منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تذكرة ما يجب وما لا يجب في تجهيز الموتى؟ seifellah ركن كن داعيا 1 2014-05-14 06:02 PM
أخلاق ينبغي التحلي بها Emir Abdelkader منتدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 0 2014-03-29 05:04 PM
تذكرة وعبرة ahlam mimi منتدى الدين الاسلامي الحنيف 9 2012-01-11 12:13 PM
كلمات ينبغي أن نتعلمها نور التوحيد منتدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 10 2012-01-07 03:51 PM
ما ينبغي ان نتعلمه بن زيدون ركن الحديث الشريف 5 2011-02-21 11:43 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 21 )  
قديم 2014-12-24
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

ما يستقيم به السير إلى الله والدار الآخرة




طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم سيره وطلبه إلا بحبسين: حبس قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره، وحبس لسانه عما لا يفيد، وحبسه على ذكر الله, وما يزيد في إيمانه ومعرفته، وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات، وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه, ومتى لم يصبر على هذين الحبسين([1]) وفر منهما إلى قضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا، فكل خارج من الدنيا أما متخلص من الحبس, وإما ذاهب إلى الحبس, وبالله التوفيق([2]).

أثر الشهادة عن الموت


لشهادة "لا إله إلا الله" عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها؛ لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات, ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها, وأقبلت بعد إعراضها, وذلت بعد عزها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له، وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وكان لها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك, وتحققت بطلانه, فزالت منها تلك النازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على ما أيقنت بالقدوم عليه، والمصير إليه فوجه العبد وجهه بكليته إليه, وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه، فاستسلم وحدد ظاهرًا أو باطنًا واستوى سره وعلانيته فقال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه, وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره، والالتفات إلى ما سواه، وقد خرجت الدنيا كلها من قلبه، وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيران شهوته، وامتلأ قلبه من الآخرة فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره، فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله؛ فطهرته من ذنوبه، وأدخلته على ربه؛ لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة، وافق ظاهرها باطنها، وسرها علانيتها, فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها، وفر إلى الله من الناس، وأنس به دون من سواه، لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأسبابها ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله, فلو تجردت كتجردها عند الموت، لكان هذا نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي والله المستعان ([3]) .




ما تتم به الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا

لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:


نظر في الدنيا: وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد, وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف, فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها فهذا أحد النظرين.


النظر الثاني:النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها, ولا بد ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا فهي كما قال الله سبحانه ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ فهي خيرات كاملة دائمة, وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة, فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره، زهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل، واللذة الغائبة المنتظرة، إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل, وقويت رغبته في الأعلى الأفضل، فإذا آثر الفاني الناقص كان ذلك لعدم تبين الفضل له، وإما لعدم رغبته في الأفضل، وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة ، فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها، إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وإما أن لا يصدق فإن لم يصدق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدق بذلك, ولم يؤثره كان فاسد العقل سيئ الاختيار لنفسه، وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه, فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد الإيمان، وإما من فساد العقل, وما أكثر ما يكون منهما, ولهذا نبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم وطرحوها، ولم يألفوها, وهجروها ولم يميلوا إليها وعدوها سجنًا لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب, ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه فآثروا بها، ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيادة حتى أذن الرحيل.


قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا؛ إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» وقال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع».


وقال خالقها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.


فأخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها، وأخبر عن دار السلام ودعا إليها.


وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾.


وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾.


وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾.


وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.


وقد توعد الله أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا, واطمأن بها, وغفل عن الآخرة, ولم يرج لقاءه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾.


وعير سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾.


وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله, وطلب الآخرة, ويكفى في الزهد في الدنيا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾.


وقوله:﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون.


وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾.


وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾.


وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.


وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ﴾ والله المستعان, وعليه التكلان([4]) .

([1]) بكل واحدة من القلب واللسان والجوارح حبسان فتنبه.

([2]) من الفوائد لابن القيم.

([3]) من الفوائد.

([4]) من الفوائد.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 22 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

أساس كل خير ومفتاحه


أساس كل خير: أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه, فتشكره عليها, وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك, وأن السيئات من خذلانه وعقوبته, فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها, ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك.


وقد أجمع العارفون على أن كل خير أصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر أصله خذلانه لعبده, وأجمعوا على أن التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك, فإذا كان كل خير فأصله التوفيق, وهو بيد الله لا بيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجوء والرغبة والرهبة إليه, فمتى أعطى العبد هذا المفتاح؛ فقد أراح أن يفتح له, ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجًا دونه.




قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة, ولكن هم الدعاء, فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه, وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته؛ فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم, والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك, فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به, وهو العليم الحكيم.


وما أتى مَن أتى إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر مَن ظفر بمشيئة الله وعونه إلا قيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك الصبر؛ فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد([1]).

أعظم عقوبة وأسبابها

ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله. خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القاسي فإذا قسا القلب قحطت العين.


قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل، والنوم والكلام، والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب, فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ.


من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته.

القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة, ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرائف الفوائد، إذا غذي القلب بالتذكر، وسقي بالتفكر ونقي من الدَّغَل - رأى العجائب وألهم الحكمة، خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد: والقلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.


للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة وثلاثة عالية، فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له, فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها، والثلاثة العالية: علم يتبين له وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوالة في هذه المواطن([2]) .


أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب

أفضل ما اكتسبته النفوس، وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، هو العلم والإيمان, ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ ﴾.


وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾.


وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه والمؤهلون للمراتب العالية، ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان الذين بهما السعادة والرفعة، وفي حقيقتهما حتى أن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة، وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي ولا علم يرفع، بل قد سدوا على أنفسهم طرق العلم، والإيمان اللذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم, ودعا إليهما الأمة, وكان عليهما هو وأصحابه من بعده, وتابعوهم على منها جهم وآثارهم.


والعلم: هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله.


قال تعالى:﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
وقال في القرآن ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: وفيه علمه.
ولقد أحسن من قال:



العلم قال الله قال رسوله



قال الصحابة ليس بالتمويه


ما العلم نصبك للخلاف سفاهة



بين الرسول وبين رأي فقيه


كلا ولا جحد الصفات ونفيهما



حذرا من التمثيل والتشبيه










وأما الإيمان: فأكثر الناس أو كلهم يدعونه، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان يحمل.


وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة وعلما وإقرارًا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه, فهذا إيمان خواص الأمة، وخاصة الرسول, وهو إيمان الصدق وحزبه.


والإيمان: حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا، والتصديق به عقدًا والإقرار به نطقًا والانقياد له محبة وخضوعًا والعمل به باطنًا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكما له في الحب في الله، والبغض في الله، والقضاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده.


والطريق إليه: تجريد متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا أو باطنًا, وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله، وبالله التوفيق.


وقال أيضًا: الإيمان له ظاهر وباطن وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح.


وباطنه: تصديق القلب وانقياده ومحبته, فلا ينفع ظاهر لا باطن له، وأن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية، ولا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك, فيخف العمل ظاهرًا مع عدم المانع، دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان، ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته، فالإيمان قلب الإٍسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه، وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول.


وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول ([3]) .

([1]) من الفوائد.

([2]) من الفوائد باختصار.

([3]) من الفوائد باختصار.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 23 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

نصيحة قيمة


هَلُمَّ إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها, وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة عمرك، وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه، ولا نصب ولا معاناة عمل شاق، إنما هو عمل قلب، وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك، فما مضى تصلحه بالتوبة، وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب، ولكن الشأن في عمرك، وهو وقتك الذي بين الوقتين، فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك، وإن حفظته مع إصلاح الوقتين الذين قبله وبعده بما ذكر نجوت وفزت بالراحة والنعيم. وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وأنفع لها وأعظم تحصيلا لسعادتها.




وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت؛ فهي والله أيامك الخالية التي تجمع فيها الزاد لمعادك؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن اتخذت إليها سبيلاً إلى ربك بلغت السعادة العظمة والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة، التي لا نسبة لها إلى الأبد، وإن أثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب وانقضت عنك بسرعة، أعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب، وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله، والصبر على طاعته ومخالفة الهوى لأجله ([1])

علامات السعادة وعلامات الشقاوة

من علامات السعادة والفلاح، أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته وكلما زيد في عمله، زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره، نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في قربه من الناس وقضائه حوائجهم والتواضع لهم.


وعلامات الشقاوة: أنه كلما زيد في علمه، زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في عمله، زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه. وكلما زيد في عمره، زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في كبره وتيهه، وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويَشقى بها أقوام.


وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء: كالملك والسلطان، والمال قال -تعالى- عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾.


فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور كما أن المحن بلوى منه سبحانه، فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾ أي: ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون إكرامًا مني له، ولا كل من ضيقت عليه رزقه وابتليته يكون ذلك إهانة له مني([2]).



([1]) من الفوائد.

([2]) من الفوائد.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 24 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

أركان الكفر


أركان الكفر أربعة: الكبر، و الحسد، والغضب، والشهوة؛ فالكبر: يمنعه الانقياد والحسد: يمنعه قبول النصحية وبذلها، والغضب: يمنعه العدل، والشهوة: تمنعه التفرغ للعبادة, فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد, وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة.


وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة عمن بلي بها، ولا سيما إذا صارت هيئات راسخة، وملكات وصفات ثابتة، فإنه لا يستقيم له معها عمل ألبتة، ولا تزكو نفسه مع قيامها بها، وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، وكل الآفات متولدة منها، وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، والمعروف في صورة المنكر، والمنكر في صورة المعروف، وقربت منه الدنيا وبعدت منه الآخرة.


وإذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئًا منها وعليها يقع العذاب, وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها، فمن فتحها على نفسه، فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا، ومن أغلقها عن نفسه، أغلق عنه أبواب الشرور، فإنها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه.


ومنشأ هذه الأربعة: من جهله بربه وجهله بنفسه، فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وعرف نفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغضب لها، ولم يحسد أحدًا على ما آتاه الله، فإن الحسد في الحقيقة نوع من معادات الله، فإنه يكره نعمة الله على عبده، وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه، والله يكره ذلك فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته.


ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة؛ لأن ذنبه كان عن كبر وحسد، فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده، والرضا به وعنه والإنابة إليه، وقلع الغضب بمعرفة النفس، وأنها لا تستحق أن يغضب لها، وينتقم لها إن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضى له, فكلما دخلها شيء من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها وكذا بالعكس.


وأما الشهوة: فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها ومتعها منها، وحمايتها أعظم أسباب اتصالها إليها، فكلما فتحت عليها باب الشهوات كنت ساعيًا في حرمانها إياها، وكلما أغلقت عنها ذلك الباب، كنت ساعيًا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه، فالغضب مثل السبع إذا أفلته صاحبه بدأ يأكله، والشهوة: مثل النار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه، والكبر: بمنزلة منازعة الملك ملكه؛ فإن لم يهلكك طردك عنه. والحسد: بمنزلة معاداة من هو أقدر منك.


والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق الشيطان من ظله، ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله ([1]).

([1]) من الفوائد.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 25 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

موانع الوصول إلى المطلوب الأعلى

الوصول إلى المطلوب الأعلى موقوف على هجرة العوائد, وقطع العوائق والعلائق.


فالعوائد، السكون إلى الدعة والراحة, وما ألفه الناس واعتادوه من الرسول والأوضاع التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع، بل هي عندهم أعظم من الشرع وربما كفروه أو بدعوه، وضللوه أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم، وأماتوا لها السنن ونصبوها أندادًا للرسول يوالون عليها ويعادون, فالمعروف عندهم ما وافقها والمنكر ما خالفها.


وهذه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الملوك والولاة والفقهاء والصوفية والفقراء والمتطوعين والعامة، فربي فيها الصغير ونشأ عليها الكبير، واتخذت سننا بل هي أعظم عند أصحابها من السنن، الواقف معها محبوس والمتقيد بها منقطع عم بها المصاب، وهجر لأجلها السنة والكتاب من استنصر بها فهو عند الله مخذول، ومن اقتدى بها دون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, فهو عند الله غير مقبول، وهذه أعظم الحجب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله.


وأما العوائق: فهي أنواع المخالفات، ظاهرها وباطنها، فإنها تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه، وهي ثلاثة أمور.
شرك وبدعة، ومعصية فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد، وعائق البدعة بتحقيق السنة، وعائق المعصية بتصحيح التوبة, وهذه العوائق لا تتبين العبد حتى يأخذ في أهبة السفر وبتحقق بالسير إلى الله والدار الآخرة فحينئذ تظهر له هذه العوائق ويحس بتعويقها بحسب قوة سيره وتجرده للسفر، وإلا فما دام قاعدًا لا يظهر له كوامنها وقواطعها.


وأما العلائق: فهي كل ما تعلق به دون الله ورسوله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتعلق بهم، ولا سبيل له إلى قطع هذه الأمور الثلاثة، ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى وإلا فقطعها عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع.


فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه، وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بغيره، وكذا بالعكس، والتعلق بالمطلوب، هو شدة الرغبة فيه، وذلك على قدر معرفته به وشرفه وفضله على ما سواه ([1]).


من جواهر الحكم والفوائد المنثورة

للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس, فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس.


للعبد رب هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه، فينبغي له أن يسترضى ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه.


إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.


الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم العمر، محبوب اليوم يعقب المكروه غدًا، ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدًا.


أعظم الربح في الدنيا، أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها.


كيف يكون عاقلا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة.


المخلوق إذا خفته استوحشت منه, وهربت منه والرب -تعالى- إذا خفته أنست به وقربت إليه، لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أخبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين.


إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ست مشاهد:


أحدها: مشهد التوحيد, وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.


الثاني: مشهد العدل, وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه.


الثالث: مشهد الرحمة, وإن رحمته في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه ورحمته عفوه.


الرابع: مشهد الحكمة, وإن حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى, ولا قضاه عبثًا.


الخامس: مشهد الحمد, وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه.


السادس: مشهد العبودية, وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية, فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه.



([1]) من الفوائد.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 26 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

الاجتماع بالإخوان قسمان:

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من نفعته وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.


الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها.


ولكن فيه ثلاث آفات:


إحداها: تزين بعضهم لبعض.
الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.
الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود.


وبالجملة: فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنفس الأمارة وإما للقلب والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح؛ فمن طلب لقاحه طابت ثمرته وهذه الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك.


بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن نفسه، وخطوة عن الخلق فيسقط نفسه وبلغيها فيما بينه وبين الناس ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله: فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة إليه.


من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه.


أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص وعن نفسك بشهود المنة, فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق.


دخل الناس النار من ثلاثة أبواب، باب شبهة أورثت شكا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه.


أصول الخطايا كلها ثلاثة: الكبر، وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره والحرص وهو الذي أخرج آدم من الجنة، والحسد، وهو الذي جرأ أحد ابني آدم على أخيه فمن وقى شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد.
جمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» بين مصالح الدنيا والآخرة.


فالآخرة ونعيمها ولذاتها، إنما تنال بتقوى الله، وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناء، والكد والشقاء في طلب إنما ينال بالإجمال في الطلب، فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها فالله المستعان:


قد نادت الدنيا على نفسها



لو كان في ذا الخلق من يسمع


كم واثق بالعيش أهلكته



وجامع فرقت ما يجمع


سر التوكل على الله وحقيقته، هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضر مباشرة الأسباب مع خلو القلب مع الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله وكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به، فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء. كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء وتوبة القلب، وإن لم ينطق اللسان شيء، فقول العبد توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره، مثل قوله تبت إلى الله, وهو مصر على معصيته مرتكب لها. اتباع ا لهوى وطول الأمل، مادة كل فساد، فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدًا، وطول الأمل، ينسى الآخرة, ويصد عن الاستعداد لها.


إذا أراد الله بعبد خيرًا جعله معترفًا بذنبه، ممسكًا عن ذنب غيره، جوادًا بما عنده، زاهدًا فيما عند غيره، محتملاً لأذى غيره، وإن أراد به شرًا عكس ذلك عليه.


العقول المقيدة بالتوفيق، ترى أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الموافق للعقل والحكمة.


والعقول المضرورة بالخذلان، ترى المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع.


أقرب الوسائل إلى الله ملازمة السنة والوقوف معها في الظاهر والباطن, ودوام الافتقار إلى الله، وإرادة وجهه وحده بالأقوال والأفعال، وما وصل أحد إلى الله إلا من هذه الثلاثة، وما انقطع عنه أحد إلا بانقطاعه عنها أو عن أحدها.


الأصول التي بنيت عليها سعادة العبد ثلاثة: ولكل واحد منها ضد، فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده، التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية: ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة في الله وفيما عنده، ومن الرهبة منه وما عنده، العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من دار الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته.


إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم, وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة, فتعرف أنت إلى الله, وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة.


قال بعض الزهاد: ما علمت أن أحدًا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فقال له رجل: إني أكثر البكاء فقال: إنك إن تضحك وأنت مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك. وأن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه، فقال: أوصني فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة، إن أكلت أكلت طيبًا، وأن أطعمت أطعمت طيبًا، وأن سقطت على شيء لم تكسره, ولم تخدشه.


النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها، فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده، عرفه نعمته الحاضرة وأعطاه من شره قيدًا يقيدها به حتى لا تشرد, فإنها تشرد بالمعصية, وتقيد بالشكر، ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها, وإذا بها قد وافته إليه على أتم الوجوه، وعرفه النعم التي هو فيها, ولا يشعر بها.


ويُحكى أن أعرابيًا دخل على الرشيد فقال: أميرَ المؤمنين, ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها: فأعجبه ذلك منه، وقال: ما أحسن تقسيمه.


قال شقيق بن إبراهيم: أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء: اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم في العلم وتركهم العمل والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم، وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها.


قلت: وأصل ذلك: عدم الرغبة والرهبة، وأصله ضعف اليقين، وأصله ضعف البصيرة، وأصله مهانة النفس ودناءتها، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.


الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذلك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأة قدم، أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف، وقد ثبت أنه سافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها، من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح، فعلى قدر الاستعداد للسير.


لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة، فإن قام لله في ذلك العضو بأمره, واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه، وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به، وإن عطل أمر الله ونهيه فيه، عطله الله من انتفاعه بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته، وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه وتقربه منه، فإن شغل وقته بعبودية الوقت، تقدم به إلى ربه، وإن شغله يهوى أو راحة وبطالة، تأخر فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر, ولا وقوف في الطريق ألبتة.


قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ([1])
([1]) هذه الجواهر والفوائد جمعتها من قواعد وفوائد وفصول متفرقة في كتاب الفوائد لابن قيم الجوزية.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 27 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

تذكر القبر وحال ساكنه

أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استحيوا من الله حق الحياء» قالوا: إنا نستحي من الله, والحمد لله قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وأن تذكر الموت والبلى, ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا, فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».


وأخرج الترمذي والحاكم من حديث أسماء بنت عميس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى, بئس العبد عبد عتا وطغى ونسي المبتدا والمنتهى، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد يختل الدين بالشهوات, بئس العبد عبد طمع يقوده, بئس العبد عبد هوى يضله, بئس العبد عبد رغب بذله».


وخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من القبور» وخرج البخاري أوله.


وروى ابن أبي الدنيا عن سريع الشامي قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه: يا فلان, لقد أرقت الليلة مفكرًا قال: فيم يا أمير المؤمنين فقال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره، لاستوحشت من قبره بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتًا تجول فيه الهوام، ويجرى فيه الصديد، وتخترقه الديدان مع تغيير الرائحة, وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب, قال: ثم شهق شهقة خر مغشيًا عليه، وعن محمد بن كعب القرظي قال: بعث إليَّ عمر بن عبد العزيز فتقدمت عليه, فأدمت النظر إليه فقال: يا ابن كعب، إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي بالمدينة قال: قلت: أجل يا أمير المؤمنين, يعجبني ما حال من لونك ونحل من جسمك قال: فكيف يا بن كعب لو أتيتني بعد ثلاثة في القبر, وقد نبت حدقتاي على وجهي, وخرج الدود والصديد من منخري لكنت إلي أشد نكرة.


وعن وهيب بن الورد قال: بلغنا أن رجلا فقيهًا دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: سبحان الله, كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه قال له: تغيرت بعدنا فقال له عمر: وتبين ذلك فقال له: الأمر أعظم من ذلك، فقال له: يا فلان, فكيف لو رأيتني بعد ثلاث، وقد أدخلت قبري، وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين, وتقلصت الشفتان عن الأسنان، وانفتح الفم ونبأ البطن فعلى الصدر، وخرج الصديد من الدبر.



وعن سعيد بن أبي حمزة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض مدائن الشام: أما بعد, فكم للتراب في جسد ابن آدم من مأكل، وكم للدود في جوفه من طريق يخترق, وإني أحذركم ونفسي - أيها الناس - العرض على الله عز وجل، وروى أبو نعيم والحاكم بإسناد له أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شيع جنازة من أهله ثم أقبل الناس, فوعظهم وذكرهم الدنيا وذمها وذكر أهلها وتنعمهم فيها, وما صاروا إليه بعدها من ظلمة القبر, وكان من كلامه أنه قال: إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديًا وادعهم إن كنت داعيًا ومر بعسكرهم, وانظر إلى تقارب منازلهم، سل غنيهم ما بقي من غناه, وسل فقيرهم ما بقي من فقره، وسل عن اللسان الذي كانوا به يتكلمون وعن الأعين التي كانوا بها إلى اللذات ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان محت الألوان, وأكلت اللحمان، وعفت الوجوه، ومحت المحاسن، وكرت القفا, وأبانت الأعضاء, وخرقت الأشلاء أين حجابهم وقيانهم, وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم, والله ما زودوهم فرشًا، ولا وضعوا هناك مسكًا, ولا غرسوا لهم شجرًا, ولا أنزلوهم من اللحد قرارًا أليسوا في الخلوات، أليس الليل والنهار عندهم سواء أليسوا في مدلهمة مظلمة، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة, وكم من ناعم وناعمة، أصبحوا ووجوهم بالية، وأجسادهم عن أعناقهم بائنة, وأوصالهم متفرقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديدا, ودبت دواب الأرض في أجسادهم, وتفرقت أعضاؤهم ثم لم يلبثوا والله إلا يسيرًا حتى عادت العظام رميمًا قد فارقوا الحدائق, وصاروا بعد السعة في المضايق، وقد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وميراثهم فمنهم والله الموسع له في قبره، والفظ الناضر فيه، والمتنعم بلذته يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك من الدنيا, هل تعلم أنك تبقى لها أو تبقى لك، أين دارك الفيحاء ونهرك الطرد، وأين ثمرتك اليانعة، وأين رقاق ثيابك، وأين طيبك, وأين بخورك, وأين كسوتك لصيفك وشتائك أما والله قد نزل به الأمر, فما يدفع عنه وخلا, وهو يرشح عرقًا, ويتلظى عطشًا يتقلب في سكرات الموت وغمراته جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء هيهات هيهات يا مغمط الوالد والولد وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، يا مخليه في القبر راجعًا عنه, ليت شعري, كيف كنت على خشونة الثرى؟ ليت شعري, بأي خديك بدأ البلى؟ يا مجاور الهلكى, صرت في محلة الموتى، ليت شعري, ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا؟ وما يأتيني به من رسالة ربي ثم انصرف, فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.


وروى عنه من وجوه متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها رحمة الله عليه: ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، يرثها بعدكم الباقون، كذلك تردون إلى خير الوارثين في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا قد قضى نحبه تودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وقطع الأسباب وسكن التراب وواجه الحساب، غنيًا عما خلف، فقيرًا إلى ما قدم.


ويروى أنه كان في جنازة في مقبرة فرأى قومًا يهربون من الشمس إلى الظل فأنشد شعرًا:


من كان حين تصيب الشمس جبهته




أو الغبار يخاف الشين والشعثا


ويألف الظل كي تبقى بشاشته




فسوف يسكن يومًا راغمًا جدثًا


في ظل مقبرة غبراء مظلمة




يطيل تحت الثرى في عمها اللبئا


تجهزي بجهاز تبلغين به




يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثًا





وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن أنه مر به شاب وعليه بردة حسنة, فدعاه فقال: ابن آدم معجب بشبابه معجب بجماله، كأن القبر قد دنا ووارى بدنك، وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك دَاوِ قلبك، فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم.


وعن عبد الله بن العيزار قال: لابن آدم بيتان على ظهر الأرض وبيت في بطن الأرض, فعمد إلى الذي على الأرض، فزخرفه وزينه, وجعل فيه أبوابًا للشمال وأبوابًا للجنوب، ووضع ما يصلحه لشتائه وصيفه، فأتى عليه آت فقال: أرأيت هذا الذي أراك قد أصلحته كم تقيم فيه قال: لا أدري قال: والذي خربته كم تقيم فيه قال: إلى يوم البعث قال: تقر بهذا على نفسك وأنت رجل تعقل.


وعن الحسن أنه قال: يومان وليلتان لم تسمع الخلائق مثلهن قط: ليلة تبيت مع أهل القبور, ولم تبت قبلها، وليلة صبيحتها يوم القيامة ويوم يأتيك البشير من الله, إما بالجنة أو النار، ويوم تعطى كتابك بيمينك أو بشمالك.


وشهد الحسن جنازة فاجتمع عليه الناس فقال: اعملوا لمثل هذا اليوم رحمكم الله وإنما إخوانكم يقدمونكم وأنتم الأثر أيها المخلف بعد أخيه أنت الميت غدًا والباقي بعدك هو الميت في أثرك أولا فأولا حتى توفوا جميعًا قد عمكم الموت واستويتم جميعًا في كربه وغصصه، ثم تخليتم جميعًا القبور ثم تنشدون جميعًا ثم تعرضون جميعًا على ربكم عز وجل.


وقال صفوان بن عمر: وذكروا النعيم فسموا ناسًا فقال رجل: أنعم رجال في التراب، قد أمنوا العذاب, ينتظرون.


وروى عن إبراهيم بن أدهم أنه قرأ على قبر:


ما أحد أكرم من مفرد



في قبره أعماله تؤنسه


منعم الجسم في روضة



زينها الله فهي مجلسه




تزود قرينا من فعلك إنما




قرين الفتى في القبر ما كان يفعل


وإن كنت مشغولا بشيء فلا تكن




بغير الذي يرضي إلهك تشغل


فلن يصحب الإنسان من بعد موته




إلى قبره إلا الذي كان يعمل


إلا إنما الإنسان ضيف لأهله




مقيم قليلا عندهم ثم يرحل([1])









([1]) من أهوال القبور باختصار.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 28 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

أصناف أهل الجنة وأصناف أهل النار

في صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع, وإن دق إلا خانه, ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» وذكر البخل والكذب والتنظير الفاحش.


ففي هذا الحديث جعل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجنة ثلاثة أصناف:


أحدها: ذو السطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس, فسار في سلطانه بالعدل ثم ارتقى درجة الفضل.


والثاني: الرحيم الرقيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته بل يرحم المسلمين عمومًا, فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان.


والثالث: العفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس, فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس لا سيما مع الحاجة.


وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى, ولو كان الأذى بحق فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.


فهذا حال معاملتهم للخلق.


ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.


فوصفهم عند الذنوب بالاستغفار وعدم الإصرار، وهو حقيقة التوبة النصوح.


وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.


والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار.


فأخبر سبحانه أن اقتحامها وهو قطعها ومجاوزتها يحصل بالإحسان إلى الخلق إما بعتق رقبة وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء، ولا بد مع هذا الإحسان أن يكون من أهل الإيمان والآمر لغيره بالعدل والإحسان، وهو التواصي بالصبر والتواصي بالرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة.


وأما أهل النار: فقد قسمهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خمسة أصناف:


الصنف الأول: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، ويعني الزبر: القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح وخرج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعًا «إن الله يبغض المؤمن الذي لا زَبْرَ له»: قال بعض الرواة: الحديث يعني الشدة في الحق، ولما حدث مطرف بن عبد الله بحديث عياض بن حمار هذا, وبلغ قوله: «الضعيف الذي لا زبر له» فقيل له: أو يكون هذا؟ قال: «نعم والله لقد أدركتهم في الجاهلية وإن الرجل ليرعى على الحي ما له إلا وليدتهم يطؤها»، وقال ابن شوذب يقال: إن عامة أهل النار كل ضعيف لا زبر له الذين هم فيكم اليوم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا. خرجه عبد الله بن الإمام أحمد في الزهد.


وهذا القسم شر أقسام الناس ونفوسهم ساقطة؛ لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم.


والصنف الثاني: الخائن الذي لا يخفى له طمع, وإن دق إلا خانه، أي: لا يقدر على خيانة, ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها.


ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان.
وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك, وهو خصلة من خصال النفاق، وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها.


وقال بعض السلف: كنا نتحدث أن صاحب النار من لا تمنعه خشية الله من شيء خفي له.


الصنف الثالث: المخادع الذي دأبه صباحًا ومساء مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع من أصناف المنافقين كما وصفهم الله -تعالى- بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك وهو من جملة المكر والحيل المحرمة.


وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا, فليس منا، والمكر والخداع في النار.


والصنف الرابع: الكذب والبخل, ولم يحفظ الراوي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حفظًا جيدًا والكذب والبخل خصلتان، وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث الكذب أو البخل بالشك، وقد قيل: إنه عدهما واحدًا كذا قاله مطر الوراق, وهو أحد رواة هذا الحديث والكذب و البخل كلاهما ينشأ عن الشح كما جاء ذلك في الأحاديث، والشح هو شدة حرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، ينشأ عنه البخل وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها, فالمخادع الذي سبق ذكره هو الشحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه، كذلك روى تفسير الشح والبخل عن ابن مسعود وطاووس وغيرهما من السلف وفي الأثر: أن الشيطان قال: مهما غلبني ابن آدم فلن يغلبني بثلاث: يأخذ المال من غير حله أو ينفقه في غير وجهه أو يمنعه من حقه، وينشأ عن الشح أيضًا الكذب والمخادعة والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة.


وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار».


وفي المسند عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما عمل أهل النار: قال: «الكذب إذا كذب العبد فجر, وإذا فجر كفر, وإذا كفر دخل النار»


الصنف الخامس التنظير: وقد فسر بالسيئ الخلق, والفحاش هو الفاحش المتفحش.


وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي قال: «إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه».


وفي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله يبغض الفاحش البذي: والبذي الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام».


وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بحسب امرئ من الشر أن يكون فاحشًا بذيئًا بخيلا جبانا» فالفاحش هو الذي يفحش في منطقة, ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف, وما يفحش ذكره.


وخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال, وأول ثلاثة يدخلون النار أمير متسلط، وذو ثروة من مال يمنع حق الله في ماله، وفقير فخور» وخرج الترمذي أوله, وقال: حديث حسن.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النار.


وضد الأصناف الثلاثة من أهل الجنة المذكورين في حديث عياض بن حمار، فإن السلطان المسلط ضد العادل المحسن، والغني الذي يمنع حق الله ضد الرحيم الرقيق القلب لذي القربى, وكل مسلم والفقير الفخور ضد المتعفف الصابر على شدة الفقر وضره، وأوصاف هؤلاء الثلاثة هي الظلم والبخل والكبر، والثلاثة ترجع إلى الظلم؛ لأن الملك يظلم الناس بيده، والبخيل يظلم الفقراء بمنع حقوقهم الواجبة، والفقير يظلم الناس بفخره عليهم بقوله وأذاه لهم بلسانه.


وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل ذكر القائل والقارئ والمتصدق الذين يراؤون بأعمالهم, وقال: أولئك أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة يا أبا هريرة.


وقد يجمع بين هذا الحديث والذي قبله بأن هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، وأولئك الثلاثة أول من يدخل النار، وتسعير النار أخص من دخولها, فإن تسعيرها يقتضي تلهبها وإيقادها, وهذا قدر زائد على مجرد الدخول، وإنما زاد عذاب أهل الرياء على سائر العصاة؛ لأن الرياء هو الشرك الأصغر والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره.


وقد ورد أن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين.


فروى عبد الملك بن إبراهيم الجدي حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري عن أبي طوالة عن آنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الأوثان, فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان، فيقال لهم: ليس مَنْ علم كمن لا يعلم» أخرجه الطبراني وأبو نعيم، وقال: غريب من حديث أبي طوالة تفرد به عنه العمري انتهى, والعمري هذا هو أبو عبد الرحمن الزاهد رحمه الله.


وقد ذكرنا أحاديث متعددة في خروج عنق من النار يوم القيامة يتكلم, وأنها تلتقط من صفوف الخلق المشركين والمتكبرين وأصحاب التصاوير، وفي رواية: «ومن قتل نفسًا بغير نفس.. فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام.
وروي عن ابن عباس وغيره من السلف أن ذلك يكون قبل نشر الدواوين ونصب الموازين.
وجاء في حديث مرفوع أن ذلك يكون قبل حساب سائر الناس, والله أعلم ([1])
الحزن العظيم على المتخلفين عن رفقة السابقين إلى جنات النعيم:


([1]) من التخريف من النار باختصار.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 29 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان

خاتمة

العجب كل العجب من أربعة:


أحدها: من عاقل غير عالم، أما يهتم بمعرفة ما بين يديه، أما يتعرف ما هو مطلع بعد الموت عليه بالنظر في هذه الدلائل والعبر، والاستماع إلى هذه الآيات والنذر، والانزعاج بهذه الخواطر والهواجس في النفس، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾.


والثاني: من عالم غير عامل بالعلم، أما يتفكر أما يعلم يقينًا مما بين يديه من الأهوال العظام والعقبات الصعاب، وهذا هو النبأ العظيم الذي أنتم عنه معرضون.


والثالث: من عامل غير مخلص أما يتأمل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.


والرابع: من مخلص غير خائف، أما ينظر إلى معاملاته جل جلاله مع أصفيائه وأوليائه وخدمه الدالة بينه وبين خلقه حتى يقول لأكرم الخلق عليه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ وهذه ونحوها حتى حكي أنه كان عليه السلام يقول شيَّبتي هود وأخواتها.


ثم جملة الأمر وتفصيله، ما قاله رب العالمين في أربع آيات من الكتاب العزيز قوله -عز وجل- ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.


ثم قال جل اسمه: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.


ثم قال جل من قائل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾.
ثم أجمل الكل فقال: وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

تذكرة النفس والأخوان بما ينبغي التنبيه له في كل زمان



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 12:42 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب