منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الاستهزاء حقيقته وأحكامه

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموت حقيقته - نهايته - ذبحه seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-12 06:48 PM
الخوف حقيقته وبيان درجاته seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-11 07:52 PM
مقري: الاستهزاء بالشاوية يتطلب الاستقالة Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2014-03-18 04:22 PM
وقفات مع أحداث الاستهزاء .... 3algeria ركن السيرة النبوية الطاهرة الزكية 1 2012-09-29 08:56 AM
الاستهزاء و المستهزئين ايمن جابر أحمد منتدى الدين الاسلامي الحنيف 6 2011-03-10 11:19 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-23
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الاستهزاء حقيقته وأحكامه

الاستهزاء

الحمد لله وحده، والصلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فخلق الاستهزاء من الأخلاق الذميمة التي حذرنا الشرع من الوقوع فيها، وتوعد على ذلك بأشد أنواع الوعيد، وفيما يلي نسوق بعض العناصر التي تجلي هذا الخلق وتبين أحكامه، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: تعريف الاستهزاء:

قال الفيروز آبادي: هزأ منه وهزأ به هزءًا وهزؤًا ومهزأة أي: سخر.
قال الأخفش: سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وهزئت به، كل يقال: والاسم: السخرية.
فالاستهزاء في اللغة السخرية والاستنقاص والاستخفاف بالآخرين.
ثانيًا: خطورة اللسان:

لا شك أن للاستهزاء وسائل عدة، منها الغمز بالعين، وإخراج، وتحريك العينين، لكن أهم وأخطر أدوات الاستهزاء وأكثرها انتشارًا وفتكًا هو اللسان، وقد حث الشرع المطهر على حفظ اللسان والاعتناء بذلك، وشدد على وجوب مراقبته والاهتمام بما يتلفظ به المرء.
يقول الله سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 18].
قال القرطبي: أي ما يتكلم شيء إلا كتب عليه.
وقال مجاهد: يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه.
وروى أبو هريرة tعن النبي rأنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت». [متفق عليه]
قال النووي: «هذا صريح أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم».
وعن سهل بن سعد t قال: قال رسول الله r: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». [متفق عليه]
وعن أبي هريرة t أنه سمع النبي rيقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». [متفق عليه]
وعن أبي هريرة t أيضًا عن النبي rأنه قال: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، لا يلقى لها بالا يهوى بها في جهنم».
إنها كلمة واحدة تخرج في غير مرضاة الله تدمر مستقبل الإنسان الأخروي، وتلغي جبال حسناته، بل قد ترديه في صفوف المرتدين عن الدين والعياذ بالله كما سيأتي.
فهذه الأدلة المتقدمة تشمل حفظ اللسان من كل ما لا يحل وقد وردت أدلة بخصوص حفظ اللسان وغيره من الجوارح من مرض الاستهزاء والسخرية بالآخرين. وسأقف في هذا المقام بعض الوقفات مع آية واحدة في هذا المعنى هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الحجرات: 11].
فهنا ينهى الله جل وعلا أن يستهزئ المسلم بأخيه، وفي التعبير القرآني استجاشة لإيمان المؤمنين بندائهم بوصف الإيمان كي ينتهوا عن هذا الفعل الذميم، وفيه أيضًا إحياء خفى بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم وتراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية التي يوزن بها الناس، فهناك قيم أخرى، قد تكون خافية عليهم، يعلمها الله ويزن بها العباد، وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير، والرجل القوي من الرجل الضعيف، والرجل السوي من الرجل المؤوف، وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج، وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم، وذو العصبية من اليتيم، وقد تسخر الجميلة من القبيحة، والشابة من العجوز، والمعتدلة من المشوهة. والغنية من الفقيرة، ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين: {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ}و{عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}.
إذا هناك مقياس آخر يعلمه الله ترفع به الموازين أو تخف، يدل عليه قوله : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
وهنا وقفه أخرى مع قوله تعالى: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ}فلماذا يفرد المولى عز وجل النساء هنا بالذكر، ألا يدخلن ضمن النداء الأول: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}فيكون النهي عاما للجنسين؟.
يقول القرطبيُّ رحمه الله: أفرد النساء بالذكر، لأن السخرية منهن أكثر.
نعم والله، وهذا ما نشاهده واقعاً فما أكثر استهزاء النساء ببعضهن وسخريتهن من بعضهن في أتفه الأمور وأحقرها.
وقد ثبت في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت بيدها هكذا –تعني أنها قصيرة – فقال : «لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزج».
إنها لم تنطق بل أشارت بيدها إشارة تدل على أن هذه المرأة قصيرة، فكانت هذه الإشارة لو مزج بها البحر لمزج وتغير حاله، فكيف بمن تستهزيء أو تسخر بما هو أشد وأعظم.
ثالثًا: بواعث الاستهزاء ودوافعه:

إن هناك بواعث كثيرة للاستهزاء ودوافع تدفع البعض إلى الوقوع في السخرية من الآخرين ومن هذه البواعث نذكر ما يلي:
1-ضعف الإيمان بالله وهو جماع هذه البواعث والدوافع، فضعف الإيمان يحمل على ارتكاب المعاصي والذنوب ومنها الاستهزاء بالآخرين أو الاستهزاء بآيات الله وشرعه، ولا يمكن للمؤمن قوي الإيمان أن يقع في الاستهزاء أو غيره من المعاصي وهو بحال كمال الإيمان أبدا.
2- الجلوس في المجالس السيئة ومخالطة أصحاب السوء، فهو مدعاة للوقوع في كثير من المعاصي القولية كالسباب، والغيبة والنميمة، والاستهزاء بالآخرين، فالصاحب ساحب، والطباع سراقة.
3- الكره والحقد على الآخرين، فالمرأة مثلاً إذا كانت تكره وتحقد على امرأه أخرى، فتراها تستنقص منها وتزدريها، وتحاول، إهانتها في كل موطن، وما ذاك إلا لاسوداد قلبها وامتلائه بالحقد والبغض للآخرين، والحقد والحسد يصم ويعمي.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه



فالكل أعداء له وخصـوم


كضرائر الحسناء قلن لوجهها



لما تبدى لهن أنت ذميم


4-الفراغ وحب الضحك على الآخرين: إن الإنسان حين فقد الهدف الأسمى الذي من أجله جاء لهذه الحياة، وهو عبادة الله وحده لا شريك له: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: 56]، حين يتناسى هذا الهدف سرعان ما يتجه لدروب الشيطان التي تملأ عليه هذا الفراغ فيحاول ملأه بما يقضي به على فراغه، ولو كان بالتلذذ بالضحك على الناس والاستهزاء بهم والسخرية بخلقتهم وأفعالهم، وقد حذر الرسول rمن ذلك أشد الحذر فقال: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له». [رواه أحمد في المسند والترمذي وأبو داود].
وقال عليه الصلاة والسَّلام: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساؤه يهوى بها عن أبعد من الثريا». [رواه أحمد في المسند].
وقال عليه الصلاة والسَّلام: «إن الرجل لتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة». [ رواه أحمد في المسند وابن ماجه وصححه الألباني].
إن هذه النصوص تصور فعلًا واقعًا من الناس الذين يقضون أوقاتهم في القيل والقال والضحك على الآخرين والاستهتار بهم، وكم ضاحك بملء فيه، والله ساخط عليه.
5- الكبر والنظر للنفس بالعجب والإكبار وللغير بالمهانة والاحتقار إنه خلق فرعوني بغيض {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}[الزخرف: 52]، إن فرعون هنا يتعاظم على موسى ويتكبر عليه ويدعي زوراً وكذباً أن موسى مهين حقير، وليس بفصيح ولا يعرف فنون الكلام، وفي ذلك الاستعلاء الممقوت والازدراء للآخرين مما يستوجب العقوبة والحرمان والخذلان، كما حل بفرعون والعياذ بالله.
يقول العلامة ابن كثير: «وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى عليه السَّلام بعين كافرة شقية، وقد كان موسى عليه السَّلام من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب، وقوله: {مَهِينٌ}كذب، بل هو المهين الحقير خلقه وخلقًا ودينًا، وموسى هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد».ا.ه.
إن حب الظهور والرياء والسمعة على حساب الآخرين خلق من أخلاق ذوي السخرية والاستهزاء وأصحاب النفوس المريضة، فهم كالنباتات السامة الضارة التي تتسلق على الأشجار الباسقة والثمرات الطيبة وتشوه صورتها.
رابعًا: أنواع الاستهزاء وحكم كل نوع:

للاستهزاء أنواع عدة، ويختلف الحكم الشرعي تبعًا لاختلاف كل نوع.
النوع الأول: الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله r:

ومن وقع منه هذا النوع، فهو كافر بنص الآية الكريمة التالية، سواء قصد ذلك أم لم يقصده وسواء أكان مازحًا أم جادًّا، وهي قوله سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}[التوبة: 65-66].
وسبب نزول هذه الآية: ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء.
فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله r فبلغ ذلك النبي rونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله r، تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله r يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم».
يقول ابن تيمية رحمه الله: «إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر صاحبه بعد إيمانه». [مجموع الفتاوى [7/273].
ويقول ابن قدامة المقدسي: «من سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحًا أو جادًّا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو كتبه، قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}وينبغي أن لا يكتفي من الهازئ بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدبًا يزجره عن ذلك».
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: «إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج من الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسوله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأثل، ومناقض له أشد المناقضة».
النوع الثاني: الاستهزاء بصحابة رسول الله r:

وذلك بالقدح والطعن فيهم نبزهم بسيئ الألقاب.
يقول ابن عثيمين رحمه الله: «وبهذا يعرف أن من يسب أصحاب رسول الله r أنه كافر، لأن الطعن فيهم طعن في الله ورسوله rوشريعته».
النوع الثالث: الاستهزاء بالصالحين:

لقد تفنن كثير من الناس في الاستهزاء بالصالحين من العلماء أو الدعاة أو العباد أو المجاهدين أو كل من تمسك بسنة وهدي النبي rوما أكثر الطرائف والنكات التي ينسبها هؤلاء المستهترون على اللحى أو الثياب القصيرة أو حجاب المرأة وجلبابها، وهذا فيه خطر عظيم كما سيأتي بيانه.
يقول سماحه الشيخ ابن باز يرحمه الله: «ومن يستهزئ بأهل الدين والمحافظين على الصلوات من أجل دينهم ومحافظتهم عليه، يعتبر مستهزئا بالدين، فلا تجوز مجالسته، ولا مصاحبته، بل يجب الإنكار عليه والتحذير منه ومن صحبته وهكذا من يخوض في مسائل الدين بالسخرية والاستهزاء يعتبر كافراً».
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن حكم الاستهزاء بأهل الخير والصلاح، فأجاب: «هؤلاء الذين يسخرون بالملتزمين بدين الله المنفذين لأوامر الله فيهم نوع نفاق، لأن الله قال عن المنافقين: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[التوبة: 79]. ثم إذا كانوا يستهزئون بهم بعنون أشخاصهم وزيهم، بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة فإنهم لا يكفرون بذلك، لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه بقطع النظر عن عمله وفعله، لكنهم على خطر عظيم». [المجموع الثمين من فتاوى الشيخ ابن عثيمين [1/65].
النوع الرابع: الاستهزاء بعموم الناس ونبزهم بالألقاب والسخرية بهم ومحاكاة خلقتهم وأفعالهم.
وهذا ذنب عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب، وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الحجرات: 11].
فنهى الله في هذه الآية المؤمنين عن السخرية والاستهزاء وعد المستهزئ والساخر فاسقًا بعد إيمانه، وظالمًا إن لم يتب إلى الله سبحانه.
ثم لأن في الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين والمؤمنات أذي لهم وقد توعد الله من يؤذي المؤمنين بغير ما اكتسبوا بقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}[الأحزاب: 58].
وعن النبي rأنه قال: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه» [رواه مسلم].
ثم إنه يخشى على المستهزئ أن يبتليه الله بتلك الخصلة التي سخر من غيرة بها، كما في قوله : «لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك». [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن].
خامساً: عقوبة وجزاء المستهزئين:
يقول الله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[القلم: 35- 36].
ويقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[المجادلة: 20- 21].
لقد تأملت من خلال هذا البحث الآيات العظيمة التي وردت في كتاب الله تعالى والتي ذكر فيها سبحانه عقوبة المستهزئين وعقاب الله الأليم المحيط بهم، فوجدت أمراً عظيماً تنفطر منه الأكباد، وتنخلع لهوله الأفئدة.
-خزي في الدنيا، وعذاب في الآخرة.
-هلاك ودمار في العاجلة.
-وعذاب مقيم في الآجلة.
قوم نوح عليه السَّلام سخروا منه، فأهلكهم الله بالغرق في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ}[الأعراف: 64].
وقوم هود عليه السَّلام سخروا منه وكذبوه، فأنجاه الله وأهلكهم قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ}[الأعراف: 72]، وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ *وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}[هود: 58-60].
وصالح عليه السَّلام أرسل إلى ثمود فسخروا منه وكذبوه فأنجاه الله وأهلكهم قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}[الأعراف: 78].
ولوط عليه السَّلام أرسل إلى قومه فسخروا منه وقالوا: {إِنَّهُمْأُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}فكانت النجاة له ولمن آمن معه، والهلاك والدمار للساخرين والمكذبين قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}[الأعراف: 83-84]، وقال سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}[هود: 82-83].
وقوم شعيب سخروا منه وقالوا له: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}[هود: 87].
فأهلكهم الله وأنجاه قال سبحانه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف: 91-92].
وقال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}[هود: 94-95].
وقوم موسى كذبوه وسخروا منه واستهزأوا به فأنجاه الله ومن معه وأهلك عدوه قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ}[الشعراء: 63-66].
وأعداء رسول الله r استهزؤوا به وسخروا منه وكذبوه وآذوه، فكانت العاقبة للمتقين، والخزي والعار والنار والهلاك للطغاة الهازلين المفسدين المكذبين.
قتلوا في الدنيا وعند ربك عذاب ونار شررها كالقصر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء المستهزئين برسول الله r ومن معه من المؤمنين: «والقصة في إهلاك الله واحدًا واحدًا من هؤلاء المستهزئين معروفة، فقد ذكرها أهل السير والتفاسير، وهم على ما قيل: نفر من رؤوس قريش مثل الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وابن عبد يغوث، والحارث بن قيس، وكسرى مزق كتاب رسول الله r واستهزأ به فقتله الله بعد قليل؛ ومزق ملكه كل ممزق، ولم يبق للأكاسرة ملك، وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}[الكوثر: 3]. فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره..»
ومن الكلام السائر: «لحوم العلماء مسمومة»، فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السَّلام؟!! وفي الصحيح عن النبي rقال: يقول الله تعالى: «من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة» فكيف بمن عادى الأنبياء، ومن حارب الله تعالى حرب.
ومما ذكره الله تعالى من عقابه للمستهزئين بالمؤمنين يوم القيامة قوله سبحانه وتعالى: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ}[المؤمنون: 108-111]، ويقول سبحانه: { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[الأنعام: 5].
إن الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين والمؤمنات من أشد أنواع الأذى، ولهذا توعد الله سبحانه من يؤذي المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}[الأحزاب: 57-58].
إن المستهزئين بالمؤمنين ودين الله وشرائعه لن يضروا إلا أنفسهم، وحين تكشف السرائر، وتنشر الصحائف يندم أولئك الهازلون ولات ساعة مندم قال سبحانه: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[الزمر: 48].
ومثلها قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}[الجاثية: 33-35].
سادساً: موقف المسلمين من الساخرين والمستهزئين:

يشكو كثير من الناس وخاصة الدعاة من هذا الوباء، الذي يعترضهم في طريق الدعوة، الناس يسخرون منا، هؤلاء يستهزئون بنا، ماذا نفعل وكيف نتصرف؟ وللجواب على ذلك أقول وبالله التوفيق: إن الموقف الحق الذي ينبغي أن يقفه المسلم من الساخرين يتمثل فيما يلي:
1-الصبر على الأذى في سبيل الله: إن الصبر أحد ثوابت الدعوة إلى الله فدعوة بدون صبر لا يرجى من ورائها ثمرة. كيف وقد خاطب نبيه،r، بقوله: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}[هود: 49]، وأوحى الله إلى نبيه،نبأ ما قال موسى عليه السَّلام لقومه: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}[الأعراف: 128-129].
ولابد أن يكون مع الصبر توكل صادق على الله وحده، يقول سبحانه: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}[الأحزاب: 48].
فالتوكل عليه سبحانه والاعتماد عليه وحده، والطمع فيما عنده وحده، هو الركن الركين لسالك هذا الطريق الطويل، وقديماً قيل: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين».
2-أخذ العبرة ممن هم خير منا، فقد مر بك خبر أنبياء الله عليهم الصلاة والسَّلام الذين سخر منهم أقوامهم، ها أثنتهم هذه السخرية عن المبدأ الذي قاموا من أجله، والدين الذي أرسلوا به؟ كلا لقد كان قوم نوح يسخرون منه وهو يصنع السفينة، ويؤذونه بالهمز واللمز والضحك والاستهزاء فما زاده ذلك إلا مضياً في طريقه، ويقيناً بوعد ربه له.
وقوم لوط كانوا يسخرون منه ومن طهارته هو ومن آمن معه ويتندرون بذلك قائلين: {إنهم أناس يتطهرون}، فما زاده ذلك إلا ثباتاً على الحق ويقيناً بأمر الله الذي قاله له ربهسبحانه: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}[هود: 81]، ورسول الله r لما سخر به من سخر واشتد عليه أذى هؤلاء السفهاء خاطبه ربه تعالى بقوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[الأنعام: 10، الأنبياء: 41].
وقال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}[الرعد: 32].
3- المؤمنون عامة والدعاة خاصة هم أحرى الناس بقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل عمران: 139- 142].
فالمؤمن لا يهن ولا يحزن، وهو يعلم أن الله معه بتوفيقه وتسديده وتثبيته، كيف وقد قال ربنا تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[يونس: 65].
فالمؤمن هو الأعلى قدرًا وشرفًا ومنهجًا ومكانة وعند الصباح يحمد القوم السرى، وعند الممات يحمد القوم التقى، ويوم التغابن يخزي الله أهل السخرية والردى.
4-الإعراض عن المستهزئين وعدم مجالستهم، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ}[الأنعام: 68-70].
وهدد الله من يجالس هؤلاء الهازلين الساخرين إذا لم يبتعد ويقم عنهم فسيكون منهم ويعذب بعذابهم قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء: 140].
لقد كثر التساهل مع الأسف في هذه المسألة فرأينا من يتخذ الهازلين الساخرين أولياء وجلساء وأصفياء وأخلاء، بل ويدافع عنهم ويذب عن أعراضهم، وكأنه قد نسي قول الله تعالى: { وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}[النساء: 107].
وقول الله تعالى: { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}[النساء: 105].
إن على أهل الحق واليقين أن يربأوا بأنفسهم عن مجالسة الهازلين المستسخرين حتى يفوزوا برضاء رب العالمين، ويحشر تحت لواء سيد المرسلين.
5- الصدع بالحق اقتداء برسولناr، فإنه كثر عليه الاستهزاء والسخرية، قال الله له: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}[الحجر: 94-95]، أليست قريش هي القائلة لرسول الله r: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}[الحجر: 6-7] .
أليست نظراتهم الملتهبة الناقمة الهازلة الساخرة كانت تلاحق رسول الله r في كل مكان: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}[القلم 51-52].
كل ذلك حصل فما زاد نبي الله، صلوات الله وسلامه عليه، إلا مضيًّا في طريق الحق، والذين يتصدون للدعوة ثم تردهم كلمة ساخرة، أو غمزة ساقطة ليسوا أهلًا لتحمل هذه الدعوة، فإن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان وكفى، وإنما هو حقيقة كبرى لها تكاليفها وأمانتها وأعباؤها وجهادها. فمن ردته السخرية أو ثنت عزمه وسائل الاستهزاء فيجب عليه التنحي عن الطريق وليترك الأمر لمن هم له أهل وكفء.
والعجب في هذا من أهل الباطل ودعاة الضلالة، فإنهم مع كل عقبة تقابلهم في طريق باطلهم إلا أنك تجد لديهم من الثبات على مبدئهم وإصرارهم وعنادهم ما يذهلك وأنت ترى بعض ضعاف الإيمان يتنازل عن أمور دينه بسبب همزة أو لمزة أو كلمة لاذعة، أو سخرية ماجنة، فإلى الله نشكو جلد الفاجر وعجز التقي.
ولو تأملنا حال داعية من الدعاة إلى الله في العصور المتأخرة وهو الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقرأنا في تاريخه كم صعوبة لاقاها، وكم سخرية عانى منها؛ ضحكوا به، ونفروا الناس منه، وافتروا عليه، لكنه ثبت ثبات الجبال، فحصل له النصر على الأعداء والتمكين في الأرض.
سابعا: علاج الاستهزاء:

إن لكل داء دواء، وإن الاستهزاء من الأمراض الخطيرة، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، وهو سبب في ارتداد المسلم عن دينه، ودخوله في زمرة الكافرين والعياذ بالله.
وهناك أسباب قد تعين بفضل من الله على اجتناب مثل هذا الخلق المشين، ومنها:
1-معرفة أن الاستهزاء من كبائر الذنوب، وأن كلمة واحدة كفيلة بإخراج المرء من دينه.
2-مراقبة اللسان، وعدم إطلاق العنان له في كل شاردة وواردة، فيلزم محاسبته والمحافظة عليه فهو سلاح ذو حدين، إن استعمل في أخير فهو خير، وبالعكس.
3-الابتعاد قدر الإمكان عن مجالس الضحك والهزل وما لا نفع فيه واستبدالها بمجالس الذكر والخير.
4-تعظيم هذا الدين وهذا أهم الأسباب، والقاعدة أنه متى حصل التعظيم للشيء وقع الاهتمام به.
5- إشاعة حكم الاستهزاء في المجالس، وبيان خطره وأنه سبب عظيم في كفر المسلم وردته.
دع عنك ذكر فلانة وفلان



واجنب لما يلهي عن الرحمن


واعلم بأن الموت يأتي بغتة



وجميع ما فوق البسيطة فان

فإلى متى تلهو وقلبك غافل



عن ذكر يوم الحشر والميزان


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد خير الأنبياء والمرسلين.

رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-23
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  رشيد السوفي غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 18298
تاريخ التسجيل : Dec 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة : الجزائر ولاية الوادي
عدد المشاركات : 38 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : رشيد السوفي
افتراضي رد: الاستهزاء حقيقته وأحكامه

اللهم اجعلنا من عبادك المتقين مشكور اخي وبارك الله فيك موصوع قيم ومفيد في حياتنا نورت المنتدى بموضعك ننتظر منك اكثر في المستقبل وتعبك مأجور عليه باذن الله
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الاستهزاء حقيقته وأحكامه



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:50 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب