منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الله يحدث عباده عن نفسه

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حق الله تعالى على عباده seifellah منتدى طلب العلم الشرعي 2 2014-08-08 11:54 AM
ويحذركم الله نفسه .. seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-16 08:35 PM
من قال: ((لا إله إلا الله دخل الجنة)) هل هذا حديث؟ وهل يكتفي الإنسان بقول: ((لا إله إلا الله)) دون ا فتحون منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2014-04-06 10:09 PM
مفجر شريط " الجمركيين" يحدث نفسه أمام المرآة في وضع نفسي متدهور -فيديو Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2014-02-24 04:48 PM
ما أعظمك وما أرحمك بأُمَّتِك، يا رسول الله .......حديث والله تقشعر منه الجلود ما شاء الله راجية الجنة منتدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 10 2011-10-01 12:03 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 21 )  
قديم 2014-12-23
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 21

الله تعالى له ما سكن في الليل والنهار





أولًا: تقديم


عرَّفنا العليُّ العظيم- سبحانه وتعالى- في هذه الآيات بنفسه، فهو المالك للسموات والأرض، ورحمته سبقت غضبه، وسيجمع العباد في يوم الدين، وله- سبحانه- ما سكن في الليل والنهار، وهو فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما على غير مثالٍ سابقٍ، وهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم، وهو-سبحانه- الضارُّ النافع، وهو القاهر فوق عباده.




ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الأنعام


{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 12- 14].




ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع من الآيات


كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها على نفسه.
وله ما سكن في الليل والنهار: السكون ثبوت الشيء واستقراره بعد تحركه.
فاطر السموات والأرض: خالقهما ومبدعهما على غير مثالٍ سابقٍ.






رابعًا: شرح آيات هذا الموضع


عرَّف الله تعالى عباده بنفسه في هذه الآيات الكريمات عبر النقاط التالية:




1- الله- تعالى- له ما في السموات والأرض:




أمر الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوجِّه السؤال إلى المشركين الذين يعبدون الأوثان والأصنام قائلًا لهم: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 12] ثم أجاب سبحانه نفسَه بنفسِه قائلًا: {قُلْ لِلَّهِ} [الأنعام: 12].


والعرب الذين كانوا يعبدون الأوثان كانوا يقرون بأنَّ الله تعالى هو وحده الخالق للسموات والأرض دون غيره، قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84- 89] والكفار عندما يقرُّون بأن الله هو الخالق للسموات والأرض ومالكهما يتناقضون عندما يعبدون غيره، ولا يفردونه بالعبادة.


2- الله- تعالى- كتب على نفسِهِ الرحمة:




أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه كتب على نفسه الرحمة، فقال: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 12] أي: أوجب وفرض على نفسِهِ- سبحانه- الرحمة، روي أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمَّا قضى الله الخلق كتب كتابه، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي» [البخاري: 3194. ومسلم: 2751]. وعن أبي هريرة أيضًا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك عند تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءاً واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه» [البخاري: 6000. ومسلم: 2752].




3- سيجمع الله- تعالى- عباده يوم القيامة:




أقسم ربُّ العزَّة- تبارك وتعالى- بنفسه الكريمة أنَّه سيجمع عباده يوم القيامة، لا يتخلَّف منهم أحد، ولا يُفلت منهم أحد {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنعام: 12] وهذا اليوم أمرٌ مستيقنٌ لا ريب فيه، ولا شكَّ فيه، والمؤمنون يصدِّقون بذلك من غير شكٍّ، ولذلك فإنَّ رب العزَّة قال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [الأنعام: 12] أما الذين يخسرون أنفسهم في ذلك اليوم بإدخال الله لهم النار فهؤلاء لا يؤمنون {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 12] وهذا الخسران هو الخسران الأعظم.




4- الله- تعالى- له ما سكن في الليل والنهار:




أخبرنا ربُّنا- سبحانه وتعالى- أنَّ {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَار} [الأنعام: 13]. أي: ما استقرَّ في الليل والنهار، وأصل السكون: ثبوت الشيء بعد تحركه.


وختم سبحانه وتعالى الآية بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 13] فالله- تبارك وتعالى- سميعٌ لأقوال عباده، لا يخفى عليه منها خافيةٌ، وعليم بأعمالهم وحركاتهم وما انطوت عليه قلوبهم.




5- الله – تعالى- وحده المعبود الذي يستحق العبادة:


أمر ربُّ العزَّة- تبارك وتعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوجِّه للمشركين سؤال إنكار، فيقول لهم: أغير الله أتخذ إلهًا ومعبودًا، وهو فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما على غير مثالٍ سابقٍ، وهو سبحانه الذي يُطعِم ولا يُطعَم،{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الأنعام: 14].




والمراد بقوله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} أي: هو الذي يرزق عباده، ولا يحتاج إلى من يرزقه ويطعمه، وهذه الآية كقوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56- 57] وقوله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى} [الحج: 37] وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يثني على ربه تعالى بأنه يُطعِم ولا يُطعَم ، فعن أبي هريرة قال: دعا رجلَّ من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه: قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم ، ومن علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلَّ بلاءٍ حسن أبلانا، الحمد لله غير مودَّعٍ ربي ولا مكافأٍ ولا مكفورٍ ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطَّعام، وسقانا من الشَّراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضَّلال، وبصَّرنا من العمى، وفضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين» [قال فيه محقق ابن كثير (1013): صحيح، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 315)، وابن أبي الدنيا في الشكر (ص: 15) وابن السني (ص: 485) وصححه ابن حبان: (5219). والحاكم: 1/ 546. على شرط مسلمٍ، ووافقه الذهبي].




والمعنى المراد بـ {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أنه سبحانه خالقهما ومبدعهما، روى ابن جرير عن مجاهد، قال: سمعت ابن عباس يقول: «كنت ما أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» [جامع البيان: 4/ 4143].




خامساً: كيف عرَّفنا رب العزَّة تبارك وتعالى بنفسه


عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- في هذه الآيات أنَّه سبحانه وتعالى:
1- له السماوات والأرض وما فيهما، لا يشركه في ذلك أحدٌ.
2- كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها وفرضها، والله- تعالى- لا يجب عليه إلاَّ ما أوجبه على نفسه.
3- سيجمع الله عباده يوم الدين جميعًا، لا ينسى أحدًا، ولا يتخلف أحدٌ.
4- له ما سكن في الليل والنهار، فهناك من المخلوقات ما يسكن في الليل كالإنسان. وكثير من الحيوانات والطيور، وبعضها يكون سكونه في النهار.
5- الله تعالى وليُّ عباده، يتولى أمرهم، ويرعى شأنهم، ويرزقهم.
6- الله تعالى خالق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما.
7- الله تعالى هو الذي يطعم عباده وما خلقه من حيوانٍ وطيورٍ، وهو غنيُّ عن عباده، فليس بحاجةٍ إلى من يطعمه.




* * *

رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 22 )  
قديم 2014-12-23
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 22

الله الذي يتوفانا بالليل ويعلم ما جرحنا بالنهار





أولًا: تقديم


بيَّن الله تعالى لنا في آيات هذا النصِّ ما اختصِّ به نفسه، فعنده مفاتح الغيب لا يعلمها غيره، وهو العالم في البرِّ والبحر، وهو الذي يتوفانا بالليل ويعلم ما جرحنا بالنار، وهو القاهر فوقنا، ويرسل علينا من الملائكة من يحفظنا، ويحفظ أعمالنا، وغير ذلك مما سيأتي بيانه.




ثانياً: آيات هذا الموضع من سورة الأنعام


{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجلَّ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجلَّكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 59- 65].






ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع من الآيات


مفاتيح الغيب: جمع مفتح، وهو المفتاح أو مخازن الغيب.
يتوفاكم بالليل، أي: بالنوم.
ويعلم ما جرحتم: ما جرحتم، أي: ما كسبتموه بجوارحكم من خير وشرٍّ.
القاهر فوق عباده: الغالب لخلقه الذي يقهرهم بقوته وجبروته.
حفظةً: الملائكة الذين يرسلهم الله علينا يحفظون أعمالنا.
توفته رسلنا، أي: قبضت روحه ملائكة الموت.
تضرعاً، أي: مظهرًا الضراعة، وهي الفقر والحاجة.
كرب: الكرب الآفة والمصاب.
أو يلبسكم شيعاً، أي: يبث فيكم الأهواء المختلفة.




رابعًا: شرح آيات هذا الموضع


عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- بنفسه في آيات هذا النص عبر النقاط التالية:




1- سعة علم الله تعالى وما اختصَّ الله بعلمه سبحانه:




عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى ما اختصَّ بعمله دون سائر خلقه، فقال: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59].


ومفاتح الغيب خمسةٌ تضمَّنتها آية سورة لقمان، ففي الحديث عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مفاتح الغيب خمسٌ، ثم قرأ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34]» [البخاري: 4778]. وسيأتي بيانها بحول الله وقوَّته في سورة لقمان.


والمفاتح: جمع مفتح، وهو المفتاح، أو مخازن الغيب. والله سبحانه علمه واسعٌ لا يخفى عليه شيءٌ {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 59] أي: علمه محيطٌ بجميع الكائنات برِّيِّها وبحريِّها.


فلا يخفى عليه الذَّرُّ إما



تَراءَى للنَّواظِرِ أو تَوَارَى


وأعلمنا ربُّنا بأنَّه لا يخفى عليه شيءٌ، ولا يغيب عنه شيءٌ فقال: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] أي ما تسقط من ورقةٍ في الصحاري والبراري والأمصار والقرى إلا ويعلمها الله، وانظر إلى الأرض كم فيها من أشجارٍ، وكم على كلِّ شجرةٍ من أوراقٍ، وما من ورقةٍ في البراري والقفار، والحقول والحدائق والجبال تسقط إلا وعلم الله تعالى محيطٌ بها، وما ممن حبَّةٍ تندثر في تراب الأرض فتنبتُ، أو نبتةٌ تصفرُّ وتذوي وتموت إلا وعلم الله محيطٌ بها، وكلُّ ذلك مدوَّنٌ في كتابٍ مبينٍ، وهو اللوح المحفوظ.




2- الله تعالى يتوفانا بالليل ويعلم ما جرحنا في النهار:


أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّه يتوفانا بالليل، ويعلم ما جرحنا بالنَّهار، قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار} [الأنعام: 60] وتوفِّيه لنا في الليل، أي: بالنوم، لأنَّه يقبض سبحانه أرواحنا عن التصرف بالنوم، وهذا التوفي هو التوفي الأصغر، قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجلَّ مُسَمًّى} [الزمر: 42].


وقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار} أي: ما كسبتموه بجوارحكم من الخير والشر. وقوله تعالى: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي: يوقظكم في النهار من منامكم. وقوله: {لِيُقْضَى أَجلَّ مُسَمًّى} أي: ليقضي الله الأجل الذي سمَّاه لحياتكم، وذلك بالموت. وقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} أي: إلى الله مصيركم ومعادكم، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: يخبركم في يوم الدين بما عملتموه في الحياة الدنيا، ثم يحاسبكم، ويجزيكم عمَّا عملتموه.


وهذا الذي تضمنته الآية وإن كان خبرًا من الله عن قدرته وعلمه إلا أنَّ فيه احتجاجًا على المشركين الذين كانوا ينكروه قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم، فالذي يقبض أرواحهم بالليل، ويبعثهم في النار، ليبلغوا أجلاً مسمَّى، قادرٌ على إحيائهم بعد الموت [الطبري: 4/ 3202].


3- الله هو القاهر فوق عباده:




أعلمنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّه القاهر فوق عباده {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 61] أي: هو الغالب خلقه، العالي عليهم بذاته وقدرته، {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام: 61]. والحفظة الذين يرسلهم الله علينا الملائكة الذين يحفظون أجسادنا وأعمالنا، قال السُّدي في الحفظة: «هي المعقِّبات من الملائكة، يحفظونه، ويحفظون عمله» [الطبري: 4/ 3204].




وقد ذكر الله تعالى الملائكة الذين يحفظون العباد في قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]. وفي قوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10- 11] وفي قوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17- 18].




«وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [الأنعام: 61] أي: إذا احتضر وَحانَ أجلُهُ {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} أي: ملائكةٌ موكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحدٍ: لملك الموت أعوانٌ من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} أي: في حفظ روح الموتى، بل يحفظونها، وينزلونها حيث شاء الله- عزَّ وجلَّ- إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجَّار ففي سجِّين عياذًا بالله من ذلك» [ابن كثير: 3/ 29].




وقوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]. أي: ردَّ الله الخلائق من الملائكة والجنِّ والإنس بالموت إليه، فالله مولاهم الذي يملكهم ويتولى أمورهم سبحانه، وهو أسرع الحاسبين، فيحكم فيهم- سبحانه- بعدله.




4- الله- تعالى- الذي ينجي عباده من ظلمات البر والبحر:




أمر الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين سائلًا إياهم عن الذي ينجيهم من ظلمات البرِّ والبحر إذا أحاطت بهم {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63].




والمراد بالظلمات في الآية الشدائد والأهوال والكربات التي تحيق بالإنسان في البرِّ والبحر، والعرب تقول: عامٌ أسود، ويومٌ مظلمٌ، وقد اعتاد الإنسان حتى لو كان مشركًا إذا أحاطت به ظلمات البرِّ والبحر أن يدعو ربَّه تضرُّعًا وخفية، أي: يدعوه مظهرًا الضَّراعة، وهي شدَّة الفقر والحاجة إلى ربِّه، ويدعوه خفيةً، أي: سرّاً، وأعلمنا ربُّنا أنَّه يقول في مناجاته ربَّه {لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.




والإنسان عندما تحيط به المصائب العظام والكوارث التي لا يستطيع لها دفعًا يتوجَّه إلى ربه مخلصًا له الدين، لأنَّه في حالة الاضطرار يعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، وأنَّه لا ينجيه مما حلَّ به إلا الحيُّ القيوم، {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: 22- 23].




وقد تحدَّث بعض ركَّاب الطائرات عن حال الركاب عندما وقع خللٌ في طائرتهم، وهي تطير بهم في الفضاء، وتكاد تسقط بهم، وبيَّن كيف تضرَّعوا إلى ربِّهم مخلصين له الدين، لا فرق بين الفاسق والعالم بالله.




وأخبرنا ربُّنا- سبحانه- أنه وحده القادر على إنجاء عباده من الكوارث والكروب التي تحيط بهم، ولكنَّ هؤلاء بعد أن ينجيهم ربُّهم مما أصابهم يعودون إلى شركهم وكفرهم {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 64].






5- الله تعالى قادر على أن يأخذ عباده بعذابٍ يحيط بهم:




أمر الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخوِّف الناس عذابه وانتقامه {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجلَّكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65].




والعذاب الذي تهدَّد الله به عباده قد يكون آتيًا من فوقهم كعذاب قوم لوط، وعذاب أصحاب الفيل، وقد يكون بالصيحة أو الغرق أو الريح أو الحجارة، وقد يكون من تحتهم كالخسف والزلازل، وقد يكون بتسليط بعضهم على بعضٍ.




قال الربيع بن أنسٍ: «{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} يعني: يبث فيكم الأهواء المختلفة، فتصيرون فرقاً، يقاتل بعضكم بعضاً، ويخالف بعضكم بعضاً» [التفسير البسيط: 8/ 204].




ومن يقرأ التاريخ بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم يجد سجلاً حافلاً بما أصاب البشرية من خسفٍ وزلازل وبراكين وصواعق، وما ثار بين الناس من حروبٍ ذاق فيها بعضهم بأس بعضٍ، وقد وقع في هذه الأيام التي أكتب فيها تفسير هذه الآية [يوم الجمعة، الثامن من ربيع الأول عام 1432هـ الذي يوافقه الحادي عشر من شباط (مارس) 2011] زلزالٌ عظيم في اليابان، لم تصب بمثله تلك الديار منذ مائة وخمسين عاماً، وقد امتدَّت آثاره إلى دول كثيرة مجاورةٍ، وارتفعت أمواج البحر في بعض مدن اليابان إلى عشرة أمتار، ودخلت مياه البحر إلى العمران، وسقط ألوف القتلى، وانهارت العمارات، وخربت الأسواق، وثارت الحرائق، وأصبحت بعض المحطات الكهربائية النووية في خطر.




وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن لا يصيبها بالعذاب، فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، ففي صحيح مسلم عن عامر بن سعد، عن أبيه، أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يومٍ من العالية، حتى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلَّينا معه، ودعا ربَّه طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدةً، سألت ربِّي أن لا يهلك أمَّتي بالسَّنة، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمَّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها» [مسلم: 2890].




والذي أعطاه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يهلك أمَّته بعذاب عامٍّ أو بغرقٍ عامٍّ، أما أن يعذب طائفةً منهم بالعذاب، أو يهلك بعضهم بالغرق، فهذا قد وقع، ولا يزال مستمراً.




وعن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنَّ أمَّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإنِّي سألت ربِّي لأمَّتي أن لا يهلكها بسنةٍ عامَّةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنَّ ربِّي قال: يا محمد! إنِّي إذا قضيت قضاءً فإنَّه لا يردُّ، وإنِّي أعطيتك لأمَّتك أن لا أهلكهم بسنةٍ عامَّةٍ، وأن لا أسلِّط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها- أو قال: من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» [مسلم: 2889].




وعن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] قال النبي صلى الله عليه وسلم «أعوذ بوجهك». فقال: {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجلَّكُمْ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» قال: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أيسر» [البخاري: 7406. وانظر الحديث رقم 4628].




وقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65]، أي: كيف نبيِّن لهم آيات القرآن، {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي: يعلمون.






خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في هذه الآيات




عرَّفنا ربُّ العزَّة سبحانه وتعالى بنفسه في آيات هذا الموضع بما يأتي:
1- الله- تعالى- عنده مفاتح الغيب، وهي مفاتيحه وخزائنه، وقد بيَّن ربُّنا في سورة لقمان أنَّ مفاتح الغيب خمسٌ.




2- الله- تعالى- يعلم ما في البحر، وما في البحر من الأسماك والحيتان كثير، وكذلك ما في البرِّ من بني الإنسان والحيوان والطيور والنبات والأشجار لا يحصيه إلا الله، وعلم الله محيط به، لا يغيب عنه منه شيءٌ.




3- علم الله محيطٌ بالكبير والصغير، فكما علمه محيط بالأرض والسموات، فهو محيطٌ بأوراق الأشجار، ومحيطٌ بالحبِّ والنوى، فما تسقط من ورقةٍ من شجرة إلا يعلمها، ولا تسقط حبَّةٌ في ظلمات الأرض، ولا تنبت حبَّة، أو تذوي نبتةٌ إلا يعلمها، بل كتبها عنده في اللوح المحفوظ.






4- الله- تبارك وتعالى- الذي يتوفى أرواحنا بالليل، ويعلم ما اكتسبناه بجوارحنا بالنهار، وبعد انقضاء الليل يبعثنا في النهار، فنقوم فيه لأعمالنا , وتمضي أيام عمرنا، حتى ينقضي الأجل الذي حدَّده الله لنا في هذه الحياة، فيقبض أرواحنا ونعود إليه سبحانه.




5- الله- تبارك وتعالى- القاهر فوق عباده، فهو قهرهم بقدرته، وقهرهم عزَّةً وحكمًا، وهو سبحانه فوق عباده، مستو على عرشه، بائنٌ من خلقه، وعرشه سقف مخلوقاته.






6- الله- تعالى- يرسل علينا حفظةً من الملائكة يحفظوننا من أمر الله، ويرسل علينا حفظةً آخرين يدونون علينا أعمالنا وأقوالنا.






7- إذا جاء الموعد الذي حدَّده ربُّ العزَّة سبحانه لحياتنا، أرسل الله ملائكته المختصون بالموت، فقبضت أرواحنا.




8- الله- سبحانه وتعالى- هو الذي ينجينا من شدائد البرِّ والبحر.




9- الله- تبارك وتعالى- قادرٌ على أن يبعث علينا عذابًا من فوقنا، أو من تحت أرجلنا، أو يلبسنا شيعًا، ويذيق بعضنا بأس بعض.




***
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 23 )  
قديم 2014-12-23
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضوع القرآني 23

إن الله فالق الحب والنوى






أولًا: تقديم



هذه الآيات الكريمات من سورة الأنعام ثاني مقطعٍ يواجهنا في الآيات التي يعرفنا الله – تبارك وتعالى – عن نفسه، ويسوق لنا ربنا – تبارك وتعالى – مشاهد كثيرة تعرفنا به، وتدلُّنا عليه، فهو خالق السموات والأرض، وهو الذي له الملك يوم القيامة وهو فالق الحبِّ والنوى، وهو الذي يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، وهو فالق الإصباح، وهو الذي جعل لنا الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، وهو الذي جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر إلى غير ذلك مما حدثنا الله به في هذا المقطع الطويل من الآيات.






ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنعام



{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ *فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ *فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ *وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ *وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ *وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ *وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ*وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ *إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ *فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ *وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[الأنعام: 73 - 99 ].




ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات



الحقُّ: ضد الباطل, وخلق السموات والأرض بالحقِّ, خلقهما لمقصد صحيح, فقد خلقهما ربُّ العزَّة ليعبد.


الصور: بوق عظيم, ينفخ فيه إسرافيل عليه السَّلام, فتقوم الساعة, ثمَّ ينفخ فيه أخرى, فيقوم الناس لربِّ العالمين.


فالق الحبِّ والنوى, أي: شاقُّهما بالإنبات.
مخرج الحيَّ من الميت ومخرج الميت من الحيِّ: يخرج النبتة الحيَّة من الحبَّة الميتة, ويخرج الحبَّة الميتة من النبتة الحيَّة.
أنَّى تؤفكون, أي: كيف تصرفون عن الحقِّ.
فالق الإصباح: فالق ظلام الليل عن غُرة الصبح.
جعل الليل سكناً, أي: جعله ليسكن فيه للراحة.
والشمس والقمر حسباناً, أي: يجريان بحسابٍ مقدَّرٍ مُقنَّن.
فمستقرٌّ ومستودع: المستقرٌّ: الأرحام, والمستودع: أصلاب الرجال.
خضرًا : الخضرة التي تكون بالنبات.
متراكبًا, أي: بعضه فوق بعض.
طلعها: الطلع أول ما يرى من عِذق النخلة.
قنوانٌ دانيةٌ: قطوف قريبة.




رابعًا: شرح آيات هذا الموضع

هذه الآيات الكريمات تعرفنا بربِّنا- تبارك وتعالى- على النحو التالي:


1- الله تعالى هو خالق السموات والأرض:


الله وحده الذي خلق السموات والأرض, لا يشركه في ذلك أحد, وهما من أعظم المخلوقات, وفيهما ما لا يحصى من الآيات, وكان أهل الجاهلية يقرِّون بتفرد الله بخلق السموات والأرض وحده, ولا يجادلون في ذلك, {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض}.


2- يوم يقول كن فيكون:


في يوم القامة يقول ربُّ العزَّة: {كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقّ} أي: يقول ليوم البعث والنشور: {كُنْ فَيَكُونُ} أي: يكون كما يريده الله و{قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْك} أي: قوله تبارك وتعالى الحق الذي لا باطل فيه, وله الملك الذي لا نقص فيه, وفي ذلك اليوم {يُنْفَخُ فِي الصُّور} البوق العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السَّلام, فتقوم الساعة, ثم ينفخ فيه مرَّة أخرى, فإذا هم قيام ينظرون.




3- عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير:


عرَّفنا ربنا في خاتمة هذه الآية الكريمة بثلاث من صفاته الكريمة, فقال:{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير} فهو سبحانه وتعالى عالم الغيب, وهو ما غاب عنَّا من أمره تعالى وأمر هذا الكون, وأمر ما فيه من مخلوقات, وعالم ما نشاهده من هذه الحياة, وهو الحكيم سبحانه في تشريعه, والحكيم في أفعاله, وهو سبحانه الخبير بكلِّ شيءٍ, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.




4- الله- سبحانه- فالق الحبِّ والنوى:


أخبرنا الله- تعالى- عن نفسه أنَّه{فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون} ]الأنعام: 95[ أعلمنا- عزَّ وجلَّ- أنَّه يفلق حبَّ القمح والشعير والذرة ونحوها, ويفلق نوى التَّمر والخوخ والدراق ونحوها عندما تندثر في التراب, وينزل عليها الماء, فيخرج من الحبوب النبات, ومن النَّوى الأشجار, وقد فسَّر الله تعالى فلقه للحبِّ والنَّوى بقوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} فمن الحبِّ والنوى الميت تخرج النَّبتة الحيَّة والشجرة الحيَّة, ومن النَّبتة الحيَّة, والشجرة الحية تخرج الحبوب والثمار الصلدة القاسية, {ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} هذا هو ربُّنا- تبارك وتعالى- الذي يستحقُّ أن يعبد دون غيره, فكيف تصرفون عن الحقِّ بعد هذا البيان.


وفي هذا الذي أخبرنا به سبحانه- عن نفسه في هذه الآية حجَّة على المكذبين بالبعث والنشور, فالقادر على أن يفعل هذا بالنبات, قادرٌ على إحياء الناس بعد موتهم.




5- الله سبحانه فالقُ الإصباح:


عرَّفنا ربُّنا عزَّ وجلَّ على ثلاثة من أفعاله تدلُّنا عليه سبحانه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً} ]الأنعام: 96[.


أخبرنا ربُّنا عزَّ وجلَّ أنه: «يفلق ظلام الليل عن غرَّة الصباح, فيضيء الوجود, ويستنير الأفق, ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه, ويجيء النهار بضيائه وإشراقه» ]ابن كثير: 3/ 61[.


وقد بيَّن سيد قطب رحمه الله تعالى العلاقة بين فلق الله الإصباح وفلقه الحبَّ والنوى, فقال: «وانفلاق الإصباح من الظلام حركة تشبه في شكلها انفلاق الحبّة والنواة, وانبثاق النُّور في تلك الحركة, كانبثاق البرعم في هذه الحركة, وبينهما من مشابه الحركة والحيوية والبهاء والجمال سمات مشتركةٌ, ملحوظةٌ في التعبير عن الحقائق المشتركة في طبيعتهما وحقيقتهما كذلك.


وبين انفلاق الحبِّ والنوى وانفلاق الإصباح وسكون الليل صلةٌ أخرى, إنَّ الإصباح والإمساء, والحركة والسكون في هذا الكون أو في هذه الأرض ذات علاقةٍ مباشرة بالنبات والحياة» ]في ظلال القرآن: 2/1157[.


وقوله تعالى: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} أي جعل الله الليل الذي يغشى الأرض بظلامه ليسكن فيه الناس سكون راحةٍ, كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} ]يونس: 67[.


وقوله تعالى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} أي: يجريان بحساب مقدَّرٍ مقنَّنٍ, لا يتغيَّر, ولا يضطرب, بل كلُّ منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء, فيترتَّب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ]يس: 40[ والحسبان جمع حسابٍ, مثل ركبانٍ وركاب, وشهبان وشهاب, وقوله عزَّ وجلَّ {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ} ]الأنعام: 96[ أي: هذا الذي ذكره سبحانه من فلقه الإصباح, وجعله الليل سكناً, وجعله الشمس والقمر حسباناً هو تقدير الله سبحانه الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف, العليم بكلِّ شيءٍ فلا يخفى عنه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.


6- جعل الله لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر:


أعلمنا الله- تعالى- أنه جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ]الأنعام: 97[ وهذا مما امتنَّ الله به علينا في خلقه النجوم لنا, فسالكو القفار وراكبو البحار يهتدون بها في ظلمة الليل.


وختم سبحانه الآية بقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ]الأنعام: 97[ أي: قد بيَّنا الآيات التي سبق ذكرها, لقوم يعلمون شرع الله, ليتدبروها ويعرفوا الحق ويتجنبوا الباطل.


7- أنشأ الله تعالى البشر كلَّهم من نفس واحدة:


امتنَّ الله علينا نحن البشر بخلقنا من نفسٍ واحدةٍ {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ]الأنعام: 98[ والنفس الواحدة التي يعود البشر كلُّهم إليها هي آدم عليه السَّلام, فمنه خلق الله زوجه حواء, وخلق بقية البشر من ذكرٍ وأنثى, إلا عيسى ابن مريم, فإنَّه خلق من أنثى هي أمُّه مريم من غير أبٍ, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ]النساء: 1[.


وقوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} ]الأنعام: 98[ ذهب كثيرٌ من أئمة التفسير كابن مسعودٍ, وابن عباسٍ, وأبي عبد الرحمن السلميِّ, وقيس بن أبي حازمٍ, ومجاهدٍ, وعطاءٍ, وإبراهيم النخعيِّ, والضَّحاك, وقتادة, والسُّديِّ, وعطاءٍ الخراساني إلى أنَّ المستقرَّ: الأرحام, والمستودع: أصلابٌ الرجال ]ابن كثير: 3/62[.


وقد تقدَّم العلم اليوم واكتشف أنَّ الإنسان يوجد من الخليَّة الملقحة, يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} «إنَّها اللَّمسة المباشرة في هذه المرة..., اللمسة في ذات النفس البشرية, النفس البشرية الواحدة. تبدأ الحياة فيها خطوتها الأولى للتكاثر بالخلية الملقحة, فنفسٌ هي مستودعٌ لهذه الخلية في صلب الرجل, ونفسٌ هي مستقرٌ لها في رحم الأنثى..., ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار, فإذا أجناسٌ وألوان؛ وإذا شياتٌ ولغاتٌ؛ وإذا شعوبٌ وقبائل؛ وإذا النماذج التي لا تحصى, والأنماط التي ما تزال تتنوع ما دامت الحياة.


{قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} فالفقه هنا ضروريٌّ لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة, التي تنبثق منها النماذج والأنماط, ولإدراك الموافقات العجيبة الكامنة وراء اتخاذ التلاقح وسيلة للإكثار, وتوفير الأعداد المناسبة دائماً من الذكور والإناث- في عالم الإنسان- لتتم عملية التزاوج التي قدَّر الله أن تكون هي وسيلة الإخصاب والإكثار, ووسيلة تنشئة الأطفال في ظروفٍ تحفظ (إنسانيتهم) وتجعلهم أكفاء للحياة (الإنسانية)! » ]في ظلال القرآن: 2/1159 بشيء من الاختصار[.




8- إنزال الله- تعالى- الماء من السماء وإنبات النبات به:


حدَّثنا ربُّنا- تبارك وتعالى- عن إنزاله الماء من السماء وما يفعله هذا الماء عندما ترتوي به الأرض, فلو أنَّك مررت بأرضٍ يابسةٍ جرداء, جادها الغيث فروَّاها, ثم مررت به مرةً أخرى بعد فترةٍ ليست بالطويلة, فإنَّك ترى عجباً, ترى تلك الأرض الجرداء أصبحت مُعشوشِبةً خضراء, تراها تنبت, وتزهر, وتخرج حبَّها, وثمرها, ومن يحسن النظر إلى آثار المياه, ويحسن الوصف, يرينا منظراً رائعاً بديعاً, ولا أحد أحسن وصفاً من وصف ربِّ العباد, ومن تأمَّل في وصفه لآثار ما صنع المليك, يرى صورةً مبهجةٍ ذات زينةٍ ورونقٍ, يقول ربُّنا الحكيم العليم: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} ]الأنعام: 99[ وكلُّ ما علاك فهو سماءٌ, ومن ذلك الغمام الذي ينزل منه الماء, فأخرج الله سبحانه به نبات كلِّ شيءٍ, أي أخرج به جميع أنواع النبات, فلو أنك نظرت في القطعة الواحدة من الأرض التي غذاها الغيث, فإنَّك تجد فيها ما لا يحصى من النبات على شتى أنواعه وألوانه, وأخرج سبحانه من ذلك النبات خضراً, عبَّر عن الخضرة التي اتَّصف بها النبات بقوله: {خَضِراً}, وخضراً أرقُّ وألطف من كلمة: أخضر.


وأخبرنا العليم الخبير سبحانه أنَّه أخرج من ذلك النبات الخضر حباً متراكباً, وهذا الحبُّ المتراكب تراه فيما ينبته القمح والشعير والذرة ونحوها من السنابل, ويخرج من النخيل من طلعها قنوان دانيةٌ, والطَّلع أول ما يرى من عذق النخلة, الواحدة طلعةٌ, ويخرج لنا ربُّنا من طلع النخل قنونًا دانيةً, والقنوان العذق الذي يحمل الثَّمر, والعذق في النَّخلة بمثابة القطف من العنب, وهذه القنوان دانيةٌ, أي قريبة المتناول, وعندما نقف ننظر إلى النَّخل وقد تدلَّت قطوفه, وتهدَّلت, نراها كما وصف ربُّنا: {قِنْوَانٌ دَانِيَة}.


هذا الذي سبق ذكره مشهد وصفه مليكنا سبحانه لأرضٍ أنبتت النبات, ومشهد آخر يريناه في قطعةٍ أخرى يتمثَّل في الجنَّات, وهي {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} والجنات البساتين, وهي بساتينٌ من أعنابٍ, وقد يكون الشجر زيتوناً أو رماناً, وما أنبته الله من النبات, وما أخرجه من أشجارٍ قد يكون مشتبهاً, وقد يكون غير متشابه, وقد يتشابه النبات, وقد تتشابه الأشجار, وقد يكون التشابه في الشجر, قد يكون التشابه في الثمر, وقد يكون في الطَّعم, وقد يختلف ذلك كله, فلا تشابه فيه.


إنَّ هذا الوصف الرائع المبهج الممتع يأسرك, ويملك عليك نفسك, ولذا دعانا ربُّنا إلى النظر إليه بأبصارنا, ننظر إلى ثماره من النخيل والأعناب والزيتون والرمان, وننظر إلى ينعه, أي إلى نضجه, وكمال النظر وغايته أن يحصل الاعتبار بما نراه ونشاهده, فإذا هو آياتٌ للمؤمنين, تدلُّهم على ربِّهم, وتهديهم إليه سبحانه.


أعد النظر في هذه الآية التي حدَّثتنا عن إنزال الماء من السماء, وفعل المليك سبحانه بالأرض التي ارتوت بالغيث {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ]الأنعام: 99[.




خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بنفسه في هذه الآيات:


عرَّفنا ربُّنا ربُّ العزَّة- سبحانه وتعالى- في هذه الآيات بنفسه على النحو التالي:
1- الله- تبارك وتعالى- هو خالق السموات خلقاً كائناً بالحقِّ, فقد خلقهما سبحانه وتعالى لغايةٍ عظيمةٍ هي أن يعبد ويطاع سبحانه.
2- الله تعالى له الملك التَّام في يوم القيامة, فلا يملك أحدٌ معه شيئًا.
3- في يوم القيامة يأمر ربُّ العباد بالنفخ في الصور, فتقوم القيامة, ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.
4- الله تعالى عالم الغيب والشهادة, وهو الحكيم في شرعه وفعله, وهو الخبير.
5- الله تعالى هو فالق الحبِّ والنوى, يخرج من الحبَّة الصماء النبتة الخضراء, ويخرج من النبتة الخضراء الحبَّة الصماء.
6- الله سبحانه هو فالق الإصباح, فبعد ظلمة الليل يثور الضياء, ولا يزال يتزايد, ويتوهجُّ حتى يملأ الضياء الكون.
7- جعل الله تعالى الليل لنا سكناً, ننقطع فيه عن الحركة, وتهدأ فيه أفعالنا, وقد جعل الله لنا النهار ننبعث فيه إلى العمل.
8- جعل الله سبحانه وتعالى لنا الشمس والقمر حسباناً, فبالشمس نعرف مقدار الليالي والأيام, وبالقمر نعرف مقدار الشهور والأعوام.
9- وجعل الله تعالى لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر, ونعرف مسارنا فوق ظهر أرضنا في أسفارنا, فكثير من الناس يعرفون طرقاتهم في أسفارهم بالنظر في النجوم الثابتة في ظلمة الليل.
10- الله تعالى هو الذي خلقنا بخلق أبينا آدم من نفسٍ واحدةٍ, فقد خلق منه زوجه حوَّاء. وخلق منهما جميع الرجال والنساء.
11- الله تعالى الذي أنزل الماء من السماء, فأخرج بذلك المطر نبات الأرض, فأخرج من ذلك النبات القمح والشعير والذرة وغيرها, يخرج من نبتها وسنابلها حبّاً متراكباً, نشاهده في القمح والشعير والذرة ونحوها, وأخرج لنا من أشجار النخيل من طلعها قنواناً دانيةً. يخرج لنا منها قطوفاً قريبة المأخذ, وجعل لنا فيما ينبته من الأشجار جناتٍ من أعنابٍ والزيتون والرمان, يشبه بعضه بعضاً أحياناً, وقد يختلف فلا يتشابه.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 24 )  
قديم 2014-12-23
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 24

الله تعالى الذي أنشأ جنات وعروشات

وغير معروشات





أولًا: تقديم


عرَّفنا ربُّنا العليُّ الأعلى سبحانه وتعالى بنفسه, فأخبرنا أنه أنشأ لنا جناتٍ معروشاتٍ وأخرى غير معروشاتٍ, وأنشأ لنا بساتين النخيل والزيتون والرمان, وأنشأ لنا من الأنعام حمولةً تحملنا وأثقالنا, وفرشاً, وهي التي ننتفع بألبانها ولحومها.




ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنعام


{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ]الأنعام: 141-142[.

ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات


الجنات: البساتين التي يحفها الشجر, مأخوذةٌ من جنَّ إذا ستر, لأنَّها تستر بأشجارها من يكون تحتها.
معروشات: بساتين الأعناب القائمة على العروش, وهي الأعمدة.
غير معروشاتٍ, أي: الملقاة على الأرض.
مختلفاً أُكلُه: مختلفاً طعمه, فقد يكون حلواً أو مُراً أو حامضاً.
متشابهاً وغير متشابه: في المنظر أو الطعم, وقد تختلف فيهما.
ولا تسرفوا, أي: لا تبالغوا في الإنفاق حتى يضرَّ بكم.
حمولة وفرشاً: الحمولة الكبار من الإبل التي تحمل الأحمال, وقد يستعمل في الفرس والبغل والحمار, وفرشاً الصغار من الإبل, والبقر والغنم.
خطوات الشيطان: خطوات جمع خطوة, وهي طرقه المضلَّة.




رابعًا: شرح آيات هذا الموضع


عرَّفنا ربُّنا- سبحانه وتعالى- بنفسه تبارك وتعالى ببيان ما يأتي:




1- الله- تعالى- هو الذي أبدع لنا ما في الأرض من جناتٍ:


أعلمنا ربُّنا- العليُّ العظيم- أنه {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ]الأنعام: 141[ أي: هو سبحانه الذي أنشأ لنا جنَّاتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ, والمراد بالمعروشات بساتين الأعناب المرفوعة على الأعمدة والعروش, وغير المعروشات ما لم يرفع, بل هو ملقى على الأرض.


والجنَّات: البساتين التي يحفُّها الشجر, مأخوذةٌ من جنَّ إذا ستر, لأنها تستر بأشجارها من يكون تحتها.


وقد تكون هذه الجنات من أشجار النخيل أو الزيتون أو الرمَّان, وقد يزرع بين الأشجار الحبوب من القمح والشعير والذُّرة, وقد يزرع فيها الرَّياحين وغيرها, وقوله: {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} أي: مختلفاً طعمه, فقد يكون حلواً, وقد يكون حامضاً, وقد يكون بين ذلك.


والزيتون أنواعٌ كثيرةٌ, متشابهةٌ فيما بينها, في منظرها وطعمها, وقد تختلف فيما بينها, ومثل ذلك يقال في الرُّمان, تتشابه في المنظر, وقد تختلف, وقد يكون من الرُّمان الحلو والحامض.


وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين} ]الأنعام: 141[.


هذا الأمر الذي أمرنا به في الآية, وهو الأمر بالأكل من ثمار الأشجار من العنب والنَّخل والزيتون والرُّمان أمر إباحةٍ, وهو يأتي في مقابل ما حرَّمه أهل الجاهلية من الحرث, وأمرنا مع الأكل أن نؤتي حقَّه يوم حصاده, والحقُّ الذي أُمر المؤمنون بإيتائه حقٌّ غير مقدَّرٍ يخرجه صاحبه من ثمار الأعناب والنخيل والزيتون والرمان, وليس المراد به الزكاة, فهذه الآية مكَّيةٌ, ولم تكن الزكاة قد فرضت بعد, ولو كانت الآية في شأن الزكاة لما أمر فيها بإخراج نصيبٍ من بساتين الرُّمان, فإنَّ الرمَّان لا زكاة فيه, وكذا لا يصحُّ الاحتجاج بالآية على وجوب إخراج الزكاة من الزيتون, ومما يدل على أنَّ الآية ليست في الزكاة أن الزكاة لا تؤدَّى في يوم الحصاد.


وقوله: {وَلَا تُسْرِفُو} نهيٌ عن إخراج ربِّ المال ما يضرُّ به, وبمن يتولَّى الإنفاق عليه من الذُّريَّة والزوجة وغيرهم, وعلَّل النهي عن الإسراف بأنه {لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.


2- امتنانُ الله علينا بما خلقه لنا من الأنعام:


أعلمنا ربُّنا- تبارك وتعالى- في الآية السابقة أنَّه أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ, ثم عطف عليها الآية التالية وهي قوله سبحانه: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ]الأنعام: 142[. أي: وهو الذي أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ, وأنشأ حمولةً وفرشاً من الأنعام, فالله- سبحانه- هو الذي رزقنا أنواع الحبوب والأشجار وأنواع الأنعام, والحمولة: الإبل الكبار التي يرُكب عليها, ويُحمل عليها, والفرش الصغار من الإبل, والبقر والضأن والمعز مما لا يُحمل عليه, سمَّى صغار الإبل والغنم والبقر فرشاً لقربها من الأرض, فهي كالفرش, وقيل: الفرش ما يفرش على الأرض حين الذبح, وقال ربُّ العزَّة في الحمولة من الإبل التي يحمل عليها الأثقال: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} ]النحل: 7[ وقال {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} ]يس: 72[.


وقوله تعالي{كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أي كلوا مما رزقكم الله من الجنات, ومن الأنعام سواءً كانت حمولةً أو فرشاً, ولا تحرِّموا على أنفسكم شيئًا, ولا تجعلوا منه للأصنام شيئًا.


وقوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} نهانا عن اتباع خطوات الشيطان, فإننا إذا اتَّبعنا خطواته أضلَّنا وأدخلنا النَّار, فهو عدوُّنا الذي كاد أبانا آدم وأمَّنا حوَّاء, والخطوات: جمع خطوةٍ, وهي طرقه المضلِّة, ومنها تلك التشريعات التي يحلُّ بها ما حرَّم الله, ويحرِّم ما أحلَّ, كما بيَّن الله تعالى ذلك في آيات النصِّ السابق.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا العلي الأعلى سبحانه بنفسه




عرَّفنا ربُّنا وهو أكرم الأكرمين بنفسه في هذه الآيات الكريمات ببيان ما يأتي:
1- الله- تبارك وتعالى- هو الذي أنشأ في أرضه الواسعة لعباده جناتٍ من الأعناب, بعضها معروشة, وأخرى منها غير معروشة.
2- وأنشأ لهم جناتٍ من النخيل, والنخيل أنواع وأشكال, وقد يزرع في بساتين النخيل الزروع فيما بين الأشجار.
3- والله- تعالى- هو الذي أنشأ لنا الجنات من الزيتون والرمان, وبعض هذه قد تتشابه أشجارها, وبعضها تتشابه ثمارها في منظرها أو في طعمها, وقد لا تتشابه في شيءٍ من ذلك.
4- الله- تبارك وتعالى- هو الذي أنشأ لنا من الأنعام حمولةً وفرشاً, فالحمولة كبار الإبل التي تحملنا وتحمل أثقالنا, والفرش صغار الإبل والبقر والغنم التي جعلها الله لننتفع بلبنها ولحومها وأصوافها وجلودها.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 25 )  
قديم 2014-12-23
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 25

تمكين الله تعالى لنا في الأرض




امتنَّ الله- تبارك وتعالى- على الناس في هاتين الآيتين بأن مكَّن لهم في الأرض, فعليها نبني مساكننا, ونتَّخذ من سهولها جنات وبساتين, ونستفيد من نباتها وحيواناتها وأسماكها وطيورها, ونتَّخذ من ذلك كله معايش, أي: ما يمكننا من المعيشة... في الحياة الدنيا, {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} ]الأعراف: 10[.


وتمكين الله تعالى لنا في الأرض بأن جعل الأرض صالحةً لحياتنا, وأوجد فيها ما يقيم حياتنا, وأقدرنا على السَّعي فيها, والاستفادة من خيراتها, وقوله تعالى: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} أي: قليلاً ما تشكرونه على ما أنعم به عليكم.


وامتنَّ الله علينا بأنَّه خلقنا بخلق أبينا آدم عليه السَّلام من تراب, ثمَّ صوره بعد ذلك, وبعد أن خلق آدم وصوَّره نفخ فيه من روحه, وأسجد له ملائكته, {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} ]الأعراف: 11[ وخلق الله تعالى سبحانه كلَّ واحد منَّا في رحم أمه, ثمَّ صوَّره فيه, ولذا فإنَّ من أسمائه سبحانه المصور.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 26 )  
قديم 2014-12-24
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 26

الله تعالى الذي خلق السموات

والأرض في ستة أيام




أولًا: تقديم


عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في هذه الآيات بنفسه, عرَّفنا أنَّه خلق السموات والأرض في ستة أيام, وعرَّفنا باستوائه على عرشه وأنه بائنٌ من خلقه, وأنَّه يغشى الليل النهار, وأنَّه سخَّر الشمس والقمر والنجوم, وأنَّه يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته, وأنَّه يسوق السحاب إلى البلد الميت فيحييه.




ثانيًا: آيات هذه الموضع من سورة الأعراف


{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ]الأعراف: 54-57[.




ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات


استوى على العرش: معنى استوى علا وارتفع واستقرَّ, أما كيفية الاستواء فلا يعلمه إلا الله تعالى, والعرش سرير ملك الله تعالى, وهو أعظم مخلوقاته سبحانه.
يغشى الليل النهار, أي: يغطيه, ويستره.
يطلبه حثيثاً, أي: يطلب الليل النهار في غاية السُّرعة.
أقلَّت: حملت.
الثقال: ثقلها بسبب ما تحمله من المياه.
الميِّت: القاحل الممحل.




رابعًا: شرح آيات هذا الموضع


عرَّفنا الله ربُّنا في هذه الآيات بنفسه تبارك وتعالى, حتى لو أنَّك سألت فقلت: من ربنا ؟ لكانت الآيات جواباً عن السؤال, وإنَّ صيغة الآيات لتدلُّ على أن مراد الله تعالى بالآيات هو تعريف عباده بنفسه, اقرأ طليعة الآيات في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ]الأعراف: 54[ وأقرأ خاتمة هذه الآية {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وتدبَّر ما قرأته ستجد صدق ما ذكرتُه.
وقد عرَّفنا ربُّنا بنفسه تبارك وتعالى من خمسة أوجه, هي:




1- خلقه سبحانه السموات والأرض في ستة أيام:


أخبرنا ربُّنا- سبحانه- أنه وحده الذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما في ستة أيام, وهذه الأيام تبدأ من يوم الأحد, وتنتهي في يوم الجمعة, وهذه الأيام من أيام الله تعالى, ولا ندري طولها, وقد أعلمنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّ يوماً عنده كألف سنةٍ من سنواتنا, وأعلمنا ربُّنا أنَّ مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنةٍ من سنوات الدنيا {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ]الأعراف: 54[.


2- استواء ربِّنا جلَّ جلَّاله على العرش:


{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ]الأعراف: 54[ العرش في لغة العرب سرير الملك, قال تعالى في كرسي ملكة سبأ {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} ]النمل: 23[ وقال نبي الله سليمان: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} ]النمل: 38[ وقال الله تعالى في عرش نبيِّ الله يوسف {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} ]يوسف: 100[ والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى, وهو لله تعالى سرير ملكه وقد وصفه الله تعالى بأنَّه عظيم {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ]التوبة: 129[ ووصفه بأنَّه مجيدٌ في قوله {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} ]البروج: 15[.


وكان عرش الله في الأزل علي الماء {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ]هود: 7[. ويحمل عرش ربِّنا في يوم القيامة ثمانيةٌ من الملائكة {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} ]الحاقة: 17[. وهؤلاء الملائكة الذين يحملون العرش في يوم القيامة يسبِّحون بحمد ربِّهم {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ]غافر: 7[. وفي يوم القيامة ترى الملائكة حافِّين من حول العرش يسبحون بحمد الله {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ]الزمر: 75[ وقد ضلَّ قومٌ كثيرون في تعريف عرش الرحمن, والنصوص التي سقناها تدلُّ على أنَّ عرش الرحمن سريرٌ عظيمٌ كريمٌ مجيدٌ, استوى عليه الرحمن ومعنى استوى في اللغة العرب: ارتفع, واستقرَّ وعلا.




3- يغشي الله تعالى الليل النهار يطلبه حثيثاً:


عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} ]الأعراف: 54[ أي: يجعل الليل غشاءً وساتراً للنهار ومغطياً له, وفي الآية محذوفٌ دلَّ عليه المقام, أي: يغشي النهار الليل أيضًا, فيأتي ضوء النهار ويغشى ظلام الليل, فيذهبه, ويحلُّ محلَّه, كما قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ} ]يس: 37-38[.


وقوله تعالى: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} أي: يطلبه طلباً حثيثاً مسرعاً غاية الإسراع فلا يمهله لحظةً ]العذب النمير: 3/381[.


4- جعل الله الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره:


وقوله تعالى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} أي: أنَّ الله خلق السموات والأرض, وخلق الشمس والقمر والنجوم, وجعلهن مسخراتٍ بأمره, أي: في طلوعهنَّ وغروبهنَّ وحركاتهنَّ, كلُّ ذلك مقدَّرٌ وفق ما يريده الله ويحدِّده.


والله تعالى {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} فالخلق له كلُّه وحده, والأمر له كلُّه وحده. وقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أي: تبارك وتقدَّس, وأصل تبارك تفاعل إذا كثرت بركاته وخيراته.


وبعد أن عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه أمرنا أن ندعوه تضرعاً وخفية, وأمرنا أن ندعوه خوفاً وطمعاً, فالدعاء هو العبادة كما صحَّ في الحديث, والله هو الذي يستحقُّ أن يعبد.


وقد أمرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أن ندعوه تضرُّعاً وخفيةً في قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ]الأعراف: 55[ ومعنى {تَضَرُّعًا} أي: متذللين بخشوعٍ واستكانةٍ, ومعنى {وَخُفْيَةً } أي: سراً وهمساً, ندعوه راجين رحمته خائفين عذابه. والدعاء الذي أمرنا الله به هو العبادة, وقد كان دعاء الصالحين خفيةً, فزكريا عليه السَّلام {نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} ]مريم: 3[.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فالله لا يحبُّ المعتدين, لا في الدعاء ولا في غيره, ومن الاعتداء في الدعاء رفع الصوت بالدعاء, أو الدعاء بأن يؤتى الداعي مقام الملائكة ومقام الرُّسل والأنبياء, ومن ذلك ما رواه أبو داود أنَّ عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها» فقال: أي بنيَّ, سل الله الجنَّة, وتعوذ به من النَّار, فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطهور والدُّعاء» ]صحيح سنن أبي داود: 87[.


وأمرنا ربُّنا أن ندعوه سبحانه خوفاً وطمعاً {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ]الأعراف: 56[.


أمرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أن ندعوه جامعين بين الخوف منه والطَّمع في ثوابه.


وجمع الله- تعالى- بين الخوف والطَّمع, ليكون العبد خائفاً راجياً, كما قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} ]الإسراء: 57[ فإنَّ موجب الخوف معرفة سطوة لله وشدَّة عقابه, وموجب الرجاء معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه, قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} ]الحجر: 49-50[. ومن عرف فضل الله رجاه, ومن عرف عذابه خافه.


ويستحب أن يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف, ليقوده إلى فعل الطاعات وترك السيئات, وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت, لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يموتنَّ أحدكم إلاَّ وهو يحسن الظَّن بربِّه» ]التسهيل, لابن جزي: 2/35[.


5- إرسال الله- تعالى الرياح بشرًا بين يدي رحمته:


ذكر الله تعالى في الآية التالية وجهًا خامساً عرَّفنا فيه بنفسه, فقال: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ]الأعراف: 57[.


أعلمنا سبحانه أنَّه هو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته, فترى بعض الناس يكونون في جوٍّ صافٍ, فتهبُّ عليهم الرياح نديَّةً رطبةً, فيقولون لك: هذه الرياح تبشِّر برحمة الله, أي: بالمطر, فلا يمضي طويل وقتٍ, حتى ترى السحاب الثقال آتٍ من بعيدٍ, تسوقه الرياح, فتهطل الأمطار, فيحيي الله بذلك المطر بلادًا ميتة, يحييها بالنبات, ومثل هذا الإحياء للأرض الميتة بالمطر, يحيي يوم القيامة العباد, فإذا شاء الله إحياء الخلق في يوم القيامة أنزل عليهم مطرًا كمنيِّ الرجال, فينبت الناس من الأرض,حتى إذا تمَّ خلقهم نفخ في الصور, فعادت أرواح الناس إلى أجسادهم, فقاموا لربِّ العالمين.

خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات

عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بنفسه في هذه الآيات بإيراد الأمور التالية:
1- خلق الله ربُّنا تبارك وتعالى السموات والأرض في ستة أيام, ولولا أنَّ الله تعالى أعلمنا بهذا العلم ما علمناه, ونحن لا ندري بمدَّة كلِّ يوم من هذه الأيام, فلم يصحَّ فيه آيةٌ ولا حديثٌ, فربنا أعلم به.


2- استوى ربُّنا- تبارك وتعالى- على عرشه استواءً يليق بجلاله سبحانه وتعالى, وعرشه سبحانه سرير ملكه, وهو أعظم مخلوقاته, والاستواء معلومٌ والكيف مجهولٌ, والإيمان به واجبٌ, والسؤال عن الكيف بدعةٌ.


3- الله تعالى يغشي الليل النهار, فبعد ضياء النهار يأتي الليل الذي يكسو الأرض بظلامه.


4- سخَّر ربُّ العزَّة لعباده الشمس والقمر والنجوم بأمره, ولو لم يخلق الله تبارك وتعالى لنا هذه المخوقات لما صلحت حياتنا فوق ظهر هذه الأرض.


5- الله- تبارك وتعالى- له الخلق والأمر, فالله تعالى هو الذي أنشأ هذا الوجود من العدم, وكما له الخلق له الأمر بنوعيه الديني الذي يحوي الشرائع, والقدري الذي يكون به الخلق.


6- الله- تبارك وتعالى- الذي يرسل الرياح الرَّطبة الندية بين يدي السحاب الثقال الممتلئ بالمطر, ويسوق الله تلك الرياح تبشِّر بقرب رحمة الله بنزول المطر, ويرسل الله تعالى السحب المحمَّلة بالمطر إلى بلد أمحلت أرضه, وجفت مياهه, ومات نباته, وذوت أشجاره, فأحياه الله, فنما زرعه, واخضرَّ شجره, وخرجت ثماره, وكما أحيا الله الأرض بالماء الهاطل من السماء, يحيي العباد في يوم المعاد.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 27 )  
قديم 2014-12-24
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 27

ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها




أولًا: تقديم


عرَّفنا ربُّنا العليُّ الأعلى في هذه الآيات أنَّ له الأسماء الحسنى, وعرفنا بأنَّه استأثر بعلم الساعة, وعرفنا بأنه خلقنا من نفسٍ واحدةٍ, وخلق منها زوجها, وبثَّ من آدم وحواء جميع من خلق من بني آدم.




ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الاعراف

تتكون آيات هذا الموضع التي عرَّفنا الله تبارك وتعالى فيها بنفسه من ثلاث آيات, وهذه الآيات الثلاث وردت متفرقةً في سورةٍ واحدةٍ هي سورة الأعراف.


الآية الأولى قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ]الأعراف: 180[.


الآية الثانية قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ]الأعراف: 187[.


الآية الثالثة قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ]الأعراف: 189[.




ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات


الحسنى: تأنيث الأحسن, وأسماء الله تعالى كلُّها حسنى, وهي أفضل من كلِّ شيءٍ في الحسن والجمال.
ذروا: اتركوا ودعوا.
يلحدون: الذين يميلون عن القصد ويجورون عنه.
ملكوت: ملك.
الساعة: يوم القيامة.
مرساها: وقت وقوعها.
لا يجلِّيها, أي: لا يوجدها, ولا يظهرها لوقتها إلا الله.
ثقلت: عظمت.
بغتةً, أي: فجأة.
كأنك حفيٌّ عنها, أي: كأنك عالم بها, أو كأنك استقصيت أخبارها.
من نفس واحدة: نفس آدم عليه السَّلام.




رابعًا: شرح آيات هذا الموضع

عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- بنفسه في هذه الآيات الثلاث ببيان ما يأتي:




1- الله- تعالى- له الأسماء الحسنى:


عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّ له الأسماء الحسنى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} ]الأعراف: 180[. والحسنى: تأنيث الأحسن, وهي صيغة تفضيلٍ, وأسماء الله تعالى أحسن شيءٍ, وهي أفضل من كلِّ شيءٍ في الحسن والجمال, وأسماء الله تدلُّ على صفات كماله وجلاله تبارك وتعالى.


وأسماء الله التي أنزلها ربُّنا في كتابه وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم تسعةٌ وتسعون اسماً, فعن أبي هريرة رضي الله عنه, أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً, مائةً إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنَّة» ]البخاري: 2736. مسلم: 2677[.


وفي رواية: «لله تسعةٌ وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنَّة, وإن الله وترٌ يحبُّ الوتر» ]البخاري: 6410. مسلم: 2677, واللفظ لمسلم[.


وأسماء الله- تعالى- التي علَّمها بعض خلقه, أو استأثر بها في علم الغيب عنده أكثر من ذلك, فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصاب أحداً قطُّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهمَّ, إنِّي عبدك, ابن عبدك, ابن أمتك, ناصيتي بيدك, ماضٍ فيَّ حكمك, عدلٌ فيَّ قضاؤك, أسألك بكلِّ اسمٍ سمَّيت به نفسك, أو أنزلته في كتابك, أو علَّمته أحداً من خلقك, أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي, ونور صدري, وجلاء حزني, وذهاب همِّي- إلا أذهب الله همَّه وحزنه, وأبدله مكانه فرحاً, فقيل: يا رسول الله, أفلا نتعلَّمها؟ فقال: «بلي, ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها» ]قال محقق تفسير ابن كثير: جيد. أخرجه أحمد (2/391 و452) وأبو يعلى (5297) والحاكم (1/509) وابن حبان (972) من طرق عن فضيل بن مرزوق به, وإسناده صحيح[.


وقوله تعالى: {فادْعُوهُ بِهَا} ]الأعراف: 180[ أي: فادعوه بهذه الأسماء, فيدعو المرء بالأسماء التي تناسب حاله, فيقول: يا الله, يا رحمن, يا رحيم, يا أحد, يا فرد, يا صمد, يا قويُّ, ولا يدعو الله بغير أسمائه, فلا يقول: يا سخيُّ, يا شيء, يا فاهم, يا جلد.


وقوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ]الأعراف: 180[, وقوله {وَذَرُوا} معناه: اتركوا, وصيغة الأمر هنا للتهديد, وأصل اللَّحد: الميل عن القصد والجور عنه.


والذين يلحدون في أسماء تعالى الذين يميلون فيها عن الحقِّ, فمن أسماء الله تعالى: الواحد, {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} ]الصافات: 4[. وقد ألحد المشركون في هذا الاسم: فقالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ]ص:5[.



ومن إلحادهم اشتقاقهم اسم اللات لصنم من أصنامهم من اسم: الله, واشتقاقهم العُزَّى من اسم العزيز, واشتقاقهم مناة من المنان.


وقوله: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: سيجزيهم ربُّ العزة تبارك وتعالى يوم القيامة جزاء ما كانوا يعملونه في الدنيا, ويدخل في ذلك إلحادهم في أسمائه.

2- لا يعلم وقت وقوع الساعة إلا الله تعالى:


سأل كفار قريشٍ رسولنا صلى الله عليه وسلم عن الوقت الذي تقع فيه الساعة, فأمر الله تعالى رسوله أن يخبر النَّاس أنَّه لا يعلم وقت وقوعها إلا الله سبحانه:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ]الأعراف: 187[.


والساعة التي سأل كفار قريشٍ الرسول عن وقت وقوعها هي يوم القيامة, والساعة في الأصل تطلق على كلِّ وقتٍ من الزَّمن, وغلب إطلاقها على يوم القيامة, وكان كفار قريشٍ يسألون عنها إنكاراً لها, كما قال تعالى: {يَسْتَعْجلَّ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} ]الشورى: 18[, وقال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ]الملك: 25[ وقوله: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي: متى يكون وقوعها.


وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للسائلين {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} ]الأعراف: 187[. أي: قل لهم: إنَّما علمها عند الله, و {إِنَّمَا} أداة حصرٍ, أي: علمها عند الله, فلا يعلمها لا ملكٌ مقربٌ, ولا نبيٌّ مرسلٌ, وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل عندما جاءه وهو في جمع من الصحابة, فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان, ثم سأله عن الساعة, قال في الجواب: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» فالمسئول وهو أفضل الأنبياء والرسل لا يعلم متى تقع والسائل وهو جبريل وهو أفضل الملائكة لا يعلم أيضًا متى تكون, وقوله: {لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} أي: لا يوجدها ويظهرها في وقتها أحدٌ غيره وقوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ]الأعراف: 187[. أي: عظمت على أهل السموات والأرض, لأنَّ ما فيها من الأهوال لا تطيقه السموات والأرض, ولا أحد ممن فيهما, فمن ذلك انشقاق السماء , وانتشار النجوم, وتكوير الشمس, وتسيير الجبال.


وقوله تعالي: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} ]الأعراف: 187[ أي: لا تقوم الساعة على الناس إلا فجأةً, وقد أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أنَّ الساعة تقوم والناس في أعمالهم وأشغالهم, فتأخذهم من غير إمهال, فعن أبي هريرة رضي الله عنه, أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتَّى تطلع الشمس من مغربها, فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون, فذلك حين {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}]الأنعام: 158[ ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرَّجلان ثوبهما بينهما, فلا يتبايعانه ولا يطويانه, ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرَّجل بلبن لقحته فلا يطعمه, ولتقومنَّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه, ولتقومنَّ الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» ]البخاري: 6506. مسلم: 2954. واللفظ للبخاري[.


وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ]الأعراف: 187[ أي: يسألونك عن الساعة, كأنَّك استحفيت عنها, أي: علمت وقتها, أو كأنَّك عالم بها, قد عرفت بها, واستقصيت أخبارها.


وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ]الأعراف: 187[, أمر الله تعالى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للنَّاس السائلين عن وقت الساعة مؤكِّداً ما سبق أن أخبرهم به أنَّ علم وقت الساعة استأثر الله بعلمه, كما قال ربُّ العزَّة: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} ]الأحزاب: 63[.


ولذا فإنَّ الذين حدَّدوا وقتاً لوقوعها من أهل العلم خالفوا الآيات والأحاديث الصحيحة المبيِّنة أنَّ وقت الساعة أمره إلى الله عزَّ وجلَّ, لا يعلمه غيره.


3- خلق الله تعالى الناس جميعاً من آدم, وخلق من آدم زوجه حواء:


أعلمنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّه خلقنا من نفس واحدة, وجعل من هذه النفس الواحدة زوجها, ليسكن إليها {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ]الأعراف: 189[. والنفس الواحدة التي خلق الناس جميعا منها آدم عليه السَّلام, والزوج الذي جعله الله من آدم حواء, ومعنى: {وَجَعَلَ} خلق. وقوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أي: ليسكن الرجل إلى زوجته, ويطمئنَّ إليها, كما قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} ]الروم: 21[.


وقد جعل الله- تعالى- من هذين الزوجين: آدم وحواء الرجال والنساء جميعاً{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ]النساء: 1[.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات:

عرَّفنا ربُّنا في هذا الموضع من الآيات بنفسه ببيان ما يأتي:
1- الله تعالى له الأسماء الحسنى التي لا أحسن منها, وأمرنا ربُّنا أن ندعوه بهذه الأسماء.
2- الله تعالى استأثر بعلم وقوع الساعة, فلا يعلم بوقت وقوعها ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسل.
3- الله تعالى الذي خلق الناس جميعاً من نفسٍ واحدةٍ, وخلق من هذه النفس الواحدة زوجها حواء ليسكن إليها.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 28 )  
قديم 2014-12-24
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 28

الله الذي يحيي ويميت




عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} ]التوبة: 116[.


عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- في هذه الآية الكريمة أنَّ له ملك السموات والأرض, ومالك السموات والأرض هو خالقهما الذي لم يشركه أحدٌ في خلقهما, وكان أهل الجاهلية يقرون بهذه الحقيقة, فلا يجعلون لله شريكاً في خلقه السموات والأرض, قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} ]المؤمنون: 84-89[.


وعرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنه يحيي ويميت سبحانه, فهو مما اختُصَّ به, لا يشركه في ذلك أحد, كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ]المالك: 2[.


وعرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنه ليس لنا من دونه من وليٍّ ولا نصير, فهو الذي يتولى أمرنا سبحانه, فهو يحفظ أجسادنا وأنفسنا, ويردُّ العاديات عنَّا, وهو الذي يمدُّنا بالطعام والشراب, ويشفينا إذا مرضنا, وهو-سبحانه- الذي ينصرنا إن نحن جاهدنا في سبيله, مبتغين وجهه في جهادنا.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 29 )  
قديم 2014-12-24
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 29

الله الذي خلق السموات والأرض




أولًا: التقديم

عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في آيات هذا النص بنفسه سبحانه وتعالى, فهو خالق السموات والأرض في ستة أيام, وهو الذي استوى على العرش سبحانه, وهو الذي يدبِّر كونه, ولا يشفع أحد عنده إلاَّ من بعد إذنه, وقد أخبرنا ربُّنا- سبحانه- بما أخبرنا به, وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له.


وعرَّفنا ربُّنا- سبحانه- أنَّ مرجع جميع العباد يوم الدين إليه, فهو- سبحانه- وحده الذي يبدأ الخلق في الدنيا, ثم يعيده في الآخرة, ليحاسب العباد عما قدَّموه, وأعلمنا سبحانه أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً, وقدَّر القمر منازل لنعلم عدد السنين والحساب, وهو الذي قدَّر اختلاف الليل والنهار, وما خلق في السموات والأرض من مخلوقات لآياتٍ لقومٍ يتقون.


ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة يونس

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} ]يونس: 3-6[.




ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع


استوى على العرش: أي: ارتفع وعلا واستقرَّ, وعرش الرحمن سرير ملكه سبحانه, وهو أجلُّ مخلوقاته.


ما من شفيعٍ إلا من بعد إذنه, أي: لا يشفع عنده أحد إلا بعد أن يأذن الله له.
بالقسط: بالعدل.
جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً: جعل الله الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً, لأنَّ الشمس مشتعلةٌ, وجعل الشعاع الصادر عن القمر نوراً, فالقمر ليس مشتعلاً, ونوره انعكاسٌ لضوء الشمس عليه.
اختلاف الليل والنهار: تعاقبهم, إذ هب أحدهما جاء الآخر

رابعًا: شرح آيات هذا الموضع

حدَّثنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- عن نفسه في هذه الآيات, وعرفنا على فعله في خلقه, وبيَّن لنا بما يأتي:




1- الله- تبارك وتعالى- خلق السموات والأرض في ستة أيام:


عرَّفنا ربُّ العزَّة بنفسه تبارك وتعالى فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} ]يونس: 3[.


وعرَّفنا الله تعالى في هذه الآية والآيات التالية لها بنفسه سبحانه, حتَّى لو أنَّ واحداً سألك: من ربُّك؟ صح أن تجعل هذه الآيات جواباً.


وأوَّل أمر عرَّفنا تبارك وتعالى أنَّه فعله سبحانه خلقه السموات والأرض في ستَّة أيام, وهذه الحقيقة مبثوثةٌ كثيراً في كتاب الله الكريم, فقد خلق سبع أرضين, وخلق سبع سمواتٍ, وخلقهما في ستة أيامٍ, والله تعالى أعلم بمدَّة كلِّ يوم من هذه الأيام, والسموات والأرض من أعظم آيات الله, وفيهما من المخلوقات والدلائل والآيات ما يبهر العقول, ويشغل القلوب.


2- استواء ربُّنا على عرشه وتدبيره الأمر:


وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} العرش أعظم مخلوقات الرحمن, وقد استوى الرحمن عليه سبحانه, استواءً يليق بجلاله, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير, وقوله {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} أخبر ربُّ العباد سبحانه وتعالى أنه سبحانه يدِّبر الأمر في كونه, فهو قائمٌ سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ, لا فرق بين الصغير والكبير, كما قال سبحانه: {لَا يَعزَّبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} ]سبأ: 3[ وقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ]هود:6[, وقال: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ]الأنعام: 59[.


3- لا يشفع أحدٌ عند الله إلا بإذنه:


وقوله: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} أي: لا يشفع عنده ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له, كما قال ربُّ العزَّة سبحانه وتعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ]النجم: 26[. وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ]البقرة: 255[, وشفعاء المشركين آلهة المشركين التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} ]يونس: 18[.


وقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أشار ربُّ العزَّة سبحانه إلى نفسه بقوله: {ذَلِكُمُ} وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له, قائلاً: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.


4- مرجع الناس جميعاً إلى الله تعالى:


عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّ مرجع الناس جميعاً إليه {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} ]يونس: 4[.


أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّ مرجعنا جميعاً إليه, وهذا وعد حق لا يتخلَّف بحالٍ من الأحوال, كما قال سبحانه: {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} ]مريم: 94-95[.


وقوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: يبدأ خلق العباد في الحياة الدنيا, ثم يعيد خلقهم في الحياة الآخرة.
{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} أي: يثيب المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحة بالعدل والجزاء الأوفى, {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون}
أي: ويجزي الذين كفروا بالله ورسوله, بإسقائهم شراباً تناهى حرُّه, ويذيقهم العذاب الأليم في النار بسبب كفرهم وضلالهم.


5- الله تعالى الذي خلق لنا الشمس ضياء والقمر نورا:


عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً, فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ]يونس: 5[.


يخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنه جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً, وشعاع القمر نوراً, ففاوت بينهما لئلا يشتبها, وجعل للشمس سلطاناً بالنهار, وسلطان القمر بالليل, وقدَّر القمر منازل {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} فأول ما يبدو صغيراً, ثم يتزايد نوره وجرمه, حتى يكتمل, ويصبح بدراً, ثمَّ يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأوَّل في تمام الشهر, وبالشمس تعرف الأيام, وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام, قال تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ]يس: 39-40[. وقال: {الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ} ]الأنعام: 96[.


وقوله تعالى: {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} لم يخلق ربُّ العزَّة ذلك عبثاً, بل لحكمةٍ عظيمةٍ, وحجَّةٍ بالغةٍ, كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} ]ص: 27[. وقوله تعالى: {يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ]يونس: 5[ أي: نُبيِّن الحجج والأدِّلة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.


6- من الآيات الدالة على الله- تعالى- اختلاف الليل والنهار:


آخر ما عرضه ربُّنا علينا في تعريفنا بنفسه قوله تعالى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} ]يونس: 6[.


والمراد باختلاف الليل والنهار, أي: تعاقبهما إذا ذهب هذا جاء هذا, وهذا كقوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} ]يس: 40[, وقال: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} ]الأعراف: 54[.


وقوله تعالى:{وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى, وهذا كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ]يوسف: 105[ وقوله: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} ]يونس: 101[, وقوله: {يَتَّقُونَ} أي: يخافون الله تعالى.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه

عرَّفنا ربُّنا عزَّ وجلَّ بنفسه- تبارك وتعالى- ببيان ما يأتي:
1- الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام.
2- الله استوى على العرش بعد خلقه السموات والأرض, والعرش سرير ملكه.
3- الله قائم على الكون يدبر أموره, ويصرِّف شؤونه.
4- لا يشفع عند الله أحدٌ يوم القيامة إلا بعد أن يأذن له.
5- مرجع العباد جميعاً إلى ربِّ العزة في يوم القيامة.
6- الله الذي ابتدأ خلق عباده في الحياة الدنيا, ثم يعيد إحياءهم بعد موتهم يوم القيامة.
7- الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة, والذين كفروا لهم عذاب أليم.
8- الله هو الذي جعل لنا الشمس ضياء, لأنه منبعث عن اشتعال الشمس, وجعل لنا القمر نوراً, لأنه انعكاسٌ لنور الشمس, وقدَّر القمر منازل, لنعلم عدد الشهور والأعوام.
9- الله الذي خلق الليل والنهار, وجعلهما يتعاقبان, يذهب هذا ويأتي هذا, وخلق في السموات والأرض كثيراً من الآيات.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 30 )  
قديم 2014-12-24
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 30

الله تبارك وتعالى الذي يرزقنا من

السماء والأرض




عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- في هاتين الآيتين بنفسه, فقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} ]يونس: 31-32[.


وقد وجَّه ربُّ العزة سبحانه في هاتين الآيتين جملةً من الأسئلة التقريرية يدلُّ الإقرار بها على استحقاق الله تعالى وحده أن يعبد دون سواه, فقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} ]يونس: 31[.


وجَّه الله- تبارك وتعالى- في هذه الآية خمسة أسئلةٍ, كلُّها يدلُّ على أن الله سبحانه هو المستحقُّ لما سأل عنه, فالمشركون وإن كانوا يشركون بتوحيد الألوهية, لكنَّهم يقرُّون بتوحيد الربوبية, ولا يشركون به معه غيره, فهم يقرُّون بأنَّ الله وحده الذي ينزل لهم الرزق من السماء, فهو الذي ينزل الماء من السماء, وينبت النبات من الأرض, وهم يقرُّون من غير خصامٍ أنَّه سبحانه الذي يملك السمع والأبصار, وخصَّ السمع والأبصار بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة, والقدرة الباهرة العظيمة, وهو سبحانه الذي يخرج الحيَّ من الميت, فالإنسان الحيُّ أخرج من النطفة, والطير من البيضة, والنبات من الحبَّة {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} أي: يخرج النطفة من الإنسان الحيِّ, والبيضة من الطير, والحبَّة من النبات, {وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} أي: من يقدِّر الأمور ويقضيها.


ولما كانت إجابة مشركي قريش لا تختلف في أنَّ الله هو الفاعل لذلك وحده لا شريك له قال عزَّ وجلَّ: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} ]يونس: 32[.


ومن نظر في إجابة المشركين علم من هذه الإجابة أنَّه يلزمهم من الإقرار بتوحيد الربوبية الإقرار بتوحيد الألوهية, وإلاَّ وقعوا في التناقض, يقول الله تعالى: فذلكم الله الذي أقررتم باستحقاقه ما أقررتم به هو ربُّكم الحقُّ الذي يستحقُّ أن يعبد دون غيره, فإن عبدتم غيره فقد ضللتم, فأنَّى, أي: فكيف تصرفون عن الحقِّ إلى الباطل!!
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الله يحدث عباده عن نفسه



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 03:50 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب