منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الله يحدث عباده عن نفسه

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حق الله تعالى على عباده seifellah منتدى طلب العلم الشرعي 2 2014-08-08 11:54 AM
ويحذركم الله نفسه .. seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-16 08:35 PM
من قال: ((لا إله إلا الله دخل الجنة)) هل هذا حديث؟ وهل يكتفي الإنسان بقول: ((لا إله إلا الله)) دون ا فتحون منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2014-04-06 10:09 PM
مفجر شريط " الجمركيين" يحدث نفسه أمام المرآة في وضع نفسي متدهور -فيديو Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2014-02-24 04:48 PM
ما أعظمك وما أرحمك بأُمَّتِك، يا رسول الله .......حديث والله تقشعر منه الجلود ما شاء الله راجية الجنة منتدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 10 2011-10-01 12:03 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 31 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 31

الله تعالى الذي جعل لنا الليل

لنسكن فيه




عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بنفسه في آيات هذا النصِّ, فقال سبحانه: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ]يونس: 66-68[.


قرَّر ربُّ العزَّة- تبارك وتعالى- أنَّ {لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} ]يونس: 66[ أي: له السموات والأرض ومن فيهما, ومن ذلك ما يزعم الكفار أنَّهم يعبدونه, من الشمس والقمر والنجوم والأصنام والأوثان, فكلُّها مخلوقةٌ مربوبةٌ لله رب العالمين, ولذلك فإنَّ المشركين لا يدعون على الحقيقة آلهةً من دون الله تعالى {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} وإنَّما يتبعون الظنَّ, فالشمس ليست في الحقيقة إلهاً, واللات ليست في الحقيقة إلهاً, والعزَّى ليست إلهاً, ومناة ليست إلهاً, ولكنَّها في الحقيقة حجارةٌ أو أشجارٌ, أو صورةٌ لمخلوقاتٍ, لا تضرُّ ولا تنفع, وقوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} أي: يكذبون.


وعرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنه {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} ]يونس: 67[.


جعل الله الليل لعباده ليسكنوا فيه, أي: يستريحون فيه مما عانوه في النهار من تعبٍ ونصبٍ وإعياء, قال القرطبي: «{وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} أي: مضيئاً, لتهتدوا به في حوائجكم, والمُبصر الذي يُبصر, والنهار يُبصر فيه, وقال قطرب: يقال: أظلم الليل, أي: صار ذا ظلمة, وأضاء النهار وأبصر, أي: صار ذا ضياءٍ وبصرٍ, {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ} أي: علاماتٍ ودلالاتٍ, {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: سماع اعتبارٍ» ]تفسير القرطبي: 4/659[.


أكذب الله- تعالى- المشركين في نسبتهم الولد إلى ربِّ العزَّة سبحانه, فقال: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ]يونس: 68[.


أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّ الكفرة المشركين زعموا كاذبين أنَّ الله تعالى اتخذ ولداً, فاليهود قالوا: عزيرٌ ابن الله, والنصارى قالوا: المسيح ابن الله, وعرب الجاهلية, قالوا: الملائكة بنات الله, وقد نزَّه ربُّ العزة نفسه عن الولد بقوله: {سُبْحَانَهُ} وقوله تعالى: {هُوَ الْغَنِيّ} أي: هو الغنيُّ عن الولد, {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أي: له كلُّ ما في السموات والأرض فإنَّه مملوكٌ, خاضعٌ له, يسبِّح له, ويدعوه وحده, فأنَّى يكون له ولدٌ سبحانه.


وقوله تعالى: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} أي: هل عندكم من دليلٍ وحجَّةٍ وبرهانٍ يدلُّ على أنَّ العزير أو عيسى أو الملائكة أولاد الله تعالى, إنَّ دعواهم دعوى باطلةٌ, لا تقوم على دليلٍ, ولا حجَّةٍ ولا برهانٍ, ولذلك فإنَّ قولهم قولٌ قائمٌ على الجهل {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.


وهؤلاء الجهلة الضالُّون الذين يفترون على الله الكذب بنسبتهم الولد إلى الله تعالى لا يفلحون, ولا يفوزون {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} ]يونس: 69[. وقد أعلمنا ربُّنا- سبحانه وتعالى- أنَّه سيمتِّع هؤلاء الذين افتروا عليه الكذب متاعاً قليلاً في هذه الحياة, ثم يقبض أرواحهم, ويصيرون إليه, ثم يذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم وضلالهم {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} ]يونس: 70[.
* * *
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 32 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 32

أرزاق الدواب على الله تعالى




عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- على نفسه في هاتين الآيتين, فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} ]هود: 6-7[.


عرَّفنا ربُّنا- سبحانه وتعالى- أنَّه {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ]هود: 6[.والدابة كلُّ حيوانٍ يدب على الأرض, فيدخل فيه الإنسان والحيوان والطيور, وحقيقة الرزق: ما يتغذَّى به الحيوان الحيُّ, ويكون فيه بقاء روحه, ونماء جسده.


وقد أعلمنا ربُّنا عزَّ وجلَّ في هذه الآية أنَّه متكفلٌ بأرزاق المخلوقات التي تدبُّ على الأرض, صغيرها وكبيرها, بحريِّها وبريِّها, {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}, أي: يعلم مسارها في النهار, ومأواها في الليل, وقوله: {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ]هود: 6[ فالله- تعالى- يعلم ذلك, وقد كتبه في كتابٍ مبين, أي: في اللوح المحفوظ.


وعرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ]هود: 7[.


هذا العلم الذي حوته هذه الآية من العلم الذي لا يعلمه البشر إلا من قبل الوحي الإلهيِّ الربانيِّ, وقد أعلمنا ربُّنا في هذه الآية أنَّه خلق السموات والأرض في ستة أيامٍ, والله أعلم بمقدار تلك الأيام, وأخبرنا ربنا عزَّ وجلَّ أن عرشه كان على الماء, فالعرش الذي استوى عليه كان مخلوقاً قبل السموات والأرض, وكان هذا العرش على الماء, فالماء كان موجوداً قبل السموات والأرض وقد جاءت عدَّة أحاديث تدلُّ على ما دلَّت عليه الآية, وفيها مزيدٌ من التفصيل, فمن ذلك ما رواه البخاري عن عمران بن حصينٍ رضي الله عنه, قال: دخلت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب, فأتاه ناسٌ من بني تميم, فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم». قالوا: قد بشَّرتنا فأعطنا- مرتين- ثمَّ دخل عليه ناسٌ من أهل اليمن, فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميمٍ».


قالوا: قد قبلنا يا رسول الله, قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر, قال: «كان الله ولم يكن شيءٌ غيره, وكان عرشه على الماء, وكتب في الذِّكر كلَّ شيءٍ, وخلق السَّموات والأرض». فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا بن الحُصين. فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السَّراب, فو الله لوددت أنِّي كنت تركتها. ]البخاري: 3192[.


وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةٍ» وقال: «وعرشه على الماء» [مسلم: 2653].


وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: ليختبركم أيُّكم أحسن عملًا، ولم يقل : أيكم أكثر عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عزَّ وجلَّ وعلى شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدةً من هذين الشرطين بَطُلَ وحَبِطَ.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 33 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 33

الله تبارك وتعالى رفع السموات

والأرض بغير عمد




أولًا: التقديم(1)
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الرعد
{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجلَّ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وأَنْهَارًا ومِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 2-4].

ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

بغير عمدٍ: الأعمدة الأساطين الذي يقوم عليها البناء.
استوي على العرش، أي: علا وارتفع واستقرَّ، وعرش الرحمن سرير ملكه.
مدَّ الأرض: وسَّعها وبسطها.
رواسي: الرواسي الجبال.
الزوجان: الزوج الواحد، والزوجان الاثنان.
يغشى، أي: يغطي.
قطع متجاورات: أراضٍ يجاور بعضها بعضًا.
نخيل صنوان وغير صنوان: الصنوان جمع صنو، وهنَّ النخلات يجمعهن أصل واحد، وغير صنوان، أي: متفرقات.


رابعًا: شرح آيات هذا الموضع

عرَّفنا ربُّنا -عزَّ وجلَّ- بنفسه في آيات هذا الموضع، فقال: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَي عَلَى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجلَّ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2].


أعلمنا ربُّنا -عزَّ وجلَّ- أنَّه وحده الذي رفع السموات بغير عمدٍ، والسموات كما أخبرنا -سبحانه- في غير موضع في كتابه سبعٌ بعضها فوق بعض، وقد أخبرنا ربُّنا في هذه الآية أنه {رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي: رفعها بغير عمدٍ، أي بغير أساطين نراها، وقيل: رفعها بأعمدة لا نراها.


والسماء الدنيا محيطةٌ بالأرض من جميع جهاتها، والسماء الثانية محيطة بالسماء الأولى، {ثُمَّ اسْتَوَي عَلَى العَرْشِ} [الرعد:2] أي: استوى -سبحانه- على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ومعنى استوي علا واستقرَّ وارتفع، ومعنى الاستواء معلومٌ، ولكن كيفية الاستواء مجهولةٌ.


وقوله: {وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجلَّ مُّسَمًّى} [الرعد: 2] أي: ذلَّل سبحانه الشمس والقمر، وجعلهما يجريان إلى قيام الساعة، والشمس والقمر أظهر الكواكب السيارة، وإذا جاء يوم القيامة، فإن الشمس تكوُّر ويذهب ضوؤها، والقمر يخسف ويزول، وقوله:{يُدَبِّرُ الأَمْر} يدبر أمور الآخرة والدنيا وحده سبحانه، بغير شريك، ولا ظهير، ولا معين، وقوله:{يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] أي: يبين الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرة الله، لعلكم توقنون بلقاء ربكم إذا فصَّل لكم الآيات.


وكما أعلمنا ربُّنا عزَّ وجلَّ بما سبق بيانه في السموات والأرض والشمس والقمر أعلمنا سبحانه بأنه {وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وأَنْهَارًا} [الرعد: 3] أخبرنا سبحانه أنَّه مدَّ الأرض، أي: جعلها متسعةً ممتدةً في الطول والعرض، {وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وأَنْهَارًا} [الرعد: 3] أي: أرسى الأرض وثبَّتها بالجبال {ومِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3] والزوج يطلق على الاثنين وعلى الواحد المزاوج للآخر، والمراد بالزوج الواحد، ولهذا أكَّد الزوجين بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا الواحد، فالثمرات زوجان منها الحلو والحامض، والأبيض والأسود، {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الرعد: 3] أي: جعل كلاً منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غشية هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: يتفكرون في آيات الله، أي: في مدِّ الأرض، وإرسائها بالجبال، وما جعله فيها من الثمار، وتعاقب النور والظلمة.


وأخبرنا ربُّنا العليُّ الأعلى سبحانه أنَّ {وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4].


أخبرنا ربُّنا - عزَّ وجلَّ - أنَّه جعل في الأرض قطعًا متجاوراتٍ، أي: أراضي يجاور بعضها بعضًا، وفاوت بين هذه الأراضي، فجعل بعضها أرضًا طيبةً تنبت العشب، وتحفظ الماء، وجعل قطعةً مجاورة سبخةً مالحةً لا تنبت، وجعل قطعةً ثالثةً صخريةً صلدةً قاسية، وقد تتفاوت الأرض في ألوانها، وهي متجاورة، فتكون هذه بيضاء، وهذه سوداء، وهذه حمراء، وقد تكون الأرض جنانًا متنوعةً، أي: بساتين متنوعة، فتكون جناتٌ من أعنابٍ وزرعٍ، ونخيل صنوانٍ وغير صنوان، يسقى بماء واحد، أي: تكون الأرض الواحدة تنبت أشجاراً شتى، فيها الخوخ والكمثرى والتفاح والبرتقال، ويحمل بعضها أكثر من بعضٍ، ويكون بعضها حلواً، وبعضها حامضاً.


وقوله: {ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ} والصنوان جمع صنو، وهنَّ النخلات يجمعهن أصل واحد، {وغَيْرُ صِنْوَانٍ} أي: نخلًا متفرقًا، كلُّ واحدة على حدة، يسقيها ماءٌ واحدٌ، {ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} أي: وتختلف طعومها فيما بينها، فهذا حلو، وذاك حامض، وهذا مِزٌّ{إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: أن ما يُحدِّث عنه ربُّ العزَّة من هذه الجنات والزروع آياتٌ لقومٍ يعقلون أي: ما يُتحدَّث عنه، وما يرونه بأبصارهم.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه تبارك وتعالى

عرَّفنا ربُّنا - تبارك وتعالى - بنفسه في هذه الآيات بإعلامنا سبحانه أنه:
1- خلق السموات الهائلة الكبيرة الواسعة بغير أعمدة نراها، وكذلك الأرض جعلها سابحة في الفضاء.
2- استوي سبحانه تبارك وتعالى على عرشه، وهو سرير ملكه استواءً يليق بجلاله، لا يشبهه استواء المخلوقين، وليس كمثله شيء.
3- سخَّر الله تعالى لنا الشمس والقمر، وجعل كلاً منهما يجري إلى أجلٍ محدَّدٍ.
4- الله - تبارك وتعالى - هو الذي مدَّ الأرض وبسطها، وجعل فيها جبالًا رواسي تثبتها، وجعل فيها الأنهار التي تسقي العباد والزروع.
5- الله - تعالى - الذي أنشأ ما لا يعدُّ من الأشجار في بقاع الأرض، تخرج أنواع الثمار.
6- الله تعالى يغشي الليل النهار، أي: يغطيه بظلامه، وذلك عندما ينقضي النهار، ويأتي الليل.
7- الله تعالى هو الذي جعل في أرضنا قطعًا من الأراضي متفاوتة فيما بينها، فبعضها ذو خصوبة، وبعضها لا خصوبة فيه، وقد يكون غنيًا بالمعادن، وبعضها من ترابٍ وأخرى من صخورٍ.
8- الله - سبحانه وتعالى - جعل لنا في أرضنا جناتٍ من أعناب، والأعناب أنواع شتَّى تختلف في طعومها وألوانها، وتختلف في زمن نضجها، وجعل لنا ما لا يحصى من الزرع من القمح والشعير والذرة والعدس وغيرها، والله تعالى جعل لنا النخيل صنوانًا متشابهةً فيما بينها، وغير صنوانٍ، أي: مختلفة فيما بينها، وهي مع ذلك كله تسقى بماء واحد.
* * *





([1]) لم تتم كتابة هذا التقديم وترك مكانه بياضًا، بسبب وفاة المؤلف.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 34 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 34

الله يعلم ما تحمل كلَّ أنثى وما

تغيض الأرحام وما تزداد




أولًا: تقديم

عرَّفنا ربُّنا - تعالى - بنفسه في هذه الآيات، ومن ذلك أنه يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في هذا الكون الواسع العريض، ويعلم كلَّ ما يجري في الأرحام، ويعلم السر المكنون في الصدور، والحركة الخفية في جنح الظلام، ويعلم كلَّ مستخفٍ بالليل وكلَّ سارب وهامس وكلَّ جاهر، وحدَّثنا ربُّنا عن الملائكة المعقبات التي تحفظ الإنسان من أمر الله، وحدَّثنا الله تعالى عن البرق والسحاب والرعد، وهي مظاهر صنعها الله تعالى في هذا الكون الواسع العريض لحكمٍ يعلمها الله تجري في هذا الكون الواسع الكبير.


وعرَّفنا ربُّنا سبحانه أنَّ له الدعوة الصحيحة الوافية، وهي دعوة الحقِّ دعوة التوحيد، ودعوة الكفار التي تتجه إلى الأصنام دعوة باطلة ضائعة.



وضرب الله المثل للكفار الذين يدعون غيره بطالب الماء الذي يوجِّه يديه إلى الماء فلا يبلغ الماء فاه.


ويعلمنا ربُّنا - عزَّ وجلَّ سبحانه - أنَّ كلَّ من في الكون خاضع لله ساجدٌ له طوعًا وكرهًا، وهو سبحانه ربُّ السموات والأرض، فكيف اتخذوا من دونه آلهة لم يَشْرَكوا الله في خلق الأرض والسماء، فالله هو الخالق لكلِّ شيءٍ وهو الواحد القهار. وضرب ربُّ العباد مثلًا للحقِّ والباطل، فالباطل هو الغثاء الذي يحمله السيل عندما تهطل الأمطار في الوديان والشعاب، ومثله مثل الزبد الذي يظهر على صهارة المعادن التي تذاب ليصاغ منها الحلي كالذهب والفضة، والحقُّ هو الماء الهاطل من السماء الذي يسير في الوديان والشعاب، وهو الذهب والفضة الذين يوقدون عليه النار.


ثانيًا آيات هذا النص من سورة الرعد

{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ومَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ ومَا تَزْدَادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍسُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ومَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن والٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ * ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ والآصَالِ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ والنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ * أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ومِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد:8-17].


ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

تغيض الأرحام: تنقص بذهاب بعض ما فيها.
وما تزداد، أي: تنمو الأرحام وتكبر في أثناء فترة الحمل.
مستخف بالليل، أي: مستتر به على وجه الخفاء.
سارب: ظاهر بارز.
الثقال: السحاب الممتلئ بالماء.
دعوة الحق: الدعوة الصحيحة القائمة على التوحيد.
بقدرها، أي: سالت الأودية بحسب ما تتسع له.


رابعًا: شرح هذا الموضع من الآيات

عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بنفسه سبحانه، وبيَّن لنا أنه الذي فعل ما يأتي:


1- الله يعلم ما تحمل كل أنثى:


أعلمنا ربُّنا عزَّ وجلَّ أنه {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ومَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ ومَا تَزْدَادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8] وكم في الأرض من أنثى من النياق والبقر والغنم والخيل والحمير والغزلان وغيرها مبثوثةٌ في هذه الأرض الواسعة العريضة بعضها يقوم بأعماله في ظلمة الليل، وبعضها ينشط في وضح النهار لا يستخفي من أحد، وعلم الله يحيط بها، وبما تحمله في بطونها، فما تغيض الأرحام، أي: تنقصه فإن الله يعلمه، وما تزداد أرحامها فإنه يعلمه، وكلُّ شيءٍ عنده بمقدارٍ.


ومن جملة أنثى الحيوان الذي يدخل في الآية، ويحيط به علم الله أنثى الإنسان. وقوله تعالى: {عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ} [الرعد:9] والغيب ما غاب عنا في هذا الكون الواسع العريض، وهو لا يُحصى كثرة، والشهادة ما نشاهده من البشر والبحار والأنهار والحيوان والشمس والقمر والنجوم وغيرها، وهو قليلٌ بالنسبة لما غاب عنا، ويستوي في علم الله تعالى علمُ ما غاب عنَّا، وما نشاهده، فهما في علمه سواء، والله تعالى هو {الكَبِيرُ المُتَعَالِ} والله هو الكبير، فلا أحد أكبر منه، وهو المتعالي، أي: العالي على كلِّ شيء، فلا شيء أعلى منه.


وأعلمنا ربُّنا سبحانه وتعالى أنَّه يستوي في علمه الجهر والعلانية {سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد:10] أعلمنا ربُّنا أنه يستوي في علمه الذي يسر قوله ويخفيه، ومن يجهر به ويبديه، كما يستوي عنده سبحانه المُستخفي في ظلمة الليل، والساربُ الظاهرُ في وضح النهار، كلاهما في علمه سواء.


2- له معقباتٌ من بين يديه ومن خلفه:


أعلمنا ربُّنا - عزَّ وجلَّ - أنَّ لكلِّ واحدٍ منَّا {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11]، والمعقبات ملائكةٌ وضعهم رب العزة على كلِّ واحدٍ من البشر يحفظونه من أمر الله تعالى، فلا يصل إليه سوء لا يريد الله أن يصل إليه، فإذا جاء العبد ما قدَّر الله أن يصل إليه خلُّوا بينه وبين قدر الله، وهذه الملائكة غير الملائكة الذين يحفظون على العبد أعماله صالحها وطالحها.


وقوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] أي: لا يزيل الله النعم التي أنعم بها على عباده في أنفسهم وفيما حولهم حتى يعملوا بمعاصيه، ويهجموا على ما حرَّمه عليهم، عند ذلك يسلبهم الله نِعَمه، ويحلُّ بهم نِقَمه، وتتبدَّل أحوالهم.


وقوله تعالى: {وإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍسُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ومَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن والٍ} [الرعد:11] أي إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يحل بقومٍ نِقَمه، فلا يستطيع أن يردَّ عليه أحدٌ مراده، لا من الأنس ولا من الجنِّ ولا من الملائكة، وليس لمن حلَّ بهم العذاب والٍ يتولاهم، ولا حامٍ يحميهم، ويمنع عنهم العذاب.


3- الرعد يسبح بحمد الله والملائكة يسبحون من خيفته:


أعلمنا ربُّنا - تبارك وتعالى أنَّه {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد:12] أعلمنا ربُّنا -تبارك وتعالى -أنَّه هو الذي يرينا البرق خوفًا وطمعًا، والبرق اللمعان الذي يظهر في السحاب، والله تعالى يرينا البرق فنخافه، لأنه قد يتحول إلى صاعقةٍ، وقد يكون نذيرًا بسيل مدمر، {وطَمَعًا} لأنه قد يأتي بالخير، فقد يأتي بالمطر الذي يحيي الأرض بعد موتها، وقد يجري الأنهار، ويغذو العيون، ويجعلها تتدفق.


والله - تبارك وتعالى - ينشئ السحاب والثقال، ينشئ السحاب الممتلئ بالماء ويصرفه إلى مختلف بقاع الأرض، فتحمل السحابة الماء فتسقي العباد والدواب والأرض، وأخبرنا ربُّنا - عزَّ وجلَّ - أن الرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته {ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد:13] فهذا الصوت المدوِّي الذي يأتي من الرعد هو تسبيح بحمد الله، وتسبح {الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} وأخبرنا ربُّنا عزَّ وجلَّ أنه {يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ} أي أن الله تعالى يرسل الصواعق على من يشاء أن يصيبه بها {وهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ} [الرعد: 13] والذين يجادلون في الله أهل الشرك، يجادلون في وحدانيته، وفي استحقاقه العبادة.


4- الله -تبارك وتعالى - له دعوة الحق:


أخبرنا -ربُّنا -تبارك وتعالى - أنَّ {لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ} [الرعد:14].


أخبرنا الله - عزَّ وجلَّ - أن له دعوة الحقِّ، ودعوة الحقِّ دعوة التوحيد القائمة على: لا إله إلا الله، والذين يدعون من دون الله الآلهة من الأصنام والأوثان وغيرهم لا تستجيب هذه الأصنام لدعوتهم {إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ} إلا كالذي يقف في أعلى البئر أو النهر ويبسط كفيه إلى الماء، يريد أن يصعد الماء إلى فمه، وليس في الماء خاصية أن يصعد إلى أعلى، ويستجيب إلى ما يريده الإنسان، ولذلك قال: {ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ} أي: لن يصعد الماء إلى فمه، وكذلك هذه الآلهة التي يدعونها من دون الله تعالى، لا تسمع دعاءهم، ولا تجيب نداءهم، {ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ} أي: وما دعاء الكافرين إلا في ضياع، فالآلهة التي يدعونها لا تسمع ولا تجيب، ودعاء الكافرين بذلك يكون ضائعًا.


وأخبرنا ربُّنا - تبارك وتعالى - أنه {ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ والآصَالِ} [الرعد:15] أخبرنا ربُّنا - عزَّ وجلَّ - أنَّه يسجد له من في السموات والأرض طوعًا، وهؤلاء هم الملائكة ومؤمنو الأنس والجنِّ، {وكَرْهًا} وهم الكفار والمنافقون في حالات الخوف والاضطرار، والله أعلم بطريقة سجودهم كرهًا، وهذا كقوله تعالى: {ولَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا} [آل عمران: 83]، أي: وله يسجد ظلال الناس بالغدوِّ في الصباح وبالآصال، والآصال جمع أصيل، أي : في آخر النهار عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال.


5- الله تعالى رب السموات والأرض ورب كل شيء وخالق كل شيء:


أمر الله - تبارك وتعالى - أن يسأل المشركين، ويقول لهم: {مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ والنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ} [الرعد:16]. أمر ربُّ العزَّة سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل المشركين، ويقول لهم: من ربُّ السموات والأرض صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا ينتظر إجابتهم، بل يسارع بالإجابة ويقول: {اللَّهُ} ثم أمره أن يتبع السؤال الأول بسؤال ثانٍ، ويقول{أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًا} يقول لهم: إذا كان الله تعالى هو خالق السموات والأرض، فكيف تتخذون من دون الله أولياء، أي : شركاء، وهؤلاء الشركاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فالآلهة التي يعبدونها من دون الله أصنامٌ لا تنفع ولا تضر، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع السؤالين السابقين بثلاثة أسئلة أخرى، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ} يريد بالأعمى المشرك الكافر، والبصير المؤمن الموحِّد، والجواب: أنهم لا يستويان، وقوله: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ}أي: هل تستوي الظلمات والنور، والجواب أنهم لا يستويان، والسؤال الأخير {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِه}أي: جعلوا أنداداً يعبدونهم معه، وقوله: {خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} والجواب: أنَّ هذه الآلهة الباطلة التي جعلوها شركاء لله تعالى في عبادته، لم تشركه في الخلق، ولذلك قال ربُّ العزة:{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}قل لهم: إنَّ الله تعالى هو وحده خالق كلِّ شيء فهو خالق ما في السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما، وهو خالق آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وهو الواحد، أي: في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته، وهو الذي قهر عباده ومخلوقاته بعزَّته وجبروته.


6- مثل ضربه الله للحق والباطل والإيمان والكفر:


قال ربُّ العزَّة تبارك وتعالى:{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17]، قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة.


«وهذا مثلٌ ضربه الله للحقِّ والباطل والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره: مثل الحقِّ في ثباته والباطل في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض{فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}يقول: فاحتملته الأدوية بمثلها، الكبير بكبره، والصغير بصغره، {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا}يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء زبدًا عاليًا فوق السيل، فهذا أحد مثلي الحقِّ والباطل، فالحقُّ هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل.


والمثل الأخر: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} يقول جلَّ ثناؤه: ومثل آخرٌ للحق والباطل، مثل فضَّةٍ أو ذهبٍ يوقد عليها الناس في النَّار طلب حليةٍ يتخذوها أو متاع، وذلك من النحاس والرصاص والحديد، يوقد عليه ليتَّخذ منه متاع ينتفع به {زَبَدٌ مِثْلُهُ}يقول تعالى ذكره: ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبدٌ مثله، بمعنى: مثل زبد السيل لا يُنتفع به ويذهب باطلًا، كما لا يُنتفع بزبد السيل، ويذهب باطلًا، ورفع «الزبد» بقوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ} ومعنى الكلام: ومما يوقدون عليه في النار زبدٌ مثل زبد السيل في بُطولِ زبدِهِ، وبقاء خالص الذهب والفضة. يقول الله تعالى:{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} يقول: كما مثَّل الله الإيمان والكفر في بُطولِ الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة، كذلك يُمثِّلُ الله الحقَّ والباطل. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} يقول: فأما الزبد الذي علا السيل، والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به، وتعلُّقه بالأشجار وجوانب الوادي. {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ}من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس، فالماء يمكث في الأرض فتشربه، والذهب والفضة تمكث للناس {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} يقول: كما مثَّل هذا المثل للإيمان والكفر، كذلك يُمثِّل الأمثال» [تفسير ابن جرير الطبري: 6/4720].


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا تعالى بنفسه في هذه الآيات

عرَّفنا ربُّنا – عزَّ وجلَّ –بنفسه في هذه الآيات، عرَّفنا بأنه الفاعل لما يأتي والمتصف بما يأتي:


1- علم الله تعالى محيطٌ بكلِّ أنثى في هذه الأرض، فهو يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في رحمها، ويعلم ما تنقصه الأرحام، كما يعلم نمو الرحم وزيادته.


2- علم الله محيطٌ بما غاب عنَّا وما نشاهده والله تعالى الكبير المتعالي.


3- يستوي في علم الله ما أسررنا به وأخفيناه، وما أظهرناه وأبديناه، كما يستوي في علم الله الساتر لنفسه في ظلمة الليل، والمظهر لنفسه في وضح النهار.


4- وكَّل الله تعالى بنا ملائكة يحفظوننا، فلا يصل إلينا إلاَّ ما قدَّر الله أن يصل إلينا.


5- الله تعالى هو الذي خلق البرق، فنراه خائفين طامعين، وهو الذي ينشئ السحاب الثقال.


6- الرعد يسبِّح بحمد الله، والملائكة تسبح من خيفة الله تعالى، وقد يرسل الله تعالى الصواعق، فيصيب بها من شاء إصابته بها.


7- الله تعالى له دعوة الحقِّ القائمة على التوحيد، والذين يدعون من دون الله من الأصنام دعوتهم باطلة.


8- كل من في السموات والأرض يعبدون الله، ويسجدون له، طائعين أو كارهين، وكما يسجدون له تسجد له ظلالهم في الصباح والمساء.


9- الله تعالى المتفرد سبحانه بخلق السموات والأرض، وكفار قريش كانوا يقرون بذلك، ولذا فإنهم يتناقضون عندما يتخذون من دون الله أولياء.


10- ضرب الله تعالى مثلًا للحقِّ والباطل، بالماء الهاطل من السماء، فسالت الأودية والشعاب كلُّ بقدره، فاحتمل السيل الذي سالت به الوديان زبدًا رابيًا، ومثل ذلك الزبد الزبدُ الذي يظهر على صهارة الخامات المعدنية مثل خامات الذهب والفضة وغيرها التي يوقدون عليها النار، فالزبدُ الذي يحمله السيل والزبدُ الذي يعلو الصهارة يذهبُ ويزولُ، أما ما ينفع الناس، وهو الماء فيمكث في الأرض.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 35 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 35

بعض ما سخره الله للإنسان




عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – بنفسه في الآيات التاليات {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:32-34]


عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – أنَّه خلق السموات بنجومها وشموسها وأقمارها، وجعلها سقفًا محفوظًا، وجعلها سبعًا طباقًا، وخلق الأرض بجبالها وسهولها، وحيوانها ونباتها، وأنزل سبحانه الماء من السماء , فأخرج به أزواجًا من نباتٍ شتى ما بين ثمارٍ و زروعٍ، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر لنا الفلك، وهي السفن لتجري في البحر بإرادته ومشيئته، فتحملنا وتحمل أثقالنا، وسخَّر لنا الأنهار تشقُّ الأرض من قطر إلى قطرٍ وجعل ماءها شرابًا لنا، ولحيواناتنا، ونباتاتنا، وسخَّر لنا ربُّنا سبحانه الشمس والقمر دائبين، يسيران، ولا يقرّان ليلًا ولا نهارًا، وسخَّر لنا الليل والنهار، أحدهما لمنامنا وراحتنا، والآخر يبعثنا فيه، لنعمل ونقوم بمهامنا، وقد جعل ربُّنا سبحانه الشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتقارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثمَّ يأخذ الآخر من هذا فيقصر.


وآتانا ربُّنا – عزَّ وجلَّ – من كلِّ ما سألناه إياه {وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} لقد آتانا الله تبارك وتعالى من كلِّ ما سألناه واحتجنا إليه من أنواع الطعام وأنواع الشراب وأنواع الفواكه وأنواع اللباس، وأخبرنا ربُّنا – عزَّ وجلَّ – أننا لا نستطيع إحصاء نعمه التي أنعم بها علينا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ومع كثرة النعم التي أنعم بها على عباده، فإنَّ الإنسان كثير الظلم لنفسه، فبدل أن يقابل النعم بالشكر لله الواحد الأحد، إذا هو يقابلها بالكفر{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وظلومٌ وكفَّارٌ صيغتان من صيغ المبالغة أراد الله تعالى بهما إظهار مدى ظلم الإنسان وكفره.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 36 )  
قديم 2014-12-25
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 36

خلق الله الإنسان من نطفة




أولًا: تقديم

عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – في هذه الآيات بنفسه، وحدَّثنا بنعمه التي أنعم بها علينا في الأرض والسماء، ومن ذلك خلقه الأرض والسماء، وخلقنا من نطفةٍ ضعيفةٍ، وخلق لنا الأنعام، لتكون لنا مأكلًا، وصوفها ملبسًا، ونركبها في حاجاتنا، وتحمل أثقالنا.


وخلق لنا ربُّنا الخيل والبغال والحمير لنركبها، ونتجمل بها، وأنزل لنا الماء من السماء لنشرب منه، ونسقي منه دوابَّنا، ونروي زروعنا، وسخَّر لنا الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، وبثَّ لنا في الأرض ما نحتاج إليه من المنافع والمصالح , وسخَّر لنا البحر لنأكل منه اللحم الطريَّ، ونلبس مما يخرج منه من حليِّ، ونسيِّر فيه سفننا لتحملنا وتحمل تجاراتنا، وثبَّت الله العظيم الكريم سبحانه أرضنا بالجبال الرواسي، وسيَّر لنا فيها الأنهار، وجعل لنا فيها الممرات والطرقات نسير فيها مشرِّقين ومغربين، وجعل لنا فيها العلامات التي تهدينا في أسفارنا، وهدانا بالنجوم في ظلمات الليل، وهو ربُّنا تبارك وتعالى الذي لا يعدُّ ولا يحصى خلقه، ولا تعدُّ نعمه، وهو العالم بنا لا يخفى عليه شيءٌ مما نسرُّ به ونخفيه، ولا ما نعلنه ونبديه سبحانه.


ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة النحل

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 3-23].


ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

الأنعام: الجمال والأبقار والأغنام.
النطفة: الحيوان المنوي الذي يخلق منه الإنسان.
تريحون وتسرحون: تريحون بالعودة إلى منازلكم، وتسرحون عندما تنطلقون إلى المرعى.
جائر: ظالمٌ ضالٌّ.
تسيمون: ترعون أنعامكم.
ذرأ: بثَّ ونشر.
مواخر: تشقُّ عباب الماء.
تميد: تميل وتضطرب.
لا جرم: حقّاً.

رابعًا: شرح هذه الآيات

هذه الآيات مقطع طويل من الآيات، عرَّفنا ربُّنا –تبارك وتعالى –بنفسه فيها عبر النقاط التالية:


1- خلق الله - تبارك وتعالى السموات والأرض بالحق:


عرَّفنا ربُّنا –عزَّ وجلَّ– أنَّه {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل:3] وعرَّفنا سبحانه وتعالى أنَّه خلق السموات والأرض خلقًا كائنًا بالحقِّ متصفًا به، وقد سبق أن بيَّنت فيما مضى في سورة الحجر أنَّ الحق هو الذي جعل السموات والأرض معبدًا تتجاوب أرجاؤه بالتقديس والتسبيح والتحميد، ويتردَّد فيه الدعاء، وتقام فيه الصلاة، وقد نزَّه الله تعالى نفسه عمَّا يشركون، أي ما يشركونه به من الأوثان والأصنام.


وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [النحل:4] أي خلقه، من حيوانٍ منويٍّ ضعيفٍ، فلما نما وكبر وأصبح إنسانًا خاصم ربَّه الذي خلقه، وكذَّبه، وحارب رسله، كما قال عزَّ وجلَّ {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:77-79].


وقد روى بسر بن جحاشٍ قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه، ثمَّ قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم، أنَّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتَّى إذا سوَّيتك, فعدلتُك مشيت بين بُرديك, وللأرض منك وئيدٌ, فجمعت ومنعت, حتَّى إذا بلغت الحلقوم, قلت: أتصدَّق؛ وأنَّى أوان الصدقة» ]قال محقق ابن كثير (3114): أخرجه ابن ماجه وأحمد وصحح البوصيري إسناده في الزوائد, وانظر «الصحيحة» (1099)[.


وأعلمنا سبحانه وتعالى أنَّه خلق لنا الأنعام, لمصالح كثيرةٍ حدَّثنا ربُّنا عنها {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ]النحل: 5-8[.والأنعام هي الإبل والبقر والغنم, وقد جعل الله تعالى لنا فيها الدفء, فالبشر يصنعون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس يتجملون بها, ويصنعون ملابسهم التي تقيهم البرد, ويصنعون منها خيامهم التي تؤويهم في الحرِّ والقرِّ, وجعل لنا فيها منافع كثيرةً, وجعل لحمها طعاماً لنا, وجعل لنا فيها جمالاً حين نريح وحين نسرح, أي حين نرجع بها من المرعى عشياً, {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي: غدوة حين نبعثها إلى المرعى, {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} والأثقال تتمثل بالأمتعة وأنواع البضائع والأثاث التي يرغب الناس بنقلها من مكانٍ إلى مكان, تحملها الإبل إلى بلادٍ بعيدة, لم نكن بالغيها إلا بشقِّ الأنفس, نسافر بها إلى الحجِّ والعمرة, أو ننتقل للتجارة أو الزيارة أو السياحة, وعقَّب ربُّنا- تبارك وتعالى- على ذلك بقوله: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} لرؤوف رحيم بكم, ومن أجل ذك سخر لكم هذه الأنعام.


ثم أخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّه سخَّر لنا {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ]النحل: 8[. فالخيل والبغال والحمير تستعمل لأمرين: الأول: ركوب بني آدم لها. والثاني: أنَّ في اقتنائها وركوبها زينةً يستمتع بها أصحابها, وقوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: من الوسائل التي يركبها العباد, ويتخذونها زينة, وقد يسَّر الله للبشر اختراع السيارات والطيارات (والقطارات), وطوروا السفن, وسيخترع البشر أنواعاً أخرى لمزيد من الانتفاع بها.


وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ} ]النحل: 9]. ذكر الله تعالى الحيوانات من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير, وذكر ما فيها من المنافع, ثمَّ ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه, فبيَّن أنَّ منها السبيل القاصدة, وهي الطريق الموصلة إليه, وهي طريق الحقِّ, وهي متمثلة في دين الإسلام الذي سلكه أنبياؤه ورسله وأتباعهم, {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} وهذا شامل للطرق الضالة كلها, وهي اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية والمجوسية والشيوعية, وغيرها من طرق الضلال والغواية, وأعلمنا ربُّنا في خاتمة الآية أنه لو شاء لهدانا أجمعين, ولكنَّه قضى بتدبيره وحكمته أن نكون مختلفين.


2- إنزال الله- تبارك وتعالى- الماء من السماء لينبت به الزرع:


أعلمنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ]النحل: 10-11[.
ذكر الله- تعالى- نعمته على عباده في إنزاله الماء من السماء, والمراد به إنزاله من السحاب, وقد جعل من هذا الماء النازل من السماء شراباً يشرب منه العباد ودوابُّهم ومواشيهم, ومنه تتغذى الآبار وتتدفق العيون, ومنه ما يسقي الزرع والشجر الذي فيه تسيمون أنعامكم, أي: ترعونها فيه, تقول العرب: الإبل السائمة.


وبهذا الماء الواحد ينبت لنا ربُّنا الزرع والزيتون والنخيل والأعناب, ثم قال: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} أي: ويخرج لكم غيرها من الثمرات, كالتفاح والبرتقال والخوخ وأنواع الفواكه, {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: فيما حدثنا الله من سقينا بالماء النازل من السماء, وما ينبت به من الزروع والثمار, لآيات دالة على الله تعالى, ولكن لقوم يحسنون التدبر والتفكر والاتعاظ بهذه الآيات.


3- سخَّر الله- تبارك وتعالى- لعباده الليل والنهار والشمس والقمر:


عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه سخَّر لنا ما شاء من مخلوقاته {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} ]النحل: 12-13[.


ذكر الله- تبارك وتعالى- النعم التي لا تقوم حياتنا من غيرها, ذكر أنَّه سخَّر لنا الليل والنهار, يتعاقبان, ويتقارضان, والشمس والقمر يدوران, وسخر لنا النجوم وبثَّها في أرجاء الفضاء, وجعلها لنا نوراً وضياء, وجعلها لنا علاماتٍ نهتدي بها في ظلمات الليل, وقد حدَّثنا في غير هذا الموضع عن مساراتها ومنازلها.


وقوله تعالى : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ]النحل: 12[ أي: في ذلك آيات لقوم يعقلون دين الله- تبارك وتعالى- ويفقهون حججه, وقوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أخبرنا ربَّنا عمَّا ذرأه في أرضنا من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة من الحيوانات المختلفة والنبات والمعادن والجمادات على اختلاف أشكالها وألوانها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي: آياتٌ دالةٌ على الله سبحانه لقومٍ يذَّكرون آلاءه ونعمه, فيشكرونها.



4- الله- تبارك وتعالى- الذي سخر لعباده البحر:


الله تبارك وتعالى:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون}.


حدَّثنا ربُّنا- تبارك وتعالى- عن تسخيره البحر لنا, والبحر في هذه الأرض أكثر من اليابسة, وقد سخَّر لنا هذا البحر الشاسع الواسع المتلاطم بالأمواج, وجعل فيه الأسماك والحيتان, وأحلَّها لعباده, ولحمها طريٌّ صالحٌ للأكل, وجعل فيها الحليَّ التي نستخرجها من البحار, كما قال ربُّ العزَّة: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} ]الرحمن: 22[. ومن الآيات البحرية مسير الفلك في البحر, وهي السفن التي تمخر بصدرها عباب البحر,وقوله:{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لتركبوا الفلك, وتسيروا فيها, متنقلين من قطرٍ إلى قطر, ومن بلادٍ إلى بلاد, لطلب الرزق, وزيارة الأصحاب والأقارب والأحباب, {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تشكرونه على نعمة وإحسانه وفضله.



5- ألقى ربُّ العزَّة الجبال في الأرض ليثبتها وأجرى فيها الأنهار:


أعلمنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّه {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} ]النحل: 15-16[ خلق الله تعالى الأرض فمادت, فأرساها وثبَّتها بالجبال, وسيَّر فيها الأنهار تسقي العباد والبلاد, وجعل فيها الطرق والممرات تخترق الجبال, وينتقل الناس فيها في أسفارهم, كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا} ]الأنبياء: 31[.


وجعل ربُّنا في الأرض علاماتٍ يستدلُّ بها المسافرون على ما يقصدونه في أسفارهم, وتكون العلامة جبلاً شامخاً, أو رابيةً مدببة, أو صخرةً مفلطحةً, أو هوةً سحيقةً, أو غير ذلك.


وكما جعل لنا علاماتٍ نهتدي بها في جنبات الأرض, جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمة الليل, {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} فكثيرٌ من الناس يستطيعون تحديد مشارق الأرض ومغاربها في الليل بالتعرف على مواقع النجوم.

6- استحقاق الله تعالى العبادة وحده:


أعلما ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّه وحده الخالق دون غيره بقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} ]النحل: 17[ فالله الذي خلق الخلق في الأرض وفي السماء هو الذي يستحقُّ أن يعبد وحده, فغيره لا يخلق شيئًا.


وعقَّب الله- تبارك وتعالى- على هذا السيل الذي ساقه من النعم الكثيرة الوافرة بقوله:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ]النحل: 18[ أي أنَّ العباد لا يستطيعون عدَّ نعم الله على عباده, وقد تكون في النعمة الواحدة نعمٌ كثيرة, ولذلك لا يستطيع العباد الوفاء بنعم الله كلِّها, فمن فضل الله- تبارك وتعالى- علينا أنَّه يرضى عنَّا, وإن لم نستطع أن نفيه حقَّ النعم كلِّها, و{إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ولذلك يغفر لنا ما وقع منا من تقصير في شكر نعمه.


{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ]النحل: 19[. أخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في خاتمة هذا النصِّ أنه يعلم ما نسره ونخفيه, وما نعلنه ونبديه, فعلمه بنا محيط, لا تخفى عليه خافية من أعمالنا وأقوالنا وخطرات قلوبنا.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا على نفسه في هذه الآيات

1- الله- تبارك وتعالى- الذي خلق السموات والأرض.
2- الله- تبارك وتعالى- خلق الإنسان من نطفةٍ ضعيفة, ثم أصبح لله خصيماً.
3- خلق الله- تبارك وتعالى- لنا الأنعام, نصنع من أوبارها وأصوافها ملابسنا, التي تدفئنا, ولنا في لحومها وألبانها منافع كثيرةٌ, ومنها نأكل, ولنا فيها جمالٌ حين نذهب للراحة في المساء, وحين نغدو بها في الصباح, وتحملنا وتحمل أثقالنا إلى بلدٍ لم نكن بالغيه إلا بشقِّ الأنفس.
4- الله تعالى هو الذي خلق لنا الخيل والبغال والحمير لنركب فوق ظهورها, وجعل لنا فيه زينةً وجمالاً.
5- الله تعالى الذي أنزل لنا من السماء ماءً نشرب منه, ونسقي منه دوابنا, ويخرج به الشجر الذي نطلق فيه أنعامنا لتأكل منه.
6- ينبت الله بالغيث الذي ينزله من السماء الزرع والزيتون والنخيل والأعناب, ويخرج لنا به من كلِّ أنواع الثمار.
7- الله- سبحانه- الذي سخَّر الليل والنهار, وجعلهما يتعاقبان ويتقارضان, وخلق لنا الشمس والقمر, لنعلم عدد الأيام, ونعلم الشهور والأعوام.
8- أخرج الله تعالى لنا من الأرض شتى أنواع الفواكه والخضراوات, وجعلها مختلفة الألوان فذا ذهبيٌّ, وهذا فضيٌّ, وهذا أسود, وهذا أخضر , وهذا أصفر.
9- خلق الله تعالى البحر وسخَّره لنا, وخلق لنا فيه الأسماك والحيتان, لنأكل منه اللحم الطريَّ, وجعل فيه اللؤلؤ والمرجان, لنستخرجها من البحر, ونجعلها حليةً نتحلى بها.
10- خلق لنا ربُّنا السفن, لتسير بنا في البحار, وتحمل أثقالنا فيه, ولنسافر فيه لتجارتنا إلى مختلف بقاع الأرض
11- ألقى الله تعالى الجبال في الأرض كي لا تميد بنا, وكي تثبت وتستقرّ.
12- خلق الله لنا الأنهار تسير في الأرض مشرقةً ومغربةً, تسقينا وتسقي الدوابَّ والحقول والأشجار.
13- جعل الله تعالى ممراتٍ بين الجبال, وفي الهضاب والآكام, كي نعبُر عَبرَها عندما نتحرك من مكان إلى مكان.
14- الله يعلم ما نسرُّه ونخفيه في قلوبنا وضمائرنا, وما نظهره ونبديه من أقوالنا.
15- الآلهة التي يعبدها المشركون آلهةٌ باطلةٌ, فهي مخلوقةٌ مربوبةٌ, تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ, وهي ميتةٌ ليس فيها حياةٌ, وما تدري متى البعث والنشور.
16- الله- تعالى- هو الإله الواحد الذي يستحقُّ أن يعبد وحده دون غيره.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 37 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 37






{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}



الله تعالى هو الذي أحيا العباد بعد أن كانوا أمواتاً, ثم يميتهم في الحياة الدنيا, ثم يوم القيامة يحييهم جميعاً, ويوقفهم بين يديه, ويحاسبهم على ما قدموه في دنياهم.


وكان كفار قريش وعامة العرب يكذبون بقدرة الله على البعث والنشور, وأعلمنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في هذه الآيات أن الكفار قد أقسموا على أنَّ الله لا يبعث الذي يموت, فقال: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ]النحل: 48[. فالكفار من قريشٍ يكذِّبون بالبعث والنشور, وليؤكدوا قولهم هذا أقسموا بالله {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي: بحلفهم أغلظ الأيمان, وقد ردَّ الله تعالى عليهم قولهم هذا بقوله: {بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} أي: بلى, أي سيبعث الله كلَّ من يموت, وبعث الناس يوم القيامة وعد على الله, لا بدَّ منه,{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أنَّ بعث العباد أمر يسير على الله, لا يعجزه من ذلك شيءٌ.


ثم بيَّن ربُّ العزَّة سبحانه الغرض من بعث العباد, فقال سبحانه: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} ]النحل: 39[ أي: ليبين الله تعالى لعباده ما كانوا يختلفون فيه في الحياة الدنيا, وأعظمه اختلافهم في التوحيد, واختلافهم فيما كانوا يعبدونه من دون الله تعالى:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} أي: وليعلم الذين كفروا أنهم كاذبين فيما أقسموا عليه أنَّ الله تعالى لا يبعث من يموت, ولذلك فإنَّ زبانية النار تقول لهؤلاء المكذبين بالبعث والنشور, وهي تدعُّهم إلى النار:{هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} ]الطور: 14-16[.


ثم بيَّن لنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّ أمر بعث العباد في يوم المعاد سهل يسير عليه سبحانه, {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ]النحل: 40[ فالله- تبارك وتعالى- إذ أراد أن يخلق شيئًا, فإنما يقول له: كن, فيكون كما أراده الله تبارك وتعالى, فالله لا يعجزه شيءٌ, وليس هناك شيءٌ يأمره الله فيرفض, ولا يطيع.


وقد جاء في الحديث أنَّ الذين زعموا أن الله تعالى لا يبعث من يموت, قد كذبوا على الله تبارك وتعالى, فعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كذَّبني ابن آدم, ولم يكن له ذلك, وشتمني, ولم يكن له ذلك, أمَّا تكذيبه إياي أن يقول: إنِّي لن أعيده كما بدأته, وأمَّا شتمه إياي أن يقول: اتَّخذ الله ولداً, وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أُولد, ولم يكن لي كفؤاً أحدٌ» ]البخاري: 4975[.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 38 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 38

لله يسجد ما في السموات وما في الأرض




أولًا: تقديم

عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في هذه الآيات الكريمات, عرَّفنا ربُّنا عزَّ وجلَّ أنَّ الظلال تسجد له, وتسجد له الدوابُّ, كما تسجد له الملائكة في السموات العلا, والله تعالى معبودٌ واحد, وله الدين وحده لا شريك له, والنعم التي في أنفسنا أو التي تحيط بنا فمن الله وحده, وكفار العرب كانوا يدعون الله وحده إذ أصابهم الضرُّ, فإذا رفعه عنهم أشركوا.


وكفار العرب كانوا يجعلون لمن يعبدون نصيباً من رزقهم الله, وتلك جريمةٌ سيسألهم الله عنها يوم القيامة, وكفار العرب كانوا يجعلون لله البنات, فيقولون: الملائكة بنات الله, ويكرهون أن يرزقوا البنات, فإذا رزق أحدهم بالأنثى إما أن يبقيها حيَّةً على هون, أو يقتلها بأن يدسَّها في التراب.


ثانيًا: آيات هذا الموضع

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ} ]النحل: 48-60[.


ثالثًا: غريب الآيات

يتفيأ ظلاله: دوران الظلِّ ورجوعه من موضع إلى موضع.
فارهبون: فخافون.
تجأرون: ترفعون أصواتكم متضرعين إلى الله, لعلَّه يرفع الضرَّ عنكم.
واصباً: دائماً.
تفترون: تكذبون وتختلقون.
يشتهون: يختارون.
كظيم: الكظيم الذي امتلأ غيظاً وحنقاً, فلا يتكلم.
يتوارى من القوم: يتغيب عن قومه.
أيمسكه على هونٍ, أي: يبقيه حياً وهو يشعر بالذلة والهوان.
مثل السوء: صفة السوء.
المثل الأعلى: الصفة العليا التي لا نقص فيها.


رابعًا: تفسير هذه الآيات الكريمات


عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- بنفسه في هذه الآيات الكريمات, ببيان ما يأتي:


1- أمر الله تعالى عباده أن ينظروا إلى ما خلق من شيء:


وجَّه الله- تبارك وتعالى- أنظار عباده إلى النظر إلى ما خلق من شيءٍ يُتفيَّؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجَّداً لله, فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ]النحل: 48-50[.


قال ابن جريرٍ في تفسيره: «أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسمٍ قائمٍ شجرٍ أو جبلٍ أو غير ذلك يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل, يقول: يرجع من موضع إلى موضع, فهو في أوَّل النهار على حال, ثم يتقلَّص, ثم يعود إلى حالٍ أخرى في آخر النهار» ]تفسير الطبري: 6/4988[.


وقال ابن الجوزي: «قوله تعالى:{إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} أراد من شيء له ظلٌّ, من جبلٍ, أو شجرٍ, أو جسمٍ قائمٍ {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} وهو جمع ظل, وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد, لأنه واحدٌ يراد به الكثرة. قال ابن قتيبة: ومعنى يتفيَّأ ظلاله: يدور ويرجع من جانبٍ إلى جانب, والفيء: الرجوع, ومنه قيل للظل بالعشيِّ: فيئٌ لأنه فاء عن المغرب إلى المشرق.


قال المفسرون: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة, كان الظلُّ قُدَّامك, فإذا ارتفعت كان عن يمينك, فإذا كان بعد ذلك كان خلفك, وإذا دنت للغروب كان على يسارك, وإنما وحّد اليمين, والمراد به: الجمع, إيجازاً في اللفظ, كقوله تعالى: {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ]القمر: 45[, ودلّت «الشمائل» على أن المراد به الجميع, وقال الفراء: إنما وحَّد اليمين, وجمع الشمائل, ولم يقل: الشمال, لأنَّ كل ذلك جائز في اللغة» ]زاد المسير: 4/452[.


وقوله تعالى:{سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي: يسجدون لله رب العالمين, وهم داخرون, أي: صاغرون.


ثم أخبر ربُّ العزَّة- سبحانه- عن سجود الدواب والملائكة لله تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} ]النحل: 49[. وهذا الكون كل ما فيه يسجد لله ربِّ العالمين, كما قال تعالى:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} ]الرعد: 15[, وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ]الحج: 18[, ونحن نعلم أن المخلوقات التي عدَّها ربُّنا وغيرها تسجد له حقيقةً, ولكننا لا نعرف كيف تسجد, كما قال الله تعالى في تسبيح الكائنات {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} ]الإسراء: 44[.


وقد كانت الجبال والطير يسبحن مع نبي الله داود عليه السَّلام {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} ]الأنبياء: 79[ وأخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّ الرعد يسبح بحمده {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} ]الرعد: 13[.


وأخبرنا ربُّنا العليم الحكيم سبحانه أنَّ الملائكة تسبح بحمده وهم لا يستكبرون, وأنهم {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ]النحل: 50[. فالملائكة الكرام مع ما أعطاهم من قوى وقدراتٍ, لا يملك مثلها أحد من أهل الأرض يخافون ربَّهم من فوقهم, وهم يديمون طاعة ربِّهم, وكلُّ ما أمرهم به فعلوه من غير تقصير.


2- نَهْيُ الله عباده عن اتخاذ إلهين اثنين:


نهى الله- تعالى- عباده أن يتخذوا إلهين اثنين, وقرَّر سبحانه وتعالى أنَّ الإله الذي يستحقُّ العبادة إلهٌ واحدٌ {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} ]النحل: 51[.


نهى الله تبارك وتعالى عن اتخاذ إلهين اثنين, ثم أثبت أنَّ الإلهية منحصرة في إلهٍ واحدٍ, وهو الله سبحانه, ثمَّ أمر الله سبحانه بالخوف منه وحده {فإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أي: ولا تخافوا المعبودات الباطلة التي كان يعبدها المشركون.


وقوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ]النحل: 52[ أي: هو مالكهما وخالقهما سبحانه, {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} ]النحل: 52[ أي: الدينونةُ لله ربِّ العالمين, وقوله: {وَاصِبًا}, أي: دائماً, ومنه قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} ]الصافات: 9[ أي: دائمٌ.


وقوله تعالى:{أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} ]النحل: 52[ أغير الله تتقون عذابه وعقابه؟ ثم قرر ربُّ العزَّة في خطابه عباده أنَّ كلَّ النعم التي تحيط بنا هي من ربِّنا وحده سبحانه, {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ]النحل: 53[. والنعم قد تكون دينية, وهي معرفة الحقِّ والعمل به, وإما دنيوية نفسانية أو بدنية, أو هي خارجية وهي تتمثل في الأولاد والأزواج والزروع والحرث ومتاع الدنيا, ونعم الله تعالى تحتاج إلى شكر.


وقوله:{ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ]النحل: 53[, أي: إذا أصابتنا المصائب, ونزلت بنا الدوائر, فإلى الله تعالى نجأر, أي: ترفعون أصواتكم مستغيثين به سبحانه متضرعين له, لعلمكم أنَّه وحده الذي يستطيع رفع الضرِّ عنكم.


وأخبرنا عن حال الكفار إذا رفع الضر عنهم, فقال:{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} ]النحل: 54[. أي: إذا رفع ربُّ العزَّة الضرَّ الذي نزل بعباده سبحانه {إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي: إذا جماعةٌ من العباد الذين أخلصوا دينهم في حال نزول الضرِّ بهم يشركون في حال رفعه الضرَّ عنهم, وهذا الذي فعله هؤلاء أمر مستغربٌ منه, متعجبٌ منه, فهؤلاء بعد أن وحّدوا كفروا {لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ]النحل: 55[ أي: ليكفروا بما آتاهم الله تعالى من كشف الضرِّ, وقوله: {فَتَمَتَّعُوا}أي: بدنياكم, فإنَّها قليلةٌ فانيةٌ و {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عندما تصيرون إلى يوم الدين, وينزل بكم العذاب.


3- كفار أهل مكة يجعلون لأصنامهم نصيباً مما رزقهم الله تعالى:


أخبرنا ربُّنا العليم الحكيم أنَّ مشركي أهل مكَّة {يَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} ]النحل: 56[. أخبرنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّ هؤلاء الكفار يجعلون للأصنام والأوثان التي لا تعقل, ولا تعلم, ولا تضر, ولا تنفع, يجعلون لها نصيباً من أموالهم وأنعامهم التي رزقهم الله تعالى إياها,{تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} أقسم ربُّ العزَّة سبحانه وتعالى بذاته الكريمة, على أنَّهم سيسألون يوم القيامة عما كانوا يفترونه, وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع, والمراد به أن يعترفوا على أنفسهم في ذلك اليوم, لأنَّ سؤال التوبيخ هو الذي لا جواب لصاحبه إلا ما يظهر فيه فضيحته.
وقوله: {تَفْتَرُونَ} أي: تقوَّلونه على الله تبارك وتعالى.


4- كان أهل الجاهلية ينسبون لله سبحانه البنات وينسبون لأنفسهم الذكور:


أخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّ قبائل من عرب الجاهلية كانوا يجعلون البنات لله, ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه:{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} ]النحل: 57[. وهذا من إفكهم وضلالهم, فقد كانوا يزعمون أنَّ الملائكة بناتُ الله تعالى الله عما يقولون {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ]الصافات: 151-154[.


وقوله تعالى{وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} أي: يختارون لأنفسهم الذكور, ويأنفون من البنات, وأخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنه {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ]النحل: 58-59[.


أخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أن الواحد من أهل الجاهلية إذا رزقه الله تعالى بالأنثى, وبُشِّر بها, امتلأ قلبه غيظاً, وأصابه النكد والهمُّ, وتغيَّرت ملامح وجهه, وتعكَّرت, وظهرت عليه علامات الاكتئاب, وأصبح كظيماً, والكظيم الذي امتلأ غيظاً وحنقاً, فلا يتكلم. وتراه {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِه} أي: تراه يتغيَّب عن قومه, ويختفي منهم, من سوء العار الذي بشِّر به, وأصبح الواحد منهم بين حالين تجاه هذه الوليدة, الأولى: أن يمسكها على هونٍ, أي: على هوانٍ, والثانية: أن يدسَّ هذه الوليدة في التراب, وهذا الذي كان يعرف عند أهل الجاهلية بالوأد, يقتلون الصغيرة بدفنها حيَّةً.


وقال ربُّ العزَّة سبحانه معقباً {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} والحكم الذي حكموا به, وذمَّهم الله تعالى به هو نسبتهم البنات اللواتي يكرهونهن إلى ربِّ العزَّة, ألا بئس الحكم الذي حكموه. من جعل البنات لله ولهم الذكور.


وقرَّر ربُّ العزَّة- سبحانه وتعالى- أنَّ {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ} ]النحل: 60[. قرر- سبحانه- أنَّ هؤلاء القوم الذين نسبوا إلى الله- تعالى- البنات, وهم لا يؤمنون بالآخرة لهم مثل السوء, أي: صفة السوء, ومن أمثلة السوء التي يستحقها هؤلاء ما ضربه الله من الأمثال للأصنام وعبدتها, والله تعالى له المثل الأعلى, أي: الصفة العليا, فالله تعالى كمالٌ لا نقص فيه, فالله تعالى واحدٌ أحدٌ, فرد صمدٌ, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد, والله واحد في ذاته, واحد في صفاته, لا يشبهه شيءٌ, ولا يماثله شيءٌ, سبحانه.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات الكريمات

عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بنفسه في هذه الآيات الكريمات بتقرير ما يأتي:
1- الظلال تسجد لله تعالى, ظلال الناس والأشجار والجبال وغيرها.
2- الله تعالى هو الإله الذي لا يستحقُّ العبادة غيره, فلا يجوز للبشر أن يعبدوا غيره.
3- الله تعالى له ما في السموات وما في الأرض, لا يَشركُه معه فيهما غيره, وله سبحانه الدين وحده, فلا يجوز الدينونةُ لغيره.
4- كلُّ النعم التي في الإنسان, والنعم التي تحيط بالإنسان في الأرض وفي السماء من الله تعالى وحده.
5- المشركون يفردون الله بالالتجاء إليه إذا أصابهم الضرُّ, فإذا رفع الله عنهم ما أصابهم من الضرِّ أشركوا.
6- يجعل المشركون مما رزقهم ربُّهم تبارك وتعالى من الحبوب والثمار والأنعام نصيباً لآلهتهم, يتقربون إليهم بها, وليسألنَّهم الله تعالى يوم القيامة عمَّا يفترونه ويختلقونه.
7- يزعم كفار العرب أنَّ الملائكة بنات الله, في الوقت الذي يكرهون نسبة البنات إليهم, فإذا بشِّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 39 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 39

إيحاءُ الله تعالى إلى النحل




أولًا: تقديم

عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في هذه الآيات بنفسه, وذلك ليرقِّق بها قلوبنا, ويصفِّي بها نفوسنا, ويمضي بنا إلى نور الإيمان, فمن ذلك إنزاله الماء من السماء, فيحيي به الأرض بعد موتها, وإخراجه اللبن من بطون الأنعام لبنًا سائغًا للشاربين, وأخرج لنا من ثمرات النخيل والأعناب لنتخذ منه سكراً ورزقاً حسناً, وأخرج لنا من بطون النحل عسلاً صافياً, فيه شفاء للناس, وهو خلقنا ثم يتوفانا, وقد نردُّ إلى أرذل العمر كي لا نعلم من بعد علمٍ شيئًا.


وفضَّل الله- تعالى- بعضنا على بعضٍ في الرزق, وجعل الله تعالى لنا أزواجًا, وجعل لنا منهن بنين وحفدةً.


ثانيًا: آيات هذا الموضع

{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} ]النحل: 65-72[.


ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
الفرث: ما يبقى في كرش الأنعام بعد هضمها الطعام.
خالصاً: صافياً لا تخالطه الشوائب.
سائغاً: يتقبله شاربه ويتذوقه.
يعرشون, أي: ما يصنعونه من العرائش القائمة على الأعمدة والجدران.
سبلُ ربك: السبل الطرق التي يسير فيها النحل.
أرذل العمر: أسوؤه وأدناه.
حفدة: الأحفاد أولاد الأولاد.


رابعًا: تفسير آيات هذا الموضع من سورة النحل

عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في آيات هذا الموضع ببيان ما يأتي:


1- الله- تعالى- أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها:


أخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّه{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} ]النحل: 65[ أنزل الله- تبارك وتعالى- من السماء ماءً, أي: من السحاب, فأحيا به الأرض بعد موتها, فإنَّك تمرُّ بالأرض, فتراها يابسةً خاشعةً, فإذا جادها الله تعالى بالغيث تراها وقد أينعت وأنبتت, واكتست جنباتها بالخضرة والزهور, {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: إنَّ في ذلك لآيةً تدلُّ على وحدانية الله تعالى, وقوله: {يَسْمَعُونَ} أي: يسمعون كلام الله تعالى, ويفقهون ما يتضمنه من العبر, ويتفكرون في خلق السموات والأرض.


2- إسقاءُ الله- تعالى- لنا مما في بطون الأنعام لبناً خالصاً للشاربين:


قال سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} ]النحل: 66[«فهذا اللبن الذي تدرُّه ضروع الأنعام مم هو؟ إنه مستخلصٌ من بين فرثٍ ودمٍ, والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم, وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم, هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم, فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع الله العجيب, الذي لا يدري أحد كيف يكون.


وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دمٍ, وتغذية كلُّ خليةٍ بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم, عمليةٌ عجيبة فائقة العجب, وهي تتم في الجسم في كلِّ ثانيةٍ, كما تتم عمليات الاحتراق, وفي كلِّ لحظة تتمُّ في هذا الجهاز الغريب عمليات هدمٍ وبناءٍ مستمرة, لا تكف حتى تفارق الروح الجسد..., ولا يملك إنسان سويُّ الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كلُّ ذرَّةٍ فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني, الذي لا يقاس إليه أعقد جهازٍ من صنع البشر, ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى.


ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل, وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجبٌ لا ينقضي التأمل فيه.


وقد بقي هذا كله سراً إلى عهد قريب, وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من فرثٍ ودمٍ لم تكن معروفة لبشر, وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلاً على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة , وما يملك إنسانٌ يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل , ووجود حقيقةٍ واحدةٍ من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن , فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة.


والقرآن – يعبر هذه الحقائق العلمية البحتة – يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها ؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين » [ في ظلال القرآن 4/2180].


3-أخرج الله لنا من ثمرات النخيل والأعناب سكراً ورزقاً حسناً :


ومن آيات الله تبارك وتعالى الدالة على بديع صنعه, وعجيب أمره ما أخرجه لنا من ثمرات النخيل والأعناب نتخذ منه سكراً ورزقاً حسناً {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:67]. فثمار النخيل يصنع منها المسكرات , وكانت الخمر في أوَّل الإسلام حلالاً , ثم حُرِّمت , وقوله : {وَرِزْقًا حَسَنًا} فيها إشارةٌ إلى أنَّ الخمر غير داخلةٍ في الرزق الحسن , والرزق الحسن هو في تناول ثمار النخيل , وصنع ألوان الطعام من تلك الثمار , فمن ذلك صناعة التمر والزبيب واستخراج الدبس منهما, وأنواع العصير , وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} إنَّ فيما أخرجه ربُّنا – تبارك وتعالى – من ثمرات النخيل والأعناب آياتٌ, وليس بآيةٍ واحدةٍ تدلُّ على بديع صنع الله, والذي يفقه هذه الآيات هم الذين يعقلون عن الله كلامه, ويحسنون النظر إلى ما خلق من آياته.


4-أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس:


أخبرنا ربُّنا – عزَّ وجلَّ – أنَّه {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:68-69].


وقد فسَّر سيِّد قطب رحمه الله تعالى هذه الآيات بقوله: «والنحل تعمل بإلهامٍ من الفطرة التي أودعها إياها الخالق, فهو لونٌ من الوحي تعمل بمقتضاه, وهي تعمل بدقةٍ عجيبةٍ يعجز عن مثلها العقل المفكر سواءً في بناء خلاياها. أو في تقسيم العمل بينها, أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى.


وهي تتخذ بيوتها – حسب فطرتها – في الجبال والشجر وما يعرشون, أي: ما يرفعون من الكروم وغيرها, وقد ذلَّل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق , والنصُّ على أنَّ العسل فيه شفاءٌ للناس قد شرحه بعض المختصين في الطبِّ, شرحاً فنياً, وهو ثابتٌ بمجرد نصِّ القرآن عليه؛ وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استناداً إلى الحقِّ الكليِّ الثابت في كتاب الله» [في ظلال القرآن: 4/2181].


وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ تدلُّ على أنَّ العسل فيه شفاءٌ للناس, فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريُّ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه, فقال: «اسقه عسلاً» ثمَّ أتى الثانية, فقال: «اسقه عسلاً» ثمَّ أتاه الثالثة فقال : «اسقه عسلاً» ثمَّ أتاه فقال: قد فعلت , فقال: «صدق الله, وكذب بطن أخيك, اسقه عسلاً», فسقاه فبرأ [البخاري: 5684, ومسلم:2217].


وعن عائشة صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ الحلواء والعسل [البخاري: 5431.مسلم:1474مطولاً].


وعن ابن عباس رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفاء في ثلاثةٍ: في شرطةِ مِحْجمٍ, أو شربةِ عسلٍ, أو كيَّةِ نارٍ, وأنا أنهى أمتي عن الكيِّ» [البخاري:5681].


وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه , قال: سمعت رسول الله رضي الله عنه يقول: «إن كان في أدويتكم – أو يكون في شيءٍ من أدويتكم – خيرٌ, ففي شرطةِ مِحْجمٍ, أو شربةِ عسلٍ, أوى لذعةٍ بنارٍ توافق الدَّاء, وما أُحبُّ أن أكتوي» [البخاري:5683.مسلم2205].


5- الله – تبارك وتعالى- خلقنا ثم يتوفانا:


أخبرنا ربُّنا –عزَّ وجلَّ- سبحانه أنَّه خلقنا من العدم, ثم يتوفانا سبحانه, أي يميتنا, وقد يردُّ بعضنا إلى أرذل العمر, وأرذل العمر الشيخوخة, وبلوغ الإنسان حالةً لا يعلم فيها شيئًا, كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].


وكان الرسول رضي الله عنه يدعو ربَّه أن لا يردَّ إلى أرذل العمر, فعن أنس بن مالك أن الرسول كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل, وأرذل العمر, وعذاب القبر, وفتنة المحيا والممات» [البخاري: 4707- ومسلم: 2706].


6-فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق :


قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل:71].


خاطب الله – نبارك وتعالى – المشركين به غيره قائلاً لهم: الله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا, فما الذين فضَّلهم الله على غيرهم {بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم} فهم لا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواءٌ, قال قتادة في تفسير الآية: «وهذا مثلٌ ضربة الله, فهل أحد منكم شاركه مملوكه في زوجته, وفي فراشه, فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإذا لم ترض لنفسك هذا, فالله أحقُّ أن ينزَّه منه من نفسك ولا تعدل بالله أحدا من خلقه» [تفسير الطبري: 6/5017].


وقوله: {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: جحدوا نعمة الله عندما جعلوا لأصنامهم من الحرث والأنعام نصيباً.


7-جعل الله – تبارك وتعالى – لنا من أنفسنا أزواجاً وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة:

خاطب ربُّ العزَّة عباده قائلاً لهم: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل:72].


امتنَّ الله – تبارك وتعالى – على عباده من البشر بأنَّه خلق لهم من أنفسهم أزواجاً, وقد خلق الله – تبارك وتعالى- لآدم من ضلعه زوجاً له, وهي أمُّنا حواء كما قال – تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1].


وجعل لنا ربُّنا من أزواجنا {بَنِينَ وَحَفَدَةً} أي جعل لنا منهنَّ الأولاد, وجعل لنا الحفدة, وهم أولاد الأولاد, ورزقنا {مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أي: من الطعام والشراب واللباس, ثمَّ ذمَّ ربُّ العزَّة – تبارك وتعالى – المشركين لإيمانهم بالباطل من الأصنام والأوثان, وكفرهم بنعم الله, أي: عندما يصرفون العبادة لغير الله من الآلهة الباطلة {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} .


8-ذمَّ الله – تعالى – المشركين لعبادتهم غيره:


ذمَّ ربُّ العزَّة المشركين بعبادتهم ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل:73] فهذه الآلهة الباطلة لا تملك شيئًا من الرزق في السماوات والأرض, فلا تملك أن تنزل المطر من السماء, ولا تملك أن تخرج الزرع, ولا تُدرَّ الضرع, ولا تملك دفع الشرِّ عن عابديها, ولا تملك جلب الخير لهم, {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} أي: هذه الأصنام لا تملك شيئًا من ذلك لأنفسها فهي ضعيفةٌ عاجزة.


ونهى الله – تعالى – المشركين عن ضرب الأمثال لله تبارك وتعالى:{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:74]. أي: فلا تجعلوا لله أنداداً ولا أشباهاً وأمثالاً, فإنَّ الله – تبارك وتعالى – يعلم أنَّه واحدٌ لا شريك له, وأنتم لا تعلمون ذلك.


9-ضرب الله – تبارك وتعالى - مثلين للإله الحقِّ والإله الباطل:


ضرب الله – تبارك وتعالى – مثلين للإله الحقِّ وللإله الباطل {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل:75].



قال مجاهد في هذه الآية: «كلُّ هذا مثل إله الحقِّ, وما يُدعى من دونه من الباطل, وقال السُّديُّ: هذا مثلٌ ضربه الله للآلهة, يقول: كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيءٍ, وعبدٌ حرٌّ قد رُزق رزقاً حسناً, فهو ينفق منه سراً وجهراً, لا يخاف من أحدٍ, فكذلك أنا والآلهة التي تدعون, ليست تملك شيئًا, وأنا الذي أملك وأرزق من شئت, وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج, قال: بيَّن الله لهم أمر ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان, فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق, والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان, فكيف يسوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل, وبين الله الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ, وهو رازقٌ جميع خلقه» [تفسير الواحدي:13/142].


وضرب الله – تبارك وتعالى – مثلاً آخر, فقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجلَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:76].



وذهب مجاهدٌ والسدِّيُّ وقتادة إلى أنَّ هذا المثل كسابقه ضرب الله تعالى فيه مثلاً لإله الحقِّ والأصنام والأوثان, وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة. [تفسير الواحدي: 13/147].


والأبكم: الأقطع اللسان, وهو العييُّ بالجواب, الذي لا يحسن وجه الكلام, لأنَّه لا يفهم وجه الكلام, ولا يُفهم عنه. وقوله: {لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} أي: لا يقدر على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ} أي: هو ثقلٌ, أي: عيالٌ على مولاه وصاحبه, {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي: أينما يرسله ويبعثه لا يأت بخير, لقلة فهمه, وقصور إدراكه {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: هل يستوي هذا الأبكم الذي هذه صفاته, هو والرجل السويُّ القادر على النطق, التامُّ العقل, الذي يحسن التدبير والعمل, الذي يأمر بالعدل, وهو على صراطٍ مستقيم, أي: على الدين القويم.
والجواب: أنهما لا يستويان.


10-الله – تبارك وتعالى- محيط علمه بالسموات والأرض:


ثم أخبرنا ربُّنا- ربُّنا تعالى-أن له: {غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل:77].


فالله – تبارك وتعالى – العليم الخبير مطلعٌ على كلِّ ما غاب عنكم من غيوب السماوات والأرض لا يخفى عليه شيءٌ من أمورهما, ومن جملة هذه الغيوب التي لم يُطْلع ربُّنا عليها أحداً, لا ملكاً مقرَّباً, ولا نبياً مرسلاً, زمن وقوع الساعة, وقد أخبرنا ربُّنا عزَّ وجلَّ عن قدرته على وقوع الساعة, فإذا شاء إيقاعها, كان وقوعها في مثل لمح البصر, أو هو أقرب من ذلك, لأنَّه يقول لها: كن, فتكون كما يريده الله تعالى, والله تعالى على كل شيءٍ قديرٍ.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات:

عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بإعلامنا ما يأتي:
1. أنزل الله – تعالى – الماء من السماء بالمطر, فأحيا به الأرض بالنبات.
2. أخرج الله تعالى لنا اللبن من الأنعام من بين فرثٍ ودم, ليكون لنا شراباً نافعاً مفيداً.
3. أخرج الله تعالى لنا من النخيل والأعناب الثمار النافعة لتكون لنا رزقاً.
4. أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شراباً مختلفاً ألوانه, فيه شفاء للناس.
5. الله تعالى هو الذي خلقنا, ثم يتوفانا, وبعضنا قبل الوفاة يردُّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا.
6. الله – تعالى – فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق.
7. الله – تعالى – جعل لنا من أنفسنا أزواجاً, وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدةً, ورزقنا من الطيبات.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 40 )  
قديم 2014-12-27
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 40

الله تبارك وتعالى أخرجنا من بطون

أمهاتنا لا نعلم شيئا

ً

أولًا: تقديم

قال قتادة: «هذه السورة – يعنى سورة النحل – سورة النعم» [ابن كثير:4/60]. وهذا هو النصُّ الثالث في هذه السورة الذي يعرفنا ربُّ العباد فيه بنفسه, فحدَّثنا فيها كيف أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, وجعل لنا السمع والبصر والفؤاد لنعقل ونفقه.


وأمرنا أن ننظر إلى الطيور وهي تحلق في جوِ السماء, لا يقدر على إمساكها إلا الله تعالى, وجعل لنا من بيوتنا سكناً, وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتاً, يسهل علينا حملها ونصبها في أسفارنا وأماكن إقامتنا, وامتنَّ علينا بما نصنعه من أصواف الخراف, وأوبار الإبل, وشعر الماعز, من الأثاث والمتاع.


وامتنَّ الله تعالى علينا بأنَّه جعل لنا مما خلق من الشجر والبيوت والجبال ظلالاً تقينا حرَّ الشمس, وجعل لنا من الجبال غيراناً ومسارب نلجأ إليها وقت الحاجة, وجعل لنا سرابيل تقينا الحرَّ والبرد, وسرابيل أخرى تقينا ضربات الخصم في ميدان الحرب والقتال.


ثانيًا: آيات هذا النص من سورة النحل

{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جلَّودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}.


ثالثًا: تفسير مفردات آيات هذا الموضع

سكناً: موضعاً نسكن فيه.
الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
أكناناً: أي :غيراناً وأسراباً.
سرابيل: هي الثياب المصنعة من الصوف والقطن والكتان وغيرها.
وسرابيل تقيكم بأسكم: هي الدروع من الحديد والمعادن القوية.
رابعًا: شرح الآيات

عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – بنفسه في هذه الآيات ببيان ما يأتي:


1- الله تعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, ثم جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة:


عرَّف الله – تبارك وتعالى – عباده بذاته, وخاطبهم تبارك وتعالى قائلاً لهم: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78] عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – أنَّه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, فلا ينزل الإنسان من بطن أمه وهو عالم, وجعل الله – تبارك وتعالى- لنا السمع الذي ندرك به الأصوات, والأبصار التي نرى فيها المرئيات, وجعل لنا الأفئدة التي نميِّز بها النافع والضار, وهذه القوى من السمع والبصر والأفئدة , تقوى عند الإنسان شيئًا فشيئًا, حتى تكون أفضل ما تكون, وقد خلق الله تبارك وتعالى لنا هذه القوى حتى نستعين بها على عبادة ربِّنا ومولانا سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب, وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضت عليه, وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أُحبَّه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, وإن سألني لأعطينَّه, ولئن استعاذني لأعيذنَّه, وما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن, يكره الموت وأنا أكره مساءته» [أخرجه البخاري(6502)].


فالحديث يدلُّ على أنَّ العبد إذا أخلص دينه لله عزَّ وجلَّ, فإنَّ أفعاله تصبح كلُّها لله تعالى, فسمعه الذي يسمع به لا يكون إلا لله, وكذلك بصره, ويده,ورجله, لأنَّه لا ينبعث إلا لتحقيق ما أمر الله تبارك وتعالى.


2-منظر الطير وهن مسخرات في جو السماء:

حثَّنا الله – تعالى – على النظر إلى الطير التي سخرَّها سبحانه لتطير في الفضاء بين السماء والأرض {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل:79].


حثَّ الله – تبارك وتعالى – عباده لينظروا إلى الطير المحلِّقة في أجواء الفضاء, وهو منظرٌ جميلٌ بديعٌ, تراها تحلقُّ, وهي تصدح, وتصفِّر وتغرِّد, ترتفع تارةً, وتنزل أخرى, وتدور في طيرانها, ما يمسكها إلاَّ ربُّها تبارك وتعالى {إنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي آيات دالة على قدرة الله وبديع صنعه سبحانه وتعالى.


3-جعل الله تعالى لنا من بيوتنا سكناً وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتاً:


خاطب الله –تبارك وتعالى- عباده ممتناً عليهم, قائلاً لهم:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جلَّودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ} [النحل:80].


امتنَّ الله –تبارك وتعالى- على عباده بأن جعل لهم من بيوتهم التي يبنونها من الحجر أو الطين أو الخشب أو (الإسمنت) أو المعادن سكناً, يؤون إليها, ويسكنون فيها, وجعل لهم من جلود الأنعام بيوتاً, فيصنع العباد من جلود الإبل والبقر والغنم, الخيام بيوتاً, وهذه الخيام يسهل على العباد الانتقال بها من مكانٍ إلى مكان, وينصبونها في أسفارهم, كما ينصبونها في مقرِّ إقامتهم, ويتخذون من أصواف الخراف, وأوبار الإبل, وأشعار المعز, أنواع الأثاث والمتاع,فيتخذون منها البسط, والخيم, والملابس, وغيرها, والأثاث: متاع البيت.


وقوله: {إِلى حِينٍ} أي إلى الوقت الذي تفنى فيه, أو يهلك فيها أصحابها.


4-الله تعالى جعل لنا مما يخلق ظلالاً ومن الجبال أكناناً:


عرَّف ربُّ العزَّة عباده- تبارك وتعالى – أنَّه جعل لهم {مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}[النحل: 81] .


عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – أنَّه جعل لنا مما خلق من البيوت والأشجار ظلالاً تقينا حرَّ الشمس, وجعل لنا من الجبال أكناناً, والأكنان الغيران والأسراب, وواحد الأكنان كنٌّ, وكل شيءٍ وقى شيئًا وستره فهو كِنٌّ, وجعل لنا سرابيل تقينا الحرَّ, ومثله البرد, وسرابيل تقينا بأسنا, والسرابيل التي تقينا الحر والبرد هي الثياب والقمص المصنوعة من القطن والصوف والكتان وغيرها, وجعل لنا سرابيل تقينا بأسنا, وهي الدروع من الحديد والزرد, والبأس الذي تقينا إيَّاه ضربات السيوف, وطعن الرماح والرمي بالسهام, في ميدان الحرب والقتال.


وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي: سخَّر لكم ذلك لتستقيموا على أمر الله, وتسلموا دينكم لربِّكم بتوحيده وإخلاص الدين له.


وقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النحل:82] أي: إن كذبوك وأعرضوا عما جئتهم به من الحقِّ, فإنَّ الواجب عليك أن تبلغهم ما جاءك من عند الله من الحقِّ.


وقوله تعال: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ}[النحل:83] وأعظم نعم الله تعالى التي أنعم بها على عباده إرسال رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم , وهم يعرفون رسوله, فقد عاش بينهم زمناً طويلاً, وعرفوا صدقة وأمانته وخلقه, ولكنهم كفروا بهذه النعمة العظيمة, وأكثرهم كافرون بها, فقد آمن بعضهم, وكفر كثير منهم في ذلك الزمان.


خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات

عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – بنفسه أنَّه:
1. هو الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, ثم جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة, لنعلم ونشكر ربنا على ما حبانا من نعمه.
2. الله الذي أقدر الطير على التحليق في جوِّ السماء, لا يقدر على إمساكهنَّ غيره.
3. الله الذي جعل لنا بيوتاً نسكن إليها, ونأوي إليها, وجعل لنا من جلود الإبل والبقر والغنم بيوتاً هي الخيام التي يسهل علينا نقلها في أسفارنا ونصبها في محلِّ إقامتنا.
4. الله تعالى هو الذي جعل لنا من الأشجار والجدر وغيرها ظلالاً تظلنا من أشعة الشمس, وجعل من الجبال غيراناً ومسارب نأوي إليها في المطر والحرّ, وجعل لنا الملابس والثياب تقينا الحرَّ والبرد, وجعل لنا الدروع التي تقينا ضربات الخصم في ميدان القتال.
* * *
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الله يحدث عباده عن نفسه



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 06:53 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب