منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الحسد وآثاره

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مبدأ تدرج القواعد القانونية وآثاره على الوظيفة القضائية seifellah منتدى التعليم الجامعي 3 2014-04-04 08:13 PM
داء الحسد والبغضاء Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2013-06-14 01:06 AM
لغة الجسد Emir Abdelkader منتدى علم النفس وتطوير الذات 0 2013-02-19 06:17 PM
فائدة حول الحسد والعين . معلومات عن الحسد والعين Emir Abdelkader منتدى العام 0 2012-11-19 06:12 PM
الاستثمار الأجنبي المباشر وآثاره على اقتصاد البلد المضيف Doct-ML منتدى العلوم الاقتصادية والتجارية 5 2012-02-27 03:07 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-29
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الحسد وآثاره

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71].
وبعد:
فإن الله - سبحانه وتعالى - قد كتب وقدَّر في دار الابتلاء والعمل، أنْ يتدافع الخيرُ والشرُّ، والحقُّ والباطل، ثم يكون بعد ذلك الدار الآخرة التي يفصل اللهُ - سبحانه وتعالى - فيها بين الناس، كما قدَّر الله - سبحانه وتعالى - أنَّ الطريق إلى الجنة ليس ممهدًا بالورود، بل جعل الله بحكمتِه هذا الطريق مشوبًا بالعقبات والمصاعب، ولا يخلُص العبد إليها إلا بالعمل الصادق، ومحاسبة النَّفس، والصبر، والثبات على ذلك، والدُّعاء، وقبل ذلك التَّوفيقُ من الله لعباده.
وإنَّ من هذه المصاعب والعقبات النَّفْسَ والهوى، التي كم أهلكت من أقوامٍ، وضيَّعت آخرين!
ومن هنا كان حقًّا على كل كَيِّسٍ فطِنٍ أن يراجع نفسَه ويتفحَّصها؛ بحثًا عما قد يكونُ في هذه النفس من الآفات التي قد تُعيقه في سَيْره إلى الجنة.
ولما كان الحسدُ أسَّ الآفات ورأسَها، ويختلف مؤشِّر ظهوره في الناس باختلاف الزمان والمكان والأسباب الباعثة له، وحيث إنَّ هذه الأسباب قد ظهرتْ في زماننا وكثُرتْ - فظهر تبعًا لها الحسدُ - رغبتُ في الإسهام بهذا البحث؛ لأبيِّنَ خطر هذه الآفة.
ولَمَّا كان الأصل في كل عمل أن يكون له هدفٌ، فإنَّ بحثنا هذا له أهداف، منها:
1- بيان خطر هذه الآفة "الحسد".
2- التحذير من عِظَم الذنب المترتِّب عليه.
3- بيان أن النِّعَم من الله وحده.
4- بيان أن الحاسد قد يكون فيه نوعٌ من الاعتراض على تقدير الله وهو لا يشعر؛ وذلك بكون المنعِم على المحسود هو اللهَ وحده، وحسدُ الحاسد له إنما منشؤه أنَّ هذا المحسود لا يستحقُّها.
5- بيان أن التحاسُدَ موجود بخلق آدم - عليه السلام.
6- بيان أنه داءُ الأمم والأفراد.
وقد كان منهجُنا في هذا البحث مرتكِزًا على أمور، منها:
1- الكتاب.
2- السنَّة.
3- الآثار الواردة عن السَّلف.
أسأل الله أن يكفينا شرَّ الحسد، وأن يجنِّبَنا مُضِلاَّت الفتن، وأن يُسبغَ علينا نِعَمَه الظاهرة والباطنة.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمَّد.


تعريف الحسد
الحسد لغةً:
قال في "لسان العرب": الحسَد معروفٌ، حسَده يَحْسِدُه ويَحْسُدُه حسَدًا، وحسَّده: إذا تمنَّى أن تتحوَّل إليه نعمتُه وفضيلتُه أو يُسلَبَهما ([1]).
وقال الفيروزآبادي: حسده يَحْسِدُه ويَحْسُدُه، حَسَدًا وحُسودًا وحَسادَةً وحَسَّدَه: تمنَّى أن تتحوَّل إليه نعمتُه وفضيلتُه، أو يُسلبَهما([2]).
تعريفه اصطلاحًا:
هو تمنِّي زوال نعمة المحسود، وإن لم يَصِرْ للحاسدِ مثلُها، أو تمنِّي عدم حصول النِّعمة للغير([3]).
وقال الجُرجانيُّ: الحسد تمنِّي زوال نعمة المحسود إلى الحاسد([4]).
وقال الكفويُّ: الحسد: اختلافُ القلب على الناس؛ لكثرة الأموال والأملاك([5]).
وقال ابن عاشور: هو إحساسٌ نفسانيٌّ مركَّبٌ من استحسان نعمةٍ في الغير، مع تمنِّي زوالها عنه؛ لأجل غَيرةٍ على اختصاص الغير بتلك الحالة، أو على مشاركته الحاسد([6]).

الحسد في الشرع
الحسد في القرآن:
جاء الحسد في القرآن على وجه الذَّم في مواضعَ كثيرة؛ إليك طرفًا منها:
قال - تعالى -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1 - 5].
قال الرازيُّ: " الحسد، هو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أن الشيطان هو النِّهاية في الأشخاص المذمومة؛ ولهذا السبب ختم الله مجامعَ الشرور الإنسانية بالحسد، وهو قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة"([7]).
وقال الحسين بن الفضل: "إنَّ اللهَ جمع الشرور في هذه الآية، وختمها بالحسد؛ ليعلم أنه أخسُّ الطبائع"([8]).
وقال - تعالى -: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109].
قال محمد رشيد رضا: "﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ ليبيِّن أن حسَدهم لم يكن عن شبهةٍ دينية، أو غيرةً على حقٍّ يعتقدونه، وإنما هو خُبث النفوس، وفساد الأخلاق، والجمودُ على الباطل، وإنْ ظهر لصاحبه الحقُّ"([9]).
وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54].
قال أبو السُّعود: مفيدةٌ للانتقال من توبيخِهم بما سبق إلى توبيخِهم بالحسد الذي هو شرُّ الرَّذائل وأقبحها، لا سيَّما على ما هم بمعزلٍ من استحقاقه([10]).
وقال القرطبي: وهذا هو الحسدُ بعينه الذي ذمَّه الله تعالى([11]).
وقال - جل وعلا -: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].
قال الزجَّاج: قيل: لا ينْبغي أَن يتمنَّى الرجل مالَ غيره، ومنْزلَ غيره؛ فإِن ذلك هو الحسد([12]).
وقال ابن عبَّاس: لا يتمنَّى الرجل فيقول: لو أن لي مالَ فلان وأهلَه، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل اللهَ من فضله([13]).
ومما ينبغي التنبيه إليه أنَّ النهي الوارد في هذه الآيةِ إنما يتعلَّق بما يكون من تمنِّي أمور الدنيا وزينتِها؛ كالأموال والقصور والنساء وغير ذلك، أما ما كان من تمنِّي الإنسان لمايعود عليه في الآخرة من الأجور - كالعلم الشرعيِّ، والدعوة إلى الله، والطاعات بشكل عام - فهذا مما لا يدخلُه النهيُ، إذا تجرَّد من تمنِّي زوال النِّعمة عن الغير.
الحسد في السنَّة:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إياكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تنافَسوا، ولا تحاسدوا ...))([14]).
قال ابن بطَّال: "وفيه: النهي عن الحسد على النِّعم، وقد نهى الله عبادَه المؤمنين عن أن يتمنَّوْا ما فضَّل الله به بعضَهم على بعض، وأمَرَهم أن يسألوه من فضله"([15]).
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قيل: يا رسول الله: أيُّ النَّاس أفضل؟ قال: ((كلُّ مَخموم القلب صدوق اللِّسان))، قالوا: صدوقُ اللِّسان نعرفه، فما مَخموم القلب؟ قال: ((هو النَّقيُّ التقيُّ، لا إثمَ عليه، ولا بغيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ))([16]).
قال ملا علي قاري: ((كلُّ مخموم القلب)): بالخاء المعجمة؛ أي: سليمِ القلبِ؛ لقوله - تعالى -: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]؛ من: خَمَمتُ البيت إذا كنستَه، على ما في القاموس وغيره.
فالمعنى: أن يكونَ قلبُه مكنوسًا من الأغبار...، ((صدوقِ اللسان)): بالجرِّ؛ أي: كلِّ مبالغ للصدق في لسانه، فيحصل به المطابقة بين تحسين لسانِه وبيانِه، فيخرج عن كونه منافيًا أو مرائيًا مخالفًا، "قالوا: صدوق اللسان": بالجرِّ على الحكاية، ويجور رفعُه على إعراب الابتدائية، والخبر قولُه: "نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو النَّقيُّ"؛ أي: نقيُّ القلب، وطاهرُ الباطن عن محبَّة غير المولى.
"التقيُّ"؛ أيِ: المجتنب عن خطور السوى، "لا إثمَ عليه": فإنه محفوظٌ، وبالغفران محظوظ، وبعين العناية ملحوظٌ، ومن المعلوم أنَّ "لا" لنفي الجنس؛ فقوله: "ولا بغيَ"؛ أي: لا ظلم له.
"ولا غل"؛ أي: لا حقد.
"ولا حسدَ"؛ أي: لا يتمنَّى زوال نعمة الغير، من باب التَّخصيص والتعميم على سبيل التكميل والتعميم؛ لئلاَّ يُتوهَّم اختصاص الإثم بحق الله، فصرح بأنه لا مطالبةَ عليه لا من الخلق، ولا من جهة الخالق، والله تعالى أعلم بالحقائق.
قال الطيبي - رحمه الله -: قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: 3]؛ أي: أخلصها للتقوى؛ من قولهم: امتحن الذَّهب وفتنه: إذا أذابه، فخلص إبريزه من خَبَثه ونقَّاه([17]).
وعن عمر - رضي الله عنه -: أذهب الشهوات عنها ([18]).
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يجتمعانِ في النار: مسلمٌ قتل كافرًا ثم سدَّد وقارب، ولا يجتمعان في جوف مؤمنٍ: غبارٌ في سبيل الله وفيحُ جهنَّم، ولا يجتمعان في قلب عبدٍ: الإيمانُ والحسدُ))([19]).
وعن ضَمُرةبن ثعلبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((لا يزال النَّاسُ بخير ما لم يتحاسَدوا )) ([20]).
الحسد من أقوال السلف:
قال معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما -: "كلُّ الناس أستطيع أن أُرضيَه إلا حاسدَ نعمة؛ فإنه لا يُرضيه إلا زوالُها "([21]).
وقال ابنُ سيرين: "ما حسدتُ أحدًا على شيء من أمر الدنيا؛ لأنَّه إن كان من أهل الجنَّة، فكيف أحسُده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النَّار، فكيف أحسُده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟"([22]).
وقال الحسنُ البصري: "ما رأيت ظالِمًا أشبهَ بمظلوم من حاسدٍ؛ نفَسٌ دائمٌ، وحزنٌ لازمٌ، وغَمٌّ لا ينفَدُ"([23]).
وقال أبو حاتم: "الواجب على العاقل مجانبةُ الحسد على الأحوال كلِّها؛ فإنَّ أهون خصال الحسد هو ترك الرِّضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حَكَمَ الله - جلَّ وعلا - لعباده، ثم انطواء الضمير على إرادة زوالِ النِّعَم عن المسلم، والحاسد لا تهدأ رُوحه، ولا يستريح بدنُه، إلا عند رؤية زوال النِّعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاءُ ما للحساد في الأحشاء"([24]).
وقال الجاحظ: "ومتى رأيتَ حاسدًا يصوِّب إليك رأيًا إن كنت مصيبًا، أو يرشدُك إلى صوابٍ إن كنت مخطئًا، أو أفصح لك بالخير في غَيبتِه عنك، أو قصَّر من غيبته لك، فهو الكلْب الكَلِب، والنَّمر النَّمِر، والسمُّ القَشِب، والفحل القَطِم، والسَّيل العَرِم، إن مَلَكَ قتَل وسبَى، وإن مُلِكَ عصى وبغى، حياتُك موتُه، وموتُك عُرسُه وسرورُه، يصدِّق عليك كلَّ شاهد زور، ويكذِّب فيك كلَّ عدل مرضِيٍّ، لا يُحب من الناس إلا مَن يُبغضك، ولا يُبغض إلا مَن يُحبك، عدوُّك بطانةً، وصديقك علانيةً... أحسنُ ما تكون عنده حالاً أقلُّ ما تكون مالاً، وأكثر ما تكون عيالاً، وأعظم ما تكون ضَلالاً، وأفرح ما يكون بك أقربُ ما تكون بالمصيبة عهدًا، وأبعد ما تكون من الناس حمدًا، فإذا كان الأمر على هذا، فمجاورة الموتى، ومخالطة الزَّمْنَى، والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان - أهونُ من معاشرته، والاتصالِ بحبله"([25]).
وقال الجُرجاني: "كم من فضيلة لو لم تستترْها المحاسد لم تبرَحْ في الصدور كامنةً، ومنقبةٍ لو لم تُزعجها المنافسةُ لبقِيت على حالها ساكنة!
لكنَّها برزت فتناولتْها ألسنُ الحسَّد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها، وتُشهرها وهي تحاول أن تسترَها؛ حتى عَثر بها من يعرف حقَّها، واهتدى إليها من هو أولى بها، فظهرت على لسانه في أحسنِ معرِضٍ، واكتست من فضله أزينَ ملبَس؛ فعادت بعد الخمول نابهةً، وبعد الذبول ناضرةً، وتمكَّنت من برِّ والدها فنوَّهت بذكره، وقدرت على قضاء حقِّ صاحبها فرفعت من قدره: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]"([26]).
مراتب الحسد:
الحسد له أنواع تختلف باختلاف الأسباب والأشخاص، وقد قسَّمه بعض العلماء إلى مراتب:
المرتبة الأولى:
تمنِّي زوال النعمة عن غيره، وهذا هو قصده المجرَّد الوحيد، وإن كانت تلك النعمةُ لن تتحوَّل إليه.
وهذا التمنِّي محرَّم منهيٌّ عنه؛ قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32].
المرتبة الثانية:
وهي أن يتمنَّى المرءُ زوال النعمة عن غيره وتحوُّلَها إليه، وهي محرَّمة أيضًا، لكنها أخفُّ من سابقتها.
المرتبة الثالثة:
وهي أن يتمنى الحاسد بقاءَ المحسود على حاله، من فقرٍ أو جهل أو غير ذلك، وهذا محرَّم أيضًا.

المرتبة الرابعة:
أن يتمنى المرء ما عند غيره من نعمة، فإذا حصل له ذلك، سكنَ واطمئن، وإذا لم يحصل ذلك، تمنَّى زوال النِّعمة عن صاحبه.
والموضع الثاني من هذه المرتبة محرَّم أيضًا.
المرتبة الخامسة:
أن يتمنَّى لنفسه ما عند غيره من نعمة، فإن لم تحصل، فلا يحب زوالُها عنه، وهذا الأخير هو المعفوُّ عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إنْ كان في الدين، وهي قرينة المنافسة.
وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
والمنافسة لا تخلو من حالتين:
الأولى: إما أن تكونَ في أمر دينيٍّ، فسببها: حبُّ الله، وحب رسولِه.
الثانية: وإما أن تكون في أمر دنيويٍّ مباح، وسببها: حبُّ مباحات الدنيا.
وحكم هاتين المرتبتين:
1- إذا كانت دينيَّة: فإن كانت تلك النعمة واجبةً - كالإيمان والصلاة والزكاة - فهذه المنافسة واجبة؛ لأنه إذا لم يكن يُحبُّ ذلك يكون راضيًا بالمعصية، وذلك حرامٌ.
2- والدنيوية: إن كانت النعمة من الفضائل - كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات - فالمنافسة فيها مباحةٌ.
قال ابن تيميَّة: والتنافس ليس مذمومًا مطلقًا، بل هو محمودٌ في الخير ([27]).
المرتبة السادسة:
أن يتمنَّى زوال النعمة عن الغير لسبب شرعي، كأن يكون ظالِمًا يستعين بهذه النِّعمة على ظلم الناس، فيتمنَّى زوالَها؛ ليرتاح الناس من شره، وهذا ليس حسدًا مذمومًا، وإن كان داخلاً في مسماه([28]).
علامات الحاسد:
لا شكَّ أن لكل شيء علامةً وسِمةً تبيِّنه، والحاسد له مثل ذلك، فمنها:
1- تغيُّر لونه.
2- تخوّص عينيه.
3- إخفاء سلامِه.
4- الإقبال على غيرِك إذا جمعَك به مجلس أو غيره.
5- الإعراض عنك.
6- التَّقليل والاستخفاف بحديثك.
7- مخالفتُك في كل ما تطرح، لا لشيء إلا المخالفة([29]).


أسباب الحسد
الأول: بغضُ الخير للمسلمين:
وذلك أن بعض الناس جُبِل على كرهِ الخير للناس، فإذا علِم بنعمةٍ أنعمها الله على هذا العبد، من مالٍ أو ولدٍ أو علم أو غير ذلك، غضِب وغلا قلبُه مما يجد؛ ولذلك جاء في تفسير معنى قوله - تعالى -: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]:
قال الرازي: "فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا بكبْر ولا بطلب مال، إذا وُصف عنده حسنُ حال عبدٍ من عباد الله، شق عليه ذلك، وإذا وُصف اضطرابُ أمور الناس، وإدبارهم، وتنغُّص عيشهم، فرِح به، فهو أبدًا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من مُلكه وخزانته، ويقال: البخيل من بخِل بمال غيره، فهذا يبخل بنعمة الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوةٌ ولا رابطة، وهذا ليس له سببٌ ظاهر إلا خُبْثَ النَّفس ورذالةَ جبلَّتِه في الطبع؛ لأن سائر أنواع الحسد يُرجى زوالُه بإزالة سببه، وهذا خُبْثٌ في الجبلَّة لا عن سبب عارض فتعسر إزالتُه، فهذه هي أسباب الحسد"([30]).
الثاني: العداوة والبغضاء:
والحسد نتيجة من نتائج العداوة والبغضاء، وثمرةٌ من ثمراته المترتِّبة عليه؛ فإنَّ مَن يحقدْ على إنسان يتمنى زوال نعمته، وقد تكون بسبب دنيويٍّ أو بدون سبب، وقد تنشأ العداوة بسبب اختلاف الدين، فأهل الكفر والنِّفاق يَوَدُّون أن تزول نعمةُ الدين وغيرُها عن المؤمنين.
قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 119].
قال السعدي - رحمه الله - معلِّقًا على قول الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118]: "ينهَى - تعالى - عبادَه المؤمنين أن يتخذوا بطانةً من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم، يُظهرونهم على سرائرهم، أو يولُّونهم بعض الأعمال الإسلامية؛ وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبُهم من العداوة والبغضاء، فظهرت على أفواههم، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما يسمع منهم؛ فلهذا: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يقصِّرون في حصول الضَّرر عليكم والمشقة، وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم، قال الله للمؤمنين: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعرفونها وتفرِّقون بين الصديق والعدوِّ، فليس كلُّ أحد يُجعل بطانةً، وإنما العاقل من إذا ابتُلِي بمخالطة العدو أن تكون مخالطةً في ظاهره، ولا يُطلعه من باطنِه على شيء، ولو تملَّق له وأقسم أنه من أوليائه([31]).
الثالث: حبُّ الدنيا وما تتضمَّن من جاهٍ أو مال أو رياسة من غير قصدٍ شرعيٍّ:
فقد يكون ممن يحب الجاهَ والرِّياسة، وغير ذلك من أمور الدنيا التي يتنافس عليها كثيرٌ من الناس، فإذا أحس بأن هناك من ينافسه على ذلك، فإنه يتمنَّى له أن يصاب بشيء من المصائب والبلايا وغير ذلك؛ حتى يبتعد عما ينافسه فيه، نسأل الله السلامةَ والعافية، ومنه أيضًا ما يكون من تنافسٍ بين الضَّرائر، في كسبِ حبِّ وقربِ الزوج، فإذا حصل لضَرَّتِها نعمةٌ حسَدتها.
الرابع: ضعف الإيمان:
فإنَّ الحسد قد لا يكون في البعض ابتداءً، لكن قد ينشأ بعد ذلك، فالمؤمن القويُّ يَدْفَعُ ذلك، ويتذكر أن هذا إنما هو محض فضلِ الله على عبده، ويتمثَّل ما أنزل الله في كتابه، قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]، وقال - جل وعلا -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21].
أما الضعيف، فيسترسل في هوى نفسه والشيطان، ويتسلسل في خطوات البُغض والحسد.
الخامس: الرغبة في تسخير الناس له:
وذلك أن يكون صاحبَ مالٍ والناس حوله، منهم من يخدُمه، ويطلب ودَّه، ويراعي مشاعره، فإذا حصل لأحدهم نعمةٌ خرج بها من رِبقة تبعيَّته، حسده على هذه النعمةِ وتمنَّى زوالها؛ حتى يعود خاضعًا متذللاً له.
ومن هذا ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص قال: "كنَّا مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابنُ مسعود ورجلٌ من هذيل وبلال ورجلان لست أسمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما شاء اللهُ أن يقعَ، فحدَّث نفسه، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52]".
السادس: التنافس بين الأقران:
فقد يحصل بين بعض الأقران؛ مثل: طلاب العلم، أو العلماء، أو غيرِهم - التنافسُ في الطلب، فيتطوَّر حتى يكون تحاسُدًا فتدابُرًا، وهذا منشؤه دخولُ الدنيا في قلبه.
قال ابن الجوزيِّ: تأمَّلت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأَه من حبِّ الدنيا([32]).
ولا شك أن هذا خلافُ الحق، وأن علماء الآخرة يتوادُّون ولا يتحاسدون؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9].
وقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
والغِلُّ بابٌ من الحسد، إن لم يكن مرحلةً متقدِّمة منه([33]).

آثار الحسد
آثاره على الفرد
الحسد له أضرار كثيرة، وعواقبُ وخيمة، منها:
1- أنه مجلبةٌ لسخط الله:
قال الجاحظ: "ولو لم يَدخُل - رحمك الله - على الحاسد بعدَ تراكمِ الهموم على قلبه، واستمكانِ الحزن في جوفه، وكثرةِ مضضِه، ووسواسِ ضميره، وتنغيصِ عمره، وكدَرِ نفْسِه، ونكَدِ لذاذة معاشه - إلا استصغارُه لنعمة الله عنده، وسخطُه على سيِّده بما أفاء الله على عبده، وتمنِّيه عليه أن يرجع في هِبته إياه، وألا يَرزُق أحدًا سواه - لكان عند ذوي العقول مرحومًا، وكان عندهم في القياس مظلومًا"([34]).
2- الحاسد متشبِّهٌ بالمشركين:
فوجه الشبه بينه وبين المشركين هو تمنِّي زوال ما أنعم الله على المؤمنين من الدِّين، قال - تعالى -: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120].
3-أنه متشبِّهٌ بإبليس:
فقد خلق الله آدمَ - عليه السلام - وشرَّفه ورفَع منزلته، وأمر الملائكة بالسجود له، ولكنَّ إبليس تكبَّر وحسده على هذه المنزلة؛ قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 11، 12].
قال قتادة: حسد عدوُّ اللهِ إبليسُ آدمَ - عليه السلام - ما أعطاه من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ، وهذا طيني([35]).
قال ابن القيم: الحاسد شبيهٌ بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوالِ نِعَمِ الله عنهم، كما أنَّ إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدًا، فالحاسد من جُند إبليس([36]).
4- حسرة الحاسد في نفسه:
فالحسرة تسري في قلب الحاسد ألَمًا يعصره عصرًا؛ فإنه يُكِنُّ في نفسه الهمَّ والغم والبغض للناس وتمنِّيَ زوال النِّعم عنهم، وكلما زادت هذه النعم، زاد ألَمًا وحزنًا.
قال الشاعر:
اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الْحَسُو = دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ
كَالنَّارِ تَأْكُلُ بَعْضَهَا = إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ([37])
5-ما يصيبه من مصائب الدنيا قبل الآخرة:
قال السَّمرقنديُّ: ليس شيءٌ من الشر أضرَّ من الحسد؛ لأنه يصل إلى الحاسد خمسُ عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروهٌ:
1- غمٌّ لا ينقطع.
2- مصيبة لا يؤجَر عليها.
3- مذمَّة لا يحمد عليها.
4- يسخط عليه الربُّ.
5- تُغلَق عليه أبوابُ التَّوفيق([38]).
قال - تعالى -: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
6- ذهابُ حسناته:
فإن الحاسد بفعله هذا، قد أهدى حسناتِه إلى مَن حسده، شأنه في ذلك شأن المغتاب، وسائر من كانت عليه مظلمة لأخيه.

([1]) لسان العرب (3/148).

([2]) القاموس المحيط (277).

([3]) المصدر السابق.

([4]) التعريفات (87).

([5]) الكليَّات (408).

([6]) التحرير والتنوير (30/629).

([7]) مفاتيح الغيب (1/226).

([8]) الكشف والبيان للثعلبي (10/340).

([9]) تفسير المنار (1/346).

([10]) إرشاد العقل السليم (2/190).

([11]) الجامع لأحكام القرآن (5/163) بتصرف.

([12]) الجامع لأحكام القرآن (5/163) بتصرف.

([13]) تفسير القرآن العظيم (3/88)؛ بسند صحيح.

([14]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]،رقم (6066)، ومسلم في كتاب البِر والصلة والأدب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش، ونحوها (6536) وغيرهما.
من طريق أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة.

([15]) شرح صحيح البخاري (9/258).

([16]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الورع والتقوى (4216)، والخرائطي في مكارم الأخلاق، باب ما يكره للرجل أن يقول لأخيه (40)، ومساوئ الأخلاق (760)؛ من طريق يحيى بن حمزة عن زيد بن واقدٍ عن مغيث بن سُميِّ الأوزاعي عن عبدالله بن عمرٍو.

([17]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، كتاب الآداب، باب الرقائق (5221).

([18]) الجامع لأحكام القرآن (16/280).

([19]) أخرجه النسائي في المجتبى (3109)؛ من طريق عيسى بن حماد عن الليث عن ابن عجلان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وإسناده حسن.

([20]) أخرجه الطبراني في الكبير (8157)، من طريق الحسن الصُّوري عن سليمان الدمشقي، عن إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريحِ بن عُبيد، عن أبي بحرية عن ضمُرة؛ قال ابن منده: غريب.
قلتُ: سليمان الدِّمشقي صدوق يخطئ.
قال أبو حاتم الرازي: صدوقٌ مستقيم الحديث، لكنَّه أروى الناس عن الضعفاء والمجاهيل، وكان في حد لو أن رجلاً وضع له حديثًا لم يفهم.
وقال أبو حاتم البُستي في الثقات (1/175): يعتبر حديثُه إذا روى عن الثقات المشاهير، فأما إذا روى عن المجاهيل ففيها مناكيرُ، ومناكيرُه كثيرةٌ لا اعتبار بها.
وشيخه: إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، ووُصف (بالتدليس)؛ ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين، وقد عنعنه.
وقد تعقَّب بعضُ الفضلاء من أهل العلم ابنَ حجر في وصف إسماعيلَ بالتَّدليس، ورجَّحوا نفيَ التدليس عنه.
قلت: في هذا نظر، وإن كان ما ذهبوا إليه له حظٌّ من النَّظر، إلا أن الأقرب أنه مدلِّس، لكنه (ليس مكثرًا، بل مُقِلٌّ).

([21]) المجالسة وجواهر العلم؛الدِّينوري (3/50).

([22]) إحياء علوم الدين؛ للغزالي (3/189).

([23]) العقد الفريد؛ لابن عبدربه (2/170).

([24]) روضة العقلاء (133).

([25]) الحاسد والمحسود؛ للجاحظ (26).

([26]) الوساطة بين المتنبِّي وخصومه (1).

([27]) مجموع الفتاوى (10/113).

([28]) إحياء علوم الدين؛ للغزالي (3/192)، بتصرُّف، وبدائع الفوائد (2/237) بتصرف.

([29]) الرسائل للجاحظ (8/3-9) بتصرف.

([30]) تفسير الرازي (3/241).

([31]) تفسير السعدي (1/144).

([32]) صيد الخاطر (37).

([33]) الوساطة بين المتنبي وخصومه (1) بتصرف، وإحياء علوم الدين؛ للغزالي، (3/192) بتصرف.

([34]) الحاسد والمحسود (10).

([35])ابن كثير تفسير القرآن العظيم (1/231) .

([36])) بدائع الفوائد (2/234) .

([37]) العقد الفريد؛ لابن عبدربه (2/174).

([38]) تنبيه الغافلين (111).
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-29
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الحسد وآثاره

آثاره على المجتمع:
وكما أن الحسد له آثار على الفرد، فكذلك له آثار على المجتمع، فالفرد هو نواة المجتمع، وقد بيَّن العلامة ابنُ جبرين - رحمه الله - آثار الحسد على المجتمع، فقال - رحمه الله -:
لقد أمر الله - تعالى - بالاستعاذة من شرِّ الحاسد في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، وهذا دليل على أن له شرًّا وفيه ضررًا، ولا يُتحصَّن منه إلا بالاستعاذة بالله - تعالى - حيث إنَّ الحسد من أعظم الأمراض الفتَّاكة بالمجتمع؛ فهو يجبر صاحبه على أصعب الأمور، ويُبعده عن التقوى، فيَضيق صدرُ الحسود، ويتفطر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم، ولقد كثُر الحسد بين الأقران، والإخوان، والجيران، وكان من آثار ذلك التقاطع والتهاجر، والبغضاء والعداوة، فأصبح كلٌّ من الأخوين أو المتجاورَيْنِ يتتبَّع العثرات، ويفشي أسرار أخيه، ويحرص على الإضرار به، والوشاية به عند من يضرُّه أو يكيد له، ولا شك أن ذلك من أعظم المفاسد في المجتمعات الإسلامية، فإنَّ الواجب على المسلمين أن يتحابُّوا، ويتقاربوا، ويتعاونوا على الخير والبِر والتقوى، وأن يكونوا يدًا واحدة على أعدائهم من الكفار والمنافقين، فمتى أوقع الشيطان بينهم العداوةَ والبغضاء، وتمكَّنت من قلوبهم الأحقادُ والضغائن، حَصَلَ التفرُّق والتقاطع، وصار كلُّ فرد يلتمس من أخيه عثرةً، أو زلةً فيفشيها، ويعيبه بها، ويكتم ما فيه من الخير، ويسيء إلى سمعته، ويجعل من الحبَّة قبَّةً، ويَقوم الثاني بمثل ذلك، وكلٌّ منهما يُوهم أنَّ الصواب معه، وأن صاحبَه بعيدٌ عن الصواب، ثم إنَّ كلاًّ منهما يحرص على الإضرار بالآخر، ويعمل على حِرمانه من الخير، فيصرف عنه المنفعة العاجلة، ويحول بينه وبين المصالح المطلوبة؛ من فائدة مالية، أو حِرفة، أو أرباح، أو معاملات مفيدة، ونحو ذلك، ولا شك أن هذا يضرُّ المجتمعات، ويقضي على المصالح، ويُمكِّنالأعداء من المنافع ومن استغلال الفوائد، وبتمكُّنِهم يَضعف المسلمون المخلِصون، ولا ينالون مطلوبَهم من ولايةٍ أو رئاسة، أو شرَفٍ أو منفعة، وسبب ذلك: هذه المنافسات التي تمكَّنت من النفوس، حتى حرَموا إخوانهم وأنفسهم من الخير، وسلطوا عليهم أعداءهم([1]).
علاج الحسد:
لا شك أن لكل داءٍ دواءً، ولكل مرض شفاء بإذن الله؛ فقد روى ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمه من علِمه، وجهِله من جهِله))([2])، وعلاج هذا الدَّاء لا بد له من مصابرة، فالتخلص منه ليس بالأمر اليسير إلا على من يسَّره الله له.
وقد أشار ابن القيم إلى صعوبة علاج الحسد، وعدَّه أحَد أركان الكفر الأربعة؛ حيث قال: "أركان الكفر أربعة: الكِبْر والحسد والغضب والشهوة..."، إلى أن قال: "وزوال الجبال عن أماكنها أيسرُ من زوال هذه الأربعة عمَّن بُلِيَ بها، ولا سيما إذا صارت هيئاتٍ راسخةً، وملكاتٍ وصفات ثابتة، فإنه لا يستقيم له معها عملٌ ألبتَّة، ولا تزكو نفسُه مع قيامها بها، وكلما اجتهد في العمل، أفسدتْه عليه هذه الأربعةُ، وكل الآفات متولِّدة منها"([3]).
فمن ابتُلي بداء الحسد وأراد أن يتخلص منه، فلا بد من أمور:
أولاً: أن يتقي الله - سبحانه وتعالى - باتِّباع ما أمره، واجتناب ما نَهى عنه من محرَّمات، ومنها محل البحث، وهو "الحسد"؛ بقهر نفسه الخبيثة الداعية إلى هذه الصفةِ الذميمة، وعدم اتِّباع هواه، قال - تعالى -: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40، 41].
ثانيًا: أن يرضى بقضاء الله وقدره، ويعلم أن هذه النعمةَ التي حسد أخاه عليها إنما هي من الله، فهو القاسم للأرزاق بين عباده، قال - تعالى -: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].
ثالثًا: أن يعلم أنه سيؤذي نفسه قبل أن يؤذيَ غيره، وذلك من عدَّة وجوه، منها:
حُرقة قلبه، ذهاب أعماله، بغض وتجنُّب الناس له، قال - تعالى -: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] وغير ذلك.
رابعًا: أن يصرف ما في قلبه من هوًى وشهوة في ما يرضي الله، فقد جعل الله - سبحانه - في طاعته ما يملأ قلبَه بالخير والمحبة، وما من صفة ذميمة إلا وقد جعل الله لها ما يكون بديلاً لها من صفةٍ حميدة، فبديلُ الحسدِ المنافسةُ في الخيرات، والغِبطةُ، وجعَلَ لصفة الكبْرِ التي تؤدي لصفة الحسد مصرفًا، وهو التكبُّر على أعداء الله؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن أنسٍ أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أخذ سيفًا يوم أحد فقال: ((من يأخذ منِّي هذا ؟)) فبسطوا أيديَهم، كلُّ إنسان منهم يقول: "أنا، أنا"، فقال: ((من يأخذُه بحقه؟)) فأحجم القومُ، فقال له أبو دُجانةَ سِماكٌ: أنا آخذُه بحقه، قال: "فأخذه ففلَقَ به هامَ المشركين" ([4]).
وفي رواية: أن أبا دجانة يوم أحُدٍ أَعلمَ بعصابة حمراءَ، فنظر إليه رسول الله وهو مختالٌ في مِشيته بين الصَّفين، فقال: ((إنَّها مِشية يُبغضها اللهُ إلا في هذا الموضع))([5]).
خامسًا: أن يصبر على ما يجدُ في نفسه، وأن يدافعها بالمستطاع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "فمن وجد في نفسه حسدًا لغيره، فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، وكثيرٌ من الناس الذين عندهم دينٌ لا يعتدون على المحسود، فلا يُعينون مَن ظلمه، ولكنهم أيضًا لا يقومون بما يجب من حقه، بل إذا ذمَّه أحد لم يوافقوه على ذمِّه، ولا يذكرون محامده، وكذلك لو مدحه أحدٌ لسكتوا، وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه، مفرِّطون في ذلك، لا معتدون عليه، وجزاؤهم أنهم يُبخسون حقوقهم؛ فلا يُنصَفون أيضًا في مواضع، ولا يُنصَرون على مَن ظلمهم؛ كما لم يَنصُروا هذا المحسود، وأما من اعتدى بقول أو فعل، فذلك يعاقَب‏"([6]).
سادسًا: الهديَّة، وذلك أن تُهدي له هدية؛ فإنَّ هذا من أعظم ما يُدخل السرورَ على القلب، وقد جاء فضل الهدية في الكتاب والسنة، قال - تعالى -: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35].
وقد فهم سليمان - عليه السلام - المغزى من هذه الهديةِ؛ فامتنع عن قبولها، وأمر بردِّها؛ لأنَّه شعَر بأنَّ ملكة سبأٍ بعثت بهديَّتها؛ إغراءً له، واستمالة له؛ كيما ينصرف عنها وعن قومها، ولم يردَّها سليمان إلا حين علِم المقصد منها، وإلا فإن الأنبياء لا تردُّ الهدايا.
قال القُرطبي: كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقبَل الهدية، ويثيب عليها، وكذلك كان سليمانُ وسائرُ الأنبياء - عليهم السلام([7]).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((تهادَوْا تحابُّوا))([8]).
قال ابن قُدامة: الهدية مستحبَّة عند أهل العلم([9]).
وقال القرطبي: "الهدية مندوب إليها، وهي ممَّا تُورث المودة، وتُذهب العداوة"، وقال: "ومن فضل الهدية مع اتباع السنَّة: أنها تزيل حزازات النفوس، وتُكسب المُهدِي والمُهدَى إليه رنَّة في اللقاء والجلوس"([10]).
سابعًا: شغل النفس فيما ينفع؛ لمنعها من أن تشتغل بما لا ينفع من حَسدأو غير ذلك.



طريقة التعامل مع الحاسد
لا شك أن الوقاية خيرٌ من العلاج، وباعتبار الحاسد طرفًا قد يحصل منه ضرر؛ فلا بد من أمور يجب اتِّباعها لتفادي ضرره - بإذن الله - ومنها:
أولاً: أنْ تتوكل على الله - سبحانه وتعالى - وتؤمِنَ بالقدر خيرِهِ وشره، وتعلمَ أنه لا يضرُّك شيءٌ إلا بإذن الله، والعكس، قال - تعالى -: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102].
ثانيًا: أن تبتعد عن موطن الأذى، ومنها هذا الحاسد، فلا تحرص على مقابلته إلا ما عجزت عن دفعه.
قيل لعبدالله بن عروة: لِمَ لزمتَ البدو وتركت قومَك؟ قال: وهل بقِي إلا حاسدٌ على نعمة، أو شامت على نكبة([11]).
ثالثًا: أن تخفي النعمة عن الحاسد بقدر ما تستطيع، وتأمَّل قول يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام -: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5].
قال ابن القيم - رحمه الله -: "وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد، وألا يقصِد إظهارَها له، وقد قال يعقوبُ ليوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5]، وكم من صاحبِ قلبٍ وحال مع الله قد تحدَّث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيارُ، فأصبح يقلِّب كفيه؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السرِّ مع الله، وألا يُطلعوا عليه أحدًا، ويتكتَّمون به غاية التكتم"([12]).
من نوادر التحاسُد:
قال الأصمعيُّ: كان رجلٌ من أهل البصرة بذيئًا شرِّيرًا، يؤذي جيرانه ويشتم أعراضهم، فأتاه رجلٌ فوعظه، فقال له: ما بالُ جيرانك يشكونك؟ فقال: إنهم يحسُدونني؛ قال على أيِّ شيء يحسدونك؟ قال: على الصَّلب، قال: وكيف ذلك؟ فقال: أقبلْ معي، فأقبل معه على جيرانه، فقعد متحازنا فقالوا له: ما لَكَ؟ قال: طرق الليلةَ كتابُ معاوية: أني أُصلب أنا ومالكُ بن المنذر وفلان وفلان، فذكر رجالاً من أشرافأهل البصرة، فوثبوا عليه، وقالوا: يا عدو الله، أنت تُصلب مع هؤلاء، ولا كرامة لك؟! فالتفت إلى الرَّجُل، فقال: أما تراهم قد حسَدوني على الصَّلب، فكيف لو كان خيرًا؟!([13])
ضعيف بعض الأحاديث الواردة في ذم الحسد:
الحديث الأول:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الحسَد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تُطفئ الخطايا، والصلاة نورُ المؤمن، والصيام جُنَّة من النار)) ([14]).
الحديث الثاني:
عن عبدالله بن بسر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ليس مني ذو حسدٍ، ولا نميمةٍ، ولا كهانة، ولا أنا منه، ثًم تلا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58])) ([15]).
الحديث الثالث:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كنا جلوسًا عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((يطلع عليكم الآن من هذا الفجِّ رجلٌ من أهل الجنة))، قال: فطلع رجلٌ من أهل الأنصار تنطِف لحيتُه من وضوئه، قد علَّق نعليه في يده الشمال، فسلَّم، فلما كان الغدُ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مثلَ الذي قال، فطلع ذلك الرجل، فلما كان اليوم الثالث قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مثل الذي قال، فطلع ذلك الرجل، فلما قام النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - تبِعه عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيْتُ أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيتَ أن تُؤْوِيَنِي إليك حتى تمضي فعلتَ، قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله يحدِّث أنه بات معه تلك الثَّلاث اللياليفلم يره يقوم من الليل، غير أنه إذا تعارَّ وتقلَّب على فراشه ذكر الله - عز وجل - وكبَّر حتى تقوم صلاة الفجر، قال عبدالله: إني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاثُ، وكدت أن أحتقر عملَه، قلت: يا عبدالله، لم يكن بيني وبين أبي غضبٌ ولا هجرةٌ، ولكني سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول لك ثلاث مرَّات: ((يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة))، فطلعتَ أنت الثَّلاث المرات، فأردت أن آويَ إليك؛ لأنظر ما عملُك فأقتدي به، فلم أرَك تعمل كبيرَ عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟
قال: ما هو إلا ما رأيتَ، قال: فلمَّا وليتُ دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غيرَ أنِّي لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله - عز وجل - إياه، فقال عبدالله: هذه التي بلغتْ بك، وهي التي لا نطيق.([16])
الحديث الرابع:
عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: الحسدُ والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلِق الشَّعر، ولكن تحلِق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بمَا يثبت ذلكلكم، أفشوا السَّلام بينكم))([17]).

الحديث الخامس:
عن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده يرفعه: ((الحسَد يُفسد الإيمانَ كما يفسد الصَّبر العسلَ)) ([18]).

الخاتمة
الحمد لله على ما يسَّر من إتمام هذا البحث، الذي تضمَّن عدة محاور، وقد عرضت في هذا البحثِ الموسومِ بالحسد وآثاره، تعريفَه، وأدلَّة تحريمه، وأسبابه، ومراتبه، وآثاره، وطرق علاجه، وقد بيَّنت خطر هذا الداء، وما يترتَّب عليه من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
وهذا العمل هو جُهد المقلِّ المقصِّر، وهي بضاعةٌ مزجاة، أقدِّمها بين يديك , رغبة في الإهداء لا الإدلاء، فمن عثر على شيءٍ مما غلب به القلم، فليمتثل قول الله - تعالى -: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96]، وليدرأالسيئة بالحسنة.
أسأل الله - بمنِّه وكرمه - أن ينفع بهذا البحثِ الكاتبَ والقارئ؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد.



([1]) رسالة في الحسد (10).

([2]) أخرجه أحمد (3568)، والبيهقي في السنن الكبرى، باب ما جاء في إباحة التداوي (18000)، من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن السلمي عن عبدالله بن مسعود.

([3]) الفوائد؛ لابن القيم (157).

([4]) أخرجه مسلم،كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة (2470).

([5]) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (3 /154)،والطّبراني في الكبير (6508)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (3657) من طريق محمد بن طلحة التيمي، عن خالد بن سليمان بن عبدالله بن خالد بن سماك بن خرشة، عن أبيه، عن جده.
ومحمد بن طلحة: صدوق يخطئ؛ التقريب (6018).
وخالد بن سليمان بن عبدالله: ذكره البخاري في التاريخ الكبير (3/154) فقال: خالد بن سليمان الأنصاري: روى عن أبيه عن جده، روى عنه: محمد بن طلحة، وذكره ابن حبان في الثقات (5/150)، ومنهج ابن حبان معروف في التوثيق،وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3/355): ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً.
وأبوه وجدُّه مجهولان.
وذكره الهيثمي في المجمع (6/109) وقال: وفيه من لم أعرفه، وأخرجه البيهقي في الدلائل (1113)، وابن الأثير في أُسد الغابة (1816) من طريق جعفر بن عبدالله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن معاوية بن معبد بن كعب بن مالك، والطبري في تاريخه (601)، والأغاني للأصفهاني من طريق ابن إسحاق (270) عن جعفر عن رجل من الأنصار ولم يسمِّه.
قلت: في إسناده جعفر بن عبدالله: لم يوثِّقه إلا ابن حبان.
وقال ابن حجر في التقريب (953): مقبول.
وقال ابن أبي حاتم: مجهول - لسان الميزان (6/59)
وقال ابن معين: لا أعرفه - لسان الميزان (6/59).
وقال ابن عديٍّ: وهو كما قال ابن معين: لا يُعرف؛ الكامل (6/403).
وذكره ابن حبَّان في الثقات، وتقدم الكلام على هذا - لسان الميزان (6/59).

([6]) مجموع الفتاوى (10/125).

([7]) تفسير القرطبي (13/132).

([8]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (594)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الهبات، باب التحريض على الهبة والهدية صلة بين الناس (11946)، من طريق ضمام بن إسماعيل المصري، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة.
قلت: ضمام وموسى: صدوقان حسنا الحديث، وقد حسَّنه الحافظ.

([9]) المغني (8/239).

([10]) تفسير القرطبي (13/199) .

([11]) المستطرف؛ لشهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي (1/349).

([12]) بدائع الفوائد (3/9).

([13]) العقد الفريد (2/175).

([14]) أخرجه ابن ماجه في السنن (4210)، والبزار في مسنده (6212)، وأبو يعلى الموصلي (3656)، والشهاب في مسنده (1049)، و اللخمي في المنتخب من معجم شيوخ ابن السمعاني (100)، وابن مسهر في نسخته (46)، وابن عدي في الكامل (8547)، وغيرهم من طريق عيسى بن أبي عيسى الحنَّاط عن أبي الزناد عن أنس.
قلت: في إسناده الحنَّاط:
قال عنه أحمد: ليس يَسوى شيئًا؛ العلل ومعرفة الرجال (1254).
وقال النَّسائي: متروك الحديث؛ الضعفاء والمتروكين (454).
وذكره البخاري في الضعفاء (279).
وقد تابع الحنَّاطَ أبو هلال محمد بن سليم عن قتادةَ؛ كما عند الخطيب في تاريخه (3/13) وغيره.
قلت : وهو صدوقٌ، فيه لين؛ التقريب (5960).
قال الأثرم: قال أحمد: أبو هلالٍ يُحتمل حديثُه إلا أنه يخالف في قتادة، وهو مضطرب الحديث؛ تعليقات الدارقطني على المجروحين (328).
وكذلك تابع الحنَّاطَ واقدُ بن سلامة عن يزيد الرَّقاشي، كما عند ابن بشران في أماليه (53)، ومن طريقه أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية (766) وغيرهما.
قلت: واقد بن سلامة: ضعيفٌ، قال عنه البخاري: لم يصحَّ حديثُه؛ الضعفاء (403).
وقال ابن حبَّان: وهو الذي يروي عنه ابنُ عجلان ويقول: واقد بن سلامة منكر الحديثِ على قلَّة روايته، يأتي بأشياءَ موضوعة عن أقوامٍ ضعفاء؛ المجروحين (2/431).
وذكره الدارقطنيُّ في الضعفاء والمتروكين (544).
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في مصنفه (27005) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن الرَّقاشي عن أنس.
قلت: يَزيدُ الرَّقاشيُّ ضعيف الحديث.
قال أحمد: منكَر الحديث، لا يُكتب حديثه؛ الجرح والتعديل، الترجمة (1053).
وقال ابن معين: ضعيف؛ الكامل لابن عدي (3245)، وضعَّفه جماعة، وجاء هذا الحديث عن بعض الصحابة؛ كأبي هريرة وابن عباس وابن عمر، ولا يصح منها شيءٌ.
أما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه أبو داود في السنن (4903)، وعبد بن حميد في مسنده (1430)، وابن بشران في أماليه (724)، وابن عبدالبر في التمهيد (979)، والآداب للبيهقي (106) وفي شُعَبِه (6609) وغيرهم: من طريق إبراهيم بن أبي أُسيد عن جدِّه عن أبي هريرة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((إيَّاكم والحسدَ......)) الحديث.
قلت: في إسناده جدُّ إبراهيم بن سويد، وهو مجهول، و نصَّ عليه ابن حجر في التقريب فقال: لا يُعرف (8584).
وأما حديث ابن عمر، فقد أخرجه الشِّهاب في مسنده (1048) من طريق التَّستري عن العكبري عن عمر بن محمد الخطيب عن المستهلِّ عن القَعنبي عن مالكٍ عن نافع عن ابن عمر.
قال الذَّهبي بعد أن ساق الحديثَ: هذا الإسناد باطلٌ؛ الميزان (5884).
قلت: ومع هذا، فمحمَّد بن منصور التَّستري قال عنه إبراهيم بن سعيد الحبال: كذَّاب، ومرَّة: تُكلِّم فيه، وضعَّفه.
ومحمود العكبري: قال عنه أبو الحسن البادا: ليس بالقويِّ، روى عمن لم يَسمعْ منه، وبنحوه قال الخطيب البغدادي.
وعمر بن محمد: ضعيف.
وأما حديث ابن عباس، فقد أخرجه الخطيب في تاريخه (1420)، وابن الجوزي في الموضوعات الكبرى (603) وغيرهما من طريق محمد بن مسلمة الواسطي، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس.
قال الخطيب: الحديث باطلٌ مركَّبٌ على هذا الإسناد.
قلت: محمد بن مسلمة: ضعيف جدًّا متَّهم.
قال اللاَّلَكائي: ضعيف، وكذا قال هبة الله الطبري.
وقال أبو محمد الخلال: ضعيف جدًّا؛ ميزان الاعتدال للذهبي (7703).

([15]) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (8282) من طريق الطبراني عن أحمد بن نضر العسكري، عن سليمان بن سلمة الخبائري، عن أبي فراس المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، عن والده سعيد بن يوسف، عن عبدالله بن بسر.
قلت: إسنادُه مظلم، والأقرب أنه موضوع.
سليمان الخبائري: متروك الحديث.
قال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث، لا يُشتغل به؛ الجرح والتعديل (4/121).
وقال ابن جنيد: كان يكذب؛ الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (1527).
وقال النسائي: ليس بشيء؛ الضعفاء والمتروكين (272).
أبو فراس المؤمل بن سعيد:
قال البخاري: منكر الحديث؛ التاريخ الكبير (8/برقم 2108).
وقال أبو حاتم البُستي: روى عن سليمان الخبائري، وسلمة بن سليمان، منكَر الحديث جدًّا، فلست أدري وقع المناكير في روايته منه أو من سلمة بن سليمان راويه؛ لأنَّ سليمان كان يروي الموضوعات عن الأثبات، فإن كان منه أو من المؤمل أو منهما معًا، بطَل الاحتجاج برواية يرويها؛ المجروحين (1075).
سعيد بن يوسف الرحبي:
قال أحمد: ليس بشيء؛ التهذيب (2387).
وقال ابن معين: ضعيف الحديث؛ الكامل (2/43).
وقال النسائي: ضعيف، ومرَّة: ليس بالقوي، الضعفاء (274).

([16]) هذا الحديث أخرجه عبد بن حميد في مسنده (1159) قال: أنا عبدالرزاق، أنا معمر، عن الزهري أنَّ أنسًا أخبره وذكره، وأحمد في المسند (3/166)، والبيهقي في شعبه (6181)، والبغوي في شرح السنة (3535)، والخَرائطيُّ في مساوئ الأخلاق (758)، والطبراني في مكارم الأخلاق (72) وغيرهم بصيغة الإخبار وسيأتي الكلام عليها.
وأخرجه ابن عبدالبر في التمهيد (6/121)، والبزار في كشف الأستار (1981) من طريق عبدالرزاق بدون التصريح بالسماع.
ورواه ابن المبارك في الزهد (694) عن معمر عن الزهري عن أنس بالعنعنة.
قلت: هذا الحديث قد اختلف فيه على مَعمرٍ:
- فرواه عبدالرزاق عن معمرٍ مصرِّحًا فيه بسماع الزهري من أنس.
- ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزهري بالعنعنة.
- والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الاضطراب فيه من معمرٍ.
فقد خالَفه شعيب بن أبي حمزة كما في الشُّعَب للبيهقي (6181)، فرواه عن الزُّهري، عن رجل، عن أنس، وهو الأقرب، والله أعلم.
وشُعيب وعُقيل بن أبي خالد الأيلي من أثبتالناس في الزهري؛ قاله ابن معين؛ سؤالات ابن الجُنيد (156-543)، ولم يتفرَّد به شعيب، بل تابعه عُقيل بن خالد، كما جاء عند ابن عساكر في تاريخه (7/155) وغيرهما.
وقد تابع [معمرًا إبراهيمُ بن زياد العبسي، كما قال الدارقطني في عِلَلِه (12/202)، (ولعل الصوابَ: القرشيُّ؛ كما قال محقق العلل)، وإبراهيم هذا لا يُعرف؛ قاله الذهبي؛ الميزان (1/71).
وهذا الحديث مما تفرَّد به الزهري، كما قاله أبو حاتم؛ العلل (2611).
والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيدالله الزُّهري، مشهورٌ بالإمامة والجلالة، وقد ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلِّسين (102)، إلا أن التَّحقيق - والله أعلم - أنَّ الصواب أنه من المرتبة الثانية، وهو صنيع العلائي في جامع التحصيل، ومما يقوي هذا الجانب:
أولاً: ما تقدم الإشارة إليه من كلام العلائي في جامعه، وقوله: "قبِلَ الأئمَّة قولَه .
ثانيًا: قول الذهبي: كان يدلِّس في النادر؛ الميزان (4/40).
ثالثًا: لم أقِفْ على حديثٍ أعلَّه الأئمة للزهري بسبب تدليسه.
وقد أعلَّه غير واحد من أهل العلم بعدم سماع الزهري لهذا الحديث من أنس.
قال الدارقطني:
اختُلف فيه على الزهري: فرواه عبدالرزاق عن معمرٍ عن الزهري قال: حدَّثني أنس.
وقال ابن المبارك: عن معمرٍ عن الزهري عن أنس، وكذلك قال: إبراهيم بن زياد العبسي (والصواب القرشي كما تقدم) عن الزهري عن أنس.
وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من أنس، ورواه شعيب بن أبي حمزة، وعُقيلٌ عن الزهري، قال: حدَّثني من لا أتهم، عن أنس، وهو الصوابُ؛ العلل (12/203).
وقال البيهقي في الشُّعَب (6181):
هكذا قال عبدالرزاق عن معمرٍ عن الزهري قال: أخبرني أنسٌ.
ورواه ابن المبارك عن معمرٍ فقال: عن الزهري عن أنس.
ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري.
كما أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرني أبو محمد المزني ببخارى، أخبرنا علي بن محمد بن عيسى، حدَّثنا الحكم بن نافع، أخبرني شعيب عن الزهري، قال: حدَّثني من لا أتهم عن أنسٍ، فذكره بنحوه.
وكذلك رواه عُقيل بن خالد عن الزهري في الإسناد، غير أنه قال في متنه: فطلع سعدُ بن أبي وقاص، ولم يقُلْ: رجل من الأنصار.
قال حمزة بن محمد الكِناني الحافظ على ما ذكره المزي في التحفة (1/667):
لم يسمعْه الزهري من أنس؛ رواه عن رجل عن أنس؛ كذلك رواه عُقيل وإسحاق بن راشد وغير واحد عن الزهري، وهو الصواب.
وقال ابنُ حجر في النكت الظراف على الأطراف:
"وقد ظهر أنه معلولٌ".
فإن قال قائل: قولُ الزهري: "حدَّثني من لا أتهم" كافٍ في توثيق هذا المبهَمِ؟
فيقال: لا عبرةَ بهذا القول؛ ولا بد من التَّصريح بسماعِه؛ وذلك لأنَّ النُّقَّاد يختلفون في حكمهم على الرجال، وإبهام الزُّهري لهذا الراوي يُوقع في القلب تردُّدًا فيه.
قال ابن الصَّلاح في المقدمة (1/572):
لا يجزئُ التَّعديل على الإبهام من غير تسمية المعدَّل، فإذا قال: حدَّثني الثقة، أو نحوَ ذلك مقتصِرًا عليه، لَمْ يُكتَفَ به، فيما ذكره الخطيب الحافظ والصَّيرفي، خلافًا لمن اكتفى بذلك؛ ذلك لأنه قد يكون ثقةً عنده، وغيره قد اطلع على جَرْحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يُعرف، بل إضرابُه عن تسميته مريبٌ يوقع في القلوب تردُّدًا.
وقد أورد الحافظ السهيلي في الرَّوض الأُنُف (1/378):
عن داود بن الحصين قوله: "حدثني من لا أتهم، عن عمر بن عبدالعزيز قال: قال سلمان الفارسي"، وذكر حديثًا، ثم قال السهيلي: إسناد هذا الحديث مقطوعٌ وفيه رجل مجهول.
- بالإضافة إلى ما في متنه من قول الصحابي "إني لاحيت أبي، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا"، ولا يُتصور أن يكذب الصحابيُّ، وإن حُمل على محامل، فغير ظاهر، وكذلك قولُه: "فهذه التيلا نطيق"، هل الصحابي لا يطيق ذلك؟ هذا يدعو للتأمل!
والله أعلمُ.

([17]) أخرجه أحمد في المسند (1415)، والترمذي (2510) في صفة القيامة - باب سوء ذات البين، وعلي الهيثمي في كشف الأستار (2000)، وغيرهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يعيشَ بن الوليد بن هشام، عن مولى لآل الزبير عن ابن الزبير.
وقد اختُلف في إسناده على أوجه، لكن المحفوظ منها هو: طريقُ حرب بن شدَّاد عن يحيى بن أبي كثير بالسَّند المتقدِّم.
وهو ما رجَّحه أبو زرعة حيث قال: بعد أن سئل عن هذا الحديث، قال: "رواه علي بن المبارك، وشيبان النحوي، وحرب بن شداد، عن يحي بن أبي كثير، عن يعيشَ مولًى لآل الزبير عن الزبير عن النبي؛ ثم قال: والصحيح هذا"؛ العلل لابن أبي حاتم (2500).
وقال الدارقطني كما في العلل (544) بعد أن ذكر الاختلاف فيه: قال: "القول قولُ حرب بن شداد ومن تابعه عن يحيى".
قلت: إسناده ضعيف؛ لجهالة مولًى لآل الزبير، وباقي رجاله ثقات.
لكن له شواهد قد يتقوَّى بها:
الأول: قوله: ((دبَّ إليكم داءُ الأمم: الحسدُ والبغضاء))، شاهده ما جاء عن أبي هريرة عن النبي قال: ((سيصيب أمتي داءُ الأمم))، فقالوا: يا رسول الله، ما داء الأمم؟ قال: ((الأشَرُ، والبطَرُ، والتكاثُر، والتناجُش في الدنيا، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون البغيُ، ثم يكونَ الهرْجُ)).
أخرجه الطبراني في الأوسط (9016)، والحاكم في المستدرك (7375)، وابن أبي حاتم في العلل (2543)، وغيرهم من طريق عبدالله بن وهب عن حميد بن هانئ الخولاني عن أبي سعيد الغفاري عن أبي هريرة.
قلت: ومدارُه على أبي سعيد الغفاري، وهو مقبولٌ، ولا يُحتمل تفرُّدُه، وقد قال ابن الصلاح: "اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعات والاستشهاد روايةُ من لا يُحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابَيِ البخاري ومسلم جماعةٌ من الضعفاء، ذكراهم في المتابعات والشواهد..."؛ علوم الحديث (76).
وشاهد قوله: ((هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين)) - ما جاء عن أبي هريرة عن النبي قال: ((... إيَّاكم والبِغْضةَ؛ فإنها هي الحالقة، لا أقول لكم: تحلق الشَّعر، ولكن تحلق الدِّين))؛ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (206) من طريق سليمان بن بلال، وأنس بن عياض، عن إبراهيم بن أبي أسيد، عن جدِّه عن أبي هريرة.
قلتُ: وجدُّ إبراهيم بن أبي أسيد - مجهولٌ، قال ابن حجر: لا يُعرف، وبنحوه قال المزِّي.
قلت: ورواية المبهَم الذي لَمْ يسَمَّ - كمولى ابن الزبير باعتباره من التابعين قد استأنس بها بعضُ أهل العلمِ.
قال ابن كثير: "فأما المبهم الذي لم يسمَّ - أو سمِّيَ ولا تُعرف عينه - فهذا ممَّن لا يَقبل روايتَه أحدٌ علمناه، لكنه إذا كان من عصر التابعين والقرون المشهودِ لهم بالخير، فإنه يُستأنس بروايته" الباعث (102)، وتبعه على هذا القولِ الذهبيُّ وغيرُ واحد من العلماء.
وشاهد ما تبقَّى من الحديث ما جاء عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قالَ: ((والذي نفس محمَّد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبِّئكم بما يثبِّت ذلك لكم؟ أفشوا السلام)؛ أخرجه مسلم وغيره من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.

([18]) أخرجه الدَّيلمي في الفردوس (2/ق 100أ ) من طريق نصر بن محمد الخيَّاط، عن أبيه، عن أبي بكر بن روزته، عن أبي شجرة البغوي، عن محمد بن سليمان الواسطي، عن هشام بن عمار، عن مخيس بن تميم، عن بهز.
قلت: في إسناده: مخيس بن تميم: مجهول.
قال أبو حاتم الرازي: مخيس بن تميم عن حفص بن عمر: مجهولان؛ الجرح والتعديل (8/442)، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين، ونقل قولَ الرازيِّ أبو حاتم (3/111)، والذهبي في الميزان (4/308).
ونصر بن محمد الخياط وأبوه، وعبدالله بن محمد أبو شجرة - لم أجِدْ لهم ترجمة.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الحسد وآثاره



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:54 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب