النصر: 3].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقَّه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه» ([16]).
وفي الجلوس بين السجدتين يُشرع الاستغفار، بل أوجبه بعض أهل العلم، وهو الصحيح، لحديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»([17]).
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني»([18]).
ويُسَن الاستغفار قبل السلام من الصلاة في آخر التحيات، لما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» ([19]).
وعن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»([20]).
ويُسَن الاستغفار عُقيب الصلاة ثلاثًا، لِما روى ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته قال: «أستغفر الله» ثلاثًا وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، قيل للأوزاعي، وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟
قال: يقول: «أستغفر الله، أستغفر الله»([21]).
(3) ويندب الاستغفار في صلاة الاستسقاء، لقوله تعالى: }فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ " [نوح: 10، 11]. فدلَّت الآية على أنَّ الاستغفار وسيلة للسقيا، بدليل قوله تعالى: }يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)، ولم تزد الآية على الاستغفار، وقد فهم هذا المعنى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ورد عن عمر أنه خرج إلى الاستسقاء، وصعد المنبر، واستغفر الله، ولم يزد عليه، فقالوا: ما استسقيت يا أمير المؤمنين، فقال: لقد استسقيتُ ربي بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث ([22]).
(4) ويسن الاستغفار في صلاة الجنازة، فقد ورد الاستغفار في صلاة الجنازة للميت في أحاديث منها:
عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه، وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه...» ([23]).
(5) الاستغفار في بداية الخطب الدينية وغيرها وهي المسماة: بخطبة الحاجة، فيُستحب للمسلم أن يستفتح خطبه وحديثه بهذه الخطبة، والمتمثلة على الحمد والتعظيم لذي الأسماء الحسنى والصفات العلى واستغفاره، والتعوذ به من الشرور، وسؤاله الهداية، والشهادة له بالتوحيد ولنبيه بالرسالة، وصفتها: " إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله... " ([24]).
(ج) في باب الصيام:
يُستحب للصائم الاستغفار على الدوام، وفي جميع الأوقات لعمومات الأدلَّة، ويتأكَّد عند نهاية صومه، فإذا أراد الإفطار استُحِبَّ له أن يستغفر الله تعالى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه كان يقول عند فطره: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي» ([25]).
(د) في باب الحج:
يُسَنُّ الاستغفار للحاج على الدوام، وفي جميع الأوقات وسائر الأماكن، كمِنى وعرفات ومزدلفة، لعمومات الأدلَّة، ويتأكد في ختام أعمال الحج، لقوله تعالـى: }فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ{ إلى قوله: }وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ " [البقرة: 198، 199].
ونلحظ أنَّ غالب العبادات يشرع الاستغفار في أولها وفي آخرها، والحكمة من ذلك، والله أعلم:
• إنَّ العبد لا بدَّ أن يحصل منه نوع تقصير وشرود، فمهما اجتهد فلن يبلغ الكمـال في أداء العبادة، فيأتي الاستغفار ليرفع الخرق، وليجبر الكسر، وليكمل النقص، فعلى هذا تتم الطاعة وتكتمل القربة.
• إنَّ العبد عندما يستغفر في أول العبادات وعقيبها، إنما يُشعِر نفسه على الدوام بالتقصير في معاملته مع ربِّه، وهذا الأمر يورث العبد السعي للحصول على مرضاة الله والترقِّي في مدارج الكمال.
• إنَّ أهم شيء يجب أن يتنبه له العبد الحذر من مداخل الشيطان، فقد يؤدِّي العبد عبادة معينة، فيأتيه الشيطان فينفخ في جيبه بالأوهام والغرور والرياء والاستعلاء الذي يهلكه، فيأتي الاستغفار الذي به يستشعر العبد استصغار نفسه، واستقلال عمله، وأنه ضعيف فقير محتاج بجوار الغنى العظيم القوي، فيبدِّد كلَّ ما ينسجه الشيطان مما فيه هلاك المسلم وتردِّيه، فلله الحمد على نعمه الكثيرة.

فصل
الاستغفار للغير
الاستغفار عبادة مشروعة، ومن أحكامها جواز استغفار الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى، والحي للميت، والشريف للوضيع، والوضيع للشريف، وهكذا .. والدليـل على ذلك قول الله تعالى: }وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ{ [محمد: 19].
فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار له أولاً وللمؤمنين والمؤمنات ثانيًا.
وقال تعالى: }وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا{ [النساء: 64].
ومن ذلك الاستغفار للأموات، فالاستغفار عبادة قولية يصحُّ فعلها للحيِّ والميت.
أما الأحياء: فقد جاءت نصوص كثيرة غير ما سبق تدلُّ على مشروعية الاستغفار من الناس لبعضهم البعض، وأن يطلبـوا ذلك فيما بينهم، سواء كان بسبب أو بغير سبب، من ذلك يقول تعالى: }فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ{ [آل عمران: 159]. وقولــه تعالى: }شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا{ ]الفتح: 11]. وقـــال تعالى: }فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ{ [النور: 62]. وقال تعالى: }فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ{ [الممتحنة: 12]، وقال تعالى: }وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُــمْ{ [المنافقون: 5]. وقال تعالى عن الملائكة: }وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا{ [غافر:7]
وقال تعالى: }وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ{ [الشورى: 5].
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلَّم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى أن يحرص على مقابلة رجل من أهل اليمن، اسمه: أويس القرني، وأن يطلب منه أن يستغفر له فقال: «... له والدة بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»... فأتى أويسًا فقال: " استغفر لي.. فاستغفر له " ([26]).
وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم المسلم إذا أكل من طعام أخيه أن يستغفر ويدعو له، فعن عبد الله بن بسر – رضي الله عنه – قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي، قال: فقرَّبنا إليه طعامًا ووطبةً فأكل منها.. فقال أبي، وأخذ بلجام دابته: ادعُ الله لنا، فقال: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم» ([27]).
وعن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة ليلة، فقال: اللهم اغفر لأبي هريرة ولأمي، ولمن استغفر لهما، قال محمد بن سيرين: «فنحن نستغفر لهما حتى ندخل في دعوة أبي هريرة» ([28]).
قال بكر بن عبد الله: "لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي، لكان توله أن يفعل. ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاتت العدد والإحصاء فليستغفر الله مما علم الله، فإن الله قد علم كل شيء وأحصاه. كما قال تعالى: }يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ{ ([29]) [المجادلة: 6].
وأما الأموات: فقد ثبت في السنة مشروعية الاستغفار لهم في حالات، منها:
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:... فلما مات أبو سلمة أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنَّ أبا سلمة قد مات، قال: «قولي: اللهم اغفر لي وله» ([30])
وفي صلاة الجنازة ورد الاستغفار للميت في أحاديث كثيرة منها: عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه...» ([31]).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فقال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا...» ([32]).
وعن واثلة بن الأسقع – رضي الله عنه – قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: «... اللهم فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم» ([33]).
ويندب عقب دفن الميت المسلم أن يقف جماعة يستغفرون الله له، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» ([34]).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: تُرفع للميت بعد موته درجته، فيقول، أي رب، أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك{ ([35]).

* * *

فصل
الاستغفار في بعض الأزمان والأوقات والأماكن
(1) الاستغفـار عند الفتح والنصر:
ويشرع للمسلمين إذا فتح الله عليهم بلدة أو استردُّوا ديارهم أو نصرهم الله تعالى على عدوِّهم أن يُكثِروا من التسبيح والاستغفار، قال تعالى: }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا{ [النصر: 1-3]
(2) الاستغفار في أول الليل وآخره:
ويندب للمسلم أن يستغفر الله تعالى في أول الليل، وآخره، فقد رُوي عن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت: علَّمني رسول الله أن أقول عند آذان المغرب: «اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، وحضور صلواتك، فاغفر لي» ([36]).
وعند النوم يشرع للمسلم أن يستغفر الله تعالى، ليكون خاتمة عمله، إذا رفعت رُوحه إلى بارئها، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يأوي إلى فراشه: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر»([37]).
ويندب للعبد أن يستغفر الله تعالى في الثُلث الأخير من الليل، الذي هو من أفضل الأوقات التي يناجي فيها العبد ربه وآكدها، لقوله تعالى: }وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [آل عمران: 17]. قال بعض أهل العلم: أحيوا الليل بالصلاة، فلمَّا كان وقت السحر أمروا بالاستغفار.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» ([38]).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قــال: الله اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قُبلت صلاته» ([39]).
(3) الاستغفار في نهاية المجلس:
يشرع الاستغفار في نهاية المجلس، ويكون كفارة لِما يقع في المجلس من لغطٍ وإثم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس مجلسًا فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحان اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» ([40]).
(4) الاستغفار في آخر العمر:
ويشرع للإنسان أن يكثر من الاستغفار في نهاية عمره، وعند قرب أجله، لأنَّ المرء وهو يوِّدع الدنيا ينبغي أن يخرج منها لملاقاة ربه، وهو طاهر الثوب، قليل العيب، خفيف المحمل، كثير الخير، وليس في عنقه مظلمةٌ لأحد، وقد علمنا أنَّ جنس الإنسان خطاء ظلوم جهول، فاحتاج والحالة هذه أن يُكثر من الاستغفار لمن بيده مغفرة الذنوب وستر العيوب.
ويدلنا على مشروعية الاستغفار في نهاية العمر ما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: كان عمر – رضي الله عنه – يُدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقالوا: لِمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: «إنه من حيث علمتم»، فدعاني ذات يوم، فأدخلني، فما رأيتُ أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ{ [النصر: 1]، فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟
فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال: }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ{، وذلك علامة أجلك }فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا{ فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول»([41]).
وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليـه }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ{ إلا أن يقول فيها: «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» ([42]) .
وعن عائشة – رضي الله عنها – أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصغت إليه قبل أن يموت، وهو مسند ظهره يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» ([43]).
وقد يخطر سؤال في ذهن القارئ الكريم، وهو:
هل يعلم أحد قرب دنو أجله؟
والجواب: بالطبع لا أحد، فإنَّ نهاية الآجال مما اختصَّ الله نفسه بعلمها، فلم يُطلع عليها مَلَكًا مُقرَّبًا، ولا نبيًّا مُرسَلاً، ولكن جعل الله تعالى علامات يعرف بها المرء قرب دنو أجله منها:
(1) بلوغ الإنسان سنِّ الستين أو السبعين، فعن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة» ([44])
قال العلماء: معناه لم يترك له عذرًا، إذ أمهله هذه المدة.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» ([45]).
(2) ظهــور الشيب على رأس الكبير، فهي علامة من علامات قرب دنوِّ الأجـل، قال تعالى: }أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ{ [فاطر: 37]. قال جمع من السلف: النذير هنا: الشيب.
(3) وقوع المرء في مرضٍ عضال، عافانا الله وجميع المسلمين، فالميئوس يُستحب في حقِّه فعل أشياء كثيرة، كتأكُّد كتابة الوصية، ووجوب ردّ الحقوق إلى أهلها، وكثرة الاستغفار وغيرها.
(4) كثرة موت الفجأة، ولا أدلَّ على هذا الأمر من زماننا هذا الذي انتشر فيه موت البغتة، والذي لا يمهل الإنسان، خاصة فيه موت البغتة، والذي لا يمهل الإنسان، خاصة مع انتشار وسائل حديثة للتنقل، وما يحصل بسببها من حوادث مفجعة تأتي على الإنسان كلمح البصر، ربما لا تمهله النطق بالشهادتين، فينبغي والحالة هذه على الكيس الفطن: أن يكون مستعدًا على الدوام للقاء ربه، وأن يكون لسانه رطبًا من ذِكره، وأن يُكثر من الاستغفار.
أؤمل أن أحيا وفى كلِّ مرَّة



تمرُّ بي الموتى تهزُّ نعوشها


وهل أنا إلاَّ مثلهم أنَّ لي



بقايا ليالٍ في الزمان أعيشها





([1]) لا يصح مرفوعًا ومعناه صحيح، وصحَّح وَقفه بعض أهل العلم.

([2]) أخرجه أحمد والبخاري في الأدب وغيرهما من حديث أبي هريرة بسند صحيح.

([3]) رواه أحمد بسند صحيح.

([4]) رواه الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بسند حسن.

([5]) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.

([6]) مجموع الفتاوى (11/670-675)، وقد أوردت غالب النص لما يشتمل عليه من قواعد وفوائد.

([7]) البخاري ومسلم، ولمسلم: «وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه».

([8]) سبق تخريجه.

([9]) رواه أحمد والترمذي وأبو داود بسند صحيح.

([10]) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة بسند صحيح.

([11]) أخرجه أحمد وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني في تخريجه لكتاب " فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي المالكي، وقال: صحيح لشواهده، وأوردها.

([12]) أخرجه مسلم.

([13]) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني في الأوسط.

([14]) انظر زاد المعاد لابن القيم (1/203).

([15]) متفق عليه.

([16]) أخرجه مسلم.

([17]) أخرجه النسائي وابن ماجة.

([18]) أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة.

([19]) أخرجه البخاري ومسلم.

([20]) متفق عليه.

([21]) رواه مسلم.

([22]) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (11/98).

([23]) أخرجه مسلم

([24]) أخرجه أحمد وابن ماجة وغيرهما، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

([25]) أخرجه ابن ماجة، وحسنه الحافظ.

([26]) أخرجه مسلم من حديث أسير بن عمرو.

([27]) أخرجه مسلم.

([28]) أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " بسند حسن.

([29]) جامع العلوم والحكم لابن رجب (2/416).

([30]) أخرجه مسلم.

([31]) أخرجه مسلم.

([32]) رواه الترمذي.

([33]) أخرجه أبو داود وابن ماجة.

([34]) أخرجه أبو داود والنسائي.

([35]) أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " بسند حسن.

([36]) أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث غريب، وفي سنده مجهول.

([37]) أخرجه الترمذي.

([38]) أخرجه مسلم.

([39]) أخرجه البخاري.

([40]) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

([41]) أخرجه البخاري.

([42]) متفق عليه.

([43]) أخرجه البخاري.

([44]) أخرجه البخاري.

([45]) أخرجه أحمد وابن ماجة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-22
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الاستغفار .. (فضله.أقسامه.أحكامه.آثاره)

فصل
الاستغفار بعد الذنوب
يجب على العبد أن يبادر إلى التوبة والاستغفار عقب الذنب ولا يجوز له تأخير التوبة، يقول الله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ [آل عمران: 135].
وقال تعالى: }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ [النساء: 110].
وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي..»([1]).
قال ابن القيم: " إنَّ المبادرة إلى التوبة من الذنب فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخَّرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة، وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبقَ عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة، ولا يُنجِّي من هذا إلاَّ توبةٌ عامةٌ مما يُعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر ممَّا يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جملة إذا كان متمكنًا من العلم، فإنه عاصٍ بترك العلم والعمل، فالمعصية في حقِّه أشد، وفي صحيح ابن حبان أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل»، فقال أبو بكر – رضي الله عنه: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: «أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»، فهذا طلب الاستغفار مما يُعلمه أنه ذنب، ولا يعلمه العبد، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في صلاته: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إلهي لا إله إلا أنت».
وفي الحديث الآخر: «اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه، دقّه وجلّه، خطأه وعمده، سرَّه وعلانيته، أوله وآخره» فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه ([2]).

* * *



فصل
ثمرات الاستغفار وآثاره
وهذا الأمر هو غاية ما يسعى إليه العبد، ونهاية ما يأمله من استغفاره، فالاستغفار له ثمرات عظيمة ونتائج طيبة وآثار حميدة وعوائد أثيرة في الدنيا والآخرة، منها ما ندركه مما أخبرنا به خالقنا ومولانا، ومنها ما لا ندركه مما يدخره ربنا عزَّ وجلَّ للمستغفرين يوم القيامة:
(1) تكفير الذنوب والخطايا: فالاستغفار يحرق الذنوب والمعاصي كما تحرق النار الحطب، والمقصود الاستغفار الذي بمعنى التوبة، فإنه أرجى أن تُكفَّر به الذنوب إن توافرت فيه شروط التوبة، يقول الله تعالى: }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ " [النساء: 110].
وقال الله في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم»([3]).
وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي...» ([4]).
وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: استغفر الله الذي ى إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فرَّ من الزحف» ([5]).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه قال: «أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، وقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أنَّ له ربـًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك» ([6]) . أي: ما دمت تائبًا راجعًا منيبًا مستغفرًا.
وعن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: «إنَّ الله عز وجل قد وهب لكم ذنوبكم عند الاستغفــار، فمن استغفر بنية صادقة غُفر له، ومن قال: لا لإله إلا الله رجح ميزانه» ([7]).
(2) الأمــان من العذاب العام والخاص: فبالاستغفار يرفع الله العذاب عن الأمَّة: أفرادها وجماعتها، الذي سببه الذنوب والمعاصي، فإذا استغفروا آمنوا بإذن الله جلَّ وعلا، يقول تعالى: }وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [الأنفال: 33]. قال أبو موسى – رضي الله عنه -: كان لنا أمانان وبقي الآخر " ([8]). يقصد بالأمان الأول: رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وبالثاني: الاستغفار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية: والكلام عليها من وجهين: أحدهما في الاستغفار الدافع للعذاب، والثاني: في العذاب المدفوع بالاستغفار.
أما الأول: فإنَّ العذاب إنما يكون على الذنوب، فالاستغفار يوجب مغفرة الذنوب التي هي سبب العذاب، فيندفع العذاب، كما قال تعال: }الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ{ [هود: 1-3]. فبيَّن سبحانه أنه إذا فعلوا ذلك متِّعوا متاعًا حسنًا إلى أجلٍ مُسمًّى، ثم إن كان لهم فضل أُوتوا الفضل.
وقال تعالى عن نوح: }قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى{ إلى قوله تعال }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ [نوح: 2-11]
وقال تعالى: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ{ [هود: 52].
وذلك أنه قد قال تعالى: }وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ{ [الشورى: 30].
وقال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا{ [آل عمران: 155].
وقال تعالى: }أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ{ [آل عمران: 165].
وقال تعالى: }وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ{ [الروم: 36].
وقال تعالى: }مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ{ [النساء: 79].
وأما العذاب المدفوع فهو يعم العذاب السماوي، ويعم ما يكون من العباد وذلك أن الجميع قد سماه الله عذابًا، كما قال الله تعالى في النوع الثاني: }وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ{ [البقرة: 49]. وقال تعالى: }قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ{ [التوبة: 14]. وكذلك: }هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا{ [التوبة: 52]، إذ التقدير بعذاب من عندي، أو بعذاب من أيدينا، كما قال تعالى: }قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ{ [التوبة: 14].
وعلى هذا فيكون العذاب بفعل العباد، وقد يقال: التقدير: }وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ{ [التوبة: 52]، أو يصيبكم بأيدينا، لكنَّ الأول هو الأوجه؛ لأنَّ الإصابة بأيدي المؤمنين لا تدل على أنها إصابة بسوء، إذ قد يقال: "أصابه بخير، "أصابه بشر"، قال تعالى: }وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيـبُ بِهِ مَنْ يَشَـاءُ مِنْ عِبَادِهِ{ [يونس: 107]. وقال تعالى: }فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ{ [الروم: 48]، وقال تعالى: }وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ{ [يوسف: 56]، ولأنه لو كان لفظ الإصابة يدلُّ على الإصابة بالشرِّ فقط لاكتفى بذلك في قوله: }أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ{ [التوبة: 52]، وقد قال تعالى أيضًا: }وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا{ [النساء: 78]،}مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ{ [النساء: 79]، ومن ذلك قوله تعالى: }الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ{ إلى قوله تعالى }وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{ [النور: 2]، وقوله تعالى: }فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ{ [النساء: 25]. ومن ذلك: أنه يقال في بلال ونحوه: «كانوا من المعذَّبين في الله»، ويقال: إن أبا بكر اشترى سبعًا من المعذَّبين في الله، وقال صلى الله عليه وسلم: «السفر قطعة من العذاب» ([9]).
وإذا كان كذلك فقوله تعالى: }قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ{ [الأنعام: 65]، مع ما قد ثبت في الصحيحين عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله: }قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ{ قال: أعوذ بوجهك }أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ{ قال: أعوذ بوجهك }أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ{ قال: «هاتان أهون»، يقتضي: أنَّ لبسنا شيعًا وإذاقة بعضنا بأس بعض، هو من العذاب الذي يندفع بالاستغفار، كما قال: }وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً{ [الأنفال: 25]، وإنما تُنفَى الفتنة بالاستغفار من الذنوب والعمل الصالح.
وقوله تعالى: }إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ{ [التوبة: 39]. قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله، فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة، حتى تقع بينهم الفتنة، كما هو الواقع، فإنَّ الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألَّف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله بأن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض.
وكذلك قوله: }وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ [السجدة: 21]، يدخل في العذاب الأدنى: ما يكون بأيدي العباد، كما قد فُسِّر بواقعة بدر ما وعد الله به المشركين من العذاب([10])
(3) المتاع الحسن: فالله تعالى يوفق المستغفر إلى حياة طيبة نظيفة، ويشيع فيها الأمن والأمان، والطمأنينة والاستقرار، وراحة البال وسكون القلب والخير العميم، يقول تعالى: }وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ{ [هود: 3]، خاصة وأنَّ في الاستغفار اعتراف من العبد للرب بوقوعه في الذنب أو التقصير، والاعتراف بالخطيئة والذنب، هو صفة الأنبياء والمرسلين، وقد مرَّ معنا شيء من هذا مما حكاه الله عنه في كتابه، وأيضًا هي صفة عباد الله المتقين، يقول تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ{ [آل عمران: 135]، ويقول تعالى: }الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ{ [آل عمران: 16، 17].
وإنما كان سيد الاستغفار الذي مرَّ معنا سيدًا لتضمُّنه الإقرار بالذنب من العبد والاعتراف بالخطيئة مع علمه الجازم بأنه لا يغفر الذنوب إلا الله، وهي مرتبةٌ عظيمةٌ وخلَّةٌ سامية، وقد مرَّ معنا شيء من النصوص في هذا الأمر.
ولو ضربنا مثالاً بما يحسه الناس ويشاهدونه ويعايشونه، أن المخالف للقانون والنظام متى ما أخفى مخالفته، وإن كان يجزم بأن أحدًا لم يطِّلع عليها، فهو مهما عاش فإنه يبقى في شغلٍ شاغلٍ وقلقٍ ساهرٍ وحرجٍ في الصدر دائم، فإذا اعترف شعر بحملٍ ثقيل يُلقيه عن كاهله ويزيحه عن صدره، فكذلك العبد مع ربِّه سبحانه الغفار للذنوب، الذي يعلم السرَّ وأخفى، فاعترافه بذنبه عن طريق الاستغفار مع علمه بأنَّ الله وعد على الاستغفار محو الذنوب وتكفير السيئات، بل وتبديلها إلى حسنات يزيح عنه همًا طالما أسهره، وضيقًا طالما أثقله، وينقله إلى حياة الطمأنينة والراحة.
(4) الاستغفار سبب لنزول الأمطار: فمن أسباب نزول الأمطار كثرة الاستغفار، قال تعالى: }فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ [نوح: 10، 11]، وقد ذكرت ما عليه حال السلف من كثرة الاستغفار، رجاء نزول المطر.
(5) الاستغفار سبب في إمداد العبد بالأموال والأولاد:
قال تعالى: }وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ{ [نوح: 12]، والمدد هنا نوعان: إما أن يكون إيجاد بعد عدم، أو وفرة وبركة بعد ضعف.
جاء في الأثر عن الحسن البصري رحمه الله: أنَّ رجلاً شكا إليه الجدب، فقال: أستغفر الله، وشكا إليه آخَر الفقر، فقال: استغفرِ الله، وشكا إليه آخر جفاف بُستانه، فقال: استغفرِ الله، وشكا إليه آخر عدم الولد، فقال استغفر الله، ثم تلا عليهم قول الله تعالى عن نوح عليه السلام: }فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ....{ [نوح: 10].
(6) الاستغفار سبب في زيادة القوة: فالاستغفار يعطي القلب والبدن قوة عجيبة يتحملان ببركته الشدائد، قال تعال على لسان هود: }وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ{ [هود: 52].
ولقد كان السلف يستعينون بالاستغفار على تجاوز المفاوز والمشاكل، ويمنحهم الله بهذا الاستغفار قوة يتجاوزون بها كلَّ الصعوبات التي يقف عندها الغافلون عن الاستغفار.
(7) الاستغفار سبب في تيسير الطاعات وتعسير المعاصي:
فكما أنَّ السيئة تقول: "أختي.. أختي"، كذلك الحسنة تقول: "أختي.. أختي"، فالذي يلهج لسانه بالاستغفار، لا ريب أنه يقوده إلى ما هو مثله من الأذكار أو غيرها من العبادات، وكلَّما صاحب المرء استغفاره بتذكر ذنوبه، كلما قاده إلى إحسان العمل بإذن الله تعالى.
(8) إغاظة الشيطان: ففي الحديث يقول الشيطان: «أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار» ([11]).
وجاء عن بعض السلف قوله: «إنَّ أحدكم لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره» ([12])
(9) تفريج الهموم والغموم وحصول الرزق:
بالاستغفار تنزاح الهموم، وتزول الغموم ويوفق العبد للرزق من حيث لا يحتسب فعـن ابن عباس - رضي الله عنهما – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرج ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» ([13]).
(10) في الاستغفار أمان من النار ودخول الجنة بإذن الله تعالى:
فعن شداد بن أوس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سيد الاستغفار: أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي» ([14]).
وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار...» ([15]). فإرشاد النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهنَّ بالتصدُّق والاستغفار لغرض نجاتهن من النار، وأنَّ بالاستغفار ينجو العبد من المهالك في الدنيا والآخرة.
وعن الزبير بن العوام – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحب أن تسرُّه صحيفته فليكثر من الاستغفار»([16]).
وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة، فدفع إلي تفَّاحات فأوَّلتهنَّ الولد، فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ فقال: «الاستغفار أي بني »([17]) .
(11) أن المستغفرين أخفُّ الناس أوزارًا:
فعن عبد الله بن بسر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا» ([18]).
قال بكر بن عبد الله: «إنَّ أكثر الناس ذنوبًا أقلَّهم استغفارًا، وأكثرهم استغفارًا أقلّهم ذنوبًا».
وقيل لبعض السلف: كيف أنت في دينك؟ قال: أمزقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار.
يقول ابن القيم: سألت شيخ الإسلام ابن تيمية فقلت:
يسأل بعض الناس أيما أنفع للعبد: التسبيح أم للاستغفار؟
فقال: «إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإن كان دَنسًا فالصابون والماء أنفع له»([19]).
أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وصلِّ الله على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.





([1]) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.

([2]) مدارج السالكين (1/272-273).

([3]) أخرجه مسلم.

([4]) سبق تخريجه.

([5]) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.

([6]) أخرجه البخاري ومسلم.

([7]) أخرجه ابن أبي الدنيا.

([8]) أخرجه أحمد.

([9]) أخرجه البخاري.

([10]) مجموعة الفتاوى (15/41) وما بعدها.

([11]) أخرجه أحمد وغيره.

([12]) ذكره ابن القيم في " مفتاح دار السعادة " (1/295).

([13]) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد، قلت: وفي سنده مقال

([14]) أخرجه البخاري.

([15]) أخرجه مسلم.

([16]) أخرجه البيهقي والمنذري بإسناد لا بأس به .

([17]) ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/22).

([18]) أخرجه ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح.

([19]) ذكرها ابن القيم في الوابل الصيب ص (124).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الاستغفار .. (فضله.أقسامه.أحكامه.آثاره)



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 04:30 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب