منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى الادبي

الحكواتي

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 21 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية علي شار مع زمرد الجارية

وحكي أنه كان في ذلك الزمان وسالف العصر والأوان تاجر من التجار في بلاد خراسان اسمه مجد وله مال كثير وعبيد ومماليك وغلمان، إلا أنه بلغ من العمر ستين سنة ولم يرزق ولداً وبعد ذلك رزقه الله تعالى ولداً فسماه علياً، فلما نشأ الغلام صار كالبدر ليلة التمام. ولما بلغ مبلغ الرجال وحازصفات الكمال ضعف والده بمرض الموت فدعا بولده وقال له: يا ولدي إنه قد قرب وقت المنية وأريد أن أوصيك بوصية فقال له: وما هي يا والدي فقال له: اوصيك أنك لا تعاشر أحد من الناس وتجنب ما يجلب الضر واليأس وجليس السوء فإنه كالحداد إن لم تحرقك ناره يضره دخانه ومن أحسن قول الشاعر:

ما في زمانك من ترجو مودتـه ولا صديق إذا خان الزمان وفى

فعش فريداً ولا تركن إلى أحـد ها قد نصحتك فيما قلته وكفى

فقال: يا أبي سمعت وأطعت ثم ماذا أفعل؟ فقال: افعل الخير إذا قدرت ودم على صنع الجميل من الناس واغتنم بذل المعروف فما في كل وقت ينجح الطلب وما أحسن قول الشاعر:

ليس في كل ساعة وأوان تأتي صنائع الإحسـان

فإذا أمسكتك بادر إليهـا حذر من تعذر الإمكان

فقال: سمعت وأطعت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبي قال لأبيه: سمعت وأطعت ثم ماذا؟ قال: يا ولدي احفظ الله يحفظك وصن مالك ولا تفرط فيه فإنك إن فرطت فيه تحتاج إلى أقل الناس واعلم أن قيمة المرء ما ملكت يمينه وما أحسن قول الشاعر:

إن قل مالي فلا خل يصاحبنـي وإن زاد مالي فكل الناس خلاني

فكم عدو لأجل المال صاحبنـي وكم صديق لفقد المال عادانـي

فقال: ثم ماذا قال: يا ولدي شاور من هو أكبر منك سناً ولا تجعل في الأمر الذي تريده وارحم من هو دونك يرحمك من هو فوقك ولا تظلم أحداً فيسلط الله عليك من يظلمك وما أحسن قول الشاعر:

أقرن برأيك غيرك واستشر فالرأي لا يخفى على الاثنين

فالمرء مرآة تريه وجـهـه ويرى قفاه بجمع مرآتـين

وقول الآخر:

تأن ولا تعجـل لأمـر تـريده و كن راحماً للناس تبلى براحم

فما من يد إلا يد الله فوقـهـا ولا ظالم إلا سيبلى بـظـالـم

وقول الآخر:

ولاتظلمن إذا كنت مقتـدراً إن الظلوم على حدً من النقم

تنام عيناك والمظلوم منتبـه يدعو عليك وعين الله لم تنم

وإياك وشرب الخمر فهو رأس كل شر وشربه مذهب العقول ويزري بصاحبه وما أحسن قول الشاعر:

تالله لا خامرتني الخمر ما عـلـقـت روحي بجسمي وأقوالي بإفصاحـي

ولا صبوت إلـى مـشـمـولة أبـداً يوماً ولا اخترت ندماناً سوى الصاحي

فهذه وصيتي لك فاجعلها بين عينيك والله خليفتي عليك ثم غشي عليه فسكت ساعة واستفاق فاستغفر الله وتوفي إلى رحمة الله تعالى فبكى عليه ولده وانتحب ثم أخذ في تجهيزه على ما يجب ومشيت في جنازته الأكابر والأصاغر وصار القراء يقرؤن حول تابوته وما ترك من حقه شيئاً إلا وفعله ثم صلوا عليه وواروه التراب وكتبوا على قبره هذين البيتين:

خلقت من التراب فصرت حياً وعلمت الفصاحة في الخطاب

وعدت إلى التراب فصرت ميتاً كأنك ما برحت من التـراب

حزن عليه ولده علي شار حزناً شديداً وعمل عزاءه على عادة الأعيان واستمر حزيناً على أبيه إلى أن ماتت أمه بعده بمدة يسيرة ففعل بوالدته مثل ما فعل بأبيه ثم بعد ذلك جلس في الدكان يبيع ويشتري ولا يعاشر أحداً من خلق الله تعالى عملاً بوصية أبيه واستمر على ذلك مدة سنة وبعد السنة دخلت عليه النساء الزواني بالحيل وصاحبوه حتى مال معهم إلى الفساد وأعرض عن طريق الرشاد وشرب الراح بالأقداح أو رواح وقال في نفسه إن والدي جمع لي هذا المال وأنا إن لم أتصرف فيه فلمن أخليه والله لا أفعل إلا كما قال الشاعر:

إن كنت دهره كله تحوي إليك تجمع

فمتى بما حصلته وحويته تتمـتـع

وما زال علي شار يبذل في المال إناء الليل وأطراف النهار حتى ذهب ماله كله وافتقر حاله وتكدر باله وباع الدكان والأماكن وغيرها ثم بعد ذلك باع ثياب بدنه ولم يترك لنفسه غير بدلة واحدة فلما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وقع في الحسرة وقعد يوماً من الصبح إلى العصر بغير إفطار فقال في نفسه أنا أدور على الذين كنت أنفق مالي عليهم لعل أحداً منهم يطعمني في هذا اليوم فدار عليهم جميعاً وكلما طرق باب واحد منهم ينكر نفسه ويتوارى منه حتى أحرقه الجوع ثم ذهب إلى سوق التجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الثلاثمئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار أحرقه الجوع فذهب إلى سوق التجار فوجد حلقة إزدحام والناس مجتمعون فيها فقال في نفسه يا ترى ما سبب اجتماع هؤلاء الناس والله لا أنتقل من هذا المكان حتى أتفرج على هذه الحلقة ثم تقدم فوجد جارية خماسية معتدلة القد موردة الخد قاعدة النهد قد فاقت أهل زمانها في الحسن والجمال والبهاء والكمال كما قال بعض واصفيها:

كما اشتهت خلقت حتى إذا كملـت في قالب الحسن لا طول ولا قصر

والحسن أصبح مشغوفاً بصورتهـا والصد أبعد لها والتيه والـخـفـر

فالبدر طلعتها والغصن قامـتـهـا والمسك نكهتها ما مثلهـا بـشـر

كأنها أفرغت مـن مـاء لـؤلـؤة في كل جارحة من حسنها قـمـر

وكانت تلك الجارية اسمها زمرد فلما نظرها علي شار تعجب من حسنها وجمالها وقال والله لا أبرح حتى انظر القدر الذي يبلغه ثمن هذه الجارية وأعرف الذي يشتريها، ثم وقف بجملة التجار فظنوا أنه يشتري لما يعلمون من غناه بالمال الذي ورثه من والده ثم إن الدلال وقف على رأس الجارية وقال: يا تجار يا أرباب الأموال من يفتح باب السعر في هذه الجارية سيدة الأقمار الدرة السنية زمرد السنورية بغية الطالب ونزهة الراغب فافتحوا الباب فليس على من فتحه لوم ولا عتاب فقال بعض التجار علي بخمسمائة دينار.

وقال آخر: وعشرة فقال شيخ يسمى رشيد الدين وكان أزرق العين قبيح المنظر: ومائة وقال آخر: وعشرة قال الشيخ: بألف دينار، فحبس التجار ألسنتهم وسكتوا فشاور الدلال سيدها فقال: أنا حالف أني لا أبيعها إلا لمن تختاره فشاورها فجاء الدلال إليها وقال: يا سيدة الأقمار إن هذا التاجر يريد أن يشتريك فنظرت إليه فوجدته كما ذكرنا فقالت للدلال: ألا أباع لشيخ أوقعته الهموم في أسوأ حال ولله در من قال:

سألتها قبـلة يومـاً وقـد نـظـرت شيبي وقد كنت ذا مـال وذا نـعـم

فأعرضت عن مرامي وهـي قـائلة لا والذي خلق الإنسـان مـن عـدم

ما كان لي في بياض الشيب من أرب أفي الحياة يكون القطن حشو فمـي

فلما سمع الدلال قولها قال لها: والله أنك معذورة وقيمتك عشرة آلاف دينار ثم أعلم سيدها أنها ما رضيت بذلك الشيخ فقال: شاورها في غيره فتقدم إنسان آخر وقال: علي بما أعطى فيها الشيخ الذي لم ترض به فنظرت إلى ذلك الرجل فوجدته مصبوغ اللحية فقالت ما هذا العيب والريب وسواد وجه الشيب وأنشدت هذين البيتين:

قالت أراك خضبت الشيب قلت لها سترته عنك يا سمعي ويا بصري

فقهقهت ثم قالت إن ذا عـجـب تكاثر الغش حتى صار بالشعـر

فلما سمع الدلال شعرها قال لها: والله إنك صدقت فقال التاجر: ما الذي قالت فأعاد عليه الأبيات فعرف أن الحق على نفسه وامتنع من شرائها فتقدم تاجر آخر وقال: شاورها على الثمن الذي سمعته فشاورها فنظرت إليه فوجدته أعور فقالت: هذا أعور فقال لها الدلال: يا سيدتي انظري من يعجبك من الحاضرين وقولي عليه حتى أبيعك له، فنظرت إلى حلقة التجار وتفرستهم واحداً بعد واحد فوقع نظرها على علي شار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما وقع نظرها على علي شار، نظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة وتعلق قلبها به لأنها كان بديع الجمال وألطف من نسيم الشمال، فقالت: يا دلال أنا لا أباع إلا لسيدي صاحب هذا الوجه المليح والقد الرجيح الذي قال فيه بعض واصفيه:

أبرزوا وجهك الجميل ولاموا من افتـتـن

لو أرادوا صيانـتـي ستروا وجهك الحسن

فلا يمكنني إلا هو لأن خده أسيل ورضابه سلسبيل وريقه يشفي العليل ومحاسنه تحير الناظم والناثر كما قال فيه الشاعر:

فريق خمر وأنـفـاسـه مسك وذاك الثغر كافور

أخرجه رضوان من داره مخافة أن تفتن الحـور

يلومه الناس على تيهـه والبدر مهما تاه معذور

صاحب الشعر الأجعد والخد المورد واللحظ الساحر الذي قال فيه الشاعر:

وشادن بوصال منـه واعـدنـي فالقلب في قلـق مـنـتـظـره

أجفانه ضمنت لي صدق موعـده فكيف توفي ضماناً وهي منكسره

فلما سمع الدلال ما أنشدته من الأشعار في محاسن علي شار تعجب من فصاحتها وإشراق بهجتها فقال له صاحبها: لا تعجب من بهجتها التي تفضح شمس النهار ولا من حفظها لرقائق الأشعار فإنها مع ذلك تقرأ القرآن العظيم بالسبع قراآت وتروي الحديث بصحيح الروايات وكتب بالسبعة أقلام وتعرف العلوم ما لا يعرفه العالم العلام ويداها أحسن من الذهب والفضة فإنها تعمل الستور الحرير وتبيعها فتكسب في كل واحدة خمسين ديناراً أو تشتغل الستر في ثمانية أيام فقال الدلال: يا سعادة من تكون هذه في داره ويجمعها من ذخائر أسراره.
ثم قال له سيدها: بعها لكل من أرادته فرجع الدلال إلى علي شار وقبل يديه وقال: يا سيدي اشتر هذه الجارية فإنها اختارتك وذكر له صفاتها وما تعرفه وقال له: هنيئاً لك إذا اشتريتها فإنه قد أعطاك من لا يبخل بالعطاء فأطرق علي شار برأسه ساعة إلى الأرض وهو يضحك على نفسه ويقول في سره: أنا لي هذا الوقت من غير إفطار ولكن أختشي من التجار أن أقول ما عندي مال أشتريها.

فنظرت الجارية إلى إطراقه وقالت للدلال خذ بيدي وامض بي إليه حتى أعرض نفسي عليه وأرغبه في أخذي فإني لا أباع إلا له فأخذها الدلال، وأوقفها قدام علي شار وقال له: ما رأيك يا سيدي فلم يرد له جواباً، فقالت الجارية: يا سيدي وحبيب قلبي مالك لا تشتريني، فاشترني بما شئت وأكون سبب سعادتك فرفع رأسه إليها وقال: هل الشراء بالغصب فأنت غالية بألف دينار فقالت له: ياسيدي اشترني بتسعمائة قال: لا، قالت: بثمانمائة قال: لا فما زالت تنقص من الثمن إلى أن قالت له: بمائة دينار قال: ما معي مائة كاملة فضحكت وقالت له: كم تنقص مائتك؟ قال: ما معي لا مائة ولا غيرها والله ما أملك لا أبيض ولا أحمر من درهم، ولا دينار فانظري لك زبوناً غيري. فلما علمت أنه ما معه شيء قالت له خذ بيدي على أنك تقبلني في عطفة ففعل ذلك فأخرجت من جيبها كيساً فيه ألف دينار وقالت زن منه تسعمائة في ثمني وابق المائة معك تنفعنا ففعل ما أمرته به واشتراها بتسعمائة ودفع ثمنها من ذلك الكيس ومضى بها إلى الدار فلما وصلت إلى الدار وجدتها قاعاً صفصفاً لا فرش بها ولا أواني فأعطته ألف دينار وقالت له: امض إلى السوق واشتر لنا بثلثمائة دينار فرشاً وأواني للبيت ففعل، ثم قالت له: اشتر لنا مأكلاً ومشروباً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الثلاثمئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت له: اشتر لنا مأكولاً ومشروباً بثلاثة دنانير ففعل ثم قالت له: اشتر لنا خرقة حرير قدر ستر واشتر قصباً أصفر وأبيض وحريراً ملوناً سبعة ألوان ففعل، ثم إنها فرشت البيت وأوقدت الشمع وجلست تأكل وتشرب هي وإياه وبعد ذلك قاموا إلى الفراش وقضوا الغرض من بعضهما ثم باتا متعانقين خلف الستائر وكان كما قال الشاعر:

زر منتحب ودع كلام الحـاسـد ليس الحسود على الهوى بمساعد

إني نظرتك في المنام مضاجعـي ولثمت من شفتيك أحلـى بـارد

حق صحيح كـل مـا عـينـتـه ولسوف أبلغه برغم الحـاسـد

لم تنظر العينان أحسن منـظـراً من عاشقين على فـراش واحـد

متعانقين عليهما حللي بالـرضـا متوسدين بمعصـم وبـسـاعـد

وإذا تألفت القلوب على الـهـوى فالناس تضرب في حـديد بـارد

يا من يلوم على الهوى أهل الهوى فهو المراد وعش بذاك الواحـد

واستمرا متعانقين إلى الصباح وقد سكنت محبة كل واحد منهما في قلب صاحبه ثم أخذت الستر وطرزته بالحرير الملون وزركشته بالقصب وجعلت فيه منطقة بصور طيور وصورت في دائرها صور الوحوش ولم تترك وحشاً في الدنيا إلا وصورت صورته فيه ومكثت تشتغل فيه ثمانية أيام فلما فرغ صقلته وطوته ثم أعطته لسيدها وقالت له: اذهب به إلى السوق وبعه بخمسين ديناراً للتاجر واحذر أن تبيعه لأحد عابر طريق، فإن ذلك يكون سبباً للفراق بيني وبينك أن لنا أعداء لا يغفلون عنا. فقال: سمعاً وطاعة ثم ذهب إلى السوق وباعه لتاجر كما أمرته وبعد ذلك اشترى الخرقة والحرير والقصب على العادة وما يحتاجان إليه من الطعام وحضر لها ذلك وأعطاها بقية الدراهم، فصارت كل ثمانية أيام تعطيه ستراً يبيعه بخمسين دينار ومكثت على ذلك سنة كاملة وبعد سنة راح إلى السوق بالستر على العادة وأعطاه للدلال فعرض له نصراني فدفع له ستين ديناراً، فامتنع فما زال يزيده حتى عمله بمائة دينار وبرطل الدلال بعشرة دنانير فرجع الدلال على علي شار وأخبره بالثمن وتحيل عليه في أن يبيع الستر للنصراني بذلك المبلغ وقال له سيدي: لا تخف من هذا النصراني وما عليك منه بأس وقمت التجار عليه فباعه للنصراني وقلبه مرعوب ثم قبض المال ومضى إلى البيت فوجد النصراني ماشياً خلفه. فقال له: يا نصراني مالك ماشياً خلفي؟ فقال له: يا سيدي إن لي حاجة في صدر الزقاق الله لا يحوجك فما وصل علي شار إلى منزله إلا والنصراني لاحقه فقال: يا ملعون ما لك تتبعني أينما أسير؟ فقال: يا سيدي اسقني شربة ماء فإني عطشان وأجرك على الله تعالى فقال علي شار في نفسه: هذا رجل ذمي وقصدني في شربة ماء والله لا أخيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار قال في نفسه: هذا رجل ذمي وقصدني في شربة ماء والله لا أخيبه ثم دخل البيت وأخذ كوز ماء فرأته جاريته زمرد فقالت: يا حبيبي هل بعت الستر؟ قال: نعم. قالت: لتاجر أو لعابر سبيل قد أحس قلبي بالفراق. قال: ما بعته إلا لتاجر قالت: أخبرني بحقيقة الأمر حتى أتدارك شأني وما بالك أخذت كوز الماء قال: لأسقي الدلال. فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أنشدت هذين البيتين:

يا طالباً للفراق مهـلاً فلا يغرنك العـنـاق

مهلاً فطبع الزمان غدر وآخر الصحبة الفراق

ثم خرج بالكوز فوجد النصراني داخلاً في دهليز البيت فقال له: هل وصلت إلى هنا يا كلب؟ كيف تدخل بلا أذني؟ فقال: يا سيدي لا فرق بين الباب والدهليز وما بقيت أنتقل من مكاني هذا إلا للخروج وأنت لك الفضل والإحسان والجود والإمتنان ثم إنه تناول كوز الماء وشرب منه وبعد ذلك ناوله إلى علي شار فأخذه وانتظره أن يقوم فما قام فقال له: لأي شيء لم تقم وتذهب في حال سبيلك؟ فقال: يا مولاي إني قد شربت ولكن أريد منك تطعمني مهما كان في البيت حتى إذا كان كسرة قرقوشة وبصلة، فقال له: قم بلا مماحكة ما في البيت شيء، فقال: يا مولاي إن لم يكن في البيت شيء فخذ هذه المائة دينار وائتني بشيء من السوق ولو برغيف واحد ليصير بيني وبينك خبز وملح.

فقال علي شار في سره إن هذا النصراني مجنون فأنا آخذ منه المائة دينار آتي له يساوي درهمين وأضحك عليه فقال النصراني: يا سيدي إنما أريد شيئاً يطرد الجوع ولو رغيفاً واحداً وبصلة فخير الزاد ما دفع الجوع. فقال علي شار: اصبر هنا حتى أقفل القاعة وآتيك بشيء من السوق، فقال: سمعاً وطاعة ثم خرج وقفل القاعة وحط على الباب كيلو وأخذ المفتاح معه وذهب إلى السوق واشترى جبناً مقلياً وعسلاً أبيض وموزاً وخبزاً وأتى به إليه فلما نظر النصراني إلى ذلك قال: يا مولاي هذا شيء كثير يكفي عشرة رجال وأنا وحدي فلعلك تأكل معي فقال له: كل وحدك فإني شبعان فقال له: يا مولاي قالت الحكماء: من لم يأكل مع ضيفه فهو ولد زنا. فلما سمع علي شار من النصراني هذا الكلام جلس وأكل معه شيئاً قليلاً وأراد أن يرفع يده وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار جلس وأكل معه شيئاً قليلاً وأراد أن يرفع يده فأخذ النصراني موزة وقشرها وشقها نصفين وجعل في نصفها بنجاً مكرراً ممزوجاً بأفيون الدرهم منه يرمي الفيل، ثم غمس نصف الموزة في العسل وقال: يا مولاي وحق دينك أن تأخذ هذه فاستحى علي شار أن يحنثه في يمينه فأخذها منه وابتلعها فما استقرت في بطنه، حتى سبقت رأسه رجليه وصار كأنه له سنة وهو راقد.

فلما رأى النصراني ذلك قام على قدميه كأنه ذئب معط أو قضاء مسلط وأخذ منه مفتاح القاعة وتركه مرمياً وذهب يجري إلى أخيه وأخبره بالخبر وسبب ذلك أن أخا النصراني هو الشيخ الهرم الذي أراد أن يشتريها بألف دينار فلم ترض به وهجته بالشعر وكان كافراً في الباطن ومسلماً في الظاهر وسمى نفسه رشيد الدين ولما هجته ولم ترض به شكا إلى أخيه النصراني الذي تحيل في أخذها من سيدها علي شار وكان اسمه برسوم. فقال له: لا تحزن فأنا أتحيل لك أخذها بلا درهم ولا دينار لأنه كان كاهناً ماكراً مخادعاً فاجراً ثم إنه لم يزل يمكر ويتحيل حتى عمل الحيلة التي ذكرناها وأخذ المفتاح وذهب إلى أخيه وأخبره بما حصل وركب بغلته وأخذ غلمانه وتوجه مع أخيه إلى بيت علي شار وأخذ معه كيساً فيه ألف دينار إذا صادفه الوالي فيعطيه إياه ففتح القاعة وهجمت الرجال الذين معه على زمرد وأخذوها قهراً وهددوها بالقتل إن تكلمت وتركوا المنزل على حاله ولم يأخذوا منه شيئاً وتركوا علي شار راقداً في الدهليز ثم ردوا الباب عليه وتركوا مفتاح القاعة في جانبه ومضى بها النصراني إلى قصره ووضعها بين جواريه وسراريه وقال لها: يا فاجرة أنا الشيخ الذي ما رضيت به وهجوتيني وقد أخذتك بلا درهم ولا دينار.

فقالت له وقد تغرغرت عيناها بالدموع: حسبك الله يا شيخ السوء حيث فرقت بيني وبين سيدي فقال لها: يا فاجرة يا عشاقة سوف تنظرين ما أفعل بك من العذاب وحق المسيح والعذراء إن لم تطاوعيني وتدخلي في ديني لأعذبنك بأنواع العذاب فقالت له: لو قطعت لحمي قطعاً ما أفارق دين الإسلام ولعل الله تعالى يأتيني بالفرج القريب إنه على ما يشاء قدير وقد قالت العقلاء: مصيبة في الأبدان ولا مصيبة في الأديان. فعند ذلك صاح على الخدم والجواري وقال لهم: اطرحوها فطرحوها وما زال يضربها ضرباً عنيفاً وصارت تستغيث فلا تغاث ثم أعرضت عن الإستغاثة وصارت تقول: حسبي الله وكفى إلى أن انقطع نفسها وخفي أنينها واشتفى قلبه منها ثم قال للخدم: اسحبوها من رجليها وارموها في المطبخ ولا تطعموها شيئاً ثم بات الملعون تلك الليلة ولما أصبح الصباح طلبها وكرر عليها الضرب وأمر الخدم أن يرموها في مكانها ففعلوا فلما رد عليها الضرب قالت: لا إله إلا الله محمد رسول الله حسبي الله ونعم الوكيل ثم اسغاثت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زمرد استغاثت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ما كان من أمرها وأما ما كان علي شار فإنه لم يزل راقداً إلى ثاني يوم ثم طار البنج من رأسه ففتح عينيه وصاح قائلاً: يا زمرد فلم يجبه أحد فدخل القاعة فوجد الجو قفراً والمزار بعيداً فعلم أنه ما جرى عليه هذا الأمر إلا من النصراني فحن وبكى وأن واشتكى وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات:

يا وجد لا تبقى عـلـي ولا تـذر ها مهجتي بين المشقة والخطـر

يا سادتي رقوا لـعـبـدٍ ذل فـي شرع الهوى وغني قوم افتـقـر

ما حيلة الرامي إذا التقت الـعـدا وأراد يرمي السهم فانقطع الوتـر

وإذا تكاثرت الهموم على الفـتـى وتراكمت أين المفر من الـقـدر

ولكم أحاذر من تفرق شـمـلـنـا ولكن إذا نزل القضاء عمي البصر

وندم حيث لا ينفعه الندم وبكى ومزق أثوابه وأخذ بيديه حجرين ودار حول المدينة وصار يدق بهما في صدره ويصيح قائلاً: يا زمرد فدارت الصغار حوله وقالوا مجنون فكل من عرفه بكى عليه ويقول هذا فلان ما الذي جرى له ولم يزل على هذه الحالة إلى آخر النهار فلما جن عليه الليل نام في بعض الأزقة إلى الصباح ثم أصبح دائراً بالأحجار حول المدينة إلى آخر النهار وبعد ذلك رجع إلى قاعته ليبيت فيها فنظرته جارية وكانت امرأة عجوز من أهل الخير فقالت له: يا ولدي سلامتك متى جننت فأجابها بهذين البيتين:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهـم ما لذ العيش إلا للـمـجـانـين

دعوا جنوني وهاتوا من جننت بـه إن كان يشفي جنوني ولا تلوموني

فعلمت الجارية العجوز أنه عاشق مفارق فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا ولدي أشتهي منك أن تحكي خبر مصيبتك عسى الله أن يقدرني على مساعدتك عليها بمشيئتة فحكى لها جميع ما وقع له مع برسوم النصراني أخي الكاهن الذي سمى نفسه رشيد الدين فلما علمت ذلك قالت له: يا ولدي إنك معذور ثم أفاضت دمع العين وأنشدت هذين البيتين:

كفى المحبين في الدنيا عذابهم تالله لا عذبتهم بعدها سقـر

لأنهم هلكوا عشقاً وقد كتموا مع العفاف بهذا يشهد الخبر

فلما فرغت من شعرها قالت له: يا ولدي قم واشتر قفصاً مثل أقفاص أهل الصاغة واشتر أساور وخواتم وحلقاً يصلح للنساء ولا تبخل بالمال وضع جميع ذلك في القفص وهات القفص وأنا أضعه على رأسي في صورة دلالة وأدور وأفتش عليها في البيوت حتى أقع على خبرها إن شاء الله تعالى.

ففرح علي شار بكلامها وقبل يدها ثم ذهب بسرعة وأتى بما طلبته فلما حضر ذلك عندها قامت ولبست مرقعة ووضعت على رأسها آزاراً عسلياً وأخذت في يدها عكازاً وحملت القفص ودارت في العطف والبيوت ولم تزل دائرة من مكان إلى مكان ومن حارة إلى حارة ومن درب إلى درب إلى أن دلها الله تعالى على قصر الملعون رشيد الدين النصراني فسمعت من داخله أنيناً فطرقت الباب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز سمعت من داخل البيت أنيناً فنزلت لها جارية ففتحت لها الباب وسلمت عليها فقالت لها العجوز: معي هذه الحويجات للبيع هل عندكم من يشتري منها شيئاً فقالت لها الجارية: نعم ثم أدخلتها الدار وأجلستها وجلس الجواري حولها وأخذت كل واحدة شيئاً منها وصارت العجوز تلاطف الجواري وتتساهل معهن في الثمن ففرح بها الجواري بسبب معروفها ولين كلامها وهي تتأمل من جهات المكان على صاحب الأنين فلاحت منها التفاتة إليها فحابتهم وأحسنت إليهم وتأملت فوجدت زمرد مطروحة فعرفتها فبكت وقالت لهم: يا أولادي ما بال هذه الصبية في هذا الحال؟ فحكى الجواري كل القصة وقلن لها: الأمر ليس باختيارنا ولكن سيدنا أمر بهذا وهو مسافر الآن، فقالت لهم: يا أولادي لي عندكم حاجة وهي أنكم تحلون هذه المسكينة من الرباط إلى أن تعلموا بمجيء سيدكم فتربطوها كما كانت وتكسبوا الأجر من رب العالمين فقلن لها: سمعاً وطاعة ثم إنهم حلوها وأطعموها وسقوها، ثم قالت العجوز: يا ليت رجلي انكسرت ولا دخلت لكم. وبعد ذلك ذهبت إلى زمرد وقالت لها: يا ابنتي سلامتك سيفرج الله عنك ثم ذكرت لها إنها من عند سيدها علي شار وواعدتها أنها في ليلة غد تكون حاضرة وتلقي سمعها للحس وقالت لها: إن سيدك ياتي إليك تحت مصطبة القصر ويصفر لك فإذا سمعت ذلك فانزلي له من الطاقة بحبل وهو يأخذك ويمضي فشكرتها على ذلك. ثم خرجت العجوز وذهبت إلى علي شار وأعلمته وقالت له: توجه في الليلة القابلة نصف الليل إلى الحارة الفلانية فإن بيت الملعون هناك وعلامته كذا وكذا فقف تحت قصره وصفر فإنها تتدلى إليك فخذها وامضِ بها إلى حيث شئت، فشكرها على ذلك، ثم إنه صبرإلى أن جن الليل وجاء وقت الميعاد فذهب إلى تلك الحارة التي وصفتها له جارته ورأى القصر فعرفه وجلس على مصطبة تحته وغلبه النوم فنام وجل من لا ينام، واكن له مدة لم ينم من الوجد الذي به، فبينما هو نائم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه بينما هو نائم وإذا بلص من اللصوص خرج تلك الليلة في أطراف المدينة ليسرق شيئاً فرمته المقادير تحت قصر ذلك النصراني فدار حوله فلم يجد سبيلاً إلى الصعود إليه فرأى علي شار نائماً فأخذ عمامته وبعد أن أخذها لم يشعر إلا وزمرد طلعت في ذلك الوقت فرأته واقفاً في الظلام فحسبته سيدها فصفرت له فصفر لها الحرامي فتدلت بالحبل وصحبتها خرج ملآن ذهباً، فلما رآه اللص قال في نفسه: ما هذا إلا أمر عجيب له سبب غريب.

ثم حمل الخرج وحملها على أكتافه وذهب بهما مثل البرق الخاطف فقالت له: العجوز أخبرتني أنك ضعيف بسببي وها أنت أقوى من الفرس فلم يرد عليها جواباً فحسبت على وجهه فوجدت لحيته مثل مقشة الحمام وكأنه خنزيراً ابتلع ريشاً فطلع زغبه من حلقه ففزعت منه وقالت له: أي شيء أنت فقال لها: يا عاقرة أنا جوان الكردي من جماعة أحمد الدنف ونحن أربعون شاطراً وكلهم في هذه الليلة يفسقون في رحمك من العشاء إلى الصباح.

فلما سنعت كلامه بكت ولطمت وجهها وعلمت أن القضاء غلب عليها وأنه لا حيلة إلا التفويض إلى الله تعالى، فصبرت وسلمت الحكم إلى الله تعالى وقالت: لا إله إلا الله كلما خلصنا من هم وقعنا في هم أكبر، وكان السبب في مجيء جوان إلى هذا المحل أنه قال لأحمد الدنف: يا شاطر أنا دخلت هذه المدينة قبل الآن وأعرف فيها غاراً خارج البلد يسع أربعين نفساً وأنا أريد أن أسبقكم إليه وأخلي أمي من ذلك الغار ثم أعود إلى المدينة وأسرق منها شيئاً على بختكم وأحفظه على اسمكم إلى أن تحضروا فتكون ضيافتكم في هذا النهار من عندي.
فقال له أحمد الدنف: افعل ما تريد فخرج قبلهم وسبقهم إلى ذلك المحل ووضع أمه في ذلك الغار، ولما خرج من الغار رأى جندياً راقداً وعنده فرس مربوط فذبحه وأخذ فرسه وسلاحه وثيابه وأخفاها في الغار عند أمه وربط الحصان هناك ثم رجع إلى المدينة ومشى حتى وصل إلى قصر النصراني وفعل ما تقدم ذكره من أخذ زمرد الجارية، ولم يزل يجري بها إلى أن حطها عند أمه وقال لها: احتفظي عليها إلى حين أعود إليك في بكرة النهار ثم ذهب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن جوان الكردي قال لأمه: احتفظي عليها حتى أرجع إليك في بكرة النهار ثم ذهب فقالت زمرد في نفسها: وما هذه القفلة عن خلاص روحي بالحيلة كيف أصبر إلى أن يجيء هؤلاء الأربعون رجلاً فيتعاقبون علي حتى يجعلوني كالمركب الغريقة في البحر ثم إنها التفتت إلى العجوز أم جوان وقالت لها: يا خالتي أما تقومين بنا إلى الخارج حتى أفليك في الشمس فقالت: أي والله يا ابنتي فإن لي مدة وأنا بعيدة عن الحمام لأن هؤلاء الخنازير لم يزالوا دائرين بي من مكان إلى مكان فخرجت معها فصارت تفليها وتقتل القمل من رأسها إلى أن استلذت بذلك ورقدت فقامت زمرد ولبست ثياب الجندي الذي قتله جوان الكردي وشدت سيفه في وسطها وتعممت بعمامته حتى صارت كأنها رجل وركبت الفرس وأخذت الخرج الذهب معها وقالت: يا جميل الستر استرني بجاه محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنها قالت في نفسها: إن رحت إلى البلد ربما يراني أحداً من أهل الجندي فلا يحصل لي خير ثم اعرضت عن دخول المدينة وسارت في البر الأقفر، ولم تزل سائرة بالخروج والفرس وتأكل من نبات الأرض وتطعم الفرس منه وتشرب وتعقبها من الأنهار مدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر أقبلت على مدينة طيبة أمينة بالخير مكينة قد ولى عنها فصل الربيع بزهره وورده فزهت أزهارها وتدفقت أنهارها وغردت أطيارها فلما وصلت إلى المدينة وقربت من بابها وجدت العساكر والأمراء وأكابر أهل المدينة كلهم مجتمعون ببابها ولا بد لذلك من سبب. ثم إنها قصدتهم فلما قربت منهم تسابق العساكر وترجلوا وقبلوا الأرض بين يديها وقالوا: الله ينصرك يا مولانا السلطان واصطفت بين يديها أرباب المناصب العساكر يرتبون الناس ويقولون لها: الله ينصرك، ويجعل قدومك مباركاً على المسلمين يا سلطان العالمين تبتك الله يا ملك الزمان يا فريد العصر والأوان فقالت لهم زمرد: ما خبركم يا أهل هذه المدينة؟ فقال الحاجب: إنه أعطاك من لا يبخل بالعطاء وجعلك سلطاناً على هذه المدينة وحاكماً على رقاب جميع من فيها واعلم أن عادة أهل هذه المدينة إذا مات ملكهم ولم يكن له ولد تخرج العساكر إلى ظاهر المدينة ويمكثون ثلاثة أيام فأي إنسان جاء من طريقك التي جئت منها يجعلونه سلطاناً عليهم والحمد لله الذي ساق لنا إنساناً من أولاد الترك جميل الوجه فلو طلع علينا أقل منك كان سلطاناً وكانت زمرد صاحبة رأي في جميع أفعالها فقالت: لا تحسبوا أنني من أولاد عامة الأتراك بل أنا من أولاد الأكابر لكنني غضبت من أهلي فخرجت من عندهم وتركتهم وانظروا إلى هذا الخرج الذهب الذي جئت به تحتي لأتصدق منه على الفقراء والمساكين طول الطريق فدعاو لها وفرحوا بها غاية الفرح وكذلك زمرد فرحت بهم، ثم قالت في نفسها بعد أن وصلت إلى هذا الأمر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زمرد قالت في نفسها: بعد أن وصلت إلى هذا الأمر لعل الله يجمعني بسيدي في هذا المكان إنه على ما يشاء قدير، ثم سارت العسكر حتى دخلوا المدينة وترجل العسكر بين يديها حتى أدخلوها القصر فنزلت وأخذها الأمراء والأكابر من تحت إبطيها حتى أجلسوها على الكرسي وقبلوا الأرض بين يديها.

فلما جلست على كرسي الحكم أمرت بفتح الخزائن ففتحت وأنفقت على جميع العسكر فدعوا لها بدوام الملك وأطاعها العباد وسائر أهل البلاد واستمرت على ذلك مدة من الزمان وهي تأمر وقد صار لها في قلوب الناس هيبة عظيمة من أجل الكرم والعفة وأبطلت المكوس وأطلقت من في الحبوس ورفعت المظالم فأحبها جميع الناس وكلما تذكرت سيدها تبكي وتدعو الله أن يجمع بينها وبينه واتفق أنها تذكرته في بعض الليالي وتذكرت أيامها التي مضت لها معه لإ فأفاضت دمع العين وأنشدت هذين البيتين:

شوقي إليك على الزمان جديد والدمع قرح مقلتـي ويزيد

وإذا بكيت من ألم الـجـوى إن الفراق على المحب شديد

فلما فرغت من شعرها مسحت دموعها وطلعت القصر ودخلت الحريم وأفردت للجواري والسراري منازل ورتبت لهن الرواتب والجرايات وزعمت أنها تريد أن تجلس في مكان وحدها عاكفة على العبادة وصارت تصوم وتصلي حتى قالت الأمراء: إن هذا السلطان له ديانة عظيمة.

ثم إنها لم تدع عندها أحداً من الخدم غير طواشين صغيرين لأجل الخدمة وجلست في تخت الملك سنة وهي لم تسمع بسيدها خبراً ولم تقف له على أثر فقلقت من ذلك، فلما اشتد قلقها دعت بالوزراء والحجاب وامرتهم أن يحضروا لها المهندسين والبنائين وأن يبنوا لها تحت القصر ميداناً طوله فرسخ وعرضه فرسخ ففعلوا ما أمرتهم به في أسرع وقت فجاء الميدان على طبق مرادها، فلما تم ذلك الميدان نزلت فيه وضربت لها فيه قبة عظيمة وصفت فيه كراسي الأمراء وأمرت أن يمدوا سماطاً من سائر الأطعمة الفاخرة في ذلك الميدان ففعلوا ما أمرتهم به ثم أمرت أرباب الدولة أن يأكلوا ثم قالت للأمراء: أريد إذا هل الشهر الجديد أن تفعلوا هكذا وتنادوا في المدينة لا يفتح أحد دكانه بل يحضرون جميعاً ويأكلون من سماط الملك، وكل من خالف منهم يشنق على باب داره.

فلما هل الشهر الجديد فعلوا ما أمرتهم به واستمروا على هذه العادة إلى أن هل أول شهر من السنة الثانية فنزلت إلى الميدان ونادى المنادي يا معشر الناس كافة كل من فتح دكانه أو حاصله أو منزله شنق في الحال على باب دكانه بل يجب عليكم أن تحضروا جميعاً لتأكلوا من سماط الملك، فلما فرغت المناداة ووضع السماط جاءت الخلق أفواجاً أفواجاً، فأمرتهم بالجلوس على السماط ليأكلوا حتى يشبعوا من سائر الألوان فجلسوا يأكلون كما أمرتهم على كرسي المملكة تنظر إليهم فصار كل من جلس على السماط يقول في نفسه: إن الملك لا ينظر إلا إلي، وجلسوا يأكلون وصار الأمراء يقولون للناس كلوا ولا تستحوا فإن الملك يحب ذلك فأكلوا حتى شبعوا وانصرفوا داعين للملك وصار بعضهم يقول لبعض عمرنا ما رأينا سلطاناً يحب الفقراء، مثل هذا السلطان ودعوا له بطول البقاء وذهبت إلى قصرها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة زمرد ذهبت إلى قصرها وهي فرحانة بما رتبته وقالت في نفسها: إن شاء الله تعالى بسبب ذلك أقع على خبر سيدي علي شار ولما هل الشهر الثاني فعلت ذلك الأمر على جري العادة ووضعوا السماط ونزلت زمرد وجلست على كرسيها وأمرت الناس أن يجلسوا ويأكلوا فبينما هي جالسة على رأس السماط والناس يجلسون عليه جماعة بعد جماعة وواحد بعد واحد إذ وقعت عينها على برسوم النصراني، الذي كان اشترى الستر من سيدها فعرفته فصاحت على بعض الجند وقالت له: هاتوا هذا الذي قدامه الصحن الأرز الحلو ولا تدعوه يأكل اللقمة التي في يده بل ارموها من يده فجاء أربعة من العساكر وسحبوه على وجهه بعد أن رموا اللقمة من يده وأوقفوه قدام زمرد فامتنعت الناس عن الأكل وقال بعضهم لبعض: والله إنه ظالم لأنه لم يأكل من طعام أمثاله فقال واحد: أنا قنعت بهذا الكشك الذي قدامي فقال الحشاش: الحمد لله الذي منعني من أن آكل من الصحن الأرز الحلو شيئاً لأني كنت أنتظر أن يستقر قدامه ويتهنى عليه ثم آكل معه فحصل له ما رأينا.

فقال الناس لبعضهم: اصبروا حتى ننظر ما يجري عليه فلما قدموه بين يدي الملكة زمرد، قالت له: ويلك يا أزرق العينين ما اسمك وما سبب قدومك إلى بلادنا فأنكر الملعون وكان متعمماً بعمامة بيضاء فقال: يا ملك اسمي على صنعتي حباك وجئت إلى المدينة من أجل التجارة فقالت زمرد: ائتوني بتخت زمل وقلم نحاس فجاؤوا بما طلبته في الحال فأخذت التخت الرمل والقلم وضربت تخت رمل وخطت بالقلم صورة مثل صورة قرد ثم بعد ذلك رفعت رأسها وتأملت برسوم ساعة زمانية وقالت له: يا كلب كيف تكذب على الملوك، أما أنت نصراني واسمك برسوم وقد أتيت إلى حاجة تفتش عليها فأصدقني الخبر وإلا وعزة الربوبية لأضربن عنقك فتلجلج النصراني. فقال الأمراء والحاضرون: إن هذا الملك يعرف ضرب الرمل سبحان من أعطاه ثم صاحت على النصراني وقالت له: أصدقني الخبر وإلا أهلكتك فقال النصراني: العفو يا ملك الزمان إنك صادق في ضرب الرمل فأنا نصراني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن النصراني قال: العفو يا ملك الزمان إنك صادق في ضرب الرمل فأنا نصراني. فتعجب الحاضرون من الأمراء وغيرهم من إصابة الملك في ضرب الرمل وقالوا إن هذا الملك منجم ما في الدنيا مثله، ثم إن الملكة أمرت بأن يسلخ النصراني ويحشى جلده تبناً ويعلق على باب الميدان وأن يحفروا حفرة في خارج البلد ويحرق فيها لحمه وعظمه وترمى عليه الأوساخ والأقذار، فقالوا ك سمعاً وطاعة، وفعلوا ما أمرتهم به.

فلما نظر الخلق ما حل بالنصراني قالوا: جزاؤه ما حل به فما كان أشأمها لقمة عليه فقال واحد منهم: على البعيد الطلاق عمري ما بقيت آكل أرز حلو فقال الحشاش: الحمد لله الذي عافاني مما حل بهذا حيث حفظني من أكل ذلك الأرز، ثم خرج الناس جميعهم وقد حرموا الجلوس على الأرز الحلو في موضع ذلك النصراني ولما كان الشهر الثالث مدوا السماط على جري العادة وهم خائفون وقعدت الملكة زمرد على الكرسي ووقف العسكر على جري العادة وهم خائفون من سطوتها ودخلت الناس من أهل المدينة على العادة وداروا حول السماط إلى موضع الصحن.

فقال واحد منهم للآخر: يا حج خلف قال له: لبيك يا حج خالد قال: تجنب الصحن الأرز الحلو واحذر أن تأكل منه وإن أكلت منه تصبح مشنوقاً ثم إنهم جلسوا حول السماط للأكل فبينما هم يأكلون والملكة زمرد جالسة إذ حانت منها التفاتة إلى رجل يهرول من باب المدينة فتأملته فوجدته جوان الكردي اللص الذي قتل الجندي وسبب مجيئه أنه كان ترك أمه ومضى إلى رفقائه وقال لهم: إني كسبت البارحة طيباً وقتلت جندياً وأخذت فرسه وحصل لي في تلك الليلة خرج ملآن ذهباً وصبية قيمتها أكثر من الذهب الذي في الخرج ووضعت جميع ذلك في الغار عند والدتي ففرحوا بذلك وتوجهوا إلى الغار في النهار ودخل جوان الكردي قدامهم وهم خلفه وأراد أن يأتي لهم بما قال لهم فوجد المكان قفراً فسأل أمه عن حقيقة الأمر فأخبرته بجميع ما جرى فعض على كفيه ندماً وقال: والله لأدورن على هذه الفاجرة وآخذها من المكان الذي هي فيه ولو كانت في قشور الفستق وأشفي غليلي منها. وخرج يفتش عليها، ولم يزل دائراً في البلاد حتى وصل إلى مدينة الملكة زمردة.

فلما دخل المدينة لم يجد فيها احد، فسأل بعض النساء الناظرات من الشبابيك فأعلمنه أن أول كل شهر يمد السلطان سماطاً وتروح الناس وتأكل منه ودلوه على الميدان الذي فيه السماط فجاء وهو يهرول فلم يجد مكاناً خالياً يجلس فيه إلا عند الصحن المتقدم ذكره فقعد وصار الصحن قدامه، فمد يده إليه فصاحت عليه الناس وقالوا له: يا أخانا ما تريد أن تعمل قال: أريد أن آكل من هذا الصحن حتى أشبع، فقال له واحد: إن أكلت تصبح مشنوقاً. فقال له: اسكت ولا تنطق بهذا الكلام، ثم مد يده إلى الصحن وجره قدامه وكان الحشاش المتقدم ذكره جالساً في جنبه فلما رآه جر الصحن قدامه هرب من مكانه وطارت الحشيشة من رأسه وجلس بعيداً وقال أنا مالي حاجة بهذا الصحن إن الكردي مد يده إلى الصحن وهي في صورة رجل الغراب وغرف بها وأطلعها منه وهي مثل خف الجمل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جوان الكردي أطلع يده من الصحن وهي مثل خف الجمل ودور اللقمة في كفه حتى صارت مثل النارنجة الكبيرة، ثم رماها في فمه بسرعة فانحدرت في حلقه ولها فرقعة مثل الرعد وبان قعر الصحن من موضعها، فقال له من بجانبه: الحمد لله الذي لم يجعلني طعاماً بين يديك لأنك خسفت الصحن بلقمة واحدة فقال الحشاش: دعوه يأكل فإني تخيلت فيه صورة المشنوق. ثم التفت إليه وقال له: لا هنأك الله، فمد يده إلى اللقمة الثانية وأراد أن يدورها في يده مثل اللقمة الأولى وإذا بالملكة صاحت على بعض الجند وقالت لهم: هاتوا ذلك الرجل بسرعة ولا تدعوه يأكل اللقمة التي في يده فتجارت عليه العسكر وهو مكب على الصحن وقبضوا عليه وأخذوه قدام الملكة زمرد فشمتت الناس فيه وقالوا لبعضهم: إنه يستاهل لأننا نصحناه فلم ينتصح وهذا المكان مشؤوم على كل من يأكل منه ثم إن الملكة زمرد قالت له: ما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك مدينتنا قال: يا مولانا السلطان اسمي عثمان وصنعتي خولي بستان وسبب مجيئي إلى هذه المدينة أنني دائراً أفتش على شيء ضاع مني.

فقالت الملكة: علي بتخت الرمل فأحضروه بين يديها، فأخذت القلم وضربت تخت رمل ثم تأملت فيه ساعة وبعد ذلك رفعت رأسها وقالت له: ويلك يا خبيث كيف تكذب على الملوك هذا الرمل يخبرني أن اسمك جوان الكردي وصنعتك أنك لص تأخذ أموال الناس بالباطل وتقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، ثم صاحت عليه وقالت: يا خنزير أصدقني بخبرك وإلا قطعت رأسك فلما سمع كلامها اصفر لونه واصطكت أسنانه وظن أنه إن نطق بالحق ينجو فقال: صدقت أيها الملك ولكنني أتوب على يديك من الآن وأرجع إلى الله تعالى.
فقالت له الملكة: لا يحل لي أن أترك آفة في طريق المسلمين، ثم قالت لبعض أتباعها: خذوه واسلخوا جلده وافعلوا به مثل ما فعلتم بنظيره في الشهر الماضي وفعلوا ما امرتهم به ولما رأى الحشاش العسكر حين قبضوا على ذلك الرجل أدار ظهره إلى ذلك الصحن الأرز وقال: إن استقبالك بوجهي حرام ولما فرغوا من الأكل تفرقوا وذهبوا إلى أماكنهم وطلعت الملكة إلى قصرها وأذنت للماليك بالإنصراف، ولما هل الشهر الرابع نزلوا إلى الميدان على جري العادة وأحضروا الطعام وجلس الناس ينتظرون الإذن وإذا بالملكة قد أقبلت وجلست على الكرسي وهي تنظر إليهم فوجدت موضع صحن الأرز خالياً وهو يسع أربعة أنفس فتعجبت من ذلك فبينما هي تجول بنظرها إذ حانت منها التفاتة فنظرت إنساناً داخلاً من باب الميدان يهرول حتى وقف على السماط فلم يجد مكاناً خالياً إلا عند الصحن فتأملته فوجدته الملعون النصراني الذي سمى نفسه رشيد الدين فقالت في نفسها: ما أبرك هذا الطعام الذي وقع في حبائله هذا الكافر وكان لمجيئه سبب عجيب وهو أنه لما رجع من سفره. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملعون الذي سمى نفسه رشيد الدين لما رجع من سفره أخبره أهل بيته أن زمرد قد فقدت ومعها خرج مال فلما سمع ذلك الخبر شق أثوابه ولطم على وجهه ونتف لحيته وأرسل أخاه برسوماً يفتش في البلاد. فما أبطأ عليه خبره خرج هو بنفسه ليفتش على أخيه وعلى زمرد في البلاد فرمته المقادير إلى مدينة زمرد ودخل تلك المدينة في أول يوم من الشهر. فلما مشى في شوارعها وجدها خالية ودكاكينها مقفولة ونظر النساء مطلات من النوافذ، فسأل بعضهن عن هذا الحال فقلن له: إن الملك يعمل سماطاً لجميع الناس في أول كل شهر وتأكل منه الخلق جميعاً وما يقدر أحد أن يجلس في بيته ولا في دكانه ودلوه على الميدان فلما دخل الميدان وجد الناس مزدحمين على الطعام ولم يجد موضعاً إلا الموضع الذي فيه الصحن الأرز المعهود فجلس فيه ومد يده ليأكل فصاحت الملكة على بعض العسكر وقالت لهم: هاتوا الذي قعد على الصحن الأرز فعرفوه بالعادة وقبضوا عليه وأوقفوه قدام الملكة زمرد فقالت له: ويلك ما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك إلى مدينتنا فقال: يا ملك الزمان اسمي رستم ولا صنعة لي لأنني فقير ودرويش. فقالت لجماعتها هاتوا تخت الرمل والقلم النحاس فأتوها بما طلبته على العادة فأخذت القلم وخطت به تخت رمل ومكثت تتأمل فيه ساعة ثم رفعت رأسها إليه وقالت: يا كلب كيف تكذب على الملوك أنت اسمك رشيد الدين النصراني وصنعتك أنك تنصب الحيل لجواري المسلمين وتأخذهن وأنت مسلم في الظاهر ونصراني في الباطن فانطق الحق وإن لم تنطق بالحق فإني أضرب عنقك فتلجلج في كلامه ثم قال: صدقت يا ملك الزمان فأمرت به أن يمد على كل رجل مائة سوط وعلى جسده ألف سوط وبعد ذلك يسلخ جلده ويحشى ساساً ثم تحفر له حفرة في خارج المدينة ويحرق وبعد ذلك يضعون عليه الأوساخ والأقذار ففعلوا ما أمرتهم به ثم أذنت للناس بالأكل فأكلوا ولما فرغ الناس من الأكل وانصرفوا إلى حال سبيلهم طلعت الملكة زمرد إلى قصرها وقالت: الحمد لله الذي أراحني من الذين آذوني ثم إنها شكرت ناظر السموات والأرض وأنشدت هذه الأبيات:

تحكموا فاستطالوا في تحكمهـم وبعد حين كان الحكم لم يكـن

لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا فأ تى عليه الدهر بالآفات والمحن

فأصبحوا ولسان حالهم ينشدهـم هذا بذاك ولا عتب على الزمن

ولما فرغت من شعرها خطر ببالها سيدها علي شار فبكت بالدموع الغزار وبعد ذلك رجعت إلى عقلها وقالت في نفسها: لعل الله الذي مكنني من أعدائي يمن علي برجوع أحبائي فاستغفرت الله عز وجل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة استغفرت الله عز وجل وقالت لعل الله يجمع شملي بحبيبي علي شار قريباً إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير ثم حمدت الله ووالت الإستغفار وسلمت لمواقع الأقدار وأيقنت أنه لا بد لكل أول من آخر وأنشدت قول الشاعر:

كن حليم إذا ابتليت بغيظ وصبوراً إذا أتتك مصيبة

فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبة

وقول الآخر:

اصبر ففي الصبر خير لو علمت به لطبت نفساً ولم تجزع مـن الألـم

واعلم بأنك لو لم تصطبر كـرمـاً صبرت رغماً على ما خط بالقلـم

فلما فرغت من شعرها مكثت بعد ذلك شهراً كاملاً وهي بالنهار تحكم بين الناس وتنهي وبالليل تبكي وتنتحب على فراق سيدها علي شار ولما هل الشهر الجديد أمرت بمد السماط في الميدان على جري العادة وجلست فوق الناس وصاروا ينتظرون الإذن في الأكل وكان موضع الصحن الأرز خالياً وجلست على رأس السماط وجعلت عينها على باب الميدان لتنظر كل من يدخل وصارت تقول في سرها: من رد يوسف على يعقوب وكشف البلاء عن أيوب أمنن علي برد سيدي علي شار بقدرتك وعظمتك إنك على كل شيء قدير يا رب العالمين فلم يتم دعاؤها إلا وشخص داخل من باب الميدان كأن قوامه غصن بان إلا أنه نحيل البدن يلوح عليه الإصفرار وهو أحسن ما يكون من الشباب كامل العقل والآداب فلما دخل لم يجد موضعاً خالياً إلا الموضع الذي عند الصحن الأرز فجلس فيه ولما رأته زمرد خفق قلبها فحققت النظر فيه فتبين أنه سيدها علي شار فأرادت أن تصرخ من الفرح فثبتت نفسها وخشيت من الفضيحة بين الناس ولكن تقلقلت أحشاؤها واضطرب قلبه فكتمت ما بها وكان السبب في مجيء علي شار لما انه رقد على المصطبة ونزلت زمرد وأخذها جوان الكردي استيقظ بعد ذلك فوجد نفسه مكشوف الرأس فعرف أن إنساناً تعدى عليه وأخذ عمامته وهو نائم فقال الكلمة التي لا يخجل قائلها وهي إنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم إنه رجع إلى العجوز التي كانت أخبرته بمكان زمرد وطرق عليها الباب فخرجت إليه فبكى بين يديها حتى وقع مغشياً عليه فلما أفاق أخبرها ما حصل له فلامته وعنفته هلى ما وقع منه وقالت له: إن مصيبتك وداهيتك من نفسك ولا زالت تلومه حتى طفح الدم من منخريه ووقع مغشياً عليه فلما أفاق من غشيته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار لما افاق من غشيته رأى العجوز تبكي من أجله وتفيض دمع العين فتضجر وأنشد هذين البيتين:

ما أمر الفراق للأحبـاب وألذ الوصال للعـشـاق

جمع الله شمل كل محـب ورعاني لأنني في اشتياق

فحزنت عليه العجوز وقالت: يا ولدي هذا الذي أنت فيه من الكآبة والحزن لا يرد عليك محبوبتك فقم وشد حيلك وفتش عليها في البلاد لعلك أن تقع على خبرها.

ولم تزل تجلده وتقويه حتى نشطته وأدخلته الحمام وسقته الشراب وأطعمته الدجاج وصارت كل يوم تفعل معه كذلك مدة شهر حتى نقوى وسافر، ولم يزل مسافراً إلى أن وصل إلى مدينة زمرد ودخل الميدان وجلس على الطعام ومد يده ليأكل فحزن عليه الناس وقالوا له: يا شاب لا تأكل من هذا الصحن لأن من أكل منه يحصل له ضرر، فقال ك دعوني آكل منه ويفعلون بي ما يريدون لعلي أستريح من هذه الحياة المتعبة، ثم أكل أول لقمة وأرادت زمرد أن تحضره بين يديها فخطر ببالها أنه جائع فقالت في نفسها: المناسب اني أدعه يأكل حتى يشبع فصار يأكل والخلق باهتون ينتظرون الذي يجري له.

فلما أكل وشبع قالت لبعض الطواشية: امضوا إلى ذلك الشاب الذي يأكل من الأرز وهاتوه برفق وقولوا له كلم الملك لسؤال لطيف وجواب، فقالوا: سمعاً وطاعة، ثم ذهبوا إليه إليه حتى وقفوا قباله وقالوا له: يا سيدي تفضل كلم الملك وأنت منشرح الصدر فقال: سمعاً وطاعة، ثم مضى الطواشية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار قال: سمعاً وطاعة، ثم ذهب مع الطواشية فقال الخلق لبعضهم: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا ترى لم الذي يفعله به الملك؟ فقال بعضهم: لا يفعل به إلا الخير لأنه لو كان يريد ضره ما كان تركه حتى يشبع، فلما وقف قدام زمرد سلم عليها وقبل الأرض بين يديها فردت عليه السلام وقابلته بالإكرام وقالت له: ما اسمك وما صنعتك؟ وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فقال لها: اسمي علي شار وأنا من أولاد التجار وبلدي خراسان وسبب مجيئي إلى هذه المدينة التفتيش على جارية ضاعت مني وكانت عندي أعز من سمعي وبصري فروحي متعلقة من حين فقدتها وهذه قصتي، ثم بكي حتى غشي عليه فأمرت أن يرشوا على وجهه ماء الورد حتى أفاق فلما أفاق من غشيته قالت: علي بتخت الرمل والقلم النحاس فجاؤوا به فأخذت القلم وضربت تخت رمل وتأملت فيه ساعة من الزمان ثم بعد ذلك قال: صدقت في كلامك والله يجمعك بها قريباً فلا تقلق.

ثم أمرت الحاجب أن يمضي به إلى الحمام ويلبسه بدلة حسنة من ثياب الملوك ويركبه فرساً من خواً خيل الملك ويمضي به بعد ذلك إلى القصر في آخر النهار، فقال الحاجب: سمعاً وطاعة، ثم أخذه من قدامها وتوجه به فقال الناس لبعضهم: ما بال السلطان لاطف الغلام هذه الملاطفة، وقال بعضهم: أما قلت لكم لا يسيئه فإن شكله حسن ومن حين صبر عليه لما شبع عرفت ذلك وصار كل واحد منهم يقول مقالة، ثم تفرق الناس، وما صدقت زمرد أن الليل أقبل حتى تختلي بمحبوب قلبها.

فلما اتى الليل دخلت محل نومها وأظهرت أنه غلب عليها النوم ولم يكن لها عادة بأن ينام عندها أحد غير خادمين برسم الخدمة فلما استقرت في ذلك المحل أرسلت إلى محبوبها علي شار وقد جلست على السرير والشمع يضيء فوق رأسها وتحت رجليها والتعاليق الذهب مشرقة في المحل، فلما سمع الناس بإرساله إليه تعجبوا من ذلك وصار كل واحد منهم يظن ظناً ويقول مقالة، وقال بعضهم: إن الملك على كل حال تعلق بهذا الغلام وفي غد يجعله قائد عسكر.

فلما دخلوا به عليه قبل الأرض بين يديها ودعا لها فقالت في نفسها: لا بد أن أمزح معه ولا أعلمه بنفسي، ثم قالت: يا علي هل ذهبت إلى الحمام قال: نعم يا مولاي قالت: قم كل من هذا الدجاج واللحم واشرب من هذا السكر الشراب فإنك تعبان وبعد ذلك تعال هنا فقال: سمعاً وطاعة، ثم فعل ما أمرته به.

ولما فرغ من الأكل والشرب قالت له اطلع عندي على السرير واكبسني، فشرع يكبس رجليها وسيقانها فوجدها أنعم من الحرير، فقالت له: اطلع بالتكبيس إلى فوق فقال: العفو يا مولاي من عند الركبة ما أتعدى، قالت: أتخالفني فتكون ليلة مشؤومة عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والستين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زمرد قالت لسيدها علي شار أتخالفني فتكون ليلة مشؤومة عليك بل ينبغي لك أن تطاوعني وأنا أعملك معشوقي وأجعلك أميراً من أمرائي، فقال علي شار: يا ملك الزمان ما الذي أطيعك فيه؟ قالت: حل لباسك ونم على وجهك فقال: هذا شيء عمري ما فعلته وإن قهرتني على ذلك فإني أخاصمك فيه عند الله يوم القيامة، فخذ كل شيء أعطيتني إياه ودعني أروح من مدينتك، ثم بكى وانتحب.

فقالت: حل لباسك ونم على وجهك وإلا ضربت عنقك ففعل، فطلعت على ظهره فوجد شيئاً أنعم من الحرير وألين من الزبد فقال في نفسه: إن هذا الملك خير من جميع النساء، ثم إنها صبرت قليلاً وهي على ظهره وبعد ذلك انقلبت على الأرض فقال علي شار الحمد لله كأن ذكره لم ينتصب، فقالت: إن من عادة ذكري أن لا ينتصب إلا إذا عركوه بأيديهم فقم واعركه بيدك حتى ينتصب وإلا قتلتك، ثم رقدت على ظهرها وأخذت بيده ووضعتها على فرجها فوجد فرجاً أنعم من الحرير وهو أبيض مربرب يحكي في السخونة حرارة الحمام وقلب صب أضناه الغرام فقال علي شار في نفسه إن الملك له كس فهذا من العجب العجاب.

وأدركته الشهوة فصار ذكره في غاية الإنتصاب، فلما رأت منه ذلك ضحكت وقهقهت وقالت له: يا سيدي قد حصل هذا كله وما تعرفني؟ فقال ومن أنت أيها الملك؟ قال: أنا جاريتك زمرد، فلما علم ذلك قبلها وعانقها وانقض عليها مثل الأسد على الشاة وتحقق أنها جاريته بلا اشتباه فأغمد قضيبه في جرابها ولم يزل بواباً لبابها وإماماً لمحرابها وهي معه في ركوع وسجود وقيام وقعود، إلا أنها صارت تتبع التسبيحات بغنج في ضمنه حركات حتى سمع الطواشية فجاءوا ونظروا من خلف الأستار فوجدوا الملك راقداً وفوقه علي شار وهو يرصع ويزهر وهي تشخر وتغنج فقال الطواشية: إن هذا الغنج ما هو غنج رجل لعل هذا الملك امرأة، ثم كتموا أمرهم ولم يظهروه على أحد. فلما أصبحت زمرد أرسلت إلى كامل العسكر وأرباب الدولة وأحضرتهم وقالت لهم: أنا أريد أن أسافر إلى بلد هذا الرجل فاختاروا نائباً يحكم بينكم حتى أحضر عندكم فأجابوا زمرد بالسمع والطاعة، ثم شرعت في تجهيز آلة السفر من زاد وأموال وأرزاق وتحف وبغال وسافرت، ولم تزل مسافرة إلى أن وصلت إلى بلد علي شار ودخل منزله وأعطى وتصدق ووهب ورزق منها الأولاد وعاشا في أحسن المسرات إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات. فسبحان الباقي بلا زوال والحمد لله على كل حال.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 22 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية وردان الجزار

ومما يحكى أنه في زمان الحاكم بأمر الله رجل بمصر يسمى وردان وكان جزاراً في اللحم الضاني، وكانت امرأة تأتيه كل يوم بدينار يقارب وزنه وزن دينارين ونصف من الدنانير المصرية وتقول له أعطني خروفاً وتحضر معها حمالاً بقفص فيأخذ الدينار ويعطيها خروفاً فيحمله الحمال وتأخذه وتروح به إلى مكانها، وفي ثاني يوم وقت الضحى تأتي، وكان ذلك الجزار يكتسب منها كل يوم ديناراً وأقامت مدة طويلة على ذلك.

فتفكر وردان الجزار ذات يوم في أمرها وقال في نفسه: هذه المرأة كل يوم تشتري مني بدينار ولم تغلط يوماً واحداً وتشتري مني بدراهم هذا أمر عجيب. ثم أن وردان سأل الحمال في غيبة المرأة فقال له: أنا في غاية العجب منها فإنها كل يوم تحملني الخروف من عندك وتشتري حوائج الطعام والفاكهة والنقل بدينار آخر وتأخذ من شخص نصراني مروقتين نبيذ وتعطيه ديناراً وتحملني الجميع وأسير معها إلى بساتين الوزير، ثم تعصب عيني بحيث أني لا أنظر موضعاً من الأرض أحط فيه قدمي وتأخذ بيدي فما أعرف أين تذهب بي ثم تقول: حط هنا، وعندها قفص آخر فتعطيني الفارغ ثم تمسك يدي وتعود بي إلى الموضع الذي شدت عيني فيه بالعصابة فتحلها وتعطيني عشرة دراهم.

فقال له الجزار: كان الله في عونها، ولكن ازداد فكراً في أمرها وكثرت عندها الوساوس وبات في قلق عظيم، ثم قال وردان الجزار: فلما أصبحت أتتني على العادة وأعطتني الدينار وأخذت الخروف وحملته للحمال وراحت فأوصيت صبي على الدكان وتبعتها بحيث لا تراني.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن وردان الجزار قال: فأوصيت صبي على الدكان وتبعتها بحيث لا تراني، ولم أزل أعاينها إلى أن خرجت من مصر وأنا أتوارى خلفها حتى وصلت إلى بساتين الوزير فاختفيت حتى عصبت عيني الحمال وتبعتها من مكان إلى مكان إلى أن أتت الجبل فوصلت إلى مكان فيه حجر كبير وحطت القفص عن الحمال فصبرت إلى أن عادت بالحمال ورجعت ونزعت جميع ما كان في القفص وغابت ساعة، فأتيت إلى ذلك الحجر فزحزحته ودخلت فوجدت خلفه طابقاً من نحاس مفتوحاً ودرجاً نازلة فنزلت في تلك الدرج قليلاً قليلاً حتى وصلت إلى دهليز كثير النور فمشيت فرأيت هيئته باب قلعة فارتكنت في زوايا في زوايا الباب فوجدت صفة بها سلالم خارج باب القاعة فتعلقت فيها فوجدت صفة صغيرة بها طاقة تشرف على قاعة فنظرت في القاعة فوجدت المرأة قد أخذت الخروف وقطعت منه مطايبه وعملته في قدر ورمت الباقي قدام دب كبير عظيم الخلقة فأكله عن آخره وهي تطبخ.

فلما فرغت أكلت كفايتها ووضعت الفاكهة والنقل وحطت النبيذ وصارت تشرب بقدح وتسقي الدب بطاسة من ذهب حتى حصل لها نشوة السكر، فنزعت ثيابها ونامت فقام الدب وواقعها وهي تعاطيه أحسن ما يكون لبني آدم حتى فرغ وجلس واستراح ولم يزل كذلك حتى فعل ذلك عشر مرات ثم وقع كل منهما مغشياً عليه وصارا لا يتحركان.

فقلت في نفسي هذا وقت انتهاز الفرصة، فنزلت ومعي سكين تبري العظم قبل اللحم فلما صرت عندهما وجدتهما لا يتحرك فيهما عرق لما حصلت لهما من المشقة فجعلت السكين في منحر الدب واتكأت عليه حتى خلصته وانعزلت رأسه عن بدنه فصار له شخير عظيم مثل شخير الرعد، فانتبهت المرأة مرعوبة فلما رأت الدب مذبوحاً وأنا واقف والسكين في يدي زعقت زعقة عظيمة حتى ظننت أن روحها قد خرجت وقالت لي: يا وردان أيكون هذا جزاء الإحسان فقلت لها: يا عدوة نفسهاهل عدمت الرجال حتى تفعلي الفعل الذميم، فأطرقت رأسها إلى الأرض لا ترد جواباً وتأملت الدب وقد نزعت رأسه عن جثته ثم قالت: يا وردان أي شيء أحب إليك أن تسمع الذي أقوله لك ويكون سبب لسلامتك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرة قالت: يا وردان أي شيء أحب إليك أن تسمع الذي أقوله لك ويكون سبباً لسلامتك وغناك إلى آخر الدهر أو تخالفني ويكون سبباً لهلاكك، فقلت: أختار أن أسمع كلامك فحدثيني بما شئت، فقالت اذبحني كما ذبحت الدب وخذ من هذا الكنز حاجتك وتوجه إلى حال سبيلك، فقلت لها: أنا خير من هذا الدب فارجعي إلى الله تعالى وتوبي وأتزوج بك ونعيش باقي عمرنا بهذا الكنز قالت: أيا وردان إن هذا بعيداً كيف أعيش بعده والله إن لم تذبحني لأتلفن روحك فلا تراجعني تتلف وهذا ما عندي من الرأي والسلام فقلت: أذبحك وتروحين إلى لعنة الله ثم جذبتها من شعرها وذبحتها وراحت إلى لعنة الله والملائكة والناس جميعاً. وبعد ذلك نظرت في المحل فوجدت فيه قبة من الذهب والفصوص واللؤلؤ ما لا يقدر على جمعه أحد من الملوك فأخذت قفص الحمال وملأته على قدر ما أطيق وسترته بقماشي الذي كان علي وحملته وطلعت من الكنز وسرت ولم أزل سائراً إلى باب مصر وإذا بعشرة من جماعة الحاكم بأمر الله مقبلون والحاكم خلفهم فقال: يا وردان، قلت: لبيك أيها الملك. قال: هل قتلت الدب والمرأة؟ قلت: نعم. قال: حط عن رأسك وطب نفساً فجميع ما معك من المال لك لا ينازعك أحد عليه. فحطيت القفص بين يديه فكشفه ورآه وقال: حدثني بخبرهما وإن كنت أعرفه كأني حاضر معكم فحدثته بجميع ما جرى وهو يقول: صدقت. فقال: يا وردان قم سر بنا. فتوجهت إليه معه فوجدت الطابق مغلقاً فقال: ارفعه يا وردان فإن هذا الكنز لا يقدر أحد أن يفتحه غيرك فإنه مرصود باسمك وصفتك. فقلت: والله لا أطيق فتحه. فقال: تقدم أنت في بركة الله. فتقدمت إليه وسميت اللله تعالى ومددت يدي إلى الطابق فارتفع كأنه أخف ما يمون فقال الحاكم: انزل وأطلع ما فيه فإنه لا ينزله إلا من باسمك وصورتك وصفاتك من حين وضع وقتل الدب هذا الدب وهذه المرأة على يديك وهو عندي مؤرخ وكنت أنتظر وقوعه حتى وقع. قال وردان: فنزلت ونقلت له جميع ما في الكنز ثم دعا بالدواب وحمله وأعطاني قفصي بما فيه فأخذته وعدت إلى بيتي وفتحت لي دكاناً في السوق وهذا السوق موجود إلى الآن ويعرف بسرق وردان.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 23 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية تتضمن داء غلبة الشهوة في النساء ودواءها

ومما يحكى أيضاً أنه كان لبعض السلاطين ابنة وقد تعلق قلبها بحب عبد أسود فافتض بكارتها وأولعت بالنكاح فكانت لا تصبر عنه ساعة واحدة فكشفت أمرها إلى بعض القهرمانات فأخبرتها أنه لا شيء ينكح أكثر من القرد فاتفق أن قرداً مر من تحت طاقتها فأسفرت عن وجهها ونظرت إلى القرد وغمزته بعيونها فقطع القرد وثاقه وسلاسله وطلع لها فخبأته في مكان وصار ليلاً ونهاراً على أكل وشرب وجماع ففطن أبوها بذلك وأراد قتلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السلطان لما فطن بأمر ابنته وأراد قتلها شعرت بذلك فتزيت بزي المماليك وركبت فرساً وأخذت لها بغلاً وحملته من الذهب والمعادن والقماش ما لا يوصف وحملت القرد معها وسارت حتى وصلت إلى مصر فنزلت في بعض بيوت الصحراء وصارت كل يوم تشتري لحماً من شاب جزار ولكن لا تأتيه إلا بعد الظهر وهي مصفرة اللون متغيرة الوجه. فقال الشاب في نفسه: لا بد أن لهذا المملوك من سبب عجيب فلما جاءت على العادة وأخذت اللحم تبعها من حيث لا تراه قال: ولم أزل خلفها من حيث لا تراني حتى وصلت إلى مكانها الذي بالصحراء ودخلت هناك فنظرت إليها من بعض جهاته فرأيتها استقرت بمكانها وأوقدت النار وطبخت اللحم وأكلت كفايتها وقدمت باقيه إلى القرد الذي معها فأكل كفاية ثم إنها نزعت ما عليها من الثياب ولبست أفخر ما عندها من ملابس النساء فعلمت أنها أنثى، ثم أحضرت خمراً وشربت وسقت القرد ثم واقعها القرد نحو عشر مرات حتى غشي عليها. وبعد ذلك نشر القرد عليه ملاءة من حرير وراح إلى محله فنزلت إلى وسط المكان فأحس بي القرد وأراد افتراسي فبادرته بسكين كانت معي فضربت بها كرشه فانتبهت الصبية فزعة مرعوبة فرأت القرد على هذه الحالة فصرخت صرخة عظيمة حتى كادت أن تزهق روحها ثم وقعت مغشياً عليها. فلما أفاقت من غشيتها قالت لي: ما حملك على ذلك لكن بالله عليك أن تلحقني به فلا زلت ألاطفها وأضمن لها أني أقوم بما قام القرد من كثرة النكاح إلى أن سكن روعها وتزوجت بها فعجزت عن ذلك ولم أصبر عليه فشكوت حالي إلى بعض العجائز وذكرت لها ما كان من أمرها فالتزمت لي بتدبير هذا الأمر وقالت لي: لا بد أن تأتيني بقدر وتملأه من الخل البكر وتأتيني بقدر رطل من العود فأتيت لها بما طلبته فوضعته في القدر ووضعت القدر على النار وغلته غلياناً قوياً ثم أمرتني بنكاح الصبية فنكتها إلى أن غشي عليها فحملتها العجوز وهي لا تشعر وألقت فرجها على فم القدر بعد أن صعد دخانه حتى دخل فرجها فنزل منه شيء تأملته فإذا هو دودتان إحداهما سوداء والأخرى صفراء، فقالت العجوز الأولى تربت من نكاح العبد والثانية من نكاح القرد فلما أفاقت من غشيتها استمرت معي مدة وهي لا تطلب النكاح وقد صرف الله عنها تلك الحالة وتعجبت من ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال: وقد صرف الله عنها تلك الحالة وقد تعجبت من ذلك فأخبرها بالقصة واستمرت معه في أرغد عيش وأحسن لذة واتخذت عندها العجوز مكان والدتها وما زالت هي وزوجها في هناء وسرور إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات الحي الذي لا يموت وبيده الملك والملكوت.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 24 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية هارون الرشيد مع جعفر والجارية والإمام أبي يوسف

ومما يحكى أن جعفر البرمكي نادم الرشيد ليلة فقال الرشيد: يا جعفر بلغني أنك اشتريت الجارية الفلانية ولي مدة أطلبها فإنها على غاية الجمال وقلبي يحبها في اشتعال فبعها لي فقال: لا أبيعها يا أمير المؤمنين فقال: لا أهبها، فقال الرشيد: زبيدة طالق ثلاثاً إن لم تبعها لي أو تهبها لي. قال جعفر: زوجتي طالق ثلاثاً إن بعتها لك ثم أفاقا من نشوتهما وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة. فقال هارون الرشيد: هذه وقعة ليس لها غير أبي يوسف فطلبوه وكان ذلك نصف الليل فلما جاءه الرسول قام فزعاً وقال في نفسه: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام ثم خرج مسرعاً وركب بغلته وقال لغلامه: خذ معك مخلاة البغلة لعلها لم تستوف عليقها فإذا دخلنا دار الخلافة لتأكل ما بقي من عليقها إلى حين خروجي إذا لم تستوف عليقها في هذه الليلة. فقال الغلام: سمعاً وطاعة فلما دخل هارون الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه أحداً غيره وقال له: ما طلبناك في هذا الوقت إلا لأمر مهم هو كذا وكذا وقد عجزنا في تدبير الحيلة فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر أسهل ما يكون ثم قال: ياجعفر بع لأمير المؤمنين نصفها وهب له نصفها وتبرآن يمينكما في بذلك، فسر أمير المؤمنين بذلك وفعلا ما أمرهما به ثم قال هارون الرشيد: أحضروا الجارية في هذا الوقت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة هارون الرشيد قال: أحضروا الجارية في هذا الوقت فإني شديد الشوق إليها فأحضروها وقال للقاضي أبي يوسف أريد وطأها في هذا الوقت فإني لا أطيق الصبر عنها إلى مضي مدة الإستبراء وما الحيلة في ذلك؟ فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذي لم يجر عليه العتق فأحضروا المملوك فقال أبو يوسف: أتأذن لي أن ازوجها منه ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في هذا الوقت من غير استبراء؟ فأعجب هارون الرشيد ذلك أكثر من الأول. فلما حضر المملوك قال الخليفة للقاضي: أذنت لك في العقد فأوجب القاضي النكاح ثم قبله المملوك وبعد ذلك قال له القاضي: طلقها ولك مائة دينار فقال: لا أفعل ولم يزل يزيده وهو يمتنع إلى أن عرض عليه ألف دينار ثم قال للقاضي: هل الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين؟ قال: بيدك قال: والله لا أفعل أبداً فاشتد غضب أمير المؤمنين وقال ما الحيلة يا أبا يوسف؟ قال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الأمر هين ملك هذا المملوك للجارية قال: ملكته لها. قال القاضي: قولي قبلت، فقالت: قبلت.

فقال القاضي حكمت بينهما بالتفريق لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح فقام أمير المؤمنين على قدميه وقال: مثلك من يكون قاضياً في زماني واستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه وقال للقاضي: هل معك شيء تضعه فيه؟ فتذكر مخلاة البغلة فاستدعي بها فملئت ذهباً فأخذها وانصرف إلى بيته فلما أصبح الصباح قال لأصحابه: لا طريق إلى الدين والدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث، فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الوقعة فإنها اشتملت على محاسن منها دلال الوزير على هارون الرشيد وعلم الخليفة وزيادة علم القاضي فرحم الله أرواحهم أجمعين.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 25 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية الحكماء أصحاب الطاووس والبوق والفرس

ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عظيم ذو خطر جسيم وكأن له ثلاث بنات مثل الدور السافرة والرياض الزاهرة وولد ذكر كأنه القمر فبينما الملك جالس على كرسي مملكته يوماً من الأيام إذ دخل عليه ثلاثة من الحكماء مع أحدهم طاووس من ذهب ومع الثاني بوق من نحاس ومع الثالث فرس من عاج وآبنوس فقال لهم الملك: ما هذه الأشياء وما منافعها؟ فقال صاحب الطاووس: إن منفعة هذا الطاووس أنه كلما مضت ساعة من ليل أو نهار يصفق بأجنحته ويزعق وقال صاحب البوق: إنه إذا وضع هذا البوق على باب المدينة يكون كالمحافظ عليها فإذا دخل تلك المدينة عدو يزعق عليه هذا البوق فيعرف ويمسك باليد، وقال صاحب الفرس: يا مولاي إن منفعة هذا الفرس أنه إذا ركبها إنسان توصله إلى أي بلاد أراد.

فقال الملك: لا انعم عليكم حتى أجرب منافع هذه الصور ثم إنه جرب الطاووس فوجده كما قال صاحبه وجرب البوق فوجده كما قال صاحبه فقال الملك للحكيمين: تمنيا علي فقالا نتمنى عليك أن تزوج كل واحد منا بنتاً من بناتك ثم تقدم الحكيم الثالث صاحب الفرس وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له: يا ملك الزمان أنعم علي كما أنعمت على أصحابي فقال له الملك: حتى أجرب ما أتيت به فعند ذلك تقدم ابن الملك وقال: يا والدي أنا أركب هذه الفرس وأجربها وأختبر منفعتها فقال الملك: يا ولدي جربها كما تحب فقام ابن الملك وركب الفرس وحرك رجليه فلم تتحرك من مكانها فقال: يا حكيم أين الذي ادعيته من سيرها؟ فعند ذلك جاء الحكيم إلى ابن الملك وأراه لولب الصعود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم عرف ابن الملك لولب الصعود وقال له: افرك هذا اللولب ففركه ابن الملك وإذا بالفرس قد تحرك وطار بابن الملك إلى عنان السماء ولم يزل طائراً حتى غاب عن الأعين فعند ذلك احتار ابن الملك في أمره وندم على ركوبه الفرس ثم قال: إن الحكيم قد عمل حيلة على هلاكي فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم إنه جعل يتأمل في جميع أعضاء الفرس. فبينما هو يتأمل وقع نظره على شيء مثل رأس الديك على كتف الفرس الأيمن وكذلك الأيسر فقال ابن الملك: ما أرى فيه أثراً غير هذين الزرين ففرك الزر الذي على الكتف الأيمن فازدادت به الفرس طيراً طالعة إلى الجو. فتركه ثم نظر إلى الكتف الأيسر فرأى ذلك الزر ففركه فتناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط ولم تزل هابطة به إلى الأرض قليلاً قليلاً وهو محترس على نفسه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما فرك الزر الأيسر تناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط ولم تزل هابطة إلى الأرض قليلاً قليلاً وهو محترس على نفسه فلما نظر ابن الملك ذلك وعرف منافع الفرس امتلأ قلبه فرحاً وسروراً وشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه حيث أنقذه من الهلاك ولم يزل هابطاً طول نهاره لأنه كان حال صعوده بعدت عنه الأرض وجعل يدور وجه الفرس كما يريد وهي هابطة به وإذا شاء نزل بها وإذا شاء طلع بها. فلما أتم له من الفرس ما يريد أقبل بها إلى جهة الأرض وصار ينظر إلى ما فيها من البلاد والمدن التي لا يعرفها لأنه لم يرها طول عمره وكان من جملة ما رآه مدينة مبنية بأحسن البنيان وهي في وسط الأرض خضراء ناضرة ذات أشجار وأنهار فتفكر في نفسه وقال: يا ليت شعري ما اسم هذه المدينة وفي أي الأقاليم هي ثم جعل يطوف حول تلك المدينة ويتأملها يميناً وشمالاً وكان النهار قد ولى ودنت الشمس للمغيب فقال في نفسه: إني لا أجد موضعاً للمبيت أحسن من هذه المدينة فأنا أبيت فيها الليلة وعند الصباح أتوجه إلى أهلي ومحل ملكي وأعلم أهلي ووالدي بما جرى لي وأخبره بما نظرت عيناي وصار يفتش على موضع يأمن فيه على نفسه ولا يراه أحد.

فبينما هو كذلك وإذا به قد نظر في وسط المدينة قصراً شاهقاً في الهواء وقد أحاط بذلك القصر سور متسع بشرفات عاليات فقال ابن الملك في نفسه: إن الموضع مليح وجعل يحرك الزر الذي يهبط به الفرس ولم يزل هابطاً به حتى نزل مستوياً على سطح القصر ثم نزل من فوق الفرس وحمد الله تعالى وجعل يدور الفرس ويتأملها ويقول: والله إن الذي عملك بهذه الصفة لحكيم ماهر فإن مد الله تعالى في أجلي وردني إلى بلادي وأهلي سالماً وجمع بيني وبين والدي لأحسنن إلى هذا الحكيم كل الإحسان ولأنعمن عليه غاية الإنعام ثم جلس فوق سطح القصر حتى علم أن الناس قد ناموا وقد أضر به الجوع والعطش لأنه منذ فارق والده لم يأكل طعاماً.

فقال في نفسه: إن مثل هذا القصر لا يخلو من الرزق فترك الفرس في مكان ونزل يتمشى لينظر شيء يأكله فوجد سلم فنزل منه إلى أسفل فوجد ساحة مفروشة بالرخام فتعجب من ذلك المكان ومن حسن بنيانه لكنه لم يجد في ذلك القصر حس حسيس ولا أنس فوقف متحيراً وصار ينظر يميناً وشمالاً وهو لا يعرف أين يتجه ثم قال في نفسه: ليس لي أحسن من أرجع إلى المكان الذي فيه فرسي وأبيت عندها فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قال في نفسه: ليس لي أحسن من البيات عند فرسي فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت فبينما هو واقف يحدث نفسه بهذا إذ نظر إلى نور مقبل إلى ذلك المحل الذي الذي هو فيه فتأمل ذلك النور فوجده مع جماعة من الجواري وبينهن صبية ألفية بهية تحاكي البدر الزاهر كما قال الشاعر:

جاءت بلا موعد في ظلمة الغـسـق كأنها البدر فـي داج مـن الأفـق

هيفاء من البرايا من يشـابـهـهـا في بهجة الحسن أو في رونق الخلق

ناديت لما رأت عيني محـاسـنـهـا سبحان من خلق الإنسان من علـق

أعيذها من عيون النـاس كـلـهـم بقول أعوذ برب الناس والـفـلـق

وكانت تلك الصبية بنت ملك هذه المدينة وكان أبوها يحبها حباً شديداً ومن محبته إياها بنى لها هذا القصر فكانت كلما ضاق صدرها تجيء إليه وجواريها تقيم فيه يوماً أو يومين أو أكثر ثم تعود إلى سرايتها فاتفق أنها قد أتت الليلة من أجل الفرجة والانشراح وصارت ماشية بين الجواري ومعها خادم مقلد بسيف فلما دخلوا ذلك القصر فرشوا الفرش وأطلقوا مجامر البخور ولعبوا وانشرحوا فبينما هم في لعب وانشراح إذ هجم ابن الملك على ذلك الخادم ولطمه لطمة فبطحه وأخذ السيف من يده وهجم على الجواري اللاتي مع ابنة الملك فشتتهم يميناً وشمالاً.

فلما نظرت ابنة الملك حسنه وجماله قالت: لعلك أنت الذي خطبتني من والدي بالأمس وردك وزعم انك قبيح المنظر والله لقد كذب أبي كيف قال ذلك الكلام فما أنت إلا مليح وكان ابن ملك الهند قد خطبها من أبيها فرده لأنه بشع المنظر فظنت أنه هو الذي خطبها ثم أقبلت عليه وعانقته وقبلته ورقدت هي وإياه. فقالت لها الجواري: يا سيدتي هذا ما هو الذي خطبك من أبيك لأن ذلك قبيح وهذا مليح وما يصلح الذي خطبك من أبيك ورده أن يكون خادماً لهذا ولكن يا سيدتي إن هذا الفتى له شأن عظيم ثم توجهت الجواري إلى الخادم المبطوح وأيقظنه فوثب مرعوباً وفتش على سيفه فلم يجده بيده فقالت له الجواري: الذي أخذ سيفك وبطحك جالس مع ابنة الملك، وكان ذلك الخادم قد وكله الملك بالمحافظة على ابنته خوفاً عليها من نوائب الزمان وطوارق الحدثان فقام ذلك الخادم وتوجه إلى الستر ورفعه فرأى ابنة الملك جالسة مع ابن الملك وهما يتحدثان.

فلما نطرهما الخادم قال لابن الملك: يا سيدي هل أنت إنسي أو جني فقال له ابن الملك: ويلك يا أنجس العبيد كيف تجعل أولاد الملوك الأكاسرة من الشياطين الكافرة ثم إنه أخذ السيف بيده وقال له: أنا صهر الملك وقد زوجني بابنته وأمرني بالدخول عليها فلما سمع الخادم منه ذلك الكلام قال له: يا سيدي إن كنت من الإنس كما زعمت فإنها ما تصلح إلا لك وأنت أحق بها من غيرك. ثم إن الخادم توجه إلى الملك وهو صارخ وقد شق ثيابه وحثا التراب على رأسه.

فلما سمع الملك صياحه قال له: ما الذي دهاك فقد رجفت فؤادي أخبرني بسرعة وأوجز في الكلام فقال له الخادم: أدرك ابنتك فإنها قد استولى عليا شيطان من الجن في زي الإنس مصور بصورة أولاد الملوك، فدونك وإياه فلما سمع الملك منه هذا الكلام هم بقتله، وقال له: كيف تغافلت عن ابنتي حتى لحقها هذا العارض ثم إن الملك توجه إلى القصر الذي فيه ابنته، فلما وصل إليه وجد الجواري قائمات فقال لهن: ما الذي جرى لابنتي؟ قلت له: أيها الملك بينما نحن جالسات معها لم نشعر إلا وقد هجم علينا هذا الغلام كأنه البدر التمام ولم نر أحسن منه وجهاً وبيده سيف مسلول فسألناه عن حاله فزعم أنك قد زوجته ابنتك ونحن لا نعلم شيئاً غير هذا ولا نعرف هل هو إنسي أو جني ولكنه عفيف أديب لا يتعاطى القبيح.

فلما سمع الملك مقالتهن برد ما به ثم أنه رفع الستر قليلاً ونظر فرأى ابن الملك جالساً مع ابنته يتحدثان وهو في أحسن التصوير ووجهه كالبدر المنير فلم يقدر أن يمسك نفسه من غيرته على ابنته فرفع الستر ودخل وبيده سيف مسلول وهجم عليهما كأنه الغول فلما نظره ابن الملك قال لها: أهذا أبوك؟ قالت: نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما رأى الملك بيده سيف مسلول وقد هجم عليهما كأنه الغول قال لها: أهذا أبوك؟ قالت: نعم فعند ذلك وثب قائماً على قدميه وتناول سيفه بيده وصاح على الملك صيحة منكرة فأدهشه وهم أن يجمل عليه بالسيف فعلم الملك أنه أوثب منه فأغمد سيفه ثم وقف حتى انتهى إليه ابن الملك فقابله بملاطفة وقال: يا فتى هل أنت إنسي أم جني؟ فقال ابن الملك: لولا أني أرعى ذمامك وحرمة ابنتك لسفكت دمك كيف تنسبني إللى الشياطين وأنا من أولاد الملوك الأكاسرة الذي لو شاءوا لأخذوا ملكك وزلزلوك عن عزك وسلطانك، وسلبوا عنك جميع ما في أوطانك.

فلما سمع الملك كلامه هابه وخاف على نفسه منه وقال له: إن كنت من أولاد الملوك، كما زعمت فكيف دخلت قصري بغير إذني وهتكت حرمتي، ووصلت إلى بنتي وزعمت أنك بعلها وادعيت أني قد زوجتك بها وأنا قد قتلت الملوك وأبناء الملوك حين خطبوها مني ومن ينجيك من سطوتي وأنا إن صحت على عبيدي وغلماني وأمرتهم بقتلك لقتلوك في الحال فمن يخلصك من يدي فلما سمع ابن الملك منه ذلك الكلام قال للملك: إني لأعجب منك ومن قلة بصيرتك هل تطمع لابنتك في بعل أحسن مني، وهل رأيت أحداً أثبت جناناً وأكثر مكافأة وأعز سلطاناً وجنوداً وأعواناً مني.

فقال له الملك: لا والله ولكن وددت يا فتى أن تكون خاطباً لها على رؤوس الأشهاد حتى أزوجك بها وأما إذا زوجتك بها خفية فإنك تفضحني فيها فقال له ابن الملك: لقد أحسنت في قولك ولكن أيها الملك إذا اجتمعت عبيدك وخدمك وجنودك علي وقتلوني كما زعمت فإنك تفضح نفسك وتبقى الناس فيك بين مصدق ومكذب ومن الرأي عندي أن ترجع أيها الملك إلى ما أشير به عليك. فقال له الملك: هات حديثك فقال له ابن الملك: الذي أحدثك به إما أن تبارزني أنا وأنت خاصة فمن قتل صاحبه كان أحق وأولى بالملك وأما أن تتركني في هذه الليلة وإذا كان الصباح فأخرج إلى عسكرك وجنودك وغلمانك وأخبرني بعدتهم، فقال له الملك إن عدتهم أربعون ألف فارس غير العبيد الذين لي وغير أتباعهم وهم مثلهم في العدد، فقال ابن الملك إذا كان طلوع النهار فأخرجه إلي وقل لهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قال له: إذا كان طلوع النهار فأخرجهم إلي وقل لهم هذا خطيب ابنتي على شرط أن يبارزكم جميعاً وادعى أنه يغلبكم ويقهركم وأنكم لا تقدرون عليه ثم اتركني معهم أبارزهم، فإذا قتلوني فذلك أخفى لسرك وأصون لعرضك وإن غلبتهم وقهرتهم فمثلي يرغب الملك في مصاهرته فلما سمع الملك كلامه استحسن رأيه وقبل رأيه، مع ما استعظمه من قوله وما هاله من أمره في عزمه على مبارزة جميع عسكره الذين وصفهم له. ثم جلسا يتحدثان وبعد ذلك دعا الملم بالخادم وأمره أن يخرج من وقته وساعته إلى وزيره ويأمره أن يجمع العساكر ويأمرهم بحمل أسلحتهم وأن يركبوا خيولهم فسار الخادم إلى الوزير وأعلمه بما أمره به الملك فعند ذلك طلب الوزير نقباء الجيش وأكابر الدولة وأمرهم أن يركبوا خيولهم ويخرجوا لابسين آلات الحرب. هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر الملك فإنه ما زال يتحدث مع الغلام حيث أعجبه حديثه وعقله وأدبه فبينما يتحدثان وإذا بالصبح قد أصبح فقام الملك وتوجه إلى يخته وأمر جيشه بالركوب وقدم لابن الملك فرساً جيداً من خيار خيله فقال له: لا يعجبني شيء من خيلك ولا أركب إلا الفرس التي جئت راكباً عليها فقال له الملك: وأين فرسك؟ فقال له: هي فوق قصرك فقال له: في أي موضع في قصري فقال: على السطح. فلما سمع كلامه قال له: هذا أول ما ظهر من خيالك يا ويلك كيف تكون الفرس فوق السطح ولكن في هذا الوقت يظهر صدقك من كذبك ثم إن الملك التفت إلى بعض خواصه وقال له: امض إلى قصري واحضر الذي تجده فوق السطح فصار الناس متعجبين من قول الفتى ويقول بعضهم لبعض: كيف ينزل هذا الفرس من سلالم السطح إن هذا شيء ما سمعنا بمثله، ثم إن الذي أرسله الملك إلى القصر صعد إلى أعلاه فرأى الفرس قائماً ولم ير أحسن منه فتقدم إليه وتأمله فوجده من الآبنوس والعاج وكان بعض خواً الملك طلع معه أيضاً، فلما نظروا إلى الفرس تضاحكوا وقالوا وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى فما أظنه إلا مجنوناً ولكن سوف يظهر لنا أمره.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خواً الملك لما نظروا الفرس تضاحكوا وقالوا وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى فما أظنه إلا مجنوناً ولكن سوف يظهر لنا أمره وربما يكون له شأن عظيم ثم إنهم رفعوا الفرس على أيديهم ولم يزالوا حاملين لها حتى وصلوا إلى قدام الملك وأوقفوها بين يديه فاجتمع عليها الناس ينظرون من حسن صنعتها، وحسن سرجها ولجامها واستحسنها الملك أيضاً وتعجب منها غاية العجب، ثم قال لبن الملك: يا فتى أهذه فرسك فقال: نعم أيها الملك هذه فرسي وسوف ترى منها العجب. فقال له الملك: خذ فرسك واركبها قال: لا أركبها إلا إذا بعد عنها العساكر فأمر الملك العسكر الذين حوله أن يبتعدوا عنها مقدار رمية السهم فقال له: أيها الملك هاأنا رائح أركب فرسي وأحمل على جيشك فأفرقهم يميناً وشمالاً وأصدع قلوبهم فقال له الملك: افعل ما تريد ولا تبق عليهم فإنهم لا يبقون عليك ثم إن ابن الملك توجه إلى فرسه وركبها واصطفت له الجيوش وقال بعضهم لبعض: إذا وصل الغلام بين الصفوف نأخذه بأسنة الرماح وشفار الصفاح. فقال واحد منهم: والله غنها مصيبة كيف نقتل هذا الغلام صلحب الوجه المليح والقد الرجيح فقال واحد آخر: والله لن تصلوا إليه إلا بعد أمر عظيم وما فعل الفتى هذه الفعال إلا لما علم من شجاعة نفسه وبراعته، فلما استوى ابن الملك على فرسه فرك لولب الصعود فتطاولت إليه الأبصار لينظروا ماذا يريد أن يفعل فماجت فرسه واضطربت حتى عملت أغرب حركات تعملها الخيل وامتلأ جوفها بالهواء ثم ارتفعت وصعدت في الجو.

فلما رآه الملك قد ارتفع وصعد على جيشه قال: ويلكم خذوه قبل أن تفوتكم فعند ذلك قال له وزرائه ونوابه: أيها الملك هل أحد يلحق الطير الطائر وما هذا إلا سحر عظيم قد نجاك الله منه فاحمد الله تعالى على خلاصك من يده فرجع الملك إلى قصره بعدما رأى من ابن الملك ما رأى ولما وصل إلى قصره ذهب إلى ابنته وأخبرها بما جرى له مع ابن الملك في الميدان فوجدها كثيرة التأسف عليه وعلى فراقه ثم أنها مرضت مرضاً شديداً، ولزمت الوساد.

فلما رآها أبوها على تلك الحالة ضمها وقبلها بين عينيها وقال لها: يا ابنتي احمدي الله تعالى واشكريه حيث خلصنا من هذا الساحر الماكر وجعل يكرر عليها ما رآه من ابن الملك ويذكر لها صفة صعوده في الهواء وهي لا تصغي إلى شيء من قول أبيها واشتد بكاؤها ونحيبها ثم قالت في نفسها: والله لا آكل طعاماً وأشرب شراباً حتى يجمع الله بيني وبينه فحصل لأبيها الملك هم عظيم من أجل ذلك وشق عليه حال ابنته وصار حزين القلب عليها وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفاً به. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك صار حزين القلب على ابنته وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفاً به هذا ما كان من أمر الملك وابنته.

وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لما صعد في الجو اختلى بنفسه وتذكر حسن الجارية وجمالها وكان قد سأل أصحاب الملك عن اسم المدينة واسم الملك واسم ابنته وكانت تلك المدينة صنعاء ثم أنه جد في السيرحتى أشرف على مدينة أبيه ودار حول المدينة ثم توجه إلى قصر أبيه ونزل فوق السطح وترك فرسه هناك ونزل إلى والده ودخل عليه فوجده حزيناً كئيباً لأجل فراقه فلما رآه والده قام إليه واعتنقه وضمه إلى صدره وفرح به فرحاً شديداً ثم أنه لما اجتمع بوالده وسأله عن الحكيم الذي عمل الفرس وقال: يا والدي ما فعل الدهر به فقال له والده: لا بارك الله في الحكيم ولا في الساعة التي رأيته فيها لأنه هو الذي كان سبباً لفراقك منا وهو مسجون يا ولدي من يوم غبت عنا فأمر ابن الملك بالإفراج عنه وإخراجه من السجن وإحضاره بين يديه.

فلما حضر بين يديه خلع عليه وأحسن إليه غاية الإحسان إلا أنه لم يزوجه ابنته فغضب الحكيم من أجل ذلك غضباً شديداً وندم على ما فعل وعلم أن ابن الملك قد عرف سر الفرس وكيفية سيرها ثم أن الملك قال لابنه: الرأي عندي أنك لا تقرب هذا الفرس بعد ذلك ولا تركبها أبداً بعد يومك هذا لأنك لا تعرف أحوالها فأنت منها على غرور وكان ابن الملك قد حدث أباه بما جرى له مع ابنة الملك صاحب نلك المدينة وما جرى له مع أبيها.

فقال له أبوه: لو أراد الملك قتلك لقتلك ولكن في أجلك تأخير ثم إن ابن الملك هاجت بلابله بحب الجارية ابنة الملك صاحب صنعاء فقام إلى الفرس وركبها وفرك لولب الصعود فطارت به في الهواء وعلت به إلى عنان السماء فلما أصبح الصباح افتقده أبوه فلم يجده فطلع إلى أعلى القصر وهو ملهوف فنظر إلى ابنه وهو صاعد في الهواء فتأسف على فراقه وندم كل الندم حيث لم يأخذ الفرس ويخفي أمره، ثم قال في نفسه: والله إن رجع إلي ولدي ما بقيت أخلي هذا الفرس لأجل أن يطمئن قلبي على ولدي ثم إنه عاد إلى بكائه ونحيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عاد إلى بكائه ونحيبه من حزنه على ولده، هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر ابنه فإنه لم يزل سائراً في الجو حتى وقف على مدينة صنعاء ونزل في المكان الذي كان فيه أولاً ومشى مستخفياً حتى وصل إلى محل ابنة الملك فلم يجدها لا هي ولا جواريها ولا الخادم الذي كان محافظاً عليها فعظم عليه ذلك ثم إنه دار يفتش عليها في القصر فوجدها في مجلس آخر غير محلها الذي اجتمع معها فيه وقد لزمت الوساد وحولها الجواري والدايات فدخل عليهن وسلم عليهن.

فلما سمعت الجارية كلامه قامت إليه واعتنقته وجعلت تقبله بين عينيه وتضمه إلى صدرها فقال لها: يا سيدتي أوحشتيني هذه المدة فقالت له: أنت الذي أوحشتني ولو طالت غيبتك عني لكنت هلكت بلا شك، فقال لها: يا سيدتي كيف رأيت حالي مع أبيك وما صنع بي ولولا محبتك يا فتنة العالمين لقتلته وجعلته عبرة للناظرين ولكن أحبه من أجلك فقالت له: كيف تغيب عني وهل تطيب حياتي بعدك فقال لها: أتطيعيني وتصغي إلى قولي، فقالت له: قل ما شئت فإني أجيبك إلى ما تدعوني إليه ولا أخالفك في شيء فقال لها: سيري معي إلى بلادي وملكي فقالت له: حباً وكرامة.

فلما سمع ابن الملك كلامها، فرح فرحاً شديداً وأخذ بيدها وعاهدها بعهد الله تعالى على ذلك، ثم صعد بها إلى أعلى سطح القصر وركب فرسه وأركبها خلفه، ثم ضمها إليه وشدها شداً وثيقاً وحرك لولب الصعود الذي في كتف الفرس فصعدت بهما إلى الجو، فعند ذلك زعقت الجواري وأعلمن الملك أباها وأمها فصعدا مبادرين إلى سطح القصر، والتفت الملك إلى الجو فرأى الفرس الآبنوس وهي طائرة بهما في الهواء فعند ذلك انزعج الملك وزاد انزعاجه وقال: يا ابن الملك سألتك بالله أن ترحمني وترحم زوجتي، ولا تفرق بيننا وبين بنتنا فلم يجبه ابن الملك.

ثم أن ابن الملك ظن في نفسه أن الجارية ندمت على فراق أمها وأبيها، فقال لها: يا فتنة الزمان هل لك أن أردك إلى أمك وأبيك فقالت له: يا سيدي والله ما مرادي ذلك إنما مرادي أن أكون معك أينما تكون لأنني مشغولة بمحبتك عن كل شيء حتى أبي وأمي.

فلما سمع ابن الملك كلامها فرح بذلك فرحاً شديداً وجعل يسير الفرس بهما سيراً لطيفاً لكيلا يزعجها ولم يزل يسير بها حتى نظر إلى مرج أخضر وفيه عين جارية فنزلا هناك وأكلا وشربا ثم أن ابن الملك ركب فرسه وأردفها خلفه وأوثقها بالرباط خوفاً عليها وسار بها ولم يزل في الهواء حتى وصل إلى مدينة أبيه فاشتد فرحه.

ثم أراد أن يظهر للجارية محل سلطانه وملك أبيه ويعرفها أن ملك أبيه أعظم من ملك أبيها فأنزلها في بعض البساتين التي يتفرج فيها والده وأدخلها في المقصورة المعدة لأبيه واوقف الفرس الآبنوس على باب تلك المقصورة، وأوصى الجارية بالمحافظة على الفرس وقال لها اقعدي ههنا حتى أرسل إليك رسولي فإني متوجه إلى أبي لأجل أن أهيء لك قصراً وأظهر لك ملكي ففرحت الجارية عندما سمعت منه هذا الكلام، وقالت له: افعل ما تريد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية فرحت عندما سمعت منه هذا الكلام، وقالت له: افعل ما تريد، ثم خطر ببالها أنها لا تدخل إلا بالتبجيل والتشريف كما يصلح لأمثالها، ثم أن ابن الملك تركها وسار حتى وصل إلى المدينة ودخل على أبيه فلما رأى أبوه فرح بقدومه وتلقاه ورحب به، ثم أن ابن الملك قال لوالده: اعلم أنني أتيت ببنت الملك التي كنت أعلمتك بها وقد تركتها خارج المدينة في بعض البساتين وجئت أعلمك بها لأجل أن تهيء الموكب وتخرج لملاقاتها وتظهر لها ملكك واعوانك وجنودك. فقال له الملك: حباً وكرامة، ثم أمر من وقته وساعته أهل المدينة أن يزينوا المدينة أحسن زينة وركب في أكمل هيبة وأحسن زينة هو وجميع عساكره وأكابر دولته وسائر مملكته وخدمه، وأخرج ابن الملك من قصره الحلي والحلل وما تدخره الملوك وهيأ لها عمارة من الديباج الأخضر والأحمر والأصفر وأجلس على تلك العمارة الهنديات والروميات والحبشيات وأظهر من الذخائر شيئاً عجيباً. ثم أن ابن الملك ترك العمارة بمن فيها وسبق إلى البستان ودخل المقصورة التي تركها فيها وفتش فيها فلم يجدها ولم يجد الفرس، فعند ذلك لطم على وجهه ومزق ثيابه وجعل يطوف في البستان وهو مدهوش العقل، ثم بعد ذلك رجع إلى عقله وقال في نفسه: كيف علمت بسر هذا الفرس وأنا لم أعلمها بشيء من ذلك ولعل الحكيم الفارسي الذي عمل الفرس قد وقع عليها وأخذها جزاء ما عمله والدي معه، ثم أن ابن الملك طلب حراس البستان وسألهم عمن مر بهم وقال لهم: هل نظرتم أحداً مر بكم ودخل هذا البستان؟ فقالوا: ما رأينا أحداً دخل البستان سوى الحكيم الفارسي فإنه دخل ليجمع الحشائش النافعة، فلما سمع كلامهم صح عندهم أن الذي أخذ الجارية هو ذلك الحكيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما سمع كلامهم صح عنده أن الذي أخذ الجارية هو ذلك الحكيم، وكان بالأمر المقدر أن ابن الملك لما ترك الجارية في المقصورة التي فيها البستان وذهب إلى قصر أبيه ليهيء أمره دخل الحكيم الفارسي البستان ليجمع شيئاً من الحشيش النافع فشم رائحة المسك الطيب التي عبق منها المكان وكان ذلك الطيب من رائحة ابنة الملك فقصد الحكيم تلك الرائحة حتى وصل إلى تلك المقصورة فرأى الفرس التي صنعها بيده على باب المقصورة.

فلما رأى الحكيم الفرس امتلأ قلبه فرحاً وسروراً إلا أنه كان كثير التأسف على الفرس حيث خرجت من يده فتقدم إلى الفرس وافتقد جميع أجزائها فوجدها سالمة، ولما أراد أن يركبها ويسير قال في نفسه: لا بد أن أنظر ما جاء به ابن الملك وتركه مع الفرس ههنا، فدخل المقصورة فوجد الجارية جالسة وهي كالشمس الصاحية في السماء الصافية، ثم توجه إلى المدينة ليجيء لها بموكب ويدخلها المدينة فقالت له: من أنت فقال لها: يا سيدتي أنا رسول الملك قد أرسلني إليك وأمرني أن أنقلك إلى بستان آخر قريب من المدينة. فلما سمعت الجارية منه ذلك الكلام دخل في عقلها فصدقته وقامت معه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم الفارس لما أخبر الجارية بأحوال ابن الملك صدقت كلامه ودخل في عقلها وقامت معه ووضعت يدها في يده ثم قالت له: يا والدي ما الذي جئت لي به معك حتى أركبه فقال: يا سيدتي الفر سالتي جئت عليها تركبينها فقالت له: أنا لا أقدر على ركوبها وحدي، فتبسم الحكيم عندما سمع ذلك وعلم أنه قد ظفر بها فقال لها: أنا أركب معك بنفسي، ثم ركب وأركب الجارية خلفه وضمها إليه وشد وثاقها وهي لا تعلم ما يريد بها، ثم إنه حرك لولب الصعود فامتلأ جوف الفرس بالهواء وتحركت وماجت ثم ارتفعت صاعدة في الجو ولم تزل سائرة بهما حتى غابت عن المدينة. فقالت له الصبية: يا هذا أين الذي قلته عن ابن الملك حيث زعمت أنه أرسلك إلي، فقال لها الحكيم: قبح الله ابن الملك فإنه خبيث لئيم، فقالت له: يا ويلك كيف تخالف أمر مولاك فيما أمرك به فقال لها: ليس هو مولاي فهل تعرفين من أنا؟ فقالت: لا أعرفك إلا بما عرفتني به عن نفسك فقال لها: إنما إخباري لك بهذا الخبر حيلة مني عليك وعلى ابن الملك، ولقد كنت متأسفاً طول عمري على هذه الفرس التي تحتك فإنها صناعتي وكان قد استولى عليها والآن قد ظفرت بها وبك أيضاً، وقد أحرقت قلبه كما أحرق قلبي ولا يتمكن منها بعد ذلك أبداً فطيبي قلباً وقري عيناً فأنا لك أنفع منه.

فلما سمعت الجارية كلامه لطمت على وجهها ونادت: يا أسفاه لا حصلت حبيبي ولا بقيت عند أبي وأمي، وبكت بكاءً شديداً على ما حل بها ولم يزل الحكيم سائراً بها إلى بلاد الروم حتى نزل بها في مرج أخضر ذي أنهار وأشجار واكن ذلك المرج بالقرب من مدينة وفي تلك المدينة ملك عظيم الشأن، فاتفق في ذلك اليوم أن ملك تلك المدينة خرج إلى الصيد والنزهة فجاز على ذلك المرج فرأى الحكيم واقفاً والفرس والجارية بجانبه، فلم يشعر الحكيم إلا وقد هجم عليه عبيد الملك وأخذوه هو والجارية والفرس وأوقفوا الجميع بين يدي الملك، فلما نظر إلى قبح منظره وبشاعته ونظر إلى حسن الجارية وجمالها قال لها: يا سيدتي ما نسبة هذا الشيخ منك، فبادر الحكيم بالجواب وقال: هي زوجتي وابنة عمي، كذبته الجارية عندما سمعت قوله وقالت: أيها الملك والله لا أعرفه ولا هو بعلي بل أخذني قهراً بالحيلة.

فلما سمع الملك مقالها أمر بضربه فضربوه حتى كاد أن يموت، ثم أمر الملك أن يحملوه إلى المدينة ويطرحوه في السجن ففعلوا به ذلك، ثم إن الملك أخذ الجارية والفرس منه ولكنه لم يعلم بأمر الفرس ولا بكيفية سرها. هذا ما كان من أمر الحكيم والجارية.

وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لبس ثياب السفر وأخذ ما يحتاج إليه من المال وسافر وهو في أسوأ حال وسار مسرعاً يقتص الأثر في طلبهما من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة ويسأل عن الفرس الآبنوس وكل من سمع منه خبر الفرس الآبنوس يتعجب منه ويستعظم ذلك منه، فأقام على هذا الحال مدة من الزمان ومع كثرة السؤال والتفتيش عليهما لم يقع لهما على خبر، ثم إنه سار إلى مدينة أبي الجارية وسأل هناك فلم يسمع لها بخبر ووجد أباها حزيناً على فقدها فرجع وقصد بلاد الروم وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قصد بلاد الروم وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما، فاتفق أنه نزل في خان من الخانات فرأى جماعة من التجار جالسين يتحدثون فجلس قريباً منهم فسمع أحدهم يقول: لقد رأيت عجباً من العجائب فقالوا: وما هو؟ قال: إني كنت في بعض الجهات من مدينة كذا وذكر اسم المدينة التي فيها الجارية فسمعت أهلها يتحدثون بحديث غريب وهو أن ملك المدينة خرج يوماً من الأيام إلى الصيد والقنص ومعه جماعة من أصحابه وأكابر دولته. فلما طلعوا إلى البرية جازوا على مرج أخضر فوجدوا هناك رجلاً واقفاً وإلى جانبه امرأة جالسة ومعه فرس من آبنوس فاما الرجل فإنه قبيح المنظر مهول الصورة جداً وأما المرأة فإنها صبية ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وقد واعتدال وأما الفرس فإنها من العجائب التي لم ير الراؤون أحسن منها ولا أجمل من صنعتها فقال له الحاضرون: فما فعل الملك بهم؟ فقال: أما الرجل فإنه أخذه الملك وسأله عن الجارية فادعى أنها زوجته وابنة عمه واما الجارية فإنها كذبته في قوله فاخذها الملك منه وامر بضربه وطرحه السجن وأما الفرس الآبنوس فما لي بها علم.

فلما سمع ابن الملك هذا الكلام من التاجر دنا منه وصار يسأله برفق وتلطف حتى أخبره اسم المدينة واسم ملكها فلما عرف ابن الملك اسم المدينة واسم ملكها بات ليلته مسرور فلما أصبح الصباح خرج وسافر ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى تلك المدينة فلما أراد أن يدخلها أخذه البوابون وأرادوا إحضاره قدام الملك ليسأله عن حاله وعن سبب مجيئه إلى تلك المدينة وعما يحسنه من الصنائع وكانت هذه عادة الملك من سؤال الغرباء عن أحوالهم وصنائعهم وكان وصول ابن الملك إلى تلك المدينة في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك ولا المشاورة عليه فأخذه البوابون وأتوا به إلى السجن ليضعوه فيه. فلما نظر السجانون إلى حسنه وجماله لم يهن عليهم أن يدخلوه السجن بل أجلسوه معهم خارج السجن فلما جاءهم الطعام أكل معهم بحسب الكفاية فلما فرغوا من الأكل جعلوا يتحدثون ثم أقبلوا على ابن الملك وقالوا له: من أي البلاد أنت؟ فقال: أنا من بلاد فارس بلاد الكاسرة فلما سمعوا كلامه ضحكوا وقال بعضهم: يا كسروى لقد سمعت حديث الناس وأخبارهم وشاهدت احوالهم فما رأيت أكذب من هذا الكسروى الذي عندنا في السجن فقال آخر: ولا رأيت أقبح من خلقته ولا أبشع من صورته فقال لهم: ما الذي بان لكم من كذبه. فقالوا: زعم أنه حكيم وكان الملك قد رآه في طريقه وهو ذاهب إلى الصيد ومعه امرأة بديعة الحسن والجمال والبهاء والكمال والقد والإعتدال ومعه أيضاً فرس من الآبنوس الأسود مارأينا قط أحسن منها، فأما المرأة فهي عند الملك وهو لها محب ولكن تلك المرأة مجنونة ولو كان ذلك الرجل حكيماً لداواها والملك مجتهد في علاجها وغرضه مداواتها مما هي فيه، وأما الفرس الآبنوس فإنها في خزانة الملك، واما الرجل القبيح المنظر الذي كان معها فإنه عندنا في السجن فإذا جن الليل يبكي وينتحب أسفاً على نفسه ولا يدعنا ننام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المزكلين في السجن لما اخبروه بخبر الحكيم الفارسي الذي عندهم في السجن وبما هو فيه من البكاء والنحيب خطر بباله أن يدبر تدبيراً ليبلغ غرضه فلما أراد البوابون النوم أدخلوهالسجن وأغلقوا عليه الباب فسمع الحكيم يبكي وينوح على نفسه بالفارسية ويقول في نوحه: الويل لي بما جنيت على نفسي وعلى ابن الملك وبما فعلت بالجارية حيث لم أتركها ولم أظفر بمرادي وذلك كله من سوء تدبيري فإني طلبت لنفسي ما لا أستحقه وما لا يصلح لمثلي ومن طلب ما لا يصلح له وقع في مثل ما وقعت فيه.

فلما سمع ابن الملك كلام الحكيم كلمه بالفارسية وقال له: إلى كم هذا البكاء والعويل هل ترى أنه أصابك ما لم يصب غيرك فلما سمع الحكيم كلامه أنس به وشكا إليه حاله مما يجده من المشقة فلما أصبح الصباح أخذ البوابون ابن الملك واتوا به إلى ملكهم وأعلموه أنه وصل إلى المدينة بالأمس في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك فسأله الملك وقال له: من أي البلاد وما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فقال ابن الملك أما اسمي فإنه بالفارسية حرجة وأما بلادي فهي بلاد فارس وانا من اهل العلم وخصوصاً علم الطب فإني أداوي المرضى والمجانين ولهذا أطوف في الأقاليم والمدن لأستفيد علماً على علمي وإذا رأيت مريضاً فإني أداويه فهذه صنعتي.

فلما سمع الملك كلامه فرح به فرحاً شديداً وقال له: أيها الحكيم الفاضل لقد وصلت إلينا في وقت الحاجة إليك ثم أخبره بخبر الجارية وقال له: إن داويتها وأبرأتها من جنونها فلك عندي جميع ما تطلبه فلما سمع كلام الملك قال له: أعز الله الملك صف لي كل شيء رأيته من جنوني وأخبرني منذ كم يوم عرض لها هذ الجنون وكيف أخذتها هي والفرس والحكيم، فأخبره بالخبر من أوله إلى آخره ثم قال له: إن الحكيم في السجن فقال له: أيها الملك السعيد ما فعلت بالفرس التي كانت معهما؟ فقال له: باقية عندي إلى الآن في بعض المقاصير.
فقال ابن الملك في نفسه: إن من الرأي عندي أن اتفقد الفرس وأنظرها قبل كل شيء فإن كانت سالمة لم يحدث فيها أمر فقد تم لي كل ما أريد وإن رأيتها قد بطلت حركتها تحيلت بحيلة في خلاص مهجتي ثم التفت إلى الملك وقال له: ينبغي أن أنظر الفرس المذكور لعلي أجد شيئاً يعينني على برء الجارية فقال له الملك: حباً وكرامة ثم قام الملك وأخذه بيده ودخل معه إلى الفرس فجعل ابن الملك يطوف حول الفرس ويتفقدها وينظر أحوالها فوجدها سالمة لم يعبها شيء ففرح ابن الملك بذلك فرحاً شديداً وقال: أعز الله الملك إني أريد الدخول على الجارية حتى أنظر ما يكون منها وأرجو الله أن يكون برؤها على يدي بسبب الفرس إن شاء الله تعالى ثم أمر بالمحافظة على الفرس ومضى به الملك إلى البيت الذي فيه الجارية. فلما دخل عليها ابن الملك وجدها تتخبط وتنصرع على عادتها ولم يكن بها جنون وإنما تفعل ذلك حتى لا يقربها أحد فلما رآها ابن الملك على هذه الحالة قال لها: لا بأس عليك يا فتنة العالمين ثم أنه جعل يرفق بها ويلاطفها إلى أن عرفها بنفسه فلما عرفته صاحت صيحة عظيمة حتى غشي عليها من شدة ما حصل لها من الفرح فظن الملك أن هذه الصرعة من فزعها منه ثم إن ابن الملك وضع فمه على أذنها وقال لها: يا فتنة العالمين احقني دمي ودمك واصبري وتجلدي فقالت له: سمعاً وطاعة، ثم إنه خرج من عندها وتوجه إلى الملك فرحاً مسروراً وقال: أيها الملك السعيد قد عرفت بسعادتك داءها ودواءها وقد داويتها لك فقم الآن وادخل إليها ولين كلامك لها وترفق بها وعدها بما يسرها فإنه يتم لك كل ما تريد منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما جعل نفسه حكيماً، ودخل على الجارية وأعلمها بنفسه وأخبرها بالتدبير الذي يدبره فقالت له: سمعاً وطاعة ثم خرج من عندها وتوجه إلى الملك وقال له: قم ادخل عليها ولين كلامك لها وترفق بها وعدها بما يسرها فإنه يتم لك كل ما تريد منها فقام الملك ودخل عليها، فلما رأته قامت إليه وقبلت الأرض بين يديه ورحبت به ففرح الملك بذلك فرحاً شديداً ثم أمر الجواري والخدم أن يقوموا بخدمتها ويدخلوها الحمام ويجهزوا لها الحلي والحلل فدخلوا إليها وسلموا عليها فردت عليهم السلام بألطف منطق وأحسن كلام ثم ألبسوها حللاً منملابس الملوك ووضعوا في عنقها عقداً من الجواهر وساروا بها إلى الحمام وخدموها ثم أخرجوها من الحمام كأنها بدر التمام ولما وصلت إلى الملك سلمت عليه وقلبت الأرض بين يديه فحصل للملك بها سرور عظيم وقال لابن الملك كل ذلك ببركتك زادنا الله من نفحاتك. فقال له ابن الملك: إن تمام برئها وكمال أمرها أنك تخرج أنت وكل من معك من أعوانك وعسكرك إلى المحل الذي كنت وجدتها فيه وتكون صحبتك الفرس الآبنوس التي كانت معها لأجل أن أعقد عنها العارض هناك وأسجنه وأقتله فلا يعود إليها أبداً فقال له الملك: حباً وكرامة، ثم أخرج الفرس الآبنوس إلى المرج الذي وجدها فيه هي والجارية والحكيم الفارسي وركب الملك مع جيشه وأخذ الجارية معه وهم لا يدرون ما يريد أن يفعل، فلما وصل إلى ذلك المرج أمر ابن الملك الذي جعل نفسه حكيماً أن توضع الجارية والفرس بعيداً عن الملك والعساكر بمقدار مد البصر وقال للملك: دستور عن إذنك أنا أريد أن أطلق البخور، وأتلو العزيمة وأسجن العارض هنا حتى لا يعود إليها أبداً، ثم بعد ذلك أركب الفرس الآبنوس وأركب الجارية خلفي فإذا فعلت ذلك الفرس تضطرب وتمشي حتى تصل إليك وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما قال لملك الروم: حتى تصل إليك فعند ذلك يتم الأمر فافعل بها بعد ذلك ما تريد فلما سمع الملك كلامه فرح فرحاً شديداً ثم أن ابن الملك ركب الفرس ووضع الصبية خلفه وصار الملك وجميع عساكره ينظرون إليه ثم إنه ضمها إليه وشد وثاقها وبعد ذلك فرك ابن الملك لولب الصعود فصعدت بهما الفرس في الهواء والعساكر تنظر إليه حتى غاب عن اعينهم ومكث الملك نصف يوم ينتظر عودته إليه، فلم يعد فيئس منه وندم ندماً عظيماً وتأسف على فراق الجارية ثم أخذ عسكره وعاد إلى مدينته. هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه قصد مدينة أبيه فرحاً مسروراً ولم يزل سائراً إلى أن نزل على قصره وأنزل الجارية في القصر وامن عليها ثم ذهب إلى أبيه وأمه فسلم عليهما وأعلمهما بقدوم الجارية ففرحا بذلك فرحاً شديداً. هذا ما كان من أمر ابن الملك والفرس والجارية.

وأما ماكان من أمر ملك الروم فإنه لما عاد إلى مدينته احتجب في قصره حزيناً كئيباً فدخل عليه وزراؤه وجعلوا يسلونه ويقولون له أن الذي أخذ الجارية ساحراً والحمد لله الذي نجاك من سحره ومكره وما زالوا به حتى تسلى عنها، وأما ابن الملك فإنه عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة وأقاموا في الفرح شهراً كاملاً، ثم دخل على الجارية وفرحا ببعضهما فرحاً شديداً هذا ما كان من أمره وأما ما كان من أمر والده فإنه كسر الفرس الآبنوس وأبطل حركاتها، ثم إن ابن الملك كتب كتاباً إلى أبي الجارية وذكر له فيها حالها وأخبره أنه تزوج بها، وهي عنده في أحسن حال وأرسله إليه مع الرسول وصحبته هدايا وتحفاً نفيسة فلما وصل الرسول إلى مدينة أبي الجارية وهي صنعاء اليمن اوصل الكتاب والهدايا إلى ذلك الملك. فلما قرأ الكتاب فرح فرحاً شديداً وقبل الهدايا واكرم الرسول ثم جهز هدية سنية لصهره ابن الملك وأرسلها إليه مع ذلك الرسول فرجع بها إلى ابن الملك وأعلمه بفرح الملك أبي الجارية حين بلغه خبر ابنته فحصل له سرور عظيم وصار ابن الملك في كل سنة يكاتب صهره ويهاديه ولم يزالوا كذلك حتى توفي الملك أبو الغلام وتولى هو بعده في المملكة فعدل في الرعية وسار فيهم بسيرة مرضية فدانت له البلاد واطاعته البلاد واستمروا على هذه الحالة في ألذ عيش وأهنأه وأرغده إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب القصور ومعمر القبور فسبحان الذي لا يموت وبيده الملك والملكوت.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 26 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية في شأن الجن والشياطين المسجونين في القماقم من عهد سليمان عليه الصلاة والسلام

بلغني أيضاً أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان بدمشق الشام ملك من الخلفاء يسمى عبد الملك بن مروان، وكان جالساً يوماً من الأيام، وعنده أكابر دولته من الملوك والسلاطين، فوقعت بينهم مباحثة في حديث الأمم السالفة، وتذكروا أخبار سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام وما أعطاه الله تعالى من الملك والحكم في الإنس والجن والطير والوحش وغير ذلك وقالوا قد سمعنا ممن كان قبلنا أن الله سبحانه وتعالى، لم يعط أحد مثل ما أعطى سيدنا سليمان وأنه وصل إلى شيء لم يصل إليه أحد حتى أنه كان يسجن الجن والمردة والشياطين في قماقم من النحاس ويسبك عليهم بالرصاص ويختم عليهم بخاتمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة عبد الملك بن مروان لما تحدث مع أعوانه وأكابر دولته وتذكروا سيدنا سليمان وما أعطاه الله من الملك قال أنه وصل إلى شيء لم يصل غليه أحد حتى أنه كان يسجن المردة والشياطين في قماقم من النحاس ويسبك عليهم بالرصاص ويختم عليهم بخاتمة، وأخبر طالب أن رجلاً نزل في مركب مع جماعة وانحدروا إلى بلاد الهند ولم يزالوا سائرين حتى طلع عليهم ريح فوجههم ذلك الريح إلى أرض من أراضي الله تعالى وكان ذلك في سواد الليل.
فلما أشرق النهار خرج إليهم من مغارات تلك الأرض أقوام سود الألوان عراة الأجساد كأنهم وحوش، لا يفقهون خطاباً لهم ملك من جنسهم وليس منهم أحد يعرف العربية غير ملكهم فلما رأوا المركب ومن فيها خرج إليهم في جماعة من أصحابه فسلم عليهم ورحب بهم وسألهم عن دينهم، فأخبروه بحالهم فقال لهم لا بأس عليكم، وحين سألهم عن دينهم كان كل منهم على دين من الأديان، سألهم عن دين الإسلام وعن بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال أهل المركب نحن لا نعرف ما تقول ولا نعرف شيئاً من هذا الدين فقال لهم الملك إنه لم يصل إلينا أحد من بني آدم قبلكم ثم إنه ضيفهم بلحم الطيور والوحوش والسمك لأنه ليس لهم طعام غير ذلك ثم إن أهل المركب نزلوا يتفرجون في تلك المدينة، فوجدوا بعض الصيادين أرخى شبكته في البحر ليصطاد سمكاً ثم رفعها فيها قمقم من نحاس مرصص مختوم عليه بخاتم سليمان بن داود عليهما السلام فخرج به الصياد وكسره فخرج منه دخان أزرق التحق بعنان السماء فسمعنا صوتاً منكراً يقول التوبة التوبة يا نبي الله ثم صار من ذلك الدخان شخص هائل المنظر مهول الخلقة تلحق رأسه الجبل ثم غاب عن أعينهم.

فأما أهل المركب فكادت تنخلع قلوبهم، وأما السودان فلم يفكروا في ذلك، فرجع رجل إلى الملك وسأله عن ذلك فقال له اعلم أن هذا من الجن الذين كان سليمان بن داود إذا غضب عليهم سجنهم في هذه القماقم، ورصص عليهم ورماهم في البحر فإذا رمى الصياد الشبكة يطلع بها القماقم في غالب الأوقات، فإذا كسرت يخرج منها جني ويخطر بباله أن سليمان حي فيتوب ويقول التوبة يا نبي الله، فتعجب أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان من هذا الكلام، وقال سبحان الله لقد أوتي سليمان ملكاً عظيماً وكان ممن حضر في ذلك المجلس النابغة الذبياني فقال طالب فيما أخبرته والديل على صدقه قول الحكيم الأول:

وفي سليمان إذ قال الإلـه لـه قم بالخلافة واحكم حكم مجتهد

فمن أطاعك فأكرمه بطاعتـي ومن أبى عنك فاحبسه إلى الأبد

وكان يجعلهم في قماقم من النحاس ويرميهم في البحر فاستحسن أمير المؤمنين هذا الكلام وقال والله إني لأشتهي أن أرى شيئاً من هذه القماقم فقال له طالب بن سهل، يا أمير المؤمنين إنك قادر على ذلك وأنت مقيم في بلادك فأرسل إلى أخيك عبد العزيز بن مروان أن يأتيك بها من بلاد الغرب بأن يكتب إلى موسى أن يركب من بلاد الغرب إلى هذا الجبل الذي ذكرناه ويأتيك من هذه القماقم بما تطلب فإن البر متصل من آخر ولايته بهذا الجبل فاستصوب أمير المؤمنين رأيه وقال يا طالب صدقت فيما قلته وأريد أن تكون أنت رسولي إلى موسى بن نصير في هذا الأمر ولك الراية البيضاء وكل ما تريده من مال أو جاه أو غير ذلك وأنا خليفتك في أهلك قال حباً وكرامة يا أمير المؤمنين فقال له سر على بركة الله تعالى وعونه.

ثم أمر أن يكتبوا له كتاباً لأخيه عبد العزيز نائبه في مصر وكتاباً آخر إلى موسى نائبه في بلاد الغرب يأمره بالسير في طلب القماقم السليمانية بنفسه ويستخلف ولده على البلاد ويأخذ معه الأدلة وينفق المال، وليستكثر من الرجال ولا يلحقه في ذلك فترة ولا يحتج بحجة.

ثم ختم الكتابين وسلمهما إلى طالب بن سهل وأمره بالسرعة ونصب الرايات على رأسه ثم إن الخليفة أعطاه الأموال والركائب والرجال ليكونوا أعواناً له في طريقه وأمر بإجراء النفقة على بيته من كل ما يحتاج إليه وتوجه طالب يطلب مصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن طالب بن سهل سار هو وأصحابه يقطعون البلاد من الشام إلى أن دخلوا مصر، فتلقاه أمير مصر وأنزله عنده وأكرمه غاية الإكرام في مدة إقامته عنده، ثم بعث معه دليلاً إلى الصعيد الأعلى حتى وصلوا إلى الأمير موسى بن نصير.

فلما علم به خرج إليه وتلقاه وفرح به فناوله الكتاب فأخذه وقرأه وفهم معناه ووضعه على رأسه وقال سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، ثم إنه اتفق رأيه على أن يحضر أرباب دولته فحضروا فسألهم عما بدا لهم في الكتاب، فقالوا أيها الأمير إن أردت من يدلك على طريق ذلك المكان، فعليك بالشيخ عبد الصمد بن عبد القدوس الصمودي، فإنه رجل عارف وقد سافر كثيراً خبير بالبراري والقفار والبحار وسكانها وعجائبها والأرضين وأقطارها فعليك به فإنه يرشدك إلى ما تريده.

فأمر بإحضاره فحضر بين يديه فإذا هو شيخ كبير قد أهرمه تداول السنين والأعوام فسلم عليه الأمير موسى وقال له يا شيخ عبد إن مولانا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أمرنا بكذا وكذا، وأنا قليل المعرفة بتلك الأرض وقد قيل لي أنك عارف بتلك البلاد والطرقات، فهل لك رغبة في قضاء حاجة أمير المؤمنين.

فقال الشيخ اعلم أيها الأمير أن هذه الطريق وعرة بعيدة الغيبة قليلة المسالك فقال له الأمير كم مسيرة مسافتها فقال مسيرة سنتين ذهاباً ومثلها إياباً، وفيها شدائد وأهوال وغرائب وعجائب وأنت رجل مجاهد وبلادنا بالقرب من العدو فربما تخرج النصارى في غيبتك والواجب أن تستخلف في مملكتك من يدبرها قال نعم فاستخلف ولده هارون عوضاً عنه في مملكته وأخذ عليه عهداً وأمر الجنود أن لا يخالفون بل يطاوعوه في جميع ما يأمرهم به فسمعوا كلامه وأطاعون وكان ولده هارون شديد البأس هماماً جليلاً وبطلاً كميناً، وأظهر له الشيخ عبد الصمد أن الموضع الذي فيه حاجة أمير المؤمنين مسيرة أربعة أشهر وهو على ساحل البحر، وكله منازل تتصل ببعضها وفيها عشب وعيون فقال قد يهون الله علينا ذلك ببركتك يا نائب أمير المؤمنين.

فقال الأمير موسى هل تعلم أن أحداً من الملوك وطئ هذه الأرض قبلنا قال له نعم يا أمير المؤمنين هذه الأرض لملك الاسكندرية داران الرومي، ثم ساروا ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى قصر فقام تقدم بنا إلى هذا القصر الذي هو عبرة لمن اعتبر، فتقدم الأمير موسى إلى القصر ومعهم الشيخ عبد الصمد وخواص أصحابه حتى وصلوا إلى بابه، فوجدوه مفتوحاً وله أركان طويلة ودرجات وفي تلك الدرجات درجتان ممتدتان وهما من الرخام الملون الذي لم ير مثله والسقوف والحيطان منقوشة بالذهب والفضة والمعدن، وعلى الباب لوح مكتوب فيه باليوناني، فقال الشيخ عبد الصمد هل أقرأه يا أمير المؤمنين فقال له تقدم واقرأ بارك الله فيك، فما حصل لنا في هذا السفر إلا بركتك فقرأه فإذا فيه شعر هو:

قوم تراهم بعد ما صـنـعـوا يبكي على الملك الذي نزعوا

فالقصر فيه منتهـى خـبـر عن سادة في الترب قد جمعوا

أبادهـم مـوت وفـرقـهـم وضيعوا في التراب ما جمعوا

كأنما حـطـوا رحـالـهـم ليستريحوا سرعة رجـعـوا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ عبد الصمد لما قرأ هذه البيات بكى الأمير موسى حتى غشي عليه وقال له لا إله إلا الله الحي الباقي بلا زوال ثم إنه دخل القصر فتحيرمن حسنه وبنائه، ونظر إلى ما فيه من الصور والتماثيل وإذا على الباب الثاني أبيات مكتوبة، فقال الأمير موسى تقدم أيها الشيخ واقرأ فتقدم وقرأ فإذا هي:

كم معشر في قبابها نـزلـوا على قديم الزمان وارتحلـوا

انظر إلى ما بغيرهم صنعت حوادث الدهر إذ بهم نزلـوا

سموا كل ما لهم جـمـعـوا وخلفوا حظ ذاك وارتحلـوا

كم لابسوا نعمة وكم أكـلـوا فأصبحوا في التراب قد أكلوا

فبكى الأمير موسى بكاء شديداً، واصفرت الدنيا في وجهه ثم قال لقد خلقنا لأجل هذا ثم تأملوا القصر فإذا هو قد خلا من السكان، وعدم الأهل والقطان دوره مرصعات، وجهاته مقفرات، وفي وسطه قبة عالية شاهقة في الهواء وحواليها أربعمائة قبر فبكى الأمير موسى ومن معه، ثم دنا من القبة فإذا لها ثمانية أبواب من خشب الصندل بمسامير من الذهب مكوكبة بكواكب الفضة مرصعة بالمعادن من أنواع الجواهر مكتوب على الباب الأول هذه الأبيات:

ما قد تركت فما خلفـتـه كـرمـاً بل بالفضاء وحكم في الورى جاري

فطالما كنت مسروراً ومغتـبـطـاً احمي حماي كمثل الضيغم الضاري

لا أستقر ولا أسـخـى بـخـردلة شحاً عليه ولو ألقيت فـي الـنـار

حتى رمـيت بـأقـدار مـقـدرة شحاً عليه ولو ألقيت فـي الـنـار

إن كان موتي محتوماً على عـجـل فلم أطق دفعه عني بـإكـثـاري

فلما سمع الأمير موسى هذه الأبيات بكى بكاء شديداً حتى غشي عليه، فلما أفاق دخل القبة، فرأى فيها قبراً طويلاً هائل المنظر، وعليه لوح من الحديد الصيني، فدنا منه الشيخ عبد الصمد وقرأ فإذا فيه مكتوب بسم الله الدائم الأبدي الأبد بسم الله الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد بسم ذي العزة والجبروت باسم الحي الذي لا يموت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ عبد الصمد لما قرأ ما ذكرناه رأى مكتوباً في اللوح، أما بعد أيها الواصل إلى هذا المكان اعتبر بما ترى من حوادث الزمان وطوارق الحدثان، ولا تغتر بالدنيا وزينتها وزورها وبهتانها وغرورها وزخرفها فمنها ملاقاة مكارة غدارة أمورها مستعارة تأخذ المعار من المستعير فهي كأضغاث النائم وحلم الحاكم كأنها سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء يزخرفها الشيطان للإنسان إلى الممات، فهذه صفات الدنيا فلا تثق بها ولا تمل إليها فإنها تخون من استند إليها وعول في أموره عليها لا تقع في حبالها ولا تتعلق بأذيالها فإني ملكت أربعة آلاف حصان أحمر في دار وتزوجت ألف بنت من بنات الملوك نواهد أبكار كأنهن القمار، ورزقت ألف ولد كأنهن الليوث العوابس، وعشت من العمر ألف سنة منعم البال والأسرار، وجمعت من الأموال ما يعجز عنه ملوك الأقطار، كان ظني في النعيم يدوم لي بلا زوال، فلم أشعر حتى نزل بنا هادم اللذات ومفرق الجماعات وموحش المنافل ومخرب الدور العامرات، وإن سألت عن اسمي فإني كوش بن شداد ابن عاد الأكبر في ذلك اللوح مكتوب أيضاً هذه الأبيات:

أن تذكروني بعد طول زمـانـي وتقـلـب الأيام والـحـدثـان

فأنا ابن شداد الذي ملك الـورى والأرض أجمعها بكل مـكـان

دانت لي الزمر الصعاب بأسرها والشام من مصر إلى عـدنـان

قد كنت في عز أذل ملوكـهـا وتخاف أهل الأرض من سلطان

فبكى الأمير موسى حتى غشي عليه لما رأى من مصارع القوم قال فبينما هو يطوفون بنواحي القصر ويتأملون في مجالسه ومتنزهاته، وإذا بمائدة على أربعة قوائم من المرمر مكتوب عليها، قد أكل على هذه المائدة ألف ملك أعور، وألف ملك سليم العينين كلهم فارقوا الدنيا، وسكنوا الأرماس والقبور وسار العسكر والشيخ عبد الصمد أمامهم يدلهم على الطريق حتى مضى ذلك اليوم كله وثانية وثالثة وإذا هم برابية عالية فنظروا إليها فإذا عليها فارس من نحاس وفي رأس رمحه سنان عريض براق يكاد يخطف البصر متوب عليه أيها الواصل إلي إن كنت لا تعرف الطريق الموصلة إلى مدينة النحاس فافرك كف الفارس فإنه يدور ثم يقف فأي جهة وقف إليها فاسلكها ولا خوف عليك ولا حرج فإنها توصلك إلى مدينة النحاس.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى فرك كف الفارس فدار كأنه البرق الخاطف وتوجه إلى غير الجهة التي كانوا فيها فتوجه القوم فيها وساروا فإذا هي طريق حقيقية فسلكوها، ولم يزالوا سائرين يومهم وليلتهم حتى قطعوا بلاداً بعيدة.

فبينما هم سائرون يوماً من الأيام وإذا هم بعمود من الحجر الأسود وفيه شخص غائص في الأرض إلى إبطيه وله جنان عظيمان وأربع أيادي يدان منها كأيدي الآدميين ويدان كأيدي السباع فيهما مخالب وله شعر في رأسه كأنه أذناب الخيل وله عينان كأنهما مرآتان وله عين ثالثة في جبهته كعين فهد يلوح منها شرار النار وهو أسود طويل وينادي سبحان رب حكم النبلاء العظيم والعذاب الأليم إلى يوم القيامة.

فلما عاينه القوم طارت عقولهم واندهشوا لما رأوا من صفته وولوا فقال الأمير موسى للشيخ عبد الصمد ما هذا قال لا أدري ما هو فقال ادن منه وابحث عن أمره فلعله يكشف عن أمره ولعلك تطلع على خبره فقال الشيخ عبد الصمد أصلح الله الأمير إننا نخاف منه قال لا تخافوا فإنه مكفوف عنكم وعن غيركم بما هو فيه فدنا منه الشيخ عبد الصمد وقال له أيها الشخص ما اسمك وما شأنك وما الذي جعلك في هذا المكان على هذه الصورة فقال له أما أنا فإني عفريت من الجن واسمي داهش بن الأعمش، وأنا مكفوف ههنا بالعظمة محبوس بالقدرة معذب إلى ما شاء الله عز وجل.

قال الأمير موسى يا شيخ عبد الصمد اسأله ما سبب سجنه في هذا العمود فسأله عن ذلك فقال له العفريت إن حديثي عجيب وذلك أنه كان لبعض أولاد إبليس صنم من العقيق الأحمر وكنت موكلاً به وكان يعبده ملك من ملوك البحر جليل القدر عظيم الخطر يقود من عساكر الجان ألف ألف يضربون بين يديه بالسيوف ويجيبون دعوته في الشدائد وكان الجان الذي يطعيونه تحت أمري وطاعتي يتبعون قولي إذا أمرتهم وكانوا كلهم عصاة عن سليمان بن داود عليهما السلام وكنت أدخل في جوف الصنم فآمرهم وأنهاهم وكانت ابنة ذلك الملك تحب ذلك الصنم كثيرة السجود له منهمكة على عبادته وكانت أحسن أهل زمانها ذات حسن وجمال وبهاء وكمال فوصفتها لسليمان عليه السلام فأرسل إلى أبيها يقول له زوجني ابنتك واكسر صنمك العقيق وأشهد أن لا إله إلا الله وأن سليمان نبي الله فإن أنت فعلت ذلك كان لك ما لنا وعليك ما علينا وإن أنت أبيت أتيتك بجنود لا طاقة لك بها، فاستعد للسؤال جواباً والبس للموت جلباباً فسوف أسير لك بجنود تملأ الفضاء وتدرك كالأمس الذي مضى، فلما جاءه رسول سليمان عليه السلام طغى وتجبر وتعاظم في نفسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك تجبر وتعاظم في نفسه وتكبر ثم قال لوزرائه ماذا تقولون في أمر سليمان بن داود فإنه أرسل يطلب ابنتي وأن أكسر صنم العقيق، وأن أدخل في دينه فقالوا أيها الملك العظيم هل يقدر سليمان أن يفعل بك وأنت في وسط هذا البحر العظيم فإن هو سار إليك لايقدر عليك فإن مردة الجن يقاتلون معك وتستعين عليه بصنمك الذي تعبده فإنه يعينك وينصرك والصواب أن تشاور ربك في ذلك – يعنون به الصنم العقيق الأحمر – وتسمع ما يكون جوابه فإن أشار عليك أن تقاتله، فقاتله وإلا فلا، فعند ذلك سار الملك من وقته وساعته ودخل على صنمه بعد أن قرب القربان وذبح الذبائح وخر له ساجداً وجعل يبكي ويقول شعراً:

يا رب إني عارف بقدركا وها سليمان يروم كسركا

يا رب إني طالب لنصركا فأمر فإني طائع لأمركا

ثم قال ذلك العفريت الذي نصفه في العمود للشيخ عبد الصمد ومن حوله يسمع فدخلت أنا في جوف الصنم من جهلي وقلة عقلي وعدم اهتمامي بأمر سليمان وجعلت أقول شعراً:

أما أنا فلست منـه خـائف لأني بكل أمـر عـارف

وإن يرد حربي فإني زاحف وإنني للروح منه خاطـف

فلما سمع الملك جوابي له قوي قلبه وعزم على حرب سليمان نبي الله عليه السلام وعلى مقاتلته، فلما حضر رسول سليمان ضربه ضرباً وجيعاً ورد عليه رداً شنيعاً وأرسل يهدده ويقول له مع الرسول: لقد حدثتك نفسك بالأماني أتوعدني بزور الأقوال، فإما أن تسير إلي وإما أن أسير إليك ثم رجع الرسول إلى سليمان وأعلمه بجميع ما كان من أمره وما حصل له.

فلما سمع نبي الله سليمان ذلك قامت قيامته وثارت عزيمته وجهز عساكره من الجن والإنس والوحوش والطير والهوام وأمر وزيره الدمرياط ملك الجن أن يجمع مردة الجن من كل مكان، فجمع له من الشياطين ستمائة ألف وأمر آصف بن برخيا أن يجمع عساكره من الإنس فكانت عدتهم ألف أو يزيدون وأعدوا العدة والسلاح، وركب هو وجنوده من الجن والإنس على البساط والطير فوق رأسه طائرة والوحوش من تحت البساط سائرة حتى نزل بساحتك وأحاط بجزيرتك وقد ملأ الأرض بالجنود.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العفريت قال لما نزل نبي الله سليمان عليه السلام بجيوشه حول الجزيرة أرسل إلى ملكنا يقول له: ها أنا قد أتيت فاردد عن نفسك ما نزل، وإلا فادخل تحت طاعتي وأقر برسالتي واكسر صنمك واعبد الواحد المعبود وزوجني ابنتك بالحلال وقل أنت ومن معك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سليمان نبي الله، فإن قلت ذلك كان لك الأمان والسلامة وإن أبيت فلا يمنعك تحصنك مني في هذه الجزيرة فإن الله تبارك وتعالى أمر الريح بطاعتي فأمرها أن تحملني إليك بالبساط وأجعلك عبرة ونكالاً لغيرك. فجاء الرسول وبلغه رسالة نبي الله سليمان عليه السلام، فقال له: ليس لهذا الأمر الذي طلبه مني سبيل فأعلمه أني خارج إليه. فعاد الرسول إلى سليمان ورد عليه الجواب، ثم إن الملك أرسل إلى أرضه وجمع له من الجن الذين كانوا تحت يده ألف ألف، وضم إليهم غيرهم من المردة والشياطين الذين في جزائر البحار ورؤس الجبال ثم جهز عساكره وفتح خزائن السلاح وفرقها عليهم.

أما نبي الله سليمان عليه السلام فإنه رتب جنوده وأمر الوحوش أن تنقسم شطرين على يمين القوم وعلى شمالهم وأمر الطيور أن تكون في الجزائر وأمرها عند الحملة أن تختلف أعينهم بمناقيرها، وأن تضرب وجوههم بأجنحتها وأمر الوحوش أن تفترس خيولهم فقالوا السمع والطاعة لله ولك يا نبي الله.

ثم إن سليمان نصب له سريراً من المرمر مرصعاً بالجوهر مصفحاً بصفائح الذهب الأحمر وجعل وزيره آصف بن برخيا على الجانب الأيمن ووزيره الدمرياط على الجانب الأيسر وملوك الإنس على يمينه وملوك الجن على يساره والوحوش والأفاعي والحيات أمامه، ثم زحفوا علينا زحفة واحدة وتحاربنا معه في أرض واسعة مدة يومين ووقع البلاء في الثالث فنفذ فينا قضاء الله تعالى وكان أول من حمل على سليمان أنا وجنودي، وقلت لأصحابي الزموا مواطنكم حتى أبرز إليهم وأطلب قتال الدمرياط وإذا به قد برز كأنه الجبل العظيم ونيرانه تلتهب ودخانه مرتفع فأقبل ورماني بشهاب من نار فغلب سهمه على ناري وصرخ صرخة عظيمة تخيلت منها أن السماء انطبقت علي واهتزت لصوته الجبال.

ثم أمر أصحابه فحملوا علينا حملة واحدة وحملنا عليهم وصرخ بعضنا على بعض وارتفعت النيران وعلا الدخان وكادت القلوب أن تنفطر وقامت الحرب على ساق، وصارت الطيور تقاتل في الهواء والوحوش تقاتل في الثرى، وأنا أقاتل الدمرياط حتى أعياني وأعييته.

ثم بعد ذلك ضعفت وخذلت أصحابي وجنودي وانهزمت عشائري وصاح نبي الله سليمان هذا الجبار العظيم النحس الذميم، فحملت الإنس على الإنس والجن على الجن ووقعت بملكنا الهزيمة وكنا لسليمان غنيمة، وحملت العساكر على جيوشنا والوحوش حولهم يميناً وشمالاً، والطيور فوق رؤوسنا تخطف أبصار القوم تارة بمخالبها، وتارة بمناقيرها، وتارة تضرب بأجنحتها في وجوه القوم والوحوش تنهش الخيول وتفترس الرجال، حتى أكثر القوم على وجه الأرض كجذوع النخل وأما أنا فطرت من بين أيادي الدمرياط فتبعني مسيرة ثلاثة أشهر حتى لحقني ووقعت كما ترون.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 27 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية هارون الرشيد مع البنت العربية

وحكي أيضاً أن أمير المؤمنين هارون الرشيد مر في بعض الأيام وصحبته جعفر البرمكي وإذا هو بعدة بنات يسقين الماء فعرج يريد الشرب وإذا إحداهن التفتت إليهم وأنشدت هذه الأبيات:

قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقت المنام كي أستريح وتنطفي نار تأجج في العظـام

دنف تقلبه الأكف على بساط مـن سـهـام أما أنا فكما علمت فهل لوصلك مـن دوام

فأعجب أمير المؤمنين ملاحتها وفصاحتها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين لما سمع هذه الأبيات من البنت أعجبته ملاحتها وفاصحتها فقال لها: يا بنت الكرام هذا من مقولك أم من منقولك؟ قال: من مقولي قال: إذا كان كلامك صحيحاً فأمسكي المعنى وغيري القافية فأنشدت تقول:

قولي لطيفك ينثني عن مضعجي وقت الوسن كي أستريح وتنطفي نار تأجج في الـبـدن

دنف تقلبه الأكف على بلاط مـن شـجـن أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من ثـمـن

فقال لها: والآخر مسروق قالت: بل كلامي فقال لها: إن كان كلامك أيضاً فأمسكي المعنى وغيري القافية فجعلت تقول:

قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقت الرقاد كي أستريح وتنطفي نار تأجـج الـفـؤاد

دنف تقلبه الأكف على بساط مـن سـهـاد أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من سـداد

فقال لها: والآخر مسروق، فقالت: بل كلامي فقال لها: إن كان كلامك فأمسكي المعنى وغيري القافية فقالت:

قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقت الهجوع كي أستريح وتنطفي نار تأجج في الضلـوع

دنف تقلبه الأكف على بساط مـن دمـوع أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من رجوع

فقال لها أمير المؤمنين: من أي حي أنت؟ قالت: من أوسطه بيتاً وأعلاه عاموداً فعلم أمير المؤمنين أنها بنت كبير الحي، ثم قالت له: وأنت من أي رعاة الخيل؟ فقال: من أعلاه شجرة وأينعها ثمرة، فقبلت الأرض وقالت: أيدك الله يا أمير المؤمنين ودعت له ثم انصرفت مع بنات العرب فقال الخليفة لجعفر: لابد من زواجها فتوجه إلى أبيها وقال له: إن أمير المؤمنين يريد ابنتك فقال: حباً وكرامة تهدى جارية إلى حضرة مولانا أمير المؤمنين، ثم جهزها وحملها إليه فتزوجها ودخل بها فكانت عنده من أعز نساءه وأعطى والدها ما يستره بين العرب من الأنعام. ثم بعد ذلك انتقل والدها إلى رحمة الله تعالى فورد على الخليفة خبر وفاة أبيها، فدخل عليها وهو كئيب فلما شاهدته وعليه الكآبة نهضت ودخلت إلى حجرتها وخلعت كل ما كان عليها ولبست الحداد وأقامت النعي عليه فقيل لها: ما سبب هذا؟ قالت: مات والدي فمضوا إلى الخليفة فأخبروه، فقام وأتى إليها وسألها من أخبرك بهذا الخبر؟ قالت: وجهك يا أمير المؤمنين قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأني من منذ ما استقريت عندك ما رأيت هكذا إلا في هذه المرة ولم يكن لي ما أخاف عليه إلا والدي لكبره ويعيش رأسك يا أمير المؤمنين، فتغرغرت عيناه بالدموع وعزاها فيه وأقامت مدة حزينة على والدها ثم لحقت به رحمة الله عليهم أجمعين.

ما حكاه الأصمعي لهارون الرشيد من أخبار النساء وأشعارهن ومما يحكى أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق أرقاً شديداً في ليلة من الليالي فقام من فراشه وتمشى من مقصورة إلى مقصورة ولم يزل قلقاً في نفسه قلقاً زائداً فلما أصبح قال: علي بالأصمعي فخرج الطواشي إلى البوابين وقال: يقول لكم أمير المؤمنين أرسلوا إلى الأصمعي، فلما حضر علم به أمير المؤمنين فأمر بإدخاله وأجلسه ورحب به، وقال له: يا أصمعي أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء وأشعارهن، فقال: سمعاً وطاعة لقد سمعت كثيراً ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأصمعي قال لأمير المؤمنين: لقد سمعت كثيراً ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات، فقال: حدثني بحديثهن، فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني أقمت سنة في البصرة فاشتد علي الحر يوماً من الأيام فطلبت مقيلاً أقيل فيه فلم أجد، فبينما أنا ألتفت يميناً وشمالاً، وإذا ببساط مكنوس مرشوش وفيه دكة من خشب وعليها شباك مفتوح تفوح منه رائحة المسك فدخلت البساط وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع فسمعت كلاماً عذباً من جارية وهي تقول: يا اخوتي إننا جلسنا يومنا هذا على وجه المؤانسة، فتعالين نطرح ثلاثمائة دينار وكل واحدة منا تقول بيتاً من الشعر فكل من قالت البيت الأعذب المليح، كانت الثلاثمائة دينار لها فقلن: حباً وكرامة فقالت الكبرى بيتاً وهو هذا:

عجبت أن زار في النوم مضجعي ولو زارني مستيقظاً كان أعجبـا

فقالت الوسطى بيتاً وهو هذا:

وما زارني في النوم إلا خياله فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحبا

فقالت الصغرى بيتاً وهو هذا:

بنفسي وأهلي من أرى كل ليلة ضجيعي ورباه من المسك أطيبا

فقلت: إن كان لهذا المثال جمال، فقد تم الأمر على كل حال فنزلت من على الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية وهي تقول: اجلس يا شيخ فطلعت على الدكة ثانياً وجلست فدفعت لي ورقة فنظرت فيها خطاً في نهاية الحسن، مستقيم الالفات مجوف الهاآت مدور الواوات مضمونها: نعلم الشيخ أطال الله بقاءه، أننا ثلاث بنات أخوات جلسنا على وجه المؤانسة وطرحنا ثلاثمائة دينار، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها الثلاثمائة دينار، وقد جعلناك الحاكم في ذلك فاحكم بما ترى والسلام فقلت للجارية: علي بداوة وقرطاس فغابت قليلاً وخرجت إلي بدواة مفضضة وأقلام مذهبة فكتبت هذه الأبيات:

أحدث عن خود تـحـدثـن عـن حديث امرئ قاسى الأمور وجربا

ثلاث كبكرات الصبـاح صـبـاح تملكن قلباً للمـشـوق مـعـذبـا

خلون وقد نامـت عـيون كـثـيرة من الرأي قد أعرض عمن تجنبـا

فيحن بما يخفين من داخل الحـشـا نعم واتخذن الشعر لهواً وملـعـبـا

فقالت عـروب ذات تـيه عـزيزة تبسم عن عذاب المقـالة أشـنـبـا

عجبت له إن زار في النوم مضجعي ولو زارني مستيقظاً كان أعجـبـا

فلما انقضى ما خرقت بتضـاحـك تنفست الوسطى وقالت تـطـربـا

وما زارني في النـوم إلا خـيالـه فقلت له أهلاً وسهلاً ومـرحـبـا

وأحسنت الصغرى وقالت مـجـيبة بلفظ لها كان أشـهـى وأعـذبـا

بنفسي وأهلي مـن أرى كـل لـيلة ضجيعي ورباه من المسك أطـيبـا

فلما تدبرت الذي قـلـن وانـبـرى لي الحكم لم أترك لذي اللب معتبـا

حكمت لصغراهن في الشعر أننـي رأيت التي قالت إلى الحق أقـربـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأصمعي قال: وبعد أن كتبت الأبيات دفعت الورقة إلى الجارية، فلما صعدت نظرت إلى القصر وإذا برقص وصفق والقيامة قائمة فقالت: ما بقي لي إقامة فنزلت من فوق الدكة وأردت الانصراف وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي، فقلت: ومن أعلمك أني الأصمعي؟ فقالت: يا شيخ إن خفي علينا اسمك فما خفي علينا نظمك، فجلست وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه الجارية الأولى وفي يدها طبق من فاكهة وطبق من حلوى فتفكهت وتحليت وشكرت صنيعها وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تقول: اجلس يا أصمعي، فرفعت بصري إليها فنظرت كفاً أحمر في كم أصفر فخلته البدر يشرق من تحت الغمام ورمت صرة فيها ثلاثمائة دينار، هذه إلي وهو مني إليك هدية في نظير حكمك، فقال له أمير المؤمنين: لما حكمت للصغرى؟ فقال: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن الكبرى قالت عجبت له أن زار في النوم مضجعي، وهو محجوب معلق على شرط يقع وقد لا يقع. وأما الوسطى فقد مر بها طيف خيال في النوم فسلمت عليه وأما بيت الصغرى فإنها ذكرت فيه أنها ضاجعته مضاجعة حقيقية، وشمت منه أنفاساً أطيب من المسك وفدته بنفسها وأهلها ولا يفدى بالنفس إلا من هو أعز منها، فقال الخليفة: أحسنت يا أصمعي ودفع إليه ثلاثمائة دينار مثلها في نظير حكايته.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 28 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية جودر بن التاجر عمر وأخويه

وبلغني أيضاً أن رجلاً تاجراً اسمه عمر وقد خلف من الذرية ثلاثة أولاد أحدهم يسمى سالماً والأصغر يسمى جودراً والأوسط يسمى سليماً ورباهم إلى أن صاروا رجالاً لكنه كان يحب جودراً أكثر من أخويه، فلما تبين لهما أنه يحب جودراً أخذتهما الغيرة وكرها جودراً، فبان لأبيهما أنهما يكرهان أخاهما وكان والدهم كبير السن، وخاف أنه إذا مات يحصل مشقة من أخويه فأحضر جماعة من أهله، وأحضر جماعة قسامين من طرف القاضي وجماعة من أهل العلم وقال هاتوا لي مالي وقماشي فأحضروا له جميع المال والقماش فقال يا ناس اقسموا هذا المال والقماش أربعة أقسام بالوضع الشرعي فقسموه، فأعطى كل ولد قسماً وأخذ هو قسماً، وقال هذا مالي وقسمته بينهم ولم يبق لهم عندي ولا عند بعضهم شيء فإذا مت لا يقع بينهم اختلاف لأني قسمت بينهم الميراث في حال حياتي وهذا المال الذي أخذته أنا فإنه يكون لزوجتي أم هذه الأولاد لتستعين به على معيشتها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر لما قسم ماله وقماشه على أربعة أقسام أعطى كل ولد من الأولاد الثلاثة قسماً وأخذ هو القسم الرابع، وقال القسم يكون لزوجتي أم هذه الأولاد لتستعين به على معيشتها، ثم بعد مدة قليلة مات والدهم فما أحد رضي بما فعل والدهم عمر بل طلبوا الزيادة من جودر وقالوا له إن مال أبينا عندك، فترافع معهم إلى الحكماء وجاء المسلمون الذين كانوا حاضرين وقت القسمة وشهدوا بما علموا ومنعهم الحاكم عن بعضهم فخسر جودر جانباً من المال وخسر إخوته كذلك بسبب النزاع فتركوه مدة ثم مكروا به ثانياً، فتراجع معهم إلى الحكام فخسروا جملة من المال أيضاً من أجل الحكام ومازالوا يطلبون أذيته من ظالم إلى ظالم وهم يخسرون ويخسر حتى أطعموا مالهم للظالمين وصار الثلاثة فقراء ثم جاء أخواه إلى أمهما وضحاك عليها وأخذا مالها وضرباها وطرداها فجاءت إلى ابنها جودر وقالت له قد فعل أخواك معي كذا وكذا وأخذوا مالي وصارت تدعو عليهما فقال لها جودر: يا أمي لا تدعي عليهما فالله يجازي كل منهما بعمله ولكن يا أمي أنا بقيت فقيراً وأخواي فقيران والمخاصمة تحتاج لخسارة المال وقد اختصمت أنا وإياهما كثيراً بين يدي الحكام ولم يفدنا شيئاً بل خسرنا جميع ما خلفه لنا والدنا وهتكتنا الناس بسبب الشهادة هل بسببك اختصم وإياهما ونترافع إلى الحكام فهذا شيء لا يكون إنما تقعدين عندي والرغيف الذي آكله أخليه لك وادعي لي والله يرزقني واتركيهما يلقيان من الله جزاء فعلهما، وتمثلي بقول من قال:

ان يبغ ذو جهل عليك فخلـه وارقب زمان الانتقام الباغي

وتجنب الظلم الوخيم فلو بغى جبل على جبل لدك الباغي

وصار يطيب خاطر أمه حتى رضيت ومكثت عنده فأخذه له شبكة وصار يذهب إلى البحر والبرك وإلى كل مكان فيه ماء وصار يذهب كل يوم إلى جهة، فصار يعمل يوماً بعشرة ويوماً بعشرين ويوماً بثلاثين ويصرفها على أمه ويأكل طيباً ويشرب طيباً ولا صنعة ولا بيع ولا شراء لأخويه، ودخل عليهما الساحق والماحق والبلاء اللاحق، وقد ضيعا الذي أخذاه من أمهما وصارا من الصعاليك المتاعيس عريانين فقراء يأتيان إلى أمهما ويتواضعان لها زيادة ويشكوان إليها الجوع وقلب الوالدة رؤوف، فتطعمهما عيشاً معفناً وإن كان هناك طبيخ بائت تقول لهما كلاه سريعاً وروحا قبل أن يأتي أخوكما أنه ما يهون عليه ويقسى قلبه علي، وتفضحاني معه، فيأكلان باستعجال ويروحان فدخلا على أمهما يوماً من الأيام، فحطت لهما طبيخاً وعيشاً ليأكلا وإذا بأخيهما جودر داخل، فاستحت أمه وخجلت منه وخافت أن يغضب عليها وأطرقت رأسها إلى الأرض حياء من ولدها، فتبسم في وجوههم وقال مرحباً يا اخواني نهار مبارك، ماذا جرى حتى زرتماني في هذا النهار المبارك واعتنقهما ووادهما، وصار يقول ما كان رجائي أن توحشاني ولا تجيئا عندي ولا تطلا علي ولا على أمكما، فقالا: يا أخانا إننا اشتقنا إليك ولا منعنا إلا الحياء مما جرى بيننا وبينك، ولكن ندمنا كثيراً وهذا فعل الشيطان لعنه الله تعالى ولا لنا بركة إلا أنت وأمنا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً لما دخل منزله ورأى أخويه رحب بهما وقال لهما ما لي بركة إلا أنتما فقالت له أمه يا ولدي بيض الله وجهك وكثر الله خيرك وأنت الأكثر يا ولدي فقال مرحباً بكما عندي والله كريم والخير عندي كثير، واصطلح معهما وباتا عنده وتعشيا معه، وثاني يوم أفطرا وجودر حمل الشبكة وراح على باب الفتاح وراح أخواه فغابا إلى الظهر وأتيا فقدمت لهما أمهما الغذاء وفي المساء أتى أخوهما وجاء باللحم والخضار وصاروا على هذه الحالة مدة شهر وجودر يصطاد سمكاً ويبيعه ويصرف ثمنه على أمه وأخويه وهما يأكلان ويبرجسان فاتفق يوم من الأيام أن جودراً أخذ الشبكة إلى البحر فرماها وجذبها فطلعت فراغة فطرحها ثانية فطلعت فارغة فقال في نفسه إن هذا المكان ما فيه سمك، ثم انتقل إلى غيره ورمى فيه الشبكة فطلعت فارغة ثم انتقل إلى غيره. ولم يزل ينتقل من الصباح إلى المساء ولم يصطد ولا صيدة واحدة فقال عجائب هل السمك فرغ من البحر أو ما السبب ثم حمل الشبكة على ظهره ورجع مغموماً مقهوراً حاملاً هم أخويه وأمه، ولم يدر بأي شيء يعيشهم فأقبل على طابونة فرأى الخلق على العيش مزدحمين، وبأيديهم الدراهم ولا يلتفت إليهم الخباز فوقف وتحسر فقال له الخباز مرحباً بك يا جودر وهل تحتاج عيشاً فسكت فقال له إن لم يكن معك دراهم فخذ كفايتك وعلى مهلك فقال له أعطني بعشرة أنصاف عيشاً فقال له خذ وهذه عشرة أنصاف أخر وفي غد هات لي بالعشرين سمكاً فقال له على الرأس والعين فأخذ العيش والعشرة أنصاف أخذ بها لحمة وخضاراً وقال في غد يفرجها المولى وراح منزله وطبخت أمه الطعام وتعشى ونام وثاني يوم أخذ الشبكة فقالت له أمه اقعد افطر قال أفطري أنت واخوتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً قال لأمه أفطري أنت وأخوي ثم ذهب إلى البحر ورمى الشبكة أولاً وثانياً وثالثاً وتنقل وما زال كذلك إلى العصر ولم يقع له شيء فحمل الشبكة ومضى مقهوراً وطريقه لا يكون إلا على الخباز فلما وصل جودر رآه الخباز، فعد له العيش والفضة وقال له تعال خذ وروح إن ما كان معك في اليوم يكون في غد فأراد أن يعتذر له فقال له رح مثلي ما يحتاج لعد ولو كنت اصطدت شيئاً لرأيته معك فلما رأيتك فارغاً علمت أنه ما حصل لك شيء وإن كان في غد لم يحصل لك شيء تعال خذ عيشاً ولا تستح وعلى مهلك، ثم إنه ثالث يوم تابع البرك إلى العصر فلم ير فيها شيئاً فراح إلى الخباز وأخذ منه العيش والفضة وما زال على هذه الحالة مدة سبعة أيام ثم إنه تضايق فقال في نفسه رح اليوم إلى بركة قارون ثم إنه أراد أن يرمي الشبكة فلم يشعر إلا وقد أقبل عليه مغربي راكب على بغلة وهو لابس حلة عظيمة وعلى ظهر البغلة خرج مزركش وكل ما على البغلة مزركش فنزل من فوق ظهر البغلة، وقال السلام عليك يا جودر يا ابن عمر فقال له وعليك السلام يا سيدي الحاج.

فقال له المغربي يا جودر إن لي عندك حاجة، فإن طاوعتني تنال خيراً كثيراً وتكون بسبب ذلك صاحبي وتقضي لي حوائجي فقال له يا سيدي الحاج قول لي أي شيء في خاطرك وأنا أطاوعك وما عندي خلاف فقال له اقرأ الفاتحة فقرأها معه وبعد ذلك أخرج له قيطاناً من حرير وقال له كتفني وشد كتفي شداً قوياً وارمني في البركة واصبر علي قليلاً، فإن رأيتني أخرجت يدي من الماء قبل أن أبين فاطرح الشبكة علي واجذبني سريعاً وإن رأيتني أخرجت رجلي فاعلم أني ميت فاتركني وخذ البغلة والخرج وامض إلى سوق التجار تجد يهودياً اسمه شميعة فأعطه البغلة وهو يعطيك مائة دينار فخذها واكتم السر وروح إلى حال سبيلك فكتفه كتافاً شديداً فصار يقول له شد الكتاف.

ثم إنه قال له ادفعني إلى أن ترميني في البركة فدفعه ورماه فيها فغطس ووقف ينتظره ساعة من الزمان وإذا بالمغربي خرجت رجلاه فعلم أنه مات فأخذ البغلة وتركه وراح إلى سوق التجار فرأى اليهودي جالساً على كرسي في باب الحاصل فلما رأى البغلة قال اليهودي إن الرجل هلك، ثم قال ما هلكه إلا الطمع وأخذ منه البغلة، وأعطاه مائة دينار وأوصاه أن يكتم السر فأخذ جودر الدنانير وراح فأخذ ما يحتاج إليه من العيش من الخباز وقال له خذ هذا الدينار فأخذه وحسب الذي له وقال له عندي بعد ذلك عيش يومين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخباز لما حاسب جودر على العيش وقال له بقي لك عندي من الدينار عيش يومين انتقل من عنده إلى الجزار وأعطاه دينار آخر وأخذ اللحمة وقال له خل عندك بقية الدينار تحت الحساب وأخذ الخضار وراح فرأى أخويه يطلبان من أمهم شيئاً يأكلونه وهي تقول لهما اصبرا حتى يأتي أخوكما فما عندي شيء فدخل عليهم وقال لهم خذوا كلوا فوقعوا على العيش مثل الغيلان ثم إن جودر أعطى أمه بقية الذهب وقال خذي يا أمي وإذا جاء أخواي فأعطهما ليشتريا ويأكلا في غيابي وبات تلك الليلة ولما أصبح أخذ الشبكة وراح إلى بركة قارون ووقف وأراد أن يطرح الشبكة وإذا بمغربي آخر أقبل وهو راكب بغلة ومهيا أكثر من الذي مات ومعه خرج وحقان في الخرج في كل عين منه حق وقال السلام عليك يا جودر فقال عليك السلام يا سيدي الحاج.

فقال هل جاءك بالأمس مغربي راكب بغلة مثل هذه البغلة فخاف وأنكر وقال ما رأيت أحداً خوفاً أن يقول راح إلى أين فإن قلت له غرق في البركة ربما يقول لي أنت أغرقته فما وسعه إلا الإنكار فقال يا مسكين هذا أخي وسبقني قال ما معي خبر قال أما كتفته أنت ورميته في البركة وقال لك إن خرجت يداي ارم علي الشبكة واسحبني بالعجل وإن خرجت رجلاي أكون ميتاً فخذ أنت البغلة وأديها إلى اليهودي شميعة وهو يعطيك مائة دينار وقد خرجت رجلاه وأنت أخذت البغلة وأديتها إلى اليهودي وأعطاك مائة دينار فقال حيث إنك تعرف ذلك فلأي شيء تسألني قال مرادي أن تفعل بي ما فعلت بأخي واخرج له قيطاناً من حرير وقال له كتفني وارمني إن جرى لي مثل ما جرى لأخي فخذ البغلة ووديها إلى اليهودي وخذ منه مائة دينار فقال له تقدم فتقدم، فكتفه ودفعه فوقع في البركة فغطس فانتظر ساعة فطلعت رجلاه فقال مات في داهية، إن شاء الله كل يوم يجيئني المغاربة وأنا أكتفهم ويموتون ويكفيني من كل ميت مائة دينار.

ثم إنه أخذ البغلة وراح، فلما رآه اليهودي قال له مات الآخر قال له تعيش رأسك قال هذا جزاء الطماعين وأخذ البغلة منه وأعطاه مائة دينار فأخذها وتوجه إلى أمه فأعطاها إياها، فقالت له يا ولدي من أين لك هذا فأخبرها بكل ما جرى فقالت له: ما بقيت تروح بركة قارون فإني أخاف من المغاربة فقال لها يا أمي أنا ما أرميهم إلا برضاهم وكيف يكون العمل هذه صنعة يأتينا منها كل يوم مائة دينار وارجع سريعاً فوالله لا أرجع عن ذهابي إلى بركة قارون حتى ينقطع أثر المغاربة ولا يبقى منهم أحد ثم إنه في اليوم الثالث راح ووقف وإذا بمغربي راكب بغلة ومعه خرج ولكنه مهيأ أكثر من الأولين وقال السلام عليك يا جودر يا ابن عمر فقال في نفسه من أين كلهم يعرفونني ثم رد عليه السلام.

فقال: ها جاز على هذا المكان مغاربة؟ قال له اثنان قال له: أين راحا قال كتفتهما ورميتهما في هذه البركة فغرقا والعاقبة لك أنت الآخر فضحك ثم قال يا مسكين كل حي ووعده ونزل عن البغلة وقال يا جودر اعمل معي كما عملت معهما وأخرج القيطان الحرير فقال له جودر أدر يديك حتى أكتفك فإني مستعجل وراح على الوقت فأدار لي يديه فكتفته ودفعته فوقع في البركة ووقف ينتظر، وإذا بالمغربي أخرج له يديه وقال له ارم الشبكة يا مسكين فرمى عليه الشبكة وجذبه وإذا هو قابض في يديه سمكتين لونهما أحمر مثل المهرجان في كل يد سمكة وقال له افتح الحقين فوضع في كل حق سمكة وسد عليهما فم الحقين ثم إنه حصن جودر وقبله ذات اليمين وذات الشمال في خديه وقال له الله ينجيك من كل شدة والله لولا أنك رميت علي الشبكة وأخرجتني لكنت ما زلت قابضاً على هاتين السمكتين وأنا غاطس في الماء حتى أموت ولا أقدر أن أخرج من الماء فقال له يا سيدي الحاج بالله عليك أن تخبرني بشأن اللذين غرقا أولاً بحقيقة هاتين السمكتين وبشأن اليهود.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً لما سأل المغربي وقال له أخبرني عن اللذين غرقا أولاً قال له يا جودر إن اللذين غرقا أولاً أخواي أحدهما اسمه عبد السلام والثاني اسمه عبد الأحد، وأنا أسمي عبد الصمد واليهودي أخونا اسمه عبد الرحيم وما هو يهودي إنما هو مسلم مالكي وكان والدنا علمنا الرموز وفتح الكنوز والسحر وصرنا نعالج، حتى خدمتنا مردة الجن والعفاريت ونحن أربعة اخوة والدنا اسمه عبد الودود ومات أبونا وخلف لنا شيئاً كثيراً فقسمن الذخائر والأموال والأرصاد حتى وصلنا إلى الكتب فقسمناها فوقع بيننا اختلاف في كتاب اسمه أساطير الأولين ليس له مثيل، ولا يقدر له على ثمن ولا يعادل بجواهر، لأنه مذكور فيه سائر الكنوز وحل الرموز، وكان أبونا يعمل فيه ونحن نحفظ منه شيئاً قليلاً، وكل منا غرضه أن يملكه حتى يطلع على ما فيه.

فلما وقع الخلاف بيننا حضر مجلسنا شيخ أبينا الذي كان رباه وعلمه السحر والكهانة وكان اسمه الكهين الأبطن فقال لنا هاتوا الكتاب فأعطيناه الكتاب فقال أنتم أولاد ولدي، ولا يمكن أن أظلم منكم أحداً، فليذهب من أراد أن يأخذ هذا الكتاب إلى معالجة فتح الشمردل ويأتيني بدائر الفلك والمكحلة والخاتم والسف، فإن الخاتم له مارد يخدمه اسمه الرعد يملك به الأرض بالطول والعرض يقدر على ذلك، وأما السيف فإنه لو جرد على جيش وهزه حامله لهزم الجيش وإن قال له وقت هزه اقتل هذا الجيش فإنه يخرج من ذلك السيف برق من نار فيقتل جميع الجيوش.

وأما دائر الفلك فإن الذي يملكها إن شاء أن ينظر جميع البلاد من المشرق إلى المغرب، فإنه ينظرها ويتفرج عليها وهو جالس فأي جهة أرادها يوجه الدائرة إليها وينظر في الدائرة، فإنه يرى تلك الجهة وأهلها كأن الجميع بين يديه، وإذا غضب على مدينة ووجه الدائرة إلى الشمس وأراد احتراق تلك المدينة فإنها تحترق.

وأما المكحلة فإن كل من اكتحل منها يرى كنوز الأرض، ولكن لي عليكم شرط، وهو أن كل من عجز على فتح هذا الكنز ليس له في الكتاب استحقاق، ومن فتح هذا الكنز وأتاني بهذه الذخائر الأربعة فإنه يستحق أن يأخذ هذا الكتاب فرضينا بالشرط، فقال لنا يا أولادي اعلموا أن كنز الشمردل تحت حكم أولاد الملك الأحمر، وأبوكم أخبرني أنه كان عالج فتح ذلك الكنز فلم يقدر ولكن هربوا منه أولاد الملك الأحمر إلى بركة في أرض مصر تسمى بركة قارون وغاصوا في البركة، فلحقهم إلى مصر ولم يقدر عليهم بسبب انسيابهم في تلك البركة لأنها مرصودة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الكهين الأبطن لما أخبر الأولاد بذلك الخبر، قال لهم ثم إنه رجع مغلوباً ولم يقدر على فتح كنز الشمردل من أولاد الملك الأحمر، فلما عجز أبوكم عنهم جاءني وشكا إلي فضربت له تقويماً فرأيت هذا الكنز لا يفتح إلا على وجه غلام من أبناء مصر اسمه جودر بن عمر فإنه يكون سبباً في قبض أولاد الملك الأحمر وذلك الغلام يكون صياداً والاجتماع به يكون على بركة ولا ينفعك ذلك الرصد إلا إذا كان جودر يكتشف صاحب النصيب ويرميه في البركة، فيتحارب مع أولاد الملك الأحمر والذي يسلم تظهر يداه فيحتاج إلى جودر ليرمي عليه الشبكة ويخرجه من البركة فقال إخواتي نحن نروح ولو هلكنا وأنا قلت أروح أيضاً وأما أخونا الذي في هيئة يهودي فإنه قال أنا ليس لي غرض فاتفقنا معه على أنه يتوجه إلى مصر في صفة يهودي تاجر حتى إذا مات أحد منا في البركة ويأخذ البغلة والخرج منه ويعطيه مائة دينار.

فلما أتاك الأول قتله أولاد الملك الأحمر وقتلوا أخي الثاني وأنا لم يقدروا علي فقبضتهم فقال أين قبضتهم؟ قال: أما رأيتهم قد حبستهم في الحقين قال هذا سمك قال له المغربي ليس هذا سمكاً إنما هم عفاريت بهيئة السمك، ولكن يا جودر اعلم أن فتح هذا الكنز لا يكون إلا على يديك فهل تطاوعني وتروح معي إلى مدينة فاس ومكناس وتفتح الكنز وأعطيك ما تطلب وأنت بقيت أخي في عهد الله وترجع إلى عيالك مجبور القلب، فقال: يا سيدي الحاج أنا في رقبتي أمي وأخواي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً قال للمغربي أنا في رقبتي أمي وأخواي وأنا الذي أجري عليهم وإن رحت معك فمن يطعمهم العيش فقال له هذه حجة باطلة، فإن كان من شأن المصروف فنحن نعطي ألف دينار تعطي أمك إياها لتصرفها حتى ترجع إلى بلادك، وأنت إن غبت ترجع قبل أربعة أشهر، فلما سمع جودر بالألف دينار قال هات يا حاج الألف دينار اتركها عند أمي وأروح معك، فأخرج له الألف دينار فأخذها إلى أمه وأخبرها بما جرى بينه وبين المغربي وقال لها خذي هذه اللف دينار واصرفي منها عليك وعلى أخواي وأنا مسافر مع المغربي إلى الغرب فأغيب أربعة أشهر ويحصل لي خير كثير فادعي لي يا والدتي فقالت له يا ولدي توحشني وأخاف عليك فقال يا أمي ما على من يحفظه الله بأس، والمغربي رجل طيب وصار يشكر لها حاله فقالت الله يعطف عليك رح معه يا ولدي لعله يعطيك شيئاً فودع أمه وراح.

ولما وصل عند المغربي عبد الصمد قال له هل شاورت أمك؟ قال نعم، ودعت لي، فقال له اركب وارئي فركب على ظهر البغلة وسافرا من الظهر إلى العصر فجاع جودر ولم ير مع المغربي شيئاً يؤكل، فقال هل أنك جائع؟ قال نعم فنزل من فوق ظهر البغلة هو وجودر، ثم قال نزل الخروج فنزله ثم قال له أي شيء تشتهي يا أخي، فقال له أي شيء كان، قال له بالله عليك أن تقول لي أي شيء تشتهي قال عيشاً وجبناً قال يا مسكين العيش والجبن ما هو مقامك فاطلب شيئاً طيباً قال جودر أنا عندي في هذه الساعة كل شيء طيب فقال له أتحب الفراخ المحمرة؟ قال نعم قال أتحب الأرز بالعسل قال نعم قال أتحب اللون الفلاني حتى سمى له من الطعام أربعة وعشرين لوناً، ثم قال في باله هل هو مجنون من أين يجيء لي بالأطعمة التي مساها وما عنده مطبخ ولا طباخ لكن قل له يكفي فقال له: يكفي هل أنت تجعلني أشتهي الألوان ولا أنظر شيئاً؟ فقال المغربي مرحباً بك يا جودر وحط بيده في الخرج فأخرج صحناً من الذهب فيه كباب وما زال يخرج من الخرج حتى أخرج الأربعة والعشرين لوناً التي ذكرها بالتمام والكمال فبهت جودر فقال كل يا مسكين فقال: يا سيدي أنت جاعل في هذا الخرج مطبخاً وناساً تطبخ فضحك المغربي، وقال هذا مرصود له خادم لو نطلب في كل ساعة ألف لون يجيء بها الخادم ويحضرها في الوقت فقال نعم هذا الخرج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً قال نعم هذا الخرج ثم إنهما أكلا حتى اكتفيا والذي فضل كباه ورد الصحون الفارغة في الخرج وحط يده فأخرج إبريقاً فشربا وتوضيا وصليا العصر ورد الإبريق في الخرج ثم إنه حط فيه الحقين وحمله على تلك البغلة وركب وقال اركب حتى نسافر ثم إنه قال يا جودر هل تعلم ما قطعنا من مصر إلى هنا، قال له والله لا أدري فقال له قطعنا مسيرة شهر كامل قال وكيف ذلك قال له يا جودر اعلم أن البغلة التي تحتنا ماردة من مردة الجن تسافر في اليوم مسافة سنة ولكن من شأن خاطرك مشت على مهلها ثم ركبا وسافرا إلى المغرب.

فلما أمسيا أخرج من الخرج العشاء وفي الصباح أخرج الفطور وما زالا على هذه الحالة مدة أربعة أيام وهما يسافران إلى نصف الليل وينزلان فينامان ويسافران في الصباح وجميع ما يشتهي جودر يطلبه من المغربي فيخرجه له من الخرج وفي اليوم الخامس وصلا إلى فاس ومكناس ودخلا المدينة فلما دخلا صار كل من قابل المغربي يسلم عليه ويقبل يده وما زالا كذلك حتى وصل إلى باب فطرقه، وإذا بالباب قد فتح وبان منه بنت كأنها القمر فقال لها يا رحمة يا بنتي افتحي لنا القصر قالت على الرأس والعين يا أبت ودخلت تهز أعطافها فطار عقل جودر وقال: ما هذه إلا بنت ملك، ثم إن البنت فتحت القصر، فأخذ الخرج من فوق البغلة وقال لها انصرفي بارك الله فيك، وإذا بالأرض قد انشقت ونزلت البغلة ورجعت الأرض كما كانت فقال جودر يا ستار الحمد لله الذي نجانا من فوق ظهرها، ثم إن المغربي قال لا تعجب يا جودر فإني قلت لك إن البغلة عفريت لكن اطلع بنا القصر. فلما دخلا ذلك القصر اندهش جودر من كثرة الفرش الفاخر ومما رأى فيه من التحف وتعاليق الجواهر والمعادن فلما جلسا أمر البنت وقال يا رحمة هات البقجة الفلانية، فقامت وأقبلت ببقجة ووضعتها بين يدي أبيها ففتحها وأخرج منها حلة تساوي ألف دينار، وقال له البس يا جودر مرحباً بك فلبس الحلة وصار كناية عن ملك من ملوك الغرب، ووضع الخرج بين يديه ثم مد يده وأخرج منه صحناً فيه ألوان مختلفة حتى صارت سفرة فيها أربعون لوناً فقال يا مولاي تقدم وكل ولا تؤاخذنا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشرة بعد الستمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي لما أدخل جودراً القصر مد له سفرة فيها أربعون لوناً، وقال له تقدم وكل ولا تؤاخذنا نحن لا نعرف أي شيء تشتهي من الأطعمة فقل ما تشتهي ونحن نحضره إليك من غير تأخير، فقال له والله يا سيدي الحاج إني أحب سائر الأطعمة ولا أكره شيئاً فلا تسألني عن شيء فهات جميع ما يخطر ببالك وأنا ما علي إلا الأكل ثم إنه أقام عنده عشرين يوماً كل يوم يلبسه حلة والأكل من الخرج والمغربي لا يشتير من اللحم ولا عيشاً ولا يطبخ، ويخرج كل ما يحتاجه من الخرج حتى أصناف الفاكهة، ثم إن المغربي في اليوم الحادي والعشرين، قال يا جودر قم بنا فإن هذا هو اليوم الموعود لفتح كنز الشمردل، فقام معه ومشيا إلى آخر المدينة ثم خرجا منها فركب جودر بغله وركب المغربي بغلة، ولم يزالا مسافرين إلى وقت الظهر فوصلا إلى نهر ماء جار، فنزل عبد الصمد وقال انزل يا جودر، فنزل، ثم إن عبد الصمد قال هيا وأشار بيده إلى عبدين فأخذا البغلتين وراح كل عبد من طريق، ثم غابا قليلاً وقد أقبل أحدهما بخيمة فنصبها وأقبل الثاني بفرش وفرشه في الخيمة ووضع في دائرها وسائد ومساند ثم ذهب واحد منهما وجاء بالحقين الذين فيها السمكتان والثاني جاء بالخرج فقام المغربي وقال تعال يا جودر، فأتى وجلس بجانبه وأخرج المغربي من الخرج صحون الطعام وتغذيا وبعد ذلك أخذ الحقين، ثم إنه عزم عليهما فصارا من داخل يقولان لبيك يا كهين الدنيا ارحمنا وهما يستغيثان وهو يعزم عليهما، فصارا قطعاً وتطايرت قطعهما فظهر منهما اثنان مكتفان يقولان: الأمان يا كهين الدنيا مرادك أن تعمل فينا أي شيء، فقال مرادي أن أحرقكما أو إنكما تعاهداني على فتح كنز الشمردل، فقالا نعاهدك ونفتح لك الكنز لكن بشرط أن تحضر جودر الصياد فإن الكنز لا يفتح إلا على وجهه ولا يقدر أحد أن يدخل فيه إلا جودر بن عمر، فقال لهما الذي تذكرانه قد جئت به وهو ههنا يسمعكما وينتظركما فعاهداه على فتح الكنز وأطلقهما.

ثم إنه أخرج قصبة وألواحاً من العقيق الأحمر وجعلها على القصبة وأخذ مجمرة ووضع فيها فحماً ونفخها نفخة واحدة فأوقد فيها النار وأحضر البخور وقال يا جودر أنا أتلو العزيمة وألقي البخور فإذا ابتدأت بالعزيمة لا أقدر أن أتكلم فتبطل العزيمة ومرادي أن أعلمك كيف تصنع حتى تبلغ مرادك، فقال له: اعلم أني متى عزمت وألقيت البخور ونشف الماء من النهر وبان لك من الذهب قدر باب المدينة بحلقتين من المعدن، فانزل إلى الباب واطرقه طرقة خفيفة واصبر مدة واطرق الثانية طرقة أثقل من الأولى واصبر مدة واطرقه ثلاث طرقات متتابعات وراء بعضها، فإنك تسمع قائلاً يقول من يطرق باب الكنوز وهو لم يعرف أن يحل الرموز، فقل أنا جودر الصياد بن عمر فيفتح لك الباب ويخرج لك شخص بيده سيف ويقول لك إن كنت ذلك الرجل فمد عنقك حتى أرمي رأسك فمد له عنقك ولا تخف فإنه متى رفع يده بالسيف وضربك وقع بين يديك، وبعد مدة تراه شخصاً من غير روح وأنت لا تتألم بالضربة ولا يجري عليك شيء وأما إذا خالفته فإنه يقتلك ثم إنك إذ أبطلت رصده بالامتثال فادخل حتى ترى باباً آخر فاطرقه، يخرج لك فارس راكب على فرس وعلى كتفه رمح، فيقول أي شيء أوصلك إلى هذا المكان الذي لا يدخله أحد من الإنس ولا من الجن ويهز عليك الرمح فافتح له صدرك فيضربك ويقع في الحال فتراه جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك، ثم ادخل الباب الثالث، يخرج لك آدمي وفي يده قوس ونشاب ويرميك بالقوس فافتح له صدرك ليضربك ويقع قدامك جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك، ثم ادخل الباب الرابع.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي قال لجودر فادخل الباب الرابع واطرقه يفتح لك ويخرج لك سبع عظيم الخلقة ويهجم عليك ويفتح فمه يريك أنه يقصد أكلك فلا تخف ولا تهرب منه فإذا وصل إليك فأعطه يدك فإنه لا يصيبك شيء ثم ادخل الباب الخامس، يخرج لك عبد أسود ويقول لك من أنت فقل له أنا جودر فيقول لك إن كنت ذلك الرجل فافتتح الباب السادس، فتقدم إلى الباب وقل له يا عيسى قل لموسى يفتح الباب، فيفتح الباب، فادخل تجد ثعبانين أحدهما على الشمال وآخر على اليمين كل واحد منهما يفتح فاه ويهجمان عليك في الحال فمد إليهما يديك فيعض كل واحد منهما في يد وإن خالفت قتلاك، ثم ادخل إلى الباب السابع واطرقه، تخرج لك أمك وتقول لك مرحباً يا ابني قدم حتى أسلم عليك فقل لها خليك بعيدة عني واخلعي ثيابك فتقول لك أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية كيف تعريني فقل لها إن لم تخلعي ثيابك قتلتك وانظر جهة يمينك تجد سيفاً معلقاً على الحائط، فخذه واسحبه عليها وقل لها اخلعي فتصير تخادعك وتتواضع إليك فلا تشفق عليها فكلما تخلع شيئاً قل لها اخلعي الباقي ولم تزل تهددها بالقتل حتى تخلع جميع ما عليها وتسقط.

وحينئذ تكون قد حللت وأبطلت الأرصاد وقد أمنت على نفسك فادخل تجد الذهب كامناً داخل الكنز فلا تعتن بشيء منه وإنما ترى مقصورة في صدر الكنز وعليها ستارة فاكشف الستارة، فإنك ترى الكهين الشمردل راقد على سرير من الذهب وعلى رأسه شيء مدور يلمع مثل القمر، فهو دائرة الفلك وهو مقلد بالسيف وفي إصبعه خاتم، وفي رقبته سلسلة فيها مكحلة فهات الأربع ذخائر، وإياك أن تنس شيئاً مما أخبرتك به ولا تخاف فتندم ويخشى عليك، ثم كرر عليه الوصية ثانياً وثالثاً ورابعاً حتى قال حفظت كل ما قلته لي، لكن من يستطيع أن يواجه هذه الأرصاد التي ذكرتها ويصير على هذه الأهوال العظيمة، فقال له يا جودر لا تخف إنهم أشباح من غير أرواح وصار يطمنه فقال جودر توكلت على الله، ثم إن المغربي عبد الصمد ألقى البخور وصار يعزم مدة، وإذا بالماء قد ذهب وبانت أرض النهر وظهر باب الكنز فنزل الباب وطرقه فسمع قائلاً يقول: من يطرق أبواب الكنز ولم يعرف أن يحل الرموز فقال أنا جودر بن عمر فانفتح الباب وخرج له الشخص وجرد السيف وقال له مد عنقك فمد عنقه وضربه ثم وقع، وكذلك الثاني إلى أن أبطل أرصاد السبعة أبواب وخرجت أمه وقالت له سلامات يا ولدي فقال لها أنت لا شيء، قالت أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية حملتك تسعة أشهر يا ولدي فقال لها اخلعي ثيابك فقالت أنت ولدي وكيف تعريني، قال لها اخلعي ثيابك وإلا أرمي رأسك بهذا السيف ومد يده فأخذ السيف وشهره عليها، وقال لها إن لم تخلعي قتلتك وطال بينهما وبينه العلاج ثم إنه لما أكثر عليها التهديد خلعت شيء، فقال اخلعي الباقي وعالجها كثيراً حتى خلعت شيء آخر وما زالا على هذه الحالة وهي تقول يا ولدي خابت فيك التربية حتى لم يبق عليها شيء غير اللباس، فقالت يا ولدي هل قلبك حجر فتفضحني بكشف العورة يا ولدي، أما هذا حرام فقال صدقت فلا تخلعي اللباس.

فلما نطق بهذه الكلمة صاحت وقالت قد غلط فاضربوه فنزل عليه ضرب مثل قطر المطر واجتمعت عليه خدام الكنز فضربوه علقة لم ينساها في عمره ودفعوه فرموه خارج باب الكنز، وانغلقت أبواب الكنز كما كانت فلما رموه خارج الباب أخذه المغربي في الحال وجرت المياه كما كانت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما ضربه خدام الكنز ورموه خارج الباب وانغلقت الأبواب وجرى النهر كما كان أولاً قام عبد الصمد المغربي فقرأ على جودر حتى أفاق وصحا من سكرته، فقال له أي شيء عملت يا مسكين، فقال له أبطلت الموانع كلها ووصلت إلى أمي ووقع بيني وبينها معالجة طويلة وصارت يا أخي تخلع ثيابها حتى لم يبق عليها إلا اللباس، فقالت لا تفضحني فإن كشف العورة حرام فتركت لها اللباس شفقة عليها وإذا بها صاحت وقالت غلط فاضربوه فخرج لي ناس لا أدري أين كانوا، ثم إنهم ضربوني علقة حتى أشرفت على الموت، ودفعوني ولم أدر بعد ذلك ما جرى لي، فقال له أما قلت لك لا تخالف ما قلته لك والآن قد أسأتني وأسأت نفسك فلو خلعت لباسها كنا بلغنا المراد، ولكن حينئذ تقيم عندي إلى العام القابل لمثل هذا اليوم، ونادى العبدين في الحال فحلا الخيمة وحملاها ثم غابا قليلاً ورجعا بالبغلتين فركب كل واحد بغلة ورجعا إلى مدينة فاس فأقام عنده في أكل طيب وكل يوم يلبسه حلة فاخرة إلى أن فرغت السنة، وجاء ذلك اليوم فقال له المغربي هذا هو اليوم الموعود فامض بنا قال له نعم فأخذه إلى خارج المدينة فرأيا العبدين بالبغلتين.

ثم ركبا وسارا حتى وصلا إلى النهر، فنصب العبدان الخيمة وفرشا وأخرج المغربي السفرة فتغذيا، وبعد ذلك أخرج القصبة والألواح مثل الأول وأوقد النار وأحضر له البخور، وقال له يا جودر مرادي أن أوصيك فقال له يا سيدي الحاج إن كنت نسيت العلقة أكون نسيت الوصية، فقال له هل أنت حافظ الوصية قال: نعم، قال احفظ روحك ولا تظن أن المرأة أمك وإنما هي رصد في صورة أمك ومرادها أن تغلطك، وإن كنت أول مرة طلعت حياً فإنك في هذه المرة إن غلطت يرموك قتيلاً قال إن غلطت أستحق أن يحرقوني.

ثم إن المغربي وضع البخور وعزم فنشف النهر، فتقدم جودر إلى الباب ورقه فانفتح وأبطل الأرصاد السبعة إلى أن وصل إلى أمه فقالت مرحباً يا ولدي، فقال لها من أين أنا ولدك يا معلونة اخلعي فجعلت تخادعه وتخلع شيئاً بعد شيء حتى لم يبق عليها غير اللباس وصارت شبحاً بلا روح فدخل ورأى الذهب كيماناً فلم يعتن بشيء، ثم أتى المقصورة ورأى الكهين الشمردل راقداً متقلداً بالسيف والخاتم في اصبعه والمكحلة في صدره، ورأى دائرة الفلك فوق رأسه فتقدم وفك السيف وأخذ الخاتم ودائرة الفلك والمكحلة، وخرج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العشرون بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر أخذ المكحلة وخرج وإذا بنوبة دقت له وصار الخدام ينادونه هنيت بما أعطيت يا جودر ولم تزل النوبة تدق إلى أن خرج من الكنز ووصل إلى المغربي فأبطل العزيمة البخور وقام وحضنه وسلم عليه وأعطاه جودر الأربعة ذخائر فأخذها وصاح على العبدين فأخذا الخيمة وردها ورجع بالبغلتين فركباهما ودخل مدينة فاس فأحضر الخرج وجعل يطلع منه الصحون وفيها الألوان وكملت قدامه سفرة الطعام وقال يا أخي يا جودر كل فأكل حتى اكتفى، وفرغ بقية الأطعمة ثم جاؤا بصحون غيرها ورموا الفوارغ في الخرج، ثم إن المغربي عبد الصمد قال يا جودر أنت فارقت أهلك وبلادك من أجلنا وقضيت حاجتنا وسار لك علينا أمنية ما تطلب فإن الله تعالى أعطاك ونحن السبب فاطلب مرادك ولا تستح فإنك تستحق.

فقال يا سيدي تمنيت على الله ثم عليك أن تعطيني الخرج فجاء به وقال خذه فإنه حقك ولو كنت تمنيت غيره لأعطيناك إياه ولكن يا مسكين هذا ما يفيدك غير الأكل وأنت تعبت معنا، ونحن وعدناك أن نرجعك إلى بلادك مجبور الخاطر والخرج هذا تأكل منه ونعطيك خرجاً آخر ملآناً من الذهب والجواهر ونوصلك إلى بلادك فتصير تاجراً واكس نفسك وعيالك ولا تحتاج إلى مصروف وكل أنت وعيالك من هذا الخرج، وكيفية العمل به أنك تمد يدك فيه وتقول بحق ما عليك من الأسماء العظام يا خادم هذا الخرج أن تأتيني باللون الفلاني فإنه يأتيك بما تطلبه ولو طلبت كل يوم ألف لون ثم إنه أحضر عبداً ومعه بغلة وملأ به خرجاً، عيناً من الذهب وعيناً من الجواهر والمعادن وقال له اركب هذه البغلة والعبد يمشي قدامك فإنه يعرفك الطريق إلى أن يوصلك إلى باب دارك، فإذا وصلت فخذ الخرجين وأعطيه البغلة فإنه يأتي بها ولا تظهر أحد على سرك واستودعناك الله. فقال له كتر الله خيرك وحط الخرجين على ظهر البغلة وركب والعبد مشى قدامه وصارت البغلة تتبع العبد طول النهار وطول الليل وثاني يوم ي الصباح دخل من باب القصر فرأى أمه قاعدة تقول شيئاً لله فطار عقله ونزل من فوق ظهر البغلة ورمى روحه عليها، فلما رأته بكت ثم إنه أركبها على ظهر البغلة ومشى في ركابها إلى أن وصل إلى البيت فأنزل أمه وأخذ الخرجين وترك البغلة للعبد فأخذها وراح لسيده لأن العبد الشيطان والبغلة شيطان، وأما ما كان من جودر فإنه صعب عليه كون أمه تسأل، فلما دخل البيت قال لها هل أخواي طيبان، قالت طيبان، قال لأي شيء تسألين في الطريق قالت يا ابني من جوعي، قال لها أنا أعطيتك قبل ما أسافر مائة دينار في أول يوم ومائة دينار في ثاني يوم وأعطيتك ألف دينار يوم أن سافرت فقالت له يا ولدي إن أخويك قد مكرا علي وأخذاهما مني وقالا مرادنا أن نشتير بها شيئاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أم جودر قالت إن أخويك مكرا علي فأخذاهما مني وطرداني فصرت أسال في الطريق من شدة الجوع فقال يا أمي ما عليك بأس حيث جئت فلا تحملي هماً أبداً هذا خرج ملآن ذهباً وجواهر والخير كثير فقالت يا ولدي أنت مسعد الله يرضى عليك ويزيدك من فضله قم يا ابني هات لنا عيشاً فإني بائتة بشدة الجوع من غير عشاء فضحك وقال لها مرحباً بك يا أمي فاطلبي أي شيء أحضره لك في هذه الساعة ولا أحتاج لشرائه من السوق ولا لمن يطبخ فقالت يا ولدي ما أنا ناظرة شيئاً فقال معي في الخرج من جميع الألوان فقالت يا ولدي كل شيء حضر يسد الرمق قال صدقت فعند عدم الموجود يقنع الإنسان بأقل الشيء وأما إذا كان الموجود حاضراً فإن الإنسان يشتهي أن يأكل من الشيء الطيب وأنا عندي الموجود فاطلبي ما تشتهين.

قالت له يا ولدي عيشاً سخناً وقطعة جبن فقال يا أمي ما هذا من مقامك فقالت له أنت تعرف مقامي فالذي من مقامي أطعمني منه فقال يا أمي أنت من مقامك اللحم المحمر والفراخ المحمرة والأرز المفلفل ومن مقامك المنبار المحشي والقرع المحشي والخروف المحشي والضلع المحشي والكنافة بالمكسرات والعسل والسكر والقطايف والبقلاوة فظنت أنه يضحك عليها ويسخر منها فقالت له يوه يوه أي شيء جرى لك هل أنت تحلم وإلا جننت فقال لها من أين علمت أني جننت قالت له لأنك تذكر لي جميع الألوان الفاخرة فمن يقدر على ثمنها ومن يعرف أن يطبخها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أم جودر لما قالت له ومن يعرف يطبخها فقال لها وحياتي لابد أن أطعمك من جميع الذي ذكرته لك في هذه الساعة، فقالت له هاأنا ناظرة شيئاً فقال لها هات الخرج فجاءت بالخرج وجسته فرأته فارغاً وقدمته إليه فصار يمد يديه ويخرج صحوناً ملآنة حتى أنه أخرج لها جميع ما ذكره، فقالت له أمه يا ولدي إن الخرج صغير وكان فارغاً وليس فيه شيء، وقد أخرجت منه هذه الأطعمة كلها فهذه الصحون أين كانت فقال لها يا أمي اعلمي أن هذا الخرج أعطانيه المغربي وهو مرصود وله خادم إذا أراد الإنسان شيئاً وتلا عليه الأسماء وقال يا خادم هذا الخرج هات لي اللون الفلاني فإنه يحضره.

فقالت له أمه هل أمد يدي وأطلب منه شيئاً قال مدي يدك، فمدت يدها وقالت بحق ما عليك من الأسماء يا خادم هذا الخرج أن تجيء لي بضلع محشي فرأت الصحن صار في الخرج فمدت يدها فأخذته فوجدت فيه ضلعاً محشياً نفيساً، ثم طلبت العيش وطلبت كل شيء أرادته من أنواع الطعام فقال لها يا أمي بعد أن تفرغي من الأكل أفرغي بقية الأطعمة في صحون غير هذه الصحون وارجعي الفوارغ في الخرج فإن الرصد على هذه الحالة واحفظي الخرج فنقلته وحفظته وقال لها يا أمي اكتمي السر وأبقيه عندك، وكلما احتجت لشيء أخرجيه من الخرج وتصدقي وأطعمي أخواي سواء كان في حضوري أو في غيابي، وجعل يأكل هو وإياها، وإذا بأخويه داخلان عليه وكان بلغهم الخبر من رجل من أولاد حارته قال لهم أخوكم أتى وهو راكب على بغلة وقدامه عبد وعليه حلة ليس لها نظير. فقالا لبعضهما يا ليتنا ما كنا شوشنا على أمنا لابد أنها تخبره بما عملنا فيها يا فضيحتنا منه فقال واحد منهما أمنا شفوقة فإن أخبرته فأخونا أشفق منها علينا وإذا اعتذرنا إليه يقبل عذرنا ثم دخلا عليه فقام لهما على الأقدام وسلم عليهما غاية السلام وقال لهما اقعدا وكلا فقعدا وأكلا وكانا ضعيفين من الجوع فما زالا يأكلان حتى شبعا، فقال لهما جودر يا أخواي خذا منه بقية الطعام وفرقاه على الفقراء والمساكين فقالا يا أخانا خله لنتعشى به فقال لهما وقت العشاء يأتيكما أكثر منه، فأخرجا بقية الأطعمة وصارا يقولان لكل فقير جاز عليهما خذ وكل حتى لم يبق شيء ورد الصحون وقال لأمه حطيها في الخرج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما انتهى أخويه من الغداء قال لأمه حطي الصحون في الخرج وعند المساء دخل القاعة وأخرج من الخرج سماطاً أربعين لوناً وطلع فلما جلس بين أخويه قال لأمه هات العشاء فلما دخلت رأت الصحون ممتلئة، فحطت السفرة ونقلت الصحون شيئاً بعد شيء حتى كملت الأربعين صحناً، فتعشوا وبعد العشاء قال خذوا وأطعموا الفقراء والمساكين فأخذوا بقية الأطعمة وفرقوها وبعد العشاء خرج لهم حلويات فأكلوا منها والذي فضل منهم قال أطعموه للجيران، وفي ثاني يوم الفطور كذلك وما زالوا على هذه الحالة مدة عشرة أيام ثم قال سالم لسليم ما سبب هذا المر إن أخانا يخرج لنا ضيافة في الصبح وضيافة في الظهر وضيافة في المغرب وفي آخر الليل يخرج حلويات وكل شيء يفرقه على الفقراء وهذا فعل السلاطين ومن أين أتته هذه السعادة ألا نسأل عن هذه الأطعمة المختلفة وعن هذه الحلويات ولا نراه يشتري شيئاً أبداً ولا يوقد ناراً وليس له مطبخ ولا طباخ.

فقال أخوه والله لا أدري ولكن هل تعرف من يخبرنا بحقيقة هذا الأمر قال له لا يخبرنا إلا أمنا فدبرا لها حيلة ودخلا على أمهما في غياب أخيهما وقالا يا أمنا نحن جائعان فقالت لهما أبشرا ودخلت القاعة وطلبت من خادم الخرج وأخرجت لهما أطعمة سخنة فقالا يا أمنا هذا الطعام سخن وأنت لم تطبخي ولم تنفخي فقالت لهما إنه من الخرج فقال لها أي شيء هذا الخرج فقالت لهما إن الخرج مرصود والطلب من الرصد وأخبرتهما بالخبر وقالت لهما اكتما السر فقالا لها السر مكتوم يا أمنا ولكن علمينا كيفية ذلك فعلمتهما وصارا يمدان أياديهما ويخرجان الشيء الذي يطلبانه وأخوهما ليس عنده خبر بذلك فلما علما بصفة الخرج قال سالم لسليم يا أخي إلى متى ونحن عند جودر في صفة الخدامين ونأكل صدقته، ألا نعمل عليه حيلة ونأخذ هذا الخرج ونفوز به فقال كيف تكون الحيلة قال نبيع أخانا لرئيس بحر السويس.

فقال له: وكيف نصنع حتى نبيعه؟ فقال أروح أنا وأنت لذلك الرئيس ونعزمه مع اثنين من جماعته والذي أقوله لجودر تصدقني فيه وآخر الليل أريك ما أصنع ثم اتفقا على بيع أخيهما، وراحا بيت رئيس بحر السويس ودخل سالم وسليم وقالا له يا رئيس جئناك في حاجة تسك فقال خيراً قالا له نحن أخوان ولنا أخ ثالث معكوس لا خير فيه، ومات أبونا وخلف لنا جانباً من المال ثم إننا قسمنا المال وأخذ هو ما نابه من الميراث فصرفه في الفسق والفساد ولما افتقر تسلط علينا وصار يشكونا إلى الظلمة ويقول أنتما أخذتما مالي ومال أبي وبقينا نتراجع إلى الحكام وخسرنا المال وصبر علينا مدة واشتكانا ثانياً حتى أفقرنا ولم يرجع عنا وقد قلقنا منه والمراد أنك تشتريه منا. فقال هل تقدران أن تحتالا عليه وتأتياني به إلى هنا وأنا أرسله سريعاً إلى البحر فقالا ما نقدر أن نجيء به ولكن أنت تكون ضيفنا وهات معك اثنين من غير زيارة، فحين ينام نتعاون عليه نحن الخمسة فتقبضه ونجعل في فمه العلقة وتأخذه تحت الليل وتخرج به من البيت وافعل معه ما شئت، فقال لهما: سمعاً وطاعة أتبيعانه بأربعين ديناراً فقالا له: نعم وبعد العشاء تأتوا الحارة الفلانية فتجدوا خادمنا ينتظركم، فقعد على باب الزاوية ليعيد العشاء وإذا بهم قد أقبلوا عليه فأخذهم ودخل بهم إلى البيت فلما رآهم جودر قال لهم مرحباً بكم وأجلسهم وعمل معهم صحبة وهو لا يعلم ما في الغيب منهم ثم إنه طلب العشاء من أمه فجعلت تخرج من الخرج وهو يقول هات اللون الفلاني حتى صار قدامهم أربعون لوناً فأكلوا حتى اكتفوا، ورفعت السفرة والبحرية يظنون أن هذا الإكرام من عند سالم فلما مضى ثلث الليل أخرج لهم الحلويات وسالم هو الذي يخدمهم وجودر وسليم قاعدان إلى أن طلبوا المنام فقام جودر ونام وناموا حتى غفل فقاموا وتعاونوا عليه، فلم يفق إلا والعلقة في فمه وكتفوه وحملوه وخرجوا به من القصر تحت جنح الليل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما أخذوه وحملوه وخرجوا به من تحت القصر تحت الليل أرسلوه إلى السويس وحطوا في رجليه القيد وأقام يخدم وهو ساكت ولم يزل يخدم خدمة الأسارى والعبيد سنة كاملة هذا ما كان من أمر جودر وأما ما كان من أمر أخويه فإنهما لما أصبحا دخلا على أمهما وقالا لها يا أمنا أخانا جودر لم يستيقظ فقالت لهما أيقظاه قالا لها أين هو راقد قالت لهما عند الضيوف قالا لعله راح مع الضيوف ونحن نائمان يا أمي كان أخانا ذاق الغربة ورغب في دخول الكنوز وقد سمعناه يتكلم مع المغاربة فيقولون له نأخذك معنا ونفتح لك الكنز، فقالت هل اجتمع مع المغاربة قالوا لها أما كانوا ضيوفاً عندنا قالت لعله راح معهم ولكن الله يرشد طريقه هذا مسعد لابد أن يأتي بخير كثير وبكت وعز عليها فراقه فقالا لها يا ملعونة أتحبين جودراً كل هذه المحبة، ونحن إن غبنا أو حضرنا فلا تفرحي بنا ولا تحزني علينا أما نحن ولداك كما أن جودر ابنك، فقالت أنتما ولاداي ولكن أنتما شقيان ولا لكما علي فضل ومن يوم مات أبوكما ما رأيت منكما خيراً وأما جودر فقد رأيت منه خيراً كثيراً وجبر بخاطري وأكرمني فيحق لي أن أبكي عليه لأن خيره علي وعليكما.

فلما سمعا هذا الكلام شتماها وضرباها ودخلا وصارا يفتشان على الخرج حتى عثروا به وأخذا الجواهر من العين الأولى والذهب من العين الثانية والخرج المرصود وقالا لها هذا مال أبينا فقالت لا والله إنما هو مال أخيكما جودر وجاء به من بلاد المغاربة فقالا لها كذبت بل هذا مال أبينا نتصرف فيه فقسماه بينهما ووقع الاختلاف بينهما في الخرج المرصود، فقال سالم أنا آخذه، وقال سليم أنا آخذه ووقعت بينهما المعاندة فقالت أمهما يا ولداي الخرج الذي فيه الجواهر والذهب قسمتماه وهذا لا ينقسم ولا يعادل بمال وإن انقطع قطعتين بطل رصده، ولكن اتركاه عندي وأنا أخرج لكما ما تأكلانه في كل وقت وأرضى بينكما باللقمة وإن كسوتماني شيئاً من فضلكما وكل منكما يجعل له معاملة مع الناس وأنتما ولداي وأنا أمكما وخلونا على حالنا فربما يأتي أخوكما فيحصل لكما منه الفضيحة فما قبلا كلامها وباتا يختصمان تلك الليلة فسمعهما رجل قواس من أعوان الملك وكان معزوماً في بيت بجنب بيت جودر طاقته مفتوحة فطل القواس من الطاقة وسمع جميع الخصام وما قالوه من الكلام والقسمة، فلما أصبح الصباح دخل ذلك الرجل القواس على الملك وكان اسمه شمس الدولة وكان ملك مصر في ذلك العصر، فلما دخل عليه القواس أخبره بما قد سمعه، فأرسل الملك إلى أخوي جودر وجاء بهما ورماهما تحت العذاب فأقروا وأخذوا الخرجين منهما ووضعهما في السجن، ثم إنه عين إلى أم جودر من الجرايات في كل يوم ما يكفيها هذا ما كان من أمرهم. وأما ما كان من أمر جودر فإنه أقام سنة كاملة يخدم في السويس وبعد سنة كانوا في مركب فخرج عليهم ريح رمى المركب الذي هم فيه على جبل فانكسر وغرق جميع ما فيه، ولم يحصل البر إلا جودر والبقية ماتوا فلما حصل البر سافر حتى وصل إلى نجع عرب فسألوه عن حاله فأخبرهم أنه كان بحرياً بمركب وحكى لهم قصته، وكان في النجع رجل تاجر من أهل جدة فحن عليه وقال له تخدم عندنا يا مصري وأنا أكسوك وآخذك معي إلى جدة، فخدم عنده وسافر معه إلى أن وصلا إلى جدة فأكرمه إكراماً كثيراً ثم إن سيده التاجر طلب الحج فأخذه معه إلى مكة فلما دخلاها راح جودر يطوف البيت الحرام، فبينما هو يطوف وإذا بصاحبه المغربي عبد الصمد يطوف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما كان ماشياً في الطواف وإذا هو بصاحبه المغربي عبد الصمد يطوف، فلما رآه سلم عليه وسأله عن حاله فبكى ثم أخبره بما جرى له فأخذه معه إلى أن دخل منزله وأكرمه وألبسه حلة ليس لها نظير وقال له زال عنك الشر يا جودر وضرب له تخت رمل فبان له الذي جرى لأخويه فقال له اعلم يا جودر أن أخويك جرى لهما كذا وكذا وهما محبوسان في سجن ملك مصر، ولكن مرحباً بك حتى تقضي مناسكك ولا يكون إلا خيراً.

فقال له ائذن لي يا سيدي حتى أروح آخذ خاطر التاجر الذي أنا عنده واجيء غليك فقال: هل عليك مال؟ قال لا، فقال رح خذ بخاطره وتعال في الحال إن العيش له حق عند أولاد الحلال فراح وأخذ بخاطر التاجر وقال له إني اجتمعت على أخي فقال له رح هاته فنعمل له ضيافة فقال له ما يحتاج فإنه من أصحاب النعم وعنده خدم كثير، فأعطاه عشرين ديناراً وقال له ابرئ ذمتي فودعه وخرج من عنده فرأى رجلاً فقيراً فأعطاه العشرين ديناراً ثم إنه ذهب إلى عبد الصمد المغربي، فأقام عنده حتى قضى مناسك الحج وأعطاه الخاتم الذي أخرجه من كنز الشمردل وقال له خذ هذا الخاتم أنه يبلغك مرادك لأن خادمه اسمه الرعد القاصف، فجميع ما تحتاج إليه من حوائج الدنيا، فأدعكه يظهر لك الخادم وجميع ما تأمره به يفعله لك ودعكه قدامه فظهر له الخادم ونادى لبيك يا سيدي أي شيء تطلب فتعطى فهل تعمر مدينة خربة أو تخرب مدينة عامرة أو تقتل ملكاً أو تكسر عسكراً، فقال المغربي يا رعد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخادم قال للمغربي ما تطلب قال له: يا رعد هذا صار سيدك فاستوص به، ثم صرفه وقال له ادعك الخاتم فيحضر بين يديك خادمه فأمره بما في مرادك فإنه لا يخالفك وامض إلى بلادك واحتفظ عليه فإنك تكيد به أعداءك ولا تجهل مقدار هذا الخاتم، فقال له يا سيدي عن إذنك أسير إلى بلادي قال له ادعك هذا الخاتم يظهر لك الخادم فاركب على ظهره وإن قلت له أوصلني في هذا اليوم إلى بلادي فلا يخالف أمرك ثم ودع جودر عبد الصمد ودعك الخاتم فحضر له الرعد القاصف وقال له لبيك اطلب تعطى فقال له أوصلني إلى مصر في هذا اليوم فقال له لك ذلك وحمله وطار به من وقت الظهر إلى نصف الليل ثم نزل في بيت أمه وانصرف فدخل على أمه، فلما رأته قامت وبكت وسلمت عليه وأخبرته بما جرى لأخويه من الملك وكيف ضربهما وأخذا الخرج المرصود والخرج الذهب والجواهر فلما سمع جودر ذلك لم يهن عليه أخواه فقال لأمه لا تحزني على ذلك ففي هذه الساعة أريك ما أصنع وأجيء بأخواي ثم إنه دعك الخاتم فحضر له الخادم وقال: لبيك اطلب تعطى فقال له أمرتك أن تجيء بأخواي من سجن الملك فنزل إلى الأرض ولم يخرج إلا من وسط السجن، وصارا يتمنيان الموت وأحدهما يقول للآخر والله يا أخي قد طالت علينا المشقة وإلى متى ونحن في هذا السجن، فالموت فيه راحة لنا. فبيمنا هما كذلك وإذا بالأرض قد انشقت وخرج لهما الرعد القاصف وحمل الاثنين ونزل بهما في الأرض فغشي عليها من شدة الخوف فلما أفاقا وجدا أنفسهما في بيتهما ورأيا أخاهما جودر جالساً وأمه في جانبه فقال لهما سلامات يا أخواي أنسيتماني فطأطأا وجهيهما في الأرض وصارا يبكيان، فقال لهما لا تبكيان فالشيطان والطمع ألجأكما إلى ذلك، وكيف تبيعاني ولكني أتسلى بيوسف فإنه فعل به اخوته أبلغ من فعلكما معي حيث رموه في الجب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر قال لأخويه كيف فعلتما معي هذا الأمر ولكن توبا إلى الله واستغفراه فيغفر لكما الغفور الرحيم، وقد عفوت عنكما ومرحباً بكما ولا بأس عليكما وجعل يأخذ بخاطرهما حتى طيب قلوبهما، وصار يحكي لهما جميع ما قاساه وما حصل له إلى أن اجتمع بالشيخ عبد الصمد وأخبرهما بالخاتم فقالا يا أخانا لا تؤاخذنا في هذه المرة إن عدنا لما كنا فيه فافعل بنا مرادك، فقال لا بأس عليكما ولكن أخبراني بما فعل بكما الملك فقالا ضربنا وأخذ الخرجين منا، فقال ما أبالي بذلك ودعك الخاتم فحضر له الخادم فلما رآه أخواه خافا منه وظنا أنه يأمر الخادم بقتلهما فذهبا إلى أمهما وصارا يقولان يا أمنا نحن في عرضك، يا أمنا اشفعي فينا، فقالت لهما يا ولداي لا تخافا ثم إنه قال للخادم أمرتك أن تأتيني بجميع ما في خزانة الملك من الجواهر وغيرها، ولا تبقي فيها شيئاً وتأتي بالخرج المرصود والخرج والجواهر الذين أخذهما من أخواي فقال السمع والطاعة وذهب في الحال وجمع ما في الخزانة وجاء بالخرجين وأمانتهما، ووضع جميع ما كان في الخزانة قدام جودر وقال يا سيدي ما بقيت في الخزانة شيئاً، فأمر أمه أن تحفظ خرج الجواهر وحط الخرج المرصود قدامه وقال للخادم أمرتك أن تبني لي في هذه الليلة قصراً عالياً وتزوقه بماء الذهب وتفرشه فرشاً فاخراً، ولا يطلع النهار إلا وأنت خالص من جميعه، فقال له لك ذلك ونزل في الأرض وبعد ذلك أخرج جودر الأطعمة وأكلوا وانبسطوا وناموا.

وأما ما كان من أمر الخادم فإنه جمع أعوانه وأمرهم ببناء القصر، فصار البعض منهم يقطع الحجارة والبعض يبني والبعض يبيض والبعض ينقش والبعض يفرش، فلما طلع النهار حتى تم انتظام القصر ثم طلع الخادم إلى جودر وقال: يا سيدي إن القصر كمل وتم نظامه فإن كنت تطلع تتفرج عليه فاطلع، فطلع هو وأمه وأخواه، فرأوا أن القصر ليس له نظير يحير العقول من حسن نظافة ففرح به جودر، وكان على قارعة الطريق ومع ذلك لم يتكلف عليه شيء فقال لأمه هل تسكنين في هذا القصر؟ فقالت يا ولدي أسكن ودعت له فدعك الخاتم وإذا بالخادم يقول لبيك فقال أمرتك أن تأتيني بأربعين جارية بيضاً ملاحاً وأربعين جارية سوداً وأربعين مملوكاً وأربعين عبداً، فقال لك ذلك، وذهب مع أربعين من أعوانه إلى بلاد الهند والسند وصاروا كلما رأوا بنتاً جميلة يخطفونها أو غلاماً يخطفونه ونفذ أربعين عوناً آخر فجاءوا بجوار سود ظراف وأربعين جاءوا بعبيد وأتى الجميع دار جودر فملؤوها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأعوان جاءوا بالجواري والعبيد ودخلوا على جودر فقال يا رعد هات لكل شخص حلة من أفخر الملبوس قال حاضر وقال هات حلة تلبسها أمي وحلة ألبسها أنا فأتى بالجميع وألبس الجواري، وقال لهم هذه سيدتكم فقبلوا يدها ولا تخالفوها واخدموها بيضاً وسوداً، وألبس المماليك وقبلوا يد جودر وألبس أخويه وصار جودر كناية عن ملك وأخواه مثل الوزراء وكان بيته واسعاً فأسكن سالم وجارية في جهة وسكن هو وأمه في القصر الجديد وصار كل منهم في محله مثل السلطان هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من خازندار الملك فإنه أراد أن يأخذ بعض مصالح من الخزانة فدخل فلم ير فيها شيئاً بل وجدها كقول من قال:

كانت خاليات نحل وهي عامرة لما خلا نحلها صارت خاليات

فصاح صيحة عظيمة ووقع مغشياً عليه فلما أفاق خرج من الخزانة وترك بابها مفتوحاً ودخل على الملك شمس الدولة وقال يا أمير المؤمنين الذي نعلمك به أن الخزانة قد فرغت في هذه الليلة فقال له ما صنعت بأموالي التي في خزانتي فقال والله ما صنعت فيها شيئاً ولا أدري ما سبب فراغها بالأمس دخلتها فرأيتها ممتلئة واليوم دخلتها فرأيتها فارغة ليس فيها شيء، والأبواب مغلوقة ولا ثقبت ولا كسر جنبها ولم يدخلها سارق فقال هل راح منها الخرجان فقال نعم فطار عقله من رأسه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خازندار الملك لما دخل عليه وأعلمه أن ما في الخزانة ضاع وكذلك الخرجان طار عقله من رأسه، إلا والقواس الذي بلغه سابقاً على سليم وسالم داخل على الملك، وقال يا ملك الزمان طول الليل وأنا أتفرج على بنائين يبنون، فلما طلع عنها النهار رأيت قصراً مبنياً ليس له نظير فسألت لمن هذا القصر فقيل لي إن جودر أتى وبنى هذا القصر وعنده مماليك وعبيد وجاء بأموال كثيرة وخلص أخويه من السجن وهو في داره كأنه السلطان، فقال الملك انظروا السجن فنظروه فلم يروا سالم وسليم، فرجعوا وأعلموه بما جرى فقال الملك بأنه غريمي فالذي خلص سالم وسليم من السجن هو الذي أخذ مالي فقال الوزير يا سيدي من هو؟ قال أخوكم جودر وأخذ الخرجين، ولكن يا وزير أرسل لهم أمير بخمسين رجلاً يقبضوا عليه وعلى أخويه ويضعون الختم على ماله ويأتون بهم حتى أشنقهم جميعاً وغضب غضباً شديداً وقال هيا بالعجل ابعث لهم أمير يأتيني بهم لأقتلهم فقال الوزير احلم فإن الله حليم لا يعجل على عبده إذا عصاه فإن الذي يبني قصراً في ليلة واحدة كما قالوا لن يقضِ عليه أحد في الدنيا، وإني أخاف على الملك أن يجري له مشقة من جودر فاصبر حتى أدبر لك تدبيراً وتنظر حقيقة الأمر والذي في مرادك أنت لاحقه يا ملك الزمان، فقال الملك دبر لي تدبيراً يا وزير قال له: أرسل له أميراً واعزمه ثم تظهر له الود واسأله عن حاله، وبعد ذلك ننظر إن كان عزمه شديداً نحتال عليه، وإن كان عزمه ضعيفاً فاقبض عليه وافعل به مرادك فقال الملك أرسل اعزمه فأمر أميراً اسمه الأمير عثمان أن يروح إلى جودر ويعزمه ويقول له الملك يدعوك للضيافة، وقال له الملك لا تجيء إلا به وكان ذلك الأمير أحمق متكبراً في نفسه فلما نزل رأى قدام باب القصر طواشياً جالساً على كرسي في باب القصر، فلما وصل الأمير عثمان إلى القصر لم يقم له وكأن لم يكن مقبلاً عليه أحد ومع ذلك كان مع الأمير عثمان خمسون رجلاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الطواشي لما رأى الأمير عثمان لم يعتن به وكأن لم يكن مقبلاً عليه أحد وكان مع الأمير عثمان خمسون رجلاً وقال: يا عبد أين سيدك؟ قال: في القصر وصار يكلمه وهو متكئ فغضب الأمير عثمان وقال له: يا عبد النحس أما تستحي مني وأنا أكلمك وأنت مضطجع مثل العلوق؟ فقال له: امش لا تكن كثير الكلام فلما سمع منه هذا الكلام حتى امتزج بالغضب وسحب الدبوس وأراد أن يضرب الطواشي ولم يعلم أنه شيطان فلما رآه سحب الدبوس قام واندفع عليه وأخذ منه الدبوس وضربه أربع ضربات فلما رآه الخمسون رجلاً صعب عليهم ضرب سيدهم، فسحبوا السيوف وأرادوا أن يقتلوا العبد فقال لهم: أتسحبون السيوف يا كلاب وقام عليهم وصار كل من لطشه دبوساً يهشمه ويغرقه في الدم، فانهزموا قدامه وما زالوا هاربين وهو يضربهم إلى أن بعدوا عن باب القصر، ورجع وجلس على كرسيه ولم يبال بأحد. وأما ما كان من أمر الأمير عثمان وجماعته، فإنهم رجعوا مهزومين مضروبين إلى أن وقفوا قدام الملك شمس الدولة وأخبره بما جرى لهم وقال الأمير عثمان: يا ملك الزمان لما وصلت إلى باب القصر رأيت طواشياً جالساً على الباب على كرسي من الذهب وهو متكبر فلما رآني مقبلاً عليه اضطجع بعد أن كان جالساً واحتقرني ولم يقم لي فصرت أكلمه فيجيبني وهو مضطجع فأخذتني الحدة وسحبت الدبوس وأردت ضربه فأخذ الدبوس مني وضربني وضرب جماعتي وبطحهم فهربنا قدامه ولم نقدر عليه فحصل للملك غيظ وقال: ينزل إليه مائة رجل فنزلوا إليه وأقبلوا عليه فقام لهم بالدبوس وما زال يضرب فيهم حتى هربوا من قدامه فرجع وجلس على الكرسي فرجع المائة رجل ولما وصلوا إلى الملك وأخبروه وقالوا له: يا ملك الزمان هربنا من قدامه خوفاً منه فقال الملك: تنزل مائتان فنزلوا فكسرهم ثم رجعوا فقال الملك للوزير: ألزمتك أيها الوزير أن تنزل بخمسمائة رجل وتأتيني بهذا الطواشي سريعاً وتأتي بسيده جودر وأخويه فقال: يا ملك الزمان لا أحتاج لعسكر بل أروح إليه وحدي من غير سلاح فقال له: رح وافعل الذي تراه مناسباً فرمى الوزير السلاح ولبس حلة بيضاء وأخ في يده مسبحة ومشى وحده من غير تأن حتى وصل إلى قصر جودر فرأى العبد جالساً، فلما رآه أقبل عليه من غير سلاح وجلس جنبه بأدب ثم قال: السلام عليكم فقال: وعليكم السلام يا انسي ما تريده؟ فلما سمعه يقول يا انسي ما تريده علم أنه من الجن فارتعش من خوفه وقال له: يا سيدي هل سيدك جودر هنا؟ قال: نعم في القصر، فقال له: يا سيدي اذهب إليه وقل له إن الملك شمس الدولة يدعوك وعامل لك ضيافة ويقرؤك السلام ويقول لك شرف منزله واحضر ضيافته.

فقال له: قف أنت هنا حتى أشاوره فوقف الوزير متأدباً وطلع المارد من القصر وقال لجودر: اعلم يا سيدي أن الملك أرسل إليك أميراً فضربته وكان معه خمسون رجلاً فهزمتهم، ثم أرسل مائة رجل فضربتهم، ثم أرسل مائتي رجل فهزمتهم، ثم أرسل إليك الوزير من غير سلاح يدعوك إليه لتأكل من ضيافته فماذا تقول؟ فقال له: رح هات الوزير إلى هنا فنزل من القصر وقال له: يا وزير كلم سيدي فقال على الرأس ثم إنه طلع ودخل على جودر فرآه أعظم من الملك جالساً على فراش لا يقدر الملك أن يفرش مثله فتحير فكره من حسن القصر ومن نقشه وفرشه حتى كان الوزير بالنسبة غليه فقير فقبل الأرض ودعا له فقال له: ما شأنك أيها الوزير؟ فقال: يا سيدي إن الملك شمس الدولة حبيبك يقرؤك السلام ومشتاق إلى النظر لوجهك، وقد عمل لك ضيافة، تجبر خاطره فقال جودر حيث كان حبيب فسلم عليه وقل له يجيء هو عندي فقال له: على الرأس ثم أخرج الخاتم ودعكه فحضر الخادم فقال له: هات لي حلة من خيار الملبوس، فاحضر له حلة فقال: البس هذه يا وزير فلبسها ثم قال له: رح أعلم الملك بما قلته، فنزل لابساً تلك الحلة التي لم يلبس مثلها، ثم دخل على الملك وأخبره بحال جودر وشكل القصر وما فيه وقال إن جودراً عزمك فقال: قوموا يا عسكر فقاموا كلهم على الأقدام وقال اركبوا خيلكم وهاتوا جوادي حتى نروح إلى جودر، ثم إن الملك ركب وأخذ العساكر وتوجهوا إلى بيت جودر، وأما جودر فإنه قال للمارد: مرادي أن تأتي لنا من أعوانك عفاريت في صفة الإنس يكونوا عسكراً، ويقفون في ساحة البيت حتى يراهم الملك فيرعبونه ويفزعونه فيرتجف قلبه ويعلم أن سطوتي أعظم من سطوته فأحضر مائتين في صفة عسكر متقلدين بالسلاح الفاخر وهم شداد غلاظ، فلما وصل الملك رأى القوم الشداد الغلاظ فخاف قلبه منهم، ثم إنه طلع القصر ودخل على جودر فرآه جالساً جلسة لم يجلسها ملك ولا سلطان فسلم عليه وتمنى بين يديه وجودر لم يقم له ولم يعمل له مقاماً ولم يقل له اجلس بل تركه واقفاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً لما دخل عليه الملك لم يقم له ولم يعتبره ولم يقل له اجلس بل تركه واقفاً حتى داخله الخوف فصار لا يقدر أن يجلس ولا يخرج وصار يقول في نفسه لو كان خائفاً مني ما كان تركني عن ابله وربما يؤذيني بسبب ما فعلت مع أخويه ثم إن جودراً قال: يا ملك الزمان ليس شيئاً مثلكم أن يظلم الناس ويأخذ أموالهم فقال: يا سيدي لا تؤاخذني فإن الطعم أحوجني إلى ذلك ونفذ القضاء ولولا الذنب ما كانت المغفرة، وصار يعتذر إليه على ما سلف منه، ويطلب منه العفو والسماح حتى من جملة الاعتذار أنشد هذا الشعر:

يا أصيل الجدود سمح السجايا لا تلمني فيما حصل منـي

إن تكن ظالماً فعنك عفونـا وإن أكن ظالماً فعفوك عني

وما زال يتواضع بين يديه حتى قال له: عفا الله عنك وأمره بالجلوس، فجلس وخلع عليه ثياب الأمان، وأمر أخويه بمد السماط وبعد أن أكلوا كسى جماعة الملك وأكرمهم، وبعد ذلك أمر الملك بالمسير فخرج من بيت جودر، وصار كل يوم يأتي إلى بيت جودر ولا ينصب الديوان إلا في بيت جودر وزادت بينهما العشرة والمحبة ثم إنهم قاموا على هذه الحالة مدة وبعد ذلك خلا بوزيره وقال له يا وزير أنا خائف أن يقتلني جودر ويأخذ الملك مني فقال له: يا ملك الزمان أما من قضية أخذ الملك فلا تخف فإن حالة جودر التي هو فيها أعظم من حالة الملك وأخذ الملك حطه في قدره فإن كنت خائفاً أن يقتلك فإن لك بنتاً فزوجها له وتصير أنت وإياه حالة واحدة فقال له: يا وزير أنت تكون واسطة بيني وبينه فقال له: اعزمه عندك ثم إننا نسهر في قاعة وأمر بنتك أن تتزين بأفخر الثياب وتمر عليه من باب القاعة فإنه متى رآها عشقها فإذا فهمنا منه ذلك فأنا أميل عليه وأخبره أنها ابنتك وأدخل وأخرج معه في الكلام بحيث انه لم يكن عندك خبر بشيء من ذلك حتى يخطبها منك ومتى زوجته البنت صرت أنت وإياه شيئاً واحداً وتأمن منه وإن مات ترث منه الكثير.

فقال له: صدقت يا وزير وعمل الضيافة وعزمه فجاء إلى سرايا السلطان وقعدوا في القاعة في أنس زائد إلى آخر النهار، وكان الملك أرسل إلى زوجته أن تزين البنت بأفخر زينة وتمر بها على باب القاعة، فعملت كما قال ومرت بالبنت فنظرها جودر وكانت ذات حسن وجمال وليس لها نظير، فلما حقق جودر النظر فيها قال: آه وتفكفكت أعضاؤه واشتد به العشق والغرام وأخذه الوجد والهيام واصفر لونه، فقال له الوزير: لا بأس عليك يا سيدي ما لي أراك متغيراً متواجعاً؟ فقال: يا وزير هذه البنت بنت من فإنها سلبتني وأخذت عقلي، فقال: هذه بنت حبيبك الملك فإن كانت أعجبتك أنا أتكلم مع الملك يزوجك إياها. فقال: يا وزير كلمه وأنا وحياتي أعطيك ما تطلب وأعطي الملك ما يطلبه في مهرها ونصير أحباباً وأصهاراً، فقال له الوزير: لابد من حصول غرضك ثم إن الوزير حدث الملك سراً وقال له: يا ملك الزمان إن جودراً حبيبك يريد القرب منك، وقد توسل بي إليك أن تزوجه ابنتك السيدة آسية فلا تخيبني واقبل سياقي مهما تطلبه في مهرها يدفعه، فقال الملك: المهر قد وصلني والبنت جارية في خدمته وأنا أزوجه إياها وله الفضل في القبول.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شمس الدولة لما قال له وزيره إن جودر يريد القرب منه بتزويجه ابنتك قال له المهر قد وصلني والبنت جارية في خدمته وله الفضل في القبول وباتوا تلك الليلة ثم أصبح الملك نصب ديواناً وأحضر فيه الخاص والعام وحضر شيخ الإسلام، وجودر خطب البنت وقال: المهر قد وصل وكتبوا الكتاب فأرسل جودر لإحضار الخرج الذي فيه الجواهر وأعطاه للملك في مهر ابنته، ودقت الطبول وغنت الزمور وانتظمت عقود الفرح ودخل على البنت وصار هو والملك شيئاً واحداً وأقاما مع بعضهما مدة من الأيام ثم مات الملك فصارت العساكر تطلب جودراً للسلطنة ولم يزالوا يرغبونه وهو يمتنع منهم حتى رضي، فجعلوه سلطاناً فأمر ببناء جامع على قبر الملك شمس الدولة، ورتب له الأوقاف، وهو في خط البندقيين وكان بيت جودر في حارة اليمانية. فلما تسلطن بنى أبنية وجامعاً وقد سميت الحارة باسمه وصار اسمها الجودرية وأقام ملكاً مدة وجعل أخويه وزيرين فقال سالماً لسليم: يا أخي إلى متى هذا الحال فهل نقضي عمرنا كله ونحن خادمان لجودر ولا نفرح بسيادة ولا سعادة مادام جودر حياً قال: وكيف نصنع حتى نقتله ونأخذ منه الخاتم والخرج فقال سليم لسالم: أنت أعرف مني فدبر لنا حيلة لعلنا نقتله بها فقال: إذا دبرت لك حيلة على قتله هل ترضى أن أكون سلطاناً، وأنت وزير ميمنة ويكون الخاتم لي والخرج لك؟ قال: رضيت فاتفقا على قتل جودر من شأن حب الدنيا والرياسة، ثم إن سليماً وسالماً دبرا حيلة لجودر وقالا له: يا أخانا يجب أن نفتخر بك، فتدخل بيوتنا وتأكل ضيافتنا وتجبر خاطرنا فصارا يخادعانه ويقولا له اجبر خاطرنا وكل ضيافتنا، فقال لا بأس فالضيافة في بيت من منكم؟ قال سالم: في بيتي وبعدما تأكل ضيافتي تأكل ضيافة أخي، قال: لا بأس وذهب مع سليم إلى بيته فوضع له الضيافة وحط فيها السم، فلما أكل تفتت لحمه مع عظمه، فقام سالم ليأخذ الخاتم من إصبعه فعصى منه، فقطع إصبعه بالسكين، ثم إنه دعك الخاتم فحضر له المارد وقال: لبيك فاطلب ما تريد فقال له: أمسك أخي واقتله واحمل الاثنين المسموم والمقتول وارمهما قدام العسكر، فأخذ سليماً وقتله وحمل الاثنين وخرج بهما ورماهما قدام أكابر العسكر وكانوا جالسين على السفرة في مقعد البيت يأكلون. فلما نظروا جودراً وسليماً مقتولين والوزير هذه الفعال؟ فقال لهم: أخوهم سالم وإذا بسالم أقبل عليهم وقال: يا عسكر كلوا وابنسطوا، فإني ملكت الخاتم من أخي جودر وهذا المارد خادم الخاتم قدامكم وأمرته بقتل أخي سليم حتى لا ينازعني في الملك لأنه خائن، وأنا أخاف أن يخونني وهذا جودر صار مقتولاً، وأنا بقيت سلطاناً عليكم هل ترضون بي وإلا أدعك الخاتم فيقتلكم خادمه كباراً وصغاراً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سالماً لما قال للعسكر: هل ترضون بي عليكم سلطاناً وإلا أدعك الخاتم فيقتلكم خادمه كباراً وصغاراً، وذهب ناس في تلك الجنازة وناس مشوا قدامه بالموكب ولما وصلوا إلى الديوان جلس على الكرسي وبايعوه على الملك، وبعد ذلك قال: أريد أن أكتب كتابي على زوجة أخي فقالوا: حتى تنقضي العدة فقال: أنا لا أعرف عدة ولا غيرها وحياة رأسي لابد أن أدخل عليها هذه الليلة فكتبوا له الكتاب، وأرسلوا أعلموا زوجة جودر بنت الملك شمس الدولة فقالت: دعوه ليدخل فلما دخل عليها أظهرت له الفرح وأخذته بالترحيب وحطت له السم في الماء فأهلكته ثم إنها أخذت الخاتم وكسرته حتى لا يملكه أحد وشقت الخرج ثم أرسلت أخبرت شيخ الإسلام وأرسلت تقول لهم: اختاروا لكم ملكاً يكون عليكم سلطاناً وهذا ما انتهى إلينا من حكاية جودر بالتمام والكمال.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 29 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية مدينة النحاس

وفي الليلة الثامنة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجني الذي في العامود لما حكى لهم حكايته من أولها إلى أن سجن في العامود، قالوا له أين الطريق الموصلة إلى مدينة النحاس فأشار لنا إلى طريق المدينة وإذا بيننا وبينها خمسة وعشرون باباً لا يظهر منها باب واحد ولا يعرف له أثر، وسورها كأنه قطعة من جبل أو حديد صب في قالب، فنزل القوم ونزل الأمير موسى والشيخ عبد الصمد واجتهدوا أن يعرفوا لها باباً ويجدوا لها سبيلاً فلم يصلوا إلى ذلك فقال الأمير موسى يا طالب كيف الحيلة في دخول هذه المدينة فلابد أن نعرف لها باباً ندخل منه فقال طالب أصلح الله الأمير لنستريح يومين أو ثلاثة وندبر الحيلة إن شاء الله تعالى في الوصول إليها والدخول فيها. قال: فعند ذلك أمر الأمير موسى بعض غلمانه أن يركب جملاً ويطوف حول المدينة لعله يطلع على أثر باب، أو موضع قصر في المكان الذي هم فيه نازلون فركب بعض غلمانه وسار حولها يومين بلياليهما يجد السير ولا يستريح فلما كان اليوم الثالث أشرف على أصحابه، وهو مدهوش لما رأى من طولها وارتفاعها، ثم قال أيها الأمير إن أهون موضع فيها هذا الموضع. ثم إن الأمير موسى أخذ طالب بن سهل والشيخ عبد الصمد، وصعد على جبل مقابلها وهو مشرف عليها، فلما طلعوا ذلك الجبل رأوا مدينة لم تر العيون أعظم منها، قصورها عالية وقبابها زاهية ودورها عامرات وأنهارها جاريات وأشجارها مثمرات وأنهارها يانعات وهي مدينة بأبواب منيعة خالية مدة لا حس فيها، ولا انس يصفر البوم في جهاتها ويحوم الطير في عرضاتها وينمق الغراب في نواحيها وشوارعها ويبكي على من كان فيها.

فوقف الأمير موسى يتندم على خلوها من السكان، وخرابها من الأهل والقطان وقال سبحان من لا تغيره الدهور والأزمان خالق الخلق بقدرته فبينما هو يسبح الله عز وجل إذ حانت منه التفاتة إلى جهة وغذا فيها سبعة ألواح من الرخام الأبيض وهي تلوح من البعد، فدنا منه فإذا هي منقوشة مكتوبة فأمر أن تقرأ كتابتها، فتقدم الشيخ عبد الصمد وتأملها وقرأها فإذا فيها وعظ واعتبار وزجر لذوي الأبصار، مكتوب على اللوح الأول بالقلم اليوناني يا ابن آدم ماذا أغفلك عن أمر هو أمامك قد ألهتك عنه سنينك وأعوانك أما علمت أن كأس المنية لك يترع وعن قريب له تتجرع فانظر لنفسك قبل دخولك رمسك أين من ملك البلاد وأذل العباد وقاد الجيوش نزل بهم والله هادم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب المنازل العامرات فنقلهم من سعة القصور إلى ضيق القبور وفي أسفل اللوح مكتوب هذه الأبيات:

أين الملوك ومن بالأرض قد عمروا قد فارقوا ما بنوا فيها وما عمروا

وأصبحوا رهن قبر بالذي عمـلـوا عادوا رميماً به من بعد ما دثـروا

أين العساكر ما ردت وما نفـعـت وأين ما جمعوا فيها وما ادخـروا

أتاهم رب العرش علـى عـجـل لم ينجهم مـنـه أمـوال ولا وزر

فبكى الأمير موسى وجرت دموعه على خده، وقال: والله إن الزهد في الدنيا هو غاية التوفيق ونهاية التحقيق ثم إنه أحضر دواة وقرطاساً وكتب ما على اللوح الأول، ثم إنه دنا من اللوح الثاني وإذا عليه مكتوب يا ابن آدم ما غرك بقديم الأزل وما ألهاك عن حلول الأجل، ألا تعلم أن الدنيا دار بوار ما لأحد فيها قرار وأنت ناظر إليها ومكب عليها، أين الملوك الذين عمروا العراق وملكوا الآفاق أين من عمروا أصفهان وبلاد خراسان دعاهم داعي المنايا فأجابوه وناداهم منادي الفناء فلبوه وما نفعهم ما بنوا وشيدوا ولا رد عنهم ما جمعوا وعددوا وفي أسفل اللوح مكتوب هذه الأبيات:

أين الذين بنـوا لـذاك وشـيدوا غرفاً به لم يحكـهـا بـنـيان

جمعوا العساكر والجيوش مخافة من ذل تقدير الإله فـهـانـوا

أين الأكاسرة المناع حصونهـم تركوا البلاد كأنهم ما كـانـوا

فبكى الأمير وقال والله لقد خلقنا لأمر عظيم ثم كتب ما عليه ودنا من اللوح الثالث.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والستين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى دنا من اللوح الثالث فوجد فيه مكتوباً يا ابن آدم أنت بحب الدنيا لاه وعن أمر ربك ساه كل يوم من عمرك ماض وأنت قانع وراض فقدم الزاد ليوم الميعاد واستعد لرد الجواب بين يدي رب العباد وفي أسفل اللوح مكتوب هذه الأبيات:

أين الذي عمر البلاد بأسرهـا سنداً وهنداً واعتدى وتجبـرا

والزنج والحبش استقاد لأمـره والنوب لما أن طغى وتكبـرا

لا تنتظر خيراً بما في قبـره هيهات أن تلقى بذلك مخبـرا

فدعته من ريب المنون حوادث لم ينجه من قصره ما عمـرا

فبكى الأمير موسى بكاء شديداً ثم دنا من اللوح الرابع فرأى مكتوباً عليه يا ابن آدم كم يملك مولاك وأنت خائض في بحر لهواك كل يوم أوحى إليك أنك لا تموت، يا ابن آدم لا تغرنك أيامك ولياليك، وساعاتك الملهية وغفلاتها واعلم أن الموت لك مرصداً وعلى كتفك صاعداً ما من يوم يمضي إلا صبحك صباحا ومساك مساء فاحذر من هجمته واستعد له فكأني بك وقد جعلت طول حياتك وضعت لذات أوقاتك، فاسمع مقالي وثق بمولى الموالي ليس للدنيا ثبوت، إنما الدنيا نسجة العنكبوت ورأى في أسفل اللوح مكتوباً هذه الأبيات:

أين من أسس الذرى وبنـاهـا وتولى مشـيدهـا ثـم عـلا

أين أهل الحصون من سكنوها كلهم عن تلك الصياصي تولى

أصبحوا في القبور رهناً ليوم فيه حقاً كل السرائر تبـلـى

ليس يبقى سوى الإله تعالـى وهو مازال للكـرامة أهـلا

فبكى الأمير موسى وكتب ذلك ونزل من فوق الجبل وقد صور الدنيا بين عينيه، فلما وصل إلى العسكر وأقاموا يومهم يدبرون الحيلة في دخول المدنية، فقال الأمير موسى لوزيره طالب بن سهل ولمن حوله من خواصه كيف تكون الحيلة في دخول المدينة لننظر عجائبها لعلنا نجسد فيها ما نتقرب به إلى أمير المؤمنين.

فقال طالب بن سهل أدام الله نعمة الأمير نعمل سلماً ونصعد عليه لعلنا نصل إلى الباب من الداخل، فقال الأمير موسى هذا ما خطر ببالي وهو نعم الرأي، ثم إنه عاد بالنجارين والحدادين وأمرهم أن يسووا الأخشاب ويعملوا سلماً مصفحاً بصفائح الحديد، ففعلوه وأحكموه ومكثوا في عمله شهراً كاملاً واجتمعت عليه الرجال فأقاموه وألصقوه بالسور، فجاء مساوياً له كأنه قد عمل له قبل ذلك اليوم.

فتعجب الأمير موسى منه وقال بارك الله فيكم كأنكم قستموه عليه من حسن صنعتكم ثم إن الأمير موسى قال للناس من يطلع منكم على هذا السلم ويصعد فوق السور ويمشي عليه ويتحايل في نزوله إلى أسفل المدينة لينظر كيف الأمر ثم يخبرنا بكيفية فتح الباب، فقال أحدهم أنا أصعد عليه أيها الأمير وأنزل أفتحه فقال له الأمير موسى اصعد بارك الله فيك فصعد الرجل على السلم حتى صار في أعلاه ثم قام على قدميه وشخص إلى المدينة وصفق بكفيه وصاح بأعلى صوته وقال أنت مليح، ورمى بنفسه من داخل المدينة فانهرس لحمه على عظمه.

فقال الأمير موسى هذا فعل العاقل فكيف يكون فعل المجنون، إن كنا نفعل هذا بجميع أصحابنا لم يبق منهم أحد فنعجز عن قضاء حاجتنا وحاجة أمير المؤمنين ارحلوا فلا حاجة لنا بهذه فقال بعضهم لعل غير هذا أثبت منه فصعد ثان وثالث ورابع وخامس فما زالوا يصعدون من ذلك السلم إلى السور واحداً بعد واحد إلى أن راح منهم اثني عشر رجلاً وهم يفعلون كما فعل الأول.

فقال اليخ عبد الصمد ما لهذا الأمر غيري وليس المجرب كغير المجرب، فقال له الأمير موسى لا تفعل ذلك ولا أمكنك من الطلوع إلى هذا السور لأنك إذا مت كنت سبباً لموتنا كلنا ولا يبقى منا أحد لأنك أنت دليل القوم فقال له الشيخ عبد الصمد لعل ذلك يكون على يدي بمشيئة الله تعالى فاتفق القوم كلهم على صعوده.

ثم إن الشيخ عبد الصمد قام ونشط نفسه وقال بسم الله الرحمن الرحيم ثم إنه صعد على السمل وهو يذكر الله تعالى ويقرأ آيات النجاة، إلى أن بلغ أعلى السور ثم إنه صفق بيديه وشخص ببصره فصاح عليه القوم جميعاً وقالوا أيها الشيخ عبد الصمد لا تفعل ولا تلق نفسك وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إن وقع الشيخ عبد الصمد هلكنا بأجمعنا، ثم إن الشيخ عبد الصمد ضحك ضحكاً زائداً وجلس ساعة طويلة يذكر الله تعالى ويتلو آيات النجاة، ثم إنه قام على حيله ونادى بأعلى صوته أيها الأمير لا بأس عليكم، فقد صرف الله عز وجل عني كيد الشيطان ومكره ببركة بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له الأمير ما رأيت أيها الشيخ قال لما وصلت أعلى السور رأيت عشر جوار كأنهن الأقمار وهن يناديني.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السبعون بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ عبد الصمد قال لما وصلت أعلى السور رأيت عشر جوار كأنهن الأقمار، وهن يشرن بأيديهن أن تعال إلينا وتخيل لي أن تحتي بحراً من الماء فأردت أن ألقي نفسي كما فعل أصحابنا، فرأيتهم موتى فتماسكت عنهم وتلوت شيئاً من كتاب الله تعالى، فصرف الله عني كيدهن وانصرفن عني فلم أرم نفسي ورد الله عني كيدهن وسحرهن ولاشك إن هذا سحر مكية صنعها أهل تلك المدينة ليردوا عنها كل من أراد أن شرف عليها ويروم الوصول إليها وهؤلاء أصحابنا مطروحون موتى، ثم إنه مشى على السور إلى أن وصل إلى البرجين النحاسيين فرأى لهما بابين من الذهب ولا قفل عليهما وليس فيهما علامة للفتح، ثم وقف الشيخ أمام الباب وتأمل فرأى في وسط الباب صورة فارس من نحاس له كف ممدود كأنه يشير به وفيه خط مكتوب فقرأه الشيخ عبد الصمد، فإذا فيه افرك المسمار الذي في سرة الفارس اثني عشر فركة فإن الباب ينفتح فتأمل الفارس فإذا في سرته مسمار محكم متقن مكين ففركه اثني عشر فركة فانفتح الباب في الحال وله صوت كالرعد فدخل منه الشيخ عبد الصمد وكان رجلاً فاضلاً عالماً بجميع اللغات والأقلام، فمشى إلى أن دخل دهليزاً طويلاً نزل منه على درجات فوجده بدكك حسنة وعليها أقوام موتى وفوق رؤوسهم التروس المكلفة والحسامات المرهفة والقسى الموترة والسهام المفوقة وخلف الباب عامود من حديد ومتاريس من خشب وأقفال رقيقة وآلات محكمة.

فقال الشيخ عبد الصمد في نفسه لعل المفاتحي عند هؤلاء القوم، ثم نظر بعينه، وإذا هو بشيخ يظهر أنه أكبرهم سناً وهو على دكة عالية بين القوم الموتى فقال الشيخ عبد الصمد وما يدريك أن تكون مفاتيح هذه المدينة مع هذا الشيخ ولعله بواب المدينة وهؤلاء من تحت يده، فدنا منه ورفع ثيابه وإذا بالمفاتيح معلقة في وسطه.

فلما رآها الشيخ عبد الصمد فرح فرحاً شديدأً وكاد عقله أن يطير من الفرحة، ثم إن الشيخ عبد الصمد أخذ المفاتيح ودنا من الباب وفتح الأقفال وجذب الباب والمتاريس والآلات فانفتحت وانفتح الباب بصوت كالرعد لكبره وهوله وعظم آلاته فعند ذلك كبر الشيخ وكبر القوم معه واستبشروا وفرحوا وفرح الأمير بسلامة الشيخ عبد الصمد وفتح باب المدينة وقد شكره القوم على ما فعله فبادر العسكر كلهم بالدخول من باب فصاح عليهم الأمير موسى وقال لهم يا قوم لا نأمن إذا دخلنا كلنا من أمر يحدث ولكن يدخل النصف ويتأخر النصف.
ثم إن الأمير موسى دخل من الباب ومعه نصف القوم وهم حاملون آلات الحرب فنظر القوم إلى أصحابهم وهم ميتون فدفنوهم ورأوا البوابين والخدم والحجاب والنواب راقدين فوق الفراش الحرير موتى كلهم ودخلوا إلى سوق المدينة فنظروا سوقاً عظيمة عالية الأبنية لا يخرج بعضها عن بعض والدكاكين مفتحة والموازين معلقة والنحاس مصفوفاً والخانات ملآنة من جميع البضائع ورأوا التجار موتى على دكاكينهم وقد يبست منهم الجلود ونخرت منهم العظام وصاروا عبرة لمن اعتبر.

ونظروا إلى أربعة أسواق مستقلات كالهشيم مملوءة بالمال فتركوها ومضوا إلى سوق الخز، وإذا فيه من الحرير والديباج ما هو منسوج بالذهب الأحمر والفضة البيضاء على اختلاف الألوان وأصحابه موتى رقود على انطاع الأديم يكادون أن ينطقوا فتركوهم ومضوا إلى سوق الجواهر واللؤلؤ والياقوت فتركوه ومضوا إلى سوق الصيارفة، فوجدوهم موتى وتحتهم أنواع الحرير والابريسم ودكاكينهم مملوءة من الذهب والفضة، فتركوهم ومضوا إلى سوق العطارين فإذا دكاكينهم مملوءة بأنواع العطريات ونوافح المسك والعنبر العود والكافور وغير ذلك وأهلها كلهم موتى وليس عندهم شيء من المأكول.

فلما طلعوا من سوق العطارين وجدوا قريباً منه قصراً مزخرفاً متقناً، فدخلوه فوجدوا أعلاماً منشورة وسيوفاً مجردة وقسياً موترة وترساً معلقة بسلاسل من الذهب والفضة وخوذاً مطلية بالذهب الأحمر، وفي دهاليز ذلك القصر دكك من العاج المصفح بالذهب الوهاج الابريسم، وعليها رجال قد يبست منهم الجلود على العظام يحتسبهم الجاهل قياماً ولكنهم من عدم القوت ماتوا وذاقوا الحمام، فعند ذلك وقف الأمير موسى يسبح الله تعالى ويقدسه وينظر إلى حسن ذلك القصر ومحكم بنائه وعجيب صنعه بأحسن صفة وأتقن هندسة وأكثر نقشة باللازورد الأخضر مكتوب على دائرة هذه الأبيات:

انظر إلى ما ترى يا أيها الـرجـل وكن على حذر من قبل ترتـحـل

وقدم الزاد من خـير تـفـوز بـه فكل ساكن داراً سـوف يرتـحـل

وانظر إلى معشر زانوا منازلـهـم فأصبحوا في الثرى رهناً بما عملوا

بنوا فما نفع الـبـنـيان وادخـروا لم ينجهم مالهم لما انقضى الأجـل

كم أملوا غير مقدور لهم فمـضـوا إلى القبور ولم ينفعـهـم الأمـل

واستنزلوا من أعالي عز رتبتـهـم لذل ضيق لحد ساء مـا نـزلـوا

فجاءهم صارخ من بعد ما دفـنـوا أين الأسرة والتيجـان والـحـلـل

أين الوجوه التي كانت مـحـجـبة من دونها تضرب الأستار والكلـل

فأفصح القبر عنهم حسب سائلـهـم أما الخدود فعندها الورد منتـقـل

قد طال ما أكلوا يوماً وما شـربـوا فأصبحوا بعد طيب الأكل قد أكلوا

فبكى الأمير موسى حتى غشي عليه، وأمر بكتابة هذا الشعر ودخل القصر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والسبعون بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى دخل القصر فرأى حجرة كبيرة وأربع مجالس عالية كباراً متقابلة واسعة منقوشة بالذهب والفضة مختلفة وفي وسطها فسقية كبيرة من المرمر وعليها خيمة من الديباج وفي تلك المجالس جهات، وفي تلك الجهات فساقي مزخرفة وحيضان مرخمة ومجار تجري من تحت تلك المجالس، وتلك الأنهر الأربعة تجري وتجتمع في بحيرة عظيمة مرخمة باختلاف الألوان.

ثم قال الأمير موسى للشيخ عبد الصمد ادخل بنا هذه المجالس، فدخلوا المجلس الأول، فوجدوه مملوءاً من الذهب والفضة البيضاء واللؤلؤ والجواهر واليواقيت والمعادن النفيسة ووجدوا فيها صناديق مملوءة من الديباج الأحمر والأصفر والأبيض، ثم إنهم انتقلوا إلى المجلس الثاني ففتحوا خزانة فيه فإذا هي مملوءة بالسلاح وآلات الحرب من الخوذ المذهبة والدروع الداودية والسيوف الهندية والرماح الخطية والدبابيس الخوارزمية، وغيرها من أصناف آلات الحرب والكفاح ثم انتقلوا إلى المجلس الثالث فوجدوا فيه خزائن عليها أقفال مغلقة وفوقها ستارات منقوشة بأنواع الطراز، ففتحوا منها خزانة فوجدوها مملوءة بالآت الطعام والشراب من أصناف الذهب والفضة وسكارج البلور والأقداح المرصعة باللؤلؤ الرطب وكاسات العقيق وغير ذلك فجعلوا يأخذون ما يصلح لهم من ذلك ويحمل كل واحد من العسكر ما يقدر عليه.

فلما عزموا على الخروج من تلك المجالس رأوا هنا باباً من الصاج متداخلاً فيه العاج والأبنوس وهو مصفح بالذهب الوهاج في وسط ذلك القصر وعليه ستر مسبول من حرير منقوش بأنواع الطراز وعليه أقفال من الفضة البيضاء تفتح بالحيلة بغير مفتاح، فتقدم الشيخ عبد الصمد إلى تلك الأقفال وفتحها بمعرفته وشجاعته وبراعته فدخل القوم من دهليز مرخم، وفي جوانب ذلك الدهليز بواقع عليها صور من أصناف الوحوش والطيور وكل ذلك من ذهب أحمر وفضة بيضاء وأعينها من الدر واليواقيت تحير كل من رآها، ثم وصلوا إلى قاعة مصنوعة. فلما رآها الأمير موسى والشيخ عبد الصمد اندهشا من صنعتها، ثم إنهم عبروا فوجدوا قاعة مصنوعة من رخام مصقول منقوش بالجواهر يتوهم الناظر إليها أن في طريقها ماء جارية لو مر عليه لزلق فأمر الأمير موسى الشيخ عبد الصمد أن يطرح عليها شيء حتى يتمكنوا أن يمشوا عليها، ففعل ذلك وتحيل حتى عبروا فوجدوا فيها قبة عظيمة مبنية بحجارة مطلية بالذهب لم يشاهد القوم في جميع ما رأوه أحسن منها. وفي وسط تلك القبة قبة عظيمة من المرمر بدائرها شبابيك منقوشة مرصعة بقضبان الزمرد لا يقدر عليها أحد من الملوك، وفيها خيمة من الديباج منصوبة على أعمدة من الذهب الأحمر، وفيها طيور وأرجلها من الزمرد الأخضر، وتحت كل طير شبكة من اللؤلؤ الرطب مجللة على فسقية وموضوع على الفسقية سرير مرصع بالدر والجواهر والياقوت وعلى السرير جارية كأنها الشمس الضاحية لم ير الراؤون أحسن منها وعليها ثوب من اللؤلؤ الرطب وعلى رأسها تاج من الذهب الأحمر وعصابة من الجوهر، وفي عنقها عقد من الجوهر وفي وسطه جواهر مشرقة. وعلى جوانبها جوهرتان نورهما كنور الشمس وهي كأنها ناظرة إليهم تتأملهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى لما رأى هذه الجارية تعجب غاية العجب من جمالها وتحير من حسنها وحمرة خديها وسواد شعرها يظن الناظر أنها بالحياة وليست ميتة، فقالوا لها السلام عليك أيتها الجارية فقال لها طالب بن سهل أصلح الله شأنك أعلم أن هذه الجارية ميتة لا روح فيها فمن أين لها أن ترد السلام ثم إن طالب بن سهل قال له أيها الأمير إنها صورة مدبرة بالحكمة وقد قلعت عيناها بعد موتها وجعل تحتها زئبق وأعيدتا إلى مكانهما فهما يلمعان كأنما يحركهما الهدب يتخيل للناظر أنها ترمش بعينيها وهي ميتة، فقال الأمير موسى سبحان الذي قهر العباد بالموت وأما السرير الذي عليه الجارية فله درج وعلى الدرج عبدان أحدهما أبيض، والآخر أسود بيد أحدهما آلة من الفولاذ، وبيد الآخر سيف مجوهر يخطف الأبصار وبين يدي العبدين لوح من ذهب وفيه كتابة تقرأ وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله خالق الإنسان وهو رب الأرباب ومسبب الأسباب بسم الله الباقي السرمدي بسم الله مقدر القضاء والقدر يا ابن آدم ما أجهلك بطول الأمل وما أسهاك عن حلول الأجل. أما علمت أن الموت لك قد دعا وإلى قبض روحك قد سعى فكن على أهبة الرحيل وتزود من الدنيا فستفارقها بعد قليل. أين آدم أبو البشر أين نوح وما نسل أين الملوك الأكاسرة والقياصرة أين ملوك الهند والعراق أين ملوك الآفاق أين ملوك العمالقة أين الجبابرة؟ لقد خلت منهم الديار وقد فارقوا الأهل والأوطان أين ملوك العجم والعرب لقد ماتوا بأجمعهم وصاروا رمماً أين السادة ذوو الرتب؟ لقد ماتوا جميعاً أين قارون وهامان أين شداد بن عاد بن كنعان وذووا الأوتاد قرضهم الله قارض الأعمار وخلى منهم الديار فهل قدموا ليوم الميعاد واستعدوا لجواب رب العباد يا هذا إن كنت لا تعرفني فأنا أعرفك باسمي ونسبي أنا ترمزين بنت عمالقة الملوك من الذين عدلوا في اليلاد وملكت ما لم يملكه أحد من الملوك، وعدلت في القضية وأنصفت بين الرعية وأعطيت ووهبت، وقد عشت زمناً طويلاً في سرور وعيش رغيد وأعتقت الجواري والعبيد حتى نزل بي طارق وحلت بين يدي الرزايا وذلك أنه قد تواترت علينا سبع سنين لم ينزل علينا ماء من السماء ولا نبت لنا عشب على وجه الأرض فأكلنا ما كان عندنا من القوت فلم يجدوه ثم عادوا غلينا بالمال بعد طول الغيبة فحينئذ أظهرنا أموالنا وذخائرنا وأغلقنا أبواب الحصون التي بمدينتنا وسلمنا الحكم لربنا وفوضنا أمرنا لمالكنا فمتنا جميعاً كما ترانا وتركنا ما عمرنا وما ادخرنا فهذا هو الخبر وما بعد العين إلا الأثر وقد نظروا في أسفل اللوح فرأوا مكتوباً فيه هذه الأبيات:

بنـي آدم لا يهـزأ بـك الأمــل عن كل ما ادخرت كفاك ترتحلوا

أراك ترغب في الدنيا وزينتـهـا وقد سعى قبلك الماضون والأول

قد حصلوا المال من حل ومن حرم فلم يرد القضا لما انتهى الأجـل

قادوا العساكر أفواجاً وقد جمعـوا فخلفوا المال والبنيان وارتحـلـوا

إلى قبور وضيق في الثرى رقدوا وقد أقاموا به رهناً بما عمـلـوا

كأنما الركب قد حطوا رحالهمـو في جنح ليل بدار ما بهـا نـزل

فقال صاحبها يا قوم ليس لـكـم فيها مقام فشدوا بعد ما نـزلـوا

فكلهم خائف أضحى بهـا وجـلا ولا يطيب له حل ومـرتـحـل

فقدم الزاد من خير تسـير غـدا وليس إلا بتقوى ربك العـمـل

فبكى الأمير موسى لما سمع هذا الكلام وقال والله إن التقوى هي رأس الأمور والتحقيق والركن الوثيق وإن الموت هو الحق المبين، والوعد اليقين فراع فيه يا هذا المرجع والمآب واعتبر بمن سلف قبلك في التراب وبادر إلى سبيل الميعاد، أما ترى الشيب إلى القبر دعاك وبياض شعرك على نفسك قد نعاك فكن على يقظة الرحيل والحساب، يا ابن آدم ما أقسى قلبك فما غرك بربك أين الأمراء السالفة العبرة لمن يعتبر، أين ملوك الصين أهل البأس والتمكين، أين عاد بن شداد وما بنى وعمر ابن النموردو الذي طغى وتجبر، أين فرعون الذي جحد وكفر كلهم قد قهرهم الموت على الاثر، فما بقي صغيراً ولا كبيراً ولا أنثى ولا ذكر قرضهم قارض الأعمار ومكور الليل على النهار اعلم أيها الواصل إلى هذا المكان ممن رآنا أنه لا يغتر بشيء من الدنيا وحطامها، فإنها غدارة مكارة ودار بور وغرو، فطوبى لعبد ذكر ذنبه وخشي ربه وأحسن المعاملة وقدم الزاد ليوم المعاد فمن وصل إلى مدينتنا ودخلها وسهل الله عليه دخولها فيأخذ من المال ما يقدر عليه ولا يمس من فوق جسدي شيئاً فإنه ستر لعورتي وجهازي من الدنيا فليتق الله ولا يسلب منه شيئاً فيهلك نفسه، وقد جعلت ذلك نصيحة مني إليه وأمانة مني لديه والسلام، فأسأل الله أن يكفيكم شر البلايا والسقام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى لما سمع هذا الكلام بكى بكاء شديداً حتى غشي عليه فلما أفاق كتب جميع ما رآه واعتبر بما شاهده ثم قال لأصحابه ائتوا بالأعدال واملوها من هذه الأموال وهذه الأواني والتحف والجواهر فقال طالب بن سهل للأمير موسى أيها الأمير اترك هذه الجارية بما عليها وهو شيء لا نظير له ولا يوجد في وقت مثله أوفى ما أخذت من الأموال وأحسن هدية تتقرب إلى أمير المؤمنين، فقال الأمير موسى يا هذا ألم تسمع ما أوصت به الجارية في هذا اللوح لاسيما وقد جعلته أمانة وما نحن من أهل الخيانة فقال الوزير طالب وهل لأجل هذه الكلمات تترك الأموال وهذه الجواهر وهي ميتة فماذا ستصنع بهذا وهو زين الدنيا وجمال الأحياء ويكفي ثوب من القطن نستر به هذه الجارية فهي أحق به منها يا من السلم وصعد على الدرج حتى صار بين العمودين ووصل بين الشخصين وإذا بأحد الشخصين ضربه في ظهره والآخر بالسيف الذي في يده ورمى رأسه ووقع ميتاً فقال الأمير موسى لا رحم الله لك مضجعاً لقد كان هذه الأموال ما فيه كفاية والطمع لاشك يزري بصاحبه ثم أمر بدخول العساكر فدخلوا وحملوا الجمال من تلك الأموال والمعادن ثم إن الأمير موسى أمرهم أن يغلقوا الباب كما كان ثم ساروا على الساحل حتى أشرفوا على جبل عال مشرف على البحر وفيه مغارات كثيرة وإذا فيها قوم من السود وعليهم نطوح وعلى رؤوسهم برانس من نطوح لا يعرف كلامهم، فلما رأوا العسكر جفلوا منهم وولوا هاربين إلى تلك المغارات ونساؤهم وأولادهم على أبواب المغارات.

فقالالأمير موسى يا شيخ عبد الصمد ما هؤلاء القوم فقال هؤلاء طلبة أمير المؤمنين فنزلوا وضربت الخيام وحطت الأموال فما استقر بهم المكان حتى نزل ملك السودان من الجبل ودنا من العسكر وكان يعرف العربية فلما وصل إلى الأمير موسى سلم عليه فرد عليه السلام وأكرمه فقال ملك السودان للأمير موسى أنتم من الإنس أم من الجن فقال الأمير موسى أما نحن فمن الإنس، وأما أنتم فلا شك أنكم من الجن لانفرادكم في هذا الجبل المنفرد عن الخلق ولعظم خلقكم.

فقال ملك السودان بل نحن قوم آدميون من أولاد حام بن نوح عليه السلام وأما هذا البحر فإنه يعرف بالكركر فقال له الأمير موسى ومن أين لكم علم ولم يبلغكم نبي أو وحي إليه في مثل هذه الأرض فقال اعلم أيها الأمير أنه يظهر لنا من هذا البحر شخص له نور تضيء له الآفاق فينادي بصوت يسمعه البعيد والقريب يا أولاد حام استحيوا ممن يرى ولا يرى وقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنا أبو العباس الخضر، وكنا قبل ذلك نعبد بعضنا فدعانا إلى عبادة رب العباد ثم قال للأمير موسى وقد علمنا كلمات نقولها فقال الأمير موسى وما هذه الكلمات قال هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وما نتقرب إلى الله عو وجل إلا بهذه الكلمات ولا نعرف غيرها وكل ليلة جمعة نرى نوراً على وجه الأرض ونسمع صوتاً يقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن كل نعمة فضل الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فقال له الأمير موسى نحن أصحاب ملك الإسلام عبد الملك بن مروان وقد جئنا بسبب القماقم النحاس التي عندكم في بحركم وفيها الشياطين محبوسة من عهد سليمان عليهما السلام، وقد أمر أن نأتيه بشيء منها يبصره ويتفرج عليه.

فقال له ملك السودان حباً وكرامة ثم أضافهم بلحوم السمك وأمر الغواصين أن يخرجوا من البحر شيئاً من القماقم السليمانية فأخرجوا لهم اثني عشر قمقماً ففرح الأمير موسى بها والشيخ عبد الصمد والعساكر لأجل قضاء حاجة أمير المؤمنين، ثم إن الأمير موسى وهب لملك السودان مواهب كثيرة وأعطاه عطايا جزيلة، وكذلك ملك السودان أهدى إلى الأمير موسى هدية من عجائب البحر على صفة الآدميين وقال له إن ضيافتكم في هذه ثلاثة أيام من لحوم هذا السمك.

فقال الأمير موسى لابد أن نحمل معنا شيئاً حتى ينظر إليه أمير المؤمنين فيطمئن خاطره بذلك أكثر من القماقم السليمانية، ثم ودعوه وساروا حتى وصلوا إلى بلاد الشام، فدخلوا على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فحدثه الأمير بجميع ما رآه وما وقع له من الأشعار والأخبار والمواعظ، وأخبره بخبر طالب بن سهل.

فقال له أمير المؤمنين ليتني كنت معكم حتى أعاين ما عاينتم، ثم أخذ القماقم وجعل يفتح قمقماً بعد قمقم، والشياطين يخرجون منها ويقولون التوبة يا نبي الله وما نعود لمثل ذلك أبداً فتعجب عبد الملك بن مروان من ذلك، وأما بنات البحر اللواتي أهداها لهم ملك السودان، فإنهم صنعوا لها حيضاناً من خشب وملأوها ماء ووضعوها فيها فماتت من شدة الحر، ثم إن أمير المؤمنين أحضر الأموال وقسمها بين المسلمين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لما رأى القماقم وما فيها، تعجب من ذلك غاية العجب وأمر بإحضار الأموال وقسمها بين المسلمين وقال لم يعط الله أحداً مثل ما أعطى سليمان بن داود عليهم السلام، ثم إن الأمير موسى يسأل أمير المؤمنين، أن يستخلف ولده مكانه على بلاده وهو يتوجه إلى القدس الشريف يعبد الله فيه فولى أمير المؤمنين ولده وتوجه إلى القدس الشريف ومات فيه وهذا آخر ما انتهى إلينا من حديث مدينة النحاس على التمام والله أعلم.
النساء وأن كيدهن عظيم وقد بلغنا أيضاً أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك من ملوك الزمان كان كثير الجند والأعوان وصاحب جاه وأموال ولكنه بلغ من العمر مدة ولم يرزق ولداً ذكراً فلما فلق الملك توسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى وسأله بجاه الأنبياء والأولياء والشهداء من عباده المقربين أن يرزقه بولد ذكر حتى يرث الملك من بعده ويكون قرة عينه ثم قام من وقته وساعته ودخل قاعة جلوسه وأرسل إلى زوجته فواقعها، فحملت بإذن الله تعالى ومكثت مدة حتى آن أوان وضعها، فولدت ولداً ذكراً وجهه مثل دورة القمر ليلة أربعة عشر فتربى ذلك الغلام إلى أن بلغ من العمر خمس سنين وكان عند ذلك الملك رجل حكيم من الحكماء الماهرين يسمى السندباد فسلم إليه ذلك الغلام فلما بلغ من العمر عشر سنين، علمه الحكمة والأدب إلى أن صار ذلك الولد ليس أحد في هذا الزمان يناظره في العلم والأدب والفهم. فلما بلغ والده ذلك أحضر له جماعة من فرسان العرب يعلمونه الفروسية فمهر فيها وصال وجال في حومة الميدان إلى أن فاق أهل زمانه وسائر اقرانه ففي بعض الأيام نظر ذلك الحكيم في النجوم فرآها طالع الغلام وأنه متى عاش سبعة أيام وتكلم بكلمة صار فيها هلاكه، فذهب الحكيم إلى الملك والده وأعلمه بالخبر فقال له والده فما يكون الراي والتدبير يا حكيم فقال له الحكيم أيها الملك، الرأي والتدبير عندي أن تجعله في مكان نزهة وسماع آلات مطربة يكون فيها إلى أن تمضي السبعة أيام.

فأرسل الملك إلى جارية من خواصه، وكانت أحسن الجواري فسلم إليها الولد وقال لها خذي سيدك في القصر واجعليه عندك ولا ينزل من القصر إلا بعد سبعة أيام تمضي فأخذته الجارية وأجلسته في ذلك القصر وكان في القصر أربعون حجرة وفي كل حجرة عشر جوار وكل جارية معها آلة من آلات الطرب إذا ضربت واحدة منهن ترقص من نغمتها ذلك القصر وحواليه نهر جار مزروع شاطئه بجميع الفواكه والمشمومات وكان ذلك الولد فيه من الحسن والجمال ما لا يوصف فبات ليلة واحدة فرأته الجارية محظية والده فطرق العشق قلبها فلم تتمالك أن رمت نفسها عليه.

فقال لها الولد إن شاء الله تعالى حين أخرج عند والدي أخبره بذلك فيقتلك فتوجهت الجارية إلى الملك، ورمت نفسها بالبكاء والنحيب فقال لها ما خبرك يا جارية كيف سيدك أما هو طيب، فقالت يا مولاي إن سيدي راودني عن نفسي وأراد قتلي على ذلك فمنعته وهربت منه وما بقيت أرجع إليه ولا إلى القصر أبداً.

فلما سمع والده ذلك الكلام حصل له غيظ عظيم فأحضر عنده الوزراء وأمرهم بقتله فقالوا لبعضهم إن الملك صمم على قتل ولده وإن قتله يندم عليه بعد قتله لا محالة فإنه عزيز عنده وما جاء هذا الولد إلا بعد اليأس، ثم بعد ذلك يرجع عليكم باللوم فيقول لكم تدبروا لي تدبيراً يمنعني من قتله، فاتفق رأيهم على أن يدبروا له تدبيراً يمنعه عن قتل ولده.

فتقدم الوزير الأول وقال أنا أكفيكم شر الملك في هذا اليوم فقام ومضى إلى أن دخل على الملك وتمثل بين يديه ثم استأذنه في الكلام فأذن له فقال له أيها الملك لو قدر أنه كان لك ألف ولد لم تسمح نفسك في أن تقتل واداً منهم بقول جارية فإنها إما أن تكون صادقة أو كاذبة، ولعل هذه مكيدة منها لولدك فقال وهل بلغك شيء من كيدهن أيها الوزير؟ قال نعم بلغني أيها الملك أنه كان ملك من ملوك الزمان مغرماً بحب النساء، فبينما هو قاعد في قصره يوماً من الأيام إذ وقعت عينه على جارية وهي على سطح بيتها وكانت ذات حسن وجمال، فلما رآها لم يتمالك نفسه من المبحة فسأل عن ذلك البيت فقالوا له هذا البيت لوزيرك فلان فقام من ساعته وأرسل إلى الوزير فلما حضر بين يديه أمره أن يسافر في بعض جهات المملكة ليطلع عليها ثم يعنود، فسافر الوزير كما أمره الملك.

فلما رأته الجارية عرفته فوثبت على قدميها وقبلت يديه ورجليه فرحبت به ووقفت بعيداً عنه مشتغلة بخدمته، ثم قالت يا مولانا ما سبب القدوم المبارك ومثلي لا يكون له ذلك، فقال سببه أن عشقك والشوق إليك قد أرماني على ذلك، فقبلت الأرض بين يديه ثانياً وثالثاً وقالت له يا مولاي أنا لا أصلح أن أكون جارية لبعض خدام الملك فمن أين يكون لي عندك هذا الحظ حتى صرت عندك بهذه المنزلة فمد الملك يده إليها فقالت هذا الأمر لا يفوتنا ولكن صبراً أيها الملك وأقم عندي هذا اليوم كله حتى أصنع لك شيئاً تأكله قال فجلس الملك على مرتبة وزيره ثم نهضت قائمة وأتته بكتاب فيه من المواعظ والأدب ليقرأ فيه حتى تجهز له الطعام فأخذه الملك وجعل يقرأ فيه فوجد فيه من المواعظ والحكم، وما زجره عن الزنا وكسر همته عن ارتكاب المعاصي.

فلما جهزت له الطعام قدمته بين يديه وكانت عنده الصحون تسعين صحناً فجعل الملك يأكل من كل صحن ملعقة، والطعام أنواع مختلفة وطعمها واحد فتعجب الملك من ذلك غاية العجب، ثم قال أيتها الجارية أرى هذه الأنواع كثيرة وطعمها واحد، فقالت له الجارية أسعد الله الملك هذا مثل ضربته لك لتعتبر به فقال لها وما سببه فقالت أصلح الله حال مولانا الملك إن في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهن واحد. فلما سمع الملك هذا الكلام خجل منها وقام من وقته وخرج من المنزل ولم يتعرض لها بسوء ومن خجله نسي خاتمه عندها تحت الوسادة، ثم توجه إلى قصره فلما جلس الملك في قصره حضر الوزير في ذلك الوقت وتقدم إلى الملك وقبل الأرض بين يديه وأعلمه بحال ما أرسله إليه، ثم سار الوزير إلى أن دخل بيته وقعد على مرتبته ومد يده تحت الوسادة فلقي خاتم الملك تحتها فرفعه الوزير وحمله على قلبه وانعزل عن الجارية مدة سنة كاملة ولم يكلمها وهي لا تعلم ما سبب غيظه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير انعزل عن الجارية مدة سنة كاملة ولم يكلمها وهي لا تعلم ما سبب غيظه، فلما طال بها المطال ولم تعلم ما سبب ذلك أرسلت إلى أبيها وأعلمته بما جرى لها معه من انعزاله عنها مدة سنة كاملة فقال لها أبوها إني أشكوه حين تكون بحضرة الملك فدخل يوماً من الأيام فوجده بحضرة الملك وبين يديه قاضي العسكر، فادعى عليه فقال أصلح الله تعالى حال الملك إنه كان لي روضة حسنة غرزتها بيدي، وأنفقت عليها مالي حتى أثمرت وطاب جناها فأهديتها لوزيرك هذا فأكل منها ما طاب له ثم رفضها ولم يسقها فيبس زهرها، وذهب رونقها وتغيرت حالتها فقال الوزير أيها الملك صدق هذا في مقالته إني كنت أحفظها وآكل منها فذهبت يوماً إليها فرايت أثر السد هناك فخفت على نفسي فعزلت نفسي عنها ففهم الملك أن الأثر الذي وجده الوزير هو خاتم الملك الذي نسيه في البيت.

فقال الملك عند ذلك لوزيره ارجع أيها الوزير لروضتك وأنت آمن مطمئن فإن الأسد لم يقربها وقد بلغني أنه وصل إليها ولكن لم يتعرض لها بسوء وحرمة آبائي وأجدادي فقال الوزير عند ذلك سمعاً وطاعة ثم إن الوزير رجع إلى بيته وأرسل إلى زوجته وصالحها ووثق بصيانتها وبلغني أيها الملك أيضاً أن تاجراً كان كثير الأسفار وكانت له زوجة جميلة يحبها ويغار عليها من كثرة المحبة فاشترى لها درة فكانت الدرة تعلم سيدها بما يجري في غيبته.

فلما كان في بعض أسفاره تعلقت امرأة التاجر بغلام كان يدخل عليها فتكرمه وتواصله مدة غياب زوجها، فلما قدم زوجها من سفره وأعلمته الدرة بما جرى وقالت له يا سيدي غلام تركي كان يدخل على زوجتك في غيابك فتكرمه غاية الإكرام فهم الرجل بقتل زوجته.

فلما سمعت ذلك قالت له يا رجل اتق الله وارجع إلى عقلك هل يكون لطير عقل أو فهم وإن أردت أن أبين لك ذلك لتعرف كذبها من صدقها فامض هذه الليلة ونم عند بعض أصدقائك، فإذا أصبحت فتعال واسألها حتى تعلم هل تصدق هي فيما تقول أو تكذب، فقام الرجل وذهب إلى بعض أصدقائه فبات عنده.

فلما كان الليل عمدت زوجة الرجل إلى قطعة نطع غطت به قفص الدرة وجعلت ترش على ذلك النطع شيئاً من الماء وتروح عليه بمروحة وتقرب إليها السراج على صورة لمعان البرق وصارت تدير الرحى إلى أن أصبح الصباح.

فلما جاء زوجها قالت له يا مولاي اسأل الدرة، فجاء زوجها إلى الدرة يحدثها ويسألها عن ليلتها الماضية، فقالت له الدرة يا سيدي ومن كان ينظر أو يسمع في تلك الليلة الماضية فقال لها لأي شيء فقالت يا سيدي من كثرة المطر والريح والرعد والبرق فقال لها كذبت إن الليلة التي مضت ما كان فيها شيء من ذلك، فقالت الدرة ما أخبرتك إلا بما عاينت وشاهدت وسمعت فكذبها في جميع ما قالته عن زوجته وأراد أن يصالح زوجته فقالت والله ما اصطلح حتى تذبح هذه الدرة التي كذبت علي فقام الرجل إلى الدرة وذبحها ثم أقام بعد ذلك مع زوجته مدة أيام قلائل ثم رأى في بعض الأيام ذلك الغلام التركي وهو خارج من بيته فعلم صدق قول الدرة وكذب زوجته، فندم على ذبح الدرة ودخل من وقته وساعته على زوجته وذبحها وأقسم على نفسه أنه لا يتزوج بعدها امرأة مدة حياته وما أعلمتك أيها الملك إلا لتعلم أن كيدهن عظيم والعجلة تورث الندامة فرجع الملك عن قتل ولده.

فلما كان في اليوم الثاني دخلت عليه الجارية وقبلت الأرض بين يديه وقالت له أيها الملك كيف أهملت حقي وقد سمع الملوك عنك أنك أمرت بأمر ثم نقضه وزيرك وطاعة الملك من نفاذ أمره وكل واحد يعلم عدلك وإنصافك فانصفني من ولدك.

فقد بلغني أن رجلاً قصاراً يخرج كل يوم إلى شاطئ الدجلة يقصر القماش ويخرج معه ولده فينزل النهر ليعوم فيه مدة إقامته ولم ينهه والده عن ذلك فبينما هو يعوم يوماً من الأيام غذ تعبت سواعده فغرق، فلما نظر إليه أبوه وثب عليه وترامى إليه، فلما أمسكه أبوه تعلق به ذلك الولد فغرق الأب والابن جميعاً فكذلك أنت أيها الملك إذا لم تنه ولدك وتأخذ حقي منه أخاف عليك أن تغرق كل منكما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما حكت للملك حكاية القصار وولده وقالت أخاف أن تغرق أنت وولدك أيضاً قالت وكذلك بلغني من كيد الرجال أن رجلاً عشق امرأة كانت ذات حسن وجمال وكان لها زوج وكانت تلك المرأة صالحة عفيفة، ولم يجد الرجل العاشق إليها سبيلاً فطال عليه الحال ففكر في الحيلة، وكان لزوج المرأة غلام رباه في بيته وذلك الغلام أمين عنده، فجاء إليه ذلك العاشق وما زال يلاطفه بالهدية والإحسان إلى أن صار الغلام طوعاً له فيما يطلبه منه، فقال له يوماً من الأيام يا فلان أما تدخل بي منزلكم إذا خرجت سيدتك منه فقال له نعم.

فلما خرجت سيدته إلى الحمام وخرج سيده إلى الدكان جاء الغلام إلى صاحبه وأخذ بيده إلى أن أدخله المنزل، ثم عرض عليه جميع ما في المنزل وكان العاشق مصمماً على مكيدة يكيد بها المرأة، فأخذ بياض بيضه معه في إناء ودنا من فراش الرجل وسكبه على الفراش من غير أن ينظر إليه الغلام ثم خرج من المنزل ومضى إلى حال سبيله، ثم بعد ساعة دخل الرجل فأتى الفراش ليستريح عليه فوجد فيه بللاً فأخذه بيده، فلما رآه ظن في عقله أنه مني رجل فنظر إلى الغلام بعين الغضب ثم قال له أين سيدتك فقال له ذهبت إلى الحمام وتعود في هذه الساعة فتحقق ظنه وغلب على عقله أنه مني رجل، فقال للغلام أخرج في هذه الساعة وأحضر سيدتك.

فلما حضرت بين يديه وثب قائماً إليها وضربها ضرباً عنيفاً ثم كتفها وأراد أن يذبحها، فصاحت على الجيران فأدركوها فقالت لهم إن هذا الرجل يريد أن يذبحني ولا أعرف لي ذنباً، فقام عليه الجيران وقالوا له ليس لك عليها سبيل إما أن تطلقها وإما أن تمسكها بمعروف فإنا نعرف عفافها وهي جارتنا مدة طويلة ولم نعلم عليها سوءاً أبداً، فقال إني رأيت في فراشي منياً كمني الرجال وما أدري سبب ذلك فقام رجل من الحاضرين وقال له أرني ذلك.

فلما رآه الرجل قال أحضر لي ناراً ووعاء فلما أحضر له ذلك أخذ البياض قلاه على النار وأكل منه الرجل وأطعم الحاضرين، فتحقق الحاضرون أنها بياض بيض فعلم الرجل أنه ظلم زوجته وأنها بريئة من ذلك، ثم دخل عليه الجيران وصالحوه هو وإياها بعد أن طلقها وبطلت حيلة ذلك الرجل فيما دبره من المكيدة لتلك المرأة وهي غافلة.

فاعلم أيها الملك أن هذا من كيد الرجال فأمر الملك بقتل ولده فتقدم الوزير الثاني وقبل الأرض بين يديه وقال له أيها الملك لا تعجل على قتل ولدك فإن أمه ما رزقته إلا بعد يأس، ونرجو أن يكون ذخيرة في ملكك وحافظاً على مالك فتصبر أيها الملك لعل له حجة يتكلم بها فإن عجلت على قتله ندمت كما ندم الرجل التاجر قال له الملك وكيف كان ذلك وما حكايته يا وزير قال بلغني أيها الملك أنه كان تاجر لطيف في مأكله ومشربه، فسافر يوماً من الأيام إلى بعض البلاد، فبينما هو يمشي في اسواقها وإذا بعجوز معها رغيفان فقال لها هل تبيعيهما فقالت له نعم فساومها بأرخص ثمن واشتراهما منها وذهب بهما منزله فأكلهما ذلك اليوم.

فلما أصبح الصباح عاد إلى ذلك المكان فوجد العجوز ومعها الرغيفان فاشتراهما أيضاً منها ولم يزل كذلك مدة عشرين يوماً، ثم غابت العجوز عنه فسأل عنها فلم يجد لها خبراً، فبينما هو ذات يوم من الأيام في بعض شوارع المدينة إذ وجدها، فوقف وسلم عليها وسألها عن سبب غيابها وانقطاع الرغيفين عنه فلما سمعت العجوز كلامه تكاسلت عن رد الجواب فأقسم عليها أن تخبره عن أمرها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر لما أقسم على العجوز أن تخبره عن أمرها، فقالت له يا سيدي اسمع مني الجواب وما ذلك غلا أني كنت أخدم إنساناً وكانت به أكلة في صلبه وكان عنده طبيب يأخذ الدقيق ويلته بسمن ويجعله على الموضع الذي فيه الوجع طوال ليلته إلى أن يصبح الصباح، فأخذ ذلك الدقيق واجعله رغيفين وأبيعهما لك أو لغيرك، وقد مات ذلك الرجل فانقطع عني الرغيفين.

فلما سمع التاجر ذلك الكلام قال إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولم يزل ذلك التاجر يتقيأ إلى أن مرض وندم ولم يفده الندم، وبلغني أيها الملك من كيد النساء أن رجلاً كان يقف بالسيف على رأس ملك من الملوك وكان لذلك الرجل جارية يهواها، فبعث إليها يوماً من الأيام علامة برسالة على العادة بينهما، فجلس الغلام عندها ولاعبها فمالت إليه وضمته إلى صدرها فطلب منها المجامعة فطاوعته.

فبينما هما كذلك وإذا بسيد الغلام قد طرق الباب، فأخذت الغلام ورمته في طابق عندها ثم فتحت الباب فدخل وسيفه بيده فجلس على فراش المرأة فأقبلت عليه تمازحه وتلاعبه وتضمه إلى صدرها وتقبله، فقام الرجل إليها وجامعها وإذا بزوجها يدق على الباب فقال لها من هذا قالت زوجي، فقال لها كيف أفعل وكيف الحيلة في ذلك، فقالت له قم سل سيفك وقف في الدهليز ثم سبني واشتمني، فإذا دخل زوجي عليك فاذهب وامضي إلى حال سبيلك ففعل ذلك.

فلما دخل زوجها رأى خازندار الملك واقفاً وسيفه مسلول بيده وهو يشتم زوجته ويهددها.

فلما رآه الخازندار استحى وأغمد سيفه وخرج من البيت، فقال الرجل لزوجته ما سبب ذلك فقالت له يا رجل ما ابرك هذه الساعة التي أتيت فيها قد أعتقت نفساً مؤمنة من القتل، وما ذاك إلا أنني كنت فوق السطح أغزل وإذا بغلام قد دخل علي مطروداً ذاهب العقل، وهو يلهث خوفاً من القتل وهذا الرجل مجرد سيفه وهو يسرع وراءه ويجد في طلبه، فوقع الغلام علي وقبل يدي ورجلي وقال يا سيدتي أعتقيني ممن يريد قتلي ظلماً، فخبأته في الطابق الذي عندنا.

فلما رأيت هذا الرجل قد دخل وسيفه مسلول، أنكرته منه حين طلبه مني فصار يشتمني ويهددني كما رأيت، والحمد لله الذي لي فإني كنت حائرة وليس عندي أحد ينقذني فقال لها زوجها نعم ما فعلت يا امرأة أجرك على الله فيجازيك بفعلك خيراً.

ثم إن زوجها ذهب إلى الطابق ونادى الغلام وقال له اطلع لا بأس عليك فطلع من الطابق وهو خائف، والرجل يقول له ارح نفسك لابأس عليك وصار يتوجع لما أصابه والغلام يدعو لذلك الرجل ثم خرجا جميعاً ولم يعلمه بما دبرته هذه المرأة.

فاعلم أيها الملك أن هذا من جملة كيد النساء، فإياك والركون إلى قولهن فرجع الملك عن قتل ولده.

فلما كان اليوم الثالث، دخلت الجارية على الملك وقبلت الأرض بين يديه وقالت له أيها الملك خذ لي حقي من ولدك، ولا تركن إلى قول وزرائك فإن وزرائك اليوم لا خير فيهم، ولا تكن كالملك الذي ركن إلى وزير السوء من وزرائه، فقال لها: وكيف كان ذلك؟ قالت: بلغني أيها الملك السعيد ذا الرأي الرشيد، أن ملكاً من الملوك كان له ولد يحبه ويكرمه غاية الإكرام ويفضله على سائر أولاده، فقال له يوماً من الأيام يا أبت إني اريد أن أذهب إلى الصيد والقنص، فأمر بتجهيزه وأمر وزيراً من وزراءه، إن يخرج معه في خدمته ويقضي له جميع مهماته في سفره فأخذ ذلك الوزير جميع ما يحتاج إليه الولد في السفر، وخرج معهما الخدم والنواب والغلمان، وتوجهوا إلى الصيد حتى وصلوا إلى أرض مخضرة ذات عشب ومرعى ومياه الصيد فيها كثيرة، فتقدم ابن الملك للوزير وعرفه بما أعجبه من التنزه، فأقاموا بتلك الرض مدة أيام وابن الملك في أطيب عيش وأرغده ثم أمرهم ابن الملك بالانصراف، فاعترضته غزالة قد انفردت عن رفقتها فاشتاقت نفسه إلى اقتناصها وطمع فيها فقال للوزير إني أريد أن أتبع هذه الغزالة، فقال له الوزير افعل ما بدا لك فتبعها الولد منفرداً وحده وطلبها طول النهار إلى المساء ودخل الليل، فصعدت الغزالة إلى محل وعر وأظلم على الولد الليل، وأراد الرجوع فلم يعرف أين يذهب فبقي محيراً في نفسه وما زال راكباً على ظهر فرسه إلى أن أصبح الصباح، ولم يلق فرجاً لنفسه ثم سار ولم يزل سائراً خائفاً جائعاً عطشاناً وهو لا يدري أين يذهب حتى انتصف عليه النهار وحميت الرمضاء، وإذا هو قد أشرف على مدينة عالية البنيان مشيدة الأركان وهي قفرة خراب ليس فيها غير البوم والغراب.
فبينما هو واقف عند تلك المدينة يتعجب من رسومها، إذ لاحت منه نظرة فرأى جارية ذات حسن وجمال، تحت جدار من جدرانها وهي تبكي، فدنا منها وقال لها من تكوني، فقالت له أنا بنت التميمة ابنة الطباخ ملك الأرض الشهباء خرجت ذات يوم من الأيام أقضي حاجة لي فاختطفني عفريت من الجن وطار بين السماء والأرض فنزل عليه شهب من نار فاحترق فسقطت ههنا ولي ثلاثة أيام بالجوع والعطش فلما نظرتك طمعت في الحياة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما خاطبته بنت الطباخ وقالت له نظرتك طمعت في الحياة أدركت ابن الملك علها الرأفة فأركبها وراءه على جواده، وقال لها طيبي نفساً وقري عيناً إن ردني الله سبحانه وتعالى إلى قومي وأهلي أرسلتك إلى أهلك.

ثم سار ابن الملك يلتمس الفرج، فقالت له الجارية التي وراءه يا ابن الملك أنزلني حتى أقضي حاجة تحت هذا الحائط فوقف وأنزلها ثم انتظرها فتوارت في الحائط ثم خرجت بأشنع منظر، فلما رآها ابن الملك اقشعر بدنه وطار عقله وخاف منها وتغيرت حالته.

ثم وثبت تلك الجارية لتركب وراء ظهره على الجواد، وهي في صورة أقبح ما يكون من الصور ثم قالت له يا ابن الملك ما لي أراك قد تغير وجهك فقال لها إني تذكرت أمراً أهمني فقالت له استعن عليه بجيوش أبيك وأبطاله فقال لها إن الذي أهمني لا تزعجه الجيوش ولا يهتم بالأبطال، فقالت استعن عليه بمال أبيك وذخائره فقال لها إن الذي أهمني لا يقنع بالمال ولا بالذخائر فقالت: إنكم تزعمون أن لكم في السماء إلهاً يرى أنه قادر على كل شيء فقال لها نعم ما لنا إلا هو فقالت له ادعه لعله يخلصك مني.

فرفع ابن الملك طرفه إلى السماء وأخلص بقلبه الدعاء وقال: اللهم إني استعنت بك على هذا الأمر الذي أهمني وأشار بيده إليها فسقطت على الأرض محروقة مثل الفحمة، فحمد الله وشكره وما زال يجد في المسير والله سبحانه وتعالى يهون عليه العسير ويدله في الطرق إلى أن أشرف على بلاده ووصل إلى ملك أبيه بعد أن كان قد يئس من الحياة وكان ذلك كله برأي الوزير الذي سافر معه لأجل أن يهلكه في سفرته فنصره الله تعالى، وإنما أخبرتك أيها الملك لتعلم أن وزراء السوء لا يصفون النية ولا يحسنون الطوية مع ملوكهم فكن من ذلك الأمر على حذر.

فاقبل عليهما الملك وسمع كلامها وأمر بقتل ولده، فدخل الوزير الثالث وقال أنا أكفيكم شر الملك في هذا النهار، ثم إن الوزير دخل على الملك وقبل الأرض بين يديه وقال له أيها الملك إني ناصحك ومشفق عليك وعلى دولتك ومشير عليك برأي سديد وهو أن لا تعجل على قتل ولدك وقرة عينك وثمرة فؤادك، فربما كان ذنبه أمراً هيناً قد عظمته عندك هذه الجارية فقد بلغني أن أهل قريتين أفنوا بعضهم على قطرة عسل. فقال له الملك وكيف ذلك فقال له اعلم أيها الملك أنه بلغني أن رجلاً صياداً كان يصيد الوحوش في البرية فدخل يوماً من الأيام كهفاً من كهوف الجبل فوجد فيه حفرة ممتلئة عسل نحل فجمع شيئاً من ذلك العسل في قربة كانت معه ثم حمله على كتفه وأتى به إلى المدينة ومعه كلب صيد وكان ذلك الكلب عزيزاً عليه، فوقف الرجل الصايد على دكان زيات وعرض عليه العسل فاشتراه صاحب الدكان، ثم فتح القربة وأخرج منها العسل لينظره فقطرت القربة قطرة عسل فسقط عليها طير، وكان الزيات له قط فوثب على الطير فرآه كلب الصياد فوثب على القط فقتله، فوثب الزيات على كلب الصياد فقتله فوثب الصياد على الزيات فقتله وكان للزيات قرية وللصياد قرية، فسمعوا بذلك فأخذوا أسلحتهم وعددهم وقاموا على بعضهم بعضاً، والتقى الصفان فلم يزل السيف دائراً بينهم إلى أن مات منهم خلق كثير، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى.

وقد بلغني أيها الملك من جملة كيد النساء أن امرأة دفع لها زوجها درهماً لتشتري به أرز، فأخذت منه الدرهم وذهبت به إلى بياع الأرز، فأعطاها الأرز وجعل يلاعبها ويغامزها ويقول لها: إن الأرز لا يطيب إلا بالسكر فإن أردتيه فادخلي عندي قدر ساعة، فدخلت المرأة عنده في الدكان، فقال بياع الأرز لعبده زن لها بدرهم سكر وأعطاه سيده رمزاً فأخذ العبد المنديل من المرأة وفرغ منه الأرز وجعل في موضعه تراباً وجعل بدل السكر حجراً وعقد المنديل وتركه عندها.

فلما خرجت المرأة من عنده، أخذت مندليها وانصرفت إلى منزلها وهي تحسب أن الذي في منديلها أرزاً وسكراً.

فلما وصلت إلى منزلها ووضعت المنديل بين يدي زوجها، وجد فيه تراباً وحجراً، فلما أحضرت القدر قال لها زوجها هل نحن قلنا لك إن عندنا عمارة حتى جئت لنا بتراب وحجر! فلما نظرت إلى ذلك علمت أن عبد البياع نصب عليها وكانت قد أتت بالقدر في يدها فقالت لزوجها يا رجل من شغل البال الذي أصابني لاجيء بالغربال فجئت بالقدر، فقال لها زوجها وأي شيء أشغل بالك؟ قالت له يا رجل إن الدرهم الذي كان معي سقط مني في السوق فاستحيت من الناس أن أدور عليه، وما هان علي أن الدرهم يروح مني فجمعت التراب من ذلك الموضع الذي فيه الدرهم وأردت أن أغربله وكنت رائحة أجيء بالغربال فجئت بالقدر.

ثم ذهبت وأحضرت الغربال وأعطته لزوجها وقالت له غربله فإن عينك أصح من عيني: فقعد الرجل يغربل في التراب إلى أن امتلأ وجهه ودقنه من المغبار وهو لا يدري مكرها وما وقع منها، فهذا أيها الملك من جملة كيد النساء وانظر إلى قول الله تعالى إن كيدهن عظيم، وقوله سبحانه وتعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.

فلما سمع الملك من كلام الوزير ما أقنعه وأرضاه وزجره عن هواه وتأمل ما تلاه عليه من آيات الله، سطعت أنوار الصحية على سماء عقله وخلده ورجع عن تصميمه على قتل ولده.

فلما دخل اليوم الرابع، دخلت الجارية على الملك وقبلت الأرض بين يديه وقالت له أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد: قد أظهرت لك حقي عياناً فظلمتني وأهملت مقاصصة غريمي ولدك ومهجة قلبك وسوف ينصرني الله سبحانه وتعالى كما نصر الله ابن الملك على وزير أبيه فقال وكيف كان ذلك فقالت له الجارية: بلغني أيها الملك أنه كان ملك من الملوك الماضية له ولد ولم يكن له من الأولاد غيره، فلما بلغ ذلك الولد زوجه بابنة ملك آخر وكانت جارية ذات حسن وجمال وكان لها ابن عم قد خطبها من أبيها ولم تكن راضية بزواجها منه.
فلما علم ابن عمها أنها تزوجت بغيره أخذته الغيرة، فاتفق رأي ابن عم الجارية أن يرسل الهدايا إلى وزير الملك الذي تزوج بها ابنه فأرسل إليه هدايا عظيمة وأنفذ إليه أموالاً كثيرة وسأله أن يحتال على قتل ابن الملك بمكيدة تكون سبباً لهلاكه أو يتلطف به حتى يرجع عن زواج الجارية، وبعث يقول له أيها الوزير لقد حصل عندي من الغيرة على ابنة عمي ما حملني على هذا الأمر فلما وصلت الهدايا إلى الوزير قبلها وأرسل إليه يقول له طب نفساً وقر عيناً فلك عندي كل ما تريده، ثم إن الملك أبا الجارية أرسل إلى ابن الملك بالحضور إلى مكانه لأجل الدخول على ابنته. فلما وصل الكتاب إلى ابن الملك أذن له أبوه في المسير وبعث معه الوزير الذي جاءت له الهدايا، وأرسل معهما ألف فارس وهدايا ومحامل وسرادقات وخياماً فسار الوزير مع ابن الملك وفي ضميره أن يكيده بمكيدة وأضمر له في قلبه السوء فلما صاروا في الصحراء تذكر الوزير أن في هذا الجبل عيناً جارية من تعرش بالزهراء وكل من شرب منها إذا كان رجلاً يصير امرأة فلما تذكر الوزير أنزل العسكر بالقرب منها وركب الوزير جواده ثم قال لابن الملك هل لك أن تروح معي نتفرج على عين ماء في هذا المكان، فركب ابن الملك وسار هو ووزير أبيه وليس معهما أحد، وابن الملك لا يدري ما سبق له في الغيب ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى تلك العين، فنزل ابن الملك من فوق جواده وغسل يديه وشرب منها وإذا به قد صار امرأة.

فلما عرف ذلك صرخ وبكى حتى غشي عليه فأقبل عليه الوزير يتوجع لما أصابه ويقول ما الذي أصابك فأخبره الولد بما جرى له، فلما سمع الوزير كلامه توجع له وبكى لما أصاب ابن الملك، ثم قال له يعيذك الله تعالى من هذا الأمر، كيف حلت بك هذه المصيبة، وعظمت بك تلك الرزية، ونحن سائرون بفرحة لك حيث تدخل على ابنة الملك، والآن لا أدري هل نتوجه إليها أم لا والرأي لك فما تأمر به.

فقال الولد ارجع إلى أبي وأخبره بما أصابني، فإني لا أبرح من هنا حتى يذهب عني هذا الأمر أو أموت بحسرتي، فكتب الولد كتاباً إلى أبيه يعلمه بما جرى له، ثم أخذ الوزير الكتاب وانصرف راجعاً إلى مدينة الملك، وترك العسكر والولد وما معه من الجيوش عنده وهو فرحان في الباطن بما فعل بابن الملك.

فلما دخل الوزير على الملك أعلمه بقضية ولده وأعطاه كتابه فحزن الملك على ولده حزناً شديداً، ثم أرسل إلى الحكماء وأصحاب الأسرار أن يكشفوا له عن هذا الأمر الذي حصل لولده فما أحد رد عليه جواباً، ثم إن الوزير أرسل إلى ابن عم الجارية يبشره بما حصل لابن الملك، فلما وصل إليه الكتاب فرح فرحاً شديداً وطمع في زواج ابنة عمه وأرسل إلى الوزير هدايا عظيمة وأموالاً كثيرة وشكره شكراً زائداً، وأما ابن الملك فإنه أقام على تلك العين مدة ثلاثة أيام بلياليها لا يأكل ولا يشرب، واعتمد فيما أصابه على الله سبحانه وتعالى الذي ما خاب من توكل عليه، فلما كان في الليلة الرابعة غذ هو بفارس على رأسه تاج وهو في صفة أولاد الملوك.

فقال له الفارس من أتى بك أيها الغلام إلى هنا؟ فأعلمه الولد بما أصابه وأنه كان مسافراً إلى زوجته ليدخل عليها، وأعلمه أن الوزير قد أتى به إلى عين الماء ليشرب منها فحصل له ما حصل، وكلما تحدث الغلام يغلبه البكاء فيبكي، فلما سمع الفارس كلامه رثى لحاله وقال له إن وزير أبيك هو الذي رماك في هذه المصيبة لأن هذه العين لا يعلم بها أحد من البشر إلا رجل واحد ثم إن الفارس أمره أن يركب معه فركب الولد وقال له الفارس امض معي إلى منزلي فأنت ضيفي في هذه الليلة.

فقال له الولد أعلمني من أنت حتى أسير معك، فقال له أنا ابن ملك الجن وأنت ابن ملك الإنس فطب نفساً وقر عيناً بما يزيل همك وغمك، فهو علي هين فسار معه الولد من أول النهار، وأهمل جيوشه وعساكره ومازال سائراً معه إلى نصف الليل فقال له ابن ملك الجن قطعنا مسييرة سنة للمجد المسافر فتعجب ابن الملك من ذلك وقال له كيف العمل والرجوع إلى أهلي، فقال له ليس هذا من شأنك إنما هو من شأني وحين تبرأ من علتك تعود إلى أهلك في أسرع من طرفة العين وذلك علي هين، فلما سمع الغلام من الجني هذا الكلام طار من شدة الفرح وظن أنه أضغاث أحلام وقال سبحان القدير على أن يرد الشقي سعيد وفرح بذلك فرحاً شديداً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن ملك الجن قال لابن ملك الإنس فحين تبرأ من علتك تعود إلى أهلك في أسرع من طرفة عين ففرح بذلك ولم يزالا سائرين حتى انتهيا إلى عين ماء تسيل من جبال سود، فقال للشاب انزل فنزل الشاب من فوق جواده، ثم قال له اشرب من هذه العين فشرب منها فصار لوقته وساعته ذكراً كما كان أولاً بقدرة الله تعالى، ففرح الشاب فرحاً شديداً ما عليه من مزيد ثم قال له يا أخي ما يقال لهذه العين؟ فقال له يقال لها عين النساء لا تشرب منه امرأة إلا صارت رجلاً فاحمد الله واشكره على العافية واركب جوادك فسجد ابن الملك شكراً لله تعالى، ثم ركب وسارا يجدان السير بقية يومهما حتى رجعا إلى أرض ذلك الجني، فبات الشاب عنده في أرغد عيش ولم يزالا في أكل وشرب إلى أن جاء الليلن ثم قال له ابن ملك الجن أتريد أن ترجع إلى أهلك في هذه الليلة؟ فقال نعم أريد ذلك لأني محتاج إليه، فدعا ابن ملك الجن بعبد له من عبيد أبيه اسمه راجز وقال له خذ هذا الفتى من عندي واحمله على عاتقك ولا تخل الصباح يصبح عليه إلا وهو عند صهره وزوجته فقال له العبد سمعاً وطاعة وحباً وكرامة ثم غاب العبد عنه ساعة وأقبل وهو في صورة عفريت.

فلما رآه الفتى طار عقله واندهش، فقال ابن ملك الجن لا بأس عليك اركب جوادك واعل به فوق عاتقه فقال الشاب بل اركب أنا واترك الجواد عندك ثم نزل الشاب عن الجواد وركب على عاتقه، فقال له ابن ملك الجن أغمض عينيك وطار العبد بين السماء والأرض ولم يزل طائراً به ولم يدر الشاب بنفسه فما جاء ثلث الليل الأخير إلا وهو على قصر صهره فلما نزل على قصره قال له العفريت انزل فنزل وقال افتح عينيك فهذا قصر صهرك وابنته ثم تركه ومضى، فلما أضاء النهار وسكن الشاب من روعه نزل من فوق القصر فلما نظره صهره قام إليه وتلقاه وتعجب حيث رآه فوق القصر، ثم قال له إنا رأينا الناس تأتي من الأبواب وأنت تنزل من السماء فقال له قد كان الذي أراده الله سبحانه وتعالى فتعجب الملك من ذلك وفرح بسلامته.

فلما طلعت الشمس أمر صهره وزيره أن يعمل الولائم العظيمة، فعمل الولائم واستقام العرس، ثم دخل على زوجته وأقام مدة شهرين ثم ارتحل بها إلى مدينة أبيه وأما ابن عم الجارية فإنه هلك من الغيرة والحسد لما دخل بها ابن الملك ونصره الله سبحانه وتعالى عليه وعلى وزير أبيه بزوجته على أتم حال وأكمل سرور فتلقاه أبوه بعسكره ووزرائه، وأنا أرجو الله تعالى أن ينصرك على وزرائك أيها الملك وأنا أسألك أن تأخذ حقي من ولدك، فلما سمع الملك ذلك منها أمر بقتل ولده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما حكت للملك وقالت أسألك أن تأخذ حقي من ولدك أمر بقتله، وكان ذلك في اليوم الرابع فدخل على الملك الوزير الرابع وقبل الأرض بين يديه، وقال ثبت الله الملك وأيده أيها الملك تأن في هذا الأمر الذي عزمت عليه لأن العاقل لا يعمل عملاً حتى ينظر في عاقبته وصاحب المثل يقول:

من لم ينظر في العواقب فما الدهر له بصاحـب

وبلغني أيضاً أيها الملك السعيد من كيد النساء حكاية أخرى قال له الملك وما بلغك قال له بلغني أيها الملك، أن امرأة ذات حسن وجمال وبهاء وكمال لم يكن لها نظير فنظرها بعض الشبان المغاوين فتعلق بها وأحبها محبة عظيمة وكانت تلك المرأة عفيفة عن الزنا وليس لها فيه رغبة فاتفق أن زوجها سافر يوماً من الأيام إلى بعض البلاد فصار الشاب كل يوم يرسل إليها مرات عديدة ولم تجبه فقصد الشاب عجوزاً كانت ساكنة بالقرب منه، فسلم عليها وقعد يشكو إليها ما أصابه من المحبة وما هو عليه من عشق المرأة وأخبرها أنه مراده وصالها، فقالت له العجوز أنا أضمن لك ذلك ولابأس عليك، وأنا أبلغك ما تريد إن شاء الله، فلما سمع الشاب كلامها دفع لها ديناراً ثم انصرف إلى حال سبيله. فلما أصبح الصباح دخلت العجوز على المرأة وجدت معها عهداً ومعرفة وصارت العجوز تتردد إليها في كل يوم وتتغدى وتتعشى عندها وتأخذ من عندها بعض الطعام إلى أولادها، وصارت تلك العجوز تلاعبها وتباسطها إلى أن أفسدت حالها وصارت لا تقدر على مفارقة العجوز ساعة واحدة، فاتفق في بعض الأيام أن العجوز وهي خارجة من عند المرأة كانت تأخذ خبزاً وتجعل فيه شحماً وفلفلاً وتطعمه إلى كلبة مدة أيام فجعلت الكلبة تتبعها من أجل الشفقة والحسنة فأخذت لها يوماً شيئاً كثيراً من الفلفل والشحم وأطعمته لها، فما أكلته صارت عيناها تدمع من حرارة الفلفل ثم تبعتها الكلبة وهي تبكي فتعجبت منها الصبية غاية العجب، ثم قالت للعجوز يا أمي ما سبب بكاء هذه الكلبة؟ فقالت لها يا بنتي هذه لها حكاية عجيبة فإنها كانت صبية وكانت صاحبتي ورفيقتي وكانت صاحبة حسن وجمال وبهاء وكمال وكان قد تعلق بها شاب في الحارة وزاد بها حباً وشغفاً حتى لزم الوسادة وأرسل إليها مرات عديدة لعلها ترق له وترحمه فأبت، فنصحتها وقلت لها يا بنتي أطيعيه في جميع ما قاله وارحميه واشفقي عليه فما قبلت نصيحتي.

فلما قل صبر هذا الشاب شكا لبعض أصحابه، فعملوا لها سحراً وقلبوا صورتها من صورة البشر إلى صورة الكلاب، فلما رأت ما حصل لها وما هي فيه من الأحوال وانقلاب الصورة، ولم تجد من المخلوقين من يشفق عليها غيري، جاءتني إلى منزلي وصارت تستعطف بي وتقبل يدي ورجلي وتبكي وتنتحب فعرفتها وقلت لها كثيراً ما نصحتك فلم يفدك نصحي شيئاً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز صارت تحكي للمرأة خبر الكلبة وتعرفها عن حالها بمكر وخداع لأجل موافقتها لغرض تلك العجوز وجعلت تقول لها لما جاءتني هذه الكلبة المسحورة وبكت قلت لها: كم نصحتك ولكن يا بنتي لما رايتها في هذه الحالة أشفقت عليها وأبقيتها عندي فهي على هذه الحالة وكلما تتفكر حالتها الأولى تبكي على نفسها.

فلما سمعت الصبية كلام العجوز حصل لها رعب كبير وقالت لها يا أمي والله إنك خوفتيني بهذه الحكاية فقالت لها العجوز من أي شيء تخافين فقالت لها إن شاباً مليحاً متعلقاً بحبي وأرسل إلي مرات وأنا أمتنع منه وأنا اليوم أخاف أن يحصل لي مثل ما حصل لهذه الكلبة فقالت لها العجوز احذري يا بنتي أن تخالفي فإني أخاف عليك كثيراً وإذا كنت لم تعرفي محله فأخبريني بصفته وأنا أجيء به إليك ولا تخلي قلب أحد يتغير عليك، فوصفته لها وجعلت تتغافل وتريها أنها لم تعرفه وقالت لها لما أقوم واسأل عنه.

فلما خرجت من عندها ذهبت إلى الشاب تفتش عليه فلم تقف له على خبر وقالت في نفسها كيف العمل أيروح الأكل الذي فعلته خسارة والوعد الذي وعدتني به من الدراهم ولكن لم أخل هذه الحيلة تروح بلا شيء بل أفتش لها على غيره وأجيء به إليها فبينما هي كذلك تدور في الشارع إذا نظرت شاباً حسناً جميلاً على وجهه أثر السفر، فتقدمت إليه وسلمت عليه وقالت له هل لك طعام وشراب وصبية مهيأة، فقال لها الرجل وأين هذا قالت عندي في بيتي فسار معها الرجل والعجوز وهي لا تعلم أنه زوج الصبية حتى وصلت إلى البيت ودقت الباب ففتحت لها الصبية الباب فدخلت وهي تجري لتتهيأ بالملبوس والبخور فأدخلته العجوز في قاعة الجلوس وهي في كيد عظيم. فلما دخلت المرأة عليه ووقع بصرها عليه والعجوز قاعدة عنده بادرت المرأة بالحيلة والمكيدة ودبرت لها أمر في الوقت والساعة ثم سحبت الخف من رجلها وقالت لزوجها ما هكذا العهد الذي بيني وبينك فكيف تخونني وتفعل معي هذا الفعل فإني لما سمعت بحضورك جربتك بهذه العجوز فأوقعتك فيما حذرتك منه وقد تحققت أمرك وإنك نقضت العهد الذي بيني وبينك وكنت قبل الآن أظن أنك طاهر حتى شاهدتك بعيني مع هذه العجوز وإنك تتردد على النساء الفاجرات، وصارت تضربه بالخف على رأسه وهو يتبرأ من ذلك ويحلف لها أنه ما خانها مدة عمره ولا فعل فعلاً مما اتهمته به، ولم يزل يحلف لها أيماناً بالله تعالى وهي تضربه وتبكي وتصرخ وتقول تعالوا إلي يا مسلمين فيمسك فمها بيده وهي تعضه وصار متذللاً لها ويقبل يديها ورجليها وهي لا ترضى عليه ولا تكف يدها عن صفعه، ثم إنها غمزت العجوز أن تمسك يدها عنه فجاءتها العجوز وصارت تقبل يديها ورجليها إلى أن أجلستهما.

فلما جعل الزوج يقبل يد العجوز ويقول لها جزاك الله كل خير حيث خلصتيني منها فصارت العجوز تتعجب من حيلة المرأة وكيدها، وهاذ أيها الملك من جملة مكر النساء وحيلهن وكيدهن، فلما سمعه الملك انتصح بحكايته ورجع عن قتل ولده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير الرابع لما حكى الحكاية للملك رجع عن قتل ولده فلما كان في اليوم الخامس دخلت الجارية على الملك بيدها قدم فيه سم واستغاثت ولطمت على خديها ووجهها وقالت له أيها الملك إما أن تنصفني وتأخذ حقي من ولدك، وإلا أشرب هذا القدح السم وأموت ويبقى ذنبي معلقاً بك إلى يوم القيامة فإن وزراءك هؤلاء ينسبونني الكيد والمكر وليس في الدنيا أمكر منهم، أما سمعت أيها الملك حديث الصائغ مع الجارية فقال ما جرى منهما يا جارية.

فقالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان رجل صائغ مولعاً بالنساء وشرب الخمر فدخل يوماً من الأيام عند صديق له فنظر إلى حائط من حيطان بيته فرأى فيها صورة جارية منقوشة لم ير الراؤون أحسن ولا أجمل ولا أظرف منها فأكثر الصائغ من النظر إليها وتعجب من حسن هذه الصورة ووقع حب هذه الصورة في قلبه إلى أن مرض واشرف على الهلاك فجاءه أحد أصدقائه يزوره فلما جلس عنده سأله عن حاله وما يشكو منه.

فقال له يا أخي إن مرضي كله وجميع ما أصابني من العشق وذلك أني عشقت صورة منقوشة في حائط فلان أخي فلامه الصديق وقال له إن هذا من قلة عقلك فكيف تعشق صورة في حائط لا تضر ولا تنفع ولا تنظر ولا تسمع ولا تأخذ ولا تمنع، فقال له ما صورها المصور إلا على مثال امرأة جميلة فقال له صديقه لعل الذي صورها اخترعها من رأسه، فقال له هاأنا في حبها ميت على كل حال، وإن كان لهذه الصورة شبيه في الدنيا فأنا أرجو الله تعالى أن يمدني بالحياة إلى أن أراه.

فلما قام الحاضرون سألوا عمن صورها فوجدوه قد سافر إلى بلد من البلدان، فكتبوا له كتاباً يشكون له فيه حال صاحبهم، ويسألونه عن تلك الصورة وما سببها وهل هو اخترعها من ذهنه أو رأى لها شبيهاً في الدنيا فأرسل إليهم أني صورت هذه الصورة على شكل جارية مغنية لبعض الوزراء وهي بمدينة كشمير بإقليم الهند.

فلما سمع الصائغ بالخبر وكان ببلاد الفرس تجهز وسار متوجهاً إلى بلاد الهند فوصل إلى تلك المدينة من بعد جهد جهيد، فلما دخل تلك المدينة واستقر فيها ذهب يوماً من الأيام عند رجل عطار من أهل تلك المدينة، واستقر فيها ذهب يوماً من الأيام عند رجل عطار من أهل تلك المدينة، وكان ذلك العطار حاذقاً فطناً لبيباً فسأله الصائغ عن ملكهم وسيرته، فقال له العطار أما ملكنا فعادل حسن السيرة محسن لأهل دولته منصف لرعيته وما يكره في الدنيا إلا السحرة فإذا وقع في يده ساحراً أو ساحرة ألقاهما في جب خارج المدينة ويتركهما بالجوع إلى أن يموتا ثم سأله عن وزرائه فذكر له سيرة كل وزير وما هو عليه إلى أن أنجز الكلام إلى الجارية المغنية، فقال له عند الوزير الفلاني فصبر بعد ذلك أياماً حتى أخذ بتدبير الحيلة. فلما كان في ليلة ذات مطر ورعد وعاصفة ذهب الصائغ وأخذ معه عدة من اللصوص وتوجه إلى دار الوزير سيد الجارية وعلق فيه السلم بكلاليب ثم طلع إلى أعلى القصر، فلما وصل إليه نزل إلى ساحته فرأى جميع الجواري نائمات كل واحدة على سريرها ورأى سريراً من المرمر عليه جارية كأنها البدر إذا أشرف في ليلة أربعة عشر، فقصدها وقعد عند رأسها وكشف الستر علهيا فإذا عليها ستر من ذهب وعند رأسها شمعة وتحت رجليها شمعة، كل شمعة منهما في شمعدان من الذهب وهاتان الشمعتان من العنبر وتحت الوسادة حق من الفضة فيه جميع حليها وهو مغطى عند رأسها فأخرج سكيناً وضرب بها كفل الجارية فجرحها جرحاً واضحاً فانتبهت فزعة مرعوبة، فلما رأته خافت من الصياح، فسكتت وظنت أنه يريد أخذ المال فقالت له خذ الحق والذي فيه وليس لك بقتلي نفع وأنا في جيرتك وفي حسبك، فتناول الرجل الحق بما فيه وانصرف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصائغ طلع قصر الوزير وضرب الجارية على كفلها فجرحها وأخذ الحق الذي فيه حليها وانصرف فلما أصبح الصباح لبس ثيابه وأخذ معه الحق الذي فيه الحلي ودخل به على ملك تلك المدينة ثم قبل الأرض بين يديه وقال: أيها الملك إنني رجل ناصح لك وأنا من أرض خراسان وقد أتيت مهاجراً إلى حضرتك لما شاع من حسن سيرتك وعدلك في رعيتك فأردت أن أكون تحت لوائك، وقد وصلت إلى هذه المدينة آخر النهار فوجدت الباب مغلوقاً فنمت من خارجه فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت أربع نسوة إحداهن راكبة مكنسة والأخرى راكبة مروحة، فعلمت أيها الملك أنهن سحرة يدخلن مدينتك فدنت إحداهن مني ورفستني برجلها وضربتني بذنب ثعلب كان في يدها فأوجعتني من الضرب فضربتها بسكين كانت معي فأصابت كفلها وهي مولية شاردة، فلما جرحتها انهزمت قدامي، فوقع منها هذا الحق بما فيه فأخذته وفتحته فرأيت فيه هذا الحلي النفيس، فخذه فليس لي به حاجة لأني رجل سائح في الجبال، وقد رفضت الدنيا عن قلبي وزهدتها بما فيها وإني قاصد وجه الله تعالى، ثم ترك الحق بين يدي الملك وانصرف.

فلما خرج من عند الملك فتح الملك ذلك الحق وأخرج جميع الحلي منه وصار يقلبه بيده فوجد فيه عقداً كان أنعم به على الوزير سيد الجارية، فدعا الملك بالوزير فلما حضر بين يديه قال له هذا العقد الذي أهديته إليك، فلما رآه عرفه وقال للملك نعم وأنا أهديته إلى جارية مغنية عندي.

فقال له الملك أحضر لي تلك الجارية فأحضرها، فلما حضرت الجارية بين يدي الملك قال له اكشف عن كفلها وانظر هل فيه جرح أم لا، فكشف الوزير عنه فرأى فيه جرح سكين فقال الوزير للملك نعم يا مولاي فيها الجرح فقال الملك للوزير هذه ساحرة كما قال لي الرجل الزاهد بلا شك ولا ريب، ثم أمر الملك بأن يجعلوها في جب السحرة فأرسلوها إلى الجب في ذلك النهار.

فلما جاء الليل عرف الصائغ أن حيلته قد تمت، جاء إلى حارس الجب وبيده كيس فيه ألف دينار وجلس مع الحارس يتحدث إلى ثلث الليل الأول ثم دخل مع الحارس في الكلام وقال له اعلم يا أخي أن هذه الجارية بريئة من هذه البلية التي ذكروها وأنا الذي أوقعتها، وقص عليه القصة من أولها إلى آخرها، ثم قال له يا أخي خذ هذا الكيس فإن فيه ألف دينار وأعطني الجارية أسافر بها إلى بلادي فهذه الدنانير أنفع لك من حبس الجارية، واغتنم أجرنا ونحن الاثنان ندعو لك بالخير والسلامة.

فلما سمع حكايته تعجب غاية العجب من هذه الحيلة وكيف تمت، ثم أخذ الحارس الكيس بما فيه وتركها له وشرط عليه أن لا يقيم بها في هذه المدينة ساعة واحدة فأخذها الصائغ من وقته وسار وجعل يجد في السير إلى أن وصل إلى بلاده وقد بلغ مراده، فانظر أيها الملك إلى كيد الرجال وحيلتهم ووزراؤك يردونك عن أخذ حقي، وفي غد أوقف أنا وأنت بين يدي حاكم عادل ليأخذ حقي منك أيها الملك. فلما سمع الملك كلامها أمر بقتل ولده فدخل عليه الوزير الخامس وقبل الأرض بين يديه ثم قال أيها الملك العظيم الشأن تمهل ولا تعجل على قتل ولدك فرب عجلة أعقبت ندامة وأخاف عليك أن تندم ندامة الذي لم يضحك بقية عمره فقال له الملك وكيف ذلك أيها الوزير قال بلغني أيها الملك أنه كان رجل من ذوي البيوت والنعم وكان ذا مال وخدم وعبيد وأملاك فمات إلى رحمة الله تعالى وترك ولداً صغيراً، فلما كبر الولد أخذ في الأكل والشرب وسماع الطرب والأغاني وتكرم وأعطى وأنفق الأموال التي خلفها له أبوه حتى ذهب بالمال جميعه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الولد لما أذهب المال الذي خلفه له أبوه ولم يبق منه شيء رجع على بيع العبيد والجواري والأملاك وأنفق جميع ما كان عنده من مال أبيه وغيره فافتقر حتى صار يشتغل مع الفعلة، فمكث على ذلك مدة سنة، فبينما هو جالس يوماً من الأيام تحت حائط ينتظر من يستأجره وإذا هو برجل حسن الوجه والثياب فدنا من الشاب وسلم عليه.

فقال له الولد يا عم هل أنت تعرفني قبل الآن؟ فقال له: لا أعرفك يا ولدي أصلاً بل أرى آثار النعمة عليك وأنت في هذه الحالة، فقال له يا عم نفذ القضاء والقدر فهل لك يا عم ياصبيح الوجه من حاجة تستخدمني فيها فقال له يا ولدي أريد أن أستخدمك في شيء يسير قال له الشاب وما هو يا عم فقال له عندي عشرة من الشيوخ في دار واحدة، وليس عندنا من يقضي حاجتنا، ولك عندنا من المأكل والمشرب ما يكفيك لتقوم بخدمتنا ولك عندنا ما يصل إليك من الخير والدراهم ولعل الله يرد عليك نعمتك بسببنا فقال له الشاب سمعاً وطاعة ثم قال له الشيخ: لي عليك شرط، فقال له الشاب: وما شرطك يا عم؟ فقال له: يا ولدي أن تكون كاتماً لسرنا فيما ترانا عليه وإذا رأيتنا نبكي فلا تسألنا عن سبب بكاؤنا، فقال له الشاب نعم يا عم فقال له الشيخ يا ولدي سر بنا على بركة الله تعالى فقام الشاب خلف الشيخ إلى أن أوصله إلى الحمام فأدخله فيه وأزال عن بدنه ما عليه من القشف، ثم أرسل الشيخ رجلاً فأتى له بحلة حسنة من القماش فألبسه إياها، ومضى به إلى منزله عند جماعته.

فلما دخل الشاب وجدها داراً عالية البنيان مشيدة الأركان واسعة بمجالس متقالبة وقاعات في قاعة فسقية من الماء عليها طيور تغرد وشبابيك تطل من كل جهة على بستان حسن في تلك الدار، فأدخله الشيخ في أحد المجالس فوجده منقوشاً بالرخام الملون ووجد سقفه منقوشاً باللازورد والذهب الوهاج وهو منقوش ببسط الحرير، ووجد فيه عشرة من الشيوخ قاعدين متقابلين وهم لابسون ثياب الحزن يبكون وينتحبون، فتعجب الشاب من أمرهم وهم أن يسأل الشيخ فتذكر الشرط فمنع لسانه، ثم إن الشيخ سلم إلى الشاب صندوقاً فيه ثلاثون ألف دينار وقال له يا ولدي أنفق علينا من هذا الصندوق وعلى نفسك وأنت أمين واحفظ ما استودعتك فيه.
فقال الشاب سمعاً وطاعة ولم يزل الشاب ينفق عليهم مدة أيام وليال، ثم مات واحداً منهم فأخذه أصحابه وغسلوه وكفنوه ودفنوه في روضة خلف الدار، ولم يزل الموت يأخذ منهم واحداً بعد واحد إلى أن بقي الشيخ الذي استخدم ذلك الشاب فاستمر هو والشاب في تلك الدار، وليس معهما ثالث وأقاما على ذلك مدة من السنين ثم مرض الشيخ.

فلما يئس الشاب من حياته أقبل عليه وتوجع له ثم قال له: يا عم أنا خدمتكم وما كنت أقصر في خدمتكم مرة واحدة طيلة اثني عشرة سنة، وأنا أنصح لكم وأخدمكم بجهدي وطاقتي فقال له الشيخ: نعم يا ولدي خدمتنا إلى أن توفيت هذه المشايخ إلى رحمة الله عز وجل ولا بد لنا من الموت فقال الشاب يا سيدي أنت على خطر وأريد منك أن تعلمني ما سبب بكائكم ودوام انتحابكم وحزنكم وتحمركم.

فقال له يا ولدي ما لك بذلك من حاجة ولا تكلفني ما لا أطيق، فإني سألت الله تعالى أن لا يبلي أحداً ببليتي، فإن أردت أن تسلم مما وقعنا فيه فلا تفتح ذلك الباب وأشار إليه بيده وحذره منه، وإن أردت أن يصيبك ما أصابنا فافتحه فإنك تعلم بسبب ما رأيت منا لكنك تندم حيث لا ينفعك الندم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ الذي بقي من العشرة قال للشاب إحذر أن تفتح هذا الباب فتندم حيث لا ينفعك الندم، ثم تزايدت العلة على الشيخ فمات فغسله الشاب بيده وكفنه ودفنه عند أصحابه، وقعد الشاب في ذلك الموضع وهو مختوم على ما فيه وهو مع ذلك قلق متفكر فيما كان فيه الشيوخ فبينما هو يتفكر يوماً من الأيام في كلام الشيخ ووصيته له بعد فتح الباب إذ خطر بباله أنه ينظر إليه فقام إلى تلك الجهة وفتش حتى رأى باباً لطيفاً قد عشش عليه العنكبوت وعليه أربعة أقفال من البولاد.

فلما نظره تذكر ما حذره منه الشيخ فانصرف عنه وصارت نفسه تراوده على فتح الباب وهو يمنعها مدة سبعة أيام وفي اليوم الثامن غلبت عليه نفسه وقال لابد أن أفتح الباب وأنظر أي شيء يجري علي منه فإن قضاء الله تعالى وقدره لا يرده شيء، ولا يكون أمر من الأمور إلا بإرادته فنهض وفتح الباب بعد أن كسر الأقفال، فلما فتح الباب رأى دهليزاً ضيقاً فجعل يمشي فيه مقدار ثلاث ساعات وإذا به قد خرج على شاطئ نهر عظيم فتعجب الشاب من ذلك، وصار يمشي على ذلك الشاطئ وينظر يميناً وشمالاً وإذا بعقاب كبير قد نزل من الجو فحمل ذلك الشاب في مخالبه وطار فيه بين السماء والأرض إلى أن أتى به إلى جزيرة في وسط البحر فألقاه فيها وانصرف عنه ذلك العقاب فصار الشاب متحيراً في أمره ولا يدري أين يذهب.

فبينما هو جالس يوماً من الأيام وإذا بقلع مركب قد لاح له في البحر كالنجمة في السماء فتعلق خاطر الشاب بالمركب لعل نجاته تكون فيه وصار ينظر إليه حتى وصل إلى قرية، فلما وصل رأى زورقاً من العاج والأبنوس ومجاذيفه من الصندل والعود وهو مصفح جميعه بالذهب الوهاج، وفيه عشر من الجواري الأبكار كأنهم القمار فلما نظرنه الجواري طلعن إليه من الزورق وقبلن يده وقلن أنت الملك العريس، ثم تقدمت إليه جارية وهي كالشمس الضاحية في السماء الصافية وفي يدها منديل حرير فيه خلعة ملوكية وتاج من الذهب مرصع بأنواع اليواقيت.

فتقدمت إليه وألبسته وتوجته وحملته على الأيدي إلى ذلك الزورق فوجد فيه أنواعاً من بسط الحرير الملون ثم نشرن القلوع وسرن في لجج البحر قال الشاب: فلما سرت معهم اعتقدت أن هذا منام ولا أرى أين يذهبن بي، فلما أشرفن على البر رأيت البر قد امتلأ بعساكر لا يعلم عدتهم إلا الله سبحانه وتعالى وهم متدرعون، ثم قدموا إلي خمسة من الخيل المسمومة بسروج من ذهب مرصعة بأنواع اللآلئ والفصوص الثمينة، فأخذت منها فرساً فركبته والأربعة سرات معي.

ولما ركبت انعقدت على رأسي الرايات والأعلام ودقت الطبول وضربت الكاسات ثم ترتبت العساكرميمنة وميسرة، وصرت أردد هل أنا نائم أو يقظان ولم أزل سائراً لا أصدق بما أنا فيه من الموكب، بل أظن أنه أضغاث أحلام حتى أشرفنا على مرج أخضر فيه قصور وبساتين وأشجار وأزهار وأطيار تسبح الواحد القهار فبينما هم كذلك وإذا بعسكر قد برز من بين تلك القصور والبساتين مثل السيل إذا انحدر إلى أن ملأ ذلك المرج، فلما دنوا مني وقفت تلك العساكر، وإذا بملك منهم قد تقدم بمفرده راكباً وبين يديه بعض خواصه مشاة، فلما قرب الملك من الشاب نزل عن جواده فلما رأى الملك نزل عن جواده نزل الآخر، ثم سلما على بعضهما أحسن سلام ثم ركبوا خيولهم فقال الملك للشاب سر بنا فإنك ضيفي فسار معه الشاب وهم يتحدثون والمواكب مرتبة وهي تسير بين أيديهما إلى قصر الملك، ثم نزلوا ودخلوا جميعاً..

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أخذ الشاب سار هو وإياه بالموكب حتى دخلا القصر ويد الشاب في يد الملك، ثم أجلسه على كرسي من الذهب وجلس عنده، فلما كشف ذلك الملك اللثام عن وجهه إذا هو جارية كأنها الشمس الضاحية في السماء الصافية ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وعجب ودلال فنظر الشاب إلى نعمة عظيمة وسعادة جسيمة وصار الشاب متعجباً من حسنها وجمالها، ثم قالت له اعلم أيها الملك أني ملكة هذه الأرض وكل هذه العساكر التي رأيتها وجميع ما رأيته من فارس أو راجل فهو من نساء ليس فيهن رجال، والرجال عندنا في هذه الأرض يحرثون ويزرعون ويحصدون ويشتغلون بعمارة الأرض وعمارة البلاد ومصالح الناس من سائر الصناعات، وأما النساء فهن الحكام وأرباب المناصب والعساكر فتعجب الشاب من ذلك غاية العجب، فبينما هم كذلك وإذا بالوزير قد دخل وإذا هي عجوز شمطاء وهي محتشمة ذات هيبة ووقار.

فقالت لها الملكة أحضري لنا القاضي والشهود، فمضت العجوز لذلك ثم عطفت على الشاب تنادمه وتؤانسه وتزيل وحشته بكلام لطيف، ثم أقبلت عليه وقالت له أترضى أن أكون لك زوجة، فقام وقبل الأرض بين يدها فمنعته فقال لها: يا سيدتي أنا أقل من الخدم الذين يخدمونك، فقالت له أما ترى جميع ما نظرته من الخدم والعساكر والمال والخزائن والذخائر فقال لها نعم فقالت له جميع ذلك بين يديك تتصرف فيه بحيث تعطي وتهب ما بدا لك ثم إنها أشارت إلى باب مغلق وقالت له ذلك تتصرف فيه إلا هذا الباب فلا تفتحه فإذا فتحته ندمت حيث لا ينفعك الندم فما استتمت كلامها إلا والوزير والقاضي والشهود معها.

فلما حضروا وكلهن عجائز ناشرات الشعر على أكتافهن وعليهن هيبة ووقار قال: فلما أحضرن بين يدي الملكة أمرتهن أن يعقدن العقد تزويج فزوجنها الشاب وعملت الولائم وجمعت العساكر، فلما أكلوا وشربوا دخل عليها ذلك الشاب فوجدها بكراً عذراء، فأزال بكارتها وأقام معها سبعة أعوام في ألذ عيش وأهنأه وأطيبه، فتذكر ذات يوم من الأيام فتح الباب وقال لو لم يكن فيه ذخائر جميلة أحسن مما رأيت ما منعتني عنه، ثم قام وفتح الباب وإذا الطائر الذي حمله من ساحل البحر وحطه في الجزيرة فلما نظره ذلك الطائر قال له لا مرحباً بوجه لا يفلح أبداً.

فلما نظره وسمع كلامه هرب منه فتبعه وخطفه وطار به بين السماء والأرض مسافة ساعة وحطه في المكان الذي خطفه منه، ثم غاب عنه فجلس مكانه ثم رجع إلى عقله وتذكر ما نظره قبل ذلك من النعمة والعز والكرامة وركوب العسكر أمامه والأمر والنهي فجعل يبكي وينتحب، ثم أقام على ساحل البحر الذي وضعه فيه ذلك الطائر مدة شهرين، وهو يتمنى أن يعود إلى زوجته، فبينما هو ذات ليلة من الليالي سهران حزين متفكر، وإذا بقائل يقول وهو يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو ينادي ما أعظم اللذات هيهات أن يرجع إليك ما فات فأكثر الحسرات.

فلما سمعه ذلك الشاب يئس من لقاء تلك الملكة ومن رجوع النعمة التي كان فيها إليه ثم دخل الدار التي كان فيها المشايخ، وعلم أنهم قد جرى لهم مثل ما جرى له وهذا الذي كان سبب بكائهم وحزنهم فعذرهم بعد ذلك ثم إن الشاب أخذه الحزن والهم ودخل ذلك المجلس ومازال يبكي وينوح وترك المأكل والمشرب والروائح الطيبة والضحك إلى أن مات ودفنوه بجانب المشايخ فاعلم أيها الملك أن العجلة ليست محمودة، وإنما هي تورث الندامة وقد نصحتك بهذه النصيحة فلما سمع الملك ذلك الكلام اتعظ وانتصح ورجع عن قتل ولده.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما سمع حكاية الوزير رجع عن قتل ولده فلما كان في اليوم السادس دخلت الجارية على الملك وفي يدها سكين مسلولة، وقالت اعلم يا سيدي: أنك لا تقبل شكايتي وترع حقك وحرمتك فيمن تعدى علي وهم وزراؤك الذين يزعموا أن النساء صاحبات حيل ومكر وخديعة ويقصدون بذلك ضياع حقي وإهمال الملك النظر في حقي، وها أنا أحقق بين يديك أن الرجال أمكر من النساء بحكاية ابن ملك من المولك حيث خلا بزوجة تاجر فقال لها الملك وأي شيء جرى له معها؟ قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان تاجراً من التجار غيوراً، وكان عنده زوجة ذات حسن وجمال فمن كثرة خوفه وغيرته عليها لم يسكن بها في المدائن وإنما عمل لها خارج المدينة قصراً منفرداً وحده عن البنيان وقد أعلى بنيانه وشيد أركانه وحصن أبوابه وأحكم إقفاله، فإذا أراد الذهاب إلى المدينة قفل الأبواب وأخذ مفاتيحها معه وعلقها في رقبته، فبينما هو يوماً من الأيام في المدينة إذ خرج ابن ملك تلك المدينة يتنزه خارجها ويتفرج على الفضاء فنظر ذلك الخلاء وصار يتأمل فيه زماناً طويلاً لعينه ذلك القصر فنظر فيه جارية عظيمة تطل من بعض طيقان القصر، فلما نظرها صار متحير في حسنها وجمالها وأراد الوصو إليها فلم يمكنه ذلك، فدعا بغلام من غلمانه فأتاه بداوة وورقة وكتب عليها شرح حاله من المحبة وجعلها في سنان نشابة ثم رمى النشابة داخل القصر فنزلت عليها وهي تمشي في بستان فقالت لجارية من جواريها أسرعي إلى هذه الورقة وناولينيها وصارت تقرأ الخط.

فلما قرأتها وعرفت ما ذكره لها من الذي أصابه من المحبة والشوق والغرام كتبت له جواب ورقته وذكرت له أنه قد وقع عندها من المحبة أكثر مما عنده ثم أطلت عليه من طاقة القصر فرأته فألقت إليه الجواب واشتد بها الشوق فلما نظر إليها جاء تحت القصر وقال لها: ارمي من عندك خيطاً لأربط فيه هذا المفتاح حتى تأخذيه عندك فرمت له خيطاً وربط فيه المفتاح ثم انصرف إلى وزرائه فشكا إليهم محبة تلك الجارية وأنه قد عجز عن الصبر عنها، فقال له بعضهم وما التدبير الذي تأمرني له ابن الملك أريد منك رأن تجعلني في صندوق وتودعه عند هذا التاجر في قصره وتجعل أن ذلك الصندوق لك حتى أبلغ أربي من تلك الجارية مدة أيام، ثم تسترجع ذلك الصندوق فقال له الوزير حباً وكرامة.

ثم إن ابن الملك لما توجه إلى منزله جعل نفسه داخل صندوق كان عنده وأغلق الوزير عليه وأتى به إلى قصر التاجر، فلما حضر التاجر بين يدي الوزير قبل يديه، وقال له التاجر لعل لمولانا الوزير خدمة أو حاجة نفوز بقضائها فقال له الوزير أريد منك أن تجعل هذا الصندوق في أعز مان عندك فقال التاجر للحاملين احملوه فحملوه، ثم أدخله التاجر في القصر ووضعه في خزانة عنده ثم بعد ذلك خرج إلى بعض أشغاله فقامت الجارية إلى الصندوق وفتحته بالمفتاح الذي معها فخرج منه شاب مثل القمر فلما رأته لبست أحسن ملبوسها وذهبت به إلى قاعة الجلوس وقعدت معه في أكل وشرب مدة سبعة أيام وكلما يحضر زوجها تجعله في الصندوق وتقفل عليه.

فلما كان في بعض الأيام سأل الملك ولده، فخرج الوزير مسرعاً إلى بيت التاجر وطلب منه الصندوق.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما حضر إلى منزل التاجر طلب الصندوق، فجاء التاجر إلى قصره على خلاف العادة وهو مستعجل فطرق الباب فأحست به الجارية، فأخذت ابن الملك وأدخلته في الصندوق وذهلت عن قفله، فلما وصل التاجر إلى المنزل هو والحاملون حملوا الصندوق من غطائه فانفتح وكان فيه ابن الملك راقداً فلما رآه التاجر وعرفه خرج إلى الوزير وقال له ادخل أنت وخذ ابن الملك فلا يستطيع أحد منا أن يمسكه فدخل الوزير وأخذه ثم انصرفوا جميعاً.

فلما انصرفوا أطلق التاجر الجارية، وأقسم على نفسه أن لا يتزوج أبداً وبلغني أيضاً أيها الملك أن رجلاً من الظرفاء دخل السوق فوجد غلاماً ينادى عليه للبيع فاشتراه وجاء به إلى منزله وقال لزوجته استوصي به فأقام الغلام مدة من الزمان فلما كان في بعض الأيام قال الرجل لزوجته أخرجي غداً إلى البستان وتفرجي وتنزهي وانشرحي، فقالت حباً وكرامة فلما سمع الغلام ذلك عمد إلى طعام وجهزه في تلك الليلة وإلى شراب ونقل وفاكهة ثم توجه إلى البستان وجعل ذلك الطعام تحت شجرة وجعل ذلك الشراب تحت شجرة والفواكه والنقل تحت شجرة في طريق زوجة سيده. فلما أصبح أمر الرجل الغلام أن يتوجه مع سيدته إلى ذلك البستان وأمر بما يحتاجون إليه من المأكل والمشرب والفواكه، ثم طلعت الجارية وركبت فرساً والغلام معها حتى وصلوا إلى ذلك البستان، فلما دخلوا نعق غراب فقال له الغلام صدقت فقالت له سيدته هل أنت تعرف ما يقول الغراب فقال لها نعم يا سيدتي قالت له فما يقول قال لها يا سيدتي يقول إن تحت هذه الشجرة طعاماً تعالوا كلوه فقالت له أراك تعرف لغات الطير فقال لها نعم فتقدمت الجارية إلى تلك الشجرة فوجدت طعاماً مجهزاً، فلما أكلوه تعجبت منه غاية العجب واعتقدت أنه يعرف لغات الطير.

فلما أكلوا ذلك الطعام تفرجوا في البستان فنعق الغراب فقال له الغلام صدقت فقالت له سيدته أي شيء يقول قال يا سيدتي يقول إن تحت الشجرة الفلانية كوز ماء ممسك وخمراً عتيقاً فذهبت هي وإياه فوجدا ذلك فتزايدت عجباً وعظم الغلام عندها فقعدت مع الغلام يشربان، فلما شربا مشيا في ناحية البستان فنعق الغراب فقال له الغلام صدقت فقالت له سيدته أي شيء يقول هذا الغراب قال يقول إن تحت الشجرة الفلانية فواكهة ونقلاً فذهبا إلى تلك الشجرة فوجدا ذلك فأكلا من تلك الفواكه والنقل، ثم مشيا في البستان فنعق الغراب، فأخذ الغلام حجراً ورماه به فقالت مالك تضربه وما الذي قاله، قال يا سيدتي إنه يقول كلاماً ما أقدر أن أقوله قالت قل ولا تستح مني أنا ما بيني وبينك شيء فصار يقول لا وهي تقول قل، ثم أقسمت عليه فقال لها إنه يقول لي افعل بسيدتك مثل ما يفعل بها زوجها، فلما سمعت كلامه ضحكت حتى استلقت على قفاها، ثم قالت له حاجتك هينة لا أقدر أن أخالفك فيها، ثم توجهت نحو شجرة من الأشجار وفرشت تحتها الفرش ونادته ليقضي لها حاجتها وإذا بسيده خلفه ينظر إليه فناداه وقال له يا غلام ما لسيدتك راقدة هناك تبكي، فقال يا سيدي وقعت من فوق شجرة فماتت وما ردها عليك الله سبحانه وتعالى فرقدت هاهنا ساعة لتستريح.

فلما رأت الجارية زوجها فوق رأسها قامت وهي متمردة تتوجع وتقول آه يا ظهري يا جنبي تعالوا إلي يا أحبائي ما بقيت أعيش، فصار زوجها مبهوتاً ثم نادى الغلام وقال له هات لسيدتك الفرس واركبها، فلما ركبت أخذ الزوج بركابها والغلام بركابها الثاني ويقول لها والله يعافيك ويشفيك وهذا أيها الملك من جملة حيل الرجال ومكرهم فلا يرد وزراؤك عن نصرتي والأخذ بحقي ثم بكيت، فلما رأى الملك بكاءها وهي عنده أعز جواريه أمر بقتل ولده فدخل عليه الوزير السادس وقبل الأرض بين يديه وقال له أعز الله تعالى الملك إني ناصحك ومشير عليك بالتمهل في أمر ولدك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير السادس قال له أيها الملك تمهل في أمر ولدك فإن الباطل كالدخان والحق مشيد الأركان ونور الحق يذهب ظلام الباطل واعلم أن مكر النساء عظيم وقد قال الله في كتابه العزيز إن كيدهن عظيم وقد بلغني حديث امرأة فعلت مع أرباب الدولة مكيدة ما سبقها بمثلها أحد قط فقال الملك وكيف كان ذلك قال الوزير بلغني أيها الملك أن امرأة من بنات التجار كان لها زوج كثير الأسفار فسافر زوجها إلى بلاد بعيدة وأطال الغيبة فزاد عليها الحال فعشقت غلاماً ظريفاً من أولاد التجار وكانت تحبه ويحبها محبة عظيمة، ففي بعض الأيام تنازع الغلام مع رجل فشكا الرجل إلى والي تلك البلد فسجنه فبلغ خبره زوجة التاجر معشوقته فطار عقلها عليه، فقامت ولبست أفخر ملبوسها ومضت إلى منزل الوالي فسلمت عليه ودفعت له ورقة تذكر فيها أن الذي سجنته وحبسته هو أخي فلان الذي تنازع مع فلان، والجماعة الذين شهدوا عليه قد شهدوا باطلاً وقد سجن في سجنك وهو مظلوم وليس عندي من يدخل علي ويقوم بحالي غيره واسأل من فضل مولانا إطلاقه من السجن. فلما قرأ الوالي الورقة ثم نظر إليها فعشقها وقال لها أدخلي المنزل حتى أحضره بين يدي ثم أرسله إليك فتأخذينه، فقالت له يا مولانا ليس لي أحد إلا الله تعالى وأنا امرأة غريبة لا أقدر على دخول منزل أحد، فقال لها الوالي لا أطلقه لك حتى تدخلي المنزل وأقضي حاجتي منك، فقالت له وإن أردت ذلك فلابد أن تحضر عندي في منزلي وتقعد وتنام وتستريح نهارك كله فقال لها وأين منزلك فقالت له في الموضع الفلاني ثم خرجت من عنده وقد اشتغل قلب الوالي.
فلما خرجت دخلت على قاضي البلد وقالت له يا سيدنا القاضي قال لها نعم قالت له انظر في أمري وأجرك على الله، فقال لها من ظلمك قالت له يا سيدي لي أخ وليس لي أحد غيره وهو الذي كلفني الخروج إليك لأن الوالي قد سجنه وشهدوا عليه بالباطل أنه ظالم وإنما أطلب منك أن تشفع لي عند الوالي فلما نظرها القاضي عشقها فقال لها ادخلي المنزل عند الجواري واستريحي معنا ساعة ونحن نرسل إلى الوالي بأن يطلق أخاك ولو كنا نعرف الدراهم التي عليه كنا دفعناها من عندنا لأجل قضاء حاجتنا لأنك أعجبتينا من حسن كلامك فقالت له إذا كنت أنت يا مولانا تفعل ذلك فما نلوم الغير، فقال لها القاضي إن لم تدخلي منزلنا فاخرجي إلى حال سبيلك، فقالت له إن أردت ذلك يا مولانا فيكون عندي في منزلي أستر وأحسن من منزلك فإن فيه الجواري والخدم والداخل والخارج وأنا امرأة ما أعرف شيئاً من هذا الأمر لكن الضرورة تحوج فقال لها القاضي وأين منزلك فقالت له في الموضع الفلاني وواعدته على اليوم الذي وعدت فيه الوالي، ثم خرجت من عند القاضي إلى منزل الوزير فرفعت إليه قصتها وشكت إليه ضرورة أخيها وأنه سجنه الوالي فراودها الوزير عن نفسها فقال لها نقضي حاجتنا منك ونطلق لك أخاك. فقالت له إن أردت فيكون عندي في منزلي فإنه أستر لي ولك ولأن المنزل لي بعيداً وأنت تعرف ما نحتاج إليه من النظافة والظرافة فقال لها الوزير وأين منزلك فقالت له في الموضع الفلاني وواعدته على ذلك اليوم، ثم خرجت من عنده إلى ملك تلك المدينة ورفعت إليه قصتها وسألته إطلاق أخيها فقال لها من حبسه قالت له حبسه الوالي فلما سمع الملك كلامها رشقته بسهام العشق في قلبه، فأمرها أن تدخل معه القصر حتى يرسل إلى الوالي ويخلص أخاها فقالت له أيها الملك هذا أمر يسهل عليك إما باختيار وإما قهراً عني، فإن كان الملك أراد ذلك مني فإنه من سعد حظي ولكن إذا جاء إلى منزلي يشرفني بنقل خطواته الكرام كما قال الشاعر:

خليلي هل أبصرتما أو سمعتما زيارة من جلت مكارمه عندي

فقال لها الملك لا نخالف لك أمراً، فواعدته في اليوم الذي واعدت فيه غيره وعرفته منزلها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة لما أجابت الملك وعرفته منزلها وواعدته على ذلك اليوم الذي واعدت فيه الوالي والقاضي والوزير ثم خرجت من عنده فجاءت إلى رجل نجار، وقالت له أريد منك أن تصنع لي خزانة بأربع طبقات بعضها فوق بعض كل طبقة بباب يقفل عليها، وأخبرني بقدر أجرتك فأعطيك فقال لها أربعة دنانير وإن أنعمت علي أيتها السيدة المصونة بالوصال فهو الذي أريد ولا آخذ منك شيئاً، فقالت له إن كان ولا بد فاعمل لي خمس طبقات بأقفالها، فقال: حباً وكرامة وواعدته أن يحضر لها الخزانة في ذلك اليوم بعينه، فقال لها النجار يا سيدتي اقعدي حتى تأخذي حاجتك في هذه الساعة وأنا بعد ذلك أجيء على مهلي فقعدت عنده حتى عمل لها الخزانة بخمس طبقات وانصرفت إلى منزلها فوضعتها في المحل الذي فيه الجلوس، ثم إنها أخذت أربعة ثياب وحملتها إلى الصباغ، فصبغ كل ثوب لوناً وكل لون خلاف الآخر وأقبلت على تجهيز المأكول والمشروب والمشموم والفواكه والطيب. فلما جاء يوم الميعاد لبست أفخر ملبوسها وتزينت وتطيبت، ثم فرشت المجلس بأنواع البسط الفاخرة وقعدت تنتظر من يأتي، وإذا بالقاضي دخل عليها قبل الجماعة فلما رأته قامت واقفة على قدميها وقبلت الأرض بين يديه وأخذته وأجلسته على ذلك الفراش ونامت معه ولاعبته، فأراد منها قضاء الحاجة فقالت له يا سيدي اخلع ثيابك وعمامتك والبس هذه الغلالة الصفراء واجعل هذا القناع على رأسك حتى أحضر المأكول والمشروب، وبعد ذلك تقضي حاجتك فأخذت ثيابه وعمامته ولبس الغلالة والقناع، وإذا بطارق يطرق الباب فقال لها القاضي من هذا الذي يطرق الباب؟ فقالت له هذا زوجي فقال لها وكيف العمل وأين أروح أنا، فقالت له لا تخاف فإني أدخلك هذه الخزانة فقال لها افعلي ما بدا لك، فأخذته من يده وأدخلته في الطبقة السفلى وأقفلت عليه، ثم إنها خرجت إلى الباب وفتحته وإذا هو الوالي، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وأخذته بيدها وأجلسته على ذلك الفراش وقالت له يا سيدي إن الموضع موضعك والمحل محلك وأنا جاريتك ومن بعض خدامك وأنت تقيم هذا النهار عندي فاخلع ما عليك من الملبوس والبس هذا الثوب الأحمر فإنه ثوب النوم، وقد جعلت على رأسه خلقاً من خرقة كانت عندها فلما أخذت ثيابه أتت إليه في الفراش ولاعبته ولاعبها فلما مد يده إليها قالت له يا مولانا هذا النهار نهارك وما أحد يشاركك فيه ولكن من فضلك وإحسانك كتب لي ورقة بإطلاق أخي من السجن، حتى يطمئن خاطري فقال لها السمع والطاعة على الرأس والعين، وكتب كتاباً إلى خازنداره يقول فيه ساعة وصول هذه المكاتبة إليك تطلق فلاناً من غير إمهال ولا إهمال ولا ترجع حاملها بكلمة ثم ختمها وأخذتها منه ثم أقبلت تلاعبه على الفراش وإذا بطارق يطرق الباب فقال لها من هذا؟ قالت زوجي، قال: كيف أعمل؟ فقالت له: ادخل هذه الخزانة حتى أصرفه وأعود إليك. فأخذته وأدخلته في الطبقة الثانية وقفلت عليه كل هذا والقاضي يسمع كلامها.

ثم خرجت إلى الباب وفتحته وإذا هو الوزير قد أقبل، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وتلقته وخدمته وقالت له يا سيدي: لقد شرفتنا بقدومك في منزلنا يا سيدنا فلا أعدمنا الله هذه الطلعة ثم أجلسته على الفراش وقالت له اخلع ثيابك وعمامتك والبس هذه التخفيفة، فخلع ما كان عليه وألبسته غلالة زرقاء وطرطور أحمر، فلما لبسها الوزير لاعبته على الفراش ولاعبها، وهو يريد قضاء الحاجة منها وهي تمنعه وتقول له: يا سيدي هذا لا يفوتنا.

فبينما هم في الكلام وإذا بطارق يطرق الباب فقال لها من هذا فقالت له زوجي فقال لها كيف التدبير فقالت قم وادخل هذه الخزانة حتى اصرف زوجي وأعود إليك ولا تخف، ثم إنها أدخلته الطبقة الثالثة وقفلت عليه وخرجت ففتحت الباب وإذا هو الملك دخل فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وأخذت بيده وأدخلته في صدر المكان وأجلسته على الفراش وقالت له شرفتنا أيها الملك ولو قدمنا لك الدنيا وما فيها ما تساوي خطوة من خطواتك إلينا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما دخل دار المرأة قالت له لو أهدينا لك الدنيا وما فيها ما تساوي خطوة من خطواتك إلينا فلما جلس على الفراش قالت له: أعطني أذناً أكلمك كلمة واحدة فقال لها تكلمي ما شئت فقالت له استرح يا سيدي واخلع ثيابك وعمامتك وكانت ثيابه في ذلك الوقت تساوي ألف دينار، فلما خلعها ألبسته ثوباً خلقاً قيمته عشرة دراهم بلا زيادة وأقبلت تؤانسه وتلاعبه، هذا كله والجماعة الذين في الخزانة يسمعون ما يحصل منهما ولا يقدر أحد أن يتكلم فلما مد الملك يده إلى عنقها وأراد أن يقضي حاجته منها، قالت له هذا الأمر لا يفوتنا وقد كنت قبل الآن وعدت حضرتك بهذا المجلس فلك عندي ما يسرك، فبينما هما يتحدثان وإذا بطارق يطرق الباب فقال لها من هذا قالت له زوجي فقال لها اصرفيه عنا كرماً منا وإلا فاطلع إليه أصرفه قهراً فقالت له لا يكون ذلك يا مولانا بل اصبر حتى أصرفه بحسن معرفتي فقال لها وكيف أفعل أنا، فأخذته من يده وأدخلته في الطبقة الرابعة وقفلت عليه، ثم خرجت إلى الباب ففتحته وإذا هو النجار. فلما دخل وسلم عليها قالت له أي شيء هذه الخزائن التي عملتها فقال لها ما لها يا سيدتي فقالت له إن هذه الطبقة ضيقة فقال لها هذه واسعة فقالت له ادخل وانظرها فإنها لا تسعك فقال لها هذه تسع أربعة ثم دخل النجار فلما دخل قفلت عليه الطبقة الخامسة، ثم إنها قامت وأخذت ورقة الوالي ومضت بها إلى الخازندار فلما أخذها قبلها وأطلق لها الرجل عشيقها من الحبس فأخبرته بما فعلته فقال لها وكيف تفعلي قالت له نخرج من هذه المدينة إلى مدينة أخرى وليس لنا بعد هذا الفعل إقامة هنا ثم جهزوا ما كان عندهما وحملاه على الجمال وسافرا من ساعتهما إلى مدينة أخرى، وأما القوم فإنهم أقاموا في طبقات الخزانة ثلاثة أيام بلا أكل، فانحصروا لأن لهم ثلاثة أيام لم يبولوا، فبال النجار على رأس السلطان وبال السلطان على رأس الوزير وبال الوزير على رأس الوالي وبال الوالي على رأس القاضي فصاح القاضي وقال أي شيء هذه النجاسة أما يكفينا ما نحن فيه حتى تبولوا علينا فرفع الوالي صوته وقال عظم الله أجرك أيها القاضي، فلما سمعه عرف أنه الوالي ثم إن الوالي رفع صوته وقال ما بال هذه النجاسة، فرفع الوزير صوته وقال عظم الله أجرك أيها الوالي، فلما سمعه الوالي عرف أنه الوزير، ثم إن الوزير رفع صوته وقال ما بال هذه النجاسة، فرفع الملك صوته وقال عظم الله أجرك أيها الوزير. ثم إن الملك لما سمع كلام الوزير عرفه ثم سكت وكتم أمره، ثم إن الوزير قال لعن الله هذه المرأة بما فعلت معنا أحضرت جميع أرباب الدولة عندها ما عدا الملك، فلما سمعهم الملك قال لهم اسكتوا فأنا أول من وقع في شبكة هذه العاهرة الفاجرة، فلما سمع النجار قولهم قال لهم وأنا أي شيء ذنبي قد عملت لها خزانة بأربعة دنانير ذهباً وجئت أطلب الأجرة فاحتالت علي وأدخلتني هذه الطبقة وقفلتها علي ثم إنهم صاروا يتحدثون مع بعضهم وسلوا الملك بالحديث وأزالوا ما عنده من الانقباض.

فجاء جيران ذلك المنزل فرأوه خالياً فقال بعضهم لبعض بالأمس كانت جارتنا زوجة فلان فيه، والآن لم نسمع في هذا الموضع صوت أحد ولا نرى فيه أنسياً فاكسروا هذه الأبواب وانظروا حقيقة الأمر لئلا يسمع الوالي أو الملك فيسجننا فنكون نادمين على أمر لم نفعله قبل ذلك، ثم إن الجيران كسروا الأبواب ودخلوا فرأوا خزانة من خشب ووجدوا رجالاً تئن من الجوع والعطش فقالوا لبعضهم هل يوجد جني في هذه الخزانة فقال واحد منهم نجمع لها حطباً ونحرقها بالنار فصاح عليهم القاضي وقال لا تفعلوا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجيران لما أرادوا أن يحملوا الحطب ويحرقوا الخزانة صاح عليهم القاضي وقال لا تفعلوا ذلك فقال الجيران لبعضهم إن الجن يتصورون ويتكلمون بكلام الإنس، فلما سمعهم القاضي قرأ شيئاً من القرآن العظيم ثم قال للجيران ادنوا من الخزانة التي نحن فيها، فلما دنوا منها قال لهم أنا فلان وفلان ونحن هنا جماعة فقال الجيران للقاضي ومن جاء بك هنا فأعلمنا الخبر من أوله إلى آخره فاحضروا لهم نجاراً ففتح للقاضي خزانته وكذلك الوالي والوزير والملك والنجار وكل منهم بالملبوس الذي عليه.

فلما طلعوا نظر بعضه لبعض وصار كل منهم يضحك على الآخر ثم إنهم خرجوا وطلبوا المرأة فلم يقفوا لها على خبر وقد أخذت جميع ما كان عليهم فأرسل كل منهم إلى جماعته يطلب ثياباً، فأحضروا لهم ملبوساً ثم خرجوا مستورين به على الناس، فانظر يا مولانا الملك هذه المكيدة التي فعلتها هذه المرأة مع هؤلاء القوم. وقد بلغني أيضاً أنه كان رجل يتمنى في عمره أن يرى ليلة القدر فنظر ليلة من الليالي إلى السماء فرأى الملائكة وأبواب السماء قد فتحت ورأى كل شيء ساجد في محله فلما رأى ذلك قال لزوجته يا فلانة إن الله قد أراني ليلة القدر ونذرت إن رأيتها أدعو ثلاث دعوات مستجابات فأنا أشاورك فماذا أقول، فقالت المرأة قل اللهم كبر لي ذكري، فقال ذلك فصار ذكره مثل ضرف القرع حتى صار ذلك الرجل لا يستطيع القيام به، وكانت زوجته إذا أراد أن يجامعها تهرب منه من موضع إلى موضع فقال لها الرجل كيف العمل فهذه أمنيتك لأجل شهوتك، فقالت له أنا ما أشتهي أن يبقى بهذا الطول فرفع الرجل رأسه إلى السماء وقلا اللهم أنقذني من هذا الأمر وخلصني منه فصار الرجل ممسوحاً ليس له ذكر، فلما رأته زوجته قالت له ليس لي بك حاجة حيث صرت بلا ذكر فقال لها هذا كله من شؤم رأيك وسوء تدبيرك كان لي عند الله ثلاث دعوات أنال بها خيرات الدنيا والآخرة فذهبت دعوتان وبقيت دعوة واحدة، فقالت ادع الله على ما كنت عليه أولاً فدعا ربه فعاد كما كان فهذا أيها الملك بسبب سوء تدبير المرأة، وإنما ذكرت لك ذلك لتحقق غفلة النساء وسخافة عقولهن وسوء تدبيرهن، فلا تسمع قولها وتقتل ولدك مهجة قلبك وتمحو ذكرك من بعدك فانتهى الملك عن قتل ولده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك انتهى عن قتل ولده فلما كان في اليوم السابع حضرت الجارية صارخة بين يدي الملك وأضرمت ناراً قالت له إن لم تنصفني من ولدك ألقيت نفسي في هذه النار، فقد كرهت الحياة وقبل حضوري كتبت وصيتي وتصدقت بمالي وعزمت على الموت فتندم كل الندم كما ندم الملك على عذاب حارسة الحمام فقال لها الملك وكيف كان ذلك.

فقالت له الجارية: بلغني أيها الملك أن امرأة كانت عابدة زاهدة ناسكة وكانت تدخل قصر ملك من الملوك يتبركون بها وكان لها عندهم حظ عظيم فدخلت يوماً من الأيام ذلك القصر على جري عادتها وجلست بجانب زوجة الملك فناولتها عقداً قيمته ألف دينار، وقالت لها يا جارية خذي هذا العقد عندك واحرسيه حتى أخرج من الحمام فآخذه منك، وكان الحمام في القصر فأخذته الجارية وجلست في موضع في منزل الملكة حتى تدخل الحمام الذي عندها في المنزل وتخرج، ثم وضعت ذلك العقد تحت سجادة وقامت تصلي فجاء طير وأخذ العقد وجعله في شق من زوايا القصر، وقد خرجت الحارسة لحاجة تقضيها وترجع ولم تعلم بذلك، فلما خرجت زوجة الملك من الحمام طلبت العقد من تلك الحارسة فلم تجده وجعلت تفتش عليه فلم تجد له خبراً ولم تقع له على أثر فصارت الحارسة تقول والله يا بنتي ما جاءني أحد وحين أخذته وضعته تحت السجادة، ولم أعلم هل أحد من الخدم عاينه واستغفلني وأنا في الصلاة وأخذه والعلم في ذلك لله تعالى فلما سمع الملك بذلك أمر زوجته أن تعذب الحارسة بالنار والضرب الشديد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أمر زوجته أن تعذب الحارسة بالنار والضرب الشديد عذبتها بأنواع العذاب، فلم تقر بشيء ولم تتهم أحداً فبعد ذلك أمر الملك بسجنها وأن يجعلوها في القيود فحبست، ثم إن الملك جلس يوماً من الأيام في وسط القصر والماء محدق به وزوجته بجانبه فوقعت عينه على طير وهو يسحب ذلك العقد من شق من زوايا القصر، فصاح على جارية عنده فأدركت ذلك الطير وأخذت العقد منه فعلم الملك أن الحارسة مظلومة فندم على ما فعل معها وأمر بإحضارها فلما حضرت أخذ يقبل رأسها ثم صار يبكي ويستغفر ويتندم على ما فعل معها ثم أمر لها بمال جزيل فأبت أن تأخذه ثم سامحته وانصرفت من عنده وأقسمت على نفسها أن لا تدخل منزل أحد وساحت في الجبال والأودية تعبد الله تعالى إلى أن ماتت. وبلغني أيضاً من كيد الرجال والنساء حكاية أعجب من هذه الحكايات كلها فقال لها الملك هات ما عندك فقالت اعلم أيها الملك أن جارية من جواري الملك ليس لها نظير في زمانها في الحسن والجمال، والقد والاعتدال والبهاء والدلال والأخذ بعقول الرجال وكانت تقول ليس لي نظر في زماني وكان جميع أولاد الملوك يخطبونها فلم ترض أن تأخذ واحداً منهم وكان اسمها الدنماء وكانت تقول لا يتزوجني إلا من يقهرني في حومة الميدان بالضرب والطعان فإن غلبني أحد تزوجته بطيب قلبي وإن غلبته أخذت فرسه وسلاحه وثيابه وكتبت على جبهته هذا عتيق فلانة وكان أبناء الملوك يأتون إليها من كل مكان بعيد وقريب وهي تغلبهم وتعيبهم وتأخذ أسلحتهم ولسعتها بالنار فسمع بها ابن ملك من ملوك العجم يقال له بهرام فأعجب بها من مسافة بعيدة واستصحب معه مالاً وخيلاً ورجالاً وذخائر من ذخائر الملوك حتى يصل إليها.

فلما حضر عندها أرسل إلى والدها هدية سنة فأقبل عليه الملك وأكرمه غاية الإكرام ثم إنه أرسل إليه مع وزرائه أنه يريد أن يخطب ابنته فأرسل إليه والدها وقال له يا ولدي أما ابنتي الدنماء فليس لي عليها حكم لأنها أقسمت على نفسها أنها لا تتزوج إلا من يقهرها في حومة الميدان فقال له ابن الملك وأنا ما سافرت من مدينتي إلا على هذا الشرط فقال الملك في غد تلتقي معها، فلما جاء الغد أرسل والدها إليها واستأذنها فلما سمعت ذلك تأهبت للحرب ولبست آلة حربها إلى الميدان فخرج ابن الملك إلى لقائها وعزم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك خرج للقائها وعزم على تجربها فتسامعت الناس بذلك فأتت من كل مكان فحضروا في ذلك اليوم وخرجت الدنماء وقد لبست وتمنطقت وتنقبت، فبرز لها ابن الملك وهو في أحسن حالة وأتقن آلة من آلات الحرب وأكمل عدة فحمل كل واحد منهما على الآخر ثم تجاولا طويلاً واعتركا ملياً، فنظرت منه من الشجاعة والفروسية ما لم تنظره من غيره، فخافت على نفسها أن يخجلها بين الحاضرين، وعلمت أنه لا محالة غالبها فأرادت مكيدته وعملت له الحيلة فكشفت عن وجهها وإذا هو أضوأ من البدر، فلما نظر إليها ابن الملك اندهش فيه وضعفت قوته وبطلت عزيمته فاقتلعته من سرجه وصار في يدها مثل العصفور في مخلب العقاب وهو ذاهل في صورتها لا يدري ما يفعل به فأخذت جواده وسلاحه وثيابه وسمته بالنار وأطلقت سبيله.

فلما فاق من غشيته، مكث أياماً لا يأكل ولا يشرب ولا ينام من القهر وتمكن حب الجارية من قلبه فصرف عبيده إلى والده وكتب له كتاباً أنه لا يقدر أن يرجع إلى بلده حتى يظفر بحاجته أو يموت دونها فلما وصلت المكاتبة إلى والده حزن عليه وأراد أن يبعث إليه بالجيوش والعساكر، فمنعه الوزراء من ذلك وصبروه ثم إن ابن الملك استعمل في غرضه الحيلة فجعل نفسه شيخاً هرماً وقصد بستان بنت الملك لأنها كانت تدخل أكثر أيامها فيه فاجتمع ابن الملك بالخولي وقال له: إني رجل غريب من بلاد بعيدة وكنت مدة شبابي خولي وإلى الآن أحسن الفلاحة وحفظ النبات والمشموم ولا يحسنه أحد غيري.

فلما سمعه الخولي فرح به غاية الفرح، فأدخله البستان ووصى عليه جماعته فأخذ في الخدمة وتربية الأشجار والنظر في مصالح أثمارها وبينما هو كذلك يوماً من الأيام وإذا بالعبيد قد ركضوا ومعهم البغال عليهم الفراش والأواني فسأل عن ذلك، فقالوا له إن بنت الملك تريد أن تتفرج على ذلك البستان فمضى وأخذ الحلي والحلل التي كانت معه من بلاده، وجاء بها إلى البستان وقعد فيه ووضع قدامه شيئاً من تلك الذخائر وصار يرتعش ويظهر أن ذلك من الهرم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد الخمسمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن ملك العجم لما جعل نفسه شيخاً كبيراً وقعد في البستان ووضع بين يديه الحلي والحلل وأظهر أنه يرتعش من الكبر والهرم والضعف فلما كان بعد ساعة حضر الجواري والخدم ومعهن ابنة الملك في وسطهن كأنها القمر بين النجوم، فأقبلن وجعلن يدرن البستان ويقطفن الأثمار فرأين رجلاً قاعداً تحت شجرة من الأشجار فقصدنه وهو ابن الملك ونظرنه، وإذا به شيخ كبير يرتعش بيديه ورجليه وبين يديه حلي وذخائر من ذخائرالملوك، فلما نظرنه تعجبن من أمره فسألته عن هذه الحلي ما يصنع به، فقال لهن هذه الحلي أريد أن أتزوج بها واحدة منكن فتضاحكن عليه وقلن له إذا تزوجتها ما تصنع بها. فقال كنت أقبلها قبلة واحدة وأطلقها فقالت له ابنة الملك زوجتك بهذه الجارية، فقام إليها وهو يتوكأ على عصا ويرتعش ويتعثر فقبلها ودفع لها تلك الحلي والحلل ففرحت الجارية وتضاحكن عليه ثم ذهبن إلى منازلهن.

فلما كان في اليوم الثاني دخلن البستان وجئن نحوه فوجدنه جالساً في موضعه وبين يديه حلي وحلل وأكثر من الأول فقعدن عنده وقلن له أيها الشيخ ما تصنع بهذه الحلي، فقال أتزوج به واحدة منكن مثل البارحة فقالت له ابنة الملك قد زوجتك هذه الجارية فقام إليها وقبلها وأعطاها تلك الحلي والحلل وذهبن إلى منزلهن، فلما رأت ابنة الملك الذي أعطاه للجواري من الحلي والحلل، قالت في نفسها أنا كنت أحق بذلك وما علي بذلك من بأس.

فلما أصبح الصباح، خرجت من منزلها وحدها وهي في صورة جارية من الجواري وأخفت نفسها إلى أن أتت إلى الشيخ، فلما حضرت بين يديه قالت يا شيخ أنا ابنة الملك هل تريد أن تتزوج بي؟ فقال لها حباً وكرامة وأخرج لها الحلي والحلل ما هو أعلى قدراً وأغلى ثمناً ثم دفعه وقام ليقبلها وهي آمنة مطمئنة، فلما وصل إليها قبض عليها بشدة وضرب بها الأرض وأزال بكارتها وقال لها ما تعرفيني فقالت له من أنت؟ فقال لها أنا بهرام ابن ملك العجم قد غيرت صورتي وتغربت عن أهلي ومملكتي من أجلك، فقامت من تحته وهي ساكتة لا ترد عليه جواباً ولا تبدي له خطاباً مما أصابها، وقالت في نفسها إن قتلته فما يفيد قتله، ثم تفكرت في نفسها وقالت ما يسعني في ذلك إلا الهرب معه إلى بلاده، فجعلت مالها وذخائرها وأرسلت إليه وأعلمته بذلك لأجل أن يتجهز أيضاً ويجمع ماله وتعاهدا على ليلة يسافرا فيها.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 30 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

من نوادر هارون الرشيد مع الشاب العماني

ومما يحكى أيضاً أن الخليفة هارون الرشيد أرق ذات ليلة أرقاً شديداً فاستدعى مسروراً فحضر فقال له: ائتني بجعفرٍ بسرعةٍ فمضى وأحضره، فلما حضر وقف بين يديه قال له: يا جعفر قد اعتراني في هذه الليلة أرقٌ فمنع عني النوم ولا أعلم ما يزيله عني قال: يا أمير المؤمنين قد قالت الحكماء: النظر إلى المرآة ودخول الحمام واستعمال الغناء يزيل الهم والفكر فقال: يا جعفر أني قد فعلت هذا كله فلم يزل عني شيئاً وأنا أقسم بآبائي الطاهرين أن لم تتسبب فيما يزيل عني ذلك لأضربن عنقك قال: يا أمير المؤمنين هل تفعل ما أشير به عليك؟ قال الخليفة: وما الذي تشير به علي؟ قال: أن تنزل بنا في زورقٍ وننحدر به في بحر الدجلة مع الماء إلى محلٍ يسمى قرن الصراط لعلنا نسمع أو ننظر ما لم ننظر فأنه قد قبل تفريج الهم بواحدٍ من ثلاثة أمور وأن يرى الإنسان ما لم يكن رآه أو يسمع ما لم يكن سمعه أو يطأ أرضاً ما لم يكن وطئها فلعل ذلك يكون سبباً في زوال القلق عنك يا أمير المؤمنين. فعند ذلك قام الرشيد من موضعه وصحبته جعفر وأخوه الفضل وأبو اسحق النديم وأبو نواس وأبو دلف ومسرور والصياد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة لما قام من موضعه وصحبته جعفر وباقي جماعته دخلوا حجرة الثياب ولبسوا كلهم ملابس التجار وتوجهوا إلى الدجلة ونزلوا في زورقٍ مزركشٍ بالذهب وانحدروا مع الماء حتى وصلوا إلى الموضع الذي يريدونه فسمعوا أصواتاً جاريةً تغني على العود وتنشد هذه الأبيات:

قولٌ وقد حضر الـعـقـار وقد غنى على الأيك الهزار

إلى كم ذا التأني عن سرورٍ أفق ما العمر إلا مستعار

فخذها من يدي ظبيٍ غريرٍ بجفنيه فتورٌ وانكـسـار

زرعت بخده ورداً طـرياً فأثمر في السوالف جلنار

وتحسب موضع التخمـيس فيه رمادا خامداً والخدنار

يقول لي العزول تسل عنه فما عذري وقد تم العـذار

فلما سمع الخليفة هذا الصوت قال: يا جعفر ما أحسن هذا الصوت قال جعفر: يا مولانا ما طرق سمعي أطيب ولا أحسن من هذا الغناء ولكن يا سيدي أن السماع من وراء جدارٍ نصف سماعٍ فكيف بالسماع من خلف سترٍ فقال: انهض بنا يا جعفر حتى نتطفل على صاحب هذه الدار لعلنا نرى المغنية عياناً، قال جعفر: سمعاً وطاعةً فصعدوا من الكوكب واستأذنوا في الدخول وإذا بشابٍ مليح المنظر عذب الكلام فصيح اللسان خرج إليهم وقال: أهلاً وسهلاً يا سادتي المنعمين علي أدخلوا بالرحب والسعة فدخلوا وهو بين أيديهم فرأوا الدار بأربعة أوجهٍ وسقفها بالذهب وحيطانها منقوشةٌ بالأزورد وفيها إيوانٌ به سدبةٌ جميلةٌ وعليها مائة جاريةٍ كأنهن أقمار فصاح عليهن فنزلن عن أسرتهن ثم التفت رب المنزل إلى جعفر وقال: يا سيدي أنا ما أعرف منكم الجليل من الأجل بسم الله ليتفضل منكم من هو أعلى في الصدر ويجلس أخوانه كل واحد في مرتبته فجلس كل واحدٍ في منزلته وقام مسرورٌ في الخدمة بين أيديهم، ثم قال لهم صاحب المنزل عن أذنكم هل أحضر لكم شيئاً من المأكول؟ قالوا له: نعم. فأمر الجواري بإحضار الطعام فأقبل أربع جوارٍ مشدودات الأوساط بين أيديهن مائدةٌ وعليها من غرائب الألوان مما درج وطار وسبح في البحار من قطاً وسماني وأفراخ وحمام ومكتوب على حواشي السفرة من الأشعار ما يناسب المجلس فأكلوا على قدر كفايتهم ثم غسلوا أيديهم فقال الشاب: يا سادتي أن كان لكم حاجةٌ فأخبرونا بها حتى نتشرف بقضائها قالوا: نعم فأننا ما جئنا منزلك إلا لأجل صوت سمعناه من وراء حائط دارك فاشتهينا أن نسمعه ونعرف صاحبته فأن رأيت أن تنعم علينا بذلك كان من مكارم أخلاقك ثم نعود من حيث جئنا. فقال: مرحبا بكم. ثم التفت إلى جاريةٍ سوداءٍ وقال: أحضري سيدتك فلانةٌ. فذهبت الجارية ثم جاءت ومعها كرسي فوضعته ثم ذهبت ثانيةٍ وأتت جاريةٌ كأنها البدر في تمامه فجلست على الكرسي أمام الجارية السوداء وناولتها خرقة من أطلسٍ فأخرجت منها عوداً مرصعاً بالجواهر واليواقيت وملأوا من الذهب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما أقبلت جلست على كرسي وأحرجت العود من الخريطة وإذا هو مرصع بالجوهر واليواقيت وملاويه من الذهب فشدت أوتاره لرناتٍ المزاهر وهي كما قال فيها وفي عودها الشاعر:

حضنته كالأم الشفيقة بابـنـهـا في حجرها وجلت عليه ملاويه

ما حركت يدها اليمـين لـجـه إلا وأصلحت اليسـار مـدويه

ثم ضمت العود إلى صدرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها وجست أوتاره فاستغاث كما يستغيث الصبي بأمه، ثم ضربت عليه وجعلت تنشد هذه الأبيات:

جاد الزمان بمن أحب فاعـتـبـا يا صاحبي فأدر كؤوسك واشربا

من خمرةٍ ما مازحت قلب امريءٍ إلا وأصبح بالمسرة مـطـربـا

قام النسيم يحملها في كـأسـهـا أرايت بدر الثم يحمل كـوكـبـا

كم ليلةٍ سامرت فيهـا بـدرهـا من فوق دجلة قد أضاء الغيهبـا

والبدر يجنح للغـروب كـأنـمـا قد مد فوق الماء سيفاً مذهـبـا

فلما فرغت من شعرها بكت بكاءً شديداً وصاح كل من في الدار من البكاء حتى كادوا أن يهلكوا وما منهم أحدٌ إلا وغاب عن وجوده ومزق أثوابه ولطم على وجهه لحسن غنائها فقال الرشيد: أن غناء هذه الجارية يدل على أنها عاشقةٌ مفارقةٌ فقال سيدها: أنها ثاكلةٌ لأمها وأبيها فقال الرشيد: ما هذا بكاء من فقد أباه وأمه وإنما هو شجو من فقد محبوبه وطرب الرشيد من غنائها وقال لأبي اسحق: والله ما رأيت مثلها فقال أبو اسحق: يا سيدي أني لأعجب منها غاية العجب ولا أملك نفسي من الطرب وكان الرشيد مع ذلك كله ينظر إلى صاحب الدار ويتأمل في محاسنه وظرف شمائله فرأى في وجهه اصفرارا فالتفت إليه وقال: يا فتى فقال: لبيك يا سيدي فقال له: هل تعلم من نحن؟ قال: لا فقال له جعفر: أتحب أن نخبرك عن كل واحدٍ باسمه؟ فقال: نعم فقال جعفر: هذا أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسيلين وذكر له بقية أسماء الجماعة وبعد ذلك قال الرشيد: أشتهي أن تخبرني عن هذا الاصفرار الذي في وجهك هل هو مكتسبٌ أو أصلي من حين ولادتك؟ قال: يا أمير المؤمنين أن حديثي غريب وأمري عجيب لو كتب بالإبر على أماق البصر لكان عبرةً لمن أعتبر.

قال: أعلمني به لعل شفاءك يكون على يدي قال: يا أمير المؤمنين أعرني سمعك، وأخلي لي ذرعك قال: هات فحدثني فقد شوقتني إلى سماعه.

فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني رجلٌ تاجرٌ من تجار البحر، وأصلي من مدينة عمان وكان أبي تاجرا كثير المال وكان له ثلاثون مركباً تعمل في البحر أجرتها في كل عام ثلاثون ألف دينارٍ وكان رجلاً كريماً وعلمني الخط وجميع ما يحتاج إليه الشخص فلما حضرته الوفاة دعاني وأوصاني بما جرت به العادة ثم توفاه الله تعالى إلى رحمته وأبقى الله أمير المؤمنين وكان لأبي شركاءٌ يتجرون في ماله ويسافرون في البحر فاتفق في بعض الأيام أني كنت قاعداً في منزلي مع جماعةٍ من التجار إذ دخل علي غلامٌ من غلماني وقال: يا سيدي أن بالباب رجلاً يطلب الإذن في الدخول عليك فأذنب له فدخل وهو حامل على رأسه شيئاً مغطى فوضعه بين يدي وكشفه فإذا فيه فواكه بغير أوانٍ وملح وطرائف ليست في بلادنا فشكرته على ذلك وأعطيته مائة دينارٍ وانصرف شاكراً، ثم فرقت ذلك على كل من كان حاضراً من الأصحاب.

ثم سألت التجار: من أين هذا؟ فقالوا: أنه من البصرة وأثنوا عليه وصاروا يصفون حسن البصرة وأجمعوا على أنه ليس في البلاد أحسن من مدينة بغداد ومن أهلها وصاروا يصفون بغداد وحسن أخلاقها وأهلها وطيب هوائها وحسن تركيبها فاشتاقت نفسي إليها وتعلقت آمالي برؤيتها فقمت وبعت العقار والأملاك وبعت المراكب بمائة ألف دينارٍ وبعت العبيد والجواري وجمعت مالي فصار ألف ألف دينارٍ غير المعادن والجواهر وأكتريت مركباً وشحنتها بأموالي وسائر متاعي وسافرت بها أياماً وليالي حتى جئت إلى البصرة فأقمت بها مدةً ثم استأجرت سفينةً وأنزلت مالي فيها وسرنا منحدرين أياماً قلائل حتى وصلنا إلى بغداد فسألت أين تسكن التجار وأي موضعٍ أطيب للسكان؟ فقالوا: في حارة الكرح فجئت إليها واستأجرت داراً في درب يسمى درب الزعفران ونقلت جميع مالي إلى تلك الدار وأقمت بها مدةً.

ثم توجهت في بعض الأيام إلى الفرجة ومعي شيءٌ من المال وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فأتيت إلى جامعٍ يسمى جامع المنصور تقام فيه الجمعة وبعد أن خلصنا من الصلاة خرجت مع الناس إلى موضعٍ يسمى قرن الصراط فرأيت في ذلك المكان موضعاً عالياً جميلاً وله روشنٌ مطلٌ على الشاطئ وهناك شباك فذهبت من جملة الناس إلى ذلك المكان فرأيت شيخاً جالساً وعليه ثيابٌ جميلةٌ وتفوح منه رائحةٌ طيبةٌ وقد شرح لحيته فافترقت على صدره فرقتين كأنها قضيبٌ من لجين وحوله أربع جوارٍ وخمسة غلمانٍ فقلت لشخصٍ ما اسم هذا الشيخ وما صنعته؟ فقال: هذا طاهر ابن العلاء وهو صاحب الفتيان وكل من دخل عنده يأكل ويشرب وينظر إلى الملاح فقلت له: والله أن لي زماناً وأنا أدور على مثل هذا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال: والله أن لي زماناً وأنا أدور على مثل هذا، ثم قال: فتقدمت إليه يا أمير المؤمنين وسلمت عليه، وقلت له: يا سيدي أن لي عندك حاجة، فقال: ما حاجتك؟ قلت: أشتهي أن أكون ضيفك في هذه الليلة فقال: حباً وكرامةً ثم قال: يا ولدي عندي جوارٌ كثيرةٌ منهن من ليلتها بعشرة دنانيرٍ ومنهن من ليلتها بأكثر فاختر من تريد فقلت: أختار التي ليلتها بعشرة دنانيرٍ، ثم وزنت له ثلثمائة دينارٍ عن شهرٍ فسلمني لغلامٍ فأخذني ذلك الغلام وذهب بي إلى حمام القصر وخدمني خدمةً حسنةً فخرجت من الحمام وأتى بي إلى مقصورةٍ وطرق الباب فخرجت له جاريةٌ فقال له: خذي ضيفك فتلقتني بالرحب والسعة ضاحكةً مستبشرةً وأدخلتني داراً عجيبةً مزركشةً بالذهب فتأملت في تلك الجارية فرأيتها كالبدر ليلة تمامه وفي خدمتها جاريتان كأنهم كوكبان ثم أجلستني وجلست بجانبي ثم أشارت إلى الجواري فأتين بمائدةٍ فيها من أنواع اللحوم من دجاجٍ وسماني وقطاً وحمامٍ فأكلنا حتى اكتفينا وما رأيت في عمري ألذ من ذلك الطعام، فلما أكلنا رفعت تلك المائدة وأحضرت مائدة الشراب والمشموم والحلوى والفواكه وأقمت عندها شهراً على هذا الحال، فلما فرغ الشهر دخلت الحمام وجئت إلى الشيخ وقلت له: يا سيدي أريد التي ليلتها بعشرين ديناراً فقال: أرني الذهب فمضيت وأحضرت الذهب فوزنت له ستمائة دينارٍ عن شهرٍ فنادى غلاماً وقال لله: خذ سيدك فأخذني وأدخلني الحمام فملا خرجت أتى بي إلى باب مقصورةٍ وطرقه فخرجت جارية، فقال لها: خذي ضيفك فتلقتني بأحسن ملتقى وإذا حولها أربع جوارٍ ثم أمرت بإحضار الطعام فحضرت مائدة عليها من سائر الأطعمة فأكلت ولما فرغت من الأكل ورفعت المائدة فأخذت العود وغنت بهذه الأبيات:

أيا نفحات المسك من أرض بابلٍ بحق غرامي أن تؤدي رسائلي

عهدت بهاتيك الأراضي منازلاً لأحبابنا أكرم بها من مـنـازل

وفيها التي ما حبها كل عاشـقٍ تغني ولم يرتد منهـا بـطـائلٍ

فأقمت عندها شهراً ثم جئت إلى الشيخ وقلت: أريد صاحبة الأربعين ديناراً فقال: أزن لي الذهب فوزنت له عن شهرٍ ألفا ومائتي دينارٍ ومكثت عندها شهراً كأنه يومٌ واحدٌ لما رأيت من حسن المنظر وحسن العشرة.

ثم جئت إلى الشيخ وكنا قد أمسينا فسمعت ضجةً عظيمةً وأصواتاً عاليةً فقلت له: ما الخبر؟ فقال لي الشيخ: أن هذه الليلة عندنا أشهر الليالي وجميع الخلائق يتفرجون على بعضهم فيها فهل لك أن تصعد على السطح وتتفرج على الناس فقلت: نعم وطلعت على السطح فرأيت ستارةً حسنةً ووراء الستارة محلٌ عظيمٌ وفيه سدلةً وعليها فرشٌ مليحٌ وهناك صبيةٌ تدهش الناظرين حسناً وجمالاً وقداً واعتدالاً وبجانبها غلاماً يده على عنقها وهو يقبلها فلما رأيتهما يا أمير المؤمنين لم أملك نفسي ولم أعرف أين أنا لما بهرني من حسن صورتها فلما نزلت الجارية التي أنا عندها وأخبرتها بصفتها فقالت: ما لك وما لها؟ فقلت: والله أنها أخذت عقلي فتبسمت وقالت: يا أبا الحسن ألك فيها غرضٌ؟ فقلت: أي والله فأنها تملكت قلبي ولبي فقالت: هذه ابنة طاهر بن العلاء وهي سيدتنا وكلنا جواريها أتعرف يا أبا الحسن بكم ليلتها ويومها: قلت: لا قالت: بخمسمائة دينارٍ وهي حسرةٌ في قلوب الملوك فقلت: والله لأذهبن مالي كله على هذه الجارية وبت أكابد الغرام وطول ليلي فلما أصبحت دخلت الحمام ولبست أفخر ملبوس من ملابس الملوك وجئت إلى أبيها وقلت: يا سيدي أريد التي ليلتها بخمسمائة دينارٍ فقال: زن الذهب فوزنت له عن كل شهرٍ عشرة آلاف دينارٍ فأخذها ثم قال للغلام: أعمد به إلى سيدتك فلانة فأخذني وأتى بي إلى دارٍ لم تر عيني أظرف منها على وجه الأرض.

فلما دخلت رأيت الصبية جالسةً فلما رأيتها اندهش عقلي بحسنها يا أمير المؤمنين وهي كالبدر في ليلة أربعة عشر ذات حسنٍ وجمالٍ وقدٍ واعتدالٍ وألفاظ تفضح رنات المزاهر كأنها المقصود الشاعر:

قالت وقد لعب الغرام بعطفهـا في جنح ليلٍ سابـل الأحـلاك

يا هل ترى لي في دجاك مسامرٌ أو هل لهذا الكس مـن نـياك

ضربت عليه بكفها وتنـهـدت كتنهد الآسف الحزين البـاكـي

والثغر بالمسواك يظهر حسنه والأير للاكساس كالمسـواك

يا مسلمون أما تقوم أيوركـم ما فيكم أحد يغيث الشاكـي

فانفض من تحت الغلائل قائماً أيري وقال لها أتـاك أتـاك

وحللت عقد أزارها فتفزعت من أنت قلت فتىً أجاب نداك

وغدوت أرهزها بمثل ذراعها رهز اللطيف يضر بالأوراك

حتى إذا ما قمت بعـد ثـلاثةٍ قالت هناك النيك قلت هناك

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما حدث أمير المؤمنين بصفات الجارية وأنشد في حسنها الأبيات المتقدمة ثم أنشد هذه الأبيات:

ولو أنها للمشركين تـعـرضـت لبلوائها من دون أصنامهـم ربـا

ولو تفلت في البـحـر مـالـح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا

ولو أنها في الشرق لاحت لراهبٍ لخلي سبيل الشرق وأتبع الغربـا

وما أحسن قول الآخر:

‎ نظرت إليها نظرةً فتغـيرت دقائق فكري في بديع صفاتها

فأوحى إليهم الوهم أني أحبها فأثر ذاك الوهم في جناتهـا

فسلمت عليها فقالت: أهلاً وسهلاً ومرحباً وأخذت بيدي يا أمير المؤمنين وأجلستني إلى جانبها فمن فرط الإشتياق بكيت حماقة الفراق وأسبلت دمع العين وأنشدت هذين البيتين:

أحب ليالي الهجر لا فرحاً بهـا عسى الدهر يأتي بعدها بوصال

وأكره أيام الوصـال لأنـنـي أرى كل شيءٍ معقبـاً بـزوال

ثم أنها صارت تؤانسني بلطف وأنا غريقٌ في بحر الغرام خائف في القرب ألم الفراق من فرط الوجد والإشتياق وتذكرت لوعة النوى والبين فأنشدت هذين البيتين:

فكرت ساعة وصلها في هجرها فجرت مدامع مقلتي كالعنـدم

فطفقت أمسح مقلتي في جيدها من عادة الكافور إمساك الـدم

ثم أمرت بإحضار الأطعمة فأقبلت أربع جوار نهد أبكار فوضعن بين أيدينا من الأطعمة والفاكهة والحلوى والمشموم والمدام ما يصلح للملوك فأكلنا يا أمير المؤمنين وجلسنا على المدام وحولنا الرياحين في مجلسٍ لا يصلح إلا للملك ثم جاءتها يا أمير المؤمنين جاريةٌ بخريطةٍ من الابرسيم فأخذتها وأخرجت منها عوداً فوضعته في حجرها وجست أوتاره فاستغاث كما يستغيث الصبي بأمه وأنشدت هذين البيتين:

لا تشرب الراح إلا من يدي رشأ تحيكه في رقة المعنى ويحيكها

أن المدامة لا يلتـذ شـاربـهـا حتى يكون نقي الخد ساقيهـا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال: لما أنشدت هذين البيتين فأقمت يا أمير المؤمنين عندها على هذه الحالة مدةً من الزمان حتى نفذ جميع مالي فتذكرت وأنا جالسٌ معها مفارقتها فنزلت دموعي على خدي كالأنهار وصرت لا أعرف الليل من النهار فقالت: لأي شيءٍ تبكي؟ فقلت لها: يا سيدتي من حين جئت إليك وأبوك يأخذ مني في كل ليلةٍ خمسمائة دينارٍ وما بقي عندي شيءٌ من المال وقد صدق قول الشاعر حيث قال:

الفقر في أوطاننا غـربةٌ والمال في الغربة أوطان

فقالت: أعلم أن أبي من عادته أنه إذا كان عنده تاجرٌ وافتقر فأنه يضيفه ثلاثة أيامٍ ثم بعد ذلك يخرجه فلا يعود إلينا أبداً ولكن أكتم سرك وأخف أمرك وأنا أعمل حيلةً في اجتماعي بك إلى ما شاء الله فأن لك في قلبي محبةً عظيمةً وأعلم أن جميع مال أبي تحت يدي وهو لا يعرف قدره فأنا أعطيك في كل يوم كيساً فيه خمسمائة دينارٍ وأنت تعطيه لأبي وتقول له: ما بقيت أعطي الدراهم إلا يوماً بيومٍ وكل ما دفعته إليه فأنه يدفعه إلى وأنا أعطيه لك وتستمر هكذا إلى أن شاء الله فشكرتها على ذلك وقبلت يدها. ثم أقمت عندها يا أمير المؤمنين على هذه الحالة مدة سنةٍ كاملةٍ فاتفق في بعض الأيام أنها ضربت جاريتها ضرباً وجيعاً فقالت لها: والله لأوجعن قلبك كما أوجعتيني ثم مضت تلك الجارية إلى أبيها وأعلمته بأمرنا من أوله إلى أخره فلما سمع طاهر بن العلاء كلام الجارية قام من وقته وساعته ودخل علي وأنا جالسٌ مع ابنته وقال لي: فلان قلت له: لبيك قال: عادتنا انه إذا كان عندنا تاجر وافتقر أننا نضيفه عندنا ثلاثة أيامٍ وأنت لك عندنا سنةً تأكل وتشرب وتفعل ما تشاء.

ثم التفت إلى غلمانه وقال: اخلعوا ثيابه ففعلوا وأعطوني ثياباً رديئةً قيمتها خمسة دراهمٍ ودفعوا إلي عشرة دراهمٍ ثم قال له: أخرج فأنا لا أضربك ولا أشتمك واذهب إلى حال سبيلك وأن أقمت في هذه البلدة كان دمك هدارٌ فخرجت يا أمير المؤمنين رغم أنفي ولا أعلم أين أذهب وحل قلبي كل همٍ في الدنيا وشغلني الوسواس وقلت في نفسي كيف أجيء في البحر بألف ألف من جملتها ثمن ثلاثين مركباً ويذهب هذا كله في دار هذا الشيخ النحس وبعد ذلك أخرج من عنده عريانا مكسور القلب؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أقمت في بغداد ثلاثة أيامٍ لم أذق طعاماً ولا شراباً وفي اليوم الرابع رأيت سفينةً متوجهةً إلى البصرة فنزلت واستكريت مع صاحبها إلى أن وصلت إلى البصرة فدخلت السوق وأنا في شدة الجوع فرآني رجل بقال فقام إلي وعانقني لأنه كان صاحباً لي ولأبي من قبلي وسألني عن حالي فأخبرته بجميع ما جرى لي فقال لي: والله ما فعال عاقلٍ ومع هذا الذي جرى لك فأي شيءٌ في ضميرك تريد أن تفعله؟ فقلت له: لا أدري ماذا أفعل فقال: أتجلس عندي وتكتب خرجي ودخلي ولك في كل يومٍ درهم زيادةً على أكلك وشربك؟ فأجبته وأقمت عنده يا أمير المؤمنين سنةً كاملةً أبيع واشتري إلى أن صار معي مائة دينارٍ فاستأجرت غرفةً على شاطئ البحر لعل مركباً تأتي ببضاعةٍ فاشتري بالدنانير بضاعةً وأتوجه إلى بغداد فاتفق في بعض الأيام أن المراكب جاءت وتوجهت إليها جميع التجار يشترون فرحت معهم وإذا برجلين قد خرجا من بطن المركب ونصبا لهما كرسيين وجلسا عليهما ثم أقبل التجار عليها لأجل الشراء فقال لبعض الغلمان: أحضروا البساط فأحضروه وجاء واحدٌ بخرجٍ منه جراباً وفتحه وكبه على البساط وإذا به يخطف البصر لما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان والعقيق من سائر الألوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما أخبر الخليفة بقضية التجار وبالجراب وما فيه من سائر أنواع الجواهر قال: يا أمير المؤمنين ثم أن واحداً من الرجلين الجالسين على الكراسي التفت إلى التجار وقال لهم: يا معشر التجار أنا ما أبيع في يومي هذا لأني تعبان فتزايدت التجار في الثمن حتى بلغ مقداره أربعمائة دينارٍ فقال لي صاحب الجراب وكان بيني وبينه معرفةً قديمةً لماذا لم تتكلم ولم تزود مثل التجار؟ فقلت له: والله يا سيدي ما بقي عندي شيءٌ من الدنيا سوى مائة دينارٍ واستحيت منه ودمعت عيناي فنظر إلي وقد عسر عليه حالي، ثم قال للتجار: أشهدوا على أني بعت جميع ما في الجراب من أنواع الجواهر والمعادن لهذا الرجل بمائة دينار وأنا أعرف أنه يساوي كذا وكذا ألف دينارٍ وهو هديةٌ مني إليه فأعطاني الخرج والجراب والبساط وجميع ما عليه من الجواهر فشكرته على ذلك وجميع من حضر من التجار أثنوا عليه ثم أخذت ذلك ومضيت به إلى سوق الجواهر وقعدت أبيع واشتري وكان من جملة هذه المعادن قرص تعويذ صنعه المعلمين وزنته نصف رطلٍ وكان أحمر شديد الحمرة وعليه أسطر مثل دبيب النمل من الجانبين ولم أعرف منفعته فبعت واشتريت مدة سنةٍ كاملةٍ ثم أخذت قرص التعويذ وقلت: هذا له عندي مدة لا أعرفه ولا أعرف منفعته فدفعته إلى الدلال فأخذه ودرا به ثم عاد وقال: ما دفع واحدٌ من التجار سوى عشرة دراهمٍ فقلت له: ما أبيعه بهذا القدر فرماه في وجهي وانصرف. فعرضته للبيع يوماً أخر فلبغ ثمنه خمسة عشر درهماً فأخذته من الدلال مغضباً ورميته عندي فبينما أنا جالس يوماً إذ أقبل علي رجل فسلم علي وقال لي: عن أذنك هل أقلب ما عندك من البضائع؟ قلت: نعم وأنا يا أمير المؤمنين مغتاظٌ من كساد قرص التعويذ فقلب الرجل البضاعة ولم يأخذ منها سوى قرص التعويذ فلما رآه يا أمير المؤمنين قبل يده وقال: الحمد لله ثم قال: يا سيدي أتبيع هذا؟ فازداد غيظي وقلت له: نعم فقال لي: كم ثمنه؟ فقلت له: كم تدفع فيه أنت؟ قال عشرين ديناراً، فتوهمت أنه يستهزيء بي فقلت: اذهب إلى حال سبيلك فقال لي هو: أبخمسين ديناراً فلم أخاطبه فقال: ألف دينارٍ هذا كله يا أمير المؤمنين وأنا ساكتٌ ولم أجبه وهو يضحك من سكوتي ويقول: لأي شيءٍ لم ترد علي؟ فقلت له: اذهب إلى حال سبيلك وأردت أن أخاصمه وهو يزيد ألفاً بعد ألفٍ ولم أرد عليه حتى قال: أتبيعه بعشرين ألف دينارٍ؟ وأنا أظن أنه يستهزيء بي فاجتمع علينا الناس كلٌ منهم يقول بعد وأن لم يشتر فنحن الكل عليه ونضربه ونخرجه من البلد فقلت له: هل أنت تشتري أو تستهزيء؟ قلت له: أبيع قال: هو بثلاثين ألف دينارٍ وخذها وأمضي البيع وأنا أخبرك بفائدته ونفعه فقلت: بعتك فقال: الله على ما تقول وكيل.


ثم أخرج الذهب وأقبضني إياه وأخذ قرص التعويذ ووضعه في جيبه ثم قال لي: هل رضيت؟ قلت: نعم فقال أشهدوا عليه أنه أمضى البيع وقبض الثمن ثلاثين ألف دينارٍ ثم إنه التفت إلى وقال: يا مسكين والله لو أخرت البيع لزدناك إلى مائة ألف دينارٍ بل إلى مائة ألف ألف دينارٍ، فلما سمعت يا أمير المؤمنين هذا الكلام نفر الدم من وجهي وعلا عليه هذا الاصفرار الذي أنت تنظره من ذلك اليوم ثم قلت له: أخبرني ما سبب ذلك وما نفع هذا القرص؟ فقال: اعلم أن ملك الهند له بنت لم ير أحسن منها وبها داء الصداع فأحضر الملك أرباب الأقلام وأهل العلوم والكهان فلم يرفعوا عنها ذلك فقلت له وكنت حاضراً بالمجلس: أيها الملك أنا أعرف رجلاً يسمى سعد الله البابلي ما على وجه الأرض أعرف منه بهذه الأمور فإن رأيت أن ترسلني إليه فأفعل فقال: اذهب إليه فقلت له: أحضر إلي قطعةً كبيرةً من العقيق ومعها ألف دينارٍ وهديةٍ فأخذت ذلك وتوجهت إلى بلاد بابلٍ فسألت عن الشيخ فدلوني عليه ودفعت له المائة ألف دينارٍ والهدية فأخذ ذلك مني ثم أخذ قطعة العقيق وأحضر حكاكاً فعملها هذا التعويذ ومكث الشيخ سبعة أشهرٍ يرصد النجم حتى اختار وقتاً لكتابته وكتب عليه هذه الطلاسم التي تنظرها ثم جئت به إلى الملك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لأمير المؤمنين: إن الرجل قال لي: أخذت هذا التعويذ وجلت به إلى الملك فلما وضعه على ابنته برنت من ساعتها وكانت مربوطةً في أربع سلاسلٍ وكل ليلةٍ تبيت عندها جاريةٌ فتصبح مذبوحةً فمن حين وضع عليها هذا التعويذ برنت لوقتها ففرح الملك فرحاً شديداً وخلع علي وتصدق بمالٍ كثيرٍ ثم وضعه في عقدها فاتفق أنها نزلت يوماً في مركب هي وجواريها تتنزه في البحر فمدت جاريةٌ يدها إليها لتلاعبها فانقطع العقد وسقط في البحر فعاد من ذلك الوقت العارض لابنة الملك فحصل ما حصل للملك من الحزن فأعطاني مالاً كثيراً وقال لي: اذهب إلى الشيخ ليعمل لها تعويذةً عوضاً عنها فسافرت إليه فوجدته قد مات فرجعت إلى الملك وأخبرته فبعثني أنا وعشرة أنفسٍ نطوف في البلاد لعلنا نجد لها دواء فأوقعني الله به عندك فأخذه مني يا أمير المؤمنين وانصرف فكان ذلك الأمر سبباً للاصفرار الذي في وجهي ثم أني توجهت إلى بغداد ومعي جميع مالي وسكنت في الدار التي كنت فيها فلما أصبح الصباح لبست ثيابي وجئت إلى بيت طاهر بن العلاء لعلي أرى من أحبها فإن حبها لم يزل يتزايد في قلبي فلما وصلت إلى داره رأيت الشباك قد انهدم فسألت غلاماً وقلت له: ما فعل الله بالشيخ؟ فقال: يا أخي أنه قدم عليه في سنة من السنين رجلٌ تاجرٌ يقال له أبو الحسن العماني فأقام مع ابنته مدةً من الزمان ثم بعد أن ذهب ماله أخرجه الشيخ من عنده مكسور الخاطر وكانت الصبية تحبه حباً شديداً فلما فارقها مرضت مرضاً شديداً حتى بلغت الموت وعرف أباها بذلك فأرسل خلفه في البلاد وقد ضمن لمن يأتي به مائة ألف دينارٍ فلم يره أحد ولم يقع له على أثرٍ وهي الآن مشرفة على الموت قلت: وكيف حال أبيها؟ قال: باع الجواري من عظم ما أصابه فقلت له: هل أدلك على أبي الحسن العماني؟ فقال: وبالله عليك يا أخي أن تدلني عليه فقلت له: اذهب إلى أبيها وقل له: لي البشارة عندك فإن أبا الحسن العماني واقفٌ على الباب.

فذهب الرجل يهرول كأنه بغلٌ انطلق من طاحونٍ ثم غاب ساعةٍ وجاء وصحبته الشيخ فلما رأني رجع إلى داره وأعطى الرجل مائة ألف دينارٍ فأخذها وانصرف وهو يدعو لي ثم أقبل الشيخ وعانقني وبكى وقال: يا سيدي أين كنت في هذه الغيبة هلكت ابنتي من أجل فراقك فأدخل معي إلى المنزل فلما دخلت سجد شكراً لله تعالى وقال الحمد لله الذي جمعنا بك ثم دخل لابنته وقال لها شفاك الله من هذا المرض فقالت يا أبت ما أبرا من مرضي إلا إذا نظرت وجه أبي الحسن فقال إذا أكلت أكله ودخلت الحمام جمعت بينكما فلما سمعت كلامه قالت أصحيحٌ ما تقول قال لها والله العظيم أن الذي قلته صحيحٌ فقالت والله إن نظرت وجهاً ما أحتاج إلى أكلٍ فقال لغلامه: أحضر سيدك فدخلت فلما نظرت إلى أمير المؤمنين وقعت مغشياً عليها فلما أفاقت أنشدت هذا البيت:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

ثم استوت جالسةً وقالت: يا سيدي ما كنت أظن أني أرى وجهك إلا أن كان مناماً، ثم أنها عانقتني وبكت وقالت يا أبا الحسن الآن آكل وأشرب فأحضروا الطعام والشراب، ثم صرت عندهم يا أمير المؤمنين مدةً من الزمان وعادت كما كانت عليه من الجمال، ثم أن أباها استدعى بالقاضي والشهود وكتب كتابها علي وعمل وليمةً عظيمةً وهي زوجتي إلى الآن.

ثم أن ذلك الفتى قام من عند الخليفة ورجع إليه بغلامٍ بديع الجمال بقدٍ ذي رشاقةٍ واعتدالٍ وقال له قبل الأرض بين يدي أمير المؤمنين فقبل الأرض بين يدي الخليفة فتعجب الخليفة من حسنه وسبح خالقه، ثم أن الرشيد انصرف هو وجماعته وقال يا جعفر مما هذا إلا شيءٌ عجيبٌ ما رأيت ولا سمعت بأغرب منه. فلما جلس الرشيد في دار الخلافة قال: يا مسرور قال: لبيك يا سيدي قال أجمع في هذا الإيوان خراج البصرة وخراج بغداد وخراج خراسان فجمعه فصار مالاً عظيماً لا يحصى عدده إلا الله تعالى. ثم قال الخليفة: يا جعفر قال لبيك قال أحضر لي أبا الحسن قال سمعاً وطاعةً ثم أحضره فلما حضر قبل الأرض بين يدي الخليفة وهو خائفٌ أن يكون طلبه بسبب خطأ وقع منه وهو عنده بمنزله فقال الرشيد: يا عماني قال له لبيك يا أمير المؤمنين خلد الله نعمه عليك، فقال له اكشف هذه الستارة، وكان الخليفة أمرهم أن يضعوا مال الأقاليم ويسلبوا عليه الستارة، فلما كشف العماني الستارة عن الإيوان اندهش عقله من كثرة المال فقال الخليفة يا أبا الحسن أهذا المال أكثر أم الذي فاتك من قرص التعويذ فقال له بل هذا يا أمير المؤمنين أكثر بأضعافٍ كثيرة.

قال الرشيد: أشهدوا يا من حضر أني وهبت هذا المال لهذا الشاب، فقبل الأرض واستحى وبكى من شدة الفرح بين يدي الرشيد، فلما بكى جرى الدمع من عينيه على خده فرجع الدم إلى محله فصار وجهه كالبدر ليلة تمامه، فقال الخليفة لا آله إلا الله سبحان من يغير حالاً بعد حال وهو باقٍ لا يتغير، ثم أتى بمرآة وأراه وجهه فيها فلما رآه سجد شكراً لله تعالى، ثم أمر الخليفة يحمل إليه المال وسأله أنه لا ينقطع عنه لأجل المنادمة فصار يتردد إليه إلى أن توفى الخليفة إلى رحمة الله تعالى، فسبحان الحي الذي لا يموت ذي الملك والملكوت.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الحكواتي



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 07:57 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب