منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى الادبي

الحكواتي

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 31 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية أحمد الدنف وحسن شومان مع الدليلة المحتالة وبنتها زينب النصابة

وحكي أيضاً أيها الملك السعيد أنه كان في زمن هارون الرشيد رجل يسمى أحمد الدنف وآخر يسمى حسن شومان وكانا صاحبي مكر وحيل ولهما أفعال عجيبة فبسبب ذلك خلعلا الخليفة على أحمد الدنف خلعة وجعله مقدم الميمنة، وخلع على حسن شومان خلعة مقدم الميسرة، وجعل لكل منهما جامكية في كل شهر ألف دينار، وكان لكل واحد منهما أربعون رجلاً من تحت يده، وكان مكتوباً على أحمد الدنف درك البر فنزل أحمد الدنف ومعه حسن شومان والذين من تحت أيديهما راكبين والأمير خالد الوالي بصحبتهم والمنادي ينادي حسبما رسم الخليفة أنه لا مقدم ببغداد في الميمنة إلا المقدم أحمد الدنف، ولا مقدم ببغداد في الميسرة إلا حسن شومان وأنهما مسموعا الكلمة واجبا الحرمة وكان في البلدة عجوز تسمى الدليلة المحتالة ولها بنت تسمى زينب النصابة فسمعتا المناداة بذلك فقالت زينب لأمها الدليلة: انظري يا أمي هذا أحمد الدنف جاء من مصر مطروداً ولعب مناصف في بغداد، إلى أن تقرب عند الخليفة وبقي مقدم الميمنة وهذا الولد الأقرع حسن شومان مقدم الميسرة، وله سماط في الغداء وسماط في العشاء ولهما جوامك لكل واحد منهما ألف دينار في كل شهر ونحن معطلون في هذا البيت لا مقام لنا ولا حرمة وليس لنا من يسأل عنا وكان زوج الدليلة مقدم بغداد سابقاً وكان له عند الخليفة في كل شهر ألف دينار فمات عن بنتين بنت متزوجة ومعها ولد يسمى أحمد اللقيط، وبنت عازبة تسمى زينب النصابة وكانت الدليلة صاحبة حيل وخداع ومناصف، وكانت تتحيل على الثعبان حتى تطلعه من وكره وكان إبليس يتعلم منها المكر وكان زوجها براجاً عند الخليفة وكان له جامكية في كل شهر ألف دينار وكان يربي حمام البطاقة الذي يسافر بالكتب والرسائل وكان عند الخليفة كل طير لوقت حاجته أعز من واحد من أولاده، فقالت بغداد، وتكون لنا جامكية أبينا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زينب النصابة لما قالت لأمها: قومي اعملي لنا حيلاً ومناصف لعل بذلك يشيع لنا صيت في بغداد فتكون لنا جامكية أبينا فقالت لها: وحياتك يا بنتي لألعبن في بغداد مناصف أقوى من مناصف أحمد الدنف وحسن شومان، فقامت وضربت لثاماً ولبست لباس الفقراء من الصوفية ولبست لباساً نازلاً لكعبها وجبة صوف، وتحزمت بمنطقة عريضة، وأخذت إبريقاً وملأته ماء لرقبته وحطت في فمه ثلاثة دنانير وغطت فم الإبريق بليفة وتقلدت بسج قدر حملة حطب وأخذت راية في يدا وفيها شراطيط حمر وصفر، وطلعت تقول: الله الله واللسان ناطق بالتسبيح والقلب راكض في ميدان القبيح وصارت تتلمج لمنصف تلعبه في البلد فسارت من زقاق إلى زقاق حتى وصلت إلى زقاق مكنوس مرشوش وبالرخام مفروش فرأت باباً مقوصراً بعتبته من مرمر ورجلاً مغربياً واقفاً بالباب وكانت تلك الدار لرئيس الشاويشية عند الخليفة وكان صاحب الدار ذا زرع وبلاد جامكية واسعة وكان يسمى حسن شر الطريق وما سموه بذلك إلا لكون ضربته تسبق كلمته وكان متزوجاً بصبية مليحة، وكان يحبها وكانت ليلة دخلته بها حلفته أنه لا يتزوج عليها ولا يبيت في غير بيته إلى أن طلع زوجها يوماً من الأيام إلى الديوان فرأى كل أمير معه ولداً وولدان وكان قد دخل الحمام ورأى وجهه في المرآة فرأى بياض شعر ذقنه غطى سوادها، فقال في نفسه هل الذي أخذ أباك لا يرزقك ولداً؟ ثم دخل على زوجته وهو مغتاظ، فقالت له: مساء الخير فقال لها: روحي من قدامي من يوم رأيتك ما رأيت خيراً فقالت له: لأي شيء؟ فقال لها: ليلة دخلت عليك حلفتيني أني ما أتزوج عليك ففي هذا اليوم رأيت الأمراء كل واحد معه ولد وبعضهم معه ولدان فتذكرت الموت وأنا ما رزقت بولد ولا بنت ومن لا ذكر له لا يذكر وهذا سبب غيظي فإنك عاقر لا تحبلين مني.

فقالت له: اسم الله عليك أنا خرقت الأهوان من دق الصوف والعقاقير، وأنا ما لي ذنب والعاقة منك لأنك بغل أفطس، وبيضك رائق لا يحبل ولا يجيء بأولاد فقال لها: لما أرجع من السفر أتزوج عليك، فقالت له: نصيبي على الله تعالى وطلع من عندها وندما على معاضرة بعضهما فبينما زوجته تطل من طاقتها وهي كأنها عروسة كنز من المصاغ الذي عليها وإذا بدليلة واقفة فرأتها فنظرت عليها صغية وثياباً ثمينة، فقالت في نفسها: يا دليلة لا أصنع من أن تأخذي هذه الصبية من بيت زوجها وتعريها من المصاغ والثياب وتأخذي جميع ذلك فوقفت وذكرت تحت شباك القصر وقالت: الله الله! فرأت الصبية هذه العجوز وهي لابسة من الثياب البيض ما يشبه قبة من نور متهيئة بهيئة الصوفية وهي تقول: أحضروا يا أولياء الله، فطلت النساء من النوافذ وقالت شيء لله من المدد هذه شيخة طالع من وجهها النور، فبكت خاتون زوجة الأمير حسن وقالت لجاريتها: انزلي قبلي يد الشيخ أبو علي البواب، وقولي له خليه يدخل الشيخة لنتبرك بها، فنزلت وقبلت يده وقالت: سيدتي تقول لك خل هذه الشيخة تدخل إلى سيدتي لنتبرك بها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما نزلت للبواب وقالت له سيدتي تقول لك خل هذه الشيخة تدخل لنتبرك بها لعل بركتها تعم علينا فتقدم البواب وقبل يدها، فمنعته وقالت له ابعد عني لئلا تنقض وضوئي أنت الآخر مجذوب ومحلوظ من أولياء الله، الله يعتقك من هذه الخدمة يا أبا علي وكان للبواب أجرة ثلاثة أشهر على الأمير، وكان معسراً ولم يعرف أن يخلصها من ذلك الأمير.

فقال لها يا أمي اسقيني من إبريقك لأتبرك بك فأخذت الإبريق من على كتفها وبرمت به في الهواء وهزت يدها حتى طارت الليفة من فم الإبريق، فنزلت الثلاثة دنانير على الأرض فنظرها البواب والتقطها وقال في نفسه شيء لله هذه الشيخة من أصحاب التصرف، فإنها كاشفت علي وعرفت أني محتاج للمصروف فتصرفت لي في حصول ثلاثة الدنانير التي وقعت على الأرض من إبريقك. فقالت له العجوز: ابعدها عني فإني من ناس لا يشتغلون بدنيا أبداً خذها ووسع بها على نفسك عوضاً عن الذي لك عند الأمير، فقال شيء لله من المدد وهذا من باب الكشف وإذا بالجارية قبلت يدها وأطلعتها لسيدتها فلما دخلت رأت سيدة الجارية كأنها كنز انفكت عنه الطلاسم، فرحبت بها وقبلت يدها فقالت لها يا ابنتي أنا ما جئتك إلا بمشورة فقدمت لها الأكل، فقالت لها: يا ابنتي أنا ما آكل إلا من مأكل الجنة وأديم صيامي فلا أفطر إلا خمسة أيام في السنة، ولكن يا بنتي أنا أنظرك مكدرة ومرادي أن تقولي لي على سبب تكديرك.

فقالت يا أمي في ليلة ما دخلت حلفت زوجي أنه لا يتزوج غيري فرأى الأولاد فتشوق إليهم فقال لي: أنت عاقر، فقلت له: أنت بغل لا تحبل فخرج غضبان وقال لي لما أرجع من السفر أتزوج عليك، وأنا خائفة يا أمي أن يطلقني ويتزوج غيري فإن له بلاداً وزروعاً وجامكية واسعة، فإذ جاء أولاد من غيري يملكون المال والبلاد مني فقالت لها يا بنتي هل أنت عمياء عن شيخي أبي الحملات، فكل من كان مديوناً وزاره قضى الله دينه، وإن زارته عاقر فإنها تحبل فقالت يا أمي أنا من يوم دخلت ما خرجت لا معزية ولا مهنية، فقالت لها العجوز: يا بنتي أنا آخذك معي وأورك أبا الحملات وأرمي حملتك عليه وانذري له نذراً عسى أن يجيء زوجك من السفر ويجامعك فتحبلي منه ببنت أو ولد وكل شيء ولدتيه إن كان أنثى أو ذكر يبقى درويش الشيخ أبي الحملات فقامت الصبية ولبست مصاغها جميعه ولبست أفخر ما كان عندها من الثياب وقالت للجارية ألقي نظرك على البيت فقالت سمعاً وطاعة يا سيدتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبية لما قالت للجارية: ألقي نظرك على البيت قالت سمعاً وطاعة ثم نزلت فقابلت الشيخ أبو علي البواب فقال لها إلى أين يا سيدتي فقالت أنا رائحة لأزور الشيخ أبو الحملات فقال البواب صوم العام يلزمني إن هذه من الأولياء وملآنة بالولاية وهي يا سيدتي من أصحاب التصريف لأنها أعطتني ثلاثة دنانير من الذهب الأحمر وكاشفت علي من غير أن أسألها وعلمت أني محتاج فخرجت العجوز والصبية زوجة الأمير حسن شر الطريق معه، والعجوز الدليلة المحتالة تقول للصبية إن شاء الله يا بنتي لما تزورين الشيخ أبا الحملات يحصل لك جبر الخاطر، وتحبلين بإذن الله تعالى ويحبك زوجك الأمير حسن ببركة هذا الشيخ ولا يسمعك كلمة تؤذي خاطرك بعد ذلك فقالت لها أزوره يا أمي، ثم قالت العجوز في نفسها إني أغريها وآخذ ثيابها والناس رائحة وغادية فقالت لها يا بنتي إذا مشيت فامشي ورائي على قدر ما تنظرينني لأن أمك صاحبة حمل كثيرة وكل من كان عليه حمل يرميها علي وكل من كان معه نذر يعطيه لي ويقبل يدي، فمشت الصبية وراءها بعيداً عنها والعجوز قدامها إلى أن وصلتا سوق التجار والخلخال يرن والعقوص تشن على دكان ابن تاجر يسمى سيدي حسن وكان مليحاً جداً لا نبات بعرضيه فرأى الصبية مقبلة فصار يلحظها شزراً، فلما لحظت ذلك العجوز، غمزت الصبية وقالت لها اقعدي في هذا الدكان حتى أجيء إليك فامتثلت أمرها وقعدت قدام دكان ابن التاجر، فنظرها ابن التاجر نظرة أعقبته ألف حسرة، ثم أتته العجوز وسلمت عليه وقالت له هل أنت اسمك سيدي حسن ابن التاجر محسن، فقال لها نعم من أعلمك باسمي، فقالت دلني عليك أهل الخير واعلم أن هذه الصبية بنتي، وكان أبوها تاجراً فمات وخلف لها مالاً كثيراً وهي بالغة وقالت العقلاء أخطب لبنتك ولا تخطب لابنك وعمرها ما خرجت إلا في هذا اليوم وقد جاءت الإشارة ونويت في سري أن أزوجك بها وإن كنت فقيراً أعطيتك رأس المال وأفتح لك عوض الدكان اثنين، فقال ابن التاجر في نفسه قد سألت الله عروسة فمن علي بثرثة أشياء كيس وكس وكساء، ثم قال لها: يا أمي ما شرت به علي فإن أمي طالما قالت فقالت له: قم على قدميك واتبعني وأنا أريها لك عريانة فقام معها وأخذ معه ألف دينار وقال في نفسه ربما نحتاج إلى شيء فنشتريه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت لحسن ابن التاجر محسن قم واتبعني وأنا أريها لك عريانة، فقام معها وأخذ ألف ديار وقال في نفسه ربما نحتاج إلى شيء فنشتريه ونحط معلوم العقد ثم قالت له العجوز كن ماشياً بعيداً عنها على قدر ما تنظرها بالعين، وقالت العجوز في نفسها أين تروحين بابن التاجر وقد قفل دكانه فتعريه هو والصبية، ثم مشت والصبية تابعة لها وابن التاجر تابع للصبية إلى أن أقبلت على مصبغة وكان بها واحد معلم يسمى الحاج محمد وكان مثل سكين القلاقسي يقطع الذكر والأنثى يحب أكل التين والرمان فسمع الخلخال يرن فرفع عينه فرأى الصبية والغلام وإذا بالعجوز قعدت عنده وسلمت عليه وقالت له أنت الحاج محمد الصباغ فقال لها نعم أنا الحاج محمد أي شيء تطلبين فقالت له أنا دلني عليك أهل الخير فانظر هذه الصبية المليحة بنتي وهذا الشاب الأمرد المليح ابني وأنا ربيتهما وصرفت عليهما أموالاً كثيرة واعلم أن لي بيتاً كبيراً قد خسع وصلبته على خشب وقال لي المهندس اسكني في مطرح غيره لربما يقع عليك حتى تعمريه، وبعد ذلك ارجعي إليه واسكني فيه طلعت أفتش لي على مكان فدلني عليك أهل الخير ومرادي أن أسكن عندك بنتي وابني فقال الصباغ في نفسه قد جاءتك زبدة على فطيرة، فقال لها إن لي بيتاً وقاعة وطبقة ولكن أنا ما أستغني عن مكان منها للضيوف والفلاحين أصحاب النبلة، فقالت له يا ابني معظمه شهر أو شهرين حتى نعمر البيت، ونحن ناس غرباء فاجعل مكان الضيوف مشتركاً بيننا وبينك وحياتك يا ابني إن طلبت أن ضيوفك تكون ضيوفنا فمرحباً بهم نأكل معهم وننام معهم، فأعطاها المفاتحي واحداً كبيراً وآخر صغيراً ومفتاح أعوج وقال لها المفتاح الكبير للبيت والأعوج للقاعة والصغير للطبقة فأخذت المفاتيح وتبعتها الصبية ووراءها ابن التاجر إلى أن أقبلت على زقاق فرأت الباب ففتحته ودخلت، ودخلت الصبية وراءها وقالت لها: يا بنتي هذا بيت الشيخ أبي الحملات وأشارت لها إلى القاعة ولكن اطلعي الطبقة وحلي أزرارك حتى أجيء إليك فدخلت الصبية في الطبقة وقعدت فأقبل ابن التاجر فاستقبلته العجوز، وقالت له اقعد في القاعة حتى أجيء إليك ببنتي لتنظرها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز استقبلت ابن التاجر وقالت اقعد في القاعة حتى أجيء إليك فدخل وقعد في القاعة، ودخلت العجوز على الصبية فقالت لها الصبية أنا مرادي أن أزور أبا الحملات قبل أن يجيء الناس فقالت لها يا بنتي يخشى عليك فقالت لها: من أي شيء فقالت لها هناك ولدي أهبل لا يعرف صيفاً من شتاء دائماً عريان وهو نقيب الشيخ فإن دخلت بنت ملك مثلك لتزور الشيخ يأخذ حلقها ويشرم أذنها ويقطع ثيابها الحرير فأنت تقلعين صيغتك وثيابك لأحفظها لك حتى تزوري، فقلعت الصبية الصيغة والثياب وأعطت العجوز إياها، وقالت لها إني أضعها لك على ستر الشيخ فتحصل لك البركة، ثم أخذتها العجوز وطلعت وخلتها بالقميص واللباس وخبأتها في محل السلالم ثم دخلت العجوز على ابن التاجرفوجدته في انتظار الصبية، فقال لها أين بنتك حتى أنظرها فلطمت على صدرها فقال لها: مالك، فقالت له: لا عاش جيران السوء ولا كان جيران يحسدون، لأنهم رؤوك داخلاً معي فسألوني عنك فقلت أنا خطبت لبنتي هذا العريس، فحسدوني عليك فقالوا لبنتي هل أمك تعبت من مؤنتك حتى تزوجك لواحد مبتلي فحلفت لها أني ما أخليها تنظرك إلا وأنت عريان، فقال أعوذ بالله من الحاسدين وكشف عن ذراعيه فرأتهما مثل الفضة فقالت له لا تخشى من شيء فإني أدعك تنظرها عريانة مثل ما تنظرك عرياناً، فقال لها خليها تجيء لتنظرني وقلع الفروة السمور والحياطة والكسين وجميع الثياب حتى صار بالقميص واللباس وحط الألف دينار في الحوائج فقالت له هات حوائجك حتى أحفظها لك وأخذتها ووضعتها على حوائج الصبية، وحملت جميع ذلك وخرجت به من الباب وقفلته عليهما وراحت إلى حال سبيلها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما أخذت حوائج ابن التاجر وحوائج الصبية وقفلت الباب عليهما وراحت إلى حال سبيلها وأودعت الذي كان معها عند رجل عطار وراحت إلى الصباغ فرأته قاعداً في انتظارها، فقال لها إن شاء الله يكون البيت أعجبكم فقالت فيه بركة وأنا رائحة أجيء بالحمالين يحملون حوائجنا وفرشنا وأولادي قد اشتهوا علي عيشاً بلحم فأنت تأخذ هذا الدينار وتعمل لهما عيشاً بلحم وتروح تتغدى معهم، فقال الصباغ ومن يحرس المصبغة وحوائج الناس فيها فقالت صبيك قال وهو كذلك، ثم أخذ صحناً ومكبة معه وراح يعمل الغداء هذا ما كان من أمر الصباغ وله كلام يأتي.

وأما ما كان من أمر العجوز فإنها أخذت من العطار حوائج الصبية وابن التاجر ودخلت المصبغة وقالت لصبي الصباغ: الحق معلمك وأنا لا أبرح حتى تأتياني فقال لها سمعاً وطاعة، ثم أخذت جميع ما فيها وإذا برجل حمار حشاش له أسبوع وهو بطال فقالت له العجوز: تعال يا حمار فجاءها فقالت له: هل أنت تعرف ابني الصباغ، قال لها: أعرفه قالت له: هذا مسكين قد أفلس وبقي عليه ديون، ولكما يحبس أطلقه ومرادنا أن نثبت إعساره وأنا رائحة أعطي الحوائج لأصحابها ومرادي أن تعطيني الحمار حتى أحمل عليه الحوائج للناس وخذ هذا الدينار كراءة وبعد أن أروح تأخذ الدسترة وتنزح بها الذي في الخوابي ثم تكسر الخوابي والدنان لأجل إذا نزل كشف من طرف القاضي لا يجد شيء في المصبغة فقال لها: إن المعلم فضله علي وأعمل شيء لله، فأخذت الحوائج وحملتها فوق الحمار وستر عليها الستار وعمدت إلى بيتها فدخلت على بنتها زينب فقالت لها: قلبي عندك يا أمي أي شيء عملت من المناصف؟ فقالت لها: أنا لعبت أربع مناصف على أربعة أشخاص ابن التاجر وامرأة شاويش وصباغ وحمار وجئت لك بجميع حوائجهم على حمار الحمار فقالت لها: يا أمي ما بقيت تقدري أن تشقي في البلد من الشاويش الذي أخذت حوائج امرأته وابن التاجر الذي عريته، والصابغ الذي أخذت حوائج الناس من مصبغته والحمار صاحب الحمار، فقالت: آه يا بنتي أنا ما أحسب إلا حساب الحمار فإنه يعرفني.

وأما ما كان من أمر المعلم الصباغ فإنه جهز العيش باللحم وحمله على رأس خادمه، وفات على المصبغة فرأى الحمار يكسر في الخوابي ولم يبق فيها قماش ولا حوائج ورأى المصبغة خراباً، فقال له: ارفع يدك يا حمار فرفع يده وقال له الحمار: الحمد لله على السلامة يا معلم قبلي عليك فقال له: لأي شيء وما حصل لي: فقال له: صرت مفلساً وكتبوا حجة إعسارك، فقال له: ومن قال لك؟ فقال: أمك قالت لي وأمرتني بكسر الخوابي ونزح الدكان خوفاً من الكشاف إذا جاء ربما يجد في المصبغة شيء فقال: الله يخيب البعيد إن أمي ماتت من زمان ودق صدره بيده وقال: يا ضياع مالي ومال الناس، فبكى الحمار وقال: يا ضيعة حماري، ثم قال للصباغ: يا صباغ هات لي حماري من أمك، فتعلق الصباغ بالحمار وصار يكلمه ويقول: أحضر لي العجوز فقال له: أحضر لي الحمار فاجتمعت عليهما الخلائق.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصباغ تعلق بالحمار والحمار تعلق بالصباغ وتضاربا وصار كل واحد منهما يدعي على صاحبه فاجتمعت عليهما الخلائق فقال واحد: أي شيء الحكاية يا معلم محمد؟ قال له الحمار: أنا أحكي لكم الحكاية وحدثهم بما جرى له وقال: إني أظن أني مشكور عند المعلم، فدق صدره وقال لي: أمي ماتت وأنا الآخر أطلب حماري منه لأنه عمل علي هذا المنصف لأجل أن يضيع حماري فقالت الناس: يا معلم محمد وهذه أنت تعرفها لأنك استأمنتها على المصبغة والذي فيها فقال: لا أعرفها وإنما سكنت عندي في هذا اليوم هي وابنتها فقال واحد: في ذمتي إن الحمار في عهدة الصباغ فقيل له ما أصله فقال لأن الحمار ما اطمأن وأعطى العجوز حماره إلا لما رأى الصباغ استأمن العجوز على المصبغة والذي فيها فقال واحد: يا معلم لما سكنتها عندك وجب عليك أنك تجيء له بحماره ثم تمشوا قاصدين البيت لهم كلام يأتي. وأما ابن التاجر فإنه انتظر مجيء العجوز حتى تجيء ببنتها، وأما الصبية فإنها انتظرت العجوز حتى تجيء لها بإذن من ابنها المجذوب الذي هو نقيب الشيخ أبي الحملات فلم ترجع إليها فقامت لتزوره وإذا بابن التاجر يقول لها: حين دخلت تعالي أين أمك التي جاءت بي لأتزوج بك؟ فقالت: إن أمي ماتت فهل أنت ابنها المجذوب نقيب الشيخ أبي الحملات؟ فقال: ما هذه ما هي أمي هذه عجوز نصابة نصبت علي حتى أخذت ثيابي والألف دينار فقالت له الصبية: وأنا الأخرى نصبت علي وجاءت بي لأزور أبا الحملات وعرتني فصار ابن التاجر يقول للصبية أنا ما أعرف ثيابي والألف دينار إلا منك، والصبية تقول له: أنا ما أعرف حوائجي وصيغتي إلا منك فأحضر لي أمك وإذا بالصباغ داخل عليهما فرأى ابن التاجر عرياناً والصبية عريانة، فقال: قولا لي أين أمكما؟ فحكت الصبية جميع ما وقع لها وحكى ابن التاجر جميع ما جرى له، فقال الصباغ: يا صباغ مالي ومال الناس وقال الحمار: يا ضياع حماري فقال الصباغ: هذه عجوز نصابة اطلعوا حتى أقفل الباب، فقال ابن التاجر: يكون عيباً عليك أن ندخل بيتك لابسين ونخرج منه عريانين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن التاجر قال للصباغ يكون عيب عليك أن ندخل بيتك لابسين ونخرج عريانين فكساه وكسى الصبية وروحها بيتها ولها كلام يأتي بعد قدوم زوجها من السفر.

وأما ما كان من أمر الصباغ فإنه قفل المصبغة وقال لابن التاجر اذهب بنا لنفتش على العجوز ونسلمها للوالي فراح معه وصحبهما الحمار فحكوا له ما جرى لهم قوال: كم عجوز في البلد روحوا فتشوا عليها وأمسكوها وأنا أقررها لكم فداروا يفتشون عليها ولهم كلام يأتي.

وأما العجوز الدليلة المحتالة فإنها قالت لبنتها زينب: يا بنتي أنا أريد أن أعمل منصفاً فقالت لها: يا أمي أنا اخاف عليك فقالت لها: أنا مثل سقط الفول عاص على الماء والنار، فقامت ولبست ثياب خادمة من خدام الأكابر وطلعت تتلمح لمنصف تعمله فمرت على زقاق مفروش فيه قماش ومعلق فيه قناديل وسمعت فيه أغاني ونقر دفوف، ورأت جارية على كتفها ولد بلباس مطرز بالفضة وعليه ثياب جميلة وعلى رأسه طربوش مكلل باللؤلؤ وفي رقبته طوق ذهب مجوهر وعليه عباءة من قطيفة وكان هذا البيت لشاه بندر التجار ببغداد والولد ابنه وله أيضاً بنت بكر مخطوبة وهم يعملون أملاكها في ذلك اليوم وكان عند أمها جملة نساء ومغنيات فكلما تطلع أمه وتنزل يشبط معها الولد فنادت الجارية وقالت لها خدي سيدك لاعبيه حتى ينفض المجلس، ثم إن العجوز دليلة لما دخلت رأت الولد على كتف الجارية، فقالت لها: أي شيء عند سيدتك اليوم من الفرح؟ فقالت: تعمل أملاك بنتها وعندها المغنيات فقالت في نفسها: يا دليلة ما منصف إلا أخذ هذا الولد من هذه الجارية.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما قالت لنفسها يا دليلة ما منصف إلا أخذ هذا الولد من هذه الجارية قالت بعد ذلك: يا فضيحة الشوم ثم أطلعت من جيبها برقة صغيرة من الصفر مثل الدينار وكانت الجارية غشيمة ثم قالت العجوز للجارية: خذي هذا الدينار وادخلي لسيدتك وقولي لها: أم الخير فرحت لك وفضلك عليها ويوم المحضر تجيء هي وبناتها وينعمن على المواشط بالنقوط فقالت الجارية يا أمي وسيدي هذا كلما ينظر أمه يتعلق بها فقالت: هاتيه معي حتى تروحي وتجيئي فأخذت الجارية البرقة ودخلت، وأما العجوز فإنها أخذت الولد وراحت إلى زقاق قفعته الصيغة والثياب الي عليه وقالت لنفسها: يا دليلة ما شطارة إلا مثل ما لعبت على الجارية وأخذتيه منها أن تعملي منصفاً وتجعليه رهناً على شيء بألف دينار ثم ذهبت إلى سوق الجواهرجية، فرأت يهودياً صائغاً وقدامه قفص ملآن صيغة فقالت في نفسها ما شطارة إلا أن تحتالي على هذا اليهودي وتأخذي منه صيغة بألف دينار وتحطي الولد رهناً عنده عليها، فنظر اليهودي بعينه فرأى الولد مع العجوز فعرف أنه ابن شاه بندر التجار، وكان اليهودي صاحب مال كثير وكان يحسد جاره إذا باع بيعة ولم يبع هو فقال لها: أي شيء تطلبين يا سيدتي؟ فقالت له: أنت المعلم عذرة اليهودي لأنها سألت عن اسمه فقال لها نعم فقالت له: أخت هذا الولد بنت شاه بندر التجار مخطوبة وفي هذا اليوم عملوا أملاكها وهي محتاجة لصيغة فأت لنا بزوجين خلاخل ذهباً وزوج أساور ذهباً وحلق لؤلؤ وحياطة وخنجر وخاتم فأخذت منه شيئاً بألف دينار وقالت له: أنا آخذ هذا المصاغ على المشاورة فالذي يعجبهم يأخذونه وآتي إليك بثمنه وخذ هذا الولد عندك فقال: الأمر كما تريدين، فأخذت الصيغة وراحت بيتها فقالت لها بنتها: أي شيء فعلت من المناصف؟ فقالت لها: لعبت منصفا فأخذت ابن شاه بندر التجار وعريته ثم رحت رهنته على مصاغ بألف دينار فأخذتها من يهودي فقالت لها ابنتها: ما بقيت تقدري أن تمشي في البلد.

وأما الجارية فإنها دخلت لسيدتها وقالت: يا سيدتي أم الخير تسلم عليك وفرحت لك ويوم المحضر تجيء هي وبناتها ويعطين النقوط فقالت لها سيدتها: وأين سيدك؟ فقالت لها: خليته عندها خوفاً أن يتعلق بك وأعطتني نقوطاً للمغنيات فقالت لرئيسة المغنيات: خذي نقوطك، فأخذته فوجدته برقة من الصفر فقالت لها سيدتها: انزلي يا عاهرة انظري سيدك، فنزلت الجارية فلم تجد الولد ولا العجوز فصرخت وانقلبت على وجهها وتبدل فرحهم حزن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما نزلت لتنظر سيدها والعجوز فلم تجدهما فصرخت وانقلبت على وجهها وأخبرت سيدتها فتبدل فرحهم بحزن وإذا بشاه بندر التجار أقبل فحكت له زوجته جميع ما جرى فطلع يفتش عليه وصار كل تاجر يفتش من طريق، ولم يزل شاه بندر التجار يفتش على ابنه حتى رأى ابنه عرياناً على دكان اليهودي فقال: هذا ولدي، فقال اليهودي: نعم فأخذه أبوه ولم يسأل عن ثيابه لشدة فرحه به، وأما اليهودي فإنه لما رأى التاجر أخذ ابنه تعلق به وقال: الله ينصر فيك الخليفة فقال له التاجر: ما بالك يا يهودي؟ فقال اليهودي: إن العجوز أخذت مني صيغة لبنتك بألف دينار ورهنت هذا الولد عندي وما أعطيتها إلا لأنها تركت هذا الولد عندي رهناً على الذي أخذته وما ائتمنها إلا لكوني أعرف أن هذا الولد ولدك، فقال التاجر: إن ابنتي لا تحتاج إلى صيغة فأحضر لي ثياب الولد، فصرخ اليهودي وقال: أدركوني يا مسلمين، وإذا بالحمار والصباغ وابن التاجر دائرون يفتشون على العجوز فسألوا التاجر واليهودي عن سبب خناقهما، فحكيا لهم ما حصل فقالوا: إن هذه عجوز نصابة ونصبت علينا قبلكما وحكوا جميع ما جرى لهم معها، فقال شاه بندر التجار: لما لقيت ولدي فالثياب فداه إن وقعت العجوز طلبت الثياب منها فتوجه شاه بندر التجار بابنه لأمه ففرحت بسلامته وأما اليهودي فإنه لحق الثلاثة وقال لهم: أين تذهبون أنتم؟ فقالوا له: إننا نريد أن نفتش عليها فقال لهم: خذوني معكم، ثم قال لهم: هل فيكم من يعرفها؟ قال الحمار: أنا أعرفها فقال لهم اليهودي: إن طلعنا سواء لا يمكن أن نجدها وتهرب منا، ولكن كل واحد منا يروح من طريق ويكون اجتماعنا على دكان الحاج مسعود المزين المغربي فتوجه كل واحد من طريق، وإذا هي طلعت لتعمل منصفاً فرآها الحمار فعرفها فتعلق بها، وقال لها: ويلك إلك زمان على هذا الأمر قال لها: حماري هاتيه، فقالت له: استر ما ستر الله يا ابني أنت طالب حمارك وإلا حوائج الناس؟ فقال: طالب حماري فقط فقالت له: أنا رأيتك فقيراً وحمارك أودعته لك عند المزين المغربي فقف بعيداً حتى أصل إليه وأقول له بلطافة أن يعطيك إياه، وتقدمت للمغربي وقبلت يده وبكت فقال لها: مابالك؟ فقالت له: انظر ولدي الذي واقف كان ضعيفاً واستهوى فأفسد الهواء عقله وكان يقني الحمير فإن قام يقول حماري وإن قعد يقول حماري وإن مشى يقول حماري، فقال لي حكيم من الحكماء إنه اختل في عقله ولا يطيبه إلا قلع ضرسين ويكوى في أصداغه مرتين، فخذ هذا الدينار وناده وقل له: حمارك عندي، فقال المغربي: صوم رمضان يلزمني لأعطيه حماره في كفه وكان عنده اثنان صناعية فقال لواحد منهما رح احم مسمارين، ثم نادر الحمار والعجوز راحت إلى حال سبيلها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي قال لصانعه: احم مسمارين وناد الحمار والعجوز راحت إلى حال سبيلها فلما جاء قال له: حمارك عندي يا مسكين تعال خذه وحياتي لأعطيك إياه في كفك، ثم أخذه ودخل به في قاعة مظلمة وإذا بالمغربي لكمه فوقع فسحبوه وربطوا يديه ورجليه، وقام المغربي قلع له ضرسين وكواه على صدغه كيين ثم تركه فقام وقال: يا مغربي لأي شيء عملت معي هذا الأمر؟ فقال له: إن أمك أخبرتني أنك مختل العقل لأنك استهويت وأنت مريض، وإن قمت تقول حماري وإن قعدت تقول حماري وإن مشيت تقول حماري وهذا حمارك في يدك، فقال له: تلقى من الله بسبب تقليعك أضراسي فقال له: إن أمك قالت لي وحكي له جميع ما قالت فقال: الله ينكد عليها وذهب الحمار هو والمغربي يتخاصمان وتركا الدكان، فلما رجع المغربي إلى دكانه لم يجد فيها شيئاً وكانت العجوز حين راح المغربي هو والحمار، أخذت جميع ما في دكانه وراحت لبنتها زينب وحكت جميع ما وقع لها وما فعلت. وأما المزين فإنه لما رأى دكانه خالية تعلق بالحمار، وقال له: أحضر أمك فقال له: ما هي أمي وإنما هي نصابة نصبت على ناس كثيرين وأخذت حماري وإذا بالصباغ واليهودي وابن التاجر مقبلون، فرأوا المغربي متعلقاً بالحمار والحمار مكوي على أصداغه فقالوا له: ما جرى لك يا حمار؟ فحكى لهم جميع ما جرى وكذلك المغربي حكى قصته فقالوا له: إن هذه عجوز نصابة نصبت علينا وحكوا له ما وقع، فقفل دكانه وراح معهم إلى بيت الوالي، وقالوا للوالي: ما نعرف حالنا وما لنا إلا منك فقال الوالي: وكم عجائز في البلد؟ هل فيكم من يعرفها؟ فقال الحمار: أنا أعرفها ولكن أعطنا عشرة من أتباعك، فخرج الحمار بأتباع الوالي والباقي وراءهم ودار الحمار بالجميع، وإذا بالعجوز دليلة مقبلة فقبضها هو وأتباع الوالي وراحوا بها إلى الوالي فوقفوا تحت شباك القصر حتى يخرج الوالي، ثم إن أتباع الوالي ناموا من كثرة سهرهم مع الوالي فجعلت العجوز نفسها نائمة فنام الحمار ورفقاؤه كذلك فانسلت منهم ودخلت إلى حريم الوالي فقبلت يدي سيدة الحريم وقالت لها: أين الوالي؟ فقالت: نائم، أي شيء تطلبين؟ فقالت: إن زوجي يبيع الرقيق فأعطاني خمسة مماليك أبيعهم وهو مسافر فقابلني الوالي بألف دينار ومائتين لي وقال لي: أرسليهم إلى البيت فأنا جئت بهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما طلعت إلى حريم الوالي قالت لزوجته: إن الوالي فصل مني المماليك بألف دينار، وقال: وصليهم إلى البيت وكان الوالي عنده ألف دينار، وقال لزوجته احفظيها حتى نشتري بها مماليك فلما سمعت من العجوز هذا الكلام تحققت من زوجها ذلك، فقالت: وأين المماليك؟ قالت: يا سيدتي هم نائمون تحت شباك القصر الذي أنت فيه فطلت السيدة من الشباك، فرأت المغربي لابسا لبس المماليك وابن التجار في صورة مملوك والصباغ والحمار واليهودي في صورة المماليك الحليق، فقالت زوجة الوالي: هؤلاء كل مملوك أحسن من ألف دينار ففتحت الصندوق وأعطت العجوز الألف دينار، وقالت لها: اصبري حتى يفيق الوالي من النوم ونأخذ لك منه المائتي دينار، فقالت لها: يا سيدتي منهما مائة دينار لك في نظير الشراب الذي شربته والمائة الأخرى احفظيها لي عندك حتى أحضر، ثم قالت: يا سيدتي اطلعيني من باب السر فأطلعتها منه وستر عليها الستار، وراحت لبنتها فقالت لها: يا أمي ما فعلت، فقالت: يا بنتي لعبت منصفاً وأخذت منه هذا الألف دينار من زوجة الوالي، وبعت الخمسة رجال لها الحمار واليهودي والصباغ والمزين وابن التاجر وجعلتهم مماليك ولكن يا بنتي ما علي أضر من الحمار فإنه يعرفني، فقالت لها: يا أمي اقعدي يكفي ما فعلت فما كل مرة تسلم الجرة.

وأما الوالي فإنه لما قام من النوم قالت له زوجته: فرحت لك بالخمسة مماليك الذين اشتريتهم من العجوز، فقال لها: أي مماليك؟ فقالت: لأي شيء تنكر مني إن شاء الله يصيرون مثلك أصحاب مناصب فقال لها وحياة رأسي ما اشتريت مماليك من قال ذلك؟ فقالت: العجوز الدلالة التي فصلتهم منها وواعدتها أنك تعطيها حقهم ألف دينار ومائتين لها فقال لها: وهل أعطيتها المال؟ قالت له: نعم وأنا رأيت المماليك بعيني كل واحد عليه بدلة تساوي ألف دينار وأرسلت وصيت عليهم المقدمين، فنزل الوالي فرأى اليهودي والحمار والمغربي والصباغ وابن التاجر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوالي لما نزل ورأى اليهودي والحمار والمغربي والصباغ وابن التاجر فقال: يا مقدمين أين الخمسة مماليك الذين اشتريناهم من العجوز بألف دينار؟ فقالوا: ما هنا مماليك وما رأينا إلا هؤلاء الخمسة الذين أمسكوا العجوز وقبضوا عليها فنمنا كلنا ثم إنها انسلت ودخلت الحريم وأتت الجارية تقول: هل الخمسة الذين جاءت بهم العجوز عندكم؟ فقلنا: نعم فقال الوالي: والله إن هذا أكبر منصف والخمسة يقولون ما نعرف حوائجنا إلا منك فقال لهم: إن العجوز صاحبتكم باعتكم لي بألف دينار، فقالوا: ما يحل من الله نحن أحرار لا نباع ونحن وإياك للخليفة، فقال لهم: ما عرف العجوز طريق البيت إلا أنتم ولكن أنا أبيعكم للأغراب كل واحد بمائتي دينار فبينما هم كذلك وإذا بالأمير حسن شر الطريق جاء من سفره ورأى زوجته عريانة وحكت له جميع ما جرى لها، فقال لها: أنا ما خصمي إلا الوالي فدخل عليه وقال له: هل أنت تأذن للعجائز أن تدور في البلد وتنصب على الناس وتأخذ أموالهم؟ هذا عهدتك ولا أعرف حوائج زوجتي إلا منك ثم قال للخمسة: ما خبركم؟ فحكوا جميع ما جرى فقال لهم: أنتم مظلومون، والتفت إلى الوالي وقال له: لأي شيء تسجنهم؟ فقال له: ما أعرف العجوز طريق بيتي إلا هؤلاء الخمسة حتى أخذت مالي الألف دينار وباعتهم للحريم، فقال: يا أمير امرأتك عندي وضمان العجوز علي ولكن من يعرفها منكم؟ قالوا كلهم: نحن نعرفها أرسل معنا عشرة مقدمين ونحن نمسكها فأعطاهم عشرة مقدمين فقال لهم الحمار: اتبعوني فإني أعرفها بعيون زرق، وإذا بالعجوز دليلة مقبلة من زقاق وإذا بهم قبضوا عليها وساروا بها إلى بيت الوالي.

فلما رآها الوالي قال: أين حوائج الناس؟ فقالت: لا أخذت ولا رأيت فقال للسجان: احبسها عندك للغد، قال السجان: أنا لا آخذها ولا أسجنها مخافة أن تعمل منصفاً وأصير أنا ملزوماً بها فركب الوالي وأخذ بصلبها من شعرها فسحبها المشاعلي في البكر واستحفظ عليها عشرة من الناس وتوجه الوالي لبيته إلى أن أقبل الظلام وغلب النوم على المحافظين وإذا برجل بدوي سمع رجل يقول لرفيقه: الحمد لله على السلامة أين هذه الغيبة؟ فقال له: في بغداد وتغديت زلابية بعسل، فقال البدوي: لابد من دخولي بغداد وآكل فيها زلابية بعسل وكان عمره ما أكلها زين وذمة العرب ما آكل إلا زلابية بعسل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البدوي لما ركب حصانه وأراد دخول بغداد سار وهو يقول لنفسه: أكل الزلابية زين وذمة العرب أنا لا آكل إلا زلابية بعسل إلى أن وصل عند مصلب دليلة فسمعته يقول لنفسه هذا الكلام فأقبل عليها وقال لها: أي شيء أنت؟ فقالت له: أنا في جيرتك يا شيخ العرب فقال لها: إن الله قد أجارك ولكن ما سبب صلبك؟ فقالت له: عدو لي زيات يقلي الزلابية فوقفت أشتري منه شيئاً فبزقت فوقعت بزقتي على الزلابية فاشتكاني للحاكم، فأمر الحاكم بصلبي وقال: خذوا لها عشرة أرطال زلابية بعسل وأطعموها إياها وهي مصلوبة فإن أكلتها فحلوها وإن لم تأكلها فخلوها مصلوبة وأنا نفسي ما تقبل الحلو، فقال البدوي: وذمة العرب ما جئت من النجع إلا لآكل الزلابية بالعسل وأنا آكلها عوضاً عنك، فقالت له: هذه ما يأكلها إلا الذي يتعلق موضعي فانطبقت عليه الحيلة فحلها وربطته موضعها بعدما قلعته الثياب التي كانت عليه، ثم إنها لبست ثيابه وتعممت بعمامته وركبت حصانه وراحت لبنتها، فقالت لها بنتها: ما هذا الحال؟ فقالت لها: صلبوني وحكت لها ما وقع لها من البدوي هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر المحافظين فإنه لما صحى واحد منهم نبه جماعته فرأوا النهار قد طلع فرفع واحد منهم عينيه وقال دليلة، فأجابه البدوي وقال: والله ما نأكل بليلة هل أحضرتم الزلابية بالعسل؟ فقالوا: هذا رجل بدوي فقالوا له: يا بدوي أين دليلة ومن فكها؟ قال: أنا فككتها ما تأكل الزلابية بالعسل غضباً لأن نفسها لا تقبلها، فعرفوا أن البدوي جاهل بحالها فلعبت عليه منصفاً وقالوا لبعضهم: هل نهرب أو نستمر حتى نستوفي ما كتبه الله علينا وإذا بالوالي مقبل ومعه الجماعة الذين نصبت عليهم فقال الوالي للمقدمين: قوموا فكوا دليلة فقال البدوي: ما نأكل بليلة هل أحضرتم الزلابية بعسل فرفع الوالي عينيه إلى المصلب فرأى بدوياً بدل العجوز فقال للمقدمين: ما هذا؟ فقالوا: الأمان يا سيدي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المحافظين قالوا للوالي: الأمان يا سيدي فقال لهم: احكوا لي ما جرى فقالوا: نحن كنا سهرنا معك في الليل وقلنا دليلة مصلوبة ونعسنا فلما صحونا رأينا هذا البدوي مصلوباً ونحن بين يديك فقال: يا ناس هذه نصابة وأمان الله عليكم فحلوا البدوي فتعلق البدوي بالوالي وقال: الله ينصر فيك الخليفة أنا ما أعرف حصاني وثيابي إلا منك، فسأله الوالي فحكى له البدوي قصته فتعجب الوالي، وقال له: لأي شيء حللتها، فقال له: ما عندي خبر أنها نصابة، فقال للجماعة: نحن ما نعرف حوائجنا إلا منك يا والي فإننا سلمناها إليك وصارت في عهدتك ونحن وإياك إلى ديوان الخليفة، وكان حسن شر الطريق طلع الديوان وإذا بالوالي والبدوي والخمسة مقبلون وهم يقولون: إننا مظلومون فقال الخليفة: من ظلمكم؟ فتقدم كل واحد منهم وحكى له ما جرى عليه حتى الوالي قال: يا أمير المؤمنين إنها نصبت علي وباعت لي هؤلاء الخمسة بألف دينار مع أنهم أحرار، فقال الخليفة: جميع ما ضاع لكم عندي وقال للوالي: ألزمتك بالعجوز فنفض الوالي طوقه وقال: لا ألتزم بذلك بعدما علقتها في المصلب، فلعبت على هذا البدوي حتى خلصها وعلقته في موضعها وأخذت حصانه وثيابه فقال الخليفة: الزم بها غيرك فقال: الزم بها أحمد الدنف فإن له في كل شهر ألف دينار ولأحمد الدنف من الأتباع واحد وأربعون لكل واحد في كل شهر مائة دينار فقال الخليفة: يا مقدم أحمد قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال له: ألزمتك بحضور العجوز فقال: ضمانها علي ثم إن الخليفة حجز الخمسة والبدوي عنده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما ألزم المقدم أحمد الدنف بإحضار العجوز قال له: ضمانها علي يا أمير المؤمنين، ثم نزل هو وأتباعه إلى القاعة فقالوا لبعضهم: كيف يكون قبضنا عليها وكم من عجائز في البلد؟ فقال واحد منهم يقال له علي كتف الجمل لأحمد الدنف: على أي شيء تشاورون حسن شومان وهل حسن شومان أمر عظيم؟ فقال حسن: يا علي كيف تستقلني والاسم الأعظم لا أرافقكم في هذه المرة وقام غضبان فقال أحمد الدنف: يا شبان كل قيم يأخذ عشرة ويتوجه بهم إلى حارة ليفتشوا على دليلة فذهب علي كتف الجمل بعشرة وكذلك كل قيم وتوجهت كل جماعة إلى حارة وقالوا قبل توجههم وافتراقهم: يكون اجتماعنا في الحارة الفلانية في الزقاق الفلاني فشاع في البلد أن أحمد الدنف التزم بالقبض على الدليلة المحتالة، فقالت زينب: يا أمي إن كنت شاطرة تلعبي على أحمد الدنف وجماعته فقالت: يا بنتي أنا ما أخاف إلا من حسن شومان فقالت البنت: وحياة مقصوصي لآخذ لك ثياب الواحد وأربعين، ثم قامت ولبست بدلة وتبرقعت وأقبلت على واحد عطار له قاعة ببابين فسلمت عليه وأعطته ديناراً وقالت له: خذ هذا الدينار حلوان قاعتك وأعطنيها إلى آخر النهار فأعطاها المفاتيح وراحت أخذت فرشاً على حمار الحمار وفرشت القاعة وحطت في كل ليوان سفرة طعام ومدام ووقفت على الباب مكشوفة الوجه وإذا بعلي كتف الجمل وجماعته مقبلون، فقبلت يده فرآها صبية مليحة فحبها وقال لها: أي شيء تطلبين؟ فقالت له: هل أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال: لا بل أنا من جماعته واسمي علي كتف الجمل فقالت لهم: أين تذهبون؟ فقال: نحن دائرون نفتش على عجوز نصابة أخذت أرزاق الناس ومرادنا أن نقبض عليها، ولكن من أنت وما شأنك؟ فقالت: إن أبي كان خماراً في الموصلي فمات وخلف لي مالاً كثيراً فجئت هذه البلدة خوفاً من الحكام وسألت الناس من يحميني فقالوا لي: ما يحميك إلا المقدم أحمد الدنف، فقال لها جماعته: اليوم تجمعين به فقالت لهم: اقصدوا جبر خاطري بلقمة وشربة ماء.

فلما أجابوها أدخلتهم فأكلوا وسكروا وحطت لهم البنج فبنجتهم وقلعتهم حوائجهم ومثل ما عملت فيهم عملت في الباقي فدار أحمد الدنف يفتش على دليلة فلم يجدها ولم ير من أتباعه أحد إلى أن أقبل على الصبية فقبلت يده فرآها فحبها فقالت له: أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال لها: نعم ومن أنت؟ قالت: غريبة من الموصل وأبي كان خماراً ومات وخلف لي مالاً كثيراً وجئت به إلى هنا خوفاً من الحكام، ففتحت هذه الخمارة فجعل الوالي علي قانوناً ومرادي أن أكون في حمايتك والذي يأخذه الوالي أنت أولى به فقال أحمد الدنف: لا تعطيه شيئاً ومرحباً بك فقالت له: اقصد جبر خاطري وكل طعامي، فدخل وأكل وشرب مداماً فانقلب من السكر فبنجته وأخذت ثيابه وحملت الجميع على فرس البدوي وحمار الحمار وأيقظت علياً كتف الجمل وراحت، فلما أفاق رأى نفسه عرياناً ورأى أحمد الدنف والجماعة مبنجين فأيقظهم بضد البنج فلما أفاقوا رأوا أنفسهم عرايا، فقال أحمد الدنف: ما هذا الحال يا شباب نحن دائرون لنصطادها فاصطادتنا هذه العاهرة يا فرحة حسن شومان فينا ولكن اصبر حتى تدخل العتمة ونروح، وكان حسن شومان قال للنقيب: أين الجماعة فبينما هو يسأل عنهم وإذا بهم قد أقبلوا وهم عرايا فأنشد حسن شومان هذين البيتين:

والناس مشتبهون في ايرادهـم



وتباين الأقوال في الأصـدار

ومن الرجال معالم ومجاهـل



ومن النجوم غوامض ودراري

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسن شومان قال للجماعة: من لعب عليكم وأعراكم؟ فقالوا: تعهدنا بعجوز نفتش عليها ولا أعرانا إلا صبية مليحة، فقال حسن شومان: نعم ما فعلت بكم فقالوا: هل أنت تعرفها يا حسن، فقال: أعرفها وأعرف العجوز، فقالوا له: أي شيء تقول عند الخليفة؟ فقال شومان: يا دنف نفض طوقك قدامه فإن قال لك لأي شيء ما قبضت عليها فقل أنا ما أعرفها والزم بها حسن شومان فإن ألزمني بها فأنا أقبضها وباتوا فلما أصبحوا طلعوا ديوان الخليفة فقبلوا الأرض بين يديه، فقال الخليفة: أين العجوز يا مقدم أحمد؟ فنفض طوقه فقال: لأي شيء فقال: أنا ما أعرفها والزم بها حسن شومان فإنه يعرفها هي وبنتها، وقال: إنها ما عملت هذه الملاعب طمعاً في حوائج الناس ولكن بيان شطارتها وشطارة بنتها لأجل أن ترتب لها راتب زوجها ولبنتها مثل راتب أبيها فشفع فيها شومان من القتل وهو يأتي بها فقال الخليفة: وحياة أجدادي إن أعادت حوائج الناس عليها الأمان وهي في شفاعتك فقال شومان أعطني الأمان يا أمير المؤمنين فقال له: هي في شفاعتك وأعطاه منديل الأمان، فقال الخليفة هي في كرامتك تعالي يا عجوز ما اسمك؟ فقالت: لها: أين أمك؟ فقالت: موجودة، فقال: قولي لها تجيء بحوائج الناس وتذهب معي لتقابل الخليفة وقد جئت لها بمنديل الأمان فإن كانت لا تجيء حوائج الناس مع حمار الحمار وفرس البدوي، فقال لها شومان: احضري ثياب كبيري وثياب جماعته فقالت والاسم الأعظم أني ما أعريتهم، فقال: صدقت ولكن هذا منصف بنتك زينب وهذه جميلة معك، وسار وهي معه إلى ديوان الخليفة فتقدم حسن وعرض حوائج الناس على الخليفة، وقدم دليلة بين يديه فلما رآها أمر برميها في بقعة الدم، فقالت: أنا في جيرتك يا شومان فقام شومان وقبل أيادي الخليفة وقال له: العفو أنت أعطيتها الأمان، فنزل شومان وراح إلى دليلة فصاح عليها فجاوبته بنتها زينب فقال اسمي دليلة فقالت: ما أنت إلا حيالة محتالة فلقبت بدليلة المحتالة، ثم قال لها: لأي شيء عملت هذه المناصف وأتعبت قلوبنا؟ فقالت: أنا ما فعلت هذه الفعال بقصد الطمع في متاع الناس ولكن سمعت بمناصف أحمد الدنف التي لعبها في بغداد ومناصف حسن شومان فقلت: أنا الأخرى أعمل مثلها وقد رددت حوائج الناس إليهم فقام الحمار وقال: شرع الله بيني وبينها فإنها ما كفاها أخذ حماري حتى سلطت علي المزين المغربي فقلع أضراسي وكواني في أصداغي كيين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 32 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية علي نور الدين مع مريم الزنارية
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد الثمانمائة قالت: ومما يحكى أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجلٌ تاجرٌ بالديار المصرية يسمى تاج الدين وكان من أكابر التجار ومن الأمناء الأحرار إلا أنه كان مولعاً بالسفر إلى جميع الأقطار ويحب السير في البراري والقفار والسهول والأوعار وجزائر البحار في طلب الدرهم والدينار وكان له عبيد ومماليك وخدم وجوار وطالما ركب الأخطار وقاسى في السفر ما يشيب الأطفال الصغار وكان أكثر التجار في ذلك الزمان مالاً وأحسنهم مقالاً صاحب خيولٍ وبغالٍ وبخاتي وجمالٍ وغرائزٍ وأدغالٍ وبضائعٍ وأموالٍ وأقمشةٍ عديمة المثال من شدودٍ حمصيةٍ وثيابٍ بعلبكيةٍ ومقاطعٍ سندسيةٍ، وثيابٍ مرزيةٍ وتفاصيلٍ هنديةٍ وأزرارٍ بغداديةٍ وبرانسٍ مغربيةٍ ومماليكٍ تركيةٍ وخدمٍ حبشيةٍ وجوارٍ روميةٍ وغلمانٍ مصريةٍ وكانت غرائر أحماله من الحرير لأنه كان كثير الأموال بديع الجمال مائس الأعطاف شهي الانعطاف وكان لذلك التاجر ولدٌ ذكر يسمى على نور الدين كأنه البدر إذا بدر ليلة أربعة عشر بديع الحسن والجمال ظريف القد والاعتدال فجلس ذلك الصبي يوماً من الأيام في دكان والده على جري عادته للبيع والشراء والأخذ والعطاء وقد دارت حوله أولاده التجار فصار هو بينهم كأنه القمر بين النجوم بجبين أزهرٍ وخدٍ أحمرٍ وعذارٍ أخضرٍ وجسمٍ كالمرمر كما قال فيه الشاعر:
قلت قولاً باخـتـصـار



كل ما فـيك مـلـيح

ومليح قال صـفـنـي



أنت في الوصف فصيح

فعزمه أولاد التجار وقالوا له: يا سيدي نور الدين نشتهي في هذا اليوم أننا نتفرج نحن وإياك في البستان الفلاني فقال لهم: حتى أشاور والدي فإني لا أقدر أن أروح إلا بإجازته فبينما هم في الكلام وإذا بوالده تاج الدين قد أتى فنظر إليه وقال: يا أبي إن أولاد التجار قد عزموني لأجل أن أتفرج أنا وإياهم في البستان الفلاني فهل تأذن لي في ذلك؟ فقال له: نعم يا ولدي ثم أنه أعطاه شيئاً من المال وقال: توجه معهم فركب أولاد التجار حميراً وبغالاً وركب نور الدين بغلة وسار معهم إلى بستان فيه بجميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهو مشيد الأركان رفيع البنيان له بابٌ مقنطرٌ كأنه إيوان وبابٌ سماويٌ يشبه أبواب الجنان وبوابه اسمه رضوان وفوقه مائة مكعبٍ عنبٍ من سائر الألوان الأحمر كأنه مرجان والأسود كأنه أنوف السودان والأبيض كأنه بيض الحمام وفيه الخوخ والرمان والكمثري والبرقوق والتفاح كل هذه الأنواع مختلفة الألوان صنوان وغير صنوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أولاد التجار لما دخلوا البستان رأوا فيه كل ما تشتهي الشفة واللسان ووجد العنب مختلف الألوان صنواناً وغير صنوان كما قال فيه الشاعر:

عنبٌ طعمه كطعم الشراب



حللك لونه كلون الغراب

بين أوراقه زها فـتـراه



كبنان النساء بين الخطاب

ثم انتهوا إلى عريشة البستان فرأوا رضوان بواب البستان جالساً في تلك العريشة كأنه رضوان خازن الجنان، ورأوا مكتوباً على باب العريشة هذان البيتان:

سقي الله بستاناً تدلـت قـطـوفـه



فمالت بها الأغصان من شدة الشرب

إذا رقصت أغصانه بـيد الـصـبـا



تنقطها الأنواء باللؤلـؤ الـرطـب

وفي ذلك البستان فواته ذات أفنانٍ وأطيارٍ من جميع الأصناف والألوان مثل فاخت وبلبل وكيروان وقماري وحمامٍ يغرد على الأغصان وأنهار بها الماء الجاري وقد راقت تلك المجاري بأزهارها وأثمار ذات لذات كما قال فيها الشاعر هذين البيتين:

سرت النسيم على الغصون فشابهت



حسناء تعثر في جميل ثـيابـهـا

وحكت جداولها السيوف إذا انتضت



أبدى الفوارس من غلاف قرابهـا

وفي ذلك البستان تفاح سكري ومسكي يدهش الناظر كما قال فيه الشاعر:

تفاحة قد جمعت لونين قـد حـكـيا



خدي حبيبٍ ومحبوبٍ قد اجتمـعـا

لاحا على الغصن كالضدين من عجبٍ



فذاك أسودٌ والثانـي بـه لـمـعـا

تعانقـا فـبـدا وش فـراعـهـمـا



فاحمر ذا خجلاً وأصفر ذا ولـعـا

وتوفي ذلك البستان مشمش لوزي وكافور وجيلاني وعنابي، كما قال فيه الشاعر:

والمشمش اللوزي يحكي عاشقاً



جاء الحبيب له فيحـر لـبـه

وكفاه من صفة المتيم ما بـه



يصفر ظاهره ويكسر قلبـه

وفي ذلك البستان برقوق وقراصياً وعناب تشفي السقيم من الأوصاب والتين فوق أغصانه أحمرٌ وأخضرٌ يحير العقول والنواظر كما قال فيه الشاعر:

كأنما التين يبدو مـنـه أبـيضـه



مع أخضر بين أوراق من الشجر

أبناهن على أعلى القصور وقـد



جن الظلام بهم باتوا على حـذر

وفي ذلك البستان من الكمثري الطوري والحلبي والرومي ما هو مختلف الألوان صنوان وغير صنوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أولاد التجار لما نزلوا البستان رأوه فيه من الفواكه ما ذكرناه ووجدوا فيه من الكمثري الطوري والحلبي والرومي ما هو مختلف الألوان صنوان وغير صنوان ما بين أصفر وأحمر يدهش الناظر كما قال فيه الشاعر:

يهنيك كمثري غدا لونهـا



لون محبٍ زائد الصفـرة

شبيهة بالبكر في خدرهـا



والوجه منها مسبل السترة

وفي ذلك البستان الخوخ السلطاني ما هو مختلف الألوان من أصفر وأحمر كما قال فيه الشاعر:

كأنما الخوخ لـدى روضةٍ



وقد كسى من حمرة العندم

بنادق من ذهبٍ أصـفـر



قد خضبت في وجهها بالدم

وفي ذلك البستان من الموز الأخضر ما هو شديد الحلاوة يشبه الجمار ولبه من داخل ثلاثة أثواب من صنعة الملك الوهاب كما قال فيه الشاعر:

ثلاثة أثوابٍ على جسـدٍ رطـبٍ



مخالفة الأشكال من صنعة الرب

يريه الردى في ليلـه ونـهـاره



وأن يكن المسجون فيها بلا ذنب

وفي ذلك البستان النارنج كأنه خولنجانٌ كما قال فيها الشاعر الولهان:

وحمراء ملء الكف تزهو بحسنها



فظاهرها نارٌ وباطنهـا ثـلـج

ومن عجبٍ ثلجٌ من النار لم يذب



ومن عجبٍ نارٌ وليس لها وهـج

وفي ذلك البستان الكباد متدلياً في أغصانه كنهود أبكارٍ تشبه الغزلان وهو على غاية المراد كما قال فيه الشاعر وأجاد:

وكبادةٌ بين الرياض نظرتـهـا



على غصنٍ رطبٍ كقامة أغيد

إذا ميلتها الريح مالت كأكـرةٍ



بدت ذهباً في صولجانٍ زبرجد

وفي ذلك البستان الليمون زكي الرائحة يشبه بيض الدجاج ولكن صفرته زينةً مجانيةً وريحةً يزهو لجانبه كما قال فيه بعض واصفيه:

أما ترى الليمون لما بـدى



يأخذ من أشراقه بالعـيان

كأنه بيض الدجـاج وقـد



لطخه الخمسة بالزعفران

وفي ذلك البستان من سائر الفواكه والرياحين الخضروات والمشمومات من الياسمين والفاغية والفلفل والسنبل العنبري والورد بسائر أنواعه ولسان الحمل والأس وكامل الرياحين من كل الأصناف. وذلك البستان من غير تشبيهٍ كأنه قطعةٌ من الجنان لرائيه، إذا دخله العليل خرج منه كالأسد الغضبان ولا يقدر على وصفه اللسان لما فيه من العجائب والغرائب التي لا توجد إلا في الجنان، كيف لا واسم بوابه رضوان ولكن بين المقامين شتان. فلما تفرج أولاد التجار في ذلك البستان قعدوا بعد التفرج والتنزه على ليوان من لواوينه وأجلسوا نور الدين في وسط الليوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أولاد التجار لما جلسوا في الليوان أجلسوا نور الدين في وسطٍ على نطعٍ من الأديم المزركش متكئاً على مخدةٍ محشوةٍ بريش النعام وضهارتها مدورةٌ سنجابيةً، ثم ناوله مروحةً من ريش النعام مكتوباً عليها هذان البيتان:

ومروحةٍ معطرة النـسـيم



تذكر طيب أوقات النعـيم

وتهدي طيبها في كل وقـتٍ



إلى وجه الفتى الحر الكريم

ثم أن هؤلاء الشبان خلعوا ما كان عليهم من العمائم وقعدوا يتحدثون ويتنادمون ويتجاذبون أطراف الكلام بينهم وكل منهم يتأمل في نور الدين وينظر إلى حسن صورته، وبعد أن اطمأن بهم الجلوس ساعةً من الزمان أقبل عليهم عبد وعلى رأسه سفرة طعامٍ فيها أواني من الصيني والبلور لأن بعض أولاد التجار كان وصى أهل بيته قبل خروجه إلى البستان وكان في تلك السفر كثيرٌ ما درج وطار وسبح في البحار كالقطار والسماني وأفراخ الحمام وشياه الضأن والطف السمك فلما وضعت تلك السفرة بينهم تقدموا وأكلوا بحسب الكفاية ولما فرغوا من الأكل قاموا عن الطعام وغسلوا أيديهم بالماء الصافي والصابون الممسك وبعد ذلك نشفوا أيديهم بالمناديل المنسوجة بالحرير والقصب وقدموا لنور الدين منديلاً مطرزاً بالذهب الأحمر فمسح به يديه وجاءت القهوة كل منهم مطلوبه ثم جلسوا للحديث وإذا بخولي البستان قد جاء ومعه سفرة المدام فوضع بينهم صينيةً مزركشةً بالذهب الأحمر، وأنشد يقول هذين البيتين:

هتف الفجر بالسنى فاسق خمراً



عانساً تجعل الحليم سـفـيهـا

لست أدري من لطفها وصفاها



أبكأسٍ ترى أم الكأس فـيهـا

ثم أن خولي البستان ملأ وشرب ودار الدور إلى أن وصل إلى نور الدين ابن التاجر تاج الدين فملأ خولي البستان كأساً وناوله إياه فقال له نور الدين: أنت تعرف أن هذا شيءٌ لا أعرفه ولا شربته قط لأن فيه إثماً كبيراً وقد حرمه في كتابه الرب القدير فقال البستاني: يا سيدي نور الدين إن كنت ما تركت شربه إلا من أجل الإثم فإن الله سبحانه وتعالى كريمٌ حليمٌ غفورٌ رحيمٌ يغفر الذنب العظيم ورحمته وسعت كل شيءٍ ورحمة الله على بعض الشعراء حيث قال:

كن كيف شئت فإن الله ذو كرمٍ



وما عليك إذا أذنبت من بأس

إلا اثنتين فلا تقربهـمـا أبـداً



الشرك بالله والأضرار للناس

ثم قال واحدٌ من أولاد التجار: بحياتي عليك يا سيدي نور الدين أن تشرب هذا القدح وتقدم شابٌ آخر وحلف عليه بالطلاق وآخر وقف بين يديه على أقدامه فاستحى نور الدين وأخذ القدح من خولي البستان وشرب منه جرعةً ثم بصقها وقال: هذا مرٌ فقال خولي البستان: يا سيدي نور الدين لولا أنه مرٌ ما كانت فيه هذه المنافع ألم تعلم أن كل حلوٍ إذا أكل على سبيل التداوي يجده الآكل مراً وإن هذه الخمر منافعها كثيرةٌ فمن جملة منافعها أنها تهضم الطعام وتصرف الهم والغم وتزيل الأرياح وتروق الدم وتصفي اللون وتنعش البدن وتشجع الجبان وتقوي همة الرجل على الجماع ولو ذكرنا منافعها كلها لطال علينا شرح ذلك وقد قال بعض الشعراء:

شربنا وعفو الله من كل جانـبٍ



وداويت أسقامي بمرتشف الكأس

وما غرني فيها وأعرف إثمهـا



سوى قوله فيها منافع للـنـاس

ثم إن خلوي البستان نهض قائماً على أقدامه من وقته وساعته وفتح مخدعاً من مخادع ذلك الإيوان وأخرج منه قمع سكر مكرر وكسر منه قطعةً كبيرةً ووضعها لنور الدين في القدح وقال: يا سيدي إن كنت هبت شرب الخمر من مرارته فاشرب الآن فقد حلا.


وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخولي قال لنور الدين: إن كنت هبت شرب الخمر من مرارته فاشرب الآن فقد حلا فعند ذلك أخذ نور الدين القدح وشربه ثم ملأ الكأس واحدً من أولاد التجار قال: يا سيدي نور الدين أنا عبدك وكذا الآخر قال: خادمك وقام الآخر وقال: من أجل خاطري وقام الآخر وقال: بالله عليك يا سيدي نور الدين اجبر بخاطري ولم يزل العشرة أولاد التجار بنور الدين إلى أن أسقوه العشرة أقداحٍ كل واحدٍ قدحاً وكان نور الدين باطنه بكر عمره ما شرب خمراً قط إلا في تلك الساعة فدار الخمر في دماغه وقوي عليه السكر فوقف على حيله وقد ثقل لسانه واستعجم كلامه وقال: يا جماعة الله أنتم ملاح وكلامكم مليح ومكانكم مليح إلا أنه يحتاج إلى سماع طيبٍ فإن الشراب بلا سماعٍ عدمه أولى من وجودها كما قال فيه الشاعر هذين البيتين:

أدرها بالكبير والـصـغـير



وحدها من يد القمر المنـير

ولا تشرب بلا طربٍ فإنـي



رأيت الخيل تشرب بالصفير

فعند ذلك نهض الشاب صاحب البستان وركب بغلةً من بغال أولاد التجار وغاب ثم عاد ومعه صبيةً مصريةً كأنها ليةٌ طريةٌ أو فضةٌ نقيةٌ أو دينارٌ في صينيةٌ أو غزالٌ في بريةٍ بوجهٍ يخجل الشمس المضية وعيونٍ بابليةٍ وحواجبٍ كأنها قسى محنيةٍ وخدودٍ ورديةٍ وأسنانٍ لؤلؤيةٍ ومراشفٍ سكريةٍ وعيونٍ مرخيةٍ ونهودٍ عاجيةٍ وبطنٍ حماسيةٍ وأعكانٍ مطويةٍ وأردافٍ كأنهن مخداتٍ محشيةٍ وفخذين كالجداول الشامية وبينهما شيءٌ كأنه صرةٌ في بقجةٍ مطويةٍ كما قيل فيه هذه الأبيات:

ولو أنها للمشركين تـعـرضـت



رأوا وجهها من دون أصنامهم رباً

ولو أنها في الشرق لاحت لراهبٍ



لخلى سبيل الشرق وأتبع الغربـاً

ولو تفلت في البحر والبحر مالـحٌ



لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً

وتلك الصبية كأنها البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر وعليها بدلةٌ زرقاءٌ بقناعٍ أخضرٍ فوق جبينٍ أزهرٍ تدهش العقول وتحير أرباب المعقول.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خولي البستان جاءهم بالصبية التي ذكرنا أنها في غاية الحسن والجمال ورشاقة القد والاعتدال كأنها المرأة المراد بقول الشاعر:

أقبلت فـي غـلالةٍ زرقـاءٍ



لازوديةٍ كلون الـسـمـاء

فتحققت في الغلالة منـهـا



قمر الصيف في ليالي الشتاء

ثم إن الشاب خولي البستان قال لتلك الصبية: اعلمي يا سيدة الملاح وكل كوكبٍ لاح أننا ما قصدنا بحضورك في هذا المكان إلا أن تنادمي هذا الشاب المليح الشمائل سيدي نور الدين فإنه لم يأت محلنا في هذا اليوم فقالت له الصبية: ليتك كنت أخبرتني لأجل أن أجيء بالذي كان معي فقال لها: سيدتي أنا أروح وأجيء به إليك فقالت: أفعل ما بدا لك فقال لها: أعطيني أمارةً فأعطته منديلاً فعند ذلك خرج سريعاً وغاب ساعةً زمانيةً ثم عاد ومعه كيسٌ أخضرٌ من الحرير أطلسٌ بشكلين من الذهب فأخذته منه الصبية وحلته ونفضته فنزل منه اثنتان وثلاثون قطعةً خشبٍ ثم ركبت الخشب في بعضه على صورة ذكر في أنثى وأنثى في ذكر وكشفت عن معاصمها وأقامته فصار عوداً محكوكاً مجروداً صنعة الهنود ثم انحنت عليه تلك الصبية انحناء الوالدة على ولدها وزعزعته بأنامل يدها فعند ذلك أن العود ورن ولأماكنه القديمة حن وقد تذكر المياه التي قد سقته والأرض التي نبت منها وتربى فيها وتذكر النجارين الذين قطعوه والدهانين الذين دهنوه والتجار الذين جلبوه والمراكب التي حملته فصرخ وصاح عدد وناح وكأنها سألته عن ذلك كله فأجابها بلسان الحال منشداً هذه الأبيات:

لقد كنت عودا للـبـلابـل مـنـزلا



أميل بها وجداً وفرعـي أخـضـر

ينوحون من فوقي فعلمت نوحـهـم



ومن أجل ذاك النوح سرى مجهـر

رماني بلا ذنبٍ على الأرض قاطعي



وصيرني عوداً نحـيلاً كـمـا تـر

ولكن ضربي بالأنـامـل مـخـبـرٌ



بأني قتيلٌ فـي الأنـام مـصـبـر

فمن أجل هذا صـار كـل مـنـادمٍ



إذا ما رأى نوحي يهـيم ويسـكـر

وقد حنن المولى على قـلـوبـهـم



وقد صرت في أعلى الصدور أصدر

تعانق قدي كل من فاق حـسـنـهـا



وكل غزالٍ ناحل الطـرف أحـور

ثم سكتت الصبية ساعة وبعد ذلك أخذت ذلك العود في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها وضربت عليه طرقاً عديدةً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية ضربت على العود طرقاً عديدة ثم عادت إلى طريقتها الأولى وأنشدت هذه الأبيات:

لو أنهم جنحوا للصـب أوزارٍ



لحط عنه من الأشواق أوزار

وعندليبٍ على غصنٍ يشاطره



كأنه عاشقٌ شطت به الـدار

قم وانتبه فليالي الوصل مقمرةٌ



كأنها باجتماع الشمل أسحـار

واليوم في غفلةٍ عنا حواسدنـا



وقد دعتنا إلى اللذات أوتـار

أما ترى أربعاً للهو قد جمعت



آسٌ ووردٌ ومنثـورٌ وأنـوار

واليوم قد جمعت للحظ أربعةٌ



صبٍ وخلٍ ومشروبٍ ودينار

فأظفر بحظك وفي الدنيا فلذتها



تغني وتبقى رواياتٍ وأخبـار

فلما سمع نور الدين من الصبية هذه الأبيات نظر إليها بعين المحبة حتى كاد لا يملك نفسه من شدة الميل إليها وهي الأخرى كذلك لأنها نظرت إلى الجماعة الحاضرين من أولاد التجار كلهم وإلى نور الدين، فرأته بينهم كالقمر بين النجوم لأنه كان رخيم اللفظ ذا دلالٍ كامل القدر والاعتدال والبهاء والجمال ألطف وأرق النسيم كما قيل فيه هذه الأبيات:

قسماً بوجنتـيه وبـاسـم ثـغـره



وباسهم قد راشها مـن سـحـره

وبلين معطفه ونبـل لـحـاظـه



وبياض غرته وأسـود شـعـره

وبحاجبٍ حجب الكرى عن ناظري



وسطا على بنـهـيه وبـأمـره

وعقاربٍ قد أرسلت من صدغـه



وسعت لقتل العاشقين بهـجـره

وبـورد خـديه آس عـــذاره



وعقيق مبسمه ولؤلـؤ ثـغـره

وبغصن قامته الذي هو مثـمـرٌ



رمانه يزهو جـنـاه بـصـدره

وبردفه المرتج في حـركـاتـه



وسكونه وبدقةٍ فـي خـصـره

وحرير ملـبـسـه وخـفة ذاتـه



وبما حواه أمن الجمال بـأسـره

إن الشـذا قـد مـن أنـفـاسـه



والريح تروي طيبها عن نشـره

وكذلك الشمس المـنـيرة دونـه



وكذا الهلال قلامةً من ظـفـره

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما سمع كلام تلك الصبية وشعرها أعجبه نظامها وكان قد مال من السكر فجعل يمدحها ويقول:

عوادةٌ مالت لنا



في نشوة المنتبذ

قالت لنا أوتارها



أنطقنا الله الذي

فلما تكلم نور الدين بهذا الكلام وأنشد هذا الشعر والنظام نظرت له تلك الصبية بعين المحبة وزادت فيه عشقاً وغراماً وقد صاحت متعجبةً من حسنه وجماله ورشاقة قده واعتداله فلم تتمالك نفسها بل احتضنت العود ثانياً وأنشدت هذه الأبيات:

يعاتبني على نظـري إلـيه



ويهجرني وروحي في يديه

ويبعدني ويعلم ما بقلـبـي



كأن الله قد أوحـى إلـيه

كتبت مثاله في وسط كفـي



وقلت لناظري عول علـيه

فلا عيني ترى منـه بـديلاً



ولا قلبي يصيرنـي لـديه

فيا قلبي نزعتك من فؤادي



فقلبي لـم يمـل إلا إلـيه

فلما أنشدت الصبية تلك الأبيات تعجب نور الدين من حسن شعرها وبلاغة كلامها وعذوبة لفظها وفصاحة لسانها فطار عقله من شدة الغرام والوجد والهيام ولم يقدر أن يصبر عنها ساعةً من الزمان بل مال إليها وضمها إلى صدره فانطبقت الأخرى عليه وصارت بكليتها لديه وقبلته بين عينيه وقبل هو فاهها بعد ضم القوام ولعب معها في التقبيل كزق الحمام فالتفتت له وفعلت معه مثل ما فعل معها، فهام الحاضرون وقاموا على أقدامهم فاستحى نور الدين ورفع يده عنها ثم أنها أخذت عودها وضربت عليه طرائق عديدةً ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأنشدت هذه الأبيات:

قمرٌ يسل من الجفون إذا انثـنـى



غضباً ويهزأ بالغـزال إذا رنـا

ملك محاسنه الـبـديعة جـنـده



ولدى الطعان قوامه يحكي القنـا

لو أن رقة خصره في قـلـبـه



ما جار قطٌ على المحب ولا جنى

يا قلبه القاسـي ورقة خـصـره



هلا نقلت إلى هنا مـن هـنـا

يا عاذلي في حبه كـن عـاذري



فلك البقاء بحسنه ولي الـفـنـا

فلما سمع نور الدين حسن كلامها وبديع نظامها مال إليها من الطرب ولم يملك عقله من التعجب ثم أنشد هذه الأبيات:

لقد خلتها شمس الضحى فتخيلت



ولكن لهيب الحر منها بمهجتـي

وماذا عليها لو أشارت فسلمـت



علينا بأطراف البنـان وأومـت

رأى وجهها اللاحي فقال وتاه في



محاسنها اللاتي عن الحسن جلت

أهذي التي همت شوقاً بحبـهـا



فإنك معذورٌ فقلت هي الـتـي

رمتني بسهم اللحظ عمداً وما رثت



لحالي وذلي وانكساري وغربتي

فأصبحت مسلوب الفؤاد متـيمـاً



أنوح وأبكي طول يومي وليلتـي

فلما فرغ نور الدين من شعره، تعجبت الصبية من فصاحته ولطافته وأخذت عودها وضربت عليه بأحسن حركاتها وأعادت جميع النغمات، ثم أنشدت هذه الأبيات:

وحياة وجهك يا حـياة الأنـفـس



لا حلت عنـك يئسـت أم لا أيأس

فلئن جفوت فإن طيفـك واصـلٌ



أو غبت عن عيني فذكرك مؤنسي

يا موحشاً طرفي وتعلـم أنـنـي



أبداً بغير هواك لـم أسـتـأنـس

خداك من وردٍ وريقـك قـهـوةٌ



هلا سمحت بها بهذا المجـلـس

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية بعدما فرغت من شعرها طرب نور الدين من إنشاد تلك الصبية غاية الطرب وتعجب منها غاية العجب، ثم أجابها عن شعرها بهذه الأبيات:

ما أسفرت عن محيا الشمس في الغسق



إلا تحجب بـدر الـتـم فـي الأفـق

ولا بدت لعيون الصـبـح طـرتـهـا



إلا وعوذت ذاك الفرق بـالـفـلـق

خذ عن مجاري دموعها في تسلسلهـا



وأرو حديث الهوى من أقرب الطرق

ورب راميةٍ بالنـبـل قـلـت لـهـا



مهلاً بنبلك أن القـلـب فـي فـرق

إن كان دمعي لبحر النيل نـسـبـتـه



فإن ودك منسـوبٌ إلـى الـمـلـق

قالت فهات جمع المال قـلـت خـذي



قالت ونومك أيضاً قلت من حـدقـي

فلما سمعت الصبية كلام نور الدين وحسن فصاحته طار قلبها واندهش لبها وقد احتمى على مجامع قلبها فضمته إلى صدرها وصارت تقبله تقبيلاً كزق الحمام وكذلك الآخر قابلها بتقبيلٍ متلاحقٍ ولكن الفضل للسابق وبعد أن فرغت من التقبيل أخذت العود وأنشدت هذه الأبيات:

ويلاه ويلي من ملامة عـاذلـي



أشكوه أم أشكو إليه تملمـلـي

يا هاجري ما كنت أحسب أننـي



ألقى الإهانة في هواك وأنت لي

عنفت أرباب الصبابة بالـجـوى



وأبحث فيك لعاذليك تـذلـلـي

بالأمس كنت ألوم أرباب الهـوى



واليوم أعذر كل صب مبتـلـي

وإن اعترتني من فراقـك شـدةً



أصبحت أدعو الله باسمك يا علي

فلما فرغت تلك الصبية من شعرها أيضاً أنشدت هذين البيتين:

قد قالت العشاق إن لم يسقنـا



من ريقه ورحيق فيه السلسل

ندعو إله العالمين يجـيبـنـا



ويقول فيه الكل منايا علـي

فلما سمع نور الدين من تلك الصبية هذا الكلام والشعر والنظام تعجب من فصاحة لسانها وشكرها على ظرافة افتتانها فلما سمعت تلك الصبية ثناء نور الدين عليها قامت من وقتها وساعتها على قدميها وخلعت جميع ما كان عليها من ثيابٍ ومصاغٍ وتجردت من ذلك كله ثم جلست على ركبتيها وقبلته بين عينيه وعلى شامتي خديه ووهبت له جميع ذلك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية وهبت كل ما كان عليها لنور الدين وقالت له: أعلم يا حبيب قلبي أن الهدية على مقدار مهديها، فقبل ذلك منها نور الدين ثم رده عليها وقبلها في فمها وخديها وعينيها، فلما انقضى ذلك ولم يدم إلا الحي القيوم رازق الطاووس والبوم قام نور الدين من ذلك المجلس ووقف على قدميه فقالت له الصبية: إلى أين يا سيدي؟ فقال: إلى بيت والدي، فحلف عليه أولاد التجار أن ينام عندهم فأبى وركب بغلته ولم يزل سائرا حتى وصل إلى منزل والده، فقامت له أمه وقالت له: يا ولدي ما سبب غيابك إلى هذا الوقت والله إنك قد شوشت علي وعلى والدك لغيابك عنا وقد اشتغل خاطرنا عليك، ثم إن أمه تقدمت إليه لتقبله في فمه فشمت منه رائحة الخمر فقالت: يا ولدي كيف بعد الصلاة والعبادة صرت تشرب الخمر وتعصي من له الخلق والأمر فبينما هما في الكلام وإذا بوالده قد أقبل، ثم إن نور الدين ارتمى في الفراش ونام فقال أبوه: ما لنور الدين هكذا؟ قالت أمه: كان رأسه أوجعه من هواء البستان، فعند ذلك تقدم والده ليسأله عن وجعه ويسلم عليه فشم منه رائحة الخمر، وكان ذلك التاجر المسمى تاج الدين لا يحب من يشرب الخمر فقال له: ويلك يا ولدي هل بلغ بك السفه إلى هذا الحد حتى تشرب الخمر؟ فلما سمع نور الدين كلام والده رفع يده في سكره ولطمه بها فجاءت اللطمة بالأمر المقدر على عين والده اليمنى فسالت على خديها فوقع على الأرض مغشياً عليه واستمر في غشيته ساعةً فرشوا عليه ماء الورد، فلما أفاق من غشيته أراد أن يضربه فحلف بالطلاق من أمه أنه إذا أصبح الصباح لا بد من قطع يده اليمنى.

فلما سمعت أمه كلام والده ضاق صدرها وخافت على ولدها، ولم تزل تداري والده وتأخذ بخاطره إلى أن غلب عليه النوم، فصبرت إلى أن طلع القمر وأتت إلى ولدها وقد زال عنه السكر فقالت له: يا نور الدين ما هذا الفعل القبيح الذي فعلته مع والدك؟ فقال: وما الذي فعلته مع والدي؟ فقالت: إنك لطمته بيدك على عينه اليمنى فسالت على خده وقد حلف بالطلاق أنه إذا أصبح الصباح لا بد أن يقطع يدك اليمنى، فندم نور الدين على ما وقع منه حيث لا ينفعه الندم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 33 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية معروف أل إسكافي

ومما يحكى أيها الملك السعيد أنه كان في مدينة مصر المحروسة رجل إسكافي يرقع الزرابين القديمة وكان اسمه معزة وكان له زوجةً اسمها فاطمة ولقبها العرة، وما لقبوها بذلك إلا لأنها كانت فاجرةً شرانيةً قليلة الحياء كثيرة الفتن وكانت حاكمةً على زوجها وفي كل يومٍ تسبه وتلعنه ألف مرة، وكان يخشى شرها ويخاف من أذاها لأنه كان رجلاً عاقلاً يستحي على عرضه ولكنه كان فقير الحال فإذا اشتغل بكثيرٍ صرفه عليها وإذا اشتغل بقليلٍ انتقمت من بدنه من تلك الليلة وأعدمته العافية وتجعل ليلته مثل صحيفتها.

ومن جملة ما اتفق لهذا الرجل مع زوجته أنها قالت له ذات يومٍ: يا معروف أريد منك من هذه الليلة أن تجيء لي معك بكنافةٍ عليها عسل نحلٍ فقال لها: الله تعالى يسهل لي حقها وأنا أجيء بها لك في هذه الليلة، والله ليس معي دراهمٌ في هذا اليوم ولكن ربنا يسهل، فقالت له: أنا ما أعرف هذا الكلام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن معروفاً الإسكافي قال لزوجته: الله يسهله بكلفها وأنا أجيء بها في هذه الليلة والله ليس معي دراهمٌ في هذا اليوم لكن ربنا يسهل فقالت له: ما أعرف هذا الكلام إن سهل أو لم يسهل لا تجئني إلا بالكنافة التي بعسل نحلٍ وأن جئت من غير كنافةٍ جعلت ليلتك مثل بختك حين تزوجتني ووقعت في يدي، فقال لها: الله كريمٌ ثم خرج ذلك الرجل والغم يتناثر من بدنه فصلى الصبح وفتح الدكان وقال: أسألك يا رب أن ترزقني بحق هذه الكنافة وتكفيني شر هذه الفاجرة في هذه الليلة وقعد في الدكان إلى نصف النهار فلم يأته شغلٌ فاشتد خوفه من زوجته فقام وقفل الدكان وصار متحيراً في أمره من شأن الكنافة مع أنه لم يكن معه من حق الخبز شيءٌ ثم أنه مر على دكان الكنفاني ووقف باهتاً وغرغرت عيناه بالدموع فلحظ عليه الكنفاني وقال: يا معلم معروف ما لك تبكي؟ فأخبرني بما أصابك؟ فأخبره بقصته وقال له: أن زوجتي جبارةٌ وطلبت مني كنافةً وقد قعدت في الدكان حتى مضى نصف النهار فلم يجئني ولا ثمن الخبز وأنا خائفٌ منها فضحك الكنفاني وقال: لا بأس عليك كم رطلاً تريد؟ فقال له: خمسة أرطالٍ وقال له: السمن عندي ولكن ما عندي عسل نحلٍ وإنما عندي عسل قصبٍ أحسن من عسل النحل، وماذا يضر إذا كانت بعسل قصب؟ فاستحى منه لكونه يصبر عليه بثمنها فقال له: هاتها بعسل قصبٍ فقلى له الكنافة بالسمن وغرقها بعسل قصب فصارت تهدى للملوك.

ثم أنه قال له: أتحتاج عيشاً وجبناً؟ قال: نعم فأخذ له بأربعة أنصافٍ عيشاً وبنصفٍ جبناً والكنافة بعشرة أنصاف وقال له: اعلم يا معروف أنه قد صار عندك خمسة عشر نصفاً رح إلى زوجتك واعمل حظاً وخذ هذا النصف حق الحمام وعليك مهل يومٍ أو يومان أو ثلاثة حتى يرزقك الله ولا تضيق على زوجتك فأنا أصبر عليك متى يأتي عندك دراهم فاضلةٌ عن مصروفك فأخذ الكنافة والعيش والجبن وانصرف داعياً له وراح إلى البيت مجبور الخاطر وهو يقول: سبحانك يا ربي ما أكرمك ثم أنه دخل على زوجته فقالت له: هل جئت بالكنافة قال: نعم، ثم وضعها قدامها فنظرت إليها فرأتها بعسل قصبٍ فقالت له: أما قلت لك هاتها بعسل نحل تعمل على خلاف مرادي، وتعملها بعسل قصبٍ فاعتذر إليها وقال لها: أنا ما اشتريتها إلا مؤجلاً ثمنها فقالت له: هذا كلامٌ باطلٌ أنا ما آكل الكنافة إلا بعسل نحلٍ وغضبت عليه وضربته بها في وجهه، وقالت له: قم يا معرص هات لي غيرها، ولكمته في صدغه فقلعت سنةً من أسنانه ونزل الدم على صدره، ومن شدة الغيظ ضربها ضربةً واحدةً لطيفةً على رأسها فقبضت على لحيته وصارت تصيح وتقول: يا مسلمين فدخل الجيران وخلصوا لحيته من يدها فأموا عليها اللوم وعيبوها وقالوا: نحن كلنا نأكل الكنافة التي بعسل القصب ما هذا التجبر على هذا الرجل الفقير أن هذا عيبٌ عليك وما زالوا يلاطفونها حتى أصلحوا بينها وبينه ولكنها بعد ذهاب الناس حلفت ما تأكل من الكنافة شيئاً فأحرقه الجوع، فقال في نفسه هي حلفت ما تأكل فأنا آكل ثم أكل.

فلما رأته يأكل صارت تقول له: أن شاء الله يكون أكلها سماً يهري بدن البعيد فقال لها: ما هو بكلامك وصار يأكل ويضحك ويقول: أنت حلفت ما تأكلين من هذه فالله كريم، فأن شاء الله في ليلة الغد أجيء لك بكنافةٍ تكون بعسل نحلٍ وتأكلينها وحدك وصار يأخذ بخاطرها وهي تدعوا عليه ولم تزل تسبه وتشتمه إلى الصبح، فلما أصبح الصباح شمرت عن ساعدها لضربه فقال لها: أمهليني وأنا أجيء إليك بغيرها. ثم خرج إلى المسجد وصلى وتوجه إلى الدكان وفتحها وجلس فلم يستقر به الجلوس حتى جاءه اثنان من طرف القاضي وقالا له: قم كلم القاضي فأن امرأتك شكتك إليه وصفتها كذا وكذا فعرفها وقال: الله تعالى ينكد عليها ثم قام ومشى معهما إلى أن دخل على القاضي فرأى زوجته رابطةً ذراعها وبرقعها ملوثٌ بالدم وهي واقفةٌ تبكي وتمسح دموعها فقال له القاضي: يا رجل ألم تخف من الله كيف تضرب هذه الحرمة وتكسر ذراعها وتقلع سنها وتفعل بها هذه الفعال؟ فقال له: أن كنت ضربتها أو قلعت سنها فأحكم في بما تختار وإنما القصة كذا وكذا والجيران أصلحوا بيني وبينها وأخبره بالقصة من الأول إلى الأخر وكان ذلك القاضي من أهل الخير فأخرج له ربع دينارٍ وقال له: يا رجل خذ هذا وأعمل لها به كنافة بعسل نحل واصطلح أنت وإياها، فقال له: أعطه لها فأخذته وأصلح بينهما وقال: يا حرمة أطيعي زوجك وأنت يا رجل ترفق بها وخرجا مصطلحين على يد القاضي وذهبت المرأة من طريق وزوجها من طريقٍ آخرٍ إلى دكانه وجلس وإذا بالرسل أتوا له وقالوا: هات خدمتنا فقال لهم: أن القاضي لم يأخذ مني شيئاً بل أعطاني ربع دينار فقالوا: لا علاقة لنا بكون القاضي أعطاك أو أخذ منك فأن لم تعطنا خدمتنا أخذناها قهرا عنك وصاروا يجرونه في السوق فباع عدته وأعطاهم نصف دينارٍ، ورجعوا عنه ووضع يده على خده وقعد حزينا حيث لم يكن عنده عدة يشتغل بها.

فبينما هو قاعدٌ وإذا برجلين قبيحي المنظر أقبلا عليه وقالا له: قم يا رجل كلم القاضي فأن زوجتك شكتك إليه فقال لهما: قد أصلح بيني وبينهما فقالا له: نحن من عند قاض آخر فأن زوجتك اشتكتك إلى قاضينا، فقام معهما وهو يحسب عليها فلما رآها قال لها: ما اصطلحنا يا بنت الحلال فقالت: ما بقي بيني وبينك صلح فتقدم وحكى للقاضي حكايته وقال: أن القاضي فلانا أصلح بيننا في هذه الساعة فقال لها القاضي: يا عاهرة حيث اصطلحتما لماذا جئت تشتكين إلي؟ قالت: أنه ضربني بعد ذلك فقال لهما القاضي: اصطلحا ولا تعد إلى ضربها وهي لا تعود إلى مخالفتك وتوجه إلى الدكان وفتحها وقعد فيها وهو مثل السكران من الهم الذي أصابه فبينما هو قاعدٌ وإذا برجلٍ أقبل عليه وقال له: يا معروف قم واستخف فأن زوجتك اشتكتك إلى الباب العالي ونازلٌ عليك أبو طبق فقام وقفل الدكان وهرب في وجهة باب النصر وكن قد بقي معه خمسة أنصاف فضة من حق القوالب والعدة، فاشتري بأربعة أنصافٍ عيشاً وبنصفٍ جبناً وهرب منها وكان ذلك في فصل الشتاء وقت العصر فلما خرج بين الكيمان نزل عليه المطر مثل أفواه القرب فابتلت ثيابه فدخل العادلية فرأى موضعاً خرباً فيه حاصلٌ مهجورٌ من غير بابٍ فدخل يستكن فيه من المطر وحوائجه مبتلةٌ بالماء فنزلت الدموع من أجفانه وصار يتضجر مما به ويقول: أين أهرب من هذه العاهرة أسألك يا رب أن تقيض لي من يوصلني إلى بلادٍ بعيدةٍ لا تعرف طريقي فيها.

فبينما هو جالس يبكي وإذا بالحائط قد انشقت وخرج منها شخصٌ طويل القامة رؤيته تقشعر منها الأأبدان، وقال له: يا رجل ما لك أقلقتني في هذا الليل أنا ساكنٌ في هذا المكان منذ مائتي عامٍ فما رأيت أحداً دخل هذا المكان وعمل مثل ما عملت أنت أخبرني بمقصودك وأنا أقضي حاجتك فأن قلبي أخذته الشفقة عليك فقال له: من أنت وما تكون؟ فقال له: أنا عامر هذا المكان فأخبره بجميع ما جرى له مع زوجته فقال له: أتريد أن أوصلك إلى بلادٍ لا تعرف لك زوجتك فيها طريقاً؟ قال: نعم قال له: أركب فوق ظهري فركب وحمله وطار به من بعد العشاء إلى طلوع الفجر وأنزله على رأس جبلٍ عالٍ.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن معروفاً الإسكافي لما حمله المارد وطار به وأنزله على جبلٍ عالٍ وقال: يا انسي انحدر من فوق هذا الجبل ترى عتبة مدينة فأدخلها فأن زوجتك لا تعرف لك طريقاً ولا يمكنها أن تصل إليك ثم تركه وذهب فصار معروف باهتاً متحيراً في نفسه إلى أن طلعت الشمس فقال في نفسه: أقوم وأنزل من أعلى هذا الجبل إلى المدينة فأن قعودي هنا ليس فيه فائدةٌ فنزل إلى أسفل الجبل فرأى مدينةً بأسوارٍ عاليةٍ وقصورٍ مشيدةٍ وأبنيةٍ مزخرفةٍ وهي نزهةٌ للناظرين فدخل من باب المدينة فرآها تشرح القلب الحزين فلما مشى في السوق صار أهل المدينة ينظرون إليه ويتفرجون عليه واجتمعوا عليه وصاروا يتعجبون من ملبسه لأن ملبسه لا يشبه ملابسهم فقال له رجلٌ من أهل المدينة: أنت غريبٌ؟ قال: نعم قال له: من أي مدينةٍ؟ قال: من مدينة مصر السعيدة قال: ألك زمان مفارقها؟ قال له: البارحة العصر فضحك عليه وقال: يا ناس تعالوا انظروا هذا الرجل واسمعوا ما يقول: فقالوا: ما يقول؟ قال: أنه يزعم أنه من مصر وخرج منها البارحة العصر فضحكوا كلهم واجتمع عليه الناس وقالوا: يا رجل أأنت مجنون حتى تقول هذا الكلام؟ كيف تزعم أنك فارقت مصر بالأمس في وقت العصر وأصبحت هنا والحال أن بين مدينتنا وبين مصر مسافة سنةٍ كاملةٍ فقال لهم: ما مجنونٌ إلا أنتم وأما أنا فأني صادقٌ في قولي وهذا عيش مصر لم يزل معي طرياً وأراهم العيش فصاروا يتفرجون عليه ويتعجبون منه لأنه لا يشبه عيش بلادهم، وكثرت الخلائق عليه وصاروا يقولون لبعضهم: هذا عيش مصر تفرجوا عليه وصارت له شهرةٌ في تلك المدينة ومنهم ناسٌ يصدقون وناس يكذبون ويهزأون به.

فبينما هم في تلك الحالة وإذا بتاجرٍ أقبل عليهم وهو راكبٌ بغلةُ وخلفه عبدان ففرق الناس وقال: يا ناس أما تستحون وأنتم ملتمون على هذا الرجل الغريب وتسخرون منه وتضحكون عليه؟ ما علاقتكم به؟ ولم يزل يسبهم حتى طردهم منه ولم يقدر أحدٌ أن يرد عليه جواباً وقال له: تعال يا أخي ما عليك بأسٌ من هؤلاء الناس أنهم لا حياء عندهم ثم أخذه وسار به، إلى أن أدخله داراً واسعةً مزخرفةً وأجلسه في مقعد ملوكي وأمر العبيد ففتحوا له صندوقاً وأخرجوا له بدلة تاجرٍ ألفي وألبسه إياها وكان معروف وجيهاً فصار كأنه شاه بندر التجار ثم أن ذلك التاجر طلب السفرة فوضعوا قدامهما سفرة فيها جميع الأطعمة الفاخرة من سائر الألوان فأكلا وشربا وبعد ذلك قال له: يا أخي ما اسمك؟ قال: اسمي معروف وصنعتي إسكافي أرقع الزرابين القديمة قال له: من أي البلاد أنت؟ قال: من مصر قال: من أي الحارات؟ قال له: هل أنت تعرف مصر؟ قال له: أنا من أولادها فقال له: أنا من الدرب الأحمر قال: من تعرف من الدرب الأحمر؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل سأل معروف الإسكافي وقال له: من الدرب الأحمر قال له: فلاناً وفلاناً وعد له ناساً كثيرين قال له: هل تعرف الشيخ أحمد العطار؟ قال: هو جاري الحيط في الحيط قال له: هل هو طيبٌ؟ قال: نعم. قال: كم له من الأولاد؟ قال: ثلاثةٌ: مصطفى ومحمد وعلي قال له: ما فعل الله بأولاده؟ قال: أما مصطفى فأنه طيبٌ وهو عالمٌ مدرسٌ وأما محمد فأنه عطارٌ وقد فتح له دكانا بجنب دكان أبيه بعد أن تزوج وولدت زوجته ولداً اسمه حسن قال: بشرك الله بالخير. قال: وأما علي فأنه كان رفيقي ونحن صغار وكنت دائماً ألعب أنا وإياه وبقينا نروح بصفة أولاد النصارى وندخل الكنيسة ونسرق كتب النصارى ونبيعها ونشتري بثمنها نفقة، فاتفق في بعض المرات أن النصارى رأونا وأمسكونا بكتاب فاشتكونا إلى أهلنا وقالوا لأبيه: إذا لم تمنع ولدك من آذانا شكوناك إلى الملك فأخذ بخاطرهم وضربه علقة فلهذا السبب هرب من ذلك الوقت ولم يعرف له طريقاً وهو غائبٌ له عشرون سنةً ولم يخبر عنه أحدٌ بخبر فقال له: هو أنا علي ابن الشيخ أحمد العطار وأنت رفيقي يا معروف، وسلما على بعضهما وبعد السلام قال: يا معروف أخبرني بسبب مجيئك من مصر إلى هذه المدينة فأخبره بخبر زوجته فاطمة العرة وما فعلت معه وقال له: أنه لما اشتد علي أذاها هربت منها في جهة باب النصر ونزل علي المطر فدخلت في حاصل خراب في العادلية وقعدت أبكي فخرج لي عامر المكان وهو عفريتٌ من الجن وسألني فأخبرته بحالي فأركبني على ظهره وطار بي طول الليل بين السماء والأرض ثم حطني على الجبل وأخبرني بالمدينة فنزلت من الجبل ودخلت المدينة والتم علي الناس وسألوني فقلت لهم أني طلعت البارحة من مصر فلم يصدقوني فجئت أنت ومنعت عني الناس وجئت بي إلى هذا الدار، وهذا سبب خروجي من مصر وأنت ما سبب مجيئك هنا؟ قال له: غلب علي الطيش وعمري سبع سنين فمن ذلك الوقت وأنا دائر من بلدٍ إلى بلدٍ ومن مدينةٍ إلى مدينةٍ حتى دخلت هذه المدينة واسمها اختيان الختن فرأيت أهلها ناساً كراماً وعندهم الشفقة ورأيتهم يأتمنون الفقير ويداينونه وكل ما قاله يصدقونه فقلت لهم: أنا تاجر وقد سبقت الحملة ومرادي مكان أنزل فيه حملتي فصدقوني وأخلوا لي مكاناً.

ثم أني قلت لهم: هل فيكم من يداينني ألف دينارٍ حتى تجيء حملتي أرد له ما آخذه منه فأني محتاجٌ إلى بعض مصالح قبل دخول الحملة فأعطوني ما أردت وتوجهت إلى سوق التجار فرأيت شيئاً من البضاعة فاشتريته وفي ثاني يوم بعته فربحت فيه خمسين ديناراً واشتريت غيره وصرت أعاشر الناس وأكرمهم فأحبوني وصرت أبيع واشتري فكثر مالي وأعلم يا أخي أن صاحب المثل يقول: الدنيا فشر وحيلة والبلاد التي لا يعرفك فيها أحدٌ مهما شئت فافعل فيها وأنت إذا قلت لكل من سألك أنا صنعتي إسكافي وفقير وهربت من زوجتي والبارحة طلعت من مصر فلا يصدقونك وتصير عندهم مسخرةً مدة أقامتك في هذه المدينة وأن قلت: حملني عفريت نفروا منك ولا يقرب منك أحدٌ ويقولون: هذا رجلٌ معفرتٌ وكل من يقرب منه يحصل له ضربٌ وتبقى هذه الإشاعة قبيحةٌ في حقي وحقك لكونهم يعرفون أني من مصر.

قال: وكيف أصنع؟ قال: أنا أعلمك كيف تصنع أن شاء الله تعالى أعطيك في الغد ألف دينارٍ وبغلةً تركبها وعبداً يمشي قدامك حتى يوصلك إلى باب سوق التجار فأدخل عليهم وأكون أنا قاعداً بين التجار فمتى رأيتك أقوم لك وأسلم عليك وأقبل يدك وأعظم قدرك، وكلما سألتك عن صنع من القماش وقلت لك: هل جئت معك بشيء من الصنف الفلاني فقل: كثيرٌ، وأن سألوني عنك أشكرك وأعظمك في أعينهم ثم أني أقول لهم: خذوا له حاصلاً ودكاناً وأصفك بكثرة المال والكرم وإذا أتاك سائلٌ فأعطه ما تيسر فيثقون بكلامي ويعتقدون عظمتك وكرمك ويحبونك وبعد ذلك أعزمك وأعزم جميع التجار من شأنك وأجمع بينك وبينهم، حتى يعرفك جميعهم وتعرفهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر علياً قال لمعروفٍ: أعزمك وأعزم جميع التجار من شأنك وأجمع بينك وبينهم حتى يعرفك جميعهم وتعرفهم لأجل أن تبيع وتشتري وتأخذ وتعطي معهم فما تمضي عليك مدةً حتى تصير صاحب مالٍ فلما أصبح الصباح أعطاه ألف دينارٍ وألبسه بدلةً وأركبه بغلةً وأعطاه عبداً وقال: أجأبرأ الله ذمتك من الجميع لأنك رفيقي، فواجبٌ علي إكرامك ولا تحمل هماً ودع عنك سيرة زوجتك ولا تذكرها لأحدٍ فقال له: جزاك الله خيرا. ثم أنه ركب البغلة ومشى قدامه العبد إلى أن أوصله إلى باب سوق التجار وكانوا جميعاً قاعدين والتاجر كان قاعداً بينهم فلما رآه قام ورمى روحه عليه وقال له: نهارك مبارك يا تاجر معروف فسلموا عليه وصار يشير لهم بتعظيمه فعظم في أعينهم ثم أنزله من فوق ظهر البغلة وسلموا عليه وصار يختلي بواحدٍ بعد واحدٍ منهم ويشكره عنده فقالوا له: هل هذا تاجرٌ؟ فقال لهم: نعم بل هو أكبر التجار ولا يوجد واحدٌ أكثر مالاً منه، لأن أمواله وأموال أبيه وأجداده مشهورةٌ عند تجار مصر وله شركاءٌ في الهند والسند واليمن وهو في الكرم على قدرٍ عظيمٍ فأعرفوا قدره وارفعوا مقامه واخدموه واعلموا أن مجيئة إلى هذه المدينة ليس من أجل التجارة وما مقصده إلا الفرجة على بلاد الناس لأنه محتاجٌ إلى التغريب من أجل الربح والمكاسب، لأن عنده أموالاً لا تأكلها النيران وأنا من بعض خدمه، ولم يزل يشكره حتى جعلوه فوق رؤوسهم وصاروا يخبرون بعضهم بصفاته ثم اجتمعوا عنده وصاروا يهادونه بالفطورات والشربات حتى شاه بندر التجار أتى له وسلم عليه وصار يقول له التاجر علي بحضرة التجار: يا سيدي لعلك جئت معك بشيء من القماش الفلاني فيقول له: كثير وكان في ذلك اليوم فرجة على أصناف القماش المثمنة وعرفه أسامي الأقمشة الغالي والرخيص فقال له تاجرٌ من التجار: يا سيدي هل جئت معك بجوخٍ أصفرٍ؟ قال: كثيرٌ قال: وأحمر دم غزال، قال: كثيرٌ وصار كلما سأله عن شيءٍ يقول له: كثيرٌ.

فعند ذلك قال: يا تاجر علي أن ابن بلدك لو أراد أن يحمل ألف حمل من القماشات المثمنة يحملها فقال له يحملها من حاصلٍ من جملة حواصله ولا ينقص منه شيءٌ، فبينما هما قاعدون وإذا برجلٍ سائلٍ دارٍ على التجار فمنهم من أعطاه نصف فضة ومنهم من أعطاه جديد وغالبهم لم يعطه شيئاً حتى وصل إلى معروف فكبش له كبشة ذهبٍ وأعطاه إياها فدعا له وذهب فتعجب التجار منه وقالوا: أن هذه عطايا ملوكٍ فأنه أعطى السائل ذهباً من غير عددٍ ولولا أنه من أصحاب النعم الجزيلة وعنده شيءٌ كثيرٌ ما كان أعطى السائل كبشة ذهبٍ وبعد حصةٍ أتته امرأة فقيرةٌ فكبش وأعطاها وذهبت تدعو له وحكت للفقراء فأقبلوا عليه وصار كل من أتى له يكبش له ويعطيه حتى أنفق الألف دينارٍ وبعد ذلك ضرب كفاً على كف وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل فقال له شاه بندر التجار: ما لك يا تاجر معروف؟ قال: كأن أهل هذه المدينة فقراءٌ ومساكينٌ ولو كنت أعرف أنهم كذلك كنت جئت معي في الخراج بجانب من المال وأحسن به إلى الفقراء، وأنا خائفٌ أن تطول غربتي ومن طبعي أني لا أرد السائل وما بقي معي ذهباً فإذا أتاني فقيرٌ ماذا أقول له؟ قال له: الله يرزقك، قال: ما هي عادتي وقد ركبني الهم بهذا السبب وكان مرادي ألف دينارٍ أتصدق بها حتى تجيء حملتي. فقال: لا بأس وأرسل بعض أتباعه فجاء له بألف دينارٍ فأعطاه إياها فصار يعطي كل من مر به من الفقراء حتى أذن الظهر فدخلوا الجامع وصلوا الظهر والذي بقي معه من الألف دينارٍ نثره على رؤوس المصلين فانتبه له الناس ثم أنه مال على تاجر آخر وأخذ منه ألف دينار وفرقها فما قفلوا باب السوق حتى أخذ خمسة آلاف دينارٍ وفرقها وكل من أخذ منه شيئاً يقول له: حتى تجيء الحملة وعند المساء عزموه التجار وعزم معه التجار جميعاً وأجلسوه في الصدر وصار لا يتكلم إلا بالقماشات والجواهر وكلما ذكروا له شيئاً يقول: عندي منه كثيرٌ وثاني يومٍ توجه إلى السوق وصار يميل على التجار ويأخذ منهم النقود ويفرقها على الفقراء ولم يزل على هذه الحالة مدة عشرين يوماً حتى أخذ من الناس ستين ألف ولم تأته حملةً ولا كبةً حاميةً فضجت الناس على أموالهم وقالوا: ما أتت حملة التاجر معروف وإلى متى وهو يأخذ أموال الناس ويعطيها للفقراء؟. فقال واحدٌ منهم: الرأي أن نتكلم مع ابن بلديته التاجر علي فأتوه وقالوا له: يا تاجر علي أن حملة التاجر معروف لم تأت فقال لهم: اصبروا فأنها لا بد أن تأتي عن قريبٍ، ثم أنه اختلى به وقال له: يا معروف ما هذي الفعال؟ هل أنا قلت لك قمر الخبز أو أحرقه؟ أن التجار ضجوا على أموالهم وأخبروني أنه صار عليك ستون ألف دينار أخذتها وفرقتها على الفقراء، ومن أين تسدد دين الناس وأنت لا تبيع ولا تشتري؟ فقال له: أي شيء يجري وما مقدار الستين ألف دينارٍ، لما تجيء الحملة أعطيهم أن شاؤوا قماشاً وأن شاؤوا ذهباً وفضةً فقال له التاجر علي: الله أكبر وهل أنت لك حملة؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر علي قال: الله أكبر وهل أنت لك حملةٌ؟ قال: كثير قال له: الله عليك وعلى سماجتك، أهل أنا علمتك هذا الكلام حتى تقوله لي فأنا أخبر الناس بك قال: رح بلا كثرة كلامٍ هل أنا فقيرٌ؟ أن حملتي فيها شيءٌ فإذا جاءت يأخذون متاعهم المثل مثلين أنا غير محتاجٍ إليهم فعند ذلك اغتاظ التاجر علي وقال له: يا قليل الأدب لا بد أن أريك كيف تكذب علي ولا تستحي؟ فقال له: الذي يخرج من يدك أفعله ويصبرون حتى تجيء حملتي ويأخذون متاعهم بزيادة فتركه ومضى وقال في نفسه: أنا شكرته سابقاً وأن دعمته الآن صرت كاذباً وأخل في قول من قال: من شكر وذم كذب مرتين وصار متحيراً في أمره، ثم أن التجار أتوه وقالوا: يا تاجر علي هل كلمته؟ قال لهم: يا ناس أنا استحي منه ولي عنده ألف دينارٍ ولم أقدر أن أكلمه عليها وأنتم لما أعطيتموه ما شاورتموني وليس لكم علي كلامٌ فطالبوه منكم له وأن لم يعطكم فاشكوه إلى ملك المدينة وقولوا له: أنه نصاب نصب علينا فأن الملك يخلصكم منه، فتوجهوا للملك وأخبروه بما وقع وقالوا: يا ملك الزمان أننا تحيرنا في أمرنا مع هذا التاجر الذي كرمه زائدٌ فأنه يفعل كذا وكذا وكل شيءٍ أخذه يفرقه على الفقراء بالكمشة فلو كان مقلا ما كانت تسمح نفسه أن يكبش الذهب ويعطيه للفقراء ولو كان من أصحاب النعم كان صدقه ظهر لنا بمجيء حملته ونحن لا نرى له حملةً مع أنه يدعي أن له حملةً وقد سبقها وكلما ذكرنا له صنفا من أصناف القماش يقول: عندي منه كثير وقد مضت مدةً ولم يبن عن حملته خبرٌ وقد صار لنا عنده ستون ألف دينارٍ وكل ذلك فرقه على الفقراء وصاروا يشكرونه ويمدحون كرمه.

وكان ذلك الملك طماعاً أطمع من الشعب فلما سمع بكرمه وسخائه غلب عليه الطمع وقال لوزيره: لو لم يكن هذا التاجر عنده أموالٌ كثيرةٌ ما كان يقع منه هذا الكلام كله ولا بد أن تأتي حملته ويجتمع هؤلاء التجار عنده ويفرق عليهم أموالاً كثيرةً فأنا أحق منهم بهذا المال فمرادي أن أعاشره وأتودد إليه حتى تأتي حملته والذي يأخذه منه هؤلاء التجار آخذه أنا وأزوجه ابنتي وأضم ماله إلى مالي فقال له الوزير: يا ملك الزمان ما أظنه إلا نصاباً، والنصاب قد أخرب بيت الطماع.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما قال للملك: ما أظنه إلا نصاباً والنصاب قد أخرب بيت الطماع قال له الملك: يا وزير أنا أمتحنه وأعرف هل هو نصابٌ أو صادقٌ فأنا أبعث إليه وأحضره عندي وإذا جلس أكرمه وأعطيه الجوهرة فأن عرفها أو عرف ثمنها يكون صاحب خيرٍ ونعمٍ وأن لم يعرفها فهو نصاب محدث فاقتله أقبح قتلةٍ. ثم أن الملك أرسل إليه وأحضره فلما دخل عليه سلم عليه فرد عليه السلام وأجلسه إلى جانبه وقال له: هل أنت التاجر معروف؟ قال: نعم قال له: أن التجار يزعمون أن لهم عندك ستين ألف دينارٍ فهل ما يقولونه حق؟ قال: نعم قال له: لم تعطهم أموالهم؟ قال: يصبرون حتى تجيء حملتي وأعطيهم المثل مثلين وأن أرادوا ذهباً أعطيهم وأن أرادوا فضةً أعطيهم وأن أرادوا بضاعةً أعطيهم والذي له ألفٌ أعطيه ألفين في نظير ما استر به وجهي مع الفقراء عندي شيئاً كثيراً ثم أن الملك قال: يا تاجر خذ هذه وانظر ما جنسها وما قيمتها وأعطاه جوهرةً قدر البندقية كان الملك اشتراها بألف دينارٍ ولم يكن عنده غيرها وكان مستعزاً بها فأخذها معروف بيده وفرك عليها بالإبهام والشاهد فكسرها لأن الجوهرة رقيقةٌ لا تتحمل فقال له الملك: لأي شيء كسرت الجوهرة؟ فضحك وقال: يا ملك الزمان ما هذه جوهرةٌ هذه قطعة معدن تساوي ألف دينار كيف تقول عليها أنها جوهرة؟ إن الجوهرة يكون ثمنها سبعين ألف دينارٍ وإنما يقال على هذه قطعة معدن والجوهرة ما لم تكن قدر الجوزة لا قيمة لها عندي ولا أعتني بها كيف تكون ملكاً وتقول على هذه جوهرةٌ وهي قطعة معدنٍ قيمتها ألف دينارٍ؟ ولكن أنتم معذورون لكونكم فقراء وليس عندكم ذخائر لها قيمتها فقال له الملك: يا تاجر هل عندك جواهرٌ من الذي تخبرني به؟ قال: كثيرٌ فغلب الطمع على الملك فقال له: هل تعطيني جواهر صحاحاً؟ قال له: حتى تجيء الحملة أعطيك كثيراً ومهما طلبته فعندي منه كثيرٌ وأعطيك من غير ثمن، فخرج الملك وقال للتجار: اذهبوا إلى حال سبيلكم واصبروا عليه حتى تجيء الحملة ثم تعالوا خذوا مالكم مني وراحوا. هذا ما كان من أمر معروف والتجار.

وأما ما كان من أمر الملك فأنه أقبل على الوزير وقال له: لاطف التاجر معروفاً وخذ وأعط معه في الكلام وأذكر له ابنتي حتى يتزوج بها ونغتنم هذه الخيرات التي عنده فقال الوزير: يا ملك الزمان أن حال هذا الرجل لم يعجبني وأظن أنه نصابٌ وكذابٌ فأترك هذا الكلام لئلا تضيع ابنتك بلا شيء وكان الوزير سابقاً سبق على الملك أن يزوجه البنت وأراد زواجها له فلما بلغها ذلك لم ترض ثم أن الملك قال له: يا خائن أنت لا تريد لي خير لكونك خطبت بنتي سابقاً ولم ترض أن تتزوج بك فصرت الآن تقطع طريق زواجها ومرادك أن بنتي تبور حتى تأخذها أنت فأسمع مني هذه الكلمة ليس لك علاقة بهذا الكلام كيف يكون نصاباً أو كذاباً مع أنه عرف ثمن الجوهرة مثل ما اشتريتها به وكسرها لكونها لم تعجبه وعنده جواهر كثيرةً فمتى دخل على ابنتي يراها جميلة فتأخذ عقله ويحبها ويعطيها جواهر وذخائر وأنت مرادك أن تحرم ابنتي وتحرمني من هذه الخيرات، فسكت الوزير وخاف من غضب الملك عليه وقال في نفسه: أغر الكلام على البقر ثم ميل على التاجر معروف، وقال له: أن حضرة الملك أحبك وله بنت ذات حسن وجمال يريد أن يزوجها لك فما تقول؟ فقال: لا بأس ولكن يصبر حتى تجيء حملتي فأن مهر بنات الملوك واسعٌ ومقامهن أن لا يمهرن إلا بمهر يناسب حالهن وفي هذه الساعة ما عندي مال فليصبر علي حتى تجيء حملتي فالخير عندي كثير ولا بد أن ادفع صداقها خمسة آلاف كيسٍ وأحتاج إلى ألف كيسٍ أفرقها على الفقراء والمساكين ليلة الدخلة وألف كيسٍ أعطيها للذين يمشون في الزفة وألف كيسٍ أعمل بها الأطعمة للعساكر وغيرهم وأحتاج إلى مائة جوهرة فأعطيها للملكة صبيحة العرس ومائة جوهرة أفرقها على الجواري والخدم فأعطي كل واحدةٍ جوهرةً تعظيماً لمقام العروسة وأحتاج إلى أن أكسوا ألف عريانٍ من الفقراء ولا بد من صدقاتٍ وهذا شيء لا يمكن إلا إذا جاءت الحملة فأن عندي شيئاً كثيراً وإذا جاءت الحملة لا أبالي بهذا المصروف كله. فراح الوزير وأخبر الملك بما قاله فقال الملك: حيث كان مراده ذلك كيف تقول عنه أنه نصابٌ كذابٌ؟ قال الوزير: ولم أزل أقول ذلك ففزع فيه الملك ووبخه وقال له: وحياة رأسي أن لم تترك هذا الكلام لقتلتك فأرجع إليه وهاته عندي وأنا مني له أصطفي فذهب إليه الوزير وقال له: تعال كلم الملك فقال سمعاً وطاعةً ثم جاء إليه فقال له الملك: لا تعتذر بهذه الأعذار فأن خزنتي ملآنةً فخذ المفاتيح عندك وانفق جميع ما تحتاج إليه وأعط ما تشاء واكس الفقراء وافعل ما تريد وما عليك من البنت والجواري وإذا جاءت حملتك فأعمل مع زوجتك ما تشاء من الإكرام ونحن نصبر عليك بصداقها حتى تجيء الحملة وليس بيني وبينك فرقٌ أبداً ثم أمر شيخ الإسلام أن يكتب الكتاب فكتب كتاب البنت على التاجر معروف وشرع في عمل الفرح وأمر بزينة البلد ودقت الطبول ومدت الأطعمة من سائر الألوان وأقبلت أرباب الملاعب وصار التاجر معروف يجلس على كرسي في مقعدٍ وتأتي قدامه أرباب الملاعب والشطار والجنك وأرباب الحركات الغريبة والملاهي العجيبة وصار يأمر الخازندار ويقول له: هات الذهب والفضة فيأتيه بالذهب والفضة وصار يدور على المتفرجين ويعطي كل من لعب بالكبشة ويحسن للفقراء والمساكين ويكسوا العريانين وصار فرحاً عجاجاً وما بقي الخازندار يلحق أن يجيء بالأموال من الخزنة وكاد قلب الوزير أن ينفقع من الغيظ ولم يقدر أن يتكلم وصار التاجر علي يتعجب من بذل هذه الأموال ويقول للتاجر معروف: الله والرجال على صدغك أما كفاك أن أضعت مال التجار حتى تضيع مال الملك؟ فقال التاجر معروف: لا علاقة لك وإذا جاءت الحملة أعوض ذلك على الملك بأضعافه وصار يبذر الأموال ويقول في نفسه: كبةٌ حاميةٌ الذي يجري علي يجري والمقدر ما منه مفر.

ولم يزل الفرح مدة أربعين يوماً وفي ليلة الحادي والأربعين عملوا الزفة للعروسة ومشى قدامها جميع الأمراء والعساكر ولما دخلوا بها صار ينثر الذهب على رؤوس الخلائق وعملوا لها زفةً عظيمةً وصرف أموالاً لها مقدر عظيم وأدخلوه على الملكة فقعد على المرتبة العالية وأرخوا الستائر وقفلوا الأبواب وخرجوا وتركوه عند العروسة فخبط يداً على يدٍ وقعد حزيناً مدةً وهو يضرب كفاً على كفٍ ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالت له الملكة: يا سيدي سلامتك ما لك مغموماً؟ فقال: كيف لا أكون مغموماً وأبوك قد شوش علي وعمل معي عملةً مثل حرق الزرع الأخضر قالت: وما عمل معك أبي قل لي؟ قال: أدخلني عليك قبل أن تأتي حملتي وكان مرادي أقل ما يكون مائة جوهرةٍ أفرقها على جواريك لكل واحدةٍ منهن جوهرةٌ تفرح بها وتقول: أن سيدي أعطاني جوهرة في ليلة دخلته على سيدتي وهذه الخصلة كانت تعظيماً لمقامٍ وزيادةٍ في شرفك فأني لا أقصر في بذل الجواهر لأن عندي منها كثيراً فقالت: لا تهتم بذلك ولا تغم نفسك بهذا السبب أما أنا فما عليك مني إلا أني أصبر عليك حتى تجيء الحملة وأما الجواري فما عليك منهن قم أقلع ثيابك وأعمل انبساطا ومتى جاءت الحملة فأننا نتحصل على تلك الجواهر وغيرها.

فقام وقلع ما كان عليه من الثياب وجلس على الفراش وطلب النغاش ووقع الهراش وحط يده على ركبتها فجلست هي في حجرةٍ وألقمته شفتها في فمه وصارت هذه الساعة تنسي الإنسان أبوه وأمه فحضنها وضمها إليه وعصرها في حضنه وضمها إلى صدره ومص شفتيها حتى سأل العسل من فمها ووضع يده تحت إبطها الشمال فحنت أعضاؤه وأعضاءها للوصال ولكزها بين النهدين فراحت يده بين الفخدين وتحزم بالساقين ومارس العملين ونادى يا أبا اللثامين وحط الدخير وأشعل الفتيل وحرر على بيت الإبرة وأشعل النار فخسف البرج من الأربعة أركان وحصلت النكتة التي لا يسأل عنها إنسان وزعقت الزعقة التي لا بد منها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت الملك لما زعقت الزعقة التي لا بد منها أزال التاجر معروف بكارتها وصارت تلك الليلة لا تعد من الأعمار لاشتمالها على وصل الملاح من عناقٍ وهراشٍ ومصٍ ورضعٍ إلى الصباح، ثم دخل الحمام ولبس بدلةً من ملابس الملوك وطلع من الحمام ودخل ديوان الملك فقام له من فيه على الأقدام وقابلوه بإعزازٍ وإكرامٍ وهنأوه وباركوا له وجلس بجانب الملك وقال: أين الخازندار؟ فقالوا: ها هو حاضر بين يديك فقال: هات الخلع وألبس جميع الوزراء والأمراء وأرباب المناصب فجاء له بجميع ما طلب وجلس يعطي كل من أتى له ويهب لكل إنسانٍ على قدر مقامه، واستمر على هذه الحالة مدة عشرين يوماً ولم يظهر له حملةً ولا غيرها.

ثم أن الخازندار تضايق منه غاية الضيق ودخل على الملك في غياب معروفٍ وكان الملك جالساً هو والوزير لا غير وقبل الأرض بين يديه وقال: يا ملك الزمان أنا أعلمك شيءٌ ربما تلومني على عدم الأخبار به: أعلم أن الخزنة فرغت ولم يبق فيها شيء من المال إلا القليل وبعد عشرة أيامٍ نقفلها على الفارغ.

فقال الملك: يا وزير أن حملة نسيبي تأخرت ولم يبن عنها علمٌ، فضحك الوزير وقال له: الله يلطف بك يا ملك الزمان ما أنت إلا مغفلٌ عن فعل هذا النصاب الكذاب، وحياة رأسك أنه لا حملةً له ولا كبةً تريحنا منه وإنما هو ما زال ينصب عليك حتى أتلف أموالك وتزوج بنتك بلا شيء، وإلى متى وأنت غافل عن هذا الكذاب؟ فقال له الملك: يا وزير كيف العمل حتى نعرف حقيقة حاله؟ فقال له: يا ملك الزمان لا يطلع على سر الرجل إلا زوجته فأرسل إلي بنتك لتأتي خلف الستارة حتى أسألها عن حقيقة حاله، فقال: لا بأس بذلك، وحياة رأسك أن ثبت أنه نصابٌ كذابٌ لأقتلنه اشأم قتلة.

ثم أنه أخذ الوزير ودخل إلى قاعة الجلوس وأرسل إلى ابنته فأتت وراء الستارة وكان ذلك في غياب زوجها، فلما أتت قالت: يا أبي ماذا تريد؟ قال: كلمي الوزير، قالت: أيها الوزير ما بالك؟ قال: يا سيدي أعلمي أن زوجك أتلف مال أبيك وقد تزوج بك بلا مهرٍ وهو لم يزل يعدنا ويخلف الميعاد ولم يبن لحملته علم بالجملة نريد أن تخبرينا عنه، فقالت: أن كلامه كثير وهو في كل وقتٍ يجيء ويعدني بالجواهر والحلي والذخائر والقماشات المثمنة ولم أر شيئاً فقال: يا سيدتي هل تقدرين في هذه الليلة أن تأخذي وتعطي معه في الكلام وتقولي له: أفيدني بالصحيح ولا تخف من شيءٍ فأنك صرت زوجي ولا أفرط فيك بحقيقة الأمر وأنا أدبر لك تدبيراً ترتاح به، ثم قربي وبعدي له في الكلام وأريه المحبة وقرريه ثم بعد ذلك أفيدينا بحقيقة أمره، فقالت: يا أبت أنا أعرف كيف أختبره.

ثم أنها دخلت، وبعد العشاء حضر عليها زوجها معروف على جري عادته فقامت له وتناولته من تحت إبطه وخادعته خداعاً زائداً وناهيك بمخادعة النساء إذا كان لهن عند الرجال حاجةٌ يردن قضاءها، وما زالت تخادعه وتلاطفه بكلامٍ أحلى من العسل حتى سرقت عقله. فلما رأته مال إليها بكليته قالت له: يا حبيبي، يا قرة عيني ويا ثمرة فؤادي لا أوحشني الله منك ولا فرق الزمان بيني وبينك فأن محبتك سكنت فؤادي ونار غرامك أحرقت كبدي وليس فيك تفريطٌ أبداً، ولكن مرادي أن تخبرني بالصحيح لأن حبل الكذب غير نافعةٍ ولا تنطلي في كل الأوقات وإلى متى وأنت تنصب وتكذب على أبي وأنا خائفةٌ أن يفتضح أمرك عنده قبل أن تدبر له حيلةً فيبطش بك فأفدني بالصحيح وما بك إلا ما يسرك ومتى أعلمتني بحقيقة الأمر لا تخشى من شيء يضرك فكم تدعي أنك تاجرٌ وصاحب أموالٍ ولك حملةٌ وقد مضت لك مدةً طويلةً وأنت تقول حملتي، حملتي ولم يبن عن حملتك علمٌ ويلوح على وجهك الهم بهذا السبب، فأن كان كلامك ليس له صحةٌ فقل لي وأنا أدبر لك تدبيراً تخلص به أن شاء الله.

فقال لها: يا سيدتي سأخبرك بالصحيح ومهما أردت فافعلي، فقالت له: قل وعليك بالصدق فأن الصدق سفينة النجاة وإياك والكذب فأنه يفضح صاحبه، ولله در من قال:

علـيك بـالـصـدق ولـو أنـه



أحرقك الصدق بنـار الـوعـيد

وأبغ رضا الله فأغبـى الـورى



من أسخط المولى وأرضى العبيد

فقال: يا سيدتي أعلمي أني لست تاجراً ولا لي حملةً ولا حاميةً وإنما كنت في بلادي رجلاً إسكافياً ولي زوجة اسمها فاطمة العره وجرى لي معها كذا وكذا وأخبرها بالحكاية من أولها إلى نهايتها، فضحكت وقالت: أنك ماهرٌ في صناعة الكذب والنصب، فقال لها: يا سيدتي الله تعالى يبقيك لستر العيوب وفك الكروب فقالت: أعلم أنك نصبت على أبي وغررته بكثرة فشرك حتى زوجني بك من طمعه ثم أتلفت ماله والوزير منكر ذلك عليك، وكم مرة يتكلم فيك عند أبي ويقول له: أنه نصابٌ كذابٌ ولكن أبي لم يطعه فيما يقول.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوجة معروف قالت له: أن الوزير تكلم فيك عند أبي ويقول له أنه نصاب كذاب وأبي لم يطعه بسبب أنه كان خطبني لأن يكون لي بعلاً وأكون له أهلاً، ثم أن المدة طالت وقد تضايق أبي وقال لي: قرريه قد قررتك وانكشف المغطى وأبي مصرٌ لك على الضرر بهذا السبب ولكنك صرت زوجي وأنا لا أفرط فيك فأن أعلمت أبي بهذا الخبر ثبت عنده أنك نصابٌ وكذابٌ وقد نصبت على بنات الملوك وذهبت بأموالهم فذنبك عنده لا يغفر ويقتلك بلا محالةٍ ويشيع بين الناس أني تزوجت برجلٍ نصابٍ كذابٍ وتكون فضيحةٌ في حقي، وإذا قتلك أبي ربما يحتاج أن يزوجني إلى آخر وهذا شيءٍ لا أقبله ولو مت.

ولكن قم الآن وألبس بدلةً مملوكٍ وأحمل معك خمسين ألف دينارٍ من مالي وأركب على جوادٍ وسافر إلى بلاد يكون حكم أبي لا ينفذ فيها وأعمل تاجراً هناك وأكتب لي كتاباً وأرسله مع ساعٍ يأتيني به لأعلم في أي البلاد أنت حتى أرسل لك كل ما طالته يدي، فأن مات أبي أرسلت إليك فتجيء بإعزازٍ وإكرامٍ وإذا مت أنت أو أنا إلى رحمة الله تعالى فالقيامة تجمعنا وهذا هو الصواب، وما دمت طيبةً وأنت طيبٌ لا أقطع عنك المراسلة ولا أموال، قم قبل أن يطلع النهار عليك وينزل بك الدمار.

فقال لها: يا سيدتي أنا في عرضك أن تودعيني بوصالك فقالت: لا بأس، ثم واصلها وأغتسل ولبس بدلة مملوكٍ وأمر السياس أن يشدوا له جواد من الخيل فشدوا له جواداً ثم ودعها وخرج من المدينة في آخر الليل فصار كل من رآه يظن أنه مملوكٌ من مماليك السلطان مسافرٌ في قضاء حاجةٍ.

فلما أصبح الصباح جاء أبوها هو والوزير إلى قاعة الجلوس وأرسل إليها فأتت وراء الستارة فقال لها: يا بنيتي ما تقولين؟ قالت: أقول: سود الله وجه وزيرك فأنه كان مراده أن يسود وجهي من زوجي، قال: وكيف ذلك؟ قالت: أنه دخل علي أمس قبل أن أذكر له هذا الكلام وإذا بفرج الطواشي جاء إلي وبيده كتابٌ وقال: أن عشرة مماليك واقفون تحت شباك القصر وأعطوني هذا الكتاب وقالوا لي: قبل لنا أيادي سيدي معروف وأعطه هذا الكتاب فأننا من مماليكه الذين مع الحملة وقد بلغنا أنه تزوج بنت الملك فأتينا إليه لنخبره بما حل بنا في الطريق.

فأخذت الكتاب وقرأته فرأيت فيه: من المماليك الخمسمائة إلى حضرة سيدنا التاجر معروف، وبعد، فالذي نعلمك به أنك بعدما تركتنا خرج العرب علينا وحاربونا وهم قدر ألفين من الفرسان ونحن خمسمائة مملوك ووقع بيننا وبين العرب حربٌ عظيمٌ ومنعونا عن الطريق ومضى لنا ثلاثون يوماً ونحن نحاربهم وهذا سبب تأخيرنا عنك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت الملك قالت لأبيها أن زوجي جاءه مكتوبٌ من أتباعه مضمونه: أن العرب منعونا عن الطريق وهذا سبب تأخيرنا عنك وقد أخذوا منا مائتي حمل وقتلوا منا خمسين مملوكاً فما بلغه الخبر قال: خيبهم الله كيف يتحاربون لأجل مائتي حمل بضاعة وما مقدار مائتي حمل فما كان ينبغي لهم أن يتأخروا من أجل ذلك فأن قيمة المائتي حمل سبعة آلاف دينارٍ ولكن ينبغي أن أروح إليهم وأستعجلهم والذي أخذه العرب لا تنقص به الحملة ولا يؤثر عندي شيئاً وأقدر أني تصدقت به عليهم ثم نزل من عندي ضاحكاً ولم يغتم على ما ضاع من ماله ولا على قتل مماليكه ولم نزل نظرت من شباك القصر فرأيت العشرة مماليك الذين أتوا له بالكتاب كأنهم الأقمار كل واحدٍ منهم لابس بدلة تساوي ألف دينارٍ وليس عند أبي مملوك يشبه واحداً منهم. ثم توجه مع المماليك الذين جاؤوا له بالمكتوب ليجيء بحملته والحمد لله الذي منعني أن أذكر له شيئاً من هذا الكلام الذي أمرتني به فأنه كان يستهزئ بي وبك وربما كان يراني بعين النقص ويبغضني ولكن العيب كله من وزيرك الذي يتكلم في حق زوجي كلاماً لا يليق به، فقال الملك: يا بنتي أن مال زوجك كثير ولا يفكر في ذلك ومن يوم دخل بلادنا وهو يتصدق على الفقراء وأن شاء الله عن قريبٍ يأتي بالحملة ويحصل لنا منه خيرٌ كثيرٌ وصار يأخذ بخاطرها ويوبخ الوزير وانطلت عليه الخيانة، هذا ما كان من أمر الملك.

وأما ما كان من أمر التاجر معروف فأنه ركب الجواد وسار في البر الأقفر وهو متحير لا يدري إلى أي البلاد يروح وصار من ألم الفراق ينوح وقاسى الوجد واللوعات.

فلما فرغ من كلامه بكى بكاءً شديداً وقد انسدت الطرقات في وجهه وأختار الممات على الحياة ثم أنه مشى كالسكران من شدة حيرته ولم يزل سائراً إلى وقت الظهر حتى أقبل على بلدةٍ صغيرةٍ فرأى رجلاً حراثاً قريباً منه يحرث على ثورين وكان قد اشتد به الجوع فقصد الحراث وقال له: السلام عليكم فرد عليه السلام وقال: مرحباً بك يا سيدي هل أنت من مماليك السلطان؟ قال: نعم قال: انزل عندي للضيافة فعرف أنه من الأجاويد فقال له: يا أخي ما أنا ناظرٌ عندك شيئاً حتى تطعمني إياه فكيف تعزم علي؟ فقال الحراث: يا سيدي الخير موجودٌ أنزل أنت وها هي البلدة قريبةٌ وأنا ذاهب وآتي لك بغداءٍ وعليق لحصانك قال: حيث كانت البلدة قريبةٌ فأنا أصل إليها في مقدار ما تصل أنت إليها واشتري مرادي من السوق وآكل فقال له: يا سيدي أن البلدة صغيرةً وليس فيها سوق ولا بيع ولا شراء سألتك بالله أن تنزل عندي وتجبر بخاطري وأنا ذاهب إليها وأرجع إليك بسرعةٍ فنزل ثم أن الفلاح تركه وراح البلد ليجيء له بالغداء فقعد معروف ينتظره ثم قال في نفسه: أنا شغلنا هذا الرجل المسكين عن شغله ولكن أنا أقوم وأحرث عوضاً عنه حتى يأتي في نظير عوقته عن شغله ثم أخذ المحراث وساق الثيران فحرث قليلاً وعثر المحراث في شيءٍ فوقعت البهائم فساقها فلم تقدر على المشي فنظر إلى المحراث فرآه مشبوكاً في حلقةٍ من الذهب فكشف عنها التراب فوجد تلك الحلقة في وسط حجرٍ من المرمر قدر قاعدة الطاحون فعالج فيه حتى قلعه من مكانه فبان من تحته طبق بسلالم أفنزل في تلك السلالم فرأى مكاناً مثل الحمام بأربعة لواوين الليوان الأول ملآن من الأرض إلى السقف بالذهب والليوان الثاني ملآن زمرداً ولؤلؤاً ومرجاناً من الأرض إلى السقف والليوان الثالث ملآن ياقوتاً وبلخشاً وفيروزاً والليوان الرابع ملآن بالماس ونفيس المعادن من سائر أصناف الجواهر وفي صدر ذلك المكان صندوقاً من البلور الصافي ملآن بالجواهر اليتيمة التي كل جوهرةٍ منها قدر الجوزة وفوق ذلك الصندوق علبةً صغيرةً قدر الليمونة وهي من الذهب.

فلما رأى ذلك تعجب وفرح فرحاً شديداً وقال: يا هل ترى أي شيءٍ في هذه العلبة ثم أنه فتحها فرأى فيها خاتماً من الذهب مكتوباً عليه أسماء وطلاسم مثل دبيب النمل فدعك الخاتم وإذا بقائلٍ يقول: لبيك لبيك يا سيدي فأطلب تعط هل تريد أن تعمر بلداً وتخرب مدينةً أو تقتل ملكاً أو تحفر نهراً أو نحو ذلك فمهما طلبته فأنه قد صار بأذن الملك الجبار خالق الليل والنهار، فقال له: يا مخلوق ربي من أنت ومن تكون؟ قال: أنا خادم هذا الخاتم القائم بخدمة مالكه فمهما طلبه من الأغراض قضيته له ولا عذرٌ لي فيه يأمرني به فأني سلطانٌ على أعوانٍ من الجان وعدة عسكري اثنتان وسبعون قبيلةً كل قبيلةٍ عدتها اثنتان وسبعون ألفاً وكل واحدٍ من الألف يحكم ألف ماردٍ وكل ماردٍ يحكم على ألف عونٍ ولك عون يحكم على ألف شيطان وكل شيطان يحكم على ألف جني وكلهم من تحت طاعتي ولا يقدرون على مخالفتي وأنا مرصوداً لهذا الخاتم لا أقدر على مخالفة من ملكه وه أنت من ملكته وصرت أنا خادمك فأطلب ما شئت فأني سميعٌ لقولك مطيعٌ لأمرك وإذا احتجت إلي في أي وقتٍ في البر والبحر فادعك الخاتم تجدني عندك وإياك أن تدعكه ماريتن متواليتين فتحرقني بنار الأسماء وتعدمني وتندم علي بعد ذلك وقد عرفتك بحالي والسلام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خادم هذا الخاتم لما أخبر معروفاً بأحواله قال معروف: ما اسمك؟ قال: اسمي أبو السعادات فقال له: يا أبا السعادات ما هذا المكان ومن أرصد في هذه العلبة؟ قال له: يا سيدي هذا المكان كنزٌ يقال له كنز شداد بن عاد الذي عمر أرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وأنا كنت خادمه في حياته وهذا خاتمه وقد وضعه في كنزه ولكنه نصيبك، فقال له معروف: هل تقدر أن تخرج ما في هذا الكنز على وجه الأرض؟ قال: نعم أسهل ما يكون قال: أخرج جميع ما فيه ولا تبق منه شيئاً فأشار بيده إلى الأرض فانشقت ثم نزل وغاب مدةً لطيفةً وإذا بغلمانٍ صغارٍ زرافٍ بوجوهٍ حسانٍ قد خرجوا وهم حاملون مشناتٍ من الذهب وتلك المشنات ممتلئةً ذهباً وفرغوها، ثم راحوا وجاؤوا بغيرها وما زالوا ينقلون من الذهب والجواهر فلم تمض ساعةً حتى قالوا: ما بقي في الكنز شيءٌ ثم طلع له أبو السعادات وقال له: يا سيدي قد رأيت أن جميع ما في الكنز قد نقلناه فقال له: ما هذه الأولاد الحسان؟ قال: هؤلاء أولادي لأن هذه الشغلة لا تستحق أن أجمع لها الأعوان وأولادي قضوا حاجتك وتشرفوا بخدمتك فاطلب ما تريد غير هذا قال له: هل تقدر أن تجيء لي ببغالٍ وصناديقٍ وتحط هذه الأموال في الصناديق وتحمل الصناديق على البغال؟ قال: هذا أسهل ما يكون.

ثم أنه زعق زعقةً عظيمةً فحضر أولاده بين يديه وكانوا ثمانمائة فقال لهم: لينقلب بعضكم في صورة البغال وبعضكم في صورة المماليك الحسان الذين أقل من فيهم لا يوجد مثله عند ملك الملوك وبعضكم في صورة المكارية وبعضكم في صورة الخدامين ففعلوا كما أمرهم ثم صاح على الأعوان فحضروا بين يديه فأمرهم أن ينقلب بعضهم في صورة الخيل المسرجة بسروج الذهب المرصع بالجواهر.

فلما رأى معروف ذلك قال: أين الصناديق فأحضروها بين يديه، قال: عبوا الذهب والمعادن كل صنفٍ وحده فعبوها وحملوها على ثلثمائة بغلٍ، فقال معروف: يا أبا السعادات هل تقدر أن تجيء لي بأحمالٍ من نفيس القماش؟ قال: أتريد قماشاً مصرياً أو شامياً أو عجمياً أو هندياً؟ قال: هات لي من قماش كل بلدةٍ مائة حملٍ على مائة بغلٍ قال: يا سيدي أعطني مهلةً حتى أرتب أعواني بذلك أو آمر كل طائفةٍ أن تروح إلى بلدٍ لتجيء بمائة حملٍ من قماشها وينقلب الأعوان في صورة البغال ويأتون حاملين البضائع قال: ما قدر زمن المهلة؟ قال: مدة سواد الليل فلا يطلع النهار إلا وعندك جميع ما تريد قال: أمهلك هذه المدة ثم أمرهم أن ينصبوا له خيمةً فنصبوها وجلس وجاؤوا له بسماطٍ وقال له أبو السعادات: يا سيدي، اجلس في الخيمة وهؤلاء أولادي بين يديك يحرسونك ولا تخشى من شيء وأنا ذاهب أجمع أعواني وأرسلهم ليقضوا حاجتك.

ثم ذهب أبو السعادت إلى حال سبيله وجلس معروف في الخيمة والسماط قدامه وأولاد أبي السعادات بين يديه في صورة المماليك والخدم والحشم، فبينما هو جالسٌ على تلك الحالة وإذا بالرجل الفلاح قد أقبل وهو حاملٌ قصعة عدسٍ كبيرةٍ ومخلاةٍ ممتلئةٍ شعيراً فرأى الخيمة منصوبة والمماليك واقفةٌ وأيديهم على صدورهم فظن أنه السلطان أتى ونزل في ذلك المكان فوقف باهتا وقال في نفسه: يا ليتني كنت ذبحت فرختين وحمرتهما

بالسمن البقري من شأن السلطان.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 34 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

وأراد أن يرجع ليذبح فرختين يضيف بهما السلطان فرآه معروف فزعق عليه وقال للمماليك: أحضروه فحملوه هو وقصعة العدس وأثوابهما قدامه، فقال له: ما هذا؟ قال: هذا غذاؤك وعليق حصانك فلا تؤاخذني فأني ما كنت أظن أن السلطان يأتي إلى هذا المكان ولو علمت بذلك كنت ذبحت له فرختين وضيفته ضيافةً مليحةً، فقال له معروف: أن السلطان لم يجيء وإنما أنا نسيبه وكنت مغبوناً منه وقد أرسل إلى مماليكه فصالحوني وأنا الآن أريد أن أرجع إلى المدينة وأنت قد عملت لي هذه الضيافة على غير معرفةٍ وضيافتك مقبولة ولو كانت عدساً فأنا ما آكل إلا من ضيافتك.

ثم أمره بوضع القصعة في وسط السماط وأكل منها حتى أكتفي، وأما الفلاح فأنه ملآ بطنه من تلك الألوان الطيبة، ثم أن معروفاً غسل يديه وأذن للمماليك في أكل فنزلوا على بقية السماط وأكلوا، ولما فرغت القصعة ملآها ذهبا وقال له: أوصلها إلى منزلك وتعال عندي في المدينة وأنا أكرمك فتناول القصعة ملآنةً ذهباً وساق الثيران وذهب إلى بلده وهو يظن أنه نسيب الملك.

وبات معروفاً تلك الليلة في أنسٍ وصفاءٍ وجاؤوا له ببناتٍ من عرائس الكنوز فدقوا آلات الطرب ورقصوا قدامه وقضى ليلته وكانت تعد من الأعمار.

فلما أصبح الصباح لم يشعرا إلا والغبار قد علا وطار وانكشف عن بغالٍ حاملةٍ أحمالاً وهي سبعمائة بغلٍ حاملةً أقمشةً وحولها غلمانٌ مكاريةٌ وعكامةٌ وضويةٌ وأبو السعادات راكبٌ على بغلةٍ وهو في صورة مقدم الحملة وقدامه تختروان له أربع عساكر من الذهب الوهاج مرصعةً بالجواهر.

فلما وصل إلى الخيمة نزل من فوق ظهر البغلة وقبل الأرض وقال: يا سيدي أن الحاجة قضيت بالتمام والكمال وهذا التختروان فيه بدلةً كنوزيةً لا مثيل لها من ملابس الملوك فألبسها وأركب في التختروان وأأمرنا بما تريد.

فقال له أبو السعادات: مرادي أن أكتب لك كتاباً تروح به إلى مدينة خيتان أختن وتدخل على عمي الملك ولا تدخل عليه إلا في صورة ساعٍ أنيسٍ، فقال له سمعاً وطاعةً.

فكتب كتاباً وختمه فتناوله أبو السعادات وذهب به حتى وصل إلى الملك فرآه يقول: يا وزيري أن قلبي على نسيبي وأخاف أن يقتله العرب، يا ليتني كنت أعرف أين ذهب حتى كنت أتبعه بالعسكر ويا ليته كان قد أعلمني بذلك قبل الذهاب.

فقال له الوزير: الله تعالى يلطف بك على هذه الغفلة التي أنت فيها، وحياة رأسك أن الرجل عرف أننا انتبهنا له فخاف من الفضيحة وهرب وما هو إلا كذابٌ نصابٌ، وإذا بالساعي داخلٌ، فقبل الأرض بين يدي الملك ودعا له بدوام العز والنعم والبقاء، فقال له الملك: من أنت وما حاجتك؟ فقال له: أنا ساعٍ أرسلني إليك نسيبك وهو مقبل بالحملة وقد أرسل معي كتاباً وها هو، فأخذه وقرأه فرأى فيه: وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أخذ الكتاب وقرأه وفهم رموزه ومعناه فرأى فيه: من بعد مزيد السلام على عمنا الملك العزيز فأني جئت بالحملة فأطلع وقابلني بالعسكر فقال الملك: سود الله وجهك يا وزير كم تقدح في عرض نسيبي وتجعله كذاباً نصاباً وقد أتى بالحملة فما أنت إلا خائنٌ.

فأطرق الوزير رأسه على الأرض حياءً وخجلاً وقال: يا ملك الزمان أنا ما قلت هذا الكلام إلا لطول غياب الحملة وكنت خائفاً على ضياع المال الذي صرفه فقال له الملك: يا خائن أي شيءٍ أموالي حيثما أتت الحملة فأنه يعطيني عوضا عنها شيئاً كثيراً.

ثم أمر الملك بزينة المدينة وذهب إلى ابنته وقال لها: لك البشارة أن زوجك عن قريبٍ يجيء بحملته وقد أرسل مكتوباً بذلك وها أنا طالعٌ لملاقاته.

فتعجبت البنت من هذه الحالة وقالت في نفسها: إن هذا شيءٌ عجيبٌ هل كان يهزأ بي ويتمسخر علي أو كان يختبرني حين أفادني بأنه فقيرٌ؟ ولكن الحمد لله حيث لم يقع في حقة تقصيراً.

هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر التاجر المصري فأنه لما رأى الزينة سأل عن سبب ذلك فقالوا له: أن التاجر معروف نسيب الملك قد أتت حملته فقال: الله أكبر ما هذه الداهية أنه قد أتاني هارباً من زوجته وكان فقيراً فمن أين جاءت له حملة؟ ولكن لعل بنت الملك دبرت له حيلةً خوفاً من الفضيحة والملوك لا يعجزون عن شيء، فالله تعالى يستره ولا يفضحه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر علياً لما سأل عن الزينة أخبروه بحقيقة الحال فدعا له وقال: الله يستره ولا يفضحه وسائر التجار فرحوا وانسروا لأجل أخذ أموالهم، ثم أن الملك أمر بجمع العسكر وطلع وكان أبو السعادات قد رجع إلى معروفٍ وأعلمه بأنه بلغ الرسالة فقال له معروف: حملوا، فحملوا ولبس البدلة الكنوزية وركب التختروان وصار أعظم وأهيب من الملك بألف مرةٍ ومشى إلى نصف الطريق وإذا بالملك قابله بالعسكر، فلما وصل إليه رآه لابساً تلك البدلة وراكباً في التختروان، حياه بالسلام وجميع أكابر الدولة سلموا عليه وبأن معروفاً صادق ولا كذب عنده ودخل المدينة بموكبٍ يفقع مرارة الأسد وسعى إليه التجار وقبلوا الأرض بين يديه. ثم أن التاجر علياً قال له: قد عملت هذه العملة وطلعت يا شيخ النصابين ولكن يستاهل فالله تعالى يزيدك من فضله، فضحك معروف، ولما دخل السرايا قعد على الكرسي وقال: ادخلوا حمال الذهب في خزانة عمي الملك وهاتوا أحمال الأقمشة فقدموها وصار يفتحونها حملاً بعد حملٍ ويخرجون ما فيها حتى فتحوا السبعمائة حمل فنقى أطيبها وقال: أدخلوه للملكة لتعرفه على جواريها وخذوا هذا الصندوق والجواهر وأدخلوه لها لتفرقه على الجواري والخدم وصار يعطي التجار الذين لهم عليه دينٌ من الأقمشة في نظير ديونهم والذي له ألف يعطيه قماشاً يساوي ألفين أو أكثر، وبعد ذلك صار يفرق على الفقراء والمساكين والملك ينظر بعينيه ولا يقدر أن يعترض عليه، ولم يزل يعطي ويهب حتى فرق السبعمائة حمل، ثم التفت إلى العسكر وجعل يفرق عليهم معادن وزمردا ويواقيت ولؤلؤاً ومرجاناً وصار لا يعطي الجواهر إلا بالكبشة من غير عددٍ.

فقال له الملك: يا ولدي يكفي هذا العطاء لأنه لم يبق من الحملة إلا القليل فقال له: عندي كثيرٌ وأشتهر صدقه وما بقي يقدر أن يكذبه وصار لا يبالي بالعطاء لأن الخادم يحضر له مهما طلب، ثم أن الخازندار أتى للملك وقال له: يا ملك أن الخزينة امتلأت وصارت لا تسع بقية الأحمال وما بقي من الذهب والمعادن أين نضعه؟ فأشار له إلى مكانٍ آخر: ولما رأت زوجته هذه الحالة ازداد فرحها وصارت متعجبةً وتقول في نفسها: يا هل ترى من أين جاء له كل هذا الخير؟ وكذلك التجار فرحوا بما أعطاهم ودعوا له: وأما التاجر علي فأنه صار متعجباً ويقول في نفسه: يا ترى كيف نصب وكذب حتى ملك هذه الخزائن كلها فأنها لو كانت من عند بنت الملك ما كان يفرقها على الفقراء.

هذا ما كان من أمره. وأما ما كان من أمر الملك فأنه تعجب غاية العجب مما رأى من معروف ومن كرمه وسخائه ببذل المال ثم بعد ذلك دخل على زوجته فقابلته وهي مبتسمةٌ ضاحكةٌ فرحانةٌ وقبلت يده وقالت: هل كنت تتمسخر علي أو كنت تجربني بقولك أنا فقيرٌ وهاربٌ من زوجتي؟ والحمد لله حيث لم يقع مني في حقك تقصيرٌ وأنت يا حبيبي وما عندي أعز منك سواءٌ كنت غنياً أو فقيراً وأريد أن تخبرني ما قصدت بهذا الكلام؟ قال: أردت تجريبك حتى أنظر هل محبتك خالصةٌ أو على شأن المال وطمع الدنيا فظهر لي أن محبتك خالصةٌ وحيث أنك صادقةٌ في المحبة فمرحباً بك وقد عرفت قيمتك ثم أنه اختلى في مكان وحده ودعك الخاتم فحضر له أبو السعادات وقال له: لبيك فأطلب ما تريد قال: أريد منك بدلةً كنوزية لزوجتي وحلياً كنوزياً مشتملاً على عقد فيه أربعون جوهرةً يتيمةً قال: سمعاً وطاعةً، ثم أحضر له ما أمره به فحمل البدلة والحلي بعد أن صرف الخادم ثم دخل على زوجته ووضعهما بين يديها وقال لها: خذي وألبسي فمرحباً بك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر معروف قال لزوجته: مرحباً بك، فلما نظرت إلى ذلك طار عقلها من فرحتها ورأت من جملة الحلي خلخالين من الذهب مرصعين بالجواهر صنعة الكهنة وأساور وحلقاً وحزاماً لا يتقدم بثمنها أموال فلبست البدلة والحلي ثم قالت: يا سيدي مرادي أن أدخرها للمواسم والأعياد قال: ألبسيها دائماً فأن عندي غيرها كثيراً فلما لبستها ونظرانها الجواري فرحن وقبلن يديه فتركهن واختلى بنفسه ثم دعك الخاتم فحضر له الخادم، فقال له: هات لي مائة بدلةٍ بمصاغها فقال سمعاً وطاعةً ثم أحضر البدلات وكل بدلةٍ مصاغها في قلبها وأخذها وزعق على الجواري فأتين إليه فأعطى كل واحدةٍ منهن بدلةً فلبسن البدلات وصرن مثل الحور العين وصارت الملكة بينهن مثل القمر بين النجوم.

ثم أن بعض الجواري أخبر الملك بذلك فدخل على ابنته فرآها هي وجواريها فتعجب من ذلك غاية العجب ثم خرج وأحضر وزيره وقال له: يا وزير أيه حصل كذا وكذا فما تقول في هذا الأمر؟ قال: يا ملك الزمان إن هذه الحالة لا تقع من التجارة لأن التاجر تقعد عنده القطع الكتان سنين ولا يبيعها إلا بمكسب فمن أين للتجار قوم كرمٌ مثل هذا الكرم؟ ومن أين لهم أن يحوزوا مثل هذه الأموال والجواهر التي لا يوجد منها عند الملوك إلا قليل فكيف يوجد عند التجار منها أجمل؟ فهذا لا بد له من سبب ولكن إن طاوعتني أبين لك حقيقة الأمر فقال له: أطاوعك يا وزير فقال له: اجتمع عليه ووادده وتحدث معه وقل له: يا نسيبي في خاطري أن أروح أنا وأنت والوزير من غير زيادة بستاناً لأجل النزهة فإذا خرجنا إلى البستان نحط سفرة المدام وأغصب عليه واسقه ومتى شرب المدام ضاع عقله وغاب رشده فنسأله عن حقيقة أمره فأنه يخبرنا بأسراره والمدام فضاح.

ومتى أخبرنا بحقيقة الأمر فأننا نطلع على حاله ونفعل به ما نحب ونختار منك، فقال له الملك: صدقت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما دبر للملك هذا التدبير قال له: صدقت وباتا متفقين على هذا الأمر.

فلما أصبح الصباح خرج الملك إلى المقعد وجلس وإذا بالخدامين والسياس دخلوا عليه مكروبين فقال لهم: ما الذي أصابكم؟ قالوا: يا ملك الزمان أن السياس غروا الخيل وعلقوا عليها وعلى البغال وفتشنا الإصطبلات فما رأينا خيلاً ولا بغالاً ودخلنا محل المماليك فلم نر فيه أحدٌ ولم نعرف كيف هربوا فتعجب الملك من ذلك لأنه ظن أن الأعوان كانوا خيلاً وبغالاً ومماليك ولم يعلم أنهم كانوا أعوان خادم الرصد فقال لهم: يا ملاعين ألف دابة وخمسمائة مملوك وغيرهم من الخدام كيف هربوا ولم تشعروا بهم؟ فقالوا: ما عرفنا كيف جرى لنا حتى هربوا فقالوا: انصرفوا حتى يخرج سيدكم من الحريم وأخبروه بذلك. وقد خرجوا من قدام الملك وجلسوا متحيرين.

فبينما هم جالسون على تلك الحالة وإذا بمعروف قد خرج من الحريم فرآهم مغتمين فقال لهم: ما الخبر؟ فأخبروه بما حصل فقال: وما قيمتهم حتى تغتموا عليهم؟ امضوا إلى حال سبيلكم وقعد يضحك ولم يغتظ ولم يغتم من هذا الأمر.

فنظر الملك في وجه الوزير وقال له: أي شيءٍ هذا الرجل الذي ليس للمال عنده قيمة فلا بد لذلك من سبب ثم أنهم تحدثوا ساعةٌ وقال الملك: يا نسيبي خاطري أروح أنا وأنت والوزير بستاناً لأجل النزهة فما تقول؟ قال: لا بأس ثم أنهم ذهبوا وتوجهوا إلى بستان فيه من كل فاكهةٍ زوجان، أنهاره دافقةٌ وأشجاره باسقةٌ وأطياره ناطقةٌ ودخلوا في قصرٍ يزيل عن القلوب الحزن وجلسوا يتحدثون والوزير يحكي غريب الحكايات ويأتي بالنكت المضحكات والألفاظ المطربات ومعروف مصغٍ إلى الحديث حتى طلع الغداء وحطوا سفرة الطعام وباطية المدام وبعد أن أكلوا وغسلوا أيديهم ملأ الوزير الكأس وأعطاه للملك فشربه وملأ الثاني وقال لمعروف: هاك كأس الشرب الذي تخضع لهيبته أعناق ذوي الألباب فقال معروف: ما لهذا يا وزير؟ قال الوزير: هذه البكر الشمطاء والعانس العذراء ومهدية السرور إلى السرائر وما زال يرغبه في الشراب ويذكر له محاسنه ما استطاب وينشده ما ورد فيه من الأشعار ولطائف حتى مال إلى ارتشاف ثغر القدح ولم يبق غيرها مقترح.
وما زال يملأ له وهو يشرب ويستلذ ويطرب حتى غاب عن صوابه ولم يميز خطأه من صوابه، فلما علم أن السكر بلغ به الغاية وتجاوز النهاية قال له: يا تاجر معروف والله إني متعجبٌ من أين وصلت إليك هذه الجوهرة التي لا يوجد مثلها عند الملوك الأكاسرة إلا وعمرنا ما رأينا تاجراً حاز أموالاً كثيرة مثلك ولا أكرم منك، فإن فعالك أفعال ملوك وليست أفعال تجار، فبالله عليك أن تخبرني حتى أعرف قدرك ومقامك. وصار يمارسه ويخادعه وهو غائب العقل. فقال له معروف: أنا لم أكن تاجراً ولا من أولاد الملوك. وأخبره بحكايته من أولها إلى آخرها. فقال له: بالله عليك يا سيدي معروف أن تفرجني على هذا الخاتم حتى ننظر كيف صنعته فقلع الخاتم وهو في حال سكره وقال خذوا تفرجوا عليه. فأخذه الوزير وقلبه وقال: هل إذا دعكته يحضر الخادم؟ قال: نعم ادعكه يحضر لك وتفرج عليه فدعكه وإذا بقائلٍ يقول: لبيك يا سيدي اطلب تعط هل تخرب مدينة أو تعمر مدينة أو تقتل ملكاً فمهما طلبته فأني أفعله لك من غير خلاف. فأشار الوزير إلى معروف وقال للخادم احمل هذا الخادم ثم أرمه في أوحش الأراضي الخراب حتى لا يجد فيها ما يأكل ولا ماء يشرب فيهلك من الجوع كمداً ولا يدر به أحداً. فخطفه الخادم وطار به بين السماء والأرض.

فلما رأى معروف ذلك أيقن بالهلاك وسوء الإرتباك فبكى وقال: يا أبا السعادات إلى أين أنت رائح بي؟ فقال له: أنا رائح أرميك في الربع الخراب يا قليل الأدب من يملك رصداً مثل هذا ويعطيه للناس يتفرجون عليه لكن تستاهل ما حل بك ولولا أني أخاف الله لرميتك من مسافة ألف قامة فلا تصل إلى الأرض حتى تمزقك الرياح. فسكت وصار لا يخاطبه حتى وصل به إلى الربع الخراب ورماه هناك ورجع وخلاه في الأرض الموحشة. هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر الوزير فأنه لما ملك الخاتم قال للملك: كيف رأيت، أما قلت لك إن هذا كذابٌ نصابٌ ما كنت تصدقني، فقال له: الحق معك يا وزير الله يعطيك العافية هات الخاتم حتى أتفرج عليه. فالتفت الوزير بالغضب وبصق في وجهه وقال له: يا قليل العقل كيف أعطيه لك وأبقى خدامك بعد أن صرت سيدك، ولكن أنا ما بقيت أبقيك، ثم دعك الخاتم فحضر الخادم فقال له: احمل هذا القليل الأدب وارمه في المكان الذي رميت فيه نسيبه النصاب. فحمله وطار به فقال له الملك يا مخلوق ربي أي شيءٍ ذنبي؟ فقال له الخادم: لا أدري وإنما أمرني سيدي بذلك وأنا لا أقدر أن أخالف من ملك الخاتم هذا الرصد ولم يزل طائراً به حتى رماه في المكان الذي فيه معروف ثم رجع وتركه هناك. فسمع معروفاً يبكي فأتى له وأخبره بحاله وقعدا يبكيان على ما أصابهما ولم يجدا أكلاً ولا شرباً هذا ما كان من أمرهما.

وأما ما كان من أمر الوزير فأنه بعدما شتت معروفاً والملك قام وخرج من البستان وأرسل إلى جميع العسكر وعمل ديواناً وأخبرهم بما فعل مع معروف والملك وأخبرهم بقصة الخاتم وقال لهم: إن لم تجعلوني سلطاناً عليكم أمرت خادم الخاتم أن يحملكم جميعاً ويرميكم في الربع الخراب فتموتوا جوعاً وعطشاً. فقالوا له لا تفعل معنا ضرراً فأننا قد رضينا بك سلطاناً علينا ولا نعصي لك أمراً. ثم أنهم اتفقوا على سلطنته عليهم قهراً عنهم وخلع عليهم الخلع وصار يطلب من أبي السعادات كل ما أراده فيحضر بين يديه في الحال ثم أنه جلس على الكرسي وأطاعه العسكر وأرسل إلى بنت الملك يقول لها حضري روحك فأني داخلٌ عليك في هذه الليلة لأني مشتاقٌ إليك فبكت وصعب عليها أبوها وزوجها ثم أنها أرسلت تقول أمهلني حتى تنقضي العدة ثم اكتب كتابي وادخل علي في الحلال فأرسل يقول لها: أنا لا أعرف عدة ولا طول مدة ولا أحتاج إلى كتاب ولا أعرف حلالاً من حرام ولا بد من دخولي عليك في هذه الليلة فأرسلت تقول له مرحباً بك ولا بأس بذلك وكان ذلك مكر منها فلما رجع له الجواب فرح وانشرح صدره لأنه كان مغرماً بحبها ثم أمر بوضع الأطعمة بين جميع الناس وقال كلوا هذا الطعام فإنه وليمة الفرح فأني أريد الدخول على الملكة في هذه الليلة فقال شيخ الإسلام لا يحل لك الدخول عليها حتى تنقضي عدتها وتكتب كتابك عليها فقال له: أنا لا أعرف عدةٌ ولا مدةٌ فلا تكثر علي كلاماً، فسكت شيخ الإسلام وخاف من شره وقال للعسكر: إن هذا كافرٌ لا دينٌ له ولا مذهب.

فلما جاء المساء دخل عليها فرأها لابسةً آخر ما عندها من الثياب وهي ضاحكة وقالت له ليلة مباركة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت الملك قابلت الوزير وقالت له مرحباً بك ولو كنت قتلت أبي وزوجي لكان أحسن عندي فقال لها لا بد أن أقتلهما فأجلسته وصارت تمازحه حتى تظفر بالخاتم وتبدل فرحه بالنكد على ما ناصبته وما فعلت معه هذه الفعال. فلما رأى الملاطفة والإبتسام هاج عليه الغرام وطلب منها الوصال فلما دنا منها تباعدت عنه وبكت وقالت يا سيدي أما ترى الرجل الناظر إلينا بالله عليك أن تسترني عن عينه فكيف تواصلني وهو ينظر إلينا فاغتاظ وقال: أين الرجل قالت ها هو في فص الخاتم يطلع رأسه وينظر إلينا فظن أن خادم الخاتم ينظر إليهما فضحك وقال لا تخافي إن هذا خادم وهو تحت طاعتي قالت أنا أخاف من العفاريت فاقلعه وارمه بعيداً عني فقلعه ووضعه على المخدة ودنا منها فرفسته برجلها في قلبه فانقلب على قفاه مغشياً عليه وزعقت على أتباعها فأتوها بسرعةٍ فقالت امسكوه فقبض عليه أربعون جارية وعجلت بأخذها الخاتم من فوق المخدة ودعكته وإذا بأبي السعادات أقبل يقول لبيك يا سيدتي فقالت احمل هذا الكافر وضعه في السجن وثقل قيوده فأخذه وسجنه في سجن الغضب ورجع وقال لها: لقد سجنته، فقالت له: أين أبي وزوجي قال رميتهما في الربع الخراب، قالت: أمرتك أن تأتيني بهما في هذه الساعة، فقال: سمعاً وطاعةً ثم طار من أمامها ولم يزل طائراً إلى أن وصل إلى الربع الخراب ونزل عليهما فرآهما قاعدين يبكيان ويشكوان لبعضهما فقال لهما لا تخافا قد أتاكما الفرج وأخبرهما بما فعل الوزير وقال لهما أني قد سجنته بيدي طاعةً لها ثم أمرتني بإرجاعكما، ففرحا بخبره ثم حملهما وطار بهما فما كان غير ساعة حتى دخل بهما على بنت الملك فقامت وسلمت على أبيها وزوجها وأجلستهما وقدمت لهما الطعام والحلوى وباتا بقية الليلة.

وفي ثاني يوم ألبست أباها بدلةً فاخرةً وألبست زوجها بدلةً فاخرةً وقالت يا أبت أقعد أنت على كرسيك ملكاً على ما كنت عليه أولاً واجعل زوجي وزير ميمنة عندك وأخبر عسكرك بما جرى وهات الوزير من السجن واقتله ثم احرقه فأنه كافرٌ وأراد أن يدخل علي سفاحاً من غير نكاح وشهد على نفسه أنه كافر وليس له دين يتدين به واستوص بنسيبك الذي جعلته وزير ميمنة عندك فقال سمعاً وطاعةً يا بنتي ولكن أعطيني الخاتم أو أعطيه لزوجك فقالت أنه لا يصلح لك ولا له وإنما الخاتم يكون عندي وربما أحميه أكثر منكما ومهما أردتما فاطلباه مني وأنا أطلب لكما من خادم هذا الخاتم ولا تخشيا بأساً ما دمت أنا طيبة وبعد موتي فشأنكما والخاتم فقال أبوها هذا هو الرأي الصواب يا بنتي.

ثم أخذ نسيبه وطلع إلى الديوان وكان العسكر قد باتوا في كربٍ عظيمٍ بسبب بنت الملك وما فعل معها الوزير من أنه دخل عليها سفاحاً من غير نكاح وأساء الملك ونسيبه وخافوا أن تنتهك شريعة الإسلام لأنه ظهر لهم أنه كافرٌ، ثم اجتمعوا في الديوان وصاروا يعنفون شيخ الإسلام ويقولون له لماذا لم تمنعه من الدخول على الملكة سفاحاً؟ فقال لهم: يا ناس أن الرجل كافرٌ وصار ملكاً للخاتم وأنا وأنتم لا يخرج من أيدينا في حقة شيء فالله تعالى يجازيه بفعله فاسكتوا أنتم لئلا يقتلكم. فبينما العساكر مجتمعون يتحدثون في هذا الكلام وإذ بالملك دخل عليهم في الديوان ومعه نسيبه معروف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العساكر من شدة غيظهم جلسوا في الديوان يتحدثون بشأن الوزير وما فعل بالملك ونسيبه وبنته وإذا بالملك قدم إليهم في الديوان ومعه نسيبه معروف، فلما رآته العساكر فرحوا بقدومه وقاموا له على الأقدام وقبلوا الأرض بين يديه، ثم جلس على الكرسي وأفادهم بالقصة فزالت عنهم الغصة وأمر بزينة المدينة وأحضر الوزير من الحبس فلما مر العساكر صاروا يلعنونه ويوبخونه حتى وصل إلى الملك فلما تمثل بين يديه أمر بقتله أشنع قتلة ثم حرقوه وراح إلى سقر في أسوا الحالات. ثم أن الملك جعل معروفاً وزير ميمنة عنده وطابت لهم الأوقات وصفت لهم المسرات واستمروا على ذلك خمس سنوات، وفي السنة السادسة مات الملك فجعلت بنت الملك زوجها سلطاناً مكان أبيها ولم تعطه الخاتم، وكانت في هذه المدة حملت منه ووضعت غلاماً بديع الجمال بارع الحسن والكمال ولم يزل في حجر الدادات حتى بلغ من العمر خمس سنوات فمرضت أمه مرض الموت فأحضرت معروفاً وقالت له أنا مريضة، قال لها: سلامتك يا حبيبة قلبي، قالت له ربما أموت فلا تحتاج إلى أن أوصيك على ولدك إنما أوصيك بحفظ الخاتم خوفاً عليك وعلى هذا الغلام، فقال: ما على من يحفظه بأس، فقلعت الخاتم وأعطته له، وفي ثاني يومٍ توفيت إلى رحمة الله تعالى وأقام معروف ملكاً وصار يتعاطى الأحكام.

فاتفق له في بعض الأيام أنه نفض المنديل فانفضت العساكر من قدامه إلى أماكنهم ووصل هو إلى قاعة الجلوس وجلس فيها إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بالإعتكار فجاء إليه أرباب منادمته من الأكابر على عادتهم وسهروا عنده من أجل البسط والإنشرح إلى نصف الليل، ثم طلبوا الإجازة بالإنصراف فأذن لهم، وبعد ذلك جاءت إليه جاريةٌ كانت مقيدة بخدمة فراشه ففرشت له المرتبة وقلعته البدلة وألبسته بدلة النوم واضطجع فصارت تكبس قدميه حتى غلب عليه النوم فذهبت من عنده وراحت إلى مرقدها ونامت، هذا ما كان من أمرها.
وأما ما كان من أمر الملك معروف فأنه بينما كان نائماً لم يشعر إلا وشيءٍ بجانبه في الفراش فانتبه مرعوباً وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم فتح عينيه فرأى بجانبه امرأة قبيحة المنظر فقال لها من أنت؟ قالت لا تخف أنا زوجتك فاطمة العرة، فنظر في وجهها فعرفها بمسخة صورتها وطول أنيابها وقال: من أين وصلت علي ومن جاء بك إلى هذه البلاد فقالت له: في أي بلاد أنت في هذه الساعة قال: في مدينة خيتان أختن وأنت متى فارقت مصر؟ قالت: في هذه الساعة: قال: وكيف ذلك؟ قالت: لما تشاجرت معك وأغواني الشيطان على ضررك واشتكيتك إلى الحكام ففتشوا عليك فما وجدوك وسأل القضاة عنك فما رأوك بعد أن مضى يومان لحقتني الندامة وعلمت أن العيب عندي وصار الندم لا ينفعني وقعدت مدة أيامٍ وأنا أبكي على فراقك وقل ما في يدي واحتجت إلى السؤال، فصرت أسأل كل مغبونٍ وممقوتٍ ومن حين فارقتني وأنا آكل من ذل السؤال وصرت في أسوأ الأحوال وكل ليلةٍ أقعد أبكي على فراقك وعلى ما قاسيت بعد غيابك من الذل والهوان والتعاسة والخسران، وصارت تحدثه بما جرى لها وهو باهت فيها إلى أن قالت: وفي الأمس درت طول النهار أسأل فلم يعطني أحد شيئاً وصرت كلما أقبل على أحد واسأله كسرة يشتمني ولا يعطيني شيئاً، فلما أقبل الليل بت من غير عشاء فأحرقني الجوع وصعب علي ما قاسيت، وقعدت أبكي وإذا بشخصٍ تصور قدامي وقال لي: يا امرأة لأي شيءٍ تبكين؟ فقلت: أنه كان لي زوجٌ يصرف علي ويقضي أغراضي وقد فقد مني ولم أعرف أين راح وقد قاسيت الغلب من بعده فقال: ما اسم زوجك؟ قلت: اسمه معروف قال: أنا أعرفه اعلمي أن زوجك الآن سلطاناً على مدينة وإن شئت أن أوصلك إليه أفعل ذلك فقلت له: أنا في عرضك أن توصلني إليه فحملني وطار بي بين السماء والأرض حتى أوصلني إلى هذا القصر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الألف:

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن فاطمة العرة قالت لمعروف: أن ذلك المارد أتى بي إلى هذا القصر وقال لي: ادخلي في هذه الحجرة تري زوجك نائماً على السرير فدخلت فرأيتك في هذه السيادة وأنا ما كان أملي أنك تفوتني وأنا رفيقتك والحمد لله الذي جمعني عليك فقال لها: هل أنا فتك أو أنت التي فتنيني وأنت تشكيني من قاضٍ إلى قاضٍ، وختمت ذلك بشكايتي إلى الباب العالي حتى نزلت على أبا طبق من القلعة فهربت قهراً عني وصار يحكي لها على ما جرى له إلى أن صار سلطاناً وتزوج بنت الملك، وأخبرها بأنها ماتت وخلف منها ولداً وصار عمره سبع سنين. فقالت: والذي جرى مقدر من الله تعالى وقد تبت وأنا في عرضك أنك لا تفوتني ودعني آكل عندك العيش على سبيل الصدقة ولم تزل تتواضع له حتى رق قلبه لها وقال: توبي عن الشر واقعدي عندي وليس لك إلا ما يسرك فأن عملت شيئاً من الشر أقتلك ولا أخاف من أحدٍ فلا يخطر ببالك أنك تشكيني إلى الباب العالي وينزل لي أبا طبق من القلعة فأني صرت سلطاناً والناس تخاف مني وأنا لا أخاف إلا من الله تعالى فإن معي خاتم استخدام متى دعكته يظهر لي خادم الخاتم واسمه أبو السعادات ومهما طلبته منه يأتيني به فإن كنت تريدين الذهاب إلى بلدك أعطيك ما يكفيك طول عمرك وأرسلك إلى مكانك بسرعة وأن كنت تريدين القعود عندي فإني أخلي لك قصراً وأفرشه لك من خاص الحرير وأجعل لك عشرين جاريةً تخدمك وأرتب لك المآكل الطيبة والملابس وتصيرين ملكة وتقيمين في نعيمٍ زائدٍ حتى تموتي أو أموت أنا فما تقولين في هذا الكلام؟ قالت: أنا أريد الإقامة عندك ثم قبلت يده وتابت عن الشر فرد لها قصراً وحدها وأنعم عليها بجوارٍ وطواشيةٍ وصارت ملكة ثم أن الولد صار يروح عندها وعند أبيه فكرهت الولد لكونه ليس ابنها فلما رأى الولد منها عين الغضب والكراهية نفر منها وكرهها ثم أن معروفاً اشتغل بحب الجواري الحسان ولم يفكر في زوجته فاطمة العرة لأنها صارت عجوزاً شمطاء بصورةٍ شوهاء وسحنة معطاء أقبح من الحية الرقطاء خصوصاً وقد أساءته إساءة لا مزيد عليها وصاحب المثل يقول: الإساءة تقطع أصل المطلوب وتزرع البغضاء في أرض القلوب.

ثم أن معروفاً لم يأوها الخصلة الحميدة فيها وإنما عمل معها هذا الإكرام ابتغاء مرضاة الله تعالى، ثم أن دنيازاد قالت لأختها شهرزاد: ما أطيب هذه الألفاظ التي هي أشد أخذاً للقلوب من سواحر الإلحاظ وما أحسن هذه النكت الغريبة والنوادر العجيبة فقالت شهرزاد: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة المقبلة إن عشت وأبقاني الملك. فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح أصبح الملك منشرح الصدر ومنتظراً لبقية الحكاية، وقال في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها ثم خرج إلى محل حكمه وطلع الوزير على عادته بالكفن تحت إبطه فمكث الملك في الحكم بين الناس طول نهاره وبعد ذلك ذهب إلى حريمه ودخل على زوجته شهرزاد بنت الوزير على جري عادته.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة بعد الألف

ذهب الملك إلى حريمه ودخل على زوجته شهرزاد بنت الوزير فقالت لها أختها دنيازاد: تممي لنا حكاية معروف.

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك معروفاً صار لا يعتني بزوجته من أجل النكاح وإنما كان يطعمها احتساباً لوجه الله تعالى فلما رأته ممتنعاً عن وصالها ومشتغلاً بغيرها بغضته وغلبت عليها الغيرة ووسوس لها إبليس أنها تأخذ الخاتم منه وتقتله وتعمل ملكة مكانه ثم أنها خرجت ذات ليلة من الليالي ومضت من قصرها متوجهةً إلى القصر الذي فيه زوجها الملك معروف واتفق بالأمر المقدر والقضاء المسطر أن معروفاً كان راقداً مع محظية من محاظيه ذات حسنٍ وجمالٍ وقدٍ واعتدالٍ ومن حسن تقواه كان يقلع الخاتم من إصبعه إذا أراد أن يجامع احتراماً للأسماء الشريفة التي هي مكتوباً عليها فلا يلبسه إلا على طهارة وكانت زوجته فاطمة العرة لم تخرج موضعها إلا بعد أن أحاطت علماً بأنه إذا جامع يقلع الخاتم ويجعله على المخدة حتى يطهر وكان من عادته أنه متى جامع يأمر المحظية أن تذهب من عنده خوفاً على الخاتم وإذا دخل الحمام يقفل باب القصر، حتى يرجع من الحمام ويأخذ الخاتم ويلبسه وبعد ذلك كل من دخل القصر لا حرج عليه وكانت تعرف هذا الأمر كله فخرجت بالليل لأجل أن تدخل عليه في القصر وهو مستغرقٌ في النوم وتسرق هذا الخاتم بحيث لا يراها.
فلما خرجت كان ابن الملك في هذه الساعة قد دخل بيت الراحة ليقضي حاجة من غير نور فقعد في الظلام على ملاقي بيت الراحة وترك الباب مفتوحاً عليه فلما خرجت من قصرها رآها مجتهدة في المشي إلى جهة قصر أبيه فقال في نفسه: يا هل ترى لأي شيءٍ خرجت هذه الكاهنة من قصرها في جنح الظلام وأراها متوجهةٍ إلى قصر أبي فهذا الأمر لا بد له من سبب ثم أنه خرج وراءها وتبع أثرها من حيث لا تراه وكان له سيف قصير من الجوهر وكان لا يخرج إلى ديوان أبيه إلا متقلداً بذلك السيف لكونه مستعزاً به فإذا رآه أبوه يضحك عليه ويقول: ما شاء الله إن سيفك عظيمٌ يا ولدي ولكن ما نزلت به حرباً ولا قطعت به رأساً فيقول له: لا بد أن أقطع به عنقاً يكون مستحقاً للقطع فيضحك من كلامه.

ولما مشى وراء زوجة أبيه سحب السيف من غلافه، وتبعها حتى دخلت قصر أبيه فوقف لها على باب القصر، وصار ينظر إليها فرآها وهي تفتش وتقول: أين وضع الخاتم ففهم أنها دائرةٌ على الخاتم فلم يزل صابراً عليها حتى لقيته فقالت: ها هو والتقطته وأرادت أن تخرج فاختفى خلف الباب فلما خرجت من الباب نظرت إلى الخاتم وقلبته في يدها وأرادت أن تدعكه فرفع يده بالسيف وضربها على عنقها فزعقت زعقةً واحدةً ثم وقعت مقتولة فانتبه معروف فرأى زوجته مرميةٌ ودمها سائل وابنه شاهراً سيفه في يده.

فقال له: ما هذا يا ولدي؟ قال: يا أبي كم مرة وأنت تقول لي: إن سيفك عظيمٌ ولكنك ما نزلت به حرباً ولا قطعت به رأساً وأنا أقول لك: لا بد أن أقطع به عنقاً مستحقاً للقطع وأعلمه بخبرها ثم أنه فتش على الخاتم فلم يره ولم يزل يفتش في أعضائها حتى رأى يدها منطبقة عليه فتناوله ثم قال له: أنت ولدي بلا شك أراحك الله في الدنيا والآخرة كما أرحتني من هذه الخبيثة.

ثم أن الملك معروفاً زعق على أتباعه فأتوه مسرعين فأعلمهم بما فعلت زوجته فاطمة العرة وأمرهم أن يأخذوها ويحطوها في مكانٍ إلى الصباح ففعلوا كما أمرهم ثم وكل بها جماعة من الخدام فغسلوها وكفنوها وعملوا لها مشهداً ودفنوها وما كان مجيئها من مصر إلا لترابها.

ثم أن الملك معروفاً أرسل بطلب الرجل الحراث الذي كان ضيفه وهو هاربٌ فلما حضر جعله وزير ميمنته وصاحب مشورته، ثم علم أن له بنتاً بديعة الحسن والجمال كريمة الخصال شريفة النسب رفيعة الحسب فتزوج بها وبعد مدة من الزمان زوج ابنه وأقاموا مدةً في أرغد عيش وصفت لهم الأوقات وطابت لهم المسرات إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب الديار العامرات ومينم البنين والبنات.

فسبحان الحي الذي لا يموت وبيده مقاليد الملك والملكوت.

وكانت شهرزاد في هذه المدة قد أنجبت من الملك ثلاثة ذكور، فلما فرغت من هذه الحكاية قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يدي الملك وقالت له: يا ملك الزمان وفريد العصر والأوان أني جاريتك ولي ألف ليلة وليلة وأنا أحدثك بحديث السابقين ومواعظ المتقدمين فهل لي في جنابك من طمعاً حتى أتمنى عليك أمنية؟ فقال لها الملك: تمني يا شهرزاد، فصاحت على الدادات والطواشية وقالت لهم: هاتوا أولادي فجاؤوا لها بهم مسرعين وهم ثلاثة أولاد ذكور واحدٌ منهم يمشي وواحدٌ يحبي وواحدٌ يرضع، فلما جاؤوا بهم وضعتهم قدام الملك وقبلت الأرض وقالت: يا ملك الزمان أن هؤلاء أولادك وقد تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراماً لهؤلاء الأطفال فأنك أن قتلتني يصير هؤلاء الأطفال من غير أم ولا يجدون من يحسن تربيتهم من النساء.

فعند ذلك بكى الملك وضم أولاده إلى صدره وقال: يا شهرزاد والله أني قد عفوت عنك من قبل مجيء هؤلاء الأولاد لكوني رأيتك عفيفة نقية وحرة نقية، بارك الله فيك وفي أبيك وأمك وأصلك وفرعك، وأشهد الله أني قد عفوت عنك من كل شيءٍ يضرك. فقبلت يديه وقدميه وفرحت فرحاً زائداً وقالت: أطال الله عمرك وزادك هيبة ووقاراً.

وشاع السرور في سرايا الملك حتى انتشر في المدينة وكانت ليلة لا تعد من الأعمار ولونها أبيض من وجه النهار، وأصبح الملك مسروراً وبالخير مغموراً فأرسل إلى جميع العسكر فحضروا وخلع على وزيره أبي شهرزاد خلعةً سنيةً جليلةً وقال له: سترك الله حيث زوجتني ابنتك الكريمة التي كانت سبباً لتوبتي عن قتل بنات الناس وقد رأيتها حرة نقية عفيفة ذكية ورزقني الله منها ثلاثة ذكور والحمد لله على هذه النعمة الجزيلة. ثم خلع على كافة الوزراء والأمراء وأرباب الدولة الخلع السنية وأمر بزينة المدينة ثلاثين يوماً ولم يكلف أحداً من أهل المدينة شيئاً من ماله بل جعل جميع الكلفة والمصاريف من خزانة الملك فزينوا المدينة زينة عظيمة لم يسبق مثلها ودقت الطبول وزمرت الزمور ولعب سائر أرباب الملاعب وأجزل لهم الملك العطايا والمواهب وتصدق على الفقراء والمساكين وعم بإكرامه سائر رعيته وأهل مملكته وأقام هو ودولته في نعمة وسرور ولذة وحبور حتى أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان من لا يفنيه تداول الأوقات ولا يعتريه شيءٌ من التغيرات ولا يشغله حال عن حال وتفرد بصفات الكمال والصلاة والسلام على إمام حضرته وخيرته من خليقته سيدنا محمد سيد الأنام ونضرع به إليه في حسن الختام.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 35 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية عبد الله بن فاضل عامل البصرة مع أخويه

ومما يحكى أيضاً أيها الملك السعيد أن الخليفة هارون الرشيد تفقد خراج البلاد يوماً من الأيام فرأى خراج جميع الأقطار والبلاد جاء إلى بيت المال إلا خراج البصرة فأنه لم يأت في ذلك العام فنصب ديواناً لهذا السبب وقال علي بالوزير فحضر بين يديه فقال له أن خراج جميع الأقطار جاء إلى بيت المال إلا خراج البصرة فأنه لم يأت منه شيءٌ فقال يا أمير المؤمنين لعل نائب البصرة حصل له أمر ألهاه عن إرسال الخراج فقال له أن مدة حضور الخراج عشرون يوماً فما عذره في هذه المدة حتى لم يرسل الخراج أو يرسل بإقامة العذر فقال له يا أمير المؤمنين أن شئت أرسلنا إليه رسولاً فقال أرسل له أبا اسحق الموصلي النديم فقال: سمعاً وطاعةً لله ولك يا أمير المؤمنين.

ثم أن الوزير جعفر نزل إلى داره وأحضر أبا اسحق الموصلي النديم وكتب له خطاً شريعاً، وقال له امض إلى عبد الله بن فاضل نائب مدينة البصرة وانظر ما الذي ألهاه عن إرسال الخراج ثم تسلم منه خراج البصرة بالتمام والكمال وائتني به سريعاً فأن الخليفة تفقد خراج الأقطار فوجده قد وصل إلا خراج البصرة وأن رأيت الخراج غير حاضرٍ واعتذر إليك بعذرٍ فهاته معك ليخبر الخليفة بالعذر من لسانه فأجاب بالسمع والطاعة وأخذ خمسة آلاف فارسٍ من عسكر الخليفة وسافر حتى وصل إلى مدينة البصرة فعلم بقدومه عبد الله بن فاضل فخرج بعسكره إليه ولاقاه ودخل به البصرة وطلع به قصره وبقية العسكر نزلوا في الخيام خارج البصرة وقد عين لهم ابن الفاضل جميع ما يحتاجون إليه ولما دخل أبو اسحق الديوان وجلس على الكرسي أجلس عبد الله بن فاضل بجانبه وجلس الأكابر حوله على قدر مراتبهم. ثم بعد السلام قال له ابن فاضل يا سيدي هل لقدومك علينا من سببٍ قال نعم إنما جئت لطلب الخراج فأن الخليفة سأل عنه ومدة وروده قد مضت فقال يا سيدي يا ليتك ما تعبت ولا تحملت مشقة السفر فأن الخراج حاضرٌ بالتمام والكمال وقد كنت عازماً أن أرسله في غدٍ ولكن حيث أتيت فأنا أسلمه إليك بعد ضيافتك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أحضر الخراج بين يديك ولكن وجب علينا الآن أننا نقدم إليك هديةً من بعض خيرك وخير أمير المؤمنين فقال لا بأس بذلك، ثم أنه فض الديوان ودخل به قصراً في داره ليس له نظيرٌ ثم قدم له ولأصحابه سفرة الطعام فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ثم رفعت المائدة وغسلت الأيادي وجاءت القهوة والشربات وقعدوا في المنادمة إلى ثلث الليل، ثم فرشوا له سريراً من العاج مرصعاً بالذهب الوهاج فنام عليه ونام نائب البصرة على سريرٍ آخر بجانبه فغلب السهر على ابن اسحق رسول أمير المؤمنين وصار يفكر في بحور الشعر والنظام لأنه من خواص ندماء الخليفة وكان له باعٌ عظيمٌ في الأشعار ولطائف الأخبار ولم يزل سهراناً في إنشاد الشعر إلى نصف الليل فبينما هو كذلك وإذا بعبد الله بن فاضل قام وشد حزامه وفتح دولاباً وأخذ منه سوطاً وأخذ شمعةً مضيئةً وخرج من باب القصر وهو يظن أن أبا اسحق نائم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل لما خرج من باب القصر وهو يظن أن أبا اسحق النديم نائماً فلما خرج تعجب أبو اسحق وقال في نفسه إلى أين يذهب عبد الله ابن فاضل بهذا السوط فلعل مراده أن يعذب أحداً ولكن لا بد لي من أن أتبعه وانظر ما يصنع في هذه الليلة ثم أن أبا اسحق قام وخرج وراءه قليلاً قليلاً بحيث أنه لم يره فرأى عبد الله فتح خزانةً وأخرج منها مائدةً فيها أربعة أصحن من الطعام وخبزاً وقلةً فيها ماءٍ ثم أنه حمل المائدة والقلة ومشى فتبعه أبو اسحق مستخفياً إلى أن دخل قاعة فوقف أبو اسحق خلف باب القاعة من داخل وصار ينظر من خلال ذلك الباب فرأى هذه القاعة واسعةً ومفروشةً فرشاً فاخراً وفي وسط القاعة سريرٌ من العاج مصفحٌ بالذهب الوهاج وذلك السرير مربوطٌ فيه كلبان في سلسلتين من الذهب ثم أنه رأى عبد الله حط المائدة على جانبٍ في مكانٍ وشمر عن أياديه وفك الكلب الأول فصار يتلوى في يده ويضع وجهه في الأرض كأنه يقبل بين يديه ويعوي عواءً خفيفاً بصوتٍ ضعيفٍ ثم أنه كتفه ورماه في الأرض وسحب السوط ونزل به عليه وضربه ضرباً وجيعاً من غير شفقةٍ وهو يتلوى بين يديه ولا يجد له خلاصاً ولم يزل يضربه بذلك السوط حتى قطع الأنين وغاب عن الوجود ثم أنه أخذه وربطه في مكانه وبعد ذلك أخذ الكلب الثاني وفعل به كما فعل بالأول ثم أنه أخرج محرمةً وصار يمسح لهما دموعهما ويأخذ بخاطرهما ويقول لا تؤاخذني والله ما هذا بخاطري ولا يسهل علي ولعل الله يجعل لكما من هذا الضيق فرجاً ومخرجاً ويدعوا لهما وحصل كل هذا وأبو اسحق النديم واقفٌ يسمع بأذنه ويرى بعينه وقد تعجب من هذه الحالة ثم أنه قدم لهما سفرة الطعام وصار يلقمهما بيده حتى شبعا ومسح لهما أفواههما وحمل القلة وسقاهما وبعد ذلك حمل المائدة والقلة والشمعة وأراد أن يخرج فسبقه أبو اسحق وجاء إلى سريره ونام ولم يعرف أنه تبعه وأطلع عليه ثم أن عبد الله وضع السفرة والقلة في الخزانة ودخل القاعة وفتح الدولاب ووضع السوط في محله وقلع حوائجه ونام هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر أبي اسحق فأنه بات بقية تلك الليلة يفكر في شأن هذا الأمر ولم يأته نومٌ من كثرة العجب وصار يقول في نفسه يا ترى ما سبب هذه القضية ولم يزل يتعجب إلى الصباح ثم قاموا وصلوا الصبح ووضع لهم الفطور فأكلوا وشربوا القهوة وطلعوا إلى الديوان واشتغل أبو اسحق بهذه النكتة طول النهار ولكنه كتمها ولم يسأل عبد الله عنها وثاني ليلة فعل بالكلبتين كذلك فضربهما ثم صالحهما وأطعمهما وسقاهما وتبعه أبو اسحق فرآه فعل بهما كأول ليلةٍ وكذلك ثالث ليلةٍ. ثم أنه أحضر الخراج إلى أبي اسحق النديم في رابع يومٍ فأخذه وسافر، ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى مدينة بغداد وسلم الخراج إلى الخليفة ثم أن الخليفة سأله عن سبب تأخير الخراج فقال له يا أمير المؤمنين رأيت عامل البصرة قد جهز الخراج وأراد إرساله ولو تأخرت يوماً لقابلني في الطريق ولكن رأيت من عبد الله بن فاضل عجباً عمري ما رأيت مثله يا أمير المؤمنين فقال الخليفة وما هو يا أبا اسحق قال رأيت ما هو كذا وكذا وأخبره بما فعله مع الكلبين وقال رأيته ثلاث ليالٍ متوالياتٍ وهو يعمل هذا العمل فيضرب الكلبين وبعد ذلك يصالحهما ويأخذ بخاطرهما ويعطعمهما ويسقيهما وأنا أتفرج عليه بحيث لا يراني فقال له الخليفة فهل سألته عن السبب فقال له وحياة رأسك يا أمير المؤمنين فقال الخليفة يا أبا اسحق أمرتك أن ترجع إلى البصرة وتأتيني بعبد الله بن فاضل وبالكلبين.

فقال يا أمير المؤمنين دعني من هذا فأن عبد الله بن فاضل أكرمني إكراماً زائداً وقد أطلعت على هذه الحالة اتفاقاً من غير قصد فأخبرتك بها فكيف أرجع إليه وأجيء به فأن رجعت إليه لا ألقى لي وجه حياءٍ منه فاللائق إرسال غيري إليه بخط يدك فيأتيك به وبالكلبين فقال له أن أرسلت له غيرك ربما ينكر هذا الأمر ويقول ما عندي كلابٌ وأما إذا أرسلتك أنت وقلت له أني رأيتك بعيني فأنه لا يقدر على إنكار ذلك، فلا بد من ذهابك إليه وأتيانك به وبالكلبين وإلا فلا بد من قتلك.

فقال له أبو اسحق سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين وحسبنا الله ونعم الوكيل وصدق من قال آفة الإنسان من اللسان فأنا الجاني على نفسي حيث أخبرتك ولكن اكتب خطاً شريفاً وأنا ذاهب إليه وآتيك به فكتب له خطاً شريفاً وتوجه به إلى البصرة فلما دخل على عامل البصرة قال له كفانا الله سبب رجوعك يا أبا اسحق فما لي أراك رجعت سريعاً لعل الخراج ناقصٌ فلم يقبله الخليفة فقال يا أمير عبد الله ليس رجوعي من أجل نقص الخراج فأنه كاملٌ وقبله الخليفة ولكن أرجو منك عدم المؤاخذة فأني أخطأت في حقك وهذا الذي وقع مني مقدرٌ من الله تعالى، فقال له وما وقع منك يا أبا اسحق أخبرني فأنك حبيبي وأنا لا أؤاخذك فقال له اعلم أني لما كنت عندك أتبعتك ثلاث ليالٍ متوالياتٍ وأنت تقوم كل ليلةٍ في منتصف الليل وتعذب الكلاب وترجع فتعجبت من ذلك واستحيت أن أسألك عنه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبو اسحق قال لعبد الله لما رأيت عذابك للكلبين استحيت أن أسألك عنه وقد أخبرت الخليفة خبرك اتفاقاً من غير قصدٍ فألزمني بالرجوع إليك وهذا خط يده ولو كنت أعلم أن الأمر يحوج إلى ذلك ما كنت أخبرته ولكن جرى القدر بذلك وصار يعتذر إليه فقال له حيث أخبرته فأنا أصدق خبرك عنده لئلا يظن بك الكذب فأنك حبيبي ولو أخبره غيرك كنت أنكرت ذلك وكذبته فها أنا أروح معك، وآخذ الكلبين معي ولو كان في ذلك تلف نفسي وانقضاء أجلي فقال له الله يسترك كما سترت وجهي عند الخليفة، ثم أنه أخذ هديةً تليق بالخليفة وأخذ الكلبين في جنازير من الذهب وحمل كل كلبٍ على جملٍ وسافروا إلى أن وصلوا إلى بغداد ودخلوا على الخليفة فقبل الأرض بين يديه فأذن له بالجلوس وأحضر الكلبين بين يديه فقال الخليفة ما هذان الكلبان يا أمير عبد الله فصار الكلبان يقبلان الأرض بين يديه ويحركان أذنابهما ويبكيان كأنهما يشكوان له.

فتعجب الخليفة من ذلك وقال له أخبرني بخبر هذين الكلبين وما سبب ضربك لهما وإكرامهما بعد الضرب. فقال له: يا خليفة ما هذان كلبان وإنما هما رجلان شابان ذو حسنٍ وجمالٍ وقدٍ واعتدالٍ وهما أخواي وولدا أمي وأبي فقال الخليفة وكيف كانا آدميين وصارا كلبين، قال أن أذنت لي يا أمير المؤمنين أخبرك بحقيقة الخبر، فقال أخبرني وإياك الكذب فأنه صفة أهل النفاق وعليك بالصدق فأنه سفينة النجاة وشيعة الصالحين فقال له أعلم يا خليفة الله أني إذا أخبرتك بخبرهما يكونان هما الشاهدان علي فأن كذبت يكذباني وأن صدقت يصدقاني. فقال له هذان من الكلاب لا يقدران على نطقٍ ولا جوابٍ فيكف يشهدان لك أو عليك، فقال لهما يا أخواي إذا أنا تكلمت كلاماً كذباً فارفعا رؤوسكما وحملقا أعينكما وإذا تكلمت صدقاً فنكسا رؤوسكما وغمضا أعينكما، ثم أنه قال أعلم يا خليفة الله أنا نحن ثلاثة أخوة أمنا واحدةٌ وأبونا واحد وكان اسم أبينا فاضل وما سمي بهذا الاسم إلا لكون أمه وضعت ولدين توأمين في بطنٍ واحدٍ فمات أحدهما لوقته وساعته وفضل الثاني فسماه أبوه فاضلا ثم رباه وأحسن تربيته إلى أن كبر فزوجه أمنا ومات فوضعت أخي هذا أولاً فسماه منصوراً وحملت ثاني مرةٍ ووضعت أخي هذا فسماه ناصراً وحملت ثالث مرةٍ ووضعتني فسماني عبد الله وربانا حتى كبرنا وبلغنا مبلغ الرجال فمات وخلف لنا بيتاً ودكاناً ملآنهً قماشاً ملوناً من سائر أنواع القماش الهندي والرومي والخراساني وغير ذلك وخلف لنا ستين ألف دينارٍ.

فلما مات أبونا غسلناه وعملنا له مشهداً عظيماً ودفناه وذهب لرحمة مولاه وعملنا له عتاقةً وعتمات وتصدقنا عليه إلى تمام الأربعين يوماً، ثم أني بعد ذلك جمعت التجار وأشراف الناس وعملت لهم يوماً عظيماً، وبعد أن أكلوا قلت لهم: يا تجار أن الدنيا فانيةٌ والآخرة باقيةٌ وسبحان الدائم بعد فناء خلقه، هل تعلمون لأي شيءٍ جمعتكم في هذا اليوم المبارك عندي؟ قالوا سبحان علام الغيوب، فقلت لهم أن أبي مات عن جملةٍ من المال وأنا خائفٌ أن يكون عليه تبعةٌ لأحد من دينٍ أو رهنٍ أو غير ذلك ومرادي تخليص ذمة أبي من حقوق الناس فمن كان له عليه شيءٌ فليقل أن لي عليه كذا وكذا وأنا أورده لأجل براءة ذمة أبي.

فقال لي التجار: يا عبد الله أن الدنيا لا تغني عن الآخرة ولسنا أصحاب باطل وكل منا يعرف الحلال والحرام ونخاف من الله تعالى ونتجنب أكل مال اليتيم ونعلم أن أباك رحمة الله عليه كان دائماً يبقى ماله عند الناس ولا يخلي في ذمته شيئاً إلى أحد ونحن كنا دائماً نسمعه وهو يقول أنا أخاف من متاع الناس ودائماً كان يقول في دعائه: ألهي أنت ثقتي ورجائي فلا تمتني وأنا مديونٌ، وكان من جملة طباعه أنه إذا كان لأحدٍ عليه شيءٌ فأنه يدفعه إليه من غير مطاليةٍ وإذا كان له على أحد شيء فأنه لا يطالبه ويقول له على مهلك، وأن كان فقيراً يسامحه ويبري ذمته وأن لم يكن فقيراً ومات يقول سامحه الله مما لي عنده، ونحن كلنا نشهد أنه ليس لأحدٍ عنده شيءٌ، فقلت: بارك الله فيكم.

ثم أني التفت إلى أخوتي وقلت لهما: يا أخوتي أن أبانا ليس عليه لأحدٍ شيءٍ وقد أبقى لنا هذا المال والقماش والبيت والدكان ونحن ثلاثة أشقاءٍ كل واحد منا يستحق ثلث هذا الشيء فهل نتفق على عدم القسمة ويستمر مالنا مشتركا بيننا ونأكل ونشرب سواءً أو نقتسم القماش والأموال ويأخذ كل واحد منا حصته فأبيا إلا القسمة، ثم التفت إلى الكلبين وقال لهما: هل جرى ذلك يا أخوتي؟ فنكسا رؤوسهما وغمضا عيونهما كأنهما قالا نعم، ثم أنه قال: فأحضرت قساماً من طرف القاضي يا أمير المؤمنين فقسم بيننا المال والقماش وجميع ما تركه لنا أبونا وجعلوا البيت والدكان من قسمي في نظير بعض ما استحقه من الأموال ورضينا بذلك وصار البيت والدكان في قسمي وهما نالا قسمهما مالاً وقماشاً، ثم أني فتحت دكاناً ووضعت فيه القماش واشتريت بجانب من المال الذي نلته زيادةً على البيت والدكان قماشاً حتى ملأت الدكان وقعدت أبيع واشتري.

وأما شقيقي فأنهما اشتريا قماشاً واكتريا مركباً وسافرا في البحر إلى بلاد الناس فقلت الله يساعدهم وأنا رزقي يأتيني وليس للراحة قيمةٌ ودمت على ذلك مدة سنةٍ كاملةٍ ففتح الله علي وصرت اكسب مكاسب كثيرةً حتى صار عندي مثل الذي تركه لنا أبونا.

فاتفق لي يوماً من الأيام أنني كنت جالساً في الدكان وعلي فروتان أحدهما سمورأت والثانية سنجاب لأن ذلك الوقت كان في فصل الشتاء في أوان اشتداد البرد، فبينما أنا كذلك وإذا بشقيقي قد أقبلا وعلى بدن كل منهما قميص من غير زيادة وشفاههما ينتفضان من البرد، فلما رأيتهما عسر علي ذلك وحزنت عليهما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل لما قال للخليفة فلما رأيتهما ينتفضان عسر علي ذلك وطار عقلي من رأسي فقمت إليهما واعتنقتهما وبكيت على حالهما وألقيت على واحد منهما الفروة والسمور وعلى الثاني الفروة والسنجاب وجئت بهما إلى الحمام وأرسلت إلى كل واحد منهما في الحمام بدلة تاجر ألفي وبعد ما اغتسلا لبس كل واحد بدلته ثم أخذتهما إلى البيت فرأيتهما في غاية الجوع فوضعت لهما سفرة الأطعمة فأكلا وأكلت معهما ولاطفتهما وطيبت بخاطرهما.

ثم التفت إلى الكلبين وقال لهما: هل جرى ذلك يا أخوتي، فنكسا رأسيهما وعضا عيونهما ثم أنه قال يا خليفة الله، ثم أني سألتهما وقلت لهما ما الذي جرى لكما فقال: سافرنا في البحر ووصلنا مدينةً تسمى الكوفة وصرنا نبيع قطعة القماش التي ثمنها علينا نصف دينارٍ بعشرة دنانيرٍ والتي بدينارٍ بعشرين ديناراً واكتسبنا مكاسب عظيمةً واشترينا من قماش العجم شقة الحرير بعشرة دنانيرٍ وهي تساوي في البصرة أربعين ديناراً، وذهبنا لمدينة تسمى الكرخ فبعنا واشترينا وكسبنا مكاسب كثيرة وصار عندنا أموالاً كثيرةً، وجعلا يذكران لي أحوال البلاد والمكاسب، فقلت لهما حيث رأيتهما هذا الفرج والخير فمالي أراكما رجعتما عريانين، فتنهدا وقالا: ما حل بنا إلا عينٌ صائبةٌ والسفر ما له أمان، فلما جمعنا تلك الأموال والخيرات وسقنا متاعنا في مركب وسافرنا في البحر بقصد التوجه إلى مدينة البصرة وقد سافرنا ثلاثة أيامٍ، وفي اليوم الرابع رأينا البحر قام وقعد وأرغى وأزيد وتحرك وهاج وتلاطم بالأمواج وصار الموج يقدح الشرر كلهيب النار وهاجت علينا الأرياح والتطم بنا المركب في سن جبل فانكسر وغرقنا وراح جميع ما كان معنا في البحر وصرنا نخبط على وجه الماء يوماً وليلةٍ فأرسل الله لنا مركباً آخر فأنقذ الركاب وأنقذنا وسافرنا من بلاد إلى بلاد ونحن نسأل ونتقوت مما نحصله بالسؤال وقاسينا الكرب العظيم وصرنا نبيع من حوائجنا ونتقوت لغاية قربنا من البصرة حتى شربنا ألف حسرةٍ ولو كنا سلمنا بما كان معنا كنا أتينا بأموالٍ تضاهي أموال الملك ولكن هذا مقدرٌ من الله علينا.

فقلت لهما: يا أخوتي لا تحزنا فأن المال فداء الأبدان والسلامة غنيمةٌ وحيث كتبكم الله من السالمين فهذه غاية المنى وما الفقر والغنى إلا كطيف خيالٍ.

ثم قلت: يا أخوتي نحن نقدر أن أبانا قد مات في هذا اليوم وأورثنا هذا المال الذي عندي وقد طابت نفسي على أن نقسمه بيننا بالسوية، ثم أحضرت قساماً من طرف القاضي وأحضرت له جميع مالي فقسمه بيننا وأخذ كلٌ منا ثلث المال، فقلت لهما يا أخوتي بارك الله للإنسان في رزقه إذا كان في بلده فكل واحد منكما يفتح له دكاناً ويقعد فيه لتعاطي الأسباب والذي له شيءٌ في الغيب لا بد أن يحصله.

ثم سعيت لكل واحدٍ منهما في فتح دكانٍ وملأته له بالبضائع وقلت لهما بيعا واشتريا واحفظا أموالكما ولا تصرفا منها شيئاً وجميع ما يلزم لكما من أكلٍ وشربٍ وغيرهما يكون من عندي، ثم قمت بإكرامهما وصارا يبيعان ويشتريان في النهار وعند المساء يبيتان في بيتي ولم أدعهما يصرفان شيئاً من أموالهما، وكلما جلست معهما للحديث يمدحان الغربة ويذكران محاسنها ويصفان ما حصل لهما فيها من المكاسب ويغرياني على أن أوافقهما على التغريب في بلاد الناس، ثم قال للكلبين هل جرى ذلك يا أخوتي فنكسا رؤوسهما وأغمضا أعينهما تصديقاً له. ثم قال: يا خليفة الله فما زالا يرغباني ويذكران لي كثرة الربح والمكاسب في الغربة ويأمراني بالسفر معهما حتى قلت لهما لا بد أن أسافر معكما من أجل خاطركما، ثم أني عقدت الشراكة بيني وبينهما وحملنا قماشاً من سائر الأصناف النفيسة واكترينا مركباً وشحناه بالبضائع من أنواع المتاجر وأنزلنا في ذلك المركب جميع ما نحتاج إليه ثم سافرنا من مدينة البصرة في البحر العجاج المتلاطم بالأمواج الذي الداخل فيه مفقودٌ والخارج منه مولودٌ، وما زلنا مسافرين حتى طلعنا إلى مدينةٍ من المدائن فبعنا واشترينا وظهر لنا كثرة المكسب، ثم رحنا منها إلى غيرها، ولم نزل نرحل من بلدٍ إلى بلدٍ ومن مدينةٍ إلى مدينةٍ ونحن نبيع ونشتري ونربح حتى صار عندنا مالٌ جسيمٌ وربحٌ عظيمٌ. ثم أننا وصلنا إلى جبل فألقى الريس المرساة وقال لنا: يا ركاب اطلعوا إلى البر تنجوا من هذا اليوم وفتشوا فيه لعلكم تجدون ماءً، فخرج كل من في المراكب وذهبت، أنا بجملتهم وصرنا نفتش على الماء وتوجه كلٌ منا في جهةٍ وصعدت أنا إلى أعلى الجبل، فبينما أنا سائرٌ إذا رأيت حيةً بيضاء تسعى هاربةً ووراءها ثعبانٌ أسود يسعى وراءها وهو مشوه الخلقة هائل المنظر، ثم أن الثعبان لحقها وضايقها ومسكها من رأسها ولف ذيله على ذيلها فصاحت فعرفت أنه مفترٍ عليها فأخذتني الشفقة عليها وتناولت حجراً من الصوان قدر خمسة أرطالٍ وضربت به الثعبان فجاء على رأسه فدقه، فلم أشعر إلا والحية انقلبت وصارت بنتاً شابةً ذات حسنٍ وجمالٍ وكمالٍ وقدٍ واعتدالٍ كأنها البدر المنير.

فأقبلت علي وقبلت يدي ثم قالت لي استرني الله يسترك ستراً من العار في الدنيا وسترٌ من النار في الآخرة يوم الموقف العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ، ثم قالت: يا إنسي أنت سترت عرضي وصار لك الجميل ووجب الجزاء لك.

ثم أشارت بيدها إلى الأرض فانشقت ونزلت فيها ثم انطبقت عليها الأرض فعرفت أنها من الجن. وأما الثعبان فأن النار أتت عليه وأحرقته وصار رماداً فتعجبت من ذلك، ثم أني رجعت إلى أخواتي وأخبرتهم بما رأيت وبتنا تلك الليلة، وعند الصباح قلع الريس الخطاف ونشر القلوع وطوى الأطراف ثم سافر حتى غاب البر عنا.

ولم نزل مسافرين مدة عشرين يوماً ولم نر براً ولا طيراً وفرغ ماؤنا فقال الريس: يا ناس أن الماء الحلوة قد فرغت منا فقلنا نطلع البر لعلنا نجد ماء، فقال: أني تهت عن الطريق ولا أعرف طريقاً يؤدينا إلى جهة البر، فحصل لنا غمٌ شديدٌ وبكينا ودعونا الله تعالى أن يهدينا إلى الطريق، ثم بتنا تلك الليلة في أسوا حال.

فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح رأينا جبلاً عالياً، فلما رأينا ذلك الجبل فرحنا واستبشرنا به، ثم أننا وصلنا إلى ذلك الجبل فقال الريس: يا ناس أطلعوا البر حتى نفتش على ماءٍ فطلعنا كلنا نفتش على ماءٍ فلم نر فيه ماءً فحصل لنا مشقةٌ بسبب قلة وجود الماء، ثم أني صعدت إلى أعلى الجبل فرأيت وراءه دائرةً واسعةً مسافة سير ساعةٍ وأكثر فناديت أصحابي فأقبلوا علي فلما أتوا قلت لهم: انظروا إلى هذه الدائرة التي وراء هذا الجبل فأني أرى فيها مدينةً عالية البنيان مشيدة الأركان ذات أسوارٍ وبروجٍ وروابي ومروجٍ وهي من غير شكٍ لا تخلو من الماء والخيرات فسيروا بنا نمضي إلى هذه المدينة ونجيء منها بالماء والخيرات، ونشتري ما يلزم من الزاد واللحم والفاكهة ونرجع.

فقالوا: نخاف أن يكون أهل المدينة كفارٌ مشركين أعداء الدين فيقبضوا علينا ونكون أسرى بين أيديهم أو يقتلونا ونكون قد تسببنا في قتل أنفسنا في التهلكة والمغرور غير مشكورٍ لأنه على خطرٍ من الأهواء، فنحن لا نضحي بأنفسنا.

فقلت لهم: يا ناس لا حكم لي عليكم ولكن آخذ أخوي وأتوجه إلى هذه المدينة، فقالا لي أخواي: نحن نخاف من هذا الأمر ولا نروح معك فقلت: أما أنا فقد عزمت على الذهاب إلى هذه المدينة وتوكلت على الله ورضيت بما قدره الله، فانتظراني حتى أذهب إليها وأرجع إليكما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله قال فانتظراني حتى اذهب إليها وأرجع إليكما، ثم تركتهما ومشيت حتى وصلت إلى باب المدينة فرأيتها مدينةً عجيبة البناء غريبة الهندسة أسوارها عاليةٌ وأبراجها محصنةٌ وقصورها شاهقةٌ وأبوابها من الحديد الصيني وهي مزخرفةٌ منقوشةٌ تدهش العقول، فلما دخلت الباب رأيت دكةً من الحجر ورأيت رجلاً قاعداً بها وفي ذراعه سلسلةٌ من النحاس الأصفر وفي تلك السلسلة أربعة عشر مفتاحا، فعرفت أن ذلك الرجل هو بواب المدينة والمدينة لها أربعة عشر باباً. ثم أني دنوت منه وقلت له: السلام عليكم، فلم يرد علي السلام، فسلمت عليه ثانياً وثالثاً فلم يرد علي الجواب فوضعت يدي على كتفه وقلت له: يا هذا لأي شيء لا ترد علي السلام؟ هل أنت نائمٌ أو أصمٌ أو غير مسلمٍ حتى تمنع رد السلام؟ فلم يجبني ولم يتحرك، فتأملت فيه فرأيته حجراً. فقلت أن هذا شيء عجيب، هذا الحجر مصور بصورة ابن آدم ولم ينقص عنه غير النطق. ثم تركته ودخلت المدينة فرأيت رجلاً واقفاً في الطريق فدنوت منه وتأملته فرأيته حجرٌ، قابلت امرأةً عجوزاً على رأسها عقدة ثياب مهيأة للغسيل فدنوت منها وتأملتها فرأيتها من الحجر والعقدة الثياب التي على رأسها من الحجر: ثم أني دخلت السوق فرأيت زياتاً ميزانه منصوبٌ وقدامه أصناف البضائع من الجبن وغيره كل ذلك من الحجر، ثم أني رأيت سائر المتسببين جالسين في الدكاكين وبعض الناس واقفٌ وبعضهم جالسٌ، ورأيت نساءً وصبياناً وكل ذلك من الحجر.

ثم وصلت سوق التجار فرأيت كل تاجر جالساً في دكانه والدكان مملوءةً بأنواع البضائع وكل ذلك من الحجر ولكن الأقمشة كنسيج العنكبوت، فصرت أتفرج عليها وصرت كلما مسكت ثوباً من القماش يصير بين يدي هباءً منثوراً، ورأيت صناديق ففتحت واحدٌ منهم فوجدت فيه ذهباً في أكياس، فأمسكت الأكياس فذابت في يدي والذهب لا يزال على حاله فحملت منه ما لا أطيقه وصرت أقول في نفسي: لو حضر أخواي معي لأخذا من الذهب كفايتهما وتمتعا بهذه الجواهر التي لا أصحاب لها. وبعد ذلك أتيت دكاناً ثانياً فرأيت فيه أكثر من ذلك ولكن ما بقيت أقدر أن أحمل أكثر مما حملت.

ثم أني ذهبت إلى سوقٍ ثالث ثم منه إلى سوقٍ رابعٍ وهكذا ولا زلت أشاهد مخلوقاتٍ مختلفةٍ وكلها من الحجارة حتى أن الكلاب والقطط كانت من الحجارة، ثم وصلت إلى سوق الصاغة فرأيت فيه رجالاً جالسين في الدكاكين والبضائع عندهم بعضها في أيديهم وبعضها في أقفاص، فلما رأيت ذلك يا أمير المؤمنين رميت ما كان معي من الذهب وحملت من المصاغ ما أطيق حمله، وانتقلت من سوق الصاغة إلى سوق الجواهر فرأيت الجوهرية جالسين في دكاكينهم وقدام كل واحد منهم قفصٌ ملآنٌ بأنواع المعادن كالياقوت والألماس والبلخش وغير ذلك من سائر الأصناف وأصحاب الدكاكين أحجارٌ فرميت ما كان معي من المصاغ وحملت من الجواهر ما لا أطيق حمله وبقيت أتندم حيث لم يكن أخواي معي حتى يحملا من تلك الجواهر ما أرادا. ثم أني خرجت من سوق الجواهر فمررت على بابٍ كبيرٍ مزخرف مزين بأحسن زينة ومن داخل الباب دكك وجالس على تلك الدكك خدمٌ وجندٌ وأعوانٌ وعساكرٌ وحكامٌ وهم لابسون أفخر الملابس وكلهم أحجار فلمست واحد منهم فتناثرت ملابسه على بدنه مثل نسيج العنكبوت، ثم أني مشيت في ذلك الباب فرأيت سراية ليس لها نظير في بنائها وأحكام صنعتها ورأيت في تلك السراية ديواناً مشحوناً من الذهب وبالأكابر والوزراء والأعيان والأمراء وهم جالسون على كراسي وكلهم أحجار، ثم أني رأيت كرسياً حمراء مرصعةً بالدر والجواهر وقد جلس فوقها آدمي عليه أفخر الملابس وعلى رأسه تاج كسروي مكلل بنفس الجواهر التي لها شعاعٌ مثل شعاع النهار، فلما وصلت إليه رأيته من الحجر. ثم أني توجهت من ذلك الديوان إلى باب الحريم ودخلت فيه فرأيت فيه ديواناً من النساء ورأيت في ذلك الديوان كرسياً من الذهب الأحمر مرصعة بالدر والجواهر وقد جلست فوقها امرأةٌ وعلى رأسها تاجٌ مكللٌ بنفيس الجواهر وحولها نساء مثل الأقمار جالساتٍ على كراسي ولابسات أفخر الملابس الملونة بسائر الألوان وواقف هناك طواشيةٌ أيديهم على صدورهم كأنهم واقفون من أجل الخدمة وذلك الديوان يدهش عقول الناظرين مما فيه من الزخرفة وغريب النقش وعظيم الفرش ومعلقٌ فيه أبهج التعاليق من البلور الصافي، وفي كل قدرة من البلور جوهرة يتيمة لا يفي بثمنها مال، فرميت ما معي يا أمير المؤمنين وصرت آخذ من هذه الجواهر وحملت منها على قدر ما أطيق وبقيت متحيراً فيما أحمله وفيما أتركه لأني رأيت ذلك المكان كأنه كنز من كنوز المدن، ثم أني رأيت باباً صغيراً مفتوحاً وفي داخله سلالم فدخلت حتى وصلت إلى باب القصر فرأيت ستارة من الحرير مصفحة بشرائط من الذهب ومصفوف فيها اللؤلؤ والمرجان والياقوت وقطع الزمرد والجواهر فيه تضيء كضوء النجوم والصوت خارج من تلك الستارة فدنوت من الستارة ورفعتها فظهر لي باب قصرٍ مزخرفٍ يحير الأفكار فدخلت من ذلك الباب فرأيت قصراً كأنه كنزٌ على وجه الدنيا ومن داخله بنتٌ كأنها الشمس الضاحية في وسط السماء الصافية وهي لابسة أفخر الملابس ومتحلية بأنفس ما يكون من الجواهر من أنها بديعة الحسن والجمال بقدٍ واعتدالٍ وكمالٍ وخصرٍ نحيلٍ وردفٍ ثقيلٍ وريقٍ يشفي العليل وأجفان ذات اعتدال كأنها المرادة.

ثم أنه قال يا أمير المؤمنين لما رأيت تلك البنت شغفت بها حباً وتقدمت إليها فرأيتها جالسةً على مرتبةٍ عاليةٍ وهي تتلو كتاب الله عز وجل حفظاً عن ظهر قلبٍ وصوتها كأنه صرير أبواب الجنان إذا فتحها رضوان والكلام خارجٌ من بين شفتيها يتناثر كالجواهر ووجهها ببديع المحاسن زاه وزاهر.

فلما سمعت نغماتها في تلاوة القرآن العظيم وقد قرأ قلبي من فاتك لحاظها سلام قولا من رب رحيم، تلجلجت في الكلام ولم أحسن السلام واندهش مني العقل والنظر.

ثم تجلدت على هول الغرام وقلت لها: السلام عليك أيتها السيدة المصونة والجوهرة المكنونة آدام الله قوائم سعدك ورفع دعائم مجدك، فقالت وعليك السلام والتحية والإكرام يا عبد الله يا ابن فاضل أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا حبيبي وقرة عيني. فقلت لها: يا سيدتي من أين علمت اسمي ومن تكوني أنت وما شأن أهل هذه المدينة حتى صاروا أحجار فمرادي أن تخبريني بحقيقة الأمر فأني تعجبت من هذه المدينة ومن أهلها ومن كونها لم يوجد فيها أحد إلا أنت فبالله عليك أن تخبريني بحقيقة ذلك على وجه الصدق فقالت لي: اجلس يا عبد الله وأنا أن شاء الله تعالى أحدثك وأخبرك بحقيقة أمري وبحقيقة أمر هذه المدينة وأهلها على التفصيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فجلست إلى جانبها فقالت لي: أعلم يا عبد الله يرحمك الله أنني بنت ملك هذه المدينة ووالدي هو الذي رأيته جالساً في الديوان على الكرسي العالي والذي حوله أكابر دولته وأعيان مملكته. وكان أبي ذا بطش شديد ويحكم على ألف ألف ومائة ألف وعشرين ألف جندي وعدة أمراء دولته أربعة وعشرون ألفا كلهم حكام وأصحاب مناصب وتحت طاعته من المدن ألف مدينةٍ غير المدن والضياع والحصون والقلاع والقرى وامراء العربان الذين تحت يده ألف أمير، كل أمير يحكم على عشرين ألف فارسٍ وعنده من الأموال والذخائر والمعادن والجواهر لا عين رأت ولا أذن سمعت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة السبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت ملك مدينة الأحجار قالت: يا عبد الله أن أبي كان عنده من الأموال والذخائر ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، وكان يقهر الملوك ويبيده الأبطال والشجعان في الحرب وحومة الميدان وتخشاه الجبابرة وتخضع له الأكاسرة ومع ذلك كان كافراً مشركاً بالله يعبد الصنم دون مولاه وجميع عساكره كفارٌ يعبدون الأصنام دون الملك العلام. فاتفق أنه كان يوماً من الأيام جالساً على كرسي مملكته وحوله أكابر دولته فلم يشعر إلا وقد دخل عليه شخص فأضاء الديوان من نور وجهه فنظر إليه أبي فرآه لابساً حلة خضراء وهو طويل القامة وأياديه نازلةٌ إلى تحت ركبتيه وعليه هيبةٌ ووقارٌ والنور يلوح من وجهه فقال لأبي يا باغي يا مفتري إلى متى وأنت مغرور بعبادة الأصنام وتترك عبادة الملك العلام، قل أشهد أن لا إله إلا الله أن محمداً عبده ورسوله وأسلم أنت وقوعك ودع عنك عبادة الأصنام فأنها لا تنفع ولا تشفع ولا يعبد بحق إلا الله رافع السموات بغير عماد وباسط الأرضين رحمة للعباد فقال من أنت أيها الرجل الجاحد لعبادة الأصنام حتى تتكلم بهذا الكلام؟ أما تخشى أن تغضب عليك الأصنام؟ فقال له أن الأصنام حجار لا يضرني غضبها ولا ينفعني رضاها فأحضر لي صنمك الذي أنت تعبده وأمر كل واحدٍ من قومك يحضر صنمه فإذا حضر جميع أصنامكم فادعوهم ليغضبوا علي وأنا أدعوا ربي أن يغضب عليكم وتنظرون غضب الخالق من غضب المخلوق فأن أصنامكم قد صنعتموها أنتم وتلبست بها الشياطين وهم الذين يكلمونكم من داخل بطون الأصنام فأصنامكم مصنوعةٌ وإلهي صانع ولا يعجزه شيءٌ فأن ظهر لكم الحق فأتبعوه وأن ظهر لكم الباطل فاتركوه فقالوا له ائتنا ببرهان ربك حتى نراه، فقال ائتوني ببراهين أربابكم فأمر الملك كل من كان يعبد ربا من الأصنام أن يأتي به فأحضر جميع العساكر أصنامهم في الديوان هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمري فأني كنت جالسةً في داخل ستارةٍ تشرف على ديوان أبي وكان أألي صنمٌ من زمردة خضراء جسمه قدر جسم ابن آدم فطلبه أبي فأرسلته إليه في الديوان فوضعوه في جانب صنم أبي وكان صنم أبي من الياقوت وصنم الوزير من جوهر الألماس.

وأما أكابر العساكر والرعية فبعض أصنامهم من البلخش وبعضها من العنبر وبعضها من المرجان وبعضها من العود القماري وبعضها من الآبنوس وبعضها من الفضة وبعضها من الذهب وكل واحدٍ منهم له صنمٌ على قدر ما تسمح به نفسه وأما رعاع العساكر والرعية فبضع أصنامهم من الصوان وبعضها من الخشب وبعضها من الفخار وبعضها من الطين وكل الأصنام مختلفة الألوان ما بين أصفر وأحمر وأخضر وأسود وأبيض. ثم قال ذلك الشخص لأبي ادع صنمك وهؤلاء الأصنام تغضب علي، فصفوا تلك الأصنام ديواناً وجعلوا صنم أبي على كرسي من الذهب وصنمي إلى جانبه في الصدر ثم رتبوا الأصنام كل منها في مرتبة صاحبه الذي يعبده وقام أبي وسجد لصنمه وقال له: يا إلهي أنت الرب الكريم وليس في الأصنام أكبر منك وأنت تعلم أن هذا الشخص أتاني طاعناً في ربوبتك مستهزئاً بك ويزعم أن له إلها أقوى منك ويأمرني بترك عبادتك ونعبد ألهه فاغضب عليه يا إلهي. وصار يطلب من الصنم والصنم لا يرد عليه جواباً ولا يخاطبه بخطاب. فقال يا إلهي ما هذه عادتك لأنك كنت تكلمني إذا كلمتك فما لي أراك ساكتاً لا تتكلم هل أنت غافلٌ أو نائمٌ فانتبه وانصرني وكلمني.

ثم هزه فلم يتكلم ولم يتحرك من مكانه فقال ذلك الشخص لأبي ما لي أرى صنمك لا يتكلم؟ قال له: أظن أنه غافلٌ أو نائمٌ، فقال له عدو يا الله كيف تعبد إلهاً لا ينطق وليس له قدرةٌ على شيءٍ ولا تعبد إلهي الذي هو قريبٌ مجيبٌ وحاضرٌ لا يغيب ولا يغفل ولا ينام ولا تدركه الأوهام يرى ولا يرى وهو على كل شيءٍ قديرٍ وإلهك عاجزٌ لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه وقد كان ملتبساً به شيطان رجيمٌ يضلك ويغويك وقد ذهب الآن شيطانه فأعبد الله وأشهد أنه لا أله إلا هو ولا معبود سواه وأنه لا يستحق العبادة غيره ولا خير إلا خيره وأما إلهك هذا فأنه لا يقدر على دفع الشر عن نفسه فكيف يقدر على دفعه عنك فانظر بعينك عجزه. ثم تقدم وصار يصكه على رقبته حتى وقع على الأرض فغضب الملك وقال للحاضرين أن هذا الجاحد قد صك إلهي فاقتلوه فأرادوا القيام ليضربوه فلم يقدر واحد منهم أن يقوم من مكانه فعرض عليهم الإسلام فلم يسلموا فقال أريكم غضب ربي فقالوا أرنا فبسط يديه وقال إلهي وسيدي أنت ثقتي ورجائي فاستجب دعائي على هؤلاء القوم الفجار الذين يأكلون خيرك ويعبدون غيرك يا حق يا جبار يا خالق الليل والنهار أسألك أن تقلب هؤلاء القوم أحجاراً فأنك قادرٌ ولا يعجزك شيءٌ وأنت أعلى كل شيءٍ قديرٍ فمسخ الله أهل هذه المدينة أحجاراً وأما أنا فأني حين رأيت برهانه أسلمت وجهي لله فسلمت مما أصابهم ثم أن ذلك الشخص دنا مني وقال لي سبقت لك من الله السعادة ولله في ذلك إرادةٌ وصار يعلمني وأخذت عليه العهد والميثاق وكان عمري سبع سنين في ذلك الوقت وفي هذا الوقت صار عمري ثلاثين عاماً ثم أني قلت له يا سيدي جميع ما في هذه المدينة وجميع أهلها صاروا أحجاراً بدعوتك الصالحة وقد نجوت أنا حين أسلمت على يديك فأنت شيخي فأخبرني باسمك ومدني بمددك وتصرف لي في شيء أقتات منه فقال لي اسمي أبو العباس الخضر ثم غرس لي شجرةً من الرمان بيده فكبرت وأورقت وأزهرت وأثمرت مائة واحدة في الحال فقال كلي مما رزقك الله تعالى وأعبديه حق عبادته.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 36 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

ثم علمني شروط الإسلام وشروط الصلاة وطريق العبادة وعلمني تلاوة القرآن وصار لي ثلاثة وعشرون عاماً وأنا أعبد الله في هذا المكان وفي كل يومٍ تطرح لي هذه الشجرة رمانةٌ فأكلها وأقتات بها من وقتٍ إلى وقتٍ والخضر عليه السلام يأتني كل جمعةٍ وهذا الذي عرفني باسمك وبشرني بأنك سوف تأتيني في هذا المكان وقد قال لي إذا أتاك فأكرميه وأطيعي أمره ولا تخالفيه وكوني له أهلاً ويكون لك بعلاً واذهبي معه حيث شاء فلما رأيتك عرفتك وهذا هو خبر هذه المدينة وأهلها والسلام ثم أنها أرتني شجرة الرمان وفيها رمانة أكلت نصفها فما رأيت أحلى ولا أذكى ولا أطعم من تلك الرمانة ثم قلت لها لعلك رضيت بما أمرك به شيخك الخضر عليه السلام أن تكوني لي أهلاً وأكون لك بعلاً وتذهبي معي إلى بلادي وأمكث بك في مدينة البصرة فقالت نعم أن شاء الله تعالى فأني سميعةٌ لقولك مطيعةٌ لأمرك من غير خلافٍ ثم أني أخذت عليها العهد الوثيق وأدخلتني إلى خزانة أبيها وأخذنا منها على قدر ما استطعنا جملةً وخرجنا من تلك المدينة ومشينا حتى وصلنا إلى أخواي فرأيتهما يفتشان علي فقالا لي أين كنت فأنك أبطأت علينا وقلبنا مشغولٌ عليك وأما رئيس المركب فأنه قال لي يا تاجر عبد الله أن الربح طاب لنا من مدةٍ وأنت عوقتنا عن السفر فقلت له لا ضرر في ذلك ولعل التأخير خيرٌ لأن غيابي لم يكن فيه غير الإصلاح، وقد حصل لي فيه بلوغ الآمال. ثم قلت لهم انظروا ما حصل لي في هذه الغيبة وفرجتهم على ما معي من الذخائر وأخبرتهم بما رأيت في مدينة الحجر وقلت لهم لو كنتم أطعتموني ورحتم معي كان تحصل لكم من هذا شيءٌ كثيرٌ فقالوا له والله لو رحنا ما كنا نسترجي أن ندخل على ملك المدينة فقلت لأخواي لا بأس عليكما فالذي معي يكفينا جميعاً وهذا نصيبنا، ثم أني قسمت ما معي أقساماً على قد الجميع وأعطيت لأخواي والريس فأخذت مثل واحدٍ منهم وأعطيت ما تيسر للخدامين والنوتيه ففرحوا ودعوا لي ورضوا بما أعطيته لهم إلا أخواي فأنها تغيرت أحوالهما ولاحت عيونهما فلحظت أن الطمع تمكن منهما فقلت لهما يا أخواي أظن أن الذي أعطيته لكما لم يقنعكما ولكن أنا أخوكما وأنتما أخواي ولا فرق بيني وبينكما ومالي ومالكما شيءٌ واحدٌ وإذا مت لا يرثني غيركما وصرت آخذ بخاطرهما ثم أنزلت البنت في الغليون وأدخلتها في الخزنة وأرسلت لها شيئاً تأكله وقعدت أتحدث أنا وأخواي فقالا لي يا أخانا ما مرادك أن تفعل بهذه البنت البديعة الجمال، فقلت لهما مرادي أن أكتب كتابي عليها إذا دخلت البصرة وأعمل فرحاً عظيماً وأدخل بها هناك فقال أحدهما يا أخي أعلم أن هذه الصبية بديعة الحسن والجمال وقد وقعت محبتها في قلبي فمرادي أن تعطيها لي فأتزوج بها أنا وقال الثاني وأنا الآخر كذلك فأعطها لي لأتزوج بها فقلت لهما يا أخواي أنها قد أخذت علي عهداً وميثاقاً أني أتزوج بها فإذا أعطيتها واحدٌ منكما أكون ناقضاً للعهد الذي بيني وبينها وربما يحصل لها كسر خاطرٍ لأنها ما أتت معي إلا على شرطٍ أني أتزوج بها فكيف أزوجها لغيري وأما من جهة أنكما تحبانها فأنا أحبها أكثر منكما، وأنا وجدتها وكوني أعطيها لواحدٍ منكما هذا شيءٌ لا يكون أبداً ولكن إذا دخلنا مدينة البصرة بالسلامة، انظر لكما بنتين من خيار بنات البصرة وأخطبهما لكما وأدفع المهر من مالي وأجعل الفرح واحداً وندخل نحن الثلاثة في ليلةٍ واحدةٍ وأعرضا عن هذه البنت فأنها من نصيبي فسكتا وقد ظننت أنهما رضيا بما قلت لهما.

ثم أننا سافرنا متوجهين إلى أرض البصرة وصرت أرسل إليها ما تأكل وما تشرب وهي لا تخرج من خزنة المركب وأنا أنام بين أخواي على ظهر الغليون ولم نزل مسافرين على هذه الحالة مدة أربعين يوماً حتى بانت لنا مدينة البصرة ففرحنا بإقبالنا عليها وأنا راكنٌ إلى أخواي ومطمئنٌ بهما ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى فنمت تلك الليلة.

فبينما أنا مستغرقٌ في النوم لم أشعر إلا وأنا محمولٌ بين يدي أخواي هذين واحدٌ قابض على سيقاني والآخر من يدي لكونهما اتفقا على تغريقي في البحر من شأن تلك البنت فلما رأيت روحي محمولاً بين أيديهما قلت يا أخواي لأي شيء تفعلان معي هذه الفعال فقالا يا قليل الأدب كيف تبيع خاطرنا ببنت فنحن نرميك في البحر من أجل ذلك ثم رموني فيه ثم أنه التفت إلى الكلبين وقال أحقٌ ما قلته يا أخواي أم لا. فنكسا رؤوسهما وصارا يعويان كأنهما يصدقان قوله فتعجب الخليفة من ذلك ثم قال يا أمير المؤمنين فلما رموني في البحر وصلت إلى القرار ثم نفضني الماء على وجه البحر فما شعرت إلا وطائرٌ كبيرٌ قدر الآدمي نزل علي وخطفني وطار بي في الجو الأعلى ففتحت عيني فرأيت روحي في قصر مشيد الأركان عالي البنيان منقوش بالنقوشات الفاخرة وفيه تعاليق الجواهر من سائر الأشكال والألوان، وفيه جوارٍ واقفاتٍ واضعاتٍ الأيادي على الصدور وإذا بامرأةٍ جالسةٍ بينهن على كرسي من الذهب الأحمر مرصعٍ بالدر والجوهر وعليها ملابس لا يقدر الإنسان أن يفتح عينه فيها من شدة ضياء الجواهر، وعليها حزامٌ من الجواهر لا يفي بثمنه مال وعلى رأسها تاجٌ ثلاث دوراتٍ يحير العقول والأفكار ويخطف القلوب والأبصار ثم أن الطير الذي خطفني انتفض فصار صبيةً كأنها الشمس المضيئة فأمعنت النظر فيها فإذا هي التي كانت في الجبل بصفة حيةٍ وكان الثعبان يقاتلها ولف ذيله على ذيلها وأنا حين رأيت الثعبان قهرها وغلب عليها قتلته بالحجر. فقالت لها المرأة التي هي جالسةٌ على الكرسي لأي شيءٍ جئت هنا بهذا الإنسي فقالت لها يا أمي أن هذا هو الذي كان سبباً في ستر عرضي بين بنات الجان فقالت لي هل تعرف من أنا؟ قلت لا، قالت: أنا التي كنت في الجبل الفلاني وكان الثعبان الأسود يقاتلني ويريد هتك عرضي وأنت قتلته فقلت إنما رأيت مع الثعبان حيةً بيضاء، فقالت أنا التي كنت حية بيضاء ولكن أنا بنت الملك الأحمر ملك الجان واسمي سعيدة وهذه الجالسة هي أمي واسمها مباركة زوجة الملك الأحمر والثعبان الذي كان يقاتلني ويريد هتك عرضي هو وزير الملك الأسود واسمه درفيل وهو قبيح الخلقة واتفق أنه لما رآني عشقني ثم أنه خطبني من أبي فأرسل إليه أبي يقول له وما مقدارك يا قطاعة الوزراء حتى تتزوج بنات الملوك فاغتاظ من ذلك وحلف يميناً أنه لا بد أن يفضح عرضي كيداً في أبي وصار يقفوا أثري، ويتبعني أينما رحت ومراده أن يفضح عرضي وقد وقع بينه وبين أبي حروبٌ عظيمةٌ ومشقاتٍ جسيمةٍ ولم يقدر عليه أبي لكونه جباراً مكاراً، ثم أن أبي كلما ضايقه وأراد أن يظفر به يهرب منه وقد عجز أبي وصرت أنا في كل يومٍ انقلب أشكالاً وألواناً وكلما انقلبت في صفةٍ ينقلب هو في صفةٍ ضدها وكلما هربت إلى أرض يشم رائحتي يلحقني في تلك الأرض حتى قاسيت منه مشقةً عظيمةً، ثم انقلبت في صفة حية وذهبت إلى ذلك الجبل فانقلب هو في صفة ثعبان وتبعني فيه فرقعت في يده وعالجني وعالجته حتى اتبعني وركب علي وكان مراده يفعل بي ما مراده ويشتهيه فأتيت أنت وضربته بالحجر فقتلته وأنا انقلبت بنتاً وأريتك روحي وقلت لك علي جميلٌ لا يضيع إلا مع أولاد الزنا فلما رأيت أخويك فعلا بك هذه المكيدة، ورمياك في البحر بادرت إليك وخلصتك من الهلاك ووجب لك الإكرام من أمي وأبي ثم أنها قالت يا أمي أكرميه في نظير ما ستر عرضي.

فقالت مرحباً بك يا إنسي فأنك فعلت معنا جميلاً وتستحق عليه الإكرام وأمرت لي ببدلٍ كتوريةٍ تساوي جملةً من المال وأعطتني جملةً من الجواهر والمعادن، ثم أنها قالت خذوه وأدخلوه على الملك في الديوان فرأيته جالساً على كرسي وبين يديه المردة والأعوان فلما رأيته زاغ بصري مما رأيته عليه من الجواهر فلما رآني قام على الأقدام وقامت العساكر إجلالاً له ثم حياني ورحب بي وأكرمني غاية الإكرام وأعطاني مما عنده من الخيرات وبعد ذلك قال لبعض أتباعه خذوه إلى بنتي توصله إلى المكان الذي جاءت به منه فأخذوني وذهبوا بي إلى سعيدة ابنته فحملتني ثم طارت بي وبما معي من الخيرات هذا ما كان من أمري وأمر سعيدة وأما ما كان من أمر ريس الغليون فأنه أفاق على الخبطة حين رموني في البحر فقال ما الذي وقع في البحر فبكى أخواي وصار يخبطان على صدورهما ويقولان يا ضيعة أخينا فأنه أراد أن يزيل ضرورة في الغليون فوقع في البحر ثم أنهما وضعا أيديهما على مالي ووقع بينهما الإختلاف من جهة البنت وصار كل واحد منهما يقول ما يأخذها غيري واستمرا على الخصام مع بعضهما ولم يتذكروا أخاهما ولا غرقه وزال حزنهما عليه، فبينما هما في هذا الحالة وإذا بسعيدة نزلت في وسط الغليون.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل قال فبينما هما في هذه الحالة وإذا بسعيدة نزلت بي في وسط الغليون فرآني أخواي فعانقاني وفرحا بي وصارا يقولان يا أخانا كيف حالك فيما جرى لك أن قلبنا مشغولٌ عليك فقالت سعيدة أن كان قلبكما عليه أو كنتما تحبانه ما كنتما رميتماه في البحر وهو نائمٌ ولم اختارا لكما موتةً تموتانها وقبضت عليهما وأرادت قتلهما فصاحا وقالا في عرضك يا أخانا فصرت أتداخل عليها وأقول لها أنا واقع في عرضك لا تقتلي أخواي وهي تقول لا بد من قتلهما لأنهما خائنان فما زلت ألاطفها حتى قالت من شأن خاطرك لا أقتلهما ولكن أسحرهما. ثم أخرجت طاسةً وحطت فيها ماءً من ماء البحر وتكلمت عليها بكلامٍ لا يفهم وقالت أخرجا من الصورة البشرية إلى الصورة الكلبية ثم رشتهما بالماء فانقلبا كلبين كما تراهما يا خليفة الله ثم التفت إليهما وقال أحقاً ما قلته يا أخواي فنكسا رؤوسهما كأنهما يقولان له صدقت ثم قال يا أمير المؤمنين وبعد أن سحرتهما كلبين قالت لمن كان من الغليون أعلموا أن عبد الله ابن فاضل هذا صار أخي وأنا أشق عليه كل يومٍ مرةٍ أو مرتين وكل من خالفه منكم أو خالف أمره وآذاه باليد أو باللسان فأني أفعل به ما فعلت بهذين الخائنين وأسحره كلباً حتى ينقضي عمره وهو في صورة الكلب ولا يجد له خلاصاً فقال لها الجميع يا سيدتي نحن كلنا عبيده وخدمه ولا نخالفه ثم أنها قالت لي إذا دخلت البصرة فتفقد جميع مالك فأن كان نقص منه شيءٍ فأعلمني وأنا أجيء لك به من أي شخصٍ كان ومن أي مكان كان ومن كان آخذه أسحره كلباً ثم بعد أن نخزن أموالك ضع في رقبة كل من هذين الخائنين غلا وأربطهما في ساق السرير وأجعلهما في سجنٍ وحدهما وكل ليلةٍ في نصف الليل أنزل إليهما وأضرب كل واحدٍ منهما علقة حتي يغيب عن الوجود وأن مضت ليلةٌ ولم تضربهما فأني أجيء لك وأضربك علقةً وبعد ذلك اضربهما فقلت لهما سمعاً وطاعةً ثم أنها قالت لي اربطهما في الحبال حتى تدخل البصرة فوضعت في رقبة كل واحدٍ منهما حبلاً، ثم ربطتهما في الصاري وتوجهت هي إلى حال سبيلها وفي ثاني يومٍ دخلت البصرة وطلع التجار لمقابلتي وسلموا علي ولم يسأل أحدٌ عن أخواي وإنما صاروا ينظرون إلى الكلاب ويقولون لي يا فلان ماذا تصنع بهذين الكلبين اللذين جئت بهما معك فأقول لهم أني ربيتهما في هذه السفرة وجئت بهما معي فيضحكون عليهما ولم يعرفوا أنهما أخواي.

ثم أني وضعتهما في خزانة والتهيت تلك الليلة في توزيع الأحمال التي فيها القماش والمعادن وكان عندي التجار لأجل السلام فأشتغلت ولم أضربهما ولم أربطهما بالسلاسل ولم أعمل معهما ضرراً.

ثم نمت فما أشعر إلا وسعيدة بنت الملك الأحمر قالت لي: أما قلت لك ضع في رقابهما السلاسل وأضرب كل واحدٍ منهما علقةً ثم أنها قبضت علي وأخرجت السوط وضربتني علقةً حتى غبت عن الوجود وبعد ذلك ذهبت إلى المكان الذي فيه أخواي وضربت كل واحدٍ منهما بالسوط حتى أشرفا على الموت وقالت كل ليلةٍ أضرب كل واحدٍ منهما علقةً مثل هذه العلقة وأن مضت ليلةٌ ولم تضربهما فأني أضربك فقلت يا سيدتي في غدٍ أحط السلاسل في رقابهما والليلة الآتية أضربهما ولا أرفع الضرب عنهما ليلةً واحدةً فأكدت علي في الوصية بضربهما فلما أصبح الصباح لم يهن علي أن أضع السلاسل في رقابهما فذهبت إلى صائغٍ وأمرته أن يعمل لهما غلين من الذهب فعملهما وجئت بهما ووضعتهما في رقابهما وربطهما كما أمرتني وفي ثاني ليلةٍ ضربتهما قهراً عني وكانت هذه الحركة في مدة خلافة المهدي الثالث من بني العباس، وقد اصطحبت معه بإرسال الهدايا فقلدني ولايةً وجعلني نائباً في البصرة ودمت على هذه الحالة مدةً من الزمان.

ثم أني قلت في نفسي لعل غيظها قد برد فرتكتهما ليلة من غير ضربٍ فأتتني وضربتني علقةً لم أنس حرارتها بقية عمري فمن ذلك الوقت لم أقطع عنهما الضرب مدة خلافة المهدي ولما توفي المهدي توليت أنت بعده وأرسلت إلي تقرير الاستمرار على مدينة البصرة وقد مضى لي اثنا عشر عاماً وأنا في كل ليلةٍ أضربهما قهراً عني وبعدما أضربهما آخذ بخاطرهما وأعتذر إليهما وأطعمهما وأسقيهما وهما محبوسان ولم يعلم بهما أحدٌ من خلق الله تعالى حتى أرسلت إليَّ أبا اسحق النديم من أجل الخراج فأطلع على سري ورجع إليك فأخبرك فأرسلته ثانياً تطلبني وطلبتهما فأجبت بالسمع والطاعة وأتيت بهما بين يديك ولما سألتنيأني عن حقيقة الأمر أخبرتك بالقصة وهذه حكايتي. فعند ذلك تعجب الخليفة هارون الرشيد من حال هذين الكلبين ثم قال وهل أنت على هذه الحالة سامحت أخويك مما صدر منهما في حقك وعفوت عنهما أم لا فقال يا سيدي سامحهما الله وأبرأ ذمتهما في الدنيا والآخرة وأنا محتاجٌ لكونهما يسامحاني لأنه مضى لي اثنا عشر عاماً وأنا أضربهما في كل ليلةٍ علقةً فقال الخليفة يا عبد الله أن شاء الله تعالى أنا أسعى في خلاصهما ورجوعهما آدميين كما كانا أولاً وأصلح بينكم وتعيشون بقية أعماركم أخوةً متحابين، وكما أنك سامحتهما يسامحانك فخذهما وأنزل إلى منزلك وفي هذه الليلة لا تضربهما وفي غدٍ ما يكون إلا الخير.

فقال له يا سيدي وحياة رأسك أن تركتهما ليلةً واحدة من غير ضرب تأتيني سعيدة وتضربني وأنا ما لي جسدٌ يتحمل ضرباً فقال لا تخف فأنا أعطيك خط يدي فإذا أتتك فأعطها الورقة فإذا قرأتها عفت عنك كان الفضل لها وأن لم تطع أمري كان أمرك إلى الله ودعها تضربك علقةً وقدر أنك نسيتهما من الضرب وضربتك بهذا السبب وإذا حصل ذلك وخالفتني فأن كنت أنا أمير المؤمنين فأني أعمل خلاصي معها، ثم أن الخليفة كتب لها ورقة مقدار إصبعين وبعدما كتبها ختمها وقال يا عبد الله إذا أتتك سعيدة فقل لها أن الخليفة ملك الأنس أمرني بعدم ضربهما وكتب لي هذه الورقة وهو يقرئك السلام وأعطها المرسوم ولا تخش بأساً.

ثم أخذ عليه العهد والميثاق أنه لا يضربهما فأخذهما وراح بهما إلى منزله وقال في نفسه يا ترى ما الذي يصنعه الخليفة في حق بنت سلطان الجن إذا كانت تخالفه وتضربني في هذه الليلة ولكن أنا صابرٌ على ضربي علقةً وأريح أخواي في هذه الليلة ولو كان يحصل لي من أجلهما العذاب، ثم أنه تفكر في نفسه وقال له عقله لولا أن الخليفة مستندٌ إلى سندٍ عظيم ما كان يمنعك عن ضربهما.

ثم أنه دخل منزله ونزع الأغلال من رقاب أخويه وقال توكلت على الله وصار يأخذ بخاطرهما ويقول لهما لا بأسٌ عليكما فأن الخليفة الخامس من بني العباس قد تكفل بخلاصكما وأنا قد عفوت عنكما وأن شاء الله تعالى يكون الأوان قد آن وتخلصان في هذه الليلة المباركة فأبشرا بالهناء والسرور، فلما سمعا هذا الكلام صار يعويان مثل عواء الكلاب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل قال لأخويه أبشرا بالهناء والسرور فلما سمعا هذا الكلام صارا يعويان مثل عواء الكلاب ويمرغان خدودهما على أقدامه كأنهما يدعوان له ويتواضعان بين يديه فحزن عليها وصار يملس بيده على ظهورهما إلى أن جاء وقت العشاء فلما وضعوا السفرة قال لهما أجلسا فجلسا يأكلان معه على السفرة فصارت أعوانه باهتين يتعجبون من أكله مع الكلاب ويقولون هل هو مجنون أو مختل العقل كيف يأكل نائب مدينة البصرة مع الكلاب وهو أكبر من وزيرٍ أما يعلم أن الكلب نجسٌ وصاروا ينظرون إلى الكلبين وهما يأكلان معه أكل الحشمة ولا يعلمون أنهما أخواه وما وزالوا يتفرجون على عبد الله والكلبين حتى فرغوا من الأكل.

ثم أن عبد الله غسل يديه فمد الكلبان أيديهما وصارا يغسلان وكل من كان واقفاً صار يضحك عيهما ويتعجب ويقولون لبعضهم عمرنا ما رأينا الكلاب تأكل وتغسل أيديهما بعد أكل الطعام ثم أنهما جلسا على المراتب بجنب عبد الله بن فاضل ولم يقدر أحدٌ أن يسأله عن ذلك واستمر الأمر هكذا إلى نصف الليل ثم صرف الخدم وناموا ونام كل كلبٍ على سريرٍ وصار الخدام يقولون لبعضهم أنه نام ونام معه الكلبان وبعضهم يقول حيث أكل مع الكلاب على السفرة فلا بأس إذا ناما معه وما هذا إلا حال المجانين. ثم أنهم لم يأكلوا مما بقي في السفرة من الطعام شيئاً وقالوا كيف نأكل فضلة الكلاب ثم أخذوا السفرة بما فيها وروموها وقالوا أنها نجسةً هذا ما كان من أمرهم وأما ما كان من أمر عبد الله بن فاضل فأنه لم يشعر إلا والأرض قد انشقت وطلعت سعيدة وقالت يا عبد الله لأي شيءٍ مما ضربتهما في هذه الليلة ولأي شيءٍ نزلت الأغلال من أعناقهما هل فعلت ذلك عناداً لي أو استخفافاً بأمري ولكن أنا الآن أضربك وأسحرك كلباً مثلهما فقال لها يا سيدتي أقسمت عليك بالنقش الذي على خاتم سليمان بن داود عليهما السلام أن تحملي علي حتى أخبرك بالسبب ومهما أردتيه بي فأفعليه فقالت له أخبرني فقال لها أما سبب عدم ضربهما فأن ملك الأنس الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد أمرني أن لا أضربهما في هذه الليلة وقد أخذ علي مواثيق وعهود على ذلك وهو يقرئك السلام وأعطاني مرسوماً بخط يده وأمرني أن أعطيك إياه فامتثلت مرةً وأطعته وطاعة أمير المؤمنين واجبة وها هو المرسوم فخذيه واقرئيه وبعد ذلك افعلي مرادك.

فقالت هاته فناولتها المرسوم ففتحته وقرأته وقرأت مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم من ملك الأنس هارون الرشيد إلى بنت الملك الأحمر سعيدة أما بعد فأن هذا الرجل قد سامح أخويه وأسقط حقه عنهما وقد حكمت عليهما بالصلح وإذا وقع الصلح ارتفع العقاب فأن اعترضتمونا في أحكامنا اعترضناكم في أحكامكم وخرقنا قانونكم وأن امتثلتم أمرنا ونفذتم أحكامنا فأننا ننفذ أحكامكم وقد حكمت عليك بعدم التعرض لهما فأن كنت تؤمنين بالله ورسوله فعليك بطاعة ولي الأمر وأن عفوت عنهما فأنا أجازيك بما يقدرني عليه ربي وعلامة الطاعة ترفعي سحرك عن هذين الرجلين حتى يقبلاني علي خالصين وأن لم تخلصيهما فأنا أخلصهما قهراً عنك بعون الله تعالى.

فلما قرأت ذلك الكتاب قالت يا عبد الله لا أفعل شيئاً حتى أذهب إلى أبي وأعرض عليه مرسوم ملك الأنس وأرجع إليك بالجواب بسرعةٍ ثم أشارت بيدها إلى الأرض فانشقت ونزلت فيها فلما ذهبت صار قلب عبد الله فرحاً وقال أعز الله أمير المؤمنين ثم أن سعيدة دخلت على أبيها وأخبرته بالخبر وعرضت عليه مرسوم أمير المؤمنين فقبله ووضعه على رأسه ثم قرأه وفهم ما فيه وقال يا بنتي أن أمر ملك الأنس علينا ماضٍ وحكمه فينا نافذٌ ولا نقدر أن نخالفه فأمضي إلى الرجلين وخلصيهما في هذه الساعة وقولي لهما أنتما في شفاعة ملك الأنس فأنه أن غضب علينا أهلكنا عن آخرنا فلا تحملينا ما لا نطيق فقالت له يا أبت إذا غضب علينا ملك الأنس ماذا يصنع بنا فقال لها يا بنتي أنه يقدر علينا من وجوه الأول لله من البشر فهو مفضلٌ علينا والثاني أنه خليفة الله والثالث أنه مصرٌ على ركعتي الفجر فلو اجتمعت عليه طوائف الجن من السبع أرضين لا يقدرون أن يصنعوا به مكروهاً فأن غضب علينا يصلي ركعتي الفجر ويصيح علينا صيحةً واحدةً فنجتمع بين يديه طائعين ونصير كالغنم بين يدي الجزار أن شاء فأمرنا بالرحيل من أوطاننا إلى أرضٍ موحشةٍ لا نستطيع المكث فيها وأن شاء هلاكنا أمر بهلاك نفسنا فيهلك بعضنا بعضاً فنحن لا نقدر على مخالفة أمره فأن خالفنا أمره أحرقنا جميعاً وليس لنا مفرٌ من بين يديه وكذلك كل عبدٍ داوم على ركعتي الفجر فأن حكمه نافذٌ فينا فلا تتسببي في هلاكنا من أجل رجلين بل أمضي وخلصيهما قبل أن يحيق بنا غضب أمير المؤمنين فرجعت إلى عبد الله بن فاضل وأخبرته بما قال أبوها وقالت له قبل لنا أيادي أمير المؤمنين وأطلب لنا رضاه ثم أنها أخرجت الطاسة ووضعت فيها الماء وعزمت عليها وتكلمت بكلماتٍ لا تفهم ثم رشتهما بالماء وقالت أخرجا من الصورة الكلبية إلى الصورة البشرية فعادا بشرين كما كانا وأنفك عنهما السحر وقالا أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم وقعاً على يد أخيهما وعلى رجليه يقبلانهما ويطلبان منه السماح، فقال لهما سامحاني أنتما ثم أنهما تابا توبةً نصوحاً وقالا قد غرنا إبليس اللعين وأغوانا السمع وربنا جزانا بما نستحقه والعفو من شيم الكرام وصارا يستعطافان أخاهما ويبكيانا ويتندمان على ما وقع منهما ثم أنه قال لهما ما فعلتما بزوجتي التي جئت بها من مدينة الحجر فقالوا لما أغوانا الشيطان ورميناك في البحر وقع الخلاف بيننا وصار كل واحدٍ منا يقول أنا أتزوج بها. فلما سمعت كلامنا ورأت اختلافنا وعرفت أننا رميناك في البحر طلعت من الخزانة وقالت لا تختصما من أجلي فأني لست لواحد منكما أن زوجي راح البرح وأنا أتبعه ثم أنها رمت نفسها في البحر وماتت فقال أنها ماتت شهيدة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أنه بكى عليها بكاءً شديداً وقال لهما لا يصح منكما أن تفعلا معي هذه الفعال وتعدا ما بي لزوجتي فقالا أننا أخطانا وربنا جازانا على ما فعلنا وهذا شيء قدره الله علينا قبل أن يخلقنا فقبل عذرهما ثم أن سعيدة قالت أيفعلان معك هذه الفعال وأنت تعفو عنهما فقال يا أختي من قدر وعفا كان أجره على الله، فقالت خذ حذرك منهما فأنهم خائفين، ثم ودعته وانصرفت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله لما حذرته سعيدة من أخويه ودعته وانصرفت إلى حال سبيلها فبات عبد الله بقية تلك الليلة هو وأخواه على أكلٍ وشربٍ وبسطٍ وانشرح صدرهما

فلما أصبح الصباح أدخلهما الحمام وعند خروجهما من الحمام ألبس كل واحدٍ منهما بدلةً تساوي جملةً من المال ثم أنه طلب سفرة طعام فقدموها بين يديه فأكل هو وأخواه، فلما نظرهما الخدام وعرفوا أنهما أخواه سلموا عليهما وقالوا للأمير عبد الله: يا مولانا هناك الله باجتماعك على أخويك العزيزين وأين كانا في هذه المدة؟ فقال لهم: هما اللذان رأيتوهما في صورة كلبين والحمد لله الذي خلصهما من السجن والعذاب الأليم ثم أنه أخذهما وتوجه إلى ديوان الخليفة هارون الرشيد ودخل بهما عليه وقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز والنعم وإزالة البؤس والنقم، فقال له: مرحباً بك يا أمير المؤمنين أعز الله قدرك أني لما أخذت أخواي وذهبت بهما إلى منزلي اطمأنيت عليهما بسببك حيث تكفلت بخلاصهما وقلت في نفسي أن الملوك لا يعجزون عن أمرٍ يجتهدون فيه أن العناية تساعدهم ثم نزعت الأغلال من رقابهما وتوكلت على الله وأكلت أنا وإياهما على السفرة، فلما رآني أتباعي آكل معهما وهما في صورة كلبين استخفوا عقلي وقالوا لبعضهم لعله مجنونٌ كيف يأكل نائب البصرة مع الكلاب وهو أكبر من الوزير ورموا بما فضل من السفرة وقالوا لا نأكل ما بقي من الكلاب وصاروا يسفهون رأيي وأنا أسمع كلامهم ولا أرد عليهم جواباً لعدم معرفتهم أنهما أخواي ثم عرفتهم.

وعندما جاء وقت النوم طلبت النوم فلم أشعر إلا والأرض قد انشقت وخرجت سعيدة بنت الملك الأحمر وهي غضبانةٌ علي وعيناها مثل النار، ثم أخبر الخليفة بجميع ما وقع منها ومن أبيها وكيف أخرجتهما من الصورة الكلبية إلى الصورة البشرية، ثم قال: وها هما بين يديك يا أمير المؤمنين، فالتفت الخليفة فرآهما شابين كالقمرين فقال الخليفة: جزاك الله عني خيراً يا عبد الله حيث أعلمتني بفائدةٍ ما كنت أعلمها أن شاء الله لا أترك صلاة هاتين الركعتين قبل طلوع الفجر ما دمت حيا.

ثم أنه عنف شقيقا عبد الله بن فاضل على ما سلف منهما في حقه فاعتذرا قدام الخليفة، فقال لهم: تصافحوا وسامحوا بعضكم، وعفا الله عما سلف ثم التفت إلى عبد الله وقال: يا عبد الله أجعل أخويك معينين لك وتوصل بهما وأوصاهما بطاعة أخيهما. ثم أنعم عليهم وأمرهم بالارتحال إلى مدينة البصرة بعد أن عطاهم أنعاما جزيلا فنزلوا من ديوان الخليفة مجبورين وفرح الخليفة بهذه الفائدة التي استفادها من هذه الحركة وهي المداومة على صلاة ركعتي الفجر، وقال: صدق من قال: مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد. هذا ما كان من أمرهم مع الخليفة.
وأما ما كان من أمر عبد الله بن فاضل فأنه سافر من مدينة بغداد ومعه أخواه بالإعزاز والإكرام وعلو المقام إلى أن دخلوا مدينة البصرة فخرج الأكابر والأعيان لملاقاتهم وزينوا لهم المدينة وأدخلوهم بموكبٍ ليس له نظيرٌ وصار الناس يدعون له وهو ينثر الذهب والفضة وصار جميع الناس صائحين بالدعاء له ولم يلتفت أحدٌ إلى أخويه، فدخلت الغيرة والحسد في قلوبهما ومع ذلك كان عبد الله يداريهما مداراة العين الرمداء كلما داراهما لا يزدادان إلا بغضاً له وحسداً فيه. ثم أنه أعطى كل واحدٍ منهما سريةً ليس لها نظيرٌ وجعلهما بخدمٍ وحشمٍ وجواري وعبيدٍ سودٍ وبيضٍ من كل نوعٍ أربعين وأعطى كل واحدٍ منهما خمسين جواداً من الخيل الجياد وصار لهما جماعةٌ وأتباعٌ، ثم أنه عين لهما خراجٌ ورتب لهما رواتب وجعلهما معينين له وقال لهما: أنا وأنتما سواءٌ ولا فرق بيني وبينكما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله رتب لأخويه الرواتب وجعلهما معينين له وقال لهما أنا وأنتما سواءٌ ولا فرق بيني وبينكما فالحكم بعد الله والخليفة لي ولكما فاحكما في البصرة في غيابي وحضوري وحكمكما نافذ ولكن عليكما بتقوى الله في الأحكام وإياكما والظلم فأنه أن دام دمر وعليكما بالعدل فأنه أن دام عمر، ولا تظلما العباد فيدعو عليكما وخبركما يصل إلى الخليفة فتحصل فضيحةٌ في حقي وحقكما فلا تتعرضا لظلم أحدٍ والذي تطمعان فيه من أموال الناس خذاه من مالي زيادةً على ما تحتاجان إليه ولا يخفى عليكما ما ورد في الظلم في حكم الآيات.

ثم أنه صار يعظ أخويه ويأمرهما بالعدل وينهاهما عن الظلم حتى ظن أنهما أحباه بسبب بذل النصيحة لهما ثم أنه ركن إليهما وبالغ في إكرامهما ومع إكرامه لهما ما ازدادا إلا حسداً له وبغضاً فيه.

وأما أخويه ناصراً ومنصوراً فأنهما اجتمعا مع بعضهما فقال ناصرٌ لمنصورٍ: يا أخي إلى متى ونحن تحت طاعة أخينا عبد الله وهو في هذه السيادة والإمارة وبعدما كان تاجراً صار أميراً وبعدما كان صغيراً صار كبيراً ونحن لم نكبر ولم يبق لنا قدرٌ ولا قيمةٌ وها هو ضحك علينا وعملنا معينين له ما معنى ذلك؟ أليس أننا نخدمه ومن تحت طاعته وما دام طيباً لا ترتفع درجتنا ولا يبقى لنا شأنٌ فلا يتم غرضنا إلا إن قتلناه وأخذنا أمواله ولا يمكن أخذ هذه الأموال إلا بعد هلاكه فإذا قتلناه نسود ونأخذ جميع ما في خزائنه من الجواهر والمعادن والذخائر وبعد ذلك نقسمها فيما بيننا ثم نهيء هديةً للخليفة ونطلب منه منصب الكوفة وأنت تكون نائب البصرة وأنا أكون نائب الكوفة أو أنك تكون نائب الكوفة وأنا أكون نائب البصرة ويبقى لكل واحدٍ منا صولةٌ وشأنٌ ولكن لا يتم لنا ذلك إلا إذا أهلكناه.

فقال منصور: أنك صادقٌ فيما قلت ولكن ماذا نصنع معه حتى نقتله؟ فقال: نعمل ضيافةً عند أحدنا ونعزمه إليها ونخدمه غاية الخدمة ثم نسأمره بالكلام ونحكي له حكاياتٍ ونكاتٍ ونوادرٍ إلى أن يذوب قلبه من السهر ثم نفرش له حتى يرقد فإذا رقد نبرك عليه وهو نائمٌ فنخنقه ونرميه في البحر ونصيح قائلين: أن أخته الجنية أتته وهو قاعدٌ يتحدث بيننا وقالت له: يا قطاعة الأنس ما مقدارك حتى تشكوني إلى أمير المؤمنين أتظن أننا نخاف منه فكما أنه ملكٌ نحن ملوكٌ وأن لم يلزم أدبه في حقنا قتلناه أقبح قتلةٍ، ولكن بقيت أنا أقتلك حتى ننظر ما يخرج من يد أمير المؤمنين.

ثم خطفته وشقت الأرض ونزلت به، فلما رأينا ذلك غشي علينا ثم استفقنا ولم ندر ما حصل له، وبعد ذلك نرسل إلى الخليفة ونعلمه فأنه يولينا مكانه وبعد مدةٍ نرسل إلى الخليفة هديةً سنيةً ونطلب منه حكم الكوفة وواحدٌ منا يقيم في البصرة والأخر يقيم في الكوفة وتطيب لنا البلاد ونقهر العباد ونبلغ المراد، فقال: نعم ما أشرت يا أخي.

فلما اتفقا على قتل أخيهما صنع ناصر ضيافةً وقال لأخيه عبد الله: يا أخي أعلم أني أخوك ومرادي أنك تجبر بخاطري أنت وأخي منصور وتأكلا ضيافتي في بيتي حتى أفتخر بك. ويقال: أن الأمير عبد الله أكل ضيافة أخيه ناصر لأجل أن يحصل له بذلك جبر خاطرٍ، فقال له عبد الله: لا بأس يا أخي ولا فرق بيني وبينك وبيتك بيتي ولكن حيث عزمتني فما يأبى الضيافة إلا اللئيم.

ثم التفت إلى أخيه منصور وقال له: أتذهب معي إلى بيت أخيك ناصرٌ وتأكل ضيافته وتجبر بخاطره؟ فقال له: يا أخي وحياة رأسك ما أروح معك حتى تحلف لي أنك بعدما تخرج من بيت أخي ناصر تدخل بيتي وتأكل ضيافتي فهل ناصرٌ أخوك وأنا لست أخاك فكما جبرت بخاطره تجبر بخاطري فقال: لا بأس بذلك حباً وكرامةً فمتى خرجت من دار أخيك ادخل دارك وكما هو أخي أنت أخي. ثم أن ناصراً قبل يده أخيه عبد الله ونزل من الديوان وعمل الضيافة وفي ثاني يومٍ ركب عبد الله وأخذ معه جملةً من العسكر وأخاه منصور وتوجه إلى دار أخيه ناصر وجلس هو وجماعته وأخوه قدم لهم السماط ورحب بهم، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وارتفعت السفرة وغسلت الأيادي وأقاموا ذلك اليوم على أكلٍ وشربٍ وبسطٍ ولعبٍ إلى الليل.

فلما تعشوا وصلوا المغرب والعشاء جلسوا على منادمة وصار منصورٌ يحكي حكايته وناصرٌ يحكي وعبد الله يسمع، أخوكانوا في قصرٍ وحدهم وبقية العسكر في مكانٍ آخر، ولم يزالوا في نكتٍ وحكاياتٍ ونوادرٍ وأخبارٍ حتى ذاب قلب أخيهم عبد الله من السهر وغلب عليه النوم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله لما طال عليه السهر وأراد النوم فرشوا له الفراش ثم قلع ثيابه ونام وناما بجانبه على فرشٍ آخرٍ وصبرا عليه حتى استغرق في النوم، فلما عرفا أنه استغرق في النوم قاما وبركا عليه فأفاق فرآهما باركين على صدره فقال لهما: ما هذا يا أخواي؟ فقالا له: ما نحن أخواك ولا نعرفك يا قليل الأدب وقد صار موتك أحسن من حياتك، وحطا أيديهما في رقبته وخنقاه فغاب عن الدنيا ولم يبق فيه حركةً فظنا أنه مات وكان القصر على البحر فرموه في البحر.

فلما وقع في البخر سخر الله له درفيلاً كان معتاداً على مجيئه تحت ذلك القصر لأن المطبخ كان فيه طاقةً تشرف على البحر وكانوا كلما ذبحوا الذبائح يرمون تعاليقها في البحر من تلك الطاقة فيأتي ذلك الدرفيل ويلتقطها من على وجه الماء فأعتاد على ذلك المكان، وكانوا في ذلك اليوم قد رموا أسقاطاً كثيرةً بسبب الضيافة فأكل ذلك الدرفيل زيادةً عن كل يومٍ حصلت له فلما سمع الخبطة في البحر أتى مسرعاً فرآه ابن آدم فهداه الهادي وحمله على ظهره وشق به في وسط البحر ولم يزل سابحاً به حتى وصل إلى البر من الجهة الثانية وألقاه على البر وكان ذلك المكان الذي أطلعه فيه على قارعة الطريق فمرت به قافلةٌ فرأوه مرمياً على جانب البحر فقالوا: هنا غريقٌ ألقاه البحر على الشاطئ.

واجتمع عليه جماعةٌ من تلك القافلة يتفرجون عليه، وكان شيخ القافلة رجلاً من أهل الخير وعارفاً بجميع العلوم وخبيراً بعلم الطب وصاحب فرأسةٍ صادقةٍ فقال لهم: يا ناس ما الخبر؟ فقالوا: هذا غريقٌ ميتٌ، فأقبل عليه وتأمله وقال: يا ناس هذا الشاب فيه الروح وأنه من خيار أولاد الناس الأكابر وتربية العز والنعم وفيه الرجاء أن شاء الله تعالى.

ثم أنه أخذه وألبسه بدلةً وأدفأه وصار يعالجه ويلاطفه مدة ثلاث مراحل حتى أفاق ولكن حصلت له خضة فغلب عليه الضعف وصار شيخ القافلة يعالجه بأعشابٍ يعرفها، ولم يزالوا مسافرين مدة ثلاثين يوماً حتى بعدوا عن البصرة بهذه المسافة وهو يعالج فيه، ثم وصلوا مدينةً يقال لها مدينة عوج وهي في بلاد العجم فنزلوا في خانٍ وفرشوا له ورقد فبات تلك الليلة يئن وقد أفاق الناس من أنينه، فلما أصبح الصباح أتى بواب الخان إلى شيخ القافلة وقال له: ما شأن هذا الضعيف الذي عندك فأنه أقلقنا؟ فقال: هذا رأيته في الطريق على جانب البحر غريقاً فعالجته وعجزت ولم يشف، فقال له: أعرضه على الشيخة راجحة، فقال: ومن تكون الشيخة راجحة؟ فقال: عندنا بنتٌ بكرٌ شيخةٌ وهي عذراء جميلة اسمها الشيخة راجحة كل من به داءٌ يذهبون به إليها فيبيت عندها ليلةً واحدةً فيصبح معافى كأنه لم يكن فيه شيءٌ يضره. فقال له شيخ القافلة: دلني عليها، فقال له: أحمل مريضك، فحمله ومشى بواب الخان قدامه إلى أن وصل إلى زرايةٍ فرأى ناسٌ داخلين بالنذر وناس خارجين فرحانين فدخل بواب الخان حتى وصل إلى الستارة وقال: دستور يا شيخة راجحة خذي هذا المريض أدخليه من داخل هذه الستارة، فقالت له: ادخل فدخل ونظر إليها فرأى زوجته التي جاء بها من مدينة الحجر، فعرفها وعرفته وسلمت عليه فقال لها: من أتى بي إلى هذا المكان؟ فقالت له: لما رأيت أخويك رمياك في البحر وتخاصما علي رميت نفسي في البحر فتناولني شيخي الخضر أبو العباس وأتى بي إلى هذه الزاوية وأعطاني الأذن بشفاء المرضى ونادى في المدينة: كل من كان له داءٌ فعليه بالشيخة راجحة وقال لي: أقيمي في هذا المكان حتى يؤون الأوان ويأتي إليك زوجك، فصار كل مريض يأتي أكبسه فيصبح شافيا وشاع ذكري بين العالم وأقبل الناس علي بالنذور وعندي من الخير كثير وأنا في عزٍ وإكرامٍ وجميع أهل هذه البلاد يطلبون مني الدعاء.

ثم أنها كبست الرجل المريض فشفي بقدرة الله تعالى وكان الخضر عليه الصلاة والسلام يحضر عندها في كل ليلةِ جمعةِ وكانت تلك الليلة التي اجتمع فيها ليلة الجمعة، فلما جن الليل جلست هي وإياه بعدما تعشيا من أفخر المأكول ثم قعدا ينتظران حضور الخضر، فبينما هما جالسان وإذا به قد أقبل عليهما فحملهما من الزاوية ووضعهما في قصر عبد الله بن فاضل بالبصرة ثم تركهما وذهب.

فلما أصبح الصباح تأمل عبد الله في القصر فرآه قصره فعرفه وسمع الناس في ضجةٍ فنظر من الشباك فرأى شقيقيه مصلوبين كل واحدٍ منهما على خشبةٍ والسبب في ذلك أنهما لما رمياه في البحر ندما وأصبحا يبكيان ويقولان: أن أخانا خطفته الجنية، ثم هيئا هديا وأرسلاها إلى الخليفة وأعلماه بهذا الخبر وطلبا منه منصب البصرة فأرسل وأحضرهما عنده وسألهما فأعلماه كما ذكرنا فاشتد غضب الخليفة، فلما جن الليل صلى ركعتين قبل الفجر على عادته وصاح على طوائف الجن فحضروا بين يديه طائعين فسألهم عن عبد الله فحلفوا له أنه لم يتعرض له أحداً منهم وقالوا له: ما عندنا علمٌ به، فأتت سعيدة بنت الملك الأحمر وأعلمت الخليفة بقصته فصرفهم، وفي ثاني يوم رمى ناصراً ومنصوراً تحت الضرب فأقرا على بعضهما فغضب عليهما الخليفة وقال: خذوهما إلى البصرة واصلبوهما قدام قصر عبد الله، هذا ما كان من أمرهما.

وأما ما كان من أمر عبد الله فأنه أمر بدفن شقيقيه ثم ركب وتوجه إلى بغداد وأفاد الخليفة بحكايته وما فعل معه أخواه من الأول إلى النهاية فتعجب الخليفة من ذلك وأحضر الكاتب والشهود وكتب كتابه على البنت التي جاء بها من مدينة الحجر وأقام معها في البصرة إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات فسبحان الحي الذي لا يموت.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 37 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية عبد الله البري مع عبد الله البحري

ومما يحكى أيضاً أنه كان رجلٌ صيادٌ اسمه عبد الله وكان كثير العيال وله تسعة أولادٍ وأمهم وكان فقير جداً لا يملك إلا الشبكة وكان يروح كل يومٍ إلى البحر ليصطاد فإذا اصطاد قليلاً يبيعه وينفقه على أولاده بقدر ما رزقه الله وإن اصطاد كثيراً يطبخ طبخةً طيبةً ويأخذ فاكهةً ولا يزال يصرف حتى لا يبقى معه شيءٌ ويقول في نفسه: رزق غدٍ يأتي غداً فلما وضعت زوجته صاروا عشرة أشخاصٍ وكان الرجل في ذلك اليوم لا يملك شيئاً أبدا فقالت زوجته: يا سيدي انظر لي شيئاً أتقوت به فقال لها: ها أنا سارحٌ على بركة الله تعالى إلى البحر في هذا اليوم على بخت هذا المولود الجديد حتى ننظر سعده.

فقالت له: توكل على الله فأخذ الشبكة وتوجه إلى البحر، ثم أنه رمى الشبكة على بخت ذلك الطفل الصغير وقال: اللهم أجعل رزقه يسيراً غير عسير وكثيراً وغير قليل وصبر عليهما مدةً سحبها فخرجت ممتلئةً عفشاً ورملاً وحشيشاً ولم ير فيها شيئاً من السمك لا كثيراً ولا قليلاً فرماها ثاني مرةٍ وصبر عليها ثم سحبها فلم ير فيها سمكاً فرمى ثالثاً ورابعاً وخامساً فلم يطلع فيها سمكاً فانتقل إلى مكان أخر وجعل يطلب رزقه من الله ولم يزل على هذه الحالة إلى آخر النهار فلم يصطد ولا سمكةً صغيرةً فتعجب في نفسه وقال: هل هذا المولود خلقه الله تعالى من غير رزقٍ فهذا لا يكون أبداً لأن الذي شق الأشداق تكفل لها بالأرزاق فالله تعالى كريمٌ رزاقٌ.

ثم أنه حمل الشبكة ورجع مكسور الخاطر وقلبه مشغولٌ بعياله فأنه تركهم بغير أكلٍ ولا سيما زوجته نفساء وما زال يمشي وهو يقول في نفسه: كيف العمل وماذا أقول للأولاد في هذه الليلة؟ ثم أنه وصل قدام فرن خبازٍ فرأى عليه زحمةً وكان وقت غلاءٍ وفي تلك الأيام لا يوجد عند الناس من المؤونة إلا القليل والناس يعرضون الفلوس على الخباز وهو لا ينتبه لأحد منهم من كثرة الزحام فوقف ينظر ويشم رائحة العيش السخن فصارت نفسه تشتهيه من الجوع فنظر إليه الخباز وصاح عليه وقال: تعال يا صياد فتقدم إليه وقال له أتريد عيشاً؟ فسكت وقال له: تكلم ولا تستح الله كريمٌ أن لم يكن معك دراهم فأنا أعطيك وأصبر عليك حتى يجيئك الخير فقال له: والله يا معلم أنا ما معي دراهم ولكن أعطني عيشاً كفاية عيالي وأرهن عندك هذه الشبكة إلى الغد. فقال له الخباز: يا مسكين أن هذه الشبكة دكانك وباب رزقك فإذا رهنتها بأي شيءٍ تصطاد فأخبرني بالقدر الذي يكفيك؟ قال: بعشرة أنصاف فضةٍ فأعطاه خبراً بعشرة أنصافٍ ثم أعطاه عشرة أنصافٍ فضةٍ وقال له: خذ هذه العشرة أنصاف وأطبخ لك بها طبخةً فيبقى عندك عشرون نصف فضةٍ وفي غدٍ هات لي بها سمكاً وأن لم يحصل لك شيءٌ تعال خذ عيشك وعشرة أنصافٍ وأنا أصبر عليك حتى يأتيك الخير.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخباز قال للصياد خذ ما تحتاج إليه وأنا أصبر عليك حتى يأتيك الخير وبعد ذلك هات لي بما استحقه عندك سمكاً فقال له الصياد: آجرك الله تعالى وجزاك عني كل خيرٍ ثم أخذ العيش والعشرة أنصاف فضة وراح مسروراً واشترى ما تيسر ودخل على زوجته فرآها قاعدةً تأخذ بخاطر الأولاد وهم يبكون من الجوع وتقول لهم: في هذا الوقت يأتي أبوكم بما تأكلونه فلما دخل عليهم حط لهم العيش فأكلوا وأخبر زوجته بما حصل له، فقالت له: الله كريم.

وفي ثاني يوم حمل شبكته وخرج من داره وهو يقول: اسألك يا رب أن ترزقني في هذا اليوم بما يبيض وجهي مع الخباز فلما وصل إلى البحر صار يطرح الشبكة فلا يخرج فيها سمكاً ولم يزل كذلك إلى أخر النهار فلم يحصل شيءً فرجع وهو في غمٍ عظيمٍ وكان طريق بيته على فرن الخباز، فقال في نفسه: من أين أروح إلى داري ولكن أسرع خطاي حتى لا يراني الخباز فلما وصل إلى فرن الخباز رأى زحمةً فأسرع في المشي من حيائه من الخباز حتى لا يراه وإذا بالخباز وقع بصره عليه فصاح وقال له: يا صياد تعال خذ عيشك ومصروفك فأنك نسيت. قال: والله ما نسيت وإنما استحيت منك فأني لم أصطد سمكاً في هذا اليوم فقال له: لا تستح أما قلت لك على مهلك حتى يأتيك الخير، ثم أعطاه العيش والعشرة أنصاف وراح إلى زوجته وأخبرها بالخبر فقالت له الله كريم أن شاء الله يأتيك الخير وتوفيه حقه ولم يزل على هذه الحالة مدة أربعين يوماً وهو في كل يومٍ يروح إلى البحر من طلوع الشمس إلى غروبها ويرجع بلا سمكٍ ويأخذ عيشاً ومصروفاً من الخباز، ولم يذكر له السمك يوماً من الأيام ولم يمهله مثل الناس بل يعطيه العشرة أنصاف والعيش وكلما يقول له يا أخي حاسبني يقول له روح ما هذا وقت الحساب حتى يأتيك الحساب فأحاسبك، فيدعوا له ويذهب من عنده شاكراً له.

وفي اليوم الحادي والأربعون قال لامرأته: مرادي أن أقطع هذه الشبكة وأرتاح من هذه المعيشة، فقالت له: لأي شيءٍ؟ قال لها: كأن رزقي انقطع في البحر فإلى متى هذا الحال والله أني ذبت حياءً من الخباز فأنا ما بقيت أروح إلى البحر حتى لا أجوز على فرنه فأنه ليس لي طريقٌ إلا على فرنه وكلما جزت عليه يناديني ويعطيني العيش والعشرة أنصاف وإلى متى وأنا أتداين منه؟ قالت له: الحمد لله تعالى الذي عطف قلبه عليك فيعطيك القوت وأي شيءٍ تكره من هذا؟ قال: بقي له علي قدرٌ عظيمٌ من الدراهم ولا بد أنه يطلب حقه، قالت له زوجته: هل آذاك بكلامٍ؟ قال: لا ولا يرضى أن يحاسبني ويقول لي: حتى يأتيك الخير، قالت: فإذا طالبك قل له حتى يأتي الخير الذي نرتجيه أنا وأنت فقال لها: متى يجيء الخير الذي نرتجيه؟ قالت: الله كريم قال: صدقت، ثم حمل شبكته وتوجه إلى البحر وهو يقول: يا رب أرزقني ولو بسمكةٍ واحدةٍ حتى أهديها إلى الخباز ثم أنه رمى الشبكة في البحر وسحبها فوجدها ثقيلة فما زال يعالج فيها حتى تعب تعباً شديداً فلما أخرجها وجد فيها حماراً ميتاً منفوخاً ورائحته كريهةٌ فسئمت نفسه ثم خلصه من الشبكة وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد عجزت وأنا أقول لهذه المرأة ما بقي لي رزقٌ في البحر، دعيني أترك هذه الصنعة وهي تقول لي: الله كريمٌ سيأتيك الخير فهل هذا الحمار الميت هو الخير؟ ثم أنه حصل له غمٌ شديدٌ وتوجه إلى مكانٍ آخر ليبعد عن رائحة الحمار وأخذ الشبكة ورماها وصبر عليها ساعةً زمانيةً، ثم جذبها فرآها ثقيلةً فلم يزل يعالج فيها حتى خرج الدم من كفيه فلما أخرج الشبكة رأى فيها آدميا فظن أنه عفريتٌ من عفاريت سيدنا سليمان الذي كان يحبسهم في قماقم النحاس ويرميهم في البحر فلما انكسر القمقم من طول السنين خرج منه ذلك العفريت وطلع في الشبكة فهرب منه وصار يقول: الأمان الأمان يا عفريت سليمان فصاح عليه الآدمي من داخل الشبكة وقال: تعالى يا صياد لا تهرب مني فأني آدمي مثلك فخلصني لتنال أجري فلما سمع الصياد اطمأن قلبه وجاءه وقال: أما أنت عفريتٌ من الجن؟ قال: لا وإنما أنا أنسيٌ مؤمن بالله ورسوله. قال له: ومن رماك في البحر؟ قال له: أنا من أولاد البحر كنت دائراً فرميت على الشبكة ونحن أقوامٌ مطيعون لأحكام الله ونشفق على خلق الله تعالى ولولا أني أخاف وأخشى أن أكون من العاصين لقطعت شبكتك ولكن رضيت بما قدر الله علي وأنت إذا خلصتني تصير مالكاً وأنا أصير أسيرك فهل لك أن تعتقني ابتغاءً لوجه الله تعالى وتعاهدني وتبقى صاحبي أجيئك كل يومٍ في هذا المكان وأنت تأتيني وتجيء لي معك بهديةٍ من ثمار البرفان عندكم عنباً وتيناً وبطيخاً وخوخاً ورماناً وغير ذلك وكل شيءٍ تجيء به إليَّ مقبولٌ منك ونحن عندنا مرجانٌ ولؤلؤٌ وزمردٌ وياقوتٌ وجواهرٌ فأنا أملأ لك المشنة التي تجيء لي فيها بالفاكهة معادن من جواهر البحر فما تقول يا أخي في هذا الكلام؟ قال له الصياد: الفاتحة بيني وبينك على هذا الكلام فقرأ كل منهما الفاتحة وخلصه من الشبكة ثم قال له الصياد: ما اسمك؟ قال له: اسمي عبد الله البحري فإذا أتيت إلى هذا المكان ولم ترني فناد وقل: أين أنت يا عبد الله يا بحري فأكون عندك في الحال.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله البحري قال له: إذا أتيت إلى هذا المكان ولم ترني فناد وقل: أين أنت يا عبد الله يا بحري فأكون عندك في الحال وأنت ما اسمك؟ فقال الصياد: اسمي عبد الله قال أنت عبد الله البحري فقف هنا حتى أروح وآتيك بهديةٍ، فقال له: سمعاً وطاعةً فراح عبد الله البحري في البحر فعند ذلك ندم عبد الله البري على كونه خلصه من الشبكة وقال في نفسه: من أين أعرف أنأأنه يرجع إلي وإنما هو يضحك علي حتى خلصته ولو أبقيته كنت أفرج عليه الناس في المدينة وآخذ عليه الدراهم وأدخل به بيوت الأكابر فصار يتندم على إطلاقه ويقول في لنفسه: راح صيدك من يدك فبينما هو يتأسف على خلاصه من يده وإذا بعبد الله البحري رجع إليه ويداه مملوءتان لؤلؤاً ومرجاناً وزمرداً وياقوتاً وجواهر، وقال له: خذ يا أخي ولا تؤاخذني فأنه ما عندي مشنةٌ كنت أملؤها لك.

فعند ذلك فرح عبد الله البري وأخذ منه الجواهر وقال له: كل يوم تأتي إلى هذا المكان قبل طلوع الشمس ثم ودعه وانصرف ودخل البحر وأما الصياد فأنه دخل المدينة وهو فرحانٌ ولم يزل ماشياً حتى وصل إلى فرن الخباز وقال له: يا أخي قد أتانا الخير فحاسبني قال له: ما نحتاج إلى حسابٍ أن كان ما معك شيءٌ فخذ عيشك ومصروفك ورح إلى أن يأتيك الخير. فقال له: يا صاحبي قد أتاني الخير من فيض الله وقد بقي لك عندي جملةً كثيرةً ولكن خذ هذا وكبش له كبشةً من لؤلؤٍ ومرجانٍ وياقوتٍ وجواهرٍ وكانت تلك الكبشة نصف ما معه فأعطاها للخباز وقال له: أعطني شيئاً من المعاملة أصرفه في هذا اليوم حتى أبيع هذه المعادن فأعطاه كل ما كان تحت يده من الدراهم وجميع ما في المشنة التي كانت عنده من الخبز وفرح الخباز بتلك المعادن وقال للصياد: أنا عبدك وخدامك وجمع العيش الذي عنده على رأسه ومشى خلفه إلى البيت فأعطى العيش لزوجته وأولاده، ثم راح إلى السوق وجاء باللحم والخضار وسائر أصناف الفاكهة وترك الفرن وأقام طول ذلك اليوم وهو يعاطي خدمة عبد الله البري ويقضي له مصالحه.

فقال له الصياد: يا أخي أتعبت نفسك، قال له الخباز: هذا واجبٌ لأني صرت خدامك وإحسانك قد غمرني فقال له: أنت صاحب الإحسان علي في الضيق والغلاء وبات معه تلك الليلة على أحسن حال، ثم أن الخباز صار صديقاً للصياد أخبر زوجته بواقعته مع عبد الله البحري ففرحت وقالت: أكتم سرك لئلا تتسلط عليك الحكام فقال لها: أن كتمت سري عن جميع الناس فلا أكتمه عن الخباز، ثم أنه أصبح في ثاني يوم وكان قد ملأ مشنة فاكهة من سائر الأصناف في وقت المساء ثم حملها قبل الشمس وتوجه إلى البحر، وحطها على جانب الشاطئ وقال: أين أنت يا عبد الله يا بحري؟ وإذا به يقول له: لبيك وخرج إليه فقدم له الفاكهة فحملها ونزل بها وغطس في البحر وغاب ساعةً زمانيةً ثم خرج ومعه المشنة ملآنةً من جميع أصناف المعادن والجواهر فحملها عبد الله البري على رأسه وذهب بها، فلما وصل إلى فرن الخباز قال له: يا سيدي قد خبزت لك أربعين كف شريكٍ وأرسلتها إلى بيتك وها أنا أخبز العيش الخاص فمتى خلص أوصله البيت وأروح لك أجيء بالخضار واللحم فكبش له من المشنة ثلاث كبشاتٍ وأعطاه إياها وتوجه إلى البيت وحط المشنة وأخذ من كل صنفٍ من أصناف الجواهر فأخذ جواهر نفيسةً، ثم ذهب إلى سوق الجواهر ووقف على دكان شيخ السوق وقال: اشتر مني هذه الجواهر فقال له: أرني إياها فأراه فقال له: هل عندك غير هذا؟ قال: عندي مشنةً ممتلئةً، قال له: أين بيتك؟ قال: في الحارة الفلانية فأخذ منه الجواهر وقال لأتباعه: أمسكوه فأنه هو الحرامي الذي سرق مصالح الملكة زوجة السلطان ثم أمرهم أن يضربوه فضربوه وكتفوه وقام الشيخ هو وجميع أهل سوق الجواهر وصاروا يقولون: مسكنا الحرامي وبعضهم يقول: ما سرق متاع فلانٍ إلا هذا الخبيث وبعضهم يقول: ما سرق جميع ما في بيت فلانٍ، إلا هو وبعضهم يقول كذا وكذا كل ذلك وهو ساكت ولم يرد على أحدٍ منهم جواباً ولم يبدأ له خطابا حتى أوقفوه قدام الملك قال الشيخ: يا ملك الزمان لما سرق عقد الملكة أرسلت أعلمتنا وطلبت منا وقوع الغريم فاجتهدت أنا من دون الناس وأوقعت لك الغريم وها هو بين يديك وهذه الجواهر خلصناها من يده. فقال الملك للطواشي: خذ هذه المعادن وأرها للملكة وقل لها: هل هذا متاعك الذي ضاع من عندك؟ فأخذها الطواشي ودخل بها قدام الملكة فلما رأتها تعجبت منها وأرسلت تقول للملك: أني رأيت عقد في مكاني وهذا ما هو متاعي ولكن هذه الجواهر أحسن من جواهر عقدي فلا تظلم الرجل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوجة الملك لما أرسلت تقول له: هذا ما هو متاعي ولكن هذه الجواهر أحسن من جواهر عقدي فلا تظلم الرجل وأن كان يبيعها فاشترها منه لبنتك أم السعود ليضعها لها في عقدٍ فلما رجع الطواشي وأخبر الملك بما قالته الملكة لعن شيخ الجواهرجية هو وجماعته لعنةً عادٍ وثمودٍ فقالوا: يا ملك الزمان أنا كنا نعرف أن هذا الرجل صيادٌ فقيرٌ فاستكثرنا ذلك عليه وقد ظننا أنه سرقها فقال: يا قبحاء أتستكثرون النعمة على مؤمنٍ فلا شيء لم يدر بما رزقه الله بها من حيث لا يحتسب فكيف تجعلونه حرامياً وتفضحونه بين العالم؟ اخرجوا لا بارك الله فيكم فخرجوا وهم خائفون. هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر الملك فأنه قال له: يا رجل بارك الله لك فيما أنعم به عليك وعليك الأمان ولكن أخبرني بالصحيح من أين هذه الجواهر فأني ملكٌ ولا توجد عندي مثلها؟ فقال: يا ملك الزمان أنا عندي مشنةً ممتلئةً منها وهو أن الأمر كذا وكذا وأخبره بصحبته لعبد الله البحري وقال له: أنه قد صار بيني وبينه عهدٌ على أنني كل يوم أملأ له المشنة فاكهةً وهو يملؤها لي من هذه الجواهر، فقال له: يا رجل هذا نصيبك ولكن المال يحتاج إلى الجاه فأنا أدفع عنك تسلط الناس عليك في هذه الأيام ولكن ربما عزلت أو مت وتولى غيري فأنه يقتلك من أجل حب الدنيا والطمع فمرادي أن أزوجك ابنتي وأجعلك وزيري وأوصي لك بالملك من بعدي حتى لا يطمع فيك أحد بعد موتي. ثم أن الملك قال: خذوا هذا الرجل وأدخلوه الحمام فأخذوه وغسلوا جسده وألبسوه ثياباً من الملوك وأخرجوه قدام الملك فجعله وزيراً له ثم أرسل إلى زوجته ملابس نساء الملوك هي وأولادها وأركبوها في تختروان ومشت قدامها جميع النساء الأكابر والعساكر والسعاة وأصحاب النوبة وأتوا بها إلى بيت الملك والطفل الصغير في حضنها وأدخلوا أولادها الكبار على الملك فأكرمهم وأخذهم على حجره وأجلسهم في جانبه وهم تسعة أولادٍ ذكورٍ وكان الملك معدوم الذرية، ما رزق غير تلك البنت التي اسمها أم السعود وأما الملكة فأنها أكرمت زوجة عبد الله البري وأنعمت عليها وجعلتها وزيرةً وأرسل السعاة وأصحاب النوبة وجميع نساء الأكابر إلى بيته فألبسوا عندها وأمر الملك يكتب عبد الله البري على ابنته وجعل مهرها جميع ما كان عنده من الجواهر والمعادن، وفتحوا باب الفرح وأمر الملك أن ينادي بزينة المدينة من أجل فرح ابنته وفي اليوم الثاني بعد أن دخل على بنت الملك وأزال بكارتها طل الملك من الشباك فرأى عبد الله حاملاً على رأسه مشنةً ممتلئةً فاكهةً، فقال له: ما هذا الذي معك يا نسيبي وإلى أين تذهب؟ فقال: إلى صاحبي عبد الله البحري فقال له: يا نسيبي ما هذا وقت الرواح إلى صاحبك فقال: أخاف أن أخلف معه المعاد فيعدني كذاباً ويقول لي أن الدنيا الهتك عني قال: صدقت رح إلى صاحبك أعانك الله فمشى في البلد وهو متوجهٌ إلى صاحبه وكانت الناس قد عرفته فصار يسمع الناس يقولون: هذا نسيب الملك رائحٌ يبدل الأثمار بالجواهر والذي يكون جاهلا به ولا يعرفه يقول: يا رجل بكم الرطل؟ تعالي بعني فيقول له: انتظرني حتى أرجع إليك ولا يغم أحداً، ثم راح واجتمع بعبد الله البحري وأعطاه الفاكهة وأبدلها له بالجواهر ولم يزل على هذه الحالة وفي كل يومٍ يمر على الخباز فيراه مقفولاً ودام على ذلك مدة عشرة أيامٍ، فلما لم ير الخباز ورأى فرنه مقفولا قال في نفسه: أن هذا شيءٌ عجيبٌ يا ترى أين راح الخباز؟ ثم أنه سأل عنه جارٌ له يا أخي أين جارك الخباز؟ فما فعل الله به؟ قال له: يا سيدي أنه مريض لا يخرج من بيته قال له: أين بيته؟ قال له: في الحارة الفلانية فعمد إليه وسأل عنه فلما طرق الباب طل الخباز من الطاقة فرأى صاحبه الصياد وعلى رأسه مشنةً ممتلئةً فنزل إليه وفتح له الباب ورمى روحه عليه وعانقه وقال له: كيف حالك يا صاحبي فأن كان من أمر على الفرن فأراه مقفولاً ثم سألت جارك فأخبرني بأنك مريضٌ فسألت عن البيت لأجل أن أراك فقال له الخباز: جزاك الله عني كل خير فليس بي مرضٌ، وإنما بلغني أن الملك أخذك لأن بعض الناس كذب عليك وادعى أنك حرامي فخفت أنا وقفلت الفرن واختفيت.

قال: صدقت ثم أنه أخبره بقضيته وما وقع له مع الملك وشيخ سوق الجواهرجية وقال له: أن الملك قد زوجني ابنته وجعلني وزيره ثم قال له: خذ من المشنة نصيبك ولا تخف، ثم خرج من عنده بعد أن ذهب عنه الخوف وراح إلى الملك بالمشنة فارغةً فقال له الملك: يا نسيبي كأنك ما اجتمعت برفيقك عبد الله البحري في هذا اليوم؟ فقال: رحت له والذي أعطاه لي أعطيته إلى صاحبي الخباز فأن له علي جميلاً قال: من يكون هذا الخباز؟ قال: أنه رجلٌ صاحبٌ معروفٌ وجرى لي معه في أيام الفقر ما هو كذا وكذا ولم يهملني يوما ولا كسر خاطري قال الملك: ما اسمه؟ قال: عبد الله الخباز وأنا اسمي عبد الله البري وصاحبي اسمه عبد الله البحري قال الملك: وأنا اسمي عبد الله وعبيد الله كلهم أخوان فأرسل إلى صاحبك الخباز هاته لتجعله وزير ميسرة، فأرسل إليه، فلما حضر بين يدي الملك ألبسه بدلة وزيرٍ وجعله وزير الميسرة وجعل عبد الله البري وزير الميمنة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك جعل عبد الله البري نسيبه وزير الميمنة وعبد الله الخباز وزير الميسرة واستمر عبد الله على تلك الحالة سنةً كاملةً وهو في كل يوم يأخذ المشنة ممتلئةً فاكهةً ويرجع بها ممتلئةً جواهر ومعادن ولما فرغت الفواكه من البساتين صار يأخذ زبيباً ولوزاً وبندقاً وجوزاً وتيناً وغير ذلك وجميع ما يأخذه له يقبله منه ويرد له المشنة ممتلئةً جواهر على عادته فاتفق يوماً من الأيام أنه أخذ المشنة ممتلئةً نقلاً على عادته فأخذها منه وجلس عبد الله البري على الشاطئ وجلس عبد الله البحري في الماء قرب الشاطئ وصارا يتحدثان مع بعضهما ويتداولان الكلام بينهما حتى أنجرا إلى ذكر المقابر فقال البحري: يا أخي أنهم يقولون في أن النبي صلى الله عليه وسلم مدفونٌ عندكم في البر فهل تعرف قبره؟ قال نعم قال له: في أي مكانٍ هو؟ قال له: في مدينةٍ يقال لها مدينة طية فقال: وهل تزوره الناس أهل البر؟ قال: نعم قال: هنيئا لكم يا أهل البر بزيارة هذا النبي الكريم الرؤوف الرحيم الذي من زاره استوجب شفاعته، وهل أنت زرته يا أخي؟ قال: لا لأني كنت فقيرٌ ولا أجد ما أنفقه في الطريق وما استغنيت إلا من حين عرفتك وتصدقت علي بهذا الخير، ولكن قد وجبت عليَّ زيارته بعد أن أحج بيت الله الحرام وما منعني من ذلك إلا محبتك فأني لا أقدر أن أفارقك يوماً واحداً.

فقال له: وهل تقدم محبتي على زيارة قبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشفع فيك يوم العرض على الله وينجيك من النار وتدخل الجنة بشفاعته؟ وهل من أجل حب الدنيا تترك زيارة قبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا والله إن زيارته مقدمةٌ عندي على كل شيءٍ ولكن أريد منك إجازة أن أزوره في هذا العام، قال: أعطيك الإجازة بزيارته وإذا وقفت على قبره فاقرئه مني السلام، وعندي أمانةً فأدخل معي البحر حتى آخذك إلى مدينتي وأدخلك بيتي وأضيفك وأعطيك أمانةً لتضعها على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقل له يا رسول الله أن عبد الله البحري يقرئك السلام وقد أهدى إليك هذه الهدية وهو يرجو منك الشفاعة من النار. فقال له عبد الله البري: يا أخي أنت خلقت من الماء ومسكنك الماء وهولا يضرك فهل إذا خرجت منه إلى البر يحصل لك ضررٌ؟ قال: نعم ينشف بدني وتهب علي نسمات البر فأموت، قال له: وأنا كذلك خلقت في البر ومسكني البر فإذا دخلت البحر يدخل الماء في جوفي ويخنقني فأموت. قال له: لا تخف من ذلك فأني آتيك بدهنٍ تدهن به جسمك فلا يضرك الماء ولو كنت تقضي بقية عمرك وأنت دائرٌ في البحر وتنام وتقوم في البحر ولا يضرك شيءٌ، قال: إذا كان الأمر كذلك لا بأس هات لي الدهان حتى أجربه قال: وهو كذلك ثم أخذ المشنة ونزل في البحر وغاب قليلاً ثم رجع ومعه شحمٌ مثل شحم البقر لونه أصفر كلون الذهب ورائحته زكيةٌ، فقال له عبد الله البري: ما هذا يا أخي؟ فقال: شحم كبد صنفٍ من أصناف السمك يقال له الدندان وهو أعظم أصناف السمك خلقةً وهو أشد أعدائنا علينا وصورته أكبر صورةٍ توجد عندكم من دواب البر، ولو رأى الجمل والفيل لابتلعه.

فقال له: يا أخي وما يأكل هذا المشؤوم؟ فقال: يأكل من دواب البحر أما سمعت أنه يقال في المثل: مثل سمك البحر القوي يأكل الضعيف؟ قال: صدقت ولكن هل عندكم من هذا الدندان في البحر كثيرٌ؟ قال: عندنا شيءٌ لا يحصيه إلا الله تعالى. قال عبد الله البري: أني أخاف إذا نزلت معك أن يصادفني هذا النوع فيأكلني، قال عبد الله البحري: لا تخف فإنه متى رآك عرف أنك ابن آدمٍ فيخاف منك ويهرب ولا يخاف من أحدٍ في البحر مثل ما يخاف من ابن آدم لأنه متى أكل ابن آدم مات من وقته وساعته فأن شحم ابن آدم قاتلٌ لهذا النوع ونحن ما نجمع شحم كبده إلا بواسطة ابن آدمٍ إذا وقع في البحر غريقاً فإنه تتغير صورته وربما تمزق لحمه فيأكله الدندان لظنه أنه من حيوان البحر فيموت فنعثر به ميتاً فنأخذ شحم كبده وندهن به أجسامنا وندور في البحر فأي مكانٍ كان فيه ابن آدم إذا كان فيه مائة أو مائتان أو أكثر من هذا النوع وسمعوا صيحة ابن آدم فإن الجميع يموتون لوقتهم من صيحةٍ واحدةٍ.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله البحري قال لعبد الله البري: وإذا سمع ألفٌ من هذا النوع أو أكثر صيحةً واحدةً من بني آدم يموتون لوقتهم ولا يقدر أحد منهم أن ينتقل من مكانه، فقال عبد الله البري: توكلت على الله، ثم قلع ما كان عليه من الملبوس وحفر في شاطئ البحر ودفن ثيابه وبعد ذلك دهن جسمه من فوقه إلى قدمه بهذا الدهن ثم نزل في الماء وغطس وفتح عينيه فلم يضره الماء فمشى يميناً وشمالاً ثم جعل أن شاء يعلو وأن شاء ينزل إلى القرار ورأى ماء البحر مخيماً عليه مثل الخيمة ولا يضره.

فقال عبد الله البحري: ماذا ترى يا أخي؟ قال له: أرى خيراً وقد صدقت فيما قلت فأن الماء ما ضرني، قال له: اتبعني فتبعه وما زالا يمشيان من مكانٍ إلى مكانٍ وهو يرى أمامه وعن يمينه وشماله جبالاً من الماء فصار يتفرج عليها وعلى أصناف السمك وهي تلعب في البحر البعض كبيرٌ والبعض صغيرٌ وفيه شيءٌ يشبه الجاموس وشيءٌ يشبه البقر وشيءٌ يشبه الكلاب وشيءٌ يشبه الآدميين وكل نوعٍ قربنا منه يهرب، فقال له: مخافةٌ منك لأن جميع ما خلقه الله تعالى يخاف من ابن آدم.

وما زال يتفرج على عجائب البحر حتى وصل إلى جبلٍ عالٍ فمشى عبد الله البري بجانب ذلك الجبل فلم يشعر إلا وصيحةً عظيمةً فالتفت فرأى شيئاً أسوداً منحدراً عليه من ذلك الجبل وهو قدر الجمل أو أكبر وصار يصيح، فقال: ما هذا يا أخي؟ قال له البحري: هذا الدندان فأنه نازل في طلبي مراده أن يأكلني فصح عليه يا أخي قبل أن يصل إلينا فيخطفني ويأكلني فصاح عليه عبد الله البري فوقع ميتاً، قال: سبحان الله وبحمده أنا لا ضربته بسيفٍ ولا بسكينٍ كيف هذه العظمة التي فيها هذا المخلوق ولم يحمل صيحتي بل مات؟ فقال له عبد الله البحري: لا تعجب يا أخي فو الله لو كان من هذا النوع ألفٌ أو ألفان لما حملوا صيحة ابن آدم.

ثم مشيا إلى مدينةٍ فرأيا أهلها جميعاً بنات وليس فيهن ذكورٌ فقال: يا أخي ما هذه المدينة وما هذه البنات؟ فقال له: هذه مدينة البنات لأن أهلها من بنات البحر، قال: هل فيهن ذكور؟ قال: لا، قال: كيف يحبلن ولا يلدن من غير ذكور؟ قال: أن ملك البحر ينفيهن إلى هذه المدينة وهن لا يحبلن ولا يلدن وإنما كل واحدةٍ غضب عليها من بنات البحر يرسلها إلى هذه المدينة ولا تقدر أن تخرج منها فأن خرجت منها فكل من يراها من دواب البحر يأكلها، وأما غير هذه المدينة ففيها رجالٌ وبناتٌ. قال له: هل في البحر مدنٌ غير هذه المدينة؟ قال له: كثيرٌ، قال: وهل عليكم سلطانٌ في البحر؟ قال: نعم، قال له: يا أخي أني رأيت في البحر عجائب كثيرة، قال له: وأي شيءٍ رأيت من العجائب؟ قال: أما سمعت صاحب المثل يقول: عجائب البحر أكثر من عجائب البر؟ قال: صدقت.

ثم أنه صار يتفرج على هذه البنات فرأى لهن وجوهاً مثل الأقمار وشعوراً مثل شعور النساء ولكن لهن أيادٍ وأرجلٍ في بطونهن ولهن أذنابٌ مثل أذناب السمك، ثم أنه فرجه على أهل تلك المدينة وخرج به ومشى قدامه إلى مدينةٍ أخرى فرآها ممتلئةً خلائق إناثاً وذكوراً صورتهم مثل صورة البنات ولهن أذناب ولكن ليس عندهم بيعٌ ولا شراءٌ مثل أهل البر وليسوا لابسين بل الكل عراةٍ مكشوفي العورة فقال له: يا أخي أني أرى الإناث والذكور مكشوفوا العورة فقال له: أن أهل البحر لا قماش عندهم. فقال له: يا أخي كيف يصنعون إذا تزوجوا؟ فقال له: هم لا يتزوجون بل كل من أعجبته أنثى يقضي مراده منها، قال له: أن هذا شيءٌ حرامٌ، ولأي شيءٍ لا يخطبها يمهرها ويقيم لها فرحا ويتزوجها بما يرضي الله ورسوله؟ قال: ليس كلنا ملةً واحدةً فإن فينا مسلمين موحدين وفينا نصارى ويهودٌ وغير ذلك والذي يتزوج حصوص المسلمين. فقال: أنتم عراةٌ وما عندكم بيعٌ ولا شراءٌ، فأي شيءٍ يكون مهر نسائكم، وهل تعطوهن جواهر ومعادن؟ قال له: أن الجواهر أحجار ليس لها عندنا قيمةٌ وإنما الذي يريد أن يتزوج يجعلون شيئاً معلوماً من أصناف السمك يصطاده قدر ألف أو ألفين أو أكثر حسب ما يحصل عليه الاتفاق بينه وبين والد الزوجة فحين يحضر المطلوب يجتمع أهل العريس وأهل العروسة ويأكلون الوليمة ثم يدخلونه على زوجته وبعد ذلك يصطاد من السمك ويطعمها وإذا عجز تصطاد هي وتطعمه. قال: وأن زنى بعضهم ببعض كيف يكون الحال؟ قال: أن الذي يثبت عليه الأمر أن كانت أنثى ينفونها إلى مدينة البنات فإذا كانت حاملاً من الزنى فإنهم يتركونها إلى أن تلد، فأن ولدت بنتاً ينفونها معها وتسمى زانيةً ولا تزال بنتاً حتى تموت، وأن كان المولود ذكراً فأنهم يأخذونه إلى الملك السلطان فيقتله.

فتعجب عبد الله البري من ذلك، ثم أن عبد الله البحري أخذه إلى مدينةٍ أخرى، وهكذا وما زال يفرجه حتى فرجه على ثمانين مدينةٍ وكل مدينةٍ يرى أهلها لا يشبهون أهل غيرها من المدن، فقال له: يا أخي هل بقي في البحر مدائن؟ قال: وأي شيء رأيت من مدائن البحر وعجائبه، وحق النبي الكريم الرؤوف الرحيم لو كانت فرجتك ألف عامٍ كل عام على مدينةٍ وأريتك في كل مدينةٍ ألف أعجوبةٍ ما أريتك قيراطاً من أربعةٍ وعشرون قيراطاً من مدائن البحر وعجائبه وإنما فرجتك على أرضنا وديارنا لا غير، فقال له: يا أخي حيث كان الأمر كذلك يكفيني ما تفرجت عليه فأني سئمت من أكل السمك ومضى لي في صحبتك ثمانون يوماً وأنت لا تطعمني صباحاً ومساءً إلا سمكاً طرياً لا مستوياً ولا مطبوخاً، فقال لها: أي شيءٍ يكون المطبوخ والمشوي؟ قال له عبد الله البري: نحن نشوي السمك في النار ونطبخه ونجعله أصنافاً ونصنع منه أنواعاً كثيرةً، فقال له البحري: من أين تأتي لنا النار فنحن لا نعرف المشوي من المطبوخ وغير ذلك، فقال له البري: نحن نقليه بالزيت والسيرج فقال له البحري: ومن أين لنا الزيت والسيرج ونحن في هذا البحر لا نعرف شيئاً مما ذكرته؟ قال: صدقت ولكن يا أخي قد فرجتني على مدائن كثيرةٍ ولم تفرجني على مدينتك.

قال له: أما مدينتي فأننا فتناها بمسافة وهي قريبةٍ من البر الذي أتينا منه وإنما تركت مدينتي وجئت بك إلى هنا لأني قصدت أن أفرجك على مدائن البحر. قال له: يكفيني ما تفرجت عليه ومرادي أن تفرجني على مدينتك، قال له: وهو كذلك، ثم رجع وإياه إلى مدينته فلما وصلا إليها قال له: هذه مدينتي فرآها مدينةً صغيرةً عن المدائن التي تفرج عليها، ثم دخل المدينة ومعه عبد الله البحري إلى أن وصلا إلى مغارةٍ فقال له: هذا بيتي وكل بيوت هذه المدينة كذلك مغائرٌ كبيرةٌ وصغيرةٌ في الجبال وكذلك جميع مدائن البحر على هذه الضفة فأن كل من أراد أن يصنع له بيتاً يروح إلى الملك ويقول له: أريد أن أتخذ بيتاً في المكان الفلاني فيرسل معه الملك طائفةً من السمك تسمى النقارين ويجعل كراهم شيئاً معلوماً من السمك ولهم مناقر تفتت الحجر الجلمود فيأتون إلى الجبل الذي أراده صاحب البيت وينقرون في البيت وصاحب البيت يصطاد لهم السمك ويلقمهم حتى تتم المغارة فيذهبون وصاحب البيت يسكنه، وجميع أهل البحر على هذه الحالة لا يتعاملون مع بعضهم ولا يخدمون بعضهم إلا بالسمك وكلهم سمك. ثم قال: أدخل، فدخل، فقال عبد الله البحري: يا ابنتي وإذا بابنته أقبلت عليه ولها وجهٌ مدورٌ مثل القمر ولها شعرٌ طويلٌ وردفٌ ثقيلٌ وطرفٌ كحيلٌ وخصرٌ نحيلٌ لكنها عريانةٌ ولها ذنبٌ فلما رأت عبد الله البري مع أبيها قالت له: يا أبي ما هذا الأزعر الذي جئت به معك؟ فقال لها: يا ابنتي هذا صاحبي عبد الله البري الذي كنت أجيء لك من عنده بالفاكهة البرية تعالي سلمي عليه فتقدمت وسلمت عليه بلسانٍ فصيحٍ وكلامٍ بليغٍ فقال أبوها: هات زاداً لضيفنا الذي حلت علينا بقدومه البركة فجاءت له بسمكتين كبيرتين كل واحدةٍ منها مثل الخروف فقال له: كل فأكل غصباً عنه من الجوع لأنه سئم من أكل السمك وما عندهم شيءٌ غير السمك فما مضى حصةً إلا وامرأة عبد الله البحري أقبلت وهي جميلة الصورة ومعها ولدان كل واحدٍ في يده فرخٌ من السمك يقرش فيه كما يقرش الإنسان في الحيات فلما رأت عبد الله البري قالت: أي شيء هذا الأزعر؟ وتقدم الولدان وأختهما وأمهم وصاروا ينظرون إلى دبر عبد الله البري ويقولون: أي أزعر والله وصاروا يضحكون عليه سخريةً فقال عبد الله البري: يا أخي هل أنت جئت بي لتجعلني سخريةً لأولادك وزوجتك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله البري قال لعبد الله البحري: يا أخي هل أنت جئت بي لتجعلني سخريةً لأولادك وزوجتك؟ فقال له عبد الله البحري: العفو يا أخي فأن الذي لا ذنب له غير موجودٍ عندنا وإذا وجد من غير ذنبٍ يأخذه السلطان ليضحك عليه ولكن يا أخي لا تؤاخذ هؤلاء الأولاد الصغار والمرأة فأن عقولهم ناقصةٌ ثم صرخ عبد الله البحري على عياله وقال لهم: اسكتوا فخافوا منه وسكتوا وجعل يأخذ بخاطره فبينما هو يتحدث معه وإذا بعشرة أشخاصٍ كبارٍ شدادٍ غلاظٍ أقبلوا عليه وقالوا: يا عبد الله أنه بلغ الملك أن عندك أزعر من البر، قال: نعم وهو هذا الرجل فأنه صاحبي أتاني ضيفاً ومرادي أن أرجعه إلى البر، قالوا له: أننا لا نقدر أن نروح إلا به فأن كان مرادك كلاماً فقم وخذه وأحضر به قدام الملك والذي تقوله لنا قله للملك فقال عبد الله البحري. يا أخي العذر واضحٌ ولا يمكننا مخالفة الملك ولكن أمضي معي للملك وأنا أسعى في خلاصك منه أن شاء الله تعالى فلا تخف فأنه متى رآك وعرف أنك من أولاد البر ومتى علم أنك بريءٌ فلا بد أنه يكرمك ويردك إلى البر. فقال عبد الله البري: الرأي رأيك فأنا أتوكل على الله وأمشي معك ثم أخذه ومضى به إلى أن وصل إلى الملك فلما رآه ضحك وقال: مرحباً بالأزعر وصار كل من كان حوله يضحك عليه ويقول: أي والله أنه أزعر فتقدم عبد الله البحري إلى الملك وأخبره بأحواله وقال له: هذا من أولاد البر وصاحبي وهو لا يعيش بيننا لأنه لا يحب أكل السمك إلا مقلياً أو مطبوخاً والمراد أنك تأذن لي في أن أرده إلى البر. فقال له الملك: حيث أن الأمر كذلك وأنه لا يعيش عندنا فقد أذنت لك أن ترده إلى مكانه بعد الضيافة ثم أن الملك قال: هاتوا له الضيافة فأتوا له بسمكٍ أشكالاً وألواناً فأكل امتثالاً لأمر الملك ثم قال له الملك: تمن علي فقال عبد الله البري: أتمنى عليك أن تعطيني جواهر فقال: خذوه إلى دار الجواهر ودعوه ينقي ما يحتاج إليه فأخذه صاحبه إلى دار الجواهر ونقى على قدر ما أراد ثم رجع إلى مدينته وأخرج له صرةً وقال له: خذ هذه أمانةٌ وأوصلها إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها وهو لا يعلم ما فيها ثم خرج معه ليوصله إلى البر فرأى في طريقه غناءً وفرحاً وسماطاً ممدوداً من السمك والناس يأكلون ويغنون وهم في فرحٍ عظيمٍ فقال عبد الله البري لعبد الله البحري: ما لهؤلاء الناس في فرحٍ عظيمٍ هل عندهم عرسٌ؟ فقال البحري: ليس عندهم عرسٌ وإنما مات عندهم ميتٌ فقال له: وهل أنتم إذا مات عندكم ميت تفرحون له وتغنون وتأكلون؟ قال: نعم وأنتم يا أهل البر ماذا تفعلون؟ قال البري: إذا مات عندنا ميت نحزن عليه ونبكي والنساء يلطمن وجوههن ويشققن جيوبهن حزناً على من مات فحملق عبد الله البحري عينيه في عبد الله البري وقال له: هات الأمانة فأعطاها له ثم أخرجه إلى البر وقال له: قد قطعت صحبتك وودك فبعد هذا اليوم لا تراني ولا أراك فقال له: لماذا هذا الكلام؟ فقال له: ما أنتم يا أهل البر أمانة الله. فقال البري: نعم قال: فكيف لا يهون عليكم أن الله يأخذ أمانته بل تبكون عليها فكيف أعطيك أمانة النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم إذا أتاكم المولود تفرحون به مع أن الله يضع فيه الروح أمانةً فإذا أخذها كيف تصعب عليكم وتبكون وتحزنون فما لنا في رزقكم حاجةً ثم تركه وراح إلى البر ثم أن عبد الله البري لبس حوائجه وأخذ جواهره وتوجه إلى الملك فتلقاه باشتياقٍ وفرحٍ به وقال له: كيف أنت يا نسيبي وما سبب غيابك عني هذه المدة؟ فأخبره بقصته وما رآه من العجائب في البحر.

فتعجب الملك من ذلك ثم أخبره بما قاله عبد الله البحري فقال له: أنت الذي أخطأت في أخبارك له بهذا الخبر ثم أنه استمر مدةً من الزمان وهو يروح إلى جانب البحر ويصيح على عبد الله البحري فلم يرد عليه ولم يأت إليه فقطع عبد الله البري الرجاء منه وأقام هو والملك نسيبه وأهلهما في أسر حالٍ وأحسن أعمالٍ حتى أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات وماتوا جميعاً فسبحان الحي الذي لا يموت ذي الملك والملكوت وهو على كل شيءٍ قديرٍ وبعباده لطيفٌ خبيرٌ.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 38 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف

ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر اسمه مسرور وكان ذلك الرجل من أحسن أهل زمانه كثير المال مرفه الحال ولكنه كان يحب النزهة في الرياض والبساتين ويتلهى بهوى النساء الملاح فاتفق إنه كان نائماً في ليلة من الليالي فرأى في نومه أنه في روضة من أحسن الرياض وفيها أربع طيور من جملتهما حمامة بيضاء مثل الفضة المجلية فأعجبته تلك الحمامة وصار في قلبه منها وجد عظيم وبعد ذلك رأى أنه نزل عليه طائر عظيم خطف تلك الحمامة من يده فعظم ذلك عليه، ثم بعد ذلك انتبه من نومه فلم يجد الحمامة فصار يعالج أشواقه إلى الصباح فقال في نفسه لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذه المنام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور التاجر لما انتبه من نومه صار يعالج أشواقه إلى الصباح وقال لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذا المنام، فقام يمشي إلى أن بعد عن منزله فلم يجد من يفسر له هذا المنام، ثم بعد ذلك طلب الرجوع إلى منزله فبينما هو في الطريق إذا خطر بباله أن يمر على دار من دور التجار وكانت تلك الدار لبعض الأغنياء فلما وصل إليها وإذا به يسمع بها صوت أنين من كبد حزين وهو ينشد هذه الأبيات:

نسيم الصبا هبت لنا من رسومها معطرة يشفي العليل شميمهـا

وقفت بأطـلال دوارس سـائلاً وليس يجيب الدمع إلا رميمها

فقلت نسيم الريح بالله خـبـري هل الدار هذي قد يعود نعيمها

وأحظى بظبي مال بي لين قده وأجفانه الوسنا ضناني سقيمها

فلما سمع مسرور ذلك الصوت نظر في داخل البيت فرأى روضة من أحسن الرياض في باطنها ستر من ديباج أحمر مكلل بالدر والجوهر وعليه من وراء الستر أربع جوار بينهن صبية دون الخماسية وفوق الرباعية كأنها البدر المنير والقمر المستدير بعينين كحيلتين وحاجبين مقرنين وفم كأنه خاتم سليمان وشفتين وأسنان كالدر والمرجان وهي تسلب العقول بحسنها وجمالها وقدها واعتدالها فلما رآها مسرور دخل الدار وبالغ في الدخول حتى وصل إلى الستر فرفعت رأسها إليه ونظرته فعند ذلك سلم عليها فردت عليه السلام بعذوبة الكلام. فلما نظرها وتأملها طاش عقله وذهب قلبه ونظر إلى الروضة وكانت من الياسمين المنثور والبنفسج والورد والنارنج وجميع ما يكون فيها من المشموم وقد توشحت جميع الأشجار بالأثمار وفي تلك الروضة طيور من قمري وحمام وبلبل ويمام وكل طير يغرد بصوته والصبية تتمايل في حسنها وجمالها وقدها واعتدالها يفتتن بها كل من رآها ثم قالت أيها الرجل ما الذي أقدمك على دار غير دارك وعلى جوار غير جوارك من غير إجازة أصحابها فقال لها: يا سيدتي رأيت هذه الروضة فأعجبني حسن اخضرارها وفيح أزهارها وترنم أطيارها فدخلتها لأتفرج فيها ساعة من الزمان وأروح إلى حال سبيلي فقالت له حباً وكرامة. فلما سمع مسرور التاجر كلامها ونظر إلى ظرفها ورشاقة قدها تحير من حسنها وجمالها ومن لطافة الروضة والطير فطار عقله من ذلك وصار متحيراً في أمره وأنشد هذه الأبيات:

قمري تبدي في بديع محاسـن بين الربا والرواح والريحـان

والآس والنسرين ثم بنفـسـج فاحت روائحه من الأغصـان

يا روضة كملت بحسن صفاتها وحوت جميع الزهر والأفنان

فالبدر يجلي تحت ظل غصونها والطير تنشد أطيب الألحـان

قمريها وهزارها ويمـامـهـا وكذا البلابل هيجت أشجانـي

وقف الغرام بمهجتي متحـيراً في حسنها كتحير السـكـران

فلما سمعت زين المواصف شعر مسرور نظرت إليه نظرة أعقبتها ألف حسرة وسلبت بها عقله ولبه وأجابته عن شعره بهذه الأبيات:

لا ترتجى وصل التي علقتهـا وأقطع مطامعك التي أماتهـا

وذر الذي ترجوه أنك لم تطق صد التي في الغانيات عشقتها

تجنى على العشاق الحاظي ولم تعظم على مقالة قد قلتـهـا

فلما سمع مسرور كلامها تجلد وكتم أمرها في سره وتنكر وقال في نفسه ما للبلية إلا الصبر ثم داموا على ذلك إلى أن هجم الليل فأمرت بحضور المائدة فحضرت بين أيديهما وفيها من سائر الألوان من السماني وأفراخ الحمام ولحوم الضأن فأكلا حتى اكتفيا ثم أمرت برفع الموائد فرفعت وحضرت آلات الغسل فغسلا أيديهما ثم أمرت بوضع الشمعدانات فوضعت وجعل فيها شمع الكافور ثم بعد ذلك قالت زين المواصف والله أن صدري ضيق في هذه الليلة لأني محمومة فقال لها مسرور شرح الله صدرك وكشف غمك فقالت يا مسرور أنا معودة بلعب الشطرنج فهل تعرف فيه شيئاً؟ قال أنا عارف به. فقدمته بين أيديهما وإذا هو من الآبنوس مقطع بالعاج له رقعة مرقوقة بالذهب الوهاج وحجارته من درٍ وياقوت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنها لما أمرت بإحضار الشطرنج أحضروه بين أيديهما فلما رآه مسرور حار فكره فالتفتت إليه زين المواصف وقالت له: هل تريد الحمر أم البيض؟ فقال: يا سيدة الملاح وزين الصباح خذي أنت الحمر لأنهم ملاح ولمثلك أملح ودعي لي الحجارة البيض. فقالت: رضيت بذلك. فأخذت الحمر وصفتها مقابل البيض ومدت يديها إلى القطع تنقل في الميدان فنظر إلى أناملها، فرآها كأنها من عجين، فاندهش مسرور من حسن أناملها ولطف شمائلها فالتفتت إليه وقالت: يا مسرور لا تندهش وأصبر وأثبت فقال لها يا ذات الحسن الذي فضح الأقمار إذا نظرك المحب كيف يكون له اصطبار.

فبينما هو كذلك وإذا هي تقول له: الشاه مات فغلبته عند ذلك وعلمت زين المواصف أنه بحبها مجنون فقالت له يا مسرور لا ألعب معك إلا برهن معلوم وقدر مفهوم. فقال لها: سمعاً وطاعةً. فقالت له أحلف لي وأحلف لك أن كلا منا لا يغدر صاحبه. فحلفا معاً على ذلك فقالت له: يا مسرور إن غلبتك أخذت منك عشرة دنانير، وأن غلبتني فأعمل معي ما تريد فظن أنه يغلبها. فقال لها: يا سيدتي لا تخشي في يمينك فإني أراك أقوى مني في اللعب. فقالت له: رضيت بذلك وصار يلعبان ويتسابقان بالبيادق، وألحقهم بالإفراز وصفتهم وقرتهم بالرخاخ وسمحت النفس بتقديم الأفراس، وكان على رأس زين المواصف وشاح من الديباج الأزرق فرفعته عن رأسها وشمرت عن معصم كأنه عمود من نور ومرت بكفها على القطع الحمر وقالت له خذ حذرك فاندهش مسرور وطار عقله وذهب لبه ونظر إلى رشاقتها ومعانيها فاحتار وأخذه الأنبهار فمد يده إلى البيض فراحت إلى الحمر، فقالت: يا مسرور أين عقلك الحمر لي والبيض لك، فقال لها: إن من ينظر إليك يشرد عقله.

فلما نظرت زين المواصف إلى حاله أخذت منه البيض وأعطته الحمر فلعب بها فغلبته ولم يزل يلعب معها وهي تغلبه ويدفع لها في كل مرة عشرة دنانير، فلما عرفت زين المواصف أنه مشغول بهواها قالت له: يا مسرور ما بقيت تنال مرادك إلا إذا كنت تغلبني كما هو شرطك ولا بقيت ألعب معك في كل مرة إلا بمائة دينار. فقال لها حباً وكرامة، فصارت تلاعبه وتغلبه وتكرر ذلك وهو في كل مرة يدفع لها المائة دينار، وداما إلى الصباح وهو لم يغلبها أبدا فنهض قائماً على أقدامه فقالت له ما الذي تريد يا مسرور قال لها: أمضي إلى منزلي وآتي بمالي لعلي أنل منك آمالي، فقالت له: أفعل ما تريد مما بدا لك فمضى إلى منزله وأتاها بالمال جميعه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور لما مضى إلى منزله وأتى لها بالمال جميعه صار يلعب معها وهي تغلبه ولم يقدر أن يغلبها دوراً واحداً ولم يزالا كذلك ثلاثة أيامٍ حتى أخذت منه جميع ماله فلما نفد ماله قالت له: يا مسرور ما الذي تريد؟ قال ألاعبك على دكان العطارة قالت له كم يساوي تلك الدكان؟ قال خمسمائة دينار فنلعب بها خمسة أشواط فغلبته، ثم لعب معها بها على الجواري والعقارات والبساتين والعمارات فأخذت منه ذلك كله وجميع ما يملكه، وبعد ذلك التفتت إليه وقالت له: هل بقي معك شيء من المال تلعب به.

فقال لها: وحق من أوقعني معك في شرك المحبة ما بقيت يدي تملك شيء من المال وغيره لا قليلاً ولا كثيراً. فقالت له: كل شيء يكون أوله رضاً لا يكون آخره ندامة، فإن كنت ندمت فخذ مالك واذهب عنا إلى حال سبيلك وأنا أجعلك في حل من قبلي قال مسرور وحق من قضى علينا بهذه الأمور لو أردت أخذ روحي لكانت قليلة في رضاك، فما عشق قلبي أحداً سواك فقالت: يا مسرور حينئذ اذهب وأحضر القاضي والشهود واكتب لي جميع الأملاك والعقارات.

فقال: حباً وكرامة ثم نهض قائماً في الوقت والساعة وأتى بالقاضي والشهود وأحضرهم عندها، فلما رآها القاضي طار عقله وذهب لبه وتبلبل خاطره من حسن أناملها وقال: يا سيدتي لا أكتب الحجة إلا بشروط أن تشتر العقارات والجواري والأملاك وتصير كلها تحت تصرفك وفي حيازتك. فقالت: قد اتفقنا على ذلك، فاكتب لي حجة بأن ملك مسرور وجواريه وما تملكه يده ينقل إلى ملك زين المواصف بثمن جملته كذا وكذا فكتب القاضي ووضع الشهود خطوطهم على ذلك، وأخذت الحجة زين المواصف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما أخذت الحجة من القاضي مشتملة على أن جميع ما كان ملكاً لمسرور صار ملكاً لها قالت له: يا مسرور اذهب إلى حال سبيلك فالتفتت جاريتها هبوب وقالت له أنشد شيئاً من الأشعار، فأنشد في شأن لعب الشطرنج هذه الأبيات:

أشكر الزمان وما قد حل بي وجرى واشتكي الخسر والشطرنج والنظرا

في حب جـاريةٍ غـيداء نـاعـمةٍ ما مثلها في الورى أنثى ولا ذكـرا

قد فرقت لي سهاماً من لواحظـهـا وقدمت لي جيوشاً تغلب البـشـرا

حمراً وبيضاً وفرسانـاً مـصـادمةٍ فبادرتني وقالت لي خـذ الـحـذرا

وأهملتني إذا مـرت أنـامـلـهـا في جنح ليلٍ بهيمٍ يشبه الـشـعـرا

لم أستطع لخلاص البيض أنقلـهـا والوجد صير مني الدمع منهـمـرا

بيادق ورخـوخ مـع فـــرازنة كرت فأدبر جيش البيض منكسـرا

خيرتـنـي بـين الـعـسـكـرين فاخترت تلك الجيوش البيض مقتمرا

وقلت لهم هذه الجيوش البيض تصلـح لي هم المراد وأما أنت فالـحـمـرا

ولاعبتني على رهـنٍ رضـيت بـه ولم أكن عن رضاها أبلغ الـوطـرا

يا لهف قلبي ويا شوقي ويا حـزنـي على وصال فتاة تشبـه الـقـمـرا

ما القلب في حرقٍ كـلا ولا أسـف على عقاري ولكن يألف الـنـظـرا

وصرت حيران مبهوتاً علـى وجـل أعاتب الدهر فيما تـم لـي وجـرى

قالت فما لك مبهوتاً فقـلـت لـهـا هل شارب الخمر يصحو عندما سكرا

أنسية سلبت عقلـي بـقـامـتـهـا أن لان منها فؤاد يشبه الـحـجـرا

أطبعت نفسي وقلت اليوم أملـكـهـا على الرهان ولا خوفـاً ولا حـذرا

لا زال يطمع قلبي في تواصـلـهـا حتى بقيت على الحالين مفـتـقـرا

هل يرجع الصب عن عشقٍ أضر به ولو غدا في بحار الوجد مـنـحـدرا

فأصبح العـبـد لا مـال بـقـلـبـه أسير شوقي ووجد ما قضى وطـرا

فلما سمعت زين المواصف هذه الأبيات تعجبت من فصاحة لسانه وقالت له: يا مسرور دع عنك هذا الجنون وارجع إلى عقلك وأمض إلى حال سبيلك فقد أفنيت مالك وعقارك في لعب الشطرنج ولم تحصل غرضك وليس لك جهة من الجهات توصلك إليه، فالتفتت مسرور إلى زين المواصف وقال لها يا سيدتي اطلبي أي شيءٍ ولك كل ما تطلبينه فإني أجيء به إليك وأحضره بين يديك. فقالت: يا مسرور ما بقي معك شيء من المال فقال لها: يا منتهى الآمال إذا لم يكن عندي شيء من المال تساعدني الرجال فقالت له: هل الذي يعطي يصير مستطيعاً؟ فقال لها: إن لي أقارب وأصحاباً ومهما طلبته يعطوني إياه.

فقالت له أريد منك أربع نوافج من المسك الأذفر وأربع أواق من الغالية وأربعة أرطال من العنبر وأربعة آلاف دينار وأربع مائة حلة من الديباج الملوكي المزركش فإن كنت يا مسرور تأتي بذلك الأمر أبحث لك الوصال. فقال: هذا علي هين يا مخجلة الأقمار، ثم أن مسرور أخرج من عندها ليأتيها بالذي طلبته منه، فأرسلت خلفه هبوب الجارية حتى تنظر قدره عند الناس الذي ذكرهم لها، فبينما هو يمشي في شوارع المدينة إذ لاحت منه التفاتة فرأى هبوب على بعد فوقف إلى أن لحقته.

فقال لها: يا هبوب إلى أين أنت ذاهبة؟ فقالت له أن سيدتي أرسلتني خلفك من أجل كذا وكذا. وأخبرته بما قالته لها زين المواصف من أوله إلى آخره. فقال لها: والله يا هبوب أن يدي لا تملك شيئاً من المال. قالت له: فلأي شيء وعدتها؟ فقال: كم من وعد لا يفي به صاحبه والمطل بالحب لا بد منه. فلما سمعت هبوب ذلك منه قالت له يا مسرور طب نفساً وقر عيناً والله لأكونن سبباً في اتصالك بها ثم أنها تركته ومشت وما زالت ماشية إلى أن وصلت إلى سيدتها فبكت بكاءً شديداً وقالت لها: يا سيدتي والله أنه رجل كبير المقدار ومحترم عند الناس.

فقالت لها سيدتها: لا حيلة في قضاء الله تعالى أن هذا الرجل ما وجد عندنا قلباً رحيماً لأننا أخذنا ماله ولم يجد عندنا مودة ولا شفقة في الوصال وأن وصلنه إلى مراده أخاف أن يشيع الأمر فقالت لها هبوب: يا سيدتي ما سهل علينا حاله وأخذ ماله ولكن ما عندك إلا أنا وجاريتك سكوب فمن يقدر أن يتكلم منا فيك ونحن جواريك فعند ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض فقال لها الجواري يا سيدتي الرأي عندنا أن ترسلي خلفه وتنعمي عليه ولا تدعيه يسأل أحداً من اللئام فما أمر السؤال فقبلت كلام الجواري ودعت بدواةٍ وقرطاساً وكتبت هذه الأبيات:

دنا الوصل يا مسرور فأبشر بلا مطل إذا أسود جنح الليل فاتأت بالفـعـل

ولا تسأل الأنذال في المال يا فـتـى فقد كنت في سكرٍ وقد رد لي عقلي

فما لك مردودٌ عـلـيك جـمـيعـه وزدتك يا مسرور من فوقه وصلـي

لأنـك ذو صـبـرٍ وفـيك حـلاوةً على جور محبوبٍ جفاك بلا عـدل

فبادر لتحظى بالمنى ولـك الـهـنـا ولا تعط أهمالاً فيدري بنا أهـلـي

هلم إلينا مسرعـاً غـير مـبـطـئ وكل من ثمار الوصل في غيبة البعل

ثم أنها طوت الكتاب وأعطته لجاريتها هبوب ومضت إلى مسرور فوجدته يبكي وينشد قول الشاعر:

وهب على قلبي نسيم من الـجـوى ففتت الأكباد من فـرط لـوعـتـي

لقد زاد وجـدي بـعـد أحـبـتـي وفاضت جفوني في تزايد عبـرتـي

وعندي من الأوهام مـا أن أبـح بـه لصنم الحصى والصخر لانت بسرعة

ألا ليت شعري هل أرى ما يسرنـي وأحظى بما أرجوه من نيل بغـيتـي

وتطوى ليالي الصد من بعد نشرهـا وأبرأ مما دخل القلب حلت صبوتـي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسروراً لما زاد به الهيام صار ينشد الأشعار وهو في غاية الشوق فبينما هو يترنم بتلك الأبيات ويرددها إذ سمعته هبوب فطرقت عليه الباب فقام وفتح لها فدخلت وناولته الكتاب فأخذه وقرأه وقال لها يا هبوب ما وراءك من أخبار سيدتك؟ فقالت له يا سيدي أن في هذا الكتاب ما يغني عن رد الجواب وأنت من ذي الألباب ففرح مسرور فرحاً شديداً وأنشد هذين البيتين:

ورد الكتاب فسرنا مضمـونة وردت أني في الفؤاد أصونه

وازدادت شوقاً عندما قبلتـه فكأنما در الهوى مكنـونـه

ثم أنه كتب كتاباً لها وأعطاه لهبوب فأخذته وأتت به إلى زين المواصف فلما وصلت إليها به صارت تشرح لها محاسنه وتذكر أوصافه وكرمه وصارت مساعدة له على جمع شمله فقالت لها زين المواصف: يا هبوب أنه أبطأ عن الوصول إلينا فقالت لها هبوب: إنه سيأتي سريعاً فلم تستتم كلامها وإذا به قد أقبل وطرق الباب ففتحت له وأخذته وأجلسته عند سيدتها زين المواصف فسلمت عليه ورجعت به وأجلسته إلى جانبها ثم قالت لجاريتها هبوب: هات له بدلة من أحسن ما يكون فقامت هبوب وأتت ببدلةٍ مذهبةٍ فأخذتها وأفرغتها عليه وأفرغت على سيدتها بدلة أيضاً من أفخر الملابس ووضعت على رأسها سبيكة من اللؤلؤ الرطب وربطت على السبيكة عصابة من الديباج مكللة بالدر والجوهر واليواقيت وأرخت من تحت العصبة سالفتين ووضعت في كل سالفة ياقوتة حمراء مرقومة بالذهب الوهاج وأرخت شعرها كأنه الليل الداج وتبخرت بالعود وتعطرت بالمسك والعنبر فقالت لها جاريتها هبوب: الله يحفظك من العين فصارت تمشي وتتبختر في خطواتها وتنعطف فأنشدت الجارية من بديع شعرها هذه الأبيات:

خجلت غصون البان من خطواتها وسطت على العشاق من لحظاتها

قمر تبدي في غياهب شعـرهـا كالشمس تشرق في دجى وفراتها

طوبى لمن باتت تتيه بحسـنـهـا ويموت فيها حالفاً بـحـياتـهـا

فشكرتها زين المواصف، ثم أنها أقبلت على مسرور وهي كالبدر المشهور فلما رآها مسرور نهض قائماً على قدميه وقال: إن صدق قلبي فما هي إنسية وإنما هي من عرائس الجنة، ثم أنها دعت بالمائدة فحضرت ثم أنهم أكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ورفعت سفرة الطعام وقدموا سفرة المدام ودار بينهم الكأس والطاس وطابت لهم الأنفاس وملأ الكأس مسرور وقال: يا من أنا عبدها وهي سيدتي فقالت: يا مسرور كل من تمسك بدينه وأكل خبزنا وملحنا وجب حقه علينا فخل عنك هذه الأمور وأنا أرد عليك أملاكك وجميع ما أخذنا منك، فقال: يا سيدتي أنت في حل مما تذكرينه وأن كنت غدرت في اليمين الذي بيني وبينك فأنا أروح وأصير مسلماً، فقالت جاريتها هبوب: يا سيدتي أنت صغيرة السن وتعرفين كثيراً وأنا استشفع عندك بالله العظيم، فإن لم تطيعيني وتجبري خاطري لا أنام عندك في الدار، فقالت لها: يا هبوب لا يكون إلا ما تريدينه، قومي جددي لنا مجلساً فنهضت الجارية هبوب وجددت مجلساً وزينته وعطرته بأحسن العطر كما تحب وتختار وجهزت الطعام وأحضرت المدام ودار بينهم الكأس والطاس طابت لهم الأنفاس، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما أمرت جاريتها هبوب بتجديد مجلس الأنس قامت وجددت الطعام والمدام ودار بينهم الكأس والطاس وطابت لهم الأنفاس فقالت زين المواصف: يا مسرور قد آن أوان اللقاء والتداني فإن كنت لحبنا تعاني فأنشيء لنا شعر بديع المعاني، فأنشد مسرور هذه القصيدة:

أسرت وفي قلبي لهيبٌ تضرما بحبل وصالٍ في الفراق تصرما

وحب فتاةٍ كان قـلـبـي حـبـهـا وقد سلبت عقلي بخـدٍ تـنـعـمـا

لها الحاجب المقرون والطرف أحور وثغرٍ يحاكي البرق حين تبـسـمـا

لها من سنين العمر عشـر وأربـع ودمعي حكى في حب هاتيك عندما

فعانيهـا مـا بـين نـهـرٍ وروضةٍ بوجه يفوق البدر في أفق السـمـا

وقفت لها شبـه الأسـير مـهـابةً وقلت سلام الله يا ساكن الحـمـى

فردت سلامي عـنـد ذلـك رغـبة بلطف حديث مثل در تـنـظـمـا

وحين رأت قولي لديها تحـقـقـت مرامي وصار القلب منها مصممـا

وقالت أما هـذا الـكـلام جـهـالة فقلت لها كفي عن الصب ألـومـا

فإن تقبليني اليوم فالخـطـب هـين فمثلك معشوقاً ومثلـى مـتـيمـا

فلما رأت مني المرام تـبـسـمـت وقالت ورب خالق الأرض والسمـا

يهودية أقسـى الـنـهـود ديتـهـا وما أنت إلا للنصـارى مـلازمـا

فكيف ترى وصلي ولست بملـتـي فإن تبع هذا الفعل تصبـح نـادمـا

وتلعب بالدينين هل حل في الهـوى ويصبح مثلي بالمـلام مـكـلـمـا

وتهوى به الأديان في كـل وجـهةٍ وتبقى على ديني ودينك محـرمـا

وتحلف بالإنجيل قـولاً مـحـقـقـاً لتحفظ سري في هواك وتكـتـمـا

وأحلف بالـتـوراة إيمـان صـادقٍ بأني على العهد الذي قد تـقـدمـا

حلفت على ديني وشرعي ومذهبـي وحلفتها مثلي يمينـاً مـعـظـمـا

وقلت لها ما الاسم يا غاية المـنـى فقالت أنا زين المواصف في الحما

فناديت يا زين المواصـف أنـنـي بحبك مشغوف الـفـؤاد مـتـيمـا

وعاينت من تحت اللثام جمـالـهـا فصرت كئيب القلب والحال مغرما

فما زلت تحت الستر أخضع شاكـياً كثير غرام في الفؤاد تـحـكـمـا

فلما رأت حالي وفـرط تـولـهـي أمالت لي وجهاً ضاحكاً متبسـمـا

وهبت لنا ريح الـوصـال وعـرت نوافج عطر المسك جيداً ومعصمـا

وقد عبقت منها الأماكـن كـلـهـا وقبلت من فيها رحيقاً ومبـسـمـا

ومالت كغصن البان تحـت غـلائل وحللت وصلا كان قبل مـحـرمـا

وبتنا بجمع الشمل والشمل جـامـع بضم ولثم وارتشاف من الـلـمـى

وما زينة الدنيا سوى مـن تـحـبـه يكون قريباً منك كي تتـحـكـمـا

فلما تجلى الصبح قامـت وودعـت بوجه جميل فائق قمـر الـسـمـا

وقد أنشدت عند الوداع ودمـعـهـا على الخد منثوراً وبعضها منظمـا

فلم أنس عهد الله ما عشت في الورى وحسن الليالي واليمين المعـظـمـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسروراً لما أنشد القصيدة المذكورة وسمعتها زين المواصف أطربت وقالت له: يا مسرور ما أحسن معانيك ولا عاش من يعاديك، ثم دخلت المقصورة ودعت بمسرور فدخل عندها واحتضنها وعانقها وقبلها وبلغ منها ما ظن أنه محال وفرح بما نال من طيب الوصال، فعند ذلك قالت زين المواصف له: يا مسرور أن مالك حرام علينا حلال لك لأننا قد صرنا أحباباً، ثم أنها ردت إليه كل ما أخذته من الأموال وقالت له: يا مسرور هل لك من روضة نأتي إليها ونتفرج عليها؟ قال: نعم لي روضة ليس لها نظير.

ثم مضى إلى منزله وأمر جواريه أن يصنعن طعاماً فاخراً وأن يهيئن مجلساً حسناً وصحبة عظيمة، ثم أنه دعاها إلى منزله فحضرت هي وجواريها فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ودار بينهم الكأس والطاس وطابت لهم الأنفاس وخلا كل حبيب بحبيبه فقالت: يا مسرور خطر ببالي شعر رقيق أريد أن أقوله على العود فقال لها: قوليه، فأخذت العود بيدها وأصلحت شأنه وحركت أوتاره وحسنت النغمات وأنشدت تقول هذه الأبيات:

قد مال بي طربٌ من الأوتـار وصفا الصبوح لنا لدى الأسحار

والحب يكشف عن فؤادٍ متـيم فبدا الهوى بهتك الأسـتـار

مع خمرة رقت بحسن صفاتها كالشمس تجلى في يد الأقمار

في ليلةٍ جاءت لنا بسرورهـا تمحو بصفو شائب الأكـدار

فلما فرغت من شعرها قالت: يا مسرور أنشدنا شيئاً من أشعارك ومتعنا بفواكه أثمارك فأنشد هذين البيتين:

طربنا على بـدرٍ يدير مـدامةً ونغمة عود في رياض مقامنا

وغنت قماريها ومالت غصونها سخيراً وفي أنحائها غاية المنى

فلما فرغ من شعره قالت له زين المواصف: أنشد لنا شعر فيما رقع لنا أن كنت مشغولاً بحبنا، فقال حباً وكرامة وأنشد هذه القصيدة:

قف واستمع ما جرى لي في حب هذا الغزالـي

ريم رمانـي بـنـبـل ولحظه قـد غـزالـي

فتنت عـشـقـاً وأنـي في الحب ضاق احتيالي

هويت ذات دلالٍ محجوبة بالـنـصـال

أبصرتها وسـط روضٍ وقدهـا ذو اعـتـدال

سلمت قالـت سـلامـاً لما صنعت لمـقـالـي

سألت ما الاسم قـالـت اسمي وفاق جمـالـي

سميت زين المواصـف فقلت رقي لـحـالـي

فإن عـنـدي غـرامـاً هيهات صب مثـالـي

قالت فإن كنت تـهـوى وطامعاً في وصـالـي

أريد مـالاً جـــزيلاً يفـوق كـل نــوال

أريد مـنـك ثـيابــاً من الحرير الغـوالـي

وربع قنطـار مـسـكٍ برسم لـيل وصـالـي

ولـؤلـؤ وعـقـيقــاً من النفيس الـغـالـي

وفـضة ونـضـــار من الحلي الحـوالـي

أظهرت صبراً جمـيلاً على عظيم اشتغـالـي

فأنعمت لـي بـوصـلٍ فيا لـه مـن وصـال

أن لامني الغير فـيهـا أقـول يا لـلـرجـال

لهـا شـعـور طـوالٍ والوزن وزن اللـيالـي

وخـدهـا فــيه وردٌ مثل اللظى في اشتعال

وجفنـهـا فـيه سـيفٌ ولحظها كالمـنـبـال

وثغرهـا فـيه خـمـرٌ وريقـهـا كـالـزلال

كأنـه عــقـــد درٍ حوى نظـام الـلآلـي

وجيدهـا جـيد ظـبـي ملـيحة فـي كـمـال

وصـدرهـا كـرخـامٍ ونهدهـا كـالـقـلال

وبطنـهـا فـيه طـي معطر بـالـغـوالـي

وتـحـت ذلـك شـيءٌ له انتـهـت آمـالـي

مربـوب وسـمـــينٌ مكلـثـم يا مـوالـي

كأنـه تـخـت مـلـكٍ عليك أعرض حـالـي

بين العمودين تـلـقـى مصاطباً بـتـعـالـي

لكـنـه فـيه وصـفٌ يدهي عقول الـرجـال

له شـفـاه كـبـــارٍ ونفـرةٌ كـالـبـغـال

يبدو بـحـمـرة عـينٍ ومشفرٌ كـالـجـمـال

إذا أتـــيت إلـــيه بهمةٍ فـي الـفـعـال

تلقاه حـر الـمـلاقـي بقـوةٍ واحـتـفــال

يرد كـل شـجـــاعٍ محلول عزمٍ القـتـال

وتـارة تـلــقـــاه بلحـيةٍ فـي مـطـال

ينبـيك عـنـه مـلـيح ذو بـهـجةٍ وجـمـال

كمثل زين المـواصـف مليحةٌ في الـكـمـال

أتـيت لـيلاً إلـيهــا ونلت شـيئاً حـلالـي

ولـيلةً بـت مـعـهـا فاقت جميع اللـيالـي

لما أتى الصبح قـامـت ووجهها كـالـهـلال

تهز مـنـهـا قـوامـاً هز الرماح الغـوالـي

وودعتـنـي وقـالـت متى تعود الـلـيالـي

فقلت يا نـور عـينـي إذا أردت تـعـالــي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور لما انتهى من إنشاده القصيدة طربت زين المواصف طرباً عظيماً وحصل لها غاية الإنشراح وقالت: يا مسرور قد دنا الصباح ولم يبق إلا الرواح خوفاً من الإفتضاح فقال: حباً وكرامة ثم نهض على قدميه وأتى بها إلى أن أوصلها إلى منزلها ومضى إلى محله وبات يفكر في محاسنها. فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح هيأ لها هديةً فاخرةً وأتى بها إليها وجلس عندها وأقام على ذلك مدة أياماً وهما في أرغد عيش وأهنأه.

ثم أنه ورد عليها في بعض الأيام كتاب من عند زوجها مضمونه أنه يصل إليها عن قريب فقالت في نفسها لا سلمه الله ولا حياه لأنه إن وصل إلينا تكدر علينا عيشنا، يا ليتني كنت يئست منه، فلما أتى إليها مسرور جلس يتحدث معها على العادة فقالت له: يا مسرور قد ورد علينا كتاباً من عند زوجي مضمونه أنه يصل إلينا من سفره عن قريبٍ فكيف يكون العمل وما لأحدٍ منا عن صاحبه صبر؟ فقال لها: لست أدري ما يكون بل أنت أخبر وأدرى بأخلاق زوجك ولا سيما أنت من أعقل النساء صاحبة الحيل التي تحتال بشيءٍ تعجز عن مثله الرجال، فقالت: إنه رجلٌ صعبٌ وله غيرةٌ على أهل بيته ولكن إذا قدم من سفره وسمعت بقدومه فأقدم عليه وسلم واجلس إلى جانبه وقل له: يا أخي أنا رجلٌ عطارٌ واشتر منه شيئاً من أنواع العطارة وتردد عليه مراراً وأطل معه الكلام، ومهما أمرك به فلا تخالفه فيه فلعل ما احتال به يكون مصادفا، فقال لها: سمعاً وطاعةً وخرج مسرور من عندها، وقد اشتعلت في قلبه نار المحبة، فلما وصل زوجها إلى الدار فرحت بوصوله ورحبت به وسلمت عليه فنظر في وجهها فرأى فيه لون الاصفرار، وكانت غسلت وجهها بالزعفران وعملت فيه بعض حيل النساء فسأل عن حالها فذكرت له أنها مريضة من وقت ما سافرت هي والجواري وقالت له: إن قلوبنا مشغولةٌ عليك لطول غيابك وصارت تشكو إليه مشقة الفراق وتبكي بدمعٍ مهراق وتقول له: لو كان معك رفيق ما أحمل قلبي هذا الهم كله فبالله عليك يا سيدي ما بقيت تسافر إلا برفيقٍ ولا تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما قالت لزوجها لا تسافر إلا برفيق ولا تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك قال لها: حباً وكرامة والله أن أمرك رشيدٌ ورأيك سديدٌ، وحياتك على قلبي ما يكون إلا ما تريدينه ثم أنه خرج بشيء من بضاعته إلى دكانه وفتحها وجلس يبيع في السوق فبينما هو في دكانه وإذا بمسرور أقبل وسلم عليه وجلس إلى جانبه وصار يحييه ومكث يتحدث معه ساعةً ثم أخرج كيساً وحله وأخرج منه ذهباً ودفعه إلى زوج زين المواصف وقال له: أعطني بهذه الدنانير شيءٌ من أنواع العطارة لأبيعه في دكاني، فقال له سمعاً وطاعةً ثم أعطاه الذي طلبه وصار مسرور يتردد عليه أياماً فالتفت إليه زوج زين المواصف وقال له: أنا مرادي رجلٌ أشاركه في المتجر فقال له مسرور أنا الأخر مرادي رجل أشاركه في المتجر لأن أبي كان تاجراً في اليمن وخلف مالاً عظيماً وأنا خائفٌ على ذهابه، فالتفت إليه زوج زين المواصف وقال له: هل لك أن تكون رفيقاً لي وصاحباً وصديقاً في السفر والحضر وأعلمك البيع والشراء والأخذ والعطاء؟ فقال له مسرور: حباً وكرامة ثم أنه أخذه وأتى به إلى منزله وأجلسه في الدهليز ودخل إلى زوجته زين المواصف وقال لها: أني رافقت رفيقاً ودعوته إلى الضيافة فجهزي لنا ضيافةً حسنةً ففرحت زين المواصف وعرفت أنه مسرور حين تم تدبير حياتها. فلما حضر مسرور في دار زوج زين المواصف قال لها: اخرجي إليه ورحبي به وقولي له: آنستنا فغضبت زين المواصف وقالت: تحضرني قدام رجلٍ غريب أجنبي أعوذ بالله ولو قطعتني قطعاً ما أحضر قدامه فقال لها زوجها: لأي شيءٍ تستحين منه وهو نصراني ونحن يهود ونصير أصحاباً فقالت: أنا ما أشتهي أن أحضر قدام الرجل الأجنبي الذي ما نظرته عيني قط ولا أعرفه، فظن زوجها أنها صادقةٌ في قولها ولم يزل يعالجها حتى قامت وتلفلفت وأخذت الطعام وخرجت إلى مسرور ورحبت به فأطرق رأسه إلى الأرض كأنه مستحٍ، فنظر إلى إطراقه وقال: لا شك إن هذا زاهدٌ فأكلوا كفايتهم، ثم رفعوا الطعام وقدموا المدام فجلست زين المواصف قبال مسرور وصارت تنظره وينظرها إلى أن مضى النهار، فانصرف مسرور إلى منزله والتهبت في قلبه النار وأما زوج زين المواصف فإنه صار مفتكر في لطف صاحبه وفي حسنه.

فلما أقبل الليل قدمت إليه زوجته طعاماً ليتعشى كعادته، وكان عنده في الدار طيراً هزاراً إذا جلس يأكل يأتي ذلك الطير ويأكل معه ويرفرف على رأسه وكان ذلك يطير قد ألف مسروراً، فصار يرفرف عليه كلما جلس على الطعام فحين غاب مسرور وحضر صاحبه لم يعرفه ولم يقرب منه فصار مفتكراً في أمر ذلك الطير وفي بعده عنه وأما زين المواصف فإنها لم تنم بل صار قلبها مشغولاً بمسرور واستمر ذلك الأمر إلى ثاني ليلةٍ وثالث ليلةٍ ففهم اليهودي أمرها ونقد عليها وهي مشغولة البال فأنكر عليها، وفي رابع ليلةٍ انتبه من منامه نصف الليل فسمع زوجته تلهج في منامها بذكر مسرور وهي نائمةٌ في حضنه فأنكر ذلك عليها وكتم أمره، فلما أصبح الصباح ذهب إلى دكانه وجلس فيها فبينما هو جالسٌ وإذا بمسرور قد أقبل وسلم عليه فرد عليه السلام وقال: مرحباً يا أخي ثم قال: إني مشتاقٌ إليك وجلس يتحدث معه ساعةً زمانيةً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور جلس مع اليهودي ساعةً ثم قال له اليهودي: قم يا أخي إلى منزلي حتى نعقد المؤاخاة فقال مسرور: حباً وكرامة، فلما وصل إلى المنزل تقدم اليهودي وأخبر زوجته بقدوم مسرور وأنه يريد أن يتجر هو وإياه ويؤاخيه وقال لها: هيئي لنا مجلساً حسناً ولا بد أنك تحضرين معنا وتنظرين المؤاخاة فقالت له: بالله عليك لا تحضرني قدام هذا الرجل الغريب فما لي غرض أحضر قدامه فسكت عنها وأمر الجواري أن يقدمن الطعام والشراب، ثم إنه استدعى بالطير الهزار فنزل في حجر مسرور ولم يعرف صاحبه.

فعند ذلك قال له: يا سيدي ما اسمك؟ قال: مسرور والحال أن زوجته طول الليل تلهج في منامها بهذا الاسم ثم رفع رأسه فنظرها وهي تشير إليه وتغمزه بحاجبها فعرف أن الليلة قد تمت إليه فقال: يا سيدي أمهلني حتى أجيء بأولاد عمي يحضروه المؤاخاة فقال له مسرور: أفعل ما بدا لك فقام زوج زين المواصف وخرج من المجلس.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوج زين المواصف قال لمسرور: أمهلني حتى أجيء بأولاد عمي ليحضروا وأعقد المؤاخاة بيني وبينك ثم مشى وجاء من وراء المجلس ووقف وكان هناك طاقةٌ تشرف عليهما فجاء إليها وصار ينظرهما منها وهما لايذكرانه وإذا بزين المواصف قالت لجاريتها هبوب: أين راح سيدك؟ قالت: خارج الدار فقالت لها: أغلقي الباب ومكنيه بالحديد ولا تفتحي له حتى يدق الباب بعد أن تخبريني، قالت الجارية: وهو كذلك، كل ذلك وزجها يعاين حالهم ثم أن زين المواصف أخذت الكأس وطيبته بماء الورد وسحيق المسك وجاءت إلى مسرور فقام لها وتلقاه وقال لها: والله أن ريقك أحلى من الشراب وصارت تسقيه ويسقيها وبعد ذلك رشته بماء الورد من فوقه إلى قدمه حتى فاحت رائحته في المجلس، كل ذلك وزوجها ينظر إليهما ويتعجب من شدة الحب الذي بينهما، وقد امتلأ قلبه غيظاً مما قد رآه ولحقه الغضب وغار غيرةً عظيمةً فأتى إلى الباب فوجده مغلقاً فطرقه طرقاً قوياً من شدة غيظه، فقالت الجارية: يا سيدتي قد جاء سيدي فقالت: افتحي له الباب فلا رده الله بسلامةٍ فمضت هبوب إلى الباب وفتحته فقال لها: مالك تغلقين الباب؟ قالت: هكذا في غيابك لم يزل مغلقاً ولا يفتح ليلاً ولانهاراً فقال: أحسنت فإنه يعجبني ذلك ثم دخل على مسرور وهو يضحك ولكنه كتم أمره وقال له: يا مسرور دعنا من المؤاخاة في هذا اليوم فقال سمعاً وطاعةً أفعل ما تريد فعند ذلك مضى مسرور إلى منزله، وصار زوج زين المواصف مفتكراً في أمره لا يدري ما يصنع وصار خاطره في غاية التكدير فقال في نفسه حتى الهزار أنكرني والجواري أغلقت الأبواب في وجهي وولين إلى غيري، ثم أنه صار من شدة قهره يردد إنشاد هذه الأبيات:

لقد عاش مسرور زماناً منعـمـاً بلـذة أيامٍ وعـيشٍ تـصـرمـا

تعاندنـي الأيام فـيمـن أحـبـه وقلبي بنيران يزيد تـضـرمـا

صفا لك دهرٌ بالمليحة قد مضـى ولا زلت في ذاك الجمال مهيما

لقد عاينت عيني حسن جمالـهـا فأصبح قلبي في هواها متـيمـا

لقد طالما أرشفتني مع الـرضـا بعذبٍ ثناياها رحيقاً على ظـمـا

فما لك يا طير الهزار تركتـنـي وصرت لغيري في الغرام مسلما

وقد أبصرت عيني أموراً عجـيبةً تنبه أجفانـي إذا كـن نـومـا

رأيت حبيبي قد أضاع مـودتـي وطير هزاري لم يكن لي محوما

وحق إله العـالـمـين الـذي إذا أراد قضاءً في الخليفة أبـرمـا

لأفعل ما يستوجب الظالـم الـذي بجهل دنا من وصلها وتقـدمـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 39 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

وفي الليلة الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور لما أنشد الأبيات المذكورة وسمعت زين المواصف شعره ارتعدت فرائصها واصفر لونها وقالت لجاريتها: هل سمعت هذا الشعر؟ فقالت الجارية: ما سمعته في عمري صحيحٌ صار يبيع في كل ما تملكه يده وقال في نفسه: إن لم أغربها عن أوطانها لم يرجعا عما هما فيه أبداً، فلما باع جميع أملاكه كتب كتاباً مزوراً ثم قرأه عليها وادعى أن هذا الكتاب جاء من عند أولاد عمه، يتضمن طلب زيارته لهم هو وزوجته فقالت: وكم نقيم عندهم؟ قال: اثني عشر يوماً فأجابته إلى ذلك وقالت له: هل آخذ معي بعض الجواري؟ قال: خذي منهن هبوب وسكوب ودعي هنا خطوب، ثم هيأ لهن هودجاً مليحاً، وعزم على الرحيل بهن فأرسلت زين المواصف إلى مسرور أن فات الميعاد الذي بيننا، ولم نأت فأعلم أنه قد عمل علينا حيلةً ودبر لنا مكيدةً وأبعدنا عن بعضنا فلا تنس العهود والمواثيق التي بيننا فإني أخاف من حيله ومكره ثم إن زوجها جهز حاله للسفر وأما زين المواصف فإنها صارت تبكي وتنتحب ولا يقر لها قرار في ليل ولا نهار، فلما رأى زوجها ذلك لم ينكر عليها.

فلما رأت زين المواصف أن زوجها لا بد له من السفر لمت قماشها ومتاعها وأودعت جميع ذلك عند أختها وأخبرتها بما جرى لها وودعتها وخرجت من عندها وهي تبكي ثم رجعت إلى بيتها فرأت زوجها قد أحضر الجمال وصار يضع عليها الأحمال وهيأ لزين المواصف أحسن الجمال فلما رأت زين المواصف أنه لا بد من فراقها لمسرور، تحيرت فاتفق أن زوجها خرج لبعض أشغاله فخرجت إلى الباب الأول وكتبت عليه هذه الأبيات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما رأت زوجها أحضر لها الجمال وعلمت بالسفر تحيرت فاتفق أن زوجها خرج لبعض أشغاله فخرجت إلى الباب الأول وكتبت هذه الأبيات:

ألا يا حمام الدار بـلـغ سـلامـنـا من الصب للمحبوب عند فراقـنـا

وبـلـغـه أنـي لا أزال حــزينةً وندماً على ما كان من طيب وقتنـا

كما أن حـبـي لا يزال مـتـيمـاً حزيناً على ما قد مضى من سرورنا

قضينا زماناً بالمـسـرة والـهـنـا وفزنا بوصل ليلـنـا ونـهـارنـا

فلم نستفق إلا والصـبـح صـائحـاً علينا غراب البين ينعي فـراقـنـا

رحلنا وخلينـا الـديار بـلا قـعـاً فيا ليتنا لم نخل تلك المـسـاكـنـا

أتت الباب الثاني وكتبت عليه هذه الأبيات:

أيا واصلاً للبـاب بـالـلـه انـظـرا جمال نصيبي في الدياجي وأخـبـرا

بأني أبكـي أن تـذكـرت وصـلـه ولا ينفعه الدمع الـذي بـالـبـكـا

جرى فإن لم تجد صبراً على ما أصابنا فضع فوق رأسك من ترابٍ وغبـرا

وسافر إلى شرق البلاد وغـربـهـا وعش صابراً فاللـه لـلأمـر قـدرا

ثم أتت إلى الباب الثالث وبكت بكاءً شديداً وكتبت عليه هذه الأبيات:

رويدك يا مسـرور أن زرت دارهـا فمر على الأبواب واقرأ سطورهـا

ولا تنس عهد الود أن كنت صـادقـاً فكم طعمت حلو الليالـي ومـرهـا

فبالله يا مسرور لا تنـس قـربـهـا فقد تركت فيك الهنـا وسـرورهـا

إلا فابك أيام الـوصـال وطـيبـهـا وأنت متى ما جئت أرخت ستورهـا

فسافر قصيبات الـبـلاد لأجـلـنـا وخض بحارها واستقص عنا برورها

لقد ذهبت عنا لـيالـي وصـالـنـا وفرط ظلام الهجر أطفـأ نـورهـا

رعي الله أياماً مضت مـا أسـرهـا بروضٍ الأماني إذا قطفنا زهورهـا

فهلا استمرت مثل ما كنت أرتـجـي أبى اللـه إلا وردهـا وصـدروهـا

فهل ترجع الأيام تجمع شـمـلـنـا وأوفى إذا وافت لربـي نـذورهـا

وكن عالماً أن الأمور بـكـف مـن يخط على لوح الجبين سطـورهـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما كتبت على الباب الثالث الأبيات المذكورة حضرت بين يدي زوجها فحملها على الهودج الذي صنعه لها فلما صارت على ظهر البعير أنشدت هذه الأبيات:

عليك سلام الله يا مـنـزلاً خـلا وقد طالما زدنا هناك تـجـمـلا

فليت زماني في ذراك تصرمـت لباليه حتى في الصبـابة أقـتـلا

جزعت على بعدي وشوقي لموطنٍ شغفت به ولم أدر ما قد تحصـلا

فيا ليت شعري هل أرى فيه عودةً تروق كما راقت لنـا فـيه أولا

فقال لها زوجها: يا زين المواصف لا تحزني على فراق منزلك فإنك ستعودين إليه عما قريب وصار يطيب خاطرها ويلاطفها ثم ساروا حتى خرجوا إلى ظاهر البلد واستقبلوا الطريق وعلمت بأن الفراق قد تحقق فعظم ذلك عليها كل هذا ومسرور قاعد في منزله متفكرٌ في أمره وأمر محبوبته فأحس قلبه بالفراق فنهض قائماً على قدميه من وقته وساعته وسار حتى جاء إلى منزلها فرأى الباب مقفولاً ورأى الأبيات التي كتبتها زين المواصف، فقرأ ما على الباب الأول فلما قرأه وقع على الأرض مغشياً عليه ثم أفاق من غشيته وفتح الباب الأول ودخل إلى الباب الثاني فرأى ما كتبته وكذلك الباب الثالث فلما قرأ على جميع هذه الكتابة زاد به الغرام والشوق والهيام، فخرج في أثرها يسرع في خطاه حتى لحق بالركب فرآها في آخرها وزوجها في أوله لأجل حوائجه فلما رآها تعلق بالهودج باكياً حزيناً من ألم الفراق وأنشد هذه الأبيات:

ليت شعري بأي ذنب رمينـا بسهامٍ الصدود طول السنينـا

يا منى القلب جئت للدار يوماً عندما زدت في هواك شجونا

فرأيت الديار قفـراً بـبـاب فشكوت النوى وزدت أنينـا

وسألت الجدار عن كل قصدي أين راحوا وصار قلبي رهينا

قال ساروا عن المنازل حتـى صيروا الوجد في الفؤاد كمينا

كتبت لي على الجدار سطوراً فعل أهل الوفى من العالمينا

فلما سمعت زين المواصف هذا الشعر، علمت أنه مسرور.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما سمعت منه هذا الشعر علمت أنه مسرور فبكت هي وجواريها ثم قالت له: يا مسرور سألتك بالله أن ترجع عنا لئلا يراك ويراني، فلما سمع مسرور ذلك غشي عليه فلما أفاق ودعا بعضهما وأنشد هذه الأبيات:

نادى الرحيل سحيراً في الدجى الهادى قبل الصباح وهبت نسمة الـبـادي

شدوا المطايا وجدوا في ترحـلـهـم وأسرع الركب لما زمزم الـحـادي

وعطروا أرضهم في كـل نـاحـيةٍ وعجلوا سيرهم فـي ذلـك الـوادي

تملكوا مهجتي عشقاً وقـد رحـلـوا وغادروني على آثـارهـم غـادي

يا جيرة مقصدي أن لا أفـارقـهـم حتى بللت الثرى من دمعي الغـادي

يا ويح قلبي بعد البعد ما صـنـعـت يد الفراق على رغمي بـأكـبـادي

وما زال مسرور ملازماً للركب وهو يبكي وينتحب وهي تستعطفه في أن يرجع قبل الصباح خشيةً من الإفتضاح فتقدم إلى الهودج وودعها ثاني مرة وغشي عليه ساعةً زمانيةً فلما أفاق وجدهم سائرين فعند ذلك رجع مسرور إلى دار زين المواصف وهو في غاية الإشتياق فرآها خالية من الأضاب موحشةً من الأحباب فبكى حتى بل الثياب وغشي عليه وكادت أن تخرج روحه من جسده وقد غشي عليه ساعةً من الزمان، فلما أفاق قام وتوجه إلى منزله وصار متحيراً من أجل ذلك باكي العين، ولم يزل على هذا الحال مدة عشرة أيامٍ، هذا ما كان من أمر مسرور.

وأما ما كان من أمر زين المواصف فإنها عرفت أن الحيلة قد تمت عليها فأن زوجها مازال سائراً بها مدة عشرة أيامٍ ثم أنزلها في بعض المدن فكتبت زين المواصف كتاباً لمسرور وناولته لجاريتها هبوب، وقالت لها: أرسلي هذا الكتاب إلى مسرور ليعرف كيف تمت الحيلة علينا وكيف غدر بنا اليهودي فأخذت الجارية منها الكتاب وأرسلته إلى مسرور فلما وصل إليه عظم عليه هذا الخطاب فبكى حتى بل التراب وكتب كتاباً وأرسله إلى زين المواصف وختمه بهذين البيتين:

كيف الطريق إلى أبواب سلوان وكيف يسلوا الذي في حر نيران

ما كان أطيب أوقاتاً لهم سلفـت فليت منها لدينا بعـض أحـيان

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرور كتب الكتاب وأرسله إلى زين المواصف فلما وصل إليها أخذته وقرأته وأعطته لجاريتها هبوب وقالت لها: اكتمي خبره فعلم زوجها أنهما يتراسلان فأخذ زين المواصف وجواريها وسافر بهن مسافة عشرين يوماً. ثم نزل بهن في بعض المدن هذا ما كان من أمر زين المواصف.

وأما ما كان من أمر مسرور فإنه صار لا يهنأ له نوم ولا يقر له قرار ولم يكن له اصطبار ولم يزل كذلك إذ هجعت عيناه في بعض الليالي فرأى في منامه أن زين المواصف قد جاءت إليه في الروضة وصارت تعانقه فانتبه من نومه فلم يرها فطار عقله وذهل لبه وهملت عيناه بالدموع وقد أصبح قلبه في غاية الولوع فأنشد هذه الأبيات:

سلامٌ على من زار في النوم طيفها فهيج أشـواقـي وزاد هـيامـي

وقد قمت من ذاك المنام مولـعـاً برؤية طيف زارني بمـنـامـي

فهل تصدق الأحلام فيمن أحـبـه وتشفي غليلي في الهوى وسقامي

فطوراً تعاطيني وطوراً تهملنـي وطوراً تواسيني بطيب كـلامـي

ولما انقضى في المنام عتـابـنـاً وصارت عيوني بالدموع دوامـي

رضبت رضاباً من لماها كـأنـه رحيقٌ أرى رياه مسـك خـتـام

عجبت لما قد كان في النوم بيننـا وقد نلت منها منيتـي ومـرادي

وقد قمت من ذاك المنام ولم أجـد من الطيف إلا لوعتي وغرامـي

فأصبحت كالمجنون حين رأيتـهـا وأمسيت سكرانـاً بـغـير مـدام

فبكى مسرور بكاءً شديداً لما سمع هذا الكلام وفهم الشعر والنظام وكانت أختها تعرف ما هما عليه من العشق والغرام والوجد والهيام فقالت له: بالله عليك يا مسرور كف عن هذا المنزل لئلا يشعر أحد فيظن أنك تأتي من أجلي لأنك رحلت أختي وتريد أن ترحلني أنا الأخرى وأنت تعرف لولا أنت ما خلت الدار من سكانها فتسل عنها واتركها فقد مضى ما مضى.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخت زين المواصف قالت لها: قلت سأمضي فلما سمع مسرور ذلك من أختها بكى بكاءً شديداً وقال لها: يا نسيم لو قدرت أن أطير شوقاً إليها فكيف أتسلى عنها؟ فقالت: ما لك حيلةً إلا الصبر فقال لها: سألتك بالله أن تكتبي لها كل ما عندك وتردي لنا جواباً ليطيب خاطري وتنطفئ النار التي في ضمائري فقالت حباً وكرامةً ثم أعطني دواةً وقرطاساً وصار مسرور يصف لها شدة شوقه وما يكابده من ألم الفراق ويقول: إن هذا الشوق عن لسان الهائم الحزين المفارق المسكين الذي لا يقر له قرار في ليل ولا في نهار بل يبكي بدموعٍ غزار قد قرحت الدموع أجفانه، وأضرمت في كبده أحزانه وطال تأسفه وكثر تلهفه مثل طير نقد ألفه وعجل تلفه فيا أسفي من مفارقتك ويا لهفي على معاشرتك لقد ضر جسمي النحول ودمعي صار في خمول وضاقت علي الجبال والسهول فأمسيت من فرط وجدي أقول:

وجدي على تلك المنازل باقي زادت إلى سكانها أشـواقـي

وبعثت نحوكم حديث صبابتـي وبكأس حبكم سقاني الساقـي

وعلى رحيلكم وبعـد دياركـم جرت الجفون بدمعة المهراق

يا حادي الأظعان عرج بالحمى فالقلب منـي زائد الإحـراق

واقرأ سلامي للحبيب وقل لـه ما أن له غير اللمى من راقي

أودى الزمان به فشتت شملـه ورمى حشاشته بسهم فـراق

بلغ لهم وجدي وشدة لوعتـي من بعد فرقتهم وما أنا لاقـي

قسماً بحبكـم يمـينـاً أنـنـي أوفي لكم بالعهد والمـيثـاق

ما ملت قطٌ ولا سلوت هواكم كيف السلو لعاشق مشـتـاق

فغلبكم مني السـلام تـحـية ممزوجةً بالمسك في الأوراق

فتعجبت أختها نسيم من فصاحة لسانه وحسن معانيه ورقة أشعاره فرقت له وختمت الكتاب بالمسك الأذفر وبخرته بالند والعنبر وأوصلته إلى بعض التجار وقالت له: لا تسلم هذا إلا لأختي أو جاريتها هبوب فقال حباً وكرامة فلما وصل الكتاب إلى زين المواصف عرفت أنه من إملاء مسرور وعرفت نفسه فيه بلطف معانيه فقبلته ووضعته على عينيها وأجرت الدموع من جفنيها ولم تزل تبكي حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت بدواةٍ وقرطاسٍ وكتبت له الجواب ووصفت شوقها وغرامها ووجدها وما هي فيه من الحنين إلى الأحباب وشكت حالها إليه وما نالها من الوجد عليه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما كتبت جواب الكتاب لمسرور وقالت له: إن هذا كتاب إلى سيدي ومالك رقي ومولاي وصاحب سري ونجواني أما بعد فقد أقلقني السهر وزاد بي الفكر وما لي على بعدك مصطبر يا من حسنه يفوق الشمس والقمر فالشوق أقلقني والوجد أهلكني وكيف لا أكون كذلك وأنا مع الهالكين فيا بهجة الدنيا وزينة الأحياء هل لمن انقطعت أنفاسه أن يطيب كأسه لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات، ثم أنشدت هذه الأبيات:

كتابك يا مسرور قد هيج البـلـوى فو الله مالي عنك صبر ولا سلوى

ولما قرأت الخط حنت جوارحـي ومن ماء دمعي دائماً لم أزل أروى

ولو كنت طيراً طرت في جنح ليلةٍ فلم أدر طعم المن بعدك والسلـوى

حرامٌ علي العيش من بعد بعـدكـم فإني على حر التفـرق لا أقـوى

ثم قربت الكتاب بسحيق المسك والعنبر وختمته وأرسلته مع بعض التجار وقالت له: لا تسلمه إلا لأختي نسيم فلما وصل إلى أختها نسيم أوصلته إلى مسرور فقبله ووضعه على يمينه وبكى حتى غشي عليه.

هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر زوج زين المواصف فإنه لما علم بالمراسلات بينهما صار يرحل بها وبجاريتها من محل إلى محل فقالت له زين المواصف: سبحان الله إلى أين تسير بنا وتبعدنا عن الأوطان؟ قال: إلى أن أقطع بكم سنة حتى لا يصل إليكن مراسلات من مسرور انظري كيف أخذتن جميع مالي وأعطيته لمسرور فكل شيء ضاع إلى أخذه منكن وانظري هل يتمكن مسرور ويقدر على خلاصكن من يدي ثم أنه مضى إلى الحداد وصنع لهن ثلاثة قيود من الحديد وأتى بها إليهن ونزع ما كان عليهن من الثياب الحرير وألبسهن ثياباً من الشعر وصار يبخرهن بالكبريت ثم جاء إليهن بالحداد وقال له: ضع هذه القيود في أرجل أولئك الجواري فأول ما قدم زين المواصف فلما رآها الحداد غاب عن صوابه وعض على أنامله وطار عقله من رأسه وزاد غرامه وقال لليهودي: ما ذنب أولئك الجواري؟ فقال: إنهن جواري وسرقن مالي وهربن مني فقال له الحداد: خيب الله ظنك والله لو كانت هذه الجارية عند قاضي القضاة وأذنبت كل يوم ألف ذنبٍ لا يؤاخذها وأيضاً لا يظهر عليها علامة السرقة ولا يقدر على وضع الحديد في رجليها ثم سأله أن لا يقيدها وصار يستشفع عنده في عدم تقييدها فلما نظرت الحداد وهو يستشفع لها عنده قالت لليهودي: سألتك بالله إلا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف قالت لليهودي سألتك بالله ألا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب فقال لها: وكيف خرجت قدام مسرور؟ فلم ترد جواباً ثم قبل شفاعة الحداد ووضع في رجليها قيداً صغيراً وقيد الجواري بالقيود الثقيلة وكان لزين المواصف جسمٌ ناعمٌ لا يتحمل الخشونة فلم تزل لابسةً ثياب الشعر هي وجواريها ليلاً ونهاراً إلى أن انتحلت أجسامهن وتغير ألوانهن وأما الحداد فإنه وقع في قلبه لزين المواصف عشقٌ عظيمٌ فسار إلى منزله وهو بأشد الحسرات وجعل ينشد هذه الأبيات:

شلت يمينك يا قين بـمـا وثـقـت تلك القيود على الأقدام والعصـب

قيدت أقـدام مـولاةٍ مـنـعــمةٍ أنيسةٍ خلقت من أعجب العـجـب

لو كنت تنصف ما كانت خلاخلهـا من الحديد وقد كانت من الذهـب

ولو رأى حسنها قاضي القضاة رثى لها وأجلسها تياً أعلـى الـرتـب

وكان قاضي القضاة ماراً على دار الحداد وهو يترنم بإنشاد هذه الأبيات فأرسل إليه فلما حضر قال: يا حداد من هذه التي تلهج بذكرها وقلبك مشغول بحبها؟ فنهض الحداد قائماً على قدميه بين يدي القاضي وقبل يده وقال: أدام الله أيام مولانا القاضي وفسح في عمره. إنها جارية صفتها كذا وكذا وصار يصف له الجارية وما هي فيه من الحسن والجمال والقد والاعتدال والظرف والكمال وأنها بوجهٍ جميلٍ وخصرٍ نحيلٍ وردفٍ ثقيلٍ ثم أخبره بما هي فيه من الذل والحبس والقيود وقلة الزاد فقال القاضي: يا حداد دلها علينا وأوصلها إلينا حتى نأخذ لها حقها لأن هذه الجارية صارت معلقةً برقبتك وأن كنت لا تدلها علينا فإن الله يجازيك يوم القيامة فقال الحداد: سمعاً وطاعةً ثم توجه من وقته وساعته إلى ديار زين المواصف فوجد الباب مغلوقاً وسمع كلاماً رخيماً من كبدٍ حزينٍ لأن زين المواصف كانت في ذلك الوقت تنشد هذه الأبيات:

قد كنت في وطني والشمل مجتمعٌ والحب يملأ لي بالصفو أقـداحـا

دارت علينا بما تهواه مـن طـربٍ فليس تشكو أمسـاه وأصـبـاحـا

لقد قضينا زماناً كان ينـعـشـنـا كأساً وعوداً وقانونـاً وأفـراحـا

ففرق الدهر والتصريف ألفـتـنـا والحب ولى ووقت الصفو قد راحا

قلبت عنا غراب البين مـنـزجـرٍ وليت فجر وصالي في الهوى لاحا

فلما سمع الحداد هذا الشعر والنظام بكى بدمعٍ كدمع الغمام ثم طرق الباب عليهن فقلن: من بالباب؟ فقال لهن: أنا الحداد ثم أخبرهن بما قاله القاضي وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه حتى يخلص لهن حقهن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحداد لما أخبر زين المواصف كلام القاضي وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه ويقتص لهن من غريمهن حتى يخلص لهن حقهن قالت للحداد: كيف نروح إليه والباب مغلوقٌ علينا والقيود في أرجلنا والمفاتيح مع اليهودي؟ قال لهن الحداد: أنا أعمل للأقفال مفاتيح وأفتح بها الباب والقيود قالت: فمن يعرفنا بيت القاضي؟ فقال الحداد: أنا أصفه لكن فقالت زين المواصف: وكيف نمضي عند القاضي ونحن لابساتٍ ثياب الشعر المبخرة بالكبريت؟ فقال الحداد: إن القاضي لا يعيبكن وأنتن في هذه الحالة ثم نهض الحداد من وقته وساعته وصنع مفاتيح أقفالٍ ثم فتح الباب وفتح القيود وحلها من أرجلهن وأخرجهن ودلهن على بيت القاضي. ثم أن جاريتها هبوب نزعت ما كان على سيدتها من الثياب الشعر وذهبت بها إلى الحمام وغسلتها وألبستها ثياب الحرير فرجع لونها إليها ومن تمام السعادة أن زوجها كان في وليمةٍ عند بعض التجار فتزينت زين المواصف بأحسن زينةٍ ومضت إلى بيت القاضي فلما نظر لها القاضي وقف قائماً على قدميه فسلمت عليه بعذوبة كلامٍ وحلاوة ألفاظٍ ورشقته في ضمن ذلك بسهام الإلحاظ وقالت له: أدام الله مولانا القاضي ثم أخبرته بأمر الحداد وما فعل معها من فعل الأجواد وبما صنع بها زوجها من العذاب الذي يدهش الألباب وأخبرته أنه قد زاد بهن الهلاك ولم يجدن لهن من فكاك، فقال القاضي: يا جارية ما اسمك؟ قالت: اسمي زين المواصف وجاريتي هذه اسمها هبوب فقال لها القاضي: إن اسمك وافق مسماه وطابق لفظه معناه. فتبسمت ولفت وجهها فقال لها القاضي: زين المواصف ألك بعل أم لا؟ قالت: ما لي بعل قال: وما دينك؟ قالت: ديني الإسلام وملة خير الأنام فقال لها: أقسمي بالشريعة ذات الآيات والعبر أنك على ملة خير البشر، فأقسمت له وتشهدت فقال لها القاضي: كيف انقضى شبابك مع هذا اليهودي؟ فقالت له: أعلم أيها القاضي أدام الله أيامك بالتراضي وبلغك آمالك وختم بالصالحات أعمالك أن أبي خلف لي بعد وفاته خمسة عشر ألف دينارٍ وجعلها بين يدي هذا اليهودي يتجر فيها والكسب بيننا وبينه ورأس المال ثابتٌ بالبينة الشريعة فعندما مات أبي طمع اليهودي في وطلبني من أمي ليتزوج بي فقالت له أمي: كيف أخرجها من دينها وجعلها يهودية فو الله لأعرفن الدولة بك فخاف ذلك اليهودي من كلامها وأخذ المال وقرب إلى مدينة عدن وعند ما سمعنا به أنه في مدينة عدن جئنا في طلبه فلما اجتمعنا عليه في تلك المدينة ذكر لنا أنه يتاجر في البضائع ويشتري بضاعةً بعد بضاعةٍ فصدقناه ولم يزل يخادعنا حتى حبسنا وقيدنا وعذبنا أشد العذاب ونحن غرباء وما لنا معين إلا الله تعالى ومولانا القاضي، فلما سمع القاضي هذه الحكاية قال لجاريتها هبوب: هل هذه سيدتك وأنتن غرباء وليس لها بعل؟ قالت نعم قال: زوجني به وأنا يلزمني العتق والصيام والحج والصدقة إن لم أخلص لكن حقكن من هذا الكلب بعد أن أجازيه بما فعل فقالت هبوب: لك السمع والطاعة فقال القاضي: روحي طيبي قلبك وقلب سيدتك وفي غد إن شاء الله تعالى أرسل إلى هذا الكافر وأخلص لكن حقكن منه وتنظرين العجب في عذابه فدعت الجارية وانصرفت من عنده وخلته في كربٍ وهيامٍ وشوقٍ وغرامٍ، وبعد أن انصرفت من عنده هي وسيدتها سألتا عن دار القاضي الثاني فدلوهما عليه فلما حضرتا لديه أعلمتاه بذلك وكذلك الثالث والرابع حتى رفعت أمرها إلى القضاة الأربعة وكل واحد يسألها أن تتزوج به فتقول له: نعم ولم يعرف بعضهم خبر بعضٍ فصار كل واحدٍ يطمع فيها ولم يعلم اليهودي بشيءٍ من ذلك لأنه كان في دار الوليمة، فلما أصبح الصباح نهضت جاريتها وأفرغت عليها حلةً من أفخر الملابس ودخلت بها على القضاة الأربعة في مجلس الحكم، فلما رأت القضاة حاضرين أسفرت عن وجهها ورفعت قناعها وسلمت عليهم فردوا عليها السلام وعرفها كل واحد منهم وكان بعضهم يكتب فوقع القلم من يده وبعضهم كان يتحدث فتلجلج لسانه وبعضهم كان يحسب فغلط في حسابه فعند ذلك قالوا لها: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال لا يكن قلبك إلا طيباً فلا بد من أن نخلص لك حقك ونبلغك مرادك فدعت له ثم ودعتهم وانصرفت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القضاة قالوا لزين المواصف: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال لا يكن قلبك إلا طيباً بقضاء غرضك وبلوغ مرادك، فدع لهم ثم ودعتهم وانصرفت، هذا كله واليهودي مقيمٌ عند أصحابه في الوليمة وليس له علمٌ بذلك، وصارت زين المواصف تدعو ولاة الأحكام وأرباب الأقلام لينصروها على هذا الكافر الموئاب ويخلصوها من أليم العذاب. ثم أنها كتبت كتاباً يتضمن جميع ما عمله معها اليهودي من الأول إلى الأخر وسطرت فيه الأشعار ثم طوت الكتاب وناولته لجاريتها هبوب وقالت لها: احفظي هذا الكتاب في جيبك حتى نرسله إلى مسرور، فبينما هي كذلك وإذا باليهودي قد دخل عليهما فرآهما فرحانتين فقال: ما لي أراكما فرحانتين هل أتاكما كتاب من عند صديقكما مسرور؟ فقالت له زين المواصف: نحن ما لنا عليك إلا سبحانه وتعالى فإنه هو الذي يخلصنا من جورك وإن لم تردنا إلى بلادنا وأوطاننا فنحن في غد نترافع وإياك إلى حاكم هذه المدينة وقاضيها، فقال اليهودي: ومن خلص القيود من أرجلكما ولكن لا بد أن أضع كل واحدةٍ منكن قيداً قدر عشرة أرطالٍ وأطوف بكن حول المدينة، فقالت له هبوب، جميع ما نويته لنا تقع فيه أن شاء الله كما أبعدتنا عن أوطاننا، وفي غد نقف وإياك قدام حاكم المدينة، واستمروا على ذلك حتى الصباح.

ثم نهض اليهودي وأتى إلى الحداد ليصنع قيوداً لهن فعند ذلك قامت زين المواصف هي وجواريها وأتت إلى دار الحكم ودخلتها فرأت القضاة فسلمت عليهم فرد عليها كل القضاة السلام، ثم قال قاضي القضاة لمن حوله: إن الجارية زهراوية وكل من رآها أحبها وخضع لحسنها وجمالها، ثم أن القاضي أرسل معها من الرسل أربعةً وكانوا أشرفاً وقال: لهم أحضروا غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القاضي أرسل مع زين المواصف أربعةً وقال لهم أحضروا غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر اليهودي فأنهن لما صنع لهن القيود عاد إلى المنزل فلم يجدهن فيه فاحتار في أمره، فبينما هو كذلك وإذا بالرسل قد تعلقوا به وضربوه ضرباً شديداً وجروه سحباً على وجهه حتى أتوا به إلى القاضي فلما رآه القاضي صرخ في وجه وقال: يا عدو الله هل وصل أمرك من أنك فعلت ما فعلت وأبعدت هؤلاء عن أوطانهن وسرقت ما لهن وتريد أن تجعلهن يهوداً فكيف تريد تكفير المسلمين؟ فقال اليهودي: يا مولاي إن هذه زوجتي، فلما سمع القضاة منه هذا الكلام صاحوا كلهم وقالوا: ارموا هذا الكلب على الأرض وأنزلوا على وجهه بنعالكم واضربوه ضرباً وجيعاً فإن ذنبه لا يغتفر، فنزعوا عنه ثيابه الحريرية وألبسوه ثياباً من الشعر وألقوه على الأرض ونتفوا لحيته وضربوه ضرباً وجيعاً على وجهه بالنعال ثم أركبوه على حماره وجعلوا وجهه على كفله وأمسكوه ذيل الحمار في يده وطافوا به حول البلد حتى جرسوه في سائر البلد، ثم عادوا به إلى القاضي وهو في ذلٍ عظيمٍ فحكم عليه القضاة الأربعة بأن تقطع يداه ورجلاه وبعد ذلك يصلب.

فاندهش المعلون من هذا القول وغاب عقله وقال: يا سادتي القضاة ما تريدون مني؟ فقالوا له: قل أن هذه الجارية ما هي زوجتي وأن المال مالها وأنا تعديت عليها وشتتها عن أوطانها، فأقر بذلك وكتبوا بإقراره حجةً وأخذوا منه المال ودفعوه إلى زين المواصف وأعطوها الحجة وخرجت فصار كل من رأى حسنها وجمالها متحيراً في عقله وظن كل واحد من القضاة أنه يؤول أمرها إليه.

فلما وصلت إلى منزلها جهزت أمرها من جميع ما تحتاج إليه وصبرت إلى أن دخل الليل فأخذت ما خف حمله وغلا ثمنه وسارت هي وجواريها في ظلام الليل ولم تزل سائرة مسافة ثلاثة أيامٍ بلياليها. هذا ما كان من أمر زين المواصف، وأما ما كان من أمر القضاة فأنهم بعد ذهابها أمروا بحبس اليهودي زوجها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القضاة أمروا بحبس اليهودي زوج زين المواصف، فلما أصبح الصباح صار القضاة والشهود ينتظرون أن تحضر عندهم زين المواصف فلم تحضر عند أحد منهم، ثم أن القاضي الذي ذهبت إليه أولا قال: أنا أريد اليوم أن أتفرج على خارج المدينة لأني لي حاجة هناك ثم ركب بغلته وأخذ غلمانه وصار يطوف أزقة المدينة طولاً وعرضاً ويفتش على زين المواصف فلم يقع لها على خبر، فبينما هو كذلك إذ وجد باقي القضاة دائرين وكل واحدٍ منهم يظن أنه ليس بينها وبين غيره معياد فسألهم ما سبب ركوبهم ودورانهم في أزقة المدينة فأخبروه بشأنهم فرأى حالهم كحاله وسؤالهم كسؤاله فصار الجميع يفتشون عليها فلم يقعوا لها على خبر فانصرف كل واحدٍ منهم إلى منزله مريضاً ورقدوا على فراش الضنى ثم أن قاضي القضاة تذكر الحداد فأرسل إليه فلما حضر بين يديه قال له: يا حداد هل تعرف شيئاً من خبر التي دللتها علينا فو الله إن لم تطلعني عليها ضربتك بالسياط، فلما سمع الحداد كلام القاضي أنشد هذه الأبيات:

أن التي ملكتني في الهوى ملكـت مجامع الحسن حتى لم تدع حسنـاً

رنت غزالاً وفاحت عنبراً وبـدت شمساً وماجت غديراً وأنثنت غصناً

ثم أن الحداد قال: والله يا مولاي من حين انصرفت من الحضرة الشريفة ما نظرتها عيني أبداً وقد ملكت لبي وعقلي وصار فيها حديثي وشغلي وقد مضيت إلى منزلها فلم أجدها ولم أر أحداً يخبرني عن شأنها فكأنها غطست في قرار الماء أو عرج بها إلى السماء. فلما سمع القاضي كلامه شهق شهقةً كادت روحه أن تخرج منه ثم قال: والله ما كان لنا حاجة برؤيتها فانصرف الحداد ووقع القاضي على فراشه وصار من أجلها في ضنى وكذا الشهود وباقي القضاة الأربعة وصارت الحكماء تتردد عليهم وما بهم من مرض يحتاج إلى طبيب ثم أن وجهاء الناس دخلوا على القاضي الأول فسلموا عليه واستخبروه عن حاله فتنهد وباح بما في ضميره وبكى بكاءً شديداً ثم أنه شهق شهقةً ففارقت روحه جسده فلما رأوا ذلك غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه وكتبوا على قبره هذه الأبيات:

كملت صفات العاشقين لمن غدا في القبر مقتول الحبيب وصده

قد كان هذا للبـرية قـاضـياً ويراعه سجن الحسام بغمـده

فقضى عليه الحب لم نر قبلـه مولى تذلل في الأنام لعـبـده

ثم أنهم ترحموا عليه وانصرفوا إلى القاضي الثاني ومعهم الطبيب فلم يجدوا به ضرراً ولا ما يحتاج إلى طبيب فسألوه عن حاله وشغل باله فعرفهم بقضيته فلاموه وعنفوه على تلك الحالة ثم أنه شهق شهقةً فارقت روحه جسده فجهزوه ودفنوه وترحموا عليه ثم توجهوا إلى القاضي الثالث فوجدوا الجميع مرضى بحبها ووجدوا الشهود أيضاً مرضى بحبها فإن كل من رآها مات بحبها وأن لم يمت يكابد لوعة الغرام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أهل المدينة وجدوا جميع القضاة والشهود مرضى بحبها فإن كل من رآها مات بعشقها وأن لم يعش يكابد لوعة الغرام من شدة حبها رحمهم الله أجمعين. هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر زين المواصف فإنها وجدت في السير مدة أيامٍ حتى قطعت مسافةً بعيدةٍ فاتفق أنها خرجت هي وجواريها فمرت على ديرٍ في الطريق وفيه راهب كبير اسمه دانس وكان عنده أربعون بطريقاً فلما رأى جمال زين المواصف نزل إليها وعزم عليها وقال لها استريحوا عندنا عشرة أيامٍ ثم سافروا فنزلت عنده هي وجواريها في ذلك الدير فلما نزلت ورأى حسنها وجمالها أفسدت عقيدته وأفتتن بها وصار يرسل إليها مع البطارقة واحد بعد واحد لأجل أن يؤلفها فصار كل من أرسله إليها يقع في حبها ويراودها عن نفسها له وهي تعتذر وتمتنع ولم يزل دانس يرسل إليها الأربعين بطريقا وكل واحدٍ حين يراها يتعلق بعشقها ويكثر من ملاطفتها ويراودها عن نفسها ولا يذكر لها اسم دانس فتمتنع من ذلك وتجاوبهم بأغلظ جواب فلما فرغ صبر دانس وأشتد غرامه، قال في نفسه: إن صاحب المثل يقول: ما حك جسمي غير ظفري ولا سعى في مرامي مثل أقدامي.

ثم نهض قائماً على قدميه وصنع طعاماً مفتخراً وحمله ووضعه بين يديها وكان ذلك اليوم التاسع من العشرة أيام التي أتفق معها على إقامتها عنده لأجل الاستراحة فلما وضعه بين يديها قال: تفضلي باسم الله خير الزاد ما حصل فمدت يديها وقالت: بسم الله الرحمن الرحيم وأكلت هي وجوارها فلما فرغت من الأكل قال لها: يا سيدتي أريد أن أنشدك أبياتاً من الشعر، فقالت له: قل، فأنشد هذه الأبيات:

ملكت قلبي بالـحـاظ ووجـنـات وفي هواك غد نثـري وأبـياتـي

أتتركني محباً مـغـرمـاً دنـفـاً أعالج العشق حتى في المنامـات

لا تتركيني صريعاً ولهـاً فـلـقـد تركت أشغال ديري بعد لـذاتـي

يا غادة جوزت في الحب سفك دمي رفقاً بحالي وعطفاً في شكاياتـي

فلما سمع زين المواصف شعره أجابته عن شعره بهذين البيتين:

يا طالب الوصل لا يغررك بي أمل أكفف سؤالك عني أيها الـرجـل

لا تطمع النفس فيما لست تملكـه أن المطامع مقرون بهـا الأجـل

فلما سمع شعرها رجع إلى صومعته وهو مفتكر في نفسه ولم يدر كيف يصنع في أمرها ثم بات تلك الليلة في أسوأ حال فلما جن الليل قامت زين المواصف وقالت لجواريها: قوموا بنا فأننا لا نقدر على أربعين رجلاً رهباناً وكل واحدٍ يراودني عن نفسي فقال لها الجواري: حباً وكرامة ثم أنهن ركبن دوابهن وخرجن من باب الدير ليلاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما خرجت هي وجواريها من الدير ليلاً لم يزلن سائرات وإذا هن بقافلةٍ فاختلطن بها وإذا بالقافلة من مدينة عدن التي كانت فيها زين المواصف فسمعت أهل القافلة يتحدثون بخبر زين المواصف ويذكرون القضاة والشهود ماتوا في حبها وولى أهل المدينة قضاةً وشهوداً غيرهم وأطلقوا زوج زين المواصف من الحبس.

فلما سمعت زين المواصف هذا الكلام التفتت إلى جواريها وقالت لجاريتها هبوب: ألا تسمعين هذا الكلام؟ فقالت لها جاريتها: إذا كان الرهبان الذين عقيدتهم أن الترهب عن النساء عبادة قد افتتنوا في هواك فكيف حال القضاة الذين عقيدتهم أنه لا رهبانية في الإسلام ولكن أمض بنا إلى أوطاننا ما دام أمرنا مكتوماً ثم أنهن سرن وبالغن في السير وهن قاصدات مدينة عدن إلى أن وصلت زين المواصف إلى منزلها وفتحت الأبواب ودخلت الدار ثم أرسلت إلى أختها نسيم فلما سمعت أختها بذلك فرحت فرحاً شديداً وأحضرت لها الفراش ونفيس القماش ثم أنها فرشت لها وألبستها وأرخت الستور على الأبواب وأطلقت العود والبد والعنبر والمسك الأذفر حتى عبق المكان من تلك الرائحة وصار أعظم ما يكون ثم أن زين المواصف لبست أفخر قماشها وتزينت أحسن زينة كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها بل كان في همٍ شديد وحزنٍ ما عليه مزيد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما دخلت دارها أتت لها أختها بالفراش وفرشت لها وألبستها أفخر الثياب كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها بل كل في همٍ شديد وحزن ما عليه مزيد، ثم جلست زين المواصف تتحدث مع جواريها الذين تخلفن عن السفر معها وذكرت لهن جميع ما وقع لها من الأول إلى الأخر، ثم أنها التفتت إلى هبوب وأعطتها دراهم وأمرتها أن تذهب وتأتي لها بشيء تأكله هي وجواريها فذهبت وأتت بالذي طلبته من الأكل والشرب فلما انتهى أكلهن وشربهن أمرت هبوب أن تمضي إلى مسرور وتنظر أين هو وتشاهد ما هو فيه من الأحوال وكان مسرور لا يقر له قرار ولا يمكنه اصطبار فلما زاد عليه الوجد والغرام قام ومشى إلى زقاق زين المواصف فشم منه الروائح الزكية فهاج لبه وفاق صدره وقلبه وتضرر غرامه وزاد هيامه وإذا بهبوب متوجهةٌ إلى قضاء حاجة فرآها وهي مقبلة من صدر الزقاق، فلما رآها فرح فرحاً شديداً فلما رأته هبوب أتت إليه وسملت عليه وبشرته بقدوم سيدتها زين المواصف وقالت لها: أنها أرسلتني في طلبك إليها ففرح فرحاً شديداً ما عليه من مزيد ثم أخذته ورجعت به إليها فلما رأته زين المواصف نزلت له من فوق سريرها وقبلته وعانقته وعانقها ولم يزل يقبلان بعضهما ويتعانقان حتى غشي عليهما زمناً طويلاً من شدة المحبة والفراق.

فلما أفاقا من غشيتهما أمرت جاريتها هبوب بإحضار قلة مملوءة من شراب السكر وقلة مملوءة من شراب الليمون فأحضرت لها الجارية جميع ما طلبته، ثم أكلوا وشربوا وما زالوا كذلك إلى أن أقبل الليل فصاروا يذكرون الذي جرى لهم من أوله إلى أخره ثم أنها أخبرته بإسلامها ففرح وأسلم هو أيضاً وكذلك جواريها وتابوا إلى الله تعالى فلما أصبح الصباح أمرت بإحضار القاضي والشهود وأخبرتهم أنها عازبة وقد وفت العدة ومرادها الزواج بمسرور فكتبوا كتابها وصاروا في ألذ عيش، هذا ما كان من أمر زين المواصف.

وأما ما كان من أمر زوجها اليهودي، فإنه حين أطلقه أهل المدينة من السجن سافر منها متوجهاً إلى بلاده، ولم يزل مسافراً حتى صار بينه وبين المدينة التي فيها زين المواصف ثلاثة أيامٍ فأخبرت بذلك زين المواصف فدعت بجارتيها هبوب وقالت لها: امض إلى مقبرة اليهودي واحفري قبراً وضعي عليه الرياحين ورشي عليه الماء وأن جاء اليهودي وسألك عني فقولي له أن سيدتي ماتت من قهرها عليك ومضى لموتها مدة عشرين يوما فأن قال أريني قبرها فخذيه إلى القبر وتحيلي دفنه فيه بالحياة، فقالت سمعاً وطاعةً ثم أنهم رفعوا الفراش وأدخلوه في مخدع ومضت إلى بيت مسرور فقعدوا في أكل وشرب ولم يزالا كذلك حتى مضت الثلاثة أيامٍ، هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر زوجها فإنه لما أقبل من السفر دق الباب فقالت هبوب: من بالباب؟ فقال: سيدك ففتحت له الباب فرأى دموعها تجري على خديها فقال لها: ما يبكيك؟ وأين سيدتك؟ فقالت له: إن سيدتي ماتت بسبب قهرها عليك، فلما سمع منها ذلك الكلام تحير في أمره وبكى بكاءً شديداً حتى خر مغشياً عليه فلما غشي عليه أسرعت هبوب بجره ووضعته في القبر وهو بالحياة ولكنه مدهوش ثم سدت عليه ورجعت إلى سيدتها وأعلمتها بهذا الخبر ففرحت بذلك فرحاً شديداً وأنشدت هذين البيتين:

الدهر أقسـم لا يزال مـكـدري حنثت يمينك يا زمان فـكـفـر

مات العزول ومن هويت مواصلي فانهض إلى داعي السرور وشمر

ثم أنها أقاموا مع بعضهم على الأكل والشرب واللهو واللعب إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومميت البنين والبنات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 40 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية ضمرة بن المغيرة التي حكاها حسين الخليع لهارون الرشيد

وحكى أيضاً أيها الملك السعيد أن هارون الرشيد أرق ليلة فوجه إلى الأصمعي وإلى حسين الخليع فأحضرهما وقال: حدثاني وابدأ أنت يا حسين فقال: نعم يا أمير المؤمنين خرجت في بعض السنين منحدراً إلى البصرة ممتدحاً محمد بن سليمان الربعي بقصيدة فقبلها وأمرني بالمقام فخرجت ذات يوم إلى المريد وجعلت المهالبة طريقي فأصابني حر شديد، فدنوت من باب كبير لأستسقي، وإذا أنا بجارية كأنها قضيب يثني سناء العينين زجاء الحاجبين أسيلة الخدين عليها قميص جلناري ورداء صنعاني قد غلبت شدة بياض يديها حمرة قميصها يتلألأ من تحت القميص ثديان كرمانتين وبطن كطي القباطي بعكن كالقراطيس الناصعة المعقودة بالمسك محشوة، وهي يا أمير المؤمنين متقلدة بخرز من الذهب الأحمر وهو بين نهديها، وعلى صحن جبينها طرة كالسبح ولها حابان مقرونان وعينان نجلاوان وخدان أسيلان وأنف أقنى تحته ثغر كاللؤلؤ وأسنان كالدر وقد غلب عليها الطيب وهي والهة حيرانة ذاهبة تروح وتجيء تخطو على أكباد محبيها في مشيها وقد سيقانها أصوات خلخالها فهي كما قال فيها الشاعر:

كل جزء في محاسنها مرسل من حسنها مثلا

فهبتها يا أمير المؤمنين ثم دنوت منها لأسلم عليها فإذا الدار والدهاليز والشارع قد عبق بالمسك فسلمت عليها فردت علي بلسان خاشع وقلب حزين بلهب الوجد محترق، فقلت لها: يا سيدتي إني شيخ غريب وأصابني عطش أفتأمرين لي بشربة ماء تؤجرين عليها؟ قالت: إليك عني يا شيخ فإني مشغولة عن الماء والزاد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: إني مشغولة عن الماء والزاد فقلت: لأي علة يا سيدتي؟ قالت: إني أعشق من لا ينصفني وأريد من لا يريدني ومع ذلك فإني ممتحنة بمراقبة الرقباء، فقلت: وهل يا سيدتي على بسيطة الأرض من تريدينه ولا يريدك؟ قالت: نعم وذلك أفضل ما ركب فيه من الجمال والكمال والدلال وقلت: وما وقوفك في هذا الدهليز؟ قالت: هاهنا طريقه وهذا وقت اجتيازه، وقلت لها: يا سيدتي فهل اجتمعتما في وقت من الأوقات وتحدثتما حديثاً أوجب هذا الوجد؟ فتنفست الصعداء وأرخت دموعها على خدها كظل سقط على ورد ثم أنشدت هذين البيتين:

وكنا كغصني بانة فـوق روضة نشم جنى اللذات في عيشة رغد

فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع فيا من رأى فرداً يحن إلى فرد

قلت: يا هذا فما بلغ من عشقك لهذا الفتى؟ قالت: أرى الشمس على حيطان أهله فأحسب أنها هو وربما أراه بغتة فأبهت ويهرب الدم والروح من جسدي وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل، فقلت لها: اعذريني فإني على مثل ما بك من الصبابة مشتغل البال بالهوى وانتحال الجسم وضعف القوى أرى بك من شحوب اللون ورقة البصر ما يشهد بتباريح الهوى وكيف لا يمسك الهوى وأنت مقيمة في أرض البصرة؟ قالت والله كنت قبل محبتي هذا الغلام في غاية الدلال بهيئة الجمال والكمال ولقد فتنت جميع ملوك البصرة حتى افتتن بي هذا الغلام قلت: يا هذه ما الذي فرق بينكما؟ قالت: نوائب الدهر ولحديثي وحديثه شأن عجيب وذلك أني قعدة في يوم نيروز ودعوت عدة من جواري البصرة وفي تلك الجواري جارية سيران، وكان ثمنها عليه من عمان ثمانين ألف درهم وكانت لي محبة وبي مولعة، فلما دخلت رمت نفسها وكادت ببطني قرضاً وعضاً ثم خلونا نتنعم بالشراب إلى أن يتهيأ طعامنا ويتكامل سرورنا وكانت تلاعبني وألاعبها فتارة أنا فوقها وتارة هي فوقي، فحملها السكر على أن ضربت يدها إلى دكتي فحلتها من غير ريبة كانت بيننا ونزل سروالي بالملاعبة فبينما نحن كذلك إذ دخل هو على حين غفلة، فرأى ذلك فاغتاظ لذلك وانصرف عني انصراف الهرة العربية إذا سمعت صلاصل لجامها فولى خارجاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت لحسين الخليع: إن محبوبي لما رأى ما ذكرت لك من ملاعبتي مع جارية سيران خرج مغضباً مني، فأنا يا شيخ منذ ثلاث سنين لم أزل أعتذر إليه وأتلطف به وأستعطفه فلا ينظر إلي بطرف ولا يكتب إلي بحرف ولا يكلم لي رسولاً ولا يسمع مني قليلاً، قلت لها: يا هذه أمن العرب هو أم من العجم؟ قالت: ويحك هو من جملة ملوك البصرة فقلت لها: أشيخ هو أم شاب؟ فنظرت إلي شزراً وقالت: إنك أحمق هو مثل القمر ليلة البدر أجرد أمرد لا يعيبه شيء غير انحرافه عني. فقلت لها: ما اسمه؟ قالت: ما تصنع به؟ قلت: أجتهد في لقائه لتحصيل الوصال بينكما قالت: على شرط أن تحمل غليه رقعة قلت: لا أكره ذلك.

فقالت: اسمه ضمرة بن المغيرة ويكنى بأبي السخاء وقصره بالمريد ثم صاحت على من في الدار هاتوا الدواة والقرطاس وشمرت عن ساعدين كأنهما طوقان من فضة وكتبت بعد البسلمة: سيدي ترك الدعاء في صدر رقعتي ينبيء عن تقصيري واعلم أن دعائي لو كان مستجاباً ما فارقتني لأني كثيراً ما دعوت أن لا تفارقني وقد فارقتني ولولا أن الجهد تجاوز بي حد التقصير لكان ما تكلفته خادمتك من كتابة هذه الرقعة معيباً لها مع يأسها منك لعلمها أنك تترك الجواب وأقضي مرادها سيدي نظرة إليك وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز تحيي بها نفساً ميتة واجل من ذلك عندها أن تحفظ بخط يدك بسطها الله بكل فضيلة رقعة تجعلها عوضاً عن تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي أنت ذاكر لها سيدي ألست لك محبة مدنفة، فإن أجبت إلى المسألة كنت لك شاكرة ولله حامدة والسلام. فتناولت الكتاب وخرجت وأصبحت، عدوت إلى باب محمد بن سليمان فوجدت مجلساً محتفلاً بالملوك ورأيت غلاماً زان المجلس وفاق على من فيه جمالاً وبهجة قد رفعه الأمير فوقه فسألت عنه فإذا هو ضمرة بن المغيرة، فقلت في نفسي: معذورة المسكينة بما حل بها ثم قمت وقصدت المريد ووقفت على باب داره فإذا هو قد ورد في موكب فوثبت إليه وبلغت في الدعاء وناولته الرقعة، فلما قرأها وعرف قال لي: يا شيخ قد استبدلنا بها فهل لك أن تنظر البديل، قلت: نعم فصاح على فتاة وإذا هي جارية تخجل ناهدة الثديين تمشي مشية مستعجل من غير وجل فناولها الرقعة وقال: أجيبي عنها.

فلما قرأتها اصفر لونها حيث عرفت ما فيها. وقالت: يا شيخ استغفر الله بما جئت فيه فخرجت يا أمير المؤمنين وأنا أجر رجلي حتى أتيتها واستأذني عليها ودخلت فقالت: ما وراءك؟ قلت: البأس واليأس قالت: ما عليك منه؟ فأين الله والقدرة ثم أمرت لي بخمسمائة دينار وخرجت ثم جزت على ذلك المكان بعد أيام فوجدت غلماناً وفرساناً فدخلت وإذا هم أصحاب ضمرة يسألونها الرجوع فيه وهي تقول والله ما نظرت له في وجه فسجدت شكراً لله يا أمير المؤمنين شماتة بضمرة، وتقربت من الجارية فأبرزت لي رقعة فإذا فيها بعد التسمية سيدتي لولا إبقائي عليك أدام الله حياتك لو وصفت شطراً مما حصل منك وبسطت عذري في ظلامتك إياي إذا كانت الجانية على نفسك ونفسي المظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء، والمؤثرة علينا غيرنا فخالفت هواي والله المستعان على ما كان من اختيارك والسلام، وأوقفتني على ما حمله إليها من الهدايا والتحف وإذا هو بمقدار ثلاثين ألف دينار، ثم رأيتها بعد ذلك وقد تزوج بها ضمرة فقال الرشيد: لولا أن ضمرة سبقني إليها لكان لي معها شأن من الشؤون.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الحكواتي



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 04:10 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب