منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى الادبي

الحكواتي

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 11 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية الوزير نور الدين مع شمس الدين أخيه

فقال جعفر: أعلم يا أمير المؤمنين أنه كان في مصر سلطان صاحب عدل وإحسان له وزير عاقل خبير له علم بالأمور والتدبير وكان شيخا كبيرا وله ولدان كأنهما قمران وكان الكبير شمس الدين وأدهم الصغير نور الدين وكان الصغير أمير من الكبير في الحسن والجمال وليس في زمانه أحسن منه حتى أنه شاع ذكره في البلاد فكان بعض أهلها يسافر من بلاده إلى بلده لأجل رؤية جماله، فأتفق أن والدهما مات فحزن عليه السلطان وأقبل على الوالدين وفر بهما وخلع عليهما وقال لهما أنتما في مرتبة أبيكما ففرح وقبلا الأرض بين يديه وعملا العزاء لأبيهما شهرا كاملا ودخلا في الوزارة وكل منهما يتولاها جمعة وإذا أراد السلطان السفر يسافر مع واحد منهما، فاتفق في ليلة من الليالي أن السلطان كان عازما على السفر في الصباح وكانت النوبة للكبير. فبينما الأخوان يتحدثان في تلك الليلة: إذ قال الكبير يا أخي قصدي أن أتزوج أنا وأنت في ليلة واحدة فقال الصغير إفعل يا أخي ما تريد فإني موافقك على ما تقول واتفقا على ذلك. ثم أن الكبير قال لأخيه إن قدر الله وخطبنا بنتين ودخلنا في ليلة واحدة ووضعنا في يوم واحد وأراد الله وجاءت زوجتك بغلام وجاءت زوجتي ببنت نزوجهما لبعضهما لأنهما أولاد عم فقال نور الدين يا أخي ما تأخذ من ولدي في مهر بنتك قال آخذ من ولدك في مهر بنتي ثلاثة آلاف دينار وثلاثة بساتين وثلاث ضياع فإن عقد الشاب عقده بغير هذا لا يصح. فلما سمع نور الدين هذا الكلام قال ما هذا المهر الذي اشترطه على ولدي أما تعلم أننا إخوان ونحن الإثنان وزيران في مقام واحد وكان الواجب عليك أن تقدم ابنتك لولدي هدية من غير مهر، فانك تعلم أن الذكر أفضل من الأنثى وولدي ذكر ويذكر به وخلاف ابنتك فقال ومالها قال لا ذكر بها بين الأمراء ولكن أنت تريد أن تفعل معي على رأي الذي قال أن أردت أن تطرده فأجمل الثمن غاليا، وقيل أن بعض الناس قدم على بعض أصحابه فقصده في حاجة فغلى عليه الثمن. فقال له شمس الدين أراك قد قصرت لأنك تعمل إبنك أفضل من بنتي ولا شك أنك ناقص عقل وليس لك أخلاق حيث تذكر شركة الوزارة وأنا ما أدخلتك معي في الوزارة إلا شفقة عليك ولأجل أن تساعدني وتكون لي معينا ولكن قل ما شئت وحيث صدر منك هذا القول والله لا أزوج بنتي لولدك ولو وزنت ثقلها ذهبا، فلما سمع نور الدين كلام أخيه اغتاظ وقال وأنا لا أزوج إبني إبنتك فقال شمس الدين أنا لا أرضاه لها بعلا ولو أنني أريد السفر لكنت عملت معك العبر ولكن لما أرجع من السفر يعمل الله ما يريد. فلما سمع نور الدين من أخيه ذلك الكلام امتلأ غيظا وغاب عن الدنيا وكتم ما به وبات كل واحد في ناحية. فلما أصبح الصباح برر السلطان للسفر وعدي إلى الجزيرة وقصد الأهرام وصحبه الوزير شمس الدين، وأما أخوه نور الدين فبات في تلك الليلة في أشد ما يكون من الغيظ فلما أصبح الصباح قام وصلى الصبح وعمد إلى خزانته وأخذ منها خرجا صغيرا وملأه ذهبا وتذكر قول أخيه واحتقاره إياه وافتخاره فأنشد هذه الأبيات:

سافر تجد عوضا عمن تـفـارقـه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

ما في المقام لـذي لـب وذي أدب معزة فاترك الأمطان واغـتـرب

إني رأيت وقوف المـاء يفـسـده فإن جرى طاب أو لم يجر لم يطب

والبدر أفول منـه مـا نـظـرت إليه في كل حين عين مـرتـقـب

والأسد لولا فراق الغاب ما قنصت والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والتبر كالتراب ملقى في أماكـنـه والعود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرب هذا عـز مـطـلـبـه وإن أقام فلا يعلـوا إلـى رتـب

فلما فرغ من شعره أمر بعض غلمانه أن يشد له بغلة زرزورية غالية سريعة المشي فشدها ووضع عليها سرجا مذهبا بركابات هندية وعباآت من القطيفة الأصفهانية فسارت كأنها عروس مجلية وأمر أن يجعل عليها بساط حرير وسجادة وأن يوضع الخرج من تحت السجادة ثم قال للغلام والعبيد: قصدي أن أتفرج خارج المدينة وأروح نواحي القلبونية وأبيت ثلاث ليال فلا يتبعني منكم أحد فإن عندي ضيق صدر. ثم أسرع وركب البغلة وأخذ معه شيئا قليلا من الزاد وخرج من مصر واستقبل البر فما جاء عليه الظهر حتى دخل مدينة فليبس فنزل عن بغلته واستراح وأراح البغلة وأكل شيئا وأخذ من فليبس ما يحتاج إليه وما يعلق به على بغلته ثم استقبل البر فما جاء عليه الظهر بعد يومين حتى دخل مدينة القدس فنزل عن بغلته واستراح وأراح بغلته وأخرج شيئا أكله ثم وضع الخرج تحت رأسه وفرش البساط ونام في مكان والغيظ غالب عليه، ثم أنه بات في ذلك المكان. فلما أصبح الصباح ركب وصار يسوق البغلة إلى أن وصل إلى مدينة حلب فنزل في بعض الخانات وأقام ثلاثة أيام حتى استراح وأراح البغلة وشم الهواء ثم عزم على السفر وركب بغلته وخرج مسافرا ولا يدري أين يذهب ولم يزل سائرا إلى أن وصل إلى مدينة البصرة ليلا ولم يشعر بذلك حتى نزل في الخان وأنزل الخرج عن البغلة وفرش السجادة وأودع البغلة بعدتها عند البواب وأمره أن يسيرها فأخذها وسيرها فاتفق أن وزير البصرة كان جالس في شباك قصره فنظر إلى البغلة ونظر ما عليها من العدة المثمنة فظنها بغلة وزير من الوزراء أو ملك من الملوك، فتأمل في ذلك وحار عقله وقال لبعض غلمانه ائتني بهذا البواب. فذهب الغلام إلى الوزير فتقدم البواب وقبل الأرض بين يديه وكان الوزير شيخا كبيرا، فقال للبواب من صاحب هذه البغلة وما صفاته، فقال البواب يا سيدي إن صاحب هذه البغلة شاب صغير ظريف الشمائل من أولاد التجار عليه هيبة ووقار. فلما سمع الوزير كلام البواب قام على قدميه وركب وسار إلى الخان، ودخل على الشاب فلما رأى نور الدين الوزير قادما عليه قام ولاقاه واحتضنه ونزل الوزير من فوق جواده وسلم عليه فرحب به وأجلسه عنده، وقال له يا ولدي من أين أقبلت وماذا تريد. فقال نور الدين يا مولاي إني قدمت من مدينة مصر، وكان أبي وزيرا فيها وقد انتقل إلى رحمة الله وأخبره بما جرى من المبتدأ إلى المنتهى ثم قال وعزمت على نفسي أن لا أعود أبدا حتى أنظر جميع المدن والبلدان، فلما سمع الوزير كلامه قال له يا ولدي لا تطاوع النفس فترميك في الهلاك، فإن البلدان خراب وأنا أخاف عليك من عواقب الزمان. ثم إنه أمر بوضع الخرج عن البغلة والبساط والسجادة، وأخذ نور الدين معه إلى بيته وأنزله في مكان ظريف وأكرمه وأحسن إليه وأحبه حبا شديدا وقال له يا ولدي أنا بقيت رجلا كبيرا ولم يكن لي ولد ذكر وقد رزقني الله بنتا تقاربك في الحسن ومنعت عنها خطابا كثيرة وقد وقع حبك في قلبي، فهل لك أن تأخذ إبنتي جارية لخدمتك وتكون لها بعلا. فإن كنت تقبل ذلك أطلع إلى سلطان البصرة وأقول له أنه ولد أخي وأوصلك إليه، حتى أجعلك وزيرا مكاني وألزم أنا بيتي فإني صرت رجلا كبيرا. فلما سمع نور الدين كلام وزير البصرة أطرق برأسه ثم قال سمعا وطاعة، ففرح الوزير بذلك وأمر غلمانه أن يصنعوا له طعاما وأن يزينوا قاعة الجلوس الكبرة المعدة لحضور أكابر الأمراء، ثم جمع أصحابه ودعا أكابر الدولة وتجار البصرة فحضروا بين يديه وقال لهم أنه كان لي أخ وزير بالديار المصرية ورزقه الله ولدين وأنا كما تعلمون رزقني الله بنتا، وكان أخي أوصاني أن أزوج بنتي لأحد أولاده فأجبته إلى ذلك فلما استحقت الزواج أرسل إلي أحد أولاده وهو هذا الشاب الحاضر، فلما جائني أحببت أن أكتب كتابه على بنتي ويدخل بها عندي. فقالوا: نعم ما قلت، ثم شربوا السكر ورشوا ماء الورود وانصرفوا وأما الوزير فإنه أمر غلمانه أن يأخذوا نور الدين ويدخلوا به الحمام وأعماه الوزير بدلة من خاص ملبوسه وأرسل إليه الفوط والطاسات ومجامر البخور وما يحتاج إليه فلما خرج من الحمام لبس البدلة فصار كالبدر ليلة تمامه، ثم ركب بغلته ودخل على الوزير فقبل يده، ورحب الوزير وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والعشرون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير قام له ورحب به وقال له: قم وأدخل هذه الليلة على زوجتك وفي غد أطلع بك إلى السلطان، وأرجوا لك من الله كل خير فقام نور الدين ودخل على زوجته بنت الوزير هذا ما كان من أمر نور الدين وأما ما كان من أمر أخيه فإنه غاب مع السلطان مدة في السفر، ثم رجع فلم يجد أخاه فسأل عنه الخدم، فقالوا له من يوم سافرت مع السلطان ركب بغلته بعدة الموكب، وقال أنا متوجه إلى جهة القيلوبية فأغيب يوما أو يومين فإن صدري ضاق ولا يتبعني، منكم أحد. ومن يوم خروجه إلى هذا اليوم لم نسمع له خبرا فتشوش خاطر شمس الدين على فراق أخيه واغتم غما شديدا لفقده وقال في نفسه ما سبب ذلك إلا أني أغلظت عليه في الحديث ليلة سفري مع السلطان فلعله تغير خاطره وخرج مسافرا فلا بد أن أرسل خلفه ثم طلع وأعلم السلطان بذلك فكتب بطاقات وأرسل بها إلى نوابه في جميع البلاد ونور الدين قطع بلادا بعيدة في مدة غياب أخيه مع السلطان فذهبت الرسل بالمكاتيب ثم عادوا ولم يقفوا له على خبر ويئس شمس الدين من أخيه، وقال لقد أغظت بكلامي من جهة زواج الأولاد فليت ذلك لم يكن وما حصل ذلك إلا من قلة عقلي وعدم تدبيري. ثم بعد مدة يسيرة خطب بنت رجل من تجار مصر وكتب كتابه عليها ودخل بها وقد اتفق أن ليلة دخول شمس الدين، على زوجته كانت ليلة دخول نور الدين على زوجته بنت وزير البصرة وذلك بإرادة الله تعالى حتى ينفذ حكمه في خلقه وكان الأمر كما قالاه فاتفق أن الزوجتين حملتا منهما وقد وضعت زوجة شمس الدين وزير مصر بنتا لا يرى في مصر أحسن منها، ووضعت زوجة نور الدين، ولدا ذكرا لا يرى في زمانه أحسن منه كما قال الشاعر:

ومهفهف يغني النديم بـريقـه عن كأسه الملأى وعن أبريقه

فعل المدام ولونها ومذاقـهـا من مقلتيه ووجنتـيه وريقـه

فسموه حسنا وفي سابع ولادته صنعوا الولائم وعملوا أسمطة لا تصلح إلا لأولاد الملوك ثم أن وزير البصرة أخذ معه نور الدين وطلع به إلى السلطان فلما صار قدامه قبل الأرض بين يديه وكان نور الدين فصيح اللسان ثابت الجنان صاحب حسن وإحسان فأنشد قول الشاعر:

هذا الذي عم الأنام بعدلـه وسطا فمهد سائر الآفـاق

أشكر صنائعه فلسن صنائعا لكنهن قـلائد الأعـنـاق

وأنتم أنامله فلسن أنـامـلا لكنهن مفـاتـح الأزرق

فألزمها السلطان وشكر نور الدين على ما قال وقال لوزيره من هذا الشاب فحكى له الوزير قصته من أولها إلى آخرها وقال له هذا إبن أخي فقال وكيف يكون إبن أخيك ولم نسمع به، فقال يا مولانا السلطان إنه كان لي أخ وزير بالديار المصرية وقد مات وخلف ولدين، فالكبير جلس في مرتبة والده وزيرا وهذا الصغير جاء عندي وحلف أني لا أزوج إبنتي إلا له، فلما جاء زوجته بها وهو شاب وأنا صرت شيخا كبيرا وقل سمعي وعجز تدبيري والقصد من مولانا السلطان أن يجعله في مرتبتي، فإنه إبن أخي وزوج إبنتي وهو أهل للوزارة لأنه صاحب رأي وتدبير. فنظر السلطان إليه فأعجبه، واستحسن رأي الوزير بما أشار عليه من تقديمه في رتبة الوزراء فأنعم عليه بها، وأمر له بخلعة عظيمة، وزاد له الجوامك والجرايات إلى أن إتسع عليه الحال وسار له مراكب تسافر من تحت يده بالمتاجر وغيرها وعمر أملاكا كثيرة ودواليب وبساتين إلى أن بلغ عمر ولده حسن أربع سنين، فتوفي الوزير الكبير والد زوجة نور الدين، فأخرجه خرجة عظيمة وأوراه في التراب ثم اشتغل بعد ذلك بتربية ولده فلما بلغ أشده أحضر له فقيها يقرئه في بيته وأوصاه بتعليمه وحسن تربيته فأقرأه وعلمه فوائد في العلم بعد أن حفظ القرآن في مدة سنوات وما زال حسن يزداد جمالا وحسنا واعتدالا كما قال الشاعر:

قمر تكامل في المحاسن وانتهى فالشمس تشرق من شقائق خده

ملك الجمال بأسره فكـأنـمـا حسن البرية كلها من عـنـده

وقد رباه الفقيه في قصر أبيه ومن حين نشأته لم يخرج من قصر الوزارة إلى أن أخذه والده الوزير نور الدين يوما من الأيام وألبسه بدلة من أفخر ملبوسه وأركبه بغلة من خيار بغاله وطلع به إلى السلطان ودخل به عليه فنظر الملك حسن بدر الدين بن الوزير نور الدين فانبهر من حسنه، وقال لأبيه يا وزير لابد أنك تحضره معك في كل يوم فقال سمعا وطاعة ثم عاد الوزير بولده إلى منزله وما زال يطلع به إلى حضرة السلطان في كل يوم إلى أن بلغ الولد من العمر خمسة عشر عاما ثم ضعف والده الوزير نور الدين، فاحضره وقال له يا ولدي أعلم أن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء وأريد أن أوصيك وصايا فافهم ما أقول لك وأصغ قلبك إليه وصار يوصيه بحسن عشرة الناس وحسن التدبير. ثم إن نور الدين تذكر أخاه وأوطانه وبلاده وبكى على فرقة الأحباب، وسجت دموعه وقال يا ولدي إسمع قولي فإن لي أخا يسمى شمس الدين، وهو عمك ولكنه وزير بمصر قد فارقته وخرجت على غير رضاه، والقصد أنك تأخذ دوجا من الورق وتكتب ما أمليه عليك فأحضر قرطاسا وصار يكتب فيه كل ما قاله أبوه فأملى عليه جميع ما جرى له من أوله إلى آخره وكتب له تاريخ زواجه ودخوله على بنت الوزير وتاريخ وصوله إلى البصرة واجتماعه بوزيرها. وكتب وصية موثقة ثم قال لولده: إحفظ هذه الوصية فإن ورقتها فيها، أصلك وحسبك ونسبك فإن أصابك شئ من الأمور فاقصد مصر، واستدل على عمك وسلم عليه وأعلمه أني مت غريبا مشتاقا إليه فأخذ حسن بدر الدين، الرقعة وطواها ولف عليها خرقة مشمعة وخاطها بين البطانة والظهارة وصار يبكي على أبيه من أجل فراقه وهو صغير وما زال نور الدين يوصي ولده حسن بدر الدين حتى طلعت روحه فأقام الحزن في بيته وحزن عليه السلطان وجميع الأمراء ودفنوه ولم يزالوا في حزن مدة شهرين، وولده لم يركب ولم يطلع الديوان ولم يقابل السلطان وأقام مكانه بعض الحجاب، وولى السلطان وزيرا مكانه وأمره أن يختم على أماكن نور الدين وعلى عماراته وعلى أملاكه. فنزل الوزير الجديد وأخذ الحجاب وتوجهوا إلى بيت الوزير نور الدين يختمون عليه ويقبضون على ولده حسن الدين ويطلعون به إلى السلطان ليعمل فيه ما يقتضي رأيه وكان بين العسكر مملوك من مماليك الوزير نور الدين، المتوفي فلم يهن عليه ولد سيده فذهب ذلك المملوك إلى حسن بدر الدين فوجده منكس الرأس حزين القلب على فراق والده فأعلمه بما جرى، فقال له هل في الأمر مهلة حتى أدخل فآخذ معي شيئا من الدنيا لأستعين به على الغربة فقال له المملوك أنج بنفسك فلما سمع كلام المملوك غطى رأسه بذيله وخرج ماشيا إلى أن صار خارج المدينة فسمع الناس يقولون أن السلطان أرسل الوزير الجديد إلى بيت الوزير المتوفي ليختم على ماله وأماكنه ويقبض على ولده حسن بدر الدين ويطلع به إليه فيقتله وصارت الناس تتأسف على حسنه وجماله فلما سمع كلام الناس خرج إلى غير مقصد ولم يعلم أين يذهب. فلم يزل سائرا إلى أن ساقته المقادير إلى تربة والده فدخل المقبرة ومشى بين القبور إلى أن جلس عند قبر أبيه وأزل ذيله من فوق رأسه، فبينما هو جالس عند تربة أبيه إذ قدم عليه يهودي من البصرة وقال يا سيدي مالي أراك متغيرا فقال له إني كنت نائما في هذه الساعة، فرأيت أبي يعاتبني على عدم زيارتي قبره فقمت وأنا مرعوب وخفت أن يفوت النهار ولم أزره، فيصعب علي الأمر، فقال له اليهودي يا سيدي إن أباك كان أرسل مراكب تجارة وقدم منها البعض ومرادي أن أشتري منك وثق كل مركب قدمت بألف دينار ثم أخرج اليهودي كيسا ممتلئا من الذهب، وعد منه ألف دينار ودفعه إلى حسن إبن الوزير ثم قال اليهودي إكتب لي ورقة واختمها فأخذ حسن إبن الوزير ورقة وكتب فيها كاتب هذه الورقة حسن بدر الدين إبن الوزير نور الدين قد باع اليهودي فلان جميع وثق كل مركب، وردت من مراكب أبيه المسافرين بألف دينار وقبض الثمن على سبيل التعجيل. فأخذ اليهودي الورقة وصار حسن يبكي ويتذكر ما كان فيه من العز والإقبال ثم دخل عليه الليل وأدركه النوم فنام عند قبر أبيه ولم يزل نائما حتى طلع القمر فتدحرجت رأسه عن القبر ونام على ظهره وصار يلمع وجهه في القمر وكانت المقابر عامرة بالجن المؤمنين، فخرجت جنية فنظرت وجه حسن وهو نائم فلما رأته تعجبت من حسنه وجماله وقالت سبحان الله ما هذا الشاب إلا كأنه من الحور العين، ثم طارت إلى الجو تطوف على عادتها فرأت عفريتا طائرا فسلمت عليه وسلم عليها فقالت له من أين أقبلت قال: من مصر فقالت له هل لك أن تروح معي، حتى تنظر إلى حسن هذا الشاب النائم في المقبرة فقال لها نعم فسارا حتى نزلا في المقبرة فقالت له هل رأيت في عمرك مثل هذا فنظر العفريت إليه وقال سبحان من لا شبيه له ولكن يا أختي إن أردت حدثتك بما رأيت فقالت له حدثني، فقال لها إني رأيت مثل هذا الشاب في إقليم مصر وهي بنت الوزير وقد علم بها الملك فخطبها من أبيها شمس الدين. فقال له يا مولانا السلطان أقبل عذري وارحم عبرتي فإنك تعرف أن أخي نور الدين خرج من عندنا ولا نعلم أين هو، وكان شريكي في الوزارة وسبب خروجه أني جلست أتحدث معه في شأن الزواج فغضب مني وخرج مغضبا وحكى للملك جميع ما جرى بينهما، ثم قال للملك فكان ذلك سببا لغيظه وأنا حالف أن لا أزوج بنتي إلا لإبن أخي من يوم ولدتها أمها وذلك نحو ثمان عشرة سنة ومن مدة قريبة سمعت أن أخي تزوج بنت وزير البصرة وجاء منها بولد وأنا لا أزوج بنتي إلا له كرامة، لأخي ثم إني أرخت وقت زواجي وحمل زوجتي وولدة هذه البنت وهي باسم ابن عمها والبنات كثير. فلما سمع السلطان كلام الوزير غضب غضبا شديدا، وقال له كيف يخطب مثلي من مثلك بنتا فتمنعها منه وتحتج بحجة باردة وحياة رأسي لا أزوجها إلا لأقل مني برغم أنفك وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرون قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الجني لما حكي للجنية حكاية بنت وزير مصر وأن الملك قد أقسم أن يزوجها رغم أنف أبيها، بأقل منه وكان عند الملك سائس أحدب بحدبة من قدام وحدبة من وراء فأمر السلطان بإحضاره وكتب كتابه على بنت الوزير بالنهار وأمر أن يدخل عليها في هذه الليلة، ويعمل له زفافا وقد تركه وهو بين مماليك السلطان، وهم حوله في أيديهم الشموع موقدة يضحكون ويسخرون منه على باب الحمام، وأما بنت الوزير فإنها جالسة تبكي بين المنقشات والمواشط وهي أشبه الناس بهذا الشاب، وقد حجروا على أبيها ومنعوه أن يحضرها وما رأيت يا أختي أقبح من هذا الأحدب فهي أحسن من هذا الشاب. قالت له الجنية تكذب فإن هذا الشاب أحسن أهل زمانه، فرد عليها العفريت وقال والله يا أختي إن الصبية أحسن من هذا، ولكن لا يصلح لها إلا هو فإنهما مثل بعضهما ولعلهما إخوان أو أولاد عم فيا خسارتها مع هذا الأحدب، فقالت له يا أخي دعنا ندخل تحته ونروح به إلى الصبية التي تقول عليها وننظر أيهما أحسن، فقال العفريت سمعا وطاعة هذا كلام صواب وليس هناك أحسن من هذا الرأي الذي إخترتيه فأنا أحمله ثم إنه حمله وطار به إلى الجو وصارت العفريتة في كل ركابه تحاذيه، إلى أن نزل به في مدينة مصر وحطه على مصطبة ونبهه. فاستيقظ من النوم فلم يجد نفسه على قبر أبيه في أرض البصرة، والتفت يمينا وشمالا فلم يجد نفسه إلا في مدينة غير مدينة البصرة فأراد أن يصيح فغمزه العفريت وأوقد له شمعة وقال له أعلم أني جئت بك، وأنا أريد أن أعمل معك شيئا لله فخذ هذه الشمعة وامش بها إلى ذلك الحمام واختلط بالناس ولا تزال ما شيا معهم حتى تصل إلى قاعة العروسة، فاسبق وادخل القاعة ولا تخشى أحدا وإذا دخلت فقف على يمين العريس الأحدب وكل ما جاءك المواشط والمغنيات والمنقشات فحط يدك في جيبك تجده ممتلئا ذهبا فاكبش وارم لهم ولا تتوهم أنك تدخل يدك ولم تجده ممتلئا بالذهب، فاعط كل من جاءك بالحفنة ولا تخشى من شيء وتوكل على الذي خلقك، فما هذا بحولك وقوتك بل بحول الله وقوته. فلما سمع حسن بدر الدين من العفريت هذا الكلام، قال يا هل ترى أي شيء هذه القضية وما وجه الإحسان، ثم مشى وأوقد الشمعة، وتوجه إلى الحمام فوجد الأحدب راكب الفرس فدخل حسن بدر الدين بين الناس وهو على تلك الحالة مع الصورة الحسنة، وكان عليه الطربوش والعمامة والفرجية المنسوجة بالذهب وما زال ماشيا في الزينة، وكلما وقفت المغنيات الناس ينقطوهن، يضع يده في جيبه فيلقاها ممتلئا بالذهب فيكبش ويرمي في الطار للمغنيات والمواشط فيملأ الطار دنانير فاندهشت عقول المغنيات وتعجب الناس من حسنه وجماله ولم يزل على هذا الحال حتى وصلوا إلى بيت الوزير، فردت الحجاب الناس ومنعوهم. فقالت المغنيات والمواشط والله لا ندخل إلا إن دخل هذا الشاب معنا لأنه غمرنا بإحسانه ولا نجلي العروسة إلا وهو حاضر، فعند ذلك دخلوا به إلى قاعة الفرح وأجلسوه برغم أنف العريس الأحدب واصطفت جميع نساء الأمراء والوزراء والحجاب صفين وكل مرأة معها شمعة كبيرة موقدة مضيئة وكلهن ملثمات وصرن صفوفا يمينا وشمالا، من تحت المنصة إلى صدر الليوان الذي عند المجلس الذي تخرج منه العروسة، فلما نظر النساء حسن بدر الدين وما هو فيه من الحسن والجمال، ووجهه يضيء كأنه هلال، مالت جميع النساء إليه. فقالت المغنيات للنساء الحاضرات، اعلموا أن هذا المليح ما نقطنا إلا بذهب الأحمر فلا تقصرن في خدمته وأطعنه فيما يقول فازدحمن النساء عليه بالشمع ونظرن إلى جماله فانبهرت عقولهن من حسنه، وصارت كل واحدة منهن تود أن تكون في حضنه سنة أو شهرا، أو ساعة، ورفعن ما كان على وجوههن من النقاب وتحيرت منهن الألباب وقلن هنيئا لمن كان هذا الشاب له أو عليه ثم دعون لحسن بدر الدين دعون على ذلك الأحدب. ثم إن المغنيات ضربنا بالدفوف وأقبلت المواشط وبنت الوزير بينهن، وقد طيبنها وعطرنها وألبسنها وحسن شعرها ونحرها بالحلى والحلل من لباس الملوك الأكاسرة ومن جملة ما عليها ثوب منقوش بالذهب الأحمر وفيه صور الوحوش والطيور وهو مسبول عليها من فوق حوائجها، وفي عنقها عقد يساوي الألوف قد حوى كل فص من الجواهر ما حاز مثله تبع ولا قيصر وصارت العروسة كأنها البدر إذا أقمر في ليلة أربعة عشر، ولما أقبلت كانت كأنها حورية فسبحان من خلقها بهية وأحدق بها النساء فصرن كالنجوم وهي بينهن كالقمر إذا انجلى عنه الغيم وكان حسن بدر الدين البصري جالسا والناس ينظرون إليه. فحضرت العروسة وأقبلت وتمايلت فقام إليها السائس الأحدب، ليقبلها فأعرضت عنه وانقلبت حتى صارت قدام حسن إبن عمها فضحك الناس لما رأوها مالت إلى نحو بدر الدين وحط يده في جيبه وكبش الذهب، ورمى في طار المغنيات ففرحوا وقالوا كنا نشتهي أن تكون هذه العروسة لك فتبسم. هذا كله والسائس الأحدب وحده كأنه قرد، وكلما أوقدوا له الشمعة طفئت فبهت وصار قاعدا في الظلام يمقت في نفسه وهؤلاء الناس محدقون به وتلك الشموع الموقدة بهجتها، من اعجب العجائب، يتحير من شعاعها أولوا الألباب وأما العروسة فإنها رفعت كفيها إلى السماء،وقالت اللهم إجعل هذا بعلي وأرحني من هذا السائس الأحدب، وصارت المواشط تجلي العروسة إلى آخر السبع وخلع على حسن بدر الدين البصري والسائس الأحدب وحده. فلما افرغوا من ذلك أذنوا بالإنصراف فخرج جميع من كان في الفرح من النساء والأولاد ولم يبقى إلا حسن بدر الدين والسائس الأحدب، ثم إن المواشط أدخلن العروسة ليكشفن ما عليها من الحلي ويهيئنها للعريس فعند ذلك تقدم السائس الأحدب إلى حسن بدر الدين، وقال له يا سيدي آنستنا في هذه الليلة وغمرتنا بإحسانك فلم لا تقوم تروح بيتك بلا مطرود، فقال بسم الله ثم قام وخرج من الباب فلقيه العفريت. فقال له قف يا بدر الدين فإذا خرج الأحدب إلى بيت للراحة، فادخل أنت واجلس في المخدع فإذا أقبلت العروسة فقل لها أنا زوجك والملك ما عمل تلك الحيلة إلا لأنه يخاف عليك من العين، وهذا الذي رأيته سائس من سياسنا، ثم أقبل عليها واكشف وجهها ولا تخشى بأسا من أحد، فبينما بدر الدين يتحدث مع العفريت وإذا بالسائس دخل بيت الراحة وقعد على الكرسي فطلع لله العفريت من الحوض الذي فيه الماء في صورة فأر، وقال زيق فقال الأحدب ما جاء بك هنا فكبر الفأر، وصار كالقط ثم كبر حتى صار كلبا وقال عوه عوه. فلما نظر السائس ذلك فزع وقا لإخسأ يا مشؤوم فكبر الكلب، وانتفخ حتى صار جحشا ونهق هاق هاق فانزعج السائس وقال إلحقوني يا أهل البيت، وإذا بالجحش قد كبر وصار قدر الجاموسة وسد عليه المكان وتكلم بكلام إبن آدم وقال: ويلك يا أحدب يا أنتن السياس فلحق السائس البطن وقعد على الملاقي بأثوابه واشتبكت أسنانه ببعضها فقال له العفريت: هل ضاقت عليك الأرض فلا تتزوج إلا بمعشوقتي فسكت السائس، فقال له: رد الجواب وإلا اسكنتك التراب فقال له: والله مالي ذنب إلا إنهم غصبوني وما عرفت أن لها عشاقا من الجواميس ولكن أنا تائب إلى الله ثم إليك. فقال له العفريت: اقسم بالله إن خرجت في هذا الوقت، من هذا الموضع أو تكلمت قبل أن تطلع الشمس لأقتلنك، فإذا طلعت الشمس فاخرج إلى حال سبيلك ولا تعد إلى هذا البيت أبدا، ثم إن العفريت قبض على السائس الأحدب وقلب رأسه في الملاقي وجعلها إلى أسفل وجعل رجليه إلى فوق، وقال له إستمر هنا وأنا أحرسك إلى طلوع الشمس، هذا ما كان من قصة الأحدب وأما ما كان من قصة بدر الدين البصري فإنه خلى الأحدب والعفريت يتخاصمان ودخل البيت وجلس داخل المخدع، وإذا بالعروس أقبلت معها العجوز. فوقفت العجوز في باب المخدع وقالت يا أبا شهاب قم وخذ عروستك، وقد استودعتك الله ثم ولت العجوز ودخلت العروسة وصدر المخدع، وكان إسمها ست الحسن وقلبها مكسور وقالت في قلبها والله لا أمكنه من نفسي لو طلعت روحي، فلما دخلت إلى صدر المخدع نظرت بدر الدين، فقالت: يا حبيبي وإلى هذا الوقت أنت قاعد لقد قلت في نفسي لعلك أنت والسائس الأحدب مشتركان في، فقال حسن بدر الدين: وأي شيء أوصل السائس إليك ومن أين له أن يكون شريكي فيك، فقالت: ومن زوجي أأنت أم هو? قال حسن بدر الدين: يا سيدتي نحن ما عملنا هذا إلا سخرية به لنضحك عليه. فلما نظرت المواشط والمغنيات وأهلك حسنك البديع خافوا علينا من العين فأكتراه أبوك بعشرة دنانير حتى يصرف عنا العين وقد راح، فلما سمعت ست الحسن من بدر الدين ذلك الكلام فرحت وتبسمت وضحكت ضحكا لطيفا وقالت والله أطفأت ناري فبالله خذني عندك وضمني إلى حضنك وكانت بلا لباس فكشف ثوبها إلى نحرها فبان ما قدامها وورائها. فلما نظر بدر الدين صفاء جسمها تحركت فيه الشهوة فقام وحل لباسه ثم حل كيس الذهب الذي كان أخذه من اليهودي ووضع فيه ألف دينار ولفه في سرواله وحطه تحت ذيلة الطراحة وقلع عمامته ووضعها على الكرسي وبقي بالقميص الرفيع وكان القميص مطرز بالذهب، فعند ذلك قامت إليه ست الحسن وجذبته إليها وجذبها بدر الدين وعانقها وأخذ رجليها في وسطه ثم ركب المدفع وحرره على القلعة وأطلقه فهدم البرج فوجدها درة ما ثقبت ومطية لغيره ما ركبت، فأزال بكارتها، وتملى بشبابها ولم يزل يركب المدفع ويرد إلى غاية خمس عشرة مرة، فعلقت منه، فلما فرغ حسن بدر الدين وضع يده تحت رأسها وكذلك الأخرى وضعت يدها تحت رأسه ثم أنهما تعانقا وشرحا بعناقهما مضمون هذه الأبيات:

زر من تحب كلام الـحـاسـد ليس الحسود على الهوى بمساعد

لم يخلق الرحمن أحسن منظـرا من عاشقين في فـراش واحـد

متعانقين علنهما حلل الـرضـا متوسدين بمعصـم وبـسـاعـد

وإذا تألفت القلوب على الهـوى فالناس تضرب في حديد بـارد

وإذا صفى لك من زمانك واحـد فهو المراد وعش بذاك الواحـد

هذا ما كان من أمر حسن بدر الدين وست الحسن بنت عمه، وأما ما كان من أمر العفريت فإنه قال للعفريتة قومي وادخلي تحت الشاب ودعينا نوديه مكانه لئلا يدركنا الصبح فإن الوقت قريب فعند ذلك تقدمت العفريتة ودخلت تحت ذيله وهو نائم وأخذته وطارت به وهو على حاله بالقميص وهو بلا لباس وما زالت العفريتة طائرة به والعفريت يحاذيها فأذن الله الملائكة أن ترمي العفريت بشهاب من نار فأحترق وسلمت العفريتة فانزلت بدر الدين في موضع ما أحرق الشهاب العفريت ولم تتجاوزه به خوفا عليه وكان بالأمر المقدر ذلك الموضع في دمشق الشام فوضعته العفريتة على باب من أبوابها وطارت. فلما طلع النهار وفتحت أبواب المدينة خرج الناس فظروا شابا مليحا بالقميص والطاقية بلا عمامة ولا لباس وهو مما قاسى من السهر غرقان في النوم فلما رآه الناس قالوا يا بخت من كان هذا عقده في هذه الليلة ويا ليته صبر حتى لبس حوائجه وقال الآخر مساكين أولاد الناس لعل هذا يكون في هذه الساعة خرج من المسكرة لبعض شغله فقوي عليه السكر فتاه عن المكان الذي كان قصده حتى وصل إلى باب المدينة فوجده مغلقا فنام ههنا وقد خاض الناس فيه بالكلام وإذا بالهوى هب على بدر الدين فرفع ذيله من فوق بطنه فبان من تحته بطن وسره محققة وسيقان وأفخاد مثل البلور فصار الناس يتعجبون فانتبه حسن بدر الدين فوجد روحه على باب مدينة وعليها ناس فتعجب وقال أين أنا يا جماعة الخير وما سبب اجتماعكم علي وما حكايتي معكم. فقالوا نحن رأيناك عند أذان الصبح ملقى على هذا الباب نائما ولا نعلم من أمرك غير هذا فأين كنت نائما هذه الليلة فقال حسن بدر الدين والله يا جماعة إني كنت نائما هذه الليلة في مصر فقال واحد هل أنت تأكل حشيشا وقال بعضهم أأنت مجنون كيف تكون بايتا في مصر وتصبح نائما في مدينة دمشق فقال لهم والله يا جماعة الخير لم أكذب عليكم أبدا وأنا كنت البارحة بالليل في ديار مصر وقبل البارحة كنت بالبصرة فقال واحد هذا شيء عجيب وقال الآخر هذا شاب مجنون وصفقوا عليه بالكفوف وتحدث الناس مع بعضهم وقالوا يا خسارة شبابه والله ما في جنونه خلاف ثم إنهم قالوا له إرجع لعقلك. فقال حسن بدر الدين كنت البارحة عريسا في ديار مصر فقالوا لعلك حلمت ورأيت هذا الذي تقول في المنام فتحير حسن في نفسه وقال لهم والله ما هذا منام وأين السايس الأحدب الذي كان قاعدا عندنا والكيس الذهب الذي كان معي وأين ثيابي ولباسي، ثم قام ودخل المدينة ومشى في شوارعها وأسواقها فازدحمت عليه الناس وألفوه فدخل دكان طباخ وكان ذلك الطباخ رجلا مسرفا فتاب الله عليه من الحرام وفتح له دكان طباخ وكانوا أهل دمشق كلهم يخافون منه بسبب شدة بأسه، فلما نظر الطباخ إلى حسن بدر الدين وشاهد حسنه وجماله وقعت في قلبه محبته فقال: من أين أنت يا فتى فاحكي لي حكايتك فإنك صرت عندي أعز من روحي، فحكى له ما جرى من المبتدأ إلى المنتهى. فقال له الطباخ يا سيدي بدر الدين أعلم أن هذا أمر عجيب وحديث غريب ولكن يا ولدي اكتم ما معك حتى يفرج الله ما بك واقعد عندي في هذا المكان وأنا ما لي ولد فأتخذك ولدي فقال له بدر الدين الأمر كما بريد يا عم. فعند ذلك نزل الطباخ إلى السوق واشترى لبدر الدين أقمشة مفتخرة وألبسه إياها وتوجه به إلى القاضي وأشهد على نفسه أنه ولده، وقد اشتهر حسن بدر الدين في مدينة دمشق أنه ولد الطباخ، وقعد عنده في الدكان يقبض الدراهم، وقد استقر أمره عند الطباخ على هذه الحالة. هذا ما كان من أمر حسن بدر الدين، وأما ما كان من أمر ست الحسن بنت عمه فإنها لما طلع الفجر وانتهت من النوم لم تجد حسن بدر الدين قاعدا عندها فاعتقدت أنه دخل المرحاض فجلست تنتظره ساعة وإذا بأبيها قد دخل عليها وهو مهموم مما جرى له من السلطان وكيف غصبه وزوج ابنته غصبا لأحد غلمانه الذي هو السايس الأحدب وقال في نفسه سأقتل هذه البنت إن مكنت هذا الخبيث من نفسها، فمشى إلى أن وصل إلى المخدع ووقف على بابه وقال: يا ست الحسن فقالت له نعم يا سيدي، ثم إنها خرجت وهي تتمايل من الفرح وقبلت الأرض بين يديه وازداد وجهها نوراً وجمالاً لعناقها لذلك الغزال، فلما نظرها أبوها وهي بتلك الحالة قال لها: يا خبيثة هل أنت فرحانة بهذا السايس.

فلما سمعت ست الحسن كلام والدها تبسمت وقالت: يا الله، يكفي ما جرى منك والناس يضحكون علي ويعايروني بهذا السياس الذي ما يجيء في إصبعي قلامة ظفر. إن زوجي والله ما بت طول عمري ليلة أحسن من ليلة البارحة التي بتها معه، فلا تهزأ بي وتذكر لي ذلك الأحدب فلما سمع والدها كلامها امتزج بالغضب وازرقت عيناه وقال لها: ويلك أي هذا الكلام الذي تقولينه، إن السايس الأحدب قد يأت عندك فقالت: بالله عليك لا تذكره لي قبحه الله وقبح أباه فلا تكثر المزاح بذكره فما كان السايس إلا مكتري بعشرة دنانير وأخذ أجرته وراح وجئت أنا ودخلت المخدع فنظرت زوجي قاعداً بعدما جلتني عليه المغنيات ونقط بالذهب الأحمر حتى أغنى الفقراء الحاضرين وقد بت في حضن زوجي الخفيف الروح صاحب العيون السود والحواجب المقرونة.

فلما سمع والدها هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلاماً وقال لها: يا فاجرة ما هذا الذي تقولينه? أين عقلك، فقالت له: يا أبت لقد فتت كبدي لأي شيء تتغافل فهذا زوجي الذي أخذ وجهي قد دخل بيت الراحة وإني قد علقت منه، فقام والدها وهو متعجب ودخل بيت الخلاء فوجد السايس الأحدب ورأسه مغروز في الملاقي ورجلاه مرتفعة إلى فوق فبهت فيه الوزير وقال: أما هذا هو الأحدب فخاطبه فلم يرد عليه وظن الأحدب أنه العفريت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرون قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السائس الأحدب لما كلمه الوزير لم يرد عليه فصرخ عليه الوزير وقال له تكلم وإلا أقطع رأسك بهذا السيف، لعند ذلك قال الأحدب والله يا شيخ العفاريت من حين جعلتني في هذا الموضع ما رفعت رأسي فبالله عليك أن ترفق بي، فلما سمع الوزير كلام الأحدب قال له ما تقول فإني أبو العروسة وما أنا عفريت، فقال ليس عمري في يدك ولا تقدر أن تأخذ روحي فرح حال سبيلك قبل أن يأتيك الذي فعل بي هذه الفعال فأنتم لا تزوجوني إلا بمعشوقة الجواميس ومعشوقة العفاريت فلعن الله من زوجني بها ولعن من كان السبب في ذلك، فقال له الوزير قم واخرج من هذا المكان فقال له هل أنا مجنون حتى أروح معك بغير إذن العفريت فإنه قال لي إذا طلعت الشمس فاخرج وروح إلى حال سبيلك فهل طلعت الشمس أو لا فإني لا اقدر أن أطلع من موضعي إلا إن طلعت الشمس.

فعند ذلك قال له الوزير من أتى بك إلى هذا المكان فقال إني جئت البارحة إلى هنا لأقضي حاجتي وأزيل ضرورتي فإذا بفأر طلع من وسط الماء وصاح وصار يكبر حتى بقي قدر الجاموسة وقال لي كلاماً دخل في أذني فخلني ورح لعند العروسة ومن زوجني بها فتقدم إليه الوزير وأخرجه من المرحاض فخرج وهو يجري وما صدق أن الشمس طلعت وطلع إلى السلطان وأخبره بما اتفق له مع العفريت وأما الوزير أبو العروسة فإنه دخل البيت وهو حائر العقل في أمر بنته، فقال يا ابنتي اكشفي لي عن خبرك فقالت أن الظريف الذي كنت أتجلى عليه بات عندي البارحة وأزال بكارتي وعلقت منه وإن كنت لم تصدقني فهذه عمامته بلفتها على الكرسي ولباسه تحت الفراش وفيه شيء ملفوف لم أعرف ما هو.

فلما سمع والدها هذا الكلام دخل المخدع فوجد عمامة حسن بدر الدين ابن أخيه، ففي الحال أخذها في يده وقلبها وقال هذه عمامة وزراء إلا أنها موصلية، ثم نظر إلى الحرز مخيط في طربوشه فأخذه وفتقه وأخذ اللباس فوجد الكيس الذي فيه ألف دينار ففتحه فوجد فيه ورقة فقرأها فوجه مبايعة اليهودي واسم حسن بدر الدين بن نور الدين البصري ووجد الألف دينار فلما قرأ شمس الدين الورقة صرخ صرخة وخر مغشياً عليه فلما أفاق وعلم مضمون القصة تعجب وقال لا إله إلا الله القادر على كل شيء وقال: يا بنت هل تعرفين من الذي أخذ وجهك قالت لا قال إنه ابن أخي وهو ابن عمك وهذه الألف دينار مهرك فسبحان الله فليت شعري كيف اتفقت هذه القضية، ثم فتح الحرز المخيط فوجد فيه ورقة مكتوباً عليه بخط أخيه نور الدين المصري أبي حسن بدر الدين فلما نظر خط أخيه أنشد هذين البيتين:

أرى آثارهم فأذوب شـوقـا وأسكب في مواطنهم دموعي

وأسأل من بفرقتهم رمـانـي يمن علي يوماً بالـرجـوع

فلما فرغ من الشعر قرأ الحرز فوجد فيه تاريخ زواجه بنت وزير البصرة وتاريخ دخوله بها وتاريخ عمره إلى حين وفاته وتاريخ ولادة ولده حسن بدر الدين فتعجب واهتز من الطرب وقابل ما جرى لأخيه على ما جرى له فوجده سواء بسواء وزواجه وزواج الآخر موافقين تاريخياً ودخولهما بزوجتيهما متوافقاً وولادة حسن بدر الدين ابن أخيه وولادة ابنته ست الحسن متوافقين فأخذ الورقتين وطلع بهما إلى السلطان وأعلمه بما جرى من أول الأمر إلى آخره فتعجب الملك وأمر أن يؤرخ هذا الأمر في الحال ثم أقام الوزير ينظر ابن أخيه فما وقع له على خبر فقال والله لأعملن عملاً ما سبقني إليه أحد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

في الليلة الرابعة والعشرون قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير أخذ دواة وقلماً وكتب أمتعة وأن الخشخانة في موضع كذا والستارة الفلانية في موضع كذا وكتب جميع ما في البيت، ثم طوى الكتاب وأمر بخزن جميع الأمتعة وأخذ العمامة والطربوش وأخذ معه الفرجية والكيس وحفظهما عنده وأما بنت الوزير فإنها لما كملت أشهرها ولدت ولذا مثل القمر يشبه والده من الحسن والكمال والبهاء والجمال فقطعوا سرته وكحلوا مقلته وسلموه إلى المرضعات وسموه عجيباً فصار يومه بشهر وشهره بسنة، فلما مر عليه سبع سنين أعطاه جده لفقيه ووصاه أن يربيه ويحسن تربيته فأقام في المكتب أربع سنوات فصار يقاتل أهل المكتب ويسبهم ويقول لهم من منكم مثلي أنا ابن وزير مصر فقام الأولاد واجتمعوا يشكون إلى العريف ما قاسوه من عجيب.

فقال لهم العريف أنا أعلمكم شيئاً تقولونه له لما يجيء فيتوب عن المجيء للمكتب وذلك أنه إذا جاء غداً فاقعدوا حوله وقولوا لبعضكم: والله ما يلعب معنا هذه اللعبة إلا من يقول لنا على اسم أمه واسم أبيه ومن لم يعرف اسم أمه واسم أبيه فهو ابن حرام فلا يلعب معنا. فلما أصبح الصباح أتوا إلى المكتب وحضر عجيب فاختلط بالأولاد وقالوا نحن نلعب لعبة ولكن ما يلعب إلا من يقول لنا عن اسم أمه واسم أبيه واتفقوا على ذلك، فقال واحد منهم اسمي ماجدي وأمي علوي وأبي عز الدين، وقال الآخر مثل قوله والآخر كذلك إلى أن جاء الدور إلى عجيب فقال: أنا اسمي عجيب وأمي ست الحسن وأبي شمس الدين والوزير بمصر فقالوا له والله إن الوزير ما هو أبوك فقال عجيب الوزير أبي حقيقة.

فعند ذلك ضحكت عليه الأولاد وصفقوا عليه وقالوا أنت ما تعرف لك أباً فقم من عندنا فلا يلعب معنا إلا من يعرف اسم أبيه. وفي الحال تفرق الأولاد من حوله وتضاحكوا عليه فضاق صدره وأنخنق بالبكاء. فقال له العريف هل تعتقد أن أباك جدك الوزير أبو أمك ست الحسن، إن أباك ما تعرفه أنت ولا نحن لأن السلطان زوجها للسائس الأحدب وجاءت الجن فناموا عندها فإن لم تعرف لك أبا يجعلونك بينهم ولد زنا ألا ترى أن ابن البائع يعرف أباه، فوزير مصر إنما هو جدك وأما أبوك فلا نعرفه نحن ولا أنت فارجع لعقلك.

فلما سمع ذلك الكلام قام من ساعته ودخل على والدته ست الحسن وصار يشكو هلا وهو يبكي ومنعه البكاء من الكلام، فلما سمعت أمه كلامه وبكاءه التهب قلبها عليه وقالت له: يا ولدي ما الذي أبكاك فاحكي لي قصتك فحكى لها ما سمعه من الأولاد ومن العريف وقال يا والدتي من هو أبي قلت له أبوك وزير مصر فقال لها ليس هو أبي فلا تكذبي علي فإن الوزير أبوك أنت لا أبي أنا. من هو أبي فإن لم تخبريني بالصحيح قتلت روحي بهذا الخنجر. فلما سمعت والدته ذكر أبيه بكت لذكر ولد عمها وتذكرت محاسن حسن بدر الدين البصري وما جرى لها معه وصرخت وكذلك ولدها وإذا بالوزير دخل. فما نظر إلى بكائها احتر قلبه وقال ما يبكيكما فأخبرتها بما اتفق لولدها مع صغار المكتب فبكى الآخر ثم تذكر أخاه وما اتفق له معه وما اتفق لابنته ولم يعلم بما في باطن الأمر. ثم قام الوزير في الحال ومشى حتى طلع إلى الديوان ودخل على الملك وأخبره بالقصة وطلب منه الإذن بالسفر إلى الشرق ليقصد مدينة البصرة ويسأل عن ابن أخيه، وطلب من السلطان أن يكتب له مراسيم لسائر البلاد إذا وجد ابن أخيه في أي موضع يأخذه، ثم بكى بين يدي السلطان فرق له قلبه وكتب مراسيم لسائر الأقاليم والبلاد ففرح بذلك ودعا للسلطان وودعه ونزل في الحال وتجهز في الحال وأخذ ما يحتاج إليه وأخذ ابنته وولدها عجيباً وسافر أول يوم وثاني يوم وثالث يوم حتى وصل إلى مدينة دمشق فوجدها ذات أشجار وأنهار كما قال الشاعر:

من بعد يوم في دمشق وليلتـي حلف الزمان بمثلها لا يغلـط

بتنا وجنح الليل في غفـلانـه ومن الصباح عليه فرع أشمط

والظل في تلك الغصون كأنـه در يصافحه النسيم فيسـقـط

والطير يقرأ والغدير صحـيفة والريح تكتب والغمام ينـقـط

فنزل الوزير من ميدان الحصباء ونصب خيامه وقال لغلمانه نأخذ الراحة هنا يومين فدخل الغلمان المدينة لقضاء حوائجهم. هذا يبيع وهاذ يشتري وهذا يدخل الحمام وهذا يدخل جامع بني أمية الذي ما في الدنيا مثله ودخل المدينة عجيب هو وخادمه يتفرجان والخادم ينشي خلف عجيب وفي يده سوط لو ضرب به جملاً لسقط ولم يثر. فلما نظر أهل دمشق إلى عجيب وقده واعتداله وبهائه وكماله بديع الجمال وخيم الدلال الطف من نسيم الشمال وأحلى للظمآن من الماء الزلال وألذ من العافية لصاحب الاعتلال فلما رآه أهل دمشق تبعوه وصارت الخلق تجري وراءه تتبعه وتقعد في الطريق حتى يجيء عليهم وينظرونه إلى أن وقف عجيب بالأمر المقدر على دكان أبيه حسن بدر الدين الذي أجلسه فيه الطباخ الذي اعترف عند القضاة والشهود أنه ولده.

فلما وقف عليه العبد في ذلك اليوم وقف معه الخدام، فنظر حسن بدر الدين إلى ولده فأعجبه حين وجده في غابة الحسن فحن إليه فؤاده وتعلق به قلبه وكان قد طبخ حب رمان مخلي بلوز وسكر، فأكلوا سواء فقال لهم حسن بدر الدين أنستمونا كلوا هنيئاً مريئاً ثم أن عجيب قال لوالده أقعد كل معنا لعل الله يجمعنا بمن نريد فقال عجيب نعم يا عم حرق قلبي بفراق الأحباب والحبيب الذي فارقني هو والدي، وقد خرجت أنا وجدي نطوف عليه البلاد فواحسرتاه على جمع شملي به وبكى بكاء شديداً، وبكا والده لبكائه وتذكر فرقة الأحباب وبعده عن والده ووالدته فحن له الخادم، وأكلوا جميعاً إلى أن اكتفوا.

ثم بعد ذلك قاما وخرجا من دكان حسن بدر الدين فأحس أن روحه فارقت جسده وراحت معهم فما قدر أن يصير عنهم لحظة واحدة، فقفل الدكان وتبعهم وهو لا يعلم أنه ولده وأسرع في مشيه حتى لحقهم قبل أن يخرجوا من الباب الكبير فالتفت الطواشي وقال له مالك يا طباخ فقال حسن بدر الدين لما نزلتم من عندي كان روحي خرجت من جسمي ولي حاجة في المدينة خارج الباب فأردت أن أرافقكم حتى أقضي حاجتي وأرجع فغضب الطواشي وقال لعجيب أن هذه أكلة مشؤومة وصارت علينا مكرمة وهاهو تابعنا من موضع إلى موضع فالتفت عجيب فرأى الطباخ فاغتاظ واحمر وجهه وقال للخادم دعه يمشي في طريق المسلمين فإذا خرجنا إلى خيامنا وخرج معنا وعرفنا أنه يتبعنا نطرده فأطرق رأسه ومشى والخادم وراءه فتبعهم حسن بدر الدين إلى ميدان الحصباء وقد قربوا من الخيام فالتفوا ورأوه خلفهم.

فغضب عجيب وخاف من الطواشي أن يخبر جده فامتزج بالغضب مخافة أن يقولوا أنه دخل دكان الطباخ وأن الطباخ منعه فالتفت حتى صار عيناه في عين أبيه وقد بقي جسداً بلا روح ورأى عجيب عينه كأنها عين خائن، وربما كان ولد زنا فازداد غضباً فأخذ حجراً وضرب به والده فوقع الحجر على جبينه فبطحه فوقع حسن بدر الدين مغشياً عليه وسال الدم على وجهه وسار عجيب هو والخادم إلى الخيام وأما حسن بدر الدين فإنه لما أفاق مسح دمه وقطع قطعة من عمامته وعصب بها رأسه ولام نفسه وقال أنا ظلمت الصبي حيث غلقت دكاني وتبعته حتى ظن أني خائن ثم رجع إلى الدكان واشتغل ببيع طعامه وصار مشتاقاً إلى والدته التي في البصرة ويبكي عليها، وأنشد هذين البيتين:

لا تسأل الدهر إنصافاً لتظلمـه فلست فيه ترى يا صاح إنصافا

خذ ما تيسر وأزوالهم نـاحـية لا بد من كدر فيه وإن صافي

ثم أن حسن بدر الدين استمر مشتغلاً يبيع طعامه وأما الوزير عمه فإنه أقام في دمشق ثلاثة أيام ثم رحل متوجهاً إلى حمص فدخلها ثم رحل عنها وصار يفتش في طريقه أينما حل وجهه في سيره إلى أن وصل إلى ماردين، والموصل وديار بكر ولم يزل سائراً إلى مدينة البصرة فدخلها فلما استقر به المنزل دخل إلى سلطانها واجتمع به فاحترمه وأكرم منزله وسأله عن سبب مجيئه فأخبره بقصته وأن أخاه الوزير علي نور الدين، فترحم عليه السلطان وقال ايها الصاحب إنه كان وزيري وكنت أحبه كثيراً وقد مات من مدة خمسة عشر عاماً وخلف ولداً وقد فقدناه ولم نطلع له على خبر غير أن أمه عندنا لأنها بنت وزيري الكبير.

فلما سمع الوزير شمس الدين من الملك أن أم ابن أخيه طيبة فرح وقال يا ملك إني أريد أن أجتمع بها فإذن له في الحال، ثم أنه صار يمشي إلى أن وصل إلى قاعة زوجة أخيه أم حسن بدر الدين البصري وكانت في مدة غيبة ولدها قد لزمت البكاء والنحيب بالليل والنهار، فلما طالت عليها المدة عملت لولدها قبراً من الرخام في وسط القاعة وصارت تبكي عليه ليلاً ونهاراً، ولا تنام إلا عند ذلك القبر، فلما وصل إلى مسكنها سمع حسها فوقف خلف الباب فسمعها تنشد على القبر هذين البيتين:

بالله يا قبر هل زالت محاسـنـه وهل تغير ذاك المنظر النضـر

يا قبر لا أنت بستان ولا فـلـك فكيف يجمع فيك الغصن والقمر

فبينما هي كذلك وإذا بالوزير شمس الدين، قد دخل عليها وسلم عليها وأعلمها أنه أخو زوجها وقد أخبرها بما جرى، وكشف لها عن القصة وأن ابنها حسن بدر الدين، بات عند ابنته ليلة كاملة، ثم طلع عليه الصباح وقال لها إن ابنتي حملت من ولدك وولدت ولداً وهو معي وإنه ولدك وولد ولدك من أبي، فلما سمعت خبر ولدها وأنه حي ورأت أخا زوجها قامت إليه ووقعت على قدميه وقبلتهما وأنشدت هذين البيتين:

لله در مبشري بقدومـهـم فلقد أتى بأطايب المسموع

لو كان يقنع بالخليع وهبته قلباً تقطع ساعة التـوديع

ثم إن الوزير أرسل إلى عجيب ليحضره، فلما حضر قامت له جدته واعتنقته وبكت فقال لها شمس الدين ما هذا وقت بكاء بل هذا وقت تجهزك للسفر معنا إلى ديار مصر عسى الله أن يجمع شملنا وشملك بولدك ابن أخي، فقالت سمعاً وطاعة، ثم قامت من وقتها وجمعت جميع أمتعتها وذخائرها وجواريها وتجهزت في الحال ثم طلع الوزير شمس الدين إلى سلطان البصرة وودعه فبعث معه هدايا وتحفاً إلى سلطان مصر وسافر من وقته هو وزوجة أخيه ولم يزل سائراً حتى وصل إلى مدينة دمشق فنزل على القانون وضرب الخيام، وقال لمن معه إننا نقيم بدمشق جمعة إلى أن نشتري للسلطان هداياً وتحفاً ثم قال عجيب للطواشي يا غلام إني اشتقت إلى الفرجة فقم بنا ننزل إلى سوق دمشق ونعتبر أحوالها وننظر ما جرى لذاك الطباخ الذي كنا أكلنا طعامه وشججنا رأسه مع أنه قد كان أحسن إلينا ونحن أسأناه.

فقال الطواشي سمعاً وطاعة ثم إن عجيباً أخرج من الخيام هو والطواشي وحركته القرابة إلى التوجه لوالده ودخل مدينة دمشق وما زالا إلى أن وصلا إلى دكان الطباخ فوجداه واقفاً في الدكان وكان ذلك قبل العصر وقد وافق الأمر أنه طبخ حب رمان فلما قربا منه ونظره عجيب حن غليه قلبه ونظر إلى أثر الضربة بالحجر في جبينه، فقال: السلام عليك يا هذا اعلم أن خاطري عندك فلما نظر إليه حسن بدر الدين تعلقت أحشاؤه به وخفق فؤاده غليه وأطرق برأسه إلى الأرض وأراد أن يدير لسانه في فمه، فما قدر على ذلك، ثم رفع رأسه إلى ولده خاضعاً متدللاً وأنشد هذه الأبيات:

تمنيت من أهوى فلـمـا رأيتـه ذهلت فلم أملك لساناً ولا طرفـا

وأطرقت إجلالاً لـه ومـهـابة وحاولت إخفاء الذي بي فلم يخف

وكنت معداً للعتاب صـحـائفـاً فلما اجتمعنا ما وجدت ولا حرفا

ثم قال لهما اجبرا قلبي وكلا من طعامي فو الله ما نظرت إليك أيها الغلام إلا حن قلبي إليك وما كنت تبعتك إلا وأنا بغير عقل. فقال عجيب والله إنك محب لنا ونحن أكلنا عندك لقمة فلازمتنا عقبها، وأردت أن تهتكنا ونحن لا نأكل لك أكلاً إلا بشرط أن تحلف أنك لا تخرج وراءنا ولا تتبعنا وإلا لا نعود إليك من وقتنا هذا، فنحن مقيمون في هذه المدينة جمعة حتى يأخذ جدي هدايا للملك فقال بدر الدين لكم علي ذلك، فدخل عجيب هو والخادم في الدكان فقدم لهما زبدية ممتلئة حب رمان، فقال عجيب كل معنا لعل الله يفرج عنا ففرح حسن بدر الدين وأكل معهم حتى امتلأت بطونهما وشبعا على خلاف عادتهما، ثم انصرفا وأسرعا في مشيهما حتى وصلا إلى خيامهما ودخل عجيب على جدته أم والده حسن بدر الدين، فقبلته وتذكرت حسن بدر الدين فتنهدت وبكت ثم أنها أنشدت هذين البيتين:

لو لم أرى بأن الشمل يجـتـمـع ما كان لي في حياتي بعدكم طمع

أقسمت ما في فؤادي غير حبكـم والله ربي على الأسرار مطلـع

ثم قالت لعجيب يا ولدي أين كنت، قال في مدينة دمشق فعند ذلك قامت وقدمت له زبدية لعام من حب الرمان وكان قليل الحلاوة وقالت للخادم اقعد مع سيدك فقال الخادم في نفسه والله ما لنا شهية في الأكل، ثم جلس الخادم وأما عجيب فإنه لما جلس كان بطنه ممتلئاً بما أكل وشرب، فأخذ لقمة وغمسها في حب الرمان وأكلها فوجده قليل الحلاوة لأنه شبعاناً فتضجر وقال أي شيء هذا الطعام الوحش فقالت جدته: يا ولدي أتعيب طبيخي وأنا طبخته ولا أحد يحسن الطبيخ مثلي إلا والدك حسن بدر الدين، فقال عجيب والله يا سيدتي إن طبيخك هذا غير متقن نحن في هذه الساعة رأينا في المدينة طباخاً طبخ رمان ولكن رائحته ينفتح لها القلب، وأما طعامه فإنه يشتهي نفس المتخوم أن يأكل وأما طعامك بالنسبة غليه فإنه لا يساوي كثيراً ولا قليلاً، فلما سمعت جدته كلامه اغتاظت غيظاً شديداً، ونظرت إلى الخادم وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جدة عجيب لما سمعت كلامه اغتاظت ونظرت إلى الخادم وقالت ويلك هل أنت أفسدت ولدي لأنك دخلت به إلى دكاكين الطباخين فخاف الطواشي وأنكر، وقال ما دخلنا الدكان ولكن جزنا جوازاً فقال عجيب والله لقد دخلنا وأكلنا، وهو أحسن من طعامك فقامت جدته وأخبرت أخا زوجها وأغرته على الخادم فحضر الخادم قدام الوزير، فقال له لم دخلت بولدي دكان الطباخ فخاف الخادم وقال ما دخلنا فقال عجيب بل دخلنا وأكلنا من حب الرمان حتى شبعنا، وسقانا الطباخ شراباً بثلج وسكر فازداد غضب الوزير على الخادم وسأله فأنكر، فقال له الوزير إن كان كلامك صحيحاً فاقعد وكل قدامنا فعند ذلك تقدم الخادم وأراد أن يأكل فلم يقدر ورمى اللقمة وقال يا سيدي إني شبعان من البارحة.

فعرف الوزير أنه أكل عند الطباخ فأمر الجواري ن يطرحنه فطرحنه ونزل عليه بالضرب الوجيع فاستغاث وقال يا سيدي إني شبعان من البارحة ثم منع عنه الضرب وقال لم أنطلق بالحق، فقال اعلم أننادخلنا دكان الطباخ وهو يطبخ حب الرمان فغرف لنا منه والله ما أكلت عمري مثله ولا رأيت أقبح من هذا الذي قدامنا فغضبت أم حسن بدر الدين، وقالت لا بد أن تذهب إلى هذا الطباخ وتجيء لنا بزبدية حب الرمان من الذي عنده وتريه لسيدك حتى يقول أيهما أحسن وأطيب، فقال الخادم: نعم ففي الحال أعطته زبدية ونصف دينار فمضى الخادم حتى وصل إلى الدكان وقال للطباخ نحن تراهنا على طعامك في بيت سيدنا لأن هناك حب رمان طبخه أهل البيت فهات لنا بهذا النصف دينار وأدر بالك في طهيه وأتقنه فقد أكلنا الضرب الموجع على طبيخك.

فضحك حسن بدر الدين وقال والله أن هذا الطعام لا يحسنه أحد إلا أنا ووالدتي وهي الآن في بلاد بعيدة ثم أنه عرف الزبدية وأخذها وختمها بالمسك وماء الورد فأخذها الخادم وأسرع بها حتى وصل إليهم فأخذتها والدة حسن وذاقتها ونظرت حسن طعمها فعرفت طباخها فصرخت ثم وقعت مغشياً عليها فبهت الوزير من ذلك، ثم رشوا عليها ماء الورود بعد ساعة أفاقت وقالت إن كان ولدي في الدنيا فما طبخ حب الرمان هذا إلا هو وهو ولدي حسن بدر الدين لا شك ولا محالة لأن هذا طعامه وما أحد يطبخه غيره إلا أنا لأني علمته طبيخه. فلما سمع الوزير كلامها فرح فرحاً شديداً، وقال واشوقاه إلى رؤية ابن أخي أترى تجمع الأيام شملنا وما نطلب الاجتماع به إلا من الله تعالى، ثم إن الوزير قام من وقته وساعته وصاح على الرجال الذين معه وقال يمضي منكم عشرون رجلاً إلى دكان الطباخ ويهدمونها ويكتفونه بعمامته ويجرونه غصباً إلى مكاني من غير إيذاء يحصل له، فقالوا له نعم ثم إن الوزير ركب من وقته وساعته إلى دار السعادة واجتمع بنائب دمشق وأطلعه على الكتب التي معه من السلطان فوضعها على رأسه بعد تقبيلها وقال من هو غريمك، قال رجل طباخ ففي الحال أمر حجابه أن يذهبوا إلى دكانه فذهبوا فرأوها مهدومة وكل شيء فيها مكسور لأنه لما توجه إلى دار السعادة فعلت جماعته ما أمرهم به وصاروا منتظرين مجيء الوزير من دار السعادة وحسن بدر الدين يقول في نفسه يا ترى أي شيء رأوا في حب الرمان حتى صار لي هذا الأمر فلما حضر الوزير من عند نائب دمشق وقد أذن غريمه وسفره به فلما دخل الخيام طلب الطباخ فأحضروه مكتفاً بعمامته.

فلما نظر حسن بدر الدين إلى عمه بكى بكاء شديداً وقال يا مولاي ما ذنبي عندكم فقال له أنت الذي طبخت حب الرمان قال نعم فهل وجدتم فيه شيئاً يوجب ضرب الرقبة فقال هذا أقل جزائك فقال له يا سيدي أما توقفني على ذنبي، فقال له الوزير: نعم في هذه الساعة ثم إن الوزير صرخ على الغلمان وقال هاتوا الجمال وأخذوا حسن بدر الدين معهم وأدخلوه في صندوق وقفلوا عليه وساروا ولم يزالوا سائرين إلى أن أقبل الليل فحطوا وأكلوا شيئاً من الطعام وأخرجوا حسن بدر الدين فأطعموه وأعادوه إلى الصندوق ولم يزالوا كذلك حتى وصلوا إلى مكان فأخرجوا حسن بدر الدين من الصندوق وقال له هل أنت طبخت حب الرمان، قال نعم يا سيدي.

فقال الوزير قيدوه فقيدوه وأعادوه إلى الصندوق وساروا إلى أن وصلوا إلى مصر وقد نزلوا في الزيدانية فأمر بإخراج حسن بدر الدين من الصندوق وأمر بإحضار نجار وقال اصنع لهذا لعبة خشب فقال حسن بدر الدين وما تصنع بها فقال أصلبك وأسمرك فيها ثم أدور بك المدينة كلها، فقال على أي شيء تفعل بي ذلك فقال الوزير على عدم إتقان طبيخك حب الرمان كيف طبخته وهو ناقص فلفلاً فقال له وهل لكونه ناقص فلفلاً تصنع معي هذا كله أما كفاك حبسي وكل يوم تطعمون بأكلة واحدة فقال له الوزير من أجل كونه ناقصاً فلفلاً ما جزاؤك إلى القتل، فتعجب حسن بدر الدين، وحزن على روحه وصار يتفكر في نفسه فقال له الوزير في أي شيء تتفكر، فقال له في العقول السخيفة التي مثل عقلك فإنه لو كان عندك عقل ما كنت فعلت معي هذه الفعال لأجل نقص الفلفل فقال له الوزير يجب علينا أن نؤدبك حتى لا تعود لمثله.

فقال حسن بدر الدين إن الذي فعلته معي أقل شيء فيه أدبي فقال لا بد من صلبك وكل هذا والنجار يصلح الخشب وهو ينظر إليه ولم يزالوا كذلك إلى أن أقبل الليل فأخذه عمه ووضعه في الصندوق وقال في غد يكون صلبك، ثم صبر عليه حتى عرف أنه نام فقام وركب وأخذ الصندوق قدامه ودخل المدينة وسار إلى أن دخل بيته ثم قال لابنته ست الحسن: الحمد لله الذي جمع شملك بابن عمك قومي وافرشي البيت مثل فرشة ليلة الجلاء فأمرت الجواري بذلك، فقمن وأوقدن الشمع وقد أخرج الوزير الورقة التي كتب فيها أمتعة البيت ثم قرأها وأمر أن يضعوا كل شيء في مكانه حتى أن الرائي إذا رأى ذلك لا يشك في أنها ليلة الجلاء بعينها، ثم أن الوزير أمر أن تحط عمامة حسن بدر الدين في مكانها الذي حطها فيه بيده وكذلك السروال والكيس الذي تحت الطراحة ثم أن الوزير أمر ابنته تتحف نفسها كما كانت ليلة الجلاء وتدخل المخدع وقال لها: إذ دخل عليك ابن عمك فقولي له قد أبطأت علي في دخولك بيت الخلاء ودعيه يبيت عندك وتحدثي معه إلى النهار وكتب هذا التاريخ. ثم أن الوزير أخرج بدر الدين من الصندوق بعد أن فك القيد من رجليه وخلع ما عليه من الثياب وصار بقميص النوم وهو رفيع من غير سروال. كل هذا وهو نائم لا يعرف بذلك ثم انتبه بدر الدين من النوم فوجد نفسه في دهليز نير، فقال في نفسه هل أنا في أضغاث أحلام أو في اليقظة، ثم قام بدر الدين فمشى قليلاً إلى باب ثان ونظر وغذا هو في البيت الذي انجلت فيه العروسة، ورأى المخدع والسرير ورأى عمامته وحوائجه، فلما نظر ذلك بهت وصار يقدم رجلاً ويؤخر أخرى وقال في نفسه هل هذا في المنام أو في اليقظة وصار يمسح جبينه ويقول وهو متعجب والله إن هذا مكان العروسة التي انجلت فيه علي، فإني كنت في صندوق، فبينما هو يخاطب نفسه وإذا بست الحسن رفعت طرف الناموسية وقالت له يا سيدي أما تدخل فإنك أبطأت علي في بيت الخلاء فلما سمع كلامها ونظر إلى وجهها وضحك وقال إن هذه أضغاث أحلام، ثم دخل وتنهد وتفكر فيما جرى له وتحير في أمره وأشكلت عليه قضيته ولما رأى عمامته وسرواله والكيس الذي فيه الألف دينار، قال: الله أعلم أني في أضغاث أحلام، وصار من فرط التعجب متحيراً، وهناك أدرك شهرزاد الصباح..

وفي الليلة الخامسة والعشرين قالت: بلغني أن بدر الدين تعجب وتحير، فعند ذلك قالت له ست الحسن: مالي أراك متعجباً متحيراً ما كنت في أول الليل؟ فضحك وقال عام لي غائب عنك? فقالت له سلامتك سم الله حواليك أنت إنما خرجت إلى الكنيف لتقضي حاجة وترجع فأي شيء جرى في عقلك، فلما سمع بدر الدين ذلك ضحك وقال لها صدقت ولكنني لما خرجت من عندك غلبني النوم في بيت الراحة، فحلمت أني كنت طباخاً في دمشق وأقمت بها عشرة سنين وكأنه جاءني صغير من أولاد الأكابر ومعه خادم وحصل من أمره كذا وكذا ثم أن حسن بدر الدين مسح بيده على جبينه فرأى أثر الضرب عليه. فقال والله يا سيدتي كأنه حق لأنه ضربني على جبيني فشبحه فكأنه في اليقظة ثم قال لعل هذا المناح حصل حين تعانقت أنا وأنت ونمنا، فرأيت في المنام كأني سافرت إلى دمشق بلا طربوش ولا عمامة ولا سروال وعملت طباخاً، ثم سكت ساعة وقال والله كأني رأيت أني طبخت حب رمان وفلفله قليل، والله ما كأني إلا نمت في بيت الراحة فرأيت هذا كله في المنام فقالت له ست الحسن بالله وعليك أي شيء رأيته زيادة على ذلك. فحكى لها جميع ما رآه، ثم قال والله لولا أني انتبهت لكانوا صلبوني على لعبة خشب.

فقالت له على أي شيء فقال على قلة الفلفل في حب الرمان ورأيت كأنهم خرجوا دكاني وكسروا مواعيني وحطوني في صندوق وجاؤوا بالنجار ليصنع لي لعبة من خشب لأنهم أرادوا صلبي عليها فالحمد لله الذي جعل ذلك كله في المنام ولم يجعله في اليقظة فضحكت ست الحسن وضمته إلى صدرها وضمها إلى صدره ثم تذكر وقال: والله ما كأنه إلا في اليقظة فأنا ما عرفت أي شيء الخبر ولا حقيقة الحال، ثم إنه نام وهو متحير في أمره فتارة يقول رأيته في المنام وتارة يقول رأيته في اليقظة، ولم يزل كذلك إلى الصباح، ثم دخل عليه عمه الوزير شمس الدين فسلم عليه فنظر له حسن بدر الدين، وقال بالله عليك أما أنت الذي أمرت بتكتيفي وتسمير دكاني، من شأن حب الرمان لكونه قليل الفلفل.

فعند ذلك قال الوزير اعلم يا ولدي أنه ظهر الحق وبان ما كان مختفياً، أنت ابن أخي وما فعلت ذلك حتى تحققت أنك الذي دخلت على ابنتي تلك الليلة، وما تحققت ذلك حتى رأيتك عرفت البيت وعرفت عمامتك وسروالك وذهبك والورقتين التي كتبتهما بخطك والتي كتبها والدك أخي فإني ما رأيتك قبل ذلك وما كنت أعرفك، وأما أمك فإني جئت بها معي من البصرة ثم رمى نفسه عليه وبكى فلما سمع حسن بدر الدين كلام عمه تعجب غاية العجب وعانق عمه وبكى من شدة الفرح، ثم قال له الوزير يا ولدي إن سبب ذلك كله ما جرى بيني وبين والدك وحكى له جميع ما جرى بينه وبين أخيه، وأخبره بسبب سفر والده إلى البصرة، ثم إن الوزير أرسل إلى عجيب فلما رآه والده قال لهذا الذي ضربني بالحجر فقال الوزير هذا ولدك فعند ذلك رمى نفسه عليه وأنشد هذه الأبيات:

ولقد بكيت على تفرق شملـنـا زماناً وفاض الدمع من أجفاني

ونذرت أن أجمع المهيمن شملنا ما عدت أذكر فرقة بلسانـي

هجم السرور علي حتـى أنـه من فرط ما قد سرني أبكانـي

فلما فرغ من شعره التفتت إليه والدته وألقت روحها عليه، وأنشدت هذين البيتين:

الدهر أقسـم لا يزال مـكـدري حنثت يمينك يا زمان فـكـفـر

لسعد وافى والحبيب مسـاعـدي فانهض إلى داعي السرور وشمر

ثم إن والدته حكت له جميع ما وقع لها بعده، وحكى لها جميع ما قاساه فشكروا الله على جمع شملهم ببعضهم ثم أن الوزير طلع إلى السلطان وأخبره بما جرى له فتعجب وأمر أن يؤرخ ذلك في السجلات ليكون حكاية على ممر الأوقات ثم أن الوزير شمس الدين وأخيه نور الدين فقال الخليفة هارون الرشيد والله إن هذا الشيء عجاب ووهب للشاب سرية من عنده ورتب له ما يعيش به وصار ممن ينادمه، ثم إن لبنت قالت وما هذا بأعجب من حكاية الخياط والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع لهم قال الملك وما حكايتهم.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 12 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية التاجر مع العفريت

الليلة الأولى: قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان تاجر من التجار، كثير المال والمعاملات في البلاد قد ركب يوماً وخرج يطالب في بعض البلاد فاشتد عليه الحر فجلس تحت شجرة وحط يده في خرجه وأكل كسرة كانت معه وتمرة، فلما فرغ من أكل التمرة رمى النواة وإذا هو بعفريت طويل القامة وبيده سيف، فدنا من ذلك التاجر وقال له: قم حتى أقتلك مثل ما قتلت ولدي، فقال له التاجر: كيف قتلت ولدك؟ قال له: لما أكلت التمرة ورميت نواتها جاءت النواة في صدر ولدي فقضي عليه ومات من ساعته فقال التاجر للعفريت: أعلم أيها العفريت أني على دين ولي مال كثير وأولاد وزوجة وعندي رهون فدعني أذهب إلى بيتي وأعطي كل ذي حق حقه ثم أعود إليك، ولك علي عهد وميثاق أني أعود إليك فتفعل بي ما تريد والله على ما أقول وكيل. فاستوثق منه الجني وأطلقه فرجع إلى بلده وقضى جميع تعلقاته وأوصل الحقوق إلى أهلها وأعلم زوجته وأولاده بما جرى له فبكوا وكذلك جميع أهله ونساءه وأولاده وأوصى وقعد عندهم إلى تمام السنة ثم توجه وأخذ كفنه تحت إبطه وودع أهله وجيرانه وجميع أهله وخرج رغماً عن أنفه وأقيم عليه العياط والصراخ فمشى إلى أن وصل إلى ذلك البستان وكان ذلك اليوم أول السنة الجديدة فبينما هو جالس يبكي على ما يحصل له وإذا بشيخ كبير قد أقبل عليه ومعه غزالة مسلسلة فسلم على هذا التاجر وحياه وقال له: ما سبب جلوسك في هذا المكان وأنت منفرد وهو مأوى الجن؟ فأخبره التاجر بما جرى له مع ذلك العفريت وبسبب قعوده في هذا المكان فتعجب الشيخ صاحب الغزالة وقال: والله يا أخي ما دينك إلا دين عظيم وحكايتك حكاية عجيبة لو كتبت بالإبر على آفاق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر ثم أنه جلس بجانبه وقال والله يا أخي لا أبرح من عندك حتى أنظر ما يجري لك مع ذلك العفريت ثم أنه جلس عنده يتحدث معه فغشي على ذلك التاجر وحصل له الخوف والفزع والغم الشديد والفكر المزيد وصاحب الغزالة بجانبه فإذا بشيخ ثان قد أقبل عليهما ومعه كلبتان سلاقيتان من الكلاب السود. فسألهما بعد السلام عليهما عن سبب جلوسهما في هذا المكان وهو مأوى الجان فأخبراه بالقصة من أولها إلى آخرها فلم يستقر به الجلوس حتى أقبل عليهم شيخ ثالث ومعه بغلة زرزورية فسلم عليهم وسألهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان فأخبروه بالقصة من أولها إلى آخرها وبينما كذلك إذا بغبرة هاجت وزوبعة عظيمة قد أقبلت من وسط تلك البرية فانكشفت الغبرة وإذا بذلك الجني وبيده سيف مسلول وعيونه ترمي بالشرر فأتاهم وجذب ذلك التاجر من بينهم وقال له: قم أقتلك مثل ما قتلت ولدي وحشاشة كبدي فانتحب ذلك التاجر وبكى وأعلن الثلاثة شيوخ بالبكاء والعويل والنحيب فانتبه منهم الشيخ الأول وهو صاحب الغزالة وقبل يد ذلك العفريت وقال له: يا أيها الجني وتاج ملوك الجان إذا حكيت لك حكايتي مع هذه الغزالة ورأيتها عجيبة، أتهب لي ثلث دم هذا التاجر؟ قال: نعم. يا أيها الشيخ، إذا أنت حكيت لي الحكاية ورأيتها عجيبة وهبت لك ثلث دمه فقال ذلك الشيخ الأول: اعلم يا أيها العفريت أن هذه الغزالة هي بنت عمي ومن لحمي ودمي وكنت تزوجت بها وهي صغيرة السن وأقمت معها نحو ثلاثين سنة فلم أرزق منها بولد فأخذت لي سرية فرزقت منها بولد ذكر كأنه البدر إذا بدا بعينين مليحتين وحاجبين مزججين وأعضاء كاملة فكبر شيئاً فشيئاً إلى أن صار ابن خمس عشرة سنة فطرأت لي سفرة إلى بعض المدائن فسافرت بمتجر عظيم وكانت بنت عمي هذه الغزالة تعلمت السحر والكهانة من صغرها فسحرت ذلك الولد عجلاً وسحرت الجارية أمه بقرة وسلمتها إلى الراعي، ثم جئت أنا بعد مدة طويلة من السفر فسألت عن ولدي وعن أمه فقالت لي جاريتك ماتت وابنك هرب ولم أعلم أين راح فجلست مدة سنة وأنا حزين القلب باكي العين إلى أن جاء عيد الضحية فأرسلت إلى الراعي أن يخصني ببقرة سمينة وهي سريتي التي سحرتها تلك الغزالة فشمرت ثيابي وأخذت السكين بيدي وتهيأت لذبحها فصاحت وبكت بكاء شديداً فقمت عنها وأمرت ذلك الراعي فذبحها وسلخها فلم يجد فيها شحماً ولا لحماً غير جلد وعظم فندمت على ذبحها حيث لا ينفعني الندم وأعطيتها للراعي وقلت له: ائتني بعجل سمين فأتاني بولدي المسحور عجلاً فلما رآني ذلك العجل قطع حبله وجاءني وتمرغ علي وولول وبكى فأخذتني الرأفة عليه وقلت للراعي ائتني ببقرة ودع هذا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. فقالت لها أختها: ما أطيب حديثك وألطفه وألذه وأعذبه فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك فقال الملك في نفسه: والله ما أقتلها حتى أسمع بقية حديثها ثم أنهم باتوا تلك الليلة إلى الصباح متعانقين فخرج الملك إلى محل حكمه وطلع الوزير بالكفن تحت إبطه ثم حكم الملك وولي وعزل إلى آخر النهار ولم يخبر الوزير بشيء من ذلك فتعجب الوزير غاية العجب ثم انفض الديوان ودخل الملك شهريار قصره.

وفي الليلة الثانية: قالت دنيازاد لأختها شهرزاد: يا أختي أتممي لنا حديثك الذي هو حديث التاجر والجني. قالت حباً وكرامة إن أذن لي الملك، في ذلك، فقال لها الملك: احكي، فقالت: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد أنه لما رأى بكاء العجل حن قلبه إليه وقال للراعي: ابق هذا العجل بين البهائم. كل ذلك والجني يتعجب من حكاية ذلك الكلام العجيب ثم قال صاحب الغزالة: يا سيد ملوك الجان كل ذلك جرى وابنة عمي هذه الغزالة تنظر وترى وتقول اذبح هذا العجل فإنه سمين، فلم يهن علي أن أذبحه وأمرت الراعي أن يأخذه وتوجه به، ففي ثاني يوم وأنا جالس وإذا بالراعي أقبل علي وقال: يا سيدي إني أقول شيئاً تسر به ولي البشارة. فقلت: نعم فقال: أيها التاجر إن لي بنتاً كانت تعلمت السحر في صغرها من امرأة عجوز كانت عندنا، فلما كنا بالأمس وأعطيتني العجل دخلت به عليها فنظرت إليه ابنتي وغطت وجهها وبكت ثم إنها ضحكت وقالت: يا أبي قد خس قدري عندك حتى تدخل علي الرجال الأجانب. فقلت لها: وأين الرجال الأجانب ولماذا بكيت وضحكت؟ فقالت لي أن هذا العجل الذي معك ابن سيدي التاجر ولكنه مسحور وسحرته زوجة أبيه هو وأمه فهذا سبب ضحكي وأما سبب بكائي فمن أجل أمه حيث ذبحها أبوه فتعجبت من ذلك غاية العجب وما صدقت بطلوع الصباح حتى جئت إليك لأعلمك فلما سمعت أيها الجني كلام هذا الراعي خرجت معه وأنا سكران من غير مدام من كثرة الفرح والسرور والذي حصل لي إلى أن أتيت إلى داره فرحبت بي ابنة الراعي وقبلت يدي ثم إن العجل جاء إلي وتمرغ علي فقلت لابنة الراعي: أحق ما تقولينه عن ذلك العجل؟ فقالت: نعم يا سيدي إيه ابنك وحشاشة كبدك فقلت لها: أيها الصبية إن أنت خلصتيه فلك عندي ما تحت يد أبيك من المواشي والأموال فتبسمت وقالت: يا سيدي ليس لي رغبة في المال إلا بشرطين: الأول: أن تزوجني به والثاني: أن أسر من سحرته وأحبسها وإلا فلست آمن مكرها فلما سمعت أيها الجني كلام بنت الراعي قلت: ولك فوق جميع ما تحت يد أبيك من الأموال زيادة وأما بنت عمي فدمها لك مباح.

فلما سمعت كلامي أخذت طاسة وملأتها ماء ثم أنها عزمت عليها ورشت بها العجل وقالت: إن كان الله خلقك عجلاً فدم على هذه الصفة ولا تتغير وإن كنت مسحوراً فعد إلى خلقتك الأولى بإذن الله تعالى وإذا به انتفض ثم صار إنساناً فوقعت عليه وقلت له: بالله عليك احك لي جميع ما صنعت بك وبأمك بنت عمي فحكى لي جميع ما جرى لهما فقلت: يا ولدي قد قيض الله لك من خلصك وخلص حقك ثم إني أيها الجني زوجته ابنة الراعي ثم أنها سحرت ابنة عمي هذه الغزالة وجئت إلى هنا فرأيت هؤلاء الجماعة فسألتهم عن حالهم فأخبروني بما جرى لهذا التاجر فجلست لأنظر ما يكون وهذا حديثي فقال الجني: هذا حديث عجيب وقد وهبت لك ثلث دمه فعند ذلك تقدم الشيخ صاحب الكلبتين السلاقيتين وقال له: اعلم يا سيد ملوك الجان أن هاتين الكلبتين أخوتي وأنا ثالثهم ومات والدي وخلف لنا ثلاثة آلاف دينار ففتحت دكاناً أبيع فيه وأشتري وسافر أخي بتجارته وغاب عنا مدة سنة مع القوافل ثم أتى وما معه شيء فقلت له: يا أخي أما أشرت عليك بعدم السفر؟ فبكى وقال: يا أخي قدر الله عز وجل علي بهذا ولم يبق لهذا الكلام فائدة ولست أملك شيئاً فأخذته وطلعت به إلى الدكان ثم ذهبت به إلى الحمام وألبسته حلة من الملابس الفاخرة وأكلت أنا وإياه وقلت له: يا أخي إني أحسب ربح دكاني من السنة إلى السنة ثم أقسمه دون رأس المال بيني وبينك ثم إني عملت حساب الدكان من بربح مالي فوجدته ألفي دينار فحمدت الله عز وجل وفرحت غاية الفرح وقسمت الربح بيني وبينه شطرين وأقمنا مع بعضنا أياماً ثم إن أخوتي طلبوا السفر أيضاً وأرادوا أن أسافر معهم فلم أرض وقلت لهم: أي شيء كسبتم من سفركم حتى أكسب أنا؟ فألحوا علي ولم أطعهم بل أقمنا في دكاكيننا نبيع ونشتري سنة كاملة وهم يعرضون علي السفر وأنا لم أرض حتى مضت ست سنوات كوامل.

ثم وافقتهم على السفر وقلت لهم: يا أخوتي إننا نحسب ما عندنا من المال فحسبناه فإذا هو ستة آلاف دينار فقلت: ندفن نصفها تحت الأرض لينفعا إذا أصابنا أمر ويأخذ كل واحد منا ألف دينار ونتسبب فيها قالوا: نعم الرأي فأخذت المال وقسمته نصفين ودفنت ثلاثة آلاف دينار. وأما الثلاثة آلاف الأخرى فأعطيت كل واحد منهم ألف دينار وجهزنا بضائع واكترينا مركباً ونقلنا فيها حوائجنا وسافرنا مدة شهر كامل إلى أن دخلنا مدينة وبعنا بضائعنا فربحنا في الدينار عشرة دنانير ثم أردنا السفر فوجدنا على شاطئ البحر جارية عليها خلق مقطع فقبلت يدي وقالت: يا سيدي هل عندك إحسان ومعروف أجازيك عليهما؟ قلت: نعم إن عندي الإحسان والمعروف ولو لم تجازيني فقالت: يا سيدي تزوجني وخذني إلى بلادك فإني قد وهبتك نفسي فافعل معي معروفاً لأني ممن يصنع معه المعروف والإحسان، ويجازي عليهما ولا يغرنك حالي. فلما سمعت كلامها حن قلبي إليها لأمر يريده الله عز وجل، فأخذتها وكسوتها وفرشت لها في المركب فرشاً حسناً وأقبلت عليها وأكرمتها ثم سافرنا وقد أحبها قلبي محبة عظيمة وصرت لا أفارقها ليلاً ولا نهاراً أو اشتغلت بها عن إخوتي، فغاروا مني وحسدوني على مالي وكثرت بضاعتي وطمحت عيونهم في المال جميعه، وتحدثوا بقتلي وأخذ مالي وقالوا: نقتل أخانا ويصير المال جميعه لنا، وزين لهم الشيطان أعمالهم فجاؤوني وأنا نايم بجانب زوجتي ورموني في البحر فلما استيقظت زوجتي انتفضت فصارت عفريتة وحملتني وأطلعتني على جزيرة وغابت عني قليلاً وعادت إلي عند الصباح، وقالت لي: أنا زوجتك التي حملتك ونجيتك من القتل بإذن الله تعالى، واعلم أني جنية رأيتك فحبك قلبي وأنا مؤمنة بالله ورسوله فجئتك بالحال الذي رأيتني فيه فتزوجت بي وها أنا قد نجيتك من الغرق، وقد غضبت على إخوتك ولا بد أن أقتلهم. فلما سمعت حكايتها تعجبت وشكرتها على فعلها وقلت لها أما هلاك إخوتي فلا ينبغي ثم حكيت لها ما جرى لي معهم من أول الزمان إلى آخره. فلما سمعت كلامي قالت: أنا في هذه الليلة أطير إليهم وأغرق مراكبهم وأهلكهم، فقلت لها: بالله لا تفعلي فإن صاحب المثل يقول: يا محسناً لمن أساء كفي المسيء فعله وهم إخوتي على كل حال، قالت لا بد من قتلهم، فاستعطفتها ثم أنها حملتني وطارت، فوضعتني على سطح داري ففتحت الأبواب وأخرجت الذي خبأته تحت الأرض وفتحت دكاني بعد ما سلمت على الناس واشتريت بضائع، فلما كان الليل، دخلت داري فوجدت هاتين الكلبتين مربوطتين فيها، فلما رأياني قاما إلي وبكيا وتعلقا بي، فلم أشعر إلا وزوجتي قالت هؤلاء إخوتك فقلت من فعل بهم هذا الفعل قالت أنا أرسلت إلى أختي ففعلت بهم ذلك وما يتخلصون إلا بعد عشر سنوات، فجئت وأنا سائر إليها تخلصهم بعد إقامتهم عشر سنوات، في هذا الحال، فرأيت هذا الفتى فأخبرني بما جرى له فأردت أن لا أبرح حتى أنظر ما يجري بينك وبينه وهذه قصتي.

قال الجني: إنها حكاية عجيبة وقد وهبت لك ثلث دمه في جنايته فعند ذلك تقدم الشيخ الثالث صاحب البغلة، وقال للجني أنا أحكي لك حكاية أعجب من حكاية الاثنين، وتهب لي باقي دمه وجنايته، فقال الجني نعم فقال الشيخ أيها السلطان ورئيس الجان إن هذه البغلة كانت زوجتي سافرت وغبت عنها سنة كاملة، ثم قضيت سفري وجئت إليها في الليل فرأيت عبد أسود راقد معها في الفراش وهما في كلام وغنج وضحك وتقبيل وهراش فلما رأتني عجلت وقامت إلي بكوز فيه ماء فتكلمت عليه ورشتني، وقالت اخرج من هذه الصورة إلى صورة كلب فصرت في الحال كلباً فطردتني من البيت فخرجت من الباب ولم أزل سائراً، حتى وصلت دكان جزار فتقدمت وصرت آكل من العظام.

فلما رآني صاحب الدكان أخذني ودخل بي بيته فلما رأتني بنت الجزار غطت وجهها مني فقالت أتجيء لنا برجل وتدخل علينا به فقال أبوها أين الرجل قالت إن هذا الكلب سحرته امرأة وأنا أقدر على تخليصه فلما سمع أبوها كلامها قال: بالله عليك يا بنتي خلصيه فأخذت كوزاً فيه ماء وتكلمت عليه ورشت علي منه قليلاً وقالت: اخرج من هذه الصورة إلى صورتك الأولى، فصرت إلى صورتي الأولى فقبلت يدها وقلت لها: أريد أن تسحري زوجتي كما سحرتني فأعطتني قليلاً من الماء، وقالت إذا رأيتها نائمة فرش هذا الماء عليها فإنها تصير كما أنت طالب فوجدتها نائمة فرششت عليها الماء، وقلت اخرجي من هذه الصورة إلى صورة بغلة فصارت في الحال بغلة وهي هذه التي تنظرها بعينك أيها السلطان ورئيس ملوك الجان، ثم التفت إليها وقال: أصحيح هذا فهزت رأسها وقالت بالإشارة نعم هذا صحيح فلما فرغ من حديثه اهتز الجني من الطرب ووهب له باقي دمه وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فقالت لها أختها: يا أختي ما أحلى حديثك وأطيبه وألذه وأعذبه فقالت: أين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك فقال الملك: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها لأنه عجيب ثم باتوا تلك الليلة متعانقين إلى الصباح، فخرج الملك إلى محل حكمه ودخل عليه الوزير والعسكر واحتبك الديوان فحكم الملك وولى وعزل ونهى وأمر إلى آخر النهار ثم انفض الديوان ودخل الملك شهريار إلى قصره.

وفي الليلة الثالثة : قالت لها أختها دنيا زاد: يا أختي أتمي لنا حديثك فقالت حباً وكرامة بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر أقبل على الشيوخ وشكرهم هنوه بالسلامة ورجع كل واحد إلى بلده وما هذه بأعجب من حكاية الصياد فقال لها الملك: وما حكاية الصياد؟
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 13 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية الخياط والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع بينهم

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كانفي قديم الزمان وسالف العصر والأوان في مدينة الصين رجل خياط مبسوط الرزق يحب اللهو والطرب وكان يخرج هو وزوجته في بعض الأحيان يتفرجان على مرائب المنتزهات فخرجا يوماً من أول النهار ورجعا آخره إلى منزلهما عند المساء، فوجدا في طريقهما رجل أحدب رؤيته تضحك الغضبان وتزيل الهم والأحزان فعند ذلك تقدم الخياط هو وزوجته يتقوزان عليه ثم أنهما عزما عليه أن يروح معهما إلى بيتهما لينادمهما تلك الليلة فأجابهما إلى ذلك ومشى معهما إلى البيت فخرج الخياط إلى السوق وكان الليل قد أقبل، فاشترى سمكاً مقلياً وخبزاً وليموناً وحلاوة يتحلون بها ثم رجع وحط السمك قدام الأحدب وجلسوا يأكلون فأخذت امرأة الخياط جزلة سمك كبيرة ولقمتها للأحدب وسدت فمه بكفها وقالت والله ما تأكلهما إلا دفعة واحدة في نفس واحد ولم تمهله حتى يمضغها فابتلعها وكان فيها شوكة قوية فتصلبت في حلقه، لأجل انقضاء أجله فمات، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والعشرون قالت بلغني أيها الملك السعيد أن امرأة الخياط لما لقمت للأحدب جزلة السمك مات لانقضاء أجله في وقته فقال الخياط: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هذا المسكين ما كان موته إلا هكذا على أيدينا، فقالت المرأة وما هذا التواني أما سمعت قول الشاعر:

مالي أعلل نفسي يا حمال على أمر يكون به هـم وأحـزان

ماذا القعود على نار وما خمدت إن القعود في النيران خسران

فقال لها زوجها وما أفعله قالت قم واحمله في حضنك وانشر عليه فوطة حرير وأخرج أنا قدامك وأنت ورائي في هذه الليلة وقل هذا ولدي وهذه أمه ومرادنا أن نوديه إلى الطبيب ليداويه، فلما سمع الخياط هذا الكلام قام وحمل الأحدب في حضنه وزوجته تقول يا ولدي سلامتك أين محل وجعك وهذا الجدري كان لك في أي مكان فكل من رآها يقول معهما طفل مصاب بالجدري ولم يزالا سائرين وهما يسألان عن منزل الطبيب حتى دلوهما على بيت طبيب يهودي فقرعا الباب فنزلت لهما الجارية وفتحت الباب ونظرت وإذا بإنسان حامل صغير وأمه معه، فقالت الجارية ما خبركم فقالت امرأة الخياط معنا صغير مرادنا أن ينظره الطبيب، فخذي الربع دينار وأعطيه لسيدك ودعيه ينزل ليرى ولدي فقد لحقه ضعف، فطلعت الجارية ودخلت زوجة الخياط داخل العتبة وقالت لزوجها دع الأحدب هنا ونفوز بأنفسنا فأوقفه الخياط وخرج هو وزوجته، وأما الجارية فإنها دخلت على اليهودي وقالت له في أسفل البيت ضعيف مع امرأة ورجل وقد أعطياني ربع دينار لك وتصف لهما ما يوافقه. فلما رأى اليهودي الربع دينار فرح وقام عاجلاً ونزل في الظلام فأول ما نزل عثرت رجله في الأحدب وهو ميت فقال يا للعزيز للمولى والعشر كلمات يا لهرون ويوشع بن نون كأني عثرت في هذا المريض فوقع إلى أسف فمات فكيف أخرج بقتيلي من بيتي فحمله وطلع به من حوش البيت إلى زوجته وأعلمها بذلك فقالت له وما قعودك ههنا فإن قعدت هنا إلى طلوع النهار، راحت أرواحنا فأنا وأنت نطلع به إلى المطبخ ونرميه في بيت جارنا المسلم فإنه رجل مباشر على مطبخ السلطان وكثيراً ما تأتي القطط في بيته وتأكل مما فيه من الأطعمة والفئران، وإن استمر فيه ليلة تنزل عليه الكلاب من السطوح وتأكله جميعه فطلع اليهودي وزوجته وهما حاملان الأحدب وأنزلاه بيديه ورجليه إلى الأرض وجعلاه ملاصقاً للحائط ثم نزلا وانصرفا ولم يستقر نزول الأحدب إلا والمباشر قد جاء إلى البيت في وقته، وطلع البيت ومعه شمعة مضيئة فوجد ابن آدم واقفاً في الزاوية في جانب المطبخ.

فقال ذلك المباشر ما هذا والله إن الذي يسرق حوائجنا ما هو إلا ابن آدم فيأخذ ما وجده من لحم أو دهن ولو خبأته من القطط والكلاب، وإن قتلت قطة الحارة وكلابها جميعاً لا يفيد لأنه ينزل من السطوح ثم أخذ مطرقة عظيمة ووكزه بها فصار عنده ثم ضربها على صدره فوقع فوجده ميتاً فحزن وقال لا حول ولا قوة إلا بالله وخاف على نفسه وقال لعن الله الدهن واللحم وهذه الليلة كيف فرغت منية ذلك الرجل على يدي، ثم نظر إليه فإذا هو أحدب فقال أما يكفي أنك أحدب، حتى تكون حرامياً وتسرق اللحم والدهن يا ستار استرني بسترك الجميل ثم حمله على أكتافه ونزل به من بيته في آخر الليل وما زال سائراً به إلى أول السوق، فأوقفه بجانب دكان في رأس عطفة وتركه وانصرف وإذا بنصراني وهو سمسار السلطان، وكان سكران فخرج يريد الحمام، فقال له سكره أن المسيح قريب فما زال يمشي ويتمايل حتى قرب من الأحدب وجعل يريق الماء قباله فلاحت منه التفاتة، فوجد واحداً واقفاً وكان النصراني قد خطفوا عمامته في أول الليل، فلما رأى الأحدب واقفاً اعتقد أنه يريد خطف عمامته فطبق كفه ولكم الأحدب على رقبته فوقع على الأرض وصاح النصراني على حارس السوق، ثم نزل على الأحدب من شدة سكره ضرباً وصار يخنقه خنقاً. فجاء الحارس فوجد النصراني باركاً على المسلم وهو يضربه فقال الحارس: قم عنه فقام فتقدم إليه الحارس فوجده ميتاً، فقال كيف يقتل النصراني مسلماً ثم قبض على النصراني وكتفه وجاء به إلى بيت الوالي والنصراني يقول في نفسه يا مسيح يا عذراء كيف قتلت هذا وما أسرع ما مات في لكمة قد راحت السكرة وجاءت الفكرة ثم أن الأحدب والنصراني باتا في بيت الوالي وأمر الوالي السياف أن ينادي عليه ونصب للنصراني خشبه وأوقفه تحتها وجاء السياف ورمى في رقبة النصراني الحبل وأراد أن يعلقه وإذا بالمباشر قد شق الناس فرأى النصراني وهو واقف تحت المشنقة، ففسح الناس وقال للسياف لا تفعل أنا الذي قتلته فقال الوالي لأي شيء قتلته قال إني دخلت الليلة بيتي فرأيته نزل من السطح وسرق مصالحي فضربته بمطرقة على صدره فمات فحملته وجئت به إلى السوق وأوقفته في موضع كذا في عطفة كذا ثم قال المباشر ما كفاني أني قتلت مسلماً حتى يقتل بسببي نصراني فلا تشنق غيري فلما سمع الوالي كلام المباشر أطلق صراح النصراني السمسار، وقال للسياف اشنق هذا باعترافه فأخذ الحبل من رقبة النصراني ووضعه في رقبة المباشر وأوقفه تحت الخشبه وأراد أن يعلقه وإذا باليهودي الطبيب قد شق الناس وصاح على السياف وقال لا تفعل فما قتله إلا أنا وذلك انه جاءني في بيتي ليداوى فنزلت إليه فتعثرت فيه برجلي فمات فلا تقتل المباشر واقتلني. فأمر أن يقتل اليهودي الطبيب فأخذ السياف الحبل من رقبة المباشر ووضعه في رقبة اليهودي الطبيب وإذا بالخياط جاء وشق الناس وقال للسياف لا تفعل فما قتله إلا أنا وذلك أني كنت بالنهار أتفرج وجئت وقت العشاء فلقيت هذا الأحدب سكران ومعه دف وهو يغني بفرحة فوقفت أتفرج عليه وجئت به إلى بيتي واشتريت سمكاً وقعدنا نأكل فأخذت زوجتي قطعة سمك ولقمة ودستهما في فمه فزور فمات لوقته فأخذته أنا وزوجتي وجئنا به لبيت اليهودي فنزلت الجارية وفتحت لنا الباب فقلت لها قولي لسيدك أن بالباب امرأة ورجلاً ومعهما ضعيف تعال أنظره وصف له دواء وأعطيتها ربع دينار فطلعت لسيدها وأسندت الأحدب إلى جهة السلم ومضيت أنا وزوجتي فنزل اليهودي فعثر فيه فظن أنه قتله ثم قال الخياط لليهودي أصحيح هذا? قال: نعم. والتفت الخياط للوالي وقال: أطلق اليهودي واشنقني، فلما سمع الوالي كلامه تعجب من أمر الأحدب وقال إن هذا أمر يؤرخ في الكتب ثم قال للسياف أطلق اليهودي واشنق الخياط باعترافه فقدمه السياف وقال هل نقدم هذا ونؤخر هذا ولا نشنق واحداً ثم وضع الحبل في رقبة الخياط فهذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من أمر الأحدب، فقيل أنه كان مسخرة للسلطان لا يقدر أن يفارقه فلما سكر الأحدب غاب عنه تلك الليلة وثاني يوم إلى نصف النهار فسأل عنه بعض الحاضرين فقالوا له يا مولانا طلع به الوالي وهو ميت وأمر بشنق قاتله فنزل الوالي ليشنق القاتل فحضر له ثان وثالث وكل واحد يقول ما قتله إلا أنا وكل واحد يذكر للوالي سبب قتله له.

فلما سمع الملك هذا الكلام صرخ على الحاجب وقال له انزل إلى الوالي، وائتني بهم جميعاً فنزل الحاجب فوجد السياف، كاد أن يقتل الخياط فصرخ عليه الحاجب وقال لا تفعل واعلم الوالي أن القضية بلغت الملك، ثم أخذه وأخذ الأحدب معه محمولاً والخياط واليهودي والنصراني والمباشر، وطلع بالجميع إلى الملك فلما تمثل الوالي بين يديه قبل الأرض وحكى له جميع ما جرى مع الجميع فلما سمع الملك هذه الحكاية تعجب وأخذه الطرب وأمر أن يكتب ذلك بماء الذهب وقال للحاضرين هل سمعتم مثل قصة هذا الأحدب فعند ذلك تقدم النصراني وقال يا ملك الزمان إن أذنت لي حدثتك بشيء جرى لي وهو أعجب وأطرب من قصة الأحدب فقال الملك حدثنا بما عندك فقال النصراني اعلم يا ملك الزمان أني لما دخلت تلك الديار أتيت بمتجر وأوقعني المقدور عندكم وكان مولدي بمصر وأنا من قبطها وتزينت بها وكان والدي سمساراً فلما بلغت مبلغ الرجال توفي والدي فعملت سمساراً مكانه. فبينما أنا قاعد يوماً من الأيام وإذا بشاب أحسن ما يكون وعليه أفخر ملبوس وهو راكب حماراً فلما رآني سلم علي فقمت إليه تعظيماً له فأخرج منديلاً وفيه قدر من السمسم وقال: كم يساوي الأردب من هذا? فقلت له: مائة درهم. فقال لي: خذ التراسين والكيالين واعمد إلى خان الجوالي في باب النصر تجدني فيه وتركني ومضى وأعطاني السمسم بمنديله الذي فيه العينة فدرت على المشترين فبلغ ثمن كل أردب مائة وعشرين درهماً، فأخذت معي أربعة تراسين ومضيت إليه فوجدته في انتظاري فلما رآني قام إلى المخزن وفتحه فكيلناه فجاء جميع ما فيه خمسين أردباً فقال الشاب: لك في كل أردب عشرة دراهم سمسرة واقبض الثمن واحفظه عندك وقدر الثمن خمسة آلاف لك منها خمسمائة ويبقى لي أربعة آلاف وخمسمائة فإذا فرغ بيع حواصلي جئت إليك وأخذتها فقلت له: الأمر كما تريد ثم قبلت يديه ومضيت من عنده.

فحصل لي في ذلك اليوم ألف درهم وغاب عني شهراً، ثم جاء وقال لي: أين الدراهم? فقلت: هاهي حاضرة، فقال: احفظها حتى أجيء إليك فآخذها فقعدت أنتظره فغاب عني شهراً ثم جاءني وقال لي: أين الدراهم? فقمت وأحضرت له الدراهم وقعدت أنتظره فغاب عني شهراً ثم جاء وقال لي: بعد هذا اليوم آخذها منك، ثم ولى فقمت وأحضرت له الدراهم وقلت له: هل لك أن تأكل عندنا شيئاً? فأبى وقال لي: احفظ الدراهم، حتى أمضي وأجيء فآخذها منك، ثم ولى وقعدت أنتظره فغاب عني شهراً فقلت في نفسي: إن هذا الشاب كامل السماحة ثم بعد الشهر جاء وعليه ثياب فاخرة فلما رأيته قبلت يديه ودعوت له وقلت له: يا سيدي أما تقبض دراهمك? فقال: مهلاً علي حتى أفرغ من قضاء مصالحي وآخذها منك ثم ولى فقلت في نفسي: والله إذا جاء لأضيفنه لكوني انتفعت بدراهمه وحصل لي منها مال كثير، فلما كان آخر السنة جاء وعليه بدلة أفخر من الأولى فحلفت عليه أن ينزل عندي، ويضيفني فقال: بشرط أن ما تنفقه من مالي الذي عندك، قلت: نعم وأجلسته ونزلت فهيئأت ما ينبغي من الأطعمة والأشربة وغير ذلك وأحضرته بين يديه وقلت له: باسم الله، فتقدم إلى المائدة ومد يده الشمال وأكل معي فتعجبت منه فلما فرغنا غسل يده وناولته ما يمسحها به وجلسنا للحديث فقلت: يا سيدي فرج عني كربة لأي شيء أكلت بيدك الشمال لعل في يدك اليمين شيئاً يؤلمك، فلما سمع كلامي أنشد هذين البتين:

خليلي لا تسأل على ما بمهجـتـي من اللوعة الحرى فتظهر أسقـام

وما عن رضا فارقت سلمى معوضاً بديلاً ولكن للـضـرورة أحـكـام

ثم أخرج يده من كمه وإذا هي مقطوعة زنداً بلا كف فتعجبت من ذلك فقال لي: لا تعجب ولا تقل في خاطرك. إني أكلت معك بيدي الشمال عجباً ولكن لقطع يدي اليمين سبب من العجب فقلت: وما سبب ذلك? فقال: اعلم أني من بغداد ووالدي من أكابرها، فلما بلغت مبلغ الرجال سمعت السياحين والمسافرين والتجار يتحدثون بالديار المصرية فبقي ذلك في خاطري حتى مات والدي فأخذت أموالاً كثيرة وهيأت متجراً من قماش بغدادي وموصلي ونحو ذلك من البضائع النفيسة وحزمت ذلك وسافرت من بغداد وكتب الله السلامة لي حتى دخلت مدينتكم هذه. ثم بكى وأنشد هذه الأبيات:

قد يسم الأكمه من حفـرة يسقط فيها الناصر الناظر

ويسلم الجاهل من لفـظة يهلك فيها العالم الماهـر

ويعسر المؤمن في رزقه ويرزق الكافر الفاجـر

ماحيلة الإنسان ما فعلـه هو الذي قدره الـقـادر

فلما فرغ من شعره، قال: فدخلت مصر وأنزلت القماش في خان سرور وفككت أحمالي وأدخلتها وأعطيت الخادم دراهم ليشتري لنا بها شيئاً نأكله ونمت قليلاً فلما قمت ذهبت بين القصرين ثم رجعت وبت ليلتي فلما اصبحت فتحت رزمة القماش وقلت في نفسي أقوم لأشق بعض الأسواق وأنظر الحال فأخذت بعض القماش وحملته لبعض غلماني وسرت حتى وصلت قيسرية جرجس فاستقبلني السماسرة وكانوا علموا بمجيئي فأخذوا مني القماش ونادوا عليه فلم يبلغ ثمنه رأس ماله فقال لي شيخ الدلالين: يا سيدي أنا أعرف لك شيئاً تستفيد منه وهو أن تعمل مثل ما عمل التجار فتبيع متجرك إلى مدة معلومة بكاتب وشاهد وصيرفي وتأخذ ما تحصل من ذلك في كل يوم خميس واثنين فتكسب الدراهم كل درهم اثنين وزيادة على ذلك تتفرج على مصر ونيلها فقلت: هذا رأي سديد، فأخذت معي الدلالين وذهبت إلى الخان فأخذوا القماش إلى القيسرية فبعته إلى التجار وكتبت عليهم وثيقة إلى الصيرفي وأخذت عليه وثيقة بذلك ورجعت إلى الخان وأقمت أياماً كل يوم أفطر على قدح من الشراب وأحضر اللحم الضاني والحلويات حتى دخل الشهر الذي استحقت فيه الجباية فبقيت كل خميس واثنين أقعد على دكاكين التجار ويمضي الصيرفي والكاتب فيجيآن بالدراهم من التجار ويأتياني بها، إلى أن دخلت الحمام يوماً من الأيام وخرجت إلى الخان ودخلت موضعي وأفطرت على قدح من الشراب ثم نمت وانتبهت فأكلت دجاجة وتعطرت وذهبت إلى دكان تاجر يقال له: بدر الدين البستاني فلما رآني رحب بي وتحدث معي ساعة في دكانه.

فبينما نحن كذلك وإذا بامرأة جاءت وقعدت بجانبي وعليها عصابة مائلة وتفوح منها روائح الطيب فسابت عقلي بحسنها وجمالها، ورفعت الأزرار فنظر إلي بأحداق سود ثم سلمت على بدر الدين فرد عليها السلام ووقف وتحدث معها فلما سمعت كلامها تمكن حبها من قلبي فقالت لبدر الدين: هل عندك تفصيلة من القماش المنسوج من خالص الذهب، فأخرج لها تفصيلة فقالت للتاجر: هل آخذها وأذهب ثم أرسل إليك ثمنها? فقال لها التاجر: لا يمكن يا سيدتي لأن هذا صاحب القماش وله علي قسط فقالت: ويلك إن عادتي أن آخذ منك كل قطعة قماش بجملة دراهم وأربحك فيها فوق ما تريد ثم أرسل إليك ثمنها فقال: نعم ولكني مضطر إلى الثمن في هذا اليوم فأخذت التفصيلة ورمته بها في صدره وقالت: إن طائفتكم لا تعرف لأحد قدراً ثم قامت مولية فظننت أن روحي راحت معها، فقمت ووقفت وقلت لها: يا سيدتي تصدقي علي بالالتفات وارجعي بخطواتك الكريمة فرجعت وتبسمت وقالت: لأجلك رجعت وقعدت قصادي على الدكان فقلت لبدر الدين: هذه التفصيلة كم ثمنها عليك؟ قال: ألف ومائة درهم فقلت له: ولك مائة درهم فائدة، فهات ورقة فاكتب لك فيها ثمنها.

فأخذت التفصيلة منه وكتبت له ورقة بخطي وأعطيتها التفصيلة وقلت لها: خذي أنت وروحي وإن شئت هاتي ثمنها لي في السوق، وإن شئت هي ضيافتك مني فقال: جزاك الله خيراً ورزقك مالي وجعلك بعلي، فتقبل الله الدعوة وقلت لها: يا سيدتي اجعلي هذه التفصيلة لك ولك أيضاً مثلها ودعيني أنظر وجهك.

فكشفت القناع عن وجهها فلما نظرت وجهها أعقبتني ألف حسرة وتعلق قلبي بمحبتها فصرت لا أملك عقلي ثم رخت القناع وأخذت التفصيلة وقالت: يا سيدي لا توحشني وقد ولت وقعدت في السوق إلى بعد العصر وأنا غائب العقل وقد تحكم الحب عندي، فمن شدة ما حصل لي من الحب سألت التاجر عنها حين أردت القيام فقال: إن هذه صاحبة مال وهي بنت أمير مات والدها وخلف لها مالاً كثيراً. فودعته وانصرفت وجئت إلى الخان فقدم لي العشاء فتذكرتها فلم آكل شيئاً ونمت فلم يأتني نوم فسهرت إلى الصباح ثم قمت فلبست بدلة غير التي كانت علي وشربت قدحاً من الشراب وأفطرت على شيء قليل وجئت إلى دكان التاجر فسلمت عليه وجلست عنده فجاءت الصبية وعليها بدلة أفخر من الأولى ومعها جارية، فجلست وسلمت علي دون بدر الدين وقالت لي بلسان فصيح ما سمعت أعذب ولا أحلى منه: أرسل معي من يقبض ألف والمائة درهم ثمن التفصيلة فقلت لها: ولا شيئ? فقالت: لا أعدمناك وناولتني الثمن وقعدت أتحدث معها فأوميت إليها بالإشارة ففهمت أني أريد وصالها، فقامت على عجل منها واستوحشت مني وقلبي متعلق بها وخرجت أنا خارج السوق في أثرها وإذا بجارية أتتني وقالت: يا سيدي كلم سيدتي فتعجبت لها وقلت: ما يعرفني هنا أحد فقالت الجارية: ما أسرع مانسيتها سيدتي التي كانت اليوم على دكان التاجر فلان.

فمشيت معها إلى الصيارف فلما رأتني زوتني لجانبها وقالت: يا حبيبي وقعت بخاطري وتمكن حبك من قلبي ومن ساعة رأيتك لم يطلب لي نوم ولا أكل ولا شرب فقلت لها: عندي أضعاف ذلك والحال يغني عن الشكوى، فقالت: يا حبيبي أجيء لعندك? فقلت لها: أنا رجل غريب ومالي مكان يأويني إلا الخان فإن تصدقت علي بأن أكون عندك يكمل الحظ. قالت: نعم لكن الليلة ليلة جمعة ما فيها شيء إلا إن كان في غد بعد الصلاة فصل واركب حمارك واسأل عن الحبانية فإن وصلت فاسأل عن قاعة بركات النقيب المعروف بأبي شامة فإني ساكنة هناك ولا تبطئ فإني في انتظارك.

ففرحت فرحاً زائداً ثم تفرقنا وجئت للخان الذي أنا فيه وبت طول الليل سهران فما صدقت أن الفجر لاح حتى قمت وغيرت ملبوسي وتعطرت وتطيبت وأخذت معي خمسين ديناراً في منديل ومشيت من خان مسرور إلى باب زويلة فركبت حماراً وقلت لصاحبه: امض بي إلى الحبانية فمضى في أقل من لحظة فما أسرع ما وقف على درب يقال له درب المنقري فقلت له: ادخل الدرب واسأل عن قاعة النقيب فغاب عليلاً وقال: أنزل فقلت: امش قدامي إلى القاعة فمشى حتى أوصلني إلى المنزل فقلت له: في غد تجيئني هنا وتوديني فقال الحمار: بسم الله فناولته ربع دينار ذهباً فأخذه وانصرف فطرقت الباب فخرج لي بنتان صغيرتان وبكران منهدتان كأنهما قمران فقالتا: ادخل إن سيدتنا في انتظارك لم تنم الليلة لولعها بك.

فدخلت قاعة مغلقة بسبعة أبواب وفي دائرها شبابيك مطلة على بستان فيه من الفواكه جميع الألوان وبه أنهار دافقة وطيور ناطقة وهي مبيضة بياضاً سلطانياً يرى الإنسان وجهه فيها وسقفها مطلي بذهب وفي دائرها طرزات مكتبة بالازورد قد حوت أوصاف حسنة وأضاءت للناظرين وأرضها مفروشة بالرخام المجزع وفي أرضها فسقية وفي أركان تلك الفسقية الدر والجوهر مفروشة بالبسط الحرير الملونة والمراتب، فلما دخلت جلست، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والعشرون: قد بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب التاجر قال للنصراني: فلما دخلت وجلست لم أشعر إلا والصبية قد أقبلت وعليها تاج مكلل بالدر والجوهر وهي منقشة مخططة فلما رأتني تبسمت في وجهي وحضنتني ووضعتني على صدرها وجعلت فمها على فمي وجعلت تمص لساني وأنا كذلك وقالت: أصحيح أتيت عندي أم هذا منام? فقلت لها: أنا عبدك فقالت أهلاً ومرحباً،والله من يوم رأيتك ما لذني نوم ولا طاب لي طعام فقلت: وأنا كذلك ثم جلسنا نتحدث وأنا مطرق برأسي إلى الأرض حياء ولم أمكث قليلاً حتى قدمت لي سفرة من أفخر الألوان من محمر ومرق دجاج محشو فأكلت معها حتى اكتفينا ثم قدموا إلى الطشط والإبريق فغسلت يدي ثم تطيبنا بماء الورد والمسك، وجلسنا نتحدث فأنشدت هذين البيتين:

لو علمنا بقدومكم لفـرشـنـا مهجة القلب مع سواد العيون

ووضعنا حدودنا لـلـقـاكـم وجعلنا المسير فوق الجفون

وهي تشكو إلي ما لاقت وأنا أشكو إليها ما لقيت وتمكن حبها عندي وهان علي جميع المال، ثم أخذنا نلعب ونتهارش مع العناق والتقبيل إلى أن أقبل الليل فقدمت لنا الجواري الطعام والمدام فإذا هي خضرة كاملة فشربنا إلى نصف الليل ثم اضطجعنا ونمنا فنمت معها إلى الصباح فما رأيت عمري مثل هذه الليلة. فلما أصبح الصباح قمت ورميت لها تحت الفراش المنديل الذي فيه الدنانير وودعتها وخرجت فبكت وقالت: يا سيدي متى أرى هذا الوجه المليح? فقلت لهاك أكون عندك وقت العشاء فلما خرجت أصبت الحمار الذي جاء بي بالأمس على الباب ينتظرني فركبت معه حتى وصلت خان مسرور فنزلت وأعطيت الحمار نصف دينار وقلت له: تعالى فيوقت الغروب قال: على الرأس فدخلت الخان وأفطرت ثم خرجت أطالب بثمن القماش، ثم رجعت وقد عملت لها خروفاً مشوياً وأخذت حلاوة ثم دعوت الحمال ووصفت له المحل وأعطيته أجرته ورجعت في أشغالي إلى الغروب فجاءني الحمار فأخذت خمسين ديناراً وجعلتها في منديل ودخلت فوجدتهم مسحوا لرخام وحلوا النحاس وعمروا القناديل وأوقدوا الشموع وغرفوا الطعام وروقوا الشراب.

فلما رأتني رمت يديها على رقبتي وقالت: أوحشتني، ثم قدمت الموائد فأكلنا حتى اكتفينا ورفعت الجواري المائدة وقدمت المدام، فلم نزل في شراب وتقبيل وحظ إلى نصف الليل فنمنا إلى الصباح ثم قمت وناولتها الخمسين ديناراً على العادة وخرجت من عندها فوجدت الحمار فركبت إلى الخان فنمت ساعة ثم قمت جهزت العشاء فعملت جوزاً ولوزاً وتحتهم أرز مفلفل وعملت قلقاساً مقلياً ونحو ذلك وأخذت فاكهة نقلاً ومسموماً وأرسلتها وسرت إلى البيت وأخذت خمسين ديناراً في منديل وخرجت فركبت مع الحمار على العادة إلى القاعة فدخلت ثم أكلنا وشربنا وبتنا إلى الصباح، ولما قمت رميت لها المنديل وركبت إلى الخان على العادة، ولم أزل على تلك الحالة مدة إلى أن بت لا أملك درهماً ولا دينار، فقلت في نفسي هذا من فعل الشيطان وأنشدت هذه الأبيات:

فقر الـفـتـى يذهـب أنـواره مثل اصفرار الشمس عند المغيب

إن غاب لا يذكـر بـين الـورى وإن أتى فما له مـن نـصـيب

يمر في الأسواق مسـتـخـفـياً وفي الفلا يبكي بدمع صـبـيب

والله ما الإنـسـان مـن أهـلـه إذا ابتلى بالـفـقـر إلا غـريب

ثم تمشيت إلى أن وصلت بين القصرين ولا زلت أمشي حتى وصلت إلى باب زويلة فوجدت الخلق في ازدحام والباب منسد من كثرة الخلق فرأيت بالأمر المقدر جندياً فزاحمته بغير اختياري، فجاءت يدي على جيبه فجسيته فوجدت فيه صرة من داخل الجيب الذي دي عليه فعمدت إلى تلك الصرة فأخذتها من جيبه فأحس الجندي بأن جيبه خف فحط يده في جيبه فلم يجد شيئاً والتفت نحوي ورفع يده بالدبوس وضربني على رأسي فسقطت إلى الأرض فأحاط الناس بنا وأمسكوا لجام فرس الجندي وقالوا: أمن أجل الرحمة تضرب هذا الشاب هذه الضربة? فصرخ عليهم الجندي وقال: هذا حرامي سارق فعند ذلك أفقت ورأيت الناس يقولون: هذا الشاب مليح لم يأخذ شيئاً، فبعضهم يصدق بعضهم يكذب وكثر القيل والقال وجذبني الناس وأرادوا خلاصي منه فبأمر المقدر جاء الوالي هو وبعض الحكام في هذا الوقت ودخلوا من الباب فوجدوا الخلق مجتمعين علي وعلى الجندي، فقال الوالي: ما الخبر? فقال الجندي: والله يا أمير المؤمنين إن هذا حرامي وكان في جيبي كيس أزرق فيه عشرون ديناراً فأخذه وأنا في الزحام، فقال الوالي للجندي: هل كان معك أحد? فقال الجندي: لا فصرخ الوالي على المقدم وقال: أمسكه وفتشه فأمسكني وقد زال الستر عني فقال له الوالي: أعره من جميع ما عليه، فلما أعراني وجدوا الكيس في ثيابي فلما وجدوا الكيس أخذه الوالي وفتحه وعده فرأى فيه عشرين ديناراً كما قال الجندي.

فغضب الوالي وصاح على أتباعه وقال: قدموه فقدموني بين يديه فقال: يا صبي قل الحق هل أنت سرقت هذا الكيس? فأطرقت برأسي إلى الأرض وقلت في نفسي: إن قلت ما سرقته فقد أخرجه من ثيابي وإن قلت سرقته وقعت في العناء ثم رفعت رأسي وقلت: نعم أخذته فلما سمع مني الوالي هذا الكلام تعجب ودعا الشهود فحضروا وشهدوا على منطقي هذا كله في باب زويلة فأمر الوالي السياف بقطع يدي فقطع يدي اليمنى فرق قلب الجنيد وشفع في عدم قتلي وتركني الوالي ومضى وصارت الناس حولي وسقوني قدح شراب وأما الجندي فإنه أعطاني الكيس وقال: أنت شاب مليح ولا ينبغي أن تكون لصاً، فأخذته منه وأنشدت هذه الأبيات:

والله ما كنت لصاً يا أخا ثـقة ولم أكن سارقاً يا أحسن الناس

ولكن رمتني صروف الدهر عن عجل فزاد همـي ووسـواس إفـلاسـي

وما رمـيت ولـكـن الإلـه رمـى سهماً فطير تاج الملك عـن رأسـي

فتركني الجندي وانصرف بعد أن أعطاني الكيس وانصرفت أنا ولقيت يدي في خرقة وأدخلتها عني وقد تغيرت حالتي واصفر لوني مما جرى لي فتمشيت إلى القاعة وأنا على غير استواء ورميت روحي على الفراش فنظرتني الصبية متغير اللون فقالت لي: ما وجعك وما لي أرى حالتك تغيرت? فقلت لها: رأسي توجعني وما أنا طيب، فعند ذلك اغتاظت وتشوشت لأجلي وقالت: لا تحرق قلبي يا سيدي، اقعد وارفع رأسك وحدثني بما حصل لك اليوم فقد بان لي في وجهك كلام، فقلت: دعيني من الكلام فبكت وصارت تحدثني وأنا لا أجيبها حتى أقبل الليل فقدمت لي الطعام فامتنعت وخشيت أن تراني آكل بيدي الشمال فقلت: لا أشتهي أن آكل في مثل هذه الساعة فقالت: حدثني بما جرى لك في هذا اليوم ولأي شيء أراك مهموماً مكسور الخاطر والقلب? فقلت في هذه الساعة أحدثك على مهلي فقدمت لي الشراب وقالت: دونك فإنه يزيل همك فلا بد أن تشرب وتحدثني بخبرك فقلت لها: إن كان ولا بد فاسقيني بيدك فملأت القدح وشربته وملأته وناولتني إياه فتناولته منها بيدي الشمال وفرت الدمعة من جفني فأنشدت هذه الأبيات:

إذا أراد الله أمـراً لأمـر وكان ذا عقل وسمع وبصر

أصم أذنيه وأعمى قـلـبـه وسل منه عقله سل الشعر

حتى إذا أنفذ فيه حكـمـه رد إليه عقله لـيعـتـبـر

فلما فرغت من شعري تناولت القدح بيدي الشمال وبكيت، فلما رأتني أبكي صرخت صرخة قوية وقالت: ما سبب بكائك، قد أحرقت قلبي وما لك تناولت القدح بيدك الشمال? فقلت لها إن بيدي حبة، فقالت أخرجاه حتى أفقها لك فقلت: ما هو وقت فقعها لا تطيلي علي فما أخرجها في تلك الساعة ثم شربت القدح ولم تزل تسقيني حتى غلب السكر علي فنمت مكاني فأبصرت يدي بلا كف ففتشتني فرأت معي الكيس الذي فيه الذهب، فدخل عليها الحزن ما لا يدخل على أحد ولا زالت تتألم بسببي إلى الصباح فلما أفقت من النوم وجدتها هيأت لي مسلوقة وقدمتها فإذا هي أربعة من طيور الدجاج، وأسقتني قدح شراب فأكلت وشربت وحطيت الكيس وأردت الخروج فقالت: أين تروح? فقلت: إلى مكان كذا لأزحزح بعض الهم عن قلبي فقالت: لا تروح بل اجلس فجلست فقالت لي: وهل بلغت محبتك إياي إلى أن صرفت جميع مالك علي وعدمت كفك فأشهدك علي والشاهد الله أني لا أفارقك وسترى صحة قولي ولعل الله استجاب دعوتي بزواجك وأرسلت خلف الشهود فحضروا فقالت لهم: اكتبوا كتابي على هذا الشاب واشهدوا أني قبضت المهر فكتبوا كتابي عليها ثم قالت: اشهدوا أن جميع مالي الذي في هذا الصندوق وجميع ما عندي من المماليك والجواري لهذا الشاب فشهدوا عليها وقبلت أنا التمليك وانصرفوا بعدما أخذوا الأجرة.

ثم أخذتني من يدي وأوقفتني على خزانة وفتحت صندوقاً كبيراً وقالت لي: انظر هذا الذي في الصندوق فنظرت فإذا هو ملآن مناديل، فقالت: هذا مالك الذي أخذته منك فكلما أعطيتني منديلاً فيه خمسون ديناراً ألقه وأرميه في هذا الصندوق فخذ مالك فقد رده الله عليك وأنت اليوم عزيز فقد جرى عليك القضاء بسبب حتى عدمت يمينك وأنا لا أقدر على مكافأتك ولو بذلت روحي لكان ذلك قليلاً ولك الفضل ثم قالت لي: تسلم مالك فتسلمته ثم نقلت ما في صندوقها إلى صندوقي وضمت مالها إلى مالي الذي كنت أعطيتها إياه وفرح قلبي وزال هي فقمت فقبلتها وسكرت معها فقالت: لقد بذلت جميع مالك ويدك في محبتي فكيف أقدر على مكافأتك والله لو بذلت روحي في محبتك لكان ذلك قليل وما أقوم بواجب حقك علي ثم إنها كتبت لي جميع ما تملك من ثياب بدنها وصيغتها وأملاكها، بحجة وما نامت تلك الليلة إلا مهمومة من أجلي حين حكيت لها ما وقع لي وبت معها. ثم أقمنا على ذلك أقل من شهر وقوي بها الضعف، وزاد بها المرض وما مكنت غير خمسين يوماً ثم صارت من أهل الآخرة فجهزتها وواريتها في التراب وعملت لها ختمات وتصدقت عليها بجملة من المال، ثم نزلت من التربة فرأيت لها مالاً جزيلاً وأملاكاً وعقارات، ومن جملة ذلك تلك المخازن السمسم التي بعت لك منها ذلك المخزن وما كان اشتغالي عنك هذه المدة إلا لأني بعت بقية الحواصل وإلى الآن لم أفرغ من قبض الثمن فأرجو منك أنك لا تخالفني فيما أقوله لك لأني أكلت زادك فقد وهبتك ثمن السمسم الذي عندك، فهذا سبب أكلي بيدي الشمال فقلت له: لقد أحسنت إلي وتفضلت علي فقال لي: لا بد أن تسافر معي إلى بلادي فإني اشتريت متجراً مصرياً واسكندرانياً فهل لك في مصاحبتي? فقلت: نعم وواعدته على رأس الشهر ثم بعت جميع ما أملك واشتريت به متجراً وسافرت أنا وذلك الشاب إلى هذه البلاد التي هي بلادكم فباع الشاب متجره واشترى متجراً عوضه من بلادكم ومضى إلى الديار المصرية فكان نصيبي من قعودي هذه الليلة حتى حصل من غربتي فهذا يا ملك الزمان ما هو أعجب من حديث الأحدب فقال الملك: لا بد من شنقكم كلكم: وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

الليلة الثامنة والعشرون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملك الصين لما قال: لا بد من شنقكم فعند ذلك تقدم المباشر إلى ملك الصين وقال: إن أذنت لي حكيت لك حكاية وقعت لي في تلك المدة قبل أن أجد هذا الأحدب وإن كانت أحب من حديثه تهب لنا أرواحنا فقال الملك: هات ما عندك فقال: اعلم أني كنت تلك الليلة الماضية عند جماعة عملوا ختمة وجمعوا الفقهاء فلما قرأوا المقرؤون وفرغوا مدوا السماط فمن جملة ما قدموا زرباجة فقدمنا لنأكل الزرباجة فتأخر واحد منا وامتنع عن الأكل منها فحلفنا عليه فأقسم أنه لا يأكل منها فشددنا عليه فقال: لا تشددوا على فكفاني ما جرى لي من أكلها فأنشدت هذا البيت:

إذا صديق أنكرت جانـبـه لم تعيني على فراقه الحيل

فلما فرغنا قلنا له: بالله ما سبب امتناعك عن الأكل من هذه الزرباجة? فقال: لأني لا آكل منها غلا إن غسلت يدي أربعين مرة، فعند ذلك أمر صاحب الدعوى غلمانه فأتوا بالماء الذي طلبه فغسل يديه كما ذكر، ثم تقدم وهو متكره وجلس ومد يده وهو مثل الخائف ووضع يده في الزرباجة وصار يأكل وهو متغصب ونحن نتعجب منه غاية التعجب ويده ترتعد فنصب إبهام يده فإذا هو مقطوع وهو يأكل بأربعة أصابع فقلنا له: بالله عليك ما لإبهامك هكذا أهو خلقة الله أم أصابه حادث? فقال: يا إخواني أهو هذا الإبهام وحده ولكن إبهام الأخرى وكذلك رجلاي الاثنين ولكن انظروا ثم كشف إبهام يده الأخرى فوجدناها مثل اليمين وكذلك رجلاه بلا إبهامين.

فلما رأيناه كذلك ازددنا عجباً وقلنا له: ما بقي لنا صبر على حديثك، والأخبار بسبب قطع إبهامي يديكورجليك وسبب غسل يديك، مائة وعشرين مرة فقال: اعلموا أن والدي كان تاجر من التجار الكبار وكان أكبر تجار مدينة بغداد في أيام الخليفة هارون الرشيد وكان مولعاً بشرب الخمر وسماع العود فلما مات لم يترك شيئاً فجهزته، وقد عملت له ختمات وحزنت عليه أياماً وليالي ثم فتحت دكانه فما وجدته خلف إلا يسيراً ووجدت عليه ديوناً كثيرة فصبرت أصحاب الديون وطيبت خواطرهم وصرت أبيع وأشتري وأعطي من الجمعة أصحاب الديون ولا زلت على هذه الحالة إلى أن وفيت الديون وزدت على رأس مالي.

فبينما أنا جالس يوماً من الأيام إذا رأيت صبية لم تر عيني أحسن منها عليها حلي وحلل فاخرة وهي راكبة بغلة وقدامها عبد وورائها عبد فأوقفت البغلة على رأس السوق ودخلت ورائها خادم، وقال: يا سيدتي اخرجي ولا تعلمي أحداً فتطلقي فينا النار ثم حجبها الخادم فلما نظرت إلى دكاكين التجار لم تجد أفخر من دكاني، فلما وصلت إلى جهتي والخادم خلفها وصلت إلى دكاني وسلمت علي فما وجدت أحسن من حديثها ولا أعذب من كلامها، ثم كشفت عن وجهها فنظرتها نظرة أعقبتني ألف حسرة وتعلق قلبي بمحبتها، وجعلت أكرر النظر إلى وجهها وأنشد:

جودي علي بزورة أحيا بـهـا ها قد مددت إلى نوالك راحتي

فلما سمعت إنشادي أجابتني بهذه الأبيات:

عدمت فؤادي في الهوى أن سلاكم فإن فـؤادي لا يحـب سـواكـم

وإن نظرت عيني إلى غير حسنكم فلا سرها بعد العبـاد لـقـاكـم

حلفت يميناً لست أسلـوا هـواكـم وقلبي حزين مغـرم بـهـواكـم

سقاني الهوى كأساً من الحب صافياً فيا ليته لما سقـانـي سـقـاكـم

خذوا رمقي حيث استقرت بكم نوى وأين حللتم فادفنـونـي حـداكـم

وإن تذكروا اسمي عند قبري يجيبكم أنين عظامي عند رفـع نـداكـم

فلو قليل لي ماذا على الله تشتهـي لقلت رضا الرحمن ثم رضـاكـم

فلما فرغت من شعرها قالت: يا فتى أعندك تفاصيل ملاح? فقلت: يا سيدتي مملوكك فقير، ولكن اصبري حتى تفتح التجار دكاكينهم وأجيء لك بما تريدينه ثم تحدثت أنا وإياها وأنا غارق في بحر محبتها تائه في عشقها، حتى فتحت التجار دكاكينهم فقمت وأخذت لها جميع ما طلبته، وكان ثمن ذلك خمسة آلاف درهم وناولت الخادم جميع ذلك فأخذه الخادم وذهبا إلى خارج السوق فقدموا لها البغلة فركبت ولم تذكر لي منأين هي واستحيت أن أذكر لها ذلك والتزمت الثمن للتجار،وتكلفت خمسة آلاف درهم وجئت البيت وأنا سكران من محبتها، فقدموا لي العشاء لأكلت لقمة وتذكرت حسنها وجمالها فأشغلني عن الأكل، وأردت أن أنام فلم يجيئني نوم ولم أزل على هذه الحالة أسبوعاً وطالبتني التجار بأموالهم فصبرتهم أسبوعاً آخر، فبعد الأسبوع أقبلت وهي على البغلة ومعها خادم وعبدان: فلما رأيتها زال عني الفكر ونسيت ما كنت فيه وأقبلت تحدثني بحديثها الحسن ثم قالت: هات الميزان وزن مالك فأعطتني ثمن ما أخذته بزيادة، ثم انبسطت معي في الكلام فكدت أن أموت فرحاً وسروراً ثم قالت لي: هل لك أنت زوجة? فقلت: لا إني لا أعرف امرأة ثم بكيت فقالت لي: مالك تبكي? فقلت: من شيء خطر ببالي ثم أني أخذت بعض دنانير وأعطيتها للخادم وسألتها أن يتوسط في الأمر فضحك وقال: هي عاشقة لك أكثر منك وما لها بالقماش حاجة وإنما هي لأجل محبتها لك فخاطبها بما تريد فإنها لا تخالفك فيما تقول فرأتني وأنا أعطي الخادم الدنانير فرجعت وجلست ثم قلت لها: تصدقي على مملوكك واسمحي له فيما يقول ثم حدثتها بما في خاطري فأعجبها ذلك وأجابتني وقالت: هذا الخادم يأتي برسالتي واعمل أنت بما يقول لك الخادم ثم قامت ومضت وقمت وسلمت التجار أموالهم وحصل لهم الربح، إلا أنا فإنها حين ذهبت حصل لي الندم من انقطاع خبرها عني ولم أنم طول الليل.

فما كان إلا أيام قلائل وجاءني خادمها فأكرمته وسألته عنها، فقال: إنها مريضة فقلت للخادم: اشرح لي أمرها قال: إن هذه الصبية ربتها السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد وهي من جواريها، وقد اشتهت على سيدتها الخروج والدخول فأذنت لها في ذلك فصارت تدخل وتخرج حتى صارت قهرمانة، ثم أنها حدثت بك سيدتها وسألتها أن تزوجها بك، فقالت سيدتها: لا أفعل حتى أنظر هذا الشاب فإن كان يشبهك زوجتك به ونحن نريد في هذه الساعة أن ندخل بك الدار فإن دخلت ولم يشعر بك أحد وصلت تزويجك إياها وإن انكشف أمرك ضربت رقبتك فماذا تقول? فقلت: نعم أروح معك وأصبر على الأمر الذي حدثتني به فقال لي الخادم: إذا كانت هذه الليلة فامض إلى المسجد الذي بنته السيدة زبيدة على الدجلة فصل فيه وبت هناك فقلت: حباً وكرامة فلما جاء وقت العشاء مضيت إلى المسجد وصليت وبت هناك.

فلما كان وقت السحر رأيت الخادمين قد أقبلا في زورق ومعهما صناديق فارغة فأدخلوها في المسجد وانصرفوا وتأخر واحد منهما فتأملته وإذا هو الذي كان واسطة بيني وبينها فبعد ساعة صعدت غلينا الجارية صاحبتي فلما أقبلت قمت إليها وعانقتها فقبلتني وبكت تحدثنا ساعة فأخذتني ووضعتني في صندوق وأغلقته علي ولم أشعر إلا وأنا في دار الخليفة وجاؤوا إلي بشيء كثير من الأمتعة بحيث يساوي خمسين ألف درهم ثم رأيت عشرين جارية أخرى وهن نهد أبكار وبينهن الست زبيدة وهي لم تقدر على المشي مما عليها من الحلي والحلل فلما أقبلت تفرقت الجواري من حواليها فأتيت إليها وقبلت الأرض بين يديها فأشارت لي بالجلوس فجلست بين يديها ثم شرعت تسألني عن حالي وعن نسبي فأجبتها عن كل ما سألتني عنه ففرحت وقالت: والله ما خابت تربيتنا في هذه الجارية، ثم قالت لي: اعلم أن هذه الجارية عندنا بمنزلة ولد الصلب وهي وديعة الله عندك. فقبلت الأرض قدامها ورضيت بزواجي إياها ثم أمرتني أن أقيم عندهم عشرة أيام فأقمت عندهم هذه المدة وأنا لا أدري من هي الجارية إلا أن بعض الوصائف تأتيني بالغداء والعشاء لأجل الخدمة، وبعد هذه المدة استأذنت السيدة زبيدة زوجها أمير المؤمنين في زواج جاريتها فأذن لها وأمر لها بعشرة آلاف دينار فأرسلت السيدة زبيدة إلى القاضي والشهود وكتبوا كتابي عليها وبعد ذلك عملوا الحلويات والأطعمة الفاخرة وفرقوا على سائر البيوت ومكثوا على هذا الحال عشرة أيام أخر وبعد العشرين يوماً أدخلوا الجارية الحمام لأجل الدخول بها ثم أنهم قدموا سفرة فيها طعام من جملته خافقية زرباجة محشوة بالسكر وعليها ماء ورد ممسك وفيها أصناف الدجاج المحمرة وغيره من سائر الألوان مما يدهش العقول فوالله حين حضرت المائدة ما أمهلت نفسي حتى نزلت على الزرباجة وأكلت منها بحسب الكفاية ومسحت يدي ونسيت أن أغسلها ومكثت جالساً إلى أن دخل الظلام وأوقدت الشموع، وأقبلت المغنيات بالدفوف ولم يزالوا يجلون العروسة وينقطون بالذهب حتى طافت القصر كله وبعد ذلك أقبلوا علي ونزعوا ما عليها من الملبوس.

فلما خارت بها في الفراش وعانقتها وأنا لم أصدق بوصالها شمت في يدي رائحة الزرباجة فلما شمت الرائحة صرخت فنزل لها الجواري من كل جانب فارتجفت ولم أعلم ما الخبر فقالت الجواري: ما لك يا أختنا? فقالت لهن: أخرجوا هذا المجنون فأنا أحسب أنه عاقل، فقلت لها: وما الذي ظهر لك من جنوني? فقالت: يا مجنون لأي شيء أكلت من الزرباجة ولم تغسل يدك فوالله لا أقبلك على عدم عقلك وسوء فعلك وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

الليلة التاسعة والعشرون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للشاب: لا أقبلك على عدم عقلك وسوء فعلك، ثم تناولت من جانبها سوطاً ونزلت به على ظهري ثم على مقاعدي حتى غبت عن الوجود من كثرة الضرب ثم إنها قالت للجواري: خذوه وامضوا به إلى متولي ليقطع يده التي أكل بها الزرباجة، ولم يغسلها فلما سمعت ذلك قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله أتقطع يدي من أجل أكل الزرباجة وعدم غسلي إياها فدخلن عليها الجواري، وقلن لها: يا أختنا لا تؤاخذيه بفعله هذه المرة، فقالت والله لا بد أن أقطع شيئاً من أطرافه، ثم راحت وغابت عني عشرة أيام ولم أرها إلا بعد عشرة أيام ثم أقبلت علي وقالت لي: يا أسود الوجه أنا لا أصلح لك فكيف تأكل الزرباجة ولم تغسل يدك ثم صاحت على الجواري فكتفوني وأخذت موساً ماضياً وقطعت إبهامي يدي وإبهامي ورجلي كما ترون يا جماعة فغشي علي، ثم ذرت علي بالذرور فانقطع الدم وقلت في نفسي: لا آكل الزرباجة ما بقيت حتى أغسل يدي أربعين مرة بالإشنان وأربعين مرة بالسعد وأربعين مرة بالصابون فأخذت علي ميثاقاً أني لا آكل الزرباجة حتى أغسل يدي كما ذكرت لكم فلما جئتم بهذه الزرباجة تغير لوني وقلت في نفسي: هذا سبب غبهامي يدي ورجلي، فلما غصبتم علي قلب: لا بد أن أوفي بما حلفت.

فقالت له والجماعة حاضرون ما حصل لك بعد ذلك? قال: فلما حلفت لها طاب قلبها ونمت أنا وإياها وأقمنا مدة على هذا الحال وبعد تلك المدة قالت: إن أهل دار الخلافة لا يعلمون بما حصل بيني وبينك فيها وما دخلها أجنبي غيرك وما دخلت فيها إلا بعناية السيدة زبيدة ثم أعطتني خمسين ألف دينار وقالت: خذ هذه الدنانير واخرج واشتر لنا بها داراً فسيحة فخرجت واشتريت داراً فسيحة مليحة ونقلت جميع ما عندها من النعم وما ادخرته من الأموال والقماش والتحف إلى هذه الدار التي اشتريتها فهذا سبب قطع إبهامي فأكلنا وانصرفنا وبعد ذلك جرى لي مع الأحدب ما جرى وهذا جميع حديثي والسلام، فقال الملك: ما هذا بأعذب من حديث الأحدب بل حديث الأحدب أعذب من ذلك ولا بد صلبكم جميعاً. وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال: لا بد من صلبكم جميعاً فتقدم اليهودي وقبل الأرض وقال: يا ملك الزمان أنا أحدثك بحديث أعذب من حديث الأحدب، فقال له ملك الصين هات ما عندك فقال: أعجب ما جرى في زمن شبابي أني كنت في الشام وتعلمت منه صنعة فعملت فيها، فبينما أنا أعمل في صنعتي يوماً من الأيام، إذا تأتي مملوك من بيت الصاحب بدمشق، فخرجت له وتوجهت معه إلى منزل الصاحب فدخلت فرأيت في صدر الإيوان سريراً من المرمر بصفائح الذهب وعليه مريض راقد وهو شاب لم ير أحسن منه في زمانه فقعدت عند رأسه ووعدت له بالشفاء فأشار إليه بعينيه فقلت له: يا سيدي ناولني يدك فأخرج لي يده اليسرى فتعجبت من ذلك وقلت في نفسي: يا الله العجب أن هذا الشاب مليح ومن بيت كبير وليس عنده أدب إن هذا هو العجب، ثم جسست مفاصله وكتبت له ورقة ومكثت أتردد عليه مدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر قال الشاب: هل لك أنت نتفرج في الغرفة? فقلت: نعم فأمر العبيد أن يطلعوا الفراش إلى فوق وأمرهم أن يشووا خروقاً وأن يأتوا إلينا بفاكهة ففعل العبيد ما أمرهم به وأتوا بالفاكهة فأكلنا وأكل هو بيده الشمال.

فقلت له: حدثني بحديثك فقال لي: يا حكيم الزمان اسمع حكاية ما جرى لي، اعلم أنني من أولاد الموصل وكان لي والد قد توفي أبوه وخلف عشرة أولاد ذكور من جملتهم والدي وكان أكبرهم فكبروا كلهم وتزوجوا ورزق والدي بي وأما إخوته التسعة فلم يرزقوا بأولاد فكبرت أنا وصرت بين أعمامي وهم فرحون بي فرحاً شديداً، فلما كبرت وبلغت مبلغ الرجال وكنت ذات يوم مع والدي في جامع الموصل وكان اليوم ويم جمعة فصلينا الجمعة وخرج الناس جميعاً وأما والدي وأعمامي فإنهم قعدوا يتحدثون في عجائب البلاد وغرائب المدن إلى أن ذكروا مصر فقال بعض أعمامي: إن المسافرين يقولون: ما على وجه الأرض أحسن من مصر ونيلها، ثم أنهم أخذوا يصفون مصر ونيلها، فلما فرغوا من كلامهم وسمعت أنا هذه الأوصاف التي في مصر صار جاري مشغولاً بها ثم انصرفوا وتوجه كل واحد منهم إلى منزله.

فبت تلك الليلة لم يأتني نوم من شغفي بها ولم يطب لي أكل ولا شرب فلما كان بعد أيام قلائل تجهز أعمامي إلى مصر فبكيت على والدي لأجل الذهاب معهم حتى جهز لي متجراً ومضيت معهم وقال لهم: لا تدعوه يدخل مصر بل اتركوه في دمشق لبيع متجره فيها ثم سافرنا وودعت والدي وخرجنا من الموصل وما زلنا مسافرين إلى أن وصلنا إلى حلب فأقمنا بها أياماً ثم سافرنا إلى أن وصلنا دمشق فرأيناها مدينة ذات أشجار وأنهار وأثمار وأطيار كأنها جنة فيها كل فاكهة فنزلنا في بعض الخانات واستمر بها أعمامي حتى باعوا واشتروا وباعوا بضاعتي فربح الدرهم خمسة دراهم ففرحت بالربح ثم تركني أعمامي وتوجهوا إلى مصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما تركوه أعمامه وتوجهوا إلى مصر قال: مكثت بعدهم وسكنت في قاعة مليحة البنيان يعجر عن وصفها اللسان أجرتها كل شهر بدينارين وصرت أتلذذ بالمآكل والمشارب حتى صرفت المال الذي كان معي فبينما أنا قاعد على باب القاعة يوماً من الأيام وإذا بصبية أقبلت علي وهي لابسة أفخر الملابس وما رأت عيني أفخر منها فعزمت عليها فما قصرت بل صارت داخل الباب فلما دخلت ظفرت بها وفرحت بدخولها فرددت الباب علي وعليها وكشفت عن وجهها وقلعت إزارها فوجدتها بديعة الجمال فتمكن حبها من قلبي فقمت وجئت بسفرة من أطيب المأكول والفاكهة وما يحتاج غليه المقام وأكلنا ولعبنا وبعد اللعب شربنا حتى سكرنا ثم نمت معها في أطيب ليلة إلى الصباح، وبعد ذلك أعطيتها عشرة دنانير فحلفت أنها لا تأخذ الدنانير مني ثم قالت: يا حبيبي انتظرني بعد ثلاثة أيام وقت المغرب أكون عندك وهيء لنا بهذه الدنانير مثل هذا وأعطتني هي عشرة دنانير وودعتني وانصرفت فأخذت عقلي معها.

فلما مضت الأيام الثلاثة أتت وعليها من المزركش أو الحلي والحلل أعظم مما كان عليها أولاً وكنت هيأت لها ما يليق بالمقام قبل أن تحضر فأكلنا وشربنا ونمنا مثل العادة إلى الصباح ثم أعطتني عشرة دنانير وواعدتني بعد ثلاثة أيام أنها تحضر عندي فهيأت لها ما يليق بالمقام وبعد ثلاثة أيام حضرت في قماش أعظم من الأول والثاني ثم قالت لي: يا سيدي هل أنا مليحة? فقلت: أي والله فقالت: هل تأذن لي أن أجيء معي بصبية أحسن مني وأصغر سناً مني حتى تلعب معنا ونضحك وإياها فإنها سألتني أن تخرج معي وتبيت معنا لنضحك وإياها ثم أعطتني عشرين ديناراً وقالت لي: زد لنا المقام لأجل الصبية التي تأتي معي، ثم إنها ودعتني وانصرفت، فلما كان اليوم الرابع جهزت لها ما يليق بالمقام على العادة فلما كان بعد المغرب وإذا بها قد أتت ومعها واحدة ملفوفة بإزار فدخلتا وجلستا ففرحت وأوقدت الشموع واستقبلتهما بالفرح والسرور فقامتا ونزعتا ما عليهما من الثياب، وكشفت الصبية الجديدة عن وجهها فرأيتها كالبدر في تمامه فلم أر أحسن منها فقمت وقدمت لهما الأكل والشرب فأكلنا وشربنا وصرت أقبل الصبية الجديدة وأملأ لها القدح وأشرب معها فغارت الصبية الأولى في الباطن ثم قالت: بالله إن هذه الصبية مليحة أما هي أظرف مني? فقلت: أي والله قالت: خاطري أن تنام معها قلت: على رأسي وعيني ثم قامت وفرشت لنا فقمت ونمت مع الصبية الجديدة إلى وقت الصبح فلما أصبحت وجدت يدي ملوثة بدم فتحت عيني فوجدت الشمس قد طلعت فنبهت الصبية فتدحرج رأسها عن بطنها فظننت أنها فعلت ذلك من غيرتها منها ففكرت ساعة ثم قمت قلعت ثيابي وحفرت في القاعة ووضعت الصبية ورددت التراب وأعدت الرخام كما كان ورفعت المخدة فوجدت تحتها العقد الذي كان في عنق تلك الصبية فأخذته وتأملته وبكيت ساعة ثم أقمت يومين وفي اليوم الثالث دخلت الحمام وغيرت أثوابي وأنا ما معي شيء من الدراهم فجئت يوماً إلى السوق فوسوس لي الشيطان لأجل إنفاذ القدر فأخذت عقد الجوهر وتوجهت به إلى السوق وناولته للدلال فقام لي وأجلسني بجانبه وصبر حتى عمر السوق وأخذه الدلال ونادى عليه خفية وأنا لا أعلم وإذا بالعقد مثمن بلغ ثمنه ألفي دينار فجاءني الدلال وقال لي: إن هذا العقد نحاس مصنوع بصنعة الإفرنج وقد وصل ثمنه إلى ألف درهم، فقالت له: نعم كنا صنعناه بصنعة الإفرنج لواحدة نضحك عليها به وورثتها زوجتي فرأينا بيعه، فرح واقبض الألف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

في الليلة الثانية والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال للدلال اقبض الألف درهم وسمع الدلال ذلك عرف أن قضيته مشكلة فتوجه بالعقد إلى كبير السوق وأعطاه إياه فأخذه وتوجه به إلى الوالي وقال له: إن هذا العقد سرق من عندي ووجدنا الحرامي لابساً لباس أولاد التجار فلم أشعر إلا والظلمة قد أحاطوا بي وأخذوني وذهبوا بي إلى الوالي فسألني الوالي عن ذلك العقد فقلت له ما قلته للدلال فضحك الوالي وقال: ما هذا كلام الحق فلم أدر إلا وحواشيه جردوني من ثيابي وضربوني بالمقارع على جميع بدني فأحرقني الضرب فقلت: أنا سرقته ولا أقول إن صاحبته مقتولة عندي فيقتلوني فيها، فلما قلت أني سرقته قطعوا يدي وقلوها في الزيت فغشي علي فسقوني الشراب حتى أفقت فأخذت يدي وجئت إلى القاعة فقال صاحب القاعة حيثما جرى لك هذا فادخل القاعة وانظر لك موضعاً آخر لأنك متهم بالحرام فقلت له: يا سيدي اصبر علي يومين أو ثلاثة حتى أنظر لي موضعاً، قال: نعم ومضى وتركني. فبقيت قاعد أبكي وأقول: كيف أرجع إلى أهلي وأنا مقطوع اليد والذي قطع يدي لم يعلم أني بريء فلعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، وصرت أبكي بكاء شديداً فلما مضى صاحب القاعة عني لحقني غم شديد فتشوشت يومين وفي اليوم الثالث ما أدري غلا وصاحب القاعة جاءني ومعه بعض الظلمة وكبير السوق وادعى علي أني سرقت العقد فخرجت لهم وقلت: ما الخبر? فلم يمهلوني بل كتفوني ووضعوا في رقبتي جنزيراً وقالوا لي: إن العقد الذي كان معك طلع لصاحب دمشق ووزيرها وحاكمها وقالوا: إن هذا العقد قد ضاع من بيت الصاحب من مدة ثلاث سنين ومعه ابنته فلما سمعت هذا الكلام منهم ارتعدت مفاصلي وقلت في نفسي إنهم سيقتلونني ولا محالة، والله لا بد أنني أحكي للصاحب حكايتي فإن شاء قتلني وإن شاء عفى عني، فلما وصلنا إلى الصاحب أوقفني بين يديه فلما رآني قال: أهذا هو الذي سرق العقد ونزل به ليبيعه? إنكم قطعتم يده ظلماً ثم أمر بسجن كبير السوق وقال له: أعط هذا دية يده وإلا أشنقك وآخذ جميع مالك، ثم صاح على أتباعه فأخذوه وجردوه وبقيت أنا والصاحب وحدنا بعد أن فكوا الغل من عنقي بإذنه وحلوا وثاقي ثم نظر إلي الصاحب وقال: يا ولدي حدثني واصدقني كيف وصل إليك هذا العقد? فقلت: يا مولاي إني أقول لك الحق، ثم حدثته بجميع ما جرى لي مع الصبية الأولى وكيف جاءتني بالثانية وكيف ذبحتها من الغيرة وذكرت له الحديث بتمامه.

فلما سمع كلامي هز رأسه وحط منديله على وجهه وبكى ساعة ثم أقبل علي وقال لي: اعلم يا ولدي أن الصبية ابنتي وكنت أحجز عليها فلما بلغت أرسلتها إلى ابن عمها بمصر فجاءتني وقد تعلمت العهر من أولاد مصر وجاءتك أربع مرات، ثم جاءتك بأختها الصغيرة والاثنتان شقيقتان وكانتا محبتين لبعضهما فلما جرى للكبيرة ما جرى أخرجت سرها على أختها فطلبت مني الذهاب معها ثم رجعت وحدها فسألتها عنها فوجدتها تبكي عليها وقالت: لا اعلم لها خبر ثم قالت لأمها سراً جميع ما جرى من ذبحها أختها فأخبرتني أمها سراً ولم تزل تبكي وتقول: والله لا أزال أبكي عليها حتى أموت وكلامك يا ولدي صحيح فإني أعلم بذلك قبل أن تخبرني به فانظر أن أزوجك ابنتي الصغيرة فإنها ليست شقيقة لهما وه يبكر ولا آخذ منك مهراً فأجعل لكما راتباً من عندي وتبقى عندي بمنزلة ولدي فقلت له: الأمر كما تريد يا سيدي ومن أين لي أن أصل إلى هذا فأرسل الصاحب في الحال من عنده بريد وأتاني بمالي الذي خلفه والدي والذي أنا اليوم في أرغد عيش.

فتعجبت منه وأقمت عنده ثلاثة أيام وأعطاني مالاً كثيراً، وسافرت من عنده فوصلت إلى بلدكم هذه فطابت لي المعيشة وجرى لي مع الأحدب ما جرى، فقال ملك الصين: ما هذا بأعجب من حديث الأحدب ولا بد لي من شنقكم جميعاً وخصوصاً الخياط الذي هو رأس كل خطيئة قال: يا خياط إن حدثتني بشيء أعجب من حديث الأحدب وهبت لكم أرواحكم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 14 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية الصياد مع العفريت

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان رجل صياد وكان طاعناً في السن وله زوجة وثلاثة أولاد وهو فقير الحال وكان من عادته أنه يرمي شبكته كل يوم أربع مرات لا غير ثم أنه خرج يوماً من الأيام في وقت الظهر إلى شاطئ البحر وحط معطفه وطرح شبكته وصبر إلى أن استقرت في الماء ثم جمع خيطانها فوجدها ثقيلة فجذبها فلم يقدر على ذلك فذهب بالطرف إلى البر ودق وتداً وربطها فيه ثم عرى وغطس في الماء حول الشبكة وما زال يعالج حتى أطلعها ولبس ثيابه وأتى إلى الشبكة فوجد فيها حماراً ميتاً فلما رأى ذلك حزن وقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال أن هذا الرزق عجيب وأنشد يقول:

يا خائضاً في ظلام الله والهـلـكة أقصر عنك فليس الرزق بالحركة

ثم أن الصياد لما رأى الحمار ميت خلصه من الشبكة وعصرها، فلما فرغ من عصرها نشرها وبعد ذلك نزل البحر، وقال بسم الله وطرحها فيه وصبر عليها حتى استقرت ثم جذبها فثقلت ورسخت أكثر من الأول فظن أنه سمك فربط الشبكة وتعرى ونزل وغطس، ثم عالج إلى أن خلصها وأطلعها إلى البر فوجد فيها زيراً كبيراً، وهو ملآن برمل وطين فلما رأى ذلك تأسف وأنشد قول الشاعر:

ياحـرقة الـدهـر كــفـــي إن لـم تـكـفـي فـعـفـــي

فلا يحـظــى أعـــطـــي ولا يصـنـعـه كـــفـــي

خرجـت أطـلــب رزقـــي وجـدت رزقـي تــوفـــي

كم جاهل في ظهور وعالم متخفي

ثم إنه رمى الزير وعصر شبكته ونظفها واستغفر الله وعاد إلى البحر ثالث مرة ورمى الشبكة وصبر عليها حتى أستقرت وجذبها فوجد فيها شفافة وقوارير فأنشد قول الشاعر:

هو الرزق لا حل لديك ولا ربط ولا قلم يجدي عليك ولا خـط

ثم أنه رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم أنك تعلم أني لم أرم شبكتي غير أربع مرات وقد رميت ثلاثا، ثم أنه سمى الله ورمى الشبكة في البحر وصبر إلى أن أستقرت وجذبها فلم يطق جذبها وإذا بها أشتبكت في الأرض فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله فتعرى وغطس عليها وصار يعالج فيها إلى أن طلعت على البحر وفتحها فوجد فيها قمقما من نحاس أصفر ملآن وفمه مختوم برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان.

فلما رآه الصياد فرح وقال هذا أبيعه في سوق النحاس فإنه يساوي عشرة دنانير ذهبا ثم أنه حركه فوجده ثقيلاً فقال: لا بد أني أفتحه وأنظر ما فيه وأدخره في الخرج ثم أبيعه في سوق النخاس ثم أنه أخرج سكينا، وعالج في الرصاص إلى أن فكه من القمقم وحطه على الارض وهزه لينكت ما فيه فلم ينزل منه شيء ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى السماء ومشى على وجه الأرض فتعجب غاية العجب وبعد ذلك تكامل الدخان، واجتمع ثم انتفض فصار عفريتاً رأسه في السحاب ورجلاه في التراب برأس كالقبة وأيدي كالمداري ورجلين كالصواري، وفم كالمغارة، وأسنان كالحجارة، ومناخير كالإبريق، وعينين كالسراجين، أشعث أغبر.

فلما رأى الصياد ذلك العفريت ارتعدت فرائصه وتشبكت أسنانه، ونشف ريقه وعمي عن طريقه فلما رآه العفريت قال لا إله إلا الله سليما نبي الله، ثم قال العفريت: يا نبي الله لا تقتلني فإني لا عدت أخالف لك قولاً وأعصي لك أمراً، فقال له الصياد: أيها المارد أتقول سليمان نبي الله، وسليمان مات من مدة ألف وثمانمائة سنة، ونحن في آخر الزمان فما قصتك، وما حديثك وما سبب دخولك إلى هذا القمقم.

فلما سمع المارد كلام الصياد قال: لا إله إلا الله أبشر يا صياد، فقال الصياد: بماذا تبشرني فقال بقتلك في هذه الساعة أشر القتلات قال الصياد: تستحق على هذه البشارة يا قيم العفاريت زوال الستر عنك، يا بعيد لأي شيء تقتلني وأي شيء يوجب قتلي وقد خلصتك من القمقم ونجيتك من قرار البحر، وأطلعتك إلى البر فقال العفريت: تمن علي أي موتة تموتها، وأي قتلة تقتلها فقال الصياد ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك.

فقال العفريت اسمع حكايتي يا صياد، قال الصياد: قل وأوجز في الكلام فإن روحي وصلت إلى قدمي. قال اعلم أني من الجن المارقين، وقد عصيت سليمان بن داود وأنا صخر الجني فأرسل لي وزيره آصف ابن برخيا فأتى بي مكرهاً وقادني إليه وأنا ذليل على رغم أنفي وأوقفني بين يديه فلما رآني سليمان استعاذ مني وعرض علي الإيمان والدخول تحت طاعته فأبيت فطلب هذا القمقم وحبسني فيه وختم علي بالرصاص وطبعه بالاسم الأعظم، وأمر الجن فاحتملوني وألقوني في وسط البحر فأقمت مائة عام وقلت في قلبي كل من خلصني أغنيته إلى الأبد فمرت المائة عام ولم يخلصني أحد، ودخلت مائة أخرى فقلت كل من خلصني فتحت له كنوز الأرض، فلم يخلصني أحد فمرت علي أربعمائة عام أخرى فقلت كل من خلصني أقضي له ثلاث حاجات فلم يخلصني أحد فغضبت غضباً شديداً وقلت في نفسي كل من خلصني في هذه الساعة قتلته ومنيته كيف يموت وها أنك قد خلصتني ومنيتك كيف تموت. فلما سمع الصياد كلام العفريت قال: يا الله العجب أنا ما جئت أخلصك إلا في هذه الأيام، ثم قال الصياد للعفريت، اعف عن قتلي يعف الله عنك، ولا تهلكني، يسلط الله عليك، من يهلكك. فقال لا بد من قتلك، فتمن علي أي موتة تموتها فلما تحقق ذلك منه الصياد راجع العفريت وقال اعف عني إكراماً لما أعتقتك، فقال العفريت: وأنا ما أقتلك إلا لأجل ما خلصتني، فقال الصياد: يا شيخ العفاريت هل أصنع معك مليح، فتقابلني بالقبيح ولكن لم يكذب المثل حيث قال:

فعلنا جميلاً قابـلـونـا بـضـده وهذا لعمري من فعال الفواجـر

ومن يفعل المعروف مع غير أهله يجازى كما جوزي مجير أم عامر

فلما سمع العفريت كلامه قال لا تطمع فلا بد من موتك، فقال الصياد هذا جني، وأنا إنسي وقد أعطاني الله عقلاً كاملاً وها أنا أدبر أمراً في هلاكه، بحيلتي وعقلي وهو يدبر بمكره وخبثه، ثم قال للعفريت: هل صممت على قتلي قال نعم، فقال له بالاسم الأعظم المنقوش على خاتم سليمان أسألك عن شيء وتصدقني فيه، قال نعم، ثم إن العفريت لما سمع ذكر الاسم الأعظم اضطرب واهتز وقال: اسأل وأوجز، فقال له: كيف كنت في هذا القمقم، والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلك، فقال له العفريت: وهل أنت لا تصدق أنني كنت فيه فقال الصياد لا أصدق أبداً حتى أنظرك فيه بعيني، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة: قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصياد لما قال للعفريت لا أصدقك أبداً حتى أنظرك بعيني في القمقم فانتفض العفريت وصار دخاناً صاعداً إلى الجو، ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلاً، حتى استكمل الدخان داخل القمقم وإذا بالصياد أسرع وأخذ سدادة الرصاص المختومة وسد بها فم القمقم ونادى العفريت، وقال له: تمن علي أي موتة تموتها لأرميك في هذا البحر وأبني لي هنا بيتاً وكل من أتى هنا أمنعه أن يصطاد وأقول له هنا عفريت وكل من أطلعه يبين له أنواع الموت يخبره بينها. فلما سمع العفريت كلام الصياد أراد الخروج فلم يقدر ورأى نفسه محبوساً ورأى عليه طابع خاتم سليمان وعلم أن الصياد سجنه وسجن أحقر العفاريت وأقذرها وأصغرها، ثم أن الصياد ذهب بالقمقم إلى جهة البحر، فقال له العفريت لا، لا فقال الصياد: لا بد لا بد فلطف المارد كلامه وخضع وقال ما تريد أن تصنع بي يا صياد، قال: ألقيك في البحر إن كنت أقمت فيه ألفاً وثمانمائة عام فأنا أجعلك تمكث إلى أن تقوم الساعة، أما قلت لك أبقيني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله فأبيت قولي وما أردت إلا غدري فألقاك الله في يدي فغدرت بك، فقال العفريت افتح لي حتى أحسن إليك فقال له الصياد تكذب يا ملعون، أنا مثلي ومثلك مثل وزير الملك يونان والحكيم رويان، فقال العفريت: وما شأن وزير الملك يونان والحكيم رويان وما قصتهما.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 15 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية مزين بغداد

فعند ذلك تقدم الخياط وقال: اعلم يا ملك الزمان أن الذي جرى لي أعجب مما جرى للجميع لأني كنت قبل أن أجتمع بالأحدب أول النهار في وليمة بعض أصحاب أرباب الصنائع من خياطين وبزازين ونجارين وغير ذلك، فلما طلعت الشمس حضر الطعام لنأكل، وإذا بصاحب الدار قد دخل علينا ومعه شاب وهو أحسن ما يكون من الجمال غير أنه أعرج فدخل علينا وسلم فقمنا، فلما أراد الجلوس رأى فينا إنساناً مزيناً فامتنع عن الجلوس وأراد أن يخرج من عندنا فمنعناه نحن وصاحب المنزل وشددنا عليه وحلف عليه صاحب المنزل وقال له: ما سبب دخولك وخروجك؟ فاقل: بالله يا مولاي لا تتعرض لي بشيء فإن سبب خروجي هذا المزين الذي هو قاعد. فلما سمع منه صاحب الدعوة هذا الكلام تعجب غاية العجب وقال: كيف يكون هذا الشاب من بغداد وتشوش خاطره من هذا المزين ثم التفتنا إليه وقلنا له: إحك لنا ما سبب غيظك من هذا المزين فقال الشاب: يا جماعة إنه جرى لي مع هذا المزين أمر عجيب في بغداد بلدي وكان هو سبب عرجي وكسر رجلي وحلفت أني ما بقيت قاعداً في مكان ولا أسكن في بلد هو ساكن بها وقد سافرت من بغداد ورحلت منها وسكنت في هذه المدينة وأنا الليلة لا أبيت إلا مسافر فقلنا: بالله عليك أن تحكي لنا حكايتك معه فاصفر لون المزين حين سألنا الشاب، ثم قال الشاب: اعلموا يا جماعة الخير أن والدي من أكابر تجار بغداد ولم يرزقها لله تعالى بولد غيري.

فلما كبرت وبلغت مبلغ الرجال توفي والدي إلى رحمة الله تعالى وخلف لي مالاً وخدماً وحشماً فصرت ألبس الملابس وآكل أحسن المآكل، وكان الله سبحانه وتعالى بغضني في النساء إلى أن كنت ماشياً يوماً من الأيام في أزقة بغداد وإذا بجماعة تعرضوا لي في الطريق فهربت ودخلت زقاقاً لا ينفذ وارتكنت في آخره على مصطبة فلم أقعد غير ساعة وإذا بطاقة قبالة المكان الذي أنا فيه فتحت وطلت منها صبية كالبدر في تمامه لم أر في عمري مثلها ولها زرع تسقيه وذلك الزرع تحت الطاقة فالتفتت يميناً وشملاً ثم قفلت الطاقة وغابت عن عيني.
فانطلقت في قلبي النار واشتغل خاطري بهما وانقلب بغضي للنساء محبة فما زلت جالساً في المكان إلى المغرب وأنا غائب عن الدنيا من شدة الغرام وإذا بقاضي المدينة راكب وقدامه عبيد ووراءه خدم فنزل ودخل البيت الذي طلت منه تلك الصبية فعرفت أنه أبوها، ثم إني جئت منزلي وأنا مكروب ووقعت على الفراش مهموماً فدخلن علي جواري وقعدن حولي ولم يعرفن ما بي وأنا لم أبد لهن أمراً ولم أرد لخطابهن جواباً، وعظم مرضي فصارت الناس تعودني فدخلت علي عجوز فلما رأتني لم يخف عليها حالي، فقعدت عند رأسي ولاطفتني وقالت لي: قل لي خبرك؟ فحكيت لها حكايتي وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

في الليلة الثالثة والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما حكى للعجوز حكايته قالت له: يا ولدي إن هذه بنت قاضي بغداد وعليها الحجر والموضع الذي رأيتها فيه هو طبقتها وأبوها له هالة في أسفل وهي وحدها وأنا كثيراً ما أدخل عندهم ولا تعرف وصالها إلا مني فشد حيلك فتجلدت وقويت نفسي حين سمعت حديثها وفرح أهلي في ذلك اليوم وأصبحت متماسك الأعضاء مرتجياً تمام الصحة، ثم مضت العجوز ورجعت ووجهها متغيراً فقالت: يا ولدي لا تسأل عما جرى منها، لما قلت لها ذلك فإنها قالت لي: إن لم تسكتي يا عجوز النحس عن هذا الكلام لأفعلن بك ما تستحقينه ولا بد أن أرجع إليها ثاني مرة. فلما سمعت ذلك منها ازددت مرضاً على مرضي، فلما كان بعد أيام أتت العجوز وقالت: يا ولدي أريد منك البشارة.

فلما سمعت ذلك منها ردت روحي إلى جسمي وقلت لها: لك عندي كل خير فقالت: إني ذهبت بالأمس إلى تلك الصبية، فلما نظرتني وأنا منكسرة الخاطر باكية العين قالت: يا خالتي أراك ضيقة الصدر، فلما قالت لي ذلك بكيت وقلت لها: يا ابنتي وسيدتي إني أتيتك بالأمس من عند فتى يهواك وهو مشرف على الموت من أجلك فقالت لي وقد رق قلبها: ومن يكون هذا الفتى الذي تذكرينه؟ قلت: هو ولدي وثمرة فؤادي ورآك من الطاقة من أيام مضت وأنت تسقين زرعك ورأى وجهك فهام بك عشقاً وأنا أول مرة أعلمته بما جرى لي معك فزاد مرضه ولزم الوساد وما هو إلا ميت ولا محالة، فقالت وقد اصفر لونها: هل هذا كله من أجلي؟ قلت: إي والله فماذا تأمرين؟ قالت: أمضي إليه وأقرئيه مني السلام وأخبريه أن عندي أضعاف ما عنده فإذا كان يوم الجمعة قبل الصلاة يجيء إلى الدار وأنا أقول افتحوا له الباب وأطلعه عندي وأجتمع أنا وإياه ساعة ويرجع قبل مجيء والدي من الصلاة. فلما سمعت كلام العجوز زال ما كنت أجده من الألم واستراح قلبي ودفعت إليها ما كان علي من الثياب وانصرفت وقالت لي: طيب قلبك فقلت لها: لم يبق في شيء من الألم وتباشر أهل بيتي وأصحابي بعافيتي، ولم أزل كذلك إلى يوم الجمعة وإذ بعجوز دخلت علي وسألتني عن حالي فأخبرتها أني بخير وعافية ثم لبست ثيابي وتعطرت ومكثت أنظر الناس يذهبون إلى الصلاة حتى أمضي إليها فقالت لي العجوز: إن معك الوقت اتساعاً زائداً فلو مضيت إلى الحمام وأزلت شعرك لا سيما من أثر المرض لكان في ذلك صلاحك، فقلت لها: إن هذا هو الرأي الصواب لكن أحلق رأسي أولاً، ثم أدخل الحمام فأرسلت إلى المزن ليحلق لي رأسي وقلت للغلام: امض إلى السوق وائتني بمزين يكون عاقلاً قليل الفضول لا يصدع رأسي بكثرة كلامه فمضى الغلام وأتى بهذا الشيخ فلما دخل سلم علي فرددت: عليك السلام فقال: أذهب الله غمك وهمك والبؤس والأحزان عنك. فقلت له: تقبل الله منك، فقال: أبشر يا سيدي فقد جاءتك العافية أتريد تقصير شعرك أو إخراج دم فإنه ورد عن ابن عباس أنه قال: من قصر شعره يوم الجمعة صرف الله عنه سبعين داء وروي أيضاً أنه قال: من أحتجم يوم الجمعة، فإنه يأمن ذهاب البصر وكثرة المرض.

فقلت له: دع عنك هذا الهذيان وقم في هذه الساعة احلق لي رأسي، فإني رجل ضعيف فقام ومد يده وأخرج منديلاً وفتحه، وإذا فيه اصطرلاب وهو سبع صفائح فأخذه ومضى إلى وسط الدار ورفع رأسه إلى شعاع الشمس ونظر ملياً وقال لي: اعلم أنه مضى من يومنا هذا وهو يوم الجمعة، وهو عاشر صفر سنة ثلاث وسبعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وطالعه بمقتضى ما أوجبه علم الحساب المريخ سبع درج وستة دقائق واتفق أنه يدل على أن حلق الشعر جيد جداً، ودل عندي على أنك تريد الإقبال على شخص وهو مسعود لكن بعده كلام يقع وشيء لا أذكره لك فقلت له وقد أضجرتني وأزهقت روحي وفولت علي، وأنا ما طلبتك إلا لتحلق رأسي ولا تطل علي الكلام فقال: والله لو علمت حقيقة الأمر لطلبت مني زيادة البيان وأنا أشير عليك أنك تعمل اليوم بالذي أمرك به، بمقتضى حساب الكواكب وكان سبيلك أن تحمد الله ولا تخافني، فإني ناصح لك وشفيق عليك وأود أن أكون في خدمتك سنة كاملة وتقوم بحقي ولا أريد منك أجرة على ذلك فلما سمعت ذلك منه قلت له: إنك قاتلي في هذا اليوم، ولا محالة وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال له: إنك قاتلي في هذا اليوم فقال: يا سيدي أنا الذي تسميني الناس الصامت لقلة كلامي دون إخوتي لأن أخي الكبير اسمه البقبوق والثاني الهدار والثالث بقبق والرابع اسمه الكوز الأصوني والخامس اسمعها العشار والسادس اسمه شقالق والسابع اسمه الصامت وهو أنا فلما زاد علي هذا المزين بالكلام رأيت أن مرارتي انفطرت، وقلت للغلام: أعطه ربع دينار وخله ينصرف عني لوجه الله، فلا حاجة إلى حلاقة رأسي، فقال المزين حين سمع كلامي مع الغلام: يا مولاي، ما أظنك تعرف بمنزلتي فإن يدي تقع رأس الملوك والأمراء والوزراء والحكماء والفضلاء، وفي مثلي قال الشاعر:

جميع الصنائع مثل العقود وهذا المزين در السلـوك

فيعلو على كل ذي حكـمة وتحت يديه رؤوس الملوك

فقلت: دع ما لا يعنيك فقد ضيقت صدري وأشلت خاطري فقال: أظنك مستعجلاً؟ فقلت له: نعم فقال: تمهل على نفسك، فإن العجلة من الشيطان وهي تورث الندامة والحرمان وقد قال عليه الصلاة والسلام: خير الأمور ما كان فيه تأن وأنا والله رأبني أمرك فأشتهي أن تعرفني ما الذي أنت مستعجل من أجله ولعله خير فإني أخشى أن يكون شيئاً غير ذلك وقد بقي من الوقت ثلاث ساعات ثم غضب ورمى الموس من يده وأخذ الاصطرلاب ومضى إلى الشمس ووقف حصة مديدة وعاد وقال: قد بقي لوقت الصلاة ثلاث ساعات لا تزيد ولا تنقص فقلت له: بالله عليك، اسكت عني فقد فتت كبدي فأخذ الموس وسنه كما فعل أولاً وحلق بعض رأسي وقال: أنا مهموم من عجلتك فلو أطلعتني على سببها لكان خيراً لك لأنك تعلم أن والدك ما كان يفعل شيئاً إلا بمشورتي. فلما علمت أن مالي منه خلاص قلت في نفسي قد جاء وقت الصلاة وأريد أن أمضي قبل أن تخرج الناس من الصلاة فإن تأخرت ساعة لا أدري أين السبيل إلى الدخول إليها فقلت: أوجز ودع عنك هذا الكلام والفضول فإني أريد أن أمضي إلى دعوة عند أصحابي.

فلما سمع ذكر الدعوة قال: يومك يوم مبارك علي لقد كنت البارحة حلفت علي جماعة من أصدقائي ونسيت أن أجهز لهم شيئاً يأكلونه وفي هذه الساعة تذكرت ذلك وافضيحتاه منهم فقلت له: لا تهتم بهذا الأمر بعد تعريفك أنني اليوم في دعوة فكل ما في داري من طعام وشراب لك إن أنجزت أمري، وعجلت حلاقة رأسي فقال: جزاك الله خيراً صف لي ما عندك لأضيافي حتى أعرفه؟ فقلت: عندي خمسة أوان من الطعام وعشر دجاجات محمرات وخروف مشوي فقال: أحضرها لي حتى أنظرها فأحضرت له جميع ذلك فلما عاينه، قال: بقي لله درك ما كرم نفسك لكن بقي الشراب فقلت له: عندي قال: أحضره فأحضرته له، قال: لله درك ما أكرم نفسك لكن بقي البخور الطيب فأحضرت له درجاً فيه نداً وعوداً وعنبر ومسك يساوي خمسين ديناراً وكان الوقت قد ضاق حتى صار مثل صدري فقلت له: خذ هذا واحلق لي جميع رأسي بحياة محمد فقال المزين: والله ما آخذه حتى أرى جميع ما فيه.

فأمرت الغلام ففتح له الدرج فرمى المزين الصطرلاب من يده وجلس على الأرض يقلب الطيب والبخور والعود الذي في الدرج حتى كادت روحي أن تفارق جسمي ثم تقدم وأخذ الموسى وحلق من رأسه شيئاً يسيراً وقال: والله يا ولدي ما أدري كيف أشكرك وأشكر والدك لن دعوتي اليوم كلها من بعض فضلك وإحسانك وليس عندي من يستحق ذلك وإنما عندي زيتون الحمامي وصليع الفسخاني وعوكل الفوال وعكرشة البقال، وحميد الزبال وعكارش اللبان، ولكل هؤلاء رقصة يرقصها فضحكت عن قلب مشحون بالغيظ وقلت له: أقض شغلي وأسير أنا في أمان الله تعالى وتمضي أنت إلى أصحابك فإنهم منتظرون قدومك، فقال: ما طلبت إلا أن أعاشك بهؤلاء القوام فإنهم من أولاد الناس الذين ما فيهم فضولي ولو رأيتهم مرة واحدة لتركت جميع أصحابك فقلت نعم الله سرورك بهم ولا بد أن أحضرهم عندي يوماً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال للمزين لا بد أن أحضر أصحابك عند يوماً فقال له: إذا أردت ذلك وقدمت دعوى أصحابك في هذا اليوم فاصبر حتى أمضي بهذا الإكرام الذي أكرمتني به وأدعه عند أصحابي يأكلون ويشربون ولا ينتظرون، ثم أعود إليك وأمضي معك إلى أصدقائك فليس بيني وبين أصدقائي حشمة تمنعني عن تركهم والعود إليك عاجلاً، وأمضي معك أينما توجهت فقلت: لا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم امضي أنت إلى أصدقائي وأكون معهم في هذا اليوم فإنهم ينتظرون قدومي فقال المزين لأدعك تمضي وحدك، فقلت له: إن الموضع الذي أمضي إليه لا يقدر أحد أن يدخل فيه غيري، فقال: أظنك اليوم في ميعاد واحد وإلا كنت تأخذني معك وأنا أحق من جميع الناس وأساعدك على ما تريد فإني أخاف أن تدخل على امرأة أجنبية فتروح روحك فإن هذه مدينة بغداد لا يقدم أحد أن يعمل فيها شيئاً من هذه الأشياء لا سيما في مثل هذا اليوم وهذا ولي بغداد صار عظيم فقل: ويلك يا شيخ الشر أي شيء هذا الكلام الذي تقابلني به. فسكت سكوتا طويلاً وأدركنا وقت الصلاة وجاء وقت الخطبة وقد فرغ من حلق رأسي. فقلت له: أمضي إلى أصحابك بهذا الطعام والشراب وأنا أنتظرك حتى تمضي معي. ولم أزل أخادعه لعله يمضي، فقال لي إنك تخادعني وتمضي وحدك وترمي نفسك في مصيبة لا خلاص لك منها، فبالله لا تبرح حتى أعود إليك وأمضي معك حتى أعلم ما يتم من أمرك، فقلت له: نعم لا تبطئ علي فأخذ ما عطيته من الطعام والشراب وغيره وأخرج من عندي فسلمه إلى الحمال ليوصله إلى منزله وأخفى نفسه في بعض الأزقة ثم قمت من ساعتي وقد أعلنوا على المنارات بسلام الجمعة فلبست ثيابي وخرجت وحدي وأتيت إلى الزقاق ووقعت على البيت الذي رأيت فيه تلك الصبية وإذا بالمزين خلفي ولا أعلم به فوجدت الباب مفتوحاً فدخلت وإذا بصاحب الدار عاد إلى منزله من الصلاة ودخل القاعة وغلق الباب، فقلت من أين أعلم هذا الشيطان بي؟ فاتفق في هذه الساعة، لأمر يريده الله من هتك ستري أن صاحب الدار أذنبت جارية عنده فضربها فصاحت فدخل عنده عبد ليخلصها فضربه فصاح الآخر فاعتقد المزين أنه يضربني فصاح ومزق أثوابه وجثا التراب على رأسه وصار يصرخ ويستغيث والناس حوله وهو يقول قتل سيدي في بيت القاضي ثم مضى إلى داري وهو يصيح والناس خلفه وأعلم أهل بيتي وغلماني فما دريت إلا وهم قد أقبلوا يصيحون واسيداه كل هذا والمزين قدامهم وهو يمزق الثياب والناس معهم ولم يزالوا يصرخون وهو في أوائلهم يصرخ وهم يقولوا واقتيلاه وقد أقبلوا نحو الدار التي أنا فيها فلما سمع القاضي ذلك عظم عليه الأمر وقام وفتح الباب فرأى جمعاً عظيماً فبهت وقال: يا قوم ما القصة؟ فقال له الغلمان إنك قتلت سيدنا، فقال يا قوم وما الذي فعله سيدكم حتى أقتله، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القاضي قال للغلمان: وما الذي فعله سيدكم حتى أقتله وما لي لا أرى هذا المزين بين أيديكم، فقال له المزين: أنت ضربته في هذه الساعة بالمقارع وأنا أسمع صياحه، فقال القاضي، وما الذي فعله حتى أقتله ومن أدخله داري ومن أين جاء وإلى أين يقصد، فقال له الزين لا تكن شيخاً نحساً فأنا أعلم الحكاية وسبب دخوله دارك وحقيقة الأمر كله وبنتك تعشقه وهو يعشقها، فعلمت أنه قد دخل دارك وأمرت غلمانك فضربوه والله ما بيننا وبينك إلا الخليفة أو تخرج لنا سيدنا ليأخذه أهله ولا تحوجني إلى أن أدخل وأخرجه من عندكم وعجل أنت بإخراجه فالتجم القاضي عن الكلام وصار في غاية الخجل من الناس وقال للمزين: إن كنت صادقاً، فادخل أنت وأخرجه فنهض المزين ودخل الدار، فلما رأيت المزين أردت أن أهرب فلم أجد لي مهرباً غير أني رأيت في الطبقة التي أنا فيها صندوقاً فدخلت فيه ورددت الغطاء عليه وقطعت النفس، فدخل بسرعة ولم يلتفت إلى غير الجهة التي أنا فيها بل قصد الموضع الذي أنا فيه والتفت يميناً وشمالاً فلم يجد إلا الصندوق الذي أنا فيه فحمله على رأسه.

فلما رأيته فعل ذلك غاب رشدي ثم مر مسرعاً فلما علمت أنه ما يتركني فتحت الصندوق وخرجت منه بسرعة ورميت نفسي على الأرض فانكسرت رجلي، فلما توجعت إلى الباب وجدت خلقاً كثيراً لم أر في عمري مثل هذا الازدحام الذي حصل في ذلك اليوم فجعلت أنثر الذهب على الناس ليشتغلوا به فاشتغل الناس به وصرت أجري في أزقة بغداد وهذا المزين خلفي وأي مكان دخلت فيه يدخل خلفي وهو يقول أرادوا أن يفجعوني في سيدي الحمد لله الذي نصرني عليهم، وخلص سيدي من أيديهم فما زلت يا سيدي مولعاً بالعجلة لسوء تدبيرك حتى فعلت بنفسك هذه الأفعال فلولا من الله عليك بي ما كنت خلصت من هذه المصيبة التي وقعت فيها وربما كانوا يرمونك في مصيبة لا تخلص منها أبداً فاطلب من الله أن أعيش لك حتى أخلصك، والله لقد أهلكتني بسوء تدبيرك وكنت تريد أن تروح وحدك، ولكن لا نؤاخذك على جهلك لأنك قليل العقل عجول. فقلت له: أما كفاك ما جرى منك حتى تجري ورائي في الأسواق وصرت أتمنى الموت لأجل خلاصي منه فلا أجد موتاً ينقذني منه، فمن شدة الغيظ، فررت ودخلت دكاناً في وسط السوق واستجرت بصاحبها فمنعه عني، وجلست في مخزن وقلت في نفسي ما بقيت أقدر أن أفترق من هذا المزين، بل يقيم عندي ليلاً ونهاراً ولم يبق في قدرة على النظر إلى وجهه، فأرسلت في الوقت أحضر الشهود وكتبت وصية لأهلي وجعلت ناظراً عليهم وأمرته أن يبيع الدار والعقارات وأوصيته بالكبار والصغار، وخرجت مسافراً من ذلك الوقت حتى أتخلص من ذلك القد ثم جئت إلى بلادكم فسكنتها ولي فيها مدة فلما عزمت علي وجئت إليكم رأيت هذا القبيح القواد عندكم في صدر المكان فكيف يستريح قلبي ويطيب مقامي عندكم مع هذا وقد فعل معي هذه الفعال وانكسرت رجلي بسببه ثم أن الشاب امتنع من الجلوس.

فلما سمعنا حكايته مع المزين قلنا للمزين: أحق ما قاله هذا الشاب عنك؟ فقال والله أنا فعلت ذلك بمعرفتي ولولا أني فعلت لهلك وما سبب نجاته إلا أنا ومن فضل الله عليه بسببي أنه أصاب برجله ولم يصب بروحه ولو كنت كثير الكلام ما فعلت معه ذلك الجميل وها أنا أقول لكم حديثاً جرى لي حتى تصدقوا أني قليل الكلام وما عندي فضول من دون إخوتي وذلك أني كنت ببغداد في أيام خلافة أمير المؤمنين المنتصر بالله، وكان يحب الفقراء والمساكين ويجالس العلماء والصالحين، فاتفق له يوماً أنه غضب على عشرة أشخاص فأمر المتولي ببغداد أن يأتيه بهم في زورق فنظرتهم أنا، فقلت: ما اجتمع هؤلاء إلا لعزومة وأظنهم يقطعون يومهم في هذا الزورق في أكل وشرب ولا يكون نديمهم غيري فقمت ونزلت معهم واختلطت بهم فقعدوا في الجانب الآخر فجاء لهم أعوان الوالي بالأغلال ووضعوها في رقابهم وضعوا في رقبتي غلال من جملتهم فهذا يا جماعة ما هو من مروءتي وقلة كلامي لأني ما رضيت أن أتكلم فأخذونا جميعاً في الأغلال وقدمونا بين يدي المنتصر بالله أمير المؤمنين فأمر بضر رقاب العشرة فضرب السياف رقاب العشرة وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين قال: بلغني أيها الملك السعيد أن المزين قال: لما السياف ضرب رقاب العشرة وبقيت أنا فالتفت الخليفة فرآني فقال للسياف: ما بالك لا تضرب رقاب جميع العشرة؟ فقال: ضربت رقاب العشرة كلهم، فقال له الخليفة: ما أظنك ضربت رقاب غير تسعة وهذا الذي بين يدي هو العاشر فقال السياف: وحق نعمتك أنهم عشرة قال: عدوهم فإذا هم عشرة فنظر إلي الخليفة وقال: ما حملك على سكوتك في هذا الوقت وكيف صرت مع أصحاب الدم؟ فلما سمعت خطاب أمير المؤمنين قلت له: اعلم يا أمير المؤمنين أني أنا الشيخ الصامت وعندي من الحكمة شيء أكثر وأما رزانة عقلي وجودة فهمي وقلة كلامي فإنها لا نهاية لها وصنعتي الزيانة فلما كان أمس بكرة النهار، نظرت هؤلاء العشرة قاصدين الزورق فاختلت بهم ونزلت معهم وظننت أنهم في عزومة فما كان غير ساعة وإذا هم أصحاب جرائم فحضرت إليهم الأعوان ووضعوا في رقابهم الأغلال ووضعوا في رقبتي غلاً من جملتهم، فمن فرط مروءتي سكت ولم أتكلم بين يديك فأمرت بضرب رقاب العشرة وبقيت أنا بين يدي السياف ولم أعرفكم بنفسي، أما هذه مروءة عظيمة وقد أحوجتني إلى أن أشاركهم في القتل لكن طول دهري هكذا أفعل الجميل. فلما سمع الخليفة كلامي وعلم أني كثيرة المروءة قليل الكلام ما عندي فضول كما يزعم هذا الشاب الذي خلصته من الأهوال قال الخليفة: وأخوتك الستة مثلك فيهم الحكمة والعلم وقلة الكلام؟ قلت: لا عاشوا ولا بقوا إن كانوا مثلي ولكن ذممتني يا أمير المؤمنين ولا ينبغي لك أن تقرن أخوتي بي لأنهم من كثرة كلامهم وقلة مروءتهم كل واحد منهم بعاهة ففيهم واحد أعرج وواحد أعور واحد أفكح وواحد أعمى وواحد مقطوع الأذنين والأنف وواحد مقطوع الشفتين وواحد أحول العينين، ولا تحسب يا أمير المؤمنين أني كثير الكلام ولا بد أن أبين لك أني أعظم مروءة منهم ولكل واحد منهم حكاية اتفقت له حتى صار فيه عاهة، وإن شئت أن أحكي لك فاعلم يا أمير المؤمنين أن الأول وهو الأعرج كان صنعته الخياطة ببغداد، فكان يخيط في دكان استأجرها من رجل كثير المال وكان ذلك الرجل ساكناً في الدكان وكان في أسفل دار الرجل طاحون، فبينما أخي الأعرج جالس في الدكان ذات يوم إذ رفع رأسه فرأى امرأة كالبدر الطالع في روشن الدار وهي تنظر الناس فلما رآها أخي تعلق قلبه بحبها وصار يومه ذلك ينظر إلهيا وترك اشتغاله بالخياطة إلى وقت المساء، فلما كان وقت الصباح فتح دكانه وقعد يخيط وهو كلما غرز غرزة ينظر إلى الروشن فمكث على ذلك مدة لم يخيط شيئاً يساوي درهماً، فاتفق أن صاحب الدار جاء إلى أخي يوماً من الأيام ومعه قماش وقال له: فصل لي هذا وخيطه أقمصة فقال أخي: سمعاً وطاعة ولم يزل يفصل حتى فصل عشرين قميصاً إلى وقت العشاء وهو لم يذق طعاماً، ثم قال له: كم أجرة ذلك؟ فلم يتكلم أخي فأشارت إليه الصبية بعينها أن لا يأخذ منه شيئاً وكان محتاجاً إلى الفلس واستمر ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب إلا القليل بسبب اجتهاده في تلك الخياطة، فلما فرغ من الخياطة التي لهم أتى إليهم بالأقمصة وكانت الصبية قد عرفت زوجها بحال أخي وأخي لا يعلم ذلك واتفقت هي وزوجها على استعمال أخي في الخياطة بلا أجرة بل يضحكون عليه فلما فرغ أخي من جميع أشغالهما عملا عليه حيلة وزوجاه بجاريتهما وليلة أراد أن يدخل عليها قالا له: أبت الليلة في الطاحون وإلى الغد يكون خيراً، فاعتقد أخي أن لهما قصداً بريئاً فبات في الطاحون وحده وراح زوج الصبية يغمز الطحان عليه ليدوره في الطاحون فدخل عليه الطحان في نصف الليل وجعل يقول: أن هذا الثور بطال مع أن القمح كثير وأصحاب الطحين يطلبونه فأنا أعلقه في الطاحون حتى يخلص طحين القمح، فعلقه في الطاحون إلى قرب الصبح.

فجاء صاحب الدار، فرأى أخي معلقاً في الطاحون والطحان يضربه بالسوط فتركه ومضى وبعد ذلك جاءت الجارية التي عقد عليها وكان مجيئها في بكرة النهار فحلته من الطاحون وقال قد شق علي أو على سيدتي ما جرى لك وقد حملنا همك فلم يكن له لسان يرد جواباً من شدة الضرب، ثم أن أخي رجع إلى منزله وإذا بالشيخ الذي كتب الكتاب قد جاء وسلم عليه وقال له: حياك الله زواجك مبارك أنت بت الليلة في النعيم والدلال والعناق من العشاء إلى الصباح فقال له أخي لا سلم الله الكاذب يا ألف قواد،والله ما جئت إلا لأطحن في موضع الثور إلى الصباح فقال له: حدثني بحديثك فحدثه أخي بما وقع له فقال له: ما وافق نجمك نجمها ولكن إذا شئت أن أغير لك عقد العقد أغيره لك بأحسن منه لأجل أن يوافق نجمك نجمها فقال له: انظر إن بقي لك حيلة أخرى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأعرج لما قال للشيخ انظر إن بقي لك حيلة أخرى فتركه وأتى إلى دكانه ينتظر أحداً يأتي إليه بشغل يتقوت من أجرته وإذا هو بالجارية قد أتت إليه وكانت اتفقت مع سيدتها على تلك الحيلة فقال له: إن سيدتي مشتاقة إليك وقد طلعت السطح لترى وجهك من الروشن فلم يشعر أخي إلا وهي قد طلعت له من الروشن وصارت تبكي وتقول: لأي شيء قطعت المعاملة بيننا وبينك فلم يرد عليها جواباً فحلفت له أن جميع ما وقع له في الطاحون لم يكن باختيارها فلما نظر أخي إلى حسنها وجمالها ذهب عنه ما حصل له وقبل عذرها وفرح برؤيتها، ثم سلم عليها وتحدث معها وجلس في خياطتها مدة وبعد ذلك ذهبت إليه الجارية وقالت له: تسلم عليك سيدتي وتقول لك: إن زوجها قد عزم على أن يبيت عند بعض أصدقائه في هذه الليلة، فإذا مضى عندهم تكون أنت عندنا وتبيت مع سيدتي في ألذ عيش إلى الصباح وكان زوجها قد قال لها ما يكون العمل في مجيئه عندك حتى آخذه وأجره إلى الوالي فقالت: دعني أحتال عليه بحيلة وأفضحه فضيحة يشتهر بها في هذه المدينة وأخي لا يعلم شيئاً من كيد النساء.

فلما اقبل المساء جاءت الجارية إلى أخي وأخذته ورجعت به إلى سيدتها فقالت له: والله يا سيدي إني مشتاقة إليك كثيراً فقال: بالله عليك عجل بقبلة قبل كل شيء فلم يتم كلامه إلا وقد حضر زوج الصبية من بيت جاره فقبض على أخي وقال له: لا أفارقك إلا عند صاحب الشرطة فتضرع إليه أخي فلم يسمعه بل حمله إلى دار الوالي فضربه بالسياط وأركبه جملاً ودوره في شوارع المدينة والناس ينادون عليه هذا جزاء من يهيم على حرائم الناس ووقع من فوق الجمل فانكسرت رجله فصار أعرج ثم نفاه الوالي من المدينة فخرج لا يدري أين يقصد فاغتظت أنا فلحقته وأتيت به والتزمت بأكله وشربه إلى الآن فضحك الخليفة من كلامي وقال: أحسنت فقلت: لا أقبل هذا التعظيم منك دون أن تصغي غلي حتى أحكي لك ما وقع لبقية أخوتي ولا تحسب أني كثير الكلام فقال الخليفة: حدثني بما وقع لجميع أخوتك وشنف مسامعي بهذه الرقائق واسلك سبيل الأطناب في ذكر هذه اللطائف.

فقلت: اعلم يا أمير المؤمنين أن أخي الثاني كان اسمه بقبق وقد وقع له أنه كان ماشياً يوماً من الأيام متوجهاً إلى حاجة له وإذا بعجوز قد استقبلته وقال له: أيها الرجل قف قليلاً حتى أعرض عليك أمراً فإن أعجبك فاقضه لي فوقف أخي فقال له: أدلك على شيء وأرشدك إليه بشرط أن لا يكون كلامك كثيراً فقال لها أخي: هات كلامك قالت: ما قولك في دار حسنة وماؤها يجري وفاكهة مدام ووجه مليح تشاهده وخد أسيل تقبله وقد رشيق تعانقه ولم تزل كذلك من العشاء إلى الصباح، فإن فعلت ما أشترط عليك رأيت الخير فلما سمع أخي كلامها قال لها: يا سيدتي وكيف قصدتيني بهذا الأمر من دون الخلق أجمعين فأي شيء أعجبك مني؟ فقال لأخي: أما قلت لك لا تكن كثير الكلام واسكت وامض معي ثم ولت العجوز وسار أخي تابعاً لها طمعاً فيما وصفته له حتى دخلا داراً فسيحة وصعدت به من أدنى إلى أعلى فرأى قصراً ظريفاً فنظر أخي فرأى فيه أربع بنات ما رأى الراؤون أحسن منهن وهن يغنين بأصوات تطرب الحجر الأصم، ثم إن بنتاً منهن شربت قدحاً فقال لها أخي: بالصحة والعافية وقام ليخدمها فمنعته من الخدمة ثم سقته قدحاً وصفعته على رقبته. فلما رأى أخي ذلك خرج مغضباً ومكثراً الكلام فتبعته العجوز وجعلت تغمزه بعينها ارجع فرجع وجلس ولم ينطق فأعادت الصفعة على قفاه إلى أن أغمي عليه ثم قام أخي لقضاء حاجته فلحقته العجوز وقال له: اصبر عليلاً حتى تبلغ ما تريد فقال لها أخي: إلى كم أصبر قليلاً؟ فقالت العجوز إذا سكرت بلغت مرادك فرجع أخي إلى مكانه فقامت البنات كلهن وأمرتهن العجوز أن يجردنه من ثيابه وأن يرششن على وجهه ماء ورد، ففعلن ذلك فقالت الصبية البارعة الجمال منهن: أعزك الله قد دخلت منزلي فإن صبرت على شرطي بلغت مرادك فقال لها أخي: يا سيدتي أنا عبدك وفي قبضة يدك، فقالت له: اعلم أن الله قد شغفني بحب المطرب فمن أطاعني نال ما يريد، ثم أمرت الجواري أن يغنين فغنين حتى طرب المجلس، ثم قالت الجارية: خذي سيدك واقض حاجته وائتيني به في الحال، فأخذت الجارية أخي ولا يدري ما تصنع به فلحقته العجوز وقالت له: اصبر ما بقي إلا القليل، فأقبل أخي على الصبية والعجوز تقول: اصبر فقد بلغت ما تريد وإنما بقي شيء واحد وهو أن تحلق ذقنك. فقال لها أخي: وكيف أعمل في فضيحتي بين الناس؟ فقالت له العجوز إنها ما أرادت أن تفعل بك ذلك إلا لأجل أن تصير أمرد بلا ذقن ولا يبقى في وجهك شيء يشكها فإنها صار في قلبها لك محبة عظيمة فاصبر فقد بلغت المنى فصبر أخي وطاوع الجارية وحلق ذقنه وجاءت به إلى الصبية وإذا هو محلوق الحاجبين والشاربين والذقن فقام ورقص فلم تدع في البيت مخدة حتى ضربته بها وكذلك جميع الجواري صرن يضربنه بمثل نارنجة وليمونة وأترجة إلى أن سقط مغشياً عليه من الضرب ولم يزل الصفع على قفاه والرجم في وجهه إلى أن قالت له العجوز: الآن بلغت مرادك واعلم أنه ما بقي عليك من الضرب شيء وما بقي إلا شيء واحد وذلك أن من عادتها أنها إذا سكرت لا تمكن أحداً من نفسها حتى تقلع ثيابها وسراويلها وتبقى عريانة من جميع ما عليها من ثيابها وأنت الآخر تقلع ثيابك وتجري ورائها وهي تجري قدامك كأنها هاربة منك، ولم تزل تابعها من مكان إلى مكان حتى يقوم عضوك فتمكنك من نفسها، ثم قالت له: قم اقلع ثيابك فقال وهو غائب عن الوجود وقلع ثيابه جميعاً، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخا المزين قلع ثيابه وصار عرياناً، فقالت الجارية لأخي: قم الآن واجر ورائي وأجري أنا قدامك وإذا أردت شيئاً فاتبعني فجرت قدامه وتبعها ثم جعلت تدخل من محل إلى محل وتخرج من محل إلى محل آخر وأخي وراءها وقد غلب الشنق وعضوه قائم كأنه مجنون ولم تزل تجري قدامه وهو يجري وراءها، حتى سمع منها صوتاً رقيقاً وهي تجري قدامه وهو يجري وراءها، فبينما هو كذلك إذ رأى نفسه في وسط زقاق وذلك الزقاق في وسط الجلادين وهم ينادون على الجلود فرآه الناس على تلك الحالة وهو عريان قائم العضو محلوق الذقن والحواجب والشوارب، محمر الوجه فصاحوا عليه وصاروا يضحكون ويقهقهون، وصار بعضهم يصفعه بالجلود وهو عريان حتى غشي عليه وحملوه على حمار حتى أوصلوه إلى الوالي فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا وقع لنا من بيت الوزير وهو على هذه الحالة، فضربه الوالي مائة سوط وخرجت أنا خلفه وجئت به وأدخلته المدينة سراً ثم رتبت له ما يقتات به فلولا مروءتي ما كنت أحتمل مثله. وأما أخي الثالث فاسمه فقة ساقه القضاء والقدر إلى دار كبيرة، فدق الباب طمعاً أن يكلمه صاحبها فيسأله شيئاً، فقال صاحب الدار: من بالباب؟ فلم يكلمه أحد فسمعه أخي يقول بصوت عال: من هذا؟ فلم يكلمه أخي وسمع مشيه حتى وصل إلى الباب وفتحه فقال: ماتريد؟ قال له أخي: شيئاً لله تعالى فقال له: هل أنت ضرير؟ قال له أخي: نعم فقال له: ناولني يدك فناوله يده فأدخله الدار ولم يزل يصعد به من سلم إلى سلم حتى وصل إلى أعلى السطوح، وأخي يظن أنه يطعمه شيئاً فلما انتهى إلى أعلى مكان، قال لأخي: ما تريد يا ضرير قال: أريد شيئاً لله تعالى فقال له: يفتح الله عليك فقال له أخي: يا هذا أما كنت تقول لي ذلك وأنا في الأسفل فقال له: يا أسفل السفلة لم تسألني شيئاً لله حين سمعت كلامي أول مرة وأنت تدق الباب فقال أخي: هذه الساعة ما تريد أن تصنع بي؟ فقال له: ما عندي شيء حتى أعطيك إياه قال: انزل بي إلى السلالم، فقال لي: الطريق بين يديك فقام أخي واستقبل السلالم وما زال نازلاً حتى بقي بينه وبين الباب عشرون درجة فزلقت رجله فوقع ولم يزل واقعاً منحدراً من السلالم حتى انشج رأسه فخرج وهو لا يدري أين يذهب فلحقه بعض رفقائه العميان فقال له: أي شيء حصل لك في هذا اليوم؟ فحدثهم بما وقع له قال لهم: يا أخوتي أريد أن آخذ شيئاً من الدراهم التي بقيت معنا وأنفق منه على نفسي وكان صاحب الدار مشى خلفه ليعرف حاله فسمع كلامه وأخي لا يدري بأن الرجل يسعى خلفه إلى أن دخل مكانه، ودخل الرجل خلفه وهو لا يشعر به، وقعد أخي ينتظر رفقاءه فلما دخلوا عليه قال لهم: أغلقوا الباب وفتشوا البيت كيلا يكون أحد غريب تبعنا، فلما سمع الرجل كلام أخي قام وتعلق بحبل كان في السقف، فطافوا البيت جميعه فلم يجدوا أحداً، ثم رجعوا وجلسوا إلى جانب أخي أخرجوا الدراهم التي معهم وعدوها فإذا هي عشرة آلاف درهم فتركوها في زاوية البيت وأخذ كل واحد مما زاد عنها ما يحتاج إليه ودفنوا العشرة آلاف درهم في التراب، ثم قدموا بين أيديهم شيئاً من الأكل وقعدوا يأكلون فأحس أخي بصوت غريب في جهته فقال للأصحاب: هل معنا غريب ثم مد يده فتعلقت بيد الرجل صاحب الدار فصاح على رفقائه وقال: هذا غريب فوقعوا فيه ضرباً، وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخي لما صاح على رفقائه وقال: هذا غريب وقعوا فيه ضرباً فلما طال عليهم ذلك صاحوا: يا مسلمين دخل علينا من يريد أن يأخذ مالنا فاجتمع عليهم خلق فتعامى الرجل الغريب صاحب الدار الذي ادعوا عليه أنه لص وأغمض عينيه وأظهر أنه أعمى مثلهم بحيث لا يشك فيه أحد وصاح: يا مسلمين أنا بالله والسلطان أنا بالله والوالي أنا بالله والأمير فإن عندي نصيحة للأمير فلم يشعروا إلا وقد احتاطهم جماعة الوالي فأخذوهم وأخي معهم وأحضروهم بين يديه فقال الوالي: ما خبركم؟ فقال ذلك الرجل: اسمع كلامي أيها الوالي لا يظهر لك حقيقة حالنا إلا بالعقوبة، وإن شئت فابدأ بعقوبتي قبل رفقائي فقال الوالي: اطرحوا هذا الرجل واضربوه بالسياط فطرحوه وضربوه فلما أوجعه الضرب فتح إحدى عينيه فلما ازداد عليه الضرب فتح عينه الأخرى فقال له الوالي: ما هذه الفعال يا فاجر؟ فقال: أعطني الأمان وأنا أخبرك فأعطاه الأمان، فقال: نحن أربعة نعمل حالنا عمياناً ونمر على الناس وندخل البيوت وننظر النساء ونحتال في فسادهن، واكتساب الأموال من طرقهن وقد حصلنا من ذلك مكسباً عظيماً وهو عشرة آلاف درهم فقلت لرفقائي: أعطوني حقي ألفين وخمسمائة فقاموا وضربوني وأخذوا مالي وأنا مستجير بالله وبك وأنت أحق بحصتي من رفقائي، وإن شئت أن تعرف صدق قولي فاضرب كل واحد أكثر مما ضربتني فإنه يفتح عينيه فعند ذلك أمر الوالي بعقوبتهم وأول ما بدأ بأخي وما زالوا يضربونه حتى كاد أن يموت ثم قال لهم الوالي: يا فسقة تجحدون نعمة الله وتدعون أنكم عميان فقال أخي: الله الله الله ما فينا بصير فطرحوه إلى الضرب ثانياً ولم يزالوا يضربونه حتى غشي عليه فقال الوالي: دعوه حتى يفيق وأعيدوا عليه الضرب ثالث مرة، ثم أمر بضرب أصحابه كل واحد أكثر من ثلاثمائة عصا والنصير يقول لهم: افتحوا عيونكم وإلا جددوا عليكم الضرب ثم قال للوالي: ابعث معي من يأتيك بالمال، فإن هؤلاء ما يفتحون أعينهم ويخافون من فضيحتهم بين الناس فبعث الوالي معه من أتاه بالمال، فأخذه وأعطى الرجل منه ألفين وخمسمائة درهم على قدر حصته رغماً عنهم، وبقي أخي وباقي الثلاثة خارج المدينة فخرجت أنا يا أمير المؤمنين ولحقت أخي وسألته عن حاله فأخبرني بما ذكرته لك فأدخلته المدينة سراً ورتبت له ما يأكل وما يشرب طول عمره.

فضحك الخليفة من حكايتي وقال: صلوه بجائزة ودعوه ينصرف فقلت له: والله ما آخذ شيئاً حتى أبين لأمير المؤمنين ما جرى لبقية أخوتي وأوضح له أني قليل الكلام فقال الخليفة: أصدع آذاننا بخرافة خبرك وزدنا من عجرك وبجرك فقلت: وأما أخي الرابع يا أمير المؤمنين وهو الأعور فإنه كان جزاراً ببغداد يبيع اللحم ويربي الخرفان وكانت الكبار وأصحاب الأموال يقصدونه ويشترون منه اللحم فاكتسب من ذلك مالاً عظيماً واقتنى الدواب والدور، ثم أقام على ذلك زمناً طويلاً فبينما هو في دكانه يوماً من الأيام إذ وقف عليه شيخ كبير اللحية فدفع له دراهم، وقال: أعطني بها لحماً فأخذ الدراهم منه وأعطاه اللحم وانصرف، فتأمل أخي في فضة الشيخ فرأى دراهمه بيضاً بياضها ساطع فعزلها وحدها في ناحية وأقام الشيخ يتردد عليه خمسة أشهر وأخي يطرح دراهمه في صندوق وحدها ثم أراد أن يخرجها ويشتري غنماً فلما فتح الصندوق رأى ما فيه ورقاً أبيض مقصوصاً فلطم وجهه وصاح، فاجتمع الناس عليه فحدثه بحديثه فتعجبوا منه ثم رجع أخي إلى الدكان على عادته فذبح كبشاً وعلقه خارج الدكان وصار يقول في نفسه: لعل ذلك الشيخ يجيء فأقبض عليه فما كان إلا ساعة وقد أقبل الشيخ ومعه الفضة فقام أخي وتعلق به وصار يصيح: يا مسلمين ألحقوني واسمعوا قصتي مع هذا الفاجر. فلما سمع الشيخ كلامه قال له: أي شيء أحب إليك أن تعرض عن فضيحتي أو أفضحك بين الناس؟ فقال له: يا أخي بأي شيء تفضحني؟ قال: بأنك تبيع لحم الناس في صورة لحم الغنم فقال له: يا أخي كذبت يا ملعون فقال الشيخ: ما ملعون إلا الذي عنده رجل معلق في الدكان فقال له أخي: إن كان الأمر كما ذكرت مالي ودمي حلال لك فقال الشيخ: يا معاشر الناس، إن هذا الجزار يذبح الآدميين ويبيع لحمهم في صورة لحم الغنم وإن أردتم أن تعلموا صدق قولي فادخلوا دكانه فهجم الناس على دكان أخي فرؤوا ذلك الكبش صار إنساناً معلقاً فلما رأوا ذلك تعلقوا بأخي وصاحوا عليه: يا كافر يا فاجر وصار أعز الناس إليه يضربه ويلطمه الشيخ على عينه، فقلعها وحمل الناس ذلك المذبوح إلى صاحب الشرطة فقال له الشيخ: أيها الأمير إن هذا الرجل يذبح الناس ويبيع لحمهم على أنه لحم غنم وقد أتيناك به فقم واقض حق الله عز وجل فدافع أخي عن نفسه فلم يسمع منه صاحب الشرطة بل أمر بضربه خمسمائة عصا وأخذوا جميع ماله ولولا كثرة ماله لقتلوه ثم نفوا أخي من المدينة فخرج هائماً لا يدري أين يتوجه فدخل مدينة كبيرة واستحسن أن يعمل إسكافياً ففتح دكاناً وقعد يعمل شيئاً يتقوت منه فخرج ذات يوم في حاجة فسمع صهيل خيل فبحث على سبب ذلك فقيل له أن الملك خارج إلى الصيد والقنص فخرج أخي ليتفرج على الموكب وهو يتعجب من خسة رأيه حيث انتقل من صنعة الأساكفة فالتفت الملك وفقعت عينه على عين أخي فأطرق الملك رأسه، وقال: أعوذ بالله من شر هذا اليوم وثنى عنان فرسه، وانصرف راجعاً فرجع جميع العسكر وأمر الملك غلمانه أن يلحقوا أخي ويضربونه فلحقوه وضربوه ضرباً وجيعاً حتى كاد أن يموت ولم يدر أخي السبب فرجع إلى موضعه وهو في حالة العدم ثم مضى إلى إنسان من حاشية الملك وقص عليه ما وقع له فضحك حتى استلقى على قفاه وقال له: يا أخي اعلم أن الملك لا يطيق أن ينظر إلى أعور لا سيما إن كان الأعور شمالاً فإنه لا يرجع عن قتله فلما سمع أخي ذلك الكلام عزم على الهروب من تلك المدينة وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والأربعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأعور لما سمع ذلك الكلام عزم على الهروب من تلك المدينة وارتحل منها وتحول إلى مدينة أخرى لم يكن فيها ملك وأقام بها زمناً طويلاً، ثم بعد ذلك تفكر في أمره وخرج يوماً ليتفرج فسمع صهيل خيل خلفه، فقال: جاء أمر الله وفر يطلب موضعاً ليستتر فيه فلم يجد، ثم نظر فرأى باباً منصوباً فدفع ذلك الباب فدخل فرأى دهليزاً طويلاً فاستمر داخلاً فيه فلم يشعر إلا ورجلان قد تعلقا به وقالا: الحمد لله الذي مكننا منك يا عدو الهل هذه ثلاث ليال ما أرحتنا ولا تركتنا ننام ولا يستقر لنا مضجع بل أذقتنا طعم الموت فقال أخي: يا قوم ما أمركم بالله؟ فقالوا: أنت تراقبنا وتريد أن تفضحنا وتفضح صاحب البيت، أما يكفيك أنك أفقرته وأفقرت أصحابك ولكن أخرج لنا السكين التي تهددنا بها كل ليلة وفتشوه فوجدوا في وسطه السكين التي يقطع بها النعال، فقال: يا قوم اتقوا الله في أمري واعلموا أن حديثي عجيب فقالوا: وما حديثك فحدثهم بحديثه طمعاً أن يطلقوه. فلم يسمعوا منه مقاله ولم يلتفوا إليه بل ضربوه ومزقوا أثوابه، فلما تمزقت أثوابه وانكشف بدنه وجدوا أثر الضرب بالمقارع على جنبيه فقالوا له: يا ملعون هذا أثر الضرب يشهد على جرمك ثم أحضروا أخي بين يدي الوالي فقال في نفسه قد وقعت فأتيت إليه وأخذته وأدخلته المدينة سراً ورتبت له ما يأكل وما يشرب. وأما أخي الخامس فإنه كان مقطوع الأذنين، يا أمير المؤمنين وكان رجلاً فقيراً يسأل الناس ليلاً وينفق ما يحصله بالسؤال نهاراً، وكان والدنا شيخاً كبيراً طاعناً بالسن فخلف لنا سبعمائة درهم وأما أخي الخامس هذا فإنه لما أخذ حصته تحير ولم يدر ما يصنع بها فبينما هو كذلك إذ وقع في خاطره أنه يأخذ بها زجاجاً من كل نوع ليتجر فيه ويربح فاشترى بالمائة درهم زجاجاً وجعله في قفص كبير وقعد في موضع ليبيع ذلك الزجاج وبجانبه حائط فأسند ظهره إليها وقعد متفكراً في نفسه وقال: إن رأس مالي في هذا الزجاج مائة درهم أنا أبيعه بمائتي درهم ثم أشتري بالمائتي درهم زجاجاً أبيعه بأربعمائة درهم ولا أزال أبيع وأشتري إلى أن يبقى معي مال كثير فأشتري داراً حسنة وأشتري المماليك والخيل والسروج المذهبة وآكل وأشرب ولا أخلي مغنية في المدينة حتى أجيء بها إلى بيتي وأسمع مغانيها هذا كله، وهو يحسب في نفسه وقفص الزجاج قدامه. ثم قالت وابعث جميع الخاطبات في خطبة بنات الملوك والوزراء واخطب بنت الوزير فقد بلغني أنها كاملة الحسن بديعة الجمال وأمهرها بألف دينار، فإن رضي أبوها حصل المراد وإن لم يرض أخذتها قهراً على رغم أنفه، فإن حصلت في داري اشتري عشرة خدام صغار، ثم اشتري لي كسوة الملوك والسلاطين وأصوغ لي سرجاً من الذهب مرصعاً بالجوهر، ثم اركب ومعي المماليك يمشون حولي وقدامي وخلفي حتى إذا رآني الوزير قام إجلالاً لي وأقعدني مكانه ويقعد هو دوني لأنه صهري ويكون معي خادمان بكيسين في كل كيس ألف دينار فأعطيه ألف دينار مهر بنته وأهدي إليه الألف الثاني إنعاماً حتى أظهر له مروءتي وكرمي وصغر الدنيا في عيني، ثم أنصرف إلى داري فإذا جاء أحد من جهة امرأتي وهبت له دراهم وخلعت عليه خلعة وإن أرسل إلي الوزير هدية رددتها عليه ولو كانت نقيصة ولم أقبل منه حتى يعلموا أني عزيز النفس ولا أخلي نفسي إلا في أعلى مكانة، ثم أقدم إليهم في إصلاح شأني وتعظيمي فإذا فعلوا ذلك أمرتهم بزفافها ثم أصلح داري إصلاحاً بيناً فإذا جاء وقت الجلاء لبست أفخر ثيابي وقعدت على مرتبة من الديباج لا ألتفت بميناً ولا شمالاً لكبر عقلي ورزانة فهمي وتجيء امرأتي وهي كالبدر في حليها وحللها وأنا أنظر إليها عجباً وتيهاً حتى يقول جميع من حضر: يا سيدي امرأتك وجاريتك قائمة بين يديك فأنعم عليها بالنظر فقد أضر بها القيام ثم يقبلون الأرض قدامي مراراً فعند ذلك أرفع رأسي وأنظر إليها نظرة واحدة، ثم أطرق برأسي إلى الأرض فيمضون بها وأقوم أنا وأغير ثيابي وألبس أحسن مما كان علي فإذا جاؤوا بالعروسة المرة الثانية، لا أنظر إليها حتى يسألوني مراراً فأنظر إليها ثم أطرق إلى الأرض ولم أزل كذلك حتى يتم جلاؤها، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخا المزين الخامس قال:إني آمر بعض الخدامين أن يرمي كيساً فيه خمسمائة دينار للمواشط فإذا أخذته آمرهن أن يدخلنني عليها لا أنظر إليها ولا أكلمها احتقاراً لها لأجل أن يقال أني عزيز النفس حتى تجيء أمها وتقبل رأسي ويدي وتقول لي يا سيدي انظر جاريتك فإنها تشتهي قربك فأجبر خاطرها بكلمة فلم أرد عليها جواباً ولم تزل كذلك تستعطفني حتى تقوم وتقبل يدي ورجلي مراراً، ثم تقول: يا سيدي إن بنتي صبية مليحة ما رأت رجلاً فإذا رأت منك الانقباض انكسر خاطرها فمل إليها وكلمها ثم غنها تقوم وتحضر لي قدحاً وفيه شراباً ثم إن ابنتها تأخذ القدح لتعطيني فإذا جاءتني تركتها قائمة، بين يدي وأنا متكئ على مخدة مزركشة بالذهب لأنظر إليها من كبر نفسي وجلالة قدري حتى تظن في نفسها أني سلطان عظيم الشأن فتقول يا سيدي بحق الله عليك، لا ترد القدح من يد جاريتك فلا أكلمها فتلح علي وتقول: لا بد من شربه وتقدمه إلى فمي فأنفض يدي في وجهها وأرفسها وأعمل هكذا ثم أرفس أخي برجله فجاءت في قفص الزجاج وكان في مكان مرتفع فنزل على الأرض فتكسر كل ما فيه. ثم قال أخي هذا كله من كبر نفسي ولو كان أمره إلى أمير المؤمنين لضربته ألف سوط وشهرته في البلد ثم بعد ذلك صار أخي يلطم على وجهه ومزق ثيابه وجعل يبكي ويلطم على وجهه والناس ينظرون إليه وهم رائحون إلى صلاة الجمعة فمنهم من يرمقه ومنهم من لم يفكر فيه، وهو على تلك الحالة وراح منه رأس المال والربح ولم يزل جالساً يبكي وإذا بامرأة مقبلة إلى صلاة الجمعة وهي بديعة الجمال تفوح منها رائحة المسك، وتحتها بغلة بردعتها من الديباج مزركشة بالذهب ومعها عدد من الخدم فلما نظرت إلى الزجاج وحال أخي وبكائه أخذتها الشفقة عليه ورق قلبها له وسألت عن حاله فقيل لها: إنه كان معه طبق زجاج يتعيش منه فانكسر منه فأصابه ما تنظريه فنادت بعض الخدام وقالت له: ادفع الذي معك إلى هذا المسكين فدفع له صرة، فأخذها فلما فتحها وجد فيها خمسمائة دينار فكاد أن يموت من شدة الفرح، واقبل أخي بالدعاء لها ثم عاد إلى منزله غنياً وقعد متفكراً وإذا بدق يدق الباب فقام وفتح وإذا بعجوز لا يعرفها، فقالت له: يا ولدي اعلم أن الصلاة قد قرب زوال وقتها وأنا بغير وضوء وأطلب منك أن تدخلني منزلك حتى أتوضأ فقال لها: سمعاً وطاعة. ثم دخل أخي وأذن لها بالدخول وهو طائر من الفرح بالدنانير فلما فرغت أقبلت إلى الموضع الذي هو جالس فيه وصلت هناك ركعتين ثم دعت لأخي دعاء حسناً نشرها على ذلك وأعطاها دينارين فلما رأت ذلك قالت: سبحان الله أني أعجب ما أحبك وأنت بسمة الصعاليك فخذ مالك عني وإن كنت غير محتاج إليه فأردده إلى التي أعطتك إياه لما انكسر الزجاج منك فقال لها أخي: يا أمي كيف الحيلة في الوصول إليها؟ قالت: يا ولدي إنها تميل إليك لكنها زوجة رجل موسر فخذ جميع مالك معك فإذا اجتمعت بها فلا تترك شيئاً من الملاطفة والكلام الحسن إلا وتفعله معها فإنك تنال من جمالها ومن مالها، جميع ما تريد فأخذ أخي جميع الذهب وقام ومشى مع العجوز، وهو لا يصدق بذلك فلم تزل تمشي وراءها حتى وصلا إلى باب كبير فدقته فخرجت جارية رومية فتحت الباب، فدخلت العجوز وأمرت أخي بالدخول فدخل دار كبيرة فلما دخلها رأى فيها مجلساً كبيراً مفروشاً وسائد مسبلة. فجلس أخي ووضع الذهب بين يديه ووضع عمامته على ركبته فلم يشعر إلا وجارية أقبلت ما رأى مثلها الراؤون وهي لابسة أفخر القماش فقام أخي على قدميه فلما رأته ضحكت في وجهه وفرحت به، ثم ذهبت إلى الباب وأغلقته ثم أقبلت على أخي وأخذت يده ومضيا جميعاً إلى أن أتيا إلى حجرة منفردة فدخلاها وإذا هي مفروشة بأنواع الديباج فجلس أخي وجلست بجانبه ولاعبته ساعة زمانية ثم قامت وقالت له: لا تبرح حتى أجيء إليك، وغابت عنه ساعة فبينما هو كذلك إذ دخل عليه عبد أسود عظيم الخلقة ومعه سيف مجرد يأخذ لمعانه بالبصر وقال لأخي: يا ويلك من جاء بك إلى هذا المكان يا أخس الإنس يا ابن الزنا وتربية الخنا فلم يقدر أخي أن يرد عليه جواباً بل انعقد لسانه في تلك الساعة، فأخذه العبد وأعراه ولم يزل يضربه بالسيف صحفاً ضربات متعددة أكثر من ثمانين ضربة إلى أن سقط من طوله على الأرض فرجع العبد عنه واعتقد أنه مات وصاح صيحة عظيمة بحيث ارتجت الأرض من صوته ودوى له المكان وقال: أين الميلحة؟ فأقبلت إليه جارية في يدها طبق مليح فيه ملح أبيض فصارت الجارية تأخذ من ذلك الملح وتحشر الجراحات التي في جلد أخي حتى تهورت وأخي لا يتحرك خيفة أن يعلموا أنه حي فيقتلوه ثم مضت الجارية وصاح العبد صيحة مثل الأولى فجاءت العجوز إلى أخي وجرته من رجليه إلى سرداب طويل مظلم ورمته فيه على جماعة مقتولين فاستقر في مكانه يومين كاملين، وكان الله سبحانه وتعالى جعل الملح سبباً لحياته لأنه قطع سيلان عروق الدم. فلما رأى أخي في نفسه القوة على الحركة قام من السرداب وفتح طاقة في الحائط وخرج من مكان القتلى وأعطاه الله عز وجل الستر فمشى في الظلام واختفى في هذا الدهليز إلى الصبح فلما كان وقت الصبح خرجت العجوز في طلب سيد آخر فخرج أخي في أثرها وهي لا تعلم به حتى أتى منزله ولم يزل يعالج نفسه حتى بريء ولم يزل يتعهد العجوز وينظر إليها كل وقت وهي تأخذ الناس واحد بعد واحد وتوصلهم إلى تلك الدار وأخي لا ينطق بشيء ثم لما رجعت إليه صحته وكملت قوته عمد إلى خرقة وعمل منها كيساً وملأه زجاجاً وشد في وسطه وتنكر حتى لا يعرفه أحد ولبس ثياب العجم وأخذ سيفاً وجله تحت ثيابه فلما رأى العجوز قال لها بكلام العجم: يا عجوز هل عندك ميزان يسع تسعمائة دينار؟ فقالت العجوز: لي ولد صغير صيرفي عنده سائر الموازين فامض معي إليه قبل أن يخرج من مكانه حتى يزن لك ذهبك فقال أخي: امشي قدامي فسارت وسار أخي خلفها حتى أتت الباب فدقته فخرجت الجارية وضحكت في وجهه. وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المزين قال فخرجت الجارية وضحكت في وجه أخي فقالت العجوز: أتيتكم بلحمة سمينة فأخذت الجارية بيد أخي وأدخلته الدار التي دخلها سابقاً وقعدت عنده ساعة وقامت وقالت لأخي: لا تبرح حتى أرجع إليك وراحت فلم يستقر أخي إلا والعبد قد أقبل ومعه السيف المجرد فقال لأخي: قم يا مشؤوم فقام أخي وتقدم العبد فرمى راسه وسحبه من رجله إلى السرداب ونادى: أين المليحة؟ فجاءت الجارية وبيدها الطبق الذي فيه الملح فلما رأت أخي والسيف بيده ولت هاربة فتبعها أخي وضربها فرمى رأسها ثم نادى: أين العجوز؟ فجاءت فقال لها: أتعرفيني يا عجوز النحس؟ فقالت: لا يا مولاي فقال لها: أنا صاحب الدنانير الذي جئت وتوضأت عندي وصليت ثم تحيلت علي حتى أوقعتني هنا فقالت: اتق الله في أمري فالتفت إليها وضربها بالسيف فصيرها قطعتين ثم خرج في طلب الجارية فلما رأته طار عقلها وطلبت منه الأمان فأمنها ثم قال لها: ما الذي أوقعك عند هذا العبد الأسود؟ فقالت: إني كنت جارية لبعض التجار وكانت هذه العجوز تتردد علي فقالت لي يوماً من الأيام إن عندنا فرحاً ما رأى أحد مثله فأحب أن تنظري إليه، فقلت لها: سمعاً وطاعة ثم قمت ولبست أحسن ثيابي وأخذت معي صرة فيها مائة دينار ومضيت معها حتى أدخلتني هذه الدار. فلما دخلت ما شعرت إلا وهذا الأسود أخذني ولم أزل عنده على هذا الحال ثلاث سنين بحيلة العجوز الكاهنة فقال لها أخي: هل له في الدار شيء؟ فقالت: عنده شيء كثير فإن كنت تقدر على نقله فانقله فقام أخي ومشى معها ففتحت له الصناديق فيها أكياس فبقي أخي متحيراً، فقالت له الجارية: امض الآن ودعني هنا وهات من ينقل المال فخرج واكترى عشرة رجال، وجاء فلما وصل إلى الباب وجده مفتوحاً ولم ير الجارية ولا الأكياس، وإنما رأى شيئاً يسيراً من المال والقماش فعلم أنها خدعته فعند ذلك أخذ المال الذي بقي وفتح الخزائن وأخذ جميع ما فيها من القماش ولم يترك في الجار شيئاً وبات تلك الليلة مسروراً، فلما أصبح الصباح وجد بالباب عشرين جندياً فلما خرج عليهم تعلقوا به وقالوا له: إن الوالي يطلبك فأخذوه وراحوا إلى الوالي، فلما رأى أخي قال له: من أين لك هذا القماش؟ فقال أخي: أعطني الأمان فأعطاه منديل الأمان فحدثه بجميع ما وقع له مع العجوز من الأول إلى الآخر ومن هروب الجارية ثم قال للوالي: والذي أخذته خذ منه ما شئت ودع مااتقوت به فطلب الوالي جميع المال والقماش وخاف أخي أن يعلم به السلطان فأخذ البعض وأعطى أخي البعض وقال له: اخرج من هذه المدينة وإلا أشنقك فقال: السمع والطاعة فخرج إلى بعض البلدان فخرجت عليه اللصوص فعروه وضربوه وقطعوا أذنيه فسمعت بخبره فخرجت إليه وأخذت إليه ثياباً وجئت به إلى المدينة مسروراً ورتبت له ما يأكله وما يشربه. وأما أخي السادس يا أمير المؤمنين وهو مقطوع الشفتين فإنه كان فقيراً جداً لا يملك شيئاً من حطام الدنيا الفانية فخرج يوماً من الأيام يطلب شيئاً يسد به رمقه فبينما هو في بعض الطرق إذ رأى حسنه ولها دهليز واسع مرتفع وعلى الباب خدم وأمر ونهي فسأل بعض الواقفين هناك فقال: هي لإنسان من اولاد الملوك فتقدم أخي إلى البوابين وسألهم شيئاً فقالوا: ادخل باب الدار تجد ما تحب من صاحبها فدخل الدهليز ومشى فيه ساعة حتى وصل إلى دار في غاية ما يكون من الملاحة والظرف وفي وسطها بستان ما رأى الراؤون أحسن منه وأرضها مفروشة بالرخام وستورها مسبولة فصار أخي لا يعرف أين يقصد فمضى نحو صدر المكان فرأى أنساناً حسن الوجه واللحية فلما رأى أخي قام إليه ورحب به وسأله عن حاله فأخبره أنه محتاج، فلما سمع كلام أخي أظهر غماً شديداً ومد يده إلى ثيابه ومزقها وقال: هل أكون أنا ببلد وأنت بها جائع لأصبر من ذلك ووعده بكل خير ثم قال: لا بد أن تمالحني فقال: يا سيدي ليس لي صبر وإني شديد الجوع فصاح: يا غلام هات الطشت والإبريق ثم قال له: يا ضيفي تقدم واغسل يدك ثم أومأ كأنه يغسل يده ثم صاح على أتباعه أن قدموا المائدة فجعلت أتباعه تغدو وترجع كأنها تهيء السفرة، ثم أخذ أخي وجلس معه على تلك السفرة الموهومة وصار صاحب المنزل يومئ ويحرك شفته كأنه يأكل ويقول لأخي: كل ولا تستحي فإنك جائع وأنا أعلم ما أنت فيه من شدة الجوع، فجعل أخي يومئ كأنه يأكل وهو يقول لأخي: كل وانظر هذا الخبز وانظر بياضه وأخي لا يبدي شيئاً، ثم إن أخي قال في نفسه: إن هذا الرجل يحب أن يهزأ بالناس. فقال: يا سيدي عمري ما رأيت أحسن من بياض هذا الخبز ولا ألذ من طعمه فقال: هذا خبزته جارية لي كنت اشتريتها بخمسمائة دينار، ثم صاح صاحب الدار: يا غلام قدم لنا الكباب الذي لا يوجد مثله في طعام الملوك، ثم قال لأخي: كل يا ضيفي فإنك شديد الجوع ومحتاج إلى الأكل، فصار أخي يدور حنكه ويمضغ كأنه يأكل وأقبل الرجل يستدعي لوناً ب د لون من الطعام ولا يحضر شيئاً ويأمر أخي بالأكل، ثم قال: يا غلام قدم لنا الفراريج المحشوة بالفستق ثم قال: كل ما لم تأكل مثله قط فقال: يا سيدي إن هذا الأكل لا نظير له في اللذة وأقبل يومئ بيده إلى فم أخي حتى كأنه يلقمه بيده وكان يعدد هذه الألوان ويصفها لأخي بهذه الأوصاف وهو جائع، فاشتد جوعه وصار بشهوة رغيف من شعير. ثم قال له صاحب الدار: هل رأيت أطيب من أباريز هذه الأطعمة فقال له أخي: لا يا سيدي فقال: كثر الأكل ولا تستح فقال: قد اكتفيت من الطعام فصاح الرجل على أتباعه أن قدموا الحلويات فحركوا أيديهم في الهواء كأنهم قدموا الحلويات ثم قال صاحب المنزل لأخي: كل من هذا النوع فإنه جيد وكل من هذه القطائف بحياتي وخذ هذه القطيفة قبل أن ينزل منها لجلاب فقال له أخي: لا عدمتك يا سيدي وأقبل أخي يسأله عن كثرة المسك الذي في القطائف فقال له: إن هذه عادتي في بيتي فدائماً يضعون لي في كل قطيفة مثقالاً من المسك ونصف مثقال من العنبر. هذا كله وأخي يحرك رأسه وفمه يلعب بين شدقيه كأنه يتلذذ بأكل الحلويات، ثم صاح صاحب الدار على أصحابه أن أحضروا النقل فحركوا أيديهم في الهواء كأنهم أحضروا النقل وقال لأخي: كل من هذا اللوز ومن هذا الجوز ومن هذا الزبيب ونحو ذلك وصار يعد له أنواع النقل ويقول له: كل ولا تستح. فقال أخي: يا سيدي قد اكتفيت ولم يبق لي قدرة على أكل شيء فقال: يا ضيفي إن أردت أن تأكل وتتفرج على غرائب المأكولات فالله الله لا تكن جائعاً. ثم فكر أخي في نفسه وفي استهزاء ذلك الرجل به وقال: لأعملن فيه عملاً يتوب بسببه إلى الله عن هذه الفعال. ثم قال الرجل لأتباعه: قدموا لنا الشراب فحركوا أيديهم في الهواء حتى كأنهم قدموا الشراب، ثم أومأ صاحب المنزل كأنه ناول أخي قدحاً قال: خذ هذا القدح فإنه يعجبك، فقال: يا سيدي هذا من إحسانك وأومأ أخي بيده كأنه يشرب فقال له: هل أعجبك؟ فقال له: يا سيدي ما رأيت ألذ من هذا الشراب، فقال له: اشرب هنيئاً وصحة، ثم إن صاحب البيت أومأ وشرب ثم ناول أخي قدحاً ثانياً فخيل أنه شربه وأظهر انه سطران ثم إن أخي غافله ورفع يده حتى بان بياض إبطه وصفعه على رقبته صفعة رن لها المكان ثم ثنى عليه بصفعة ثانية. وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخا المزين لما صفع صاحب الدار قال له الرجل: ما هذا يا أسفل العالمين؟ فقال: يا سيدي أنا عبدك الذي أنعمت عليه وأدخلته منزلك وأطعمته الزاد وأسقيته الخمر العتيق فسكر وعربد عليك ومقامك أعلى من أن تؤاخذه بجهل فلما سمع صاحب المنزل كلام أخي ضحك ضحكاً عالياً ثم قال: إن لي زماناً طويلاً أسخر بالناس وأهزأ بجميع أصحاب المزاح والمجون ما رأيت منهم من له طاقة على أن أفعل به هذه السخرية ولا من له فطنة يدخل بها في جميع أموري غيرك والآن عفوت عنك، فكن نديمي على الحقيقة ولا تفارقني ثم أمر بإخراج عدة من أنواع الطعام المذكورة أولاً فأكل هو وأخي حتى اكتفيا ثم انتقلا إلى مجلس الشراب فإذا فيه جوار كأن به الأقمار فغنين بجميع الألحان واشتغلن بجميع الملاهي ثم شربا حتى غلب عليهما السكر وأنس الرجل بأخي حتى كأنه أخوه وأحبه محبة عظيمة، وخلع عليه خلعة سنية. فلما أصبح الصباح عادا لما كانا عليه من الأكل والشرب ولم يزالا كذلك مدة عشرين سنة ثم أن الرجل مات وقبض السلطان على ماله واحتوى عليه فخرج أخي من البلد هارباً فلما وصل إلى نصف الطريق خرج عليه العرب فأسروه وصار الذي أسره يعذبه ويقول له: اشتر روحك مني بالأموال وإلا أقتلك فجعل أخي يبكي ويقول: أنا والله لا أملك شيئاً يا شيخ العرب، ولا أعرف طريق شيء من لمال وأنا أسيرك وصرت في يدك فافعل بي ما شئت فأخرج البدوي الجبار من حزامه سكيناً عريضة لو نزلت على رقبة جمل لقطعتها من الوريد إلى الوريد وأخذها في يده اليمنى وتقدم إلى أخي المسكين وقطع بها شفتيه وشك عليه في المطالبة وكان للبدوي زوجة حسنة وكان إذا أخرج البدوي تتعرض لأخي وتراوده عن نفسه وهو يمتنع حياء من الله تعالى فاتفق أن راودت أخي يوماً من الأيام فقام ولاعبها وأجلسها في حجره فبينما هما كذلك وإذا يزوجها داخل عليهما فلما نظر إلى أخي قال له: ويلك يا خبيث أتريد الآن أن تفسد علي زوجتي وأخرج سكيناً وقطع بها ذكره وحمله على جمل وطرحه فوق جبل وتركه وسار إلى حال سبيله فجاز عليه المسافرون فعرفوه فأطعموه وأسقوه وأعلموني بخبره فذهبت إليه وحملته، ودخلت به المدينة ورتبت له ما يكفيه وها أنا جئت عندك يا أمير المؤمنين وخفت أن أرجع إلى بيتي قبل إخبارك، فيكون ذلك غلطاً وورائي ستة أخوة وأنا أقوم بهم. فلما سمع أمير المؤمنين قصتي وما أخبرته به عن أخوتي، ضحك وقال: صدقت يا صامت أنت قليل الكلام ما عندك فضول ولكن الآن أخرج من هذه المدينة وأسكن غيرها ثم نفاني من بغداد فلم أزل سائراً في البلاد حتى طفت الأقاليم إلى أن سمعت بموته وخلافة غيره فرجعت إلى المدينة فوجدته مات ووقعت عند هذا الشاب وفعلت معه أحسن الفعال ولولاي أنا لقتل وقد اتهمني بشيء ما هو في جميع ما نقله عني من الفضول وكثرة الكلام وكثافة الطبع وعدم الذوق باطل يا جماعة. ثم قال الخياط لملك الصين، فلما سمعنا قصة المزين وتحققنا فضوله وكثرة كلامه وأن الشاب مظلوم معه أخذنا المزين وقبضنا عليه وحبسناه وجلسنا حوله آمنين ثم أكلنا وشربنا وتمت الوليمة على أحسن حالة ولم نزل جالسين إلى أن أذن العصر فخرجت وجئت منزلي وعشيت زوجتي فقالت: إن طول النهار، في حظك وأنا قاعدة في البيت حزينة فإن لم تخرجي وتفرجني بقية النهار كان ذلك سبب فراقي منك فأخذتها وخرجت بها وتفرجنا إلى العشاء ثم رجعنا فلقينا هذا الأحدب والسكر طافح منه وهو ينشد هذين البيتين:

رق الزجاج وراقت الخمر فتشابها وتشاكـل الأمـر

فكأنما خـمـر ولا قـدح وكأنما قدح ولا خـمـر

فعزمت عليه فأجابني وخرجت لأشتري سمكاً مقلياً فاشتريت ورجعت ثم جلسنا نأكل، فأخذت زوجتي لقمة وقطعة سمك وأدخلتهما فمه وسدته فمات فحملته وتحايلت حتى رميته في بيت هذا الطبيب وتحايل الطبيب، حتى رماه في بيت المباشر الذي رماه في طريق السمسار وهذه قصة ما لقيته البارحة أما هي أعجب من قصة الحدب فلما سمع ملك الصين هذه القصة أمر بعض حجابه أن يمضوا مع الخياط ويحضروا المزين وقال لهم: لا بد من حضوره لأسمع كلامه ويكون ذلك سبباً في خلاصكم جميعاً، وندفن هذا الأحدب ونواريه في التراب فإنه ميت من أمس ثم نعمل له ضريحاً لأنه كان سبباً في اطلاعنا على هذه الأخبار العجيبة فما كان إلا ساعة حتى جاءت الحجاب هم والخياط بعد أن مضوا إلى الحبس وأخرجوا منه المزين وساروا به إلى أن أوقفوه بين يدي هذا الملك، فلما رآه تأمله فإذا هو شيخ كبير جاوز التسعين أسود الوجه أبيض اللحية والحواجب مقرطم الأذنين طويل الأنف في نفسه كبر فضحك الملك من رؤيته وقال: يا صامت أريد أن تحكي لي شيئاً من حكاياتك فقال المزين: يا ملك الزمان ما شأن هذا النصراني وهذا بطريق اليهودي وهذا المسلم وهذا الأحدب بينكم ميت وما سبب هذا الجمع فقال له ملك الصين: وما سؤالك عن هؤلاء؟ فقال: سؤالي عنهم حتى يعلم الملك أني غير فضولي ولا أشتغل بما لا يعنيني، وإنني بريء مما اتهموني به من كثرة الكلام. وأن لي نصيباً من اسمي حيث لقبوني بالصامت كما قال الشاعر:

وكلما أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه أن فتشت في لقبي

فقال الملك: اشرحوا للمزين حال هذا الأحدب وما جرى له في وقت العشاء واشرحوا له ما حكى النصراني وما حكى اليهودي وما حكى الخياط، فحكوا له حكايات الجميع فحرك المزين رأسه وقال: والله إن هذا الشيء عجيب اكشفوا لي عن هذا الأحدب فكشفوا له عنه فجلس عند رأسه وأخذ رأسه في حجره ونظر في وجهه وضحك ضحكاً عالياً حتى انقلب على قفاه من شدة الضحك وقال: لكل موتة سبب من الأسباب وموتة هذا الأحدب من عجب العجاب يجب أن تؤرخ في المسجلات ليعتبر بما مضى ومن هو آت فتعجب الملك من كلامه وقال: يا صامت إحك لنا سبب كلامك هذا وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك قال: يا صامت احك لنا سبب كلامك هذا فقال: يا ملك وحق نعمتك أن الأحدب فيه الروح ثم إن المزين أخرج من وسطه مكحلة فيها دهن ودهن رقبة الأحدب وغطاها حتى عرقت ثم أخرج كلبتين من حديد ونزل بهما في حلقة فالتقطتا قطعة السمك بعظمها فلما أخرجها رآها الناس بعيونهم ثم نهض الأحدب واقفاً على قدميه وعطس عطسة واستفاق في نفسه وملس بيديه على وجهه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فتعجب الحاضرون من الذي رأوه وعاينوه، فضحك ملك الصين حتى غشي عليه وكذلك الحاضرون وقال السلطان: والله إن هذه القصة عجيبة ما رأيت أغرب منها ثم إن السلطان قال: يا مسلمين يا جماعة العسكر، هل رأيتم في عمركم أحداً يموت ثم يحيا بعد ذلك ولولا رزقه الله بهذا المزين لكان اليوم من أهل الآخرة فإنه كان سبباً لحياته، فقالوا: والله إن هذا من العجب العجاب ثم إن ملك الصين أمر أن تسطر هذه القصة فسطروها ثم جعلوها في خزانة الملك ثم خلع على اليهودي والنصراني والمباشر وخلع على كل واحد خلعة سنية وجعل الخياطة خياطه ورتب له الرواتب، وأصلح بينه وبين الأحدب وخلع على الأحدب خلعة سنية مليحة ورتب له الراتب وجعله نديمه وأنعم على المزين وخلع عليه خلعة سنية ورتب له الرواتب، وجعل له جامكية وجعله مزين المملكة ونديمه ولم يزالوا في ألذ العيش وأهناه إلى أن آتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات وليس هذا بأعجب من قصة الوزيرين، التي فيها ذكر أنيس الجليس قال الملك وما حكاية الوزيرين؟
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 16 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية علي بن البكار مع شمس النهار

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان في خلافة هارون الرشيد رجل تاجر له ولد يسمى أبا الحسن علي بن طاهر وكان كثير المال والنوال حسن الصورة محبوباً عند كل من يراه وكان يدخل دار الخلافة من غير غذن ويحبه جميع سراري الخليفة وجواريه وكان ينادمه وينشد عنده الأشعار ويحدثه بنوادر الأخبار إلا أنه كان يبيع ويشتري في سوق التجار وكان يجلس على دكان شاب من أولاد ملوك العجم يقال له: علي بن بكار وكان ذلك الشاب مليح القامة ظريف الشكل كامل الصورة مورد الخدين مقرون الحاجبين عذب الكلام ضاحك السن يحب البسط والإنشراح فاتفق لهما كانا جالسين يتحدثان ويضحكان وإذا بعشر جوار كأنهن الأقمار وكل منهن ذات حسن وجمال وقد واعتدال وبينهن صبية راكبة على بغلة بسرج مزركش، له ركاب من الذهب كما قال فيها الشاعر:

لها بشر مثل الحرير ومنـطـق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر

وعينان قال الله كونا فـكـانـتـا فعولان بالألباب ماتفعل الخمـر

فيا حبها زدني جوى كـل لـيلة ويا سلوة الحباب موعدك الحشر

فلما وصلوا إلى دكان أبي الحسن نزلت عن البغلة وجلست على دكانه فسلمت عليه وسلم عليها فلما رآها علي بن كار سلبت عقله وأراد القيام فقالت له: اجلس مكانك كيف تذهب إذا حضرنا هذا ما هو انصاف؟ فقال: والله يا سيدتي إني هارب مما رأيت وما أحسن قول الشاعر:

هي الشمس مسكنها في السماء فعز الفؤاد عـزاء جـمـيلا

فلن تستطيع إليهـا صـعـوداً ولن تستطـيع إلـيك نـزولا

فلما سمعت ذلك الكلام تبسمت وقالت لأبي الحسن: ما اسم هذا الفتى ومن أين هو؟ فقال لها: هذا غريب اسمه علي بن بكار بن ملك العجم والغريب يجب إكرامه فقالت له: إذا جاءتك جاريتي فارسله لعندي فقال أبو الحسن: على الرأس ثم قامت وتوجهت إلى حال سبيلها. هذا ما كان من أمرها.

وأما ما كان من أمر علي بن بكار فإنه صار لا يعرف ما يقول وبعد ساعة جاءت الجارية إلى أبي الحسن وقالت: إن سيدتي تطلبك أنت ورفيقك فنهض أبو الحسن وأخذ معه علي بن بكار وتوجها إلى دار هارون الرشيد فأدخلتهما في مقصورة وأجلستهما وإذا بالموائد وضعت قدامهما فأكلا وغسلا أيديهما، ثم أحضرت لهما الشراب فشربا، ثم أمرتهما بالقيام فقاما معها وأدخلتهما مقصورة أخرى مركبة على أربعة أعمدة وهي مفروشة بأنواع الفرش مزينة بأحسن الزينة، كأنها من قصور الجنان اندهشا مما عاينا من التحف. فبينما هما يتفرجان على هذه الغرائب وإذا بعشر جوار أقبلن وبينهن جارية اسمها شمس النهار كأنها القمر بين النجوم وهي متوحشة تفاضل شعرها وعليها لباس أزرق أزرار من الحرير بطراز من الذهب وفي وسطها حياصة مرصعة بأنواع الجواهر ولم تزل تتبختر حتى جلست على السرير فلما رآها علي بن بكار أنشد هذه الأشعار:

إن هذي هي ابتداء سقـامـي وتمادي وجدي وطول غرامي

عندها قد رأيت نفسـي ذابـت من ولوعي بها وبري عظامي

فلما فرغ من شعره قال لأبي الحسن لو عملت معي خيراً كنت أخبرتني بهذه الأمور قبل الدخول هنا لأجل أن أوطن نفسي وأصبرها على ما أصابها ثم بكى وأن واشتكى فقال له أبو الحسن: يا أخي أنا ما أردت لك إلا الخير ولكن خشيت أن أعلمك بذلك فيلحقك من الوجد ما يصدك عن لقائها ويحيل بينك وبين وصالها فطب نفساً وقر عيناً فهي بسعدك مقبلة وللقائك متوصلة، فقال علي بن بكار: ما اسم هذه الصبية؟ فقال أبو الحسن: تسمى شمس النهار وهي من محاظي أمير المؤمنين هارون الرشيد وهذا المكان قصر الخلافة ثم إن شمس النهار جلست وتأملت محاسن علي بن بكار وتأمل هو حسنها واشتغلا بحب بعضهما وقد أمرت الجواري أن تجلس كل واحدة منهن في مكانها على سرير، فجلست كل واحدة قبال طاقة وأمرتهن بالغناء فتسلمت واحدة منهن العود وأنشدت تقول:

أعد الرسالة ثـانـية وخذ الجواب علانية

وإليك يا ملك الملاح وقفت أشكو حالـيه

مولاي يا قلبي العزيز ويا حياتي الغـالـية

أنعم علي بـقـبـلة هبة وإلا عــارية

وأردها لك لا عدمت بعينها وكمـا هـي

وإذا أردت زيادة خذها ونفسي راضية

يا ملبسي ثوب الرض ا يهنيك ثوب العافـية

فطرب علي بن بكار وقال: زيديني من مثل هذا الشعر، فحركت الأوتار وأنشدت هذه الأشعار:

من كثرة البعد يا حبيبـي علمت طول البكا جفوني

يا حظ عيني ومـنـاهـا ومنتهى غايتـي ودينـي

ارث لمن طرفه غـريق في عبرة الواله الحزين

فلما فرغت من شعرها قالت شمس النهار لجارية غيرها: أنشدي فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات:

سكرت من لحظه لا من مدامته ومال بالنوم عن عيني تمايلـه

فما السلاف سلتني بل سوالفـه والشمول شلتني بل شمـائلـه

لوى بعزمي أصداغاً لوين لـه وغالى عقلي بما تهوى غلائله

فلما سمعت شمس النهار إنشاد الجاري تنهدت وأعجبها الشعر ثم أمرت جارية أخرى أن تغني فأنشدت هذه الأبيات:

وجه لمصباح السماء مباهـي يبدو الشباب عليه رشح مـياه

رقم العدار غلاليته بـأحـرف معنى الهوى في طيبها متناهي

نادى عليه الحسن حين لقـيتـه هذا المنمنم في طراز الـلـه

فلما فرغت من شعرها قال علي بن بكار لجارية قريب منه، أنشدي أنت أيتها الجارية فأخذت العود وأنشدت هذه الأبيات:

زمن الوصل يضيق عن هذا التمادي والـدلال

كم من صدود متـلـف ما هكذا أهل الجمـال

فاستغنموا وقت السعود بطيب ساعات الوصال

فلما فرغت من شعرها تنهد علي بن بكار وأرسل دموعه الغزار، فلما رأته شمس النهار قد بكى وأن واشتكى أحرقها الوجد والغرام وأتلفها الوله والهيام فقامت من فوق السرير وجاءت إلى باب القبة فقام علي بن بكار وتلقاها ووقعا مغشياً عليهما في باب القبة فقمن الجواري إليهما وحملنهما وأدخلنهما القبة ورششن عليهما ماء الورد فلما أفاقا لم يجدا أبا الحسن وكان قد اختفى في جانب سرير فقالت الصبية: أين أبو الحسن فنظر لها من جانب السرير فسلمت عليه وقالت له: أسأل الله أن يقدرني على مكافأتك يا صاحب المعروف، ثم أقبلت على علي بن بكار وقالت له: يا سيدي ما بلغ بك الهوى إلى غاية إلا وعندي أمثالها وليس لنا إلا الصبر على ما أصابنا، فقال علي بن بكار: والله يا سيدتي ليس جمع المال شملي بك يطيب وو لا ينطفئ إليك ما عندي من اللهيب ولا يذهب ما تمكن من حبك في قلبي إلا بذهاب روحي، ثم بكى فنزلت دموعه على خده كأنها المطر، فلما رأته شمس النهار يبكي بكت لبكائه فقال أبو الحسن: والله إني عجبت من أمركما واحترت من شأنكما فإن حالكما عجيب وأمركما غريب في هذا البكاء وأنتما مجتمعان فكيف يكون الحال بعد انفصالكما؟ ثم قال: هذا ليس وقت حزن وبكاء بل هذا وقت سرور وفرح.

فأشارت شمس النهار إلى جارية فقامت وعادت ومعها وصائف حاملات مائدة صحافها من الفضة وفيها أنواع الطعام، ثم وضعت المائدة قدامها وصارت شمس النهار تأكل وتلقم علي بن بكار حتى اكتفوا، ثم رفعت المائدة وغسلوا أيديهم وجاءتهم المباخر بأنواع العود وجاءت القماقم بماء الورد فتبخروا وتطيبوا وقدمت لهم أطباق من الذهب المنقوش فيها من أنواع الشراب والفواكه والنقل وما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ثم جاءت لهم بطشت من العقيق ملآن من المدام، فاختارت شمس النهار عشر وصائف أوقفتهن عندها وعشر جوار من المغنيات وصرفت باقي الجواري إلى أماكنهن وامرت بعض الحاضرات من الجواري أن يضربن العود ففعلن ما أمرت به، وأنشدت واحدة منهن:

بنفسي من رد التحـية ضـاحـكـاً فجدد بعد اليأس في الوصل مطعمي

لقد أبرزت سر الغـرام سـرائري وأظهرت للعذال ما بين أضلـعـي

وحالت دموع العين بينـي وبـينـه كأن دموع العين تعشقـه مـعـي

فلما فرغت من شعرها قامت شمس النهار وملأت الكأس وشربته ثم ملأته وأعطته لعلي بن بكار.

و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شمس النهار ملأت الكأس لعلي بن بكار، ثم أمرت جارية أن تغني فأنشدت هذين البيتين:

تشابه دمعي إذ جرى ومدامـتـي فمن مثل الكأس عيني تسـكـب

فوالله لا أدري أبالخمر أسلـبـت جفوني أم من أدمعي كنت أشرب

فلما فرغت من شعرها شرب علي بن بكار كأسه ورده إلى شمس النهار فملأته وناولته لأبي الحسن فشربه: ثم أخذت العود وقالت: لا يغني على قدحي غيري، ثم شدت الأوتار وأنشدت هذه الأشعار:

غرائب الدمع في خديه تضطرب وجداً ونار الهوى في صدره تتقد

يبكي من القرب خوفاً من تباعدهم فالدمع إن قربوا جار وإن بعدوا

فلما سمع علي بن بكار وأبو الحسن والحاضرون شعر شمس النهار كادوا يطيروا من الطرب ولعبوا وضحكوا، فبينما هم على هذا الحال إذا بجارية أقبلت وهي ترتعد من الخوف وقالت: يا سيدتي وصل أمير المؤمنين وهاهو بالباب ومعه عفيف ومسرور وغيرهما، فلما سمعوا كلام الجارية كادوا أن يهلكوا من الخوف فضحكت شمس النهار وقالت: لا تخافوا، ثم قالت للجارية: ردي عليهم الجواب بقدر ما نتحول من هذا المكان، ثم إنها أمرت بغلق باب القبة ثم خرجت إلى البستان وجلست على سريرها وأمرت جارية أن تكبس رجليها وأمرت بقية الجواري أن يمضين إلى أماكنهن وأمرت الجارية أن تدع الباب مفتوحاً ليدخل الخليفة فدخل مسرور ومن معه وكانوا عشرون وبأيديهم السيوف فسلموا على شمس النهار، فقالت لهم: لأي شيء جئتم؟ فقالوا: إن أمير المؤمنين يسلم عليك وقد استوحش لرؤيتك ويخبرك أنه كان عنده اليوم سرور وحظ زائد وأحب أن يكون ختام السرور بوجودك في هذه الساعة، فهل تأتين عنده أو يأتي عندك؟ فقامت وقبلت الأرض وقالت سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، ثم أمرت بإحضار القهرمانات والجواري فحضرن وأظهرت لهن انها مقبلة على ما أمر به الخليفة وكان المكان كاملاً في جميع أموره ثم قالت للخدم: امضوا إلى أمير المؤمنين واخبروه أنني في انتظاره بعد قليل إلى أنأهيئ له مكاناً بالفرش والأمتعة فمضى الخدم مسرعين إلى أمير المؤمنين.

ثم إن شمس النهار قلعت ودخلت إلى معشوقها علي بن بكار وضمته إلى صدرها وودعته فبكى بكاءً شديداً وقال: يا سيدتي هذا الوداع فمتعيني به لعله يكون على تلف نفسي وهلاك روحي في هواك ولكن أسأل الله أن يرزقني الصبر على ما بلاني به من محبتي، فقالت له شمس النهار: والله ما يصير في التلف إلا أنا فإنك قد تخرج إلى السوق وتجتمع بمن يسليك فتكون مصوناً وغرامك مكنوناً وأما أنا فسوف أقع في البلاء خصوصاً وقد وعدت الخليفة بميعاد فربما يلجقني من ذلك عظيم الخطر بسبب شوقي إليك وحبي لك وتعشقي فيك وتأسفي على مفارقتك، فبأي لسان أغني؟ وبأي قلب أحضر عند الخليفة؟ وبأي نظر أنظر إلى مكان ما أنت فيه؟ وكيف أكون في حضرة لم تكن بها؟ وبأي ذوق أشرب مداماً ما أنت حاضره؟ فقال لها أبو الحسن: لا تتحيري واصبري ولا تغفلي عن منادمة أمير المؤمنين هذه الليلة ولا تريه تهاوناً، فبينما هما في الكلام إذا بجارية قدمت وقالت: يا سيدتي جاء غلمان أمير المؤمنين فنهضت قائمة وقالت للجارية: خذي أبا الحسن ورفيقه واقصدي بهما أعلى الروشن المطل على البستان ودعيهما هناك إلى الظلام ثم تحيلي في خروجهما فأخذتهما وأطلعتهما في الروشن وأغلقت الباب عليهما ومضت إلى حال سبيلها وصارا ينظران إلى البستان، وإذا بالخليفة قدم وقدامه نحو المائة خادم بأيديهم السيوف وحواليه عشرون جارية كأنهن الأقمار عليهن أفخر ما يكون من الملبوس وعلى رأس كل واحدة تاج مكلل بالجواهر واليواقيت وفي يد كل واحدة شمعة موقودة والخليفة يمشي بينهن وهن محيطات به من كل ناحية ومسرور وعفيف ووصيف قدامه وهو يتمايل بينهم. فقامت شمس النهار وجميع من عندها من الجواري ولا قينه من البستان وقبلن الأرض بين يديه ولم يزلن سائرات أمامه إلى أن جلس على السرير والذين في البستان من الجواري والخدم وقفوا حوله والشموع موقودة والآلات تضرب إلى أن أمرهم بالإنصراف والجلوس على الأسرة فجلست شمس النهار على السرير بجانب سرير الخليفة وصارت تحدثه، كل ذلك وأبو الحسن وعلي بن بكار ينظران ويسمعان والخليفة لم يرهما.

ثم إن الخليفة صار يلعب مع شمس النهار، وأمر بفتح القبة ففتحت وشرعوا طيقانها وأوقدوا الشموع حتى صار المكان وقت الظلام كالنهار، ثم إن الخدم صاروا ينقلون آلت المشروب فقال أبو الحسن: إن هذه الآلات والمشروب والتحف ما رأيت مثله وهذا شيء من أصناف الجواهر ما سمعت بمثله وقد خيل لي في المنام وقد اندهش عقلي وخفق قلبي، وأما علي بن بكار فإنه لما فارقته شمس النهار لم يزل مطروحاً على الأرض من شدة العشق فلما أفاق صار ينظر إلى هذه الفعال التي لا يوجد مثلها فقال لأبي الحسن: يا أخي أخشى أن ينظرنا الخليفة أو يعلم حالنا وأكثر خوفي عليك وأما أنا فإني أعلم نفسي من الهالكين وما سبب موتي إلا العشق والغرام وفرط الوجد والهيام ونرجو من الله الخلاص مما بلينا. و لم يزل علي بن بكار وأبو الحسن ينظران من الروشين إلى الخليفة وما هو فيه حتى تكاملت الحضرة بين يدي الخليفة، ثم إن الخليفة التفت إلى جارية من الجواري وقال: هات ما عندك يا غرام من السماع المطرب فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات:

وما وجد إعرابية بان أهلهـا فحنت إلى بان الحجاز ورنده

إذا آنست ركباً تكفل شوقهـا بنار قراه والدمـوع بـورده

بأعظم من وجدي بحبي وغنما يرى أنني أذنبت ذنبـاً بـوده

فلما سمعت شمس النهار هذا الشعر وقعت مغشياً عليها من فوق الكرسي الذي كانت عليه وغابت عن الوجود فقام الجواري واحتملنها، فلما نظر علي بن بكار من الروشن وقع مغشياً عليه، فقال أبو الحسن: إن القضاء قسم الغرام بينكما بالتسوية، فبينما هما يتحدثان إذا بالجارية التي أطلعتها الروشن جاءتهما وقالت: يا أبا الحسن انهض أنت ورفيقك وانزلا فقد ضاقت علينا الدنيا وأنا خائفة أن يظهر أمرنا فقوما في هذه الساعة وإلا متنا. فقال أبو الحسن: فكيف ينهض معي هذا الغلام ولا قدرة له على النهوض؟ فصارت الجارية ترش ماء الورد على وجهه حتى أفاق فحمله أبو الحسن هو والجارية ونزلا به من الروشن ومشيا قليلاً، ثم فتحت الجارية بيدها فجاء زورق فيه إنسان يقذف فأطلعتهما الجارية في الزورق وقالت للذي في الزورق: أطلعهما في ذلك البر، فلما نزلا في الزورق وفارق البستان نظر علي بن بكار إلى القبة والبستان وودعهما بهذين البيتين:

مددت إلى التوديع كفـاً ضـعـيفة وأخرى على الرمضاء تحت فؤادي

فلا كان هذا آخر الـعـهـد بـين ولا كان هـذا الـزاد آخـر زادي

ثم إن الجارية قالت للملاح: أسرع بهما، فصار يقذف لأجل السرعة والجارية معهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملاح صار يقذف والجارية معهم إلى أن قطعوا ذلك الجانب وعدوا إلى البر الثاني، ثم انصرفت الجارية وودعتهما وطلعا في البر وقالت لهما: كان قصدي أن لا أفارقكما لكنني لا أقدر أن أسير إلى مكان غير هذا الموضع، ثم إن الجارية عادت وصار علي بن بكار مطروحاً بين يدي أبي الحسن لا يستطيع النهوض فقال له أبو الحسن: إن هذا المكان غير أمين ونخشى على أنفسنا من التلف في هذا المكان بسبب اللصوص وأولاد الحرام فقام علي بن بكار يتمشى قليلاً وهو لا يستطيع المشي، وكان أبو الحسن له في ذلك الجانب أصدقاء فقصد من يثق به ويركن إليه منهم فدق بابه فخرج إليه مسرعاً.

فلما رآهما رحب بهما ودخل بهم إلى منزله وأجلسهما وتحدث معهما وسألهما أين كانا فقال أبو الحسن: قد خرجنا في هذا الوقت وقد أحوجنا إلى هذا الأمر إنسان عاملته في دراهم وبلغني أنه يريد السفر بمالي فخرجت في هذه الليلة وقصدته واستأنست برفيقي هذا علي بن بكار، وجئنا لعلنا ننظره فتوارى منا ولم نره وعدنا بلا شيء وشق علينا العودة في هذا الليل ولم نر لنا محلاً غير محلك فجئنا إليك على عوائدك الجميلة فرحب بهما واجتهد في إكرامهما وأقاما عنده بقية ليلتهما.

فلما أصبح الصباح خرجا من عنده وما زالا يمشيان حتى وصلا إلى المدينة ودخلا وجازا على بيت إبي الحسن فحلف على صاحبه علي بن بكار وأدخله بيته فاضجعا على الفراش قليلاً، ثم أفاقا فأمر أبو الحسن غلمانه أن يفرشوا البيت فرشاً فاخراً ففعلوا، ثم إن أبا الحسن قال في نفسه: لا بد أن أؤانس هذا الغلام وأسليه عما هو فيه فإني أدرى بأمره، ثم إن علي بن بكار لما أفاق استدعى بماء فحضروا له الماء فقام وتوضأ وصلى ما فاته من الفروض في يومه وليلته وصار يسلي نفسه بالكلام.

فلما رأى منه ذلك أبو الحسن تقدم إليه وقال: على الأليق بما أنت فيه أن تقيم عندي هذه الليلة لينشرح صدرك وينفرج ما بك من كرب الشوق وتتلاهى معنا، فقال علي بن بكار: أفعل يا أخي ما بدا لك فإني على كل حال غير ناج مما أصابني فاصنع ما أنت صانع، فقام أبو الحسن واستدعى غلمانه وأحضر أصحابه وأرسل إلى أرباب المغاني والآلات فحضروا وأقاموا على أكل وشرب وانشراح باقي اليوم إلى المساء ثم أوقدوا الشموع ودارت بينهم كؤوس المنادمة وطاب لهم الوقت فأخذت المغنية العود وجعلت تقول:

رميت من الزمان بسهم لحظ فأضناني وفارقت الحبـائب

وعاندني الزمان وقل صبري وإني قبل هذا كنت حاسب

فلما سمع علي بن بكار كلام المغنية خر مغشياً عليه ولم يزل في غشيته إلى أن طلع الفجر ويئس منه أبو الحسن ولما طلع النهار أفاق وطلب الذهاب إلى بيته فلم يمنعه أبو الحسن خوفاً من عاقبة أمره فاتاه غلمانه ببغلة وأركبوه وصار معه أبو الحسن إلى أن أدخله منزله فلما اطمأن في بيته حمد الله أبو الحسن على خلاصه من هذه الورطة وصار يسليه وهو لا يتمالك نفسه من شدة الغرام ثم إن أبا الحسن ودعه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ودعه، فقال له علي بن بكار: يا أخي لا تقطع عني الأخبار فقال: سمعاً وطاعة ن ثم إن أبا الحسنقام من عنده وأتى إلى دكانه وفتحهافما جلس غير قليل حتى أقبلت إليه الجارية وسلمت فرد عليها السلام ونظر إليها فوجدهاخافقة القلب يظهر عليها أثر الكآبة، فقال لها أهلاً وسهلاً كيف حال شمس النهار؟ فقالت: سوف أخبرك بحاله، كيف حال علي بن بكار فأخبرها أبو الحسن بجميع ما كان من أمره فتأسفت وتأوهت وتعجبت من ذلك الأمر ثم قالت: إن حال سيدتي اعجب من ذلك ن لما توجهتم رجعت وقلبي يخفق عليكم وماصدقت بنجاتكم فلما رجعت وجدت سيتي مطروحة في القبة، لا تتكلم ولا ترد على احد وامير المؤمنين جالس عند رأسها لا يجد من يخبره بخبرها ولم يعلم ما بها ولم تزل في غشيتها إلى نصف الليل ثم أفاقت، فقال لها أمير المؤمنين: ما الذي أصابك يا شمس النهار؟ وما الذي اعتراك في هذه الليلة؟ فلما سمعت شمس النهار كلام الخليفة قبلت أقدامه وقالت له: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداءك إنه خامرني خلط، فأضرم النار في جسدي فوقعت مغشياً علي من شدة ما بي ولا اعلم كيف كان حالي، فقال لها الخليفة: ما الذي استعملتيه في نهارك؟ قالت: أفطرت على شيء لم آكله قط ثم أظهرت القوة واستدعيت بشيء من الشراب فشربته وسألت أمير المؤمنين أن يعود إلى انشراحه فعاد إلى الجلوس في القبة فلما جئت إليها سألتني بما فعلت معكما وأخبرتها بما أنشده علي بن بكار فسكتت، ثم إن أمير المؤمنين جلس وأمر الجارية بالغناء فأنشدت هذين البيتين:

ولم يصف لي شيء من العيش بعدكم فياليت شعري كيف حالكم بـعـدي

يحق لدمعي أن يكون مـن الـدمـا إذا كنتم تبكون دمعاً على بـعـدي

فلما سمعت هذا الشعر وقعت مغشياً عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليلة الثامنة والثمانين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنالجارية قالت لأبي الحسن: إن سيدتي لما سمعت هذا الشعر وقعت مغشياً عليها فأمسكت يدها ورششت ماء الورد على وجهها فأفاقت، فقلت لها: يا سيدتي لا تهتكي نفسك ومن يحويه قصرك بحياة محبوبك أن تصبير، فقالت: هل في الأمر أكثر من الموت؟ فأنا أطلبه لأن فيه راحتي، فبينما نحن في هذا القول إذ غنت جارية بقول الشاعر:

وقالوا لعل الصبر يعقب راحة فقلت وأين الصبر بعد فراقه

وقد أكيد الميثاق بيني وبـينـه نقطع حبال الصبر عند عناقه

فلما فرغت من الشعر وقعت مغشياً عليها فنظرها الخليفة فأتى مسرعاً إليها وأمر برفع الشراب وأن تعود كل جارية إلى مقصورتها وأقام عندها باقي ليلته إلى أن أصبح الصباح فاستدعى الأطباء وأمرهم بمعالجتها ولم يعلم بما هي فيه من العشق والغرام وأقمت عندها حتى ظننت أنها قد انصلح حالها وهذا الذي عاقبي عن المجيء إليكما وقد خلقت عندها جماعة من خواصها لما أمرتني بالمسير إليكما لآخذ خبر علي بن بكار واعود إليها.

فلما سمع أبو الحسن كلامها تعجب وقال لها: والله أخبرتك بجميع ما كان من أمره فعودي إلى سيدتك وسلمي عليها وحثيها على الصبر وقولي لها اكتمي السر وأخبريها أني عرفت امرها وهو امر صعب يحتاج إلى التدبير فشكرته الجارية ثم ودعته وانصرفت إلى سيدتها. هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر أبي الحسن فإنه لم يزل في دكانه إلى آخر النهار فلما مضى النهار قام وقفل دكانه وأتى إلى دار علي بن بكار فدق الباب فخرج له بعض غلمانه وأدخله فلما دخل عليه تبسم واستبشر بقدومه وقال له: يا أبا الحسن اوحشتني لتخلفك عني في هذا اليوم وروحي متعلقة بك باقي عمري، فقال له أبو الحسن: دع هذا الكلام فلو أمكن فداءك كنت أفديك بروحي وفي هذا اليوم جاءت جارية شمس النهار وأخبرتني أنه ما اعاقها عن المجيء إلا جلوس الخليفة عند سيدتها وأخبرتني بما كان من امر سيدتها وحكى له جميع ما سمعه من الجارية فتأسف علي بن بكار غاية الأسف وبكى ثم التفت إلى أبي الحسن وقال له: بالله أن تساعدني على ما بليت به وأخبرني ماذا تكون الحيلة؟ وإني أسألك من فضلك المبيت عندي في هذه الليلة لأستانس بك، فامتثل أبو الحسن أمره واجابه إلى المبيت عنده، وباتا يتحدثان في تلك الليلة، ثم إن علي بن بكار بكى وأرسل العبرات وأنشد هذه الأبيات:

غفرت بسيف اللحظ ذمة مغفري وفرت برمح القد درع تصبري

وجعلت لنا من تحت مسكة خالها كافور فجر شق ليل العنبـري

فزعت فضرست العقيق بلؤلـؤ سكنت فرائده غدير الـسـكـر

وتنهدت جزعاً فأثـر كـفـهـا في صدرها فنظرت ما لم أنظر

أقلام مرجان كتبين تـعـتـبـر بصحيفة البلور خمسة أسطـر

يا حامل السيف الصقيل إذا رنت إياك ضربة جفنها المتكـسـر

وتوق يا رب القناة الطـعـن إن حملت عليك من القوم بأسمـر

فلما فرغ علي بن بكار من شعره صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشياً عليه فظن أبو الحسن أن روحه خرجي من جسده ولم يزل في غشيته حتى طلع النهار فأفاق وتحدث مع أبي الحسن ولم يزل أبو الحسن جالساً عند علي بن بكار إلى صحوة النهار. ثم انصرف من عنده وجاء إلى دكانه وفتحها وإذا بالجارية جاءته ووقفت عنده، فلما نظر إليها أومأت إليه بالسلام فرد عليها السلام وبلغته سلام سيدتها وقالت له: كيف حال علي بن بكار؟ فقال لها: يا جارية لا تسألي عن حاله وما هو فيه من شدة الغرام فإنه لا ينام الليل ولا يستريح النهار وقد أنحله السهر وغلب عليه الضجر وصار في حال لا يسر حبيب فقالت له: إن سيدتي تسلم عليك وقد كتبت له ورقة وهي في حال أعظم من حاله وقد سلمتني الورقة، وقالت: لا تأتيني إلا بجوابها وافعلي ما أمرتك به وها هي الورقة معي فهل لك أن تسير معي إلى علي بن بكار، وتأخذ منه الجواب؟ فقال لها أبو الحسن: سمعاً وطاعة، ثم قفل الدكان وأخذ معه الجارية وذهب بها إلى مكان غير الذي جاء منه ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى دار علي بن بكار، ثم أوقف الجارية على الباب ودخل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ذهب بالجارية ودخل البيت فلما رآه علي بن بكار فرح به فقال له أبو الحسن: سبب مجيئي أن فلاناً أرسل إليك جاريته برقعة تتضمن سلامه وذكر فيها أن سبب تاخره عنك عذر حصل له، والجارية واقفة بالباب فهل تأذن لها بالدخول؟ فقال علي بن بكار: أدخلوها وأشار له أبو الحسن انها جارية شمس النهار ففهم الإشارة، فلما رآها تحرك وفرح وقال لها بالإشارة: كيف حال السيدة شفاها الله وعافاها؟ فقالت بخير، ثم أخرجت الورقة ودفعتها له فأخذها وقبلها وناولها لأبي الحسن فوجد مكتوبا فيها هذه الأبيات:

ينبيك هذا الرسول عن خبـري فاستغن في ذكره عن النظـر

خلقت صبا بحـبـكـم دنـفـا وطرفه لا يزال بالـسـهـر

أكابد الصبر في البلاء فـمـا قلبي حلق مواقـع الـقـدر

فقر عيناً فلست تبـعـد عـن قلبي ولا يوم غبت عن بصري

وانظر إلى جسمك النحيل وما قد حله واسـتـدل بـالأثـر

و بعد فقد كتبت لك كتاباً بغير بيان وأطلقت لك بغير لسان وجملت شرح حالي أنلي عيناً لا يفارقها السهر وقلباً لا تبرح عنه الفكر فكأنني قط ما عرفت صحة ولا فرحة ولا رأيت منظراً باهياً ولا قطعت عيشاً هنياً، وكانني خلقت من الصبابة ولم ألم الوجد والكآبة فعلى السقام مترادف والغرام متضاعف والشوق متكاسر وصوت كما قال الشاعر:

القلب منقبض والفكر منبسـط والعين ساهرة والجسم متعوب

والصبر منفصل والهجر متصل والعقل مختبل والقلب مسلوب

و اعلم أن الشكوى لا تطفئ نار البلوى لكنها تتعلل من أعله الإشتياق وأتفله الفراق وغني اتسلى بذكر نفط الوصال وما أحسن قول من قال:

إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا فأين حلاوات الرسائل والكـتـب

قال أبو الحسن: فلما قرأناها هيجت ألفاظي بلابلي وأصابت معانيها مقاتلي ثم دفعتها إلى الجارية فلما اخذتها قال لها علي بن بكار: أبلغي سيدتك سلامي وعرفيها بوجدي وغرامي وامتزاج المحبة بلحمي وعظامي واخبريها انني محتاج إلى من ينقذني من بحر الهلاك وينجيني من هذا الإرتباك، ثم بكى فبكت الجارية لبكائه وودعته وخرجت من عنده وخرج أبو الحسن معها، ثم ودعها ومضى إلى دكانه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد المئة قالت بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ودع الجارية ورجع إلى دكانه فلما جلس فيه وجد قلبه انقبض وضاق صدره وتحير في أمره ولم يزل في فكر بقية يزمه وليلته وفي اليوم الثاني ذهب إلى علي بن بكار وجلس عنده حتى ذهبت الناس وساله عن حاله فأخذ في شكوى الغرام وما به من الوجد والهيام وأنشد يقول:

شكا ألم الغرام الناس قبلـي وروع بالنوى حي ومـيت

واما مثل ما ضمت ضلوعي فإني لا سمعـت ولا رأيت

فقال أبو الحسن: أنا ما رأيت ولا سمعت بمثلك في محبتك كيف يكون هذا الوجد وضعف الحركة، وقد تعلقت بحبيب موافق فكيف إذا تعلقت بحبيب مخالف مخادع فكان أمرك ينكشف؟ قال ابو الحسن: فركن علي بن بكار إلى كلامي وشكرني على ذلك وكان لي صاحب يطلع على أمري وامر علي بن بكار ويعلم أننا متوافقان ولم يعلم أحد ما بيننا غيره وكان يأتيني فيسألني عن حال علي بن بكار وبعد قليل يسألني عن الجارية فقلت له: قد دعته إليها، وكان بينه وبينها ما لا مزيد عليه وهذا آخر ما انتهى من أمرهما ولكن دبرت لنفسي أمر أريد عرضه عليك. فقال له صاحبه: ما هو؟ قال أبو الحسن: اعلم أن رجل معروف بكثرة المعاملات بين الرجال والنساء وأخشى أن ينكشف أمرهما فيكون سبباً لهلاكي وأخذ مالي وهتك عيالي وقد اقتضى رأيي أن أجمع مالي وأجهز حالي وأتوجه إلى مدينة البصرة وأقيم بها حتى أنظر ما يكون من أحوالهما بحيث لا يشعر بي أحد فإن المحبة قد تمكنت منهما ودارت المراسلة بينهما، والحال أن الرسول بينهما جارية وهي كاتمة لأسرارهما واخشى أن يغلب عليها الضجر فتبوح بسرهما لأحد فيشيع خبرهما ويؤدي ذلك إلى هلاكي ويكون سبباً لتلفي وليس لي عذر عند الناس، فقال له صاحبه قد أخبرتني بخبر خطير يخاف من مثله العاقل الخبير كفاك الله شر ما تخافه وتخشاه ونجاك مما عقباه وهذا الرأي هو الصواب.

فانصرف أبو الحسن إلى منزله وصار يقضي مصالحه ويتجهز للسفر إلى البصرة، وقد قضى مصالحه وسافر إلى البصرة فجاء صاحبه بعد ثلاثة أيام ليزوره فلم يجده فسأل عنه جيرانه فقالوا له: إنه توجه من مدة ثلاثة أيام إلى البصرة لأن له معاملة عند تجارها فذهب ليطالب أرباب الديون وعن قريب يأتي، فاحتار الرجل في أمره وصار لا يدري أين يذهب وقال: يا ليتني لم أفارق أبا الحسن، ثم دبر حيلة يتوصل بها إلى علي بن بكار فقصد داره وقال لبعض غلمانه: استأذن لي سيدك لأدخل أسلم عليه، فدخل الغلامو اخبر سيده به ثم عاد إليه وأذن له بالدخول فدخل عليه فوجده ملقى على الوسادة فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب. ثم إن الرجل اعتذر إليه في تخلفه عنه تلك المدة، ثم قال له: يا سيدي إن بيني وبينك وبين أبي الحسن صداقة وإني كنت أودعه أسراري ولا أنقطع عنه ساعة فغبت في بعض المصالح مع جماعة من أصحابي مدة ثلاثة أيام ثم جئت إليه فوجدت دكانه مقفلة فسألت عنه الجيران فقالوا: إنه توجه إلى البصرة ولم أعلم له صديقاً أوفى منك، فبالله أن تخبرني بخبره، فلما سمع علي بن بكار بكلامه تغير لونه واضطرب وقال: لم أسمع قبل هذا اليوم خبر سفره وإن كان الأمر كما ذكرت فقد حصل لي التعب ثم أفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين:

قد كنت أبكي على ما فات مني من فرح وأهل ودي جمـيعـاً غـير أشـتـات

واليوم فـرق مـا بـينـي وبـينـهـم دهري فأبكي على أهـل الـمـودات

ثم إن علي بن بكار أطرق رأسه إلى الأرض يتفكر وبعد ساعة رفع رأسه إلى خادم له وقال له: امض إلى دار أبي الحسن واسأل عنه هل هو مقيم أم مسافر؟ فإن قالوا: سافر فاسأل إلى أي ناحية توجه؟ فمضى الغلام وغاب ساعة ثم أقبل إلى سيده وقال: إني لما سألت عن أبي الحسن أخبرني أتباعه أنه مسافر إلى البصرة ولكن وجدت جارية واقفة على الباب فلما رأتني عرفتني ولم أعرفها وقالت لي: هل أنت غلام علي بن بكار؟ فقلت لها: نعم فقالت: إني معي رسالة إليه من عند أعز الناس عليه فجاءت معي وهي واقفة على الباب، فقال علي بن بكار: أدخلها، فطلع الغلام إليها وأدخلها فنظر الرجل الذي عند علي بن بكار إلى الجارية فوجدها ظريفة ثم إن الجارية تقدمت إلى علي بن بكار وسلمت عليه.

و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما دخلت على علي بن بكار تقدمت إليه وسلمت عليه وتحدثت معه سراً وصار يقسم في أثناء الكلام ويحلف أنه لم يتكلم بذلك، ثم ودعته وانصرفت وكان الرجل صاحب أبي الحسن جواهرجياً فلما انصرفت الجارية وجد للكلام محلاً فقال لعلي بن بكار: لا شك ولا ريب لدار الخلافة عليك مطالبة أو بينك وبينها معاملة فقال: ومن أعلمك بذلك؟ فقال: معرفتي بهذه الجارية لأنها جارية شمس النهار وكانت جاءتني من مدة برقعة مكتوب فيها أنها تشتهي عقد جواهر فأرسلت لها عقداً ثميناً.

فلما سمع علي بن بكار كلامه اضطرب حتى غشي عليه ثم عاد إلى نفسه وقال: يا أخي سألتك بالله من أين تعرفها؟ فقال له الجواهرجي: دع الإلحاح في السؤال، فقال له علي بن بكار: لا أرجع عنك إلا إذا أخبرتني بالصحيح فقال له الجواهرجي: أنا أخبرك بحيث لا يدخلك مني وهم ولا يعتريك من كلامي انقباض ولا أخفي عنك سراً وأبين لك حقيقة الأمر ولكن بشرط أن تخبرني بحقيقة حالك وسبب مرضك، فأخبره بخبره ثم قال: والله يا أخي ما حملني على كتمان أمري من غيرك إلا مخافة أن الناس تكشف أستار بعضها فقال الجواهرجي لعلي بن بكار: وأنا ما اردت اجتماعي بك إلا لشدة محبتي لك وغيرتي عليك وشفقتي على قلبك من ألم الفراق عسى أن أكون لك مؤنساً نيابة عن صديقي أبو الحسن مدة غيبته فطب نفساً وقر عيناً فشكره علي بن بكار على ذلك وأنشد هذين البيتين:

ولو قلت اني صابر بعـد بـعـده لكذبني دموع وفرط نـحـيبـي

وكيف أداري مدمعـاً جـريانـه على صحن خدي من فراق حبيبي

ثم إن علي بن بكار سكت ساعة من الزمان وبعد ذلك قال للجواهرجي أتدري ما أمرتني به الجارية؟ فقال: لا والله يا سيدي فقال: إنها زعمت أني أشرت على أبي الحسن بالمسير إلى مدينة البصرة وانني دبرت بذلك حيلة لأجل عدم المراسلة والمواصلة فحلفت لها أن ذلك لم يكن فلم تصدقني ومضت إلى سيدتها وهي على ما هي عليه من سوء الظن لأنها كانت تصغي إلى أبي الحسن، فقال الجواهرجي: يا أخي إني فهمت من حال هذه الجارية هذا الأمر ولكن إن شاء الله تعالى أمون عوناً لك على مرادك فقال له علي بن بكار: وكيف تعمل معها وهي تنفر كوحش الفلاة؟ فقال له: لا بد أن أبذل جهدي في مساعدتك واحتيالي في التوصل إليها من غير كشف ستر ولا مضرة ثم استأذن في الإنصراف فقال له علي بن بكار: يا أخي عليك بكتمان السر ثم نظر إليه وبكى فودعه وانصرف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعون بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي ودعه وانصرف وهو لا يدري كيف يعمل في إسعاف علي بن بكار ومازال ماشياً وهو متفكر في أمره إذ رأى ورقة مطروحة في الطريق فأخذها ونظر عنوانها وقرأها فإذا هي من المحب الأصغر إلى الحبيب الأكبر ففتح الورقة فرأى مكتوباً فيها هذين البيتين:

جاء الرسول بوصل منك يطمعني وكان أكثر ظني أنـه وهـمـا

فما فرحت ولكن زادني حـزنـاً علمي بأن رسولي لم يمن فهمـا

و بعد فاعلم يا سيدي أنني لم أدر ما سبب قطع المراسلة بيني وبينك فإن يكن صدر منك الجفاء فأنا أقابله بالوفاء وإن يكن ذهب منك الوداد فانا أحفظ الود على البعاد كما يقول الشاعر:

به أحتمل وأستطل أصبر وعزاهن وول أقبل وقل اسمع ومر اطلع

فلما قرآها إذا بالجارية أقبلت تتلفت يميناً وشمالاً فرأت الورقة في يده فقالت: إن هذه الورقة وقعت مني فلم يرد عليها جواباً ومشى ومشت الجارية خلفه إلى أن أقبل على داره ودخل والجارية خلفه فقالت له: يا سيدي رد لي هذه الورقة فإنها سقطت مني فالتفت إليها وقال: يا جارية لا تخافي ولا تحزني ولكن أخبريني الصدق فإني كتوم للأسرار وأحلفك يميناً أنك لا تخفي عني شيئاً من أمر سيدتك فعسى الله أن يعينني على قضاء أغراضك ويسهل الأمور الصعاب على يدي، فلما سمعت الجارية كلامه قالت: يا سيدي ما ضاع سر أنت حافظه ولا خاب أمر أنت تسعى في قضائه ن اعلم أن قلبي مال إليك فانا أخبرك بحقيقة الأمر لتعطيني الورقة، ثم أخبرته بالخبر كله وقالت: والله على ما أقول شهيد، فقال لها: صدقت فإن عندي علم بأصل الخبر ثم حدثها بحديث علي بن بكار وكيف أخذ ضميره وأخبرها بالخبر من أوله إلى آخره. فلما سمعت ذلك فرحت واتفقا على انها تأخذ الورقة وتعطيها لعلي بن بكار وجميع ما يحصل ترجع إليه وتخبره به فأعطاها الورقة فأخذتها وختمتها كما كانت وقالت: إن سيدتي شمس النهار أعطتها إلي مختومة فإذا قرأها ورد جوابها أتيتك به. ثم إن الجارية ودعنه وتوجهن إلى علي بن بكار فوجدته في افنتظار فاعطته الورقة وقرأها ثم كتب لها ورقة رد للجواب وأعطاها لها فأخذتها ورجعت بها إلى الجواهرجي حسب الإتفاق ففض ختمها وقرأها فرأى مكتوباً فيها:

إن الرسول الذي كانت رسائلـنـا مكتومة عنده ضاقت وقد غضبـا

فاستخلصوا لي رسولاً منكم ثـقة يستحسن الصدق لا يستحسن الكذبا

و بعد فإني لم يصدر مني جفاء ولا تركت وفاء ولا نقضت عهداً ولا قطعت وداً ولا فارقت أسفاً وو لا لقيت بعد الفراق إلا تلفاً ولا علمت أصلاً بما ذكرتم ولا أحب غير ما احببتم وحق عالم السر والنجوى وا قصدي غير الإجتماع بمن أهوى وشأني كتمان الغرام وإن أمرضني السقام وهذا شرح حالي والسلام. فلما قرأ الجواهرجي هذه الورقة وعرف ما فيها بكى بكاءً شديداً ثن إن الجارية قالت له: لا تخرج من هذا المكان حتى أعود إليك لأنه قد اتهمني بأمر من الأمور وهومعذور وانا أريد أن أجمع بينك وبين سيدتي شمس النهار بأي حيلة فإني تركتها مطروحة وهي تنتظر مني رد الجواب. ثم إن الجارية مضت إلى سيدتها ولم تغب إلا قليلاً وعادت إلى الجواهرجي وقالت له: احذر أن يكون عندك جارية أم غلام؟ فقال: ما عندي غير جارية سوداء كبيرة السن تخدمني فقامت الجارية وأغلقت الأبواب بين جارية الجواهرجي وبينه وصرفت غلمانه إلى خارج الدار ثم خرجت الجارية وعادت ومعها جارية خلفها ودخلت دار الجواهرجي فعبقت الدار من الطيب فلما رآها الجواهرجي نهض قائماً ووضع لها مخدة وجلس بين يديها فمكثت ساعة لا تتكلم حتى استراحت ثم كشفت وجهها فخيل للجواهرجي أن الشمس أشرقت في منزله ثم قالت لجارتها: هذا الرجل الذي قلت لي عليه؟ فقالت الجارية: نعم فالتفتت إلى الجواهرجي وقالت له: كيف حالك؟ قال: بخير، ودعا لها، فقالت: إنك حملتنا المسير إليك وإن نطلعك على ما يكون من سرنا، ثم سألته عن اهله وعياله فأخبرها بجميع احواله وقال لها: إن لي داراً غير هذه الدار جعلتها للإجتماع بالاصحاب والأخوان ليس لي فيها إلا ما ذكرته لجاريتك، ثم سألته عن كيفية اطلاعه على أصل القصة فاخبرها بما سألته عنه من أول الأمر إلى آخره فتأوهت على فراق إبي الحسن وقالت: يا فلان اعلم أن أرواح الناس متلائمة في الشهوات والناس بالناس ولا يتم عمل إلا بقول، ولا يتم غرض إلا بمعين، ولا تحصل راحة إلا بعد تعب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شمس النهار قالت للجواهرجي: لا تحصل راحة إلا من بعد تعب ولا يظهر نجاح إلا من ذوي مروءة، وقد أطلعتك الآن على أمرنا وصار بيدك هتكاً ولا زيادة لما أنت عليه من المروءة، فأنت قد علمت إن جاريتي هذه كاتمة لسري وبسبب ذلك لها رتبة عظيمة عندي وقد اختصصتها بمهمات أموري فلا يكن عندك أعز منها وأطلعها على أمرك وطب نفساً فأنت آمن مما تخافه من جهتنا ومما يسد عليك موضع إلا وتفتحه لك وهي تأتيك من عندي بأخبار علي بن بكار وتكون أنت الواسطة في التبليغ بيني وبينه.

ثم إنشمس النهار قامت وهي لا تستطيع القيام ومشت فتمشى بين يديها الجواهري حتى وصلت إلى باب الدار، ثم رجع وقعد في موضعه بعد أن نظر من حسنها ما بهره وسمع من كلامها ما حير عقله وشاهد من ظرفها وأدبها ما أدهشه، ثم استمر يتفكر في شمائلها حتى سكنت نفسه وطلب الطعام فأكل ما يمسك رمقه، ثم غير ثيابه وخرج من داره وتوجه إلى علي بن بكار غلمانه ومشوا بين يديه إلى أن وصلوا إلى سيدهم فوجدوه ملقى على فراشه.

فلما رأى الجواهرجي قال له: أبطأت علي فزدتني هماً على همي، ثم صرف غلمانه وأمر بغلق أبوابه وقال له: والله ما غمضت عيني من يوم ما فارقتني فإن الجارية جاءتني بالأمس ومعها رقعة مختومة من عند سيدتها شمس النهار وحكى له علي بن بكار على جميع ما وقع له معها وقال: لقد تحيرت في أمري وقل صبري وكان لي ابو الحسن أنيساً لأنه يعرف الجارية، فلما سمع الجواهرجي كلام ابن بكار ضحك فقال له ك تضحك من كلامي وقد استبشرت بك واتخذتك عدة للنائبات؟ ثم بكى وأنشد هذه الأبيات:

وضاح من بكائي حين أبصرني لو كان قاسى الذي قاسيت أبكاه

لم يرث للمبتلي ممـا يكـابـده إلا شبح منه قد طـال بـلـواه

وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي إلى حبيب زوايا القلب مـأواه

حل الفؤاد مقيمـاً لا يفـارقـه وقتاً ولكنه ضعيف قد عز لقياه

ما لي سواه خليل أرتضي بـدلاً وما اصطفيت حبيباً قط إلا هو

فلما سمع الجواهرجي منه هذا الكلام وفهم الشعر والنظام بكى لبكائه وأخبره بما جرى مع الجارية من حين فارقه فصار ابن بكار يصغي إلى كلامه وكلما سمع منه كلمة يتغير لون وجهه من صفرة إلى احمرار ويقوى جسمه مرة ويضعف أخرى، فلما انتهى إلى آخر الكلام بكى ابن بكار وقال له: يا أخي أنا على كل حال هالك فليت أجلي قريب وأسألك من فضلك أن تكون ملاطفي في جميع أموري إلى أن يقضي الله ما يريد وانا لا أخالف لك قولاً. فقال الجواهرجي: لا يطفئ عنك هذه النار إلا الإجتماع بمن شغفت بها ولكن في غير هذا المكان وإنما يكون ذلك عندي في بيت جنب بيتي الذي جاءتني فيه الجارية هي وسيدتها وهو الموضع الذي اختارته لنفسها والمقصود اجتماعكما ببعضكما وفيه تشكوان لبعضكما ما قاسيتما. فقال علي بن بكار: افعل ما تريد والذي تراه هو الصواب.

قال الجواهرجي: فأقمت عنده تلك الليلة أسامره إلى أنأصبح الصباح، ثم صليت الصبح وخرجت من عنده وذهبت إلى منزلي فما استقريت إلا قليلاً وسلمت علي فرددت عليها السلام وحدثتها بما كان بيني وبين علي بن بكار، فقالت الجارية: اعلم أن الخليفة توجه من عندنا وإن مجلسنا لا أحد فيه وهو أستر لنا وأحسن فقلت لها: كلامك صحيح ولكنه ليس كمنزلي هذا.

فقالت الجارية: إن الرأي ما تراه أنت وأنا ذاهبة إلى سيدي لأخبرها بما ذكرت وأعرض عليها ما قلت، ثم إن الجارية توجهت إلى سيدتها وعرضت عليها الكلام وعادت إلى منزلي وقالت لي: إن سيدتي رضيت بما قلته، ثم إن الجارية أخرجت من جيبها كيساً فيه دنانير وقالت: إن سيدتي تسلم عليك وتقول لك: خذ هذا واقض لنا ما نحتاج إليه، فأقسمت أني لا أصرف شيئاً منه فأخذته الجارية وعادت إلى سيدتها وقالت لها: إنه ما قبل الدراهم بل دفعها إلي، وبعد رواح الجارية ذهبت إلى داري الثانية وحولت إليها من الآلت والفرش ما يحتاج إليه الحال ونقلت إليها أواني الفضة والصيني وهيأت جميع ما نحتاج إليه من المآكل والمشرب. فلما حضرت الجارية ونظرت ما فعلته أعجبها وأمرتني بإحضار علي بن بكار فقلت: ما يحضر به إلا أنت، فذهبت إليه واحضرته على أتم حال وقد راقت محاسنه فلما جاء قابلته ورحبت به وأجلسته على مرتبنة تصلح له ووضعت بين يديه شيئاً من المشموم في بعض الأواني الصيني والبلور وصرت أتحدث معه ساعة من الزمان، ثم إن الجارية مضت وغابت إلى بعد صلاة المغرب ثم عادت ومعها شمس النهار ووصيفتان لا غير فلما رأت علي بن بكار ورآها سقطا على الأرض مغشياً عليهما واستمرا ساعة زمنية فلما أفاقا أقبلا على بعضهما ثم جلسا يتحدثان بكلام رقيق وبعد استعملا شيئاً من الطيب ثم إنهما صارا يشكران صنعي معهما. فقلت لهما: هل لكما في شيء من الطعام؟ فقالا نعم، فأحضرت شيئاً من الطعام فاكلا حتى اكتفيا ثم غسلا أيديهما ثم نقلتهما إلى مجلس آخر واحضرت لهما الشراب فشربا وسكرا ومالا على بعضهما، ثم إن شمس النهار قالت لي: يا سيدي كمل جميلك واحضر لنا عوداً أو شيئاً من آلت الملاهي حتى أننا نكمل حظنا في هذه الساعة، فقلت: على رأسي وعيني، ثم إني قمت واحضرت عوداً فأخذته وأصلحته ثم إنها وضعته في حجرها وضربت عليه جميلاً ثم أنشدت هذين البيتين:

أرقت حتى كأني أعشق الأرقـا وذبت حتى تراءى السقم لي خلقا

وفاض دمعي على خدي فأحرقه يا ليت شعري هل بعد الفراق لقا

ثم إنها أخذت في غناء الأشعار حتى حيرت الأفكار بأصوات مختلفات وإشارات رائقات وكاد المجلس أن يصح من شدة الطرب لما أتت فيه من مغانيها بالعجب، ثم قال الجواهرجي: ولما استقر بنا الجلوس ودارت بيننا الكؤوس أطربت الجارية بالنغمات وانشدت هذه الأبيات:

وعد الحبيب بوصله ووفى لي في ليلة ساعدها بـلـيالـي

يا ليلة سمح الزمان لنا بـهـا في غفلة الواشين والعـذال

بات الحبيب يضمني بيمينـه فضممته من فرحي بشمالي

عانقته ورشفت خمرة ريقـه وحظيت بالمعسول والعسال

ثم إن الجواهرجي تركهما في تلك الدار وانصرف إلى دار سكناه وبات فيها إلى الصباح، ولما أصبح الصبح صلى فرضه وشرب القهوة وجلس يفكر في المسير إليهما في داره الثانية، فبينما هو جالس إذ دخل عليه جاره وهو مرعوب وقال: يا أخي ما هان علي الذي جرى لك الليلة في دارك الثانية، فقلت له: يا أخي وأي شيء جرى في داري؟ فقال له: إن اللصوص قد رأوك بالأمس وأنت تنقل حوائجك إلى دارك الثانية فجاؤا إليها ليلاً وأخذوا ما عندك. وقد حضرت لداري تلك فوجدتها خالية من الأثاث، ولا أثر لعلي بن بكار وشمس النهار ولا لوصيفتيها، فدهشت لذلك وبعدفترة وجيزة جاءني شخص لا أعرفه فقال لي: إذا كنت تريد إعادة أغراضك إليك فسر معي ولا تتكلم بشيء، فسرت معه فأخذني لعند رفاقه الذين قالوا لي: أطلعنا على خبرك ولا تكذب في شيء، فقلت لهم: اعلموا إن حالي عجيب وأمري غريب فهل عندكم شيء من خبري؟ فقالوا: نعم نحن الذين أخذنا أمتعتك في الليلة الماضية وأخذنا صديقك والتي كانت تغني، فقلت لهم: أسبل الله عليكم ستره، أين صديقي هو والتي كانت تغني؟ فأشاروا إلي بأيديهم إلى ناحية وقالوا: ههنا ولكن يا أخي ما ظهر على سرهما أحد منا ومن حين أتينا بهما لم نجتمع عليهما ولم نسألهما عن حالهما لما رأينا عليهما من الهيبة والوقار وهذا هو الذي منعنا عن قتلهما فأخبرنا عن حقيقة أمرهما وانت في أمان على نفسك وعليهما، قال الجواهرجي: فلما سمعت هذا الكلام.

و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي قال: لما سمعت هذا الكلام كدت أهلك من الخوف والفزع وقلت لهم: اعلموا أن المرأة إذا ضاعت لا توجد إلا عندكم وإذا كان عندي سر أخاف إفشاءه فلا يخفيه إلا صدوركم، وصرت أبالغ في هذا المعنى، ثم إني وجدت المبادرة لهم باحديث أنفع من كتمانه بجميع ما وقع لي حتى انتهيت آخر الحديث، فلما سمعوا حكايتي قالوا: وهل هذا الفتى علي بن بكار وهذه شمس النهار؟ فقلت لهم: نعم، فذهبوا إليهما واعتذروا لهما ثم قالوا: إن الذي أخذناه من دارك ذهب بعضه وهذا ما بقي منه، ثم ردوا إلي أكثر الأمتعة والتزموا أنهم يعيدوها إلى محلها في داري ويردون إلي الباقي ولكن اقسموا نصفين فصار قسم منهم معيثم خرجبا من تلف الدار، هذا ما كان من أمري.

و أما ما كان من أمر علي بن بكار وشمس النهار فإنهما قد أشرفا على الهلاك من الخوف، ثم تقدمت إلى علي بن بكار وشمس النهار وسلمت عليهما وقلت لهما: يا ترى ما جرى للجارية والوصيفتين وأين ذهبتا؟ فقالا: لا علم لنا بهن ولم نزل سائرين إلى أن انتهينا إلى المكان الذي فيه الزورق فأطلعونا فيه وإذا هو الزورق الذي عدينا بالأمس فقذف بنا الملاح حتى أوصلنا إلى البر الثاني فانزلونا فم استقر بنا الجلوس على جانب البر حتى جاءت خيالة واحاطوا بنا من كل جانب فوثب الذين معنا عاجلاً كالعقبان فرجع لهم الزورق فنزلوا فيه وسار بهم في البحر وبقيت أنا وعلي بن بكار وشمس النهار على شاطيء البحر لا نستطيع حركة ولا سكوناً فقال لنا الخيالة: من أين انتم؟ فتحيرنا في الجواب.

قال الجواهرجي: فقلت لهم: إن الذين رأيتموهم لا نعرفهم وإنما رأيناهم هنا وأما نحن فمغنون فأرادوا أخذنا لنغني لهم فما تخلينا منهم إلا بالحيلة ولين الكلام فأفرجوا عنا في هذه الساعة وقد كان منهم ما رأيتم من أمرهم فنظر الخيالة إلى شمس النهار وإلى علي بن بكار ثم قالوا لي: لست صادقاً فأخبرنا من أنتم ومن أين أتيتم وما موضعكم وفي أي الحارات انتم ساكنون؟ قال الجواهرجي: فلم أدر ما أقول، فوثبت شمس النهار وتقدم إلى مقدم الخيالة وتحدثت معه سراً فنزل من فوق جواده واركبها عليه وأخذ بزمامها وصار يقودها وكذلك فعل بعلي بن بكار وبي أيضاً. ثم إن مقدم الخيالة لم يزل سائراً بنا إلى موضع على جانب البحر وصاح بالرطانة فأقبل له جماعة من البرية فأطلعنا المقدم في زورق وأطلع أصحابه في زورق آخر فقذفوا بنا إلى أن انتهينا إلى دار الخلافة ونحن نكابد الموت من شدة الخوف فدخلت شمس النهار وأما نحن فرجعنا ولم نزل سائرين إلى أن انتهينا إلى المحل الذي نتوصل منه إلى موضعنا فنزلنا على البر ومشينا ومعنا جماعة من خيالة يؤانسوننا إلى أن دخلنا الدار، وحين دخلناها ودعنا من كان معنا من الخيالة ومضوا في حال سبيلهم، وأما نحن فقد دخلنا مكاننا ونحن لا نقدر أن نتحرك من مكاننا ولا ندري الصباح من المساء، ولم نزل على هذه الحالة إلى أن أصبح الصباح.

فلما جاء آخر النهار سقط علي بن بكار مغشياً عليه وبكت عليه النساء والرجال وهو مطروح لم يتحرك فجاءني بعض أهله وقالوا: حدثنا بما جرى لولدنا وأخبرنا بسبب الحال الذي هو فيه؟ فقلت: يا قوم اسمعوا كلامي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي قال: لا تفعلوا به مكروهاً واصبروا وهو يفيق ويخبركم بقصته بنفسه، ثم شددت عليهم وخوفتهم من الفضيحة بيني وبينهم، فبينما نحن كذلك وإذا بعلي بن بكار تحرك من فراشه ففرح أهله وانصرف الناس عنه ومنعني أهله من الخروج من عنده ثم رشوا ماء الورد على وجهه، فلما أفاق وشم الهواء صاروا يسألونه عن حاله فصار يخبرهم ولسانه لا يرد جواباً بسرعة، ثم أشار إليهم أن يطلقوني لأذهب إلى منزلي فأطلقوني فخرجت، فلما أردت المسير رأيت امرأة واقفة فتأملتها وإذا هي جارية شمس النهار فلما عرفتها سرت وهرولت في سيري فتبعتني فداخلني منها الفزع وصرت كلما أنظرها يأخذني الرعب منها وهي تقول لي: قف حتى أحدثك بشيء وأنا لم ألتفت إليها ولم أزل سائراً إلى مسجد في موضع خال من الناس فقالت لي: ادخل المسجد لأقول لك كلمة ولا تخف من شيء، فدخلت المسجد ودخلت خلفي فصليت ركعتين ثم تقدمت إليها وأنا أتأوه وقلت لها: ما بالك؟ فسألتني عن حالي فحدثتها بما وقع لي وأخبرتها بما جرى لعلي بن بكار وقلت لها: ما خبرك؟ فقالت: اعلم أني لما رأيت الرجال كسروا باب دارك ودخلوا خفت منهم وخشيت أن يكونوا من عند الخليفة فيأخذوني أنا وسيدتي فنهلك من وقتنا فهربت من السطوح أنا والوصيفتان ورمينا أنفسنا من مكان عال ودخلنا على قوم فهربنا عندهم حتى وصلنا إلى قصر الخلافة ونحن على أقبح صفة ثم أخفينا أمرنا وصرنا نتقلب على الجمر إلى أن جن الليل ففتحت باب البحر واستدععيت الملاح الذي أخرجنا تلك الليلة وقلت له: إن سيدتي لم نعلم لها خبراً احملني في الزورق حتى أفتش عليها في البحر لعلي أقع على خبرها فحملني في الزورق وسار بي ولم أزل سائرة في البحر حتى انتصف الليل فرأيت زورقاً أقبل لإلى جهة الباب وفيه رجلاً يقذف ومعه رجل آخر وامرأة مظروحة بينهما وما زال يقذف حتى وصل إلى البر فلما نزلت المرأة تأملتها فإذا هي شمس النهار فنزلت إليها وقد اندهشت من الفرحة لما رأيتها بعدما قطعت الرجاء منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للجواهرجي فنزلت إليهما وقد اندهشت من الفرح فلما تقدمت بين يديها أمرتني أن أدفع إلى الرجل الذي جاء بها ألف دينار، ثم حملتها أنا والوصيفتان إلى أن ألقيناها على فراشها فأقامت تلك الليلة على حالة مكدرة، فلما أصبح الصباح منعت الجواري والخدم من الدخول عليها والوصول إليها ذلك اليوم وفي ثاني يوم أفاقت مما كان بها، فوجدتها كأنها خرجت من مقبرة فرئت على وجهها ماء الورد وغيرت ثيابها وغسلت يديها ورجليها ولم أزل ألاطفها حتى أطعمتها شيئاً من الطعام وأسقيتها شيئاً من الأشربة وهي ليس لها قابلية في شيء من ذلك فلما شمت الهواء وتوجهت إليها العافية قلت لها: يا سيدتي أرفقي بنفسك فقد حصل لك من المشقة ما فيه الكفاية فإنك قد أشرفت على الهلاك فقالت: والله يا جارية الخير إن الموت عندي اهون مما جرى لي فإني كنت مقتولة لا محالة لأن اللصوص لما خرجوا بنا من دار الجواهرجي سألوني وقالوا: من أنت وما شأنك؟ فقلت: أنا جارية من المغنيات فصدقوني ثم سألوا علي بن بكار عن نفسه وقالوا: من أنت وما شأنك؟ فقال: أنا من عوام الناس فأخذونا وسرنا معهم إلى أنانتهوا بنا إلى موضعهم، ونحن نسرع في السير معهم من شدة الخوف.

فلما استقروا بنا في أماكنهم تأملوني ونظروا ما علي من الملبوس والعقود والجواهر فأنكروا أمري وقالوا: إن هذه العقود لا تكن لواحدة من المغنيات ثم قالوا: صدقينا وقولي لنا الحق وما قضيتك؟ فلم أرد عليهم جواباً بشيء وقلت في نفسي: الآن يقتلونني لأجل ما علي من الحلي والحلل فلم أنطق بكلمة ثم التفتوا إلى علي بن بكار وقالوا له: من أين أنت فإن رؤيتك غير رؤية العوام، فسكت وصرنا نكتم أمرنا ونبكي فحنن الله علينا قلوب اللصوص. فقالوا لنا: من صاحب الدار التي كنتما فيها؟ فقلنا لهم: صاحبها فلان الجواهرجي فقال واحد منهم: أنا أعرفه حق المعرفة وأعرف أنه ساكن في داره الثانية وعلي أن آتيكم به في هذه الساعة، واتفقوا على أن يجعلني في موضع وحدي وعلي بن بكار في موضع وحده وقالوا لنا: استريحا ولا تخافا أن ينكشف خبركما وأنتما في أمان منا ثم إن صاحبهما مضى إلى الجواهرجي وأتى به وكشف أمرنا لهم وأجمعنا عليه، ثم إن رجلاً منهم أحضر لنا زورقاً وأطلعونا فيه وعدوا بنا إلى الجانب الثاني ورمونا إلى البر وذهبوا فأتت خيالة من أصحاب العسس وقالوا: من تكونون؟ فتكلمت مع مقدم العسس وقلت له: أنا شمس النهار محظية الخليفة وقد سكرت وخرجت لبعض معارفي من نساء الوزراء فجاءني اللصوص وأخذوني وأوصلوني إلى هذا المكان، فما رأوكم فروا هاربين وأنا قادرة على مكفأتك.

فلما سمع كلامي مقدم الخيالة عرفني ونزل عن مركوبه وأركبني وفعل كذلك مع علي بن بكار والجواهرجي وفي كبدي الآن من أجلهما لهيب النار لا سيما الجواهرجي رفيق اب بكار فامض إليه وسلمي عليه واستفسري عن علي بن بكار فلمتها على ما وقع منها وحذرتها وقلت لها: يا سيدتي خافي على نفسك فصاحت علي وغضبت من كلامي. ثم قمت من عندها وجئت فلم أجدك وخشيت من الرواح إلى ابن بكار فصرت واقفة أترقبك حتى أسألك عنه وأعلم ما هو فيه فأسألك من فضلك أن تاخذ مني شيئاً من المال فإنك ربما استعرت أمتعة من أصحابك وضاعت عليك فتحتاج أن تعوض على الناس ما ذهب لهم من الأمتعة، قال الجواهرجي فقلت: سمعاً وطاعة ثم مشيت معها إلى أنأتينا إلى قرب محلي فقالت لي: قف هنا حتى أعود إليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية مضت ثم عادت وهي حاملة المال فأعطته للجواهرجي وقالت له: يا سيدي أنجتمع بك في أي محل؟ قال الجواهرجي، فقلت لها: أتوجه إلى داري في هذه الساعة وأتحمل الصعوبة لأجل خاطرك واتدبر فيما يوصلك إليه فإنه يتعذر إليه في مثل هذا الوقت ثم ودعتني ومضت فحملت المال وأتيت به إلى منزلي وعددت المال فوجدته خمسة آلف دينار فأعطيت أهلي منه شيئاً ومن كان له عندي شيء أعطيته عوضاً منه، ثم إني أخذت غلماني وذهبت إلى الدار التي ضاعت منها الأمتعة وجئت بالنجارين والبنائين فأعادوها إلى ما كانت عليه، وجعلت جاريتي فيها ونسيت ما جرى لي ثم تمشيت إلى دار علي بن بكار، فلما وصلت إليها أقبل غلمانه علي وقال لي واحد منهم: إن غلمان سيدي في طلبك ليلاً ونهاراً وقد وعدهم أن كل من أتاه بك يعتقه فهم يفتشون عليك ولم يعرفوا لك موضعاً وقد رجعت إلى سيدي عافيته وهو تارة يفيق وتارة يستغرق، فلما يفيق يذكرك ويقول: لا بد أن تحضروه لحظة لي ويعود إلى حال سبيله قال الجواهرجي: فمضيت مع الغلام إلى سيده فوجدته لا يستطيع الكلام فلما رأيته جلست عند رأسه ففتح عينيه فلما رأني قال: اعلم أن لكل شيء نهاية، ونهاية الهوى الموت أو الوصال وأنا إلى الموت أقرب فيا ليتني مت من قبل الذي جرى ولولا أن الله لطف بنا لافتضحنا ولا أدري ما الذي يوصلني إلى الخلاص مما أنا فيه ولولا خوفي من الله تعالى لعجلت على نفسي بالهلاك واعلم يا أخي أنني كالطير في القفص وإن نفسي هالكة من الغصص ولكن لها وقت معلوم وأجل محتوم ثم أفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين:

شكا ألم الفراق الناس قبلـي وروع بالنوى حي ومـيت

واما مثل ما ضمت ضلوعي فإني ما سمعـت ولا رأيت

فلما فرغ من شعره قال له الجواهرجي: يا سيدي اعلم أني عزمت على الذهاب إلى داري فلعل الجارية ترجع إلي بخبر، فقال علي بن بكار: لا بأس بذلك ولكن أسرع بالعودة عندنا لأجل أن تخبرني. قال الجواهرجي فودعته وانصرفت إلى داري فلم يستقر بي الجلوس حتى رأيت الجارية أقبلت وهي في بكاء ونحيب فقلت لها: ما سبب ذلك؟ فقالت يا سيدي اعلم أنه حل بنا ما حل من أمر نخافه فإني مضيت من عندك بالأمس، وجدت سيدتي مغتاظة على وصيفة من الوصيفتين اللتين كانتا معنا تلك الليلة وامرت بضربها فخافت من سيدتها وهربت فلاقاها بعض الموكلين بالباب، وأراد ردها إلى سيدتها فلوحت له بالكلام فلاطفها واستنطقها عن حالهافإخبرته بما كنا فيه فبلغ الخبر إلى الخليفة فأمر بنقل سيدتي شمس النهار وجميع ما لها إلى درجة الخلافة ووكل بها عشرين خادماً ولم أجتمع بها إلى الآن ولم أعلمها بالسبب وتوهمت أن بسبب ذلك فخشيت على نفسي واحترت يا سيدي ولم أدر كيف أحتال في أمري وأمرها ولم يكن عندها حفظ لكتمان السر مني، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للجواهرجي: توجه يا سيدي إلى علي بن بكار سريعاً وأخبره بذلك لأجل أن يكون على أهبة فإذا انكشف الأمر نتدبر في شيء نفعله لنجاة أنفسنا. فأخذني من ذلك هم عظيم وصار الكون في وجهي ظلاماً كمن كلام الجارية وهمت الجارية بالإنصراف فقلت لها: وما الرأي؟ فقالت لي: الرأي أن تبادر إلى علي بن بكار إن كان صديقك وتريد له النجاة وانت عليك تبليغ هذا الخبر بسرعة وأنا علي أن أتقيد باستنشاق الأخبار ثم ودعتني وخرجت. فلما خرجت الجارية قمت وخرجت في أثرها وتوجهت إلى علي بن بكار فوجدته يحدث نفسه بالوصل ويعللها بالمجال فلما رآني رجعت إليه عاجلاً قال: إني أراك رجعت إلي في الحال قلت له: أقصر من التعلق البطال ودع ما أنت فيه من الإشتعال فقد حدث حادث يقضي إلى تلف نفسك ومالك فلما سمع هذا الكلام تغير حاله وانزعج وقال للجواهرجي: يا أخي أخبرني بما وقع؟ فقال له الجواهرجي: يا سيدي اعلم أنه قد جرى ما هو كذا وكذا وانك إن أقمت في دارك هذه إلى آخر النهار فأنت تالف لا محالة، فبهت علي بن بكار وكادت روحه أن تفارق جسده، ثم استرجع بعد ذلك وقال له: ماذا نفعل يا أخي وما عندك من الرأي؟ قال الجواهرجي، فقلت له: الرأي أن تأخذ معك من مالك ما تقدر عليه ومن غلمانك ما تثق به وان تمضي بنا إلى ديار هذه قبل أن ينقضي هذا النهار فقال سمعاً وطاعة، ثم وثب وهو متحير في أمره فتارة يمشي وتارة يقع وأخذ ما قدر عليه واعتذر إلى أهله وأوصاهم بمقصوده وأخذ معه ثلاثة جمال محملة وركب دابة وقد فعلت أنا كما فعل، ثم خرجنا خفية وسرنا ولم نزل سائرين باقي يومنا وليلتنا فلما كان آخر النهار حططنا حمولنا وعقلنا وجمالنا ونمنا فحل علينا التعب وغفلنا عن انفسنا وإذا باللصوص أحاطوا بنا وأخذوا جميع ما كان معنا وقتلوا الغلمان ثم تركونا بأماكننا ونحن في أقبح حال بعد أن أخذوا المال وساروا، فلما قمنا مشينا إلى أنأصبح الصباح فوصلنا إلى بلد فدخلناها وقصدنا مسجده ونحن عرايا وجلسنا في جنب المسجد باقي يومنا فلما جاء الليل بتنا في المسجد تلك الليلة ونحن من غير أكل ولا شرب فلما أصبح الصباح وجلسنا وإذا برجل داخل فسلم علينا وصلى ركعتين. ثم التفت لإلينا وقال: يا جماعة هل انتم غرباء؟ قلنا: نعم وقطع اللصوصعلينا الطريق وغزونا ودخلنا هذه البلدة ولا نعرف فيها أحداً نأوي عنده، فقال لنا الرجل هل لكم أن تقوموا معي إلى دياري؟ قال الجواهرجي فقلت لعلي بن بكار: قم بنا معه فننجو من أمرين: الأول اننا نخشى أن يدخل علينا احد يعرفنا في هذا المسجد فنفتضح، والثاني أننا أناس غرباء وليس لنا مكان نأوي إليه.

فقال علي بن بكار: افعل ما تريد ثم إن الرجل قال لنا ثاني مرة: يا فقراء أطيعوني وسيروا معي إلى مكاني قال الجواهرجي فقلت له: سمعاً وطاعة، ثم إن الرجل خلع لنا شيئاً من ثيابه وألبسنا ولاطفنا فقمنا معه إلى داره فطرق الباب فخرج إلينا خادم صغير وفتح الباب، فدخل الرجل صاحب المنزل ودخلنا خلفه ثم إن الرجل أمر بإحضار بقجة فيها أثواب وشاشات فألبسنا حلتين وأعطانا وأعطانا شاشين فتعممنا وجلسنا وإذا بجارية أقبلت لإلينا بمائدة ووضعتها بين أيدينا فاكلنا وشربنا شيئاً يسيراً ورفعت المائدة ثم أقمنا عنده إلى أن حل الليل. فتأوه علي بن بكار وقال للجواهرجي: يا أخي اعلم انني هالك لا محالة وأريد أن اوصيك وصية وهو انك إذا رأيتني مت تذهب إلى هذا المكان لأجل أن تأخذ عزابي، وتحضر غسلي وأوصيها أنتكون صابرة على فراقي ثم وقع مغشياً عليه فلما أفاق سمع جارية تغني من بعيد وتنشد الأشعار فصار يصغي إليها ويسمع صوتها وهو تارة يضحك وتارة يبكي شجناً وحزناً مما أصابه فسمع الجارية تطرب بالنغمات وتنشد هذه الأبيات:

عجل البين بيننـا بـالـفـراق بعد ألف وجـيرة واتـفـاق

فرقت بيننا صروف اللـيالـي ليت شعري متى يكون التلاقي

ما أمر الفراق بعد اجتـمـاع ليته ما أضر بـالـعـشـاق

غصة الموت ساعة ثم تنقضي وفراق الحبيب في القلب باق

لو وجدنا إلى الفراق سـبـيلاً لأذقنا الفراق طعم الـفـراق

فلما سمع ابن بكار إنشاد الجارية شهق شهقة ففارقت روحه جسده، قال الجواهرجي: فلما رأيته مات أوصيت عليه الدار وقلت له: اعلم أنني متوجه إلى بغداد لأخبر والدته وأقاربه حتى يأتوا ليجهزوه ثم إني توجهت إلى بغداد ودخلت داري وغيرت ثيابي وبعد ذلك ذهبت إلى دار علي بن بكار فلما رآني غلمانه أتوا إلي وسألوني عنه وسألتهم أن يستأذنوا لي والدته في الدخول عليها فأذنت لي بالدخول وسلمت عليها وقلت: إن الله إذا قضى أمراً لا مفر من قضائه وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً فتوهمت أم علي بن بكار من هذا الكلام أن ابنها قد مات فبكت بكاءً شديداً، ثم قالت: بالله عليك أن تخبرني هل توفي ولدي؟ فلم أقدر أن أرد عليها جواباً من كثرة الجزع، فلما رأتني على تلك الحالة انخنقت بالبكاء ثم وقعت على الأرض مغشياً عليها فلما أفاقت من غشيتها قالت: ما كان من أمر ولدي؟ فقلت لها: عظم الله أجرك فيه ثم إني حدثتها بما كان من أمره من المبتدأ إلى المنتهى قالت: أوصاك بشيء؟ فقلت لها: نعم وأخبرتها بما أوصاني به وقلت لها: أسرعي في تجهيزه فلما سمعت أم علي بن بكار كلامي سقطت مغشياً عليها فلما أفاقت عزمت على ما أوصيتها به ثم إني رجعت إلى داري وسرت في الطريق أتفكر في حسن شبابه فبينما أنا كذلك وإذا بامرأة قبضت على يدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة المائتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي قال: وإذا بامرأة قد قبضت على يدي فتأملتها فرأيتها الجارية التي كانت تمشي من عند شمس النهار وقد علاها الإنكسار فلما تعارفنا بكينا جميعاً وسرنا حتى أتينا إلى تلك الدار فقلت لها: هل علمت بخبر علي بن بكار؟ فقالت: لا والله، فأخبرتها بخبره وما كان من أمره ثم إني قلت لها: كيف حال سيدتك؟ فقالت: لم يقبل فيها أمير المؤمنين قول أحد لشدة محبته لها وقد حمل جميع أمورها على المحامل الحسنة وقال لها: يا شمس النهار أنت عندي عزيزة وانا اتحملك على رغم أعدائك ثم أمر لها بفرش مقصورة مذهبة وحجرة مليحة وصارت عنده من ذلك في قبول عظيم، فاتفق أنه جلس يوماً من الأيام على جري عادته للشراب، وحضرت المحاذي بين يديه فأجلسهن في مراتبهن وأجلسه بجابنه وقد عدمت صبرها وزاد أمرها فعند ذلك أمر جارية من الجواري أن تغني فأخذت العود وضربت به وجعلت تقول:

وداع دعاني للهـوى فـأجـبـتـه ودمعي بحط الوجد حطا على خدي

كأن دموع العين تخبـر حـالـنـا فتبدي الذي أخفى وتخفي الذي أبدي

فكيف أروم السر او أكتم الـهـوى وفرط غرامي فيك يظهر ما عندي

وقد طاب موتي عند فقد أحبـتـي فيا ليت شعري ما يطيب لهم بعدي

فلما سمعت شمس النهار إنشاد الجارية لم تستطع الجلوس ثم سقطت مغشياً عليها فرمى الخليفة القدح وجذبها عنده وصاح وصاحت الجواري وقلبها أمير المؤمنين فوجدها ميتة فحزن أمير المؤمنين لموتها وأمر أن يكسر جميع ما كان في الحضرة من الآلات والقوانين وحملها في حجرة بعد موتها ومكث عندها باقي ليلته فلما طلع النهار جهزها وأمر بغسلها ودفنها وحزن عليها حزناً كثيراً ولم يسأل عن حالها ولا عن الأمر الذي كانت فيه ثم قالت الجارية للجواهرجي: سألتك بالله أن تعلمني بوقت خروج جنازة علي بن بكار وأن تحضرني دفنه، فقال لها: أما أنا ففي أي محل شئت تجدني وأما أنت فمن يستطيع الوصول إليك في المحل الذي أنت فيه. فقالت له: إن أمير المؤمنين لما ماتت شمس النهار أعتق جواريها من يوم مماتها وأنا من جملتهن ونحن مقيمات على تربتها في المحل الفلاني فقمت معها وأتيت المقبرة وزرت شمس النهار ثم مضيت إلى حالي ولم أزل أنتظر جنازة علي بن بكار إلى أن جاءت فخرجت له أهل بغداد وخرجت معه فوجدت الجارية بين النساء وهي أشدهن حزناً ولم أر جنازة أعظم من هذه الجنازة وما زلنا في ازدحام عظيم إلى أن أتينا إلى قبره ودفناه وصرت لا أنقطع عن زيارته ولا عن زيارة شمس النهار. هذا ما كان من حديثهما وليس بأعجب من حديث الملك شهرمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 17 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية هشام بن عبد الملك مع غلام من الأعراب

و مما يحكى أيضاً أن هشام بن عبد الملك بن مروان كان ذاهباً إلى الصيد في بعض الأيام فنظر إلى ظبي فتبعه ابلكلاب فبينما هو خلف الظبي إذ نظر إلى صبي من الأعراب يرعى غنماً فقال هشام له: يا غلام دونك هذا الظبي فاتني به فرفع رأسه إليه وقال: يا جاهلاً بقدر الأخبار لقد نظرت إلي بالإستصغار وكلمتني بالإحتقار فكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار، فقال هشام: ويلك أما تعرفني؟ فقال: قد عرفني بك سوء أدبك إذ بداتني بكلامك دون سلامك فقال له: ويلك يا هشام بن عبد الملك فقال له الإعرابي: لا قرب الله ديارك ولا حيا مزارك فما أكثر كلام وأقل إكرامك.

فما استتم كلامه حتى أحدقت به الجند من كل جانب وكل واحد منهم يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال هشام: اقصروا عن هذا الكلام واحفظوا هذا الغلام فقبضوا عليه ورجع هشام إلى قصره وجلس في مجلسه وقال: علي بالغلام البدوي لإاتي به، فلما رأى الغلام كثرة الحجاب والوزراء وأرباب الدولة لم يكترث بهم ولم يسأل عنهم بل جعل ذقنه على صدره ونظر حيث يقع قدمه إلى أنوصل إلى هشام فوقف بين يديه ونكس رأسه إلى الأرض وسكت عن السلام وامتنع عن الكلام، فقال له بعض الخدام: يا كلب العرب ما منعك أن تسلم على أمير؟ فالتفت إلى الخادم مغضباً وقال: يا بردعة الحمار منعني من ذلك طول الطريق وصعود الدرجة والتعويق فقال هشام وقد تزايد به الغضب: يا صبي لقد حضرت في يوم حضر فيه أجلك وغاب عنك أملك وانصرم عمرك فقال: والله يا هشام لئن كان في المدة تاخير ولم يكن في الأجل تقصير فقال له الحاجب: هل بلغ من مقامك يا أخس العرب أن تخاطب أن تخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة فقال مسرعاً: لقيت الخبل ولا فارقك الويل والهبل أما سمعت ما قال الله تعالى: يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. فعند ذلك اغتاظ هشام غيضاً شديداً وقال: يا سياف علي برأس هذا الغلام فإنه أكثر بالكلام ولم يخش الملام ففأخذ الغلام ونزل به إلى أن نطع الدم وسل سيفه على رأسه وقال: يا أمير المؤمنين هذا عبدك المذل بنفسه السائر إلى رمسه هل أضرب عنقه وانا بريء من دمه؟ قال ك نعم، فاستأذن ثانياً ففهم الفتى أنه إن أذن له هذه المرة يقتله فضحك حتى بدت نواجذه فازداد هشاماً غضباً وقال: يا صبي أظنك معتوهاً أما ترى أنك مفارق الدنيا فكيف تضحك هزءاً بنفسك؟ فقال ك يا أمير المؤمنين لئن كان في العمر تأخير لا يضرني قليل ولا كثير ولكن حضرتني أبياتاً فاسمعها فإن قتلي لا يفوتك فقال هشام: هات وأوجز فأنشد هذه الأبيات:

نبئت أنالباز صادف مـرة عصفور بر ساقه المقدور

فتكلم العصفور في أظفاره والباز منهمك عليه يطير

مثلي ما يغني لمثلك شبعة ولئن أكلت فإنني حقـير

فتبسم الباز المذل بنفـسـه عجباً وأفلت ذلك العصفور

فتبسم هشام وقال: وحق قرابتيمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تلفظ بهذا اللفظ من أول كلامه وطلب مادون الخلافة لأعطيتها إياه، يا خادم احش فاه جوهراً وأحسن جائزته فأعطاه الخادم حلة عظيمة، فأخذها وانصرف إلى حال سبيله. انتهى.

حكاية اسحق الموصلي وتزوج المأمون بخديجة بنت الحسن بن سهل و مما يحكى أن اسحق الموصلي قال: خرجت ليلة من عند المأمون متوجهاً إلى بيتي فضايقني حصر البول فعمدت إلى زقاق وقمت أبول خوفاً أن يضر بي شيء إذا جلست في جانب الحيطان فرأيت شيئاً معلقاً من تلك الدور فلمسته لأعرف ما هو فوجدته زنبيلاً كبيراً باربعة آذان ملبساً ديباجاً، فقلت في نفسي: لا بد هذا من سبب وصرت متحيراً في أمري فحملني السكر على أن أجلس فيه فجلست فيه وإذا بأصحاب الدار جذبوه بي وظنوا انني الذي كانوا يترقبونه. ثم رفعوا الزنبيل إلى رأس الحائط وإذا بأربع جوار يقلن لي إنزل على الرحب والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار فيها مجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة فجلست فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية الجدار وإذا بوصائف يتماشين وفي أيديهن الشموع ومجامر البخور من العود القاقلي وبينهن جارية كأنها البدر الطالع فنهضت وقالت: مرحباً بك من زائر، ثم أجلستني وسألتني عن خبري. فقلت لها: إني انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحصرني البول في الطريق فملت إلى هذا الزقاق فوجدت زنبيلاً ملقى فأجلسني النبيذ في الزنبيل ورفع بي الزنبيل إلى هذا الدار، هذا ما كان من أمري. فقالت: لا ضير عليك وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك ثم قالت لي: فما صناعتك؟ فقلت: أنا تاجر في سوق بغداد فقالت: هل تروي من الأشعار شيئاً؟ قلت: شيئاً ضعيفاً قالت: فذاكرنا فيه وأنشدنا شيئاً منه فقلت: إن للداخل دهشة ولكن تبدأين أنت. قالت: صدقت ثم انشدت شعراً رقيقاً من كلام القدماء والمحدثين وهو من أجود أقاويلهم وأنا أسمع ولا أدري أأعجب من حسنها وجماله أم من حسن روايتها ثم قالت: هل ذهب ما كان عندك من الدهشة؟ قلت: أي والله قالت: إن شئت فأنشدنا شيئاً من روايتك فأنشدتها شعر الجماعة من القدماء ما فيه الكفاية فاستحسنت ذلك، ثم قالت: والله ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة مثيل هذا ثم أمرت بالطعام فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحلى حديثك وأحسنه وأطيبه وأعذبه فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك.

و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اسحق الموصلي قال: ثم إن الجارية أمرت بإحضار الطعام فحضر فجعلت تأخذ وتضع قدامي وكان في المجلس م أصناف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند الملوك، ثم دعت بالشراب فشربت قدحاً ثم ناولتني قدحاً وقالت هذا المذاكرة والأخبار فاندفعت أذاكرها وقلت: بلغني أنه كذا وكذا وكان رجل يقول كذا، حتى حكيت لها عدة أخبار حسان فسرت بذلك وقالت: إني لأعجب كيف يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذه الأخبار وغنما هي أحاديث ملوك. فقلت: كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم، وإذا تعطل حضرت بيته فربما حدث بما سمعت فقالت: لعمري لقد أحسنت الحفظ، ثم أخذنا في المذاكرة وكلما سكت ابتدأت هي حتى قطعنا أكثر الليل وبخور العود يعبق وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقاً إليها فقالت لي: إنك من ألطف الرجال وأظرفهم لأنك ذو أدب بارع وما بقي إلا شيء واحد فقلت لها: وما هو؟ قالت: لو كنت تترنم بالأشعار على العود فقلت لها: إني كنت تعلقت بهذا قديماً ولكن لما لم أرزق حظاً فيه أعرضت عنه وفي قلبي منه حرارة وكنت أحب في هذا المجلس أن أحسن شيئاً منه لتكتمل ليلتي قالت:كأنك عرضت بإحضار العود فقلت: الرأي لك وأنت صاحبة الفضل ولك المنة في ذلك. فأمرت بعود فحضرت وغنت بصوت ما سمعت بمثل حسنه مع حسن الأدب وجودة الضرب والكمال الراجح ثم قالت: هل تعرف هذا الصوت لمن؟ وهل تعرف الشعر لمن؟ قلت: لا. قالت الشعر لفلان والمغنى لإسحق. قلت: وهل اسحق جعلت فداءك بهذه الصفة؟ قالت: بخ بخ اسحق بارع هذا الشأن فقلت: سبحان الله الذي أعطى هذا الرجل ما لم يعطه أحد سواه، قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه؟ ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان انشقاق الفجر أقبلت عليها عجوز كأنها داية لها وقالت: إن الوقت قد حضر فنهضت عند قولها وقالت: فتستر ما كان منا فإن المجالس بالأمانات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والعشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: فتستر ما كان منا فإن المجالس بالأمانات فقلت لها: جعلت فداءك فلست محتاجاً إلى وصية في ذلك ثم ودعتها وأرسلت جارية تمشي بين يدي إلى باب الدار ففتحت لي وخرجت متوجهاً إلى داري فصليت الصبح ونمت فأتاني رسول المأمون فسرت إليه وأقمت نهاري عنده فلما كان وقت العشاء تفكرت ما كنت فيه البارحة وهو شيء لا يصبر عنه الجهلاء فخرجت إلى الزنبيل وجلست فيه ورفعت إلى موضعي الذي كنت فيه البارحة.

فقالت لي الجارية: لقد عاودت فقلت: لا أظن إلا أنني قد غفلت، ثم أخذنا في المحادثة على عادتنا في الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الحكايات منها ومني إلى الفجر، ثم انصرفت إلى منزلي وصليت الصبح ونمت فأتى رسول المأمون فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده، فلما كان وقت العشاء قال لي أمير المؤمنين: أقسمت عليك أن تجلس حتى أذهب إلى غرض وأحضر، فلما ذهب الخليفة وغاب عني جالت وساوسي وتذكرت ما كنت فيه فهان علي ما يحصل لي من أمير المؤمنين فوثبت مدبراً وخرجت جارياً حتى وصلت إلى الزنبيل فجلست فيه ورفع بي إلى مجلسي فقالت: لعلك صديقنا؟ قلت: أي والله قالت: أجعلتنا دار إقامة؟ قلت: جعلت فداءك حتى الضيافة ثلاثة أيام فإن رجعت بعد ذلك فأنتم في حل من دمي ثم جلسنا على تلك الحالة فلما قرب الوقت علمت أن المأمون لا بد أن يسألني فلا يقنع إلا بشرح القصة فقلت لها: أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجهاً وأشرف قدراً وأكثر أدباً وأعرق خلق الله تعالى باسحق. قالت: أطفيلي وتقترح قلت لها: أنت المحكمة في الأمر فقالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكرر معرفته، ثم جاء الوقت فنهضت وقمت متوجهاً إلى داري فلم أصل إلى داري إلا ورسل المأمون هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن اسحق الموصلي قال: فلم أصل إلى داري إلا ورسل المأمون هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً وذهبوا بي إليه فوجدته قاعداً على كرسي وهو مغتاظ مني فقال: يا اسحق اخرجوا عن الطاعة فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين فقال: فما قصتك أصدقني الخبر فقلت: نعم ولكن في خلوة فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا فحدثته الحديث وقلت له: إني وعدتها بحضورك قال: أحسنت، ثم أخذنا في لذتنا ذلك اليوم والمأمون متعلق القلب بها فما صدقنا بمجيء الوقت وسرنا وأنا أوصيه وأقول له: تجنب أن تنادين باسمي قدامها بل أنا لك تبع في حضرتها واتفقنا على ذلك. ثم سرنا إلى أن أتينا مكان الزنبيل فوجدنا زنبيلين فقعنا فيهما ورفعنا إلى الموضع المعهود فأقبلت وسلمت علينا. فلما رآها المأمون تحير من حسنها وجمالها وأخذت تذاكره الأخبار وتناشده الأشعار، ثم أحضرت النبيذ فشربنا وهي مقبلة عليه مسرورة به وهو أيضاً مقبل لإليها مسرور بها، ثم أخذت العود وغنت طريقة وبعد ذلك قالت لي: وهل ابن عمك من التجار وأشارت إلى المأمون؟ قلت: نعم. قالت لي: إنكما لقريبا الشبه من بعضكما. قلت: نعم، فلما فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب فصاح وقال: يا اسحق قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: عن بهذه الطريقة، فلما علمت أنه الخليفة مضت إلى مكان ودخلت فيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية دخلت في المكان، ولما فرغ اسحق من الغناء قال له المأمون: انظر من رب هذه الدار فبادرت عجوز بالجواب وقالت: هي للحسن بن سهيل فقال: علي به فغابت العجوز ساعة وإذا بالحسن قد حضر فقال له المأمون: ألك بنت؟ قال: نعم. قال: ما اسمها؟ قال اسمها خديجة. قال: هل هي متزوجة؟ قال: لا والله. قال: فإني أخطبها منك. قال: هي جاريتك وأمرها إليك يا أمير المؤمنين، قال الخليفة: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار تحمل إليك صبيحة يومنا هذا فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتها. قال: سمعاً وطاعة، ثم خرجنا فقال: يا اسحق لا تقص هذا الحديث على أحد فسترته إلى أن مات المأمون فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي في هذه الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار ومجالسة خديجة بالليل، والله ما رأيت أحداً من الرجال مثل المأمون ولا شاهدت امرأة من النساء مثل خديجة بل ولا تقارب خديجة فهماً ولا عقلاً ولا لفظاً. والله أعلم.

حكاية الحشاش مع حريم بعض الأكابر و مما يحكى أنه كان وأن الحج والناس في الطواف، فبينما المطاف مزدحم بالناس إذا بإنسان متعلق بأستار الكعبة وهو يقول من صميم قلبه: أسألك يا الله أنها تغضب على زوجها وأجامعها. قال: فسمعه جماعة من الحجاج فقبضوا عليه وأتوا به إلى أمير الحجاج بعد أن أشبعوه ضرباً وقالوا له: أيها الأمير إنا وجدنا هذا في الأماكن الشريفة يقول: كذا وكذا فأمر أمير الحجاج بشنقه فقال له: أيها الأمير بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمع قصتي وحديثي وبعد ذلك افعل بي ما تريد. قال: حدث، قال اعلم أيها الأمير أنني رجل حشاش أعمل في مسالخ الغنم فأحمل الدم والوسخ إلى الكيمان فاتفق أنني رائح بحماري يوماً من الأيام وهو محمل فوجدت الناس هاربين فقال واحد منهم: أدخل هذا الزقاق لئلا يقتلوك فقلت: ما للناس هاربين؟ فقال لي واحد خدام: هذا حريم لبعض الأكابر وصار الخدم ينحون الناس من الطريق قدامه ويضربون جميع الناس ولا يبالون بأحد فدخلت بالحمار في عطفة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل قال: فدخلت بالحمار عطفة ووقفت أنتظر انفضاض الزحمة فرأيت الخدم وبأيديهم العصي ومعه نجو ثلاثين امرأة بينهن واحدة كأنها قضيب بان كاملة الحسن والظرف والدلال والجميع في خدمتها فلما وصلت إلى باب العطفة التي أنا واقف فيها التفتت يميناً وشمالاً ثم دعت بطواشي فحضر بين يديها فساورته في أذنه وإذا بالطواشي جاء إلي وقبض علي فتهاربت الناس وإذا بطواشي آخر أخذ حماري ومضى به ثم جاء الطواشي وربطني بحبل وجرني خلفه وأنا لم أعرف ما الخبر والناس من خلفنا يصيحون ويقولون: ما يحل من الله هذا رجل حشاش فقير الحال ما سبب ربطه بالحبال ويقولون للطواشية: ارحموه يرحمكم الله تعالى وأطلقوه فقلت أنا في نفسي: ما أخذني الطواشية إلا لأن سيدتهم شمت رائحة الوسخ فاشمأزت من ذلك أو تكون حبلى أو حصل لها ضرر فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وما زلت ماشياً خلفهم إلى أن وصلوا إلى باب دار كبير فدخلوا وأنا خلفهم واستمروا داخلين بي حتى وصلت إلى قاعة كبيرة ما أعرف كيف أصف محاسنها وهي مفروشة بفرش عظيم ثم دخلت النساء تلك القاعة وأنا مربوط مع الطواشي فقلت في نفسي: لا بد أن يعاقبونني في هذا البيت حتى أموت ولا يعلم بموتي أحد ثم بعد ذلك أدخلوني حماماً لطيفاً من داخل القاعة فبينما أنا في الحمام إذا بثلاث جوار دخلن وقعدن حولي وقلن لي: اقلع شراميطك فقلعت ما علي من الخلقان وصارت واحدة منهن تحك رجلي وواحدة منهن تغسل رأسي وواحدة تكبسني فلما فرغن من ذلك حطوا لي بقجة قماش وقالوا لي: البس هذه فقلت: والله ما أعرف كيف ألبس فتقدمن إلي وألبسنني وهن يتضاحكن علي ثم جئن بقماقم مملوءة بماء الورد ورششن علي وخرجت معهن إلى قاعة أخرى والله ما أعرف كيف أصف محاسنها من كثرة ما فيها من النقش والفرش فلما دخلت تلك القاعة وجدت واحدة قاعدة على تخت من الخيزران. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل قال: فلما دخلت القاعة وجدت واحدة قاعدة على تخت من الخيزران قوائمه من عاج وبين يديها جملة جوار فلما رأتني قامت إلي ونادتني فجئت عندها فأمرتني بالجلوس فجلست إلى جانبها وأمرت الجواري أن يقدمن الطعام الفاخر من سائر الألوان ما أعرف اسمه ولا أعرف صفته في عمري فأكلت منه قدر كفايتي وبعد رفع الزبادي وغسل الأيادي أمرت بإحضار الفواكه فحضرت بين يديها بالحال فأمرتني بالأكل فأكلت فلما فرغنا من الأكل أمرت بعض الجواري بإحضار سلاحيات الشراب فأحضرن مختلف الألوان ثم أطلقن المباخر من جميع البخور وقامت جارية مثل القمر تسقينا على نغمات الأوتار فسكرت أنا وتلك السيدة الجالسة كل ذك جرى وأنا أعتقد أنه حلم في المنام. ثم بعد ذلك أشارت إلى بعض الجواري أن يفرشن لنا في مكان ففرشن في المكان الذي أمرت به ثم قامت وأخذت بيدي إلى ذلك المكان المفروش ونمت معها إلى الصباح وكنت كلما ضممتها إلى صدري أشم منها رائحة المسك والطيب وما أعتقد إلا أني في الجنة أو أني أحلم في المنام فلما أصبحت سألتني عن مكاني فقلت: في المحل الفلاني فأمرت بخروجي وأعطتني منديلاً مطرزاً بالذهب والفضة وعليه شيئ مربوط فقالت لي: أدخل الحمام بهذا ففرحت وقلت في نفسي: إن كان ما عليه خمسة فلوس فهي غدائي في هذا اليوم ثم خرجت من عندها كأني خارج من الجنة وجئت إلى المخزن الذي أنا فيه ففتحت المنديل فوجدت فيه خمسين مثقالاً من الذهب فدفنتها وقعدت عند الباب بعد أن اشتريت بفلسين خبزاً وإداماً وتغديت ثم صرت متفكراً في أمري فبينما أنا كذلك إلى وقت العصر إذا بجارية قد أتت وقالت لي: إن سيدتي تطلبك فخرجت معها إلى باب الدار فاستأذنت لي فدخلت وقبلت الأرض بين يديها فأمرتني بالجلوس وأمرت بإحضار الطعام والشراب على العادة ثم نمت معها على جري العادة التي تقدمت أول ليلة فلما أصبحت ناولتني منديلاً ثانياً فيه خمسون مثقالاً من الذهب فأخذتها وخرجت وجئت إلى المخزن ودفنتها ومكثت على هذه الحالة مدة ثمانية أيام أدخل عندها في كل يوم وقت العصر وأخرج من عندها في أول النهار. فبينما أنا نائم عندها ليلة ثامن يوم إذا بجارية دخلت وهي تجري وقالت لي: قم اطلع إلى هذه الطبقة فطلعت في تلك الطبقة فوجدتها تشرف على وجه الطريق فبينما أنا جالس إذا بضجة عظيمة ودربكة خيل في الزقاق وكان في الطبقة طاقة تشرف على الباب فنظرت منها فرأيت شاباً راكباً كأنه القمر الطالع ليلة تمامه وبين يديه مماليك وجند يمشون في خدمته فتقدم إلى الباب وترجل ودخل القاعة فرآها قاعدة على السرير فقبل الأرض بين يديها ثم تقدم وقبل يدها فلم تكلمه فما برح يتخضع لها حتى صالحها ونام عندها تلك الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبيى لما صالحها زوجها نام عندها تلك الليلة فلما أصبح الصباح أتته الجنود وركب وخرج من الباب فطلعت عندي وقالت لي: أرأيت هذا؟ قلت: نعم قالت: هو زوجي وأحكي لك ما جرى لي معه. اتفق أنني كنت وإياه يوماً قاعدين في الجنينة داخل البيت وإذا هو قد قام من جنبي وغاب عني ساعة طويلة فاستبطأته فقلت في نفسي: لعله يكون في بيت الخلاء فنهضت إلى بيت الخلاء فلم أجده فدخلت المطبخ فرأيت جارية فسألتها عنه فأرتني إياه وهو راقد مع جارية من جواري المطبخ فعند ذلك حلفت يميناً عظيماً أنني لا بد أن أزني مع أوسخ الناس وأقذرهم ويوم قبض عليك الطواشي كان لي أربعة أيام وأنا أدور في البلد على واحد يكون بهذه الصفة فما وجدت أحداً أوسخ ولا أقذر منك فطلبتك وقد كان ما كان من قضاء الله علينا وقد خلصت من اليمين التي حلفتها ثم قالت: فمتى وقع زوجي على الجارية ورقد معها مرة أخرى أعدتك إلى ما كنت عليه معي فلما سمعت منها هذا الكلام ورمت قلبي من لحاظها بالسهام جرت دموعي حتى قرحت المحاجر وأنشدت قول الشاعر:

مكنيني من بوس يسراك عشراً واعرفي فضلها على يمنـاك

إن يسراك لهي أقرب عهـداً وقت غسل الخرا بمستنجـاك

ثم إنها أمرت بخروجي من عندها وقد تحصل لي منها أربعمائة مثقال من الذهب فأنا أصرف منها وجئت إلى ههنا أدعو الله سبحانه وتعالى أن زوجها يعود إلى الجارية مرة لعلي أعود إلى ما كنت عليه. فلما سمع أمير الحج قصة الرجل أطلقه وقال للحاضرين: بالله عليكم أن تدعو له فإنه معذور.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 18 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية الملك يونان والحكيم رويان

قال الصياد: اعلم أيها العفريت، أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان في مدينة الفرس وأرض رومان ملك يقال له الملك يونان وكان ذا مال وجنود وبأس وأعوان من سائر الأجناس، وكان في جسده برص قد عجزت فيه الأطباء والحكماء ولم ينفعه منه شرب أدوية ولا سفوف ولا دهان ولم يقدر أحد من الأطباء أن يداويه.

وكان قد دخل مدينة الملك يونان حكيم كبير طاعن في السن يقال له الحكيم رويان وكان عرفاً بالكتب اليونانية والفارسية والرومية والعربية والسريانية وعلم الطب والنجوم وعالماً بأصول حكمتها وقواعد أمورها من منفعتها ومضرتها. عالماً بخواص النباتات والحشائش والأعشاب المضرة والنافعة فقد عرف علم الفلاسفة وجاز جميع العلوم الطبية وغيرها، ثم إن الحكيم لما دخل المدينة وأقام بها أيام قلائل سمع خبر الملك وما جرى له في بدنه من البرص الذي ابتلاه الله به وقد عجزت عن مداواته الأطباء وأهل العلوم.

فلما بلغ ذلك الحكيم بات مشغولاً، فلما أصبح الصباح لبس أفخر ثيابه ودخل على الملك يونان وقبل الأرض ودعا له بدوام العز والنعم وأحسن ما به تكلم وأعلمه بنفسه فقال: أيها الملك: بلغني ما اعتراك من هذا الذي في جسدك وأن كثيراً من الأطباء لم يعرفوا الحيلة في زواله وها أنا أداويك أيها الملك ولا أسقيك دواء ولا أدهنك بدهن. فلما سمع الملك يونان كلامه تعجب وقال له: كيف تفعل، فو الله لو برأتني أغنيك لولد الولد وأنعم عليك، ما تتمناه فهو لك وتكون نديمي وحبيبي. ثم أنه خلع عليه وأحسن إليه وقال له أبرئني من هذا المرض بلا دواء ولا دهان? قال نعم أبرئك بلا مشقة في جسدك. فتعجب الملك غاية العجب ثم قال له: أيها الحكيم الذي ذكرته لي يكون في أي الأوقات وفي أي الأيام، فأسرع يا ولدي؛ قال له سمعاً وطاعة، ثم نزل من عند الملك واكترى له بيتاً حط فيه كتبه وأدويته وعقاقيره ثم استخرج الأدوية والعقاقير وجعل منها صولجاناً وجوفه وعمل له قصبة وصنع له كرة بمعرفته.

فلما صنع الجميع وفرغ منها طلع إلى الملك في اليوم الثاني ودخل عليه وقبل الأرض بين يديه وأمره أن يركب إلى الميدان وأن يلعب بالكرة والصولجان وكان معه الأمراء والحجاب والوزراء وأرباب الدولة، فما استقر بين الجلوس في الميدان حتى دخل عليه الحكيم رويان وناوله الصولجان وقال له: خذ هذا الصولجان واقبض عليه مثل هذه القبضة وامش في الميدان واضرب به الكرة بقوتك حتى يعرق كفك وجسدك فينفذ الدواء من كفك فيسري في سائر جسدك فإذا عرقت وأثر الدواء فيك فارجع إلى قصرك وادخل الحمام واغتسل ونم فقد برئت والسلام.

فعند ذلك أخذ الملك يونان ذلك الصولجان من الحكيم ومسكه بيده وركب الجواد وركب الكرة بين يديه وساق خلفها حتى لحقها وضربها بقوة وهو قابض بكفه على قصبة الصولجان، وما زال يضرب به الكرة حتى عرق كفه وسائر بدنه وسرى له الدواء من القبضة.

وعرف الحكيم رويان أن الدواء سرى في جسده فأمره بالرجوع إلى قصره وأن يدخل الحمام من ساعته، فرجع الملك يونان من وقته وأمر أن يخلو له الحمام فأخلوه له، وتسارعت الفراشون وتسابقت المماليك وأعدوا للملك قماشه ودخل الحمام واغتسل غسيلاً جيداً ولبس ثيابه داخل الحمام ثم خرج منه وركب إلى قصره ونام فيه.

هذا ما كان من أمر الملك يونان، وأما ما كان من أمر الحكيم رويان فإنه رجع إلى داره وبات، فلما أصبح الصباح طلع إلى الملك واستأذن عليه فأذن له في الدخول فدخل وقبل الأرض بين يديه وأشار إلى الملك بهذه الأبيات:

زهت الفصاحة إذا ادعيت لها أبـاً وإذا دعت يوماً سواك لهـا أبـى

يا صاحب الوجـه الـذي أنـواره تمحوا من الخطب الكريه غياهبا

ما زال وجهك مشرقاً متـهـلـلاً فلا ترى وجه الزمان مقطـبـا

أوليتني من فضلك المنن الـتـي فعلت بنا فعل السحاب مع الربـا

وصرفت جل الملا في طلب العلا حتى بلغت من الزمان مـآربـا

فلما فرغ من شعره نهض الملك قائماً على قدميه وعانقه وأجلسه بجانبه وخلع لعيه الخلع السنية.

ولما خرج الملك من الحمام نظر إلى جسده فلم يجد فيه شيئاً من البرص وصار جسده نقياً مثل الفضة البيضاء ففرح بذلك غاية الفرح واتسع صدره وانشرح، فلما أصبح الصباح دخل الديوان وجلس على سرير ملكه ودخلت عليه الحجاب وأكابر الدولة ودخل عليه الحكيم رويان، فلما رآه قام إليه مسرعاً وأجلسه بجانبه وإذا بموائد الطعام قد مدت فأكل صحبته وما زال عنده ينادمه طول نهاره.

فلما أقبل الليل أعطى الحكيم ألفي دينار غير الخلع والهدايا وأركبه جواده وانصرف إلى داره والملك يونان يتعجب من صنعه ويقول: هذا داواني من ظاهر جسدي ولم يدهنني بدهان، فو الله ما هذه إلا حكمة بالغة، فيجب علي لهذا الرجل الإنعام والإكرام وأن أتخذه جليساً وأنيساً مدى الزمان. وبات الملك يونان مسروراً فرحاً بصحة جسمه وخلاصه من مرضه.

فلما أصبح الملك وجلس على كرسيه ووقفت أرباب دولته وجلست الأمراء والوزراء على يمينه ويساره ثم طلب الحكيم رويان فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه فقام الملك وأجلسه بجانبه وأكل معه وحياه وخلع عليه وأعطاه، ولم يزل يتحدث معه إلى أن أقبل الليل فرسم له بخمس خلع وألف دينار، ثم انصرف الحكيم إلى داره وهو شاكر للملك. فلما أصبح الصباح خرج الملك إلى الديوان وقد أحدقت به الأمراء والوزراء والحجاب، وكان له وزير من وزرائه بشع المنظر نحس الطالع لئيم بخيل حسود مجبول على الحسد والمقت. فلما رأى ذلك الوزير أن الملك قرب الحكيم رويان وأعطاه هذه الأنعام حسده عليه وأضمر له الشر كما قيل في المعنى: ما خلا جسد من حسد. وقيل في المعنى: الظلم كمين في النفس القوة تظهره والعجز يخفيه.

ثم أن الوزير تقدم إلى الملك يونان وقبل الأرض بين يديه وقال له: يا ملك العصر والأوان: أنت الذي شمل الناس إحسانك ولك عندي نصيحة عظيمة فإن أخفيتها عنك أكون ولد زنا، فإن أمرتني أن أبديها أبديتها لك.

فقال الملك وقد أزعجه كلام الوزير: وما نصيحتك? فقال: أيها الملك الجليل: قد قالت القدماء من لم ينظر في العواقب فما الدهر له بصاحب، وقد رأيت الملك على غير صواب حيث أنعم على عدوه وعلى من يطلب زوال ملكه وقد أحسن إليه وأكرمه غاية الإكرام وقربه غاية القرب، وأنا أخشى على الملك من ذلك.

فانزعج الملك وتغير لونه وقال له: من الذي تزعم أنه عدوي وأحسنت إليه? فقال له: أيها الملك إن كنت نائماً فاستيقظ فأنا أشير إلى الحكيم رويان. فقال له الملك: إن هذا صديقي وهو أعز الناس عندي لأنه داواني بشيء قبضته بيدي وأبراني من مرضي الذي عجز فيه الأطباء وهو لا يوجد مثله في هذا الزمان في الدنيا غرباً وشرقاً، فكيف أنت تقول عليه هذا المقال وأنا من هذا اليوم أرتب له الجوامك والجرايات وأعمل له في كل شهر ألف دينار ولو قاسمته في ملكي وإن كان قليلاً عليه. وما أظن أنك تقول ذلك إلا حسداً كما بلغني عن الملك يونان ذكر والله أعلم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: يا أختي ما أحلى حديثك وأطيبه وألذه وأعذبه فقالت لها: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة المقبلة إن عشت وأبقاني الملك. فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها لأنه حديث عجيب. ثم أنهم باتوا تلك الليلة متعانقين إلى الصباح. ثم خرج الملك إلى محل حكمه واحتبك الديوان فحجم وولى وأمر ونهى إلى آخر النهار، ثم انفض الديوان فدخل الملك عصره وأقبل الليل وقضى حاجته من بنت الوزير شهرزاد.

وفي الليلة الخامسة: قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك يونان قال لوزيره أنت داخلك الحسد من أجل هذا الحكيم فتريد أن أقتله وبعد ذلك أندم كما ندم السندباد على قتل البازي. فقال الوزير: وكيف كان ذلك؟ فقال الملك: ذكر أنه كان ملك ملوك الفرس يحب الفرجة والتنزه والصيد والقنص وكان له بازي رباه ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً ويبيت طوال الليل حامله على يده وإذا طلع إلى الصيد يأخذه معه وهو عامل له طاسة من الذهب معلقة في رقبته يسقيه منها.

فبينما الملك جالس وإذا بالوكيل على طير الصيد يقول: يا ملك الزمان هذا أوان الخروج إلى الصيد، فاستعد الملك للخروج وأخذ البازي على يده وساروا إلى أن وصلوا إلى واد ونصبوا شبكة الصيد إذا بغزالة وقعت في تلك الشبكة فقال الملك: كل من فاتت الغزالة من جهته قتلته، فضيقوا عليها حلقة الصيد وإذا بالغزالة أقبلت على الملك وشبت على رجليها وحطت يديها على صدرها كأنها تقبل الأرض للملك فطأطأ الملك للغزالة ففرت من فوق دماغه وراحت إلى البر.

فالتفت الملك إلى المعسكر فرآهم يتغامزون عليه، فقال: يا وزيري ماذا يقول العساكر فقال: يقولون إنك قلت كل من فاتت الغزالة من جهته يقتل فقال الملك: وحياة رأسي لأتبعنها حتى أجيء بها، ثم طلع الملك في أثر الغزالة ولم يزل وراءها وصار البازي يلطشها على عينها إلى أن أعماها ودوخها فسحب الملك دبوساً وضربها فقلبها ونزل فذبحها وسلخها وعلقها في قربوس السرج. وكانت ساعة حر وكان المكان قفراً لم يوجد فيه ماء فعطش الملك وعطش الحصان. فالتفت الملك فرأى شجرة ينزل منها ماء مثل السمن، وكان الملك لابساً في كفه جلداً فأخذ الطاسة في قبة البازي وملأها من ذلك الماء ووضع الماء قدامه وإذا بالبازي لطش الطاسة فقلبها، فأخذ الملك الطاسة ثانياً، وملأها وظن أن البازي عطشان فوضعها قدامه فلطشها ثانياً وقلبها فغضب الملك من البازي وأخذ الطاسة ثالثاً وقدمها للحصان فقلبها البازي بجناحه فقال الملك الله يخيبك يا أشأم الطيور وأحرمتني من الشرب وأحرمت نفسك وأحرمت الحصان ثم ضرب البازي بالسيف فرمى أجنحته.

فصار البازي يقيم رأسه ويقول بالإشارة انظر الذي فوق الشجرة فرفع الملك عينه فرأى فوق الشجرة حية والذي يسيل سمها فندم الملك على قص أجنحة البازي ثم قام وركب حصانه وسار ومعه الغزالة حتى وصل الملك على الكرسي والبازي على يده فشهق البازي ومات فصاح الملك حزناً وأسفاً على قتل البازي، حيث خلصه من الهلاك، هذا ما كان من حديث الملك السندباد.

فلما سمع الوزير كلام اللمك يونان قال له: أيها الملك العظيم الشأن وما الذي فعلته من الضرورة ورأيت منه سوء إنما فعل معك هذا شفقة عليك وستعلم صحة ذلك فإن قبلت مني نجوت وإلا هلكت كما هلك وزير كان احتال على ابن ملك من الملوك، وكان لذلك الملك ولد مولع بالصيد والقنص وكان له وزيراً، فأمر الملك ذلك الوزير أن يكون مع ابنه أينما توجه فخرج يوماً من الأيام، إلى الصيد والقنص وخرج معه وزير أبيه فسارا جميعاً فنظر إلى وحش كبير فقال الوزير لابن الملك دونك هذا الوحش فاطلبه فقصده ابن الملك، حتى غاب عن العين وغاب عنه الوحش في البرية، وتحير ابن الملك فلم يعرف أين يذهب وإذا بجارية على رأس الطريق وهي تبكي فقال لها ابن الملك من أنت: قال بنت ملك من ملوك الهند وكنت في البرية فأدركني النعاس، فوقعت من فوق الدابة ولم أعلم بنفسي فصرت حائرة.

فلما سمع ابن الملك كلامها رق لحالها وحملها على ظهر جابته وأردفها وسار حتى مر بجزيرة فقالت له الجارية: يا سيد أريد أن أزيل ضرورة فأنزلها إلى الجزيرة ثم تعوقت فاستبطأها فدخل خلفها وهي لا تعلم به، فإذا هي غولة وهي تقول لأولادها يا أولادي قد أتيتكم اليوم بغلام سمين فقالوا لها أتينا به يا أمنا نأكله في بطوننا.

فلما سمع ابن الملك كلامهم أيقن بالهلاك وارتعد فرائضه وخشي على نفسه ورجع فخرجت الغولة فرأته كالخائف الوجل وهو يرتعد فقالت له: ما بالك خائفاً، فقال لها أن لي عدواً، وأنا خائف منه فقالت الغولة إنك تقول أنا ابن الملك قال لها نعم، قالت له مالك لا تعطي عدوك شيئاً من المال، فترضيه به، فقال لها أنه لا يرضى بمال ولا يرضى إلا بالروح وأنا خائف منه، وأنا رجل مظلوم فقالت له: إن كنت مظلوماً كما تزعم فاستعن بالله عليه بأنه يكفيك شره وشر جميع ما تخافه.

فرفع ابن الملك رأسه إلى السماء وقال: يا من يجيب دعوة المضطر، إذا دعاه ويكشف السوء انصرني على عدوي واصرفه عني، إنك على ما تشاء قدير فلما سمعت الغولة دعاءه، انصرفت عنه وانصرف ابن الملك إلى أبيه، وحدثه بحديث الوزير وأنت أيها الملك متى آمنت لهذا الحكيم قتلك أقبح القتلات، وإن كنت أحسنت إليه وقربته منك فإنه يدبر في هلاكك، أما ترى أنه أبراك من المرض من ظاهر الجسد بشيء أمسكته بيدك، فلا تأمن أن يهلكك بشيء تمسكه أيضاً.

فقال الملك يونان: صدقت فقد يكون كما ذكرت أيها الوزير الناصح، فلعل هذا الحكيم أتى جاسوساً في طلب هلاكي، وإذا كان أبرأني بشيء أمسكته بيدي فإنه يقدر أن يهلكني بشيء أشمه، ثم إن الملك يونان قال لوزيره: أيها الوزير كيف العمل فيه، فقال له الوزير: أرسل إليه في هذا الوقت واطلبه، فإن حضر فاضرب عنقه فتكفي شره وتستريح منه واغدر به قبل أن يغدر بك، فقال الملك يونان صدقت أيها الوزير ثم إن الملك أرسل إلى الحكيم، فحضر وهو فرحان ولا يعلم ما قدره الرحمن كما قال بعضهم في المعنى:

يا خائفاً من دهـره كـن آمـنـاً وكل الأمور إلى الذي بسط الثرى

إن المـقـدر كـان لا يمـحـى ولك الأمان من الذي مـا قـدرا

وأنشد الحكيم مخاطباً قول الشاعر:

إذا لم أقم يوماً لحقك بـالـشـكـر فقل لي إن أعددت نظمي مع النثر

لقد جددت لي قبل السؤال بأنـعـم أتتني بلا مطل لـديك ولا عـذر

فمالي لا أعطي ثنـاءك حـقـه وأثني على علياك السر والجهر

سأشكر ما أوليتني من صـنـائع يخف لها فمي وإن أثقلت ظهري

فلما حضر الحكيم رويان قال له الملك: أتعلم لماذا أحضرتك، فقال الحكيم: لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، فقال له الملك: أحضرتك لأقتلك وأعدمك روحك، فتعجب الحكيم رويان من تلك المقالة غاية العجب، وقال أيها الملك لماذا تقتلني؟ وأي ذنب بدا مني فقال له الملك: قد قيل لي إنك جاسوس وقد أتيت لتقتلني وها أنا أقتلك قبل أن تقتلني ثم إن الملك صاح على السياف، وقال له اضرب رقبة هذا الغدار، وأرحنا من شره، فقال الحكيم أبقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله، ثم أنه كرر عليه القول مثلما قلت لك أيها العفريت وأنت لا تدعي بل تريد قتلي فقال الملك يونان للحكيم رويان، إني لا آمن إلا أن أقتلك فإنك برأتني بشيء أمسكته بيدي فلا آمن أن تقتلني بشيء أشمه أو غير ذلك فقال الحكيم أيها الملك أهذا جزائي منك، تقابل المليح بالقبيح فقال الملك: لا بد من قتلك من غير مهلة فلما تحقق الحكيم أن الملك قاتله لا محالة بكى وتأسف على ما صنع من الجميل مع غير أهله، كما قيل في المعنى:

ميمونة من سمات العقل عارية لكن أبوها من الألباب قد خلقا

لم يمش من يابس يوماً ولا وحل إلا بنور هداه تقى الـزلـقـا

بعد ذلك تقدم السياف وغمي عينيه وشهر سيفه وقال ائذن والحكيم يبكي ويقول للملك: أبقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله، وأنشد قول الشاعر:

نصحت فلم أفلح وغشوا فأفلـحـوا فأوقعني نصـحـي بـدار هـوان

فإن عشت فلم أنصح وإن مت فأزلي ذوي النصح من بعدي بك لـسـان

ثم إن الحكيم قال للملك أيكون هذا جزائي منك، فتجازيني مجازاة التمساح قال الملك: وما حكاية التمساح، فقال الحكيم لا يمكنني أن أقولها، وأنا في هذا الحال فبالله عليك أبقني يبقيك الله، ثم إن الحكيم بكى بكاء شديداً فقام بعض خواص الملك وقال أيها الملك هب لنا دم هذا الحكيم، لأننا ما رأيناه فعل معك ذنباً إلا أبراك من مرضك الذي أعيا الأطباء والحكماء.

فقال لهم الملك لم تعرفوا سبب قتلي لهذا الحكيم وذلك لأني إن أبقيته فأنا هالك لا محالة ومن أبرأني من المرض الذي كان بي بشيء أمسكته بيدي فيمكنه أن يقتلني بشيء أشمه، فأنا أخاف أن يقتلني ويأخذ علي جعالة لأنه ربما كان جاسوساً وما جاء إلا ليقتلني فلا بد من قتله وبعد ذلك آمن على نفسي فقال الحكيم أبقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله.

فلما تحقق الحكيم أيها العفريت أن الملك قاتله لا محالة قال له أيها الملك إن كان ولا بد من قتلي فأمهلني حتى أنزل إلى داري فأخلص نفسي وأوصي أهلي وجيراني أن يدفنوني وأهب كتب الطب وعندي كتاب خاص الخاص أهبه لك هدية تدخره في خزانتك، فقال الملك للحكيم وما هذا الكتاب قال: فيه شيء لا يحصى وأقل ما فيه من الأسرار إذا قطعت رأسي وفتحته وعددت ثلاث ورقات ثم تقرأ ثلاث أسطر من الصحيفة التي على يسارك فإن الرأس تكلمك وتجاوبك عن جميع ما سألتها عنه. فتعجب الملك غاية العجب واهتز من الطرب وقال له أيها الحكيم: وهل إذا قطعت رأسك تكلمت فقال نعم أيها الملك وهذا أمر عجيب، ثم أن الملك أرسله مع المحافظة عليه، فنزل الحكيم إلى داره وقضى أشغاله في ذلك اليوم وفي اليوم الثاني طلع الحكيم إلى الديوان وطلعت الأمراء والوزراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة جميعاً وصار الديوان كزهر البستان وإذا بالحكيم دخل الديوان، ووقف قدام الملك ومعه كتاب عتيق ومكحلة فيها ذرور، وجلس وقال ائتوني بطبق، فأتوه بطبق وكتب فيه الذرور وفرشه وقال: أيها الملك خذ هذا الكتاب ولا تعمل به، حتى تقطع رأسي فإذا قطعتها فاجعلها في ذلك الطبق وأمر بكبسها على ذلك الذرور فإذا فعلت ذلك فإن دمها ينقطع، ثم افتح الكتاب ففتحه الملك فوجده ملصوقاً فحط إصبعه في فمه وبله بريقه وفتح أول ورقة والثانية والثالثة والورق ما ينفتح إلا بجهد، ففتح الملك ست ورقات ونظر فيها فلم يجد كتابة فقال الملك: أيها الحكيم ما فيه شيء مكتوب فقال الحكيم قلب زيادة على ذلك فقلب فيه زيادة فلم يكن إلا قليلاً من الزمان حتى سرى فيه السم لوقته وساعته فإن الكتاب كان مسموماً فعند ذلك تزحزح الملك وصاح وقد قال: سرى في السم، فأنشد الحكيم رويان يقول:

تحكموا فاستطالوا في حكومتهـم وعن قليل كان الحكم لـم يكـن

لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا فبغى عليهم الدهر بالآفات والمـحـن

وأصبحوا ولسان الحال يشـدهـم هذا بذاك ولا عتب على الزمـن

فلما فرغ رويان الحكيم من كلامه سقط الملك ميتاً لوقته، فاعلم أيها العفريت أن الملك يونان لو أبقى الحكيم رويان لأبقاه الله، ولكن أبى وطلب قتله فقتله الله وأنت أيها العفريت لو أبقيتني لأبقاك الله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحلى حديثك فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك، وباتوا الليلة في نعيم وسرور إلى الصباح، ثم أطلع الملك إلى الديوان ولما انفض الديوان دخل قصره واجتمع بأهله.

في الليلة السادسة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصياد لما قال للعفريت لو أبقيتني كنت أبقيتك، لكن ما أردت إلا قتلي فأنا أقتلك محبوساً في هذا القمقم، وألقيك في هذا البحر ثم صرخ المارد وقال بالله عليك أيها الصياد لا تفعل وأبقني كرماً ولا تؤاخذني بعملي، فإذا كنت أنا مسيئاً كن أنت محسناً، وفي الأمثال السائرة يا محسناً لمن أساء كفي المسيء فعله ولا تعمل عمل أمامة مع عاتكة.

قال الصياد وما شأنهما، فقال العفريت ما هذا وقت حديث وأنا في السجن حتى تطلعني منه وأنا أحدثك بشأنهما فقال الصياد لا بد من إلقائك في البحر ولا سبيل إلى إخراجك منه فإني كنت أستعطفك وأتضرع إليك وأنت لا تريد إلا قتلي من غير ذنب استوجبته منك، ولا فعلت معك سوءاً قط ولم أفعل معك إلا خيراً، لكوني أخرجتك من السجن، فلما فعلت معي ذلك، علمت أنك رديء الأصل، واعلم أنني ما رميتك في هذا البحر، إلا لأجل أن كل من أطلعك أخبره بخبرك، وأحذره منك فيرميك فيه، ثانياً فنقيم في هذا البحر إلى آخر الزمان حتى ترى أنواع العذاب.

فقال العفريت: أطلقني فهذا وقت المروءات وأنا أعاهدك أني لم أسؤك أبداً بل أنفعك بشيء يغنيك دائماً، فأخذ الصياد عليه العهد أنه إذا أطلقه لا يؤذيه أبداً بل يعمل معه الجميل فلما استوثق منه بالإيمان والعهود وحلفه باسم الله الأعظم فتح له الصياد فتصاعد الدخان حتى خرج وتكامل فصار عفريتاً مشوه الخلقة ورفس القمقم في البحر.

فلما رأى الصياد أنه رمى القمقم في البحر أيقن بالهلاك وبال في ثيابه، وقال هذه ليست علامة خير، ثم أنه قوى قلبه وقال: أيها العفريت قال الله تعالى: وأوفوا العهد، إن العهد كان مسؤولاً وأنت قد عاهدتني وحلفت أنك لا تغدر بي فإن غدرت بي يجرك الله فإنه غيور يمهل ولا يهمل، وأنا قلت لك مثل ما قاله الحكيم رويان للملك يونان أبقني يبقيك الله. فضحك العفريت ومشى قدامه، وقال أيها الصياد اتبعني فمشى الصياد وراءه وهو لم يصدق بالنجاة إلى أن خرجا من ظاهر المدينة وطلعا على جبل ونزلا إلى برية متسعة وإذا في وسطها بركة ماء، فوقف العفريت عليها وأمر الصياد أن يطرح الشبكة ويصطاد، فنظر الصياد إلى البركة، وإذا بهذا السمك ألواناً، الأبيض والأحمر والأزرق والأصفر، فتعجب الصياد من ذلك ثم أنه طرح شبكته وجذبها فوجد فيها أربع سمكات، كل سمكة بلون، فلما رآها الصياد فرح.

فقال له العفريت ادخل بها إلى السلطان وقدمها إليه، فإنه يعطيك ما يغنيك وبالله أقبل عذري فإنني في هذا الوقت لم أعرف طريقاً وأنا في هذا البحر مدة ألف وثمانمائة عام، ما رأيت ظاهر الدنيا إلا في هذه الساعة ولا تصطد منها كل يوم إلا مرة واحدة واستودعتك الله، ثم دق الأرض بقدميه فانشقت وابتلعته ومضى الصياد إلى المدينة متعجب مما جرى له مع هذا العفريت ثم أخذ السمك ودخل به منزله وأتى بمأجور ثم ملأه ماء وحط فيه السمك فاختبط السمك من داخل المأجور في الماء ثم حمل المأجور فوق رأسه وقصد به قصر الملك كما أمره العفريت.

فلما طلع الصياد إلى الملك وقدم له السمك تعجب الملك غاية العجب من ذلك السمك الذي قدمه إليه الصياد لأنه لم ير في عمره مثله صفة ولا شكلاً، فقال: ألقوا هذا السمك للجارية الطباخة، وكانت هذه الجارية قد أهداها له ملك الروم منذ ثلاثة أيام وهو لم يجربها في طبيخ فأمرها الوزير أن تقليه، وقال لها يا جارية إن الملك يقول لك ما ادخرت دمعتي إلا لشدتي ففرجينا اليوم على طهيك وحسن طبيخك فإن السلطان جاء إليه واحد بهدية ثم رجع الوزير بعدما أوصاها فأمره الملك أن يعطي الصياد أربعمائة دينار فأعطاه الوزير إياها فأعطاها فأخذها الوزير في حجره وتوجه إلى منزله لزوجته، وهو فرحان مسرور ثم اشترى لعياله ما يحتاجون إليه هذا ما كان من أمر الصياد.

وأما ما كان من أمر الجارية فإنها أخذت السمك ونظفته ورصته، في الطاجن ثم إنها تركت السمك حتى استوى وجهه وقلبته على الوجه الثاني، وإذا بحائط المطبخ قد انشقت وخرجت منها صبية رشيقة القد أسيلة الخد كاملة الوصف كحيلة الطرف بوجه مليح وقد رجيح لابسة كوفية من خز أزرق وفي أذنيها حلق وفي معاصمها أساور وفي أصابعها خواتيم بالفصوص المثمنة وفي يدها قضيب من الخيزران فغرزت القضيب في الطاجن وقالت: يا سمك يا سمك هل أنت على العهد القديم مقيم، فلما رأت الجارية هذا غشي عليها وقد أعادت الصبية القول ثانياً وثالثاً فرفع السمك رأسه في الطاجن وقال: نعم، نعم ثم قال جميعه هذا البيت:

إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا وإن خجرت فإنا قد تكافـينـا

فعند ذلك قلبت الصبية الطاجن وخرجت من الموضع الذي دخلت منه والتحمت حائط المطبخ ثم أقامت الجارية فرأت الأربع سمكات محروقة مثل الفحم الأسود، فقالت تلك الجارية من أول غزوته حصل كسر عصبته فبينما هي تعاتب نفسها، وإذا بالوزير واقف على رأسها، وقال لها هاتي السمك للسلطان فبكت الجارية وأعلمت الوزير بالحال أنه أرسل إلى الصياد فأتوا به إليه، فقال له أيها الصياد لا بد أن تجيب لنا بأربع سمكات مثل التي جئت بها أولاً.

فخرج الصياد إلى البركة وطرح شبكته ثم جذبها وإذا بأربع سمكات، فأخذها وجاء بها إلى الوزير، فدخل بها الوزير إلى الجارية وقال لها قومي اقليها قدامي، حتى أرى هذه القضية فقامت الجارية أصلحت السمك، ووضعته في الطاجن على النار فما استقر إلا قليلاً وإذا بالحائط قد انشقت، والصبية قد ظهرت وهي لابسة ملبسها وفي يدها القضيب فغرزته في الطاجن وقالت: يا سمك هل أنت على العهد القديم مقيم، فرفعت السمكات رؤوسها وأنشدت هذا البيت:

إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا وإن هجرت فإنا قد تكافـينـا

في الليلة السابعة: قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما تكلم السمك قلبت الصبية الطاجن بالقضيب وخرجت من الموضع الذي جاءت منه والتحم الحائط، فعند ذلك قام الوزير وقال: هذا أمر لا يمكن إخفاؤه عن الملك، ثم أنه تقدم إلى الملك وأخبره بما جرى قدامه فقال: لا بد أن أنظر بعين، فأرسل إلى الصياد وأمره أن يأتي بأربع سمكات مثل الأول وأمهله ثلاثة أيام. فذهب الصياد إلى البركة وأتاه بالسمك في الحال. فأمر الملك أن يعطوه أربعمائة دينار. ثم التفت الملك إلى الوزير وقال له: سو أنت السمك ههنا قدامي فقال الوزير سمعاً وطاعة، فأحضر الطاجن ورمى فيه السمك بعد أن نظفه ثم قلبه وإذا بالحائط قد انشق وخرج منه عبد أسود كأنه ثور من الثيران أو من قوم عاد وفي يده قرع من شجرة خضراء وقال بكلام فصيح مزعج: يا سمك يا سمك هل أنت على العهد القديم مقيم؟ فرفع السمك رأسه من الطاجن وقال: نعم وأنشد هذا البيت:

إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا وإن هجرت فإنا قد تكافـينـا

ثم أقبل العبد على الطاجن وقلبه بالفرع إلى أن صار فحماً أسود، ثم ذهب العبد من حيث أتى، فلما غاب العبد عن أعينهم قال الملك: هذا أمر لا يمكن السكوت عنه، ولا بد أن هذا السمك له شأن غريب، فأمر بإحضار الصياد، فلما حضر قال له: من أين هذا السمك فقال له من بركة بين أربع جبال وراء هذا الجبل الذي بظاهر مدينتك، فالتفت الملك إلى الصياد وقال له: مسيرة كم يوم، قال له يا مولاننا السلطان مسيرة نصف ساعة.

فتعجب السلطان وأمر بخروج العسكر من وقته مع الصياد فصار الصياد يلعن العفريت وساروا إلى أن طلعوا الجبل ونزلوا منه إلى برية متسعة لم يروها مدة أعمارهم والسلطان وجميع العسكر يتعجبون من تلك البرية التي نظروها بين أربع جبال والسمك فيها على أربعة ألوان أبيض وأحمر وأصفر وأزرق.

فوقف الملك متعجباً وقال للعسكر ولمن حضر: هل أحد منكم رأى هذه البركة في هذا المكان، فقالوا كلهم لا، فقال الملك: والله لا أدخل مدينتي ولا أجلس على تخت ملكي حتى أعرف حقيقة هذه البركة وسمكها.

ثم أمر الناس بالنزول حول هذه الجبال فنزلوا، ثم دعا بالوزير وكان وزيراً عاقلاً عالماً بالأمور، فلما حضر بين يديه قال له: إني أردت أن أعمل شيئاً فأخبرك به وذلك أنه خطر ببالي أن أنفرد بنفسي في هذه الليلة وأبحث عن خبر هذه البركة وسمكها، فاجلس على باب خيمتي وقل للأمراء والوزراء والحجاب أن السلطان متشوش وأمرني أن لا أؤذن لأحد في الدخول عليه ولا تعلم أحد بقصدي، فلم يقدر الوزير على مخالفته.

ثم أن الملك غير حالته وتقلد سيفه وانسل من بينهم ومشى بقية ليله إلى الصباح، فلم يزل سائراً حتى اشتد عليه الحر فاستراح ثم مشى بقية يومه وليلته الثانية إلى الصباح فلاح له سواد من بعد ففرح وقال: لعلي أجد من يخبرني بقضية البركة وسمكها، فلما قرب من السواد وجده قصراً مبنياً بالحجارة السود مصفحاً بالحديد وأحد شقي بابه مفتوح والآخر مغلق.

ففرح الملك ووقف على الباب ودق دقاً لطيفاً فلم يسمع جواباً، فدق ثانياً وثالثاً فلم يسمع جواباً، فدق رابعاً دقاً مزعجاً فلم يجبه أحد، فقال لا بد أنه خال، فشجع نفسه ودخل من باب القصر إلى دهليز ثم صرخ وقال: يا أهل القصر إني رجل غريب وعابر سبيل، هل عندكم شيء من الزاد? وأعاد القول ثانياً وثالثاً فلم يسمع جواباً، فقوي قلبه وثبت نفسه ودخل من الدهليز إلى وسط القصر فلم يجد فيه أحد، غير أنه مفروش وفي وسطه فسقية عليها أربع سباع من الذهب تلقي الماء من أفواهها كالدر والجواهر وفي دائره طيور وعلى ذلك القصر شبكة تمنعها من الطلوع، فتعجب من ذاك وتأسف حيث لم ير فيه أحد يستخبر منه عن تلك البركة والسمك والجبال والقصر، ثم جلس بين الأبواب يتفكر وإذا هو بألين من كبد حزين فسمعه يترنم بهذا الشعر:

لما خفيت ضنى ووجدي قد ظهر والنوم من عيني تبدل بالسهـر

ناديت وجداً قد تزايد بي الفكـر يا وجد لا تبقى علـي ولا تـذر

ها مهجتي بين المشقة والخطر فلما سمع السلطان ذلك الأنين نهض قائماً وقصد جهته فوجد ستراً مسبولاً على باب مجلس فرفعه فرأى خلف الستر شاباً جالساً على سرير مرتفع عن الأرض مقدار ذراع، وهو شاب مليح بقد رجيح ولسان فصيح وجبين أزهر وخداً أحمر وشامة على كرسي خده كترس من عنبر كما قال الشاعر:

ومهفهف من شعره وجبـينـه مشت الورى في ظلمة وضياء

ما أبصرت عيناك أحسن منظر فيما يرى من سـائر الأشـياء

كالشامة الخضراء فوق الوجنة الحمراء تحت المقلة السـوداء

ففرح به الملك وسلم عليه والصبي جالس وعليه قباء حرير بطراز من ذهب لكن عليه أثر الحزن، فرد السلام على الملك وقال له: يا سيدي اعذرني عن عدم القيام، فقال الملك: أيها الشاب أخبرني عن هذه البركة وعن سمكها الملون وعن هذا القصر وسبب وحدتك فيه وما سبب بكائك؟ فلما سمع الشاب هذا الكلام نزلت دموعه على خده وبكى بكاء شديداً، فتعجب الملك وقال: ما يبكيك أيها الشاب؟ فقال كيف لا أبكي وهذه حالتي، ومد يده إلى أذياله فإذا نصفه التحتاني إلى قدميه حجر ومن صرته إلى شعر رأسه بشر.

ثم قال الشاب: اعلم أيها الملك أن لهذا أمراً عجيباً لو كتب بالإبر على آفاق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، وذلك يا سيدي أنه كان والدي ملك هذه المدينة وكان اسمع محمود الجزائر السود وصاحب هذه الجبال الأربعة أقام في الملك سبعين عاماً ثم توفي والدي وتسلطنت بعده وتزوجت بابنة عمي وكانت تحبني محبة عظيمة بحيث إذا غبت عنها لا تأكل ولا تشرب حتى تراني، فمكثت في عصمتي خمس سنين إلى أن ذهبت يوماً إلى الحمام فأمرت الطباخ أن يجهز لنا طعاماً لأجل العشاء، ثم دخلت هذا القصر ونمت في الموضع الذي أنا فيه وأمرت جاريتين أن يروحا على وجهي فجلست واحدة عند رأسي والأخرى عند رجلي وقد قلقت لغيابها ولم يأخذني نوم غير أن عيني مغمضة ونفسي يقظانة.

فسمعت التي عند رأسي تقول للتي عند رجلي يا مسعودة إن سيدنا مسكين شبابه ويا خسارته مع سيدتنا الخبيثة الخاطئة. فقالت الأخرى: لعن الله النساء الزانيات ولكن مثل سيدنا وأخلاقه لا يصلح لهذه الزانية التي كل ليلة تبيت في غير فراشه.

فقالت التي عند رأسي: إن سيدنا مغفل حيث لم يسأل عنها. فقالت الأخرى ويلك وهل عند سيدنا علم بحالها أو هي تخليه باختياره بل تعمل له عملاً في قدح الشراب الذي يشربه كل ليلة قبل المنام فتضع فيه البنج فينام ولم يشعر بما يجري ولم يعلم أين تذهب ولا بما تصنع لأنها بعدما تسقيه الشراب تلبس ثيابها وتخرج من عنده فتغيب إلى الفجر وتأتي إليه وتبخره عند أنفه بشيء فيستيقظ من منامه.

فلما سمعت كلام الجواري صار الضيا في وجهي ظلاماً وما صدقت أن الليل اقبل وجاءت بنت عمي من الحمام فمدا السماط وأكلنا وجلسنا ساعة زمنية نتنادم كالعادة ثم دعوت بالشراب الذي أشربه عند المنام فناولتني الكأس فراوغت عنه وجعلت أشربه مثل عادتي ودلقته في عبي ورقدت في الوقت والساعة وإذا بها قالت: نم ليتك لم تقم، والله كرهتك وكرهت صورتك وملت نفسي من عشرتك. ثم قامت ولبست أخفر ثيابها وتبخرت وتقلدت سيفاً وفتحت باب القصر وخرجت.

فقمت وتبعتها حتى خرجت وشقت في أسواق المدينة إلى أن انتهت إلى أبواب المدينة فتكلمت بكلام لا أفهمه فتساقطت الأقفال وانفتحت الأبواب وخرجت وأنا خلفها وهي لا تشعر حتى انتهت إلى ما بين الكيمان وأتت حصناً فيه قبة مبنية بطين لها باب فدخلته هي وصعدت أنا على سطح القبة وأشرفت عليها اذا بها قد دخلت على عبد أسود إحدى شفتيه غطاء وشفته الثانية وطاء وشفاهه تلقط الرمل من الحصى وهي مبتلي وراقد على قليل من قش القصب فقبلت الأرض بين يديه.

فرفع ذلك العبد رأسه إليها وقال لها: ويلك ما سبب قعودك إلى هذه الساعة كان عندنا السودان وشربوا الشراب وصار كل واحد بعشيقته وأنا ما رضيت أن أشرب من شأنك، فقالت: يا سيدي وحبيب قلبي أما تعلم أني متزوجة بابن عمي وأنا أكره النظر في صورته وأبغض نفسي في صحبته، ولولا أني أخشى على خاطرك لكنت جعلت المدينة خراباً يصبح فيها البوم والغراب وأنقل حجارتها إلى جبل قاف. فقال العبد: تكذبين يا عاهرة وأنا أحلف وحق فتوة السودان وإلا تكون مروءتنا مروءة البيضان. إن بقيت تقعدي إلى هذا الوقت من هذا اليوم لا أصاحبك ولا أضع جسدي على جسدك، يا خائنة تغيبين علي من أجل شهوتك يا منتنة يا أخت البيضان.

قال الملك: فلما سمعت كلامها وأنا أنظر بعيني ما جرى بينهما صارت الدنيا في وجهي ظلاماً ولم أعرف روحي في أي موضع وصارت بنت عمي واقفة تبكي إليه وتتدلل بين يديه وتقول له: يا حبيبي وثمرة فؤادي ما أحد غيرك بقي لي فإن طردتني يا ويلي يا حبيبي يا نور عيني. وما زالت تبكي وتضرع له حتى رضي عليها ففرحت قامت وقلعت ثياب ولباسها وقالت له: يا سيدي هل عندك ما تأكله جاريتك، فقال لها اكشفي اللقان فإن تحتها عظام فيران مطبوخة فكليها ومرمشيها وقومي لهذه القوارة تجدين فيها بوظة فاشربيها.
فقامت وأكلت وشربت وغسلت يديها، وجاءت فرقدت مع العبد على قش القصب وتعرت ودخلت معه تحت الهدمة والشرايط فلما نظرت هذه الفعال التي فعلتها بنت عمي وهممت أن أقتل الإثنين فضربت العبد أولاً على رقبته فظننت أنه قضي عليه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فلما أصبح الصباح دخل الملك إلى محل الحكم واحتبك الديوان إلى آخر النهار، ثم طلع الملك قصره فقالت لها أختها دنيازاد: تممي لنا حديثك، قالت: حباً وكرامة.

في الليلة الثامنة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب المسحور قال للملك: لما ضربت العبد لأقطع رأسه قطعت الحلقوم والجلد واللحم فظننت أني قتلته فشخر شخيراً عالياً فتحركت بنت عمي وقامت بعد ذهابي فأخذت السيف وردته إلى موضعه وأتت المدينة ودخلت القصر ورقدت في فراشي إلى الصباح، ورأيت بنت عمي في ذلك اليوم قد قطعت شعرها ولبست ثياب الحزن وقالت: يا ابن عمي لا تلمني فيما أفعله، فإنه بلغني أن والدتي توفيت وأن والدي قتل في الجهاد، وأن أخوي أحدهما مات ملسوعاً والآخر رديماً فيحق لي أن أبكي وأحزن، فلما سمعت كلامها سكت عنها وقلت لها: افعلي ما بدا لك فإني لا أخالفك، فمكثت في حزن وبكاء وعددي سنة كاملة من الحول إلى الحول، وبعد السنة قالت لي أريد أن أبني في قصرك مدفناً مثل القبة وأنفرد فيه بالأحزان أسميه بيت الأحزان.

فقلت لهاك افعلي ما بدا لك فبنت لها بيتاً للحزن في وسطه قبة ومدفناً مثل الضريح ثم نقلت العبد وأنزلته فيه وهو ضعيف جداً لا ينفعها بنافعة لكنه يشرب الشراب، ومن اليوم الذي جرحته فيه ما تكلم إلا أنه حي لأن أجله لم يفرغ فصارت كل يوم تدخل عليه القبة بكرة وعشياً وتبكي عنده، وتعدد عليه وتسقيه الشراب والمساليق ولم تزل على هذه الحالة صباحاً ومساء إلى ثاني سنة وأنا أطول بالي عليها إلى أن دخلت عليها يوماً من الأيام، على غفلة فوجدتها تبكي وتلطم وجهها وتقول هذه الأبيات:

عدمت وجودي في الورى بعد بعدكم فإن فـؤادي لا يحـب سـواكـم

خذوا كرماً جسمي إلى أني ترتمـوا وأين حللتم فادفنـونـي حـداكـم

وإن تذكروا اسمي عند قبري يجيبكم أنين عظامي عند صوت نـداكـم

فلما فرغت من شعرها قلت لها وسيفي مسلول في يدي: هذا كلام الخائنات اللاتي يسكرن المعشره، ولا يحفظن الصحة وأردت أن أضربها فرفعت يدي في الهواء فقامت وقد علمت أني أنا الذي جرح العبد ثم وقعت على قدميها وتكلمت بكلام لا أفهمه، وقالت جعل الله بسحري نصفك حجراً ونصفك الآخر بشراً، فصرت كما ترى وبقيت لا أقوم ولا أقعد ولا أنا ميت ولا أنا حي.

فلما صرت هكذا سحرت المدينة وما فيها من الأسواق والغبطان وكانت مدينتنا أربعة أصناف مسلمين ونصارى ويهود ومجوس فسحرتهم سمكاً، فالأبيض مسلمون والأحمر مجوس والأزرق نصارى والأصفر يهود وسحرت الجزائر الأربعة جبال وأحاطتها بالبركة، ثم إنها كل يوم تعذبني، وتضربني بسوط من الجلد مائة ضربة حتى يسيل الدم ثم تلبسني من تحت هذه الثياب ثوباً من الشعر على نصفي الفوقاني ثم أن الشاب بكى وأنشد:

صبراً لحكمك يا إله الـقـضـا أنا صابر إن كان فيه لك الرضا

قد ضقت بالأسر الذي قد نابنـي فوسباني آل النبي المرتـضـى

فعند ذلك التفت الملك إلى الشاب وقال له: أيها الشاب زدتني هماً على همي، ثم قال له: وأين تلك المرأة قال في المدفن الذي فيه العبد راقد في القبة وهي تجيء له كل يوم مرة وعند مجيئها تجيء إلى وتجردني من ثيابي وتضربني بالسوط مئة ضربة وأنا أبكي وأصيح ولم يكن في حركة حتى أدفعها عن نفسي ثم بعد أن تعاقبني تذهب إلى العبد بالشراب والمسلوقة بكرة النهار. قال الملك: والله يا فتى لأفعلن معك معروفاً أذكر به وجميلاً يؤرخونه سيراً من بعدي، ثم جلس الملك يتحدث معه إلى أن أقبل الليل ثم قام الملك وصبر إلى أن جاء وقت السحر فتجرد من ثيابه وتقلد سيفه ونهض إلى المحل الذي فيه العبد فنظر إلى الشمع والقناديل ورأى البخور والأدهان ثم قصد العبد وضربه فقتله ثم حمله على ظهره ورماه في بئر كانت في القصر، ثم نزل ولبس ثياب العبد وهو داخل القبة والسيف معه مسلول في طوله، فبعد ساعة أتت العاهرة الساحرة وعند دخولها جردت ابن عمها من ثيابه وأخذت سوطاً، وضربته فقال آه يكفيني ما أنا فيه فارحميني فقالت: هل كنت أنت رحمتني وأبقيت لي معشوق، ثم ألبسته اللباس الشعر والقماش من فوقه ثم نزلت إلى العبد ومعها قدح الشراب وطاسة المسلوقة ودخلت عليه القبة وبكت وولولت وقالت: يا سيدي كلمني يا سيدي حدثني وأنشدت تقول:

فإلى متى هذا التجنب والـجـفـا إن الذي فعل الغرام لقد كـفـى

كم قد تطيل الهجر لي معتـمـداً إن كان قصدك حاسدي فقد اشتفى

ثم إنها بكت وقالت: يا سيدي كلمني وحدثني فخفض صوته، وعوج لسانه وتكلم بكلام السودان وقال: آه لا حول ولا قوة إلا بالله فلما سمعت كلامه صرخت من الفرح وغشي عليها ثم إنها استفاقت وقالت لعل سيدي صحيح، فخفض صوته بضعف وقال: يا عاهرة أنت لا تستحقي أن أكلمك، قالت ما سبب ذلك، قال سببه أنك طول النهار تعاقبين زوجك وهو يصرخ ويستغيث حتى أحرمتيني النوم من العشاء إلى الصباح، ولم يزل زوجك يتضرع ويدعو عليك حتى أقلقني صوته ولولا هذا لكنت تعافيت فهذا الذي منعني عن جوابك، فقالت عن إذنك أخلصه مما هو فيه، فقال لها: خلصيه وأريحينا فقالت: سمعاً وطاعة.

ثم قامت وخرجت من القبة إلى القصر وأخذت طاسة ملأتها ماء ثم تكلمت عليها فصار الماء يغلي بالقدر ثم رشته منها وقالت: بحق ما تلوته أن تخرج من هذه الصورة إلى صورتك الأولى: فانتفض الشاب وقام على قدميه، وفرح بخلاصه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صاى الله عليه وسلم، ثم قالت له: اخرج ولا ترجع إلى هنا وإلا قتلتك وصرخت في وجهه.

فخرج من بين يديها وعادت إلى القبة ونزلت وقالت: يا سيدي اخرج إلي حتى أنظرك، فقال لها بكلام ضعيف أي شيء فعلتيه، أرحتيني من الفرع ولم تريحيني من الأصل، فقالت يا حبيبي وما هو الأصل قال: أهل هذه المدينة والأربع جزائر كل ليلة، إذا انتصف الليل يرفع السمك رأسه ويدعو علي وعليك فهو سبب منع العافية عن جسمي، فخلصيهم وتعالي خذي بيدي، وأقيميني، فقد توجهت إلى العافية فلما سمعت كلام الملك وهي تظنه العبد، قالت له وهي فرحة يا سيدي على رأسي وعيني بسم الله، ثم نهضت وقامت وهي مسرورة تجري وخرجت إلى البركة وأخذت من مائها قليلاً، وأدرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

في الليلة التاسعة: قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية الساحرة، لما أخذت شيئاً من هذه البركة وتكلمت عليه بكلام لا يفهم تحرك السمك، ورفع رأسه وصار آدميين في الحال، وانفك السحر عن أهل المدينة وأصبحت عامرة والأسواق منصوبة، وصار كل واحد في صناعته وانقلبت الجبال جزائر، كما كانت ثم أن الصبية الساحرة رجعت إلى الملك في الحال وهي تظن أنه العبد، وقالت يا حبيبي ناولني يدك الكريمة أقبلها. فقال الملك بكلام خفي: تقربي مني، فدنت منه وقد أخذ صارمه وطعنها به في صدرها حتى خرج من ظهرها ثم ضربها فشقها نصفين وخرج فوجد الشاب المسحور واقفاً في انتظاره فهنأه بالسلامة وقبل الشاب يده وشكره فقال له الملك: تقعد مدينتك أن تجيء معي إلى مدينتي؟ فقال الشاب: يا ملك الزمان أتدري ما ينك وبين مدينتك? فقال يومان ونصف فعند ذلك قال له الشاب: إن كنت نائماً فاستيقظ إن بينك وبين مدينتك سنة للمجد وما أتيت في يومين ونصف إلا لأن المدينة كانت مسحورة وأنا أيها الملك لا أفارقك لحظة عين.

ففرح الملك بقوله ثم قال الحمد لله الذي من علي بك فأنت ولدي لأني طول عمري لم أرزق ولداً. ثم تعانقا وفرحا فرحاً شديداً، ثم مشيا حتى وصلا إلى القصر وأخبر الملك الذي كان مسحوراً أرباب دولته أنه مسافر إلى الحج الشريف فهيئوا له جميع ما يحتاج إليه ثم توجه هو والسلطان وقلب السلطان ملتهب على مدينته حيث غاب عنها سنة. ثم سافر ومعه خمسون مملوكاً ومعه الهدايا، ولم يزالا مسافرين ليلاً ونهاراً سنة كاملة حتى أقبلا على مدينة السلطان.

فخرج الوزير والعساكر بعدما قطعوا الرجاء منه وأقبلت العساكر وقبلت الأرض بين يديه وهنؤه بالسلامة فدخل وجلس على الكرسي ثم أقبل على الوزير وأعلمه بكل ما جرى على الشاب، فلما سمع الوزير ما جرى على الشاب هنأه بالسلامة.

ولما استقر الحال أنعم السلطان على أناس كثيرون، ثم قال للوزير علي بالصياد الذي أتى بالسمك فأرسل إلى ذلك الصياد الذي كان سبباً لخلاص أهل المدينة فأحضره وخلع عليه وسأله عن حاله وهل له أولاد فأخبره أن له ابناً وبنتين فتزوج الملك بإحدى بنتيه وتزوج الشاب بالأخرى،. وأخذ الملك الإبن عنده وجعله خازندارا، ثم أرسل الوزير إلى مدينة الشاب التي هي الجزائر السود وقلده سلطنتها وأرسل معه الخمسين مملوكا الذين جاؤوا معه وكثيرا من الخلع لسائر الأمراء. فقبل الوزير يديه وخرج مسافرا واستقر السلطان والشاب. وأما الصياد فإنه قد صار أغنى أهل زمانه وبناته زوجات الملوك إلى أن أتاهم الممات، وما هذا بأعجب مما جرى للحمال.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 19 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية هارون الرشيد مع علي العجمي وما يتبع ذلك من حديث الجراب الكردي

و مما يحكى أيضاً أن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي فاستدعى بوزيره فلما حضر بين يديه قال له: يا جعفر إني قلقت الليلة قلقاً عظيماً وضاق صدري وأريد منك شيئاً يسر خاطري وينشرح به صدري. فقال له جعفر: يا أمير المؤمنينإن لي صديقاً اسمه علي العجمي وعنده من الحكايات والأخبار المطربة ما يسر النفوس ويزيل عن القلب البؤس فقال له: علي به فقال: سمعاً طاعة. ثم إن جعفر خرج من عند الخليفة في طلب العجمي فأرسل خلفه فلما حضر قال له: أجب أمير المؤمنين فقال: سمعاً وطاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي قال: سمعاً وطاعة ثم توجه معه إلى الخليفة فلما تمثل بين يديه أذن له بالجلوس فجلس فقال له الخليفة: يا علي إنه ضاق صدري في هذه الليلة وقد سمعت عنك أنك تحفظ حكايات وأخبار وأريدمنك أن تسمعني ما يزيل همي ويصقل فكري. فقال: يا أمير المؤمنين هل أحدثك بالذي رأيته بعيني أو بالذي سمعته بأذني؟ فقال: إن كنت رأيت شيئاً فاحكه؟ فقال: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين إني سافرت في بعض السنين من بلدي هذه وهي مدينة بغداد وصحبتي غلام ومعه جراب لطيف ودخلنا المدينة.

فبينما أنا أبيع وأشتري وإذا برجل كردي ظالم متعدي قد هجم علي وأخذ مني الجراب وقال: هذا جرابي وكل ما فيه متاعي فقلت: يا معشر المسلمين خلصوني من يد أفجر الظالمين، فقال الناس جميعاً: اذهبا إلى القاضي واقبلا حكمه بالتراضي؟ فتوجهنا إلى القاضي وأنا بحكمه راضي فلما دخلنا عليه وتمثلنا بين يديه قال القاضي: في أي شيء جئتما؟ وما قضية خبركما؟ فقلت: نحن خصمان إليك تداعينا بحكمك تراضينا فقال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي وقال: أيد الله مولانا القاضي إن هذا الجراب جرابي وكل ما فيه متاعي وقد ضاع مني ووجدته مع هذا الرجل. فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: من أمس هذا اليوم وبت لفقده بلا نوم. فقال القاضي: إن كنت تعرفه فصف لي ما فيه؟ فقال الكردي: في جرابي هذا مردوان من لجين وفيه أكحال للعين ومنديل لليدين ووضعت فيه شرابتين وشمعدانين وهو مشتمل على بيتين وطبقتين وملعقتين ومخدة ونطعين وابريقين وصينية وطشتين وقسدرة وزلعتين ومغرفة وسلة ومردوين وهرة وكلبتين وقصعة وقعيدتين وجبة وفروتين وناقتين وجاموسة وثورين ولبة وسبعين ودبة وثعلبين ومرتبة وسريرين وقصراً وقاعتين ورواقاً ومقعدين ومطبخاً ببابين وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابي.

فقال القاضي: ما تقول أنت يا هذا؟ فقلت إليه: يا أمير المؤمنين وقد أبهتني الكردي بكلامه فقلت: أعز الله مولانا القاضي أنا في جرابي هذا دويرة خراب واخرى بلا باب ومقصورة للكلاب وفيه الصبيان كتاب وشباب يلعبون الكعاب وفيه خيام وأطناب ومدينة البصرة وبغداد وقصر شداد بن عاد وكور حداد وشبكة صياد وأوتاد وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي.

فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا مولانا القاضي إن جرابي هذا معروف وكل ما فيه موصوف في جرابي هذا حصون وقلاع وكراكي وسباع ورجال يلعبون بالشطرنج والرقاع وفي جرابي هذا حجرة ومهران وفحل وحصانان ورمحان طويلان وهو مشتمل على سبع وارنبين ومدينة وقريتين وقحبة وقوادين شاطرين ومخنث وعلقين وأعمى وبصيرين واعرج وكسيحين وقسيس وشماسين وبطريق وراهبين وقاض وشاهدين وهم يشهدون أن الجراب جرابي فقال القاضي: ما تقول يا علي؟ فامتلأتغيظاً يا أمير المؤمنين وتقدمت إليه وقلت: أيد الله مولانا القاضي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي قال: فامتلأت غيظاً يا أمير المؤمنين وتقدمت إليه وقلت: أيد الله مولانا القاضي أنا في جرابي هذا زرد وصفاح وخزائن سلاح وألف كبش نطاح وفيه للغنم مراح وألف كلب نباح وبساتين وكروم وازهار ومشموم وتين وتفاح وصور وأشباح وقناني وأقداح وعرائس ومغاني وأفراح وهرج وصياح وأقطار فساح وأخوة نجاح ورفقة صباح ومعهم سيوف ورماح ملاح وقوس ونشاب وأصدقاء وأحباب وخلان وأصحاب ومحابس للعقاب وندماء للشراب وطنبور ونايات وأعلام ورايات وصبيان وبنات وعرائس مجليات وجوار مغنيات وخمس حبشيات وثلاث هنديات وأربع مدنيات وعشرون روميات وخمسون تركيات وسبعون عجميات وثمانون كرديات وتسعون جرجيات والدجلة والفرات وشبكة صياد وقداحة وزناد وإرم ذات العماد وألف علق وقواد وميادين واصطبلات ومساجد وحمامات وبناء وتجار وخشبة ومسمار وعبد أسود ومزمار ومقدم وركبدار ومدن وأمصار ومائة ألف دينار والكوفة مع الأنبار وعشرون صندوقاً ملآنة بالقماش وخمسون حاصلاً للمعاش وغزة وعسقلان من دمياط إلى أصوان وإيوان كسرى وأنوشروان وملك سليمان ومن وادي نعمان إلى أرض خراسان وبلخ وأصبهان ومن الهند إلى بلاد السودان وفيه أطال الله عمر مولانا القاضي غلائل وعراضي وألف موس ماض تحلق ذقن القاضي إن لم يخش عقابي ولم يحكم بأن الجراب جرابي.

فلما سمع القاضي هذا الكلام تحير عقله من ذلك وقال: ما أراكما إلا شخصين نحسين أو رجلين زنديقين تلعبان بالقضاة والحكام ولا تخشيان من الملام لأنه ما وصف الواصفون ولا سمع السامعون بأعجب مما وصفتما ولا تكلموا بمثل ما تكلمتما والله إن من الصين إلى شجرة أم غيلان ومن بلاد فارس إلى أرض السودان ومن وادي نعمان إلى أرض خراسان لا يسع ما ذكرتماه ولا يصدق ما ادعيتماه فهل هذا الجراب بحر ليس له قرار أو يوم العرض الذي يجمع الأبرار والفجار. ثم إن القاضي أمر بفتح الجراب ففتحه وإذا فيه خبز وليمون وجبن وزيتون ثم رميت الجراب قدام الكردي ومضيت فلما سمع الخليفة هذه الحكاية من علي العجمي استلقى على قفاه من الضحك وأحسن جائزته.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 20 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

بعض حكايات تتعلق بالكرام

أما حكايات الكرام فإنها كثيرة جداً منها ما روي عن حاتم الطائي أنه لما مات دفن في رأس جبل وعملوا على قبره حوضين من حجر وصور بنات محلولات الشعر من حجر وكان تحت ذلك الجبل نهر جار فإذا نزلت الوفود يسمعون الصراخ في الليل من العشاء إلى الصباح فإذا أصبحوا لم يجدوا أحد غير البنات المصورة من الحجر فلما نزل ذو الكراع ملك حمير بذلك الوادي خارجاً من عشيرته بات تلك الليلة هناك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشر بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ذا الكراع لما نزل بذلك الوادي بات تلك الليلة هناك وتقرب من ذلك الموضع فسمع الصراخ فقال: ما هذا العويل الذي فوق الجبل؟ فقالوا له: إن هذا قبر حاتم الطائي وإن عليه حوضين من حجر وصور بنات من حجر محلولات الشعور وكل ليلة يسمع النازلون هذا العويل والصراخ فقال ذا الكراع ملك حمير يهزأ بحاتم الطائي: يا حاتم نحن الليلة ضيوفك ونحن خماً فغلب عليه النوم ثم استيقظ وهو مرعوب وقال: يا عرب الحقوني وأدركوا راحلتي فلما جاءوه وجدوا الناقة تضطرب فنحروها وشووا لحمها وأكلوه ثم سألوه عن سبب ذلك فقال: إني نمت فرأيت حاتم الطائي في المنام قد جاءني بسيف وقال: جئنا ولم يكن عندنا شيء وعقر ناقتي بالسيف ولو لم تنحروها لماتت.

فلما أصبح الصباح ركب ذو الكراع راحلة واحد من أصحابه ثم أردفه خلفه فلما كان في وسط النهار رأوا راكباً على راحلة وفي يده راحلة أخرى فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدي بن حاتم الطائي ثم قال: أين ذو الكراع أمير حمير؟ فقالوا له: اركب هذه الناقة عوضاً عن راحلتك فإن ناقتك نحرها أبي لك قال: ومن أخبرك؟ قال: أتاني في المنام في هذه الليلة وقال لي: يا عدي إن ذو الكراع ملك حمير استضافني فنحرت له ناقته فأدركه بناقة يركبها فإني لم يكن عندي شيء فأخذها ذو الكراع وتعجب من كرم حاتم حياً وميتاً.

ومن حكايات الكرام أيضاً

ما يروى عن معن بن زائدة أنه كان في يوم من الأيام في الصيد والقنص فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء فبينما هو كذلك وإذا بثلاث جوار أقبلن عليه حاملات ثلاث قرب ماء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة عشر بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن إن الجواري أقبلن على معن حاملات ثلاث قرب ماء فاستقاهن فأسقينه فطلب شيئاً من غلمانه ليعطيه للجواري فلم يجد معه مالاً فدفع لكل واحدة منهن عشرة أسهم من كنانته نصولها من الذهب فقالت إحداهن لصاحبتيها: لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة فلتقل كل واحدة منكن شيئاً من الشعر مدحاً فيه فقالت الأولى:

يركب في السهام نصول يبر ويرمي العدا كرماً وجـودا

فللمرضى علاج من جراح وأكفان لمن سكن اللحـودا

و قالت الثانية:

ومحارب من فرط جود بنـانـه عممت مكارمه الأحبة والعـدا

صيغت نصول سهامه من عسجد كيلا تعوقه الحروب عن النـدا

و قالت الثالثة:

ومن جوده يرمي العداة بـأسـهـم من الذهب الإبريز صيغت نصولها

لينفقها المجـروح عـنـد دوائهـا ويشتري الأكفان منـهـا قـتـيلا

و قيل إن معن بن زائدة خرج في جماعته إلى الصيد فقرب منهم قطيع ظباء فافترقوا في طلبه وانفرد معن خلف ظبي فلما ظفر به نزل فذبحه فرأى شخصاً مقبل من البرية على حمار فركب فريه واستقبله فسلم عليه وقال له: من أين أتيت؟ قال: أتيت من أرض قضاعة وإن مدة من السنين مجدبة وقد أخصبت هذه السنة فزرعت فيها القثاء فطرحت في غير وقتها فجمعت منها ما استحسنته من القثاة وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور ومعروفه المأثور فقال له: كم أملت منه؟ قال: ألف دينار. فقال: فإن قال لك هذا القدر كثير قال: خمسمائة دينار قال: فإن قال لك كثير قال مائة دينار قال: فإن قال لك كثير قال خمسين دينار قال فإن قال لك هذا كثير؟ قال أدخلت قوائم حماري في حرامه ورجعت إلى أهلي صفر اليدين، فضحك معن من كلامه وساق جواده حتى لحق بعسكره ونزل في منزله وقال لحاجبه: إذا أتاك شخص على حمار بقثاة فأدخله علي فأتى ذلك الرجل بعد ساعة فأذن له الحاجب بالدخول، فلما دخل على الأمير مهن لم يعرف أنه هو الذي قابله في البرية لهيبته وجلاله وكثرة خدمه وحشمه وهو متصدر في دست مملكته والحفدة قيام عن يمينه وعن شماله وبين يديه.
فلما سلم عليه قال له الأمير: ما الذي أتى بك يا أخا العرب؟ قال: أملت من الأمير واتيت له بقثاة في غير أوانها فقال له: كم أملت منها؟ قال: ألف دينار، قال ك هذا القدر كثير، قال: خمسمائة دينار قال: كثير قال: كثير قال: ثلثمائة دينار قال: كثير قال: مائتي دينار قال: كثير، قال: مائة دينار قال: كثير، قال خمسين ديناراً قال: كثير، قال ثلاثين ديناراً قال: كثير. قال: والله لقد كان ذلك الرجل الذي قابلني في البرية مشؤوماً أفلا أقل من ثلاثين ديناراً، فضحك معن وسكت فعلم الإعرابي أنه هو الرجل الذي قابله في البرية فقال له: يا سيدي إذا لم تجيء بالثلاثين فها هو الحمار مربوط بالباب وها معن جالس، فضحك معن حتى استلقى على قفاه، ثم استدعى بوكيله وقال: أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلثمائة دينار ومائتي دينار ومائة دينار وثلاثين دينار ودع الحمار مربوطاً مكانه، فبهت الإعرابي وتسلم الألفين ومائة وثمانين ديناراً، فرحمة الله عليهم أجمعين.

حكاية تتعلق ببعض مدائن الأنلس التي فتحها طارق بن زياد و بلغني أيها الملك السعيد أن مملكة يقال لها البطة وكانت مملكة للإفرنج وكان فيها قصر مقفل دائماً وكلما مات ملك وتولى بعده ملك آخر من الروم رمي عليه قفلاً محكماً فاجتمع على الباب أربعة وعشرون قفلاً من كل ملك قفل ثم تولى بعدهم رجل ليس من اهل بيت المملكة فأراد فتح تلك الأقفال ليرى ما في ذلك القصر فمنعه من ذلك أكابر الدولة وأنكروا عليه وزجروه فأبى وقال: لا بد من فتح ذلك القصر فبذلوا له جميع ما بأيديهم من نفائس الأموال والذخائر على عدم فتحه فلم يرجع. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشر بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أهل المملكة بذلوا لذلك الملك جميع ما في أيديهم من الأموال والذخائر على عدم فتح ذلك القصر فلم يرجع عن فتحه، ثم أن أزال الأقفال وفتح الباب فوجد فيه صورة العرب على خيلهم وجمالهم وعليهم العمائم المسبلة وهم متقلدون بالسيوف وبأيديهم الرماح الطوال ووجد كتاباً فيه فأخذه وقرأه فوجد مكتوباً فيه: إذا فتح هذا الباب يغلب على هذه الناحية قوم من العرب وهم على هيئة هذه الصور فالحذر ثم الحذر من فتحه، وكانت تلك المدينة بالأندلس. ففتحها طارق بن زياد في تلك السنة في خلافة الوليد بن عبد الملك من بني أمية وقتل ذلك الملك أقبح قتلة ونهب بلاده وسبى بها من النساء والغلمان وغنم أموالها ووجد فيها ذخائر عظيمة فيها ما ينوب عن مائة وسبعين تاجاً من الدر والياقوت ووجد فيها أحجاراً نفيسة وإيواناً ترمح فيه الخيالة برماحهم ووجد بها من أواني الذهب والفضة ولا يحيط به وصف ووجد بها على المائدة التي كانت لنبي الله سليمان بن داود عليه السلام، وكانت على ما ذكر من زمر أخضر. وهذه المائدة إلى الآن باقية في مدينة روما وأوانيها من الذهب وصحافها من الزبرجد ونفيس الجواهر ووجد فيها الزبور مكتوباً بخط يوناني في ورق من الذهب مفصص بالجواهر ووجد فيها كتاباً يذكر فيه منافع الأحجار الكريمة والبيوت والمدائن والقرى والطلاسم وعلم الكيمياء من الذهب والفضة ووجد كتاباً آخر يحكي فيه صناعة اليواقيت والأحجار وتركيب السموم والترياقات وصورة شكل الأرض والبحار والبلدان والمعادن، ووجد فيها قاعة كبيرة ملآنة من الأكسير الذي الدرهم منه يقلب ألف درهم من الفضة ذهباً خالصاً ووجد بها مرآة كبيرة مستديرة عجيبة مصنوعة من أخلاط صنعت لنبي الله سليمان بن داود عليه السلام إذا نظر الناظر فيها رأى الأقاليم السبعة عياناً ووجد فيها ليواناً فيه من الياقوت البهرماني ما لا يحيط به وصف، فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك وتفرق العرب في مدنها وهي من أعظم البلاد.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الحكواتي



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 08:27 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب