منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى الدين الاسلامي الحنيف

منتدى الدين الاسلامي الحنيف [خاص] بديننا الحنيف على مذهب أهل السنة والجماعة...

الدراسة النظرية للخطابة

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماهية النظرية النقدية المعاصرة pdf منتدى جاهز المعرفي جاهز منتدى البحوث والمذكرات 0 2013-11-04 12:40 PM
النظرية الكمية الحديثة لفريدمان Doct-ML منتدى العلوم الاقتصادية والتجارية 6 2011-11-28 05:44 PM
النظرية النقدية المعاصرة Doct-ML منتدى العلوم الاقتصادية والتجارية 3 2011-11-22 09:03 PM
النظرية الغشطالتية و النظرية الظواهرية في الادراك مع النقد و اسئلة amine128 قسم تحضير شهادة البكالوريا 2018 Bac Algerie 0 2009-11-28 11:27 PM

عدد المعجبين  1إعجاب
  • 1 اضيفت بواسطة Emir Abdelkader

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-06-02
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي الدراسة النظرية للخطابة

تعريف الخطابة
الخطابة في اللغة:
جاء في اللسان: الخِطاب والمخاطبة مراجعة الكلام..
و«الخُطبة» اسم للكلام الذي يُتكلَّم به..
وذهب أبو إسحاق إلى أنَّ «الخطبة» عند العرب: الكلام المنثور المسجوع([1]).
وليس من شروط الخطابة السجع كما يُفهم مما تقدَّم، وإن كان مما يُستَلمح في بعض المواطن، وللخطابة أغراضٌ وأنماطٌ كثيرةٌ تتنوَّع أساليبها تبعًا لذلك.
الخطابة في الاصطلاح:
للخطابة تعريفات مختلفة، يصوِّر كلَّ تعريفٍ جوانب منها، نختار منها الأظهر دلالةً على المراد فنقول:
الخطابة: «فن مشافهة الجمهور للتأثير عليهم واستمالتهم».
وبتأمُّل مفردات هذا التعريف يتبيَّن أنه:
.. أُطلِق على الخطابة اصطلاح «الفن» إشارة إلى أنها علمٌ له قواعد وأصول وأساليب وضوابط، لا بدَّ من تعلُّمها ثم التمرُّس عليها والتعوُّد، يؤازر ذلك المقدرة النفسية والموهبة الإِلهية.
وعلى هذا فالخطابة ترتكز على أمرَين أساسيَّين: العلم، والموهبة.
.. وعبّر عنها بـ«المشافهة» دلالةً على أنها تتوجَّه إلى المستمعين من غير واسطة؛ إذ الأصل فيها الارتجال مع سبق الإعداد، على ما درج عليه العرب منذ الجاهلية؛ إذ كانوا – وهم أميون – يخطبون عفو الخاطر وعلى السليقة والفطرة، فالمستمعون يسمعون الخطيب ويرَونه في آنه ولحظته، ولذلك من التفاعل بين المتكلم والمستمع وله من التأثير ما يجعل الخطابة أهم وسائل الدعوة والتبليغ.
.. واختير لفظ «الجمهور» إشارة إلى اختلافهم في الثقافة وتباينهم في المشارب والمسالك، فيهم الصغير والكبير والعالم والجاهل والصديق والعدو والموافق والمخالف، فالخطيب البارع هو الذي يتمكَّن من مخاطبة كلِّ هؤلاء بما يناسبهم من أفانين البيان وطرائق الخطاب.
.. قلنا إنَّ الخطابة تتوخَّى «الاستمالة»؛ إشارةً إلى أن الإقناع من أجلى خصائص الخطابة، وهذا يستلزم أن يكون الخطيب على علمٍ بأساليب الاستمالة وكيفية توجيه عواطف الناس وعقولهم ومشاعرهم إلى المراد.
ويمكن تلخيص أبرز خصائص الخطابة في الآتي:
1- تتوجَّه إلى الجمهور على اختلاف مداركهم وثقافاتهم وميولهم الفكرية والنفسية.
2- تتوخَّى الإِقناع والاستمالة بالحجة العقلية طورًا وبالتأثير العاطفي طورًا آخر، وبهما معًا على ما سيجيء بسطه إن شاء الله، قال ابن رشد: «لا توجد قوَّة الإقناع إلاَّ في الخطابة والجدل»، وقال في موضع آخر: «وليس عمل هذه الصناعة – يعني الخطابة – أن تقنع ولابد، وقد يقنع من ليس بخطيب، وإن كان الأصل في الخطيب الإِقناع كالبرء في الطبيب»([2]).
3- قد يكون موضوع الخطبة معلومًا للسامعين من قبل وقد لا يكون.
4- يعتمد نجاح الخطبة على مكانة الخطيب وجاهه، علمًا أو فضلاً أو إصلاحًا أو ألفًا أو تفاعله أثناء الخطبة، ويظهر صدقه في لهجته ونبرات صوته.

مكانة الخطابة في الدعوة إلى الله
لا جرم أن الخطابة عماد الدعوة من جهة المناهج وطرائق البيان؛ إذ هي الوسيلة المثلى في تبليغ دين الله وشرعه إلى الناس مباشرة مشافهة، ولقد اعتمد عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد أولى الدين الحنيف الخطابة عنايةً خاصة، يتَّضح ذلك من خلال سيرة إمام الدعاة وقدوة الواعظين r.
ومما يُستدلّ به على أنَّ للخطابة مكانة عالية وأنها من أجلِّ النعم أنَّ الله تبارك وتعالى قد امتنَّ على الناس إذ أوجد لديهم القدرة على التعبير عما تستجيشه نفوسهم، قال تعالى: }أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ{([3]) وقال جلَّ ذكره: }الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ{([4]) وفي حديث النبي r: «إنَّ من البيان لسحرا»([5]).
قال الإِمام النووي:
في الحديث تأويلان: أحدهما أنه ذمٌّ لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الإِثم به كما يكسب بالسحر، وأدخله مالك في الموطأ في باب ما يُكره من الكلام، وهو مذهبه في تأويل الحديث.
والثاني: أنه مدح لأنَّ الله امتنَّ على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، وأصل السحر الصرف في البيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعو إليه، هذا كلام القاضي والتأويل الثاني هو الصحيح المختار([6]).
.. واعتمد على الخطابة الرسل في تبليغ الشرع، فهذا داود u يقول الله تعالى عنه: }وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ{([7]) على تفسير من يقول أن معنى الخطاب: البيان والكلام، قال الماوردي: البيان الكافي في كل غرض مقصود ([8]).
وحكى عن موسى u قوله: }وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ{([9]).
وقال في خاتم النبيين r: }وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{([10]) والخطابة من أجلى صور البيان، وقال جلَّ ذكره في آية جامعة: }وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{([11]).
.. وتبوَّأت الخطابة مكانة عالية في التشريع الإِسلامي حتى غدت مَعلمًا بارزًا من معالم المجتمع الإِسلامي؛ إذ شرعت خطبة الجمعة والعيدين والنوازل، حتى أنَّ المنبر المعدَّ للخطابة من معالم المسجد النبوي الشريف؛ إذ خطب عليه رسول الله r.وفي صحيح البخاري باب الخطبة على المنبر، وساق تحته حديث جابر t قال: «كان جذع يقوم إليه النبي r، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار – جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر – حتى نزل النبي r فوضع يده عليه»([12]).
وقد جعل الله عزَّ وجل للخطابة في يوم الجمعة ضمانة أن يستمع إليها وتعي، فمن ذلك أن جعل الساعة المرجوَّة يوم الجمعة في الوقت الذي تلقى فيه الخطبة وذلك مدعاة إلى الخشوع والإِنصات وحضور القلب، فعن أبي موسى الأشعري t قال: قال لي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله r في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله r يقول: «هي ما بين أن يجلس الإِمام إلى أن تقضي الصلاة»([13]) وتحديد الساعة بهذا التوقيت هو ما جزم به كثير من الأئمة الأعلام رحمهم الله كالنووي وغيره ([14]).
.. ومن الخطباء الذين كانت خُطَبهم فاصلة في قضايا الأمة ومهماتها أبو بكر الصديق t، ومن ذلك خطبته الشهيرة إثر وفاة النبي r حين ذهل المسلمون وادلهمّت الأمور، قال في مطلع خطبته بعد حمد الله والثناء عليه:
«ألا من كان يعبد محمدًا r؛ فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت...»([15]).
.. واشتهر ممَّن كان يخطب بين يدي رسول الله r دفاعًا عن الدعوة وذودًا عن حماها ثابت بن قيس ابن شماس الخزرجي الأنصاري t قال ابن حجر رحمه الله: وهو الذي خطب مقدم النبي r المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا فما لنا؟ قال: الجنة قالوا: رضينا.
بشَّره رسول الله r بالجنة في حديث أصله عند مسلم وفي البخاري مختصرًا، استشهد يوم اليمامة([16]).

أنواع الخطب
قسمها قدماء الفلاسفة كأرسطو وغيره إلى ثلاثة أنواع: قضائية، واستشارية، واستدلالية([17]).
وهذا التقسيم المنطقي يبدو غير جامع لصور الخطابة في هذا العصر؛ إذ تعدَّدت أغراضها وتنوَّعت أنماطها.
وقد عدَّ بعض الباحثين ستة أنواع للخطابة([18]) وهي:
1- الخطبة الوعظية: ومحورها العام الموعظة الحسنة والتذكير بالله عز وجل وبيوم الحساب وما فيه من جزاء ثوابًا وعقابًا، وبيان أحكام الشرع وحكمه، وعلى الجملة فهذا النوع من الخطب من أجلّ الخطب وأنفعها، إذ غرضه التعليم والتذكير.
2- الخطبة الاجتماعية: وموضوعها النكاح أو خطبة النساء، ومن أمثالها خطبة بلال t إذ ذهب وأخ له يخطب في بعض أحياء العرب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «نحن من قد عرفتم من صحابة رسول الله r كنا ضالين فهدانا الله، وكنا جاهلين فعلمنا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تمنعونا فالله أكبر»، فقالوا: بل نزوجكما والحمد لله.
وهذا النوع من الخطابة أشق علىُّ النفس من الأنماط الخطابية الأخرة، وربما أُلقيت هذه الخطبة قعودًا دون غيرها.
3- الخطبة الحفلية: وهي التي تُلقَى في المحافل العامة وأغراضها: التكريم، أو التهنئة، أو التأبين، أو علاج معضلة، ومن أمثلتها المشهودة ما تنظمه الجامعات عادة من حفلات تكريم الطلاب وغيرهم في المناسبات المعينة.
4- الخطبة القضائية: وتلقى غالبًا في المحاكم والدوائر القانونية والقضائية، ويتولاها الخصوم أو من ينوب عنهم من المحامين والنواب... ومجالاتها معلومة في نظام القضاء والمرافعات.
5- الخطبة الحربية: وتلقى في ميادين الوغى، يتولاها قادة الجيوش، يُرغِّبون جنودهم في القتال والاستبسال، ويبيِّنون لهم كرامة الشهداء ونُزُلهم، وما أعدَّ الله لهم في دار الخلد من قرَّة عين، أو يستشيرونهم استقراء لرغباتهم وتوجهاتهم، فيُديرون إثر ذلك دفة الحرب، ومن الأمثلة على ذلك قول النبي r يوم الحديبية لما أتاه عينه فقال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: «اشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزَّ وجلَّ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين»..
قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجَّه له، فمن صدَّنا عنه قاتلناه، قال: «امضوا على اسم الله»([19]).
6- الخطبة السياسية: ويلقيها في الأغلب الزعماء والساسة والمنتخبون، في المجالس النيابية والشورية.. وأغراضها شتى.
هذا ملخص أقسام الخطب وأنواعها، ولا يذهبن بك الظن إلى أنَّ تقسيم الخطب إلى دينية أو وعظية وأخرى اجتماعية وثالثة سياسية... الخ يعني التغاير والتضاد، ذلك أنَّ المفهوم الذي درج عليه أهل العلم هو أن تكون الخطابة الدينية مستحوذة على جميع الأنواع الأخرى ومهيمنة عليها، لأنَّ الدين الإسلامي ليس بمعزل عن ضروب الحياة وأنماطها المتعددة، بل يضم في أرجائه كلَّ قضايا الحياة، ما من شأن إلاَّ وللشرع فيه بيان وحُكم، قال تعالى: }مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ{([20]).
وعليه فهذا التقسيم الذي أوردناه قصد به بيان تنوُّع الخطابة في أغراضها ومضامينها ومقاصدها، وكلُّها تنضوي تحت لواء الدين.
وأما ما يلمسه الدارسون من تقسيم الخطابة إلى دينية وغير دينية في كتابات العلمانيين التي تحدُّ من وجود الدين وأثره في الحياة فهو نابع من نظام الكنيسة النصرانية، ولا يمكن البتَّة تطبيقه في نظام الإسلام لكماله وشموله وإحاطته.

أجزاء الخطبة
تنهض الخطابة على عمد ثلاثة، وهي:
1- المقدمة 2- العرض 3- الخاتمة.
ولكل من هذه الأصول أو الأجزاء الرئيسية ضوابط ومعايير، إن روعيت أتت الخطبة على أتمِّ وجه وأكمل صورة، ودونك تفصيل ذلك:
1- المقدمة:
وهي مفتتح الخطبة وصدرها وعنوانها، من خلالها يمكن استشفاف موضوع الخطبة ومكانة الخطيب في الأغلب، وضوابط المقدمة كثيرة، أهمها:
1- أن تستهل بحمد الله جل وعلا والثناء عليه، ثم الصلاة والتسليم على رسول الله r وهذا الافتتاح الإيماني هو الذي كان عليه هدي النبي r قدوة الخطباء والمصلحين ورسول رب العالمين، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وكان r لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله... وكان يخطب قائمًا... وكان يختم خطبته بالاستغفار»([21]).
2- أن تكون مُتصلة بموضوع الخطبة، تمهِّد له وتنسجم مع معطياته، وهو أمر مُستحسن لأنَّ مَن استوحى موضوع الخطبة من مقدمتها وقع ذلك في نفسه الموقع الحسن، فلو كانت الخطبة عن الصلاة مثلاً تكن المقدمة مثل هذا:
الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين، ورفع بها درجات المتقين، والصلاة والسلام على من جُعلت الصلاة قرَّة عينه وراحة قلبه...
وإذا كانت الخطبة تدور حول موضوع اجتماعي كانت المقدمة مثل هذا:
الحمد لله الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساء، والصلاة والسلام على من كان النكاح سنته...
ونحو ذلك،
وهذه نماذج يقاس عليها، على أنَّ الاقتباس من القرآن العظيم ومن سُنة المصطفى r هو مقصود النبهاء من الخطباء، والله المسدد والموفق.
3- الوضوح، فمن شروط المقدمة أن تكون بينة لا لبس فيها ولا غموض، وعلى الخطيب أن يتخيَّر لها من الألفاظ أعذبها مما هو سائغ سهل لا نشوز فيه ولا عُسر، مما يفهمه القاصي والداني؛ لأنَّ استعذاب السامع لألفاظ المقدمة يجعله مشدودًا إلى متابعة ما يليها من كلام، أمَّا إذا قرع سمعه لفظٌ شاذٌّ عسير الفهم والهضم نفر منه وانشغل بغيره، أو استمع إليه سماع مسايرٍ لا سماع تأثُّرٍ واتعاظ، والله المستعان.
4- أن يراعي براعة الاستهلال وطرافة الاستفتاح، وتحقيق ذلك سبيله الإِلمام بضروب البلاغة كالسجع والجناس والطباق وغيرها من أبحاث البلاغة؛ ولأنَّ النفوس تستشرف الطريف الجديد وتهواه، وتمجُّ المكرور المملول.
5- أن تتناسب مع حجم الخطبة طولاً وقصرًا، فإذا كانت الخطبة طويلة أُطيلت مقدمتها، وإن كانت قصيرة قصرت، وإذا أخلَّ بهذا المعيار فجعل نصف الوقت للمقدمة ونصفه للموضوع استُهجِن، وربما وقع في النفوس موقعًا غير حميد، وإذا انتهى من المقدمة شرع فيما بعدها بقوله «أما بعد»، وقد ذهب بعض أماثل المفسرين إلى أن قول الله عز وجل في داود u}وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ{([22]) هو قوله «أما بعد»([23]) وهو هديه r في خُطَبه كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى.
2- العرض:
وهو صلب الخطبة ومتنها، ومما وضعوا له من ضوابط:
1- الوحدة الموضوعية: بأن يُراعى كون الحديث في موضوع واحد لا يخرج عنه إلى غيره إلا لحاجة، لأنَّ ذلك أَدعَى إلى الاستيعاب، فإذا خطب عن الجهاد في سبيل الله فرع على هذا الموضوع الجليل كأن يُعرِّفه ويذكر أنواعه ودرجاته وما ورد في فضل المجاهدين ودرجاتهم العلا، وأثر الجهاد في حياة الأمَّة وحياة القلوب وحياة البلاد، وحاجة الناس إليه... وهكذا.
أمَّا إذا خرج عن موضوع خطبته إلى موضوعات أخرى، يلج في هذا ويخرج من هذا دون مبرر شتت الأذهان ولم يخرج المستمعون منه بكبير فائدة...
2- الجدّة: بأن يأتي بالجديد الطريف غير المكرور في أسلوب العرض ومنهج المعالجة، وتقديم الفكرة، والحياة تزخر بالكثير من القضايا الهامة التي يعيشها الناس فليختر منها ما يشبع حاجاتهم وما يجيب عن تساؤلاتهم وما يشفي غليلهم، أما إذا كرَّر موضوعًا واحدًا في خطبٍ كثيرةٍ بأسلوبٍ واحدٍ وبغير حاجة؛ بعث على السآمة والملل وهو من أخطر عيوب الخطيب.
3- الوضوح: سواء في اختيار الموضوع أو في الأسلوب الخطابي، فعليه أن يختار موضوعًا واضحًا تجتمع عليه إرادات الناس صغيرهم وكبيرهم، وعليه بعدئذ أن يسلك في طريقة العرض أوضح سبيل، فيحدث الناس بما يفهمون ويدركون ويلائم عقولهم، لا بما يفهم هو! واللغة العربية تفيض بالكلمات المعبرة المستساغة الشيقة، فليختر منها الأقرب والأبين، وليمازج في الأسلوب بين الخبر والإِنشاء بشتى ضروبهما، ويراعي السكتات والوقفات؛ فهي ممَّا يُبرز غرض الخطيب ويُقرِّب المعنى ويصوِّره، ولا يجد المستمع كبير عناء في الفهم والاستيعاب.
ولكلِّ قومٍ لغةٌ وآداب، واللغة وعاء المعنى وثوبه، فمتى كان قشيبًا جديدًا طريفًا حاز القبول، والله المستعان.
4- المعاصرة: ونعني بها هنا اختيار الموضوع الحيِّ النابع من حاجات الناس مما يُواكب رغباتهم ويجيب عن تساؤلاتهم ويحلُّ مشكلاتهم ويشبع تطلعاتهم، وكلما كان الموضوع كذلك كان أقرب إلى النفوس وأوقع في القلوب، وليبتعد عن الموضوعات التي عفى عليها الزمن مما لا وجود له اليوم وليس الناس بحاجة إلى التذكير به.
5- البعد عن إثارة الخلافات بين الناس: وقد يقع في هذا الخطيب من حيث لا يدري إمَّا لسوء فهمه أو لقلَّة معرفته بالمجتمع وعوائده، أو لركاكة أسلوبه أو لعجزه عن التعبير الصادق البليغ.
والخطيب في الأصل موجِّه ومُرشِد، ومن كان بهذه المثابة من رفعة المقام كان حريًّا به أن يجمع ولا يفرِّق، ويؤلِّف بين القلوب ولا ينفِّر، ويوحد الصفوف ولا يُشتِّت، ومتى مسَّ الخطيب مشاعر المستمعين نفَّرهم فهدم وهو يبغي البناء!
وتأمَّل بعين الاعتبار والاتعاظ قول النبي r لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، وقد بعثهما داعِيَين إلى اليمن، قال: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا»([24]).
وإذا خطب تعقيبًا على خطيب سبقه فليراعِ أدب المجاملة، فليُشِدْ بمحاسن ما سمع، وليَبنِ بعدئذ على أساس الأدب الجم والخلق الفاضل ما يبغي بيانه من استدارك أو إنكار أو تصويب أو رد للحجة أو موافقًا موافقة جزئية أو كلية... إلخ، دون أن يخرج عن خُلق الداعية وسمت الخطيب اللبيب، مهتديًا بقول الله جلَّ ذكره: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ{([25]).
6- الإلمام بأساليب الإقناع وعوامل التأثير، ومبنى ذلك قوة الحجة وسلامة الاحتجاج وصحة المسلك التعبيري، والاطلاع على أعراف الناس وعوائدهم، وليس أرجى ولا أزكى في قوة الإِقناع والتأثير من قول الله جلَّ ذكره وقول رسوله r، إذ ذاك غاية المرام... والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
ترتيب العناصر وترابطها، فيبدأ بالأهم فالمهم، ويراعي التسلسل المنطقي بينها، على أن يفضي بعضها إلى بعض، ويأخذ بعضها بحجز بعض في تناسق وإحكام، وهذا يكون في دور الإِعداد والتحصير.
3- الخاتمة:
وهي ما تذيّل بها الخطبة، ومن أهم ضوابطها:
1- أن يُختم بالاستغفار، وهو هدي النبي r.
2- أن يبرز من خلال الخاتمة أهم جوانب الموضوع في تلخيص موجز بارع، دون تكرار في اللفظ ما أمكن.
3- يراعي كون الخاتمة قصيرة دائمًا، سواء طالت الخطبة أم قصرت.
4- أن تكون الخاتمة قوية في سبكها ومعانيها، تهز المشاعر وتبعث على الاتعاظ، ولأنَّ المستمع ربما ينسى ما سمعه من طول الخطبة وقد لا يتذكر إلا ما سمعه في الخاتمة لحداثة عهده بها.
5- يرى بعض الباحثين([26]) أن تكون الخاتمة منفصلة عن موضوع الخطبة، لكنها موجِّهة نحو الكلام السابق، مثل قوله: «هذا كلامي فاسمعوا، والحكم إليكم فاحكموا».

([1])لسان العرب – ابن منظور 1/360-361 مادة: خطب.

([2])تلخيص الخطابة – ابن رشد ص24.

([3])سورة البلد: 8، 9.

([4])سورة الرحمن: 1- 4.

([5])متفق عليه، وهو جزء من حديث، البخاري 5/1976/ 4851 النكاح، ومسلم 2/594/869 الجمعة، وأبو داود 5/275 الأدب، والترمذي جـ2029 البر.

([6])النووي على مسلم 6/159.

([7])سورة ص: 20.

([8])انظر زاد المسير 7/111.

([9])سورة القصص: 34.

([10])سورة النحل: 44.

([11])سورة إبراهيم: 4.

([12])انظر قصة صنع المنبر عند الشيخين: البخاري 1/310/875 و 876 الجمعة ومسلم 1/386/544 المساجد.

([13])أخرجه مسلم 2/584/853 المساجد.

([14])شرح النووي على مسلم 6/141.

([15])البخاري 3/1341/3467 فضائل الصحابة.

([16])أسد الغابة 1/275 وصفوة الصفة وزاد المعاد 1/128 والنووي على مسلم 2/294/119 وفيه أنه من أهل الجنة.

([17])فن الخطابة – أحمد الحوفي ص62.

([18])المرجع السابق بتصرف.

([19])صحيح البخاري (4/1531/3944 المغازي).

([20])سورة الأنعام: 38.

([21])زاد المعاد: 1/186.

([22])سورة ص: 20.

([23])زاد المسير 7/122.

([24])صحيح البخاري 4/1579/4088 المغازي.

([25])سورة الأحزاب: 70، 71.

([26])فن الخطابة – الحوفي.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-06-02
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الدراسة النظرية للخطابة

هديه r في خُطَبِه
لقد كان r أفصح الناس وأبينهم حجَّةً وأبلغهم عبارةً وأملكهم لزمام الكلمة، ولقد أُوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، وأمره ربُّه عزَّ وجل أن يُبيِّن للناس ما نزل إليهم، فلا غرو أن يكون إمام الفُصحاء وقدوة البلغاء، وعلى هذه فهديه r أكمل هديٍ في خُطَبِه وبيانه وفي شئونه كلِّها، ذلك أنه عليه الصلاة والسلام من قِبل الله مسدَّد، وبوحي الله مؤيَّد، }وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى{([1]).
وليس في مكنتنا استقصاء خُطَبه r ومن ثم استقاء مناهج الأسلوب الخطابي وسائر أبحاث الخطابة منها؛ إذ ذاك مطلبٌ تقصر دونه الآجال، وحسبنا في هذه العُجالة تلخيص أبرز ما يمكن إيراده من معالم هديه r في خُطَبه، فأقول وبالله تعالى التوفيق ومنه جلَّ وعلا التسديد.
من حيث الموضوع:
لقد كانت رسالة النبي r للناس كافة، وكانت مع ذلك شاملةً لكلِّ جوانب الحياة، وهذا ما يتَّسق مع كونها خاتمة الرسالات السماوية، فالعمومية في الخطاب والشمولية في المنهج والمضمون جعلت الخطابة النبوية شاملة في موضوعاتها، محيطة في أساليب بيانها لكلِّ طرائق الخطاب والبلاغ.
على أنَّ المحور العام للخطابة النبوية هو التبصير بأمور الدين عقيدةً وشريعة .. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
«... وكان مدار خُطَبه r على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذِكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خُطَبه r»([2]).
وهذا الموضوع الجليل الذي دارت حوله خطب النبي r هو ما يستشفُّه الناظر من خلال مُفتَتح خُطَبه عليه الصلاة والسلام، وهو ما يُعرف عند علماء الحديث بـ«خُطبة الحاجة» المشهورة، قال عبد الله بن مسعود t:
"كان r إذا تشهَّد قال: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرُّ إلا نفسه ولا يضرُّ الله شيئًا»([3]) ويذكر ثلاث آيات".
ويمكن إيراد نماذج في هذه العُجالة لمقاصد الخطابة النبوية، المتنوِّعة بتنوُّع الأحداث والنوازل، فمن ذلك:
* بيان حُكم شرعي:
ومن أمثلة ما أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه بسنده عن أبي هريرة t قال: "لما فتح الله على رسوله r مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنَّ الله حبس عن مكة الفيل وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحلُّ لأحدٍ كان قبلي، وإنها أُحِلَّت لي ساعة من نهار، وأنها لا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، فلا ينفَّر صيدها ولا يختلي شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى وإما أن يقيد».
فقال العباس: إلا الأذخر، فإنَّا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله r: «إلا الأذخر»"([4]).
* إيضاح الحكمة والغاية من التشريع:
ومن ذلك ما رواه عمرو بن تغلب أنَّ رسول الله r أتى بمالٍ أو سبيٍ فقسَّمه فأعطى رجالاً وترك رجالاً، فبلغه أنَّ الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال: «فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي، ولكن أعطي أقوامًا لِما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب» فوالله ما أحبُّ أنَّ لي بكلمة رسول الله r حُمر النعم ([5]).
* ومن ذلك تصحيح مفهوم خاطئ:
ومثاله ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: "خُسفت الشمس على عهد رسول الله r، فصلَّى رسول الله r بالناس .. قالت: ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلوا وتصدقوا» ثم قال: «يا أمَّة محمد، والله ما من أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمَّة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا»"([6]).
* ومن ذلك استشكاف حال الناس ومعرفة وجهتهم:
وهو نوعٌ رفيع من مقاصد الخطابة لا يتقنه إلا الساسة المتمرِّسون، ومثاله ما رواه المسور بن مخرمة t أنَّ رسول الله r قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله r«أحبُّ الحديث إليَّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتَين: إمَّا السبي وإما المال، وقد كنت استأنيتُ بهم»..
وقد كان رسول الله r انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلمَّا تبيَّن لهم أنَّ رسول الله غير رادٍ إليهم إلاَّ إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله r في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: «أمَّا بعد، فإنَّ إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيتُ أن أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحبَّ منكم أن يكون على حظِّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل» فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله r لهم([7]).
* ومن ذلك إزالة شبهة عالقة بإذهان الناس:
ومن أمثلته ما أخرجه البخاري بسنده عن أنس t قال: ما كان يوم حُنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي r عشرة آلاف ومن الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر، نحن معك، ثم التفت عن يساره وقال: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: «أنا عبد الله ورسوله» فانهزم المشركون فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسَّم في المهاجرين والطلقاء ولم يُعطِ الأنصار شيئًا! فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن نُدعَى ويُعطِي الغنيمة غيرنا؟! فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة فقال: «يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم» فسكتوا، فقال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضَون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله r تحوزونه إلى بيوتكم؟!!» قالوا: بلى، فقال النبي r: «لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لأخذت شعب الأنصار»([8]).
* ومن خطب النبي r تلك الخطب الجامعة:
والمليئة بالأحكام والحكم، وهي الأغلب الأكثر من خُطَبه r، ونذكر منها هنا مثالين:
المثال الأول: أول خطبة ألقاها الرسول عليه الصلاة والسلام بالمدينة النبوية شرفها الله .. روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة رسول الله r أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف «الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلَّة من العلم وضلالة من الناس وانقطاعٍ من الزمان ودنوٍّ من الساعة وقُربٍ من الأجل .. من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرَّط وضلَّ ضلالاً بعيدًا، وأوصيكم بتقوى الله، فاحذروا ما حذَّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرًا، وإنَّ تقوى الله لمن عمل به على وجلٍ ومخافةٍ من ربه، عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلاَّ وجه الله يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول عز وجل: }مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ{، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفِّر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا، ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن تقوى الله يوقي مقته ويوقي عقوبته ويوقي سخطه، وإن تقوى الله يُبيِّض الوجوه ويرضي الرب ويرفع الدرجة، خذوا بحظِّكم ولا تُفرِّطوا في جنب الله، وقد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حقَّ جهاده، هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينةٍ ويحيا من حي عن بينةٍ، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذِكر الله، واعملوا لِما بعد اليوم، فإنه من يصل ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك أنَّ الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم»([9]).
المثال الثاني: تلك الخطبة العظيمة خطبة «حِجَّة الوداع»:
من رواية أبي بكرة t قال: خطبنا النبيُّ r يوم النحر فقال:
«أتدرون أيّ يومٍ هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننَّا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا بلى، قال «أيُّ شهرٍ هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننَّا أنه سيسميه بغير اسمه: فقال «أليس ذو الحجة؟» قلنا بلى، قال: «أيُّ بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننّا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس بالبلد الحرام؟» قلنا: بلى، قال: «فإنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربَّكم، ألا هل بلغت»، قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلّغ الشاهد الغائب، فربَّ مُبلِّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض»([10]).
وفي رواية أخرى عند ابن إسحاق قال:
ثم مضى رسول الله r على حجه فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سُنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بيَّن فيها ما بيَّن، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس اسمعوا قولي؛ فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا. أيها الناس، إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنَّكم ستلقون ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها، وإنَّ كلَّ ربًا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون، قضى الله أنَّه لا ربا، وأنَّ ربا عباس بن عبد المطلب موضوعٌ كلّه، وإنَّ كلَّ دمٍ كان في الجاهلية موضوع، وإنَّ أولَّ دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعًا في بني ليث فقتله هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية .. أما بعد، أيها الناس، فإنَّ الشيطان قد يئس من أن يُعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يُطع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تُحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم .. أيها الناس، إنَّ النسيء زيادة في الكفر، يضلُّ به الذين كفروا، يحلُّونه عامًا ويُحرِّمونه عامًا ليواطئوا عدَّة ما حرَّم الله فيحلُّوا ما حرَّم الله ويُحرِّموا ما أحلَّ الله، وإنَّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنَّ عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جُمادى وشعبان .. أما بعد، أيها الناس، فإنَّ لكم على نسائكم حقًّا ولهنَّ عليكم حقًّا، لكم عليهنَّ ألاَّ يُوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهنَّ ألاَّ يأتين بفاحشة مبيَّنة، فإن فعلن فإنَّ الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهنَّ رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهنَّ عوان عندكم لا يملكن لأنفسهم شيئًا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولي؛ فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبدًا أمرًا بيِّنًا، كتاب الله وسنة نبيه .. أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم، وأنَّ المسلمين أخوة، فلا يحلُّ لامرئٍ من أخيه إلاَّ ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تظلمنَّ أنفسكم .. اللهم قد بلَّغت»..
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن الناس قالوا: نعم، فقال رسول الله r: «اللهم فاشهد»([11]).
* ومن ذلك ما تجلَّت فيه الموعظة أكثر من الأحكام، ومثاله ما رواه ابن إسحاق قال:
كانت أول خطبة خَطَبها رسول الله r فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
«أمَّا بعد، أيها الناس فقدِّموا لأنفسكم، تعلمنَّ والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك وآتيتك مالاً وأفضلت عليك؟ فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينًا فلا يرى شيئًا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعل، ومن لم يجد فبكلمةٍ طيبة، فإنَّ بها تُجزَى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»([12]).
ومن ذلك الإِخبار عن الغيب الذي لا يُطلِع الله عزَّ وجلَّ عليه أحدًا سوى من يرتضيه من رسول الله، والإيمان بالغيب، ومنه الإيمان باليوم ألآخر وما يجري فيه من أهوالٍ وحسابٍ هو جزء عظيم من خطب ومواعظ النبي r .. ومن الأمثلة على ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام النبي r يخطب فقال: «إنكم تحشرون حُفاة عراةً غرلاً }كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ{، وأنّ أول الخلائق يُكسَى يوم القيامة إبراهيم، وإنه سيُجاء برجالٍ من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح }وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ{» إلى قوله العزيز الحكيم.
قال: «فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم»([13]).
ومن يتأمَّل هذه الخطب الجليلة التي تخرج من مشكاة النبوَّة، وهي وحيٌ من الله عزَّ وجل؛ يجد فيها نبراسًا للدعاة والمصلحين، ومنهاجًا نبويًّا كريمًا يتضمَّن أسباب الحياة الطيبة في الدنيا، وأسباب السعادة الأبدية السرمدية يوم يقوم الأشهاد.
وحقٌّ لهذه الخطب وقد تبوَّأت مقام القدوة والأسوة أن يُستقَى منها موضوعات الخطابة وأساليبها ومقاصدها، نسأل الله العون والتسديد.
على أنه من المعالم البارزة للخطب النبوية فضلاً عن كونها من وحي الله تبارك وتعالى لرسوله rتضمُّنها لكثيرٍ من نصوص القرآن الكريم، ولكثيرٍ من المعاني والمقاصد الإيمانية التي نزل بها كتاب الله، ويمكن القول أنَّ الخطابة النبوية تدور في محورها العام حول القرآن العظيم بيانًا لمعانيه، ودعوة إلى الإيمان به، وتصحيحًا للمفاهيم الخاطئة حوله، وملاحاة عنه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «كثيرًا ما كان النبي r يخطب من القرآن. (الزاد)، وفي حديث جابر بن سمرة t قال: كانت صلاة رسول الله r قصدًا وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس»([14]).
ولكثرة ترداد الآيات القرآنية في الخطب النبوية، ولاسيما بعض السور، حفظ كثيرٌ من الصحابة آيات القرآن العظيم من سماعهم لتلك الخطب الشريفة كما في حديث عمرة بنت عبد الرحمن عن أختٍ لها قالت: «أخذت }ق والقرآن المجيد{، من في رسول الله r يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كلِّ جمعة»([15]).
ويقول الحارث بن النعمان: «ما حفظت "ق" إلاَّ من في رسول الله r كان يخطب بها كل جمعة»([16]).
من حيث الأسلوب الخطابي:
لا جرم أنَّ أسلوب النبي r يعلو كلَّ خصائص الأساليب الخطابية ويفوقها..
وسواء من حيث التركيب اللغوي وجزالته المتوخِّي للبلاغة والفصاحة وجودة السبك، أو من حيث طريقة الأداء والإِلقاء ومراعاة الوقفات، والسكتات، ومقاطع الجمل .. إلى غير ذلك مما يدخل في فنون الخطابة.
أو من حيث الإيجاز والإِطناب ودواعيهما المختلفة المتجددة..
أو من حيث عُمق التأثير والإِقناع..
ولقد جاء وحي الله تبارك أسماؤه برفع الخطابة النبوية على أعلى درجات الفصاحة والبيان، ففي الصحيحين عن أبي هريرة t مرفوعًا: «بُعِثت بجوامع الكلم»([17])، و«جوامع الكلم» كما يقول النووي هي الكلمات الجوامع، و«الكلمة الجامعة» هي الموجزة لفظًا المتسعة معنى، وهذا يشمل القرآن والسنة؛ لأنَّ كلاً منها يقع فيها المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة..
وكلُّ من اقتبس من خُطَبه r ونهل من معينه من مشاهير الخطباء وحذَّاقهم ممَّن يُشار إليهم بعلوِّ الكعب في البيان وبراعة البلاغة في الأداء فإنما هم عيالٌ عليه r.
ولنحاول فيما يلي من أسطر إبراز الجوانب الأربعة للأسلوب النبوي في الخطابة:
* من حيث الفصاحة وقوَّة البيان:
كانت خُطبه r في مقام لا يداني من قوة السبك، وجزالة المعنى والمبنى، ولا غرو؛ فهو أفصح العرب، وأعلمهم بدقائق اللغة وأسرارها وتراكيبها ومدلولاتها، ولقد أمره الله عزَّ وجلَّ بالبلاغ المبين فقال: }وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ{([18]).
ولا يتأتَّى البلاغ المبين إلاّ بالفصاحة والإِنابة على أتمِّ وجهٍ وأكمله، قال القاضي في «الشفا» بعد أن ذكر ودلَّل على معرفته r باللهجات: وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع كلمه المأثورة، فقد ألَّف الناس فيها الدواوين، وجُمعت في ألفاظها ومعانيها الكتُب، ومنها ما لا يوازَى فصاحة ولا يُبارَى بلاغة، كقوله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على مَن سواهم».
وقوله: «الناس كأسنان المشط»، و«المرء مع مَن أحبَّ»، و«لا خير في صُحبة من لا يرى لك ما ترى له»، و«الناس معادن»، و«ما هلك امرؤٌ عرف قدره»، و«المستشار مؤتَمن وهو بالخيار ما لم يتكلَّم»، و«رحم الله عبدًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم»...!([19])
لقد غدت خطب النبي r منار قدوةٍ ونبراس هدى، يؤمّها الخطباء والعلماء والمصلحون في كلِّ عصرٍ ومصر فلا ينضب لها معين، ولا ينتهون منها إلى قاع، فلله الحمد على ما أنعم وتفضل.
* من حيث الأداء والإلقاء:
كان كلامه r كلامًا سهلاً مستساغًا مستعذبًا، لا تملُّه الآذان ولا تستثقله الأفهام، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان كلام رسول الله r كلامًا فصلاً يفهمه كلُّ من سمعه»([20]).
وكان r على المنهج الوسط في الإلقاء؛ لا يستعجل ولا يبطئ، روى أنس t قال: «كان النبي r إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه»([21]) وتشير عائشة رضي الله عنها إلى منهج التوسُّط في التلفُّظ الذي هو بين الإبطاء والاستعجال، فتقول: «إنما كان النبي r يُحدِّث حديثًا لو عده العاد لأحصاه»([22]).
وعلى هذا فكانت خُطَبه r تتبوَّأ القمة من حيث مخارج الحروف ومن جهة انتقاء الألفاظ السهلة المعبِّرة، ومن حيث التوسُّط في التلفُّظ دون إسراع ولا إبطاء، وكذلك في مراعاة المقاطع والسكتات والفواصل كقوله r في جلِّ خُطَبه العبارة الخطابية «أمَّا بعد»، ففي الصحيح عن أبي حميد الساعدي أنَّ رسول الله r قام عشية بعد الصلاة، فتشهد، وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أمَّا بعد»([23]).
وقوله عبارة الاستلطاف وشدّ الانتباه «أيُّها الناس» كما تقدَّم مكرّرًا في خُطبة حِجَّة الوداع الشهيرة .. وتنوُّع الأسلوب الخطابي بين الخبر والإِنشاء على اختلاف ضروبهما وتنوُّع مقاصدها، وغير ذلك من خصائص الأسلوب الخطابي: كالإِطناب، وإثارة الشعور، وحلاوة الجرس... إلخ مما لا يتَّسع المقام لبسطه.
* من حيث الإطناب والإيجاز:
كان r يراعي حاجات الناس النفسية والاجتماعية وأحوالهم، فتارةً يُطيل وطورًا يقصر حسبما يقتضيه الحال وتُمليه الحاجة .. عن جابر بن سمرة t قال: «كانت صلاة رسول الله r قصدًا وخطبته قصدًا، يقرأ آيات القرآن ويذكّر الناس»([24]).
ويقول عبد الله بن مسعود t: «كان النبي r يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا»([25]).
ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في توجيه بليغ للدعاة والخطباء والوعاظ: «حدِّث الناس كلَّ جمعة مرة، فإن أبيت فمرَّتَين، فإن أكثرتَ فثلاث مرَّات، ولا تُمِلّ الناس هذا القرآن، ولا ألفينَّك تأتي القوم وهم في حديثٍ من حديثهم فتقصُّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتُمِلّهم، ولكن أنصت؛ فإذا أمروك فحدِّثهم وهم يشتهون، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله r وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك([26]).
وأخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلمّا نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفَّست (يعني أطلت قليلاً)! فقال: إني سمعت رسول الله r يقول: «إنَّ طول صلاة الرجل وقِصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإنَّ من البيان سحرا»([27]).
وفي حديث جابر بن سمرة: «كان رسول الله r لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هنَّ كلمات يسيرات»([28]).
وهذه النصوص والأخبار الكثيرة متضافرة – كما ترى – على أنَّ الموعظة التي من شأنها أن تتكرَّر كخطبة الجمعة ينبغي ألاَّ تطول كي لا يملَّ الناس!
ويذهب الإمام النووي إلى أن الخطبة إن كانت في الوعظ فإنها تُطال؛ لأنَّ المقصود آنئذٍ الاتعاظ، وسبيله الإكثار والبسط، وإن كانت خطبة تعليم حكم فإنها تقصر ويقل لفظها؛ لأنَّ ذلك أقرب إلى حفظه([29]).
والأصوب كما يذكره الإِمام ابن القيم عن النبي r قال: «وكان يقصر خطبته أحيانًا ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة، وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد، ويحرِّضهنَّ على الصدقة([30]) وهذا هو أعدل الأحوال وأوسط المناهج وبالله التوفيق».
* من حيث عمق التأثير وثوة الإقناع:
كان r في أسلوبه الخطابي لا يدانَى ولا يُجارَى، فكلُّ من استمع إليه أذعن، وألف بعدئذ أو خالف، ولئن كان التأثير من بواعثه الصدق، كما أنَّ من بواعث الإِقناع قوَّة الحجة فإنَّ النبي r فوق صدقه وقوَّة برهانه مُسدَّد بالوحي الإِلهي، ومُؤيَّد برُوح القدس .. ولقد كان المشركون يستمعون إليه ثم إذا انصرفوا قالوا "والله ما هذا بوجه كذَّابٍ ولا بكلام كذَّاب"!
ولئن انضم مع الصدق وقوَّة البرهان وسداد العارضة القول الفصل الذي ليس بالهزل ارتقى الأسلوب الخطابي إلى أعلى قِمم الإِقناع والجدّ.
ولذا كان r إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته، واشتدَّ غضبه حتى كأنه مُنذِرُ جيش يقول «صبحكم ومساكم»، ويقول «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد، فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»([31]).
ومن الأمثلة الدَّالة على عُمق التأثير الذي تميَّز به الخطاب النبوي الكريم ما رواه الشيخان رحمهما الله عن أنس بن مالك، قال: "بلغ رسول الله r عن أصحابه شيء، فخطب، فقال: «عُرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا» قال: فما أتى على أصحاب رسول الله r يومٌ أشدُّ منه، قال: غطَّوا رءوسهم ولهم خنين (وهو صوت البكاء دون الانتحاب)، قال: فقام عمر فقال: «رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ومحمد نبيًّا»([32]).

إعداد الخطبة وصياغتها
يرتبط نجاح الخطبة وأثرها بِحُسن إعدادها وتناسق أجزائها وترابط أفكارها، شأنها في ذلك شأن أيِّ عملٍ لا بدَّ لإنجاحه من إعدادٍ وتهيئةٍ وتزويق.
ولقد كان العرب في جاهليتهم - وكانوا أمَّةً أميَّة - أقرب الناس إلى الخطابة عفو الخاطر، وعلى جاري السليقة والبديهة، دون إعدادٍ من جهة الكتابة وتحبيرالأوراق.
ومما يدلُّ على أهمية الإِعداد للخطابة قول عمر t وهو يحكي طرفًا من الأحداث التي مرَّ بها المسلمون عقب وفاة النبي r وتجمُّع المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، قال: «... وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني أردت أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد...»([33]).
وفي رواية لمالك: «ما ترك – يعني أبو بكر – من كلمةٍ أعجبتني في رويَّتي إلاَّ قالها في بديهته»..
والتزوير هنا هو بمعنى التحسين والتهيئة وحُسن الإعداد.
والإِعداد للخطابة باعتبار الأحوال التي يكون عليها الخطيب إنما يكون بطريقين:
الطريق الأولى- الإعداد الذهني:
سواء بالإطلاع على المراجع وأمَّهات المصادر، أو باستحضار النصوص المحفوظة ومعرفة الاستشهاد بها، أو بجمع العناصر وترتيبها، أو بكلِّ ذلك.
وهذه الطريقة لا تُناسب المبتدئين، ولا يقتدر عليها إلا المتمرِّس المفوَّه من الخطباء، المتضلِّع من العلم الشرعي المتمكِّن من اللسان العربي المطَّلع على مجاري الكلام وأساليبه ممَّن تؤازره الموهبة والمكنة النفسية.
الطريق الثانية- الإعداد الكتابي:
بتدوين المعلومات ثم تنسيقها وترتيبها ثم صياغتها وتحبيرها والتأنُّق فيها، وهي طريقة تلائم المبتدئين من الخطباء والوعَّاظ والمحاضرين على اختلاف بيِّن بَيْن مناهج كلٍّ من الخطبة المنبرية والوعظ والمحاضرة.
والإعداد بالطريقين - الذهنية والكتابية - تمرُّ ولا بدَّ بمراحلَ ثلاثةٍِ على الأقلِّ حتى تأتي الخطبة على أبلغ وجوه البيان وأوفق صور المرام.
1- مرحلة اختيار الموضوع:
وهو من الأهمية بمكان كبير، فمتى أحسن الخطيب اختيار موضوع خطبته، وحقَّق رغبات المستمعين، ووفَّى بحاجتهم، وكان نبيهًا موفَّقًا في الاختيار؛ حقَّق الكثير من أغراض الخطابة ومراميها.
ولقد أسلفنا الحديث عن أهم ضوابط الاختيار كالجدَّة والوضوح والمعاصرة مما ذكرناه في ضوابط أجزاء الخطابة.
2- مرحلة جمع الشواهد:
وهي في مجال الخطابة الوعظية أو الدينية أو الشرعية: آيات القرآن العظيم، وآيات القرآن العظيم تأتي في المقام الأول؛ إذ هي العماد والوهاد!
يلي ذلك ما صحَّ من أحاديث النبي r، ثم فهم سلف الأمَّة الصالح لهما، ومنه أقوال العلماء الأثبات من المفسِّرين والشرَّاح والمؤوِّلين، ويلي هذين المصدرين العظيمين أعني الكتاب والسنة: سيرة المصطفى r وصحبه الكرام رضوان الله عليهم.
ومن الشواهد – كذلك – الوقائع والأحداث التاريخية، وفيها الكثير من العظات والعبر.
ومن الشواهد أيضًا الأشعار والأمثال والحكم وما إليها مما يشبع رغبات المستمعين وتوجهاتهم الأدبية والعلمية والمعرفية المتنوعة.
3- مرحلة وضع العناصر وتصنيفها وترتيبها:
وهي مرحلة تلي مرحلة الجمع؛ فعلى الخطيب إذا فرغ من جمع مادة الخطبة أن يقرأ ما جمع قراءة متأنية حتى إذا بلغ في استيعاب ما قرأ درجة تمكِّنه من الخطابة والإِجادة فيها، شرع يستخرج العناصر ويضعها ويستنبطها من بين ثنايا الشواهد التي جمعها مستضيئًا بما انتهى إليه من سبقوه من أهل العلم الثقات.
وبعد أن يستخرج العناصر يبدأ في مراعاة التسلسل المنطقي بينها والتدرُّج البديهي، فليس من التدرج البديهي – مثلاً – أن يتحدَّث عن شناعة ترك الصلاة قبل الحديث عن مشروعيتها وفرضيتها وأثرها في وجود أو انتفاء الإيمان... وهكذا.
فمتى أتت العناصر متناسقة مترابطة يفضي بعضها إلى بعض ويأخذ بعضها بحجر بعض في ترابط واتساق؛ وقعت في قلوب المستمعين موقعًا حسنًا، وكان ذلك أدعَى إلى التأثُّر والقبول والاتعاظ.
ودونك مثل لترتيب العناصر في موضوع الصلاة:
1- تعريف الصلاة.
2- الأدلَّة على فرضيتها، وأنها ركنٌ عظيمٌ من أركان الإسلام الخمسة.
3- كونها الفيصل بين الإسلام والكفر، وأنه أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة.
4- خطورة التهاون في أداء الصلاة وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.
5- خطورة ترك الصلاة وما يترتب على ذلك من أحكام.
6- أثر الصلاة في الحياة الدنيا: من تزكية النفس، وتهذيبها، وكفَّها عن الفحشاء والمنكر، وفي درء الأرزاق واطمئنان النفس.
7- عظيم أجرها يوم الحساب.
وهكذا...
وأنت ترى أنَّ كلَّ عنصر من هذه العناصر الكثيرة يمكن التدليل عليه بجمعٍ عظيمٍ من النصوص الشرعية والشواهد الخطابية الأخرى.
ويمكن تجزئة هذه العناصر وتقسيمها إلى أبحاث تتفرع عن كل عنصر منها، ويمكن تبويبها بعد ذلك إلى خمس خُطَبٍ إضافيةٍ حسب الوقت المحدَّد ببسط الحديث عن كلِّ عنصر مع إجمال الحديث عن عنصر سابق.
وهذه العناصر الثلاث تتوافر في الطريقتين الذهنية والكتابية على السواء، وإن اختلف وجه الإتيان بها وصورته.

([1])سورة النجم: 3، 4.

([2])زاد المعاد 1/188.

([3])سنن أبي داود 1/659 الصلاة.

([4])البخاري 2/858/ 2302 اللقطة.

([5])البخاري (1/312/881 الجمعة.

([6])متفق عليه/ البخاري 1/354/997 الكسوف، ومسلم 2/618/901 الكسوف.

([7])البخاري 2/810/2184 الوكالة.

([8])صحيح البخاري 4/1577/4082 المغازي.

([9])تاريخ الطبري 2/255-256.

([10])متفق عليه: البخاري 1/620/1654 الحج، ومسلم 1/82/66 الإيمان واللفظ للبخاري.

([11])سيرة ابن هشام 2/603-604، وسيرة ابن كثير 4/293 و 388.

([12]) سيرة ابن هشام (1/501) وسيرة ابن كثير 2/301.

([13]) البخاري 5/2391/ 6161 الرقاق.

([14]) صحيح مسلم 1/591/866 الجمعة، أبو داود.

([15]) صحيح الإمام مسلم 2/595/872 و 873 الجمعة.

([16]) سنن أبي داود 1/660/1100 الصلاة.

([17]) متفق عليه: البخاري 6/2654/6845 الاعتصام، ومسلم 1/371/523 المساجد.

([18])سورة النور: 54.

([19])الشفا 1/77، 78.

([20])سنن أبي داود 4/172/ 4839 الأدب.

([21])سنن أبي داود 4/64/ 3653 العلم.

([22])صحيح مسلم 4/2298/ 2493 الزهد والرقائق وأبو داود 4/64/3654 العلم.

([23])صحيح البخاري 1/313/883 الجمعة.

([24])تقدم تخريجه.

([25])صحيح البخاري 1/38/68 العلم.

([26])صحيح البخاري 5/2334/5978 الدعوات.

([27])صحيح مسلم.

([28])سنن أبي داود 1/663/1107 الصلاة.

([29])شرح النووي لصحيح مسلم 6/160 موضع ح 870 الجمعة.

([30])زاد المعاد 1/191.

([31])صحيح مسلم 1/592/867 الجمعة، والنسائي 3/188/1578 العيدين وابن ماجة 1/17/45 المقدمة، وانظر جامع الأصول 5/680 لابن الأثير.

([32])متفق عليه: البخاري 4/1689/4345 التفسير، ومسلم 4/1832/2359 الفضائل واللفظ له.

([33])متفق عليه: البخاري 6/2506/ 6442 المحاربين وهو عند مسلم مختصر.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-06-02
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الدراسة النظرية للخطابة


4- مرحلة الصياغة:
الصياغة هي: وضع الكلام، وترتيب الحديث، وجودة سبكه، ومن الصياغة تزويق الكلام أي تحسينه وتقويمه، وتزويره، وقد يستغنى عن الصياغة بهذا المعنى الذي يتحدَّد في الكتابة والتدوين المتمرِّسون من الخطباء ممَّن يرتجلون ارتجالاً بعد إعداد.
ويُراعَى في الصياغة اختيار الألفاظ السهلة المعبِّرة والأفكار الواضحة النيِّرة، والدليل العلمي البيِّن ووجه الاستدلال القريب .. كما يُراعَى جوانب البلاغة بنوعَيها: المعاني والبديع، وما ينضوي تحت كلِّ من أضرب الكلام ومجاريه الحسان.
ولكلِّ لغةٍ أساليبُ بلاغيةٌ بها تُدرَك المعاني التعبيرية الجمالية على ما هو معروف في آدابها وأنماطها الأدائية والصوتية..
هذا.. والناس تختلف طبائعهم ومقدراتهم من حيث الإعداد للخطابة وسَبكها، فمنهم من يمكث الليالي ذوات العدد وهو يعدُّ ويغيِّر ويمحو ويزوق!.. ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من يعدُّ إعدادًا ذهنيًّا في دقائقَ معدودةٍ دون حاجةٍ مُلحَّةٍ إلى كتابةٍ وصياغة، بحسب الخبرة وأهمية الموضوع وخطورة المحفل... إلخ.
ومع كثرة الإلقاء أو الإعداد يستظهر الخطيب جمعًا كبيرًا من النصوص ويتمرَّس على قدر غير قليل من فنون الكلام، وكلَّما ترقَّى في درجات الاستظهار والاستشهاد والتمرُّس على أساليب الخطابة كلَّما قلَّت طلبته إلى الإعداد والصوغ، ولاسيما إن قوَّم ما ألقاه من كافة الوجوه اللغوية والخطابية والفنية والنفسية..
وبالله تعالى التوفيق ومنه سبحانه التسديد.
تبقى همسة نلقيها في آذان الخطباء، ولاسيَّما خطب الجمعة، ألاَّ يلجئوا إلى الخطب المُعدَّة المطبوعة الجاهزة، وإن كانت لمشاهير الخطباء وأجلَّة العلماء؛ لأنَّ اللجوء إليها مع القُدرة على الإتيان بمثلها يُفقِد الخطيب المقدرة على الإعداد والابتكار والصوغ الذاتي، وقد يكون بمكانٍ ليس معه ما تعوَّد على القراءة منه فيقع في حرج .. ولأنَّ الخطابة قبل أيِّ شيءٍ تعبيرٌ عن فهمٍ شخصيٍّ فلا بدَّ أن تكون لها النكهة المميَّزة، فضلاً عمَّا تزخر به الخطب المطبوعة من موضوعاتٍ مكرَّرة يتطلَّع الناس إلى غيرها وبالله التوفيق.

كيف تلقي الخطبة
تقدَّم أنَّ الخطابة تعتمد على ركيزتين أساسيتين: أولاهما العلم، ولذا أُطلِق عليها اصطلاح «الفن»؛ فالخطابة علمٌ وفنٌّ له قواعده وأصوله وضوابطه وأساليبه. والركيزة الثانية: المَلَكة أو الموهبة؛ فليس يتأتَّى لكلِّ أحدٍ أن يكتسب هذا الفنَّ إلا إذا آزرته موهبة الاقتدار على ذلك، ومن تأمَّل هدي النبي r في خُطَبِه وجده أكمل هديٍ وأتمَّ منهجٍ، سواء في ذلك ما يتَّصل بالخطابة كفنٍّ وعلمٍ منضبطٍ بقواعدَ ومناهجَ، أو ما يُجبَل عليه الخطباء من مواهب تُبرِز فيهم مَلَكة التعبير على أتمِّ وجهٍ وأجلى صورة.
وعلى هذا يمكن تقسيم صفات الخطيب إلى فطرية وكسبية، وهذه الصفات بنوعيها هو ما عبَّرنا عنه بكيفيَّة إلقاء الخطبة، فالصفات الفطرية هي التي يُجبَل عليها المرء، وتُعبِّر عن الموهبة أو الملكة، والكسبية هي التي سبيلها التعلُّم والتثقُّف والممارسة، وعمدتنا في كلِّ هذا الاستضاءة بما ورد من نصوص الشرع، ثم لا نغفل الاستئناس بما أحرزته تجارب ذوي الاختصاص والمراس في مجال الخطابة.
وتبعًا لهذا التقسيم نقول وبالله التوفيق ومنه جلَّ وعلا التسديد:

صفات الخطيب الفطرية
1- جهارة الصوت:
بحيث يكون مسموعًا مستساغًا، تتقبله الآذان، وتقبل عليه النفوس، وفي حديث جابر t قال: كانت خُطبة النبي r يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته: «بعثت أنا والساعة كهاتين..([1]).
وقصة العباس t شهيرة يوم حُنين، حين وقف ينادي الذين انحسروا عن رسول الله r أمام هجوم العدو .. والخطيب البارع يكيِّف صوته حسب الظروف التي تُحيط به وعدد المستمعين وسعة المكان ومكانة الموضوع وخطورته، فيرفعه ويُخفِضه بحسب ذلك .. ولعلَّ من الأمثلة على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:
تخلَّف رسول الله r في سفرٍ سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر ونحن نتوضَّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته «ويل للأعقاب من النار» مرَّتَين أو ثلاثًا([2]).
ولا يخفى ما قرَّره الشرع من وجوب الإِصغاء لخطيب يوم الجمعة حتى بوَّب له أئمَّة الحديث كما في صحيح البخاري، قال في كتاب الجمعة «باب الإِنصات يوم الجمعة والإمام يخطب»، وساق فيه حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله r قال: «إذا قُلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت»([3]).
فعلى الخطيب إزاء هذا أن يُلقي خطبته بتؤدَّةٍ ورفع صوتٍ بحيث يُسمِع القاصي والداني، ويتخيَّر من الألفاظ ما يناسب أفهام المستمعين، وكلُّ ذلك متروكٌ لتقديره ونباهته وإحساسه ما أوجب على المستمعين من الإصغاء والإنصات!
2- اللسن والفصاحة:
لا تتأتَّى الفصاحة إلاَّ بأمرين: أحدهما عذوبة الحديث وسلامة المنطق، وذلك باختيار التعبير المناسب المؤثر الواضح، وثانيهما السلامة من عيوب النطق والكلام: كاللجلجة، والفأفأة، واللثغ، وتعثُّر النطق، فمن كان حديثه شائقًا سهلاً مُمتعًا ممتنعًا صحيح المخارج لا تكلُّف فيه كان لَسِنًا فصيحًا.
وإمام الفقهاء وسيد البلغاء رسول الله r، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان كلام رسول الله r كلامًا فصلاً، يفهمه كلُّ من سمعه»([4]) وفي رواية أخرى تقول رضي الله عنها: «إنما كان رسول الله r يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه»([5]).
فلقد جُمِعت لرسول الله r جوامع الكلم، ومَلَك زمامها كما في الحديث الصحيح «بعثت بجوامع الكلم»([6]) وفي رواية «أُعطيت مفاتيح الكلم»([7]).
و«جوامع الكلم» مفردها: «الكلمة الجامعة»، وهي الموجزة لفظًا المتسعة معنى، وهذا يشمل القرآن العظيم والسنة؛ لأنَّ كلاًّ منها يقع فيها المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة.
3- سرعة البديهة:
بأن يكون حاضر البال، متوقِّد الذهن، سريع الإدراك، واسع الأفُق، حسن التصرف؛ لأنَّ الخطيب إنما هو مثابة المعلِّم الموجِّه، ومن مقوِّمات ذلك: سِعة الإدراك وسرعة الفهم وإصابة التأويل، وقد يقاطع أو يُعارَض أثناء الخطبة أو بعدها، فإذا لم يحسن الردّ ولم يتقن المحاجة في حسمٍ وإقناعٍ، فقد مكانته وفقد مع ذلك عامل التأثير.
4- حرارة العاطفة:
ويُقصد بها الانفعال المحمود، وهو تعبير عن صدق لهجة الخطيب وإيمانه بالفكرة التي يدعو إليها أو يلاحي عنها. وفي حديث جابر t قال: "كان رسول الله r إذا خطب أحمرت عيناه وعلا صوته واشتدَّ غضبه، حتى كأنه منذر جيشٍ يقول «صبحكم ومساكم»، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويقرن أصبعيه السبابة والوسطى. ويقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة»"([8]).
قال النووي رحمه الله: يُستدَلُّ به على أنَّ الخطيب يُستحبُّ له أن يُفخِّم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفعل الذي يتكلَّم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعلَّ اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا وتحديده خطبًا جسيمًا([9]).
5- الاستعداد النفسي:
وهو لازم كي يكون الخطيب لبقًا ذا سطوة، ويتحقَّق بتضافُر أمرَين:
أولهما- ترك الاستعانة، وهي إما قولية كالإكثار من قوله «يعني» أو «اسمعوا» أو «أفهمتم؟» ونحو ذلك مما هو معيبٌ ممجوج، وإما فعلية كالعبث باللحية، وفرقعة الأصابع، أو الإكثار من التنحنح.
وثاني الأمرين- الخلوُّ من مظاهر الحصر، وهي كثيرة: منها تصبب العرق أثناء الخطبة، وبرودة الأطراف، وجفاف الحلق، وإسراع ضربات القلب، وبح الصوت .. وحدوث الحصر كما يقول علماء النفس أمرٌ طبيعيٌّ في الأغلب، فلا يحفلن منه الخطيب المبتدئ؛ إذ يعرض لجلِّ الناس، ولا يمكث إلا ثواني ثم يزول مع مواصلة الخطابة، وإنما يُصاب به من الناس من يميلون بالطبع إلا الانعزال والانطواء والتقوقع، وسبيل علاجه عكس ذلك بأن يتَّسم برُوح المشاركة فلا يترك مجالاً اجتماعيًا إلاَّ ويضرب فيه بسهم حتى يزول الحاجز النفسي الوهمي بينه وبين الناس.
ومن أنجع العلاج مداومة ذكر الله جل وعلا واستغفاره سبحانه، قال عز وجل: }الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ{([10]).

صفات الخطيب الكسبية
وهي الصفات التي سبيلها الممارسة والخبرة والتعلُّم والتعوُّد، ولا تقِلُّ أهميةً عن الصفات الفطرية، فكلاهما كجناحي طائر لا يرتفع إلاَّ بهما!
ونلخص الصفات الكسبية في الآتي:
1- العلم:
والعلم علمان: شرعي ومدني، فالشرعي يعتمد على الكتاب والسنة، وفهم السلف لهما، والمدني عماده التجريب والدليل العلمي، ولا بدَّ أن يأخذ الخطيب من كلِّ علمٍ من العلوم المدنية بطرف بعد تضلعه من علوم الشريعة إذ هي مادته وذخيرته وحجته ومحجته!
ولم ينزل الشرع بدقائقه وتفاصيله إلا ليُبيِّنه النبي r فيعوه حقَّ الوعي ويستمسكوا به، قال تعالى: }وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ{([11]).
فإذا كان الخطيب جهولاً بمعطيات النصِّ الشرعي، عاجزًا عن استثماره واستيعاب مقاصده ومراميه أفسد ما يبتغي إصلاحه.
وقد تنوَّعت العلوم المدنية اليوم وانتشرت: كالطب، وعلم الأجنَّة، والزراعة، والهندسة بأنواعها، والفلك، والكونيات، والإنسانيات .. ولكلِّ علمٍ في كتاب الله بيان، إمَّا على سبيل الإشارة والإجمال، وإمَّا على سبيل التفصيل والتوضيح، والخطيب البارع هو الذي يرتقي بخطبته إلى مستوى تلك العلوم بالاقتباس أو الاستدلال، وقد شاعت اليوم وانتشرت والله المستعان.
2- معرفة نفسية السامعين:
وهي من الأمور الأساسية للخطيب، فقد يكون الخطيب عالمًا متبحِّرًا لكنه لا يعي كيف يُوصِّل هذا الخير الذي يحمله بين جوانحه إلى الناس وما هي طرائق التبليغ المرتبطة بمعرفة أحوال المستمعين.
وقد لخَّص ابن رشد عن بعض أهل الفلسفة والمنطق ما يميل إليه أصناف المخاطبين كالشباب والشيوخ، وهما أغلب المستمِعين.
فممَّا يتصف به الشباب: غلب الشهوات عليهم، وهم سريعو الغضب والرضا، وهم محبون للكرامة، ولا يحتملون تجريحًا، ويصدقون القول سريعًا لقلَّة خبرتهم، ويسهل خداعهم واغترارهم لأنَّ من شأنهم التصديق من غير دليلٍ أو بدليلٍ ضعيف، والحياء يغلب عليهم، ثم هُم يقدِّمون الجميل على النافع، إذا أحبوا شيئًا بالغوا في حبِّه، وإذا أبغضوا شيئًا بالغوا في بغضه، ويميلون إلى الهزل والمزح([12]).
أما أخلاق الشيوخ فلا يكترثون بحمدٍ ولا ذمٍّ؛ لأنَّ قصدهم الحقائق، ولا يجزمون بشيءٍ البتة، ويُقرنون كلامهم بـ"لعلَّ وعسى"!، ولا يحبون بشدَّة كما لا يبغضون بشدَّة، بل أمرهم وسط بلا إسرافٍ، بل بما يقتضيه الحال، ويؤثرون النافع على الجميل، وهم بعد ذلك أطول صبرًا وأمضى عزيمة، لا يهزلون كثيرًا، ولا يمزحون إلا نادرًا ([13]).
أمَّا الكهول، وهم وسط بين الشباب والشيوخ، وهم لدى بعض الباحثين ما بين سن 35 إلى 50 سنة؛ فهم مزيجٌ بين أخلاق الشيوخ وأخلاق الشباب.
قال علي محفوظ في فنِّ الخطابة:
على الخطيب أن يُراعي الأعمار في خطابه مع شابٍ فتيِّ السن، وكهل تام القوة، وشيخ وقور مهيب؛ فإنَّ لكلِّ سنٍّ نزعةً خاصَّة، وأخلاقًا خاصَّة، وأحوالاً تستدعي ما يناسبها من فنون الكلام، وبذلك يكون حكيمًا يضع الشيء في محلَّه، ويداوي كلَّ علَّة بدوائها.
وقد غلب على الأمراء والوزراء والحكَّام عظمة السلطان وترفُّع الأمارة والأنفة وإباء الطبع وعلوِّ الهمة وتمام المروءة، إلا أنه يظهر فيهم العجب والخيلاء، ويكثر بينهم التكاثر والتفاخر بالمال والأتباع، يحبون الإِطراء ويستميلهم الخضوع والثناء، ويأبون قبول التأديب ولا ينقادون إلى استماع النصح بسهولة، فلا بدَّ لهم من المهارة في التلطُّف بهم واللين معهم .. وطُبع الأغنياء غالبًا على التِّيه والصلف والسير وراء الهوى والشهوة، تبطرهم الكرامة ويطغيهم المال والجاه، ويشغلهم الحذر والحرص على الدنيا عن الاستعداد للموت وما بعد الموت، يترفَّعون على الفقراء، ويتعاظمون على من دونهم، يتكلَّفون طباع السادة وقد لا يقفون عند حلِّ الاعتدال في المعاملة، لاسيَّما حديثو العهد بالنعمة.
أمَّا العلماء والأدباء ففيهم كرم الأخلاق ولين العريكة وحُسن السيرة وسلامة الأعراض، وعدم الشره في عرض الحياة الدنيا، وقلَّة الطمع في الحطام الفاني، يرتاحون إلى حُسن السمعة وجميل الأحدوثة، ويحبون التوقير والتعظيم، ويميلون إلى النعوت الدالة على التفرُّد بالفضل والتفوُّق في العلم والأدب.
وجملة القول:
إنَّ لكلَّ طبقةٍ من الناس طباعًا وأخلاقًا وعاداتٍ وأحوالاً تُميِّزهم على اختلاف وظائفهم وصناعاتهم ومذاهبهم وأوطانهم، لا بدَّ للخطيب الاجتماعي من ملاحظتها، وعلى مقدار هذه الملاحظة تكون مكانته في النفوس ونجاحه في مهمته ([14]).
3- استعمال الإشارة:
الإشارة لغة متطورة وهي كما تكون باليدين والأنامل تكون كذلك بالعينين والحواجب والرأس، ولكلِّ أمَّةٍ فهمٌ معيَّنٌ للغة الإشارة، والإشارة قد تؤدِّي من المعاني ما لا يؤدِّيه اللسان .. ولهذا قالوا: ربَّ إشارةٍ أبلغ من عبارة!
وأما مشروعيتها ففعله r، فلقد كان يشير بيده، ومن الأمثلة على ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب العلم، قال باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ r سُئِل في حجَّته فقال – يعني السائل – ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده قال: ولا حرج، قال حلقت قبل أن أذبح، فأومأ بيده قال ولا حرج([15]).
ومن الأمثلة أيضًا قوله r: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى([16]) وقوله r: «يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج»، قيل يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: «هكذا» بيده فحرفها كأنه يريد القتل ([17]).
وينبغي عدم الإكثار من الإشارة، بل التوسُّط، وأعدل الأحوال، وفي حديث عمارة بن روينة t قال: «لقد رأيت رسول الله r ما يزيد على أن يقول بيده كهذا، وأشار بإصبعه المسبحة»([18]).
4- حسن الهيئة والسمت:
ويتحقَّق ذلك بأمور نستقيها من هدي النبي r:
أ- أن يخطب قائمًا:
ففي الصحيحين من حديث جابر بن سمرة t أنه r كان يخطب – يعني يوم الجمعة – قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، قال فمن حدَّثك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب ([19]).
والقيام في الخطبة أوقع في النفس وأسمع لمن بعد مجلسه، ولأنه يجتمع فيه من السماع المشاهدة، فقد لا يرى الخطيبَ الجالسَ من هو في مؤخر المجلس أو المسجد، ولهذا يشرع أن يعتلي الخطيب نشزًا من الأرض إن لم يجد منبرًا ليشاهده الناس.
ب- الخطبة على المنبر:
ولاسيما يوم الجمعة: وفي الصحيحين أنه r قال لامرأة من الأنصار: «مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس» فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله r فأمر بها فوضعتها هنا، ثم رأيت رسول الله r صلَّى عليها وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقري، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: «أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي»([20]).
جـ- حسن المظهر العام من ملبسٍ وغيره:
على الخطيب أن يرتدي أجود ثيابه حين يخطب، وفي هذا ورد حديث أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي r في ثوب دون فقال: «ألك مال؟» قلت نعم، قال: «من أي المال؟» قلت: قد آتاني الله من الإِبل والغنم والخيل والرقيق، قال: «إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمته عليك وكرامته»([21]).
وفي حديث أخرجه مسلم مرفوعًا: «إنَّ الله جميل يحب الجمال»([22]).
ويقول البراء t كان رسول الله r مربوعًا – يعني ليس بالطويل ولا القصير – بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شخمة أذنيه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه ([23]).
هذا بعض ما ورد في ضرورة الاعتناء بالملبس والهيئة في أناقة وتشذيب.
ومما ورد في تحسين الهيئة أثناء الخطبة ما رواه أبو رمثة t قال: «رأيت رسول الله r يخطب وعليه بردان أخضران»([24]).
ومن العناية بالمظهر والملبس الاعتناء بلباس التقوى في الأقوال والأفعال، فيعفي اللحية على سنة النبي r، ويحفَّ الشوارب، ويقلم الأظافر، ويستاك... إلخ.
ومن وافق قوله فعله واشتمل بحلَّة التقوى صار له من القبول في القلوب ما يرفع الله به درجاته .. قال ابن قدامة رحمه الله في المغنى: «ويُستحب أن يكون في خُطبته مترسِّلاً مبيِّنًا مُعربًا، لا يعجل فيها ولا يمططها، وأن يكون متخشِّعًا متَّعظًا بما يعظ الناس به، لأنه قد رُوي عن النبي r أنه قال: «عرض عليَّ قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون»([25])([26]).

([1])تقدم تخريجه.

([2])متفق عليه: البخاري 1/48/96 العلم، واللفظ له، ومسلم 1/214/242 الطهارة.

([3])متفق عليه: البخاري: 1/316/892 الجمعة واللفظ له، ومسلم 2/583/851 الجمعة.

([4])تقدم تخريجه.

([5])تقدم تخريجه.

([6])تقدم تخريجه.

([7])صحيح البخاري 6/2568/6597 التعبير.

([8])تقدم تخريجه.

([9])النووي على صحيح مسلم 6/155.

([10])سورة الرعد: 28.

([11])سورة النحل: 44.

([12])تلخيص الخطابة – ابن رشد ص412-428.

([13])المرجع السابق.

([14])فن الخطابة – علي محفوظ 43.

([15])صيح البخاري 1/44/84 العلم.

([16])تقدم تخريجه.

([17])صحيح البخاري 1/44/85.

([18])رواه مسلم 2/595/874 الجمعة، وانظر تعليق النووي عليه 6/162 فهو مفيد ورواه أبو داود 1/662 الصلاة والترمذي ح 515 والنسائي.

([19])متفق عليه: البخاري 1/311/878، ومسلم 2/589/862 واللفظ له وأبو داود 1/657 الصلاة والنسائي ح1461 وابن ماجة 1105.

([20])متفق عليه: البخاري 1/311/875 الجمعة واللفظ له، ومسلم 1/386/544 المساجد.

([21])أبو داود في السنن 4/333/4063 اللباس.

([22])مسلم في الصحيح 1/93/91 وهو أيضًا عند ابن ماجة وأحمد في المسند.

([23])متفق عليه: البخاري 3/1304/3358 المناقب، ومسلم 4/1818/2337 الفضائل واللفظز للبخاري.

([24])سنن أبي داود ح4206 والنسائي 8/204 الزينة، والترمذي ح2813 وأحمد في المسند 2/227 وهو في زاد المعاد 1/145 وأورده النووي في رياض الصالحين ص345 دون قوله «يخطب».

([25])أحمد في المسند 3/120.

([26])المغني لابن قدامة 3/180 تحقيق د. التركي وزميله.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-06-02
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الدراسة النظرية للخطابة


5- الشرف والفضل:
على الخطيب أن يثبت فضيلة نفسه ضمنًا، لأنَّ الناس لا تتأثَّر ولا تأخذ إلاَّ عمَّن اتسم بالفضل والألفة أو التفوُّق والمعرفة، وكلُّ هذه الخصال لها ارتباطٌ من جهة تحقُّقها بالظروف المحيطة بالخطيب من المكان والزمان ونمط اللغة والعرق والعرف.
ومما يستدلُّ به على أثر الشرف والفضل ما قَصَّ الله علينا من قصص طائفة من أنبيائه، فنوح u يُمهِّد لدعوة قومه بقوله: }أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{([1])، ولا ينصح إلا صاحب فضلٍ وعلمٍ في الأغلب وعلى جاري السنة، وانظر كيف أشعرهم هذا النبيُّ الكريم بتميُّزه عنهم بقوله: «وأعلم من الله ما لا تعلمون»؛ فهو يُثبت لنفسه العلم وينفيه عنهم!
وهود u يقول لقومه: }أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ{([2])، وصالح u قال لقومه: }لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ{([3])، وفيه أنَّ الناصح المخلص تجب محبَّته، ومن كان محبوبًا قُبل منه وتؤثِّر بفعاله!
وشعيب u يقول: }لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ{([4]).
وبعد أن عرفت أخي القارئ كيفية إعداد الخطبة وكيفية صياغتها، وأهم صفات الخطيب البارع، تلك الصفات التي ينبغي مراعاتها أثناء الإلقاء، لعلك تساءلت: أي الطريقتين أوفق في إلقاء الخطبة؟
* الطريقة الإلقائية من ورقة مكتوبة؟ فهي أوفر على الإتقان والتحرير.
* أم الطريقة الارتجالية وهي الأبلغ في التأثير؟
الحق أن الناس صنوف شتى في طرق الإلقاء بين ارتجال وقراءة، وكل يختار ما يناسب مقدرته العلمية واستعداده النفسي وتقبله الاجتماعي.
على أنَّ ما قد يستشعره الخطيب من صعوبةٍ في بداية الطريق سرعان ما يزول مع كثرة الممارسة والترداد.
وفيما يلي أبرز مميِّزات الطريقتين: طريقة التلاوة وطريقة الارتجال:
من مزايا القراءة من ورقة مكتوبة:
1- المحافظة على الناحية الجمالية للتعبير؛ إذ الكتابة من خصائصها في الأغلب جمال الأسلوب والتأنق في العبارة والتفنن في أساليب البيان، وذلك لما يُتاح للكاتب من وقت يزوق فيه الأسلوب ويهذِّبه ويشذبه حتى ينتهي به إلى الصورة التي ترضي ذوقه الأدبي.
أما الارتجال عفو الخاطر فقد لا يكون الوقت فيه متاحًا للإتيان ببراعة اللفظ وحلاوة الجرس في ثوب قشيب، إلا إن كان ثَمَّة نصٌّ محفوظ.
2- التقليل من الأخطاء اللغوية والتعبيرية والنحوية والخطابية وغيرها للسبب نفسه.
3- حصر جوانب الفكرة أو الموضوع، وتقديمها في أجلى صورة وبأوضح عبارة؛ لأنَّ الكتابة تُتيح للخطيب في مرحلة الإعداد تحديد إطار الموضوع فلا يكون ملحوظًا الخروج عنه.
4- التقيُّد بالزمن المحدَّد لإمكانية ذلك من خلال المسطور، والورقة ذات الأسطر الثمان والعشرين التي يحوي كلُّ سطرٍ منها سبع عشرة كلمة يمكن إلقاؤها في زهاء ثمان دقائق في المتوسِّط بأسلوب خطابي.
أما مساوئ هذه الطريقة فيمكن استشفاف أبرزها من مميزات الطريقة الارتجالية.
* مميزات الارتجال في الخطابة:
كثيرٌ من الباحثين لا يُسمُّون القراءة من ورقة مكتوبة «خطابة»، تأسيسًا على أنَّ من أخصِّ خصائص الخطابة المشافهة والارتجال .. ومن أبرز مميزات الارتجال:
1- عدم تحقُّق الجمال التعبيري للأسلوب الخطابي بنفس الكيفية المتحقِّقة في طريقة الإلقاء من ورقةٍ مكتوبة، إلا إذا تمرَّس الخطيب على أساليب الخطابة، وتمكَّن من انتقاء الكلمات المعبرة، واقتدر على التأنق في العبارة، وجرى ذلك منه مجرى الدماء في العروق!
2- لا يتأتَّى حصر العناصر وترتيبها بدقَّةٍ كما هو الحال في الطريقة الأولى السابق ذِكرها إلاَّ إذا كان الخطيب مستوعبًا لموضوع خطبته استيعابًا دقيقًا، ولم تنسه رهبة الموقف بعض عناصر الموضوع.
3- التقيُّد بالزمن المحدَّد مرتبط بمدى إحساس الخطيب بمرور الزمن، وكثيرٌ من الخطباء يفقدون هذا الإحساس في غمرة الانفعال الخطابي.
4- الارتجال الخطابي حريٌّ بكثرة الأخطاء اللغوية والتعبيرية والخطابية وغيرها.
5- يقدر الخطيب على إدارة دفة الخطاب وتغيير اتجاه الحديث من أسلوب إلى آخر وفق ما قد يُستجدُّ من ظروف وبحسب ما يقرؤه في وجوه مستمعيه من تفاعل.
أما المرتبط بالورقة لا يكاد يرفع بصره الكليل عنها؛ فإنه يفقد هذه الميزة، وتبقى خطبته رتيبة، ولاسيما إن أتى بها على وتيرةٍ واحدةٍ ونبرةٍ واحدة.
هذا..
وبعض الخطباء والمحاضرين يجمعون بين الطريقتين الكتابية والارتجالية؛ فيضع أحدهم الورقة في مكان لا يراها غيره فيلحظها بطرف البصر ويتذكر ما عسى أن يكون قد نسيه، وهكذا يُخيَّل للناس أنه يرتجل وليس الأمر كذلك!

ما ينبغي أن يتوفَّر في الخطيب والخطابة
لا جرم أنَّ الخطابة أسلوب رفيع من أساليب الدعوة إلى الله عزَّ وجل، وهي الأسلوب المباشر الذي يخاطب العقول والضمائر ويحرك الوجدان والمشاعر، وتتلقَّاه الأسماع والأبصار في آنٍ معًا.. فالخطابة على هذا من أمثل أساليب الدعوة إلى الله.
ومن أهم ما ينبغي أن يتحلَّى به الخطيب فضلاً عما ذكرناه آنفًا من صفاته الفطرية والكسبية..
1- الإخلاص:
فهو بيت القصيد، ولقد فاز المخلصون بسعادة الأبد في الدار الآخرة كما حازوا القبول في الدنيا، فمن خطب الناس ولم يكن همُّه السمعة ولا الرياء ولا أن يُقال فلان خطيب مصقع وخطيب مفوَّه، ثم لم يكن ليبتغي عرضًا زائلاً ولا حطامًا فانيًا، كان إن شاء الله من أهل الإخلاص.
وما أجلُّ البغية التي يسعى إليها المخلصون من الخطباء والوعاظ والمصلحين! أنها ابتغاء وجه الله.
2- سعة الاطلاع:
فهي الذخيرة والمادة التي يصوغها ويعرضها، وقد يبتدئ بالخطابة من ليس يتصف بعلو الكعب في الاطلاع على المعارف قديمها وحديثها، ومن ليس من أهل الحذق في هذا المضمار، لكنه لا يضطلع بمهام الخطابة على الوجه المنشود إلاَّ من سعت دائرة معارفه، ثم لم يقف عند حدٍّ ينتهي إليه، بل كان دائب التطلُّع لمعرفة ما يجهله، والسداد من الله عزَّ وجل.
3- الصدق في القول والعمل والقصد:
وحسبنا دلالةً على فضل الصدق وأهميته ورفعته أنه حلية أهل الإيمان والتقى، وأنَّ ضدَّه سمة أهل النفاق والشقاق!
وأنَّ للصدق تأثيرًا عجيبًا في سلوك الإنسان وسمته وهديه ودله! وأنك لتكاد تعرف الخطيب أو الواعظ الصادق من غيره، وقد قال قديمًا أحد أبناء الوعاظ: يا أبتِ، إنَّ فلانًا من الوعَّاظ أعلم منك، لكنه لا يصل إلى القلوب كما تصل؟ فقال: يا بني، ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة!
* هذه الخصال الثلاث هي عمار الخير كلّه .. فالزمها تَفُز.

ومما ينبغي أن يتوفر في الخطابة
من حيث هي موضوع ومنهج وغاية
1- أن تكون موافقة لهدي النبي r في كلِّ شيء، في منهج العرض، وأسلوب التدليل، وفي أجزائها، وفي تحرِّي أوقاتها، وفي الإِطالة والإِيجاز، وفي كثرة الاستشهاد بالقرآن العظيم والحديث النبوي الشريف، وفي كلِّ ما يمتُّ إلى الخطابة بصلة؛ إذ ذاك مربط الخير.
ولقد شذَّ قوم ممن يَمَّموا وجوههم شطر الحضارة المادية المعاصرة، فلا يفتتحون خُطَبهم وأحاديثهم بحمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسول الله مما دأب عليه سلف الأمة الصالح، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فيأتي كلامهم سمجًا لا نداوة فيه ولا رونق.
2- الأخذ بالوسائل والمعارف والأساليب المعاصرة في حدود الشرع والخلق، فالحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها.
3- أن تكون متضمِّنة للمفيد من القضايا المنطقية التي يذكرها أهل الخطابة مما له تأثير حسن في الإقناع، كتنوُّع الأدلَّة إلى أوَّليات ومشاهدات ومجريات وحدسيات ومتواترات وغيرها([5]).
4- أن تكون مستوعبة لِما تمخَّضت عنه تجارب أهل الاختصاص من الخطباء، وما يذكرونه من أساليب الخطابة كالتفنيد والإثبات والمحاجة وطرق كلٍّ منها، وكذلك خصائص الأسلوب الخطابي من الإطناب والوضوح وإثارة الشعور وحلاوة الجرس والقياس المضمر ووسائل تحقيق كلٍّ منها ([6]).
5- أن تكون متمشيةً مع معطيات علم النفس ممَّا له صلةٌ بالنفس المخاطبة كمعرفة عوامل التأثير والتأثُّر، وما تنطوي عليه هذه النفس مما جبلت عليه من محبة ورغبة ونفورٍ وفرح وحزن ورجاء وأمل وخوف وغضب وحياء ونحو ذلك، بمعرفة أسباب هذه السمات البشرية ودوافعها ومكامن إنمائها أو كفِّها.
هذا..
والخطابة كما علمت موهبةٌ وعلم، فمن آزرته الموهبة فإنه لا يصقل إلاَّ بالممارسة، فتدبَّر هذا فهو المحكُّ من الجهة العملية، ومن الله الفضل والتوفيق.
وها هنا أبرز الأخطاء التي يقع فيها الخطباء .. أو عامتهم:
1- الإطالة:
سواء أكانت إطالة مملة أم مرهقة للأذهان، ولقد قدمنا كيف كانت خُطَبه r قصدًا، ونقلنا عن الإمام ابن القيم قوله كانت خُطَبه r الراتبة أقصر من العارضة، فللناس أحوالهم ومشاغلهم وعللهم وحاجاتهم، ولا بدَّ من مراعاتها.
2- عدم حفظ النصوص الشرعية:
ولئن جازت رواية الحديث النبوي بالمعنى فهو غير جائز في القرآن العظيم، وقد يُغتفر الخطأ النحوي أو البلاغي أو الخطابي لكنَّ الخطأ في كلام الله لا يُستساغ البتة.
فمن كان لا يُحسن حفظ النصِّ القرآني الجليل، أو لا يستطيع الاستشهاد به على الوجه الأوفق، فالأولى له ترك التصدِّي لمهمة الخطابة الخطيرة حتى يتمكَّن من ضبط حفظه.
3- الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة:
أو الموضوعة أو القصص الخرافية والأساطير مما يكذِّبه الواقع، وقد ظهرت في هذا العصر موسوعات توضِّح المدخول والموضوع من الأحاديث، والضعيف والواهي منها، وفي قصص القرآن العظيم وسُنة النبي r الغنية في مقاصد تلك القصص وأساليبها وغاياتها وصور بيانها، وهي أصحُّ القصص وأوثقها على الإطلاق.
4- التيئيس من رحمة الله:
وتضيق مجال التوبة أمام الناس، وقد يفعل ذلك الخطيب عن حُسن قصدٍ ومن سوء فهم، فهو يظنُّ أنَّ الدين والمواعظ سياطٌ تكوي بها جلود الناس والعصاة منهم على الأخصّ، ويتغافلون عن أنَّ الخطأ مما جبل عليه ابن آدم، والخطيب كالطبيب يُعالج بالحسنى وهدفه توسيع دائرة الأمل في الحياة، حياة البدن وحياة القلب والرُّوح.
وللخطيب والواعظ مهمة فوق ذلك جليلة؛ فهو يقوم مقام رسول الله r، فهو من ورثته في العلم والبلاغ وإيصال الحقِّ والخير للناس، وهذا المقام مؤدَّاه أن يكون كما كان النبيُّ r للناس رحمة.
5- التقليد:
وهو أن يحاكي غيره من مشاهير الخطباء والوعاظ والقراء، إمَّا في الصوت ونبراته، أو في الأداء وطرائقه، أو في الأسلوب ومسالكه، أو في طريقة المعالجة .. ولا شكَّ أنَّ الإفادة من الآخرين حميدة ولا نعنيها، بل المعنية المحاكاة، ولا تكون المحاكات إلاَّ دليل ضعفٍ وخمولٍ وعجزٍ عن الابتكار.
وينبغي أن يكون الخطيب ابن بيئته له نمطه الخاص في الكلام والبيان، وله رونقه المتميِّز في الخطاب، وله شخصيته المستقلَّة التي لا تتكرر، وبالله وحده التوفيق.

من روائع الخطب الإسلامية
* خطبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب t:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: جلس عمر على المنبر، فلمَّا سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال:
أما بعد:
فإني قائلٌ لكم مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلَّها بين يدي أجلى، فمن عقلها ووعاها فليحدِّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي ألاَّ يعقلها فلا أُحِلُّ لأَحدٍ أن يَكذِبَ عليَّ .. إنَّ الله بعث محمدًا r بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممَّا أنزل الله آية الرَّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله r ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيُضِلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، والرَّجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو أنَّ كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا ثُمَّ إنَّ رسول الله r قال: «لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا عبد الله ورسوله» ثم إنه بلغني أنَّ قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانًا فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكنَّ الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورةٍ من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تَغِرَّة أن يُقتلا، وأنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيَّه r أنَّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا عليَّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر... إلخ([7]).
* خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب t:
عن رجل من بني شيبان أنَّ عليَّ بن أبي طالب t خطب فقال:
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدي ودين الحق ليزيح به علَّتكم وليوقظ به غفلتكم، واعلموا أنكم ميِّتون ومبعوثون من بعد الموت، وموقوفون على أعمالكم، ومجزيُّون بها، فلا تغرَّنكم الحياة الدنيا؛ فإنها دارٌ بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكلُّ ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دولٌ وسجال، لا تدوم أهوالها، ولن يسلم من شرها نزالها، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور، أحوال مختلفة وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهمها، وتقصمهم بحمامها، وكل حتفه فيها مقدور، وحظّه فيها موفور.
واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى ممَّن كان أطول منكم أعمارًا، وأشدّ منكم بطشًا، وأعمر ديارًا، وأبعد آثارًا، فأصبحت أموالهم هامدةً من بعد نقلتهم، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والنمارق الممهدة الصخور والأحجار في القبور التي قد بني على الخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلُّها مقترب وساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين وأهل محلَّة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قُربِ الجوار ودنوِّ الدار، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكه البِلَى، وأظلَّتهم الجنادل والثرى؛ فأصبحوا بعد الحياة أمواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا، فجمع بهم الأحباب وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب .. هيهات هيهات }كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{([8]) وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبُعثِرت القبور، وحُصِّل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار، هنالك }تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ{([9]). إن الله عز وجل يقول: }لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى{([10])، وقال: }وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا{([11]).
جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله إنه حميد مجيد([12]).
* خطبة لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
عن أبي سليم الهذلي قال:
خطب عمر بن عبد العزيز فقال:
أمَّا بعد:
فإنَّ الله عزَّ وجل لم يخلقكم عبثًا، ولم يدع شيئًا من أمركم سُدًى، وإنَّ لكم معادًا فخاب وخسر من خرج من رحمه الله وحُرِم الجنة التي عرضها السموات والأرض، واشترى قليلاً بكثير، وفانيًا بباقٍ، وخوفًا بأمن .. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون؟! كذلك حتى تُرَدَّ إلى خير الوارثين، في كلِّ يومٍ وليلةٍ تُشيِّعون غاديًا ورائحًا إلى الله عزَّ وجلَّ قد قضى نحبه، وانقضى أجله حتى تُغيِّبوه في صدعٍ من الأرض في بطن صدع، ثم تدعونه غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهنًا بعمله، فقيرًا إلى ما قدَّم، غنيًّا عمَّا ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت .. وأيم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحدٍ منكم من الذنوب ما أعلم عندي، وما يبلغني عن أحد منكم ما يسعه عندي إلاَّ وددت أنه يمكنني تغييره حتى يستوي عيشنا وعيشه، وأيم الله لو أردتُ غير ذلك من الغضارة والعيش لكان اللسان مني به ذلولاً عالمًا بأسبابه، ولكن سبق من الله عزَّ وجلَّ كتابٌ ناطقٌ وسُنة عادلة دلَّ فيها على طاعته ونهي فيها عن معصيته.
ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وشهق، وبكى الناس!.. وكانت آخر خطبة خُطَبها، رحمه الله ورضي عنه ([13]).
* خطبة لوهب بن منبه رحمه الله:
عن عبد الصمد بن معقل أنَّ وهب بن منبه قال في موعظةٍ له:
يا ابن آدم، إنه لا أقوى من خالقٍ ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممَّن طلبته في يده، ولا أضعف ممَّن هو في يد طالبه. يا ابن آدم، إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام معك ما سيذهب. يا ابن آدم، أقصر عن تناول ما تنال، وعن طلب ما لا تدرك، وعن ابتغاء ما لا يوجد، واقطع الرجاء منك عمّا فقدت من الأشياء، واعلم أنه رُبّ مطلوبٍ هو شرٌّ لطالبه. يا ابن آدم، إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة سوء الخلف منها. يا ابن آدم، فأيُّ الدهر لا ترتجي؟ أيوم يجيء في غرَّةٍ أو يومٌ تستأخر فيه عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام: يومًا مضى لا ترتجيه، ويومًا لا بد منه، ويومًا يجيء لا تأمنه. فأمسٌ شاهدٌ مقبولٌ وأمينٌ مؤدٍّ وحكيمٌ وارد، قد فجعك بنفسه وخلَّف في يديك حكمته، واليوم صديقٌ مودِّعٌ كان طويل الغيبة وهو سريع الظعن، أتاك ولم تأته وقد مضى قبله شاهد عدل، فإن كان ما فيه لك فاشفعه بمثله([14]).


([1])الأعراف: 62.

([2])الأعراف: 68.

([3])الأعراف: 79.

([4])الأعراف: 93.

([5])انظر فن الخطابة لعلي محفوظ ص34.

([6])فن الخطابة – الحوفي ص170-196.

([7])صحيح البخاري 6/2504.

([8])سورة المؤمنون: 100.

([9])سورة غافر: 17.

([10])سورة النجم: 31.

([11])سورة الكهف: 49.

([12])صفة الصفوة 1/323.

([13])صفة الصفوة 2/132.

([14])صفة الصفوة 2/291.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-06-02
 
:: الادارة العامة ::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Emir Abdelkader غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 11609
تاريخ التسجيل : Aug 2011
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة : باتنة
عدد المشاركات : 45,959 [+]
عدد النقاط : 3119
قوة الترشيح : Emir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond reputeEmir Abdelkader has a reputation beyond repute
افتراضي رد: الدراسة النظرية للخطابة

موضوع قيم رغم طوله

جزاك الله خيرا و جعله
في ميزان حسناتك

seifellah أعجبه هذا.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الدراسة النظرية للخطابة



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:12 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب