منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

صفة النار من الكتاب والسنة

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السحر والسحرة على ضوء الكتاب والسنة seifellah منتدى طلب العلم الشرعي 1 2014-05-31 08:48 PM
صفة النار من الكتاب والسنة seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-15 06:23 PM
الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة seifellah منتدى الدين الاسلامي الحنيف 19 2014-04-28 11:05 PM
الرقية الشرعية من الكتاب والسنة Emir Abdelkader منتدى الدين الاسلامي الحنيف 0 2014-03-12 03:43 PM
وصف النار وأهلها حسب ماجاء في القرآن والسنة ايمن جابر أحمد منتدى الدين الاسلامي الحنيف 4 2012-11-23 08:00 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-06-02
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي صفة النار من الكتاب والسنة

المقدمة
اعلم أخي الكريم أنَّ التفكر في أهوال القيامة يُجدِّد الإيمان واليقين ويُحيي في قلبك الخوف من الله والفرار إليه، ويُهَوِّن في عينك الدنيا وزخرفها؛ فتحتقر نفسك عيشها ويكره قلبك دارها ويأبى لسانك ذكرها، وتضيق بك حتى ليخيَّل إليك أنك مسجون.
وما نار جهنم إلاَّ خاتمة العذاب، فكلُّها جحيم وشقاء، وصراخٌ وبكاءٌ وحسرةٌ وعناء، لهيبها يلفح الوجوه، وماؤها يقطِّع الأمعاء، وحرها يكلح أهلها، قد مُلِئَت أغلالاً وأصفادًا، وسُعِّرت فصارت سوادًا. ماؤها حميم وظلها يحموم وعذابها دائم مقيم..
وفي هذا الكتاب نستعرض إن شاء الله صفاتها وأحوال أهلها تذكرةً وتبصرةً، والله من وراء القصد.
صفـة النار
لربما تصوَّرت أخي الكريم أنَّ نار جهنم في حرِّها كنار الدنيا التي نعلم، ولكنَّ الأمر ليس كذلك؛ فهي أشدُّ حرًّا وأشدٌّ فيحًا، وإنما نار الدنيا جزءٌ قليلٌ من جهنم، قال رسول الله r: «ناركم التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءًا من جهنم» قالوا: يا رسول الله، وإن كانت لكافية. قال: «فإنها فُضِّلَت بتسعة وستين جزءًا»([1]).
بل إنَّ شدَّة الحرِّ التي نشكو منها في الدنيا ونتَّقيها بما نملك من وسائل التبريد والتلطيف إنما هي نفس جهنم تتنفسه، كما أنَّ البرد الذي نشكو زمهريره ورعشته إنما هو نفس جهنم. قال r: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت ربِّ، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفَسَين: نفسٌ في الشتاء، ونفسٌ في الصيف، فأشدُّ ما تجدون من الحرِّ وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير»!
وقال r: «أبردوا بالصلاة؛ فإن شدَّة الحر من فيح جهنم»([2]).
قال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده، لو كنتَ بالمشرق والنار بالمغرب ثم كُشِف عنها لخرج دماغك من منخريك من شدَّة حرِّها. يا قوم، هل لكم بهذا قرار، أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم، طاعة الله أهون عليكم من هذا العذاب فأطيعوه، ([3]).
أخي:
لو لم يكن في النار إلاَّ هذا الحر لكفى به واعظًا ورادعًا عن المعصية.. فكيف والأمر أشد وأعظم؟!
}كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى{ [المعارج: 15، 16]
تشوِّه لحم الوجه وتنزع جلده فتفقده شكله وتُسلبه حُسنه، إنها قعر مليئة بالخنادق المكفهرَّة والجبال الحامية العالية، والحيَّات والعقارب والمقامع والأغلال والأصفاد.. طعامها مرير، وماؤها حارٌ حميم، وكلُّها ذُلٌّ ومهانةٌ وخزيٌ وندامةٌ وحسرة، تُعَضُّ منها الأنامل، ويودُّ الكافر فيها لو كان ترابًا }يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ{ [المعارج: 14].
فَهِيَ جَوابًا عِندَمَا تَسْمَعُ النِّدَا**مِنَ اللهِ يَومَ العَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ
بِهِ رُسُلِي لَمَّا أَتُوكُم فَمَن يَكُنْ ** أَجَابَ سِوَاهُمُ سَوْفَ يُخْزَى وَيَندَمُ
وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَعْظَمَ جَنَّةٍ**لِيَومٍ بِه تَبدُو ِعيانًا جَهَنَّمُ
وَيَنصَبُّ ذَاكَ الجِسر مِن فَوْقِ مَتنِهَا**فَهَاوٍ ومَخدُوشٌ وَنَاجٍ مُسَلَّمُ

ولا تسلْ عن أُكُلُها وشُربها وفراشها ودركاتها؛ فهي جحيمٌ ولظًى ونيرانٌ لا تفنى، أعدَّها الله لكلِّ جِوَاظ (كافر) عُتُلٍّ مُستكبر، إذا ذُكِّر لا يذكر، وإذا وُعِظ لم يتَّعظ، وإذا سمع آيات الله اتَّخذها هُزوًا ولَعبًا .. قال رسول الله r: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جِوَاظ مستكبر»([4]) .
وقال r: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا»([5]) .
وقودها ودركاتها
وقود النار:
واحذر أخي الكريم أن تلهيك الدنيا ويُمنِّيك سرابها، فتكون وقودًا لجهنم، فإنما وقودها الناس والحجارة قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ{ [التحريم: 6]؟؟
وقال سبحانه }فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{ [البقرة: 24]
فالناس هم الوقود وهم المعذبون، فسُبحان الخالق القادر.
يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
«وأكثر المفسِّرين على أنَّ المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال إنَّ فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها، سرعة الإيقاد وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت»([6]) .
فنارٌ هذه حالها وهذا شكلها، والكفار والفجَّار من الناس وقودها، أحقُّ أن تُتَّقَى وأحقُّ أن يُعمل لاجتنابها واجتناب أهوالها، فكابد يا عبد الله؛ فإنَّ الخطب جلل، وازهد في الحرام وابتعد عن الشبهات.
إنَّمَا الدُنيَا إلى الجَنَّةِ والنَّارُ طَريقُ
وَاللّيَالِي مَتجَرُ الإنسَانُ وَالأيَّامُ سوق

قال تعالى محذرًا عباده: }اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا{ [الحديد: 20].
دركات النار
وكما أن الجنة درجات ومنازل فإنَّ النار دركات مختلفة، بحسب إجرام أهلها وأعمالهم في الدنيا، قال تعالى عن المنافقين: }إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا{ [النساء: 145]
فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار لغلظ إيذائهم للمؤمنين وغلظ كفرهم ومكرهم.
قال كعب الأحبار: «إنَّ في النار لبئرًا ما فُتِحت أبوابها بعد، مُغلقة ما جاء على جهنَّم يوم منذ خلقها الله تعالى إلاَّ تستعيذ بالله من شرِّ ما في تلك البئر مخافة إذا فتحت تلك البئر أن يكون فيها من عذاب الله ما لا طاقة لها به ولا صبر لها عليه، وهي الدرك الأسفل من النار»([7]).
وأما أهون الناس عذابًا في النار، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت النبي r يقول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل يوضع على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه»([8]) .
فتذكر أخي الحبيب: إذا كان هذا حال أهون الناس عذابًا يوم القيامة فما بال غيره؟!
فيا أخي:
تَذكَّر يَومَ تَأتِي اللهَ فَردًا**وقَد نُصِبَت مَوازِين القضَاء
وهُتِكَت السُتورُ عَن المعَاصِي** وجَاء الذنبُ مُنكَشِفَ الغطَاء


وإن من شدَّة ما يجده أهل النار من الأهوال وألوان العذاب يتمنَّون فدية أنفسهم بكلِّ شيء، قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ{ [آل عمران: 91]
وقال سبحانه: }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [المائدة: 36].
وما ذلك إلاَّ لعظم النكال والعذاب في تلك الدركات، فلا صبر ولا نصير ولا مُنقذ ولا مُعين، بل إنهم يودُّون لو يفدون بأبنائهم الذين من أصلابهم قال تعالى: }يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى{ [المعارج: 11-16].


سلاسلها وأغلالها وشدَّة حرها
سلاسلها وأغلالها:
وأهل النار في عذاب دائم؛ فقد جعل الله في أعناقهم الأغلال يُسحبون منها فتزيدهم عذابًا على عذاب، وخلق لهم سلاسل يسلكون فيها. قال تعالى: }إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ{ [غافر: 71]
وقال سبحانه }ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ{ [الحاقة: 32]
وما أعظم تلك السلاسل والأغلال وتلك المقامع والأصفاد! وما أثقلها على أهل النار! ويا للهوان والذل الذي يجلبه منظر حاملها وسط الجحيم! فإنما قيّدهم الله بها إذلالاً لهم لا خشية هربهم كما يُقيَّد السجين في الدنيا.
قال الحسن:
إنَّ الأغلال لم تُجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرَّب، ولكنهم إن طفا بهم اللهب أرسبتهم([9]) .
فاعمل يا عبد الله، امهد لنفسك؛ فجسدك لا يطيق حلقة من تلك السلاسل الغلاظ، ولا يقوى على المكوث في حفرة النار لحظة واحدة، فهو عذابٌ لا ينفع معه صبرٌ ولا جَلًد، ولا مالٌ ولا ولد، ولن يُنجيك منه أحد، سوى ما قدَّمتَ من عملٍ في هذه الأيام.

مَثِّل وُقُوفَكَ يَومَ الحَشرِ عُريانَا ** مُستَعطِفًا قَلِقَ الأحشاءِ حَيْرَانَا
النَّارُ تَزْفَرُ مِن غَيْظٍ وَمَن حَنَقٍ** عَلَى العُصَاةِ وَتَلْقَى الرَّبَّ غَضْبَانَا
اقْرَأْ كِتَابَكَ يَا عَبْدِي عَلَى مَهَلٍ** وَانْظُرْ إلَيْهِ تَرَى هَلْ كَانَ مَا كَانَا

شدَّة حرّها:
وأما حرُّ الدنيا فإنه يُتَّقَى، فقد مدَّ الله لعباده الظلَّ يَقِيهم الحرَّ، ورزقهم الماء يرويهم من العطش، وأوجد لهم الهواء والريح الكريمة تُلطِّف وتُهوِّن من شدّة الفيح.
أمَّا في جهنم فإنَّ هذه الثلاثة تنقلب عذابًا على أهلها فالهواء سموم، والظل يحموم، والماء حميم .. قال تعالى:
}وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ{ [الواقعة: 41-44].
وقال سبحانه: }انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ{ [المرسلات: 30-33].
عياذًا بالله من حرِّها؛ فشررها قطعٌ ضخمة بحجم الحصون والقصور، ويشبه الإبل السود في لونه من شدَّة السواد .. أمَّا دخانها فمُتشعِّبٌ إلى ثلاثة، وهو يحموم، لا ظليل ولا يُغني من لهب جهنم الحارق.
فأين صبرك يا عبد الله على هذا؟!
فهلاً وقيت نفسك من هذا البأس العظيم والخطر الجسيم؟!
فها هو النذير ينذر بهذا الشر العظيم ويخبر عن جهنم كيف تصنع بالعصاة المجرمين.
وَيلَهُم تَحْرِقُ النِّيرَانُ أَعظَمَهُم **بِالمَوْتِ شَهوَتُهُم مِنْ شِدَّةِ الضَّجَر
وَكُلُّ يَومٍ لَهُم في طُول مُدَّتِهِم** نَزعٌ شَدِيدٌ مِن التَّعذِيبِ بِالسّعرِ

ومن شدَّة حرِّها تلفح الوجوه فتتركها عظامًا لا لحم فيها، قال تعالى: }لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ{ [الأنبياء: 39].
ومن شدَّة حرِّها تصهر البطون وما في أحشائها من أمعاء، قال تعالى: }هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ{ [الحج: 19].
فاتقِ الله يا عبد الله، واعلم أنَّ الخطب جسيم وأنَّ الخطر قريب، فالجنة أقرب إليك من شراك نعلك والنار كذلك، كما صحَّ ذلك عن رسول الله r.
فالبدار البدار إلى التوبة، فإنَّ جهنم لا ترحم، وإن جحيمها لا يخمد، وما على الرسول إلاَّ البلاغ المبين.
سعة جهنم
والضيق في جهنم إحدى وسائل العذاب التي يصبُّها الله على الكفار والعصاة؛ فالضيق يشمل ظواهرهم وبواطنهم، وكيف لا ونفوسهم أصابها من الغمِّ والهمِّ والحسرة ما لا يُوصف مما هُم فيه من العذاب والنكال .. حرٌّ وحميمٌ وسمومٌ ويحمومٌ وسلاسلُ وأصفادٌ وظلمةٌ وسواد .. قد اجتمعت عليهم ألوان العذاب وأشكاله؛ فنفوسهم ضيِّقة ضنكة، وفوق ذلك كلِّه تجدهم محشُورِين في أضيق الأماكن في جهنم تنكيلاً بهم وزيادةً لهم في الغمِّ والهم .. قال تعالى: }وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا{ [الفرقان: 13].
فهم مُلقَون في أضيق الأماكن، وقد كانوا في الدنيا ينحتون من الجبال القصور فرهين فرحين بها، فما أحوجهم يوم القيامة إلى شبرٍ من الأرض يعبدون الله فيه فينجون من ذلك الضيق وذلك العذاب!
قال تعالى: }كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ{..
قال أبو عبيدة: أي في حبسٍ وضيقٍ شديد([10]) .
فارحم نفسك يا عبد الله قبل فوات الأوان، فأنت تحسب ألف حساب في حياتك حتى لا ترتكب ما يُدخلك السجن في الدنيا، وقد تضطرُّ إلى أن تتجاوز عن حقِّك مقابل السلامة والحرية والنجاة من ذلك، أفلا يكون احتياطك من سجن جهنم الرهيب أولى؟
أو قادر أنت على سجنها المظلم الضيَّق الحميم؟
أو يتحمل جسمك الضعيف وجلدك اللطيف حرَّ النار ولهيبها وثقل الأغلال وكيها وضيق المكان؟
أخي الكريم:
تَنبَّه قَبلَ المَوتِ إنْ كُنتَ تَعْقِلُ** فَعمَّا قَريبٍ لِلمَقَابِرِ تُحْمَلُ
وَتُمْسِي رَهِينًا فِي القُبُورِ وَتَنْثَنِي** لَدَى جَدَثٍ تَحْتَ الثَّرَى تَتَجَنْدَلُ
فَرِيدًا وَحِيدًا فِي التُرَابِ، وَإنَّمَا** قَرِينُ الفَتَى فِي القَبْرِ مَا كَانَ يَعْمَلُ



وجهنم مع ما يحصل لأهلها من الضيق، فهي واسعة ضخمة، يدلُّ على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال:
كنا مع رسول الله r إذ سُمع وجبة (أي سقطة) فقال النبي r: «تدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: «هذا حجر رُمِي به في النار منذ سَبعين خريفًا فهو يهوى في النار إلى الآن»([11]) .
ورُوي عنه أيضًا أنَّ رسول الله r قال: «لو أنَّ حجرًا مثل سبع خلفات أُلقِي من شفير جهنم هوى فيها سبعين عامًا لا يبلغ قعرها»([12]) .
ومما يدلُّ على سعة النار وعظمها كثرة الداخلين إليها على ما هم عليه من ضخامة الجسم وعظم الهيئة، وكذلك قذف الشمس والقمر فيها على ضخامة الشمس وسعة القمر، قال رسول الله r: «الشمس والقمر مُكوَّران في النار»([13]) .
ولك أن تتصوَّر أخي الكريم ضخامة جهنم وعظمها، فهي واسعة عظيمة كبيرة مهولة، ومع ذلك يجد فيها المجرمون من الضيق والحبس ما يعضُّون عليه الأنامل من ندم التفريط في الدنيا، ولك أن تتصوَّر جسرها، وكيف أنه يكفي لحمل الخلائق كلهم يوم القيامة، فكيف بجهنم نفسها؟
عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله r عن قوله تعالى: }وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ{ قالت: فأين الناس يومئذ؟ قال: «على جسر جهنم»([14]) .
فأين ما جمعوا في الدنيا وهم على جسرها العظيم ينتظرون نتيجة المصير؟!
قَدْ نَادَتْ الدُّنيَا عَلَى نَفْسِهَا** لَو كَانَ فِي العَالَمِ مَن يَسْمَعُ
كَمْ وَاثِقٍ بِالعُمْرِ أَفْنَيْتُهُ** وَجَامِعٍ بَدَّدتُ مَا يَجْمَعُ


قال بعض الحكماء: الدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان، وبحب الدنيا صمَّت أسماع القلوب على المواعظ.
ومما يدلُّ أخي الكريم على سعة جهنم كثرة الملائكة الذين يأتون بها يوم القيامة، قال r: «يُؤتَى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك»([15]) .
وقال الله جل وعلا: }وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ{ [الفجر: 23]
وهذا يدلُّ على عظمها، وأنها تسع الكفار والمجرمين والعصاة ولك أن تتصوَّر هذا العدد الهائل من الملائكة وهم يأتون بها يوم القيامة، وكلُّ ملك لا يعلم عِظم قوََّته وضخامته وشكله وجسمه إلا الله، فوالله إنه لمشهد تنكسر له النفس، يبعث على الرعب والخوف، ويجتثُّ من القلب حبَّ الدنيا والحرص عليها.
فَمَا هِيَ إلاَّ جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ** عَلَيهَا كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجتِذَابُهَا
فَإنْ تَجْتَنِبْهَا كَنْتَ سَلمًا لأَهْلِهَا** وَإنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلابُهَا

أخي الكريم:
بادر بالتوبة إلى الله من آثامك، وابكِ على خطاياك في إقدامك وإحجامك وقل:
يَا رَبُّ عَفوُكَ لاَ تَأخُذْ بِزِلَّتِنَا** وَاغْفِرْ أَيَارَبّ ذنبًا قَد جَنَيْنَاهُ

ألوان العذاب في جهنم
أمَّا عذاب جهنم فإنه ألوانٌ وأشكالٌ متعدِّدة بحسب تنوُّع دركاتها وإجرام أهلها وما قدَّموه من السيئات والآثام في الدنيا، قال تعالى: }بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ [البقرة: 81]
وهذه الآية نزلت في الكفار خاصة، فسيئاتهم تُحيط بهم نارًا يوم القيامة كما قال تعالى: }لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ{ [الأعراف: 41]
ففراشهم نار ولحافهم نار وقد أحيطوا بالنيران من كل مكان وكُبلوا بالسلاسل والأغلال وسُقوا ماء فقطَّع أمعاءهم، فاللهم رحمتك نرجو وبك نستعيذ من هذا الخزي وهذا النكال.
أخي الكريم:
واعلم أنَّ الله جلَّ وعلا لا يظلم مثقال ذرَّة، لذلك فالمعذَّبون يختلفون يوم القيامة في العذاب، كلٌّ بحسب ذنبه وزلَّته، قال r: «إنَّ منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى رُكبتَيه ، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته» وفي رواية إلى «عُنقه»([16]) .
وقد تقدَّم أنَّ أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجلٌ على أَخمص قدميه جمرتان يغلي منها دماغه([17]) .
أخي:
لا تحتقر ذنبًا مهما صغر، فلربما كان مصرعك في احتقاره ولازم وقار الله فإنه التقى:
خَلِّ الذُنُوبَ صَغِيرَهَا** وَكَبِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى
وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ** ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
لاَ تُحَقِّرَنَّ صَغِيرَة** إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى

ومن عذاب جهنم صُبَّ الحميم فوق رُءوس أهلها، قال تعالى:
}هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ{.
وحينما يُصَب فوقهم ذلك الحميم الشديد الحرارة، تنقطع جلودهم وتذوب، وتتمزَّق أحشاء بطونهم وتصهر، فلا صبر ولا هروب، ولا مخرج ولا نجاة ولا موت ولا هلاك، وإنما يُحيَون بعد ذوبانهم، فيُعادون للعذاب الشديد، قال r: «إنَّ الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعود كما كان»([18]) .
ومن أهل النار من تأكله النار إلى فؤاده، قال تعالى: }كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ{ [الهمزة: 4-7]
كان ثابت البناني يقول: «تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء، لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي» ([19]).
ومنهم من تنذلق أمعاءه فيطحن فيها، وذلك الذي يعظ بما لا يتَّعظ وينصح الناس وينسى نفسه، فقد ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله r قال: «يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار، فتنذلق أقتابه في النار، فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك، أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه»([20]) .
ومن أهل النار من تلفح النار وجهه فيُقلى فيها كما تُقلى السمكة في الزيت الحار، قال تعالى: }تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ{ [المؤمنون: 104]
وقال سبحانه: }سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ{ [إبراهيم: 50]
ولك أن تتصوَّر أخي الكريم حال وجوههم وقد ذهب لحمها وبقي عظمها .. فيا لها من بشاعة!.. ويا له من ألمٍ ومهانة! تُقلَّب وجوههم في النار و هم ينادون فلا يسمعون، ويصرخون فلا يُرحمون، ويطلبون الموت فلا يُجابون، وحينما تذوب جلودهم بالنار يُبدِّلهم الله جلودًا غيرها لأنها مركز إحساسهم بالألم، وهذا فيه آيةٌ وإعجازٌ لِمن كان له قلبٌ أو أ لقى السمع وهو شهيد، فقد ثبت في الطلب الحديث أنَّ الجلد مركز الإحساس بالألم وغيره، وقد ذكر الله جلَّ وعلا أنَّ أهل الجحيم حينما تذوب جلودهم وتحترق يخلق لهم جلودًا أخرى ليحسُّوا بالعذاب من جديد، قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا{ [النساء: 56].
وتصوَّر أخي الحبيب:
إنَّ الكافر يوم القيامة يُقسم بالله أن لم ير َخيرًا قط، بمجرَّد ما تلفحه النار لفحة واحدة، قال رسول الله r: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول لا والله يا رب»([21]) .
فاستعن بالله يا عبد الله، فإنما الدنيا إلى زوال، وإن نعيمها كالخيال وإنما هي دار ابتلاء وامتحان، واحذر مداخل الشيطان والزم التقى واحذر النفس والهوى فإن هذه الأربعة أسباب التعاسة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
قال تعالى: }فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{ [النازعات 37-41].





([1]) البخاري (6/330) ومسلم (17/179).

([2]) رواه البخاري مع الفتح (6/330).

([3]) انظر التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (2/145).

([4]) رواه البخاري (8/507) ومسلم (2853).

([5]) السلسلة الصحيحة (3/316).

([6]) التخويف من النار (107).

([7]) التذكرة للقرطبي (2/124).

([8]) مسلم (3/86).

([9]) الزهد للحسن البصري (128).

([10]) فتح القدير (5/399).

([11]) مسلم (4/2184).

([12]) صحيح الجامع (5/58).

([13]) السلسلة ا لصحيحة (1/32).

([14]) الترمذي وقال حسن صحيح غريب من هذا الوجه (3241).

([15]) مسلم (4/2184).

([16]) مسلم (4/2185).

([17]) مسلم (1/196).

([18]) الترمذي وقال حسن غريب صحيح، انظر جامع الأصول (10/540).

([19]) التخويف من النار (146).

([20]) البخاري (6/331) ومسلم (818/118).

([21]) مسلم.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-06-02
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: صفة النار من الكتاب والسنة

طعام أهل النار وشرابهم
طعامهم:
وأهل النار يصيبهم الجوع والعطش، فيطعمهم الله طعامًا يزيدهم عذابًا على عذاب، مما يجدونه من الألم والحر في بطونهم بعد أكله فلا هم يذهبون حرارة الجوع بذلك الطعام، ولا هم يهنئون قال تعالى: }لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ{ [الغاشية: 6، 7].
و«الضريع» نوع من الشوك المر النتن، لا ينفع آكله ولا يشبعه ويعرف عند الحجازيين بـ«الشربق»، قال قتادة: «مِن أضرع الطعام وأبشعه»([1]) .
وكلُّ طعام يأكله أهل النار يجمع عليهم مرارة الطعم وغصته كما قال تعالى: }إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا{ [المزمل: 12، 13].
و«الغصَّة» هي التي يعلق بها الطعام في الحلق فلا يسهل عليهم دخوله إلى الجوف ولا يسهل خروجه عنه للتخلُّص منه.
ومن طعام أهل النار صديد الأبدان والقيح، فمن شدَّة جوعهم وفقدهم للطعام يلتفتون إلى صديدهم فيطعمون منه ولا يستسيغونه، قال تعالى: }وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ{ [الحاقة: 36]
و«الغسلين» هو الصديد، وهو أنواع وألوان قال تعالى: }هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ{ [ص: 57، 58].
فتأمَّل أخي حفظك الله في هذا المشهد المشين، الذي تتقزَّز النفس من سماعه، فضلاً عن رؤيته، وانظر إلى هؤلاء البؤساء في مشهدهم هذا وهم يلعقون الضريع والقيح والغسلين، وألوان العذاب فوق رءوسهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، إنها الخزي والندامة والحسرة والخسارة.
فيَا سَاهيًا فِي غَمْرَةِ الجَهْلِ وَالْهَوَى** صَرِيعَ الأَمَانِي عَن قَرِيبٍ سَتَنْدَمُ
أَفِقْ قَدْ دَنَا الوَقْتُ الَّذِي ليْسَ بَعْدَهُ**سِوَى جَنَّةٍ أَوْ حَرِّ نَارٍ تُضرِمُ

ويا قُبح طعم ما يأكلون، لا تستسيغه أذواقهم، ولا تقبله ألسنتهم .. ومن شدَّة ما هم فيه من آلام الجوع ومرارة الطعم يتمنَّون الموت فلا يموتون، بل يزدادون عذابًا فوق عذاب .. قال تعالى: }مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ{ [إبراهيم: 16، 17].
أما فاكهتهم فإنها من شجرة الزقُّوم. وإنها لشجرة شنيعة المنظر فظيعة المظهر مرَّة المذاق مخيفة مرعبة، قال تعالى: }طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ{ [الصافات: 65-68]
فأيُّ نكالٍ بعد هذا النكال؟
واسمع إلى قول رسول الله r وهو يصف تلك الشجرة: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟»([2]) .
شرابهم:
أمَّا شراب أهل النار فإنه الحميم الشديد الحرارة، يشربونه من شدَّة العطش وهم يعلمون حرارته وحميمه؛ فيُقطِّع أمعاءهم وأحشاءهم .. قال تعالى: }وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا{ [الكهف: 28، 29]
وقال سبحانه وتعالى: }وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ{ [محمد: 15]
وقال تعالى: }الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ{ [الأنعام: 70].
فاللهم عفوك ورحمتك .. فما أشقى هذه الحياة!.. وما أتعس أهلها!.. فراشهم من نار ولحافهم من نار وفاكهتهم من نار وطعامهم النار، وشرابهم الحميم وظلُّهم اليحموم. ولا غيَّاث ولا كريم، كلَّما استغاثوا أُجِيبوا }قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ{.
فيا من تعصي الله، تصوَّر نفسك وأنت في هذه الحال، وقد رُمِيتَ لهذا المآل، وقُذِف بك في جهنم .. أتراك تفديك أموالك؟ أم تراك ينجيك جاهك وأولادك؟
فتُب إلى الله؛ فقد أوشك الأفول وقرب الحساب.
فَمَا هِيَ إلاَّ سَاعَةٌ وَسَوْفَ تَنْقَضِي** وَيُدْرِكُ غِبُّ السَّيْرِ مَنْ هُوَ صَابِرُ
واعلم أنَّ الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهِّرين، ويفرح بتوبة عبده ويفرحه بها، ويجزيه عليها خير الجزاء، وقل يا ربُّ:
أَسَأتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِئْتُكَ تَائِبَا** وَأَنِّي لَعَبدٌ عَن مَوَالِيهِ يَهْرَبُ
يُؤمِلُ غُفْرَانًا فَإِنْ خَابَ ظَنُّهُ** فَمَا أَحَدٌ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ أَخْيَبُ
قال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا{ [الطلاق: 5].
فيا عبد الله، استعن بالله ولا تعجز، وسرْ على درب قافلة النجاة، استمسك بكتاب الله وسُنة رسوله r والصحابة من بعده، ولازم التوبة والاستغفار فإنها حلية الصالحين ومنار الأنبياء والمرسلين، قال تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين:
}وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ وتأمَّل كيف علق فلاحهم - وهم المؤمنون - على التوبة؛ ليعلم كل مؤمن أنَّ الخير في ملازمته لهذه العبادة الجليلة:
اسْتَغْفِرِ اللهَ مِمَّا يَعْلَمُ اللهُ** إنَّ الشَّقِيَّ لَمَنْ يَحْرِمُ اللهُ
مَا أَحْلَمَ اللهُ عَمَّن لا يُرَاقِبُهُ** كُلُّ مُسِيءٍ وَلَكِنْ يَحْلَمُ اللهُ
فَاسْتَغْفِرِ اللهَ مِمَّا كَانَ مِنْ زَلَلٍ** طُوبَى لِمَنْ كَفَّ عَمَّا يَكْرَهُ اللهُ
طُوبَى لِمَنْ حَسُنَتْ مِنهُ سَرِيرَتُهُ** طُوبَى لِمَن يَنْتَهِي عَمَّا نَهَى اللهُ

خزنتها وهيئة أهلها
خزنتها:
قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{ [التحريم: 6].
فخزنة جهنم موصوفون بالغلظ والشدَّة لما لمناسبة هاتين الصفتين لمكان العذاب، فهم غلاظٌ على الكفار أشدَّاء عليهم، فلا يُغلَبون ولا يُقهَرون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، وقد ذكر الله جلَّ وعلا عدَّتهم فتنةً للمنافقين والكفَّار فقال سبحانه }سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ{ [المدثر: 26-30].
وقد افتتن المنافقون بذلك، فظنوا أنهم قادرون على هذا العدد القليل، فأعقب الله جل وعلا الآية بقوله: }وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا{ [المدثر: 31].
فيَا غِلاظٌ شِدَادٌ مِن مَلائِكَةٍ** قُلُوبُهُم شِدَّةً أَقْسَى مِنَ الحَجَرِ

هيئة أهل النار:
وأمَّا هيئة أهل النار فإنها ضخمة عظيمة هائلة، جسد الواحد منهم مثل عددٍ من جبال الدنيا الكبيرة العالية، ولا تسل عن ضروسهم ورءوسهم وجلودهم؛ فهي من العظمة ما لا يقدر عليه إلاَّ الله سبحانه، وما ذلك إلاَّ ليذقوا العذاب في أعلى صُوره وأنكى شدائده، فإنه كلما تضخَّم جسمهم كلما قوي العذاب في جنباتهم، فعظم أجسادهم نوعٌ من العذاب، قال r: «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع»([3]) .
وقال r: «ضرس الكافر - أو ناب الكافر - مثل أحُد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث»([4]) .
فتأمَّل يا عبد الله في قدرة الله وحكمته، كيف ضخَّم أجساد الكفار نكايةً بهم وزيادة لهم في الشقاء والعذاب، وتصوَّر إذا كان ضرس الكافر مثل جبل أحُد، فكيف سيكون شكله وهيئته وجسمه؟!
إنَّ العقل يعجز عن تصور هذا الشكل الرَّهيب العظيم، وإنما عظَّم الله أجسامهم لأنها وقود جهنم، بها تتسعّر وتتَّقد، نسأل الله السلامة والعافية .. قال r: «ضرس الكفار يوم القيامة مثل أحُد، وعرض جلده سبعون ذراعًا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة»([5]) .
فلك أن تقارن أخي الكريم بين هيئة أهل الجنة وما هم فيه من النعيم وهم شباب لا يهرمون يتنعَّمون ولا يبأسون، وبين هيئة أهل النار، وكيف أنها وبالٌ عليهم وحسرة وزيادة في النكال.
أَتَأْمَنْ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّهَا** وَلَيْسَ لَهَا فِي الخَلْقِ كُلُّهُمْ ثَمَنُ
بِهَا تَمْلِكُ الآخِرَةَ فَإنْ أَنَا بِعْتُهَا** بِشَيءٍ مِنَ الدُنيَا فَذَاكَ هُوَ الغُبْنُ
لأَنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بدُنيَا أُصِيبُهَا** لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنُ

لباس أهل النار:
وكما في النار طعام وفراش ففيها أيضًا اللباس، وليس اللباس لوقايتهم من الحر وإنما هو زيادة في العذاب، وتنوع في النكال قال تعالى: }فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ{
فهي ثياب من نار .. كان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: «سبحان من خلق من النار ثيابًا» ([6]) .
فهي لباسٌ مقطَّعة تزيد لابسها عذابًا ونكالاً وألمًا، قال تعالى: }وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ{ [إبراهيم: 49، 50].
والقطران هو النحاس المذاب، فالبس أخي لباس التقوى يقيك من حرِّ يوم القيامة، وينافح عنك لهيب جهنم، فإنه أسلم لك وأجدى، وأنفع من لباس الإجرام والفسوق والمعاصي؛ إذ هو مذلَّةً في الدنيا حسرةً يوم القيامة، فانظر كيف ألبسهم الله ثيابًا مقطَّعة حامية، لِما لبسوا في الدنيا لباس الكبائر والفواحش والفجور، قال تعالى: }لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ{ [الأعراف: 26].
وممَّن يلبسون تلك الثياب النائحات، قال r: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب»([7]) .
وأهل النار يُعذَّبون ظاهرًا وباطنًا، فهم مع عذابهم الجسدي يتعذَّبون بالحسرة والندامة على كُفرهم وأعمالهم، قال تعالى: }وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ{ [يونس: 54].
وتزداد ندامتهم إذ يتبرأ منهم الشيطان الذي أغواهم }فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [إبراهيم: 22].
بل يصرحون بندامتهم واعترافهم بذنبهم وقلة عقلهم قال تعالى: }فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ{ [الملك: 11]
ويتمنون أن لو كانوا ترابًا من شدَّة ندمهم .. قال تعالى: }يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا{ [النبأ: 40].
وتارة يلوم بعضهم بعضًا .. قال تعالى: }هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ * وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ{ [ص: 59-64].
ويزدادون حسرةً إذ يلومهم المؤمنون ويوبِّخونهم: }وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ{ [الأعراف: 50، 51]
وتكتمل حسرتهم إذ يوبخهم الملائكة، قال تعالى: }وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ{ [الزخرف: 77، 78].
فتذكَّر أخي الكريم هذه المشاهد المرعبة.. واعمل لنفسك أن تنجو من عذاب الله؛ فإنَّ عذاب الله شديد، وإن انتقامه عزيز، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كيف نتَّقي النار؟
وأما كيف نتَّقي النار فمن أجل هذا أنزل الله الكُتُب وبعث الأنبياء والرسل، فهو موضوعٌ عظيمٌ وجليل، يتضمَّن لبَّ الشريعة ومقصودها، ومن أجل ذلك فرض الله الجهاد والقتال، والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة، فتقوى النار ليس بالأمر الهين؛ إنها طريق النجاة من جهنم التي سبق الكلام عنها وعن أحوالها وأحوال أهلها وما يلاقونه فيها من ألوان العذاب وحميم الشراب والثياب.
أخي الكريم:
اعلم أنَّ النجاة كلَّ النجاة، في الاستقامة على أمر الله بمراد الله لوجه الله، ولن يتأتَّى لك العلم بذلك إلاَّ إذا فقهت أنك في دار ابتلاءً وامتحانَا، وأن الله جل وعلا هو الذي يمتحنك بالدنيا والشيطان والنفس الأمَّارة والهوى، فقد أنزل وحيه على رسوله r، وأمرك باتباعه، ثم أمرك بالإخلاص في ذلك، وجعل اتِّباعك وإخلاصك علامة نجاحك ونجاتك .. قال تعالى: }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{
وإحسان العمل إنما يكون بالاتباع لرسول الله r والإخلاص لله سبحانه.
فالزم أخي الكريم هذين الرُكنَين العظيمين؛ فإنَّ عليهما مدار النجاة والفلاح، وإيَّاك والخروج عن جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة، فإنه الزيغ بعينه والهلاك بذاته.
قال r: «ألا إنَّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الملَّة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»([8]) .
فالزم جماعة المسلمين، وامضِ على درب النبيِّ r وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ** وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ



قال تعالى: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ{ .
وقال سبحانه مخاطبًا رسول الله r والصحابة: }فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا{.
واعلم أخي الكريم أنَّ الإشراك بالله جلَّ وعلا يُوجب الخلود في النار، قال تعالى: }إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ{
وأنَّ التوحيد والإيمان هو النجاة، وإنما يوحِّد الله من يعرفه ويعرف أسماءه وصفاته قال تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ{..
فالشرك موجب لحبوط الأعمال، موجب للخلود في النار. نسأل الله السلامة والعافية.
واجتنب كبائر الذنوب؛ فإنها مهلكة للعبد مُسبِّبة لدخول النار، فالحسد والكذب والخيانة والظلم والفواحش والغدر وقطيعة الرحم والبخل وترك الفرائض والرياء والسمعة وعقوق الوالدين وشهادة الزور وغيرها من الكبائر موجب لدخول النار والعياذ بالله.
فاجتنب أخي الكريم هذه الكبائر، واستعن بالله في الصالحات من الأعمال وأولها أداء ما افترض الله عليك فإن الله جل وعلا يحب التقرب إليه بما افترضه على عبده أولا ثم بالنوافل والقربات ثانيًا وأهم الفرائض الصلاة فإنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، قال رسول اللهr : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
ووصيَّتي لك أخي الحبيب إذا أردت النجاة من النار أن تجعل بينك وبينها حجاب التقوى؛ فإنه خير دليل إلى الجنة، قال تعالى: }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ{ [النساء: 131].
وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. فهو سبحانه أحقُّ أن يُخشَى وأحقُّ أن يُهاب، قال تعالى: }إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ{ [المدثر: 56].
فقدِّم لنفسك يا عبد الله، وأقبل على ربِّك بالطاعات والقربات، فقد أنذر النذير وأوشك الرحيل.
واعلم بأنَّ تقوى الله تحفظ العبد في الدنيا قبل الآخرة، كما جرى لسفينة مولى النبي r حيث كسر به المركب وخرج إلى الجزيرة، فرأى الأسد فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودِّعه ثم رجع عنه!([9]) .
فتأمَّل يا عبد الله في فضل التقوى على العبد في الدنيا، كيف تكون سببًا في سلامته، واعلم بأنه سلامة ونجاة في الآخرة كذلك، فهي جماع الأمر وخلاصته، إذ بها تحصل مراقبة الله في السرِّ والعلن، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز: «ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك. ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترضه الله، فمن رُزق بعد ذلك خيرًا فهو خيرٌ إلى خير»([10]) .
أخي الكريم:
فَاسلُكْ طَرِيقَ المُتَّقِــ** ـينَ وَظُنَّ خَيْرًا بِالكَرِيم
وَاذْكُرْ وُقُوفَكَ خَائِفًا** وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ عَظِيم
إمَّا إلَى دَارِ الشَّقَا** وَةِ أَوْ إلَى العِزِّ الْمُقِيم
وفَّقَنَا اللهُ وَإيَّاكَ لِتَقْوَى اللهِ، وَالوِقَايَةِ مِنْ عَذَابِه، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.



([1])التخويف من النار (115) .

([2])صححه الترمذي وانظر مشكاة المصابيح (3/105).

([3])مسلم (4/2190).

([4])مسلم (4/2189).

([5])السلسلة الصحيحة (3/94).

([6])التخويف من النار (126).

([7])مسلم.

([8])السلسلة الصحيحة (204).

([9])انظر جامع العلوم الحكم لابن رجب (202).

([10])جامع العلوم والحكم (170).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

صفة النار من الكتاب والسنة



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 02:21 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب