منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى القران الكريم وعلومه

منتدى القران الكريم وعلومه [خاص] بكل مايتعلق بالقرآن الكريم من تلاوة وتفسير وأحكام.

منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نصوص مختارة من مقدمة ابن خلدون seifellah ركن كتب التاريخ والجغرافيا 0 2014-04-07 07:06 PM
محتارة SOS منتدى مشكلتي 6 2013-02-02 08:40 PM
محتارة SOS منتدى مشكلتي 7 2012-07-30 03:49 PM
اختبارات مختارة لتلاميذ الرابعة ابتدائي محمد ادم منتدى التعليم الابتدائي 0 2012-02-21 11:14 PM
كلمات مختارة في نبع الحنان.................الأم aminas منتدى العام 10 2010-03-02 09:28 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 11 )  
قديم 2014-11-13
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

القنوات الفضائية

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد:


فإن أصدق الحديث كلامُ الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكلَّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.


أيها الناس: إن الوصية لكم جميعًا هي أن تتقوا الله تعالى حقَ التقوى، فإن التقوى هي خير لباس، وأفضل زاد، وما علا شخص وارتفع إلا بتقوى الله سبحانه، فاتقوا الله تعالى في جميع أوقاتكم وراقبوه، واذكروا نعمه عليكم، وإياكم وكفرها فإن كفرها من أسباب نقم الله، وإن نقمَ الله بعباده شديدة }ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ [الأنفال: 53].


عباد الله: إننا مع مضي الليالي والأيام لا نزداد إلا رُسوخًا في صدق ما جاء عن الله وعن رسوله، ونزداد أيضًا علمًا بأن ما جاء عن الله وعن رسوله صالح لتعاقب الأيام والدهور، وأنه ما من شيء إلا وقد بين الله حكمه وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم.


وأن هناك قاعدة لابد أن تكون راسخةً في عقل كل مسلم: هي أن خوف الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته شديدٌ، وأن الأوائل والأواخر من أمته سواء، حتى إنه أخبر أصحابه عن أشياء لن تقع في عهده هو، وحذَّر هو منها خوفًا على الأمة، ومن ذلك سؤال حذيفة بن اليمان: هل بعد هذا الخير من شر؟ فلما أخبره بما سيقع قال: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتابُ الله وسنتي».

إنه ما من أمر حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وتحذيره عامٌّ لكل زمان ومكان.


أيها الناس: إن ثمة أمرًا ثبَّته الله ورسوله ليعلمه كل مؤمن ومؤمنة على طول الزمن، وهو أن أعداء الإسلام يُخططون لسلبِ المسلمين دينهم وأموالهم والقضاء عليهم }وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ{ [البقرة: 109]، }مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ{ [البقرة: 105]، }وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا{ [البقرة: 217]، }وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ{ [النساء: 89].


إن مثل هذه الآيات ترسخ قاعدة عظيمة وهي سعى المشركين لإفساد الدين وهدمه بأي طريق.


لأجل هذا جاء النهي صريحًا من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وسلم بتحريم كل ما قد يكون سببًا لإزالةِ دين المسلم، ومن أعظم تلك الأسباب مخالطةُ المشركين وحبهم والتشبه بهم؛ لأن المخالطة تقتضي ولا شك امتزاجًا وتداخُلاً.


عباد الله: إن من أعظم ما يُفسد دين المسلم ويجعله رقيقًا هو: السفر إلى بلاد الشرك والوثنية، يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا بريءٌ من مسلم يقيمُ بين ظهراني المشركين لا تراءى ناراهما»
[رواه أبو داود والترمذي].



إن بلاد الكفار فيها من الكفر والإلحاد والانحطاطِ في الأخلاق والسلوك ما يجعل المرء يأنف من البقاء فيها، فكيف والنهي في ذلك ظاهر والدليلُ قائم، جاء جرير بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُبايع فقال: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي فأنت أعلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتُناصح المسلمين، وتُفارق المشرك»، أخرجه النسائي والبيهقي وأحمد بسند صحيح.


وجاء عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُساكنوا المشركين ولا تُجامعوهم، فمن سَاكنهم أو جَامعهم فهو مثلُهم».


وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذِّمَّة».


وروى النسائي وابن ماجه بسند حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعدما أسلم عملاً أو يُفارق المشركين إلى المسلمين».


إن مفاسد السفر إلى بلاد المشركين ليست بتلك الخفاء حتى نحتاج إلى أن نعددها، ولكن في أحيان كثيرة يكون السفر إلى بلاد من بلاد المسلمين أشد ضررًا من السفر إلى بلاد الشرك وإن اجتمعا في الضرر، ذاك أنها بلدان يميع فيها الدين باسم التمسك به، وضعوا لهم علماءَ سوءٍ يُزينون لهم ما يريدون.


وظلم ذوي القربى أشد فظاظة






على النفس من وقع الحُسام المهنَّد







أيها الناس: إنني أتكلم عن سفر ليس في أذهان الكثير، بل حتى لا يحسبونه سفرًا، إنه ليس السفر المعتاد الذي ينال المسافر فيه مشقة وتعب؛ ففيه حِلٌّ وارتحالٌ، وفيه غربة عن الأوطان.


إنني أتحدث عن سفر لا يحتاج إلى جوازات ولا حجوزات، سفر لا يحتاج المسافر فيه إلى أخذ أُهبة واستعداد، سفر ليس للمسافر فيه سن معين، سفر لا يحتاج المسافر فيه إلى مُرافق؛ بل مرافقه الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء، سفر المسافر فيه أمير نفسه يذهب كيف شاء، ويتنقل بين البلدان كلما رغب عن بلد ذهب إلى بلد آخر، سفر يخلو الرجل فيه بمن شاء من نساءٍ كاسيات عاريات، يضحك معهن ويقلب بصره في حُسنهن، قد انتُزع منه حياؤه.


إنه يا عباد الله سفر: المرأة فيه تسافر لوحدها لا مَحرم معها، تختلط فيه مع الرجال، تضحك لضحكهم وتحزن لحزنهم، ووالدها ينظر، وزوجها يبصر، وأخوها يعلم، ولكنهم لا يحركون ساكنًا.


الصغير في هذا السفر له متعة خاصة؛ ولكنها هادمة للعقيدة مفسدةٌ للفطرة منافية للأخلاق، يتعلم الصغير في هذا السفر ما يستحي من الحديث عنه الكبار.


لا غرو إذن عباد الله: أن يعود الناس من هذا السفر بعقائدَ منحرفةٍ وفطرٍ منكوسةٍ وأخلاق فاسدة، إن الناظر فيما يستجد بين المسلمين اليوم من أعياد شركية، أو بدع قولية أو فعلية؛ لو تأمله الإنسان لعلم أن مُبتدأه تأثرُ الناس بالمشركين عن طريق هذا السفر، أَمَا كان جديرًا بنا إذن أن نتكلم عن أصل المشكلة قبل أن نتكلم عن أطرافها، وأن نَسُدَّ الباب من أصله!!!


ما تحدث الناس وفتحوا أفواههم في الحديث عن المرأة وحاولوا تغريبها، إلا لأن أعداء الملة أظهروا لهم المرأة عبر هذا السفر في صورة لها وجهان: وجه ظاهر مزين أمام الناس، والخفي عارٍ من الأخلاق هي فيه سلعةٌ رخيصة لا وزن لها.


إن السفر الذي أتحدث عنه هو سفر الإنسان بعقله وقلبه إلى بلاد الانحلال والشرك والمجون عبر القنوات الفضائية التي غزت بيوت فِئامٍ من الناس.


إن السفر إلى هذه البلدان عبرَ القنوات الفضائية أشد ضررًا وخطرًا، وأقبح نتيجة من السفر إلى تلك البلاد بالجسم بالطرق المعروفة؛ لأن المسافر بجسمه يستطيع أن يقارعَ الحجة بالحجة والدليلَ بالدليل، لكن الناس الذين يقضون أوقاتهم أمام هذه القنوات هم فقط يتلقون ويسمعون لا أقلَّ من ذلك.


عباد الله: إن هذه القنوات الفضائية التي رَضِيَ ناس أن يُدخلوها بيوتهم محرمة شرعًا؛ وإنه وإن تَجوَّز ناس بإباحتها إلا أنهم يقرون ولابد بأن ما فيها من خير غارق في بحر من الظلمات، }قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا{
[البقرة: 219] والحرمةُ تقدم على الإباحة، ذلك لأنها وإن سلِمت من الدعوة إلى الشرك الصريح، فلم تَسلم من الدعوة إلى الانحلال الخُلقي والفكري والسلُوكي، ولن تسلم من عُلماء سوءٍ يزينون للناس ما أرادوا باسم السهولةِ والتيسير.


وأكبر شاهد على ذلك: أننا صرنا نسمع ونقرأ عمن يتحدثون ويشككون في أمور هي من مُسلَّمات العقيدة ويُجادلون فيها، وما جاء ذلك منهم إلا تأثرًا بمثل هذه القنوات.


أما جانب الأنباء والأخبار في هذه القنوات فحدِثْ ولا حرجَ، كم قلبت من حقائق، وكم أُثيرت من فتن، وكم كُبِّر من صغير وعُظِّم من حقير بسبب نشرة أنباء أو تحليل أخبار، ونَسي الناس أن أكثر هذه القنوات قد سبحت في بحر الصهيونية أو خاضت في غِمار الماسونية.


عباد الله: إذا وجد الحياء في نفس المرء منعه من الكثير، وحال بينه وبين الحقير من الأمور، وأما إذا خلع المرء بُرقع الحياء، ولم يَعد في وجهه للمروءة ماء، أتى السيئات وهو يَظن نفسه مُحسنًا، وتجرأ على المنكر الشنيع، وهو يحسبه هينًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدركَ الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت».
بارك الله لي ولكم...


* *


الخطبة الثانية

من القنوات الفضائية

الحمد لله الصادق في وعده، المتصرفِ في خلقه، وأشهد أن لا إله إلا هو سبحانه، يَعد المُحسن فيوفيه وعده، ويتوعَّد المسيء فيوقع عليه وعيده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان رفيقًا بأمته يبحث الخير لهم ما استطاع، ويخاف عليهم من الشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد:


فإن التقوى هي الوصية لكل مؤمن ومؤمنة، فاتقوا الله أيها الناس واحذروا عقابه.


أيها الناس: هذه ثلاثة أمور هي ذكرى لكلِّ رجل رضي أن يُدخل مثل هذه القنوات في بيته:


الأولى: أن الله عز وجل قد أمر الناس أن يتقوا الله في أنفسهم، فأين تقوى الله في مثل هذه المعصية، حين تَجول ببصرك بين أمور محرمة ومنكرة.


الثانية: أن الله أمرك بأهل بيتك، وأن تقيهم من النار }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ{ [التحريم: 6]، أي أنقذوا أنفسكم وأهليكم من نار الله الرهيبة الموجعة، وأنقذوا معكم أهليكم الذين تزعمون أنكم تُحبونهم، فكيف تُحبونهم وأنتم تُلقون بهم في مجالاتٍ خطرة، وعَفَنٍ ماجنٍ، وصور منحلة.


ألا يخشى من رضي لأولاده وأهل بيته بمثل هذه الأمور من مغبَّة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في صحيح مسلم، يقول عليه صلوات الله وسلامه: «ما من مسلم يَسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»، ولا أدري هل من أحد يُنازع في أن مثل هذه الأمور من الغش للأهل والأولاد.


فإن أبيت إلا السيرَ خلف هوى نفسك ومطاوعةِ الشيطان، فأذكرك أمرًا ثالثًا: وهو أن أمامك أمرين لا محيص لك عنهما، وهي أنك تتقلب في نعم الله صباح مساء، ألا تخاف أن يَفْجأُك الله بعقوبة من عنده؛ فما أكثر العقوبات الدنيوية، هذه الزلازل ما بين طَرفة عينٍ تنتهي بلادٌ كاملة، أتظن أنك في ملجأ من الله، إن كفرَ النعم وعصيان الله في أرضه هو سبب النقم من الله.


إنك إن أبيتَ إلا الإصرار على الذنب فإن أمامك أمرًا ثانيًا لن تنجوَ منه وهو المبيتُ في حجرة مظلمة يملأ الترابُ فاك وينخرُ الدود عظامك، ثم تقف حافيًا عاريًا أمام الله يوم القيامة، ويزيد من ألمك وحسرتك أن أهلك وذويك سيتعلقون بك في ذلك اليوم يريدون حقوقهم، كيف خادعتهم وغششتهم، ستتعلق بك زوجتك وابنك وبنتك وأخوك }وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{ [البقرة، 281]، }يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{
[النور: 24]، فإلى كل شخص وضع هذا الجهاز في بيته أقول: ستقف
ُ والله بين يدي الله يوم القيامة، وسيسألك فماذا ستجيب أمام علام الغيوب؟



أيها الناس: إن من يعلم بضرر هذه القنوات الفضائية وقبيح عاقبتها، ثم لا يستجيب لنداء ولا يرعوي لموعظة؛ فلا عليه إذن أن يجد على رقبة ابنه ناقوسًا أو صليبًا، ولا عليه أن يرى أبناءه يترنحون من أثر المسكرات والمخدرات، ولا عليه أن يرى بنته ومَحْرمه تُصادق فلانًا؛ وتخرج وتدخل بلا حياء ولا غَيْرة، ولا عليه إذن أن يسمع عن علاقات محرمة بين نساء متزوجات مع أخدانٍ وأصحاب.


إن ما يبصره المرء عبر هذه القنوات لابد أن يتأثر به وإن طال الزمن، ولكن الشيطان يُعمي ويُصمُّ، إن المرء قد يمضي سنوات طويلة في إصلاح أهله وأولاده ثم يفسدهم في لحظات إذا سمح لهم بمثل هذه الأمور.
عباد الله: إن الله وملائكته...

* * *
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 12 )  
قديم 2014-11-21
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

الواسطة والشفاعة

الحمد لله المتفضل على عباده بجزيل النعم، أحمده سبحانه، كم أسدى من نعمةٍ، وكم دفع من نقمةٍ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله الشافع المشفع يوم القيامة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ [النساء: 1].

عباد الله: حسنُ اللقاء وطيبُ الكلام، ومشاركة الأخ لأخيه في السراء ومواساته في الضراء، كل أولئك من كريم الخصال وحميد الشيم، وهذه الأمور من المعروف الذي يجب على كلُّ مسلم ألا يقلل من شأنه أن يَحتقر بذله، «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفرغ دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تُكلم أخاك ووجهك إليه مُنبسط».

الناس – عباد الله – لُحْمة لا يستغنون عن التعاون، ولا يَستقِلون عن المظافر والمساعد، فإنما ذلك كله تعاون ائتلاف، يتكافئون فيه ولا يتفاضلون، ولربما احتاج شخص إلى آخر، والمحتاج إليه أقل من المحتاج، كاستعانة السلطان بجنده، والمزارع بعماله، فليس من هذا بُدٌّ، ولا لأحد عنه غنى.

أيها الناس: أعظم المعروف ما ترك في نفسٍ أثرًا طيبًا تذكره فتشكره، وإذا كان انبساط الوجه للأخ يَعتبره الإسلام معروفًا يُؤجر عليه العبد، فكيف بما هو أكثر نفعًا وأعظمُ فائدةً تعود على الأخ المسلم، كبسط اليد إليه بالإنفاق، وكواسطة الخير في أمر مشروع، وكتفريج الكرَب عن المكروب أو دفع المكروه.

روى الإمام مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نَفَّس عن أخيه كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا، نَفَّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عوْن العبد ما كان العبد في عون أخيه».

الواجب على المسلمين كافة نصيحةُ المسلمين، والقيام بالكشف عن همومهم وكربهم؛ لأن من نفس كُربة من كُرب الدنيا عن مسلم نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن تَحرى قضاء حاجته ولم يكتب قضاؤها على يديه، فكأنه لم يقصر في قضائها، وأيسرُ ما يكون في قضاء الحوائج استحقاقُ الثناء، والإخوان يُعرفون عند الحوائج، كما أن الزوجة تُختبر عند الفقر؛ لأن الناس في الرخاء كلهم أصدقاءُ، وشر الناس الخاذلُ لإخوانه عند الشدة والحاجة، كما أن شرَّ البلاد بلدة ليس فيها خصب ولا أمن.

يقول الحسن البصر: قضاءُ حاجة أَخٍ مسلم أحب إلي من اعتكاف شهرين، وجاء رجل إلى الحسن بن سهل يَستشفع به في حاجة فقضاها، فأقبل الرجل يشكره فقال له الحسن: علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاةً كما أن للمال زكاة، وفي لفظ: ونحن نرى أن كَتْب الشفاعات زكاةُ مروءاتنا.

وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى t قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالبُ حاجة أقبل على جُلسائه فقال: «اشفعوا فلتؤجروا وليقضِ الله على لسان رسوله ما أحب». وفي رواية: عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجلَ ليسألني عن الشيء فأمنعه كي تشفعوا له فتؤجروا».

عباد الله: الإفضال على الناس والإحسانُ إليهم شرف عظيم جعله الله لكل صاحب مال أو جاه، بل إن من أعطاه الله عز وجل نعمةً من مال، أو جاه فقد وجب عليه الإحسان إلى الناس، روى الطبراني في «معجمه» وابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» بإسناد حسَّنه الهيثمي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد أنعم الله عليه نعمةً فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائجِ الناس إليه فتُبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال». وفي رواية: «إن لله أقوامًا يختصُّهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرُّهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحوَّلها إلى غيرهم».

حقيق – عباد الله – على من علم الثواب ألا يمنع ما ملك من جاه أو مال، إن وجد السبيل إليه، قبل حُلول المنية، فينقطع عن الخيرات كلها، والعاقل يعلم أن من صَحِبَ النعمة في دار الزوال، لم يَخل من فقدها، وأن من تمام الصنائعِ و أهنأها ما كان ابتداءً من غير سؤال.
إذا ضاقت بالصحابة ضائقةٌ ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه الشفاعة لهم فيها عند أصحابها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إن أباه تُوفي وترك عليه ثلاثين وسْقًا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له إليه، فكلم الرسول صلى الله عليه وسلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى... إلخ الحديث.

عباد الله: يقول الله سبحانه: }مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا{
[النساء: 85]. وروى الجماعة إل
ا الترمذي عن كعب بن مالك «أنه تقاضى كعب بن أبي حدرد دينًا كان عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سُجُف حجرته فنادى: يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله، قال: ضع من دينك هذا؛ وأشار إليه أي الشطر، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه».


أيها الناس: اسمعوا إلى ما أعده الله للقاضين للناس حوائجهم والكاشفين كروبهم، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «قضاء الحوائج» بإسناد حسن، والطبراني وابن عساكر عن ابن عمر t قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم أو تكشف عنه كُربة أو تقضي عنه دينًا أو تَطرد عنه جوعًا» إلى أن قال في آخر الحديث: «ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تَتَهيَّأ له أثبت الله قدمه يوم تَزِل الأقدام، وإن سوء الخلق يُفسد العمل كما يُفسد الخلَ العسلَ».

عباد الله: الحاجة إلى الناس من أثقل الأمور، ألا فليعلم من ابتلي بمثل هذه أنه يجب عليه أن لا يُلحف في السؤال، فإن شدة الاجتهاد ربما كانت سببًا للحرمان والمنع، ألا وليختر المكان المناسب والزمان المناسب، روي عن عمر أنه قال: لا تسألوا الناس في مجالسهم ولا في مساجدهم فتُفحشُوهم، ولكن سلوهم في منازلهم، فمن أعطى أعطى ومن منع منع، يقول أبو حاتم بن حبان بعد أن ذكر قول عمر: هذا إذا كان المسئول كريمًا، أما إذا كان لئيمًا فإنه يسأل في هذه المواضع؛ لأن اللئيم لا يقضي الحاجة ديانة ولا مروءة، وإنما يقضيها – إذا قضاها – للذكر والمحمدة بين الناس، على أني استحب للعاقل أن لو دفعه الوقت إلى أكل القديد ومص الحصى، ثم صبر عليه لكان أحرى به من أن يسأل لئيمًا حاجةً؛ لأن إعطاء اللئيم شين ومنعه حتفٌ. اهـ.

يقول خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج عند غير أهلها، ولا تطلبوها في غير حينها، ولا تطلبوا ما لا تستحقون منها، فإن من طلب ما لا يستحق استوجب الحرمان.

عباد الله: إن صنائع المعروف لا تقف عند حدِّ، بل تتسع إلى ما لا حد له، حتى يكون في نصيب كل مسلم أن يأخذ منها بحظ }فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{ [الزلزلة: 7، 8].

يقول بعض الحكماء: اصنع الخير عند إمكانه يَبق لك حمده عند زواله، وأحسن والكرَّةُ لك، يحسن إليك والكرَّةُ عليك، واجعل زمان رخائك عدة لزمان بلائك.

واعلموا عباد الله أن هناك أمورًا لا تَحل الشفاعة فيها، روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دونَ حدٍّ من حدود الله فهو مضادٌ لله في أمره».
أقول قولي هذا...
* *

الخطبة الثانية
من الواسطة والشفاعة

الحمد لله الذي وعد المحسنين بعظيم الثواب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي المخرج عند الشدائد وهي المعين عند النكبات.
عباد الله: ينفر كثير من الناس لغيرهم خوفًا من عدم قبولها، ألا فليعلم أولئك أن سيد الخلائق وهو أعظم حقًا وأولى بكل مسلم من نفسه ردت شفاعته، فما أصدر تحسرًا ولا ندمًا، ولا عاتب أحدًا.

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: كان زوج بريرة عبدًا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثًا؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه فإنه أبو أولادك؟ فقالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: لا، ولكني أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه».
فلا يكونن نظرَ الشافع القبول وعدمه، إنما ينظر إلى الأجر، فإن الله قد قال: }مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا{ [النساء: 85]، ولم يقل: من يشفع فيشفع.

جاء في ترجمة عبد الله بن عثمان شيخ البخاري أنه قال: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تمَّ وإلا قمتُ له بمالي، فإن تم وإلا استعنتُ به بالإخوان، فإن تم وإلا استعنتُ له بالسلطان.

عباد الله: العاقل الفطن لا يتَسخَّط ما أعطي وإن كان تافها؛ لأن من لم يكن عنده شيء فكل شيء يستفيده ربح.
وذكر ابن الجوزي قصة فقال: كان هارون الرقي قد عاهد الله تعالى ألا يسأله أحد كتابَ شفاعة إلا فعل، فجاء رجل فأخبر أن ابنه أسير في الروم وسأله أن يكتب إلى ملك الروم في إطلاقه، فقال له: ويحك، ومن أين يعرفني، وإذا سأل عني قالوا مسلم، فكيف يفي حقي؟ فقال له السائل: اذكر عهد الله، فكتب إلى ملك الروم، فلما قرأ الكتاب قال: من هذا الذي قد شفع إلينا؟ قيل: هذا قد عاهد الله لا يسأل شفاعة إلا كتبها إلى أي مكان، فقال ملكهم: هذا حقيق بالإسعاف أطلقوا أسيره.

أيها الناس: ليس الحديث عن مثل هذه الأمور هو دعوة للناس إلى السؤال، ولكن الحاجةُ ملحةٌ والضرورة قاسية، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ولكن لا يكن الواحد كمثل ذلك الفقير الذي سمعه رجل وهو يدعو يقول: اللهم ارزق المسلمين حتى يعطوني، فقال له الرجل: أتسأل ربك الحوالة.

عباد الله: إن الشفاعة والوساطة متى ما كانت في أَمر مشروعٍ فهي مندوب إليها، إلا أنه ينبغي ألا تكون الشفاعة هي مُسيِّرةُ أمورنا وباعث إنتاجنا، إننا مطالبون بإكرام القريب والصاحب ولكن ليس على حساب تعطيل مصالح أناس لا يجدون مثل ما تجد، فمن أين لهم ما يرغبون؟

عباد الله: لست أدعو هنا أن نأخذ حقوق غيرنا عن طريق الشفاعات، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: «من اقتطع مالَ امريء مسلم بغير حق لقيَ الله وهو عليه غضبان».

أيما شفاعة أخذت حق شخص مسلم فهي شفاعة محرمة، ينال وزرها الشافع فيها حال علمه بذلك، الشفاعة التي توصل الغِرَّ إلى مراكز الأسود شفاعةً لا خير فيها بل ضررها عظيم.

ما أجمل الشفاعة التي توصل الحق إلى صاحبه، يُوصل بها بين متخاصمين، يوصل بها أرحام متقاطعة، تُزال بها منكرات، يَنال بسببها خير للمسلمين أجمع، }لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا{ [النساء: 114].

أيها الناس: لو أنجزنا الأعمال بمثل المسئولية التي تحملناها أمام الله – أولاً – ثم أمام ولاة الأمر، لما احتاج صاحب الشأن للبحث عن شفيع أو وسيط، ولما احتاج الشفيع إلى بذل شفاعته، ولما صار الناس رهائن الشفاعات يبحثون عنها دائمًا.
عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي...
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 13 )  
قديم 2014-11-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمان بالملائكة



الحمد لله فاطر السماوات والأرضِ جاعلِ الملائكة رُسلا أولي أجنحة مثنى وثلاثَ ورباع أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكمل الخلق توحيدًا وأبرُّهم عملاً وأتقاهم لربه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعــد:


فأوصيكم أيها الناس بالوصية الدائمة التي كرَّرها الله في كتابه، وصيةُ الله للأولين والآخرين: الوصيةُُ بتقوى الله }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ{ [النساء: 131].


أيها الناس: إن من الأصولِ الثابتة التي قامت عليها السماوات والأرض، بل هي أصلُُ الأصولِ، هي معرفة أن الله ربَّ العالمين الرحمن الرحيم المالكُ المتصرفُ ذو الألوهيةِ والعبوديةِ على خلقه أجمعين، وأن جميعَ الكون وكل ما فيه خلقه وملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره }إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا{ [مريم: 93، 94].


عباد الله: لقد أخبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وخبرُه صدقٌ – عن افتراقِ هذه الأمة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة كلهم ضُلَّال إلا فرقة واحدة، هي التي وافقت هدي الكتاب والسنة وسارت على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده.


إن هذا الافتراقُ شاملٌ لكل أمور الدين عقيدة وعملاً، ولكن التفرقَ قد يُعالج إلا في باب واحد إذا كُسر فلا يُمكن إصلاحه إلا بإعادته جديدًا كما كان، لا يصلح في سده باب فيه ثقوب أو خلل، إنه باب التوحيد والاعتقاد، باب أهلِ الزيغِ والضلال فيه فرقٌ شتى كل فرقةٍ فرحة بما عندها، أما أهل السنة والجماعة الذين ساروا على النهج فإنهم على خط مستقيم في هذا الأمر بل وفي جميع أمورهم، ولكن باب التوحيد والاعتقاد يخصُّونه بمزيد اهتمام ومزيد عناية لأن الضلال فيه ضلال كبير والخطأ في التوحيد ليس كخطأٍ في غيره.


أيها الناس: إن أكثر ما جاء الانحراف إلى طوائف شتى في هذا الباب بسبب أمرين: الجهل؛ فكثير من الناس يجهلون أمور معتقدهم التي يعتقدونها وقليل ممن آتاهم الله علمًا يتحدث عنها، ولو أن الناس إذا جهلوا شيئًا سألوا عنه لبلغوا مرادهم ولكن على نفسها جَنتْ، ولا ينال العلم مُستحٍ ولا مُستكبرٌ.


أما السبب الثاني: فهو أن فِئامًا منهم أخذوا هذا العلم من غير مصدريْه الكتاب والسنة.
العقل – أيها الناس – لا دخل له في باب العقيدة، لأنها من باب الغيب؛ والغيب لا يُعلم إلا بوحي.


إذا كان ذلك كذلك فاعلموا أيها الناس – أن عليكم أن تؤمنوا بأن دين المرء يقوم على أصول ستة هي كالعُمُد للبنيان، لو سقط منه عمودٌ سقط البناء أو لا يزال مخلخلاً.


ستة أصول ينبغي لكل مؤمن ومؤمنة الإيمان بها والإقرار بمضمونها إيمانًا، لا خلل فيه وإقرارًا لا يعتريه نقص، لخَّصها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل u، فسأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.


الإيمان بالملائكة أحد تلك الأصول الستة التي من أقر بها فقد استكمل الإيمان، والملائكة عباد الله: عالمٌ غيبي مخلوق عابدون لله ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور ومنحهم الانقياد التام لأمره والقوة على تنفيذه }وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ{ [الأنبياء: 19، 20].


الملائكة رسل من رسل الله }الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا{ [فاطر: 1]. الملائكة عدد كثير لا يُحصيهم إلا الله سبحانه، جاء في الصحيحين من حديث أنس في قصة المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع له البيت المعمور في السماء فرأى أنه يُصلي فيه سبعون ألف ملك كلَّ يوم إذا خرجوا لا يعودون إليه آخر ما عليهم، يعني: لا يأتيهم الدور مرة أخرى.


الملائكة }مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{ [التحريم: 6]. جاء في الحديث: «أَطَّتْ السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ ما فيها أربعة أصابع إلا وملك قائم راكع أو ساجد».


عباد الله: الإيمان بالملائكة يتضمنُ أربعة أمور لا بد من الإقرار بها حتى يكون الشخصُ مؤمنًا بهم:


الأول: الإيمان بوجودِهم وأنهم خلقٌ من خلق الله كما جاءت به الآيات والسنن.
الثاني: الإيمان باسم من عَلِمنا اسمه منهم، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالاً دون حاجة إلى معرفة اسمه، ومما ينبغي أن يُعلم هنا أنه لم يصح من أسماء الملائكة إلا قليل، وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وملكان يسألان الميت لم يثبت تسميتها بحديث صحيح.


أما الأمر الثالث عباد الله: ألإيمان بما علمنا من صفاتهم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل على صفته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح قد سَدَّ الأفق، وقد أعطاهم الله من القدرة في التمثل في صورٍ عديدة كما قال الله عن جبريل لما بعثه إلى مريم }فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا{ [مريم: 17]. وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان ثم قال عنه صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. رواه مسلم. وجاء مرة على صورة دِحية الكَلْبيَّ، وكذلك الملائكة الذين جاءوا إلى نبي الله إبراهيم ونبي الله لوط كانوا على صورة رجال، ولكن تَمثُّلهم في صورة البشر إنما هو بأمر الله وقدرته ليس للملائكة أمر فيه.


أما الأمر الرابع أيها الإخوة مما يجب اعتقاده في الملائكة: فهو الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها: كتسبيحهم لله وعبادتهم له ليلاً ونهارًا بدون ملل أو فتور. كما أنه ينبغي لنا أن نؤمن بأن لبعضهم أعمالاً خصَّهم الله بها مما فيه مصلحة البشر: فجبريل موكلٌ بما فيه حياةُ القلوب وهو الوحي }نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ{ [الشعراء: 193-195]. وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الأجساد بعد موتها، وميكائيل موكل بإنزال المطر والنبات اللذين بهما حياة الأرض، فهؤلاء الثلاثة جعل الله على أيديهم حياةَ القلوب وحياةَ الأبدان وحياةَ الأرض، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يَستفتح صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة...».


ومنهم مَالِكٌ موكلٌ بالنار، يقول الله عن أهل النار: }وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ{ [الزخرف: 77]. وملك موكل بالجنة، وملك الموت الذي يقول الله عنه: }قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ{ [السجدة: 11]. قادرٌ بأمر الله على قبض نفسٍ في المشرق وأخرى في المغرب في آنٍ واحدٍ }إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ [يس: 82]. }لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ{. وملكان موكلان بسؤال الميت في قبره كما بت في أحاديث صحيحة.


ومما ينبغي معرفته هنا أن ثَمَّة ملكين مع كل شخص يكتبان عليه جميعَ أعماله }إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ{ [ق: 17، 18]. فإياك إياك أيها المسلم أن يُكتب عليك ما يسوؤك يوم القيامة.


لما دخلوا على الإمام أحمد وكان مريضًا فإذا هو يئنُ أنين المريض، فقيل له يا أبا عبد الله: إن طاووسًا – وهو أحد التابعين – يقول: «إن أنين المريض يُكتب عليه» فأمسك عن الأنين.


فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الإنسان سوف يخرج له يوم القيامة: }كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا{ [الإسراء: 13، 14].


اللهم زينا بزينة الإيمان وجنبنا الزلل في القول والعمل، أقول هذا القول وأستغفر الله..


* *

الخطبة الثانية

الحمد لله يعلم السرَّ والنجوى لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد:


فاتقوا الله أيها الناس وتعلموا من العلم ما تقيمون به دينكم فإن خير العلمِ العلمُ الذي يزيد المؤمنَ إيمانًا بربه.


عباد الله: السؤال الذي أراه عالقًا بذهن كثير من الناس هو قولهم: ما فائدة الإيمان بالملائكة؟ ألا فليعلم كلُّ مؤمن أن الإيمان بملائكة الله يُثمر ثمرات جليلة، أولها: العلم بعظمة الله وقوته وسلطانه فإن عَظمة المخلوق من عَظمة الخالق، ثم ثانيها: شكر الله عز وجل على عنايته بخلقه حين وكلَّ من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم وغيرِ ذلك من مصالحهم. والثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى.


أيها الناس: إن الملائكة أجسامٌ تتحرك ليست بقوى معنوية كما قال أهل الزيغِ والضلال يقول الله عنهم: }وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ{ [الأنفال: 50]. ويقول: }وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ{ [الأنعام: 93]. ويقول الله عن أهل الجنة: }جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{
[الرعد: 23، 24]. ويقول الله عز وجل في كتابه:
}وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ{ [آل عمران: 123-125].



وثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يُحب فلانًا فأَحِبه فيُحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يُحب فلانًا فأحِبوه فيُحبه أهلُ السماء ثم يُوضع له القبول في الأرض». وصلاتكم هذه أيها الناس يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يومُ الجمعة كان على كلِّ باب من أبواب المسجد ملائكةً يَكتبون الأولَ فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصُّحف وجاءوا يستمعون الذكر» رواه البخاري.


عباد الله: هذه نبذةٌ مختصرة مما يَلزم المؤمن اعتقاده في ملائكة الله. بصَّرنا الله بالعلم النافع ورزقنا عملا صالحًا. اللهم صل على معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم وارض اللهم عن أصحابه أجمعين.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 14 )  
قديم 2014-11-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)



الأمرُ بالعلاجِ والتداوي



الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:





فإن الوصيةَ هي أن تتقوا الله في جميع أموركم، فإن تقوى الله هي الملتجأ عند البلايا، وهي السلوان عند الهموم والرزايا.
عباد الله: الإنسان في نظر الإسلام أغلى ثروةٍ وأكرم مخلوق، يُجِله ويحترمه ويصونه ويحفظه، ويعمل لنموه وكماله، وعلى حقنِ دمه، وبقاءِ نوعه، ونضوج عقله وتقدُّم وعيه، وبُلوغه من الرُّقي والتقدم الحدودَ الممكنة والمستطاعة ليكون في أحسن تقويم.


ولكن الإنسان في هذه الحياة هدفٌ للبلايا والمحن، ولا يخلو حيٌّ من نكد، ولا يصفو وقت من كدرٍ، ومحنُ الحياة وشدائدها امتحان واختبار فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِط فعليه السخطُ }الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{ [العنكبوت: 1-3]. ويقول صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراءَ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».

وإن من أعظم ما يُصيب الإنسان في حياته من الابتلاء: الابتلاءُ بالأمراض والأسقام.


الناس – عباد الله – مُجمعون إجماعًا لا شك فيه أن الصحة تاجٌ لا يعرفه إلا المرضى.


الصحة والعافية نعمة مغبونٌ فيها كثير من الناس، ولكن المرض منتشر بين بني آدم انتشار النار في الهشيم، لا يخلو منه زمان ولا يسلم منه عصر؛ بل لا يسلم منه أحد إلا من رحم الله، بل إن الواحد إن سَلِم من شدة مرض فلابد أن يصيبه شيء من رشاشه المتناثر هنا وهناك.
ثمانية لا بد منها على الفتى






ولا بد أن يجري عليه الثمانية


سرور وهم واجتماع وفرقة






ويسر وعسر ثم سقم وعافية









الأمراض والأسقام وإن كانت ذات مرارة وثقل واشتداد وعَرَكٍ، إلا أن الباري جل شأنه جعل لها حِكمًا وفوائدَ كثيرة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، ولقد أحصى الإمام ابن القيم في كتابه شفاءُ العليل ما للمرض من فوائد وحكم فزادت على مائة فائدة وقال: انتفاعُ القلب والروحِ بالآلام والأمراض، أمر لا يَحس به إلا من فيه حياة، فصحةُ القلوب والأرواح موقوفةٌ على آلام الأبدان ومشاقها.اهـ. ومن هذا المنطلق فإن المرض يجتمع فيه الكافر والمسلم والبر الفاجر ولكنهم يفترقون في الثمرة، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسمًا وأمرضهم قلبًا، وتلقون المؤمن من أَصَحِّ الناس قلبًا وأمرضهم جسمًا وأيْمُ الله لو مَرِضت قلوبكم وصَحَّتْ أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجُعْلان». ودخل سلمان الفارسي على مريض يعوده فقال له: (أبشر فإن مرضَ المؤمن يجعله الله كَفَّارةً ومُستعتبًا وإن مَرض الفاجر كالبعير عَقلَه أهلُه ثم أرسلوه فلا يدري لم عُقِل ولا لِمَ أُرْسِل).


وبعد أيها الناس فإن الإسلام جاء للمحافظة على بني البشر فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم للمرض عجزًا وكَسلاً، لقد جاء الإسلام بالعلاجِ والأمر بالتداوي، بل لقد بنى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعدَ في العلاج وكيف تسير عليه، ولكن قبل ذلك أمور لابد من معرفتها وهي: أن يعلم المرء أن ما أصابه إنما هو من الله سبحانه وأنه بقضاء وقدر فلا مجال للتَّشكِّي والتَّضجُّر وليعلمَ أن ما أصابه شيء إلا بسبب ذنوبه، ومن حكمة الله أن يجعل العقوبةَ في الدنيا فلابد إذن للمريض من توبة واستغفارٍ وشكر لله أن جعل عقوبته في الدنيا دون الآخرة، وعلى المريض أن يتوكَّلَ على الله وأن يعتمد عليه في زوال ما أصابه.


عباد الله: كان من هديه صلى الله عليه وسلم فِعل التداوي في نفسه والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، بل لقد أخبر أنه ما من مرض إلا وله دواء، ولكن الناس لا يعلمون، روى مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكلِّ داءٍ دواءٌ فإذا أصابَ دواءٌ الداءَ بَرِأ بإذن الله تعالى». ولكن الدواء لا يجوز إلا إذا كان فيه أمران: أن يكون مباحًا غير حرام، وأن يكون نافعًا له فائدة، فإن الإنسان لا يملك نفسه حتى يجعلها محل تجارب لأدوية قد تُفلح وقد لا تُفلح، يقول صلى الله عليه وسلم: «تداووا عبادَ الله ولا تتداووا بحرام». رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح. ويقول ابن مسعود: إن الله لم يجعلْ شفاءَكم في ما حَرَّمَ عليكم.


عباد الله: روى الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي بسند صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيْمات يُقمن صليه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسه». هذا حديث عظيم من أعظم أحاديث العلاج والتداوي وهو الكلام عن الغذاء والحِمْية، يقول أهل الطب كما ذكر ابن القيم: كل داءٍ قُدرَ على دفعه بالأغذية والحِمْية لم يُحاول دفعه بالأدوية، وقد اتفقوا على ذلك، وذكر أنهم قالوا: لا ينبغي للطبيب أن يُولع بِسَقْي الأدوية، فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داءً يُحَلِلْه أو وجد داءً لا يوافقه، أو زادت كميته قليلاً تشبثَ في الصحة وعبثَ بها.


ولقد اجتهد الأطباء في إيجاد أدوية لكثير من أمراض بني آدم وليس منها محظورٌ إلا ما كان مصنوعًا من حرام، أو هو حرام في نفسه كالخمر وما ماثله، يقول أحد السلف رحمه الله: مهما اجتهد الأطباء في أدويتهم فإن ما عندهم لا يساوي شيئًا في جانب ما أعطانا الله معاشرَ المسلمين، من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب واعتماده على الله والتوكل عليه، والالتجاء إليه والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له والصدقة والدعاء والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يَصل إليه عِلْمُ أعلم الأطباء.


أيها الناس: إن من العلاج الذي أرشدنا إليه ديننا لدفع الأمراض والأسقام، هو ذلك العلاج الذي صار الناس فيه بين غلو وتقصير وأهملوا جانبًا منه، وحرصوا على جانب آخر منه، إنها عبادَ الله الرُّقية الشَّرعيَّة، لقد رَقَى صلى الله عليه وسلم نفسه ورقى أهله وأمر الصحابة بالرقية وقال: «لا بأس بالرقية بما ليس فيه شرك». لما قال له أحد الصحابة: كنا نَرْقي في الجاهلية كيف ترى ذلك يا رسول الله، رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا رُقْيَةَ إلا من عينٍ أو حِمَّةٍ» بل لقد رقى صلى الله عليه وسلم بعضَ أهله، تقول عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُعوِّذ بعضَ أهله: يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم ربَّ الناس أذهبْ البأسَ اشفِ أنت الشافي لا شفاءَ إلا شفاؤُك شفاءً لا يُغادرُسَقَمًا» متفق عليه، بل إن عائشة رضي الله عنها رقت النبي صلى الله عليه وسلم، تقول رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات ويَنْفُثُ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأُ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها. رواه البخاري ومسلم.


وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أشتكيتَ؟ قال رسول الله: نعم، قال جبريل: باسم الله أُرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفسٍ وعينٍ الله يَشفيك».


وإن أعظم الرُّقَى عباد الله ما كان بكتاب الله عز وجل: إذ هو الشفاء الحقيقي لأمراض الناس }وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا{ [الإسراء: 82]. ولقد سمَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة رُقية فهذا هو الواجب على المريض أن يَرقي نفسه بكتاب الله، وينفث بما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هنا أمرًا لابد من معرفته عباد الله، وهي أن الرقية تكون قبل وقوع المرض مثلما أن تكون بعده، فإن اللازم للمسلم الحق أن يُحصن نفسه من الأمراض قبل وقوعها بالأدوية الشرعية والنصائح النبوية، فإن من أهمل أوراد الصباح والمساء وأدبار الصلوات، وغفل عن قراءة القرآن حريٌ أن تتسلط عليه شياطين الإنس والجن؛ فيصيبونه بما يؤذيه لأنه هو المفرط وهو الذي ضيع نفسه، ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آيةَ الكرسيِّ في ليلةٍ لم يَزل عليه من الله حافظ ولم يَقربه شيطان حتى يُصبح». رواه البخاري. وقال: «مَنْ تَصبَّح بسبع تمرات عَجْوة لم يضرُّه ذلك اليوم سُمٌ». متفق عليه. إلى غير ذلك من تعاويذ غفل عنها كثير من الناس.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
* *

الخطبة الثانية

«من الأمر بالعلاج والتداوي»

الحمد لله رب العالمين.


أما بعد:


فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الواجب على الإنسان أن لا يحمله حبه للشفاء وحرصه على العافية، أن يقع في محاذير شرعية فيذهب للعلاج على أيدي المشعوذين والدجالين بحجة ذَهاب الناس لهم.


وإن التوسع عباد الله في جانب الرقية وإخراجها عن حدها المشروع أمر محرم مخالف للهدي النبوي، فإن الناس في هذا الزمان قد اتخذوا من الرُّقية حرفةً وتجارة تتمثل في أماكن للعلاج بها بمواعيد وترتيبات، بل إن منهم من لا عمل له غيرها، وهذا عباد الله من العبث وضياع الأموال في غير ما شرع الله، بل إن منهم من بالغ في الرقية حتى أخرجها عن الحد الشرعي في صور غير خافية على العقلاء.
وفي ظلال ما قد سمعتم فإن هناك أمورًا لا بد أن يعرفها الناس:


أولاً: أن الرقية عبادةٌ ودعاء، وكل عبادة ليست على ما شرعه الله ورسوله فهي باطلةٌ وغيرُ صحيحة فهل كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أو من فعل أصحابه هذا الأمر، ثم لم يُؤثر عن السلف أن منهم من انقطع للرقية، وفرَّغ نفسه لها خدمة للمسلمين ورحمةً بهم – كما زعموا.


ثانيًا: أن حرص المريض على الشفاء والعافية لا ينبغي أن يدفعه إلى الذهاب لكل ساقط أو منحرف؛فإن المريض حال مرضه أشبه ما يكون بالسكران الذي لا يشعر بما حوله، فلابد للأصحاء من تدخل في إرشاده وتوجيهه.


ثالثًا: أن الواجب على المرء أن يرقي نفسه بنفسه، بل إنها أفضل وأنفع من طلبه من غيره، فإن الله يقول: }أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ{ [النمل: 62]. والسوء هو المرض فعلى المريض أن يلجأ إلى ربه في الدعاء وطلب رفعِ ما أصابه.


رابعًا: واسمعوا ما أقول: إن الأمة العاقلة هي التي تأخذ من تاريخها الماضي دروسًا وعبرًا، وتعلمون ما وقع في هذه البلاد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من صور لبعض الشركيات والبدع.


يقول مؤرخ نجد عثمان بن بشر في كتابه: عنوان المجد بعد أن ذكر صورًا من هذه الشركيات قال: والسبب الذي أحدث ذلك في نجد- والله أعلم- أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار صار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون الناس، فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض أتى أهله إلى مُتطبِّبِ تلك البادية فيسألونهم عن الدواء لِعلته فيقولون: اذبحوا له في الموضع الفلاني كذا وكذا، وذلك ليحققوا معرفتهم للطب عند هؤلاء الجهلة ثم يقولون لهم: لا تسموا الله على ذبحه، وأعطوا المريض منه كذا وكذا، وكلوا منه كذا وكذا، واتركوا كذا وكذا، وربما يشفي الله مريضهم فتنةً لهم واستدراجًا وربما يوافق وقت الشفاء حتى كثر ذلك في الناس، وطال عليهم الأمد فوقعوا بهذا السبب في عظائم... إلى آخر كلامه. فانظروا عباد الله كم رأيتم بين هؤلاء القراء من هو في ضرب من الدجل والشعوذة والسحر، فإذا لم ينتبه عقلاء الناس للخطر أوشك الخطر أن يقع.
إن خير الحديث كلام الله.
* * *

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 15 )  
قديم 2014-12-11
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

الزنا وخطره



الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده لسلوك صراطه المستقيم، وهداهم إلى نهج الفطرة، أحمده سبحانه أن شرع لنا هذا الدين القويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رفع منار الفضيلة وقمع الرذيلة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد:


فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، التقوى التي تُصاحب المؤمن في كل وقت وكل حين، ولن ينجو من أهوال يوم القيامة إلا المتقون.


عباد الله: الناس مهما بلغوا من قوة فإنهم عاجزون عن مجابهة الله عز وجل، فما من قاهر أو قادر إلا والله فوقه، ومع ذلك فإن الله ينذر عباده بما يُرسل بينهم من الآيات }وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا{ [الإسراء: 59]. ولن يعود للمسلمين جميعًا مجدَهم الغابر، ولا كلمتهم العالية إلا بتحقيق قول الله سبحانه: }وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ [النور: 55].


متى ما حقق الناس المطلوب حقق الله لهم ما يطلبون، وإن المسلمين مطالبون دائمًا بفتح سجل أعمالهم لينظروا ما اقترفوه من الذنوب، فإنه ما من ذنب إلا وتتبعه عقوبة، وما من عقوبة إلا ولها ذنب كان سببًا لوقوعها، روى ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وصححه ووافقه الذهبي بأسانيد مختلفة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معشر المهاجرين: خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُلعنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم».


أيها الناس: إن الإسلام دعا أفراده كي يسيروا صفًا واحدًا تجاه المخالف حتى يعيدوه إلى رشده وإلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لتأمرُّن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذوا على يد السفيه ولتأطرُّنه على الحق أطرًا ولتقصُرُنَّه على الحق قصرًا أو ليعُمنَّكم الله بعقاب من عنده».


عباد الله: إن المجتمع الإسلامي النظيف هو الذي ترتفع فيه أعلام الفضيلة وتتضافر جهود أفراده على قمع الرذيلة في كل دروبها، وإن من حسنات هذا الدين سعيه لصلاح الأفراد والمجتمعات ومحاربة الفواحش وإقامة مجتمع إسلامي نظيف بعيد عن الجرائم الأخلاقية المفسدة، والمحافظة على الأعراض والأنساب وصيانة الفروج والدماء، بل إن الله تعالى ربط صلاح المؤمنين وفلاحهم بحفظ فروجهم وصيانة أعراضهم.


إن هناك جريمة هي من أقبح الجرائم، ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق، هي من أمقت الذنوب عند الله وأكثرها بشاعة، ما عصي الله سبحانه بعد الإشراك به بأعظم ولا أقبح منها، وهي خطر على المجتمعات البشرية، ما انتشرت في أمة إلا وأهلكتها ودمرتها، ولا فشت في مجتمع إلا قوضت أركانه وهدمت بنيانه، من أفحش الفواحش وأكبر الفضائح تقتل الرجولة، وتذيب الحرية وتهتك الأعراض وتبدد الأموال، وتؤدي إلى اختلاط الأنساب، وتفسد الأخلاق وتفضي بالأمة إلى الفناء وتدعوها للشقاق والعناء، إنها جريمة الزنا.


عباد الله: الزنا انتكاس في الفِطَر، وفساد في القلوب، وسبب لإيجاب الذل والعار والشنار وصاحبه مُتوعَّد بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة، والواقعون في الزنا جراثيمُ مفسدة، وأعضاء مسمومة في المجتمع تؤدي به إلى درك المهالك، وتقوده إلى الهوة السحيقة التي لا فلاح بعدها ولا نهوض وكما قيل: «ودت الزانية لو زنى النساء». هم في الحقيقة أصحاب نفوس ضعيفة، وإرادات سافلة، وقلوب غافلة قد أسرتها الأهواء والشبهات، واستحكمت عليها الشهوات والدنايا دون رادع من دين أو خُلق أو مروءة.


الزنا أيها الناس سبب البلايا وطريق التعاسة والعناء، يقضي على الأمم، ويهلك الديار ويبدد الممالك، ويقضي على الأخلاق، يقول الله تعالى واصفًا حال الزنا وضرره وفساده: }وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{ [الإسراء: 32]. وقد قرنه الله بالشرك والقتل؛ فقال في وصف عباده المتقين: }وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا{ [الفرقان: 68، 69]. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» قال قلت ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافةَ أن يُطعم معك» قال قلت: ثم أي؟ قال: «أن تُزاني بحليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: }وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ{ الآيات.


وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يُزكِّيهم ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ وملك كذاب وعائل مستكبر». وعن ابن عباس مرفوعًا: «ما ظهر الغلولُ في قوم إلا ألقي في قلوبهم الرعب ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت». رواه مالك في الموطأ وصححه ابن عبد البر.


فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن واقع الناس اليوم من ظهور أمراض لم يجدوا لها علاجًا، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا إذن الله بإهلاكها». وقال الإمام أحمد: «لا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنا».


وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال أمتي بخير ما لم يَفشُ فيهم ولدُ الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا فيُوشك أن يعمهم الله بعقاب». رواه أحمد.


الزنا أيها الناس يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع وفساد المروءة، وقلة الغير فلا نجد زانيًا معه ورعًا، ولا وفاءًبعهد، ولا صدقًا في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرةً تامةً على أهله، ولو بلغ الرجل أن امرأته ماتت أو قتلت لكان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت عياذًا بالله.


روى الخرائطي عن عكرمة قال: سمعت كعبًا يقول لابن عباس: ثلاث إذا رأيتهن: السيوف قد عريت، والدماء أهريقت فاعلم أن حكم الله قد ضُيع؛ فانتقم الله لبعضهم من بعض، وإذا رأيت القطر قد حُبس فاعلم أن الزكاة قد مُنعت، منع الناس ما عندهم فمنع الله ما عنده، وإذا رأيت الوباء قد فشا فاعلم أن الزنا قد فشا».


يقول ابن القيم رحمه الله: «من موجبات الزنا غضب الرب بإفساد حُرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة، ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت، الذي يبدو عليه للناظرين، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره، ومنها الفقر اللازم، ومنها أنه يذهب حرمة فاعله، ويُسقطه من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها أنه يَسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة، ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن، ومنها أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف، ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة }الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ{.


إن الزنا أيها الناس: جريمةً تَئِنُ منها الفضيلة، ويبكي منها العفاف وما عُصي الله تعالى بعد الشرك به بذنب أعظم من نطفة يضعفها الرجل في فرج لا يحل له.


ومن قُبح الزنا وشدة ضرره جعله من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم منافيا للإيمان فإذا ارتكب العبد الزنا خرج منه الإيمان لا يعود إليه حتى يُقلع عنها، ويتوب إلى الله منها فعن أبي هريرةرضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن»، متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: « إذا زنى العبد خرج منه الإيمانُ فكان فوق رأسه كالظُّلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان» رواه أبو داود والترمذي والحاكم.


عباد الله: إن الناظر في تعاليم هذا الدين يرى أنه ما سعى إلى شيء سعيه إلى حفظ الفروج، وسد كل طريق يوصل إلى الزنا:


- أمر الشباب بالمسارعة إلى الزواج «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءةَ فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».


أمر الناس ذكورًا وإناثًا بغض أبصارهم عن الحرام }قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ{ النظر سهم من سهام إبليس، ومن أطلق نظره إلى ما حرم الله فقد أورد نفسه موارد الهلاك والسوء: يقول صلى الله عليه وسلم: «يا عليُّ لا تُتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة». رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد.


- منع الإسلام خُلُّو الرجل بالمرأة التي ليست له محرمًا لأنه سبب لإغراء الشيطان بينهما يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» متفق عليه.


- منع الإسلام المرأة من التبرج وإظهار الزينة لغير زوجها ومحرمها صيانة لها ولغيرها من الرجال }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا{.


- منع الإسلام المرأة أن تسافر بدون محرم؛ لأن في ذلك ضياع لها وغياب عن الرقيب من أوليائها والغيورين عليها. يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها». رواه مسلم والبخاري.


- حرم الإسلام سماع الغناء لأنه بريد الزنا وما داوم عبد على سماعه إلا طمس الله على قلبه يقول: فلعمر الله كم من حُرَّة صارت بالغناء من البغايا، وكم حُرِّ أصبح عبدًا للصبيان والصبايا، كم جَرَّع من غُصَّة وكم أزال من نعمة وجلب من نقمة.


- نهى الإسلام عن الجلوس في الطرقات كيلا تقع العين على حرام فَتَفْتِن أو تُفْتَن، روى البخاري ومسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوسَ في الطرقات» قالوا يا رسول الله ما لنا بد من مجالسان نتحدث فيها قال: «فإذا أبيتم إلا المجلسَ فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حقه؟ قال: « غضُّ البصر وكفُّ الأذى وردُّ السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ومن أروع ما جاء به الإسلام مانعًا من جريمة الزنا ما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أحدُكم أعجبته المرأةُ فوقعت في قلبه فليَعْمَد إلى امرأته فليُواقعها فإن ذلك يردُ ما في نفسه».
أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه.



* *

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين يبدل السيئات بعد التوبة حسنات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: واعلموا أن الزنا بِشع في جُرمه، بشع في ذكره تستنكره حتى الحيوانات، أرأيتم القرد ذلك الحيوان الذي يستقبحه الناس هو خير من أناس كثيرين، روى البخاري في صحيحه عن عمر بن ميمون الأوديِّ قال: «رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم».


كم في الناس اليوم من هذه القردة خير منه، وإلا فما بال الناس اليوم يذهبون زرافات ووحدانًا إلى بلاد الكفر والإباحية، وكم من بلاد إسلامية يقصدها الناس أقل ما فيها أنها تُذيب الغيرة منهم.


وماذا يقال عن ما نشاهده من خروج المرأة متبرجة أمام الناس في الأسواق والمنتديات؟ وماذا عسانا أن نقول عن سماح بعض الناس لمحارمهم بالخلوة مع الرجال في سيارة أو عمل؟ ومهما قلت فلن تبلغ مرادك ممن أدخلوا ذلك العفن الفضائي إلى بيوتهم ويكفي أن غيرتهم ماتت أو هي على وشك.


إن الغيرة إذا ذهبت من قلوب الناس فقد آن لجدار العرض أن يَهوِي، ولعُودِ الحياء أن يميل. روى البخاري ومسلم عن المغيرة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتعجبون من غَيرَة سعدٍ! والله لأنا أغيَرُ منه والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العُذْرُ من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المِدحةَ من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة».


أيها الناس: إن جريمة الزنا تقود إلى جرائمَ كثيرة فالزنا يُجَرِّئ الزاني على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرًا إلى سقط الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري، فهي معصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخرى من المعاصي بعدها، فهي محفوفة بجندٍ من المعاصي قبلها وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة، وأمنعُ شيء لخيري الدنيا والآخرة، وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها عز على الناصحين استنقاذه وأعيى الأطباء دواؤه. وانظروا كيف جمع الله بين الخمر والزنا يوم القيامة، روى الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن أبي موسى t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر».


أيها الناس: إن المسئولية عظيمة والخطر أعظم فاتقوا الله وأصلحوا بيوتكم وتناصحوا وأكثروا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عسى أن نسد خللا أو نُصلح فَتْقا.


عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي.

* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 16 )  
قديم 2014-12-16
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

العمل باليد

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.


}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{.


}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{.


}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{.


أما بعد:


فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.


عباد الله: إن التقوى هي المصاحبة للمؤمن في كل حين وعلى كل حال: فاتقوا الله جميعا أيها الناس في سركم وعلانيتكم.


عباد الله: الإنسان في هذه الحياة مجبولٌ على أمور كثيرة، قد لا يستطيع الفكاك من بعضها مهما حاول، ومن تلك الأمور: المال }وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا{.


وفي الحديث الصحيح: «لا يزال قلبُ الكبير شابًا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل». [متفق عليه].


المال في حقيقته لا يُطلب لذاته وإنما يطلب لأنه وسيلة لغيره، مما يحقق ويأتي بسببه من منفعةٍ أو مصلحة، والوسيلة ينالها المدح وينالها الذم بمقدار ما يتوصل إليها به وما توصل هي إليه، فالمال كالسلاح، إن كان في يد مجرم قتل به الأبرياء والضعفاء، وإن كان في يد مجاهد مناضل دافع به عن دينه ونفسه وأهله ووطنه، وانظروا إلى قول الله سبحانه عن المال: }فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى{.


عباد الله: المال في حد ذاته خير ونعمة من الله وقيام بمصالح العباد، ولكن تصرف الإنسان في هذا المال قد يخرجه من هذه الخيرية إلى ضدها، والمال من أعظم الفتن التي يبتلى بها الناس: }وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{.


ولقد حثَّ الإسلام – أيها الناس – المرء على جمع ما يقوت به أهله وعياله من المال الحلال قال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «إنك إن تذر ورثتك أغنياءَ خير لك أن تذرهم عالة يتكففون الناس» [متفق عليه].
ويقول صلى الله عليه وسلم: «كفي بالمرء إثما أن يُضيع من يَقُوت». [رواه أحمد ورواه مسلم بلفظ آخر].


عباد الله: جاء الإسلام حاثًّا على طلب هذا المال بالطريق المشروع، فحثَّ على الجد والعمل وحذَّر من البطالة والكسل، وفتح السُّبل في وجه مُبتغي الرزق الحلال والمال الطيب: }قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ...{، }هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ{.


ويقول الله سبحانه: }فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{.


فرتَّب الفلاح سبحانه على طلب الرزق الحلال وأداء واجب الطاعات وذكره جل وعلا.


إن العمل والجِدَّ والمهنة كانت من أخلاق أنبياء الله ورسله، ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده».


وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا عليه السلام نجَّارًا».


وروي أن إدريس عليه السلام كان خياطًا يتصدق بفضل كسبه، ولقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبيع ويشتري، وقال لأصحابه: « لأن يأخذ أحدكم أَحبُلَه ثم يأتي الجيل ثم يأتي بحزمة من حطب فيبيعها فيستغني بثمنها؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». [رواه البخاري].


وصحابته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم امتهنوا المهن وباعوا واشتروا وطلبوا الرزق الحلال، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا المهنة؛ فإنه يُوشك أن يحتاج أحدكم إلى مِهْنته».


وكان أبو الدرداء ليوقد النار تحت قدره حتى تدمع عيناه، وتقول عائشة: «كان أبو بكر رضس الله عنه أَتْجَر قريش حتى دخل في الإمارة».


وأوصى قيس بن عاصم أبناءه عند وفاته فقال: «عليكم بالمال واصطناعه فإنه مَنْبَهَة الكريم ويُستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل»، ويقول سعيد بن المسيب: «لا خير في من لا يطلب المال، يقضي به دينه ويصون به عرضه ويقضي به ذمامه، وإن مات: تركه ميراثا لمن بعده».


وقال الضحاك بن مزاحم: «شرف المؤمن: صلاة في جوف الليل وعِزُّه استغناؤه عن الناس». [رواه الطبراني بسند حسن مرفوعًا].


عباد الله: اتقوا الله تعالى، وإياكم والخمول والتكاسل، والاتكال على غيركم في خصوصيات حياتكم، واعلموا أن العمل وإن كان يسيرًا فهو خير من البطالة، وخير من انتظار النوال من أصحاب المال، وأعظم منه سؤال أصحاب الغنى فإن أعطاه فلقد بقيت المنة على ظهره يحملها، وإن منعه فقد اجتمع عنده سوءتان ذُلُّ الخيبة وذُلُّ السؤال.


يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «مَكسبة في دناءة خير من سؤال الناس».


وروي عن لقمان أنه قال لابنه: «يا بني: استغن بالكسب الحلال، فإنه ما افتقر أحد إلا أصابته إحدى ثلاث خصال: رقة في دينه، أو ضعف في عقله، أو وَهَاءٌ في مروءته، وأعظم من هذا استخفاف الناس به».


عباد الله: تَعوَّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور كثيرة ليُبين للناس مضرتها، ويستعين بالله على البعد عنها.


روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعوَّذوا بالله من الفقر والقِلَّة والذِّلَة».


وروى النسائي وأبو داود أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيعُ».


ورويا أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجُبن والبخل، وغَلَبة الدين وقَهْر الرجال».


عباد الله: إنه لا يليق بالرجل العاقل أن يرضى لنفسه أن يكون حِمْلاً على المجتمع ثقيلاً لا فائدة منه، فارغًا عن شُغل، يقول عمر رضي الله عنه: «إني لأري الرجل فيعجبني شكله فإذا سألت عنه فقيل: لا عمل له، سقط من عيني».


وكان رضي الله عنه يأتي إلى قوم قابعين في المسجد بعد صلاة الجمعة يقولون نحن المتوكلون على الله؛فيعلوهم بدرته وينهرهم ويقول: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تُمطر ذهبًا ولا فضة».


ويقول محمد بن ثور: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس بالمسجد الحرام فيقول: «ما يجلسكم؟ قلنا: ما نصنع؟ قال: اطلبوا من فضل الله ولا تكونوا عِيالاً على المسلمين»، اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا وعملاً صالحًا ورزقًا واسعًا، بارك الله لي ولكم...


* * *

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله بيده خزائن السماوات والأرض وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أفضل المال ما كان من طريق حلال.


سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب أفضل؟ قال: « عملُ الرجل بيده وكلُّ بيع مبرور». [رواه الطبراني وأحمد بسند صحيح].


أيها الناس: إن المال متى ما اجتمع مع الدين كان الدين قويًا وظاهرًا: ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا.


إذا كان المال في أيدي عباد الله صرفوه في طاعة الله، وفي مرضاته وأما إن كان المال عند قوم ضعف عندهم الدين؛ فهم عبءٌ على المسلمين يسيرون خلف المال، حيثما سار ساروا لا يحلون حلالاً ولا يحرمون حرامًا، يقول صلى الله عليه وسلم: « نعم المال الصالح للرجل الصالح». [رواه الإمام أحمد بسند صحيح].


إن المال يذهب ويعود وما هو إلا وسيلة للإنفاق في سبيل البر والخير، وقبل ذلك في نُصرة الإسلام والمسلمين يقول صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني». [رواه الشيخان].


وروى الطبراني بسند صحيح: أن رجلاً مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم فرأى الصحابة من جلده ونشاطه في العمل فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياءً ومُفاخرةً فهو في سبيل الشيطان».


وروى الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء».


عباد الله: بالمال الحلال والكسب الطيب استطاع المهاجرون إلى المدينة أن يزاحموا اقتصاد أهل الكتاب، أترونهم لو كانوا فقراء فهل يتم لهم ما أرادوا؟ }ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا{.


ولما توفي الزبير بن العوام وكان عليه ديون للناس أحصيت تركته فزادت على ستين مليونًا، أكثرها من الأراضي والدور.


وقد قال ابن حجر مُعقبًا على هذا الحديث: فيه بركة العقار والأرض لما فيه من النفع العاجل والآجل بغير كثير تعب ولا دخول في مكروه كاللغو الواقع في البيع والشراء. اهـ.


أيها الناس: إن من أخطر ما يواجه الدولة حين تقوم على شعب اتصف بالدِّعة والكسل، وإن البلدان لا تقوم إلا بأفرادها وأبنائها فكيف تنهض بلاد وقد أصيب أهلها بالعجز والبطالة أو الاتِّكال على غيرهم.


عباد الله: إن البطالة شر خطير، وداء فتاك أسرع ما يفسد طمأنينة الحياة وأعجل ما ينغص العيش، البطالة باب إلى التَّسوُّل، وطريق إلى السرقة، ومدخل إلى الغش والخداع والمكر.


الإسلام دين عزة وكرامة ورفعةٍ وسُمو، يحث على العمل الصالح والنافع، ويأمر بالقوة والاستعداد للكربات والنوازل.
فانظروا حال أنفسكم وتدبروا أموركم ثم صلوا...
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 17 )  
قديم 2015-02-06
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)

وتمضي الأيـــــام



إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [ الأحزاب:70-71].


أَمَّا بَعْدُ:


فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة.> هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة.
ثم أما بعد:
عباد الله الذي ينظر إلى حال الأمم يرى أن الأمم تتعاقب، أمة تعلو، وأمة تزول، وبقاء الأمم وزوال الأمم مرتبط بما عندها من قيم وعقائد، فالعقيدة بمعنى الدين، فهناك أمة تبقى بدينها ولا زوال لها إلا ما يجري عليها من السنن، حينما تظل على أمر الله عز وجل فهي باقية، وحينما تتخلى عن أمر الله عز وجل لآبد أن يمضي عليها كما يجري من سنن الله عز وجل في خلقه، فلابد أن تزول.


فهناك زوال أمم، وهناك زوال دين، وزوال الأمم سنة من السنن، وهذا يمضي على البر والفاجر، وكما نرى كما أن الأمم تعلو كما وقع لفارس ثم الروم ثم فارس إلى آخره، إلى أن زالت فارس وبقيت الروم، ثم أمة الإسلام، يجري عليها كما يجري على غيرها من الأمم.


والعجيب في أمر هذه الأمة أنها هي الأمة الباقية إلى قيام الساعة، بمعنى أنها هي أمة الدعوة، هي المنارة التي يهتدي بها جميع الخلق إلى قيام الساعة، وزوالها بالكلية لا يكون أبدًا، مهما عم الأرض من كفر وضلال وفجور، فلآبد أن يقوم بأمر الله عز وجل ولو واحد يقيم الحجة على الخلق، فهي أمة إجابة وأمة دعوة.


والمكر بأمر هذه الأمة منذ بالبداية، منذ أن علمت يهود أن في آخر الزمان نبي، يدعو إلى الله عز وجل ولكنه ليس من نسل إسحاق، إنما هو من نسل إسماعيل، في أول أمرهم كانوا يهددون العرب الأقحاح سواء كانوا في مكة أو المستغربين الذين كانوا في المدينة، كانوا يهددونهم بمبعث نبي، وأنهم سيتبعونه ويقاتلون معه، ويقتلون العرب قتل عاد وثمود وإرم، فلما جاء الرسول خالفوه وحسدوه ونوؤه وحادوا عن طريقه، وما زالوا به حربًا واصروا على هذا، وأصروه إلى القريب والبعيد إلى قيام الساعة.


ولكن هذا الدين دين عظيم، دين عزيز، يعز من يحمله، ويذل من خالفه، قال عز وجل عن هؤلاء الأرجاس الأنجاس من اليهود ومن على شاكلتهم ممن رفض أن يدخل في هذا الدين، وممن حاربه وعاداه، يقول سبحانه وتعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)}. [الصف].
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} بمعنى أن حججهم واهية، وأن أيديهم قاصرة، وأن هذا الدين ماض ما حمله رجال، وأن هذا الدين سيبلغ الأفاق " لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ". أي ما من مدينة ولا ريف أو بادية، "لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسْلاَمِ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا". < أحمد (6/4)، البيهقي "سنن" (9/181) >.
"بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ" عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله عز وجل به الكفر وأهله.


المعركة مستمرة، وربما من وقف مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما سكنت المعركة بينه وبين أهله وعشيرته ما يزيد على ثنتين وعشرين سنة، حروب مستمرة، سواء كان في العهد المكي أو في العهد المدني، بين من؟ بينه وبين أهله فقط، إلى أن اتسعت الدائرة، فبلغ الحرب أطراف الأرض جميعًا، وحينما أقول الحرب ليست حرب أشخاص، ليست في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وليست في شخص أبي بكر وعمر، وليست في شخص أحد قط، إنما العبرة في هذا الدين.


والدليل على هذا لما اجتمعت قريش بعظمائها وكبرائها وعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم خطة، منها أن يكون عليهم ملكًا، أو إن أراد سيادة سودوه، وعرضوا عليه المال والجاه، فليس في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، إنما لو انحرف عن المنهج فهو معهم وهم معه.


فالحرب حرب دين يراد بها الإسلام، ومن ثم على مدار التاريخ نرى أن حرب الإسلام مستمرة، كانت حرب سيف وغدر وخيانة، فما لبس الإسلام أن علا وظهر، بعد أن كان في الجزيرة، فتحت فارس والرم ومصر بل وصل الإسلام إلى إفريقيا، إلى أطراف الأرض في زمن عمر، فما كان من غدر الفرس إلا أنهم كانوا يرسلون العلوج، أي من غير العرب والفارسي علج، وهم صنع، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينبهرون بصناعتهم وهذا ليس بعيب ولا حرام بل هو مطلوب، فأدخلوهم المدينة، ليجددوا بما عندهم من مهارة صنعة العرب.


كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يمر على هؤلاء, فمرةً وجد غلامًا للمغيرةِ أغلق عليه دكانه وقت الصلاة, فسأل عمر؛ من هذا؟ قالوا هذا علج, عبدٌ من عبيد المغيرة, فغضب عمر وقال قاتل الله المغيرة لِما أكثر من هؤلاء؟ ولِما أدخل هؤلاء؟ ألا حريٌ به أن يُدخلهم الإسلام أو أن يُعيدهم إلى بلادهم.


ولكن الأيام مرت, وإذا بعمر في صلاة الفجرِ يدخل عليه مجوسي -أبو لؤلؤة- بغدرٍ وخيانة, فطعنه وهو يصلي في صلاة الصبح, وسقط عمرُ تشجب أوداجه دمًا إلى أن فاضت روحه.


ثم, الغدرُ مستمر, وكما قلت ليس في أشخاص, إنما الهمُ والهدفُ هو زحزحة وإزالة هذا الدين, قُتل عمر, والأمر على ما هو بل يزداد, فليس الأمر في عمر, ولكن الفتنة تمضي وأعداء الله -عز وجل- ماضون في كيدهم ومكرهم حتى قتل عثمان, ثم قُتل علي, ثم وقع خلافٌ عظيم, وعلى الرغم من هذا ما زال المسلمون ماضون.


في زمن عثمان؛ وصل الفتح إلى أطراف آسيا وإلى أعماق أوروبا, وفي زمن علي كذلك رغم أن الفتن مستمرة بين الأصحاب بسبب كيد الأعداء, إلا أن الأمة ماضية لا تقف, إلى أن كان في زمن معاوية -رضي الله عنه- صنع أسطولًا ما شهدته البشرية من قبل, تم الفتح الأول في زمن عثمان إلى قبرص, ثم كان الفتح الثاني في زمن معاوية -رضي الله عن أصحاب النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم-.
ظل الإسلام يعلو إلى أن استقرت الممالك وانكسرت شوكة أعداء الإسلام, ظل العدو لا يجدُ سبيلًا للدخول إلى ثغرٍ من ثغور الإسلام أبدًا, بل وصل في زمن الرشيد -هارون- أن الإسلام وصل إلى جميع أطراف الأرض, ما من بقعةٍ على ظهر الأرض إلا وهي تدين للإسلام, إما بالإسلام وإما بالجزية.


بعد ذلك؛ بدأ المسلمون ينشغلون بغير ما وُكِّلَ لهم, ما رضوا أن يكونوا من جنده, فُتحت الدنيا وزاد الإنشغالُ بغير هذا الأمر الذي جعله الله -عز وجل- موكلًا بهم إلى قيام الساعة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. [آل عمران:110], ثم قال عز وجل {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى}. [آل عمران:111], أي أن الضرر بهذا الدين لن يصل أعداء الإسلام إليه قط, بالكلية, ولذلك على مدار التاريخ, نرى أن الأمة وقع فيها غدرٌ عظيم من قِبَلِ أعدائها.


ما زال الضعف والوهن في جسد هذه الأمة يدب, ويزيد اليوم بعد اليوم, ولكن على فترات من التاريخ يحدثُ عند الأمة إفاقة, نعم قد تطول المدة إلى أعوام, قد تصلُ إلى مئة عام, ولكنها سرعان ما تقوم فتأخذُ بحقها من دين ربها فيُعلي الله -عز وجل- قدرها وينصرها على عدوها.
الأيامُ تمضي والأمةُ ماضية بين مدٍ وجزر, بين علوٍ وسفول, هناك حكام وعلماء, هذه الأمة تميزت بخصلتين, بحكامها أنهم عدل, عدول, وبعلمائها وأنهم عدول, حكامٌ يُقيمون شرع الله -عز وجل- لا يحيدون عليه أو عنه قيد أُنملة.


فالحاكم في الإسلام ليس مُتجبر ولا مُتفرد بأمر, إنما أمر الحاكم من عند الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-, فإن عجز عن مسألةٍ فإن العلماء يُقومونه ويدلونه على الصواب, فأمةٌ فيها الخيرية ما بين حاكمٍ رشيد وبين عالمٍ فاضلٍ جليل يُقيمان أمر الله -عز وجل-.
ولكن ربما يغلب على الحاكم الهوى, وليس هذا خللٌ في دين الله -عز وجل-, إنما هي السنن, علو وسفول, كما وقع في زمن المأمون حينما أمر بترجمة كتب فارس واليونان وغيرها، ودخل في الأمةِ نوع تحديث, بينما نرى أن سعد بن أبي وقاص لما دخل أرض فارس ونظر في مكتباتها الشهيرة, رأى فيها العجب العجاب, فقال بعض المسلمين يا أيها القائد أو أيها الأمير لو أخذنا هذه الكتب فاستفدنا منها مع ما معنا من كتاب الله -عز وجل- وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-, فقال سعدٌ لا, ليس فيها خيرٌ قط, ثم حرَّقها جميعًا وقال يكفينا كتاب الله -عز وجل- وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.


إلى أن جاء الخليفة المأمون ففتح الباب وبدأ يُترجم بعض كتب هؤلاء من الفلاسفة وغيرهم حتى دخل علم الكلامِ على هذه الأمة, علا بعض العقلاء ممن ينتسبون إلى العقل وتقربوا إلى الخليفة فأوقعوه في ضلالةٍ عظيمة، وهي ضلالة الإعتزال, بمعنى أن العقل مُسبَّق على النقل, وأن أي مسألةٍ في كتاب الله -عز وجل- أو في سُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لابد أن يقبلها العقل, ولكنهم ما كانوا بجرأة عقلاءنا ممن يدَّعون العقل في زماننا, فكانوا إذا خالف النص العقل أوَّلوه وما ردوه, وتأويلٌ باطل.


حتى وقع الخليفةُ المأمون في قضيةٍ عظيمة وهي قضية خلق القرآن وشهر لها سيفًا وجنَّد جنودا ودعا علماء الأرض أن يُذعنوا بهذه المسألة, ما وافقه إلا ضعاف النفوس وهم في كل زمانٍ ومكان, جيء بأهل مصر, وقال الذهبي -رحمه الله تعالى- في السير وهذه مفخرةٌ عظيمة لأهل مصر, قال الذهبي ما وافق المعتصم أحدًا من علماء مصر, كل علماء مصر رفضوا هذه البدعة.


انتهى المطاف بجملةٍ من العلماء منهم من وافق ومنهم من خالف, حتى جيء بالإمام أحمد, عُرضت عليه الفتنة ,وكان الحكام يحتشمون من العلماء وخاصةً من لهم صيت في بلادهم, فإن القعنبي ويحيى بن بُكير كانوا من سكان مصر, وبين مصر وبين دار الخلافة مسافة, فأرادوا أن يُخوفوا علماء بغداد بعلماء مصر, ولكن علماء مصر ثبتوا وماتوا جميعًا شهداء في مقابل أن لا يتنازلوا عن أمرٍ لله -عز وجل-, جيء بالإمام أحمد, كُبِّلَ وقُيِّد ولآقى أصنافًا وألوانًا من العذاب, ما وصل بغداد حتى قُتل المأمون أو مات المأمون.


ثم جاء المعتصم وأقامها ثورة بعد أخيه, ظلت هذه الفتنة قائمة, المأمون والمعتصم والواثق, حتى أن الواثق في آخر أيامه سكت، وأخرج الإمام أحمد من السجن ولكنه ما زال على هذا الأمر, كان يدعو الله -عز وجل- ويُنادي بين أصحابه ومن معه "أُريد أن تُرفع هذه الفتنة" إلى أن مات الواثق.


جاء الخليفة المتوكل فرجع إلى الحق بالكلية، وتبين له خطأ آبائه وأن هذه بدعةٌ شنيعة, ورأى حال أحمد بن أبي دؤاد الذي رفع الفتنة، أنه ظل سنوات عنده الفالج في نصفه الأيمن ونصفه الآخر حي, كان الذبابُ إذا وقف على الحي أذاه, وعلى الفالج لو قُطع ما شعر به, فعندها رجع المتوكل ورفع الإمام أحمد وأظهر السنة.


فإذا كان الحكَّام ينحرفون ويحدون عن الطريق, هناك علماء لا يحيدون عن الطريق أبدًا, وقد أجمع علماء الزمان ممن عاصر جميع المحن أن سقوط الأمة ليس بسقوط حكامها, فإن الحاكم قد يسقط ثم يأتي آخر, وكما رأينا في فتنة خلق القرآن، سقط المأمون والمعتصم والواثق, وقام المتوكل فرفع السنة حتى كان بعد المتوكلِ كل الخلفاء على السنة, ولعل إزدهار السنة كان في زمن الرشيد وفي زمن غيره من العلماء.
أيها الأحباب:
الأمةُ صلاحها بصلاح حكامها وعلمائها, فإذا اجتمعت المفسدتين, فسد الحكام وفسد العلماء, هلكت الأمة.
طعناتٌ في ظهر هذه الأمة على مدار التاريخ, وكانت الطعناتُ في الحكام, وربما أذكر أمثلةً سريعة, أقرب الأمثلة محمد الفاتح الذي فتح ووصل إلى قاع أوروبا, وجنوده أوشكت أن تدخل باريس, كان سلطانًا مُظفرًا قائدًا عظيمًا ذا مهابةٍ ومكانة, تقرب إليه يهودي في صورة طبيب وكان اسمه يعقوب باشا, ظل من هو قريبُ من السلطان محمد الفاتح يُثني على هذا الطبيب على مهارته وعلى صدقه وعلى أمانته حتى قربه, ثم بعد أن أمنه وضع له السم فقتله ومات محمد الفاتح, وكذلك الغدر على مدار التاريخ, إلا أن الأمة بعلمائها ماضون باقون.


أوروبا كانت في ظلامٍ دامس ما أفاقت منه إلا بعد أن اضطهد اليهود وعظم القتل فيهم, فتفرق اليهود في أمصار الأرض، وحددوا لهم طريقان لا يلتقيان أبدًا.


الطريق الأول: وهو طريق الوصول إلى الملك, وهذا طريق.
الطريق الثاني: وطريق الوصول إلى المال, وهذا طريق.
ولكن طريق الملك كان عثِرًا جدًا, فظلوا على طريق المال, ولعل من ينظر إلى ثورة فرنسا وإلى القضاء على الكنيسة في فرنسا يرى أن أصولها هم اليهود.


وأُوجز الكلام؛ أوروبا عاشت في ظلام في ظلم الكنيسة, كانت الكنيسة هي التي تُحدد من الذي يملك, الملك, وليس للملك أي مهمةٍ قط إلا بعد استشارة الكنيسة, وأعني بالكنيسة الكاثوليكية, كل من أظهر إكتشافًا علميًا كجاليليو وغيره, أو كل من أظهر أمرًا فيه مخالفة للكنيسة يُحرَّق بالنار, وهذا معلومٌ في التاريخ.


المهم؛ أن اليهود بدأوا يستثيرون العامة والدهماء وكان أصلُ هذا في فرنسا, بعد ذلك قرر الغوغاء أن يخرجوا بثورة تسمى بثورة الطعام, الجوع, حرضهم اليهود وزاد الأمرُ تحريضًا حتى هاج الشعبُ جميعًا وخرجوا في ثورةٍ عارمة إلى سجن الباستيل فكسروا أبوابه وقتلوا حراسه وأخرجوا جميع المساجين.


وقع في فرنسا ثورةً عارمة, في هذا الوقت كان هناك رؤوس, وظهر رجلٌ في هذا الوقت كان من أغنياء الزمان وكان يهوديًا, كان اسمه روزبرت, هذا الرجل كان يعملُ في الصرافة, وكان يعرف الشخصيات التي قد يؤول إليها الأمر, بدأت الثورة فأخبر البعض من مشاهير هذه البلد -فرنسا- أن يهربوا, فحفظ أموالهم, ثم بدأت الثورة وزادت وعلت حتى رجع هؤلاء واجتمع الشعبُ الفرنسي وأُوتي بالملك فذُبح على مرأى ومسمع من جميع الشعب, وقُتل أعوانه جميعًا, وقامت أول ثورة في فرنسا, بل في أوروبا.


بدأ الأمر يزيد, ثورةٌ ما كانت إلا على الدين النصراني, إن ظلم الكنيسة وصل المنتهى والتضييق وصل الغاية من أنه لا يوجد أحد إلا ولآبد أن يتقرب إلى الكنيسة بطقوس الغفران وبشراء قراريط فى الجنة، وغيرها من الخرافات والخزعبلات, حتى أنهم حجبوا أوروبا وجعلوها في ظلام, كانت النقمة على الدين عارمة, فأزالوا وأزاحوا كل ما يتعلق بأمر الكنيسة, لم يهدموا الكنائس لأنهم ما زالت عندهم بقية من خير, إلا أنهم جمعوا علماء الكنيسة في ديرهم وبيعهم ولا علاقة للكنيسة بخارج الكنيسة.
بدأت فرنسا تُصدِّر هذه الثورة حتى فشت في أوروبا, ثم بعد ذلك نهضت أوروبا بعد ظلامٍ قرابة ستة قرون, في قرنٍ واحد علت وظهرت, أخذت من العرب واستفادت, في وقت علو أوروبا, بدأ العرب أو بدأ المسلمون في سفولٍ ونزول, علت أوروبا وزادت إلا أن المسلمين في سفولٍ ونزول, ظلت الخلافة تتقلص.


انتهت الخلافةُ العباسية, ثم بعدها الخلافة العثمانية, بدأت في تقلص وبدأت أوروبا تتطلع لأخذ الأراضي التي سُلبت منها, حتى وصلت بعد ذلك إلى أنها أيقنت أن أمة الإسلام صارت جسدًا بلا روح, احتلت بلاد المسلمين بعد فترة ظلام, فكان هذا الإحتلال هو السبب في نهضة المسلمين وفي إشعال روح الحمية حينما رأوا غزوًا عسكريًا يهجم عليهم من قِبَلِ أوروبا.


قاتلوا قتالًا شرسًا, إلى أن دخلت الحملة الفرنسية إلى مصر ومعها قائدها وملكها لويس التاسع, عندها أُسر في المنصورة, جلس رهين الحبس, فكر في حال المسلمين أن الغزو العسكري لا يصلح معهم أبدا, ها هم يضعون ملك فرنسا في السجن, تقربت فرنسا بالدية وأخرجوه بديةٍ عالية وعاد ملك فرنسا بمذكرات, كيف يتعامل مع العرب, كيف يتعامل مع المسلمين, حروبٌ لا, وبدأ التخطيط في إرسال جاليات سواءًا كانت من أوروبا إلى بلاد المسلمين, أو من بلاد المسلمين إلى أوروبا ليحدث مسخ, بهذا المسخ من بني جلدة العرب والمسلمين بهم يُغير هذا الدين.
عودوا إلى ربكم واستغفروه

.....






الخطبة الثانية






الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده رسوله..


عباد الله بعد ثورة فرنسا، وبعد أن شملت الثورات أوروبا، فكان القرار الأوحد أن الكنيسة لا سلطة لها قط، وأن نشاطها وعملها قاصر على البقعة التي فيها، ومن ثم بدأ المفكرون من أوروبا يظهرون مناهج لساستهم، وعلى رؤوس هذه المناهج المذهب أو الدين العلماني، بمعنى أن الدين في الكنيسة، وأن الأرض لا يحكمها إلا أبنائها بما شاءوا، فلا علاقة بين السماء وبين الأرض.


علمانية بمعنى عالم، أن العالم هو الذي يحكم نفسه، وأنه لا دين يتصرف في الكون قط، وبدأوا بهذه النظرية بعد أن رأوا من ظلم الكنيسة وبطشها بكل من خالفها، فكانت قضية تكلم كل فلاسفة أوروبا بهذا وصنفوا كتبًا ومجلدات، كان ممن ساعدهم على هذا المستشرقون، فاجتمع المستشرقون الذين هم على دراية بكل كتب المسلمين، مع هؤلاء الذين قاموا بالعلمانية واتفقوا جميعًا على غزو المسلمين، لا عسكريًا انتهى الأمر، ولكن فكريًا.
بدأت المعركة الفكرية وما كان يتخيل أحد أنها تنتهي جولتها بسرعة، فرنسا ما لبست إلا ثلاث سنوات ثم خرجت، وكذلك بريطانيا جاءت بطرق ثم واعدت من بمصر على الخروج، وكانت على حدود مصر إلى أن وقعت الحرب العالمية، وأصولها كانت بين علماني وعلماني، بين دولة علمانية ودولة علمانية، بين ألمانيا العلمانية المتشددة التي قامت على جميع الأديان فحرقت جميع اليهود عندها، إلا أنه بين فرنسا وبريطانيا عهود مع اليهود أنه إذا قامت الثورة ونجحوا في القضاء على الكنيسة الكاثوليكية فلهم حظ من المواطنة في أوروبا، تذكرت فرنسا عهدها وبريطانيا عهدها لليهود، فلما رأت هتلر فعل ما فعل بأهل الدين، لآن العلمانين جميعًا ضد أي دين قط، لا دين، الدين في الصوامع والبيع - الكنائس- فقط، وإن استطاعوا أن يقضوا عليه بالكلية فعلوا، لا دين، ولكن نظرًا لهذه العهود وفوا، فقاموا بحرب شاملة ضد ألمانيا هتلر الذي قام وحرَّق اليهود وشاركهم مسيليني إيطاليا.
حروب دامت بين الفريقين فكان من حق بريطانيا أن تقيم وصاية على مصر مع خروج الإحتلال، بسرعة متواترة، وبقفزة سريعة، تركت في مصر بصمات، لا أقول علماء، كان بعض العلماء في حالة من الحيرة، كان بعض العلماء عنده حسن ظن، وكان هناك سذاجة، لا يعرفون مداخل الكفار ومخارجها، دخل بعض العلماء في بعض نوادي الرتري، ودخل بعضهم في الماسونية، ولا يفهمون، كانت جمعيات خيرية، أما الحكام فكانوا يضعون هذا ويزلون هذا، إلى أن نشأ في مصر في القرن الماضي -في القرن العشرين- من أوئله لمحة إلحادية إستهزائية، بدءًا بقضية الحجاب من قاسم أمين وغيره.
وأنك لتتعجب حينما ترى الزعيم الشعبي سعد زغلول، حينما قام عليه الإنكليز بعد أن مضى وجمع توقيعات بخروج الإنكليز من مصر، نفوه إلى مالطا قام شعب مصر عن بكرة أبيه من حرق للمحلات، وقطع لخطوط السكك الحديدية وتخريب للمنشأت، حتى أن بريطانيا اضطرت إلى رجوعه وعودته.
عاد سعد زغلول وكانت هناك مظاهرة عظيمة وصلت إلى قرب جامعة القاهرة عند كبري الجامعة، في الجانب الآخر قابلته هدى شعراوي ومعها آخرى كان استقبال الفاتحين هدية هدى شعراوي وصاحبتها أن خلعتا الحجاب وألقياه في النيل، وكأن الذي أمر بالحجاب هم الإنكليز، فكانت نكاية هدى شعراوي في الإنكليز أن خلعت هي وصاحبتها الحجاب.
وبدأ نظام العلمنة في مصر بسرعة، جاءوا بأقزام جعلوهم أعلام، عميد الأدب العربي الذي شكك في القرآن، وأسماء كثيرة هم صفوة مصر، وقضوا على جميع علماء مصر فلا كلام، أبطال يحررون وينتصرون إلى أن جاءت الثورة، فمسخت الثورة كل ما يتعلق بالإسلام.
الزعيم الملهم حتى أن الشعب جميعًا من شدة وعظيم خوفه كان لا ينطق إلا ناصر ناصر ناصر، قضى على جميع ما يتعلق بالإسلام، بل كل من عارضه حتى كانت مصر في حقبة من الزمان من دخلها لا يتخيل أن هذه البلد دخلها الإسلام، ما أعلم أن امرأة وجد على رأسها شيء تحتشم به، ولكن الله عز وجل ناصر دينه ومعز أهله، دين عزيز، من تمسك به هدى ورفع، ذهب ناصر ومن على شاكلته، والإسلام باقي، يزيد ويقل، شرف لمن يحمله وذلة ومسكنة وضعف لمن يتخلى عنه، أمة فيها الخيرية إلى قيام الساعة.
نسمع الآن العلمانية وأخواتها ممن يدندن به طائفة من المرتزقة الأقزام ممن تصدر الإعلام وبعض السياسة وبعض الأشياء التي تتعلق بالتعليم وغيره، أقزام لا وزن ولا ريح، وقعوا في مضائق، كانوا يخفون هويتهم ويخفون ما عندهم من حقد لهذا الدين حتى أفصحوا جميعًا، ودخلوا في مصيدة مع الشعب المصري المسلم، هذا الشعب لا يرضى إلا بالإسلام، لا علمانية ولا ليبرالية ولا ديمقراطية ولا هذه الخرافات والخزعبلات، الشعب يحب الإسلام ولا يرضى إلا بالإسلام مهما نعق الناعق وصرخ الصارخ.
وإني لأتعجب حينما كنت أتابع بعض المقالات في حملة انتخاب الدستور الماضي ما سمعت إذاعة تلفاز جريدة كل مؤسسات الدولة تنادي على الناس لا في الاستفتاء لا، حتى أن جميع كنائس مصر بلا استثناء من بعد السادسة صباحًا أمام جميع لجان الانتخابات، وكنا كثير منا يسكت لا يقول لا ولا نعم، الأمر يستوي.
ولكن الذي يوقفك أمام هذه المسألة أن جمهور الإعلام والساسة جميعًا يريدون تغير الدستور من أجل المادة الثانية الاسم فقط -الاسم- مسمى أن الدولة إسلامية، ثم سرعان ما ظهرت النتيجة التي أفجعت هؤلاء، على الرغم من العوام ما يعرفون معنى يجدون السنية يقولون قل نعم، فيقولون ماشي مع السنية، هم جميعًا مع هذا الحشد الإعلامي السياسي لا وعلى الرغم من هذا الشعب كان مع أهل الدين، ويحب أهل الدين في القرى والنجوع والمدن.
إن الدين في مصر أصل، لن يتخلى شعب مصر عن دينه الإسلام أبدًا، ما وقع في السودان وفي غيره من البلاد لن يقع في مصر، هو شعب طيب ولكن إذا غضب هذا الشعب لن ترى لغضبته قرار أبدًا، وكما ذكرت في ثورة 19 لما أخذوا سعد زغلول إلى المنفى كل الشعب حرَّق مصر تمامًا، حتى أن بريطانيا اضطرت إلى أرجاعه.
فأيها الأحباب هناك مؤمرة على الدين لا على الأشخاص، لا على سلفية ولا إخوان ولا أزهر ولا غيره، مؤمرة على الدين، ولكن هذا الدين له رجال، وليس معنى هذا أن نقول كما قال عبد المطلب إن للبيت رب يحميه، لا، لآبد أن تحمي دينك، ومعنى حماية الدين أن تقيمه، أن تكون حجة في وقتك وزمانك، أن تكون قائمًا بدين الله عز وجل لا مفرط، أن تكون صوامًا قوامًا تقيًا ورعًا، ليس بالصياح ولا بالكلام ولا بمصمصة الشفاه، إنما هذا الدين يحتاج إلى الرجال الذين أرادوا دين الله عز وجل قلبًا وقالبًا {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)}. [محمد].
وكما ذكرت أن النصر ليس بالسيف ولا بالسنان في زمن نرى أن غالب من يعاديك من بني جلدتك، ممن يسمى محمد وأحمد وإبراهيم، وأن الحابل اختلط بالنابل، وأن الأمور قد تفرعت، وأن محمد هو الذي يقول لا للإسلام، ومنهم من يسخر بالإسلام، ومنهم من يستهزء برب البريات، ترى أمورًا الحر يموت كمدًا، ولكن لآبد أن نرجع.
عز الدين في إقامتك له، بالقليل بتقوى الصحابة رضي الله عنهم عزوا، بالتمسك بدين الله عز وجل يأتي النصر، وهؤلاء جميعًا يذهبون {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}. [آل عمران:140]. علو وسفول، ولكن أيها الأحباب ثقوا أن العاقبة {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}. [الأعراف: 128].


أسأل الله الكريم المنان أن يحفظ مصرنا وأن يعز بلادنا وأن يجعل


راية الإسلام عالية خفاقة على هذا البلد المسلم، اللهم أعز


الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وأهدم


بفضلك أعدائك أعداء الدين اللهم أرنا الحق حقًا


وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا


اجتنابه اللهم إنا نسألك الجنة وما


يقرب إليها من قول أو عمل


ونعوذ بك من النار وما


يقرب إليها مـن


قول أو عمـل.

وأقم الصلاة
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

منبر الجمعة (مجموعة خطب مختارة)



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 04:58 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب