منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

البراء من الكفار والمشركين

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حقيقة خوف الكفار من الإسلام Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 4 2012-12-23 08:31 PM
حكم السفر إلى بلاد الكفار لرزق أبو العــز ركن المرئيات والصوتيات الاسلامية 2 2012-12-15 08:34 PM
لمن يريد إزالة الصهاينة الكفار من فلسطيننا الحبيبة BOUBA منتدى فلسطين وطن يجمعنا 8 2012-05-22 02:25 PM
ما حكم تهنئة الكفار بعيد الكريسماس أم محمد ركن كن داعيا 8 2011-12-28 01:30 PM
أين أبو البراء.......؟ أم أنس منتدى الترحيب والتهاني والتعازي 8 2010-04-24 12:31 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي البراء من الكفار والمشركين

مقدمة لفضيلة الشيخ
عبد الله بن منيع
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فإن الولاء والبراء من قواعد ديننا الإسلامي ومن أصوله الثابتة، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
فولاء المسلم لإخوانه المسلمين مقصد شرعي مستمد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
وأما البراء فهو براء المسلم من الكفر والكافرين والشرك والمشركين والضلالة والمضلين. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيجب على المسلم أن يستشعر مقتضيات الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وأن يجعل حُبَّه لله وبغضه لأجل الله ويوالي أولياء الله وأحباءه وعباده الصالحين، وأن يجعل براءته لأعداء الله ورسوله من الكفار والمشركين واليهود والنصارى وأعداء الدين.
وقد استمتعت حقًا بقراءة سلسلة الولاء والبراء لفضيلة الشيخ/ سيد سعيد عبد الغني فوجدتها نابعة من إيمان صادق يدرك معنى (الولاء والبراء) لله ولكتابه الكريم ولرسله الأصفياء المرسلين ولأحكام دينه واستشهد على ما يقوله بنصوص صريحة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله r ومن أقوال أهل العلم وأئمتهم من سلفنا الصالح. فجزي الله المؤلف خير الجزاء وجعل ذلك في موازين حسناته وامتدادًا لعمله الصالح، وألا يكون آخر أثر علمي يقدمه فضيلة الشيخ/ سيد سعيد عبد الغني، وأن يبارك فيه وفي أعماله وأوقاته.
ونحن ننصح بنشر هذه السلسلة الذهبية فهي مصباح يضيء طريق الإصلاح وإعداد النشء المسلم على عقيدة أهل السنة والجماعة. ونسأل الله تعالى أن ينفع المسلمين بهذه السلسلة وأن يجزي مؤلفها خير الجزاء، وكل من ساهم في نشر هذه السلسلة.
وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.









بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
إن (الولاء والبراء) عقيدة وعبادة، عقيدة يجب اعتقادها والعمل بمقتضاها، وعبادة تعبدنا الله بها فيجب تحقيقها وهي بلا مبالغة مناط تحقيق شهادة (ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله).
فإذا تتبع المسلم عبادته لله تعالى وطاعته لله، وكذلك انتهاء المسلم عما نهاه الله عنه، فسوف يجد نفسه في فعل الطاعات، وترك المنهيات) في إطار عقيدة (الولاء والبراء) وأنه يتحرك بها ومن خلالها، ولا تخرج كل هذه العبادات والاعتقادات عن لُب هذا الأصل الأصيل من أصول الدين وهو (الولاء والبراء) وسيجد المسلم نفسه يطبق الأمر الإلهي والتوجيه الرباني حيث قال تعالى في محكم آياته ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا...﴾ [المائدة: 55].
وليعلم المسلم أن هذه العقيدة لها جناحان؛ الجناح الأول هو (الولاء) والجناح الثاني هو (البراء).
ولا غنى لأحدهما عن الآخر فهما للمسلم بمثابة الجناحين للطائر. فهذا المسلم الذي حقق عقيدة (الولاء) لله ولرسوله r وللمؤمنين، فإنه يجب عليه أيضًا أن يحقق عقيدة (البراء) من الكفار والمشركين، وملل الكفر أجمعين كما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الزخرف: 26، 28].
هكذا تتجلى عقيدة (البراء) في إمام الموحدين، وقدوة السالكين، إبراهيم عليه السلام، فيجب على المسلم أن يتبرأ من الكفر والكافرين، والشرك والمشركين، وذلك إعلانًا من المسلم لولائه لله ولدينه ولرسوله r وللمؤمنين.
ويجب عليه أن يمتثل أمر الله تعالى في اتخاذ القدوة من إبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه حينما عبروا عن عقيدة البراء من المشركين وشركهم. فقال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ..[الممتحنة: 4].
وأخيرًا أسأل الله العليم العظيم رب العرش الكريم أن يجعل عملي كله صالحًا لوجه سبحانه وتعالى خالصًا، وأن يطهره من الشرك والرياء، وألا يجعل لأحد فيه شيئًا، ولإن أصبت في هذه السطور فمن الله عز وجل وفضله وتوفيقه وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وأسأل الله أن يغفر لي زلتي ويعفو عن خطئي ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
وكتبه
أبو عبد الرحمن
سيد سعيد عبد الغني
يوم الجمعة 7 رمضان 1419 هـ
الموافق 25 ديسمبر 1998م


أولاً: الولاء للكفار والمشركين
1- حكم موالاة الكفار والمشركين.
2- خطورة تمييع قضية الولاء والبراء.
3- العقيدة فوق القرابة.
4- الولاء للكفار والمشركين من نواقض لا إله إلا الله.
5- صور لموالاة الكفار والمشركين.
6- خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء للكفار والمشركين.
ثانيًا: البراء من الكفار والمشركين
1- إبراهيم عليه السلام تبرأ من الكفار والمشركين.
2- إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه.
3- هود عليه السلام تبرأ من الشرك وأهله.
4- محمد r يتبرأ من الشرك والمشركين.
5- جرأة في الحق.
6- براءة من الشرك.
7- أمة سائرة على الدرب.
8- خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في البراء من الكفارة والمشركين.

الولاء للكفار والمشركين
قد تكلمنا في الصفحات الماضية عن بعض الولاء المشروع، الذي شرعه الله ورسوله وجاء في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد r مثل ولاء المسلم لربه، ولكتابه، ولدينه ولرسوله ص وللمؤمنين ولاءً، قلبيًا وعمليًا، ويحب فيهم، ويبغض من أجلهم، متقربًا إلى الله تعالى بهذا الاعتقاد، وبهذه العبادة، فكان من المستحسن الإشارة هاهنا إلى بعض الولاء غير المشروع.
الذي حرمه الله تعالى، وحرمه رسوله r، وهو مما يُفسد على المسلم اعتقاده ويذبذب توحيده، ويعرض إسلامه للخطر وإيمانه للزوال فإنه لا يجتمع لمسلم واحد في قلبه (ولاء لله وولاء للشيطان، ولاء للقرآن وولاء لأحكام الجاهلية، ولاء للرسول r وولاء للجبت والطاغوت، ولاء للمؤمنين وولاء للكفار والمشركين والملحدين).
فلا يجتمع نقيضان للمسلم في قلبه، فإما (قلب مسلم كله، ولاء لله ولدينه ولكتابه ولرسوله r ولعباده المؤمنين) وإما (قلب كافر كله ولاء للشيطان والكفرة والمشركين والمنافقين والطواغيت..) فوجب على المسلم أن يحذر من أن تنزلق قدمه في إحدى هذه المهالك سواء المُخرج منها من الملة أو ما ينقص الإيمان أو يخدش التوحيد أو يذبذب العقيدة.
وهذه الموالاة غير المشروعة والمنهي عنها لها صور شتى، وأنواع متعددة نُشير إلى بعضها في هذه السطور بعون الله تعالى ومشيئته: وهو بـ (الولاء للكفار والمشركين).
1- حكم موالاة الكفار والمشركين:
لقد حصر الله تعالى الموالاة التي يجب أن يكون عليها المسلم أن تكون لله تعالى ولرسوله r وللمؤمنين حيث قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا...[المائدة: 55].
فمبقتضى هذه الآية تخرج أي موالاة غير المؤمنين عن هذا الحصر الرباني فمن صرف هذه الموالاة لغير المؤمنين من الكفار والمشركين والملحدين وغيرهم ممن عادى الله ورسوله وعباده المؤمنين فقد خرج على أمر الله، وعرض نفسه للهلاك وسوء المصير، فكيف يوالي المسلم من عادى الله؟ وكيف يناصر المسلم من حارب دين الله؟ وكيف يحب المسلم من بغض رسول الله r وكَفَرَ به؟!!.
بل لابد من المعاداة والبراء وعدم الموالاة، وإلا فهي الخيانة لله ولدينه، ولرسوله، وللمؤمنين.
ويأتي التحذير الرباني في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه للمؤمنين ألا يتولوا الكافرين وبعدم اتخاذهم أعوانًا وأنصارًا وأولياء من دون المؤمنين. وأن من فعل ذلك الأمر المشين فليس من الله في شيئ. فهو ليس على منهج الله، ولا على سنة رسول الله r وهو على خطر الشرك، وأوشك أن يخرج من دائرة الإسلام، ويهوى في مدارك الشرك والضلال.
قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ[آل عمران: 28].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء يُسرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ثم توعد على ذلك فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته. كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم.
وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان.
ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي يحذركم نقمته في مخالفته، وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله([1])فهذا التحذيرواضح وصريح من الله تعالى لكل من والى الكفار والمشركين أعداء الله تعالى. وإن في هذا النهي وهذا التحذير لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ومن وقع في هذا الولاء للكفار والمشركين فقد هوي في مدارك الشرك، وارتد عن دينه، وخرج من دائرة الإسلام وأصبح من الكافرين.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله:
"من اتخذ الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء أي قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده ودخوله في لكفر ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل"([2]).
ونلحظ أن ابن جرير الطبري رحمه الله يُصرح بأن من يقع في هذه الموالاة فقد كفر بالله وخرج من إسلامه، فالقضية إذًا قبل أن تكون (ولاء وبراء) فهي (إسلام وكفر) ويترتب عليها الجنة أو النار. فالأمر جد خطير والقضية قضية عقيدة وتوحيد، فهي أصل من أصول الدين، ليس كما يظن البعض أو الأكثر، أنها قضية ثانوية فرعية، ولا يعول عليها الكثير من الأمور، وتختلط عليهم الأمور وتنزلق الأقدام.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون.. ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو والى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة، بمودة القلب، أبو بنصرة، أو باستنصاره سواء.
ليس من الله في شيء، لا في صلة ولا نسبة، ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا ولاية فهو بعيد عن الله، منقطع الصلاة تمامًا في كل شيء تكون فيه الصلات([3]).
ولكن قد يحاول بعض الذين قلوبهم مرض أن يجدوا لأنفسهم بعض الحجج ويقتطفوا بعض الآيات أو الجزء من الآية ليبرروا ما هم عليه من خطأ ومن إعراض عن دين الله ومن تعطيل لكتاب الله تعالى، ومن موالاة لأعداء الله تحت حجج واهية، وشبهات بالية، كاذبين على أنفسهم مخادعين لشعوبهم خاصة وللمؤمنين عامة، مفترين على الله الكذب وهم يعلمون، فيعادون أولياء الله وكل من رفع كتاب الله ودعى لتحكيمه وتطبيقه والعمل بسنة نبيه r موالين لكل من حاد الله ورسوله، وحارب دين الله، وعمل (سواء علنا أم في خفاء) على تعطيل كتاب الله، موالين بذلك أعداء الله وأعداء الدين.
ولذلك جاء التحذير الرباني من الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو سبحانه مطلع على ما في الصدور، سواء عنده ما أعلن وما أخفى. بل إنه سبحانه وتعالى يعلم كل ما في السماوات وما في الأرض ولا يعزب عن علمه شيء.
فبعد النهي عن هذا الولاء غير المشروع والمحرم يخاطب الله تعالى النفس البشرية وهو يعلم ما قد يتسرب إليها من محاولة للتحايل على شرع الله تعالى وإرضاء النفس الأمارة بالسوء. يخاطبها الله عز وجل ويخاطب هذا الضمير الإنساني، فهو نداء من الله تعالى إلى عباده متحدثًا إلى داخلهم ونفوسهم وشعورهم وأحاسيسهم وخطرات أنفسهم، أن يعلموا ويوقنوا أن الله تعالى مطلع عليهم وسوف يحاسبهم يوم القيامة، يوم يرجعون إليه فيجدوا كل شيء قد سطر في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ويجدون كل شيء حاضرًا.
فيقول الله تعالى محذرًا بعد هذا النهي: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[آل عمران: 29، 30].
2- خطورة تمييع قضية الولاء والبراء:
إن قضية الولاء والبراء أصل من أصول الدين، ومن عقيدة المسلم ولا بد من وضوح هذه القضية نصب أعين المسلمين حتى يميز الله الخبيث من الطيب، وحتى يعلم المؤمن من الكافر، والموالي من المعادي ومن الذي يستحق الولاء ومن يستحق المعاداة، وحتى يميز الصف المسلم الموحد، من الصف الكافر المشرك، وحتى يكون الدين كله لله، وحتى يخرج الناس من عبادة المخلوقات إلى عبادة خالقها، وحتى يهتدي من اهتدى على بينة ويهلك من هلك عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ لا بد من إيضاح هذه العقيدة للناس، لا بد من إجلاء الأمور وإظهار الحق واتباعه، وتعرية الباطل واجتنابه فلا يجتمع (الكفر مع الإيمان) ولا (الولاء مع البراء) لشخص واحد وقوم بأعينهم (من الكافرين)([4]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[المجادلة: 22] قال: أخبر الله تعالى أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينافي أحد الضدين الآخر، فإذا وُجد الإيماني انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب([5]).
فلا بد من الفصل، والفصل التام في قضية الولاء التي تُجمِّع بين الشتات وتؤلف بين القلوب، وتُآخي بين الأجناس في أخوة إيمانية، لا يعرفها، ولا يتصورها إلا من ذاق حلاوتها، وعاش في ظلالها، واستنشق رحيقها. لا بد وأن تُربى الأجيال على هذه العقيدة وعلى هذا الولاء لله ولدينه وللمؤمنين.
والتحذير كل التحذير من الوقوع في الكفة الأُخرى فإن فيها الهلاك وإن ظن البعض أن فيها النجاة، فَتَبَّا لكل من والى غير المؤمنين، ومن ودَّ وأحب من عادى دين الله، وتقرب لكل من حاد الله ورسوله.
ويقول الأستاذ سيد قطب في هذا المضمار:
هكذا تنقسم البشرية إلى حزبين اثنين: حزب الله وحزب الشيطان، وإلى رايتين اثنتين: راية الحق وراية الباطل فإما أن يكون الفرد من حزب الله فهو واقف تحت راية الحق، وإما أن يكون من حزب الشيطان فهو واقف تحت راية الباطل، وهما صفان متميزان لا يختلطان ولا يتميعان!!
لا نسب ولا صهر، ولا أهل، ولا قرابة، ولا وطن، ولا جنس، ولا عصبية ولا قومية، إنما هي العقيدة والعقيدة وحدها.
فمن انحاز إلى حزب الله ووقف تحت راية الحق فهو وجميع الواقفين تحت هذه الراية إخوة في الله، تختلف ألوانهم، وتختلف أوطانهم، وتختلف عشائرهم وتختلف أُسرهم ولكنهم يلتقون في الرابطة التي تؤلف حزب الله، فتذوب الفوارق كلها تحت الراية الواحدة، ومن استحوذ عليه الشيطان فوقف تحت راية الباطل فلن تربطه بأحد من حزب الله رابطة، لا من أرض، ولا من جنس، ولا من وطن، ولا من لون، ولا من عشيرة، ولا من نسب ولا من صهر. لقد أنبتت الوشيجة الأولى التي تقوم عليها هذا الوشائج فأنبتت هذه الوشائج جميعًا([6]).
فلا بد من تربية الأبناء وتنشئة الأجيال على أن يكونوا من حزب الرحمن، ومعادين لحزب الشيطان، وأن يكونوا تحت راية الإسلام، متبرئين من راية الكفر والإلحاد، مخلصين في ولائهم لله تعالى، مجتنبين موالاة الكفار والمشركين والملحدين وكل أعداء الدين، حتى يفصل بين الصفين وتتباين الرايتان.
3- العقيدة فوق القرابة والرحم:
لقد أمرنا الله تعالى بصلة الرحم والإحسان إلى ذوي القربة وبرهم، وجعل ذلك قربة له تعالى، بل أخبر النبي r في الحديث الصحيح فيما يرويه عن رب العزة أن الرحم مشتقة من اسم الله تعالى فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله.
وأيضًا بين النبي r أن صلة الرحم سبب في سعة الرزق وطول العمر. وغير ذلك مما هو مقرر في شريعتنا الغراء من فضل صلة الرحم والإحسان لذوي القربى وبرهم.
ولكن إذا تعارض هذا البر وتصادمت هذه الصلة مع العقيدة فلا مقارنة ولا مفاضلة، بل يضرب بهذه القرابة وهذا الرحم عرض الحائط.
فإذا كان المقام مقام التوحيد، والقضية قضية العقيدة فلا يوضع أمامها في الكفة المقابلة أي شيء. فما وصلنا هذا الرحم وما أحسنا إلى هؤلاء الأقرباء إلا من منطلق هذه العقيدة وإلا تعبدًا لله الذي فرض علينا هذه العقيدة وتعبدنا بها، فالعقيدة هي الأصل الثابت الذي يتلاشى أمامه أي شيء يعارضه أو ينقض منه شيئًا.
ويأتي هذا الفصل الرباني في هذه المسألة واضحًا جليًا يقرع الآذان ويُحيي الضمائر ويرسخ أمر العقيدة في القلوب، ويبين مكانه من دين الله تعالى قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: 22].
يقول الأستاذ/ سيد قطب رحمه الله:
فروابط الدم والقرابة هذه تتقطع عند حد الإيمان إنما يمكن أن تُرْعَى إذا لم تكن هناك محادة وخصومة بين اللوائين: لواء الله ولواء الشيطان.
والصحبة المعروفة للوالدين المشركين مأمور بها حين لا تكون هناك حرب بين حزب الله وحزب الشيطان، فأما إذ كانت المحادة والمشاقة والحرب والخصومة فقد تقطعت تلك الأواصر التي لا ترتبط بالعروة الواحدة وبالحبل الواحد.
ولقد قتل أبو عبيدة أباه يوم بدر.. وهَمَّ أبو بكر بقتل ولده عبد الرحمن.
وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير.
وقتل عُمر وحمزة وعلي وعبيدة والحارث أقرباءهم وعشيرتهم.
متجردين من علائق الدم والقرابة إلى آصرة الدين والعقيدة، وكان هذا أبلغ ما ارتقى إليه تصور الروابط والقيم في ميزان الله([7]).
ويزيد الإمام المحدث ابن كثير رحمه الله الأمر تفصيلا فيقول:
ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله r المسلمين في أسارى بدر فأشار الصديق رضي الله عنه بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة ولعل الله تعالى أن يهديهم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكني من فلان (قريب لعمر) فأقتله؟ وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانًا من فلان (ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ﴾ أي من اتصف بأنه لا يَواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب له السعادة وقررها في قلبوه زيَّن الإيمان في بصيرته.
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر (في الله) عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم([8]).
4- الولاء للكفار والمشركين من نواقض لا إله إلا الله:
إن الولاء عقيدة، وعبادة يتعبد بها المسلم لربه سبحانه وتعالى، ويدين له بها، فهي من مقتضيات لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله تقتضي أن نُوالي أنصارها ومعتنقيها.
ولا إله إلا الله تقتضي البراء ومعاداة من يعادي هذه الكلمة ومن يحاربها، ومن لم يدين بها فهذه هي عقيدتنا وهذا هو ديننا.
يقول الأستاذ محمد قطب حفظه الله:
وقد أباح الله للمسلمين في حالة الاستضعاف ألا يظهروا العداوة لأعدائهم ولكنه لم يبح لهم قط أن يوالوهم.. فعدم إظهار العداوة شيء، والموالاة شيء آخر.. الموالاة التي تشمل مودة القلب، والتناصر، والمحبة.. هذه لا تكون إلا بين المؤمنين بعضهم وبعض: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ[آل عمران: 28] نعم يحذركم الله نفسه، وهو المُطلع على دخائل نفوسكم وعلى مداخل الشيطان إليها، أن يدخل إليكم من باب الاستضعاف والخوف فيقول لكم: لا عليكم أن توالوا الكفار لتأمنوا وتصرفوا شرهم عنكم! كلا! لا ولاء! حتى في الاستضعاف لا ولاء! إنما هو فقط عدم إظهار العداوة لهم، وعدم استفزازهم للاعتداء عليكم وأنتم لا تستطيعون رد بأسهم. أما الولاء القلبي فغير جائز؛ لأنه ينقض لا إله إلا الله، ولانه يذيب الحاجز النفسي الذي يفصل االمؤمن عن أعداء الله، فيميل إليهم، فينسي دينه ويصبح مثلهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[النساء: 139-140] هذا في ولاء القلب.. فكيف بالتعاون معهم، لا على البر والتقوى! ولكن على حرب الإسلام والمسلمين؟!
تلك كلها نواقض للا إله إلا الله، يقع فيها كثير من الناس في وقتنا الحاضر دون أن يدروا([9]).
5- صور لموالاة الكفار والمشركين([10]):
1- الرضى بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة([11]).
2- التولي العام واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا وأولياء أو الدخول في دينهم وقد نهى الله عن ذلك فقال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ *[آل عمران: 28].
3- الإيمان ببعض ما هُم عليه من الكفر أو التحاكم إليهم دون كتاب الله كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلاً[النساء: 51].
4- مودتهم ومحبتهم. وقد نهى الله عنها بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[المجادلة: 22].
5- الركون إليهم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ *[هود: 113].
6- مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين:
قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[القلم: 9].
7- اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ[آل عمران: 118].
8- طاعتهم فيما يأمرون ويشيرون به، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[الكهف: 28].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ[آل عمران: 149].
9- مجالستهم والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[النساء: 140].
10- توليتهم أمرًا من أمور المسلمين (ومن ذلك الإمارة والكتابة، وغيرها) والتولية شقيقة الولاية لذلك فتوليتهم نوع من توليهم وقد حكم الله أن من تولاهم فإنه منهم ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم.. والولاية تنافي البراءة فلا تجتمع البراءة والولاية أبدًا.
11- استئمانهم وقد خونهم الله تعالى. حيث أخبر أن منهم من لا يؤدي الأمانة من تلقاء نفسه، ولا خوفًا من الله تعالى إلا إذا اضطر إلى تأديتها قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[آل عمران: 75].
12- الرضى بأعمالهم والتشبه بهم والتزي بزيهم.
13- البشاشة لهم والطلاقة وانشراح الصدر لهم وإكرامهم وتقريبهم.
14- معاونتهم على ظلمهم ونصرتهم.
15- مناصحتهم والثناء عليهم ونشر فضائلهم.
16- تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم (على سبيل الإكرام والتعظيم).
17- السُّكنى معهم في ديارهم وتكثير سوادهم.
وقد قال رسول الله r: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»([12]).
وقوله r: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا»([13]).
18- التآمر معهم وتنفيذ مخططاتهم والدخول في أخلافهم وتنظيماتهم، والتجسس من أجلهم، ونقل عورات المسلمين وأسرارهم إليهم والقتال في صفهم([14]).
19- من هرب من دار الإسلام إلى دار الحرب بغضًا للمسلمين وحبًا للكافرين([15]).
20- من انخرط في الأحزاب العلمانية أو الإلحادية كالشيوعية، والاشتراكية، والقومية والماسونية، وبذل لها الولاء والحب والنصرة([16]).
6- خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء للكفار([17]):
1- أن منها ما هو كُفر محض وانسلاخ من الدين مثل:
أ- التولي المطلق.
ب- مودتهم لأجل دينهم وسلوكهم، والرضا بأعمالهم وتمني انتصارهم على المسلمين.
ج- طاعتهم في أمور التشريع.
د- اعتقاد مساواتهم بالمسلمين، وأن المسلمين لا ميزة لهم.
هـ- الوثوق بهم وائتمانهم دون المسلمين.
و- نصرتهم ومساعدتهم على حرب المسلمين.
ز- التشبه بهم إعجابًا واستحسانًا في قضايا التوحيد والعبادات وكذلك التشبه المطلق بهم.
2- ومنها ما هو كبيرة من الكبائر، يكفر إذا استحلها مثل:
أ- اتخاذهم بطانة.
ب- مداهنتهم والتذلل لهم، وملاينة الحربيين منهم.
ج- المبالغة في تعظيمهم ورفع شأنهم.
د- الدخول في سلطانهم بدون حاجة ولا اقتضاء مصلحة عامة.
هـ- التشبه بهم في أخلاقهم وشعائرهم كالموالد والأعياد.
و- الإقامة عندهم لمن لا يستطيع إعلان دينه مع قدرته على الهجرة.
3- ومنها ما هو أقل من ذلك نحو:
أ- ميل القلب غير الإرادي إلى الزوجة الكتابية، أو الابن غير المسلم أو من بذل إلينا معروفًا، أو من كان صاحب خلق وأدب.
ب- مدحهم والثناء عليهم بدون مسوغ شرعي بغض النظر عن دينهم.
ج- مصادقتهم ومعاشرتهم.
د- الثقة فيهم.
هـ- العمل لديهم مع وجود الإهانة والاحتقار.
و- إلقاء السلام عليهم.
ز- الدعاء لهم بالصحة والعافية وطول العمل ودوام الاستقرار.
ح- تهنئتهم في المناسبات العادية والأفراح مثل الزواج والسلامة من كارثة فهذه تتراوح بين التحريم والكراهة بحسب الحال والمُلابسات.

([1])انظر تفسير ابن كثير لسورة آل عمران (28) (1/337).

([2])انظر تفسير الطبري لسورة آل عمران آية (28) (3/228)

([3])في ظلال القرآن الأستاذ سيد قطب (1/385، 386).

([4]) هذا بالنسبة للكفار، أما المسلم العاصي فيوالَى لإسلامه ويتبرأ من معاصيه.

([5])كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (13).

([6])في ظلال القرآن للأستاذ/ سيد قطب سورة المجادلة (22) (6/3515، 3516).

([7])في ظلال القرآن سورة المجادلة (22) (6/3515).

([8])انظر تفسير ابن كثير لسورة المجادلة (22) (4/318).

([9])لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة للأستاذ/ محمد قطب (164، 165).

([10])انظر كتاب (الولاء والبراء) للشيخ محمد سعيد القحطاني (230/247) وذلك باختصار وتصرف بسيط ويُراجع كُتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه رحمهم الله فتعتبر كتبهم أصل في هذا الموضوع.

([11])انظر (نواقض الإسلم) في (مجموعة التوحيد) (129).

([12])رواه أبو داود (كتاب الجهاد) حديث (2787) وحسنه الشيخ ناصر الدين الألباني.

([13])رواه الحاكم في (المستدرك) (2/141) وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

([14])كتاب الإيمان -حقيقته- أركانه- نواقضه، للدكتور/ محمد نعيم ياسين (147).

([15])كتاب (الردة بين الأمس واليوم) (33) لمحمد كاظم حبيب.

([16])كتاب الردة بين الأمس واليوم (80) لمحمد كاظم حبيب.

([17])انظر: الولاء والعداء في علاقة المسلم بغير المسلم للدكتور عبد الله بن إبراهيم الطريفي (68: 74) وذلك بتصرف.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: البراء من الكفار والمشركين


4- وهناك أشياء مباحة لا تعد موالاة، مثل:
أ- معاملتهم بالحسنى واللُّطف: لا سيما المسالمين منهم.
ب- الصدقة على محتاجيهم([1]).
ج- الإهداء إليهم وقبول هديتهم.
د- تعزيتهم في مصائبهم على الوجه المشروع([2]).
هـ- رد التحية عليهم، ورد السلام إذا سلموا تسليمًا صحيحًا([3])بقول: "وعليكم".
و- معاملتهم في العقود المالية المباحة.
ز- تأجيرهم المساكن والدور، بشرط ألا تتخذ بؤرة للفساد.
ح- استعمالهم عند الحاجة إليهم في الأمور العادية.
ط- السفر إليهم لأغراض مباحة، مع القدرة على إعلان الدين([4]).
ي- الإقامة عندهم لغرض صحيح، مع القدرة على إظهار الدين.
ك- زيارتهم لغرض مشروع([5]).
وذلك كما زار النبي r اليهودي عند احتضاره وتلقينه الإسلام.
ل- شمولهم بالرحمة العامة كما في الحديث الصحيح: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس».
م- أخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم.
ن- مصالحتهم ومسالمتهم عند الحاجة، أو عندما يطلبونها.
س- مخالطتهم عند اللزوم، مع عدم الركون إليهم.
ع- الاستفادة مما عندهم في شئون الحياة الدنيا – كالصنائع والنظم مما لا يدخل في التشريع([6]).
ف- أكل طعام أهل الكتاب، والزواج من نسائهم عند الحاجة.
ص- ائتمان بعضهم على بعض الأمور العادية([7]).
فهذه وما أشبهها كلها مباحة – بل بعضها ربما يكون- مطلوبًا- بشرط ألا تتجاوز الحدود والقيود التي وضعت لكل منها:
وبهذا يتبين لنا أن القول بإطلاق تحريم الموالاة بحيث تشمل الصور المباحة التي ذكرناها، أنه أمر يفقد الدقة والموضوعية، وكذلك التساهل في العلاقة مع غير المسلم فإنه يخل بالعقيدة.
والله أعلم.



ثانيًا: البراء من الكفار والمشركين
1- إبراهيم عليه السلام تبرأ من الكفار والمشركين.
2- إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه.
3- هود عليه السلام تبرأ من الشرك وهله.
4- محمد ص يتبرأ من الشرك والمشركين.
5- جراءة في الحق.
6- براءة من الشرك.
7- أمة سائرة على الدَّرب.
8- خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في البراء من الكفارة والمشركين.

ثانيًا: البراء من الكفار والمشركين
كما عرفنا أن الولاء لله وللرسول r ولدين الإسلام وللمؤمنين، كل ذلك من عقيدة المسلم، ويُسمي "ولاء".
فأيضًا البراء من الكفار، والمشركين، والملحدين، ومن أعداء الله، وأعداء الدين، وأعداء الرسول r وأعداء المؤمنين، كل ذلك من عقيدة المسلم. ويسمى ذلك "براء".
وهذا البراء هو الشق الآخر للولاء في تكوين شخصية المسلم المعتدلة، البارزة، الفريدة التي كونتها آيات القرآن الكريم وسنة النبي r.
فإن حب المسلم لله تعالى يقتضي بغضه للكافرين، والمشركين، وحبه للإسلام يقتضي بغضه لكل مذاهب. الكفر بأنواعها، وحبه للقرآن الكريم يقتضي بغضه لكل القوانين والتشريعات الكفرية وحبه للمسلمين يقتضي بغضه لكل كافر ومشرك وملحد.
فيجب على المسلم البراءة من كل الكفار، والمشركين، ومن كفرهم، وشركهم، ومذاهبهم، ومعتقداتهم، وقوانينهم وتشريعاتهم.
فإنه لا يجتمع في قلب مسلم ولاء لله، ولرسوله، ولعباده المؤمنين، وولاء للكفار والمشركين فإما أن يكون المرء من جند الله أو يكون من جند الشيطان، وإما أن يكون من حزب الرحمن، وإما أن يكون من حزب الشيطان فلا بد أن يتبرأ المسلم من الكفار، والمشركين لكي يصح إسلامه وتسلم عقيدته، ولقد ضرب لنا الأنبياء والمرسلون المثل الأعلى في التبرأ من الكفار، والمشركين، وسار على دربهم الأولياء والصالحون تحقيقًا لعقيدة (البراء من الكفار، والمشركين) فكانوا خير خلف لخير سلف.
1- إبراهيم عليه السلام تبرأ من الكفار والمشركين:
ونحن نتكلم عن البراء الذي هو من عقيدة المسلم ينبغي لنا أن نذكر عبد الله، ورسوله وخليله، وإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام وهو يضرب لنا المثل الأعلى في البراء من المشركين ومن كل من عبد غير الله تعالى غيرة على التوحيد، واعترافًا بحق الله تعالى، وألوهيته لهذا الكون.
وأنه الأحق بصرف العبادة له دون سواه، وأنه أحق بالتشريع لخلقه والحكم فيهم بشرعه.
فنرى إبراهيم عليه السلام يواجه الكفر، وأهله في ثبات، وإيمان، ويعلن هذا (البراء) دون خوف ولا تردد في وسط ملة الكفر جمعاء، ولم يثنيه عن البراء أن أباه ضمن ملة الكفر ولا أن أهله من المشركين، فإن حبه للتوحيد غلب على أحاسيسه، وملك عليه قلبه، فلم يضيره أن يتبرأ من أبيه، وأهله إذا كان ذلك (موالاة لله) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:26- 28].
فأعلن إبراهيم عليه السلام (هذا البراء) على الملأ ليحقق هذا التوحيد وهذا الولاء لله تعالى ضاربًا لنا المثل والقدوة، وممهدًا لنا الطريق للأسوة والاتباع ولذلك قال تعالى ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28] أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان.
أي جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم عليه السلام([8]).
2- إبراهيم عليه السلام يتبرأ من أبيه:
إن الله تعالى أوصى بالوالدين وفرض طاعتهما وبرهما وجعل ذلك من أعظم الطاعات وأفضل القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه تعالى، وجعل هذه الطاعة وهذا البر للوالدين من أعظم الأسباب لدخول الجنة قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا[الإسراء: 23، 24] وذلك لحقوق الوالدين العظيمة على أبنائهم ولأنهما سبب وجود الأبناء في هذا الكون. ولكن إذا زلَّت قدم الوالدين أو أحدهما عن طريق التوحيد ووقع في هاوية الشرك والضلال، فينقلب هذا الولاء إلى براء، وهذا الحب إلى بغض، وهذا الود إلى كراهية، وتتغلب هنا العقيدة على الدم والعرق والنسب فحب الله وحب الدين يغلب حب الوالدين وحب العاطفة. إذ ما بررنا آباءنا وعلمنا حقوقهما إلا عن طريق الله. وطاعة لله تعالى، فإذا تعارض هذا البر وهذه الطاعة مع طاعة الله تعالى. فتطيش كفتهم بل لا يوضعون أصلا في مقام الاختيار بين طاعتهما وبرهما والولاء لهما مع الولاء لله ولدين الله تعالى.
فإذا اختارا الشرك والضلال فلا يكون إلا البغض، والبراء، وليثبت رباط الأخوة في الله ولتطفئوا العقيدة على كل رحم وعرض ونسب ودم.
وها هو إبراهيم عليه السلام يُلقنَّا الدرس العظيم ليعيه الجميع ويلتمس منه القدوة والأسوة الحسنة. إن إبراهيم عليه السلام هين لين، مؤدب بار بوالديه، وأصل لرحمه، ولكن لم يمنعه ذلك من أن ينكر على أبيه ما رآه عليه من الشرك، والضلال هو وقومه، ويحكي لنا القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الذي تصارع فيه قوي الحق مع الباطل وتتنازع فيه العقيدة مع العاطفة حينما يتمكن التوحيد من قلب المؤمن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[الأنعام: 74].
(الله أكبر) فلا مجاملة في الحق، ولا مداهنة على حساب العقيدة، ولا مساومة على الإسلام والتوحيد، لم يتحرج إبراهيم عليه السلام من أن يعلن لأبيه، وقومه الحقيقة الواقعة والحق الذي ليس بعده إلا الضلال. أتتخذ أصنامًا ألهة؟ هكذا في سخرية وتسفيه لما يعبدون وغيرة لله وللتوحيد، إذ كيف يحيدون عن عبادة الله ويعبدون تلك الأصنام وهذه الأحجار التي لا تنفع، ولا تضر، ولا تسمع، ولا تجيب وإذ بإبراهيم عليه السلام يواجههم بالحقيقة المرة المؤلمة وبما هم عليه من اعتقاد باطل فيقول: إني أرك وقومك في ضلال مبين، فلا ينافي ذلك ما عليه إبراهيم عليه السلام من الأدب. بل هذا هو الأدب الجم، وأعلى مراتب الأدب حينما نتأدب مع الله تعالى ونصرف له العبادة التي هي حق له، وننكر على كل من انحرف عن هذا التوحيد وهوى في مهاوي الشرك، وتخبط في دركات الضلال.
يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال:
وإذن فهو الضلال البين تحسه فطرة إبراهيم عليه السلام للوهلة الأولى، وهي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ثم هي النموذج الكامل للفطرة، وهي تواجه الضلال البين، فتنكره، وتستنكره وتجهر بكلمة الحق وتصدق حينما يكون الأمر هو أمر العقيدة ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[الأنعام: 74].
كلمة يقولها إبراهيم عليه السلام لأبيه وهو الأوَّاه الحليم الرضى الخلق، ا السمح اللين كما ترد أوصافه في القرآن الكريم، ولكنها العقيدة هنا، والعقيدة فوق روابط الأبوة، والبنوة، وفوق مشاعر الحلم، والسماحة، وإبراهيم هو القدوة التي أمر الله المسلمين من بنيه أن يتأسوا بها والقصة تعرض لتكوين أسوة ومثالاً...([9]).
نعم إنها الفطرة السليمة، والبصيرة المفتوحة، وإنكار الباطل في قوة ووضوح.
وكان إبراهيم عليه السلام وعد أباه أن يستغفر له، حرصًا منه على هداية أبيه، وتخليصه من الشرك، ليكون من أهل التوحيد فينجو من النار.
هكذا دائمًا يكون هَمَّ كل داعية إلى الله العمل على هداية الناس، وإخراجهم من عبادة الخلق إلى عبادة رب الخلق أجمعين.
ولكن لما أصر آزر أبو إبراهيم عليه السلام على الشرك، لم يتردد إبراهيم عليه السلام من التبرؤ منه، فلا يجتمع في قلب مؤمن موحد توحيد الله، ومحبته والولاء له، ومحبة المشركين، وشركهم.
فأعلنها عالية مُدوية أنه بريء من أبيه ومن كل الشرك والمشركين.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ[التوبة: 114].
3- هود عليه السلام تبرأ من الشرك وأهله:
إن الدعوة إلى الله تعالى وتوحيده. وعبادته وحده، ونبذ الشرك. هي دعوة كل الأنبياء والمرسلين. وهي التي كانت عليها الخصومة بين الرسل والأنبياء، وأممهم وأهليهم فها هو هود عيه السلام يعمل بوظيفة ومهنة إخوانه من الأنبياء والمرسلين، يدعو قومه لعبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ الشرك وأسبابه قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ[هود: 50] ولكن ما هي إلا الغلظة في الرد على هذا النبي عليه السلام بل، والتهكم عليه بل واتهامه بالجنون، والخبل، وأنه قد مسته آلهتهم بسوء لأنه ينهى عن عبادتهم، وكأن في ذلك بالإضافة إلى السخرية نوع من التهديد، والوعيد من قومه (عاد) بأن آلهتهم سوف تنتقم منه.
ولكن هذا النبي الداعي إلى التوحيد لا يخشى إلا الله فأعلنها في وجوههم جميعًا وأشهد الله وأشهدهم على براءته مما يشركون ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[هود: 54] هكذا في قوة وإصرار، وعقيدة، وتوحيد يتبرأ هود عليه السلام مما يُشرك أهله يتبرأ من جميع آلهتهم محققًا عقيدة البراء من الشرك والمشركين.
ثم قال لهم هود عليه السلام ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ[هود: 55].
وما فعل هذا الفعل وما تبرأ هذا التبرؤ في تردد، ولا خوف بلا تحدي قومه وألهتهم، بل أمرهم أن يجمعوا كيدهم كلهم وكل ما أوتوا من قوة، ثم يزداد التحدي ويقول لهم: ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ أي طرفة عين؛ نعم إنها الثقة في الله تعالى إنه التحدي من أجل إظهار العقيدة وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل.
ثم يُترجم لهم هود عليه السلام هذه العقيدة ويوضح لهم هذا الإيمان، ويبرهن لهم على صحة معتقده، ويكشف لهم السَّر في هذه القوة، وهذه العزة وهذا الكبرياء وعدم خوفه منهم جميعًا ولا من آلهتهم: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[هود: 56].
فسر قوة هود عليه السلام وجرأته في الحق، في توكله على الله تعالى ربه ورب كل المخلوقات فهو بيده كل شيء، ولا يخرج أحد عن إرادته، ومشيئته حتى قومه، وهذه الآلهة المزعومة، ويؤكد ذلك بقوله لهم أن أي دابة في الأرض لن تخرج عن طوعه فهو أخذ بناصية كل المخلوقات سبحانه وتعالى.
قال ابن كثير: رحمه الله عن موقف هود عليه السلام:
وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع، ولا تضر بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي، ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه فلا إله إلا هو ولا رب سواه([10]).
4- محمد r يتبرأ من الشرك والمشركين.
وما محمد r إلا فارس في قافلة التوحيد، وقطب من أقطاب المسيرة الإيمانية الداعية إلى التوحيد، المتبرأة من الشرك والمشركين، وما أشبه الليلة بالبارحة فقد مر الزمان وتعاقبت الأجيال وبعث من ذرية إبراهيم عليه السلام سيد الأنام محمد r وإذ به r في مجتمع لا يختلف كثيرًا عن مجتمع إبراهيم عليه السلام، فقد وقع الشرك، وانتشر الجهل وعُبدت الأصنام والأحجار من دون الله تعالى، ويجد محمد r نفسه في وسط الميدان يخوض المعركة مع جحافلة الكفر، والشرك من قريش.
ولكنه الفارس المنتظر والنبي المصطفى، فنعم الخلف محمد r لنعم السلف إبراهيم عليه السلام ويأتي التوجيه الرباني لقائد المسيرة العطرة محمد r باتباع ملة إبراهيم عليه السلام واتخاذ القدوة والأسوة من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[النحل: 123] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ[آل عمران: 68].
ففي هذه الآيات وغيرها أمر من الله تعالى، وتوجيه باتباع ملة إبراهيم عليه السلام وهي الحنيفية وتحقيق التوحيد والثبات عليه، والبراء من الشرك، وأهله.
وتبدأ المعركة الكبرى بين الحق والباطل، والشرك والتوحيد، ويخوض غمار هذه المعركة محمد بن عبد الله r في قوة وشجاعة، وإيمان وثبات، متوكلا على الله تعالى ومواليًا لدين الله، ومُعاديًا للكفر والكفار، ومُتبرئًا من الشرك، والمشركين.
وفي جولة من هذه الجولات يدور الحوار، ويشتد النقاش، وتتبادل الحجج والبراهين، وليحق الله الحق بكلماته وليبطل الباطل، وليقطع دابر الكافرين.
قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[الأنعام: 19].
لقد حرص النبي r على هداية قومه، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الناس، ودعاهم للهدي والرشاد r.
ولكنهم أصروا على الكفر، واختاروا التمزق، والتعدد في العبودية ما بين حجر، وصنم وشجرة، ووتد فلما تبين له r إصرار بعضهم على الشرك وحجود التوحيد تبرأ منهم ومن شركهم ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ أي لا أشهد بما تشهدون من الشرك.
وأعلن فيهم وعليهم توحيده لله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
ثم يؤكد قضية البراء من الشرك ومن أهله ومما يشركون ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
5- جرأة في الحق:
إن الحق أحق أن يتبع، ولا يتجزأ الحق أبدًا ولا تعدد فالحق واحد، والباطل زاهق حتى ولو كانت الغلبة لأهله حين من الدهر ولكن المسلم لا يلين أمام الكفر، وأهله ولا ينثني عن الحق واتباعه، بل يجب عليه أن يُصدع بهذا الحق ويعلنه ويواجه أهل الباطل، ويدحض حججهم وألا تأخذه في الله لومة لائم، فلا ميوعة في الدين، ولا خنوثة في الحق، ولا مساومة على التوحيد، ولا مراهنة في العقيدة.
وها هو محمد r يضرب لنا المثل الأعلى في البراء من الشرك، والمشركين وفي الصدع بكلمة الحق دون خوف ولا تردد.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ[الكافرون: 1-2].
هكذا أمره ربه أن ينادي على قريش ومن تابعها وشايعها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ هكذا بلفظ الكفر دون خوف أو خور، دون تردد أو تروي، فلا مجاملة على حساب الإسلام، ولا مداهنة على حساب العقيدة.
فلا بد أن يُسمَّى الكافر باسمه، وأن يوصف المشرك بفعله وعمله حتى تتضح القضية وحتى يعلم المسلم من الكافر، وحتى يعلم من يُوالي ومن يُعادي، وحتى يتوجه (الولاء والبراء) لمن يستحقه وحتى لا تعوم القضية فإذا علم المسلم من الكافر، وما دوره نحوه، وما يجب عليه تجاهه، وعلم أنه عدوه الأول ووضع ذلك نصب عينيه، وضحت القضية ووجب البراء، وتحتم البغض وتعين الجهاد لرفع رايه الإسلام ونشر الدين الحق لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
أما إذا سُمي الكافر بغير اسمه. ووصُف المشرك بغير وصفه وفعله ماعت القضية- فتارة يُسمى صديق، وتارة يُسمى جار- وتُسمى دولة صديقه، ودولة مجاورة وغير ذلك من المسميات التي تضيع الحق وتخرج العداوة من القلوب لأعداء الله لتحل محلها السلامة، والمودة، والمنحبة والإخاء، والاحترام، التقدير، فتطمس معالم البراء- ويقع الولاء لأعداء الله- ويخرج جيل لا يحمل من الإسلام إلا اسمه ومن المصحف إلا رسمه- جيل متخبط لا يعرف من يوالي ومن يعادي فالحذر كل الحذر من التهاون في أمر البراء من المشركين، والكفار، حتى يخرج علينا جيل مسلم يعيد لنا أمجاد أسلافنا ويفي صدورنا في أعدائنا فلقد طال صبرنا، ومَلَّ انتظارنا ولا حول ولا اقوة إلا بالله العلي العظيم.
6- براءة من الشرك:
لقد احتار الكفار والمشركين في أمر محمد r فما استطاعوا أن يثنوه عن هذا الدين الجديد الذي جاء به ودعا إليه، ولم يستطيعوا أن يغروه بشيء من المغريات سواء من مال أو جاه أو سلطان أو نساء فما العمل، وما المُخرج؟ لقد أحرجهم محمد r في دينهم وآلهتهم.
إذًا لا بد من الحيل، والمكر، والخديعة، فاقترح بعضهم اقتراحًا شيطانيًا فقالوا له يا محمد هيا بنا نتوصل إلى حل وسط نحل به هذا الخلاف ونعيش به في آمان وسلام فما هو الحل؟ إنه حلقة من سلسلة المؤامرة الدنيئة لهؤلاء الكفرة، والمشركين قالوا له: يا محمد: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وبذلك نخرج من هذا الخلاف الذي بيننا ونحقن الدماء ونعيش في سلام وأمان.
ولكن محمد بن عبد الله r صاحب العقيدة الصحيحة، والتوحيد السليم، والإرادة القوية، المتوكل على ربه، المستعين به المُوالي الله والدين المتبرئ من الشرك وأهله وملته، موقفه واحد وثابت، وأهدافه نبيلة ومبادئه واضحة.
وهو القائل بالأمس لعمه: «والله يا عمي لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين فلن أتركه حتى يظهره الله أو أهلك دونه».
وإذ به اليوم يعلنها لهم متبرئًا منهم ومن شركهم ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ[الكافرون: 2] براءة من الشرك ومما يشركون به من دون الله تعالى، فالتوحيد ثابت والعقيدة صافية لا يشوبها أي شائبة شرك.
بل يؤكد الرسول r على قضية البراءة من الشرك ومن آلهتهم الباطلة بأن هذه هي عقيدته، وهذا ما يدين به لله، وبأنه لا يعبد هذه الألهة الأن ولن يعبدها في المستقبل ولن يفكر في ذلك فهي (براءة في الحاضر، وبراءة في المستقبل) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ إنه الإصرار على إكمال مسيرة التوحيد، إنها العزيمة الصادقة، والنية الخالصة على الموت على التوحيد كما أوصى إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[البقرة: 132].
7- أمة سائرة على الدرب:
لقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ الأسوة والقدوة في التوحيد، والولاء لله ولدين الله، وكذلك في البراء من المشركين، من سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن الذين آمنوا معه واتبعوه.
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ[الممتحنة: 4].
فنجد في ذرية إبراهيم عليه السلام ضمن قافلة التوحيد من يضرب أروع الأمثلة (للبراء من المشركين) وتحقيقًا للتوحيد وللولاء لله ولدينه وللمؤمنين.
واقتداء بسيد الأنبياء والمرسلين محمد r وسيرًا على دربه، وعملاً بسنه r نرى ذلك الجيل الإيماني الذي تربى على مائدة الرحمن ونهل من معين النبوة الصافي فهم من ذرية إبراهيم عليه السلام.
واتباع محمد بن عبد الله r الذين ترجموا هذا الدين إلى واقع عملي وحولوا هذه العقيدة إلى سلوك ملموسي محسوس ليُبهروا البشرية كلها بهذا الإندماج والتداخل الوجداني العاطفي بهذا البدن، وهذه المعاملات وهذا السلوك وهذه الأقوال، والأفعال، ليعلنوا لكل العالمين أن هذا الدين دين عقيدة وشريعة، دين قول وفعل، دين دعوة وجهاد، ودين أخلاق وسلوك، دين يُصلِح الدنيا والآخرة، فهم مثال واقعي ملموس لهذا الدين وتعاليمه الحنيفية، وأخلاقه السامية.
ونضرب بعض الأمثلة التي توضح وتبين لنا اعتزاز المسلم بهذه العقيدة التي بين جنبيه وكيف أنها تعلو ولا يعلو عليها، فقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ[المجادلة: 22].
قال ابن كثير رحمه الله:
قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ﴾ نزلت في أبي عُبيدة قتل أباه يوم بدر.
﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ في الصديق هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن.
﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ في مصعب ابن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ.
﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ في عمر قتل قريبًا له يومئذ.
وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عُتبه وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ والله أعلم([11]).
فهؤلاء الفرسان في قافلة التوحيد، السائرين على درب الأنبياء، والمرسلين يُجسدون الولاء لله في أعلى مقاماته وأروع صوره، يستعلون على نزعة العرق والنسب ويعتزون برابطة الدين، ووشاج الأخوة في العقيدة، يُعلنون البراء من كل من عادى الدين وحاد الله ورسوله وكان أقرب الأقربين.
فرضي الله عن الخلف، وعن السلف وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ورزقنا الله السير على دربهم واقتفاء أثرهم عسى الله أن يحشرنا معهم هو ولي ذلك القادر عليه.
8- خُلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في البراء من الكفار والمشركين:
ويُلخِّص لنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عقيدة السنة والجماعة في الولاء لله ولدينه ولأوليائه من المؤمنين، وفي البراء والعداوة للكفار، والمشركين.
فيقول رحمه الله: وليُعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك.
فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه؛ والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه([12]).
فعُلم أن أصل العداوة والبراء يجب أن يكون للكفار، والمشركين ومن على شاكلتهم ممن عادى الله ورسوله ودينه، فهذا أصل من أصول الدين، يجب على المسلم اعتقاده والعمل به، والحذر من مخالفته، أو الانزلاق في هاوية موالاة المشركين، والكافرين، فيخدش توحيده ويهز عقيدته.
ويُعرض إيمانه للخطر بل قد يفقده ويتفاقم الأمر خطورة بقدرة نقصان هذه العداوة في قلب المؤمن للكافرين، وبمقدار موالاته لهم، وعلى قدر ترك البراء والوقوع في الموالاة يكون الإثم حتى قد يصل الأمر إلى نقص التوحيد، وهدم العقيدة، والخروج من دائرة الإسلام والبعد عن حظيرة الإيمان.
فيجب على المسلم الاعتزاز بدينه وأن يجمع في قلبه كل أنواع البراء والعداوة والبغض والكراهية لأعداء الله ولأعداء دينه.
كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم والذين أمنوا معه في إعلانهم للبراءة من المشركين وإظهار البغض والعداوة وإظهار البغض لهم وذلك لعدائهم لدين الله تعالى ولوقوعهم في الشرك.
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ[الممتحنة: 4].

الخاتمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد r وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته وسار على دربه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فبعد ما عشنا مع عقيدة أهل السنة والجماعة في البراء من الكفار والمشركين، عبر هذه السطور المتواضعة وخلال هذه الكليمات القليلة، ومن منطلق الإيمان والعقيدة وتحقيقًا للولاء لله، ولدينه ولرسوله r وللمؤمنين؛ بعد ذلك كله يقف المسلم مرفوع الرأس في شموخ وعزة وكبرياء معتزًا بسلفه الصالح الذين حققوا عقيدة الولاء والبراء، في أعلى مقاماتها، وأسمى معانيها وأنبل غاياتها فرضي الله عنهم وجزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولكن مع هذا الاعتزاز وهذا الافتخار بهؤلاء السلف الصالح، يجب علينا نحن المسلمين الآن وفي كل عصر، وفي كل مصر أن نقتفي أثر هؤلاء الصفوة وأن نسير على دربهم وأن نقتدي بمعلمهم الأوحد، وقائدهم الأعظم معلم البشرية، وهادي البرية محمد بن عبد الله r.
وكذلك أخذ الأسوة الحسنة من إخوانه الأنبياء والمرسلين وخاصة إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء والموحدين.
فيجب علينا تحقيق هذه العقيدة (البراء من الكافر والمشركين) لتتضح معالم الدين، ولتتباين الرايات ويُفصل بين الصفوف ويتميز حزب الرحمن من حزب الشطيان وليُعلي الله الدين، ويُعز أهل التوحيد ويُذِل أهل الكفار والمشركين.
فحينما يتبرأ المسلم من الكفار والمشركين فسوف يوالي المؤمنين والموحدين.
وحينما يبغض الكفار والمشركين فإنه يحب أرباب التوحيد.
وحينما يخذل ويقهر الكفار والمشركين فسوف ينصر إخوانه في الدين ويُقدم روحه رخيصة وزهيدة مدافعة عن أصحاب العقيدة الصحيحة وأرباب التوحيد فيحقن دماءهم ويصون أعراضهم، ويدافع عن حرماتهم ويفدي مقدساتهم وكيف لا، وهو صاحب عقيدة الولاء والبراء التي تعبد الله بها ودان الله بها، فهو حريص على تطبيقها ويرجو أن يقابل الله عز وجل بها.
وحينما نحقق هذه العقيدة فسوف يُغيرِّ الله حالنا إلى خير حال، هو ولي ذلك والقادر عليه والله المستعان وعليه التكلان.
وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

([1])انظر: الأموال لأبي عبيد (541).

([2])انظر "أحكام أهل الذمة" (1/204).

([3])انظر أحكام أهل الذمة (1/197) و"فتح الباري" (11/41-46).

([4])انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (6/13).

([5])انظر: عمدة القارئ (8/175).

([6])انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (4/114).

([7])انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (4/114) وفتح الباري (5/338).

([8])انظر تفسر ابن كثير سورة الزخرف (26/28).

([9])انظر: تفسير ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب سورة الأنعام (74) (2/1138، 1139).

([10])انظر تفسير ابن كثير سورة هود (50) (2/434).

([11])انظر تفسير ابن كثير لسورة الممتحنة (22/217، 218).

([12])مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/209).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

البراء من الكفار والمشركين



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 02:40 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب