منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > أقسام الشريعة الإسلامية > منتدى طلب العلم الشرعي

منتدى طلب العلم الشرعي [خاص] بجميع المواضيع الخاصة بطلب العلم

الله يحدث عباده عن نفسه

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حق الله تعالى على عباده seifellah منتدى طلب العلم الشرعي 2 2014-08-08 11:54 AM
ويحذركم الله نفسه .. seifellah ركن كن داعيا 0 2014-05-16 08:35 PM
من قال: ((لا إله إلا الله دخل الجنة)) هل هذا حديث؟ وهل يكتفي الإنسان بقول: ((لا إله إلا الله)) دون ا فتحون منتدى الدين الاسلامي الحنيف 2 2014-04-06 10:09 PM
مفجر شريط " الجمركيين" يحدث نفسه أمام المرآة في وضع نفسي متدهور -فيديو Emir Abdelkader قسم اخبار الصحف 0 2014-02-24 04:48 PM
ما أعظمك وما أرحمك بأُمَّتِك، يا رسول الله .......حديث والله تقشعر منه الجلود ما شاء الله راجية الجنة منتدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 10 2011-10-01 12:03 AM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 41 )  
قديم 2014-12-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 41

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا}



أولًا: تقديم

هذه الآيات نمطٌ جديدٌ يعرفنا فيها الله تعالى بذاته, فقد عرَّفنا في الآية الأولى عن إسرائه برسوله محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, وهذا الفعل من الله تعالى وإن كان خاصاً بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم , فإنَّ في تكريمه تكريماً لأمته, ثمَّ في الإسراء والمعراج معجزة عظيمة لرسولنا صلى الله عليه وسلم , وقد فرض الله عليه في الإسراء الصلاة, وقد جاءنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بمعلومات كثيرة عن الرسل والأنبياء, وعن السماوات, وسدرة المنتهى والجنة.


والأمر الثاني الذي يتعلق بإنزال التوراة على موسى, وكان في ذلك تكريمٌ عظيم لموسى عليه السَّلام, وقد جعل الله التوراة موضع هدايةٍ لجميع بني إسرائيل.


والأمر الثاني له تعلق بأمة كاملة هي أمة بني إسرائيل, وهو حديث عظيم , له علاقة بالأمة الإسلامية, وقد حدَّثنا الله عن معالم هذا الحدث, وخطواته التي تبشِّر الأمة الإسلامية أنَّ أمرها سيكون إلى خير, وأنها ستنجح في إزالة هذا البلاء العظيم الذي ستبتلى به.


والأمر الرابع: وهو جعله سبحانه وتعالى الليل والنهار آيتين, وقد سبق مثله كثيراً.


ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الإسراء

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا * إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء:1-12].


ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

أسرى بعبده, أي: سار به ليلاً.
قضينا: حكمنا
تفسدنَّ: هو ما يفعله بنو إسرائيل من قتلٍ وتدميرٍ للحرث والنسل وتخريبٍ على النحو الذي يفعله اليهود اليوم في فلسطين.
ليتبروا: ليهلكوا ويخربوا, والتبار: الهلاك.
آيتين: علامتين عظيمتين تدلاَّن على الله تعالى.
فمحونا آية الليل: محا آية الليل بجعلها مظلمةً لا نور فيها.
وجعلنا آية النهار مبصرة, أي: جعل النهار مضيئاً منيراً.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع

1-إسراء الله تعالى برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى:


عرَّفنا تبارك وتعالى في الآية الأولى من هذه الآيات أنَّه هو الذي أسرى بعبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله, ليريه من آياته {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء].


والمسجد الحرام في مكة, والمسجد الأقصى في مدينة القدس في فلسطين, والإسراء سير الليل. و{بِعَبْدِهِ} أي: برسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم , وقد استنكر واستغرب الكفار هذا الخبر, فقد كانوا يحتاجون إلى شهرٍ حتى يصلوا إلى القدس, ويحتاجون إلى شهر آخر للعودة منها, فكيف يصدِّقون لمن يخبرهم أنه ذهب إليها, ثم عرج به إلى السموات العلا وعاد بعد ذلك إلى مكة في بعض ليلة.


ولكننا نؤمن بذلك ونصدِّق به, لأنَّه لم يفعل ذلك بنفسه, وإنما الذي فعله به هو الله سبحانه, والله قادرٌ على كلِّ شيءٍ, لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.


2-إيتاءُ الله تعالى موسى الكتاب وجعله هدى لبني إسرائيل:


عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – أنَّه آتى موسى الكتاب, وهو التوراة ليكون هذا الكتاب العظيم هدى لبني إسرائيل {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء:2}.


3-قضاء الله تعالى إلى بنى إسرائيل ليفسدنَّ في الأرض مرتين:


عرَّفنا ربُّنا – تبارك وتعالى – أنَّه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب الذي هو التوراة أو في اللوح المحفوظ أنهم سيفسدون في الأرض مرتين, ومعنى قضى, أي: حكم حكماً جازماً لا رجعة فيه أنَّهم سيفسدون في أرضنا هذه إفسادين عظيمين{وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}]الإسراء:4[
وقد بيَّن الله- تبارك وتعالى - كيف سيجري كل واحدٍ من الإفسادتين, وكيف سيواجه كلُّ واحدٍ منهما .


وقد ذهب المفسرون إلى أنَّ هاتين الإفسادتين قد مضتا وانقضتا , والذي حققته في تفسيري لهذه الآيات في سورة الإسراء ,وفي كتابي «وليتبروا ما علوا تتبيرا» أن هاتين المرتين هما الواقعتان الآن , وهما يدلان على أنَّ اليهود في فلسطين إلى زوال , وأنَّ الأمَّة الإسلامية ستسوء وجوه اليهود , وسيدخل المسلمون المسجد الأقصى فاتحين له كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب , وليتبروا العلو اليهودي تتبيراً.


4. جعل الله تعالى الليل والنهار آيتين :


وبعد ذلك آياتٍ عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى أنه جعل {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}]الإسراء:12[.


أخبرنا ربُّنا عزَّ وجلَّ أنه جعل الليل والنهار آيتين , أي:علامتين دالتين على أنه هو الإله المعبود الذي يستحقُّ العبادة وحده دون سواه, كما قال تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} ]فصلت 37 [.


وقوله تعالى {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ}]يس 37 [.وقوله تعالى{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}]آل عمران 190 [.


وقوله تعالى : {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} ومحو آية الليل بجعله سبحانه الليل مظلماً , وبذلك يكون مناسباً للراحة والهدوء , وجعل آية النهار مبصرةً , أي جعل النهار مضيئاً , ليسعى الناس في أشغالهم وأعمالهم , وكما أنَّ الليل والنهار آيتان , فإنما هما أيضاً نعمتان , كما قال ربُّ العزَّة {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَوَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}] القصص 71 -73[.


وقوله تعالى : {لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} أي جعل الله النهار مضيئاً لتبتغوا فيه أشغالكم , وتقضوا أعمالكم {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ْ} فالعباد إذا مرَّ عليهم الليل والنهار بشروق الشمس وغروبها , علموا عدد الأيام وبمنازل القمر عرفوا الشهور والأعوام , وعرفوا شهر الحجِّ , وشهر الصيام , كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}] يونس 5 [, وقال تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ] البقرة 189[.


وقوله تعالى : {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} أي :كل شيء بيَّناه ووضحناه من الأحكام والحلال والحرام , بيَّناه بياناً هو في غاية الوضوح .


5 - وكلَّ إنسانٍ ألزمنا طائره في عنقه :


أخبرنا ربُّنا - تبارك وتعالى – أن {كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} ] الإسراء 12- 14[.


أعلمنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّ كلَّ إنسانٍ ألزمه طائره في عتقه لازماً له لزوم القلادة والغلِّ , لا ينفك عنه , وطائره هو عمله , فعمل كل إنسان لازم له , كما قال تعالى : {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}]النساء 123 [. وقوله{إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}]الطور:16[.


وقوله تعالى :{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} ذكر الله تبارك وتعالى أنَّ ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه , يخرجه له يوم القيامة مكتوباً في كتاب يلقاه منشوراً , أي : مفتوحاً يقرؤه , وبين الله في موضع آخر أنَّ هذا الكتاب لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}]الكهف : 49 [.



وقوله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي : يقال للإنسان في ذلك اليوم بعد أن يعطى كتابه : {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} وكل إنسان في ذلك اليوم يكون قارئاً {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا}]الانشقاق : 7 - 12[.


خامساً كيف عرَّفنا ربُّنا - تبارك وتعالى - بنفسه في هذه الآيات :

عرَّفنا ربُّنا - تبارك وتعالى - في هذه الآيات بنفسه بما يأتي :
1- الله - تبارك وتعال - الذي أسرى بعبد ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله , ثمَّ عرج به إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله , ثم عرج به إلى السموات العلا , ثم أعيد إلى المدينة عبر الأقصى .
2- آتي الله عبده ورسوله موسى - عليه السَّلام- التوراة , وجعلها هدى لبني إسرائيل , والتوراة أحد أعظم ثلاثة كتب أنزلها الله من عنده .
3 - قضى الله على بني إسرائيل أن يفسدوا في الأرض مرتين , وهما اللتان تجريان اليوم , وقد بيَّن الله تعالى أنَّ الأمة الإسلامية ستقضي على هذا العلو اليهوديِّ وتنهيه , وستستعيد المسجد الأقصى , وتدمر العلو اليهودي .
4- جعل الله تعالى الليل والنهار آيتين , فأزال النور من الآية الأولى , وجعل الآية الثانية مضيئةً منيرةً.
* * *
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 42 )  
قديم 2014-12-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 42

قل ادعو الله أو ادعو الرحمن




عرَّفنا الله - تبارك وتعالى - بنفسه في الآيتين الأخيرتين اللتين ختم بهما سورة الإسراء , فقال : {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}]الإسراء : 110-111[.


قال تعالى : {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}]الإسراء : 110 [. أمر الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله باسمه الله , أو باسمه الرحمن , فهما اسمان من أسمائه الحسنى , ولا حرج عل من دعا بأيٍّ منها {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ} ]الحشر:24 [.


ونهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يخافت بصلاته , أو يجهر بها , أي : بقراءته القرآن {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي: عليك بطريق وسط بين الجهر والمخافتة.


وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} , قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكَّة , كان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن , فإذا سمع المشركون سبُّوا القرآن , ومن أنزله , ومن جاء به , فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} أي : بقراءتك , فيسمع المشركون , فيسبُّوا القرآن {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} : عن أصحابك , فلا تُسمِعهم {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلا} ]البخاري : 4722 : ومسلم : 446 [.


وقوله تعالى : {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} ]الإسراء :111[. أمر الله - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحمده سبحانه , لأنَّه اتصف بثلاث صفاتٍ , الأولى : أنَّه لم يتخذ ولداً , وحمده سبحانه لاتصافه بهذه الصفة يدلُّ على مدة الجرم الذي وقع فيه الذين نسبوا إليه الولد , فالنصارى قالوا : عيسى ابن الله , والعرب قالت : الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولونه علواً كبيراً - والثانية : أنه ليس له شريك في الملك , فالله - تعالى - خالق السموات والأرض وحده , لم يشركه في ذلك أحد سبحانه . والثالثة : أنَّه {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ} أي : أنه لا يحتاج إلى أحدٍ يتولاه ويعينه على أمر نفسه , ولا تدبير أمر غيره .


وقوله تعالى : {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} أي : عظِّمه تعظيماً , ومن ذلك قول العبد : الله أكبر , أو قوله , الله أكبر كبيراً , ونحو ذلك .


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 43 )  
قديم 2014-12-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 43

القرآن تنزيل من عند الله الذي خلق الأرض

والسموات العلا




أولًا:تقديم

عرَّفنا ربُّنا - تبارك وتعالى - بنفسه في هذه الآيات , فعرَّفنا أنَّ هذا القرآن تنزيلٌ من عند خالق الأرض وخالق السموات العلا , وهو الرحمن الذي على العرش استوى , وعرَّفنا سبحانه بأنَّ له ما في السموات وما في الأرض , وما بين السموات والأرض , وله سبحانه ما تحت الثرى.


وإعلام الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم إعلامٌ لجميع أمته أنَّه إن يجهر بالقول , فجهره به أو إسراره به عند الله سواء , فالله تعالى يعلم السرَّ وأخفى , وأعلمنا ربُّنا - تبارك وتعالى - أنَّه المعبود الحقُّ الذي لا يستحق العبادة معه أحدٌ , وأعلمنا سبحانه أنَّ له الأسماء الحسنى , فكلُّ أسمائه حسنى , وكل صفاته عليا .


ثانياً : آيات هذا النص من سورة طه

{طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} ]طه 1-8 [.


ثالثاً : تفسير آيات هذا الموضع من سورة طه

لتشقى , أي : لتتعب,وأصل الشقاء العنت والتعب .
العرش : أعظم مخلوقات الله الذي استوى عليه الرحمن في الأزل .
الثري : الترابُّ النديُّ .


رابعاً : شرح هذه الآيات

1- مصدر هذا القرآن الكريم :



أعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنَّه لم ينزل القرآن عليه ليشقى {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ]طه 2]. وأصل الشقاء : العناء والتعب , وإذا كان الله لم ينزل عليه القرآن ليشقى , فإنَّه أنزله عليه ليهنأ ويسعد به في الدينا والآخرة , كما قال تعالى : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ]الضحى 5[.
وقوله تعالى : {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} ] طه : 3 [. أي : ما أنزلناه إلا تذكرةً لمن يخشى الله تعالى , والتذكرة : الموعظة التي تلين لها القلوب , وجعل الله القرآن موعظةً لمن يخشى , لأنَّهم هم الذين ينتفعون به دون غيرهم , كما قال تعالى {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ} ] يس : 11 [.
هذا القرآن العظيم منزلٌ من عند خالق الأرض والسموات العلا .
والعلا : العالية الرفيعة .
فالله تعالى خالق هذا الكون , وهو منزل القرآن , فإذا حدثنا سبحانه في كتابه عن كونه , فإنَّه يجيء بالحقِّ الذي لا باطل فيه .


2- تعريف الله تعالى عباده بنفسه :



عرَّف ربُّنا -تبارك وتعالى - عباده بنفسه في هذه الآيات الكريمات , فقال :
{تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى *الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}] طه : 4- 7 [.


بيَّنت هذه الآيات لنا أنَّ ربَّنا منزل القرآن هو خالق الأرض والسموات العاليات , وهو الرحمن الذي استوى على عرشه , وهو سرير ملكه , والعرش : أعظم مخلوقات الله تعالى , ومعنى استوى في لغة العرب : علا , وارتفع , واستقرَّ , أما كيف استوى , فلا ندريه , ولا نعلمه , ولكنَّنا نوقن أن الله تعالى استوى عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته سبحانه .


وعرَّفنا ربُّنا بنفسه أيضًا فقال : {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} فكلُّ ما في السموات والأرض وما بين السموات والأرض , وما تحت الثرى فله وحده لا يشركه فيه أحدٌ غيره , ومما في السموات والأرض العباد وما يعبدونه من الأوثان والأصنام والشمس والقمر والنجوم والملائكة , وكلُّ هؤلاء مربوبون مخلوقون , لا يستحقُّ أحدٌ منهم العبادة و {الثَّرَى} التراب النديُّ , والله اعلم بما تحت الثرى من الصخور والمياه والمعادن وغيرها .


وقوله تعالى : {وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنَّه إن يجهر بالقول , فإنَّه يعلم السرَّ وأخفى , والسر ما أخفاه المرء في ضميره , ويعلم ما هو أخفى من السِّر , وهو الخاطر العابر الذي يمرُّ به القلب , ولا يستقرُّ فيه .



وفي إخبار الله تعالى عباده بعلمه بالسرِّ وما هو أخفى منه دعوة إلى العباد أن يدعوه ويسألوه خفيةً من غير إعلانٍ بالدعاء.


3-{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى}:
أعلمنا ربُّنا -سبحانه - في تعريفه لنفسه , أنَّه هو المعبود الذي لا يستحقُّ أحد العبادة إلا هو , وأعلمنا - سبحانه وتعالى - أنَّ له الأسماء الحسنى , وأسماؤه سبحانه كثيرةٌ , منها ما أخبرنا عنه في كتابه القرآن , ومنها ما جاءت به السنة المطهرة , ومنها ما علَّمه بعض خلقه , ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده , وكلُّ أسماء الله حسنى , {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى}] طه : 8 [.


وأسماء الله بابٌ عظيمٌ يُعرِّفنا بربِّنا الكريم , وقد أمرنا ربُّنا سبحانه أن ندعوه بأسمائه الحسنى , فقال {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} ] الأعراف : 180 [.


خامساً : كيف عرَّفنا ربُّنا - عزَّ وجلَّ - بنفسه:

عرَّفنا ربُّنا -تبارك وتعالى- بنفسه أنه الذي :
1- أنزل القرآن الكريم من عنده سبحانه , وأنه خالق الأرض وخالق السموات العلا.
2- استوى ربنا - تبارك وتعالى- على العرش , وهو أجلُّ مخلوقاته وأعظمها , فهو أعظم من السموات والأرض.
3- لله كل ما في السموات والأرض , وما بين السموات والأرض , وله سبحانه ما تحت الثرى , فله الكون كلُّه , وهو مالك ما يعبده الكفار من الشمس والقمر والنجوم والأصنام وغير ذلك .
4 - يستوي في علم الله - تبارك وتعالى- ما يرفع العبد به صوته , وما يخفيه في قلبه , فالسرُّ والإعلان عنده سواء .
5- الله له تسع وتسعون اسمًا , وكل أسماء الله حسنى , وهو المعبود الحقُّ الذي لا يستحق العبادة أحدٌ غيره .
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 44 )  
قديم 2014-12-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 44

موسى عليه السَّلام يعرِّف بربِّه




أولًا: تقديم

هذا الموضع يعرِّف فيه موسى فرعون بربِّه عندما سأله عنه، والأصل أن لا يضيق صدر العبد إذا سئل عن ربِّه، لأن هذا الكتاب العظيم قد حوى الكثير مما حدَّثنا به ربُّنا عن نفسه.


ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة طه

{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ ربُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 49 - 55]
* * *
ثالثًا: تفسير مفردات الآيات

كل شيءٍ خلقه، أي: ما يناسب خلقه.
‏القرون الأولى: الأمم السابقة.
‏سبلاً: طرقاً.
‏أزواجاً: الأزواج الأصناف المختلفة.
شتى: متنوعة.
‏أولو النهى: أصحاب العقول.



رابعًا: شرح هذه الآيات

‏سأل فرعون موسى عليه السَّلام أن يعرِّف له ربَّه، وهذا الموضوع يعرفه الرسلُ والأنبياء خير معرفةٍ، ولذلك انطلق لسانُ نبيِّ الله موسى في تعريفه لربِّه تبارك وتعالى.



‏وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله تعالى وأهل العلم، فلا يجوز لهم أن يتقنوا الأحكام الشرعية، فإذا أرادوا الحديث عن ربِّهم انقطعت بهم الحبال.



1- فرعون يسأل موسى وهارون عن ربِّهما:


‏بلَّغ موسى وهارون فرعون الرسالة التي أرسلهما ربُّهما بها، فسألهما فرعون قائلًا: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه: 49] وفرعون كان منكرًا لوجود الخالق، وكان يدَّعي أنَّه ربُّ الناس الأعلى، فقال له موسى مجيبًا: {ربُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50].


‏أي: أعطى الله كلَّ شيءٍ وجوده الذي خلقه عليه، فالله تعالى أعطى الرجل هذا الخلق الذي نشاهده، خلقه منتصب القامة، وجعل له رأسًا، ‏وصدرًا وبطنًا، وأعطاه العينين اللتين يبصر بهما، واليدين اللتين يبطش بهما، والأذنين اللتين يسمع بهما، والقلب الذي يضخُّ الدم، وأعطاه المعدة والأمعاء والرئتين، وغير ذلك.



‏وخلق المرأة كذلك مع بعض الاختلاف، لتستطيع أن تقوم بالدور المناط بها، وهكذا خلق الجِمال والأبقار والأغنام والأسود والنمور والكلا‏ب وغيرها، كلُّ واحد خلقه وأعطاه الخلق الذي يناسبه، وأعطاه ما يحتاج إليه من الخصائص.



‏فعاد فرعون يسأل مرةً ثانيةً، {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51]، سأل فرعون عن حال القرون التي مضت من الخلق، {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52]، أي: أنَّ الله عالمٌ بتلك القرون، وأمرها مرصودٌ عند الله في كتاب أحصى أمرها وأخبارها؛ مع أنَّ الله لا يحتاج إلى كتابٍ، فهو لا يضلُّ، ولا ينسى، أي: لا يشذُّ عنه شيءٌ، ولا يفوته صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا ينسى شيئًا، هو عالم بكلِّ شيءٍ.



2- موسى عليه السَّلام يفيضُ في التعريف بالله تعالى:


‏سأل فرعون موسى وهارون عن ربِّهما، فأجاب موسى بأنَّ ربَّه الذي أعطى كلَّ شيء خلقه، ثمَّ هدى، ثم عاد فرعون ليسأل عن القرون الأولى، فأجاب موسى أنَّ علمها عند الله في كتاب لا يضلُّ ربُّه، ولا ينسى، ثمَّ عاد موسى ليفيض في الحديث عن ربِّه، وهو الموضوع الرئيس الذي يتقنه موسى، ويتقنه جميع الأنبياء المرسلين، فقال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 53 - 55].


قال موسى معرِّفاً بربه: هو الذي جعل لكم الأرض مهدًا، أي: خلقها كالمهد، وهو الفراش، وهذا كقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48]. وجعل الله في الأرض سبلاً، أي: طرقاً يمرُّ بها الناس في أسفارهم، ويتنقلون عبرها في جنبات الأرض، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] وربنا هو الذي أنزل المطر من السماء، فأخرج به أزواجًا من نبات كلِّ شيءٍ، والأزواج: جمع زوجٍ، وهي الأصناف المختلفة في الأشكال والمقادير والمنافع والألوان والروائح والطعوم.
‏وقد خلق الله هذه الأزواج ليأكل الناس من ثمارها وحبوبها ونباتها، وترعى منها أنعامهم، كما قال تعالى: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27].



‏وأخبر موسى في عرضه لهذه الآيات، أنَّ فيها آياتٍ لأصحاب العقول: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى}‏، وأُولو النُهى: أصحابُ العقول، وفيها تعريضٌ بفرعون أنه إن لم يهتد بها، فليس من أصحاب العقول.



‏وختم موسى كلامه الموجَّه إلى فرعون بقوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] فالله خلقنا بخلق أبينا آدم من تراب الأرض، وإلى الأرض يعيدنا بعد موتنا، ومن الأرض يبعثنا في يوم القيامة.
وقد أخبرنا عزَّ وجلَّ أنَّ موسى وهارون أرَيا فرعون الآيات التي أرسلهما الله بها فكذب، ورفض الإيمان بها {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} [طه: 56].



خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا – عزَّل وجلَّ – في هذه الآيات بنفسه:

‏عرَّف موسى عليه السَّلام فرعون بالله ربِّ العالمين عندما سأله فرعون عن ربِّه تبارك وتعالى، بما يلي:
١- عرَّفه أنَّ ربَّه ربُّ الخلق جميعًا، وقد خلق ربُّ العزَّة كلَّ مخلوقٍ، وأعطاه ما يناسبه من الخلق.
2- عِلمُ الذين سبقوًا من البشر مدوَّنٌ محفوظٌ عند ربِّ العزَّة، لا يضيع منه شيءٌ.
3- الله – تعالى - جعل الأرض كالمهد، وجعل بين جبالها طرقًا، يتنقَّل الناس عبرها، وأنزل الله تعالى من السماء ماءً، فأخرج به من نبات الأرض أنواعًا مختلفة من النبات والأشجار.
4- الله تعالى خلقنا من تراب الأرض، وسيميتنا، ويعيدنا إلى الأرض، ثم يخرجنا منها يوم القيامة.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 45 )  
قديم 2014-12-28
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 45

مشهد القيامة في القرآن




أولًا: تقديم

‏هذا نمطٌ جديدٌ من تعريف الله تعالى عباده بنفسه، فهو يحدَّثنا في هذه الآيات بفعله يوم القيامة عندما تقوم الساعة، ويقوم العباد ليوم المعاد، وما يفعله الله تعالى بكونه وعباده.



‏ففي ذلك اليوم يُنفخ في الصور، ويحشر الله العباد، وينسف الله الجبال، فيزيلها من مكانها، ويصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، وفي ذلك اليوم يتبع الناس الداعي وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور لا يحيدون عنه، ولا يشفع أحد عند الله تعالى إلا من بعد إذن الله ورضاه.



‏والله تعالى يعلم ما بين أيدي العباد في الدنيا، وما خلفهم في الآخرة، ولا يحيط العباد علمًا بربِّهم، وفي يوم القيامة تعنو وجوه العباد لله ربِّ العالمين.



ثانيًا: آيات هذه الموضع من سورة طه

‏{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 102 - 113].


ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

الصور: البوق العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل يوم القيامة.
‏زرقًا، أي: لون عيونهم زرق لشدَّة ما يصيبهم من هول.
‏يتخافتون، أي: يتحدثون فيما بينهم بصوتٍ خافت، أي: مخفض.
قاعًا أي: أرضًا مستوية، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض.
عوجاً ولا أمتاً , أي : لا ترى فيها منخفضاً ولا مرتفعاً.
الداعي: هو إسرافيل عليه السَّلام.
خشعت، أي: سكنت لربِّ العزَّة.
‏همسًا: الصوت الخفيُّ الصادر عن الفم.
عنت الوجوه للحيِّ القيوم: خضعت.
القيوم: القائم بنفسه المقيم لغيره.



رابعًا: شرح هذه الآيات

‏عرَّفنا ربُّنا - تبارك وتعالى - بما يفعله يوم القيامة في عباده، وفي كونه على النحو الأتي:



‏1- إذا شاء الله تبارك وتعالى أن يبعث العباد يوم القيامة أمر إسرافيل عليه السَّلام أن ينفخ في الصور، والصور بوقٌ عظيمٌ، ينفخ فيه إسرافيل في المرة الأولى، فيدمر الكون، ويموت الأحيا‌ء، ثم ينفخ فيه أخرى، فيقوم ‏الناس لربِّ العالمين {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [طه: 102].



2- يحشر الله تعالى المجرمين يوم الدين زرق العيون، وزرقة العين تتشاءم العرب بها , والمجرمون: الكفرة المشركون، {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه: 102].



3- أخبر الله تعالى أن بعض الناس سألوا عما يُفعل بالجبال يوم القيامة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 105 – 107]. وقد أمر الله - تبارك وتعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم ويخبرهم عما سيفعله بها، وأخبر سبحانه أنه سينسفها نسفًا، فيزيلها من مواضعها، ويذر مكانها قاعًا صفصفًا، ‏والقاع: المستوي من الأرض، فلا ترى في أرض المحشر جبلاً ولا رابيةً، ولا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا، والصفصف: الأرض الملساء التي لا ‏نبات فيها. وقوله تعالى: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} أي: لا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا.



4- ‏أخبرنا ربُّنا - تبارك وتعالى- أنَّ الناس يوم القيامة عندما يقومون من قبورهم يتبعون الداعي {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108]‏. والداعي الذي يتبعونه هو إسرافيل الذي يناديهم، فيسمعهم، ويسيرون وفق ما يأمرهم به، لا تسكن في ذلك اليوم، فلا تسمع إلا همسًا، والهمس: الصوت الخفيُّ الصادر عن الفم، أو الناتج عن سير الأقدام.



5- ‏أخبرنا ربُّنا - تبارك وتعالى - أنَّ الشفاعة في يوم القيامة لا تقبل إلا ممن أذن له الرحمن ورضي له قولًا {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] فلا يشفع أحدٌ يوم القيامة إلا من أذن الله تعالى له في الشفاعة، ورضي قوله، ولا بدَّ مع رضا الله عن الشافع أن يرضى أيضًا عن الشفاعة للمشفوع عنه، فلا يشفع عنده كافرٌ أو مشرك، ولا يُشفع في كافر أو مشرك، وإذا أذن الله في الشفاعة شفع الأنبياء والمرسلون، وشفع الصديقون والشهداء والصالحون، وهذه الآية كقوله تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، وقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28].


6- أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّ الله تعالى يعلم ما بين أيدي عباده من الملائكة والإنس والجن، وهو ما أمامهم إلى قيام الساعة، ويعلم ما خلفهم، أي: من أمر الدنيا، ولا يحيط علمهم بالله تعالى، فهم يعلمون عن الله ما علمهم الله تعالى إيَّاه، ولكنَّ علمهم بالله قليل {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].


7- أخبرنا العليم الحكيم سبحانه أن الوجوه يوم القيامة تعنو للحيِّ القيوم {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}[طه: 111]. وعنوُّ الوجوه يوم القيامة للحيِّ القيوم سبحانه يعني خضوعها له، وذلَّها واستسلامها للجبَّار القهار- تبارك وتعالى-، والحيُّ القيوم هو الله تعالى، فحياته دائمةٌ أبديةٌ سرمديَّةٌ، ولكمال حياته سبحانه لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وقيُّوم: قائمٌ بنفسه، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وهو مقيم لغيره، وقوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} أي: خسر وذلَّ من جاء يوم القيامة حاملاً للظلم، والمراد بالظلم هنا الشرك، كما قال لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].


8- أخبرنا الله- تبارك وتعالى- بالناجين يوم الدين، فقال:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112] أخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّ الذي يعمل الأعمال الصالحة في حال كونه مؤمناً فإنَّه لا يخاف يوم القيامة ظلماً ولا هضماً، والظلم أن تكثر سيئاته وتعظم من غير سبب منه، والهضم أن تنقض حسناته وتبخس.


9- أنزل الله آخر كتبه وهو القرآن الكريم بلسان العرب، وصرَّف فيه أنواع الوعيد لعلَّ العباد ينزحون عن الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، ليحدث القرآن للعباد في قلوبهم ذكراً لربِّهم تبارك وتعالى{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113]. امتنَّ الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين بإنزاله عليهم القرآن الكريم، بلسان عربيٍّ مبين، وصرَّف فيه أنواع الوعيد، فإذا لامس الوعيد قلوب العباد خافت ربَّها، واتقته، فاجتنبت المآثم والفواحش والمحارم، وأوقع في قلوبها الذكر، فاعتبرت واتعظت.


10- نزَّه الله تعالى نفسه عن مماثلة المخلوقات في شيءٍ من الأشياء في قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه: 114] وقد وصف ربُّنا عزَّ وجلَّ نفسه بأنَّه الملك الحقُّ سبحانه. ونهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن العجلة بقراءة القرآن عندما كان يوحى به إليه قبل أن يتم جبريل قراءته عليه{وَلَا تَعْجلَّ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وهذه الآية كقوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجلَّ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16- 19].

خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- بنفسه:

عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بنفسه في هذه الآيات وفق ما يأتي:
1- يأمر الله- تبارك وتعالى- إسرافيل يوم القيامة أن ينفخ في الصور، فيقوم الناس لربِّ العالمين.
2- يحشر الله- تبارك وتعالى- يوم الدين المجرمين من الكفرة والمشركين زرق العيون.
3- ينسف الله تعالى الجبال يوم القيامة، فيصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض.
4- يتبع الناس يوم القيامة نداء إسرافيل لا يحيدون عنه، وتخشع الأصوات في ذلك اليوم، فلا يُسمع إلا الهمس.
5- لا يشفع في ذلك اليوم أحدٌ عند الله إلا من أذن الله تعالى له، ورضي قوله.
6- الله- تبارك وتعالى- يعلم ما أمام الناس في الآخرة، وما خلفهم في الدنيا، ولا يحيط العباد بربهم علماً.
7- تعنو الوجوه لربِّها يوم القيامة.
8- المؤمنون الذين يعملون الصالحات يوم القيامة آمنون ولا يخافون ظلماً ولا هضماً.
9- الله تعالى هو الذي أنزل القرآن، وصرَّف فيه ألوان الوعيد.
***
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 46 )  
قديم 2014-12-30
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 46

لم يخلق الله السموات والأرض لعبًا وباطلًا





أولًا: تقديم

بيَّن الله تعالى ما لا يجوز له فعله فيما أخذ نفسه به، فهو لم يخلق السموات والأرض لعباً وعبثاً، وأعلمنا سبحانه أنَّ له من في السموات والأرض، وله عباده الذين يسبحونه في الليل والنهار، وأعلمنا أنَّه الواحد في هذا الكون الذي يستحقُّ أن يعبد.


ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الأنبياء

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء: 16-35].


ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

يقذف: شبَّه الحقَّ من القول بالقذيفة التي ترمى في القتال.
فيدمغه: فيصيبه في دماغه.
زاهق، أي: هالك.
الويل: العذاب.
يستحسرون: لا يعيون ولا يتعبون.
يفترون: لا يضعفون ولا يسأمون، ولا يشغلهم عن التسبيح شيء.
مشفقون: خائفون وجلون.




رابعًا: شرح آيات هذا الموضع

عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في هذه الآيات ببيان ما يأتي:


1- الغاية التي خلق الله السموات والأرض من أجلها:


أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه ما خلق السموات والأرض وما بينها لهواً ولعباً،{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16] لم يخلقهما ربُّنا عبثاً وباطلاً، ولعباً ولهواً، وإنما خلقهما ليكون الكون كلُّه معبداً لله تعالى، ودليل ذلك أنَّ الله تعالى سيحاسب العباد في يوم المعاد على ما قدَّموه، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار} [ص27].


وأخبرنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- أنَّه لو أراد أن يتخذ لهواً، لاتخذ لهواً من عنده {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] وأصل اللهو: الجماع، ويطلق على الزوجة أو الولد، والله تعالى أعلى وأجلَّ وأكرم من أن يتخذ لهواً، ولذلك قال:{إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} أي: ما كنا فاعلين.


وقال تعالى مبيناً قدرته على إبطال الباطل {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] والحقُّ الذي يقذف به على الباطل ما أنزله تعالى في كتبه، وأوحى به إلى رسله، وفيه الحجج النيرات والبراهين النيرات، التي تقيم الأدلة على الحقِّ، وتظهر عوار ما جاء به أهل الباطل. وقوله:{وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} أي: ولكم العذاب مما تصفون به الله من الباطل، كدعواهم أنَّ الله اتخذ ولداً، وقوله: إذا هو زاهق، أي: ذاهبٌ زائلٌ مضمحلٌ.


2- الله تعالى له من في السموات والأرض:


الله تعالى له وحده ملك السموات والأرض، فهو مالكهما وخالقهما ومدبرهما لا يشركه في ذلك أحدٌ {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19- 20].


وإذا كانت السموات والأرض خلقه وملكه، فكلُّ ما فيهما مخلوقٌ مربوبٌ، ومن ذلك الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار والشمس والقمر، وكل ما عبده البشر، وأراد بالذين عنده الملائكة فإنهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، فالملائكة الكرام لا يستكبرون عن عبادة الله، ولا يتعاظمون أن يعبدوه، ولا يأنفون ذلك.


وقوله:{وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} أي: لا يعيون، ولا يتعبون.


وقوله:{يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} أي: لا يشغلهم عن التسبيح شيءٌ، فالتسبيح لهم بمثابة النفس لنا.



3- بطلان الآلهة التي يعبدها الكفار من دون الله:


أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنَّ الكفار اتخذوا من دون الله آلهة، وقد أنكر الله- تعالى- عليهم ذلك، وبيَّن أنَّ هذه الآلهة باطلةٌ، لا تقدر على إحياء الموتى {أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ}[الأنبياء: 21]، وقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا} أم هنا بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، كأنَّ في القول إضراباً عن الأول. وقوله:{هُمْ يُنْشِرُونَ}أي: يحيون الموتى، لأنَّ من صفة الإله الحقِّ أنه يحيى الموتى. قوله:{مِنَ الْأَرْضِ} أي: أنَّ آلهتهم التي يعبدونها مصنوعةٌ من جنس الأرض، فهي أصنام مصنوعة من الصخور أو الطين، أو الخشب، أو الحديد أو نحو ذلك.


أخبر الله تعالى أنَّ استقامة أمر السموات والأرض يدلُّ على وحدانية الله، وأنَّه لا إله غيره، ولا معبود سواه {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 22-23].



وهذا الذي ذكره ربُّنا يسمى دليل التمانع، فلو كان فيهما آلهة غير الله لفسدت السموات والأرض، لأنَّ الآلهة ستختلف فيما بينها، فلو أراد أحدهم خلق شيءٍ، وأراد الآخر عدم خلقه، فإن تعارضهما سيمنع الخلق، فإن قدر أحدهما على الإيجاد، ولم يستطع الآخر المنع، كان الذي لم يستطع الخلق عاجزاً لا يصلح أن يكون إلهاً.


وقد نزَّه تعالى نفسه عن الشريك بقوله:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} فهو واحد أحد فرد صمد، لا شريك له.


4- طلب الله تعالى من المشركين أن يأتوا بما يدلُّ على صحة ما ادعوه من آلهة:


قال الله- تعالى- منكراً على المشركين فيما اتخذوه من آلهة يعبدونها من دون الله {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ}[الأنبياء: 24] والمعنى: بل اتخذوا من دون الله آلهة، وطالبهم أن يأتوا بدليلٍ وبرهانٍ يدلُّ على صحة ما يزعمونه، وأعلم أنَّ الأدلة المنزلة من عند الله التي أنزلها في كتابه القرآن وفي جميع الكتب السماوية السابقة تدلُّ على وحدانية الله، وقرَّر سبحانه أنَّ أكثر الكفار لا يعلمون الحقَّ فهم معرضون عن الحقِّ.


ومما يدلُّ على كذب ما ادَّعاه المشركون أن جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم أعلنوا للناس جميعاً أنَّه لا إله إلا الله، فاعبدوه وحده {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 25] وهذه الآية كقوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقوله:{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45].


5- تنزيه الله- تعالى- عن الولد:


ادَّعى بعض العرب أنَّ الملائكة بنات الله، وقد ردَّ الله عليهم، وأكذبهم، فقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}[الأنبياء: 26-29].


وقد نزَّه ذاته عما يقولونه ويفترونه ثم أخبر أنَّ ملائكته عبادٌ مكرمون، لا يسبقونه بالقول، فلا يقولون حتى يقول، وهم بأمره يعملون، وأخبر أنَّ علمه محيط بهم، يعلم ما بين أيديهم، أي: ما أمامهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، أي: إلا لمن رضي الله عن الشفاعة لهم، وهم عصاة الموحدين، وأخبر أن الملائكة كانوا ولا يزالون مشفقون، أي: خائفون من خشية الله، وقال: ومن يقل منهم: إنَّه إله من دون الله، فإنَّ الله يجزيه جهنَّم، كذلك يجزي الظالمين، وهذه فرضيةٌ، وإلاَّ فإنَّه يستحيل أن يدعي واحد من الملائكة أنه إله من دون الله.


خامساً: كيف عرف ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في هذه الآيات

عرف ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في هذه الآيات بما يأتي:
1- لم يخلق الله- تبارك وتعالى- السموات والأرض لعباً وعبثاً، بل خلقهما لغايةٍ صحيحةٍ، خلقهما ليعبد ويطاع.
2- الله- تبارك وتعالى- له كلُّ من في السموات ومن في الأرض، فالله تعالى مالكهما ومالك ما فيهما سبحانه، والمالك يتصرف في ملكه كما يشاء، وما يعبده الناس من الشمس والقمر والنجوم والأوثان، والأصنام كلُّه مخلوقٌ مربوبٌ معبَّدٌ لله تعالى.
3- الملائكة الذين عند الله في السموات يعبدون الله ويسبحونه ويطيعونه.
4- لو كان في السموات والأرض آلهة على وجه الحقيقة لفسدتا وزالتا، فلا يقيمها على هذا النحو إلا الله سبحانه وحده.
5- المشركون الذين اتخذوا من دون الله تعالى آلهةً يحتاجون أن يقيموا الأدلة والبراهين الدالة على صحة هذه الآلهة المكذوبة المدَّعاة.
6- كلُّ الرسل الذين أرسلهم الله تعالى متفقون على وحدانية الله، وأنه المعبود الذي يستحق العبادة دون غيره.
7- كل رسول كان الله يرسله كان أول ما يدعو قومه إلى توحيد الله.
8- زعم الكفار أنَّ الله تعالى اتخذ ولداً، هم الملائكة، وحقيقة الأمر أنَّ الملائكة عباد الله تعالى مطيعون لله عابدون له.
9- علم الله محيط بملائكته يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون لأحدٍ لا يريد الله الشفاعة له، وهم مشفقون من خشيته.
10- من يقل من ملائكة الله إنَّه إله من دون الله- وهذا على سبيل الفرض- فإنه يعذبه في النار.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 47 )  
قديم 2014-12-30
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 47

كانت السموات والأرض رتقًا ففتقهما ربُّ العزَّة




أولًا: تقديم


عرَّفنا ربُّنا- تبارك وتعالى- بنفسه في هذه الآيات، فالسموات والأرض كانتا رتقاً متلاصقين، ففتقهما الله وفصل بينهما، وجعل من الماء كل شيء حيٍّ، وأرسى الأرض بالجبال، وجعل السماء سقفاً محفوظاً من الشياطين بالشهب، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر سابحات في الفضاء، وهو الذي يميتنا سبحانه بعد أن أحيانا.


ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنبياء

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ* وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 30-33].

ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات

رتقاً، أي: متلاصقتين.
الفتق: الفصل بين الشيئين.
يؤمنون، أي: يصدِّقون.
رواسي: الرواسي الجبال.
تميد: تضطرب وتتمايل.
فجاجاً: الطرق بين الجبال.
سبلاً: جمع سبيل وهي الطرق النافذة المسلوكة.
محفوظاً: أي: من الشياطين بالشهب.




رابعًا: شرح هذه الآيات

عرَّفنا الله- تبارك وتعالى- في هذه الآيات بنفسه على النحو التالي:
1- كانت السموات والأرض رتقاً، ففتقهما ربُّ العزَّة، قال تبارك وتعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30]. أي كانت السموات والأرض متلاصقةً، بعضها مع بعضٍ، ففتقهما الله، وفصل بين السموات والأرض، فرفع السماء إلى مكانها، وأقرَّ الأرض في مكانها، وفصل بينهما بالهواء، والرَّتق: المتصل بعضه ببعضٍ، الذي لا صدع فيه، ولا فتح. والفتق: الفصل بين الشيئين.


2- خلق الله تعالى من الماء كل شيءٍ حيٍّ{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]، وهذه الآية كقوله تعالى:{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] فكلُّ الأحياء في الأرض من الإنسان والدوابِّ والطيور والنبات مخلوقةٌ من ماء، وهي محتاجةٌ إلى الماء لبقائها ووجودها، وقوله:{أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} أي: ألا يصدِّقون.


3- جعل الله في الأرض رواسي كي لا تميد بنا، قال تعالى:{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] و{رَوَاسِيَ} الرواسي: الجبال الثوابت، و{أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} أي: لئلا تتحرك وتضطرب بالخلق. فالجبال في الأرض تحفظ توازنها، وتجعلها هادئة في دورانها، ولولا الجبال لما استقرت الأرض وما صلحت الحياة فوقها.


4- جعل الله في الجبال فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون، قال تعالى{وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31]، والفجاجُ : الطرق الواسعة بين الجبال، وكلُّ مخترقٍ بين جبلين فهو فجٌّ، وقوله: {سُبُلًا} جمع سبيل، أي: طرقاً نافذةً مسلوكةً، وهي تفسير للفجاج.


5- جعل الله السماء سقفاً محفوظاً، حفظ الله السماء بالنجوم التي ترجم بها الشياطين{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] وهذه كقوله تعالى:{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5].


وقد تكون الإشارة بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} إلى الغلاف الجويِّ الذي يحيط بالأرض، وهو يحفظ الأرض من الأشعة التي يموج بها الكون، ويحفظها من الأجرام التي تتساقط من الفضاء، حتى إذا دخلت الغلاف الجوي للأرض احترقت وتفتت.


وقوله: {سَقْفًا} أي: جعل الله السماء سقفاً للأرض، وهذا كقوله تعالى:{وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} [الطور: 5] وقوله:{وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] آيات السماء نجومها وشموسها وأقمارها وأمطارها ورعودها وبروقها، ونحو ذلك.


6- خلق الله الليل والنهار والشمس والقمر، ففي الليل يكون السكون والهدوء، ويأخذ الناس النوم، وفي النهار يُبعث الناس ويقومون لأعمالهم، خلق الله للناس الشمس التي تضيء الأرض، تمدُّ الناس بالضوء والحرارة، وفي الليل يظهر القمر، الذي جعله الله مواقيت للناس والحج.


قوله تعالى:{كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] قال ابن جرير: «جائز أن يكون ذلك الفلك كحديدة الرَّحى كما قال مجاهد، أو كطاحونة الرَّحى كما ذُكر عن الحسن، وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كلُّ شيءٍ دائرٍ، فجمعه أفلاك» [تفسير ابن جرير: 7/ 5691] وقوله:{يَسْبَحُونَ} أي: يجرون كالسابح في الماء، وقد يقال للفرس الذي يمدُّ يديه في الجري: سابح.


خامساً: كيف عرَّف الله تعالى بنفسه في هذه الآيات

عرَّف الله- تبارك وتعالى- عباده بنفسه، وأعلمنا سبحانه وتعالى أنَّه الذي:
1- خلق السموات والأرض، وكانتا متلاصقتين، ففتقهما الله تعالى على النحو الذي هما عليه اليوم.
2- جعل الله- تبارك- من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ، فجعل من الماء الإنسان والحيوان والدوابَّ والطيور والأشجار والنبات.
3- خلق الله تعالى الجبال، فثبَّت بها الأرض حتى لا تضطرب في مسارها.
4- جعل الله تعالى في الجبال طرقاً وممراتٍ يعبرها الناس في أسفارهم.
5- جعل الله تعالى السماء سقفاً للأرض، وهي محفوظة من الشياطين بما أقامه الله تعالى من النجوم التي ترمى بها الشياطين.
* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 48 )  
قديم 2014-12-30
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 48

إنا خلقناكم من تراب





قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجلَّ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [الحج: 5- 6].


في هذه الآيات نادى ربُّ العزَّة الناس الذين يشكُّون بالبعث، ويكذبون به{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} أي: كنتم مرتابين في البعث وشاكين فيه، وقوله:{فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ}أي: بخلق أبيكم آدم، فقد خلقه من تراب، ثمَّ أصبح التراب طيناً، ثمَّ حمأً مسنوناً، ثمَّ صلصالاً كالفخار، وقد خلقه ربُّ العزَّة بيده، ثم نفخ فيه الروح.


وبقية البشر خلقهم من ذكرٍ وأنثى إلا عيسى ابن مريم، فإنَّه خلق من أنثى من غير أب. وبنو آدم يخلقون في أرحام أمهاتهم، ويكون أوَّل أمرهم نطفة، أي: منياً، ثم يصبح هذا المني علقةً، وهي الدم الجامد الغليظ، ثم يصبح قطعة لحمٍ على شكل المضغة، وقد يكتمل خلق هذه المضغة، حتى يتشكل منها الطفل، وقد لا يتمُّ خلقها {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ} وقد اكتشف العلم الحديث بواسطة المكبرات أنَّ مني الرجال تحوي كلُّ قذفة منه ملايين الحيوانات المنوية، فإذا عاشر الرجل زوجته، انطلقت الحيوانات المنوية إلى حيث تكون بويضة المرأة، فإذا وجد أحدها البويضة التحم بها، وعند ذلك تأخذ هذه البويضة الملقحة بالانقسام والتكاثر، وتنغرس في جدار رحم المرأة، ثم تصبح علقةً، ثم مضغةً، وبعد ذلك تنمو إلى أن تصبح طفلاً، وقد أدخل الأطباء المعاصرون في رحم امرأة أثناء الحمل آلةً صوروا عبرها ما يجري في الرحم للجنين من أول أمره، فكان ما يجري في الرحم هو ما حدثنا عنه ربُّ العزَّة- تبارك وتعالى- في هذه الآية.


وقوله تعالى:{لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} أي: لنبين لكم بهذا النقل من طورٍ إلى طور كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كلِّ شيءٍ، لأنَّ مَنْ قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأه من الخلق.


وبعد أن يكتمل خلق الجنين في الرحم، يخرجه الله إلى هذه الحياة، ثم ينمو هذا الطفل حتى يبلغ أشدَّه في سنِّ الثلاثين إلى سنِّ الأربعين، وبعض الناس يتوفى مبكراً قبل أن يبلغ سنَّ الأشد، وبعضهم يكبر حتى يردَّ إلى أرذل العمر،{وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجلَّ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} و{أَرْذَلِ الْعُمُرِ} أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف، حتى لا يعقل.


ومن الآيات التي أوضح الله فيها أطوار خلق الإنسان قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]، وقوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجلَّا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [غافر: 67].


وقد عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بمزيد من التعريف بنفسه، فقال: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}، وقوله: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً} أي: تراها هامدة رؤيةً بصريةً، وهامدةً يابسةً، ليس فيها حياةٌ، ولا نباتٌ، قوله: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} فإذا أنزل الله عليها ماء المطر أو الأنهار أو العيون {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي: تحركت الأرض بالنبات الذي تحرك في داخلها، ثم خرج منها، ومعنى {وَرَبَتْ} زادت وارتفعت. وقوله: {وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}أي: من كلِّ صنفٍ حسنٍ، والبهجة: حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج، وهو الحسن الصورة الذي تتمتع العين برؤيته.


وعقَّب الله- تعالى- على ما ذكره بقوله:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 6-7]. وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}والحقُّ الموجود الثابت الأبديُّ السرمديُّ الذي لا يتغير، ولا يزول.


وقوله: {وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى} أي: كما أحيا الأرض بالنبات، فإنه يحيى يوم القيامة العباد، ويخرجهم من قبورهم{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} [يس: 78- 80].


وقوله: {وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}ومن عظيم قدرته إحياء في يوم الدين، وقوله: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} الساعة: القيامة، وقد قرَّر مجيئها من غير شك،{وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} أي: يجيبهم.


* * *
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 49 )  
قديم 2014-12-30
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه

الموضع القرآني 49

سجود من في السموات والأرض لله تعالى




عرَّفنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- بنفسه في الآية التالية فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}[الحج: 18].


أعلمنا ربُّنا- تبارك وتعالى- في الآية السابقة أنَّه يسجد له من السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}[الحج: 18].


وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنَّ المراد بسجود السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب يكون بالانقياد الكامل لله، لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والصواب من القول أنه سجودٌ حقيقيٌّ لا ندري كيفيته، ولا حقيقته، قال تعالى:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد: 15]، وقال:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 48- 49]. وقال: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6].


وإذا أنت نظرت في الآيات نظر معتبرٍ وجدت المخلوقات تسجد لربِّ الكائنات سجوداً حقيقياً، ولكن لا ندري كيف تسجد، كما قال ربُّ العزَّة في تسبيح الكائنات: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}[الإسراء: 44] وقد أخبر رسولنا صلى الله عليه وسلمأبا ذر أن الشمس تسجد تحت عرش الرحمن، فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنَّها تذهب حتَّى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]» [البخاري: 3199. ومسلم: 159].


وقوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ}أي: مؤمنون يسجدون لله، وقوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} أي: كثير من الناس كفار حقَّ عليهم العذاب فهم لا يسجدون لله تعالى.


وقوله: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} يريد ربُّنا أنه من يشقه الله فما له من مسعدٍ، والأمور سبحانه بيده، يوفق من يشاء بطاعته، ويخذل من يشاء، ويشقي من يشاء، ويسعد من أحبَّ.


***
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 50 )  
قديم 2014-12-30
 
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,275 [+]
عدد النقاط : 1206
قوة الترشيح : seifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud ofseifellah has much to be proud of
افتراضي رد: الله يحدث عباده عن نفسه


الموضع القرآني 50

والبدن جعلناها لكم من شعائر الله




أعلمنا ربُّنا- عزَّ وجلَّ- في الآية التالية أنَّه جعل لنا البدن من شعائر الله تعالى، فقال:{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 36- 37].


امتنَّ الله- تعالى- على عباده بالبُدن، وهي الجمال التي جعلها لهم من شعائر الله، أي: جعلها من المعالم العظيمة التي يتقربون بها إلى ربِّهم تبارك وتعالى في الأضاحي والهدي، {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36].


والبُدن: جمع بدنةٍ، سميت بدنةً لعظمها وضخامتها، يريد العظام الصحاح الأجسام من الإبل، ومن شعائر الله من أعلام دينه، سمِّيت شعائر، لأنه تشعر، أي: تطعن بحديدةٍ في سنامها، فيعلم أنها هدي.


وقوله:{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36] أمرنا ربُّنا أن نذكر الله عليها صوافَّ، أي: ننحرها وهي صوافُّ والصوافُّ: التي علقت رجلها اليسرى، وقامت على ثلاث قوائمٍ، وقد وردت هذه الصفة عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخبر أنَّ النحر على هذا النحو سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن زياد بن جبيرٍ، قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما: أتى على رجلٍ قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياماً مقيَّدةً، سنَّة محمد صلى الله عليه وسلم[البخاري 1713. ومسلم: 1320].


وقد نحر رسول الله صلى الله عليه وسلمبيده في حجَّة الوداع ثلاثاً وستين ناقة، ثم أعطى عليَّاً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه [مسلم: 1218].


وقوله:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ} [الحج: 36] ووجوب جنوبها موتها بعد نحرها، ووجوب جنوبها سقوطها على الأرض بعد أن كانت قائمةً، وقد أمرنا أن نأكل منها بعد سقوطها على الأرض بعد النحر، ونُطعم القانع، وهو السائل المحتاج، ونُطعم المعترَّ وهو الذي يتعرض لك من غير سؤال، وقيل: القانع المتعفف، والمعتر هو المحتاج الذي يسأل. وقوله تعالى:{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36]: أي: تشكروه وتثنوا عليه بما أنعم عليكم من البدن.


أخبرنا ربُّنا- تبارك وتعالى- أنه لا ينتفع بلحوم ودماء ما نتقرب به إليه من الأضاحي والهدي{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37].



فالله سبحانه غنيٌّ عن لحوم وشحوم ما نتقرب به إليه من الإبل والبقر والغنم، والذي يريده تعالى منَّا التقوى، وذلك بتوقيره تعالى، وتعظيمه، والالتزام بشرعه كما قال عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات: 56- 58].


وقد بيَّن لنا ربُّنا- سبحانه وتعالى- أنه سخَّر لنا هذه البُدن بتذليله لها لنركبها ونحلبها وننحرها ذاكرين اسم الله عليها حين ننحرها، وأمر الله تعالى رسوله أن يبشر المحسنين، الذين التزموا بشرع الله تعالى، المخبتين لله، الطالبين لرضاه سبحانه.
* * *
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الله يحدث عباده عن نفسه



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 04:20 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب