منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الإتحاد يتوج بكأس العرب ويعانق ثاني "دوبلي" في تاريخه seifellah منتدى الكورة الجزائرية 0 2013-05-14 11:25 PM
شارك معنا بعبارة أو حكمه Mihra منتدى الحكم والأمثال الشعبية 19 2012-06-30 12:27 PM
ما هو الحديث المعنعن وما هو حكمه؟ نسيمو ركن الحديث الشريف 13 2011-08-03 04:22 PM
قصه لها حكمه Pam Samir ركن القصة والرواية 2 2008-11-02 09:43 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-26
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

المقـدمة
من واجبات الدعوة إلى الله تعالى، وتحمل مسؤولياتها إلقاء الضوء على الظواهر المستجدة، وإيجاد الحلول للمشكلات التي تعاني منها الأمة.
ومن الظواهر الاقتصادية التي انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة (البيع بالتقسيط) بأشكاله وصوره المتعددة.
والبيع بالتقسيط مشروع تجاري مربح، لكنه أفرز مشكلات عدة منها:
1- استهانة كثير من المتعاملين به بحقوق الناس (الدين).
2- تكالب الناس على الماديات، والتزود من الكماليات بسبب وجود الطرق التي تجعلهم يستطيعون التزود منها عن طريق بيع التقسيط.
3- كثرة المساجين في الديون وما يترتب على ذلك من ضياع أسرهم وأولادهم.
4- إشغال أجهزة الدولة بهذه المشكلة من الجهات الأمنية إلى المحاكم إلى الجهات الحكومية التي يعمل بها من يتعاملون بهذا البيع، ثم لم يستطيعوا سداد ديونهم.
من أجل ذلك صار واجبًا على أولي العلم والرأي معالجة هذه الظاهرة، والإسهام في حل هذه المشكلة المتفاقمة بما يرفع الضرر ويحقق النفع.
وقد قامت هيئة التحرير في المجلة بإشباع هذه الظاهرة دراسة وبحثًا من جوانب عدة، واستكتبوا فيها جملة من المتخصصين في علوم الفقه والاقتصاد وشركات التقسيط، ونشروها مذيلة بفتاوى كبار علماء الأمة في العدد (99) من المجلة.
ولأهمية هذا الموضوع، ومسيس حاجة الناس إليه، فإننا رأينا ضرورة إفراده في كتيب مستقل يكون في متناول أيدي الناس.
وإنني إذ أقدم لهذا الكتيب الذي يعتبر النواة الأولى لكتيبات مستقبلية – إن شاء الله تعالى – ستقوم المجلة بنشرها تباعًا كلما دعت الحاجة إلى ذلك، فإنني أشكر كل من ساهم معنا في إخراج هذا الجهد المبارك، من إخواننا الكتاب والمحررين والفنيين وغيرهم، وأسأل الله تعالى أن يجزي الجميع خير الجزاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


* * *
لماذا هـذا الملف؟؟

كم من مرة دق جرس الهاتف فقال الأب لابنه: لا ترفع السماعة! وقُرع باب المنزل فقال أحد الأولاد: الوالد غير موجود!
كم من شخص غير رقم هاتفه، وربما نقل من عمله وسكنه بسبب مضايقات وجدها من أناس يلاحقونه بالليل والنهار!
كم من شخص جاء الشرطي ليقبض عليه أمام أسرته، أو أهل حارته، أو زملائه في العمل!!
كل أولئك – وغيرهم كثير – تحملوا ديونًا عجزت مواردهم عن الوفاء؛ فأصبح صاحب الحق يريد حقه، والدائن لا يستطيع وفاءه حقه!!
فأين هو الدواء؟ وما أسبابه؟ وكيف يمكن العلاج؟!
وكم من شخص دعته صداقته لفلان، أو قرابته منه، أو زمالته له، أن يتحمل دينه ويرضى أن يكون كفيلاً ضامنًا؛ فتحمل ما يسعه عدم تحمله، وأوثق نفسه بحبل كان بإمكانه الفكاك منه، ومن ثم قطع قرابته، وألغى صداقته؛ لأنه يرى أنها جرَّت عليه وبالاً.
إنها ظاهرة ملحوظة في مجتمعات الناس، وفي مجتمعنا على وجه الخصوص، تتلخص في أن التاجر يريد تشغيل ماله، والعود عليه بأرباح، والفقير يريد ما يريد الناس من البيت الكبير، والأثاث الجميل، والسيارة الفخمة، والمتاع الحسن؛ لكنه لا يجد ثمن ذلك؛ فالتقت حاجة التاجر إلى تشغيل ماله وجني الأرباح مع حاجة الفقير إلى التمتع بما يتمتع به الأغنياء الواجدون؛ فولَّدَتْ البيوع الآجلة بكل أنواعها وأشكالها، المباح منها والمحرم والمتشابه: من الربا، إلى بيع العينة، إلى التورق، إلى التأجير المنتهي بالتمليك، إلى بيع التقسيط، إلى غير ذلك من الاختراعات الجديدة في المعاملات التي يولد منها بين حين وآخر صور كثيرة.
فكيف يمكن حل هذه المشاكل التي أفرزتها البيوع الآجلة؟ وقبل ذلك: ما أسبابها؟ وأبعادها؟ وحجم انتشارها؟ وما النصائح التي يراها المختصون سواء في علوم الشريعة، أو في فقه التجارة، أو غيرهم ممن لهم اهتمام بمثل هذه الظواهر؟
كل ذلك وغيره تجده في هذا الملف الذي حرصت (هيئة التحرير) على أن يكون متكاملاً ومغطيًا لجميع الجوانب التي يُحتاج إليها في هذا الموضوع المهم، علمًا بأن جميع من شاركوا في هذا الملف لهم اختصاص مباشر أو غير مباشر ببيع التقسيط سواء عن طريق أطروحاتهم العلمية (رسائل الماجستير والدكتوراه) أو مشاركتهم التلفزيونية أو الإذاعية ونحوها؛ مما يجعل لهذا الملف أهميته من الناحية التخصصية، وعسى أن نكون وفقنا لإثراء قرائنا بما يفيدهم، وأسهمنا في حل هذه المشكلة المتفاقمة والله الموفق ...

علاقة الإنسـان بالمال
ملكًا وتصرفًا

علاقة الإنسان بالمال
ملكًا وتصرفًا
يعتبر المال هو العصب الذي يتحرك الاقتصاد من خلاله؛ لذلك أولاه الله عناية في تشريعه، وكانت نظرة الإسلام إلى الأموال نظرة واقعية؛ فوصفها بأنها زينة الحياة الدنيا، وسوى بينها وبين الأبناء، ووصفها بأنها قوام للناس، حتى أخذت مادة (المال) حيزًا ليس بالقليل من آيات القرآن: ستًا وثمانين مرة.
ويمكن تلخيص المبادئ الاقتصادية المتعلقة بالمال في القرآن من خلال المحاور التالية:
1- ملكية المال.
2- علاقة الإنسان بالمال.
3- قواعد التصرف في المال.
* * *

1- ملكية المال:
المال في الأصل مال الله، والقاعدة تقرر أن خالق الشيء هو مالكه، والله تعالى يقول: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}
[الأنعام: 102]
، فهو مالك كل شيء: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}[المائدة: 17]، ولا شريك له في ملكه
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء: 111].

وقد أضاف الله المال إليه فقال: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [النور: 33]، فأسفرت هذه الآية عن المالك الحقيقي للمال وبينت أن ما ينتفع الإنسان به من مال أو يحوزه إنما هو مال الله. ويترتب على هذه الحقيقة:
1- أن الله يتصرف في الأموال كيف يشاء: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]، سواء كان هذا الإيتاء قليلاً لا يزيد عن حاجته، أو كثيرًا يكفي المئات {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26].
2- وجوب تقيد الإنسان بأوامر الله عز وجل في المال: لأنه صاحب الحق فيه. وورد عن النبي r أنه قال: «لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» وذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه».
* * *

2- علاقة الإنسان بالمال:
الجماعة البشرية مستخلفة فيه؛ كما قال تعالى: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] يمكن تحديد هذه العلاقة من خلال الآيات التي تنسب المال إلى الإنسان، إلا أنها تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع الآيات التي تنسب المال إلى الله، لكن لا تناقض؛ لأن هذا الاختلاف يحمل دلالة تحديد طبيعة العلاقة والملكية.
فإذا تأملنا الآيات التي تنسب المال إلى الله نجدها تتحدث عن أصل الملكية، والمالك الحقيقي للمال، أما نسبته للإنسان في الآيات الأخرى فهي نسبة تصرف إذ تفيد اختصاص الإنسان بالانتفاع به، وإدارته، وتداوله ... لذلك نجد هذه الآيات مقرونة بأحكام تكليفية اقتضت نسبة المال إلى الإنسان؛ إذ الإضافة يكفي فيها أدنى الأسباب {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [التوبة: 103]، {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} [التوبة: 24].
كان الإنسان هو المختص بالانتفاع بالمال لما أنيط به من مهمة تنوء بها الجبال ألا وهي استخلاف الله له في الأرض؛ لأجل إحيائها واستعمارها {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 39]، وأعان الله الإنسان على مهمة الاستخلاف والاستعمار هذه، فأباح له ما في الأرض وسخر له ما في الكون: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].
طبيعة الاستخلاف والتسخير ودلالتها:
لدى التأمل في آيات الاستخلاف والتسخير في القرآن نجدها تشترك في كونها تخاطب الجماعة. وهذا يحدد لنا طبيعة الملكية في الإسلام، وهي طبيعة مصدرها الاستخلاف والتسخير فهي ذات صفة جماعية.
أما ملكية الفرد فهي ما أذن الشرع به للفرد من المال، وأباح له تملكه، من خلال أسباب التملك المعروفة: (العمل – الإرث – الهبة – الإحياء ...).
وبالتالي فالملكية الجماعية (العامة) ملكية تلقائية يشترك فيها جميع الناس، أما الملكية الفردية (الخاصة) فهي كسبية، سواء كان اكتسابها مباشرًا عن طريق الفرد كالعمل أو غير مباشر كالإرث.
ولما كانت الملكية الجماعية تلقائية كانت هي الأصل؛ لذلك تقدم على الملكية الفردية عند التعارض بشرط التعويض للفرد عن ملكيته؛ لأنها حق شخصي أقره الشارع.
ويلاحظ هنا أن التعارض ينبغي أن يكون حقيقيًا يخضع للمعايير التي تحددها مقاصد التشريع وأن يكون التعويض أيضًا متناسبًا مع المعوض عنه ومرضيًا لصاحبه.

* * *

3- قواعد التصرف بالمال:
تتحدد قواعد تصرف الإنسان بالمال من خلال ضوابط قرآنية تمليها على الإنسان معرفته بمالك المال ومراده فيه، وعلاقته به؛ فيتعرف على ما يجب عليه تجاه المال.
فالله هو المالك والإنسان مستخلف، ومراد الله تعالى منه اتباع ما يلي:
1- تداول المال واجب:
وذلك إنما يكون بحيازة المال واستثماره بالطرق المشروعة وهي:
- التجارة: وقد شرعها الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وأشاد بالرحلتين اليمنية والشامية اللتين يسرهما الله لقريش في تجارتها، فمنَّ الله عليهم بها وذكرهم بفضله ونعمته.
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4].
- الزراعة: فلفت الله الأنظار إلى نعمة إعداد الأرض للزراعة فقال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32].
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}
[الواقعة: 63-65]
.

- الصناعة: وهي أقوى العمد المادية التي تقوم عليها الحضارات، وفي القرآن إشارات كثيرة إلى جملة الصناعات التي لا بد منها في الحياة؛ فأشار إلى صناعة الحديد وقال تعالى: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].
وأشار إلى صناعة الملابس: {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا} [الأعراف: 26]. وإشارات أخرى كثيرة.
وقد سمى الله طلب المال من هذه الطرق: ابتغاءً من فضله، وأمر به عقب الفراغ من العبادة فهو تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} ثم قال. {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 9، 10].
ويقول تعالى آمرًا بتحصيل المال والاستثمار: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]([1]).
ولا ريب أن هذه الطرق الثلاث: الزراعة، والتجارة، والصناعة هي عمد الاقتصاد القومي لكل أمة تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة، فمن الضروري العمل على تركيزها في البلاد، ثم العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة هدفها الذي يوجبه الإسلام عليها، والذي يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه، صونًا لكيانها واستقلالها في سلطانها وإدارتها([2]).
2- منع تنمية المال بالطرق التي لا خير للناس فيها، أو تؤدي إلى الاستغلال:
فالربا استثمار للمال باستغلال حاجة الضعيف المحتاج فحرمه الله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، والسرقة والانتهاب والتسول زعزعة للأمن والاستقرار واغتصاب للحقوق، ومصدر للبطالة والفساد. لذلك أوقع الله على السارق عقوبة القطع {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38].
والاتجار بالمواد المحرمة التي تفسد عقل الإنسان وصحته سعي في نشر الفساد والأذى. وكذا الاعتماد على اللعب والحظ في تحصيل المال تعطيل للأسباب، وهدر للطاقات وتكريس للكسل، ومثله أي عمل لا يعود على العباد بالخير، وعلى المال بالنماء الحقيقي كل ذلك من الوسائل التي لا خير فيها للإنسان؛ بل هي مصدر للشر؛ لذلك حرمها الإسلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] – والرشوة أيضًا تذهب بالحقوق، وتكرس الظلم والطغيان، ومصدر لاستغلال الضعفاء. فحرمها القرآن {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
[البقرة: 188].

3- اشتراط الأهلية فيمن يتداول المال:
فلا بد أن يكون المتصرف في المال عاقلاً راشدًا لئلا يعود السفه أو الضعف على المال بالضياع والضرر، وإذا كان صاحب المال ليس أهلاً للتصرف فيه أوجب الشرع إقامة ولي عليه يستثمر ماله إلى أن يصبح راشدًا ... {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5]، {فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6].
4- وجوب الاعتدال في الإنفاق:
ذلك أن الإسراف إتلاف للثروة، وإضاعة للمال من دون خير يعود على الإنسان، بل ربما كان مصدرًا للعوز والفقر في المستقبل، كما أن التقتير صفة ذميمة، إذا تحكمت في الإنسان أدت إلى سوء العلاقات الاقتصادية، وضآلة الاستثمار. لذلك حرمهما الله وأمر بالاعتدال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، وجعل الاعتدال من صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].
5- الأمر بالإنفاق وتحريم الكنز:
لم يترك الإسلام الخيار للإنسان في الإنفاق بل أوجبه عليه، {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، بل عجب ممن يمتنع عنه {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء: 39]. والإنفاق مرتبط بحيازة الإنسان للمال، كل بحسب وسعه {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} [الطلاق: 7].

([1]) الإسلام عقيدة وشريعة: 250-252 الشيخ محمود شلتوت ط17 1991 دار الشروق – القاهرة.

([2]) نفس المرجع السابق: 254.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-26
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

وهو على نوعين:
إنفاق واجب: ويشمل النفقة الشخصية، والزوجية، والأقارب وحق الفقراء وسائر من هم أهل الزكاة.
وإنفاق مندوب: وهو ما زاد على ذلك من صدقات، وهبات، وأوقاف، ووصايا، وتبرعات ...
ولما كان الإنفاق واجبًا كان الكنز حرامًا: وهو جمع المال وادخاره وعدم إنفاقه في سبيل الله عند الحاجة والاضطرار إليه، فهو منع للحقوق الواجبة في المال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].

6- تنظيم العقود والمبادلات المالية:
إن تبادل المال وتداوله من غير ضوابط يؤدي إلى النزاع وضياع الحقوق؛ لذلك شرع القرآن كتابة العقود وأمر بالوفاء بها، وبين طرق توثيقها، وآدابها.
حتى إن أطول آية في القرآن هي آية الدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، وقال: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].
7- توزيع المال وفق نظام الإرث بعد الموت:
الله أعلم بمن هو أحق الناس بمال المتوفى {آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]. ثم إن المال مال الله تعالى أباح للفرد الانتفاع به في حياته؛ فهو الذي يبيحه لغيره حسب إرادته التي بينها في نظام الإرث المفصل في سورة النساء. فضلاً عن ذلك فإن هذا النظام الإرثي هو الذي أثبت الواقع عدالته تجاه الإنسان نظرًا للواجبات المقابلة التي تلزم الأقارب تجاه المورث.
بعد هذا الاستعراض الموجز للمبادئ الاقتصادية التي نص عليها القرآن والتي تمثل متنًا شرحته السنة الشريفة، وفصله الفقهاء وبينوه من خلال اجتهاداتهم عبر العصور، نسأل الآخرين: ما هي الثغرة التي وجدتموها في هذه المبادئ القرآنية حتى أعرضتم عنها؟!
إن القضية الأساسية في الجدل الذي يدور حول الاقتصاد الإسلامي هي قضية انتماء وولاء للإسلام أو عداء واعتلاء، يكرسه الجهل به، وتقصير أبنائه في عرض وتحليل نصوصه، وبيان سمو مبادئه.
فكل مبدأ من المبادئ التي ذكرتها يصلح لأن يكون موضوعًا مفصلاً يعالج قضية من قضايا الاقتصاد المعاصر.
ولا أدري أي اقتصاد يدعو إليه ذلك الذي ينكر الاقتصاد الإسلامي؟ أهو الاقتصاد الذي تقوم عليه الدول الكبرى؟ والتي رفعت شعار العدالة وحماية حقوق الإنسان لتسجل في صفحاتها العطاءات التي قدمتها للمنكوبين والمشردين والجياع، وفي واقع الأمر هي التي أفقرتهم وجوعتهم وحاصرتهم؟ أم أنه يدعو إلى الاقتصاد الذي كان سائدًا في الاتحاد السوفيتي السابق الذي تعاني دوله من آثاره اليوم؟ أم أي اقتصاد آخر يريده؛ لعله بلسان حاله يقول: قل ما شئت إلا أن تقول: اقتصاد إسلامي؛ لأنك بذلك ستقول بنظام حياة إسلامي لا يترك شأنًا من شؤون الحياة إلا تدخل فيه وهذا ما لا يرضاه الآخرون {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

* * *

التقسيط
نشأته . تاريخه . دواعيه
إعـداد
الدكتور/ عبد الله بن محمد السعيدي

التقسيط
نشأته، تاريخه، دواعيه
أولاً: نشأته وتاريخه:
بيع التقسيط بالنظر إلى نشأته قديم؛ فإنه يُعّدُّ من قبيل بيع الأجل الذي جاءت ببيان أحكامه كتب الفقه الإسلامي.
وكل بيع تقسيط يعد بيعًا مؤجلاً، ولا عكس، فليس كل بيع مؤجل يعد بيعًا مقسطًا، فقد يستحق الثمن دفعة واحدة بعد أجل معين.
وتاريخ البيع المؤجل هو تاريخ حاجة الإنسان، فلا يكاد عصر من العصور يخلو من بيع الأجل، سواء كان ذلك في الجاهلية، أو الإسلام.
وقد جاء الإسلام؛ والناس يتعاملون بالربا، وهو من قبيل بيع الأجل فحرمه الإسلام، لما فيه من ظلم وضرر. وأحل صورًا أخرى من صور بيع الأجل ما زال الناس يتعاملون بها إلى اليوم، فتارة يكون تعاملهم على نحو صحيح، وتارة يلزم تعاملهم شطط يقترب به من المنع إن لم يُدخله حماه.
ومن أمثلته في الإسلام ما جاء عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي r اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعه».
[البخاري مع الفتح 5/142]

وما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أنه باع جملاً له يدعى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل».
[الموطأ مع تنوير الحوالك 2/148].
ومن أمثلته فيما يعود تاريخه إلى مائة عام خلت: ما يحصل بين أهل القرى، التجار من جهة – وهم قلة – والمحتاجون من الفلاحين ونحوهم – وهم كثرة – حيث تحصل بينهم مداينة تسمى بلسانهم الدارج (الكَتْب) – وتخرج الكاف قريبًا من مخرج السين – وفيها يستدين الفلاح قدرًا معينًا من الطعام. كالبر مثلاً – ليرد عوضًا عنه بعد أجل لدائنه مثله وزيادة، وكثيرًا ما تدخل هذه المعاملة في الربا إذا لم تكن على وجه السلم، منضبطة بشروطه.
أما بالنسبة لنشأته وتاريخه في العهد القريب كظاهرة اقتصادية في مجتمعنا، فإنه مرّ بمرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة البيع المؤجل دون تقسيط:
وفي هذه المرحلة يكون الثمن مؤجلاً، ويستحق دفعة واحدة.
ولم تكن لهذه المرحلة مؤسسات مالية منظمة، لكن كان في القرى والمدن أناس يعرفون بملاءتهم، فيقصدهم الناس عند الحاجة ويتعاملون معهم بهذه المعاملة.
وتاريخ هذه المرحلة يرجع إلى ما قبل ثلاثين عامًا من الآن تقريبًا، وكانت العبارة المستخدمة عندهم: أبيعك العشر اثنا عشر ومعنى ذلك: أبيعك ما قيمته حالاً عشرة باثني عشر مؤجلاً وتساوي نسبة الربح هاهنا (20%) بلغة العصر.
المرحلة الثانية: مرحلة البيع المؤجل المقسط (البيع بالتقسيط):
وهذه المرحلة نشأت بعدما اتجه الفكر الإنساني إلى التنظيم والتخطيط، وصار الناس أكثر تنظيمًا؛ فكان من شأن ذلك أن راعت المؤسسات المالية القائمة حاجة السوق، وكان منه أن اتجهت إلى البيع بالتقسيط، كما قامت مؤسسات أخرى على أساس البيع بالتقسيط.
وتاريخ هذه المرحلة على وجه التقريب يعود إلى ما بعد انحسار الطفرة أي منذ خمسة عشر عامًا تقريبًا.
ولم تلج المؤسسات المالية هذه المرحلة دفعة واحدة لكنها سارت تترا في هذا الاتجاه، حتى لا تكاد تخلو منه اليوم مؤسسة تجارية يناسب التقسيط طبيعتها.
وقد صرحت بعض وكالات السيارات أنه قبل عام (1410هـ) كان البيع بالتقسيط يشكل (10%) من جملة المبيعات، وبعد عام (1410هـ) انعكس الأمر، فصار البيع بالتقسيط يشكل نسبة (90%) من جملة المبيعات.

* * *

ثانيًا: دواعيه:
البيع بالتقسيط تدعو له أسباب من أظهرها:
1- التسهيل: فما كل مستهلك يستطيع الشراء بالعاجل، ولا بد من موازنة بين مدخلات السوق، ومخرجاته، فلكي تستوعب السوق الاستهلاكية ما يعرض فيها، كان لا بد من المصير إلى البيع بالتقسيط تسهيلاً على المستهلكين.
2- المنافسة التجارية: فإن كثرة العرض في السوق تدعو إلى التنافس، ومن مظاهره ما تقدم الحديث عنه من تسهيل.
3- والبيع بالتقسيط يحقق أرباحًا أكثر من البيع بالنقد الحالّ. كما تصرح به بعض جهات التقسيط؛ فكان ذلك من دواعي البيع بالتقسيط أيضًا.
وهذه الأسباب تتعلق بالتاجر أو المنتج.
4- وثمة سبب رابع – لا إخاله يُشَّكل نسبة كبيرة – يتعلق بالمستهلك وهو أن بعض المستهلكين – وهم قلة – قد يفضل الشراء بالتقسيط مع توافر السيولة لديه – من منظور تجاري – فإنه بإمكانه أن يوظف السيولة الموجودة لديه في عمل تجاري يعود بربح أكبر مما يؤخذ لقاء التقسيط، فيتجه لهذا السبب إلى التقسيط.
5- وثمة سبب خامس يتعلق بالمستهلك – وأظنه لا يمثل نسبة كبيرة – هو الرغبة في مزيد من الاستهلاك، مع قلة في الإمكانات.
ويمكن على وجه الإجمال أن أقول:
إن الدافع للبيع بالتقسيط هو: بغية تسويق السلع.
والتسويق من عناصره: التسهيل.
والتسهيل من مظاهره: التقسيط.
وأختم بالتنبيه على مسألتين:
أولاهما: أن التقسيط فيه مصلحة من جهة أنه يسد حاجة الناس الذين لا يستطيعون الشراء بالعاجل.
وفيه مفسدة من جهة المبالغة فيه، فإنه يُعّوَّد المجتمع على الاستهلاك فيما هو من قبيل الترف والكماليات، وليس الحاجيات والضروريات، وهذا يؤدي إلى تشكيل المجتمع في طبقتين:
أ- طبقة مترفة يزداد ثراؤها على حساب السواد الأعظم من المجتمع، وهي طبقة التجار والمنتجين.
ب- طبقة كادحة تعمل لحساب الطبقة الأولى، وهي طبقة المستهلكين.
وثانيتهما: أن الدَين هَمٌّ بالليل، وذلٌّ بالنهار، والشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، فحري بأمر هذا شأنه أن يأنفه الحر، ولا يقدم عليه؛ لأمور لا تسوغ تبعاته.

* * *

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-05-26
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

وجـوب حفـظ المـال
وأثر التقسيط عليه
إعداد
الشيخ:عبد الله ناصر السليمان

وجـوب حفـظ المـال
وأثر التقسيط عليه
مما لا شك فيه أن الله جل وعلا هو القابض الباسط، وهو المعز والمذل، وهو المغني والمفقر {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الزمر: 52].
وله الحكمة البالغة جل وعلا في ذلك كله قال تعالى:
{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27].

وكم من عبد من عباده كان فقره سبب سعادته! وكم من عبد من عباده كان غناه سبب شقائه. ولا يدل غنى العبد على رضى ربه عنه، ولا فقره على سخطه عليه. ولا الغنى دليل سعادة، ولا الفقر دليل شقاء. وصدق الشاعر إذ يقول:
ولست أرى السعادة جمع مال




ولكن التقى هو السعيد





وأبلغ من ذلك وأصدق قول ربنا جل وعلا: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37].
ومع هذا كله فالمسلم مطالب بالسعي في الأرض، والكسب الحلال {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].
ومتى ما سعى الإنسان، واكتسب المال؛ فهو أيضًا مطالب بالإنفاق منه بلا بخل ولا إسراف، وهذه صفة عباد الرحمن {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وفي القرآن الكثير من الآيات، وفي السنة الكثير من الأحاديث التي تذم البخل كما تذم الإسراف.
وقد طالب الله المسلم بالمحافظة على هذا المال، ونهاه عن تركه بيد السفيه الذي لا يعرف قدره، ويبدده فيما لا ينفع فضلاً عما يضره قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}
[النساء: 5].

بل إن الإسلام لم يكتف بهذا فشرع لولاة الأمر متى ما ظهر من إنسان سفه في تضييع المال أن يحجروا عليه، ويمنعوه من التصرف فيه؛ حتى إن تصرفه لا ينفذ في كثير من بيعه وشرائه وتعامله. كل هذا حفاظًا لهذا المال؛ ولهذا أفرد الفقهاء في كتبهم بابًا أو كتابًا في الحجر على السفيه، وتناولوا فيه هذا الموضوع بالتفصيل والبيان.
إن هذه الأوامر والحدود التي أحاط الإسلام بها المال ما هي إلا للمحافظة على المسلم أو من هو تحت يده أن يفتقر، ويحتاج للآخرين، ويتحسر في حياته.
قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29].
فمتى ما بدد الإنسان ماله كان ملومًا من الآخرين وتحسر وندم حين لا ينفع الندم.
وتجد من يقدم على التقسيط – في الغالب – أحد ثلاثة أشخاص:
1- إما شخص لم يمتثل أمر ربه ويطبق هذه الأوامر والحدود على نفسه وما اكتسب من مال. تجده لا يفكر في غده، ولا يخطط لمستقبل، وكلما اشتهت نفسه شيئًا اشتراه وبأي ثمن؛ فإذا ما حدث له ظرف طارئ احتاج إلى الاستدانة بالتقسيط أو غيره، بل قد يضطر إلى ذلك اضطرارًا.
2- وإما شخص يستدين تقليدًا للآخرين بلا حاجة ولا ضرورة؛ وإنما لأمور تحسينية، كثير ممن هم أيسر حالاً منه مستغنون عنها؛ ولكن قريبه فلان أو صديقه فلان يسكن فلة واسعة فيريد مثله، أو يركب سيارة فاخرة فيريد مثله؛ مما يجعله يستدين للشراء ثم يستدين مرة أخرى ليسدد الدين الأول وهكذا حتى يغرق في الديون.
3- وإما شخص يبني مستقبله على توقعات وهمية، أو أشياء خيالية؛ فيستدين للحصول على مال لينشئ مشروعًا لم يدرسه الدراسة المتأنية من جميع جوانبه، ولم يأخذ في اعتباره أسوأ الاحتمالات؛ فإذا بدأ فيه اختلطت أوراقه، وتسرب وهمه، واخفقت توقعاته، وأسقط في يده بعد أن أثقل كاهله بالتقسيط.

آثار التقسيط على الفرد والمجتمع:
إن للتقسيط آثارًا سيئة على الفرد وعلى المجتمع فالفرد قد يكون له دخل ثابت – مرتب أو غيره – يكفي حاجته وحاجات أسرته، فإذا ما أدخل نفسه في متاهات التقسيط فلا تسأل عن حاله ونفسيته وضيقه إذا عجز عن التسديد، أو كان تسديده للأقساط مخلاً بالتزاماته الأخرى، ثم يتجاوز أثر ذلك إلى أفراد أسرته ومستوى معيشتهم. وما المجتمع إلا أفراد يكونون أسرًا، والأسر هي لبنات المجتمع.
وقد يتجاوز الأمر هذا الحد ويلجأ الدائنون إلى المرافعات في المحاكم، وقد يصل الحال إلى غياهب السجون. وكم تعرض في المحاكم من قضايا تقسيط توقف صاحبها عن السداد لعجزه، وفي بعض الأحيان تصل به الحال إلى أن تكون الأقساط المطالب بها شهريًا أكثر من مرتبه فأنى له السداد. ولا تسأل عن مآل أسرته وهو لا يستطيع الإنفاق عليهم بسبب دفعات التقسيط وقد ثبت عن النبي r أنه قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول»([1])، فتجد أن أفراد هذه الأسرة محتاجون، بل قد يضطرون إلى سؤال الناس سرًا وعلانية، وما ستكون عليه حالهم نفسيًا واجتماعيًا ومعيشيًا؟!
وإنني من هذا المنبر المبارك لأدعو كل من يفكر في الشراء بالتقسيط أن يقف طويلاً ويفكر فيما سبق ذكره، وينظر في عواقب الأمور مقدرًا أسوأ الاحتمالات؛ لعل ذلك يكون مانعًا له من الدخول في هذا النفق الذي متى ما دخله لا يعلم متى يخرج منه، وكيف يخرج منه.
وإنني أضيف إلى هذا المشتري بالتقسيط رجلاً آخر ليس بأحسن حالاً منه حملته دعوى الشهامة والرجولة – التي تحصل له بدونها – على كفالة مقسط بدون تروٍّ ولا تفكير؛ ولينظر: هل هذا الرجل الذي يريد كفالته ثقة عازمًا على السداد، غير معروف بالمماطلة والاحتيال؟! ثم هل هو قادر على السداد في وقته وحين حلوله؟! ثم لينظر هذا الكفيل في حاله كيف سيكون لو حصل لهذا المكفول عارض توقف بسببه عن السداد فهل الكفيل قادرًا على السداد عنه بدون أن يرهق نفسه ويضيع أسرته، أم هو غير قادر فليمتنع؛ لأنه قد يدخل السجن بسبب هذه الكفالة!!
فالله الله بالتأني في ذلك والتؤدة، وصدق من قال: الكفالة أولها شهامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة.
وأما إذا ألجأته الضرورة أو الحاجة الملحة إلى الاستدانة والشراء بالتقسيط فليتق الله تعالى في هذه المعاملة بأمور منها:
أولاً: أن يشتري البضاعة ممن يملكها حقيقة، ولا يكون هناك بيع وشراء قبل ذلك لقول النبي r: «لا تبع ما ليس عندك»([2])، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تبع طعامًا حتى تشتريه وتستوفيه»([3]).
ثانيًا: متى ما اشترى البضاعة فليقبضها، وليحرزها شرعًا، وليبيعها على شخص آخر ليس هو بائعها الأول ولا شريكه ونحوه؛ لئلا يقع في بيع العينة المنهي عنه شرعًا.
ثالثًا: ليكن في نيته وليعزم على تسديد قيمة هذه البضاعة لصاحبها فيحسب حساب هذا الدين، وهذا القسط من مرتبه أو دخله، ولا يحمل نفسه ما لا تطيق.



* * *

حكم بيع التقسيط
إعداد
الأستاذ الدكتور
حسين مطـاوع الترتوري

حكم بيع التقسيط
تعريف البيع والتقسيط:
البيع في اللغة: مطلق المبادلة([4]).
والبيع في الاصطلاح: مبادلة المال المتقوم تمليكًا وتملكًا([5]).
التقسيط في اللغة: من (ق س ط)، وقسط الخراج تقسيطًا إذا جعله أجزاءً معلومة.
والتقسيط في الاصطلاح: تأجيل أداء الدين مفرقًا إلى أوقات متعددة معينة([6]).
والمراد ببيع التقسيط: مبادلة سلعة تسلم حالاً بثمن مؤجل يسدد على دفعات معلومة في أوقات محددة، مع زيادة في الثمن.
من خلال التأمل في تعريف بيع التقسيط، فإننا نلاحظ أن أهم ما يميزه:
1- أن السلعة (المبيع) تسلم حالاً.
2- أن الثمن مؤجل يسدد على دفعات (أقساط).
3- الزيادة في الثمن نظير التأخير.
فإذا كانت هذه الأمور الثلاثة جائزة، فإننا نجيز بيع التقسيط. وإذا كان أحدها غير جائز فإننا لا نجيز بيع التقسيط.
الأمر الأول: تسليم السلعة (المبيع) حالاً:
الأصل في البيع تسليم السلعة حالاً؛ لأن الحكمة من مشروعيته: حاجة المشتري إلى السلعة، وحاجة البائع إلى الثمن([7]). ولا تتحقق الحكمة من البيع بالنسبة للمشتري إلا إذا استلم السلعة؛ لذا أجمع العلماء على أن الأصل تعجيل المبيع (السلعة)، ونصوا على عدم صحة بيع المعدوم، وغير مقدور التسليم([8]). واستثنوا من ذلك السلم. لما ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قدم النبي r المدينة، وهم يسلفون في الثمار، السنة والسنتين. فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»([9]).
وكذا فإن الأصل تسليم الثمن حالاً؛ لأن هذا يحقق الحكمة من مشروعية البيع بالنسبة للبائع. ويجوز تأجيل الثمن لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}
[البقرة: 282]
. ولما روته عائشة – رضي الله عنها – قالت: «توفي رسول الله r ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير»([10]).

الأمر الثاني: تأجيل الثمن وتسديده على أقساط:
تسديد الثمن على أقساط جائز؛ لحديث عائشة – رضي الله عنها - «أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين»([11]).
فقد أقر الرسول r بريرة في شرائها لنفسها بالأقساط، ولم يقر أهلها على أن يكون الولاء لهم، وجعل الولاء لمن أعتق فقال لعائشة: «... اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ...»([12]).
ولو كان شراء بريرة لنفسها بالأقساط غير جائز ما أقرها الرسول r على ذلك.
الأمر الثالث: الزيادة في الثمن نظير التأخير:
وأما الزيادة في الثمن نظير التأخير فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
الأول: جواز الزيادة في الثمن نظير التأخير. وهذا مذهب الأئمة الأربعة ([13]).
الثاني: عدم جواز الزيادة في الثمن نظير التأخير. وهذا مذهب بعض العلماء المعاصرين. ومنهم الشيخ الألباني – رحمه الله -([14]).
الثالث: التفريق بين حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان غرض المشتري الانتفاع من السلعة المشتراه بالاستعمال، أو التجارة؛ فزيادة البائع عليه في ثمنها جائز.
الحالة الثانية: إذا كان غرض المشتري الحصول على النقد فهو يرغب في شراء السلعة ليبيعها لآخر بثمن معجل أقل من ثمنها الذي اشتراها به – وهذا ما يسمى ببيع التورق – فزيادة البائع عليه في ثمنها مكروه. وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه([15])، والذي يستفاد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية اختيار تحريم بيع التورق. حيث قال: «والمفاسد التي لأجلها حرَّم الله الربا موجودة في هذه المعاملات، مع زيادة مكر وخداع ... فيحصل لهم – أي للمتعاملين بالتورق – الربا، فهم من أهل الربا المعذبين في الدنيا قبل الآخرة»([16]).

أدلة المانعين من الزيادة في الثمن نظير التأخير:
1- عموم قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. فالزيادة في ثمن السلعة نظير تأجيله لا تصلح في البيع أوالذي هو عقد من عقود المعاوضات المالية؛ لأن هذه الزيادة لا يقابلها عوض، فتكون ربا نسيئة، وهو محرم بصريح الآية.
2- قول الرسول r: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»([17]). وقد دل هذا الحديث على تحريم الزيادة في الثمن نظير الربا من وجهين:
الأول: قول البائع: هذه السلعة نقدًا بألف، وبالأقساط بألف ومائة. صورة من صور البيعتين في بيعة. وهو ربا إن أخذ البائع الزيادة بنص الحديث.
الثاني: قول الرسول r: «فله أوكسهما أو الربا» دليل على أن الزيادة في الثمن نظير تأجيله ربا.
3- قول ابن عباس – رضي الله عنهما -: «إذا استقمت – أي قومت السلعة – بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم»([18]).
فقد فهم – رضي الله عنه – أن بيع التقسيط إذا كان بزيادة في الثمن نظير التقسيط، فإنه بيع دراهم بدراهم، فلا يجوز مع الزيادة؛ لأن الزيادة ربا.
4- لا يجوز بيع التقسيط سدًا لذريعة الربا. وحتى لا نحرم المسلمين من الأجر الكبير في تنفيس كرب إخوانهم المحتاجين للقرض الحسن. كما أن فتح باب بيع التقسيط يشجع الناس على الإسراف وهو منهي عنه بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

أدلة القائلين بجواز الزيادة في الثمن نظير التأخير:
استدل القائلون بجواز الزيادة في الثمن نظير التأخير بالأدلة التالية:
1- عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]. وبيع السلعة بثمن مؤجل مع الزيادة فيه، صورة من صور البيع الحلال، فهو داخل في عموم البيع الحلال المنصوص عليه بالآية.
2- عموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]. دلت هذه الآية على جواز أكل المال إذا كان بالتجارة مع الرضا. والبيع بثمن مؤجل مع الزيادة فيه جائز ما دام برضا البائع والمشتري.

أدلة القائلين بالتفصيل:
استدل القائلون بالتفصيل الذين فرقوا بين حالتي شراء السلعة للانتفاع بها بالاستعمال، أو الاستهلاك، أو التجارة. وبين شراء السلعة للحصول على النقد. فقالوا: هذه الحالة الثانية التي يقصد المشتري فيها الحصول على النقد (الورق) لا تختلف عن ربا النسيئة؛ لأن نتيجتها الحصول على دراهم معجلة، وثبوت دراهم مؤجلة في الذمة أكثر من الدراهم المعجلة التي تم الحصول عليها.
وأما الحالة الأولى التي يقصد المشتري فيها شراء السلعة للانتفاع بها بالاستعمال، أو الاستهلاك، أو التجارة فلا حرج فيها. وأيدوا ذلك بأدلة القائلين بجواز الزيادة في الثمن نظير التأخير.

مناقشة الأدلة وبيان الراجح:
الراجح – والله أعلم – جواز بيع التقسيط وإن تضمن زيادة في الثمن بشرط أن يكون هذا من ابتداء العقد. كأن يقول البائع للمشتري: هذه السلعة بكذا معجلة، وبكذا مؤجلة. فإذا اتفقا على الشراء المؤجل (بيع التقسيط) فلا حرج في ذلك إن كان قد حصل هذا ابتداء.
أما إذا زاد في الثمن بعد الاتفاق نظير التأخير في الدفع فهذا لا يصح وهو ربا صريح.
ولا يوجد دليل معتبر يمنع جواز بيع التقسيط وإن كان بثمن أكبر من البيع بثمن معجل. ويكون بيع التقسيط داخلاً في عموم البيع الحلال الثابت في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]. وفي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]. وفي قوله r: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس»([19]).
وأما استدلال المانعين من بيع التقسيط مع زيادة الثمن بعموم قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. وقولهم: الزيادة في ثمن السلعة نظير التأخير زيادة لا يقابلها ثمن فتدخل في الربا، فإنه لا يصح؛ لأن البيع تم ابتداء بثمن معين، فالثمن كله نظير السلعة، وهذا جائز ما دام البيع حصل بالتراضي.
وكذا استدلالهم بحديث: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا». لا ينطبق على صورة بيع التقسيط مع الزيادة في الثمن؛ فإن المراد بالحديث أحد معان ثلاثة ليس من بينها بيع التقسيط مع الزيادة في الثمن.
فالمراد بالبيعتين في بيعة: بيع العينة، وهو: أن يبيع شخص سلعة إلى أجل، ثم يبتاعها من المشتري بأقل من ذلك نقدًا.
وقيل: المراد أن يحصل بيعان في سلعة واحدة، كمن باع سلعة بثمن مؤجل إلى شهر، ولما جاء موعد الأجل لم يجد المشتري الثمن فيزيد عليه البائع فيه فيبيعه السلعة بيعًا جديدًا بثمن مؤجل جديد مع الزيادة عن الثمن الأول.
وقيل: المراد أن يبيع شخص سلعة إلى آخر بشرط أن يبيعه المشتري شيئًا آخر.
وكذلك استدلالهم بقول ابن عباس – رضي الله عنهما-: «إذا استقمت – أي قومت السلعة – بنقد ثم بعث بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم». لا يصح؛ لأنه معارض بمثله.
فقد روي عنه جواز ذلك بشرط أن يتفقا قبل التفرق. كما روي جواز ذلك عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وكذلك استدلالهم على منع بيع التقسيط سدًا للذريعة الربا، والإسراف، وحتى لا نحرم المسلمين من الأجر الكبير في تنفيس كرب إخوانهم المحتاجين للقرض الحسن. فإنه لا يصح؛ لأن الذرائع ثلاثة أقسام([20]).
الأول: ما أجمع العلماء على سده، كالمنع من سبَّ الأصنام عند من يعلم أنه يسب الله تعالى، وكمنع حفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم وقوعهم فيها أو ظن.
الثاني: ما أجمع العلماء على عدم سده، كالمنع من زراعة العنب خشية اتخاذه خمرًا، وكالمنع من التجاور في البيوت خشية الزنى.
الثالث: ما اختلف العلماء فيه؛ كالحديث مع الأجنبية خشية الوقوع في الربا.
والقول بمنع بيع التقسيط سدًا للذريعة يدخل في النوع الثاني من أنواع الذرائع التي أجمع العلماء على عدم سدها.
وأما التفريق في بيع التقسيط بين حالتي شراء السلعة للانتفاع بها بالاستعمال، أو الاستهلاك، أو التجارة. وبين شراء السلعة للحصول على النقد (الورق). فلا يصح أيضًا لما يلي:

1- هذا التفريق إن صح في حق المشتري، فإنه لا يصح في حق البائع؛ فإن البائع لا يلزمه سؤال المشتري عن غرضه من الشراء هل هو الانتفاع بها بالاستعمال، أو الاستهلاك، أو التجارة. أم الحصول على النقد (الورق).
2- لا يوجد فرق مؤثر شرعًا يجعل المجتهد يفرق بين الحالتين تبعًا لنية المشتري.
والخلاصة:
جواز بيع التقسيط للأدلة السابقة التي ذكرت في جوازه؛ فإنه لم يرد عليها من المناقشة ما يضعف الاستدلال بها؛ ولأن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد دليل المنع، ولم أجد دليلاً يصح التمسك به لمنع بيع التقسيط؛ ولحاجة الناس الذين لا يجدون الثمن المعجل للحصول على ما يلزمهم.
فالقول بجواز بيع التقسيط وإن كان بثمن أعلى يرفع عنهم الحرج، والله سبحانه يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
ويقول سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
ولقلة المحسنين الذين يبذلون أموالهم قروضًا حسنة لإخوانهم المحتاجين؛ وسدًا لذريعة الربا؛ فإن المحتاج لشيء إذا لم يجد ثمنه، ولم يجد من يبيعه إياه بالتقسيط، سيلجأ للحصول على ثمنه إلى الربا.

([1]) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4482) وانظر: إرواء الغليل (894).

([2]) أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه وصححه الألباني في صحيح الجامع (7206).

([3]) أخرجه أحمد والنسائي من حديث حكيم أيضًا، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7205).

([4]) المصباح المنير للفيومي ص40-41.

([5]) التعريفات للبركتي ص212، وانظر: المغني لابن قدامة 6/5.

([6]) المصدر السابق ص234.

([7]) المغني لابن قدامة (6/7).

([8]) بدائع الصنائع للكاساني (4/241).

([9]) أخرجه مسلم (3/1226).

([10]) أخرجه البخاري (3/231).

([11]) أخرجه البخاري (3/126).

([12]) أخرجه البخاري (3/126)

([13]) بدائع الصنائع للكاساني (4/428)، بلغة السالك للصاوي (2/42)، الأم للشافعي (3/36)، المغني لابن قدامة (6/216).

([14]) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها للألباني (5/422).

([15]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (29/442).

([16]) المصدر نفسه (29/445).

([17]) أخرجه أبو داود (3/738)، والحديث صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود للشيخ الألباني (2/263).

([18]) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (8/236).

([19]) أخرجه أحمد مطولاً ومختصرًا (5/72) والبيهقي (6/100) والدارقطني (3/26).

([20]) الفروق للقرافي (3/266).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-05-26
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

واقع التقسيط في المجتمع
إعداد
الدكتور عبد الله بن إبراهيم الناصر

واقع التقسيط في المجتمع
انتشر بيع التقسيط انتشارًا كبيرًا في العصر الحاضر خاصة في السلع المعمرة اللازمة للأسر والمنشآت، كالآلات والسيارات والعقارات والأدوات وغيرها.
وقد ساعد على انتشار هذا البيع التنافس التسويقي لدى شركات الإنتاج ومحاولة رفع معدلات الأرباح، فبيع التقسيط أسلوب من أهم الأساليب المتبعة في فنون البيع وخاصة أنه يثمن أكثر من قيمة السلعة نقدًا، كما أن البائع يمكنه أن يأخذ من المشتري ورقة تجارية (كمبيالة أو سندًا أذنيًا) فتكون ضمانًا لدينه الذي في ذمة المشتري، فإذا احتاج البائع إلى السيولة النقدية قام بخصم الأوراق التجارية عند المصارف التجارية والذي هو من الربا المحرم.
فكرة البيع بالتقسيط وتاريخه:
البيع في الفقه الإسلامي قد يكون معجل البدلين (والبدلان هما: السلعة وثمنها) أي (يكون البيع نقدًا) أو مؤجل البدلين (وهو ما يسمى في الفقه ببيع الكالئ بالكالئ) أو أحد بدليه معجل والآخر مؤجل:
فإن عجل الثمن وأجل المثمن فهو بيع السلم، وإن عجل المثمن (السلعة) وأجل الثمن، فهو بيع النسيئة ومن بيع النسيئة بيع التقسيط([1]).
فبيع التقسيط بيع بثمن مؤجل يدفع إلى البائع على أقساط متفق عليها بين المتعاقدين.
واسم بيع التقسيط يشمل كل بيع تم بهذه الصفة سواءٌ كان الثمن المتفق عليه مساويًا لسعر السوق أو أقل منه أو أكثر؛ ولكن المعمول به في الغالب أن الثمن يكون أكثر من سعر البضاعة نقدًا، فلا ينعقد البيع بالتقسيط عادة إلا بأكثر من سعر السوق في بيع الحال([2]).
وقد تحدث الفقهاء – رحمهم الله – عن بيع التقسيط في موسوعاتهم الفقهية وبينوا أحكامه وكانوا يطلقون عليه بيع التنجيم أو بيع التفاريق([3]).
وكان سبب لجوء الأفراد والمجتمعات إلى هذا النوع من البيع هو الحاجة إلى السلعة مع عدم توفر قيمتها عند المشتري.
أما في الوقت المعاصر فقد انتشر هذا البيع وأصبح اللجوء إليه ليس لأجل الحاجة إلى السلعة الضرورية والحاجية، بل شمل ذلك الكماليات والترفيهات (كالسياحة مثلاً) وأصبح هذا البيع في غالب حالاته ليس مقصودًا لذاته بل يقصد به إعادة بيع السلعة بعد شرائها ثم التصرف في ثمنها بعد قبضه.
ولما كان بيع التقسيط مكونًا من بائع ومشتر فسنبين الواقع العملي لكل من الطرفين في المجتمعات الإسلامية وخاصة المجتمع السعودي، ونبين معه التقويم الشرعي والتوجيه المناسب لهذا الواقع في الجانبين التاليين:
الجانب الأول: الواقع العملي للبائعين بالتقسيط:
تتعدد الجهات التي تقوم بالبيع بطريق التقسيط فتوجد الشركات المنتجة والمسوقة، والشركات المتخصصة للبيع بالتقسيط، والبنوك الإسلامية والربوية والمؤسسات الخاصة والأفراد، وسيكون الحديث مقصورًا على الجهتين الأولين:
أولاً: الشركات المنتجة وشركات التسويق:
تلجأ الشركات المنتجة والمسوقة إلى أسلوب البيع بالتقسيط دعمًا للجانب التسويقي للشركة ومحاولة لزيادة معدلات الأرباح وخاصة في حالات معينة منها:
1- ضعف الإقبال على بعض السلع.
2- كثرة التخزين لسلعة معينة.
وطريقة هذه الشركات في بيع التقسيط أن تبيع على العميل مباشرة ما يرغبه من هذه السلع الموجودة في معارضها أو مستودعاتها إذا توفرت فيه الشروط المطلوبة عند الشركة.
وتبلغ نسبة الإقبال على الشراء بطريق التقسيط عن البيع النقدي بالنسبة لهذه الشركات 30% ([4]).
ثانيًا: شركات التقسيط المتخصصة:
نظرًا لأهمية بيع التقسيط؛ فقد قامت شركات متخصصة فيه في غالب الدول الإسلامية وخاصة الدول القوية اقتصاديًا، وطريقة البيع بالتقسيط في هذه الشركات:
1- أن تكون السلعة موجودة عند الشركة فتقوم ببيعها على المشتري مباشرة بثمن مقسط شهريًا إلى الوقت الذي يناسب العميل.
2- أن لا تكون السلعة موجودة لدى شركة التقسيط فيبدي العميل رغبته في شراء هذه السلعة ويذكر صفاتها أو يحددها بذاتها (كما إذا كانت عقارًا) ثم تقوم شركة التقسيط بشراء هذه السلعة من السوق وتضمها إلى ملكيتها ثم تبيعها على العميل (المشتري) بعقد جديد بثمن مقسط.
وشركات التقسيط الموجودة في السوق السعودية تأخذ ربحًا يتراوح بين (8%) إلى (12%) من قيمة السلعة النقدي وذلك حسب طبيعة الشركة والأجل المتفق عليه([5]).
وطريقة احتساب ثمن السلعة في البيع بالتقسيط تكون حسب التالي:
القيمة الحالية للسلعة × نسبة الربح × عدد سنوات التقسيط، ثم يجمع الناتج مع القيمة الحالية للسلعة المباعة ويقسم على عدد الأقساط لإيجاد القسط الشهري.
مثال ذلك: إذا رغب شخص في شراء سيارة ثمنها النقدي (100.000) ريال من شركة التقسيط على أن يدفعها ثمنها على أقساط شهرية خلال سنتين من توقيع العقد وكانت النسبة عند الشركة البائعة بالتقسيط هي (10%) فتحتسب كالتالي:
(100.000) × 10% = 10.000 × 2 سنوات التقسيط = 20.000 ريال + 100.000 = 120.000 سعر السيارة في البيع بالتقسيط).
ويرى بعض الباحثين([6]) في الاقتصاد أن هذه الطريقة المستخدمة لدي شركات التقسيط غير عادلة؛ حيث إنها تقوم بتحصيل عمولة عن مبالغ ليست في ذمة العميل بل قام بسدادها فعلاً.
فالنسبة الحقيقية في المثال السابق هي 20% وليست 10% كما تدعيه شركة التقسيط، ذلك أن العميل بعد كل شهر يقوم بسداد جزء من قيمة السيارة مما يجعل المبلغ الذي في ذمته يتناقص، أما شركة التقسيط فإنها تقوم بضرب نسبة العمولة في السنتين الكاملتين في كامل المبلغ وليس عن طريق التناقص التدريجي.

التقويم الشرعي لطريقة شركات التقسيط:
سيكون تقويمنا لعمل شركات التقسيط السابق ذكره في المسألتين التاليتين:
المسألة الأولى: قيام شركات التقسيط بشراء السلعة ثم بيعها على العميل، وهذه الطريقة يطلق عليها بيع المرابحة للآمر بالشراء وقد صدر فيها قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (2، 3) في دورته الخامسة ونصه:
«إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور وحصول القبض المطلوب شرعًا هو بيع جائز طالما كانت تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه».
ثم جاء في الفقرة الثالثة «المواعدة وهي التي تصدر من الطرفين تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإن لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز؛ لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكًا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي r عن بيع الإنسان ما ليس عنده»([7]).
ولذا فإنه يجب على شركات التقسيط أن لا تقوم ببيع السلعة المأمور بشرائها إلا بتوافر الشروط التالية:
1- أن لا يتم البيع إلا بدخول السلعة في ملك المأمور وحصول القبض الشرعي لها.
2- أن يكون كلا الطرفين من المأمور والآمر بالخيار بعد شراء السلعة فلا يُلزم الآمر المأمور ولا العكس.
3- لا بد من توفر شروط البيع الشرعية في كلتا البيعتين([8]).
المسألة الثانية: طريقة احتساب الربح:
سبق أن ذكرنا أن شركات التقسيط تقوم بضرب سعر السلعة الحالي في نسبة الربح في عدد سنوات التقسيط ويكون الناتج هو ربح الشركة في بيعها السلعة بالتقسيط عنه بالثمن النقدي.
وقد اعترض بعض الباحثين على هذه الطريقة وطلب أن يكون احتساب الربح عن طريق التناقص التدريجي للمبلغ الذي في ذمة المشتري.
والذي يظهر لي أن هذا الاقتراح غير متوجه شرعًا وذلك لما يلي:
1- أن البيع بالتقسيط أحد أنواع البيع – كما سبق في مقدمة المقال – والربح في التجارة لا حدَّ له كما تدل عليه النصوص الشرعية، وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة هذه المسألة فصدر فيها قراره رقم (8) في دورته الخامسة وجاء في الفقرة الأولى من قراره:
«الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحرارًا في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملاً بمطلق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}».
وجاء في الفقرة الثانية «ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التاجر والسلع ...»([9]).
أما بالنسبة لزيادة الثمن بالنسبة لبيع التقسيط فقد جاء قرار المجمع المذكور في بيع التقسيط في دورته السادسة في الفقرة الأولى ما نصه «تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحالي، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدًا وثمنه بالأقساط لمدد معلومة»([10]).
2- أن حساب الربح بالطريقة التي اقترحها هؤلاء الباحثون، والتي عليها بعض مراكز البيع العالمية فيها فصل بين فوائد التقسيط والثمن الحالي وجعل الزيادة متعلقة بما بقي في ذمة المدين من الدين حسب ما تبقى من الأجل وهذا لا يجوز، فقد جاء في قرار المجمع المذكور في دورته السادسة بشأن بيع التقسيط في الفقرة الثانية «لا يجوز شرعًا في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحالي بحيث ترتبط بالأجل سواءٌ اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة»([11]).
واقترح بديلاً عن هذا الاقتراح في حساب ربح البيع بالتقسيط أن تكون نسبة الزيادة في بيع الأجل أقل من النسب الموجودة في السوق. والأفضل أن تكون مقطوعة ولا يجوز أن ترتبط بسعر الفائدة في البنوك الربوبية.
وهنا أدعو تجار التقسيط إلى مراعاة ذلك وعدم الجشع والطمع في زيادة الأسعار فالرزق القليل إذا بورك فيه خير من الرزق الكثير الذي لا يبارك فيه.
الجانب الثاني: الواقع العملي للمشترين بالتقسيط:
يلجأ إلى الشراء بطريق التقسيط سائر فئات المجتمع وخاصة الفقيرة والمتوسطة منه. وعندما نتأمل الأسباب التي أدت إلى الشراء بطريق التقسيط نجدها أسبابًا متعددة ولكن أهمها سببان هما:
السبب الأول: الحاجة إلى السلعة المشتراه:
قد يحتاج الشخص سلعة معينة أو عقارًا وهو لا يملك قيمته في الحال فيلجأ إلى شرائه بطريق التقسيط، وقد تكون هذه السلعة المشتراه ليست ضرورية أو حاجية وإنما من الكماليات أو الترفيهيات التي لا يترتب على عدمها أو تأخيرها ضرر للمشتري.
وقد يكون ذلك لأجل استخدام هذه السلعة في التجارة التي يمارسها صناعيًا أو تجاريًا أو زراعيًا أو غيرها.
وتبلغ نسبة الشراء لهذا الغرض (8%) فقط من البيع بطريق التقسيط([12]).
السبب الثاني: الحاجة إلى السيولة النقدية:
وهذا السبب هو أهم الأسباب في اللجوء إلى الشراء بطريق التقسيط وهو الأكثر؛ فقد بلغت نسبة الذين يشترون السلعة لأجل إعادة بيعها في شركات التقسيط (90%) من البيع بالتقسيط([13]).
فالمشتري بعد أن يشتري السلعة التي يكون متعارفًا عليها «كسيارة الداتسون في منطقة الرياض مثلاً» يقوم ببيعها نقدًا بأقل من قيمتها التي اشتراها به، ثم يقوم بالتصرف في الثمن وتسديد قيمتها من دخله الشهري على الأقساط التي تم الاتفاق عليها.
تقويم هذه الأسباب شرعًا:
لما كان البيع بالتقسيط من الأٍسباب التي تؤدي إلى عمارة ذمة الشخص المشتري بالدين يحسن بنا أن نلقي الضوء على أهمية الدين ووجوب الحرص على أدائه في الشريعة الإسلامية.
فقد كانت المجتمعات الجاهلية لا تلقي اهتمامًا للدين وكان المدين يماطل في أداء دينه، ويتنصل منه، ولا يهتم بأي سبب انشغلت ذمته بالدين وبالمبلغ الذي تحمله، وفي مقابل ذلك كان الدائن يستغل ضعف المدين ويُرْبى عليه الدين في مقابل إنظاره وقد يسترقّه إذا عجز عن وفاء الدين.
فلما أرسل الله نبيه محمدًا r بهذا الدين العظيم منع هذه العادات الجاهلية، وجعل للدين أهميته وأمر بالمسارعة في إبراء الذمة منه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي r قال: «مطل الغني ظلم ...» متفق عليه([14]).
والمقصود بالغني في هذا الحديث: أي مطل المدين الغني ظلم منه للدائن، والظلم ظلمات يوم القيامة.
وكان النبي r في بداية الهجرة إلى المدينة لا يصلي على من يموت وعليه دين لم يخلف له قضاء؛ فمن الأحاديث التي وردت في ذلك حديث علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: كان الرسول r إذا أُتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه؛ فإن قيل: عليه دين؛ كفَّ عن الصلاة عليه، وإن قيل: ليس عليه دين، صلى عليه([15]).
وعند تأملنا للسببين السابقين اللذين هما من أهم أسباب الشراء بطريق التقسيط ننبه على ما يلي:
1- الأفضل بالنسبة للسبب الأول أن يكون المشتري مقتصرًا على السلع الضرورية والحاجية التي لا يمكن تأجيلها إلى حين القدرة على ثمنها.
أما شراء الكماليات والترفيهيات عن طريق التقسيط؛ فإنه من الأمور التي لا تنبغي؛ ففيه إشغال للذمة من جانب في أمور ليست مهمة، وتحمل لهذه الزيادة من جانب آخر من دون مبرر عقلي سليم.
2- أما السبب الثاني الذي هو أكثر الأسباب؛ فإن الحديث عنه يدخل ضمن الحديث عن بيع التورق وهو: أن يشتري من يحتاج مالاً سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالاً ثم يبيعها على آخر نقدًا([16]).
وقد اختلف العلماء في حكمه فكرهه بعضهم، وأجازه بعضهم، وحرمه آخرون([17])، فقد ورد أن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – قال: «التورق أخيه الربا»([18]).
والذي يظهر أن التورق يجوز بشروط هي:
1- أن يكون المشتري محتاجًا حاجة حقيقية إلى النقد، فإن لم يكن محتاجًا فلا يجوز له أن يلجأ إلى هذه الطريقة.
فشراء السلعة تقسيطًا ثم بيعها نقدًا؛ لأجل شراء الكماليات التي يمكن أن تؤخر لا يجوز.
2- أن لا يتمكن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة كالقرض الحسن والسلم ونحوهما.
3- أن لا يشتمل العقد على ما يشبه صورة الربا.
4- أن لا يبيعها المشتري إلا بعد قبضها وحيازتها.
وهذا ما أفتى به فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله([19]).
ولذا فإنه يجب على الشخص الذي يشتري بالتقسيط لأجل إعادة البيع والحصول على قيمة السلعة ثم التصرف فيها أن يراعي هذه الشروط.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ... والله أعلم.


* * *

نصائح للمتعاملين
ببيع التقسيط
إعداد:
الشيخ: سعد بن تركي الخثلان

نصائح للمتعاملين ببيع التقسيط
هذه جملة من النصائح للمتعاملين بالتقسيط:
أولاً: تقوى الله عز وجل في تعاملهم، فإن تقوى الله تعالى سبب لبسط الرزق، بل وسبب لأن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].
ثانيًا: الصدق والبيان والوضوح في تعاملهم؛ فإن ذلك سبب لحلول البركة في ذلك التعامل، يقول النبي r: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»([20]).
فانظر كيف أن النبي r رتب على صدق وبيان المتبايعين: حلول البركة في ذلك البيع، ورتب على الكذب والكتمان وإخفاء العيوب سحق بركة ذلك البيع...، ولا شك أن البركة مطلب لكل عاقل؛ إذ إن البركة إذا دخلت في بيع أو شراء أو غير ذلك اغتبط الإنسان به.
إن الإنسان يجد أثر ذلك في حياته اليومية، وفي أموره الخاصة والعامة؛ فيجد أن بعض الأمور يجعل الله فيها البركة فتبقى عنده مدة طويلة، وينتفع بها انتفاعًا كبيرًا...، وبعض الأمور منزوعة البركة ... سرعان ما تزول وتذهب وتنتقل من يده وذلك من آثار محق البركة...، ولذلك فقد جاء في صحيح مسلم([21]) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «ليست السنة (أي القحط) بألا تُمطروا؛ لكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا». فتأمل كيف أن النبي r اعتبر القحط الحقيقي ليس عدم الإمطار بل هو الإمطار مع محق البركة من النبات.
وهكذا يقال في المتابعين بالتقسيط إذا اتقيا الله وصدقا وبينا بورك لهما وإلا محقت بركة بيعهما.
ثالثًا: أوصى المتعاملين بالتقسيط بأن يجعلا المعيار في تعاملهما قول النبي r: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([22])، فيتعامل البائع بالتقسيط كما لو كان هو المشتري، ويتعامل المشتري كما لو كان هو البائع...، فالبائع يتقي الله ولا يستغل حاجة أخيه فيبالغ في احتساب ربح كثير على ذلك البيع...، وإنما يحتسب الربح الذي ينتفع به ولا يضر أخاه، ومع الأسف فإن كثيرًا من المتعاملين بالتقسيط يستغلون حاجة إخوانهم فيبالغون في احتساب أرباح أشبه ما تكون بالخيالية...
وأقول لهؤلاء: أين أنتم من قول النبي r: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فكما أنك أيها البائع لا تحب أن يؤخذ منك ذلك الربح المبالغ فيه فكيف ترضاه لأخيك المسلم؟ وهل ذلك إلا سبب لمحق البركة من ذلك البيع؟
رابعًا: على المشتري بالتقسيط أن يتقي الله ويسدد الأقساط المستحقة عليه في حينها...، وليعلم بأنه إذا نوى سدادها ووفاء ذلك الدين الذي عليه فإن الله تعالى ييسر له الوفاء؛ لقول النبي r: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه»([23]).
أما إذا نوى المماطلة وعدم الوفاء؛ فإن ذلك سبب لمحق البركة ليس لتلك السلعة التي اشتراها بالتقسيط بل وجميع أمواله؛ لظاهر قول النبي r في الحديث السابق: «... ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله».
ومع الأسف فإن كثيرًا ممن يشتري بالتقسيط يماطلون في سداد المستحقات التي عليهم مع قدرتهم على الوفاء؛ حتى منعت كثير من الشركات والمؤسسات البيع بالتقسيط لهذا السبب، وشركات أخرى أصبحت تبحث عن حلول بديلة لضمان الوفاء وربما تلجأ بعض تلك الشركات لعقود ربوية محرمة أو على الأقل مشتبهة كالإيجار المنتهي بالتمليك.
خامسًا: اجتناب الوقوع فيما نهى عنه الشارع من البيوعات أو التعاملات المحرمة كبيع الإنسان ما لا يملك فإن النبي r قد نهى عنه([24]).
وبعض من يتعامل بالتقسيط يقع في هذا المحظور إما جهلاً وإما تهاونًا وتساهلاً...، فنجد أن بعض الناس عندما يرغب في شراء سلعة بالتقسيط يذهب لشركة أو مؤسسة أو شخص من الأشخاص فيطلب منه: شراء سلعة بالتقسيط كسيارة مثلاً ويمضي عقد الشراء من تلك الشركة أو المؤسسة ويوقع عليه وفق الشروط التي تمليها عليه تلك الشركة...، وتلك الشركة أو المؤسسة لم تملك بعد تلك السلعة المباعة. فهنا قد وقع كل من البائع والمشتري فيما نهى عنه النبي r من بيع ما لا يملك.
والبديل الشرعي لذلك هو: سلوك مسلك الوعد غير الملزم وذلك بأن تعد تلك الشركة أو المؤسسة من يريد الشراء بالتقسيط بأن تشتري له تلك السلعة التي يرغبها؛ ولكن يكون ذلك وعدًا مجردًا بحيث لا يوقعان على عقود...، ويكون لذلك الموعود بالبيع الخيار في شراء تلك السلعة أو عدم شرائها...، كما أنها لو تلفت تلك السلعة فهي من ضمان تلك الشركة أو المؤسسة.
وهناك محظور آخر قد يقع فيه بعض المتعاملين بالتقسيط وهو: بيع السلعة قبل قبضها([25])؛ فنجد أن بعض الشركات والمؤسسات التي تتعامل بالتقسيط تعطي مُريد الشراء منهم أمرًا إلى صاحب معرض سيارات مثلاً بتسليم تلك السيارة...، وتلك الشركة لم تقبض تلك السيارة.
والمخرج الشرعي من ذلك سهل وهو: أن ترسل تلك الشركة أو المؤسسة مندوبها فيقبض السيارة من صاحب المعرض قبضًا تامًا ثم يسلمها للمشتري.
وفي الختام أوصي الشركات والمؤسسات بضرورة اتخاذ مستشار شرعي ممن له عناية بالفقه وطلب العلم الشرعي وذلك لأمرين:
الأمر الأول: تنبيههًا على المحظورات الشرعية والتعاملات المحرمة كي تجتنبها.
الأمر الثاني: تنبيهها للمخارج الشرعية والحلول البديلة لتلك المعاملات المحرمة...، وهي كثيرة ولله الحمد... ولكن قد يكون لغفلة الناس عنها أو جهلهم بها سبب في عدم تنبيههم لها، فعلى سبيل المثال: رهن السلعة بثمنها مخرج شرعي لمن يريد البيع بالتقسيط من أجل ضمان حقه، وهو مخرج سهل وميسور فلماذا يعدل المتعاملون بالتقسيط عنه ويلجؤون لمعاملات محرمة أو على الأقل مشبوهة.

* * *

الكفالة والضمان في التقسيط
إعداد
الشيخ: يوسف الخلاوي

الكفالة والضمان في التقسيط
تنقسم البيوع باعتبار تأثير الزمن فيها إلى قسمين:
الأول: البيوع الناجزة: وهي كل بيع اكتمل وترتب أثره عليه فانتقلت فيه السلعة – مثلاً – إلى المشتري وقبض البائع الثمن وهذا هو الغالب على بيوع الناس المعتادة والحقيرة منها خاصة.
الثاني: البيوع الآجلة: وهي ما يؤخر فيه أحد العوضين إلى زمن معين. فلا يتم فيه قبض الثمن والمبيع جميعًا عند البيع، بل يؤخر أحدهما، كما يؤخر تسليم المبيع (عقد السلم مثلاً) وكما يؤخر تسليم الثمن كله في بيع الدين أو جزء منه كما في بيع التقسيط الآن؛ فيكون تسليم الثمن على أقساط معلومة مؤرخة.
ولا شك أن النوع الأول من البيوع تقل فيه احتمالات المخاطرة؛ ولهذا لم يشرع توثيقه إلا إن كان بيعًا ذا خطر كأن يكون الثمن فيه مرتفعًا كالسيارات والعقارات ونحوها. بينما ترتفع هذه الاحتمالات في النوع الثاني؛ لأنه ربما لا يفي البائع بالاتفاق؛ فلا يقوم بتسليم المبيع في وقته المحدد، أو في صفته المتفق عليها، أو لا يقوم المشتري بأداء الثمن بالصفة المتفق عليها، أو في موعده المحدد؛ ولهذا شرع توثيق هذا النوع من العقود بأنواع مختلفة من التوثيقات: كالكتابة، والإشهاد؛ التي تؤكد حصول الاتفاق بين الطرفين وضرورة الالتزام بموجبه، والرهن والكفالة؛ حفظًا لحق الطرف الذي لم يستوف حقه حتى الآن.
فإن تخلف الطرف الآخر في الإيفاء استطاع الأول تحصيل ذلك عن طريق الكفالة أو الرهن؛ ولهذا شاع بين الناس اليوم اشتراط الكفيل في بيع التقسيط الذي غدا عقدًا رائجًا بين الناس اليوم لقلة النقد في أيديهم.
وهذه خلاصة موجزة في أحكام الكفالة لكي يتفقه الناس في دين الله، فيعلم الكفيل عندما يكفل ما معنى التزامه هذا؟ ويفقه المكفول عنه ما معنى وجود كفيل له في هذا العقد؟ فإن كثيرًا من الناس اليوم يقبل أن يكون كفيلاً لصديقه أو قريبه عونًا له، وأداءً لحق الصداقة مثلاً، دون أن يعلم أنه بذلك يوافق على أن يلتزم بأمور لو علم بها من قبل لما وافق على الكفالة أصلاً. وكم أدى ذلك إلى قطع للأواصر، وتأخير لأداء الحقوق بادعاء جهل آثار الكفالة.
أولاً: معنى الكفالة ومرادفاتها وصور انعقادها:
تسمى الكفالة أيضًا بالزعامة والحمالة والضمان، وتكون على المال وعلى النفس. ومن أهل العلم من يفرق بين الكفالة والضمان؛ فيخص الكفالة بالنفس، ويخص الضمان بالمال.
وعلى هذا فالضمان هو: أن يلتزم الإنسان بأداء ما وجب أو يجب على غيره مع بقاء الحق على المضمون عنه.
أما الكفالة فهي: أن يلتزم بأن يحضر من عليه حق مالي إلى صاحب الدين.
وهما جائزان شرعًا عند جمهور العلماء، ويصحان بالالتزام المنجز ككفلت فلانًا أو ضمنته.
ويصحان كذلك بالالتزام المعلق كإن أعطيت فلانًا كذا فأنا كفيله، وإن بعته السيارة فأنا ضامن لك ثمنها.
ويصح توقيتهما كذلك كأن انتهت السنة ولم يسدد فلانًا دينه فأنا ضامن أو كفيله.
ثانيًا: أركان الضمان والكفالة:
1- الضامن: وهو من تحمل المطالبة ويسمى في الكفالة بالكفيل.
2- المضمون له: وهو الدائن (صاحب الدين) ويسمى في الكفالة بالمكفول له.
3- المضمون عنه: وهو المدين المطالب بالدين في الأصل ويسمى في الكفالة بالمكفول.
4- المضمون: وهو المال ويسمى في الكفالة بالمكفول به.
ثالثًا: شروط الكفالة والضمان:
1- يشترط صدور هذا العقد ممن يصح تبرعه: وهو المكلف الحر الرشيد؛ لأنهما عقد تبرع فلا يصحان إلا ممن له أهلية التبرع الذي هو إتقان التصرف التام في ماله؛ فلذا لا يصحان من الصغير ولا من المحجور عليه لسفهه.
2- ويشترط رضا الضامن فلا ضمان من مكره ولا يشترط رضا المضمون عنه؛ لأنه لو قضي دينه بغير إذنه برئت ذمته.
رابعًا: أثر الضمان والكفالة:
1- إذا صح الضمان فلصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن (الكفيل) والمضمون عنه (المكفول) ويستوي في ذلك حياتهما وموتهما؛ لأن الحق ثبت في ذمة كل منهما.
وعلى هذا فالمضمون عنه (المكفول) لا يبرأ بمجرد الضمان بل الحق باق في ذمته وهو دين عليه. هذا قول الجمهور، ومن أهل العلم من قال: لا تثبت مطالبة الضامن (الكفيل) إلا إن تعذر مطالبة المضمون عنه (المكفول).
2- لو كان الدين حالاً غير أن الضامن ضمنه إلى أجل معلوم كبعد شهر مثلاً لم يطالب الضامن بالدين إلا بعد هذه المدة حتى إن كان حلول الدين قبلها.
3- وإن برئت ذمة المضمون عنه (المكفول) سواء بقضائه الدين، أو بقضاء غيره عنه، أو بإبرائه، أو بغير ذلك من الأسباب؛ برئت ذمة الضامن (الكفيل) مباشرة؛ لأنه تبع. فلما سقط عن الأصل سقط عن تابعه.
4- لا تبرأ ذمة المضمون عنه (المكفول) ببراءة ذمة الضامن (الكفيل).
5- إذا قضى الضامن (الكفيل) الدين فهل له مطالبة المضمون عنه (المكفول) به أم لا؟ لذلك حالتان.
أولاهما: أن يكون الضامن (الكفيل) قد نوى التبرع بذلك؛ فليس له المطالبة فهو كالمتصدق.
ثانيتهما: أن يكون قد نوى مطالبة المضمون عنه (المكفول) ولم يقصد بأداء الدين عنه التبرع المحض؛ فله مطالبته بعد ذلك بكل ما أداه عنه وكذلك حكم الكفيل.
6- إن غاب المضمون عنه (المكفول) فأمسك الضامن (الكفيل) وغُرَّم شيئًا من ماله في الحبس مثلاً؛ فله مطالبة المضمون عنه (المكفول) بما غرمه.
7- يبرأ الكفيل بإحضار المكفول به وتسليمه للدائن بمحل العقد، ويبرأ كذلك بتسليم المكفول نفسه للدائن. وكذا لو مات المكفول برئ الكفيل إلا إن كان قد اشترط على نفسه أنه سيحضر المكفول؛ فإن عجز عنه ضمنه، فلو مات المكفول في هذه الحالة لزم الكفيل أداء ما على المكفول من دين.
8- مما سبق يتضح أن الفرق بين الضمان والكفالة، أو بين كفالة النفس وكفالة المال أن الضمان أو الكفالة المالية يبرأ فيها الضامن بأداء الحق لا بإحضار المكفول، أما كفالة النفس فيكفيه إحضار المكفول لكي يبرأ.

* * *


([1]) رفيق المصري – بيع التقسيط – بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة د. السادسة – 1/294.

([2]) محمد نقي العثماني – أحكام البيع بالتقسيط – بحث منشور في المجلة المذكورة – د. السابعة – 2/31.

([3]) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/346)، ومختار الصحاح للرازي (ص647).

([4]) أفادني بذلك مندوب البيع بالتقسيط لشركة تويوتا ولكزس.

([5]) مصدر هذه المعلومة مقابلة مع بعض مندوبي شركات البيع بالتقسيط كبيت التقسيط السعودي وغيره.

([6]) انظر: مجلة اليمامة العدد 1378 شهر جمادي الآخرة 1416.

([7]) انظر: نص القرار – مجلة المجمع المذكورة د. الخامسة ص1599.

([8]) انظر: رسالة الدكتوراه للكاتب – تداول الأوراق التجارية ص206.

([9]) انظر: مجلة المجمع المذكورة – الدورة الخامسة ص2919.

([10]) المرجع السابق – الدورة السادسة ص447.

([11]) المرجع السابق.

([12]) مصدر هذه المعلومة مقابلة مع بعض مندوبي شركات التقسيط.

([13]) المرجع السابق.

([14]) صحيح البخاري (3/55) ومسلم (3/1197).

([15]) رواه الدارقطني (3/47) والبيهقي (6/73) وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/106).

([16]) انظر: شرح منتهى الإرادات (2/158) وكشاف القناع (3/186).

([17]) انظر: تفصيل هذه الأقوال في بحث: بيع العينة – حمدي الخضيري ص75 فما بعد.

([18]) مجموع فتاوى ابن تيمية (29/442).

([19]) انظر: رسائل فقهية للشيخ محمد العثيمين ص107.

([20]) أخرجه البخاري (2210) (2108) ومسلم (1532).

([21]) صحيح مسلم (2904).

([22]) أخرجه البخاري (13)، ومسلم (45).

([23]) أخرجه البخاري (2387).

([24]) وذلك في حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي r قال: «لا تبع ما ليس عندك» أخرجه أبو داود (3503) والترمذي (1232) وابن ماجه (2187) وقد صححه الألباني في إرواء الغليل (5/1292).

([25]) وقد نهى النبي r عن بيع الطعام قبل قبضه، وقال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه» قال ابن عباس رضي الله عنهما: وأحسب كل شيء مثله – أي مثل الطعام – أخرجه البخاري (12124) (2126) ومسلم (1527).
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-05-26
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

نحو ترشيد أمثل لظاهرة التقسيط
إعداد
الشيخ: خالد بن عبد الله البشر

نحو ترشيد أمثل لظاهرة التقسيط
أصبحت ظاهرة التقسيط من الظواهر الاقتصادية في المجتمعات الإنسانية، على تعدد أديانها، وجنسياتها، ومواطنها، وهذه الظاهرة تشكلت بإدارة المال أخذًا وإعطاء بين أفراد المجتمع، في صورة من المعاملات الاقتصادية، والتي اصطلح عليها في بيوت المال والأعمال بـ«بيوع التقسيط».
وهذا النوع من الظواهر الاقتصادية؛ لا يختلف اثنان على أنها من إفرازات النظام الرأسمالي، وليد الحضارة الغربية، وفكرها الاقتصادي الذي بهر بلمعانه الكاذب عقول الهاربين من جحيم الشيوعية البائدة.
ولا شك أن من مظاهر النظام الرأسمالي في أثره على أفراد المجتمعات؛ تكون الطبقية المتباينة في أحوالها الاقتصادية؛ إلى طبقة غنية، لا يزيدها مرور الأيام إلا غنى وجشعًا في الحصول المال وتنميته؛ وإن كان بسحق الطبقة الفقيرة وابتزازها بشتى صور التعاملات الاقتصادية ولو كانت محرمة ديانة وأخلاقًا ونظامًا.
والطبقة الأخرى فقيرة لا يزيدها مرور الأيام إلا فقرًا وعوزًا وتبعية للطبقة الغنية، حتى ولو كان في سبيل إهدار إنسانيتها وكرامتها.
ولقد وفدت هذه الظاهرة، أي ظاهرة التقسيط إلى البلدان الإسلامية والتي حسبها أناس أنها خلاص من هموم الحصول على ضروريات الحياة ومتطلباتها المتكررة؛ ولكنها زادت الهموم غمومًا، وجعلتها في سبيل الحصول على ضروريات الحياة منقادة تحت إبهار عروض التقسيط في شتى متطلبات الحياة ومعيشتها، وتخدير العقول بطرائق ميسرة في تسديد أثمان عروض التقسيط.
ولكن!! ما إن يلج الباحث عن تلك الضروريات الحياتية ومتطلباتها في دروب التقسيط ومسالكه، التي وضعت على قارعته لوحات الدعاية الجاذبة؛ إلا وتنزلق قدمه في العبَّ من كماليات الحياة وترفياتها الزائلة، ويصبح هذا الباحث النهم مُكبَّلاً بأصفاد وأغلال قروض التقسيط، وتسديد أثمانها في مدد قد تطول؛ حتى تبلغ سنين من حياته، وهي سنون مثقلة بهمَّ سداد أقساط ما اشترى، ومثقلة بغم السجن وتوابعه في حالة عسره وانكساره.
وما انتشار القضايا الحقوقية المتعلقة بقروض التقسيط في أماكن انتزاع الحقوق بالسلطة النظامية من المحاكم الشرعية ودوائر الشرط إلا دليل على تفشي هذه الظاهرة، ووقع كثير من الناس الذين لا تقوى مواردهم المالية على سداد أقساط ما اشتروه بالتقسيط في مشكلة الديون.
فكان من المتحتم على كل من يحمل همَّ الإسلام ومعالجة قضايا أهله؛ أن يتصدى لهذه الظاهرة، تحديدًا لأبعادها، من حيث حكمها الشرعي، وضوابطها ومحترزاتها الشرعية، ومعالجة آثارها وغلوائها، وإيجاد البدائل المثلى عنها، وترشيد التعامل بها.
وفي نظري أن طرائق ترشيد ظاهرة التقسيط وبدائلها في المجتمع الإسلامي ترتكز على محورين هامين هما:
المحور الأول: الفرد المستهلك (طرف ظاهرة التقسيط).
المحور الثاني: المجتمع بشتى شرائحه من أفراد، ومؤسسات اقتصادية، والمتعاملة بالتقسيط على وجه الخصوص.

المحور الأول: الفرد المستهلك:
ليعلم الفرد المسلم أن الإسلام ضبط تصرفاته بضوابط شرعية، في السلوك، والتعامل أخذًا وإعطاءً، ولم يطلق حرياته إلى الحد الذي يخل بواجباته الشرعية، أو ارتكاب المحظورات الشرعية، أو تحميل نفسه بالتزامات لا يستطيع الوفاء بها، أو تمنع أداء الحقوق إلى أهلها.
وحين ننظر إلى المنهج الإلهي القويم في ترشيد ظاهرة التقسيط والمتعلق بالفرد المستهلك تتبين لنا المعالم الربانية الهادية، وأرى أن ترشيد ظاهرة التقسيط المتعلقة بالفرد المستهلك تكمن في أمور منها:
أولاً: الأمر بالاقتصاد والنهي عن الإسراف:
الاقتصاد خلق قويم راشد، أمر به جل وعلا ومدحه وجعله من صفات عباده، وجعله بين خلقين مرذولين مذمومين: الإسراف والتقتير بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].
قال الشيخ ابن سعدي – رحمه الله تعالى -: «والذين إذا أنفقوا النفقات الواجبة والمستحبة لم يسرفوا بأن يزيدوا على الحد؛ فيدخلوا في قسم التبذير، وإهمال الحقوق الواجبة، ولم يقتروا فيدخلوا في باب البخل والشح وكان إنفاقهم بين ذلك، بين الإسراف والتقتير قوامًا، يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات، والنفقات الواجبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا ضرار، وهذا من عدلهم واقتصادهم»([1]).
والإسراف خلق مذموم يُذهبُ المال في غير وجهه، متجاوزًا صاحبه حدود الله وشرعه.
وقد تنوعت أقوال العلماء في حده فقال الجرجاني: «إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس، وتجاوز الحد في النفقة، وقيل: أن يأكل الرجل ما لا يحل له، أو يأكل مما يحل له فوق الاعتدال، ومقدار الحاجة»([2]).
وقال ابن حجر: «هو مجاوزة الحد في كل فعل أو قول، وهو في الإنفاق أشهر»([3]).
وقد أمر رسول الله r بالأكل والشرب والتصدق من غير إسراف؛ فقال: «كلوا واشربوا، وتصدقوا والبسوا؛ ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة – أي كبر -»([4]).
ولهذا كان منهج الإسلام في مواجهة الإسراف منهجًا يدعو إلى الإنفاق ولكنه إنفاق مؤطر بقيود وضوابط؛ تقيه من الوصول إلى حد السرف وتجاوز الحد.
فهناك قيود على الإنفاق من حيث الكيفية والصفة، وقيود على الإنفاق من حيث الكم والمقدار.
فالأول: قيود تتعلق بنوع الشيء المنفق وكيفيته وصفته كالإنفاق في الأمور التي حرمها الإسلام مثل: الخمور والمسكرات بأنواعها، والمخدرات بصنوفها وأسمائها.
والثاني: قيود الكم والمقدار: كأن ينفق مالاً يحتاج إليه مما لا يحتمله دخله، كما لو كان دخله سبعة فينفق عشرة في غير ما حاجة ملحة؛ إذ معنى هذا: الاضطرار إلى الدين، وقد كان النبي r يستعيذ بالله من غلبة الدين، ويراه دافعًا إلى سوء خلق صاحبه وسلوكه، فيقول: «إن الرجل إذا غرم – أي استدان – حدث فكذب ووعد فأخلف ...» فالإسراف مضر بالفرد وبالجماعة، والتقتير كذلك، فإنه يؤدي إلى ضمور العمران، وجمود الحياة، وانتشار الكساد، والخير في الوسط الذي دعا إليه الإسلام([5]).
ومن هنا تتضح أهمية ترشيد ظاهرة التقسيط من حيث اقتصاد الناس في معيشتهم، وحاجياتهم الحياتية وعدم الإسراف من خلال بوابة التقسيط الواسعة، فكم من إنسان تكفيه سيارته التي تحت يده عن اقتناء سيارة أخرى بثمن مقسط، ولكن حبَّ التجديد مع سهولة الحصول على أخرى من خلال عروض التقسيط؛ تدفعه إلى ولوج متاهات التقسيط وهمومه ... وهكذا دواليك في بقية حاجات الناس ومتطلباتهم.
إن سهولة الحصول على السلعة والدفع؛ قد تغري المشتري بالشراء لا سيما لسلع قد لا تكون ضرورية؛ مما يثقل كاهله بالدين، ويربك ميزانية أصحاب الدخول المحدودة إذا تنوعت الأقساط التي يلتزمون بها، ويكرس روح الاستهلاك في المجتمع؛ وهذا يتنافي مع توجيهات الإسلام إلى عدم التوسع في الاستهلاك، والمبالغة في الإنفاق، لا سيما في الأمور التحسينية([6]).
ثانيًا: النظر إلى أن التقسيط دين يتعلق بالذمة:
بما أن الثمن في عقود التقسيط يتعلق بالذمة إلى آجال محدودة، فإنه دين يتعلق بالذمة لا تبرأ إلا بوفائه.
والإسلام حذّر من الاستدانة ونفّر منها، حتى جعل الدين من الأمور التي لا يغفرها الله للعبد؛ وإن بلغ في موته درجة الشهيد، الذي يغفر الله له كل ذنب إلا الدين.
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال الرسول r: «يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين»([7]).
والدين من موانع دخول الجنة حتى يقضى؛ وإن كان المستدين شهيدًا في سبيل الله.
فعن محمد بن عبد الله بن جحش قال: كان رسول الله r قاعدًا حيث توضع الجنائز، فرفع رأسه إلى السماء، ثم خفض بصره، فوضع يده على جبهته، فقال: «سبحان الله، سبحان الله! ما أنزل من التشديد؟» قال: فعرفنا وسكتنا، حتى إذا كان الغد سألت رسول الله r فقلت: ما التشديد الذي نزل؟ قال: «في الدين، والذي نفسي بيده، لو قتل رجل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل، ثم عاش، ثم قتل، وعليه دين، ما دخل الجنة حتى يقضى دينه»([8]).
ونفس المؤمن مرتهنة بدينه في قبره؛ حتى يقضي عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «نفس المؤمن معلقة بدينه؛ حتى يقضى عنه»([9]).
ولهذا استعاذ النبي r من الدين وضلعه. فعن أنس رضي الله عنه عن النبي r أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال»([10]).
والدَّين شين للدِّين كما قيل، وهمٌ بالليل ومذلة بالنهار؛ وذلك لما فيه من شغل القلب والبال، والهم اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أدائه، وربما يعد بالقضاء؛ فيخلف، أو يحدث الغريم بسببه؛ فيكذب، أو يحلف له؛ فيحنث؛ ولهذا تعوذ النبي r من المأثم والمغرم – أي الدَّيْن – فقيل له يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟! فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف»([11]).
فالديون خطر على الفرد، حتى إنها لتشين دينه، وتنغص عليه دنياه، وهي كذلك خطر على المجتمع وعلى الأمة، وكم رأينا في عصرنا مجتمعات استمرأت الاستقراض من الآخرين، فسقطت في شباك الأقوياء، وأدخلوها في أحابيلهم؛ فغرقت في دوامة الديون بالمليارات، وعشرات المليارات، ولو تعودت أن تعيش بالقليل مما تملك، ولو مع بعض التقشف والحرمان من الكماليات والترفيات، حتى يصلب عودها، ويكتمل بناؤها، لكان ذلك خيرًا لها، وأرضى لربها، وأوعد بالنفع العام عليها ([12]).
ثالثًا: عدم مجاراة الآخرين ومنافستهم في أمور الدنيا:
إن من أسباب انتشار ظاهرة التقسيط؛ حب مجاراة الآخرين، ومنافستهم بما لديهم من مظاهر حياتهم الكمالية والجمالية، وأصبح هم كثير من السالكين دروب التقسيط أن يمتلك مثل ما يمتلك الآخر، أو التفوق عليه في ذلك؛ ليس إلا.
والإسلام وضع منهجًا قويمًا في النظر إلى ما عند الآخرين من متع الحياة الدنيا وزخرفها، وبهارجها الفانية، وذلك بأن يقصر المؤمن نظره عن رؤية من فضلهم الله عليه في الرزق؛ حتى لا يمتهن نعمة الله عليه ويستقلها؛ فيكون ذلك سببًا في كفرها.
روى أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»([13]).
والأمر بالنظر في هذا الحديث هو نظر المؤمن إلى من يَقِلُّ عنه في أمور الدنيا وحظوظها، أما أمور الدين والآخرة فيجب النظر إلى السابقين والعاملين لهما.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في شرحه على هذا الحديث: «وقد أرشد r إلى هذا الدواء العجيب، والسبب القوي لشكر نعم الله؛ وهو أن يلحظ العبد في كل وقت من هو دونه في العقل والنسب والمال، وأصناف النعم؛ فمتى استدام هذا النظر اضطره إلى كثرة شكر ربه، والثناء عليه؛ فإنه لا يزال يرى خلقًا كثيرًا دونه بدرجات في هذه الأوصاف، ويتمنى كثير منهم أن يصل إلى قريب مما أوتيه من عافية ومال ورزق، وخلْق وخلُق؛ فيحمد الله على ذلك حمدًا كثيرًا، ويقول: الحمد لله الذي أنعم علي، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً ...
فمن وفق للاهتداء بهذا الهدي الذي أرشد إليه النبي r لم يزل شكره في قوة ونمو، ولم تزل نعم الله عليه تترى وتتوالى، ومن عكس القضية فارتفع نظره، وصار ينظر إلى من فوقه في العافية والمال والرزق وتوابع ذلك؛ فإنه لا بد أن يزدري نعمة الله، ويفقد شكره؛ ومتى فقد الشكر ترحلت عنه النعم، وتسابقت إليه النقم، وامتحن بالغم الملازم، والحزن الدائم، والتسخط لما هو فيه من الخير، وعدم الرضى بالله ربًا ومدبرًا، وذلك ضرر في الدين والدنيا وخسران مبين»([14]).
* * *
المحور الثاني: المجتمع
لقد ساهم المجتمع بأفراده ومؤسسات الاقتصادية في بروز ظاهرة التقسيط بهذا الحجم الكبير من الانتشار والتسويق والبهرجة الإعلامية والدعائية بشتى أشكالها المنظورة أو المقروءة أو المسموعة، وأدى هذا الإفراز المتنامي إلى تعطيل بدائل مثلى لظاهرة التقسيط، من صور التكافل الاجتماعي ومنها القرض الحسن.
وأرى أن المجتمع يمكن أن يسهم في ترشيد ظاهرة التقسيط بما يلي:
أولاً: إظهار القرض الحسن في المجتمع:
القرض الحسن من الأمور التي ندب الإسلام أهله إلى التسابق إليه، وبذله، واحتساب الأجر فيه، وهو «عبارة عن دفع مال إلى الغير؛ لينتفع به ويرد بدله» وهو نوع من السلف([15]).
ومما جاء في فضل بذل القرض ما رواه عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي r قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا مرتين إلا كان كصدقة مرة»([16]).
ومما لا شك فيه أن من أسباب لجوء الناس إلى عقود التقسيط قلة المقرضين في المجتمع الإسلامي، وسبب قلة المقرضين تكمن: إما في الجهل بثواب القرض الحسن وفضله، وإما في الزهد في هذا الفضل – الذي سبق بيانه آنفًا – وسبب آخر منع الناس من القرض الحسن وهو: جحود المستقرضين أو مماطلتهم بالسداد مما يترتب عليه ضياع حقوق المقرضين؛ فأوجد ذلك نكوصًا عن بذل القرض لمحتاجيه.
وهنا ينبغي على المستقرضين ألا يسهموا في إطفاء هذا الجانب المضيء من جوانب التكافل الاجتماعي في الإسلام، وألا يكونوا سببًا في وصد بابه، وقطع سبيله، وذلك يكون بوفاء الدين عند حلول أجله.
ومن وسائل تفعيل دور القرض الحسن في المجتمع؛ أن تقوم على تفعليه دوائر حكومية في كل وزارة؛ وذلك بإنشاء صندوق تكافلي، يُدعم من خلال اقتطاع مبلغ رمزي من راتب كل موظف يتبع هذه الدائرة الحكومية، ويكون له ميزانية مستقلة، ويقوم هذا الصندوق بدور إقراض كل موظف يحتاج إلى متطلب من متطلبات حياته المتعددة والمتكررة، من بناء مسكنه الخاص، وشراء سيارة، وشراء أثاث لمنزله ... إلخ، ويسد هذا القرض من راتب المقترض وفق نسب محددة.
وتُقدَم خدمات هذا الصندوق وفق آليات وضوابط من شأنها الحفاظ على موارد الصندوق من الهدر والضياع، وأن يقوم على هذا الصندوق كادر إداري يسير عملية المدخلات والمخرجات لهذا الصندوق ...
ولبيان هذا الدور، نضرب له بتجربة رائدة في هذا الجانب، أثبتت مرور السنين، وتكاثر الحاجات والمتطلبات الحياتية نجاحها، وهذه التجربة تمثلت في صندوق طلاب جامعة الملك سعود، والذي قام على تمويله بالكامل الطلاب أنفسهم، ومن مكافآتهم الضئيلة، والتي لا تتجاوز الألف ريال في جميع التخصصات، وذلك باقتطاع مبلغ عشرة ريالات فقط من مكافأة كل طالب وطالبة؛ إذ المحصلة من هذا المبلغ الزهيد؛ أن تكون مورد مالي ضخم في كل شهر، فضلاً عن كل سنة!!، من مجموع طلاب يفوق عددهم أربعين ألف طالب وطالبة، وهذه المحصلة أثمرت جانب دعم مالي قوي لطلاب الجامعة في احتياجاتهم المتعددة من الزواج، وإيجار المسكن، وشراء الكتب والمراجع الجامعية، والحاسبات الآلية (الكمبيوتر) ومستلزمات الدراسة المختلفة ... إلخ، وتمثل دعم هذا الصندوق في البنود التالية:
1- السلف: وذلك بتقديم سلفة مقطوعة لكل طالب وطالبة، وفق لجنة منبثة من إدارة الصندوق تدرس واقع ومقدار حاجة الطالب المتقدم بطلب السلفة، ولبيان دور هذا الصندوق في دعم هذا البند، فقد بلغ مجموع السلف في 1419هـ فقط عشرة ملايين ريال.
2- الإعانات غير المرتجعة: وهي إعانات يقدمها الصندوق لمن ثبتت حاجة المتقدم إليه، دون أن تسترجع قيمة الإعانة، وتمثلت في إعانة الزواج؛ فكل طالب يتأهل يعطي عند تقدمه إلى الصندوق إعانة مقطوعة غير مرتجعة مقدارها عشرة آلاف ريال، وكذلك تقديم إعانات مقطوعة لذوي الاحتياجات والظروف الخاصة التي تقرر أحقيتهم لجنة متخصصة منبثقة عن إدارة الصندوق.
3- والصندوق يقوم بدور استثماري في الجامعة وخارجها، وفي نفس الوقت يقدم خدمة متميزة وميسورة للطالب، وذلك بإنشاء أسواق تجارية لبيع متطلبات الطالب من الملبس وغيره، وإنشاء مراكز بيع الكتب والمراجع العلمية التي يحتاجها الطالب، وإنشاء مراكز تصوير الكتب والمراجع العلمية، وطباعة البحوث.
وبالإضافة إلى كونه يقدم خدمة للطالب؛ فإنه يمثل موردًا ماليًا للصندوق في دعم نشاطاته.
هذه التجربة الرائدة والفريدة من نوعها في الدوائر الحكومية، تبرز لنا أهمية إنشاء هذه الصناديق في كل وزارة ودائرة حكومية لمواجهة متطلبات كل موظف، وسد حاجاته الحياتية المتعددة والمتكررة، بدلاً من الدخول في متاهات التقسيط المنتشرة في المجتمع.
ثانيًا: لزوم الاعتدال في التعامل بالتقسيط:
إن السيل الجارف من التسهيلات الدعائية من قبل الشركات المتعاملة بالتقسيط، وما تقوم به من طرح مغر في شتى أنواع متطلبات الحياة: الضرورية والكمالية والجمالية، جعل كثيرًا من الناس يفغرون أفواههم أمام هذا الإغراء الجذاب، وأصبحت هذه التسهيلات أشبه ما تكون بأفخاخ ومصائد توقع الناس في شراكها وحبائلها، مما يترتب عليه تحملهم ديونًا لا تفي مواردهم المالية بسدادها، وهذا من مضارة المسلمين ومشاقتهم وقد نهى النبي r عن مضارة المسلم والمشقة عليه؛ فعن أبي صرمة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله r: «من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه»([17]).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في شرحه لهذا الحديث: «هذا الحديث دل على أصلين من أصول الشريعة:
أحدهما: أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، وهذا من حكمة الله التي حمد عليها؛ فكما أن من عمل ما يحبه الله أحبه الله، ومن عمل ما يبغضه الله أبغضه الله، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، وكذلك من ضار مسلمًا ضره الله، ومن مكر به مكر الله به، ومن شق عليه شق الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل.
الأصل الثاني: منع الضرر والمضارة، وأنه «لا ضرر ولا ضرار» وهذا يشمل أنواع الضرر كله.
والضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرة بوجه من الوجوه، فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره وأذاه عنهم من جميع الوجوه؛ فيدخل في ذلك: التدليس، والغش في المعاملات، وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع والنجش، وتلقي الركبان، وبيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه، ومثله الإجارات، وجميع المعاملات»([18]).
فعلى شركات التقسيط أن يسلكوا سبيل الرفق والنصح للمسلمين، وأن يكونوا عونًا لإخوانهم المسلمين في قضاء حوائجهم، وسد ضرورياتهم، وألا يكونوا سبيلاً من سبل إيقاع المسلمين في الحرج والضيق.


* * *

ولشركات
التقسيط رأي

ولشركات التقسيط رأي
استكتبت (هيئة التحرير) عددًا من شركات التقسيط بقصد تعريف القارئ على طريقة تعاملها وأبرز المشكلات التي تواجهها فكانت استجابة الشركات على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شركات تحفظت على ذلك ولم ترسل أي معلومة.
القسم الثاني: شركات أرسلت معلومات عامة وفيها تحفظ وحذر ومدح لتعاملها.
القسم الثالث: شركات تعاونت وأثرت القارئ بمعلومات مهمة ونصائح يحتاج الإطلاع عليها كل من يريد التعامل بالتقسيط. ونحن إذ نزود القارئ بهذه المعلومات فإننا نتوجه بشكرنا الجزيل لمن تعاون معنا من أصحاب ومديري شركات التقسيط ونثمن لهم هذا التعاون الذي نتيجته المصلحة العامة وإفادة القراء. ولولا أنهم اشترطوا عدم ذكر أسماء شركاتهم لشكرنا كل شركة باسمها على تعاونهم معنا.
ويمكن تقسيم المعلومات التي زودونا بها إلى الآتي:
أولاً: أرقام وإحصائيات:
- ذكرت إحدى شركات التقسيط أن عملاءها في العام الماضي (1420هـ) بلغ (8094) عميلاً لم يلتزم بالتسديد منهم (717) عميلاً أي حوالي (9%).
- وذكرت شركة أخرى أن عملاءها في كل من الرياض وبريدة بلغ (6000) عميل منهم (70%) تمت تصفية عقودهم خلال العشر سنوات الماضية. كما ذكرت صعوبة تحديد النسبة المئوية لمن لم يلتزموا بالتسديد لاختلاف مدة تأخرهم عن التسديد بين (30 يومًا و 90 يومًا و 120 يومًا وأكثر وأقل).
ثانيًا: أبرز المشاكل التي تواجهها شركات التقسيط مع العملاء:
1- تأخر العملاء في سداد الأقساط المستحقة، وتعتبر إحدى الشركات أن هذا من أكبر المشاكل التي تؤثر على استمرارية نشاط الشركة.
2- ارتباط العميل أو الكفيل بعدة شركات غير مشتركة في برنامج الغرفة التجارية الخاص بشركات التقسيط.
3- تغيير عنوان العميل أو الكفيل لظروف (كترك عمله، أو النقل منه، أو النقل من سكنه إلى آخر، ونحو ذلك).
4- شراء السيارة لشخص آخر على أن يلتزم بالسداد (أي المستفيد) ثم لا يلتزم بذلك؛ لأنه لم يستفد من السيارة.
5- الاتفاق بين العميل والكفيل على أن يتم السداد مناصفة بينهما ومن ثم يتهرب أحد الطرفين من سداد ما عليه.
6- المجاملة في عميلة الكفالة ومن ثم وقوع الكفيل في المشاكل بسبب عدم تسديد العميل.
ثالثًا: إجراءات عدم التسديد:
1- يتم إشعار العميل بحلول القسط المستحق عن طريق الاتصال بالهاتف (سكن أو عمل).
2- إذا لم يتجاوب يتم تسليمه إشعارًا بالتسديد.
3- إذا لم يتجاوب ترفع المعاملة إلى الشرطة (طلب "1" طلب "2" طلب "3").
4- إذا لم يتجاوب تحال القضية إلى المحكمة (الكبرى أو المستعجلة – حسب المبلغ المتأخر).
5- بعد حضور الجلسة يصدر الصك الشرعي بالمبلغ المطلوب ثم يحال الصك إلى التنفيذ.
6- يتم إحضار طلب حضور من جهة التنفيذ للمذكور لتنفيذ الصك الشرعي.
وترى المجلة أن العاقل في غنى عن تطبيق هذه الإجراءات التي تقلقه وتقلق أسرته، وتشوه سمعته. وترى أن الاقتصاد في المعيشة، وعدم الحرص على الكماليات، وعدم تحميل النفس ما لا تطيق، أو تحمل ما لا يستطيع سداده من الديون؛ كفيل بعدم الوقوع في مشاكل التقسيط. ثم إذا تحمل دينًا فعليه أن يجتهد في الاقتصاد والتوفير حتى يمكنه السداد إذا جاء وقته؛ وليعلم أنه دين يبقى في ذمته، لا يجوز له التهرب منه ولا المماطلة فضلاً عن تبييت نية عدم الوفاء به، كما مرّ في مقالات أصحاب الفضيلة العلماء وطلاب العلم مما ذكر سابقًا في هذا الملف.
رابعًا: نصائح وتوجيهات:
ذكرت شركات التقسيط عددًا من النصائح للمتعاملين بالتقسيط هي:
1- أن يحرص العميل على إعطاء معلومات صحيحة خاصة فيما يتعلق بالارتباطات المالية الأخرى التي عليه قبل توقيع عقد التقسيط، وهذا مهم لتحقيق الهدف من عملية التقسيط وهو: التيسير عليه في الأقساط والمدة؛ لأنه إذا أخفى المعلومات وتحمل ديونًا من أكثر من شركة تقسيط ربما لا يفي دخله بالسداد لكل الشركات التي يتعامل معها مما يعرضه للمشاكل.
2- عدم كفالة أشخاص لا يدري أيقومون بإيفاء ما عليهم من أقساط أم لا، ويجب عدم المجاملة في مثل هذه المعاملات التي قد تجر المشاكل إلى الشخص.
3- عدم التقدم لشراء سيارة بالتقسيط وعليه أقساط لشركة أخرى فإن ذلك يرهقه، ويكون مدعاة لتأخير السداد.


* * *

([1]) تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (5/495).

([2]) التعريفات للجرجاني ص89.

([3]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر (10/253).

([4]) رواه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم في كتاب: اللباس، باب قول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}.

([5]) انظر: دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، د. يوسف القرضاوي ص: 251.

([6]) هامش الوسيط للدكتور السنهوري (4/173) وينظر: حكم بيع التقسيط في الشريعة والقانون، محمد الإبراهيم.

([7]) رواه مسلم في كتاب: الإمارة باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين (1886).

([8]) رواه النسائي في كتاب: البيوع، باب: التغليظ في الدين، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (2/25).

([9]) رواه الترمذي في كتاب الجنائز باب 76 وحسنه (1078 – 1079).

([10]) رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب الاستعاذة من الهم والدين (3480) وأبو داود في الصلاة باب الاستعاذة (1540) والنسائي في الاستعاذة باب الاستعاذة من البخل ومن الهم والحزن (8/257) والحديث في الصحيحين بألفاظ أخرى.

([11]) رواه البخاري في كتاب: صفة الصلاة، باب الدعاء قبل السلام (2/263) ومسلم في كتاب: المساجد، باب: ما يستفاد منه في الصلاة (589).

([12]) دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، 236.

([13]) رواه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: لينظر إلى من هو أسفل منه (11/276) ومسلم في أول كتاب الزهد 2963 والترمذي في كتاب القيامة باب (59) رقم (2515).

([14]) بهجة قلوب الأبرار ص41.

([15]) الإنصاف للمرداوي مع المقنع لابن قدامه (12/323).

([16]) رواه ابن ماجه في كتاب الصدقات وباب القرض (2430) وصححه الألباني في صحيح الجامع (5769).

([17]) رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (2/57-58) وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/410) برقم (896).

([18]) بهجة قلوب الأبرار: 36.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 6 )  
قديم 2014-05-26
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه

فتاوى
في البيوع الآجلة
ابن تيمية – اللجنة الدائمة للإفتاء
جمع وترتيب
إبراهيم بن محمد الحقيل

أولاً: من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
السؤال الأول: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن رجل يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالاً. هل يجوز؟ أم لا؟
فأجاب: أما إذا باع السلعة إلى أجل، واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالاً، فهذه تسمى «مسألة العينة» وهي غير جائزة عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة ومالك، وأحمد، وغيرهم، وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل، ثم اشتريت بأقل. فقال: «دراهم بدراهم، دخلت بينهما حريرة».
وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال: «إذا استقمت – أي قومت السلعة – بنقد، ثم بعت بنسيئة، فتلك دراهم بدراهم». فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم، ثم باعها إلى أجل، فيكون مقصوده دراهم بدراهم، والأعمال بالنيات، وهذه تسمى التورق.
فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها. وتارة يشتريها ليتجر بها، فهذان جائزان باتفاق المسلمين، وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم، فينظر كم تساوي نقدًا، فيشتري بها إلى أجل، ثم يبيعها في السوق بنقد، فمقصوده الورق، فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء، كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها: إني ابتعت من زيد بن أرقم غلامًا إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة. فقالت عائشة: بئس ما بعت، وبئس ما اشتريت. أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول الله r بطل، إلا أن يتوب. قالت: يا أم المؤمنين! أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟، فقالت لها عائشة: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}.
وفي السنن عن النبي r أنه قال لمن باع بيعتين في بيعة: «فله أوكسهما، أو الربا» وهذا إن تواطأ على أن يبيع، ثم يبتاع، فما له إلا الأوكس، وهو الثمن الأقل، أو الربا.
وأصل هذا الباب: أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس، وإن نوى ما حرم الله، وتوصل إليه بحيلة، فإن له ما نوى. والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا، كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعًا، والإجارة بينهم ما عدوه إجارة، وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحًا؛ فإن الله ذكر البيع والنكاح، وغيرهما في كتابه، ولم يرد لذلك حد في الشرع، ولا له حد في الفقه.
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق.
وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة، وغير ذلك، فما تواطأ الناس على شرط، وتعاقدوا، فهذا شرط عند أهل العرف. (مجموع الفتاوى 29/446-448).
السؤال الثاني: سئل أيضًا عن رجل اضطر إلى قرضة دراهم، فلم يجد من يقرضه إلا رجل يأخذ الفائدة، فيأتي السوق يشتري له بضاعة بخمسين، ويبيعها له بربح معين إلى مدة معينة، فهل هي قنطرة الربا؟
فأجاب: إذا اشترى له بضاعة، وباعها له فاشتراها منه، أو باعها للثالث صاحبها الذي اشتراها المقرض منه، فهذا ربا والأحاديث عن النبي r والصحابة والتابعين في تحريم ذلك كثيرة: مثل حديث عائشة لأم ولد زيد بن أرقم، قالت لها: يا أم المؤمنين إني ابتعت من زيد بن أرقم غلامًا إلى العطاء، بثمانمائة درهم نسيئة ثم ابتعته منه بستمائة نقدًا. فقالت عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت أخبري زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله r إلا أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين! أرأيت إن لم أجد إلا رأس مالي؟ فقالت عائشة: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].
وعن أنس بن مالك أنه سئل عن مثل ذلك. فقال: هذا ما حرم الله.
وأما الذي لم يعد إلى البائع بحال، بل باعها المشتري من مكان آخر لجاره، فهذا يسمى "التورق" وقد تنوزع في كراهته. فكرهه عمر بن عبد العزيز، والإمام أحمد بن حنبل – رضي الله عنهما – في إحدى الروايتين. وقال عمر بن عبد العزيز: «والتورق أُخية الربا»: أي أصل الربا. وهذا القول أقوى. (مجموع الفتاوى 29/430-431).
السؤال الثالث: سئل أيضًا عن رجل طلب من إنسان ألف درهم إلى سنة بألف ومائتي درهم، فباعه فرسا أو قماشًا بألف درهم، واشتراه منه بألف ومائتي درهم إلى أجل معلوم، فهل يجوز ذلك؟
فأجاب: لا يحل له ذلك؛ بل هو ربا باتفاق الصحابة وجمهور العلماء. كما دلت على ذلك سنة رسول الله r، سئل ابن عباس – رضي الله عنه – عن رجل باع حريرة، ثم ابتاعها لأجل زيادة درهم، فقال: «دراهم بدراهم، دخلت بينهما حريرة» وسئل عن ذلك أنس بن مالك، فقال: «هذا مما حرم الله ورسوله». وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم في نحو ذلك: «بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله r، إلا أن يتوب».
فمتى كان مقصود المتعامل دراهم بدراهم إلى أجل – فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى – فسواء باع المعطى الأجل، أو باع الأجل المعطي، ثم استعاد السلعة، وفي السنن عن النبي r أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا» وفيه أيضًا عن النبي r أنه قال: «إذا تبايعتم بالعينة؛ واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، أرسل الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» وهذا كله في بيع العينة، وهو بيعتان في بيعة.
وقال r: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» قال الترمذي: حديث صحيح. فحرم النبي r أن يبيع الرجل شيئًا، ويقرضه مع ذلك؛ فإنه يحابيه في البيع لأجل القرض، حتى ينفعه، فهو ربا.
وهذه الأحاديث وغيرها تبين أن ما تواطأ عليه الرجلان، بما يقصدان به دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل فإنه ربا، سواء كان يبيع ثم يبتاع، أو يبيع ويقرض، وما أشبه ذلك. والله أعلم.
(مجموع الفتاوى 29/431-433)
السؤال الرابع: وسئل رحمه الله عن رجل تداين دينًا، فدخل به السوق، فاشترى شيئًا بحضرة الرجل، ثم باعه عليه بفائدة هل يجوز ذلك؟ أم لا؟
فأجاب: الحمد لله ... هذا على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون بينهم مواطأة لفظية، أو عرفية، على أن يشتري السلعة من رب الحانوت، فهذا لا يجوز.
والثاني: أن يشتريها منه على أن يعيدها إليه، فهذا أيضًا لا يجوز، فقد دخلت أم ولد زيد بن أرقم على عائشة، فقالت: يا أم المؤمنين! إني ابتعت من زيد بن أرقم غلامًا إلى العطاء بثمانمائة درهم نسيئة، ثم ابتعته منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: «بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أخبري زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله r، إلا أن يتوب». وقال النبي r: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» وسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: «دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة». وقال أنس بن مالك: «هذا مما حرم الله ورسوله».
والوجه الثالث: أن يشتري السلعة سرًا، ثم يبيعها للمستدين بيانًا، فيبيعها أحدهما، فهذه تسمى "التورق"؛ لأن المشتري ليس غرضه في التجارة، ولا في البيع، ولكن يحتاج إلى دراهم، فيأخذ مائة، ويبقى عليه مائة وعشرون مثلاً. فهذا قد تنازع فيه السلف والعلماء. والأقوى أيضًا أنه منهي عنه، كما قال عمر بن عبد العزيز ما معناه: إن التورق أصل الربا؛ فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل؛ لما في ذلك من ضرر المحتاج، وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود في هذه الصورة، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة، وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها. فأما إذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم أكثر منها: فهذا لا خير فيه. والله أعلم. (مجموع الفتاوى 29/433-434).
وقد ذكر شيخ الإسلام أن الأصل في هذا الباب أن الشراء على ثلاثة أنواع:
أحدهما: أن يشتري السلعة من يقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللباس والركوب والسكنى، ونحو ذلك، فهذا هو البيع الذي أحله الله.
والثاني: أن يشتريها من يقصد أن يتجر فيها، إما في ذلك البلد، وإما في غيره، فهذه هي التجارة التي أباحها الله.
والثالث: أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا؛ بل مقصوده دراهم لحاجته إليها. وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضًا، أو سلمًا فيشتري سلعة ليبيعها، ويأخذ ثمنها، فهذا هو "التورق" وهو مكروه في أظهر قولي العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخيه الربا. وقال ابن عباس: إذا استقمت بنقد، ثم بعت بنقد، فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد، ثم بعت بنسيئة، فتلك دراهم بدراهم.
ومعنى كلامه إذا استقمت؛ إذا قومت. يعني: إذا قومت السلعة بنقد، وابتعتها إلى أجل، فإنما مقصودك دراهم بدراهم، هكذا "التورق" يُقوَّم السلعة في الحال، ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك، وقد يقول لصاحبه أريد أن تعطني ألف درهم، فكم تربح؟ فيقول: مائتين، أو نحو ذلك. أو يقول: عندي هذا المال يساوي ألف درهم، أو يحضران من يقومه بألف درهم، ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل، فهذا مما نهي عنه في الصحيح.
(مجموع الفتاوى 29/441-443)
* * *


ثانيًا: فتوى في تقسيط البنوك
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي/ عبد الرحمن البدراني. والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (6130) وتاريخ 30/12/1420هـ.
وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه: «انتشر بين الناس الشراء من البنوك بالتقسيط مقابل الزيادة في سعر المبيع علمًا أن البنك لا يملك السيارة أو العمارة وليست عنده وإنما يختارها المشتري من أحد الملاك ثم يأتي إلى البنك يطلبها والبنك يقوم بشرائها ودفع قيمتها النقدية ويسلمها للمشتري بالتقسيط بعد أن يوقع العقد بينهما ويلتزم بالشروط المطلوبة في التسديد ويستلمها بعد ذلك.
والسؤال هو: هل يجوز هذا البيع؛ لأننا نسمع منكم ومن العلماء ونقرأ في الحديث أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع شيئًا إلا إذا ملكه وحازه إلى رحله. والبنك في الواقع لم يملك هذه السيارة أو العمارة ولم يشترها لنفسه وإنما اشتراها لهذا المشتري الذي طلبها بعينها بعد ما طلبها على أنها له، ويحتجون بأن المشتري ليس ملزمًا بشرائها لو عدل عنه؛ لكنهم يعلمون أنه عازم عليها ولولا ذلك لم يشتروها؟
والسؤال الثاني: يشترط البنك على المشتري أنه لو عدل عن الشراء فإنه ملزم بدفع ما يلحق البنك من نقص نتيجة عدوله عن الشراء فهل هذا الشرط صحيح. ويدعي البنك أن لديهم فتوى شرعية بذلك وإذا كان لديه فتوى بذلك فهل هي شرعية أم احتيال على الله سبحانه؛ لأنه الحقيقة في هذه المعاملة هي شراء نقد بنقد وزيادة؛ لكن تلك السيارة أو العمارة جعلت واسطة لاستحلال الربا بأدنى الحيل أفتونا مأجورين فإن الأمر قد شاع وعظم انتشاره.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه لا يجوز التعامل بالمعاملة المذكورة؛ لأن حقيقتها قرض بزيادة مشروطة عند الوفاء، والصورة المذكورة ما هي إلا حيلة للتوصل إلى الربا المحرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فالواجب ترك التعامل بها طاعة لله ولرسوله r.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (21286)
تاريخ 18/1/1421هـ
* * *
ثالثًا: قرار هيئة كبار العلماء في الإيجار المنتهي بالتمليك
قرار رقم (198) وتاريخ 6/12/1420هـ.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء درس موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك في دوراته التاسعة والأربعين، والخمسين، والحادية والخمسين، بناءً على استفتاءات متعددة وردت إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، واطلع على البحوث المعدة في الموضوع من قبل عدد من الباحثين. وفي دورته الثانية والخمسين المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من تاريخ 29/10/1420هـ استأنف دراسة هذا الموضوع، وبعد البحث والمناقشة رأي المجلس بالأكثرية أن هذا العقد غير جائز شرعًا لما يأتي.
أولاً: أنه جامع بين عقدين على عين واحدة غير مستقر على أحدهما وهما مختلفان في الحكم، متنافيان فيه.
فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري، وحينئذ لا يصح عقد الإجارة على البيع؛ لأنه ملك للمشتري، والإجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر، والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه، فتلفه عليه عينًا ومنفعة، فلا يرجع بشيء منهما على البائع، والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها، فتلفها عليه عينًا ومنفعة، إلا أن يحصل من المستأجر تعدٍّ أو تفريط.
ثانيًا: أن الأجرة تقدر سنويًا أو شهريًا بمقدار مقسط يستوفى به قيمة المعقود عليه، يعده البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه حيث لا يمكن للمشتري بيعه، مثال ذلك: إذا كانت قيمة العين التي وقع عليها العقد خمسين ألف ريال وأجرتها شهريًا ألف ريال حسب المعتاد جعلت الأجرة ألفين، وهي في الحقيقة قسط من الثمن حتى تبلغ القيمة المقدرة، فإن أعسر بالقسط الأخير مثلاً سحبت منه العين باعتبار أنها مؤجرة ولا يُردُ عليه ما أخذ منه بناء على أنه استوفى المنفعة، ولا يخفى ما في هذا من الظلم والإلجاء إلى الاستدانة لإيفاء القسط الأخير.
ثالثًا: أن هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون حتى أصبحت ذمم كثير منهم مشغولة منهكة، وربما يؤدي إلى إفلاس من بعض الدائنين لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء.
ويرى المجلس أن يسلك المتعاقدان طريقًا صحيحًا وهو أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة ونحو ذلك.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
* * *
رابعًا: حكم أرباح المعاملات المختلف فيها

مما سبق عرضه يمكن تقسيم البيوع الآجلة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: بيوع لا تجوز كبيع العينة ونحوه.
القسم الثاني: بيوع جائزة كبيع التقسيط إذا توافرت فيه شروط البيع.
القسم الثالث: بيوع مختلف فيها لاشتباهها.
فالقسم الأول لا شك في حرمته، والثاني لا شك في إباحته وبقي الثالث الذي تختلف فيه أقوال العلماء المجتهدين؛ فالأبرأ للذمة أن يأخذ المسلم بالأحوط، أو بمن يعتبر قوله من العلماء المجتهدين.
لكن الإشكال يقع في بعض المعاملات الجديدة التي ليس فيها فتوى، أو معاملات أفتى بعض الناس بجوازها، وبعد دراسة العلماء لها تبين أنها محرمة، مثل: الإيجار المنتهى بالتمليك، ووجه الإشكال: أن بعض الناس قد يقع في المعاملة المحرمة قبل صدور الفتوى بتحريمها فما حكم أرباحها، وأرباح المعاملات المختلف فيها؟!
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المسألة بما يشفى ويكفي فقال رحمه الله تعالى: «وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة، كهذه المعاملات المسؤول عنها، وغيرها، وكان متأولاً في ذلك، ومعتقدًا جوازه لاجتهاد، أو تقليد، أو تشبه ببعض أهل العلم،أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم، ونحو ذلك ذلك، فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها، وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك، وإن الذي أفتاهم أخطأ؛ فإنهم قبضوها بتأويل، فليسوا أسوأ حالاً مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل.
فإن الكفار إذا تبايعوا بينهم خمرًا أو خنزيرًا، وهم يعتقدون جواز ذلك، وتقابضوا من الطرفين، ثم أسلموا، ثم تحاكموا إلينا: أقررناهم على ما بأيديهم، وجاز لهم بعد الإسلام أن ينتفعوا بذلك. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، فأمرهم بترك ما بقي لهم في الذمم، ولم يأمرهم بإعادة ما قبضوه.
وكان بعض نواب عمر – رضي الله عنه – بالعراق يأخذ من أهل الذمة الجزية خمرًا، ثم يبيعها لهم، فكتب إليه عمر ينهاه عن ذلك. وقال: إن رسول الله r قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها» ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أثمانها.
فنهاهم عمر عن بيع الخمر، وقال: ولوا بيعها الكفار. فإذا باعوها هم لأهل دينهم، وقبضوا أثمانها جاز للمسلمين أن يأخذوا ذلك الثمن منهم؛ ولهذا قال النبي r: «أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام».
بل أكثر العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة يقولون بما دلت عليه سنة رسول الله r، وسنة خلفائه الراشدين، وهو: أن الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين بالمحاربة، ثم أسلموا بعد ذلك، أو عاهدوا فإنها تُقَرُّ بأيدهم، كما أقر النبي r بيد المشركين ما كانوا أخذوه من أموال المسلمين حال الكفر؛ لأنهم لم يعتقدوا تحريم ذلك وقد أسلموا، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، فإنما غفر لهم بالإسلام ما تقدم من الكفر، والأعمال صاروا مكتسبين لها بما لا يأثمون به.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فالمسلم المتأول الذي اعتقد جواز ما فعله من المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التي يفتي بعض العلماء، إذا أُقبض بها أموال، وتبين لأصحابها بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك؛ لم يحرم عليهم ما قبضوه بالتأويل، كما لم يحرم على الكفار بعد الإسلام ما اكتسبوه في حال الكفر بالتأويل، ويجوز لغيرهم من المسلمين الذي يعتقدون تحريم ذلك أن يعاملوهم فيه؛ كما يجوز للمسلم أن يعامل الذمي فيما في يده من ثمن الخمر، وغيره؛ لكن عليهم إذا سمعوا العلم أن يتوبوا من هذه المعاملات الربوية».
(مجموع الفتاوى 29/443-445)
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

بيع التقسيط نشأته تاريخه صوره حكمه



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 07:36 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب