منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

رب لا تذرني فرداً

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هذه من أعظم المُبشرات التي ستقرأونها وستفرحون فرحاً عظيماً !! abou khaled منتدى الدين الاسلامي الحنيف 3 2012-10-11 06:23 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-11-04
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رب لا تذرني فرداً

تمهيد

طلب الذرية أمر فطري لله فيه حكمة؛ فلولا التناسل والتوالد لانعدم البشر، ولقد جبل الناس على طلب الذرية منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، ولا فرق بين عجم الناس وعربهم، أو فقيرهم وغنيهم في طلب الذرية كلهم سواء في حب الولد، فهو زينة هذه الدنيا قال تعالى: ﴿ المالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾[الكهف: 46] ولقد كانت العرب تتفاخر بكثرة الأولاد والأموال، قال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: 1] أي شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد والتفاخر بكثرتها والتغالب فيها ([1]).


إذن كل يطلب الولد ويفعل السبب- الذي هو الزواج- من أجله، إلا أن هناك ندرة من الناس فضلوا عدم الولد وهم على خطأ فقد قال أحدهم: «الذي يريد الولد أحمق لا للدنيا ولا للآخرة، إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه وإن أراد أن يتعبد شغله»([2]).


وعدم طلب الولد من فعل الصوفية، فقد أرادوا ذلك للتفرغ للعبادة- كما يزعمون- وهذا غلط عظيم مخالف لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمع أنه أفضل من عبد الله ومشغول بالدعوة إلى دين الله وتعليم الناس أحكام الدين.. مع ذلك طلب الذرية ولم يعرض عنها بل دعا أمته إلى تكثير النسل، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم»([3]).


ولقد كان الهدف (ولا يزال) من الزواج إعفاف النفس عما حرم الله أولا وطلب الذرية ثانيًا، إلا أنه قد يحدث عدم الولد لبعض الناس، ولقد رأيت أن أكتب هذه الوصايا لمن لم يرزقه الله الذرية.


وأول ما أوصيته به الصبر على هذا البلاء، ثم أوصيته بالدعاء، ثم أوصيته بالاستغفار، لكونه سببًا في الذرية، ثم أوصيته بعد ذلك بالرضا بقضاء الله وقدره، ولكثرة فراغه أوصيته باستغلال أوقاته، وقد أفردت فضلاً عن العلاج بالرقية الشرعية والحبة السوداء، وأخيرًا ذكرت بعض النماذج لأنبياء وعلماء وصالحين لم يرزقوا بالذرية؛ تخفيفًا للمعاناة التي يجدها من لم يرزق بذرية وقبل ذلك كله كتبت بعضًا من الخواطر عن كون عدم الولد ابتلاء من الله وآخر ما أوصيته به أن يحمد الله على كل حال.

إنه ابتلاء

إن مما يُبتلى به العبد في هذه الدنيا أن يعيش بلا ذرية بعد أن فعل السبب وتزوج طالبًا العفة والذرية، ولكن السنين المتتالية أثبتت أنه عقيم، ومعنى ذلك أنه سيعيش ثم يموت دون أن يحتضن أو يلاعب أو يربي ابنا، إنه ابتلاء من الله عز وجل لعبده، ابتلاء لأنه فرق بين بيت مليء بصراخ الأطفال ولعبهم، وبيت صمت مزعج يملأ جنبات البيت.
لعمرك إن هذا الصمت أشد على النفوس من ذاك الصراخ، وفرق بين أب بلغ من العمر عتيًا وبين يديه أبناؤه يبرون به لأن بره منجاة لهم من النار وعقوقه يعني الحرمان من الجنان، وبين ذاك الشيخ الذي لا ذرية له، لذا تراه في آخر عمره يعيش وحيدًا.


وفرق أيضًا بين امرأة لا تُنجب، عاشت أيام شبابها ثم آخر عمرها وهي لم تحمل ولم تلد ولم ترضع أو تحتضن ابنًا لها وهي ترى الأطفال في كل مكان. وتعيش الآن بعد أن أصبحت عجوزًا بلا زوج أو ولد، تنتظر الموت، وقد ملت هذه الحياة التي لا طعم لها بلا ذرية، وبين تلك الأم التي تعيش بين أبنائها الذي يخدمونها بكل ما يستطيعون من جهد لأنها أمهم والجنة تحت أقدام الأمهات.. إنه ابتلاء.


ولكن ما أجر من ابتلي بمصيبة في أهله أو نفسه أو ماله؟ إن الأجر تكفير عن سيئاته وتجاوز عن هفواته؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه»([4]).


كما أن الابتلاء يُظهر الناس على حقيقتهم؛ فمن الناس من يدَّعي الصبر وليس بصابر، ويدعي الزهد وليس بزاهد، إن المرض والفقر والجوع، والآلام وفقدان الأولاد، وذهاب الأصدقاء وخسارة الأموال، وغير ذلك مما شابه هذه الأمور، لا تطيقها النفوس، فهناك من النفوس الضعيفة ما تفجر وتتبرم إذا أصابها شيء من هذا، ولكن النفوس المؤمنة القوية في إيمانها هي التي تتحمل هذه الآلام؛ لأنها من الله تبارك وتعالى، وترضى بقضائه وقدره، ومن هنا كان الابتلاء لتمييز أصحاب الهمم العالية، والنفوس القويمة والعزائم الفتية المؤمنة، والقلوب الواعية المخلصة، من أصحاب الهمم والنفوس الضعيفة، والعزائم الخائرة والقلوب المريضة»([5]).

الصبر والاحتساب

وبعد أن عرفت أجر من ابتلي فالصبر الصبر على هذا البلاء الذي ابتلاك الله به، واعلم رحمك الله «أن هذه الدنيا دار الأحزان والأمراض والهم والغمَّ والبلاء والفتنة»


قال ابن القيم فيها: «أصل الدنيا دار هم وغم وبلاء وفتنة، فإن وجدت فيها ما أحب فهو فضل وإن لم أجد فهو عدل» غير أن الكيس العاقل هو من يتفاعل مع هذه الحياة الممزوجة بالأحزان ويتقبلها على ما بها من علات ويوطن نفسه على تخطيها وتحطيمها قبل أن تحطمه وتتخطاه.


وليس هناك ما يعين على ذلك أفضل من معالجة واقعية للأحزان وأسبابها على ضوء ما ورد في الكتاب والسنة.. خاصة وأن للدنيا وجهين وجه مشرق ضاحك، ووجه عابس مكفهر وكلاهما بقضاء الله وقدره ([6]).
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾[البقرة: 31] وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾[محمد: 31].


فإذا صبرت واحتسبت في أي مصيبة حلت بك لم يكن لك ثواب دون الجنة، وإذا جزعت ولم تصبر لحقك إثم وأتعبت نفسك ولم تردّ من قضاء الله شيئًا.


ولقد ضمن الله - عز وجل- في كتابه المحكم لمن صبر أن يوفيه الأجر، فقال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾[الزمر: 10] فذهب الصابرون بهذه المعية التي هي خير الدنيا والآخرة، وأخبر تعالى أن الصبر خير لأهله خيرًا مؤكدًا فقال: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126] واعلم رحمك الله: «أن الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى».



والصبر يكون بالله ومع الله، فالصبر هو الاستعانة بالله سبحانه فهو وحده المعين على الصبر كما قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ﴾ [النحل: 127].


«والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، فلا إيمان لمن لا صبر له»([7]).

أيها المسلم الكريم: «متى أصابك مكروه في بدنك أو مالك أو حبيبك، فاعلم أن الذي قدره حكيم عليم لا يفعل شيئًا عبثًا ولا يُقدَّر شيئًا سدى، وأنه تعالى رحيم قد تنوعت رحمته على عبده: يرحمه فيعطيه ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة ومتأخرة عنها، ويرحمه أيضًا بأن يجعل ذلك البلاء مكفرًا لذنوبه وآثامه ومنميًا لحسناته، ورافعًا لدرجاته، ومن استكمل مراتب الصبر والشكر فهو الكامل في كل أحواله، وإذا أصيب العبد بمصيبته فآمن بالقدر ولجأ إلى الصبر والاحتساب خفت وطأتها، وهانت مشقتها، وتم له أجرها وكان من الفضلاء الكرام وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم»([8]).


أخي: ها أنت قد علمت أجر الصابرين وفضل الصابرين، فاصبر على ما كتب الله عليك وإياك أن تتسخط أو تشكو. فقد تنال منازل الصالحين بصبرك وتفوز برضا الرحمن برضاك بهذا البلاء.

الدعاء([9])

قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[غافر: 60] وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] وقال صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه، أن يردهما صفرًَا خائبتين»([10]).


وفي قصة زكريا عليه السلام نبراس لكل من انقطعت آماله إلا من الله، حيث يتجلى أثر الدعاء في حياة المؤمنين، شيخ كبير بلغ من العمر تسعين سنة وقيل عشرين ومائة سنة ([11]) يدعو ربه ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾[آل عمران: 38] وجاءت بعد هذا الدعاء البشرى من الله عز وجل لزكريا عليه السلام وهو قائم يصلي في المحراب ﴿ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] أُجيبت دعوة نبي الله زكريا عليه السلام، بالرغم من أنه بلغ من العمر ما بلغ، وامرأته عجوز بلغت من العمر ثمان وتسعين سنة ([12]) وهي عاقر أيضًا لا تلد ومع ذلك تحمل ثم تلد.


أخي الكريم: أرأيت كيف استجاب الله دعاء من دعاه، فلا تيأس وإن قرر الأطباء عدم قدرتك على الإنجاب، واعلم أن الله قريب يجيب دعوة من دعاه.


ولقد يئس بعضهم في أن تأتيه ذرية، فأكثر من الدعاء فاستجاب الله لدعوته. فأحدهم تزوج منذ سنوات ولم تنجب زوجته، ثم رزقه الله بعد مدة الذرية، ولما سألته عن العلاج الذي اتبعه هو وزوجته، قال ذهبنا إلى عدة طبيبات وراجعنا المستشفيات ولكن لم نجد أيَّ تحسن أو تقدم، فلجأت إلى الله – عز وجل- وأكثرت من الدعاء في السجود- خاصة- وفي هجعة الليل فأجاب الله دعوتي ورزقني هذه البُنية فالحمد لله على فضله.


وآخر تزوج منذ أكثر من أربع سنوات ومع ذلك لم تأته ذرية، فدعا الله هو وأهله أبوه وأمه وإخونه واخواته.. دعوا الله في شهر رمضان وألحوا في الدعاء، فلم تتجاوز هذه الدعوات إلا أشهر معدودات حتى استجاب الله لهذه الدعوات وحملت زوجته بفضل من الله.


وللدعاء آداب جدير بك- أخي المسلم- أن تعرفها لكي تتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن هذه الآداب.. أن تدعو الله وأنت موقن بالإجابة، وأن لا تستعجل في إجابة الدعاء، ولك أن تعلم أن الله عز وجل- استجاب لدعوة زكريا عليه السلام بعد عشرين سنة وقيل أربعين سنة ([13])، فمع أنه نبي لم يستجب الله لدعوته إلا بعد هذه السنين


وإذا سألت الله فأسأله بأسمائه الحسنى ﴿ وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾[الأعراف: 180] وادع ربك وأنت خاشع متضرع لله وحده.


قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾[الأعراف: 205] وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾[الأنبياء: 90].


ومن آداب الدعاء: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم»([14]).


ومن الآداب أيضًا استقبال القبلة ([15]) ورفع اليدين والوضوء قبل الدعاء واغتنام الأوقات ومختلف الأحوال والأوضاع التي يستجاب فيها الدعاء ومن الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء:


1- جوف الليل قال صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثُلثُ الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا يدعوني فأستجيب له؟ من ذا يسألني فأعطيه؟ من ذا يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر»([16]).


2- دبر الصلوات المكتوبة، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات»([17]).


3- بين الأذان والإقامة لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة فادعوا»([18]).
4- آخر ساعة من ساعات العصر يوم الجمعة لقوله، صلى الله عليه وسلم: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئًا إلا أتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر»([19]).


5- عند شرب ماء زمزم لقوله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له»([20]).
6- في السجود قوله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء»([21]).
7- عند دعائك: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين- لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط، إلا استجاب الله له»([22]).


8- وهناك ثلاث دعوات مستجابات، دعوة الوالد لولده والصائم والمسافر قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات لا تُرد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر»([23]) فإن صمت أو سافرت فلا تنس نفسك من الدعاء، واطلب من والدك أن يدعو لك؛ لأنه إن دعا لك فدعوته بإذن الله لا ترد.


9- عند نزول المطر: لقوله، صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول المطر»([24]).


وأما ما يَحجب الدعاء فهو الأكل من مأكل حرام، والشرب من مشرب حرام، واللبس من ملبس حرم. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يمدّ يديه إلى السماء يقول: «يارب يارب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب ذلك»([25]).


وأعجب من حال أناس يأكلون ويشربون ويلبسون من الحرام وينتظرون إجابة لدعواتهم، وما علموا أن من أسباب إجابة الدعوات تحري الحلال في المأكل والمشرب والملبس.


وقد تقوم بجميع الآداب الآنفة الذكر وتتحرى أوقات الإجابة ويكون مأكلك ومشربك وملبسك حلالا ولم تستعجل في إجابة الدعاء فتدعو.. ثم تدعو.. فلا يحصل استجابة لدعائك، وفي ذلك حكمة ربانية، وفضل آخر تناله بدعواتك الصادقة، فإن لم يُستجب لك فاعلم أن الله – عز وجل- سيصرف عنك من السوء مثل دعوتك أو يدخرها لك في الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.


عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة، إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها، مالم يدع بإثم، أو قطيعة رحم» فقال رجل من القول: «إذا نُكثر؟» قال: «الله أكثر»([26]) وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وأما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»([27]).


وبعد أن عرفت بعضًا من آداب الدعاء... اجتهد في مناجاة ربك، واستمر في ذلك حتى تجاب دعوتك، أو أن تلقى ربك وقد ادخرت لك هذه الدعوات حسنات ترفع من رصيد درجاتك يوم القيامة أو يدفع الله بهذه الدعوات سوءًا قد يصيبك ([28]).


([1]) انظر فتح القدير (5/488).

([2]) انظر كتاب النظائر للدكتور بكر أبو زيد والقائل هو أبو سليمان الدارني.

([3]) أخرجه أبو داود في "كتاب النكاح" والنسائي في "كتاب النكاح" ورواه الحاكم في "المستدرك" (2/162)وصححه ووافقه الذهبي وهو حديث صحيح.

([4]) رواه البخاري في "كتاب المرضى" باب ما جاء في كفارة المرضى (7/148)ورواه مسلم بلفظ آخر عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته» وقد رواه مسلم في "كتاب البر والصلة" باب ما يصيب المؤمن من الوصب والحزن (8/16).

([5]) انظر كتاب «الابتلاء والمحن» للدكتور محمد أبو فارس (38، 39)«بتصرف».

([6]) انظر كتاب «رسالة إلى إخواننا المرضى» لأحمد الحصين ص 10

([7]) انظر كتاب «الصبر وأثره في حياة المسلم» للشيخ عبد الله آل جار الله ص (5).

([8]) انظر «الرياض الناضرة» لابن سعدي (57-59).

([9]) استفدت كثيرًا من كتاب «الدعاء» لحسين العوايشة عند كتابة هذا الموضوع.

([10]) رواه أحمد وأبو داود والترمذي اللفظ له وحسنه، وقال الحافظ بن حجر: «سنده جيد».

([11]) انظر: «فتح القدير» (1/388).

([12]) انظر: «فتح القدير» (1/388)

([13]) انظر «فتح القدير» (1/338).

([14]) انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم الحديث (2035)حيث قال فيه الشيخ الألباني بعد تخريج وتحقيق مفصل، أن الحديث بمجموع هذه الطرق والشواهد لا ينزل عن مرتبة الحسن- إن شاء الله- على أقل الأحوال

([15]) عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: «استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، فدعا على نفر من قريش...» رواه البخاري في صحيحه «باب الدعاء مستقبل القبلة».

([16]) رواه مسلم (758).

([17]) رواه الترمذي وحسنه من حديث أبي أمامة، وانظر: «صحيح سنن الترمذي» (2782).

([18]) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وهو في «الإرواء» (244).

([19]) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» برقم (926)والنسائي «صحيح سنن النسائي» برقم (926)والنسائي «صحيح سنن النسائي» برقم (1316).

([20]) أخرجه أحمد (3/357، 372)وابن ماجه (3062)وانظر: السلسلة الصحيحة (883).

([21]) رواه مسلم في كتاب الصلاة «باب: الدعاء في السجود».

([22]) أخرجه الترمذي في "سننه" (4/260)وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

([23]) رواه البيهقي وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني برقم (1797).

([24]) انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني رقم (1469).

([25]) رواه مسلم (1015).

([26]) رواه الترمذي (2827)وقال حديث حسن صحيح وقال الشيخ ناصر الدين الألباني في "صحيح الترغيب" إسناده حسن.

([27]) رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى: بأسانيد جيدة، وقال الحاكم فيه: صحيح الإسناد، وقال الذهبي (1/493)مثله، ووافقهما الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (ما جاء في فضل الدعاء).

([28]) للاستزادة من معين الدعاء راجع كتاب "الدعاء" لحسين العوايشه.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-11-04
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: رب لا تذرني فرداً

الاستغفار

أخي المسلم الكريم:


وكما أنت بحاجة إلى الدعاء، أنت أحوج ما تكون إلى الاستغفار لما للاستغفار من أثر في سعة الرزق وانجلاء الهم والضيق، ومغفرة الذنوب.


قال تعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾[هود: 3].


وقال تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرِوا اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾[النساء: 106].
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»([1]) وفي رواية أخرى لمسلم: «فإني أتوب في اليوم مائة مرة»([2]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لزمَ الاستغفار، جعل الله له من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب»([3]).


«وقد شكا رجل إلى الحسن البصري الجدب فقال استغفر الله، وشكا إليه آخر فقال: استغفر الله، وشكى إليه آخر جفاف بستانه فقال: استغفر الله، وشكى إليه آخر عدم الولد فقال: استغفر الله، ثم تلا عليهم قول الله تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾[نوح: 10-12]» ([4]).


«وعلى هذا بلغني ممن أثق به أن رجلاً بلغ ستين سنة ولم يولد له- عقيم- فذهب إلى أحد إخوانه الصالحين الناصحين وشكا إليه حاله، وقال له: بلغت من العمر ستين سنة ولم يهب الله لي ولدًا يكون خليفة لي بعد أن أموت، يستغفر لي ويدعو لي، وقد عالجت بأنواع العلاجات فلم أستفد منها شيئًا، فبما تنصحني جزاك الله خيرًا، فقال له الناصح: يا أخي عندي لك علاج لا يحتاج إلى سفر إلى الخارج ولا إلى نقود ولا إلى تعب!!، فقال له –الرجل العقيم-: وما هو جزاك الله خيرًا؟، فقال له الأخ الناصح: أريد منك أن تلازم الاستغفار عن يقين وإخلاص وصدق سنة كاملة ففرح هذا الرجل بهذه النصيحة ولازم الاستغفار سنة كاملة، فلما مضى عليه سنة حملت زوجته بإذن الله، ولما مر عليها تسعة أشهر، رزقه الله ولدًا يشبهه فلم يقل الناس من أين هذا الولد والأب عقيم وهذا من تمام النعمة»([5]).


ويقول الشيخ أحمد المنصور- الذي أورد هذه القصة: في أحد المجالس جاءني بعد ثلاث سنوات من إيرادي لهذه القصة- إمام مسجد يخبرني بأن فلانًا يدعو لك وقد فعل بما سمع منك فوهب الله له ولدًا، وكان هذا الرجل عقيمًا أيضًا: ﴿ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ﴾ هذا هو الشاهد لهذه الحوادث، وينبغي لمن أراد الولد أن يستغفر بصدق وإيمان ويقين هو وزوجته([6]).


وقد ذهب أحد من أثق فيهم إلى أحد علماء هذا العصر وأخبره بحاله من عدم الولد فأوصاه بالاستغفار.. فأكثر من الاستغفار ولم يمض عام واحد حتى حملت امرأته، وآخر لما علم من وصية هذا العالم بادر بالاستغفار ولم تمض سوى أربعة أشهر حتى حملت زوجته ورزق ببنية.


هذا من فضل الله – عز وجل- ومن فوائد الاستغفار، واعلم رحمك الله، إن لم يرزقك الله بالذرية بعد أن أكثرت من الاستغفار أن أجر الاستغفار عظيم جدا، فربما نجوت من نار جهنم بسبب استغفارك، قال صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا»([7]).



الرضا بقضاء الله وقدره

الإيمان بالقدر على أربع مراتب: المرتبة الأولى الإيمان بعلم الله –عز وجل- المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله، وكثيره وقليله وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علام الغيوب([8]).


قال تعالى: ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾[الحشر: 22].
من هذا يتبين أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، وإنما هو قدر الله كتبه قبل أن تُخلق، وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لابن عباس نبراس لك في حياتك: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك»([9]) الحديث.
فإن كان الله – عز وجل- قد كتب لك الذرية فذلك كائن لا محالة قصر أو طال بك العمر، وإن كان الله – عز وجل- بعلمه لم يكتب لك الذرية فإن ذلك كائن لا محالة، رفعت الأقلام وجفت الصحف.


واعلم رحمك الله أن المخرج- إن لم يكتب الله لك الولد- هو الرضا بقضاء الله وقدره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»([10]).
«والعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضا بها، فالرضا أعلى مقاما من الصبر»([11]) فارض بما كتبه الله عليك تنل رضا الله-عز وجل- فلا تسخط فإنك إن تسخطت فلن تنال مرادك، وإن صبرت ورضيت بما أصابك فهو خير لك.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له»([12]).

الآخرة خير وأبقى

يقول الله تعالى موهنًا في أمر هذه الدنيا ومحقرًا لها: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾[الحديد: 20].


هذه هي الدنيا مهما عمرت فيها ومهما كثر مالك وولدك إنما هي كمثل الزرع الذي يعجب الزراع ثم يصفر ثم يكون حطامًا. فالدنيا كزرع سرعان ما يتلاشى.. فتنتهي – هذه الدنيا- ثم تبدأ الحياة الأبدية.. حياة الآخرة التي ينقسم الناس فيها إلى قسمين، أهل سعادة وهم أهل الجنة وأهل شقاء وهم أهل النار..


فإن فاتك أيها الأخ الكريم أن تنال الولد في هذه الدنيا القصيرة، فلا يفوتك أن تصبح من السعداء في الآخرة فتنال رضا الرحمن وتفوز بالجنان والمغفرة والرحمة.


ويقول تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾[العنكبوت: 64].


نعم لو كان الناس يعلمون أن الدار الآخرة هي دار الحيوان أي الدار الهانئة لما تأسف أحد على هذه الدنيا التي عُرفت بتقلباتها ونكدها ومرارتها.. دار الأحزان والبلاء والمصائب، فلم يسلم أحد من مصائبها من موت حبيب، أو فقد ولد أو مرضه، أو خسارة مال.. فإن سلم من هذا كله أتى الموت وسكراته لينغص آماله وتعلقه بها.. وقد صدق الشاعر حين قال فيها:


طُبعت على كدر وأنت تريدها
صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طبـاعها
متطلب في الماء جذوة نـار
واعلم رحمك الله أن الحياة الدنيا ما هي إلا دار ممر وعبور يقطعها السائر إلى الدار الآخرة، لذا لما رأى بعض الصحابة الحصير وقد أثر في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله لو اتخذت لك وطاءً، فقال: «مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»([13]).


هذه هي الدنيا ما هي إلا مكان يستظل فيه المؤمن ثم يذهب إلى الدار الآخرة التي هي الدار الباقية المستمرة، فإما سعيد أو شقي، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم حقارة هذه الدنيا لأمته؛ كي لا تتعلق بها الآمال وتنسى الآخرة، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء»([14]).


إذا كان هذا هو حال الدنيا وهذه منزلتها إذا فلماذا التعلق بها ولماذا كانت أكبر همنا؟ لماذا لا نفكر في الآخرة وتصبح هي همنا؟، الآخرة التي هي بالنسبة للدنيا كمثل من وضع أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع ([15]).


والآخرة- لمن عمل لها واستعد- جنة عرضها السماوات والأرض «وهي دار لمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دارٌ جنانها تجري من تحتها الأنهار، دار قصورها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران وخيامها اللؤلؤ المجوف، هي والله نور يتلألأ وريحانة تهتز ونهر مطرد وفاكهة وخضرة وزوجات حسان، فيها سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب.


أهلها يأكلون ويتنعمون ولا يتمخطون ولا يبولون بل مسك يرشح، أهلها يضحكون ولا يبكون، ويقيمون ولا يظعنون، ويحيون ولا يموتون، وجوهم مسفرة ضاحكة مستبشرة فيها جمال مُبين وحور عين، فيها يرفع الحجاب ينظرون إلى وجه العزيز الوهاب، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»([16]).


وبعد أن علمت أن هذه الدنيا مدبرة فانية، وأن المرد إلى الله – عز وجل- فإما إلى جنة أو نار، خلود بلا موت وإقامة بلا ظعن، فلم التعلقُّ بما فيها من لذات فانية؟!.


لماذا التعلق بالمال والولد والزوجة و... وغيرها من أمور إن لم يُحسن الواحد منا تدبيرها أصبحت وبالاً ودماراً وبوارًا عليه في يوم العرض الأكبر.


فاحرص يرحمك الله على أن تلقى ربك وهو راض عنك لكي تنعم بالفوز بالجنان ولا تبال بمن أقبلت عليه الدنيا فهي دار امتحان وابتلاء.

خيرة الله

الولد نعمة عظمى وهي من أجل النعمَّ إن كان الولد صالحًا، أما إن فسد وضل وانحرف فعدمه خير من وجوده وموته خيرٌ من بقائه لوالديه، لهذا لما لقيا موسى عليه السلام والخضر- العبد الصالح- غلامًا قتله الخضر، فقال له موسى عليه السلام: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ فقال له الخضر: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾[الكهف: 80] إذا موت الولد الفاسد خيرٌ من بقائه لوالديه في دينهما ودنياهما.
فأما في دينهما فقد يُفتتنان به وقد يقصران في طاعة الله بسببه وقد يرتكبان المعصية من أجله.


وأما في دنياهما، فالولد الفاسد شقاء على والديه ذُل في النهار، وسهر بالليل، وضيق في الصدر وتعاسة لا يعلمها إلا الله.


فالولد نعمة إن كان ولدًا صالحًا، أما إن كان فاسدًا شقيًّا فهو وبال ودمار وبوار على والديه في الدنيا وفي دار القرار ([17]).


وكم أب تمنى أن لا ذرية له بعد أن رأى صنيع أبنائه به، وكم أم تمنت أنها لم تنجب بعد أن تجرعت المآسي من ما فعله أبناؤها بها.


فرفع الصوت على الوالدين أصبح أمرًا عاديًا عند كثير من الأبناء، وتعدي الأمر إلى أن يضرب أحدهم أباه أمام مرأى من الناس، ولما أراد الجيران والمارة أن يمنعوه قال لهم: «أتركوني أؤدبه»!!


تغمط حقي ظالما ولوى يـدي
لوى يده الله الذي هو غالبه
أإن رعشت كفًا أبيك وأصبحت
يداك يدا ليث فإنك ضاربه!!


هكذا يفعل بأبيه بعد أن رباه وتعب في تربيته، سهر الليل من أجله وجلب له الرزق من كل مكان وبعد ذلك كله يضربه.. وأمام الناس !! أترى هذا الأب تمنى أنه أنجب الولد؟!


وليت الأمر يقف عند الضرب أو رفع الصوت بل تعداه إلى أن يقتل أحدهم أمه، وآخر فعل الفاحشة بأمه!! الأم التي حملت ابنها في بطنها تسعة أشهر ثم لاقت الآلام والزفرات عند ولادته ثم أرضعته من ثديها، وسهرت لمرضه، وأطعمته بيديها ونظفت أوساخه التي يخرجها من بطنه بيديها... على ثراها وليد قد سمى ونمى، وبعد أن كبر زوجته وفرحت بزواجه، منتظرة في آخر عمرها- بره فقابل ذلك كله بالعقوق.. ثم القتل!! ومن أجل من؟ من أجل زوجته وكلما تذكرت طريقته الإجرامية في قتل أمه، أحسست بقشعريرة في جسمي وكان يغمى علي من شدة ذلك على نفسي، لقد قتلها بطعنات متتالية وهي نائمة مطمئنة في فراشها، ثم لما رأى منها مقاومة قذف طوبًا كبيرًا على رأسها فأجهز عليها.


أترى هذه الأم وهي ترى الطعنات في جسدها والطوب الكبير يسقط على رأسها أتراها تمنت يومًا من الأيام أنها أنجبت ولدًا؟!


وأمّا الآخر فقد تعاطى المخدر ثم هجم على أمه العجوز بكل ما يملك من قوة ثم فعل الفاحشة بها.. أترى هذه الأم العجوز تمنت يومًا من الأيام أنها أنجبت ولدًا؟!


وكم من أب بعد أن رأى العقوق والعار والفضيحة من أبنائه تمنى أن لم يُرزق بذرية..


وألخص القول في أن الأبناء إن لم يكونوا صالحين فعدمهم خير من وجودهم، ولربما عاش أحدنا بدون الولد ([18]) سعيدًا مرتاح البال، وغيره يعيش حزينًا على ما فعله به أبناؤه، فاحمد الله- عز وجل واعلم أن الخيرة في ما اختاره الله لك.


قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: 216].


لذا كان الأولى لمن يدعو لنفسه بأن يرزقه الله الذرية أن يدعو دائمًا أن يرزقه الله الذرية الصالحة المصلحة.
بل إن المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما بين أن العبد إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث اشترط صلاح الولد فقال: «أو ولد صالح يدعو له».


والعبد مخلوق ضعيف لا يدري ما الخيرة في أمره بل الذي يعلم ذلك هو الخالق المدبر الحكيم الذي قدّر عليه عدم الإنجاب، فحري بهذا العبد أن يرضى بتقدير مولاه ولا يتضجر ولا يتملل فقد يكون ذلك خيرًا له في دينه ودنياه ولا يعلم الخير إلا الله.

فرصة لاستثمار الأوقات

إنَّ من لم يرزقه الله الذرية أكثر فراغًا ممن رزقه الله الذرية، فحريُّ به أن يستثمر هذا الفراغ في طاعة الله- عز وجل- من قراءة للقرآن وحفظه، واشتغال بطلب العلم الشرعي، ودعوة إلى الله- عز وجل- في أصقاع الأرض.
وبإمكان- من فقد الولد- أن يملأ فراغه بالمساهمة في أبواب الخير الكثيرة، ككفالة الأيتام، ومساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين، وذلك بجمع المال والكساء والطعام الفائض لهم.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»([19]).


ومن لم يرزقه الله الذرية أقدر على الجهاد في سبيل الله من غيره؛ لأن الولد مبخلة مجبنة، مجهلة، محزنة، فالولد يجبن أباه عن الجهاد في سبيل الله، وهو عائق للإنفاق في وجوه الخير خوفًا من الفقر عليه، وهو محزنة إن مرض أو أصيب بمكروه أو مات وهو مجهلة أي عائق عن طلب العلم.


أخي بارك الله فيك:


إن اشتغل الآباء بأولادهم، فاحرص على أن تشتغل بنفسك وذلك برفع رصيد حسناتك، لكي تصبح من الفائزين في يوم العرض الأكبر ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34-37].

فصل في العلاج لمن طلب الذرية

وإليك هذا العلاج الذي لن تجده في المستشفيات أو المستوصفات الخاصة، علاج مجرب وناجح بإذن الله- عز وجل- لجميع الأمراض والأسقام القلبية والبدنية، وبإمكان أي مسلم أن يقوم به دون أن يذهب لأي أحد من الناس، ألا هو العلاج بالرقية الشرعية.


وهناك علاج آخر، جرب أيضًا وكان له أثر في علاج ما تشكو منه، من عدم الإنجاب، ألا وهو العلاج بالحبة السوداء، وسأفرد هذا الفصل- بإذن الله- للحديث عن هذين العلاجين.


أولاً: العلاج بالرقية الشرعية:


والرقية مشروعة بالإجماع إذا تحققت فيها هذه الشروط الثلاثة:
1- أن تكون بكلام الله وبأسمائه وصفاته.
2- أن تكون بلسان عربي أو بما يعرف معناه من غيره.
3- أن يُعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى ([20]).
قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82].


«فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة وما كلُّ أحد مؤهل وموفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم واستيفاء لشروطه لم يقاومه الداء أبدًا وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهمًا في كتابه»([21]).


والأصل في مشروعيتها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر- أن يُسترقى من العين ([22]).


وسوف نورد بعض الآيات والسور والأحاديث الواردة في الرقية الشرعية ([23]).


السور والآيات الواردة في الرقية:


1- الرقية بأمَّ القرآن (الفاتحة): لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: هل فيكم من راق؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب؟ فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل، فأعطى قطيعًا من غنم، فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال يا رسول الله والله ما رقيتُ إلا بفاتحة الكتاب، فتبسم وقال: «وما أدراك أنها رقية»؟ ثم قال: «خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم»([24]).


2- الرقية بالمعوذات: لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلمَّا مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنْفُثُ، لأنها كانت أعظم بركة من يدي»([25]).


3- آية الكرسي ([26]).
4- آخر آيتين من سورة البقرة ([27]).


الأحاديث الواردة في الرقية:


1- عن عائشة رضي الله عنها- زوج النبي- صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقاه جبريل عليه السلام قال: «بسم الله يُبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين»([28]).


2- عن أبي سعيد: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك بسم الله أرقيك»([29]).
3- عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»([30]).


4- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين»([31]).
ولا يشك أحد في أن العين حق لقوله، صلى الله عليه وسلم: «العين حق» كما في الصحيحين، وقد يكون تأثير العين على متزوجين سعيدين في حياتهما فتكون العين في عدم إنجابهما، أو يكون تأثير العين في سرعة حمل الزوجة بعد الزواج مباشرة، فتصاب المرأة بعين فيسقط الحمل ثم تعقم الزوجة بسبب العين، وقد يكون التأثير أيضًا على الزواج، وعلى كل حال العلاج يكون إمَّا بأن يؤخذ وضوء العائن [الحاسد] ويغتسل به المعين [المحسود] أو يكون بالرقية الشرعية من أيات وأحاديث (أوردناها آنفًا) وذلك بأن يقرأ للعين على نفسه أو يُقرأ عليه.


ثانيًا: العلاج بالحبة السوداء:


عن عائشة رضي الله عنها: أنها سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا من السام» قلت: وما السام؟ قال: «الموت»([32]).


إذن الحبة السوداء علاج لجميع الأمراض والأسقام إلا الموت؛ فلا علاج له، وقد أثبتت التجارب والأبحاث فعالية الحبة السوداء في علاج الكثير من الأمراض، وقد اهتم بعض المتخصصين بها، فألفوا الكتب والبحوث والدراسات التي تتكلم عنها وعن آثارها العلاجية لكثير من الأمراض، ومن بين هذه الكتب كتاب بعنوان «الحبة السوداء بين التجربة والبرهان» للكيميائي طيب الطيب، وحسب اطلاعاتي المحدودة في هذا المجال فإن هذا الكتاب – في نظري- من أجود الكتب التي تناولت الحبة السوداء، وقد أفرد المؤلف فصلاً في علاج العقم عند الرجال بالحبة السوداء، وقد أثبتت بالتجارب نجاح هذا العلاج- الذي قام بإعداده- في زيادة النطف وزيادة نشاطها، ورأيت أن أورد هذا العلاج لكي يستفيد منه من علم أنه مصاب بضعف في عدد الحيوانات المنوية لعلَّ هذا العلاج يكون سببًا بعد مشيئة الله في إنجابه.


لتركيب علاج العقم يلزمنا:


1- كوب من الحبة السوداء الناعمة.
2- كوب من حب الرشاد الناعم.
3- ثلثي كوب من الحلبة الناعمة.
4- ربع كوب من المرة الناعمة.


طريقة تركيب الدواء:


تؤخذ يوميًا ملعقة متوسطة من الدواء مضافًا إليها ملعقة كبيرة من العسل الطبيعي، وأخيرًا أنبوبة بكامل محتوياتها من غذاء ملكة النحل، بعد ذلك يصبح الخليط على شكل عجينة توضع بالفم مباشرة وتبلع بقليل من الماء وذلك صباحًا قبل تناول وجبة الفطور بربع ساعة يتناول بعدها المريض كوبًا من الحليب الطازج المبستر وذلك بأن يضاف إليه ملعقة كبيرة من شراب الشعير المحلى بالعسل إن أمكن .




يستمر تعاطي هذا العلاج لفترة لا تقل عن أربعين يومًا يجري بعدها التحليل الطبي العادي للكشف عن كمية النطف المنوية ونسبة نشاطها وغير ذلك من التحاليل الروتينية ([33]).


هذا وأسأل الله العزيز القدير أن يرزقك- أخي في الله- الذرية الطبية بعد أن تستعمل هذا العلاج.

وفي هؤلاء أسوة

أخي الكريم: اعلم رحمك الله أنك لست الوحيد الذي لم يرزقه الله الذرية، فمنذ خلق الله آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، تعاقبت الأجيال تلو الأجيال لا تخلو من فاقد للذرية بل إن هناك ممن هم أفضل منك من الأنبياء والصحابة والعلماء والصالحين، عاشوا بلا ذرية، ومع ذلك صبروا على ما كتبه الله عليهم فعاشوا ثم ماتوا، وخلفوا إرثًا خيرًا من الولد، علمًا وعملاً يرفع من درجاتهم وحسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون، أسأل الله تعالى أن يجمعنا بهم في جنات عرضها السموات والأرض.


وسوف أسرد أسماء بعض من هؤلاء علَّ ذلك أن يخفف من معاناتك ولعلهم يكونون قدوة لك في حياتك.


فمن الأنبياء الذين لم يولد لهم: يحيى بن زكريا عليه السلام، وعيسى ابن مريم عليه السلام([34]) ومن زوجات الأنبياء: زوجة إبرهيم عليه السلام سارة ابنة هاران([35])، حيث جاءتها البشرى من الملائكة بولد وهي عجوز عقيم([36])، وزوجة زكريا عليه السلام ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾[آل عمران: 40] وكذلك زوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها فإنها لم يعش لها ولد قط «وتكنى عائشة بأم عبد الله، قيل كناها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير، وقيل إنها أسقطت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطًا فسماها أم عبد الله»([37]) وهذا يدل على أنه لم يعش لها ولد.


ومن النساء اللاتي لم تلد، آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11] وآسية كانت امرأة لا تلد، لذا لما رأت موسى عليه السلام قالت: ﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [القصص: 9] قال الشوكاني في تفسيره فتح القدير معلقًا على قولها ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون فوهبه لها ([38]).


ومن النساء اللاتي لم تلد، أم كلثوم رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعد وفاة رقية بنت رسول الله، زوج عثمان – رضي الله عنه- تزوجها عثمان رضي الله عنه وهي بكر في ربيع الأول سنة ثلاث وتوفيت في شعبان سنة تسع ولم تلد فهي عاشت مع زوجها عثمان- رضي الله عنه- ست سنوات ولم تلد ([39]).


ومن الصحابة الذين لم يولد لهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه شاعر([40]) النبي صلى الله عليه وسلم قال الذهبي «يكنى أبا محمد وأبا رواحة وليس له عقب»([41]).


ومن الصحابة عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الذهبي عند ترجمته «ولا نسل لهذا»([42]).


ومن الصحابة أيضًا بلال بن رباح ([43]) وصفوان بن بيضاء ([44]) وهشام بن العاص ([45]) وأبو زيد ([46]) رضي الله عنهم جميعا.


ومن علماء هذه الأمة: الخطيب البغدادي ([47])، والمرتضى الزبيدي([48]) صاحب «تاج العروس» وابن النجار الحافظ ([49]) والإمام حماد بن سلمة، تزوج سبعين مرة ولم يولد له ([50]).

وهناك من الخلف والسلف الكثير جهلنا أسماءهم فلم نذكرهم ولو ذكرناهم لطال بنا الحديث، فنخلص القول إلى أنك لست وحدك على هذا الطريق فقد سبقك من سبقك على نفس الطريق فاصبر واعلم أن ذلك قد كتب قبل أن تخلق، وإن فاتك الولد فلا يفوتنك العمل فإنه طريقك إلى جنات الخلد بإذن الله.

احمد الله
وفي الختام:
تذكر- أخي في الله- من هو أسوأ منك حالاً رجالاً ونساءً وشبابًا في زهرة أعمارهم يعانون من أمراض وإعاقات تمنعهم من التلذذ براحة أو غمض عين، فهم في بلاء مستديم، فلا يستطيعون أن يقوموا بأعمالهم الخاصة جدا، كالأكل والشرب وقضاء الحاجة.. إلخ.


ولم يفكروا يومًا من الأيام في زوج، أو ولد، وإنما همهم أن يشفيهم الله من أسقامهم.. وإن أردت أن تراهم فزر إحدى المستشفيات التي يرقدون فيها.


أجسادهم ممددة على الأسرة وأعينهم تتحدث عن مأساتهم في أنفسهم.. فاحمد الله على ما أنت فيه من نعمة الصحة والعافية، فهي نعمة غالية جدا لا يعرفها إلا من فقدها.
اللهم إننا نسألك من فضلك أن ترزقنا ذرية طيبة.
رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء.. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا.
رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين.
وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

([1]) رواه البخاري في «كتاب الدعوات» باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة والترمذي (3255).

([2]) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإن أتوب في اليوم مائة مرة» رواه مسلم وأخرجه أبو داود (1515).

([3]) رواه أبو داود (1518)وأحمد (2234)وابن ماجه (3819)والحاكم (4/262).

([4]) انظر الفتح لابن حجر (11/101).

([5]) هذه القصة أوردها الشيخ أحمد المنصور في شريط له بعنوان الاستغفار وفوائده، علما بأن الشريط من إصدارات مؤسسة أحد الإسلامية للإنتاج والتوزيع ببريده [بتصرف].

([6]) هذا من كلام الشيخ أحمد المنصور في نفس الشريط "الاستغفار وفوائده".

([7]) رواه ابن ماجه عن عبد الله بن بسر، وأبو نعيم في الحلية عن عائشة، وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء مرفوعًا قال النووي سنده جيد وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير (4/14).

([8]) انظر «معارج القبول» للحكمي (2/328).

([9]) رواه الترمذي (2518)وأحمد (2804)وإسناده صحيح.

([10]) رواه الترمذي (2398)وابن ماجه (4021)وإسناده حسن.

([11]) انظر: "تسلية أهل المصائب" المنبجي الحنبلي (208).

([12]) رواه مسلم في كتاب "الزهد والرقائق" باب: المؤمن أمره خير كله (8/227)وانظر السلسلة الصحيحة (148).

([13]) رواه الترمذي (2387) وأحمد (1/391، 441) وابن ماجه (4109) وابن حبانت (2526) والحاكم (4/309، 310) وهو حديث صحيح والوطاء هو الفراش الوطيء.

([14]) رواه الترمذي في الزهد (باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل) (2321) ورواه ابن ماجه (41101)

([15]) هذا جزء من حديث رواه مسلم نصه: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع».

([16]) انظر كتاب: «أهوال القيامة» لعبد الملك الكليب ص (123)«بتصرف».

([17]) ما مر من كلمات مستوحاة من محاضرة ألقاها الشيخ/ سليمان العودة بعنوان «أولادنا في رمضان».

([18]) هذه الكلمات موجهة لمن عقم من الرجال والنساء وليست دعوة إلى ترك الولد وأحب أن لا يفهم أحد- خطأ- أنني أدعو إلى عدم طلب الذرية من أجل هذه الحوادث وإنما أحببت أن أبين أن الذرية ليست على كل حال نعمة بل في عدمها خيرة وحكمة ربانية ربما جهلها من حرم الذرية.

([19]) رواه البخاري في "كتاب الرفاق" باب ما جاء في الرفاق وأ، لا عيش إلا عيش الآخرة

([20]) انظر كتاب: «الرقي على ضوء أهل السنة والجماعة» للعلياني (41)

([21]) انظر زاد المعاد (4/352).

([22]) رواه البخاري في «كتاب الطب» باب رقية العين رقم الحديث (5738).

([23]) لمزيد من التفصيل راجع كتاب «ذكر الآثار الواردة في الأذكار التي تحرس قائلها من كيد الجن» لابن حجر الهيثمي وكتاب «الرقيث» للعلياني وكتب «الرقية»لعادل محيي الدين نصار.

([24]) رواه مسلم (4/187)وأبو داود (4/223)وابن ماجه (2156).

([25]) رواه مسلم في كتاب الرقي باب القراءة على المريض بالمعوذات والنفث.

([26]) وهي الآية رقم (255)من سورة البقرة.

([27]) الآية رقم 285-286 من سورة البقرة.

([28]) رواه مسلم في كتاب الرقى (2185)وابن ماجه (3523).

([29]) رواه مسلم في "كتاب الرقي" باب: في رقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم والترمذي في الجنائز.

([30]) رواه مسلم في "كتاب الرقي" باب: الرقية باسم الله والتعويذ.

([31]) رواه مسلم في "كتاب الرقي" باب: الرقية من العين.

([32]) رواه البخاري في "كتاب الطب" باب: الحبة لسوداء رقم الحديث (5687).

([33]) انظر كتاب: «الحبة السوداء بين التجربة والبرهان» لطب الطبيب الطبعة الثالثة، ولمزيد من التفصيل راجع نتائج الدراسة التي قام بها الكيمائي طيب الطيب على بعض العقيمين (27-39).

([34]) راجع فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء صفحة (68)في نفس هذا الكتاب حيث ورد في نص الفتوى و "للسائلة أسوة في يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم عليهما السلام فإن كلا منهما لم يولد له" رقم الفتوى (8844)من كتاب «فتاوى اللجنة الدائمة» جمع وترتيب الدويش (3/387).

([35]) انظر: "البداية والنهاية" (1/141)و"قصص الأنبياء" لابن كثير (111).

([36]) كما أخبر تعالى في سورة الذاريات (29).

([37]) انظر: "البداية والنهاية" (8/95).

([38]) انظر: "فتح القدير" (4/160).

([39]) انظر "السير" للذهبي (2/252).

([40]) قال ابن سيرين: كان شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم «عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك».

([41]) انظر "السير" للذهبي (1/230).

([42]) نفس المصدر السابق (1/259).

([43]) انظر كتاب "النظائر" لبكر أبو زيد (237).

([44]) انظر "السير" للذهبي (1/384).

([45]) انظر "طبقات ابن سعد" (4/191).

([46]) وهو أحد الصحابة جامعي القرآن انظر: "النظائر" (237).

([47]) انظر كتاب "النظائر" لبكر أبو زيد (237).

([48]) انظر كتاب "النظائر" لبكر أبو زيد (237).

([49]) انظر كتاب "النظائر" لبكر أبو زيد (237).

([50]) انظر "السير للذهبي" (7/451).
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

رب لا تذرني فرداً



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:51 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب