منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

توجيهـات دينية فيما يجب على الراعي والرعية

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فيلا بنت السعودية منتدى الفن والديكور 0 2014-04-12 02:15 PM
قصة دينية مؤثرة BOUBA ركن قصص ومواعظ اسلامية 8 2013-01-11 12:01 PM
تحميل كتب دينية Emir Abdelkader منتدى مكتبة شباب الجزائر 6 2012-08-09 02:54 PM
الراعي abou khaled منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2012-05-06 04:19 PM
معلومات دينية bahaa edd منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2010-05-16 08:28 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-06-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي توجيهـات دينية فيما يجب على الراعي والرعية

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإنه ليسرني أن أقدِّم لهذا الكتاب «توجيهات دينية ومناصحات فيما يجب على الراعي والرعية» للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل مبارك، وهو غني عن التعريف، بارك الله في أيامه، ونفعنا بعلومه آمين.
فبيت آل مبارك من أكبر بيوت العلم بالأحساء. وقد تخرج من هذا البيت علماء أجلاء ودعاة ومصلحون. وكانت بيوت آل مبارك مفتوحة لطلاب العلم والمعرفة، أما في هذا العصر فبيت الشيخ محمد المذكور لا يزال مفتوحًا لطلاب العلم، وقد اشتهروا بالحلم والعلم والتواضع والكرم وحسن الخلق واستعمال اللين والحكمة في الدعوة إلى الله، وعالمنا هذا مجلسه مجلس علم وبحث وإفادة، نسأل الله له الشفاء العاجل من مرض ألمَّ به، وما مؤلَّفه هذا إلا واحدًا من مؤلَّفات عديدة؛ منها: (التعليق الحاوي) حاشية في الفقه المالكي يغلب عليها التحقيق وبعد النظر وسعة الأفق.
وإنَّ مما يؤكد بُعد الشيخ عن التعصب الذميم أنه لما وقع على عبارة فيها ذم شيخ الإسلام ابن تيمية، فما كان منه إلا أن ردَّها، ودافع عن شيخ الإسلام، وبين منزلته العلمية، وما قاله فيه المحققون.
وله كذلك رسالة بعنوان «بيان ما يجب على المكلَّف من الاعتقاد» بيَّن فيها ما يجب على المكلَّف اعتقاده في أقسام التوحيد الثلاثة؛ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، نهج في ذلك نهج السلف، وقد قرَّظ الرسالة الشيوخ الفُضلاء؛ العلامة محمد بن عبد العزيز المانع النجدي الحنبلي، والشيخ أحمد بن عبد اللطيف الملا الحنفي، والشيخ العابد محمد بن أبي بكر الملاء الأحسائي الحنفي، والشيخ محمد حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية السابق.
أما كتابه هذا (توجيهات ومناصحات دينية) فهو على صغر حجمه يعتبر ملخصًا لما في المطولات، وفيه من الفوائد والمقاصد ما ليس في المجلدات، وليس بحاجة للتنويه فعنوانه يدل عليه، وقد تفضل أحد المحسنين وأمر بطباعته على نفقته الخاصة وطلب عدم ذكر اسمه فجزاه الله خيرًا على صنيعه هذا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام وقواعده الخمس
الإسلام هو الدين المصطفى المختار من الله لعباده وخيرة بريته...
الإسلام هو الدين الذي بعث الله به رسله وأنبياءه: آدم فمن بعده إلى سيد الخلق محمد . لم يُختلف قط في أصوله وعقائده التي هي: توحيد الله تعالى بالعبادة. وإفراده بالألوهية، والإيمان بجميع ملائكته وكتبه ورسله بلا تفرقة بين أحد منهم، وإثبات المعاد، والعمل بجد لما بعد الموت من الحياة الأبدية في جوار خالقنا الكريم في دار المقامة مع العناية بمصالح البشر على اختلاف طبقاته، ورعي حقوقه، وجمع كلمته في مختلف عصوره، والسعي في رفاهيته وتأمينه، وحفظ كرامته وحريته، وضم شعوبه والمساواة بين أفراده، وقطع جذور التعصب والفرقة والاستبداد، ووجوب تبادل النصح والإخلاص بين حكوماته وأفراده وشعوبه.
هذا هو الدين الصحيح الذي اختاره الله لجميع خلقه. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132]، وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].
وإن كان الدين يختلف بحسب شرائع الرسل، فاختلافه في فروعه بالتحليل والتحريم، والتخفيف والتثقيل. قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48]، فيتغير المنهج بحسب العبادات والمعاملات حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية، لا في الأصول والعقائد.
ولما بلغ الطور البشري، والنوع الإنساني غاية كماله، وجمع من التعاليم السماوية، والتجارب الكونية ما برز به في أكمل أطواره، كما جرت عادة الله تبارك وتعالى في خلقه وإبداعه، وعجائب صنعه واختراعه، يبدأ الخلق ضعيفًا، ثم يرقيه بحكمته إلى ما سبق علمه من كمال قوى، واستعداد وتأهل لما خلق من أجله على حسب إرادته السابقة، وحكمته البالغة. فحينما توافرت القوى، ونضجت العقول، واستعدت الآراء للبحث والتفكير، في جو استحكمت ظلمته بالكفر، وتناهى ضلاله لفترة الوحي، وسيطر الجبروت المردي والطغيان المدمر على أهله؛ فحينئذ بعث الله سبحانه وتعالى أشرف مخلوق، وأكرم رسول، سيد العالم أجمع، وخيرة أهل السماء والأرض بلا نكر، الرحمة المهداة، والأمن لمن تابعه من عذاب الله سيدنا محمد بن عبد الله.
اختاره الله تعالى من خير قرن، واصطفاه من أكرم عنصر، وأرسله إلى خلقه عامة، لم يختص برسالته أمة دون أمة، ولم تنحصر خيراته ومعارفه في قوم دون قوم، ولم يستبد به شعب دون شعب. قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158] فأسعد الله به كل من آمن به وصدقه فيما بلَّغه عن ربه من عرب وعجم، وأحرار وعبيد، وأشراف وسوقة.
أرسله سبحانه وتعالى موحدًا للكلمة، جامعًا للشعوب، ماحيًا للأنانية والافتخار بالعناصر والأنساب، مشجعًا على التعاضد والتكاتف، هاتفًا بأن لا كرم إلا بالتقوى، ولا ميزة إلا بالتفاوت في الأعمال، فهو كما يبشر ابن سلام الإسرائيلي بالجنة يقول في سلمان الفارسي: «سلمان منا أهل البيت»، وفي الرومي: «نعم العبد صهيب».
بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، وأيده بما أظهر على يده من خوارق العادات من المعجزات الباهرة التي تخور دونها القوى البشرية، وتذعن لها الفطر الإنسانية؛ ليبين لجميع الأمم معالم هذا الدين العظيم المحكم؛ فبين  قواعده ودعائمه التي بها يتجلى في مظهره الحقيقي، ورونقه الباهر. كما أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله  يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» فهذه الخمس هي دعائمه وأركانه، وقواعد بنائه الأساسية، فيجب على معتنقه أن يعرفها معرفة حقيقية، ويأتي بها على وجهها المشروع ليتم بناه، ويظهر المسمى بها في صورته ومعناه.
وما أبلغ هذا التشبيه المعجز من سيد الفصحاء فإن البيت إذا قام على خمس دعائم كان محكمًا حصينًا. يقي صاحبه الحر والبرد، ويحفظه ويحفظ متاعه من سباع ولصوص ورياح وأمطار بخلاف ما إذا كان ساقط أحد الأركان؛ فإن صاحبه لا يأمن فيه على نفسه ولا متاعه.
فكذلك دين الإسلام إذا جاء معتنقه بهذه الخمس على كيفيتها المشروعة؛ فقد عصم نفسه من عذاب الله ومقته دنيا وأخرى، وإن كان يبقى عليه مع اجتناب المحارم الإتيان بمكملاته ومحسناته من فروعه وشعبه، كما أن للبناء محسنات ومكملات يزداد بها كمالاً وحسنًا وحصانة.
وإذًا فلا بد لنا أن نعرف هذه الدعائم معرفة حقيقية لنتخذ منها البناء اللازم لديننا الذي به عصمتنا من المهالك دنيا وأخرى، ويجب علينا أن نتجافى أو نأنف من الوقوف على المعرفة السطحية التي دخل علينا بسببها الخلل، فانهار كيان هذا الدين العظيم المحكم في طوائف جمة ممن يعتنقه، ويتشدق باسمه من غير أن يتحقق به. فخسرهم الإسلام على الرغم من تكثيرهم لسواده، ودخولهم في عداده، وكيف يجمل بنا التساهل والتغافل عن معرفة هذه الأركان ونحن بتحقيقها والتحقق بها نكون المسلمين المؤمنين الموعودين بالسيادة والعزة والظفر والتمكين في الدنيا، ووراثة جنة النعيم في الأخرى.
وقد اتبعنا هذه الكلمة بكلمات تتضمن بعض ما يلزم من تقرير هذه القواعد حسب الاستطاعة، مستمدين من الله الإعانة والتوفيق، ضارعين إليه سبحانه في العصمة من الزلل والزيغ، والحمد لله أولاً وآخرًا.

الشهادتان
قدَّمنا أنه لا بد لمعتنق هذا الدين من معرفة أركانه التي يبنى عليها معرفة حقيقية، ليتخذ منها البناء اللازم لدينه، ووعدنا أن نواصل القول في تعريف هذه القواعد؛ لننتظم إن شاء الله في سلك الداعين إلى الله.
الركن الأول: هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ومن الضروري أو البديهي أنه ليس المقصود من هذه الشهادة مجرد النطق بها، ولوكها بالألسن مع الغفلة عما تقتضيه من كمال التوحيد وصحة الاعتقاد؛ بل المقصود التلفظ بها مع تحقيق معناها، والتحقق به، والعمل ظاهرًا وباطنًا بمقتضاه.
فيجب على قائلها أن يعتقد اعتقادًا جازمًا لا يختلجه شك، ولا تزلزله شبهة بأن الله سبحانه إله واحد أحد فرد صمد، لا ضد له ولا ند له ولا صاحبة، ولا ولد له ولا والد له ولا شريك له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] لا شريك له في ربوبيته وإبداعه، ولا في ألوهيته واستحقاقه العبادة وحده لا شريك له، ويجب أن يكون هذا الاعتقاد مدعومًا بما نصب الله لنا من الأدلة على ذلك في كتابه العزيز، من النظر إلى الأكوان والعوالم العلوية والسفلية، والاستدلال بها على مكونها ومبدعها؛ فينظر المكلف إلى العوالم وما فيها من عجائب وعبر، ويستدل بالمخلوقات على الخالق، وبوجود المصنوعات على الصانع؛ فإنه من المستحيل أن يوجد فعل بلا فاعل، أو مخلوق بلا خالق. قال الله تعالى:
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: 35]. وقد أمرنا سبحانه بالنظر والاستدلال، والتفكر والاعتبار، في غير ما آية من كتابه، فلا يكاد سبحانه يذكر التوحيد والأمر به؛ إلا أعقبه بذكر الأدلة ليبرهن على وجوب توحيده، فأنت تسمع قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21، 22] فلما دعا إلى عبادته أثبت أنه الخالق الحكيم، الواجب إفراده بالعبادة، فذكر خمسة أشياء: خلق المخاطبين، وخلق من قبلهم، والأرض والسماء، وإخراج الثمرات من الماء النازل من السماء، ليلفت سبحانه أنظار الخلق إلى الاعتبار والاستدلال.
ويقول تعالى في الآية الكريمة: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: 163، 164].
فمن تأمل هذه العوالم العلوية والسفلية، واختلاف ألوانها وأشكالها، وطبائعها ومنافعها، ووضعها مواضع النفع بها وضعًا محكمًا، وتقديرها في سيرها وحركاتها تقديرًا منظمًا، وتسخير كلٍ لما خلق له وأريد به، وإيداع كل خاصية تباين خاصية الآخر، كاختلاف اللغات والأصوات والنغمات في الحيوانات، واختلاف الطعم واللون والريح في النبات، مع اتحاد التربة والماء والهواء، واختلاف الكواكب في سيرها وانتقالها وأضوائها، واختلاف الرياح في مهابها وشدتها ولينها وبردها وحرها، فمن تأمل في ذلك دلَّه على وجود الخالق العليم، المصور الحكيم، وعلى كمال قدرته، وباهر حكمته، وسعة رحمته، ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم. لا إله إلا هو، ولا معبود غيره، ولا إله سواه.
والقرآن مشحون من الأمر بالنظر والاستدلال، وذكر أدلة التوحيد، فيجب على العبد التدبر، ومعرفة ربه بالدليل، وأن يتوجه إليه بكليته، ويخلص له في عباداته، وينزهه عن الأنداد، فهذا ما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنها اشتملت على ما يجب لله توحيدًا وتنزيها؛ لأن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، يعني لا يستحق العبادة سواه لكونه هو الإله الحي القيوم الباقي، الذي يخلق ويرزق، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويمرض ويشفي، ويبتلي ويعافي، ويُدعى في الشدائد، ويجيب المضطر، ويفرِّج الكرب: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: 101، 102].
فإذا علم المؤمن انفراده بهذه الصفات وجب إفراده بالعبادة، وحَرُم صرف شيء منها لغيره؛ إذ كل من سواه مخلوق عاجز، وهو الخالق الحكيم القادر العليم، قال تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: 3].
ولكننا نأسف الأسف الشديد؛ أن كثيرًا ممن يقول لا إله إلا الله لا يعقل معناها؛ فلذا تراه يدعو غير الله أو يذبح أو ينذر لغير الله معتقدًا أنه ينفعه أو يضره من دون الله؛ فمثل هذا ما عرف معنى لا إله إلا الله، وإنما قالها تقليدًا.
وفقنا الله جميعًا لليقظة والانتباه، والعمل لما تقتضيه كلمة لا إله إلا الله.
وإذا شهد العبد لله سبحانه بالوحدانية، فلا تتم هذه الشهادة ولا تقبل إلا بالشهادة لنبيه محمد  بالرسالة، وهذا معنى أن محمدًا رسول الله؛ يعني: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إذ معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: أقرُّ وأعترف على نفسي طائعًا مختارًا أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله، وأقرُّ على نفسي طائعًا مختارًا أن محمدًا رسول الله؛ فيقر له  بالرسالة؛ لما ثبت له من معجزات يؤمن على مثلها البشر.
والمعجزات هي خوارق العادات من الأمور التي تعجز عنها القوى البشرية، ومعجزاته  لا تحصى، وأعظمها ما جاء به من هذا القرآن العظيم. فهو من المعجزات الخالدة الباقية إلى يوم الدين، إذ هو كلام رب العالمين ليس بمخلوق فينفد، ولا صفة مخلوق فيبيد، وقد قرر الله سبحانه وتعالى الدليل على نبوة نبيه بعد ما قرر الدليل على توحيده فقال جل وعلا:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ... [البقرة: 23، 24] الآية تعني أن محمدًا نشأ فيكم، وبين أظهركم أميًا لا يقرأ ولا يكتب. تعرفونه بذلك، ثم جاء بهذا القرآن العظيم، وقد تحداهم الله في غير ما آية بأن يأتوا بمثله، أو بعشر سور أو بسورة، فحين عجزوا عن معارضته – ومن إعجازه أنه قد أخبرهم أنهم لن يستطيعوا فما استطاعوا، وهم العظماء والفصحاء والبلغاء والشعراء والخطباء – فقد ثبت بعجزهم، وعجز من بعدهم عن الإتيان بمثله- أنه تنزيل من حكيم حميد، وأنه كلام رب العالمين، وثبت أن محمدًا الذي جاء به رسول الله حقًا، فيجب نتيجة لهذا الاعتقاد طاعته ، وتصديقه فيما بلغه عن ربه.
فثمرة شهادة أن لا إله إلا الله توحيد الله وإفراده بالعبادة، وثمرة شهادة أن محمدًا رسول الله تصديقه ومتابعته وتحكيم شريعته: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 31، 32].

رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-06-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: توجيهـات دينية فيما يجب على الراعي والرعية

الصلاة
تقدم لنا الكلام عن الإسلام وقواعده، والكلام عن الركن الأول من أركانه، وهو الشهادتان.
والآن نتكلم بمعونة الله سبحانه عن الركن الثاني وهو الصلاة، فبعد ما يعرف العبد ربه بتحقيق التوحيد، ومعرفة ما تضمنته كلمة الإخلاص -يجب أن يعلم أن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد التوحيد. قد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع، فمنكر فرضيتها كافر بالإجماع، وتاركها عمدًا كسلاً يقتل وجوبًا عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وسفيان والأوزاعي وابن المبارك، وغيرهم من أئمة الدين، كفرًا عند بعضهم، وحدّا عند الآخرين، وذلك لتضافر الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ودلالتها على كفر تاركها.
فمن الأحاديث ما رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة عن بريدة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، وأخرج الترمذي وغيره عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله  لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وأخرج ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي: أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قُطِّعتَ وحُرِّقتَ، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر». إلى غير ذلك مما هو مبسوط في مواضعه من كتب الحديث.
وقال ابن القيم رحمه الله: "لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزنى والسرقة وشرب الخمر، وأن تاركها متعرض لعقوبة الله وسخطه وخِزيه في الدنيا والآخرة؛ فتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ، ولا يمكن أن ينفى عنه الكفر بعد إطلاق رسول الله  الكفر عليه، وسلبه الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وأولى من سلبه ممن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، كما يدل على ذلك استقراء الكتاب والسنة، وكلام أئمة الدين، وفقهاء المسلمين".اهـ.
وذهب بعض المحققين إلى أن ترك الصلاة عمدًا محبط للعمل مستدلاً على ذلك بحديث البخاري عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله :
«بكِّروا بصلاة العصر، فإن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».
وقد جعلها رسول الله  عمود الدين، ولا يخفى أنه إذا سقط عمود الفسطاط فلا انتفاع بغيره من طنب ونحوه، بل لا ينفع ذلك إلا مع بقاء العمود؛ لكن كفر تاركها عمدًا بلا جحد كفر عمل لا كفر اعتقاد؛ ولذا قال جمهور العلماء: يقتل حدّا.
وبالجملة فالصلاة أم العبادات، وأساس الخيرات والبركات؛ ولذا خُصَّت بأنها فُرضت في السماء، وأنها أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله، وأنها آخر ما يبقى من هذا الدين.
ولقد أكثر الله سبحانه من الأمر بها في كتابه، والاصطبار عليها، وإذا تأملت القرآن الكريم لم تجده يأمرنا بالصلاة فحسب، بل يأمرنا بإقامتها ليكون اهتمامنا بإقامتها لا أن نأتي بها صورة، فليس كل مُصلٍّ مقيمًا للصلاة؛ لأن إقامتها: هو القيام بأركانها، وواجباتها، وسننها، وحفظ حدودها باطنًا وظاهرًا؛ فهي الصلة بين العبد وربه، فمن أقامها كما أمره الله أوصلته صلاته إلى رضا الله، ونهته عن محارمه. كما في حديث الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
جاء رجل إلى النبي  فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، قال: «إنه سينهاه ما تقول». ولقد صدق رسول الله  فإذا رأيت من لا تنهاه صلاته عن المنكر فأعلم أنه لم يصلها صلاة المفلحين الذين أثنى الله عليهم بقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1، 2]، وإنما صلَّاها صلاة الساهين الغافلين الجاهلين الذين يتوعدهم الله تعالى بقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4، 5]، فقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا:
«من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدًا».
وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو داود بسند حسن:
«إذا أحسن الرجل صلاته فأتم ركوعها وسجودها قالت: حفظك الله كما حفظتني، فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه».
وفي رواية أنس مرفوعًا: «ومن لم يتم خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني،حتى إذا كانت حيث شاء الله لُفت كما يلف الثوب الخلق، ثم ضرب بها وجهه».
وفي صحيح البخاري عن حذيفة رضي الله عنه: أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له: ما صليت، ولو مُتّ مُتّ على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا .
وفي الموطأ مرفوعًا: «وأسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: وكيف يسرق من صلاته يا رسول الله،قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها».
وفي الحديث: «من حفظها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع»، فإذا ضيع الصلاة فلا يرجى منه خير، ولا يظن به خير، والأحاديث والآيات والآثار في هذا المعنى كثيرة لا تخفى على من أرادها.
فانظر أيها القارئ الكريم، وتأمل حال الكثير أو الأكثر ممن يعتنق الإسلام، ويدين به، فسترى من لا يهتم بالصلاة أصلاً، ويعتقد أو يغالط في اعتقاده أن اسم الإسلام كاف في نجاته من عذاب الله، وعتق رقبته من النار، وما علم المسكين أن الإسلام يحتم قتله وطرده من رحمة الله الواسعة؛ لأن بقاءه قذى في عين الإسلام والمسلمين، كما يتضح للقارئ من الأحاديث التي أشرنا إلى اليسير منها.
وترى آخرين مخدوعين، استحوذ عليهم الشيطان، وأخذ بنواصيهم، واستعبدهم في تحصيل شهواتهم البهيمية الذاتية، وغلبهم على أمرهم حتى في الحال التي يرى أحدهم أنه خصصها لربه من وقته لأداء فريضته، فتراه يأتي بالصلاة صورة جافة خداجًا غير تامة، قد خلت من خشوعها الذي هو سر الصلاة المقصود منها، وسُرقت ركوعها وسجودها. وعُدمت طمأنينتها، ويظن المسكين أنه قد أدى واجبه، وتقرب بها إلى ربه، وما علم أنه يزداد بعدًا عن ربه حسبما جاء في الأحاديث الآنفة الذكر، وأنه معرض نفسه للموت على غير الفطرة؛ كما في حديث البخاري، وأنها ليست بصلاة أصلاً، وأن صاحبها ليس بمصُلٍ، ولا يدخل بصلاة هذه صفتها في عداد المصلين، فقد نفى رسول الله  عن صلاة مثل هذه اسم الصلاة، كما في البخاري ومسلم وسنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
إن رسول الله  دخل المسجد. فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله  فرد عليه السلام وقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء إلى النبي  فسلم عليه فقال له: «وعليك السلام». ثم قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا؛ فعلمني. قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
فانظر أيها المؤمن لقول رسول الله : «فإنك لم تصل» كيف نفى عن كل صلاة ناقصة اسم الصلاة، ولم يعتبرها صلاة أصلاً.
ولقد أهملنا كل الإهمال، وغفلنا كل الغفلة عما يجب علينا نحو هذا الركن العظيم الذي هو أول ما يحاسب العبد عليه يوم عرضه على ربه، كما في الحديث. ولقد رتب الله سبحانه لنا مقامًا في الصلاة، فخص القيام بالقراءة؛ لكونه حال استقرار يتمكن العبد فيه من تدبر ما يقرأ، وجعل بعده الركوع وخصه بالتعظيم، كما في حديث:
«وأما الركوع فعظموا فيه الرب» لأن المناسب بعد تدبر آياته الدالة على كمال عظمته تعظيمه بالفعل والقول، ثم بعد ذلك السجود، وأمرنا فيه بالدعاء، لأنه أبلغ حالات التذلل والخضوع، وظهور المسكنة والافتقار، وذلك أحرى بإجابة الدعاء كما في حديث:
«وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» أي : فحريّ، وحديث:
«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».
وبالجملة يجب على المسلم أن يحافظ عليها بشرائطها في أوقاتها ما استطاع وأن يتفهم أسرارها العظيمة التي منها: عدم الغفلة عن الله، ولذا شرعت لنا خمس مرات في كل يوم وليلة، ولا تسقط عن مسلم ما دام في عقله، ولكن يؤديها حسب استطاعته كما قال تعالى: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ فقد ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن رسول الله  قال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». فلا ينقطع العبد عن ذكر ربه في حال من الأحوال. يذكره بلسانه وبجوارحه وبقلبه.
وفقنا الله جميعًا لما يقربنا منه، وينجينا من عذابه، وأخذ بنواصينا إليه، والحمد لله رب العالمين.

الزكاة
وإذا تقرر لدى المسلم فضل الإسلام على سائر الأديان، وعلم ما يجب عليه نحو ركنيه الأول والثاني حسب ما بيَّنَّاه في كلامنا السابق، فيجب أن يعلم المسلم: أن الركن الثالث للإسلام هو: أداء الزكاة. فالزكاة أحد أركان الإسلام، وقواعده العظام، قد ثبتت فرضيتها بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، فمنكر فرضيَّتها كافر بإجماع المسلمين، ككل من جحد ما علم من دين الإسلام بالضرورة، ومانعها بلا جحد فاسق عاص لله ولرسوله، ملعون على لسان رسول الله ، يجب على ولي الأمر أخذها منه كرهًا، وقتاله على ذلك، ولو أتى على نفسه كان دمه هدرًا، كما فعل سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قتال مانعيها؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قرنها بالصلاة في غير ما آية في كتابه العزيز، وجعلها ركنًا من أركان الدين التي لا يتم ولا يكمل إلا بها؛ كما قد جاء في آيات كثيرة. منها قوله سبحانه وتعالى:
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5].
وكذلك جاءت الأحاديث الصحيحة مصرحة بوجوبها، وأنها ركن، وأن تاركها ملعون؛ أي مقطوع من رحمة الله، فلا يتم إيمان، ولا يكمل إسلام إلا بأدائها إيمانًا واحتسابًا أي: تصديقًا بوعد الله ورجاء لثوابه.
وسميت الزكاة زكاة لأن المال يزكو بإخراجها منه، وينمو ويطيب، كما أنه يخبث ويهلك لعدم إخراجها منه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني وغيره:
«ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة».
وأخرج البزار، والبيهقي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
«ما خالطت الزكاة مالاً إلا أفسدته».
فإذا وفق الله سبحانه العبد لأداء هذا الركن إيمانًا واحتسابًا، طيبة بها نفسه، أقام بأدائها ركن دينه القويم، وامتثل بها أمر ربه العظيم، الذي رزقه المال من فضله، وحصن بها ماله؛ كما جاء في حديث أبي داود، وغيره عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله :
«حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع».
وطهر بها نفسه من سمة الشح، وصفة البخل، كما قال تعالى:
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103].
وأذهب بأدائها شر ماله؛ كما جاء في الحديث الصحيح من قوله :
«إذا أديت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شره» رواه الحاكم وغيره، وقال صحيح على شرط مسلم.
وتحبب بها إلى إخوانه المسلمين، وذويه الأقربين، وانتظم بأدائها في سلك أهل المواساة، وأهل الصبر والمرحمة، وقام بما يجب عليه من سد خلة المحتاجين، ومواساة المضطرين، وإغاثة الملهوفين، وجاء يوم القيامة بوثيقة تبرهن على صحة إيمانه، كما جاء في الحديث الصحيح:
«والصدقة برهان».
وكما أن أداء الزكاة يصون المال من التلف، وصاحبه من البلاء، ويتقرب العبد بأدائها إلى ربه، وتبرئ الغني من وصمة البخل، فهي أيضًا أنفع علاج لإخراج داء الحسد من قلوب الفقراء، فأداؤها ودفعها إلى مستحقيها كما أمر الله تعالى يذهب داء الحسد والبغضاء، وبأدائها يحصل التحابّ والتآلف بين المسلمين، والتعاضد والتعاون بين المتجاورين، فهي تطهير للغنّي، وتحصين للمال، وتطييب للباقي منه بعد إخراجها، ومواساة للفقير، وعلاج لأدواء فقره من حسد وغيره، ثم هي مع ما فيها من الخير العاجل والثواب الآجل جزئية بالنسبة للمال الواجب إخراجه: هي عُشره، أو نصف عشره، أو ربع عشره. كما هو مقرر في أبوابه من الفقه؛ فالله سبحانه وتعالى أعطانا الكثير، وافترض علينا اليسير، ووعدنا على ذلك بالأجر الجزيل، وتوعد على عدم إخراجها بالعذاب الشديد. قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 34، 35].
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعل يوم القيامة شجاعًا من نار فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس».
والحكمة في تخصيص الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن جميع الجسد يعذب ويمد على قدر المال، كما جاء في الآثار؛ لأن هذه الأعضاء باشرت المعصية التي هي الإعراض عن الفقير، والتكبر عليه، فالبخيل إذا جاءه أخوه المسلم الفقير يلتمس حقه الواجب له عبس بوجهه، ثم ازورَّ عنه بجنبه، ثم ولاه ظهره معرضًا عنه.
وبالجملة فالبخل بها منذر بذهاب المال، ومحق البركة منه، ومعرض صاحبه لمقت الله، ومقت خلقه في هذه الحياة، ومؤذن بعذاب الله وسخطه في الدار الآخرة.
عصمنا الله من موجبات مقته وغضبه، ونظمنا في سلك المبادرين بامتثال أوامره.

الصيام
من الواجب على كل مسلم أن يعلم أن صيام شهر رمضان فريضة على كل مكلف قادر على صيامه، قد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فمنكر فرضيته كافر كمن أنكر ما علم من الدين بالضرورة، وتارك صيامه بلا جحد تهاونًا واستخفافًا يقتل حدًا عند الكثير من أهل العلم لما جاء في مسند أبي يعلى وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«عُرى الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان».
فيجب علينا معاشر المسلمين حيث من الله علينا باعتناق أكمل دين، واتباع أشرف كتاب أنزل، وهدانا بأفضل رسول بعثه بشيرًا ونذيرًا للناس كافة أن نستقبل هذا الشهر الشريف، والموسم العظيم بنية خالصة، ونشاط جيد؛ شكرًا لله سبحانه على ما خصنا به من نعمه العظيمة، فلقد أعطى الله سبحانه هذه الأمة، وخصها ببركة نبيها محمد  بما لم يُعطِ أمة غيرها، فرمضان لنا ولمن قبلنا، وقد خصنا الله فيه بخصال مِنْهُ مِنَّةً وفضلاً، فقد أخرج الإمام أحمد، والبزار، والبيهقي، والبخاري في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطهن أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله عز وجل كل يوم جنته ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل يا رسول الله: أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله».
ولما في الصيام من الفوائد الدينية، والدنيوية جعله الله أحد أركان الإسلام، وأمهات قواعد الدين، ولم يخل دين سماوي، ولا شريعة إلهية من وجوب الصيام، فالصيام مدرسة الهداية، ونبراس الذكاء، وسلم العروج إلى كمال السعادات، وأعلى المقامات.
وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة النبوية المباركة الميمونة. التي عمت بركتها الوجود بأسره، وذلك بعد ما توطنت النفوس وارتاضت على التوحيد، والصلوات الخمس، واطمأنت بأداء الزكاة؛ فحينئذ فرض عليها الصيام، كما اقتضت حكمة الله البالغة، وإرادته السابقة في فرضه أحكام هذا الدين المقدس فرضًا تدريجيًا، كلما فرض سبحانه على عباده فريضة، وارتاضت عليها نفوسهم فرض الأخرى، قال جل ذكره: وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً [الإسراء: 106].
وقد خاطب الله سبحانه عباده المؤمنين في إيجاب هذه الفريضة عليهم بخطاب في غاية اللطف، وكمال الرحمة، وفيضان العناية مع التنبيه البليغ على ما في الصوم من أنواع الخيرات، وصنوف المبرات، وسبب الصحة، وتحصيل التقوى. قال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 183-185].
فانظر أيها القارئ ما تضمن هذا الخطاب من المولى الجليل. نادى عباده المؤمنين بنداء الكرامة فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ولم ينادهم بنداء العلامة كما قال لأهل الكتابين قبلنا: يا معاشر المساكين يا أبناء الماء والطين. ثم قال جل ذكره كُتِبَ بالبناء للمجهول لثقل المكتوب على نفس المخاطبين به، ونفور طباعهم منه، ولم يقل: كتبت عليكم، كما قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54] وفي هذا من آداب المخاطبة ما ينبغي أن نتنبه له في مخاطباتنا، ونشكر لمولانا لطفه وعنايته بعباده الضعفاء. ثم قال جل وعلا: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وفي هذا تسلية للمخاطبين ببيان عموم المكتوب، وشمول فرضيته لجميع من قبلنا من عباده؛ آدم فمن بعده، ومما يخفف الأمر الشاق عمومه، وشموله لجميع الأفراد.
ثم قال جل ذكره: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فبين لنا أن الصوم سبب للتقوى، وموجب لها؛ لما يحصل به من هضم النفس، وكبح جماحها، وانكسار سورة شهواتها الحيوانية. وقد قيل: إذا جاع البطن شبعت الجوارح، وإذا شبع البطن جاعت الجوارح، وقال :
«ومن لم يستطع» يعني مؤنة النكاح «فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، ولما في الصوم أيضًا من تذكر حال الفقير الجائع غالب أوقاته، ولا شك أن من راض النفس على ترك الشهوات المحببة إليها طبعًا امتثالاً لأمر الله، وخضوعًا لسلطانه، غير خائف إلا من الله، ولا رقيب عليه في ذلك سواه لا بد أن تزكو نفسه، وأن تشرق أنوار التقوى في قلبه فيتجنب المعاصي خشية لربه، وخوفًا من مقته وعذابه، لهذا كان الصوم من أعظم أسباب التقوى.
ثم قال تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ أي قليلات يسيرات، لأن من شأن اليسير أن يكون معدودًا، يبين لنا سبحانه أن المكتوب علينا صيامه من الزمن ليس بنصفه، ولا ربعه، ولا سدسه، وإنما هو نصف سدسه، وهذا من تمام اللطف، وكمال التسلية منه لعباده، والتنشيط منه لهم على العبادة أنْ أوضح لهم أنّ المفروض عليهم صيامه قليل جدًا، ثم عقَّب ذلك ببيان الرخصة لمن قام به عذر من مرض أو سفر: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
فافهم أيها القارئ، وتنبه لما بينه الله سبحانه وتعالى من فضله ولطفه بعباده، وحكمته، وسعة رحمته، وعنايته التامة في مشروعية هذا التكليف المهم.
أولاً: أوضح أن لكم فيه أسوة بمن قبلكم.
ثانيًا: كونه سببًا وموجبًا للتقوى التي هي أساس الدين ورأس الأمر.
ثالثًا: بيان قلة المفروض صيامه من الزمن.
رابعًا: أنه جعله في أفضل الشهور وأفضل الأوقات، وهو الشهر الذي اختاره الله لإنزال القرآن فيه على رسوله، وأوقع فيه البطشة الكبرى بأعدائه.
خامسًا: إزالة المشقة ودفع الحرج عمن قام به عذر من مرض أو سفر.
ومن حكمة الله البالغة أن جعل فريضة الصيام أول الإسلام على التخيير بين الصوم والإطعام، فلما ارتاضت عليه النفوس وألفته، وتذوقت ما فيه من الصحة للجسم، والذكاء للفهم نسخ التخيير وحتم الصوم.
نظمنا الله في سلك المتعاونين على البر والتقوى.

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-06-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: توجيهـات دينية فيما يجب على الراعي والرعية

الحج
يجب على المسلم أن يعلم أن الحج أحد أركان الإسلام، وقاعدة من قواعده الأساسية التي يقوم عليها مبناه العظيم، وقد جاء الحديث( ) الذي قدمناه عن ابن عمر رضي الله عنه رواية بتقديم الحج على الصوم، فيجب علينا معاشر المسلمين أن نعلم ما هو الحج؟ وما معنى الحج؟ وما هو المقصود من الحج؟
الحج بكسر الحاء وفتحها لغتان، وبهما قُرِئ في السبع، وأكثر السبع بالفتح، ومعناه لغة: القصد، أو قصد الشيء لتعظيمه، وشرعًا: القصد إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة كالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، وغيرها مُحِرمًا بنية.
واختُلف في أي سَنَةٍ فرض، والصحيح أنه فرض في سنة تسع من الهجرة، وقد جاء في وجوبه وفرضه من الآيات والأحاديث ما لا يحصى كثرة، ولا ينكر شهرة.
فمن الأحاديث ما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
خطبنا رسول الله : «يا أيها الناس كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل سنة يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها، فمن زاد فهو تطوع» يعني على المرة الواحدة.
ومنها ما رواه أحمد، وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله : «أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور».
وما رواه أحمد عن أبي هريرة أيضًا قال:
قال رسول الله : «من حج، وفي رواية أخرى: من أمَّ هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه».
ومنها ما رواه أحمد، وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
أن النبي  كان يقول: «إن الله عز وجل يباهى ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا عبادي أتوني شعثًا غبرًا».
ومنها ما رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي  قال:
«تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما تنفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة».
ومنها ما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله : «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والعمرتان تكفران ما بينهما». ومن الآيات قوله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... الآية فهاتان الآيتان قد دلَّتا على وجوب الحج كما دلت الأحاديث على ذلك، وأنه أحد أركان الدين، ودعائمه، وأمهات قواعده، ودلت على ذلك أيضًا الأحاديث الكثيرة المتواترة وأجمعت على ذلك الأمة إجماعًا ضروريًا.
وكما أن الآية الأخيرة دلت على وجوب الحج، فكذلك قد دلت على مزيد العناية بأمر الإخلاص فيه، وإلى هنا الإشارة بقوله تعالى: لِلَّهِ فهذا التوكيد بقوله تعالى لِلَّهِ مع أن الأعمال كلها لله، وقد قال تعالى: وأتموا الصيام، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ولم يقل بعده لِلَّهِ فزيادة لِلَّهِ بعد وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ تنبهنا على أن الحج من أكثر الأعمال عُرضة للرياء؛ فكثيرًا ما يتحدث الإنسان عن حجه، ويتمدح بذكر نفقاته وإطعامه، وغير ذلك؛ مما يفسد حجه فيجب التنبيه على مجاهدة النفس على ما ينبغي من مراعاة الإخلاص ولقد أحسن القائل:
ما الحج سيرك تأويبًا وإدلاجًا = ولا اعتيامك أجمالا وأحداجًا
الحج أن تقصد البيت الحرام على = تجريدك الحج لا تبغي به حاجا
وتمتطي كاهل الإنصاف متخذا = ردع الهوى هاديًا والحق منهاجا

وليعلم المسلم أن لله في الحج أسرارًا، وحكما عظيمة فمنها ما تدركه العقول المنيرة، ومنها ما تعجز عن إدراكه، فمن ذلك أن الله سبحانه وتعالى شرَّف وكرَّم عباده المؤمنين به المصدقين بوعده، فدعاهم إلى زيارة بيته ليضاعف لهم الأجر، ويحط عنهم السيئات، ويقضي حوائجهم بالرجوع إلى بابه، والمبادرة إلى امتثال أمره اتباعًا لما شرع لهم على لسان رسوله ، ثم شرع لهم سبحانه الغسل عند الإحرام تنبيهًا على مراعاة ما يجب عليهم من التأهب والنظافة لمناجاته، فكما شرع لهم تطهير البواطن بامتثال الأمر شرع تطهير الظواهر من الدرن والأوساخ، وشرع لهم سبحانه وتعالى التجرد من الثياب، ولبس الإحرام تذكيرًا بحالة الخروج من الدنيا، ولباس الأكفان؛ لينبههم بذلك على ما يجب عليهم من الاستعداد للنقلة إلى الأوطان الحقيقية، وشرع لهم الجهر بالتلبية إظهارًا للإجابة، وتصريحًا بالخضوع، والامتثال، إلى غير ذلك من الأسرار والحكم التي يدركها أهل القلوب المشرقة بنور اليقين والإخلاص.
ومن عنايته بعباده، ولطفه بهم أنه قيَّد وجوب الحج عليهم بالاستطاعة، وقد اختلف العلماء في تفسير الاستطاعة فقيل هي: وجود الزاد والراحلة، وفي معنى الراحلة ما يقوم مقامها من أجرة الطائرة أو الباخرة أو السيارة مع الأمن على النفس، وما له بال.
وقال بعضهم: الاستطاعة هي إمكان الوصول إلى البيت العتيق بلا مشقة فادحة مع الأمن على المال والنفس.
ومما يجب أن نلفت إليه أنظار إخواننا من حجاج بيت الله الحرام التنبيه لاتباع السنة في أداء مناسك الحج، والحرص على الإتيان بالعبادة من بابها المشروع؛ فإن العبادة لا تقبل إلا مع الإخلاص، وموافقة الكتاب العزيز والسنة، كما يرشد إلى ذلك قوله  في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملاً ليس من أمرنا فهو رد».
وقوله : «خذوا عني مناسككم».
وإننا نأسف الأسف الشديد؛ لما نشاهده أو نسمعه من أعمال تفسد الحج، أعمال أوقع فيها الجهل الناشئ عن الغفلة أو الاستخفاف بأمر الدين؛ فتجد أحد المسلمين يفارق وطنه، وينفق ماله، ويجهد نفسه، فيرجع ولم يقض فرضه، ولم يؤد حجه كما أمر به ربه، وبين له نبيه محمد ، وأوضح ذلك ورثته من علماء أمته. وما ذاك إلا لجهله، وعدم سؤاله، أو سؤاله جاهلاً يتجرأ على الفتيا في دين الله بلا علم.
فيجب على المسلم أن يحتاط لعبادته، ويجتهد في تأديتها على الوجه المشروع، وليعلم المسلم أنه متى جاء بعبادة الله على غير وجهها المشروع فعمله باطل سواء كان جاهلاً أو عامدًا.
وفقنا الله جميعًا للتنبيه على ما يجب، والتعاون على البر والتقوى.

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
لقد شاهدت أثناء رحلتي إلى بعض البلاد المجاورة، من الممالك العربية التي يحكمها المسلمون المؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ما يؤسف المؤمن الذي يهمه أمر المسلمين، ويغار على شعائر هذا الدين من حال شباب يتخرج من مدارس غفل المهيمنون عليها عن مسؤوليتهم أمام الله فيما تحملوا من أمر عباده.
إن ما تعاطاه بعض المسلمين من إدخال بعض أنظمة الغرب وتعاليمه في برامج مدارسنا لمن أعظم أسباب التأخر، وأقوى دواعي الاستعمار. بل الواجب أن نأخذ من الغربي ما ننتفع به في دنيانا، مع التباعد عما يشيننا عقيدة وأخلاقًا.
فخذوا من الغربي خير علومه
وذروا قبيح خلائق وطباع

إن في كتابنا العزيز، وسنتنا الغراء، وسيرة سلفنا الصالح لما يسد الخلل، ويقيم الأود، ويثقف العقل، ويذكي الفكر، ويحفظنا من الانخراط في هوة التقليد المردي، ونستبين به الصراط المستقيم. قال الله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ وقال النبي : «جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي».
يا أيها المؤمنون المسؤولون الكرام: إن المؤمن إذا أمعن الفكرة، وتلمس الحقيقة، وتجافى عن التصنع والمغالطة علم أن ما أصاب المسلمين من تدهور وانهيار، وتفصًّ من أخلاق الدين الحنيف، وتعاليمه القيمة سببه الوحيد، وعامله المفرد تفريط زعماء الأمة الإسلامية في تربية الشباب، والتراخي في جهاد النفوس على ما يجب من معاناة النشء:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه

ومن هم زعماء الأمة؟ نعني كل من يلي أمرًا من أمور المسلمين بإمارة أو إدارة، أو يشغل منصب تعليم، أو تكون له كلمة مسموعة.
إن أبناء المدارس في عموم البلاد الإسلامية. هم رجال المستقبل بل هم المسلمون المُرجَون لحمل الدين وحمايته، فإذا انهار كيان الدين في نفوسهم، وتلاشى تعظيم الشريعة في قلوبهم، وجهلوا ما بلغ هذا الدين العظيم بأهله دنيا وأخرى في حال طفولتهم، وفراغ أذهانهم، فكيف يكون الحال إذا شب أبناؤنا، وهم لا يرون ولا يسمعون إلا دعاة الاستعمار، وسماسرة الغرب قولاً وعملاً يتشدقون بتضخيم الغرب، وتعظيم رجاله، وتمثِّل أفعالهم أخلاقه السيئة، أو مغفَّلين بسطاء يحذون حذوهم، وينخرطون في هوة تقليدهم. فيغفل هؤلاء، ويتغافل أولئك عن مآثرٍ هي المثل العليا في رقي البشر، وسَيرِهِ قُدُمًا في حياته الهنيئة الموصلة إلى حياته الأبدية في جوار خالقه الكريم.
إن تلك المآثر التي جلت عن الخفاء، وشهدت بها الأعداء، وظهرت ظهور الشمس في الملأ لتبرهن على مجد بناتها، أولئك السادة آباؤنا الكرام وسلفنا الصالح، الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وامتزجت عقائد الدين بنفوسهم، وانطبعت آدابه وتعاليمه في أخلاقهم. فمثلوه عملاً، ودعوا إليه فعلاً قبل دعائهم إليه قولاً، وطبقوا قوانينه وأنظمته حكومات وشعوبًا وأفرادًا أولئك الذين استرخصوا مهجهم في سبيل إعزازه، وضحوا بأموالهم وأولادهم وأوطانهم في حمى حوزته، والذب عن كيانه:
هم الذين رعوا للدين حرمته
للدين عندهمُ جاه ومقدار( )

عظم أمر الدين في قلوبهم فلم يشاركه وطن ولا عشيرة. به وحده قاموا وبهم قام وله قاتلوا، وفيه أحبوا وأبغضوا، ولشعائره عظموا، وعند حدوده وقفوا، وبأوامره امتثلوا، فامتطوا به هام العالم حين حملوه، وأصبحوا به مضرب الأمثال في العز إذ مثلوه، لم تستعبدهم الدنيا، ولم تسيطر على نفوسهم شهوة ذاتية، ولم تملكهم الأغراض الشخصية، ولم يحملهم حب الانتصار على الظلم المدمر، ولم يثنهم حب الوطن عن الهجرة إليه:
سيروا كما ساروا لتجنوا ما جنوا
لا يحصد الحب سوى الزراع( )

إن محض النصح ليحتم التصريح بأن ما حل بالأمة الإسلامية إنما يتحمل تبعته كاهلان، ويتقلد مسؤوليته عنقان: أمراء الأمة، وعلماء الدين. أولئك الذين أوجب الله لهم السمع والطاعة، وأخذ عليهم العهد والميثاق، فإذا قام العلماء بنشر تعاليم الدين، وتجليته بالأعمال في مظهره الحقيقي، ورونقه الباهر، وقام الأمراء بتطبيق أنظمته الكريمة، وتنفيذ أوامره القيمة، والاستفادة بإرشاداته الساطعة، وتحققوا بوصف الله لخلفائه في أرضه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 41] وأسندوا الأمور إلى أكفائها عملاً بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: 58] وتصوروا مسؤوليتهم المحققة بأخبار الصادق المصدوق : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» فاجتهدوا حسب الإمكان في اختيار المعلمين في معاهدهم ومدارسهم الدينية، وتعهدهم بالمراقبة الحقة المكافحة لاتخاذ التعليم مكسبًا محضًا لا أمانةً ودينًا: «إن هذا العلم دين فانظروا من تأخذون دينكم عنه» فمن خالف قوله عمله لا يحل أن يُولَّي أمانة التعليم، ولا يصلح لرعاية أولاد المسلمين. بل يجب عليه إصلاح حاله أولاً كما قيل:
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها

ومن المحال أن ينطبع في قلب متعلم ما ليس من صفة معلمه.
إن القول المجرد عن العمل لا أثر له بل ضرره أكثر من نفعه؛ لأن المتعلم إذا رأى تعاليم الإسلام عند معلمه صورة مجردة عن العمل اعتقد بحكم طفولته، وبجهله بادئ الأمر أن العلم مقصود لنفسه، لا للعمل به فلم يَرُض نفسه على العمل بعلمه، وبهذا تعظم مصيبته في مستقبل أمره. فيجب أن يتجافى المسؤولون في معاهدهم ومدارسهم الدينية عن الذين يقولون ما لا يفعلون، ويظهرون ما لا يبطنون. أولئك الذين مقتهم الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3].
وفي الحديث: «أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان».
وفي شرح ابن رجب على حديث: «أربع من كن فيه... إلخ» رُوي عن عمر  أنه قال على المنبر: (إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم)، قيل: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: (يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو قال المنكر).
ولا نلتمس من المسؤولين التفتيش عن الباطن، وتتبع السرائر. فإننا لم نؤمر بذلك، ويكفي المجاهرة بمخالفة الأعمال الظاهرة للتعاليم المرسومة، فإن وفقنا الله للقيام بالواجب، وأرجو أن يكون آن لنا ذلك؛ فبذلك نكون قد تلافينا الخلل، وعالجنا الداء ووضعنا الهناء موضع النقب:
فيا معشر الحكام من كل مسلم = بِنا فانهضوا نحو المعالي وشمروا
لنَعمُر مجدًا قد بنته سُراتنا = فأعلوا وعن كل النقائص سوروا
وسيروا بنا نقفو شريعة أحمد = نبي أتى بالعدل والبر يأمر
وخافوا إله العرش في هضم أمة = لها نبأ في الذكر يتلى ويذكر
وما الهضم إلا أن تُضام شعوبكم = وما العُذر عند الله أن تتأخروا
فسيروا بها نحو الأمام تَسُرُّكم = فليست جنودًا بل هي الأُسد تزأر
إذا أُوتِيّ الراعون حسن قيادة = وصدقا فإن الجند جند مظفَّر
فما نهض الكابون فضلاً وإنما = رأونا نيامًا ثم قاموا وزمروا
وقد جاء في التنـزيل وعدا محققًا = بأنكم إن تنصروا الله تُنصروا
وهل نصره إلا اتباع كتابِهِ = وتحكيم ما قال الرسول مُطهَّر
ونصركم توهين كيد عدوكم = وأسبابه إن شادها ليس تحصر
فيا قادة الدين الحنيف تناصروا = وخلوا أمورًا عن علاكم تقهقر
فما العز إلا في اجتماع سُراتكم = وأن تتواصوا بالضعاف وتؤثروا
ولا تُسلِموا أبناء دين مقدس = لكل غبي بالقبائح يجهر
ومجهولُ حالٍ قد رأى العلم صنعة = ويكفيه منه أن يقال مُحَرَر
فمَن يا أباة الضيم للدين بعدكم = ومن للشباب الناشئين يُبصِّرُ؟
تجافوا عن الجافين في كل معهد = ومدرسة فيها المعارف تنشر
كذاك عن الغالين وابغوا أفاضلا = فضائلهم في الناشئين تؤثِّر
فمرآة أخلاق المعلم طفله = وما فيه في تلميذه لك يظهر
فأولوهم منكم رقابة مخلص = تُمحص من أخلاقهم وتُطهر
فمهما استقمتم تستقيم شعوبكم = وإن تبصروا أنتم فكلٌ سيبصر
فواجبكم فينا امتثالٌ وطاعةٌ = وسمعٌ لكم إما تقولوا وتأمروا
وواجبنا فيكم صلاحُ شؤوننا = وتقويمكم منا الذي يتهور
فأنتم رعاة والشعوب رعية = وكلكم المسؤول عما سيصدر
وقاكم إله العرش كل كريهة = ووَالَى عليكم بره يتكرر
وألزمكم تقواه في كل موطن = فتقواكمُ في الناس للدين مظهر






(1)
إلى شباب الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل العلم منارًا يُهتدى به في طرق السعادة، وجعل أهله هم الأئمة والقدوة والقادة، وصلى الله على نبيه ورسوله الصادق الناصح الأمين القائل: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وآله وصحابته والتابعين.
وبعد، فهذه كلمة أوجهها إلى شبابنا المرجو لحمل الدين، المؤمَّل لتبليغ رسالة نبينا سيد المرسلين. أتشبه فيها بالداعين إلى الله، الموضحين سبيل النجح والنجاة:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح

اعلم أنه ينبغي لطالب العلم أن يجتهد في إخلاص نيته لله تعالى، ويربأ بنفسه عن موارد الشهوات الوخيمة، ويزمها بزمام التقوى عما يشينها في الخلوة والجلوة؛ ليكون قرة لعيون المسلمين، ونبراسًا يضيء للناس بنور العلم واليقين؛ ولهذا الغرض المهم صدَّر البخاري صحيحه بحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» لينبه الطالب على ما يلزمه من إخلاص النية في طلب العلم؛ فإذا علمت ذلك فالعلم حلة الشرف، وعنوان السعادة، والطريق الموصل إلى الجنة. الملوك تعتز برفع أعلامه، وتتشرف بتعظيم حملته وخدامه، فهو أفضل موضوع يتنافس فيه العقلاء، وأجمل لباس يتحلى به الفضلاء.
وإذا أردنا أن نتحدث عن العلم وفضله فأمثل ما تُشنَّفُ به الأسماع، وأحسن ما نخطه على صفحات الرِقاع آية من كتاب الله تعالى، أو حديث عن نبيه الصادق المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد أجلَّ الله سبحانه أهل العلم، ورفع قدرهم. حيث استشهد بهم على أجلِّ وأعظم مشهود به وهي الشهادة بتوحيده، وكمال عزته، وباهر حكمته. قال الله تعالى:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18]. ففي هذه الآية أعظم تنويه بفضل أهل العلم؛ إذ قرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته، وفي ضِمنها تزكية حملة العلم، وكمال عدالتهم؛ كما في حديث: «يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدُوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» وقال العلماء: إذا كان الرجل من أهل العلم فهو محمول على العدالة حتى يثبت عنه ضدها لهذا الأثر.
وفي الآية من وجوه الاستدلال على فضل حملة العلم ما لا يحصى كما بينه المحققون، وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] ففي هذه الآية الشهادة لأهل العلم بأنهم أهل الخشية بل حصر الخشية فيهم.
وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9] فنفى المساواة بين العالم والجاهل، كما نفى المساواة بين الأعمى والبصير، وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وكفى بهذا مزية وتفضيلاً للعلم والعلماء.
وقال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: 43] فنوه سبحانه بفضل العلماء، وأخبر أنهم أهل العقول السليمة، والأفهام الثاقبة، والأفكار النيرة، التي يعقلون بها عن الله ويفقهون بها أحكامه، ويعقلون بها دقائق أمثاله والتي يضربها لعباده، فيفهمونها، ويفهِّمونها الناس.
ومما ينبهك على عظيم فضل العلم أن الله سبحانه أمر نبيه بالاستزادة منه فقال تعالى:
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114] قيل: لم يأمر الله سبحانه نبيه بالاستزادة من شيء كما أمره بالاستزادة من العلم، وكفى بهذا دليلاً على شرف العلم، وفضل التبحر فيه.
ولقد عظَّم الله قدر أهل العلم، ورفع منزلتهم، وجعلهم ورثة أنبيائه، وحملة شريعته، وأمر الناس جميعًا برد المشكلات إليهم، والرجوع إليهم عند التنازع، والمصير إلى إرشاداتهم عند التخاصم، فهم المرجع عند إرادة التحقيق، وفصل القضاء في الخصومات بين الناس. قال تعالى:
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء: 83]. وأمر سبحانه بطاعتهم بعد طاعته وطاعة رسوله، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59] فقيل: أولو الأمر الولاة، وقيل: العلماء المأمور بالرد إليهم في الآية قبلها.
ويكفي دليلاً على شرف العلم، وكمال فضله، ورفع حملته وأهله ما أخبر الله سبحانه به في كتابه من خبر خلق آدم، فلما أراد الله إظهار آدم على الملائكة وهبه حلية العلم، فسأله أمامهم فحين بان لهم علمه اعترفوا بفضله، فتبين جليًا أن العلم أفضل ما وهبه الله عبدًا من عباده، وأنفس ما يتنافس فيه ذوو العقول، وأهل الهمم العالية، وقد قدمه الله سبحانه على العمل فقال سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد: 19] الآية. قال البخاري في صحيحه: باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وقال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269] الآية.
وقد فُسِرَت الحكمة بالعلم، فوصف الله سبحانه العلم بأنه خير كثير، ووصف الدنيا بأسرها بالقلة، قال تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: 77]، ولو ذهبنا نتتبع القرآن العظيم، وما ورد فيه من بيان فضل العلم والعلماء، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة لاحتجنا لمؤلف ضخم، فكم آية برهنت على فضل العلم تصريحًا أو تلويحًا.
وفي السنة من الأحاديث في فضل العلم والعلماء ما لا يحصى كثرة فمنها قوله : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة وأبو يعلى، وزاد: «ومن لم يفقهه لم يبال به»، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» أخرجه الطبراني في معاجمه الثلاثة، ومنها حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والبيهقي.
ومنها حديث أبي ذر، وأبي هريرة رضي الله عنهما، أنهما قالا: قال رسول الله : «لَبَابٌ من العلم يتعلمه الرجل أحب إليَّ من ألف ركعة تطوعًا»، وقالا: (إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات وهو شهيد) رواه البزار، وابن حبان.
ومنها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء. يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة هداة يُهتدى بهم، وأئمة في الخير يُقتفى بآثارهم ويُقتدى بأفعالهم، ويُنتهي إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلَّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة. التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه؛ يُلهَمُه السعداء، ويُحرَمُه الأشقياء» رواه ابن عبد البر، وغيره.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي  قال: «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا ثم يعلِّمه أخاه المسلم».
فإذا تقرر لدينا أفضلية العلم، ووجوب تعلمه وتعليمه، وإيثار الاشتغال به على ما سواه، فيبقى علينا أن نعلم ما هو العلم النافع، وما ينبغي أن يقدَّم الاعتناء به منه.
وفقنا الله جميعًا لبيان الحق والعمل.

(2)
إلى شباب الإسلام
فأعظم العلم نفعًا، وأوجبه تعلمًا وتعليمًا العلم بالله تعالى، وبأسمائه، وصفاته، وما يجب له، وما يجوز، وما يستحيل في حقه تعالى، وبعد ذلك ما يجب لرسله، مع تعلم أحاديث نبيه  التي هي وحيه وقد قال فيها جل ذكره: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3، 4] والتحقيق فيها والاستفادة بإرشاداتها، والتنبه لإشاراتها، والاستضاءة بأنواع إفاداتها، والوقوف على حقائق أسرارها، ولله در القائل:
نور الحديث مبين فادنُ واقتبسِ = واحد الركاب له يا بن الرضا الندس
واطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت = أعلامه بِرُبَاها يا بن أندلس
ولا تُضِع بسوى تقييد شاردة = عمرًا يفوتك بين اللحظ والنَفَس
وخلَّ سمعك عن بلوى أخي جدل = شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر = ولا أتت عن أبي هرٍّ ولا أنس
إلا هوى وخصومات ملفقة = ليست برطب إذا عُدَّت ولا يبس
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر = يجلو بنور هداه كل ملتبس
فاقف النبي وأتباع النبي وكن = من هديهم أبدًا تدنو إلى قبس
تلك السعادة إن تحلل بساحتها = فحط رحلك قد عُوفيت من تعس

وقوام ذلك كله ونتيجته الفقه في دين الله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، مع الوقوف عند حدوده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، والاقتداء في جميع ذلك بأئمة الدين، وفهم تفسير الراسخين، ومعرفة بيان العلماء العاملين، ومتابعة السلف الصالحين.
وبعد ما يجب على العبد أن يعلمه من عبادات، وأخلاق، ومعاملات، وآداب فيجب كفاية تعلم ما يتوقف عليه عيش البشر من حرف، وصنائع واختراع ما تتقدم به الأمة، ويسود به الشعب، ويتم به القوام، ويصلح به المجتمع، ونستغني به عن الأعداء، فيجب على المسؤولين تعليم الشباب الناشئين ما يحتاج له البشر من أسباب الرقي في أمر دينه ودنياه من أمر المعاد وصلاح المعاش، فقوام الدين وصلاحه واستقامته مرتبط بأمر الدنيا، وقد أرشدنا الله إلى ذلك في غير ما آية من كتابه. قال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10]. وقال تعالى: وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: 20]. وقال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ [النور: 36، 37]. فأثبت سبحانه وتعالى لأوليائه البيع والشراء والأخذ والعطاء، ومزاولة أمور المعاش؛ غير أن ذلك لا يلهيهم، ولا يقطعهم عن ذكر الله والمبادرة إلى امتثال أوامره، وإذا استقرأنا أحوال سلفنا الصالح وجدنا لهم أعمالاً يزاولونها كالزراعة، والصناعة، والتجارة.
وما يجب أن نلفت إليه نظر القارئ الكريم أن العلم مهما كان دينيًا أو دنيويًا ليس إلا وسيلة للعمل.
وقد قال الله تعالى مرشدًا ومعلمًا: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: 105].
ولقد غلط أناس جردوا العلم عن العمل، واتخذوا العلم وسيلة للمراتب، وشركا لإدراك المناصب، فلا يعملون بما علموا، وإنما يجعلونه صنعة بها يتكسبون، ومنها يأكلون. أولئك هم البعداء الذين مقتهم الله حيث يقول جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3].
وإذا فهمنا هذا فهمًا حقيقيًا علمنا علمًا ضروريًا أن حاجتنا إلى تطبيق العلم على العمل أمس من حاجتنا إلى التبحر في علوم لا نستفيد منها سوى الشقشقة، والتشدق بما لا طائل تحته، وضياع الوقت، وإنفاق ساعات العمر الثمينة في ما لا يجدي، ولقد استعاذ رسولنا  من علم لا ينفع، فيجب علينا أن نخلص في تعلم العلم وتعليمه ليدخل المخلص منا في ضمن ما رُوي من قول النبي : «من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة»؛ وفي ضمن قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( ) [فصلت: 33].
كما يجب علينا الجد والنشاط في نشر التعاليم النافعة لشبابنا المرجو؛ لنكافح تيار الجهل، ونسد فُرَجًا تتسرب منها الخلاعة والإلحاد إلى الناشئين من أبناء هذا الدين المقدس، وأن لا ننخرط في هوة التقليد الأعمى لأنظمة مدارس الغرب وبرامجه، بل يجب أن نأخذ منه ما ننتفع به في أمور معاشنا، مع التباعد عما يشيننا عقيدة وأخلاقًا؛ كحلق اللحى، والتصفيق في المحافل، ونحو ذلك من ألعاب تقضي على المروءة، وتخِلُّ بآداب الدين، وأن نجتهد في تطبيق علمنا على ما نعمله؛ فإن أحدنا إذا سُمِع منه تقرير أحكام الصلاة، وشوهد منه التساهل في أمرها، وتقرير حكم الجماعة والجمعة، مع التكاسل عن حضورها، أو تقرير الأخلاق الفاضلة مع مباينة أعماله لها، أو الحث على إصلاح المجتمع مع كونه هو العضو الأشل فيه، رأى المتعلمون منهم هذه التعاليم قشورًا لا قيمة لها، وسطورًا لا معنى فيها، فتصبح التعاليم بهذا المعنى تحطيمًا لأخلاق الدين، وقضاء على الآداب في نفوس الناشئين، وختامًا ننشد شبابنا المرجو:
أأبناء قومي وجهوا الهمَّ كله= إلى العلم معمولاً به وذروا الكسل
فما العز في الدارين إلا مدينة= مُشَّيدة الأركان بالعلم والعمل ( )

رزقنا الله جميعًا التعاون والتكاتف على ما يرضيه، ووفقنا لما فيه سعادة الدنيا والآخرة.





الأحساء

كلمة وجيزة عن الأحساء
الأحساء بلاد كبيرة، واسعة الأرجاء، مترامية الأطراف، مشهورة قبل الإسلام وبعده تسمى قاعدتها هجر؛ كما جاء في أحاديث الرسول  وأشعار العرب.
والقطر يطلق عليه «البحرين» وهي تقع في الإقليم الثاني.
يحد البحرين غربًا الدهناء، وشمالاً البصرة، وشرقًا البحر، وجنوبًا عمان.
وسميت «البحرين» لوجود بحيرة بها عند منقطع قراها الشرقية تسمى الآن «الأصفر»؛ هكذا قال المؤخرون وبها الآن بحيرة عظيمة أخرى عند منقطع قراها الشمالية، وكلتا البحيرتين ملح أجاج تنصب إليهما فضلات مياه عيون البلاد العذبة بعد سقي ما يليها من المزارع والنخيل.
وقد أحدث عليها اسم «الأحساء»، ويقال «الحسا» في عهد القرامطة حينما بني أبو طاهر القرمطي مدينة الأحساء على أنقاض مدينة هجر سنة 317هـ.
ويطلق اسم الأحساء الآن على المقاطعة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ويحدها غربًا الفروق، وشمالاً القطيف وجوده، وشرقًا رمال العقير، وجنوبًا رمال يبرين.
عاصمتها الآن وأكبر مدنها الهفوف، ولا يكاد يطلق اسم البحرين الآن إلا على جزيرة أوال.
أما القرية التي فاز أهلها بالسابقة عند الله، والبشارة من رسول الله  فتسمى «جواثا» وهي الآن خراب، وبها رسوم المسجد المشار إليه فيما يأتي، وآثار من قبور الصحابة. تبعد عن مدينة الهفوف نحو ثلاثة فراسخ تقريبًا في الجهة الشمالية. وأهلها إذ ذاك عبد القيس الذين لم تزل بقيتهم بالأحساء حتى الآن، وهم الذين وفدوا على رسول الله  فرحب بهم، وأخبر أنهم خير أهل المشرق. فقد جاء في صحيح البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، وغيرهم من الأحاديث الصحيحة ما يشهد لأهلها بالبشارة، وحسن السابقة وأنهم خير أهل المشرق، ومسجدهم ثالث مسجد بني على وجه الأرض، ومنبرهم ثاني منبر أقيم لخطبة الجمعة بعد منبر رسول الله . وفي ذلك يقول شاعرهم الأعور الثريني:
والمسجد الثالث الشرقي كان لنا = والمنبران وفصل القول في الخطب
أيام لا مسجد لله نعرفه = إلا بطيبة والمحجوج ذو الحجب

وذلك أنهم وافق قدومهم على رسول الله  فرض الجمعة عليه، وهم عنده أيام وفادتهم، وصلوها مع رسول الله ، فلما عادوا إلى بلادهم بنوا مسجدهم وأقاموا الجمعة فيه. فثاني جمعة أقيمت على وجه الأرض بمسجد عبد القيس في «جواثا» من أرض الأحساء.
ومن فضائلهم وعظيم كرامتهم أنهم ثبتوا على الدين لما تُوفّي رسول الله  وارتدت جميع العرب ما عدا أهل مكة والمدينة والطائف وجواثا من بلاد عبد القيس بالأحساء؛ فلم يُسجد لله تعالى في مسجد غير مساجد هذه البلاد الأربع حسما ذكره شراح الأحاديث، وعلماء التاريخ.
ولسنا الآن بصدد ذكر فضائل البلاد وعلمائها الأقدمين من عصر الصحابة، وما لها من السوابق الخيرية، والمآثر قديمًا وحديثًا، وما فيها من الخيرات والمياه والمعادن؛ لأنه أمر يعرفه من قرأ أحاديث الرسول ، أو كان له إلمام بعلم التاريخ والأدب، وإنما نقصد التحدث عن حالة البلاد الآن، وأنها لم تزل بحمد الله بلاد علم تزدهر بالعلماء الدينين المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله  وما عليه سلف الأمة عقيدة وأخلاقًا، يعظمون علماء الدين، ويدرسون مذاهبهم، ويعملون بما يعضده الدليل من غير تعصب ولا غلو ولا جفاء ولا بدعة، وفيها مدارس لتدريس العلوم الشرعية، وما تستلزمه من لغة وآلة وسيرة وتاريخ، مع وعظ للعامة وإرشادهم إلى معالم الدين، بنى تلك المدارس المحسنون من أهل الخير، وحبسوها على أهل العلم كآل مبارك، وآل عبد القادر، وآل عمير، وآل نعيم، وآل عبد اللطيف، وآل الملا، وغيرهم. ولم تزل بحمد الله تلك المدارس عامرة بالتعليم الديني، وإرشاد العامة، ودرس الكتب المعتبرة عند أهل السنة. يقوم عليها أبناء الموقوف عليهم وإن كان في سيرهم ضعف عما كان عليه أسلافهم؛ كما أنه قل الوافدون عليهم من البلاد الأخرى؛ لكثرة اشتغال الناس في هذه الأزمنة بأمر الدنيا مع الزهد في العلوم الدينية.
غير أن الناشئين من أبناء تلك الأسر المباركة قائمون بمستطاعهم من الوعظ والإرشاد، وتعليم من أراد العلوم الدينية من فقه وتفسير وحديث ونحو وصرف وفرائض وغيرها.
وكما أنهم بحمد الله يعظمون سلف الأمة عمومًا، فهم يخصون أرباب المذاهب الأربعة مالك وأبا حنيفة والشافعي وأحمد بتقليدهم فيما قصرت عنه مداركهم من الفروع الظنية الاجتهادية، ويعتقدونها حقًا مع ترجيحهم ما هو الأسعد بالدليل، وفي ذلك يقولون( ):
إن المذاهب كالمناهل في الهدى = والمرء مثل الوارد الظمآن

والنفس إن رويت بأول منهل = غنيت بلا كره لورد الثاني

ويخمِّسُها بعضهم فيقول:
نور تألق كالصباح إذا بدا
بعث الإله به النبي محمدًا

ما زال يظهر في نجوم الإقتدا
إن المذاهب كالمناهل في الهدى

والمرء مثل الوارد الظمآن

نعمانهم والأصبحي بمنزل
ما كان عنه التاليان بمعزل

أنهارهم تجري بعذب سلسل
والنفس إن رويت بأول منهل

غنيت بلا كره لورد الثاني

وكما أن معظم اشتغالهم بالعلوم الدينية، فلهم حظ كبير أيضًا من العلوم الأدبية، والمفاكهات الودية، وفي أثناء العام المنصرم طبع كتاب بعنوان «شعراء هجر» باهتمام الأستاذ عبد الفتاح الحلو المدرس بمعهد الأحساء سابقًا يترجم عن شيء من أدب أهل البلاد ومداركهم، وغرائزهم الدينية والأدبية وفيه نموذج من أشعارهم. بالإطلاع عليه يدرك القارئ مدى باعهم في المعارف والأدب.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-06-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: توجيهـات دينية فيما يجب على الراعي والرعية

الحج
يجب على المسلم أن يعلم أن الحج أحد أركان الإسلام، وقاعدة من قواعده الأساسية التي يقوم عليها مبناه العظيم، وقد جاء الحديث( ) الذي قدمناه عن ابن عمر رضي الله عنه رواية بتقديم الحج على الصوم، فيجب علينا معاشر المسلمين أن نعلم ما هو الحج؟ وما معنى الحج؟ وما هو المقصود من الحج؟
الحج بكسر الحاء وفتحها لغتان، وبهما قُرِئ في السبع، وأكثر السبع بالفتح، ومعناه لغة: القصد، أو قصد الشيء لتعظيمه، وشرعًا: القصد إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة كالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، وغيرها مُحِرمًا بنية.
واختُلف في أي سَنَةٍ فرض، والصحيح أنه فرض في سنة تسع من الهجرة، وقد جاء في وجوبه وفرضه من الآيات والأحاديث ما لا يحصى كثرة، ولا ينكر شهرة.
فمن الأحاديث ما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
خطبنا رسول الله : «يا أيها الناس كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل سنة يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها، فمن زاد فهو تطوع» يعني على المرة الواحدة.
ومنها ما رواه أحمد، وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله : «أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور».
وما رواه أحمد عن أبي هريرة أيضًا قال:
قال رسول الله : «من حج، وفي رواية أخرى: من أمَّ هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه».
ومنها ما رواه أحمد، وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
أن النبي  كان يقول: «إن الله عز وجل يباهى ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا عبادي أتوني شعثًا غبرًا».
ومنها ما رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي  قال:
«تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما تنفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة».
ومنها ما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله : «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والعمرتان تكفران ما بينهما». ومن الآيات قوله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... الآية فهاتان الآيتان قد دلَّتا على وجوب الحج كما دلت الأحاديث على ذلك، وأنه أحد أركان الدين، ودعائمه، وأمهات قواعده، ودلت على ذلك أيضًا الأحاديث الكثيرة المتواترة وأجمعت على ذلك الأمة إجماعًا ضروريًا.
وكما أن الآية الأخيرة دلت على وجوب الحج، فكذلك قد دلت على مزيد العناية بأمر الإخلاص فيه، وإلى هنا الإشارة بقوله تعالى: لِلَّهِ فهذا التوكيد بقوله تعالى لِلَّهِ مع أن الأعمال كلها لله، وقد قال تعالى: وأتموا الصيام، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ولم يقل بعده لِلَّهِ فزيادة لِلَّهِ بعد وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ تنبهنا على أن الحج من أكثر الأعمال عُرضة للرياء؛ فكثيرًا ما يتحدث الإنسان عن حجه، ويتمدح بذكر نفقاته وإطعامه، وغير ذلك؛ مما يفسد حجه فيجب التنبيه على مجاهدة النفس على ما ينبغي من مراعاة الإخلاص ولقد أحسن القائل:
ما الحج سيرك تأويبًا وإدلاجًا = ولا اعتيامك أجمالا وأحداجًا
الحج أن تقصد البيت الحرام على = تجريدك الحج لا تبغي به حاجا
وتمتطي كاهل الإنصاف متخذا = ردع الهوى هاديًا والحق منهاجا

وليعلم المسلم أن لله في الحج أسرارًا، وحكما عظيمة فمنها ما تدركه العقول المنيرة، ومنها ما تعجز عن إدراكه، فمن ذلك أن الله سبحانه وتعالى شرَّف وكرَّم عباده المؤمنين به المصدقين بوعده، فدعاهم إلى زيارة بيته ليضاعف لهم الأجر، ويحط عنهم السيئات، ويقضي حوائجهم بالرجوع إلى بابه، والمبادرة إلى امتثال أمره اتباعًا لما شرع لهم على لسان رسوله ، ثم شرع لهم سبحانه الغسل عند الإحرام تنبيهًا على مراعاة ما يجب عليهم من التأهب والنظافة لمناجاته، فكما شرع لهم تطهير البواطن بامتثال الأمر شرع تطهير الظواهر من الدرن والأوساخ، وشرع لهم سبحانه وتعالى التجرد من الثياب، ولبس الإحرام تذكيرًا بحالة الخروج من الدنيا، ولباس الأكفان؛ لينبههم بذلك على ما يجب عليهم من الاستعداد للنقلة إلى الأوطان الحقيقية، وشرع لهم الجهر بالتلبية إظهارًا للإجابة، وتصريحًا بالخضوع، والامتثال، إلى غير ذلك من الأسرار والحكم التي يدركها أهل القلوب المشرقة بنور اليقين والإخلاص.
ومن عنايته بعباده، ولطفه بهم أنه قيَّد وجوب الحج عليهم بالاستطاعة، وقد اختلف العلماء في تفسير الاستطاعة فقيل هي: وجود الزاد والراحلة، وفي معنى الراحلة ما يقوم مقامها من أجرة الطائرة أو الباخرة أو السيارة مع الأمن على النفس، وما له بال.
وقال بعضهم: الاستطاعة هي إمكان الوصول إلى البيت العتيق بلا مشقة فادحة مع الأمن على المال والنفس.
ومما يجب أن نلفت إليه أنظار إخواننا من حجاج بيت الله الحرام التنبيه لاتباع السنة في أداء مناسك الحج، والحرص على الإتيان بالعبادة من بابها المشروع؛ فإن العبادة لا تقبل إلا مع الإخلاص، وموافقة الكتاب العزيز والسنة، كما يرشد إلى ذلك قوله  في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملاً ليس من أمرنا فهو رد».
وقوله : «خذوا عني مناسككم».
وإننا نأسف الأسف الشديد؛ لما نشاهده أو نسمعه من أعمال تفسد الحج، أعمال أوقع فيها الجهل الناشئ عن الغفلة أو الاستخفاف بأمر الدين؛ فتجد أحد المسلمين يفارق وطنه، وينفق ماله، ويجهد نفسه، فيرجع ولم يقض فرضه، ولم يؤد حجه كما أمر به ربه، وبين له نبيه محمد ، وأوضح ذلك ورثته من علماء أمته. وما ذاك إلا لجهله، وعدم سؤاله، أو سؤاله جاهلاً يتجرأ على الفتيا في دين الله بلا علم.
فيجب على المسلم أن يحتاط لعبادته، ويجتهد في تأديتها على الوجه المشروع، وليعلم المسلم أنه متى جاء بعبادة الله على غير وجهها المشروع فعمله باطل سواء كان جاهلاً أو عامدًا.
وفقنا الله جميعًا للتنبيه على ما يجب، والتعاون على البر والتقوى.

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
لقد شاهدت أثناء رحلتي إلى بعض البلاد المجاورة، من الممالك العربية التي يحكمها المسلمون المؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ما يؤسف المؤمن الذي يهمه أمر المسلمين، ويغار على شعائر هذا الدين من حال شباب يتخرج من مدارس غفل المهيمنون عليها عن مسؤوليتهم أمام الله فيما تحملوا من أمر عباده.
إن ما تعاطاه بعض المسلمين من إدخال بعض أنظمة الغرب وتعاليمه في برامج مدارسنا لمن أعظم أسباب التأخر، وأقوى دواعي الاستعمار. بل الواجب أن نأخذ من الغربي ما ننتفع به في دنيانا، مع التباعد عما يشيننا عقيدة وأخلاقًا.
فخذوا من الغربي خير علومه
وذروا قبيح خلائق وطباع

إن في كتابنا العزيز، وسنتنا الغراء، وسيرة سلفنا الصالح لما يسد الخلل، ويقيم الأود، ويثقف العقل، ويذكي الفكر، ويحفظنا من الانخراط في هوة التقليد المردي، ونستبين به الصراط المستقيم. قال الله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ وقال النبي : «جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي».
يا أيها المؤمنون المسؤولون الكرام: إن المؤمن إذا أمعن الفكرة، وتلمس الحقيقة، وتجافى عن التصنع والمغالطة علم أن ما أصاب المسلمين من تدهور وانهيار، وتفصًّ من أخلاق الدين الحنيف، وتعاليمه القيمة سببه الوحيد، وعامله المفرد تفريط زعماء الأمة الإسلامية في تربية الشباب، والتراخي في جهاد النفوس على ما يجب من معاناة النشء:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه

ومن هم زعماء الأمة؟ نعني كل من يلي أمرًا من أمور المسلمين بإمارة أو إدارة، أو يشغل منصب تعليم، أو تكون له كلمة مسموعة.
إن أبناء المدارس في عموم البلاد الإسلامية. هم رجال المستقبل بل هم المسلمون المُرجَون لحمل الدين وحمايته، فإذا انهار كيان الدين في نفوسهم، وتلاشى تعظيم الشريعة في قلوبهم، وجهلوا ما بلغ هذا الدين العظيم بأهله دنيا وأخرى في حال طفولتهم، وفراغ أذهانهم، فكيف يكون الحال إذا شب أبناؤنا، وهم لا يرون ولا يسمعون إلا دعاة الاستعمار، وسماسرة الغرب قولاً وعملاً يتشدقون بتضخيم الغرب، وتعظيم رجاله، وتمثِّل أفعالهم أخلاقه السيئة، أو مغفَّلين بسطاء يحذون حذوهم، وينخرطون في هوة تقليدهم. فيغفل هؤلاء، ويتغافل أولئك عن مآثرٍ هي المثل العليا في رقي البشر، وسَيرِهِ قُدُمًا في حياته الهنيئة الموصلة إلى حياته الأبدية في جوار خالقه الكريم.
إن تلك المآثر التي جلت عن الخفاء، وشهدت بها الأعداء، وظهرت ظهور الشمس في الملأ لتبرهن على مجد بناتها، أولئك السادة آباؤنا الكرام وسلفنا الصالح، الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وامتزجت عقائد الدين بنفوسهم، وانطبعت آدابه وتعاليمه في أخلاقهم. فمثلوه عملاً، ودعوا إليه فعلاً قبل دعائهم إليه قولاً، وطبقوا قوانينه وأنظمته حكومات وشعوبًا وأفرادًا أولئك الذين استرخصوا مهجهم في سبيل إعزازه، وضحوا بأموالهم وأولادهم وأوطانهم في حمى حوزته، والذب عن كيانه:
هم الذين رعوا للدين حرمته
للدين عندهمُ جاه ومقدار( )

عظم أمر الدين في قلوبهم فلم يشاركه وطن ولا عشيرة. به وحده قاموا وبهم قام وله قاتلوا، وفيه أحبوا وأبغضوا، ولشعائره عظموا، وعند حدوده وقفوا، وبأوامره امتثلوا، فامتطوا به هام العالم حين حملوه، وأصبحوا به مضرب الأمثال في العز إذ مثلوه، لم تستعبدهم الدنيا، ولم تسيطر على نفوسهم شهوة ذاتية، ولم تملكهم الأغراض الشخصية، ولم يحملهم حب الانتصار على الظلم المدمر، ولم يثنهم حب الوطن عن الهجرة إليه:
سيروا كما ساروا لتجنوا ما جنوا
لا يحصد الحب سوى الزراع( )

إن محض النصح ليحتم التصريح بأن ما حل بالأمة الإسلامية إنما يتحمل تبعته كاهلان، ويتقلد مسؤوليته عنقان: أمراء الأمة، وعلماء الدين. أولئك الذين أوجب الله لهم السمع والطاعة، وأخذ عليهم العهد والميثاق، فإذا قام العلماء بنشر تعاليم الدين، وتجليته بالأعمال في مظهره الحقيقي، ورونقه الباهر، وقام الأمراء بتطبيق أنظمته الكريمة، وتنفيذ أوامره القيمة، والاستفادة بإرشاداته الساطعة، وتحققوا بوصف الله لخلفائه في أرضه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 41] وأسندوا الأمور إلى أكفائها عملاً بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: 58] وتصوروا مسؤوليتهم المحققة بأخبار الصادق المصدوق : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» فاجتهدوا حسب الإمكان في اختيار المعلمين في معاهدهم ومدارسهم الدينية، وتعهدهم بالمراقبة الحقة المكافحة لاتخاذ التعليم مكسبًا محضًا لا أمانةً ودينًا: «إن هذا العلم دين فانظروا من تأخذون دينكم عنه» فمن خالف قوله عمله لا يحل أن يُولَّي أمانة التعليم، ولا يصلح لرعاية أولاد المسلمين. بل يجب عليه إصلاح حاله أولاً كما قيل:
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها

ومن المحال أن ينطبع في قلب متعلم ما ليس من صفة معلمه.
إن القول المجرد عن العمل لا أثر له بل ضرره أكثر من نفعه؛ لأن المتعلم إذا رأى تعاليم الإسلام عند معلمه صورة مجردة عن العمل اعتقد بحكم طفولته، وبجهله بادئ الأمر أن العلم مقصود لنفسه، لا للعمل به فلم يَرُض نفسه على العمل بعلمه، وبهذا تعظم مصيبته في مستقبل أمره. فيجب أن يتجافى المسؤولون في معاهدهم ومدارسهم الدينية عن الذين يقولون ما لا يفعلون، ويظهرون ما لا يبطنون. أولئك الذين مقتهم الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3].
وفي الحديث: «أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان».
وفي شرح ابن رجب على حديث: «أربع من كن فيه... إلخ» رُوي عن عمر  أنه قال على المنبر: (إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم)، قيل: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: (يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو قال المنكر).
ولا نلتمس من المسؤولين التفتيش عن الباطن، وتتبع السرائر. فإننا لم نؤمر بذلك، ويكفي المجاهرة بمخالفة الأعمال الظاهرة للتعاليم المرسومة، فإن وفقنا الله للقيام بالواجب، وأرجو أن يكون آن لنا ذلك؛ فبذلك نكون قد تلافينا الخلل، وعالجنا الداء ووضعنا الهناء موضع النقب:
فيا معشر الحكام من كل مسلم = بِنا فانهضوا نحو المعالي وشمروا
لنَعمُر مجدًا قد بنته سُراتنا = فأعلوا وعن كل النقائص سوروا
وسيروا بنا نقفو شريعة أحمد = نبي أتى بالعدل والبر يأمر
وخافوا إله العرش في هضم أمة = لها نبأ في الذكر يتلى ويذكر
وما الهضم إلا أن تُضام شعوبكم = وما العُذر عند الله أن تتأخروا
فسيروا بها نحو الأمام تَسُرُّكم = فليست جنودًا بل هي الأُسد تزأر
إذا أُوتِيّ الراعون حسن قيادة = وصدقا فإن الجند جند مظفَّر
فما نهض الكابون فضلاً وإنما = رأونا نيامًا ثم قاموا وزمروا
وقد جاء في التنـزيل وعدا محققًا = بأنكم إن تنصروا الله تُنصروا
وهل نصره إلا اتباع كتابِهِ = وتحكيم ما قال الرسول مُطهَّر
ونصركم توهين كيد عدوكم = وأسبابه إن شادها ليس تحصر
فيا قادة الدين الحنيف تناصروا = وخلوا أمورًا عن علاكم تقهقر
فما العز إلا في اجتماع سُراتكم = وأن تتواصوا بالضعاف وتؤثروا
ولا تُسلِموا أبناء دين مقدس = لكل غبي بالقبائح يجهر
ومجهولُ حالٍ قد رأى العلم صنعة = ويكفيه منه أن يقال مُحَرَر
فمَن يا أباة الضيم للدين بعدكم = ومن للشباب الناشئين يُبصِّرُ؟
تجافوا عن الجافين في كل معهد = ومدرسة فيها المعارف تنشر
كذاك عن الغالين وابغوا أفاضلا = فضائلهم في الناشئين تؤثِّر
فمرآة أخلاق المعلم طفله = وما فيه في تلميذه لك يظهر
فأولوهم منكم رقابة مخلص = تُمحص من أخلاقهم وتُطهر
فمهما استقمتم تستقيم شعوبكم = وإن تبصروا أنتم فكلٌ سيبصر
فواجبكم فينا امتثالٌ وطاعةٌ = وسمعٌ لكم إما تقولوا وتأمروا
وواجبنا فيكم صلاحُ شؤوننا = وتقويمكم منا الذي يتهور
فأنتم رعاة والشعوب رعية = وكلكم المسؤول عما سيصدر
وقاكم إله العرش كل كريهة = ووَالَى عليكم بره يتكرر
وألزمكم تقواه في كل موطن = فتقواكمُ في الناس للدين مظهر






(1)
إلى شباب الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل العلم منارًا يُهتدى به في طرق السعادة، وجعل أهله هم الأئمة والقدوة والقادة، وصلى الله على نبيه ورسوله الصادق الناصح الأمين القائل: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وآله وصحابته والتابعين.
وبعد، فهذه كلمة أوجهها إلى شبابنا المرجو لحمل الدين، المؤمَّل لتبليغ رسالة نبينا سيد المرسلين. أتشبه فيها بالداعين إلى الله، الموضحين سبيل النجح والنجاة:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح

اعلم أنه ينبغي لطالب العلم أن يجتهد في إخلاص نيته لله تعالى، ويربأ بنفسه عن موارد الشهوات الوخيمة، ويزمها بزمام التقوى عما يشينها في الخلوة والجلوة؛ ليكون قرة لعيون المسلمين، ونبراسًا يضيء للناس بنور العلم واليقين؛ ولهذا الغرض المهم صدَّر البخاري صحيحه بحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» لينبه الطالب على ما يلزمه من إخلاص النية في طلب العلم؛ فإذا علمت ذلك فالعلم حلة الشرف، وعنوان السعادة، والطريق الموصل إلى الجنة. الملوك تعتز برفع أعلامه، وتتشرف بتعظيم حملته وخدامه، فهو أفضل موضوع يتنافس فيه العقلاء، وأجمل لباس يتحلى به الفضلاء.
وإذا أردنا أن نتحدث عن العلم وفضله فأمثل ما تُشنَّفُ به الأسماع، وأحسن ما نخطه على صفحات الرِقاع آية من كتاب الله تعالى، أو حديث عن نبيه الصادق المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد أجلَّ الله سبحانه أهل العلم، ورفع قدرهم. حيث استشهد بهم على أجلِّ وأعظم مشهود به وهي الشهادة بتوحيده، وكمال عزته، وباهر حكمته. قال الله تعالى:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18]. ففي هذه الآية أعظم تنويه بفضل أهل العلم؛ إذ قرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته، وفي ضِمنها تزكية حملة العلم، وكمال عدالتهم؛ كما في حديث: «يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدُوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» وقال العلماء: إذا كان الرجل من أهل العلم فهو محمول على العدالة حتى يثبت عنه ضدها لهذا الأثر.
وفي الآية من وجوه الاستدلال على فضل حملة العلم ما لا يحصى كما بينه المحققون، وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] ففي هذه الآية الشهادة لأهل العلم بأنهم أهل الخشية بل حصر الخشية فيهم.
وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9] فنفى المساواة بين العالم والجاهل، كما نفى المساواة بين الأعمى والبصير، وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وكفى بهذا مزية وتفضيلاً للعلم والعلماء.
وقال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: 43] فنوه سبحانه بفضل العلماء، وأخبر أنهم أهل العقول السليمة، والأفهام الثاقبة، والأفكار النيرة، التي يعقلون بها عن الله ويفقهون بها أحكامه، ويعقلون بها دقائق أمثاله والتي يضربها لعباده، فيفهمونها، ويفهِّمونها الناس.
ومما ينبهك على عظيم فضل العلم أن الله سبحانه أمر نبيه بالاستزادة منه فقال تعالى:
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114] قيل: لم يأمر الله سبحانه نبيه بالاستزادة من شيء كما أمره بالاستزادة من العلم، وكفى بهذا دليلاً على شرف العلم، وفضل التبحر فيه.
ولقد عظَّم الله قدر أهل العلم، ورفع منزلتهم، وجعلهم ورثة أنبيائه، وحملة شريعته، وأمر الناس جميعًا برد المشكلات إليهم، والرجوع إليهم عند التنازع، والمصير إلى إرشاداتهم عند التخاصم، فهم المرجع عند إرادة التحقيق، وفصل القضاء في الخصومات بين الناس. قال تعالى:
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء: 83]. وأمر سبحانه بطاعتهم بعد طاعته وطاعة رسوله، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59] فقيل: أولو الأمر الولاة، وقيل: العلماء المأمور بالرد إليهم في الآية قبلها.
ويكفي دليلاً على شرف العلم، وكمال فضله، ورفع حملته وأهله ما أخبر الله سبحانه به في كتابه من خبر خلق آدم، فلما أراد الله إظهار آدم على الملائكة وهبه حلية العلم، فسأله أمامهم فحين بان لهم علمه اعترفوا بفضله، فتبين جليًا أن العلم أفضل ما وهبه الله عبدًا من عباده، وأنفس ما يتنافس فيه ذوو العقول، وأهل الهمم العالية، وقد قدمه الله سبحانه على العمل فقال سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد: 19] الآية. قال البخاري في صحيحه: باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وقال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269] الآية.
وقد فُسِرَت الحكمة بالعلم، فوصف الله سبحانه العلم بأنه خير كثير، ووصف الدنيا بأسرها بالقلة، قال تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: 77]، ولو ذهبنا نتتبع القرآن العظيم، وما ورد فيه من بيان فضل العلم والعلماء، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة لاحتجنا لمؤلف ضخم، فكم آية برهنت على فضل العلم تصريحًا أو تلويحًا.
وفي السنة من الأحاديث في فضل العلم والعلماء ما لا يحصى كثرة فمنها قوله : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة وأبو يعلى، وزاد: «ومن لم يفقهه لم يبال به»، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» أخرجه الطبراني في معاجمه الثلاثة، ومنها حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والبيهقي.
ومنها حديث أبي ذر، وأبي هريرة رضي الله عنهما، أنهما قالا: قال رسول الله : «لَبَابٌ من العلم يتعلمه الرجل أحب إليَّ من ألف ركعة تطوعًا»، وقالا: (إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات وهو شهيد) رواه البزار، وابن حبان.
ومنها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء. يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة هداة يُهتدى بهم، وأئمة في الخير يُقتفى بآثارهم ويُقتدى بأفعالهم، ويُنتهي إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلَّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة. التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه؛ يُلهَمُه السعداء، ويُحرَمُه الأشقياء» رواه ابن عبد البر، وغيره.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي  قال: «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا ثم يعلِّمه أخاه المسلم».
فإذا تقرر لدينا أفضلية العلم، ووجوب تعلمه وتعليمه، وإيثار الاشتغال به على ما سواه، فيبقى علينا أن نعلم ما هو العلم النافع، وما ينبغي أن يقدَّم الاعتناء به منه.
وفقنا الله جميعًا لبيان الحق والعمل.

(2)
إلى شباب الإسلام
فأعظم العلم نفعًا، وأوجبه تعلمًا وتعليمًا العلم بالله تعالى، وبأسمائه، وصفاته، وما يجب له، وما يجوز، وما يستحيل في حقه تعالى، وبعد ذلك ما يجب لرسله، مع تعلم أحاديث نبيه  التي هي وحيه وقد قال فيها جل ذكره: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3، 4] والتحقيق فيها والاستفادة بإرشاداتها، والتنبه لإشاراتها، والاستضاءة بأنواع إفاداتها، والوقوف على حقائق أسرارها، ولله در القائل:
نور الحديث مبين فادنُ واقتبسِ = واحد الركاب له يا بن الرضا الندس
واطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت = أعلامه بِرُبَاها يا بن أندلس
ولا تُضِع بسوى تقييد شاردة = عمرًا يفوتك بين اللحظ والنَفَس
وخلَّ سمعك عن بلوى أخي جدل = شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر = ولا أتت عن أبي هرٍّ ولا أنس
إلا هوى وخصومات ملفقة = ليست برطب إذا عُدَّت ولا يبس
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر = يجلو بنور هداه كل ملتبس
فاقف النبي وأتباع النبي وكن = من هديهم أبدًا تدنو إلى قبس
تلك السعادة إن تحلل بساحتها = فحط رحلك قد عُوفيت من تعس

وقوام ذلك كله ونتيجته الفقه في دين الله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، مع الوقوف عند حدوده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، والاقتداء في جميع ذلك بأئمة الدين، وفهم تفسير الراسخين، ومعرفة بيان العلماء العاملين، ومتابعة السلف الصالحين.
وبعد ما يجب على العبد أن يعلمه من عبادات، وأخلاق، ومعاملات، وآداب فيجب كفاية تعلم ما يتوقف عليه عيش البشر من حرف، وصنائع واختراع ما تتقدم به الأمة، ويسود به الشعب، ويتم به القوام، ويصلح به المجتمع، ونستغني به عن الأعداء، فيجب على المسؤولين تعليم الشباب الناشئين ما يحتاج له البشر من أسباب الرقي في أمر دينه ودنياه من أمر المعاد وصلاح المعاش، فقوام الدين وصلاحه واستقامته مرتبط بأمر الدنيا، وقد أرشدنا الله إلى ذلك في غير ما آية من كتابه. قال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10]. وقال تعالى: وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: 20]. وقال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ [النور: 36، 37]. فأثبت سبحانه وتعالى لأوليائه البيع والشراء والأخذ والعطاء، ومزاولة أمور المعاش؛ غير أن ذلك لا يلهيهم، ولا يقطعهم عن ذكر الله والمبادرة إلى امتثال أوامره، وإذا استقرأنا أحوال سلفنا الصالح وجدنا لهم أعمالاً يزاولونها كالزراعة، والصناعة، والتجارة.
وما يجب أن نلفت إليه نظر القارئ الكريم أن العلم مهما كان دينيًا أو دنيويًا ليس إلا وسيلة للعمل.
وقد قال الله تعالى مرشدًا ومعلمًا: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: 105].
ولقد غلط أناس جردوا العلم عن العمل، واتخذوا العلم وسيلة للمراتب، وشركا لإدراك المناصب، فلا يعملون بما علموا، وإنما يجعلونه صنعة بها يتكسبون، ومنها يأكلون. أولئك هم البعداء الذين مقتهم الله حيث يقول جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3].
وإذا فهمنا هذا فهمًا حقيقيًا علمنا علمًا ضروريًا أن حاجتنا إلى تطبيق العلم على العمل أمس من حاجتنا إلى التبحر في علوم لا نستفيد منها سوى الشقشقة، والتشدق بما لا طائل تحته، وضياع الوقت، وإنفاق ساعات العمر الثمينة في ما لا يجدي، ولقد استعاذ رسولنا  من علم لا ينفع، فيجب علينا أن نخلص في تعلم العلم وتعليمه ليدخل المخلص منا في ضمن ما رُوي من قول النبي : «من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة»؛ وفي ضمن قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( ) [فصلت: 33].
كما يجب علينا الجد والنشاط في نشر التعاليم النافعة لشبابنا المرجو؛ لنكافح تيار الجهل، ونسد فُرَجًا تتسرب منها الخلاعة والإلحاد إلى الناشئين من أبناء هذا الدين المقدس، وأن لا ننخرط في هوة التقليد الأعمى لأنظمة مدارس الغرب وبرامجه، بل يجب أن نأخذ منه ما ننتفع به في أمور معاشنا، مع التباعد عما يشيننا عقيدة وأخلاقًا؛ كحلق اللحى، والتصفيق في المحافل، ونحو ذلك من ألعاب تقضي على المروءة، وتخِلُّ بآداب الدين، وأن نجتهد في تطبيق علمنا على ما نعمله؛ فإن أحدنا إذا سُمِع منه تقرير أحكام الصلاة، وشوهد منه التساهل في أمرها، وتقرير حكم الجماعة والجمعة، مع التكاسل عن حضورها، أو تقرير الأخلاق الفاضلة مع مباينة أعماله لها، أو الحث على إصلاح المجتمع مع كونه هو العضو الأشل فيه، رأى المتعلمون منهم هذه التعاليم قشورًا لا قيمة لها، وسطورًا لا معنى فيها، فتصبح التعاليم بهذا المعنى تحطيمًا لأخلاق الدين، وقضاء على الآداب في نفوس الناشئين، وختامًا ننشد شبابنا المرجو:
أأبناء قومي وجهوا الهمَّ كله= إلى العلم معمولاً به وذروا الكسل
فما العز في الدارين إلا مدينة= مُشَّيدة الأركان بالعلم والعمل ( )

رزقنا الله جميعًا التعاون والتكاتف على ما يرضيه، ووفقنا لما فيه سعادة الدنيا والآخرة.





الأحساء

كلمة وجيزة عن الأحساء
الأحساء بلاد كبيرة، واسعة الأرجاء، مترامية الأطراف، مشهورة قبل الإسلام وبعده تسمى قاعدتها هجر؛ كما جاء في أحاديث الرسول  وأشعار العرب.
والقطر يطلق عليه «البحرين» وهي تقع في الإقليم الثاني.
يحد البحرين غربًا الدهناء، وشمالاً البصرة، وشرقًا البحر، وجنوبًا عمان.
وسميت «البحرين» لوجود بحيرة بها عند منقطع قراها الشرقية تسمى الآن «الأصفر»؛ هكذا قال المؤخرون وبها الآن بحيرة عظيمة أخرى عند منقطع قراها الشمالية، وكلتا البحيرتين ملح أجاج تنصب إليهما فضلات مياه عيون البلاد العذبة بعد سقي ما يليها من المزارع والنخيل.
وقد أحدث عليها اسم «الأحساء»، ويقال «الحسا» في عهد القرامطة حينما بني أبو طاهر القرمطي مدينة الأحساء على أنقاض مدينة هجر سنة 317هـ.
ويطلق اسم الأحساء الآن على المقاطعة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ويحدها غربًا الفروق، وشمالاً القطيف وجوده، وشرقًا رمال العقير، وجنوبًا رمال يبرين.
عاصمتها الآن وأكبر مدنها الهفوف، ولا يكاد يطلق اسم البحرين الآن إلا على جزيرة أوال.
أما القرية التي فاز أهلها بالسابقة عند الله، والبشارة من رسول الله  فتسمى «جواثا» وهي الآن خراب، وبها رسوم المسجد المشار إليه فيما يأتي، وآثار من قبور الصحابة. تبعد عن مدينة الهفوف نحو ثلاثة فراسخ تقريبًا في الجهة الشمالية. وأهلها إذ ذاك عبد القيس الذين لم تزل بقيتهم بالأحساء حتى الآن، وهم الذين وفدوا على رسول الله  فرحب بهم، وأخبر أنهم خير أهل المشرق. فقد جاء في صحيح البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، وغيرهم من الأحاديث الصحيحة ما يشهد لأهلها بالبشارة، وحسن السابقة وأنهم خير أهل المشرق، ومسجدهم ثالث مسجد بني على وجه الأرض، ومنبرهم ثاني منبر أقيم لخطبة الجمعة بعد منبر رسول الله . وفي ذلك يقول شاعرهم الأعور الثريني:
والمسجد الثالث الشرقي كان لنا = والمنبران وفصل القول في الخطب
أيام لا مسجد لله نعرفه = إلا بطيبة والمحجوج ذو الحجب

وذلك أنهم وافق قدومهم على رسول الله  فرض الجمعة عليه، وهم عنده أيام وفادتهم، وصلوها مع رسول الله ، فلما عادوا إلى بلادهم بنوا مسجدهم وأقاموا الجمعة فيه. فثاني جمعة أقيمت على وجه الأرض بمسجد عبد القيس في «جواثا» من أرض الأحساء.
ومن فضائلهم وعظيم كرامتهم أنهم ثبتوا على الدين لما تُوفّي رسول الله  وارتدت جميع العرب ما عدا أهل مكة والمدينة والطائف وجواثا من بلاد عبد القيس بالأحساء؛ فلم يُسجد لله تعالى في مسجد غير مساجد هذه البلاد الأربع حسما ذكره شراح الأحاديث، وعلماء التاريخ.
ولسنا الآن بصدد ذكر فضائل البلاد وعلمائها الأقدمين من عصر الصحابة، وما لها من السوابق الخيرية، والمآثر قديمًا وحديثًا، وما فيها من الخيرات والمياه والمعادن؛ لأنه أمر يعرفه من قرأ أحاديث الرسول ، أو كان له إلمام بعلم التاريخ والأدب، وإنما نقصد التحدث عن حالة البلاد الآن، وأنها لم تزل بحمد الله بلاد علم تزدهر بالعلماء الدينين المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله  وما عليه سلف الأمة عقيدة وأخلاقًا، يعظمون علماء الدين، ويدرسون مذاهبهم، ويعملون بما يعضده الدليل من غير تعصب ولا غلو ولا جفاء ولا بدعة، وفيها مدارس لتدريس العلوم الشرعية، وما تستلزمه من لغة وآلة وسيرة وتاريخ، مع وعظ للعامة وإرشادهم إلى معالم الدين، بنى تلك المدارس المحسنون من أهل الخير، وحبسوها على أهل العلم كآل مبارك، وآل عبد القادر، وآل عمير، وآل نعيم، وآل عبد اللطيف، وآل الملا، وغيرهم. ولم تزل بحمد الله تلك المدارس عامرة بالتعليم الديني، وإرشاد العامة، ودرس الكتب المعتبرة عند أهل السنة. يقوم عليها أبناء الموقوف عليهم وإن كان في سيرهم ضعف عما كان عليه أسلافهم؛ كما أنه قل الوافدون عليهم من البلاد الأخرى؛ لكثرة اشتغال الناس في هذه الأزمنة بأمر الدنيا مع الزهد في العلوم الدينية.
غير أن الناشئين من أبناء تلك الأسر المباركة قائمون بمستطاعهم من الوعظ والإرشاد، وتعليم من أراد العلوم الدينية من فقه وتفسير وحديث ونحو وصرف وفرائض وغيرها.
وكما أنهم بحمد الله يعظمون سلف الأمة عمومًا، فهم يخصون أرباب المذاهب الأربعة مالك وأبا حنيفة والشافعي وأحمد بتقليدهم فيما قصرت عنه مداركهم من الفروع الظنية الاجتهادية، ويعتقدونها حقًا مع ترجيحهم ما هو الأسعد بالدليل، وفي ذلك يقولون( ):
إن المذاهب كالمناهل في الهدى = والمرء مثل الوارد الظمآن

والنفس إن رويت بأول منهل = غنيت بلا كره لورد الثاني

ويخمِّسُها بعضهم فيقول:
نور تألق كالصباح إذا بدا
بعث الإله به النبي محمدًا

ما زال يظهر في نجوم الإقتدا
إن المذاهب كالمناهل في الهدى

والمرء مثل الوارد الظمآن

نعمانهم والأصبحي بمنزل
ما كان عنه التاليان بمعزل

أنهارهم تجري بعذب سلسل
والنفس إن رويت بأول منهل

غنيت بلا كره لورد الثاني

وكما أن معظم اشتغالهم بالعلوم الدينية، فلهم حظ كبير أيضًا من العلوم الأدبية، والمفاكهات الودية، وفي أثناء العام المنصرم طبع كتاب بعنوان «شعراء هجر» باهتمام الأستاذ عبد الفتاح الحلو المدرس بمعهد الأحساء سابقًا يترجم عن شيء من أدب أهل البلاد ومداركهم، وغرائزهم الدينية والأدبية وفيه نموذج من أشعارهم. بالإطلاع عليه يدرك القارئ مدى باعهم في المعارف والأدب.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

توجيهـات دينية فيما يجب على الراعي والرعية



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 03:11 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب