منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

أولئك الأخيار

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أولئك الرجال حقاً رجال المساجد seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-13 01:03 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-05-29
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي أولئك الأخيار

المقدمة
الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها، فلم يتخذوا سواها شغلاً، وسهل طرقها فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذللاً، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين الذي قام من الليل حتى تفطرت قدماه.
وبعد:
إن صحبة الأخيار ومجالسة الصالحين وسماع أخبارهم تغرس في النفوس حب الخير والرغبة في مجاراتهم والوصول إلى ما وصلوا إليه من الجد والاجتهاد في الطاعة... فإن القلوب تحتاج إلى تذكير وترغيب خاصة مع ما نراه من طول الأمل واللهث وراء حطام الدنيا.
وهذه هي المجموعة الثالثة من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «أولئك الأخيار» تتحدث عن قيام الليل... وهو جانب مضيء مشرق من أعمال سلفنا الصالح. لعل قلوبنا تستيقظ من غفلتها وتصحو من غفوتها جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

قيام الليل
قال تعالى: }أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ{[سورة الزمر: 9].
وقال جل وعلا: }إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [سورة الذاريات، الآيات: 15-18].
وعندما سئل رسول الله r، عن رجل نام الليل حتى أصبح قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه»([1]).
وقد وصف الله -سبحانه وتعالى- قيام الليل بقوله: }إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا{[سورة المزمل، الآية: 6]، وفسر ابن كثير قوله -تعالى-: }هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا{ بأنه أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش([2]).
وقيام الليل مرحلة صراع ومجاهدة مع النفس فلا شيء أعظم أثرًا في النفس البشرية من الاستمرار في الطاعة والعبادة خاصة وقت الراحة والدعة والسكون، ولذلك شهد الله –سبحانه وتعالى- لقوام الليل بالإيمان الصادق ووعدهم بالخير الجزيل فقال تعالى: }إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [السجدة، الآيات: 15-17].

أخي الحبيب:
إن قيام الليل عبادة تصل القلب بالله، وتجعله قادرًا على التغلب على مغريات الحياة وعلى مجاهدة النفس، في وقت هدأت فيه الأصوات ونامت العيون وتقلب النوام على الفرش ولكن قوام الليل يهبون من فرشهم الوثيرة وسررهم المريحة ويكابدون الليل لا ينامون إلا القليل، ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة وسمات النفوس الكبيرة وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله -تعالى-: }أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ{ [سورة الزمر الآية: 9].
وقيام الليل سنة مؤكدة: حث النبي r على أدائها بقوله: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد»([3]).
وقال r مبينًا فضل قيام الليل: « أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل»([4]).
وقد حافظ عليه، r ولم يتركه لا سفرًا ولا حضرًا وقام r وهو سيد ولد آدم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر –حتى تفطرت قدماه- فقيل له: أما قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»([5]).
رغب r في قيام الليل لما فيه من الخير العظيم والإحسان الجزيل بقوله: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيرًا إلا أعطاه إياه»([6]).
وهذا من منه وكرمه –جل وعلا-.
هذا عمر بن ذر يذكرنا بتلك الساعات والليالي فيقول: اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، وإنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا لله أنفسكم بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله، كم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة الله –عز وجل- للعابدين غدًا، فاغتنموا عمر الساعات والليالي والأيام يرحمكم الله([7]).
فيا أخي:
اشتر نفسك اليوم، فإن السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير: }ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ{، }يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ{([8]).
قال أبو الدرداء: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور([9]).
وقد عجب أحمد بن حرب –رضي الله عنه- من نوم النائمين وغفلة الغافلين فقال: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزين فوقه، والنار تضرم تحته، كيف ينام بينهما؟([10]).
ولذلك تجدهم يستعدون لليل ويفرحون بإقباله ويغتمون بإدباره، فكان عمر بن ذر إذا نظر إلى الليل قد أقبل قال: جاء الليل، ولليل مهابة، والله أحق أن يهاب([11]).
وما ذاك إلا من توقير الله ورغبة فيما عنده، وهم أقوام وصفهم الفضيل بن عياض بقوله: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لك، قومي خذي حظك من الآخرة([12]).
وهو كما ذكر عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حين قال: كنا نغازي عطاء الخراساني وننزل متقاربين، فكان يحيي الليل ثم يخرج رأسه من خيمته فيقول: يا عبد الرحمن، يا هشام بن الغار، يا فلان، قيام الليل وصيام النهار أيسر من شرب الصديد، ولبس الحديد، وأكل الزقوم، فالنجاة النجاة...([13]).
أخي....
سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجاعة، النجائب في الأول وحاملات الزاد في الأخير([14]).
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا





وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد



وقلت يا عدتي في كل نائبة




ومن عليه لكشف الضر أعتمد


أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها




ما لي على حملها صبر ولا جلد


وقد مددت يدي بالضر مبتهلاً




إليك يا خير من مدت إليه يد


فلا تردنها يا رب خائبة




فبحر جودك يروي كل من يرد([15])





قال الحسن -رحمه الله-: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل ونفقة المال، فقيل له ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره([16]).
وهذه المجاهدة والمكابدة في أول الأمر ثم تتبدل إلى محبة وشوق، فقد عرف عن ثابت البناني أنه يقوم الليل ويصوم النهار، وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل.
وقوام الليل يحبون -مثلنا- النوم والراحة والدعة ولكنهم نفضوا غبار الكسل واستحثوا الخطى وقووا العزائم انظر إلى عبد العزيز بن رواد إذا جن عليه الليل يأتي فراشه فيمر يده عليه ويقول: إنك للين، والله إن في الجنة لألين منك، ولا يزال يصلي الليل كله([17]).
ويسبق حلول الليل استعداد مبكر ونية صادقة لقيام الليل فهذا معاوية بن قرة يذكر نصيحة أبيه لهم إذا صلوا العشاء... يا بني ناموا لعل الله أن يرزقكم من الليل خيرًا.
ولا يكن نهار المسلم كما قال الشاعر:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة




وليلك نوم الردى لك لازم


وتتعب فيما سوف تكره غبه




كذلك في الدنيا تعيش البهائم





فكن –يا أخي- من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا، فإن الولد يتبع الأم([18]).
خرج سليمان التيمي إلى مكان يصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة وكان يأخذ بقول الحسن؛ إنه إذا غلب النوم على قلبه توضأ»([19]).
إن جهاد النفس جهاد طويل وطريق صعب يحتاج إلى صبر ومثابرة، فقد كان صفوان بن سليم في الصيف يصلي في البيت وإذا كان في الشتاء صلى في السطح لئلا ينام([20]).
وهذا الجهاد والحرص على القيام يكون بأجمل هيئة وأحسن زينة.. فكان الإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله- له قلنسوة خاطها بيده، فيها قطن فإذا قام الليل لبسها([21]).
قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم




إلا كنومة حائر ولهان


فلربما تأتي المنية بغتة




فتساق من فرش إلى الأكفان


يا حبذا عينان في غسق الدجى




من خشية الرحمن باكيتان





ومجاهدة النفس صعبة المنال في البداية ولكنها سهلة الانقياد بالإصرار والعزيمة في النهاية كما ذكر ذلك ثابت البناني بقوله: كابدت الصلاة([22]) عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة([23]).
وكانت أم سليمان –رضي الله عنها- على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، تقول له: يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة، يا بني... من يرد الله لا ينام الليل، لأن من نام الليل ندم بالنهار([24]).
يا كثير الرقاد والغفلات




كثرة النوم تورث الحسرات([25])





* كانت أم الربيع بن خثيم إذا رأت قلقه بالليل قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً، فيقول... يا أماه قتلت نفسي([26]).
وقالت أم عزوان له: أما لفراشك عليك حق؟! أما لنفسك عليك حق؟ قال: يا أماه… إنما أطلب راحتها، أبادر طي صحيفتي([27]).
أما شداد بن أوس فإنه إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم، فيقول: اللهم إن النار أذهبت النوم فيقوم فيصلي حتى يصبح([28]).
يناجون رب العالمين إلههم




فتسري هموم الدنيا والناس نوم([29])





ورغبة في الخير العظيم والجزاء الأكمل... صام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان يبكي، فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح، كحل عينه، ودهن رأسه، وبرق شفتيه (*) وخرج إلى الناس([30]).
قال عمر بن ذر: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل الغفلة قد سكنوا إلى فرشهم ورجعوا إلى ملاذهم من النوم، قاموا إلى الله فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم من حسن عادة السهر وطول التهجد، فاستقبلوا الليل بأبدانهم وباشروا الأرض بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليل وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل بربح وغبن، أصبح هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعادة، شتان ما بين الفريقين.
* حين سألت ابنة الربيع بن خثيم أباها: يا أبتاه الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنية إن أباك يخاف
السيئات([31]).

والآن تقلبت الأمور وتغيرت الأحوال فمن لم ينم فهو غالبًا قائم على منكر أو محرم... ولربما كان مهمومًا مغمومًا من نقصان مال وأمر تجارة أو عارض من عوارض الدنيا، ولنر ما كان يهمهم ويشغلهم... فقد كان أحدهم وهو بشر الحافي لا يزال مهمومًا فقيل له في ذلك، فقال: إني مطلوب وكان لا ينام الليل .. وكان يقول: أخاف أن يأتيني أمره وأنا نائم([32]).
وقالت ابنة لعامر بن عبد قيس: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا بنية إن جهنم لا تدع أباك ينام([33]).
ألا يا عين ويحك أسعديني




بطول الدمع في ظلم الليالي


لعلك في القيامة أن تفوزي




بخير الدهر في تلك العلالي([34])





ولنسمع مالك بن دينار وهو يقول: لو استطعت أن لا أنام لم أنم، مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانًا لفرقتهم ينادون في منار الدنيا كلها يا أيها الناس: النار النار([35]).
وحتى سماع هذه النذير إذا بقي الأمر دون جد ووثبة قوية فهو كما قال هرم بن حبان: لم أر مثل النار نام هاربها ولم أر مثل الجنة نام طالبها([36]).
تيقظ لساعات من الليل يا فتى




لعلك تحظى في الجنان بحورها


فقم فتيقظ ساعة بعد ساعة




عساك توفي ما بقي من مهورها





وقيام الليل منة من الله –سبحانه وتعالى- وفضل منه على عباده الصالحين الذين يسر لهم أسباب القيام وأعانهم عليه.
قال أبو سفيان الداراني: من صفى صفي له، ومن كدر كدر عليه. ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله([37]).
ومن أهم الأسباب المانعة التي تعوق عن قيام الليل:
المعاصي والذنوب: فإن قيام الليل منحة ربانية للصالحين من عباده.
ذكر ذلك الحسن بقوله: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل([38]).
وقال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل بذنب أحدثته منذ خمسة أشهر([39])، ومن حرم من خير القيام ومناجاة رب العالمين فإنه بسبب ذنوبه ومعاصيه.
ونبه إلى ذلك الفضيل بن عياض فقال: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك([40]).
وحين اشتكى شاب إلى الحسن عدم قيامه الليل قال له الحسن قيدتك خطاياك([41]).
فمن ترك المعاصي والذنوب أعانه الله على فعل الخيرات والطاعات، فقيام الليل دأب الصالحين، بعيد عن الفاسقين قريب للتائبين.
وفسر ذلك بشر بن الحارث عندما قال: لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سدًا([42]).
فإن من تحرى الخير وجده، ومن بحث عن الطريق لقيه، ومن أقبل على الله أعانه وسدده.
أخي:
همتك احفظها بقيام الليل، فإن الهمة مقدمة الأشياء فمن صلحت له همته وصدق فيها، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال ويمثل لها ابن القيم بمثل لطيف فيقول مثل القلب مثل الطائر كلما علا، بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات([43]).
قال أبو عصمة بن عصام البيهقي: «بت ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه فلما أصبح نظر في الماء فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل!!
ونلتفت قليلاً إلى رجال اليوم وكهول الغد... إلى الشباب أصحاب القوة والنشاط والهمة والعزيمة ونناديهم بنداء سفيان الثوري الذي كان يصلي ثم يلتفت إلى الشباب فيقول: إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟!([44]).
وقد ذكر إبراهيم بن شماس أحمد بن حنبل فقال: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي الليل([45]).
من لم يقم للجد قبل مشيبه




وخمود سريه فليس بقائم([46])





وبمقارنة سريعة نرى أن أكثر القوام هم من الشيوخ والكهول.. فأين نصيب الشباب من ذلك؟... وهو سن الصحة والقوة والنشاط. مقارنة بذلك الجسم النحيل الضعيف، الذي احدودب ظهره، وضعفت قوته، وارتعشت أطرافه.. ورغم كل ذلك نجده يقوم لله عابدًا راكعًا، ساجدًا.
قال شميط بن عجلان موضحًا ذلك التفاوت: إن الله –عز وجل- جعل قوة المؤمن في قلبه ولم يجعلها في أعضائه، ألا ترون أن الشيخ يكون ضعيفًا يصوم الهواجر ويقوم الليل، والشاب يعجز عن ذلك..([47]).
وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يومًا وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر([48]).
وقال بعض العلماء في كلمات صادقة: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة، إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة([49]).
وكان ابن مسعود –رضي الله عنه- إذا هدأت العيون قام فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح([50]).
ويروى أن طاوسًا جاء في السحر يطلب رجلاً فقالوا: هو نائم، قال: ما كنت أرى أن أحدًا ينام في السحر([51]).
إذا ما الليل أظلم كابدوه




فيسفر عنهم وهم ركوع


أطار الخوف نومهم فقاموا




وأهل الأمن في الدنيا هجوع


لهم تحت الظلام وهم سجود




أنين منه تنفرج الضلوع([52])





أما عمرو بن دينار فإنه جزأ الليل ثلاثة أجزاء، ثلثًا ينام، وثلثًا يدرس حديثه، وثلثًا يصلي([53]).
وهذا كمال الاستفادة من الوقت، ونرى اليوم من أضاع نهاره ثم هو في الليل بين نائم أو قائم على منكر تارك لواجب، لأن النوم والسهر فيما لا فائدة منه مضيعة لأوقات محسوبة باللحظات والأنفاس.
قال محمد بن عبد العزيز بن سليمان: حدثتني أمي قالت: قال أبوك: ما للعابدين وما للنوم؟ لا نوم والله في دار الدنيا إلا نوم غالب، قال: فكان والله لا يكاد ينام إلا مغلوبًا.
وفي أيامنا هذه يشتكي الكثير من الأرق ومن السهر ولا يفكر أن يستفيد من هذا الوقت بصلاة أو قراءة قرآن... بل تجده يتقلب يمنة ويسرة بدون فائدة، فالنوم بعيد والتفكير في صلاة الليل والاستفادة من الوقت غير وارد.
ورحم الله طاوسًا كان إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة، ثم ويثب ويصلي إلى الصباح، ثم يقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين([54]).
أخي: لما علم الصالحون قصر العمر، وحثهم حادي }وَسَارِعُوا{ طووا مراحل الليل مع النهار انتهابًا للأوقات.
اصغ سمعك لنداء ربك، }فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ{ وبادر طيَّ صحيفتك وأحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى وشمر للسباق غدًا، فإن الدنيا ميدان المتسابقين([55]).
عن نافع أنه قال: كان ابن عمر –رضي الله عنه- يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة إلى أن أقول: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح.
وها هو الحسن بن علي لا يزال مصليًا ما بين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال: إنها ناشئة الليل.
أما منصور بن المعتمر فكان يصلي في سطحه فلما مات، قال غلام لأمه: يا أماه: الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه.
قالت: يا بني ليس ذاك بجذع.. ذاك منصور قد مات([56]).
أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟
كرر عليَّ حديثهم يا حادي




فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي([57])





كان أسيد –رضي الله عنه- إذا أوى إلى فراشه يتقلب كالحبة على المقلى ويقول:إنك لين، وفراش ألين منك (*)، ولا يزال راكعًا وساجدًا إلى الصباح([58]).
ولم يكن أمام أعينهم هدف سوى الوصول إلى مرضاة الله ودخول جنات عدن، فانظر إلى صنيعهم كما قال عبد الله بن داود: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه كان لا ينام
الليل([59]).

وهم كما قال فيهم القائل:
ألستم خير من ركب المطايا




وأندى العالمين بطون راح؟([60])





ونحن ينطبق علينا قول إبراهيم التيمي: «كم بينكم وبين القوم، أقبلت عليهم الدنيا فهربوا، وأدبرت عنكم فاتبعتموها»([61]).
فالدنيا مضمار سباق وقد انعقد الغبار وخفي السابق، والناس في المضمار بين فارس وراجل وأصحاب حمر معقرة([62]).
قس على نفسك أخي انظر أين أنت منهم. اعلم أن من علامات الشقاء ما قاله مالك بن دينار... أربع من علامات الشقاء: قسوة القلب وجمود العين وطول الأمل والحرص على الدنيا([63]).
* ذات ليلة زار قيس بن مسلم، محمد بن جحادة، فأتاه وهو في المسجد بعد صلاة العشاء، ومحمد قائم يصلي، فقام قيس بن مسلم في الناحية الأخرى يصلي، فلم يزالا على ذلك حتى طلع الفجر، وكان قيس بن مسلم إمام مسجده، فرجع إلى الحي فأمهم، ولم يلتقيا، ولم يعلم محمد مكانه، فقال بعض أهل المسجد: زارك أخوك قيس بن مسلم البارحة فلم تنفتل إليه. قال: ما علمت مكانه، فغدا عليه فلما رآه قيس بن مسلم مقبلاً قام إليه فاعتنقه، ثم خلوا جميعًا فجعلا يبكيان([64]).
وحالنا اليوم تبدلت فما أن يسلم الإمام حتى ترى من يتفحص الوجوه ويلتفت يمنة ويسرة بدون داع فيؤثر على سكونه وهدوئه، وربما غفل عن الأذكار الواردة بعد الصلاة.
حدث المغيرة بن حبيب فقال: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار لا أدري ما عمله! قال: فصليت معه العشاء الآخرة ثم جئت فلبست قطيعة في أطول ما يكون الليل، قال: وجاء مالك فقرب رغيفه فأكل ثم قام إلى آخر الصلاة فاستفتح ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، فوالله مازال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فإذا هو على تلك الحال يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً، ويقول يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، فما زال كذلك حتى طلع الفجر([65]).
لله قوما خلصوا في حبه




فاختارهم ورضي بهم خدامًا


قوم إذا جن الظلام عليهم




أبصرت قومًا سجدًا وقيامًا


فسيغنمون عرائسًا بعرائس




ويبوءون من الجنان خيامًا


وتقر أعينهم بما أخفي لهم




ويسمعون من الجليل سلامًا


يتلذذون بذكره في ليلهم




ويكابدون لدى النهار صيامًا([66])





وذكر أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: }بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ{ [سورة القمر، الآية: 46]، يرددها ويبكي ويتضرع([67]).
هذا معمر مؤذن سليمان التيمي يقول: صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة وسمعته يقرأ: }تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ{ [سورة الملك، الآية: 1]، فلما أتى على هذه الآية: }فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا{ [سورة الملك، الآية 27] جعل يرددها حتى خفّ أهل المسجد فانصرفوا، فخرجت وتركته، وغدوت لأذان الفجر فنظرت فإذا هو في مقامه فسمعت، فإذا هو لم يجزها وهو يقول }فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا{([68]).
لما عرف الموفقون قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها أماتوا فيها الهوى طلبًا لحياة الأبد، ولما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما انتهبه العدو منهم في زمن البطالة، فلما طالت عليهم الطريق فلمَّحوا المقصد، فقرب عليهم البعيد، وكلما أمرت لهم الحياة حلي لهم تذكر: }هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ{ [سورة الأنبياء، آية: 103]([69]).
وقال القاسم بن أبي أيوب: «سمعت ابن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرة: }وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ{ [سورة البقرة الآية: 281]»([70]).
لله ساهر ليله ما يهجع




وجل الفؤاد من الذنوب مصدع


يبكي بدمع ساكب هفواته




والليل في جلباته متبرقع


ندمًا على ما كان من عصيانه




ملكًا تذل له الملوك وتخضع


يا رب، ما للذنب غيرك غافر




وإليك منه يا إلهي المفزع


يا رب عبدك ضارع فاغفر له




ما لم يزل يدعوك فيه ويضرع([71])





قيل لبعضهم: كيف الليل عليك؟ فقال: ساعة أنا فيها بين حالتين، أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع، ما تم فرحي به قط([72]).
وقال وهب بن الورد في نداء حار وكلمات مؤثرة: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل([73]).
أخي الحبيب... في هذه الأمة سباق إلى الخير أين أنت منه؟
قال قتادة: إن الملائكة تفرح بالشتاء للمؤمن، يقصر النهار فيصومه ويطول الليل فيقومه.
وذكر أن عامرًا لما حضر جعل يبكي.. فقالوا: ما يبكيك يا عامر؟! قال: ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الشتاء([74]).

([1]) متفق عليه من حديث ابن مسعود.

([2]) تفسير ابن كثير 4/436.

([3]) أخرجه الترمذي، وأحمد وصححه الألباني.

([4]) أخرجه مسلم.

([5]) متفق عليه.

([6]) أخرجه مسلم.

([7]) حلية الأولياء 5/109.

([8]) الفوائد 64.

([9]) جامع العلوم والحكم 264.

([10]) الإحياء 4/435.

([11]) حلية الأولياء 5/111.

([12]) صفة الصفوة 2/241.

([13]) السير 6/143.

([14]) الفوائد 67.

([15]) طبقات الشافعية 4/225.

([16]) الإحياء 1/220.

([17]) الإحياء 1/420.

([18]) الفوائد 68.

([19]) حلية الأولياء 3/29.

([20]) حلية الأولياء 3/159.

([21]) السير 11/206.

([22]) أي صلاة آخر الليل.

([23]) السير 5/224، صفة الصفوة 3/260.

([24]) الزهر الفائح 111.

([25]) الزهر الفائح 19.

([26]) المدهش 443.

([27]) مختصر قيام الليل 27.

([28]) صفة الصفوة 1/709.

([29]) صفة الصفوة 3/380.
(*) وذلك حتى لا يظهر عليه أثر الجهد والسهر خوفًا من الرياء.

([30]) السير 5/406، صفة الصفوة 3/162.

([31]) الزهد للإمام أحمد بن حنبل 469.

([32]) الزهر الفائح 18.

([33]) الزهد 316.

([34]) صفة الصفوة 4/59.

([35]) صفة الصفوة 3/286.

([36]) الزهد للإمام أحمد بن حنبل 332.

([37]) صيد الخاطر 34.

([38]) الإحياء 10/4420

([39]) حلية الأولياء 7/17.

([40]) السير 8/435، الإحياء 1/420.

([41]) صفة الصفوة 3/235.

([42]) السير 10/473.

([43]) الجواب الكافي 70.

([44]) حلية الأولياء 7/59.

([45]) السير 11/8.

([46]) عقد اللؤلؤ والمرجان 269.

([47]) صفة الصفوة 3/341، حلية الأولياء 3/130.

([48])جامع العلوم والحكم 226.

([49]) الإحياء 1/423.

([50]) الإحياء 1/419.

([51]) السير 5/42، صفة الصفوة 2/285.

([52]) عقود اللؤلؤ والمرجان 270.

([53]) السير 5/302.

([54]) الإحياء 1/420.

([55]) رهبان الليل 37.

([56]) السير 5/406، صفة الصفوة 3/113

([57]) بستان العارفين 4.
(*) يعني في الجنة.

([58]) الزهر الفائح 20.

([59]) الإحياء 4/435.

([60]) شذرات الذهب 1/141.

([61]) الفوائد 65.

([62]) السير 5/61 حلية الأولياء 4/212.

([63]) كتاب الزهد الكبير للبيهقي 195.

([64]) صفة الصفوة 3/127.

([65]) حلية الأولياء 2/361.

([66]) عقود اللؤلؤ 79.

([67]) تاريخ بغداد 13/357.

([68]) حلية الأولياء 3/29.

([69]) الفوائد 60.

([70]) صفة الصفوة 3/77.

([71]) عقود اللؤلؤ 51.

([72]) الإحياء 1/423.

([73]) رهبان الليل 36.

([74]) الزهد للإمام أحمد بن حنبل 323.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-29
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: أولئك الأخيار

ولما رأى المتيقظون سطوة الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابه، وتملك الشيطان وقيادة النفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمارة لجئوا إلى حصن التضرع والالتجاء([1]).
قال إبراهيم بن أدهم : أفضل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان،ومن وفى العمل وفي له الأجر، ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير([2]).
ولما لقيام الليل من الأجر العظيم والثواب الجزيل حث r أن يعم هذا الخير أهل البيت جميعهم فقال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله امرأة قامت من الليل، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت الماء في وجهه»([3])، وقال r: «من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين كثيرًا والذاكرات»([4]).
واهتم السلف الصالح بأمر أسرهم وساروا على نهجه r في الحث على الخير والتذكير به.
فعن القاسم بن راشد الشيباني قال... كان رفعة بن صالح نازلاً عندنا، وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلي ليلاً طويلاً، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته...
يا أيها الركب المعرسونا




أكل هذا الليل ترقدونا؟


ألا تقومون فتصلونا؟






قال.. فيتواثبون؛ من هنا باكٍ، ومن ههنا داعٍ، ومن ههنا قارئ، ومن ههنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى([5]).
امنع جفونك أن تذوق مناما




وذر الدموع على الخدود سجاما


واعلم بأنك ميت ومحاسب




يا من على سخط الجليل أقاما


لله قوم أخلصوا في حبه




فرضي بهم واختصهم خداما


قوم إذا جن الظلام عليهم




باتوا هنالك سجدًا وقيامًا


خمص البطون من التعفف ضمرا




لا يعرفون سوى الحلال طعاما





وحين تزوج رياح القسي امرأة فبنى بها فلما أصبح قامت إلى عجينتها، فقال: لو نظرت إلى امرأة تكفيك هذا، فقالت: إنما تزوجت رياحًا القسي ولم أرني تزوجت جبارًا عنيدًا، فلما كان الليل نام ليختبرها، فقامت ربع الليل ثم نادته، قم يا رياح، فقال: أقوم، فلم يقم، فقامت الربع الآخر ثم نادته فقالت: قم يا رياح، فقال: أقوم. فلم يقم، فقامت الربع الآخر ثم نادته فقالت: قم يا رياح، فقال: أقوم. فقالت: مضى الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح، قال: وقامت الربع الباقي([6]).
وانتبهت امرأة حبيب العجمي بن محمد ليلة وهو نائم، فأنبهته في السحر، وقالت له: قم يا رجل فقد ذهب الليل وجاء النهار وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت، ونحن قد بقينا([7]).
فطالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين: حبس قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره، وحبس لسانه عما لا يفيد، وحبسه على ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته، وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات، فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه([8]).
قالت امرأة حسان بن أبي سنان: كان يجيء فيدخل معي في فراشي، ثم يخادعني كما تخادع المرأة حبيبها، فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم فيصلي، فقلت له: يا أبا عبد الله كم تعذب نفسك؟ ارفق بنفسك فقال: اسكتي ويحك يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانًا([9]).
أخي:
إنما يقطع السفر ويصل المسافر.. بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده([10])؟
عباد ليل إذا جن الظلام بهم




كما عابد دمعه في الخد أجراه


وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم




هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه


يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرًا




يشيدون لنا مجدًا أضعناه





كان للحسن بن صالح جارية فباعها من قوم، فلما كان جوف الليل، قامت الجارية، فقالت: يا أهل الدار الصلاة، فقالوا: أصبحنا؟، أطلع الفجر؟ فقالت: وما تصلون إلا المكتوبة؟، قالوا: نعم، فرجعت إلى الحسن فقالت: يا مولاي بعتني لمن قوم لا يصلون إلا المكتوبة، ردني فردها([11]).
عن إبراهيم بن وكيع قال: كان أبي يصلي، فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى حتى جارية لنا سوداء([12]).
أرأيت يا أخي الكريم... كيف أن الخير عم منازلهم حتى الخدم تأثروا بصلاحهم وعبادتهم؟
والنفس راغبة إذا رغبتها




وإذا ترد إلى قليل تقنع





ولننظر في ليلة من ليالي أبي هريرة –رضي الله عنه- كيف يقضيها؟ فعن أبي عثمان النهدي، قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمة يتعقبون الليل أثلاثًا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا...([13]).
أرأيت أخي... كيف يقضون ليلتهم؟ وكيف يحافظون على أوقاتهم؟ ونحن نهدر أيامنا ونضيع أعمارنا ولا نبالي ولا نحرص على ذلك وأرخص شيء عندنا الوقت.. الدقائق تمر والأنفاس لا تعود وعمرك محاسب عليه... فأعد حساباتك... واغتنم ساعاتك..
فرحم الله امرءًا كان قويًا فاستعمل قوته في طاعة الله، وكان ضعيفًا فعجز عن معاصي الله([14]).
كان زيد بن الحارث يجزئ الليل إلى ثلاثة أجزاء: جزء عليه، وجزء على ابنه، وجزء على ابنه الآخر عبد الرحمن، فكان هو يصلي ثم يقول لأحدهما: قم، فإن تكاسل صلى جزءه، ثم يقول للآخر: قم، فإن تكاسل، صلى جزءه، فيصلي الليل كله([15]).
وكان الحسن بن علي –رضي الله عنه- يأخذ بنصيبه من القيام من أول الليل وكان الحسين يأخذه من آخر الليل.
يا نائم الليل كم ترقد؟




قم يا حبيبي قد دنا الموعد


وخذ من الليل وأوقاته




وردًا إذا ما هجع الرقد


قل لذوي الألباب أهل التقى




قنطرة العرض لكم موعد





ودعا سليمان التيمي أهله ليتنافسوا في ليلهم: هلموا حتى نجزئ الليل، فإن شئتم كفيتكم أوله، وإن شئتم كفيتكم آخره([16]).
وقال وكيع بن الجراح: «كان علي والحسن ابنا صالح بن حي، وأمهما قد جزءوا الليل ثلاثة أجزاء، فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث، فماتت أمهم، فجزءا الليل بينهما، فكانا يقومان به حتى الصباح، ثم مات علي، فقام الحسن به كله([17]).
يا راقد الليل انتبه




إن الخطوب لها سري


ثقة الفتى بزمانه




ثقة محللة العرى([18])





ونحن نعيش معهم في جو العبادة ونرى طول صبرهم ومدى فرحتهم نتذكر قول قتادة بن دعامة: قلما ساهر الليل منافق.
فالمنافق تشق عليه الطاعة وترهقه العبادة.. ولكن أهل الخير والصلاح لا ينامون. وكيف ينام من يترقب حلول المساء ويفرح بانقطاعه في العبادة؟ كما قال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوي بربي، وإذا طلعت، حزنت لدخول الناس عليَّ([19]).
وروي عن ابن أبي ذئب أنه كان يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة ولو قيل له: إن القيامة تقوم غدًا، ما كان فيه مزيد من الاجتهاد ..([20]).
أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء...؟!
يروى أن ضيغم قد تعبد قائمًا حتى أقعد، ومقعدًا حتى استلقى، ومستلقيًا حتى مات وهو ساجد، وكان يقول في دعائه: «اللهم إني أحب لقاءك لقائي»([21]).
والعجب أن الكثير منا وهبهم الله من الصحة والقوة والنشاط ما لا يوجد في غيرهم ولكن تتفاوت الأعمال، فالبعض لا يصلي حتى ثلاث ركعات كل ليلة، وهو لو قام الليالي المتتابعة لما ضعف ولا هزل.. بل إن بعض الشباب يفتخر أنه يمشي رياضة كل يوم ثلاثة أو أربعة كيلو مترات... وتراه يغفل عن صلاة ركعتين كل ليلة...
كان عثمان –رضي الله عنه- يصوم النهار ويقوم الليل إلا هجعة من أوله([22]).
أما الإمام أبو حنيفة فقد كان يحيي نصف الليل، فمر بقوم فقالوا إن هذا يحيي الليل كله، فقال: إني أستحيي أن أوصف بما لا أفعل، فكان بعد ذلك يحيي الليل كله، ويروى أنه ما كان له فراش([23]).
وهذا الصبر على الطاعة إعانة من الله للصالحين فتراهم كما قال الفضيل: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله، فأفتتح القرآن، فأصبح وما قضيت نهمتي...([24]).
يا رجال الليل جدوا




رب داع لا يرد


ما يقوم الليل إلا




من له عزم وجد


ليس شيء كصلاة الـ




ليل للقبر يعد([25])





لننظر بتأمل ما ذكره ابن جريج عندما قال: لزمت عطاء بن أبي رباح، ثماني عشرة سنة وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مائتي آية من البقرة، وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك([26]).
وكان بشر بن المفضل يلقي للفضيل حصيرًا بالليل في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة، حتى تغلبه عينه، فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلاً ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم، وهكذا حتى يصبح([27]).
أخي:
إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلاً ولأيامك وأنفاسك أمدًا ومن كل ما سواه بد ولابد لك منه([28]).
لهاك النوم عن طلب الأماني




وعن تلك الكوانس في الجنان


تعيش مخلدًا لا موت فيها




وتلهو في الخيام مع الحسان


تيقظ من منامك إن خيرًا




من النوم التهجد بالقرآن([29])





قال أبو الجويرية: لقد صحبت أبا حنيفة –رضي الله عنه- ستة أشهر فما رأيته فيها ليلة وضع جنبه على الأرض([30]).
أما إمام أهل السنة أحمد بن حنبل –رحمه الله- فهو كما قال عنه ابنه عبد الله: كان أبي يقرأ كل يوم سُبعًا، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو...([31]).
ونحن نلحظ عبادة الصالحين، وتتوالى علينا صور الأخيار العابدين نرى المزيد من حياتهم ومحافظتهم على هذه الحياة والاستفادة منها الاستفادة الكاملة... لعلمهم أنها دار العمل.. فاليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل..
* اشتهر بقيام الليل كله، وصلاة الفجر بوضوء العشاء الكثير من خيار هذه الأمة الكثير منهم من لم يعرفوا ولم يذكروا وبعضهم ذكروا بذلك فمنهم سعيد بن المسيب، وصفوان بن سليم، ومحمد بن المنكدر المدنيون، وفضيل ووهب المكيان، وطاوس، ووهب اليمانيان، والربيع بن خثيم والحكم الكوفيان، وأبو سليمان الداراني وأبو جابر الفارسيان، وسليمان التيمي ومالك بن دينار ويزيد الرقاشي وغيرهم([32]).
أخي المسلم:
قم الليل يا هذا لعلك ترشد




إلى كم تنام الليل والعمر ينفد


أراك بطول الليل ويحك نائم




وغيرك في محرابه يتهجد


أترقد يا مغرور والنار توقد؟




فلا حرها يطفى ولا الجمر يخمد


ألا إنها نار يقال لها لظى




فتظلم أحيانًا وحينًا توقد


فيا راكب العصيان ويحك خلها




ستحشر عطشانًا ووجهك أسود


ولو علم البطال ما نال زاهد




من الأجر والإحسان ما كان يرقد


فصام وقام الليل والناس نوم




ويخلو برب واحد يتعبد


فلو كانت الدنيا تدوم لأهلها




لكان رسول الله حيًّا يخلد





عن ابن إسحاق قال: قدم علينا عبد الرحمن الأسود حاجًا فاعتلت رجله، فصلى على قدم حتى أصبح([33]).
وقالت امرأة مسروق: ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفخان من طول الصلاة.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط(*) أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وقد كان قرب الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سبعًا يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال سوى صلاة الظهر، وكان ساعة يصلي العشاء الآخر ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو([34]).
وكان سليمان التيمي يسبح الله في كل سجدة سبعين تسبيحة([35]).
ونحن في زماننا هذا نتساءل.. ونشكو إلى الله ضعفنا وخورنا..
فكم بين مشغول بطاعة ربه




وآخر بالذنب الثقيل مقيد


فهذا سعيد بالجنان منعم




وذاك شقي في الجحيم مخلد


كأني بنفسي في القيامة واقف




وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد





ومن محبة الله القيام لمناجاته في ظلم الليالي وهي مناجاة لا يعدلها فرح ولا سرور ذكر ذلك أبو سليمان عندما قال: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا([36]).
وقال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث.. قيام الليل، ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة([37]).
وكيف حالنا اليوم وقد أصبح الناس يتثاقلون في العبادة ويبتعدون عن الطاعة؟
فأخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه بالناس([38]).
لنرى ليالينا التي أضعناها فيما لا فائدة منه كيف كانوا يغتمون بطلوع الفجر؟ وكيف كانوا يفرحون بقيام الليل وصيام النهار؟
فهذا علي بن البكار يؤكد الحزن بقوله: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر([39]).
صلاتك نور والعباد رقود




ونومك ضد للصلاة عنيد([40])





يا ترى كيف كانت محبتهم للطاعات ومداومتهم عليها حتى جعلها الله عندهم من لذات الدنيا...
كان ثابت البناني يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل([41]).
إنه ليل العبادة والطاعة، ليل يناجي فيه رب السموات والأرض... يفرحون به إذا أتى ويحزنون إذا رحل.
يروى عن محمد بن المنكدر –رحمه الله- أنه لما نزل به الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي حرصًا على الدنيا ولا جزعًا من الموت، ولكن أبكي على ما يفوتني ما ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء.
وصيام ليالي الشتاء وقيامها هي التي سماها النبي r، الغنيمة الباردة([42]).
بكى الباكون للرحمن ليلاً




وباتوا وهم لا يسأمونا


بقاع الأرض من شوق إليهم




تحن متى عليها يسجدونا([43])





قال الخلدي: رأيت أحد العباد في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار.
أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء؟!
ومن كان يرغب في النجاة فما له




غير اتباع المصطفى فيما أتى


ذاك السبيل المستقيم وغيره




سبل الظلالة والغواية والردى


فاتبع كتاب الله والسنن التي




صحت فذاك إن اتبعت هو الهدى([44])





من أراد قيام الليل والقرب من الله ومن أراد أن ينال هذه المنزلة الرفيعة فعليه أن يأخذ نفسه بهذه الأسباب التي تعين المسلم على قيام الليل ومنها..
1- لا تكثر الأكل فيكثر الشرب، فيغلب النوم ويثقل عليك القيام.
2- لا تتعب نفسك بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح، وتضعف بها الأعصاب، فإن ذلك أيضًا مجلب للنوم.
3- لا تترك القيلولة بالنهار، فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل.
4- سلامة القلب من الحقد على المسلمين، ومن البدع والخرافات ومن هموم الدنيا، فإن هذه الأمراض تصرف عن طاعة الله.
5- لا ترتكب الأوزار بالنهار، فإن ذلك مما يقسي القلب، ويحول بينك وبين أسباب الرحمة.
6- خوف يلزم القلب مع قصر الأمل، والتفكر في أهوال يوم القيامة ودركات جهنم.
وأخيرًا يا أخي الكريم: تذكر أن النبي r، قام من الليل حتى تفطرت قدماه.
وقام السلف الصالح والأخيار الصالحون من هذه الأمة... أفلا تحب أن تكون بجوارهم في جنات عدن؟... مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
أخي المسلم: وأنت خير من يخلف سلف الأمة الصالح بطول القيام وبصدق المناجاة فأنت صاحب القلب الحي العامر بالإيمان الصادق... لا تنسنا من صالح دعائك.
جعلنا الله وإياك من الذين قال فيهم: }إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [سورة الذاريات، الآيات: 15-18].

هديه r في قيام الليل(*)
لم يكن r يدع قيام الليل حضرًا ولا سفرًا، وكان قيامه r، بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، وكان r يصلي أول الليل أربع ركعات أو ست ركعات ثم يأوي إلى فراشه، وكان إذا استيقظ بدأ بالسواك ثم يذكر الله ويقول عند استيقاظه: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» ثم يتطهر، ثم يصلي ركعتين خفيفتين، وكان r يقوم تارة إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، وربما كان يقوم إذا سمع الصارخ -وهو الديك- وهو إنما يصيح في النصف الثاني، كان يقطع ورده تارة، ويصله تارة وهو الأكثر.
قيامه بالليل ووتره أنواع فمنها:
النوع الأول: أنه r يقطع ورده تارة ويصله تارة كما قال ابن عباس في حديث بيته عنده، أنه r استيقظ فتسوك، وتوضأ، وهو يقول: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ{ [سورة آل عمران، الآية: 190]، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا» رواه مسلم، ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة، فإما أنه كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه ابن عباس.
النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتم ورده إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة.
النوع الثالث: ثلاث عشرة ركعة كذلك.
النوع الرابع: يصلي ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردًا متواليًا، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن.
النوع الخامس: تسع ركعات، يسرد منهن ثمانيًا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة، يجلس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ويتشهد ويسلم ثم يصلي ركعتين جالسًا بعدما يسلم.
النوع السادس: يصلي سبعًا كالتسع المذكورة، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسًا.
النوع السابع: أنه كان يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن.
النوع الثامن: ما رواه النسائي عند حذيفة، أنه صلى عند النبي r، في رمضان فركع فقال في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» مثل ما كان قائمًا، ثم جلس يقول: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» مثل ما كان قائمًا ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى» مثل ما كان قائمًا فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الصلاة.
وأوتر أول الليل، ووسطه، وآخره، وقام ليلة تامة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي: }إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ{[سورة المائدة، الآية: 118].


([1]) الفوائد 62.

([2]) كتاب الزهد للبيهقي 282.

([3]) أخرجه أبو داود وابن ماجه.

([4]) أخرجه أبو داود والنسائي.

([5]) صفة الصفوة 2/229.

([6]) صفة الصفوة 444.

([7]) صفة الصفوة 4/35.

([8]) الفوائد 71.

([9]) حلية الأولياء 3/117، الزهر الفائح 18.

([10]) الفوائد 131.

([11]) الإحياء 1/420.

([12]) السير 9/149، صفة الصفوة 3/171.

([13]) صفة الصفوة 1/692، الزهد للإمام أحمد بن حنبل 259.

([14]) كتاب الزهد الكبير للبيهقي 284.

([15]) السير 5/296.

([16]) حلية الأولياء 3/29.

([17]) صفة الصفوة 3/152.

([18]) حلية الأولياء 2/388.

([19]) الإحياء 1/423.

([20]) السير 7/141.

([21]) الزهر الفائح 18.

([22]) الزهد للإمام أحمد بن حنبل 189.

([23]) الإحياء 1/420.

([24]) الإحياء 1/420.

([25]) عقود اللؤلؤ والمرجان 295.

([26]) السير 5/87.

([27]) صفة الصفوة 2/238.

([28]) الفوائد 129.

([29]) عقود اللؤلؤ والمرجان 225.

([30]) الإحياء 1/420.

([31]) السير 11/214.

([32]) السير 5/12.

([33]) المدهش 431.
(*) التي أصابته في فتنة القول بخلق القرآن.

([34]) مناقب الإمام أحمد 357.

([35]) تذكرة الحفاظ 151.

([36]) الإحياء 1/423.

([37]) الإحياء 1/423.

([38]) الفوائد 108.

([39]) الإحياء 1/423.

([40]) جامع العلوم والحكم 265.

([41]) صفة الصفوة 3/262.

([42]) أخرجه الترمذي وأحمد.

([43]) عقود اللؤلؤ والمرجان 331.

([44]) السير 23/314.
(*) زاد المعاد 1/322 باختصار.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

أولئك الأخيار



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 01:52 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب