منتديات شباب الجزائر

العودة   منتدى شباب الجزائر لكل العرب > الأقسام العامــة > منتدى الادبي

الحكواتي

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد
 

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 41 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية إبراهيم بن الخصيب مع جميلة بنت أبي الليث عامل البصرة

ومما يحكى أيضاً أيها الملك السعيد أن الخصيب صاحب مصر كان له ولدٌ ولم يكن في زمانه أحسن منه وكان من خوفه عليه لا يمكنه من الخروج إلا لصلاة الجمعة، فمر وهو خارجٌ من صلاة الجمعة على رجلٌ كبيرٌ وعنده كتب كثيرة فنزل عن فرسه وقعد عنده وقلب الكتب وتأملها فرأى فيها صورة امرأةٍ تكاد أن تنطق ولم ير أحسن منها على وجه الأرض فسلبت عقله وأذهلت لبه.

فقال له: يا شيخ بغني هذه الصورة، فقبل الأرض بين يديه ثم قال له يا سيدي بغير ثمن فدفع له مائة دينارٍ وأخذ الكتاب الذي به الصورة وصار ينظر إليها ويبكي ليله ونهاره وامتنع عن الأكل والشراب والمنام، فقال في نفسه، لو سألت الكتبي عن صانع هذه الصورة من هو ربما أخبرني فإن كانت صاحبتها في الحياة توصلت إليها وإن كانت صورة مطلقةٍ تركت التولع بها ولا أعذب نفسي بشيءٍ لا حقيقة له.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال في نفسه لو سألت الكتبي عن هذه الصورة ربما أخبرني فإن كانت صورة مطلقة تركت التولع بها لا أعذب نفسي بشيءٍ لا حقيقة له. فلما كان يوم الجمعة مر على الكتبي فنهض إليه قائماً فقال له يا عم أخبرني من صنع هذه الصورة قال: يا سيدي صنعها رجل من أهل بغداد يقال له أبو القاسم الصندلاني في حارةٍ تسمى حارة الكرح ولا أعلم من هي.

فقام الغلام من عنده ولم يعلم أحداً من أهل مملكته، ثم صلى الجمعة وعاد إلى البيت فتناول جراباً وملأه من الجواهر والذهب وقيمة الجواهر ثمانون ألف دينارٍ، ثم صبر إلى الصباح وخرج ولم يعلم به أحدٌ ولحق قافلةً فرأى بدوياً فقال له يا عم كم بيني وبين بغداد فقال له يا ولدي أين أنت وأين بغداد إن بينك وبينها مسيرة شهرين فقال له يا عم إن أوصلتني إلى بغداد أعطيك مائة دينارٍ وهذه الفرس التي تحتي وقيمتها ألف دينارٍ.

فقال له البدوي الله على ما تقول وكيل ولكن لا ننزل في هذه الليلة إلا عندي، فأجابه إلى قوله وبات عنده، فلما لاح الفجر رافقه البدوي وسار به سريعاً في طريقٍ قريبٍ طمعاً في تلك الفرس التي وعده بها، وما زالا سائرين حتى وصلا إلى حيطان بغداد فقال له البدوي الحمد لله على السلامة يا سيدي هذه بغداد، ففرح الغلام فرحاً شديداً ونزل عن الفرس وأعطاها للبدوي هي والمائة دينار. ثم تناول الجراب ومضى يسائل عن حارة الكرح وعن محل التجار فساقه القدر إلى دربٍ فيه خمسه عشر ججر تقاتل وفي صدر الدار بابٌ بمصراعين له حلقة من فضة وفي الباب مصطبتان من الرخام مفروشتان بأحسن الفرش وفي أحدهما رجلٌ جالسٌ وهو مهابٌ حسن الصورة وعليه ثيابٌ فاخرةٌ وبين يديه خمس مماليك كأنهم أقمارٌ، فلما رأى الغلام ذلك عرف العلامة التي ذكرها له الكتبي فسلم على الرجل فرد عليه السلام ورحب به وأجلسه وسأله عن حاله فقال له الغلام: أنا رجلٌ غريبٌ وأريد من إحسانك أن تنظر لي في هذا الدرب داراً لأسكن فيها.

فصاح الرجل وقال: يا غزالة، فخرجت إليه جارية وقالت لبيك يا سيدي فقال: خذي معك بعض خدم واذهبوا إلى حجرة ونظفوها وافرشوها وحطوا فيها جميع ما يحتاج من آنية وغيرها لأجل هذا الشاب الحسن الصورة، فخرجت الجارية وفعلت ما أمرها به، ثم أخذه الشيخ وأراه الدار فقال له الغلام يا سيدي كم أجرة هذا الدار؟ فقال له يا جميل أنا ما آخذ منك أجرةً ما دمت هنا، فشكره على ذلك.

ثم أن الشيخ نادى جاريةً ثانيةً فخرجت إليه جاريةٌ كأنها الشمس فقال لها هات الشطرنج فأتت له، ففرش المملوك الرقعة وقال الشيخ للغلام: أتلعب معي قال نعم فلعب معه مراتٍ والغلام يغلبه، فقال أحسنت يا غلام لقد كملت صفاتك والله ما في بغداد من يغلبني وقد غلبتني أنت، ثم بعد أن هيأوا الدار بالفراش وسائر ما يحتاج إليه وسلمه المفاتيح وقال يا سيدي إلا تدخل منزلي وتأكل عيشي فنتشرف بك فأجابه الغلام إلى ذلك ومشى معه فلما وصلا إلى الدار حسنةً جميلةً مزركشةً بالذهب وفيها من جميع التصاوير ومن أنواع الفرش والأمتعة ما يعجز عن شرحه اللسان، ثم صار يحييه وأمر بإحضار الطعام فأتوا بمائدة من شغل صنعاء اليمن فوضعت وأتوا بالطعام ألواناً غريبةً لا يوجد أفخر منها ولا ألذ.

فأكل الغلام حتى اكتفى ثم غسل يديه، وصار الغلام ينظر إلى الدار والفرش، ثم التفت إلى الجراب الذي كان معه فلم يره فقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أكلت لقمةً تساوي درهماً أو درهمين فذهب مني جراب فيه ثلاثون ألف دينارٍ ولكنه استعان بالله ثم سكت ولم يقدر أن يتكلم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام لما رأى الجراب مفقودٌ حصل له غمٌ كبيرٌ فسكت ولم يقدر أن يتكلم، فقدم الشيخ الشطرنج وقال للغلام: هل تلعب معي؟ فقال: نعم فغلبه الشيخ فقال الغلام: أحسنت: ثم ترك اللعب وقام فقال له: ما لك يا غلام؟ فقال: أريد الجراب، فقام وأتى به وقال: ها هو يا سيدي هل ترجع إلى اللعب معي؟ قال: نعم فلعب معه فغلبه الغلام، فقال الرجل: لما اشتغل فكرك بالجراب غلبتك فلما جئت به إليك غلبتني.

ثم قال له: يا ولدي أخبرني من أي البلاد أنت؟ فقال: من مصر، فقال له: وما سبب مجيئك إلى بغداد؟ فأخرج له الصورة وقال: يا عم إني ابن الخصيب صاحب مصر وقد رأيت هذه الصورة عند رجل كتبي فسلبت عقلي فسألت عن صانعها فقيل لي: إن صانعها رجل من بغداد بحارة الكرح يقال له أبو القاسم الصندلاني بدرب الزعفران فأخذت معي شيئاً من المال وجئت وحدي ولم يعلم بحالي أحدٌ وأريد من تمام إحسانك أن تدلني عليه حتى أسأله عن سبب تصويره لهذه والصورة من هي ومهما أراده مني فإني أعطيه إياه فقال: والله يا ابني إني أنا أبو القاسم الصندلاني وهذا أمرٌ عجيب كيف ساقتك المقادير إلي. فلما سمع الغلام كلامه قام إليه وعانقه وقبل رأسه ويديه وقال له: بالله عليك أن تخبرني صورة من هي، فقال سمعاً وطاعةً، ثم قام وفتح خزانةً وأخرج منها عدة كتبٍ كان صور فيها هذه الصورة وقال له: اعلم يا ولدي أن صاحبة هذه الصورة ابنة عمي وهي في البصرة وأبوها حاكم البصرة يقال له: أبو الليث وهي يقال لها جميلة وما على وجه الأرض أجمل منها ولكنها زاهدةٌ في الرجال ولا تقدر أن تسمع ذكر رجلٍ في مجلسها وقد ذهبت إلى عمي بقصد أنه يزوجني بها وبذلت له الأموال فلم يجيبني إلى ذلك فلما علمت ابنته بذلك اغتاظت وأرسلت إلي كلاماً من جملته أنها قالت: إن كان لك عقلٌ فلا تقم بهذه البلدة وإلا تهلك ويكون ذنبك في عنقك وهي جبارةٌ من الجبابرة فخرجت من البصرة وأنا منكسر الخاطر وعملت هذه الصورة في الكتب وفرقتها في البلاد لعلها تقع في يد غلامٍ حسن الصورة مثلك فيتحيل في الوصول إليها لعلها تعشقه وأكون قد أخذت عليه العهد أنه إذا تمكن منها يريني إياها ولو نظرةً من بعيد، فلما سمع إبراهيم ابن الخصيب كلامه أطرق برأسه ساعةً وهو يتفكر فقال له الصندلاني: يا ولدي إني ما رأيت ببغداد أحسن منك وأظن أنها إذا نظرتك تحبك فهل يمكنك إذا اجتمعت بها أن تريني إياها ولو نظرةً من بعيد؟ فقال: نعم فقال: إذا كان الأمر كذلك فأقم عندي إلى أن تسافر فقال: لا أقدر على المقام فإن في قلبي من عشقها ناراً زائدةً، فقال له: اصبر حتى أجهز لك مركبا في ثلاثة أيام لنذهب فيها إلى البصرة فصبر حتى جهز له مركباً ووضع فيها كل ما يحتاج إليه من المأكولٍ ومشروبٍ وغير ذلك وبعد ثلاثة أيامٍ قال للغلام تجهز للسفر فقد جهزت لك مركباً فيها سائر ما تحتاج إليه والمركب ملكي والملاحون من أتباعي وفي المركب ما يكفيك إلى أن تعود وقد أوصيت الملاحين أن يخدموك إلى أن ترجع بالسلامة.

فنهض الغلام ونزل في المركب وودعه وسار حتى وصل إلى البصرة فأخرج الغلام مائة دينارٍ للملاحين فقالوا له: نحن أخذنا الأجرة من سيدنا، فقال لهم: خذوها إنعاماً وأنا لا أخبره بذلك فأخذوها منه ودعوا له، ثم دخل الغلام البصرة وسأل: أين مسكن التجار؟ فقالوا له: في خان يسمى خان حمدان فمشى حتى وصل إلى السوق الذي فيه الخان فامتدت إليه الأعين بالنظر من فرط حسنه وجماله ثم دخل الخان مع رجلٌ ملاحٍ وسأل عن البواب فدلوه عليه فرآه شيخاً كبيراً مهاباً فسلم عليه فرد عليه السلام فقال: يا عم هل عندك حجرةً ظريفةً؟ قال: نعم.

ثم أخذه هو والملاح وفتح لهما حجرةً ظريفةً مزركشةً بالذهب، وقال يا غلامٍ أن هذه الحجرة تصلح لك فأخرج الغلام دينارين وقال له: خذ هذين حلوان المفتاح فأخذهما ودعا له وأمر الغلام الملاح بالذهاب إلى المركب ثم دخل الحجرة فاستمر عند بواب الخان وخدمه وقال له: يا سيدي حصل لنا بك السر فأعطاه الغلام ديناراً وقال له: هات لنا به خبزاً ولحماً وحلوى وشراباً فأخذه وذهب به إلى السوق ورجع إليه وقد اشترى ذلك بعشرة دراهم وأعطاه الباقي فقال الغلام: اصرفه على نفسك ففرح البواب بذلك فرحاً عظيماً ثم أن الغلام أكل مما طلبه قرصاً واحداً بقليل من الآدم وقال لبواب الخان: خذ هذا إلى أهل منزلك فأخذه وذهب به إلى أهل منزله وقال لهم: ما أظن أن أحداً على وجه الأرض أكرم من الغلام الذي سكن عندنا في هذا اليوم ولا أحلى منه فإن دام عندنا حصل لنا الغنى.

ثم أن بواب الخان دخل على إبراهيم فرآه يبكي فقعد وصار يكبس رجليه ثم قبلهما وقال: يا سيدي لأي شيءٍ تبكي لا أبكاك الله؟ فقال: يا عم أريد أن أشرب أنا وأنت في هذه الليلة فقال سمعاً وطاعةً فأخرج له خمسة دنانيرٍ وقال له: اشتر لنا بها فاكهةً وشراباً ثم دفع له خمسة دنانيرٍ أخرى وقال له: اشتر لنا بهذه نقلاً ومشموماً وخمس فراخٍ سمان وأحضر لي عوداً فخرج واشترى له ما أمره به وقال لزوجته: ضعي هذا الطعام وصفي لنا هذا الشراب وليكن ما تصنعينه جيداً فإن هذا الغلام قد عمنا بإحسانه فصنعت زوجته ما أمرها به على غاية المراد. ثم أخذه ودخل على إبراهيم ابن السلطان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بواب الخان لما صنعت زوجته الطعام والشراب أخذه ودخل به على ابن السلطان فأكلا وشربا وطربا فبكى الغلام وأنشد هذين البيتين:

يا صاحبي لو بذلت الروح مجتهداً وجملة المال والدنيا وما فـيهـا

وجنة الخلد والفردوس أجمعهـا بساعة الوصل كان القلب شاريها

ثم شهق شهقةً عظيمةً وخر مغشياً عليه فتنهد بواب الخان فلما رآه أفاق قال له بواب الخان: يا سيدي ما يبكيك ومن هي التي تريدها بهذا الشعر فإنها لا تكون إلا تراباً لأقدامك؟ فقام الغلام وأخرج بقجةً من أحسن ملابس النساء وقال له: خذ هذه إلى حريمك فأخذها منه ودفعها إلى زوجته فأتت معه ودخلت على الغلام فإذا هو يبكي، فقالت له: فتت أكبادنا فعرفنا بأي مليحةٍ تريدها وهي لا تكون إلا جاريةً عندك. فقال: يا عم اعلم أني أنا ابن الخصيب صاحب مصر وإني متعلق بجميلة بنت أبي الليث العميد فقالت زوجة بواب الخان: الله الله يا أخي اترك هذا الكلام لئلا يسمع بنا أحد فنهلك فإنه ما على وجه الأرض أجبر منها ولا يقدر أحدٌ أن يذكر لها اسم رجلٍ لأنها زاهدةٌ في الرجال يا ولدي اعدل عنها لغيرها، فلما سمع كلامها بكى بكاءً شديداً فقال له بواب الخان: ما لي سوى روحي فأنا أخاطر بها في هواك وأدبر لك أمراً فيه بلوغ مرادك.

ثم خرجا من عنده فلما أصبح الصباح دخل الحمام ولبس حلةً من ملبوس الملوك وإذا ببواب الخان هو وزوجته قدما عليه وقالا له: يا سيدي اعلم أن هنا رجلاً خياطاً أحدب وهو خياط السيدة جميلة فاذهب إليه وأخبره بحالك فعساه بذلك على ما فيه وصولك إلى أغراضك فقام الغلام وقصد دكان الخياط الأحدب فدخل عليه فوجد عنده عشرة مماليكٍ، كأنهم الأقمار فسلم عليهم فردوا عليه السلام وفرحوا به وأجلسوه وتحيروا في محاسنه وجماله فلما رآه الأحدب اندهش عقله من حسن صورته فقال له الغلام: أريد أن تخبط لي جيبي فتقدم الخياط وأخذ فتلة من الحرير وخاطه وكان الغلام قد فتقه عمداً فلما خاطه أخرج له خمسة دنانيرٍ أعطاها له وانصرف إلى حجرته فقال الخياط: أي شيءٍ عملته لهذا الغلام حتى أعطاني الخمسة دنانير؟ ثم بات ليلته يفكر في حسنه وكرمه فلما أصبح الصباح ذهب إلى دكان الخياط الأحدب ثم دخل وسلم عليه فرد عليه السلام وأكرمه ورحب به فلما جلس قال للأحدب: يا عم خيط لي جيبي فإنه فتق ثانياً فقال له: يا ولدي على الرأس والعين ثم تقدم وخاطه فدفع له عشرة دنانير فأخذها وصار مبهوتاً من حسنه وكرمه، ثم قال له: والله يا غلام إن فعلك لا بد له من سببٍ وما هذا خبر خياطة جيب ولكن أخبرني عن حقيقة أمرك فإن كنت عشقت واحداً من هؤلاء الأولاد فو الله ما فيهم أحسن منك وكلهم تراب أقدامك وها هم عبيدك وبين يديك وإن كان غير هذا فأخبرني؟ فقال: يا عم ما هذا محل الكلام، فإن حديثي عجيبٌ وأمري غريبٌ قال: فإذا كان الأمر كذلك فقم بنا في خلودٍ، ثم نهض الخياط وأخذه بيده ودخل معه حجرةً في داخل الدكان وقال له: يا غلام حدثني ماذا تريد، فحدثه بأمره من أوله إلى آخره فبهت من كلامه وقال: يا غلام اتق الله في نفسك فإن التي ذكرتها جبارةٌ زاهدةٌ في الرجال فاحفظ يا أخي لسانك وإلا فأنك تهلك نفسك. فلما سمع الغلام كلامه بكى بكاءً شديداً ولزم ذيل الخياط وقال: أجرني يا عم فإني هالكٌ وقد تركت ملكي وملك أبي وجدي وصرت في البلاد غريباً وحيداً ولا صبر لي عنها، فلما رأى الخياط ما حل به رحمه وقال: يا ولدي ما عندي إلا نفسي فأنا أخاطر بها في هواك فإنك قد جرجرت قلبي ولكن في الغد أدبر لك أمراً ليطيب به قلبك فدعا له وانصرف إلى الخان فحدث بواب الخان بما قاله الأحدب فقال له: قد فعل معك جميلاً، فلما أصبح الصباح لبس الغلام أفخر ثيابه وأخذ كيساً فيه دنانير وأتى إلى الأحدب فسلم وجلس ثم قال له: يا عم انجز وعدي فقال له: قم في هذه الساعة وخذ ثلاث فراخٍ سمان وثلاث أوراقٍ من السكر النبات وكوزين لطيفين واملأهما شرابا وخذ قدحاً وضع ذلك في كارةٍ وأنزل بعد صلاة الصبح في زورقٍ مع ملاح وقل له: أريد أن تذهب بي تحت البصرة فإن قال لك: ما أقدر أن أعدي أكثر من فرسخ فقل له: الرأي لك فإذا عدى فرغبه بالمال حتى يوصلك فإذا وصلت فأول بستانٍ تراه فأنه بستان السيدة جميلة فإذا رأيته فاذهب إلى بابه ترى درجتين عاليتين عليهما فرش من الديباج وجالس عليهما رجل أحدب مثلي فاشك إليه حالك وتوسل به فعساه أن يرثي لحالك ويوصلك إلى أن تنظرها ولو نظرةً من بعيدٍ وما بيدي حيلةٌ غير هذا، وأما إذا لم يرث لحالك فقد هلكت أنا وأنت وهذا ما عندي من الرأي والأمر إلى الله تعالى فقال الغلام: استعنت بالله تعالى ما شاء الله كان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم قام من عند الخياط الأحدب وذهب إلى حجرته وأخذ ما أمره به في كارةٍ لطيفةٍ ثم أنه لما أصبح جاء إلى شاطئ الدجلة وإذا هو برجلٍ ملاحٍ نائم فأيقظه وأعطاه عشرة دنانيرٍ وقال له: عدني إلى تحت البصرة فقال له: يا سيدي بشرطٍ أني لا أعدي أكثر من فرسخ وإن تجاوزته شبراً هلكت أنا وأنت فقال له: الرأي لك فأخذه وانحدر به فلما قرب من البستان قال: يا ولدي من هنا ما أقدر أن أعدي فإن تعديت هذا الحد هلكت أنا وأنت فأخرج له عشرة دنانير وقال: خذ هذه نفقة لتستعين بها على حالك فاستحى منه وقال: سلمت أمري لله تعالى.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام لما أعطى للملاح العشرة دنانير الأخرى أخذها وقال: سلمت أمري لله تعالى وانحدر به فلما وصلا إلى البستان نهض الغلام من فرحته ووثب من الزورق وثبة مقدار رمية رمحٍ ورمى نفسه فرجع الملاح هارباً، ثم تقدم الغلام فرأى جميع ما وصفه له الخياط الأحدب من البستان ورأى بابه مفتوحاً وفي الدهليز سريرٌ من العاج جالس عليه رجلٌ أحدب لطيف المنظر عليه ثيابٌ مذهبةٌ وفي يده دبوسٌ من فضةٍ مطليٌ بالذهب فنهض الغلام مسرعاً وانكب على يده وقبلها فقال له: من أنت ومن أين أتيت ومن أوصلك إلى هنا يا ولدي؟ وكان ذلك الرجل لما رأى إبراهيم بن الخصيب انبهر من جماله فقال له إبراهيم: يا عم أنا صبيٌ جاهلٌ غريبٌ.

ثم بكى فرق له وأصعده على السرير ومسح له دموعه وقال: لا بأس عليك أن كنت مديوناً قضى الله دينك وأن كنت خائفاً آمن الله خوفك، فقال: يا عم لا بي خوفٌ ولا علي دينٌ ومعي مالٌ جزيلٌ بحمد الله وعونه فقال له: يا ولدي ما حاجتك حتى خاطرت بنفسك وجمالك إلى محلٍ فيه الهلاك؟ فحكى له حكايته وشرح له أمره فلما سمع كلامه أطرق برأسه ساعةً إلى الأرض وقال: هل الذي دلك علي الخياط الأحدب؟ قال: نعم، قال: هذا أخي وهو رجلٌ مباركٌ. ثم قال: يا ولدي لولا أن محبتك نزلت في قلبي ورحمتك لهلكت أنت وأخي وبواب الخان وزوجته ثم قال: أعلم أن هذا البستان ما على وجه الأرض مثله والله يقال له بستان اللؤلؤة وما دخله أحدٌ مدة عمري إلا السلطان وأنا وصاحبته جميلة وأقمت فيه عشرين سنةً فما رأيت أحدٌ جاء إلى هذا المكان وكل أربعين يوماً تأتي في المركب إلى هنا وتصعد بين جواريها في حلة أطلسٍ تحمل أطرافها عشر جوارٍ بكلاليبٍ من الذهب إلى أن تدخل فلم أر منها شيئاً ولكن أنا ما لي إلا نفسي فأخاطر بها من أجلك فعند ذلك قبل الغلام يده وقال له: اجلس عندي حتى أدبر لك أمراً ثم أخذ بيد الغلام وأدخله البستان فلما دخل إبراهيم ذلك البستان ظن أنه الجنة ورأى الأشجار ملتفةً والنخيل باسقةً والمياه متدفقةً والأطيار تناغي بأصواتٍ مختلفة ثم ذهب به إلى قبةٍ وقال له: هذه التي تقعد فيها السيدة جميلة فتأمل تلك القبة فوجدها من أعجب المنتزهات وفيها سائر التصاوير بالذهب واللازورد وفيها أربعة أبواب يصعد إليها بخمس درج وفي وسطها بركةٌ ينزلها إليها بدرج من الذهب وتلك الدرج مرصعة بالمعادن وفي وسط البركة سلسبيل من الذهب فيه صور كبار وصغار والماء يخرج من أفواهها فإذا صفت الصور عند خروج الماء بأصواتٍ مختلفةٍ تخيل لسامعها أنه في الجنة وحول القبة ساقية قواديسها من الفضة وهي مكسوةٌ بالديباج وعلى يسار الساقية شباك من الفضة مطلٍ على برجٍ أخضرٍ فيه من سائر الطيور والوحوش والغزلان والأرانب وعلى يمينها شباكٌ مطلٌ على ميدانٍ فيه من سائر الطيور وكلها تغرد بأصوات مختلفة تدهش السامع، فلما رأى الغلام ذلك أخذه الطرب وقعد في باب البستان، وقعد البستاني بجانبه فقال له: كيف ترى بستاني؟ فقال له الغلام: هو جنة الدنيا، فضحك البستاني ثم قام وغاب عنه ساعةً وعاد ومعه طبقٌ فيه دجاجٌ وسمانٌ ومأكولٌ مليحٌ وحلوى من السكر فوضعه بين يدي الغلام وقال له: كل حتى تشبع قال إبراهيم: فأكلت حتى اكتفيت.

فلما رآني أكلت فرح وقال: هكذا شأن الملوك أولاد الملوك ثم قال: يا إبراهيم أي شيء معك في هذه الكارة فحللتها بين يديه فقال: أحملها معك فأنها تنفعك إذا حضرت السيدة جميلة فأنها إذا جاءت لا أقدر أن أدخل لك بما تأكله ثم قام وأخذ بيدي وأتى بي إلى مكان قبال قبة جميلة فعمل عريشة بين الأشجار وقال له: أصعد هنا فإذا جاءت فأنك تنظرها وهي لا تنظرك وهذا أكثر ما عندي من الحيلة وعلى الله الاعتماد فإذا غنت فاشرب على غنائها فإذا ذهبت فارجع من حيث جئت أن شاء الله مع السلامة. فشكره الغلام وأراد أن يقبل يده فمنعه ثم أن الغلام وضع الكارة في العريشة التي عملها له ثم قال له البستاني: يا إبراهيم تفرج في البستان وكل من أثماره فأن ميعاد حضور صاحبتك في الغد فصار إبراهيم يتنزه في البستان ويأكل من أثماره وبات ليلته عنده فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح صلى إبراهيم الصبح وإذا بالبستاني جاء وهو مصفر اللون وقال له: يا ولدي قم واصعد إلى العريشة فإن جواري السيدة جميلة قد أتين ليفرشن المكان وهي تأتي بعدهن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخولي لما دخل على إبراهيم بن الخصيب في البستان قال له: قم يا ولدي اصعد على العريشة فأن الجواري قد أتين ليفرشن المكان وهي تأتي بعدهن واحذر من أن تبصق أو تمخط أو تعطس فنهلك أنا وأنت فقام الغلام وصعد إلى العريشة وذهب الخولي وهو يقول: رزقك الله السلامة يا ولدي فبينما الغلام قاعدٌ وإذا بخمس جوار أقبلن لم ير مثلهن أحد فدخلن القبة وقلعن ثيابهن وغسلن القبة ورششنها بماء الورد، وأطلقن العود والعنبر وفرشن الديباج وأقبل بعدهن خمسون جارية ومعهن آلات الطرب وجميلة بينهن من داخل خيمة حمراء من الديباج والجواري رافعات أذيال الخيمة بكلاليب من الذهب حتى دخلت القبة فلم ير منها ولا أثوابها شيئاً فقال في نفسه: والله أنه ضاع جميع تعبي ولكن لا بد من أن أصبر حتى أنظر كيف يكون الأمر. فقدمت الجواري الأكل والشرب، ثم أكلن وشربن وغسلن أيديهن، ونصبن لها كرسياً فجلست عليه ثم ضربن بآلات الملاهي جميعهن وغنين بأصوات مطربة لا مثيل لها ثم خرجت عجوز قهرمانة فصفقت ورقصت فجذبها الجواري وإذا بالستر رفع وخرجت جميلة وهي تضحك فرآها إبراهيم وعليها الحلي والحلل وعلى رأسها تاجٌ مرصعٌ باللؤلؤ فقامت الجواري وقبلن الأرض بين يديها وهي تضحك.

قال إبراهيم بن الخصيب: فلما رأيتها غبت عن وجودي واندهش عقلي وتحير فكري بما بها من جمالٍ لم يكن على وجه الأرض مثله ووقعت مغشياً علي ثم أفقت باكي العينين وأنشدت هذين البيتين:

أراك فلا أرد الطرف كيلا يكون حجاب رؤيتك الجفون

ولو أني نظرت بكل لحـظٍ لما استوفت محاسنك العيون

فقالت العجوز للجواري: ليقمن منكن عشر يرقصن ويغنين فلما رآهن إبراهيم قال في نفسه: اشتهي أن ترقص السيدة جميلة فلما انتهى رقص العشر جواري فأقبلن حولها وقلن: يا سيدتنا نشتهي أن ترقصي في هذا المجلس ليتم سرورنا بذلك لأننا ما رأينا أطيب من هذا اليوم فقال إبراهيم بن الخصيب في نفسه: لا شك أن أبواب السماء قد فتحت واستجاب الله دعائي، ثم قبل الجواري أقدامها وقلن لها: والله ما رأينا صدرك مشروحاً مثل هذا اليوم فما زلن يرغبنها حتى قلعت أثوابها وصارت بقميص من نسيج الذهب مطرزاً بأنواع الجواهر وأبرزت نهوداً كأنهن الرمان وأسفرت عن وجه كالبدر ليلة تمامه فرأى إبراهيم من الحركات ما لم ير في عمره مثله وأتت في رقصها بأسلوبٍ غريبٍ وابتداعٍ عجيبٍ، حتى أنست رقص الحبيب في الكؤوس، وذكرت ميل العمائم عن الرؤوس وهي كما قال فيها الشاعر:

كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت في قالب الحسن لا طول ولا قصر

كأنها خـلـت مـن مـاء لـؤلـؤٍ في كل جاريةٍ من حسنها قـمـر

وكما قال الآخر:

وراقص مثل غصن البان قامته تكاد تذهب روحي من تنقلـه

لا يستقر له في رقصته قـدم كلفا نار قلبي تحت أرجـلـه

قال إبراهيم: فبينما أنظر إليها إذ لاحت منها التفاتة إلي فرأتني فلما نظرتني تغير وجهها فقالت لجواريها: غنوا أنتم حتى أجيء إليكن ثم عمدت إلى سكين قدر نصف ذراع وأخذتها وأتت نحوي ثم قالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فلما قربت مني غبت عن الوجود فلما رأتني ووقع وجهها في وجهي وقعت السكين من يدها وقالت: سبحان مقلب القلوب ثم قالت لي: يا غلام طب نفساً وقر عيناً ولك الأمان مما تخاف؟ فصرت أبكي وهي تمسح دموعي بيدها وقالت: يا غلام أخبرني من أنت وما جاء بك إلى هذا المكان؟ فقلبت الأرض بين يديها ولزمت ذيلها فقالت: لا بأس عليك فو الله ما ملأت عيني من ذكر غيرك فقل من أنت؟ قال: إبراهيم: فحدثتها بحديثي من أوله إلى أخره فتعجبت من ذلك وقالت لي: يا سيدي أناشدك هل أنت إبراهيم بن الخصيب؟ قلت: نعم فانكبت علي وقالت: يا سيدي أنت الذي زهدتني في الرجال لأنني لما سمعت أنه وجد في مصر صبي لم يكن على وجه الأرض أجمل منه واسمه إبراهيم بن الخصيب هويتك بالوصف وتعلق قلبي بحبك لما بلغني عنك من الجمال الباهر وصرت فيك كما قال الشاعر:

أذني لقد سبقت في عشقه بصري والأذن تعشق قبل العين أحيانـاً

فالحمد لله الذي أراني وجهك والله لو كان أحد غيرك لكنت صلبت البستاني وبواب الخان والخياط ومن يلوذ بهم ثم قالت لي: كيف احتال على شيءٍ تأكله من غير إطلاع الجواري؟ فقلت له: معي ما نأكل وما نشرب ثم حللت الكارة بين يديها فأخذت دجاجة وصارت تلقمني وألقمها فلما رأيت ذلك منها توهمت أنه منا. ثم قدمت الشراب فشربنا كل ذلك وهي عندي والجواري يغنين وما زلنا كذلك من الصبح إلى الظهر ثم قامت وقالت قم الآن هيء لك مركباً وانتظرني في المحل الفلاني حتى أجيء إليك فما بقي لي صبرٌ على فراقك فقلت: يا سيدتي أن معي مركباً وهي ملكي والملاحون في إجارتي وهم في انتظاري فقالت: هذا هو المراد ثم مضت إلى الجواري.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة جميلة لما مضت إلى الجواري قالت لهن: قمن بنا لنروح إلى قصرنا فقلن لها: كيف نقوم في هذه الساعة وعادتنا أننا نقعد ثلاثة أيامٍ؟ فقالت: إني أجد في نفسي ثقلاً عظيماً كأني مريضةٌ وأخاف أن يثقل علي ذلك فقلن لها سمعاً وطاعةً فلبسن ثيابهن ثم توجهن إلى الشاطئ ونزلن في الزورق وإذا بالبستاني قد أقبل على إبراهيم وما عنده علمٌ بالذي جرى له فقال له: يا إبراهيم ما لك حظٌ في التلذذ برؤيتها فأن من عادتها أن تقيم هنا ثلاثة أيامٍ وأنا أخاف أن تكون رأتك فقال إبراهيم: ما رأتني ولا رأيتها ولا خرجت من القبة قال: صدقت يا ولدي فأنها لو رأتك لكنا هلكنا ولكن أقعد عندي حتى تأتي لي الأسبوع الثاني وتراها وتشبع من النظر إليها فقال إبراهيم: أن معي مالاً وأخاف عليه وورائي رجالٌ فأخاف أن يستغيبوني فقال: يا ولدي أنه يعز علي فراقك ثم عانقه وودعه ثم أن إبراهيم توجه إلى الخان الذي كان نازلاً فيه وقابل بواب الخان وأخذ ماله فقال بواب الخان: خير إن شاء الله فقال له إبراهيم: إني ما وجدت إلى حاجتي سبيلاً وأريد أن أرجع إلى أهلي فبكى بواب الخان وودعه وحمل أمتعته وأوصله إلى المركب وبعد ذلك توجه إلى المحل الذي قالت له عليه وانتظرها فيه.

فلما جن الليل وإذا قد أقبلت عليه وهي في زي رجلٍ شجاعٍ بلحيةٍ مستديرةٍ ووسطٍ مشدودٍ بمنطقةٍ وفي إحدى يديها قوس ونشاب وفي الأخرى سيفٌ مجردٌ وقالت له: هل أنت ابن الخصيب صاحب مصر؟ فقال له إبراهيم: هو أنا فقالت له: وأي علق أنت حتى جئت تفسد بنات الملوك قم كلم السلطان قال إبراهيم: فوقعت مغشياً علي وأما الملاحون فإنهم ماتوا في جلدهم من الخوف فلما رأت ما حل بي خلعت تلك اللحية ورمت السيف وحلت المنطقة فرأيتها هي السيدة جميلة فقلت لها: والله إنك قطعت قلبي ثم قلت للملاحين: اسرعوا في سير المركب فحلوا الشراع وأسرعوا في السير فما كان إلا أيامٌ قلائل حتى وصلنا إلى بغداد وإذا بمراكب واقفةٍ على جانب الشط فلما رآنا الملاحون الذين معنا صاروا يقولون: يا فلان ويا فلان نهنئكم بالسلامة دفعوا مراكبهم على مركبنا فنظرنا فإذا فيها أبو القاسم الصندلاني فلما رآنا قال: إن هذا هو مطلوبي امضوا في وداعة الله وأنا أريد التوجه إلى غرضٍ وكان بين يديه شمعةً ثم قال لي: الحمد لله على السلامة هل قضيت حاجتك؟ قلت: نعم فقرب الشمعة منا فلما رأته جميلة تغير حالها واصفر لونها ولما رآها الصندلاني قال: اذهبوا في أمان الله أنا رائحٌ إلى البصرة في مصلحة للسلطان ولكن الهدية لمن حضر.

ثم أحضر علبةً من الحلويات ورماها في مركبنا وكان فيها البنج فقال إبراهيم: يا قرة عيني كلي من هذا فبكت وقالت: يا إبراهيم أتدري من هذا؟ قلت: نعم هذا فلان قالت: أنه ابن عمي وكان سابقاً قد حضر ليخطبني من والدي فما رضيت به وهو متوجه إلى البصرة فربما عرف أبي بنا فقلت: يا سيدتي هو لا يصل إلى البصرة حتى نصل نحن إلى مصر ولم يعلما بما هو مخبوء لهما في الغيب فأكلت شيئاً من الحلاوة فما نزلت جوفي حتى ضربت الأرض برأسي فلما كان وقت السحر عطست فخرج البنج من منخاري وفتحت عيني فرأيت نفسي عرياناً مرمياً في الخراب فلطمت على وجهي وقلت في نفسي: إن هذه الحيلة عملها في الصندلاني فسرت لا أدري أين اذهب وما علي سوى سروال. فقمت وتمشيت قليلاً وإذا بالوالي أقبل علي ومعه جماعةً بسيوفٍ ومطارقٍ فخفت فرأيت حماماً خرباً فتواريت فيه فعثرت رجلي في شيءٍ فوضعت يدي عليه فتلوثت بالدم فمسحتها في سروال ولم أعلم ما هو ثم مددت يدي إليه ثانياً فجاءت على قتيلٍ وطلعت رأسه في يدي فرميتها وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم دخلت زاوية من زوايا الحمام وإذا بالوالي واقفٌ على باب الحمام وقال: ادخلوا هذا المكان وفتشوه فدخل منهم عشرةٌ بالمشاعل فمن خوفي دخلت وراء حائطٍ فتأملت تلك المقتول فرأيتها صبية ووجهها كالبدر ورأسها في ناحيةٍ وجثتها في ناحيةٍ وعليها ثياب ثمينة فلما رأيتها وقعت الرجفة في قلبي ودخل الوالي وقال: فتشوا واجهات الحمام فدخلوا الموضع الذي أنا فيه فنظرني رجلٌ منهم فجاءني وبيده سكين طولها نصف ذراعٍ فلما قرب مني قال: سبحان الله خالق هذا الوجه الحسن يا غلام من أين أنت؟ ثم أخذ بيدي وقال: يا غلام لأي شيءٍ قتلت هذه المقتولة؟ فقلت: والله ما قتلتها وما أعرف من قتلها وما دخلت هذا المكان إلا فزعاً منكم وأخبرته بقصتي وقلت له: بالله عليك لا تظلمني فأني مشغولٌ بنفسي فأخذني وقدمني إلى الوالي فلما رأى على يدي أثر الدم قال: هذا لا يحتاج إلى بينة فاضربوا عنقه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الخصيب قال: فلما قدموني للوالي ورأى على يدي أثر الدم قال: هذا ما يحتاج إلى بينة فاضربوا عنقه فلما سمعت هذا الكلام بكاءً شديداً وجرت مني دموع العين وأنشدت هذين البيتين:

مشيناها خطى كتبت علـينـا ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كانت منـيتـه بـأرضٍ فليس يموت في أرضٍ سواها

ثم شهقت شقهةً فوقعت مغشياً علي فرق لي قلب الجلاد وقال: والله هذا وجه من لا يقتل فقال الوالي: اضربوا عنقه فأجلسوني في نطع الدم وشدوا علي عيني غطاء وأخذ السياف سيفه واستأذن الوالي وأراد أن يضرب عنقي فصحت: وأغربتاه وإذا الخيل قد أقبلت وقائلٌ يقول: دعوه أمنع يدك يا سياف، وكان لذلك سبباً عجيباً وأمراً غريباً وهو أن الخصيب صاحب مصر كان قد أرسل حاجبه إلى الخليفة هارون الرشيد ومعه هدايا وتحف وصحبته كتاب يذكر له فيه: أن ولدي قد فقد منذ سنة وقد سمعت أنه ببغداد، والمقصود من إنعام خليفة الله أن يفحص عن خبره ويجتهد في طلبه ويرسل إلي مع الحاجب. فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر الوالي أن يبحث عن حقيقة خبره فلم يزل الوالي والخليفة يسألان عنه حتى قيل له أنه بالبصرة وأمره أن يسافر إلى البصرة ويأخذ معه جماعةً من أتباع الوزير في حرص الحاجب فلما رأى الوالي الحاجب وعرفه ترجل إليه فقال له الحاجب: ما هذا الغلام وما شأنه؟ فأخبره بالخبر الحاجب والحال أنه لم يعرف أنه ابن السلطان إن وجه هذا الغلام وجه من لا يقتل وأمره بحل وثاقه فحله فقال: قدمه إلي، فقدمه إليه وكأن ذهب جماله من شدة الأهوال فقال له الحاجب: أخبرني بقضيتك يا غلام وما شأن هذه المقتولة معك؟ فلما نظر إبراهيم إلى الحاجب عرفه فقال له: ويلك أما تعرفني؟ أما أنا إبراهيم ابن سيدك فلعلك جئت في طلبي فأمعن الحاجب فيه النظر فعرفه غاية المعرفة فلما عرفه انكب على أقدامه فلما رأى الوالي ما حصل من الحاجب اصفر لونه فقال له الحاجب: ويلك يا جبار هل كان مرادك أن تقتل ابن سيدي الخصيب صاحب مصر؟ فقبل الوالي ذيل الحاجب وقال له: يا مولاي من أين أعرفه وإنما رأيناه على هذه الصفة ورأينا الضبية مقتولة بجبانة فقال: ويلك أنك لا تصلح للولاية هذا غلام له من العمر خمسة عشر عاماً وما قتل عصفوراً فكيف يقتل قتيلاً؟ هلا أمهلته وسألته عن حاله، ثم قال الحاجب والوالي: فتشوا على قاتل الصبية فدخلوا الحمام ثانياً فرأوا قاتلها فأخذوه وأتوا به الوالي فأرسله دار الخلافة وأعلم الخليفة بما جرى فأمر الرشيد بقتل قاتل الصبية ثم أمر بإحضار ابن الخصيب فلما تمثل بين يديه تبسم الرشيد في وجهه وقال له: أخبرني بقضيتك وما جرى لك؟ فحدثه بحديثه من أوله إلى أخره فعظم ذلك عنده فنادى مسرور السياف وقال: اذهب في هذه الساعة وأهجم على دار أبي القاسم الصندلاني وائتني به وبالصبية فمضى من ساعته وهجم على داره فرأى الصبية في وثاقٍ من شعرها وهي في حالة التلف فحلها مسرور وأتى بها وبالصندلاني فلما رآها الرشيد تعجب من جمالها ثم التفت إلى الصندلاني وقال: خذوه واقطعوا يديه اللتين ضرب بهما هذه الصبية واصلبوه وسلموا أمواله وأملاكه إلى إبراهيم ففعلوا ذلك فبينما هم كذلك وإذا بأبي الليث عامل البصرة والد السيدة جميلة قد أقبل عليهم يستغيث بالخليفة من إبراهيم بن الخصيب صاحب مصر ويشكوا إليه أنه أخذ ابنته فقال له الرشيد أنه كان سبباً في خلاصها من العذاب والقتل وأمر بإحضار ابن الخصيب فلما حضر قال أبي الليث: ألا ترضى أن يكون هذا الغلام ابن السلطان مصر بعلاً لابنتك فقال سمعاً وطاعةً لله ولك يا أمير المؤمنين فدعا الخليفة بالقاضي والشهود وزوج الصبية بإبراهيم ابن الخصيب ووهب له جميع أموال الصندلاني وجهزه إلى بلاده وعاش معها في أتم سرور وفي حبور إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات فسبحان الحي الذي لا يموت.
رد مع اقتباس
اعلانات
 
  رقم المشاركة : ( 42 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية الشاب البغدادي مع جاريته التي اشتراها

يحكى أنه كان في قديم الزمان رجلٌ بغدادي من أولاد أهل النعم ورث عن أبيه مالاً جزيلاً وكان يعشق جاريةً اشتراها وكانت تحبه كما يحبها ولم يزل ينفق عليها إلى أن ذهب جميع ماله ولم يبق منه شيء فطلب شيئاً من أسباب المعاش يتعيش فيه فلم يقدر، وكان ذلك الفتى في أيام غناه يحضر مجالس العرفين بصناعة الغناء فبلغ فيها الغاية القصوى، فاستشار أحد إخوانه فقال له: أنا لا أعرف لك صنعةً أحسن من أن تغني أنت وجاريتك فتأخذ على ذلك المال الكثير وتأكل وتشرب، فكره ذلك هو والجارية. فقالت له جاريته: قد رأيت لك رأياً، قال: ما هو؟ قالت: تبيعني ونخلص من هذه الشدة أنا وأنت وأكون في نعمةٍ، فإن مثلي لا يشتريه إلا ذو نعمةٍ وبذلك أكون سبباً في رجوعي إليك، فأطلعها إلى السوق فكان أول من رآها رجلٌ هاشمي من أهل البصرة وكان ذلك الرجل أديباً ظريفاً كريم النفس فاشتراها بألف وخمسمائة دينار وذلك الفتى صاحب الجارية فلما قبضت الثمن ندمت وبكت أنا والجارية وطلبت الإقامة فلم يرض، فوضعت الدنانير في الكيس وأنا لا أدري أين أذهب لأن بيتي أصبح موحشاً بعد غيابها وحصل لي من البكاء واللطم والنحيب ما لم يحصل لي قطٌ من قبل، فدخلت بعض المساجد وقعدت أبكي فيه واندهشت حتى صرت لا أعلم بنفسي، فنمت ووضعت الكيس تحت رأسي كالمخدة فلم أشعر إلا وإنسان قد سحبه من تحت رأسي فانتبهت فزعاً مرعوباً فلم أجد الكيس فقمت أجري خلفه وإذا برجلي مربوطةٌ في حبل، فوقعت على وجهي وصرت أبكي وألطم وقلت في نفسي: فارقتك روحك وضاع مالك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ذلك الفتى لما ضاع منه الكيس قال: قلت في نفسي فارقتك روحك وضاع مالك وزادني الحال فجئت إلى الدجلة وحملت ثوبي على وجهي وألقيت نفسي في البحر ففطن بي الحاضرون وقالوا إن ذلك لعظيم همٍ حصل له فرموا أرواحهم خلفي وأطلعوني وسألوني عن أمري فأخبرتهم بما حصل لي فتأسفوا لذلك ثم جاءني شيخ منهم وقال: قد ذهب مالك وكيف تتسبب في ذهاب روحك فتكون من أهل النار قم معي حتى أرى منزلك ففعلت ذلك فلما وصلنا إلى منزلي قعد عندي ساعةً حتى سكن ما بي فشكرته عن ذلك ثم انصرف فلما خرج من عندي كدت أن أقتل روحي فتذكرت الآخرة والنار فخرجت من بيتي هارباً إلى بعض الأصدقاء فأخبرته بما جرى لي فبكى رحمةً لي وأعطاني خمسين ديناراً وقال لي: أقبل رأيي وأخرج في هذه الساعة من بغداد وأجعل هذه نفقة لك، إلى أن يشتغل قلبك عن حبها وتسلوها وأنت من أهل الإنشاء والكتابة وخطك جيداً وأدبك بارع فاقصد من شئت من العمال وأطرح نفسك عليه لعل الله يجمعك بجاريتك فسمعت منه وقد قوى عزمي وأزال عني بعض الهموم وعزمت على أني أقصد أرض واسط لأن فيها أقارب فخرجت إلى ساحل البحر فرأيت سفينةً رأسيةً والبحرية ينقلون إليها أمتعة وقماشاً فاخراً فسألتهم أن يأخذوني معهم فقالوا: إن هذه السفينة لرجل هاشمي ولا يمكننا أخذك على هذه الصورة فرغبتهم في الأجرة فقالوا: إن كان ولا بد فاقلع هذه الثياب الفاخرة التي عليك وألبس ثياب الملاحين وأجلس معنا كأنك واحدٌ منا فرجعت واشتريت شيئاً من ثياب الملاحين ولبسته وجئت إلى السفينة وكانت متوجهةً إلى البصرة فنزلت معهم، فما كان إلا ساعةً حتى رأيت جاريتي بعينها ومعها جاريتان يخدمانها فسكن ما كان عندي من الغيظ وقلت في نفسي: ها أنا أراها وأسمع غناءها إلى البصرة فما أسرع إن جاء الهاشمي راكباً ومعه جماعة فنزلوا في تلك السفينة وانحدرت بهم وأخرج الطعام فأكل هو والجارية، وأكل الباقون في وسط السفينة.

ثم قال الهاشمي للجارية: كم هذا التمنع من الغناء ولزوم الحزن والبكاء ما أنت أول من فارق من يحب فعلمت ما كان عندها من أمر حبي ثم ضرب سائراً على الجارية في جانب السفينة واستدعى الذين كانوا في ناحيتي وجلس معهم خارج الستارة فسألت عنهم فإذا هم أخوته ثم أخرج لهم ما يحتاجون إليه من الخمر والنقل ولم يزالوا يحثون الجارية على الغناء إلى أن استدعت بالعود وأصلحته وأخذت تغني فأنشدت هذين البيتين:

بان الخليط بمن أحب فادلجـوا وعن السرى بمنأى لم يتحرجوا

والصب بعد أن اسقتل ركابهـم جمر الغضى في قلبه يتأجـج

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية بعدما أنشدت بيتين من الشعر غلبها البكاء ورمت العود وقطعت الغناء فتنغص القوم ووقعت أنا مغشياً علي فظن القوم أني قد صرعت فصار بعضهم يقرأ في أذني ولم يزالوا يلاطفونها ويطلبون منها الغناء إلى أن أصلحت العود وأخذت تغني فأنشدت:

فوقفت أندب طاعنين تحمـلـوا هم في الفؤاد وأن نأوا وترجلوا

وقالت أيضاً:

ووقفت بالأطلال أسأل عنهم والدار قفر والمنازل بلقع

ثم وقعت مغشياً عليها وارتفع البكاء من الناس وصرخت أنا ووقعت مغشياً علي وضح الملاحون مني فقال بعض غلمان الهاشمي: كيف حملتم هذا الجنون؟ ثم قال بعضهم لبعض: إذا وصتلم إلى بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه فحصل لي من ذك همٌ عظيمٌ وعذابٌ أليمٌ فتجلدت غاية الجلد وقلت في نفسي: لا حيلة لي في الخلاص من أيديهم إلا أن أعلمهم بمكاني من السفينة لتمنع من إخراجي ثم صرنا حتى وصلنا إلى قرب ضيعةٍ فقال صاحب السفينة: اصعدوا بنا الشاطئ فطلع القوم وكان ذلك وقت المساء فقمت حتى صرت خلف الستارة وأخذت العود وغيرت الطرق طريقةً بعد طريقة، وضربت على الطريقة التي تعلمتها مني ورجعت إلى موضعي من السفينة.وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفتى قال: ثم رجعت إلى موضعي من السفينة وبعد ذلك نزل القوم من الشاطئ ورجعوا إلى مواضعهم في السفينة وقد انبسط القمر على البر والبحر فقال الهاشمي للجارية: بالله عليك لا تنغصي علينا عيشنا فأخذت العود وجسته بيدها وشهقت، فظنوا أن روحها قد خرجت ثم قالت: والله إن أستاذي معنا في هذه السفينة فقال الهاشمي: والله لو كان معنا ما ضيعته من معاشرتنا لأنه ربما كان يخفف ما بك فننتفع بغنائك ولكن كونه في السفينة أمر بعيد فقالت: لا أقدر على ضرب العود وتقليب الأهوية ومولاي معنا، قال الهاشمي: نسأل الملاحين فقالت: أفعل، فسألهم وقال: هل حملتم معكم أحداً؟ فقالوا له: لا، فخفت أن ينقطع السؤال فضحكت وقلت: نعم أنا أستاذها وعلمتها حين كنت سيدها فقالت: والله إن هذا كلام مزري فجاءني الغلمان وأخذوني إلى الهاشمي فلما رآني عرفني فقال: ويحك ما هذا الذي أنت فيه وما أصابك حتى صرت في هذه الحالة؟ فحكيت له ما جرى من أمري وبكيت وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكى الهاشمي هو وأخوته بكاءً شديداً رأفةً بي ثم قال: والله ما دنوت من هذه الجارية ولا وطئتها ولا سمعت لها غناء إلا اليوم وأنا رجلٌ قد وسع الله علي وإنما وردت بغداد لسماع الغناء وطلب أرزاقي من أمير المؤمنين وقد بلغت الأمرين، ولما أردت الرجوع إلى بلادي أحببتن أن اصطحب معي جاريةً من عندكم لكي أسمع شيئاً من غناء بغداد فاشتريت هذه الجارية ولم أعلم أنكما على هذه الحالة فأنا أشهد الله على أن هذه الجارية إذا وصلت إلى البصرة أعتقها وأزوجك إياها وأجري لكما ما يكفيكما وزيادة ولكن على شرط أني إذا أردت السماع يضرب لها ستارة وتغني من خلف الستارة وأنت من جملة أخواني وندمائي ففرحت بذلك ثم أن الهاشمي أدخل رأسه في الستارة وقال لها: أيرضيك ذلك؟ فأخذت تدعو له وتشكره.

ثم استدعى بغلام له وقال له: خذ بيد هذا الشاب وانزع ثيابه وألبسه ثياباً فاخرةً وبخره وقدمه إلينا فأخذني الغلام وفعل بي ما أمره به سيده وقدمني إليه فوضع بين يدي الشراب مثل ما وضعه بين أيديهما ثم اندفعت الجارية تغني بأحسن النغمات وتنشد هذه الأبيات:

عيروني بأن سكبـت دمـوعـي حين جاء الحبـيب لـلـتـوديع

لم يذوقوا طعم الـفـراق ولا مـا أحرقت لوعة الأسى من ضلوعي

إنمـا يعـرف الـغـرام كـئيبٌ ساقط القلب بين تلـك الـربـوع

قال: فطرب القوم من ذلك طرباً شديداً وزاد فرح الفتى بذلك ثم أخذ العود من الجارية وضرب به على أحسن النغمات وأنشد هذه الأبيات:

اسأل العرف أن سألت كريماً لم يزل يعرف الغني واليسارا

فسؤال الكـريم يورث عـزاً وسؤال اللـئيم يورث عـارا

وإذا لم يكن مـن الـذل بـدٌ فالق بالذل إن سألت الكبـارا

ليس إجلالك الـكـريم بـذلٍ إنما الذل أن أتجل الصغـارا

ففرح القوم بي وزاد فرحهم ولم يزالوا في فرحٍ سرورٍ، وأنا أغني ساعةٍ والجارية ساعة إلى أن جئنا إلى بعض السواحل فرست السفينة هناك وصعد كل من فيها وصعدت أنا أيضاً وكنت سكراناً فعدت أبول فغلبني النوم فنمت ورجعت الركاب إلى السفينة وانحدرت بهم ولم يعلموا بي لأنهم كانوا سكارى وكنت دفعت النفقة إلى الجارية ولم يبق معي شيءٌ ووصلوا إلى البصرة ولم انتبه إلا من حر الشمس فقمت من ذلك المكان فما رأيت أحدا ونسيت أن اسأل الهاشمي عن اسمه وأين داره بالبصرة وبأي شيءٍ يعرف وبقيت حيراناً وكأن ما كنت فيه من الفرح بلقاء الجارية منام ولم أزل متحيراً حتى اجتازت بي ومكثت معي فقلت فيها ودخلت البصرة وما أعرف بها أحداً ولا أعرف بيت الهاشمي فجئت إلى بقال وأخذت منه دواةً وورقة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البغدادي صاحب الجارية لما دخل البصرة صار حيران وهو لا يعرف أحداً ولا يعرف دار الهاشمي قال: فجئت إلى بقال وأخذت منه دواةً وورقةً وقعدت أكتب فاستحسن خطي ورأى ثوبي دنساً فسألني عن أمري فأخبرته أني غريبٌ فقيرٌ فقال: أتقيم عندي ولك في كل يوم نصف درهم وأكلك وكسوتك وتضبط لي حساب دكاني؟ فقلت: نعم، وأقمت عنده وضبطت أمره ودبرت له دخله وخرجه فلما كان بعد شهر رأى الرجل دخله زائداً وخرجه ناقصاً فشكرني على ذلك ثم أنه جعل لي في كل يوم درهماً إلى أن حال الحول فدعاني أن أتزوج ابنته ويشاركني في الدكان فأجبته إلى ذلك ودخلت بزوجتي ولزمت الدكان إلا أني منكسر الخاطر والقلب ظاهر الحزن فمكثت على تلك الحالة مدة سنتين فبينما أنا في الدكان وإذا بجماعةٍ معهم طعامٌ وشرابٌ فسألت البقال عن القضية فقال: هذا يوم المتنعمين يخرج فيه أهل الطرب واللعب والفتيان من ذوي النعمة إلى شاطئ البحر يأكلون ويشربون بين الأشجار على نهر الآيلة فدعتني نفسي إلى الفرجة على هذا الأمر وقلت في نفسي: لعلي إذ شاهدت هؤلاء الناس اجتمع بمن أحب فقلت للبقال: إني أريد ذلك.

فقال: شأنك والخروج معهم ثم جهز لي طعاماً وشراباً وسرت حتى وصلت إلى نهر الآيلة، فإذا الناس ينصرفون فأردت الإنصراف معهم وإذا برئيس السفينة التي كان فيها الهاشمي والجارية بعينها وهو سائر في نهر الآيلة فصحت عليهم فعرفني هو ومن معه وأخذوني عندهم وقالوا لي: هل أنت حيٌ وعانقوني وسألوني عن قصتي فأخبرتهم بها فقالوا: إنا ظننا أنه قوي عليك السكر، وغرقت في الماء فسألتهم عن حال الجارية فقالوا: إنها لما علمت بفقدك مزقت ثيابها وأحرقت العود وأقامت على اللطم والنحيب فلما رجعنا مع الهاشمي إلى البصرة قلنا لها: اتركي هذا البكاء والحزن فقالت: أنا ألبس السواد وأجعل لي قبراً في جانب هذه الدار فأقيم عند ذلك القبر وأتوب عن الغناء فمكناها من ذلك وهي في تلك الحالة إلى الآن ثم أخذوني معهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البغدادي قال: فأخذوني معهم فلما وصلت إلى الدار رأيتها على تلك الحالة فلما رأتني شهقت شهقةً عظيمةً حتى ظننتها أنها ماتت فاعتنقتها عناقاً طويلاً.

ثم قال لي الهاشمي: خذها فقلت: نعم ولكن أعتقها كما وعدتني وزوجني بها ففعل ذلك ودفع إلينا أمتعةً نفيسةً وثياباً كثيرةً وفرشاً وخمسمائة دينارٍ، وقال: هذا مقدار ما أردت إعطائه لكما في كل شهرٍ، ولكن بشرط المنادمة وسماع الجارية ثم أخلى لنا دار وأمر بأن ينقل إليها جميع ما نحتاج إليه فلما توجهت إلى تلك الدار وجدتها قد غمرت بالفرش والقماش وحملت إليها الجارية ثم أنني جئت إلى البقال وأخبرته بجميع ما حصل لي وسألته أن يجعلني في حلٍ من طلاق ابنته من غير ذنبٍ ودفعت إليها ما يلزمني وأقمت مع الهاشمي على ذلك سنتين وصرت صاحب نعمةٍ عظيمةٍ وعادت لي حالتي التي كنت فيها أنا والجارية في بغداد وقد فرج الله الكريم عنا وأسبغ جزيل النعم علينا وجعل مآل صبرنا إلى الظفر بالمراد فلله الحمد في المبدأ والمعاد، والله أعلم.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 43 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية زواج الملك بدر باسم بن شهرمان ببنت الملك السمندل

قالت: ومما يحكى أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان في أرض العجم ملك يقال له شهرمان وكان مستقره خراسان وكان عنده مائة سرية ولم يرزق منهن في طول عمره بذكر ولا أنثى فتذكر ذلك يوماً من الأيام وصار يتأسف حيث مضى غالب عمره، ولم يرزق بولد ذكر يرث الملك من بعده كما ورثه هو عن آبائه وأجداده، فحصل له بسبب ذلك غاية الغم والقهر الشديد، فبينما هو جالس يوماً من الأيام إذ دخل عليه بعض مماليكه، وقالوا له: يا سيدي إن على الباب جارية مع تاجر لم نر أحسن منها فقال لهم: علي بالتاجر والجارية فأتوه بالتاجر والجارية فلما رآها وجدها تشبه الرمح الرديني وهي ملفوفة في آزار من حرير مزركش بالذهب فكشف التاجر عن وجهه فأضاء المكان من حسنها، وارتخى لها سبع ذوائب حتى وصلت إلى خلاخلها كأذيل الخيل، وهي بطرف كحيل وردف ثقيل وخصر نحيل تشفي سقام العليل وتطفئ نار الغليل كما قال الشاعر في المعنى هذه الأبيات:

كلفت بها وقد تمت بحسـن وكملها السكينة والـوقـار

فلا طالت ولا قصرت ولكن ردفيها يضيق بهما الإزار

قوام بين إيجـاز وبـسـط فلا طول يعاب ولا قصار

وشعر يسبق الخلخال منهـا ولكن وجهها أبداً نـهـار

فتعجب الملك من رؤيتها وحسنها وجمالها وقدها واعتدالها وقال للتاجر: يا شيخ بكم هذه الجارية؟ قال التاجر: يا سيدي اشتريتها بألفي دينار من التاجر الذي كان ملكها قبلي ولي ثلاث سنين مسافراً بها فتكلفت إلى أن وصلت إلى هذا المكان ثلاثة آلاف دينار وهي هدية مني إليك، فخلع عليه الملك خلعة سنية وأمر له بعشرة آلاف دينار، فأخذها وقبل يدي الملك وشكر فضله وإحسانه وانصرف، ثم إن الملك سلم الجارية إلى المواشط وقال لهن: أصلحن أحوال هذه الجارية وزينها وافرشن لها مقصورة وأدخلنها فيها وأمر حجابه أن تنقل إليها جميع ما تحتاج إليه وكانت المملكة التي هو مقيم فيها على جانب البحر، وكانت مدينته تسمى المدينة البيضاء فأدخلوا الجارية في مقصورة وكانت تلك المقصورة لها شبابيك تطل على البحر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أخذ الجارية وسلمها للمواشط وقال لهن: أصلحن شأنها وأدخلنها في مقصورة وأمر حجابه أن تغلق عليها جميع الأبواب بعد أن ينقلوا لها جميع ما تحتاج إليه، فأدخلوها في مقصورة وكانت تلك المقصورة لها شبابيك تطل على البحر، ثم إن الملك دخل على الجارية فلم تقم له ولم تفكر فيه فقال الملك كأنها كانت عند قوم لم يعلموها الأدب ثم إنه التفت إلى تلك الجارية فرآها بارعة في الحسن والجمال والقد والاعتدال ووجهها كأنه دائرة القمر عند تمامه أو الشمس الضاحية في السماء الصافية فتعجب من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها فسبح الله الخالق جلت قدرته ثم إن الملك تقدم إلى الجارية وجلس بجانبها وضمها إلى صدره وأجلسها على فخذه ومص رضاب ثغرها فوجده أحلى من الشهد، ثم إنه أمر بإحضار الموائد من أفخر الطعام وفيها من سائر الألوان فأكل الملك وصار يلقمها حتى شبعت وهي لم تتكلم بكلمة واحدة فصار الملك يحدثها ويسألها عن اسمها وهي ساكتة لم تنطق بكلمة ولم ترد جواباً ولم تزل مطرقة برأسها إلى الأرض وكان الحافظ لها من غضب الملك عليها من فرط حسنها وجمالها والدلال الذي كان لها، فقال الملك في نفسه: سبحان الله خالق هذه الجارية ما أضفرها إلا أنها لا تتكلم ولكن الكمال لله تعالى ثم إن الملك سال الجواري: هل تكلمت؟ فقلن له: من حين قدومها إلى هذا الوقت لم تتكلم بكلمة واحدة ولم نسمع لها خطاباً، فأحضر الملك بعض الجواري والسراري وأمرهن أن يغنين لها وينشرحن معها لعلها تتكلم، فلعبت الجواري والسراري قدامها سائر الملاهي واللعب وغير ذلك وغنين حتى طرب من في المجلس والجارية تنظر إليهن وهي ساكتة لم تضحك ولم تتكلم فضاق صدر الملك، ثم إنه صرف الجواري واختلى بتلك الجارية.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك اختلى بالجارية وخلع ثيابها ونظر إلى بدنها فرآه كأنه سبيكة فضة فأحبها محبة عظيمة، ثم قام الملك وأزال بكارتها فوجدها بنت بكر، ففرح فرحاً شديداً وقال في نفسه: يا الله العجب كيف تكون جارية مليحة القوام والمنظر وأبقاها التجار بكراً على حالها؟ ثم إنه مال إليها بالكلية ولم يلتفت إلى غيرها وهجر جميع سراريه والمحاظي وأقام معها سنة كاملة كأنها يوم واحد وهي لم تتكلم، فقال لها يوماً من الأيام وقد زاد عشقه بها والغرام: يا منية النفوس إن محبتك عندي عظيمة وقد هجرت من أجلك جميع الجواري والسراري والنساء والمحاظي وجعلتك نصيبي من الدنيا وقد طولت روحي عليك سنة كاملة وأسأل الله تعالى من فضله أن يلين قلبك لي فتكلميني وإن كنت خرساء فاعلميني بالإشارة حتى أقطع العشم من كلامك وأرجو الله سبحانه أن يرزقني منك بولد ذكر يرث ملكي من بعدي فإني وحيد فريد ليس لي من يرثني وقد كبر سني، فبالله عليك إن كنت تحبينني أن تردي علي الجواب فأطرقت الجارية رأسها إلى الأرض وهي تتفكر، ثم إنها رفعت راسها وتبسمت في وجه الملك فتخيل للملك أن البرق قد ملأ المقصورة وقالت: أيها الملك الهمام والأسد الضرغام قد استجاب الله دعائك وإني حامل منك وقد آن أوان الوضع، ولكن لا أعلم هل الجنين ذكر أو أنثى ولولا أني حملت منك ما كلمتك كلمة واحدة، فلما سمع الملك كلامها تهلل وجهه بالفرح والانشراح وقبل رأسها ويديها من شدة الفرح وقال: الحمد لله الذي من علي بأمرين كنت أتمناهما: الأولى كلامك والثاني إخبارك بالحمل مني، ثم إن الملك قام من عندها وخرج وجلس على كرسي مملكته وهو في الانشراح الزائد وأمر الوزير أن يخرج للفقراء والمساكين والأرامل وغيرهم مائة ألف دينار شكراً لله تعالى وصدقة عنه ففعل الوزير ما أمره به الملك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير فعل ما أمره به الملك، ثم إن الملك دخل بعد ذلك إلى الجارية وجلس عندها وحضنها وضمها إلى صدره وقال لها: يا سيدتي ومالكة روحي لماذا السكوت ولك عندي سنة كاملة ليلاً ونهاراً قائمة ونائمة ولم تكلميني في هذه السنة إلا في هذا النهار، فما سبب سكوتك؟ فقالت الجارية: اسمع يا ملك الزمان واعلم أني مسكينة غريبة مكسورة الخاطر فارقت أمي وأهلي وأخي، فلما سمع الملك كلامها عرف مرادها فقال لها: أما قولك مسكينة فليس لهذا الكلام محل فإن جميع ملكي ومتاعي وما أنا فيه في خدمتك وأنا أيضاً صرت مملوكك وأما قولك فارقت أمي وأهلي وأخي فأعلميني في أي مكان هم وأنا أرسل إليهم وأحضرهم عندك. فقالت له: اعلم أيها الملك السعيد، أن اسمي جلنار البحرية وكان أبي من ملوك البحر ومات وخلف لنا الملك، فبينما نحن فيه إذ تحرك علينا ملك من الملوك وأخذ الملك من أيدينا ولي أخ يسمى صالح وأمي من نساء البحر، فتنازعت أنا وأخي فحلفت أن أرمي نفسي عند رجل من أهل البر فخرجت من البحر وجلست على طرف جزيرة في القمر فجاز بي رجل فأخذني وذهب بي إلى منزله وراودني عن نفسي فضربته على رأسه فكاد أن يموت، فخرج بي وباعني لهذا الرجل الذي أخذتني منه، وهو رجل جيد صالح صاحب دين وأمانة ومروءة ولولا أن قلبك حبني فقدمتني على جميع سراريك ما كنت قعدت عندك ساعة واحدة وكنت رميت نفسي إلى البحر من هذا الشباك وأروح إلى أمي وجماعتي، وقد استحيت أن أسير إليهم وأنا حامل منك فيظنون بي سوءاً ولا يصدقونني ولو حلفت لهم وإذا أخبرتهم أنه اشتراني ملك بدراهمه وجعلني نصيبه في الدنيا واختص بي عن زوجاته وسائر ما ملكت يمينه وهذه قصتي والسلام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلنار البحرية لما سألها الملك شهرمان حكت له قصتها من أولها إلى آخرها، فلما سمع كلامها شكرها وقبلها بين عينيها وقال لها: والله يا سيدتي ونور عيني إني لا أقدر على فراقك ساعة واحدة وإن فارقتيني مت من ساعتي فكيف يكون الحال؟ فقالت: يا سيدي قد قرب أوان ولادتي ولابد من حضور أهلي لأجل أن يباشروني لأن نساء البر لا يعرفن طريقة ولادة بنات البحر، وبنات البحر لا يعرفن طريقة ولادة بنات البر فإذا حضر أهلي انقلب معهم وينقلبون معي، فقال لها الملك: كيف يمشون في البحر؟ فقالت: أنا نمشي في البحر كما أنتم تمشون في البر ببركة الأسماء المكتوبة على خاتم سليمان بن داود عليه السلام، ولكن أيها الملك إذا جاء أهلي وإخوتي فإني أعلمهم أنك اشتريتني بمالك وفعلت معي الجميل والإحسان فينبغي أن تصدق كلامي عندهم ويشاهدون حالك بعيونهم ويعلمون أنك ملك ابن ملك فعند ذلك قال الملك: يا سيدتي افعلي ما بدا لك مما تحبين فإني مطيع لك في جميع ما تفعلينه فقالت الجارية: اعلم يا ملك الزمان أنا نسير في البحر وعيوننا مفتوحة وننظر ما فيه وننظر الشمس والقمر والنجوم والسماء كأننا على وجه الأرض ولا يضرنا ذلك واعلم أيضاً أن في البحر طوائف كثيرة وأشكالاً مختلفة من سائر الأجناس التي في البر، واعلم أيضاً أن جميع ما في البر بالنسبة لما في البحر شيء قليل جداً، فتعجب الملك من كلامها ثم إن الجارية أخرجت من كتفها قطعتين من العود القماري، وأخذت منه جزءاً وأوقدت مجمرة النار وألقت ذلك الجزء فيها وصفرت صفرة عظيمة وجعلت تتكلم بكلام لا يفهمه أحد فطلع دخان عظيم والملك ينظر، ثم قالت للملك: يا مولاي قم واختف في مخدع حتى أريك أخي وأمي وأهلي من حيث لا يرونك فإني أريد أن أحضرهم وتنظر في هذا المكان في هذا الوقت فقام الملك من وقته وساعته ودخل مخدعاً وصار ينظر ما تفعل، فصارت تبخر وتعزم إلى أن أزبد البحر واضطرب وخرج منه شاب مليح الصورة بهي المنظر كأنه البدر في تمامه بجبين أزهر وخد أجمر وشعر كأنه الدر والجوهر، وهو أشبه بأخته ولسان الحال في حقه ينشد هذين البيتين:

البدر يكمل كل شهـر مـرة وجمال وجهك كل يوم يكمل

وحلوله في قلب برج واحـد ولك القلوب جميعهن المنزل

ثم خرجت من البحر عجوز شمطاء.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلنار لما صفرت خرج من البحر أخوها وعجوز معها خمس جوار كأنهن الأقمار وعليهن شبه من الجارية التي اسمها جلنار ثم إن الملك رأى الشاب والعجوز والجواري يمشين على وجه الماء حتى قدموا على الجارية فلما قربوا من الشباك ونظرتهم جلنار قامت لهم وقابلتهم بالفرح والسرور، فلما رأوها عرفوها ودخلوا عندها وعانقوها وبكوا بكاء شديداً ثم قالوا لها: يا جلنار كيف تتركيننا أربع سنين ولم نعلم الذي أنت فيه والله إنها ضاقت علينا الدنيا من شدة فراقك ولا نلتذ بطعام ولا شراب يوماً من الأيام ونحن نبكي بالليل والنهار من فرط شوقنا إليك ثم إن الجارية صارت تقبل يد الشاب أخيها ويد أمها وكذلك بنات عمها جلسوا عندها ساعة وهم يسألونها عن حالها وما جرى لها وعما هي فيه. فقالت لهم: اعلموا أني لما فارقتكم وخرجت من البحر جلست على طرف جزيرة، فأخذني رجل وباعني لرجل تاجر فأتى بي التاجر إلى هذه المدينة وباعني لملكها بعشرة آلاف دينار، ثم إنه احتفل بي وترك جميع سراريه ونسائه ومحاظيه من أجلي واشتغل بي عن جميع ما عنده وما في مدينته، فلما سمع أخوها كلامها قال: الحمد لله الذي جمع شملنا بك لكن قصدي يا أختي أن تقومي وتروحي معنا إلى بلادنا وأهلنا، فلما سمع الملك كلام أخيها طار عقله خوفاً على الجارية أن تقبل كلام أخيها ولا يقدر هو أن يمنعها مع أنه مولع بها بحبها فصار متحيراً شديد الخوف من فراقها. وأما الجارية جلنار فلما سمعت كلام أخيها قالت: والله يا أخي إن الرجل الذي اشتراني ملك هذه المدينة وهو ملك عظيم ورجل عاقل كريم جيد في غاية الجود وقد أكرمني وهو صاحب مروءة ومال كثير، وليس له ولد ذكر ولا أنثى وقد أحسن إلي وصنع معي كل خير ومن يوم ما جئته إلى هذا الوقت، ما سمعت منه كلمة رديئة تسوء خاطري، ولم يزل يلاطفني ولا يفعل شيئاً إلا بمشاورتي وأنا عنده في أحسن الأحوال وأتم النعم، وأيضاً متى فارقته يهلك فإنه لا يقدر على فراقي أبداً ولا ساعة واحدة، وإن فارقته أنا الأخرى مت من شدة محبتي إياه بسبب فرط إحسانه لي مدة إقامتي عنده، فإنه لو كان أبي حياً ما كان لي مقام عنده مثل مقامي عند هذا الملك العظيم الجليل المقدار وقد رأيتموني حاملة منه، والحمد لله الذي جعلني بنت ملك البحر وزوجي أعظم ملوك البر، ولم يقطع الله تعالى بي وعوضني خيراً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلنار البحرية لما حكت لأخيها جميع حكايتها وقالت: إن الله تعالى لم يقطع بي وعوضني خيراً، وإن الملك ليس له ذكر ولا أنثى، واطلب من الله تعالى أن يرزقني بولد ذكر والقصور والأملاك فلما سمع أخوها وبنات عمها كلامها قرت أعينهن بذلك الكلام وقالوا لها: يا جلنار أنت تعلمين منزلتك عندنا وتعرفين محبتنا إياك وتحققين أنك أعز الناس جميعاً عندنا وتعتقدين أن قصدنا لك الراحة من غير مشقة ولا تعب، فإن كنت في غير راحة فقومي معنا إلى بلادنا وأهلنا، وإن كنت مرتاحة هنا في معزة وسرور فهذا هو المراد والمنى لأننا لا نريد إلا راحتك على كل حال، فقالت جلنار: والله إني في غاية الراحة والهناء والعز والمنى. فلما سمع الملك منها ذلك الكلام، فرح واطمأن قلبه وشكرها على ذلك وازداد فيها حباً ودخل حبها في صميم قلبه، وعلم منها أنها تحبه كما يحبها وأنها تريد القعود عنده حتى يرى ولده منها، ثم إن الجارية التي هي جلنار البحرية أمرت جواريها أن يقدمن الموائد والطعام من سائر الألوان، وكانت جلنار هي التي باشرت الطعام في المطبخ، فقدمت لهن الجواري الطعام والحلويات والفواكه، ثم إنها أكلت هي وأهلها وبعد ذلك قالوا لها: يا جلنار إن سيدك رجل غريب منا وقد دخلنا بيته من غير اذنه ولم يعلم بنا وأنت تشكرين لنا فضله، وأيضاً أحضرت لنا طعامنا فأكلنا ولم نجتمع به ولم نره ولم يرنا، ولا حضرنا ولا أكل معنا حتى يكون بيننا وبينه خبز وملح وامتنعوا كلهم من الأكل واغتاظوا عليها وصارت النار تخرج من أفواههم كالمشاعل، فلما رأى الملك ذلك طار عقله من شدة الخوف منهم ثم إن جلنار قامت إليهم وطيبت خواطرهم ثم بعد ذلك تمشت إلى أن دخلت المخدع الذي فيه الملك سيدها وقالت: يا سيدي هل رأيت وسمعت شكري فيك وثنائي عليك عند أهلي وسمعت ما قالوه لي من أنهم يريدون أن يأخذوني إلى أهلي وبلادي، فقال لها الملك: سمعت ورأيت وجزاك الله عني خيراً، والله ما علمت قدر محبتي عندك إلا في هذه الساعة المباركة ولم أشك في محبتك إياي، فقالت له: سيدي ما جزاء الإحسان إلا الإحسان وأنت قد أحسنت إلي وتكرمت علي بجلائل النعم وأراك تحبني غاية المحبة وعملت معي كل جميل واخترتني على جميع من تحب وتزيد فكيف يطيب قلبي على فراقك والرواح من عندك وكيف يكون ذلك وأنت تحسن وتتفضل علي فأريد من فضلك أن تأتي وتسلم على أهلي وتراهم ويروك ويحصل الصفاء والود بينكم ولكن اعلم يا ملك الزمان أن أخي وأمي وبنات عمي قد أحبوك محبة عظيمة لما شكرتك لهم، وقالوا: ما نروح إلى بلادنا من عندك حتى نجتمع بالملك ونسلم عليه، فيريدون أن ينظروك ويأتنسوا بك فقال الملك لها سمعاً وطاعة فإن هذا هو مرادي ثم إنه قام من مقامه وسار إليهم وسلم عليهم بأحسن سلام، فبادروا إليه بالقيام وقابلوه أحسن مقابلة فجلس معهم في القصر وأكل معهم على المائدة وأقام معهم مدة ثلاثين يوماً، ثم بعد ذلك أرادوا التوجه إلى بلادهم ومحلهم فأخذوا بخاطر الملك والملكة جلنار البحرية، ثم ساروا من عندهما بعد أن أكرمهم الملك غاية الإكرام وبعد ذلك استوفت جلنار أيام حملها وجاء أوان الوضع فوضعت غلاماً كأنه البدر في تمامه، فحصل للملك بذلك غاية السرور لأنه ما رزق بولد ولا بنت في عمره فأقاموا الأفراح والزينة مدة سبعة أيام، وهم في غاية السرور والهناء، وفي اليوم السابع حضرت أم الملكة جلنار وأخوها وبنات عمها الجميع لما علموا أن جلنار قد وضعت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلنار لما وضعت وجاء إليها أهلها قابلهم الملك وفرح بقدومهم وقال لهم: أنا قلت ما أسمي ولدي حتى تحضروا وتسموه أنتم بمعرفتكم فسموه بدر باسم واتفقوا جميعاً على هذا الاسم، ثم إنهم عرضوا الغلام على خاله صالح، فحمله على يديه وقام به من بينهم وتمشى في القصر يميناً وشمالاً ثم خرج به من القصر ونزل به البحر المالح ومشى حتى اختفى عن عين الملك فلما رآه الملك أخذ ولده وغاب عنه في قاع البحر يئس منه وصار يبكي وينتحب، فلما رأته جلنار على هذه الحالة قالت له: يا ملك الزمان لا تخف ولا تحزن على ولدك فأنا أحب ولدي أكثر منك وإن ولدي مع أخي فلا تبال من البحر ولا تخشى عليه من الغرق، ولو علم أخي أنه يحصل للصغير ضرر ما فعل الذي فعله به وفي هذه الساعة يأتيك بولدك سالماً إن شاء الله تعالى فلم يكن غير ساعة إلا والبحر قد اختبط واضطرب وطلع منه خال الصغير ومعه ابن الملك سالماً، وطار من البحر إلى أن وصل إليهم والصغير على يديه وهو ساكت ووجهه كالقمر في ليلة تمامه ثم إن خال الصغير نظر إلى الملك وقال له: لعلك خفت على ولدك من ضرر الماء لما نزلت به في البحر وهو معي فقال الملك: نعم يا سيدي خفت عليه وما ظننت أنه يسلم منه قط، فقال له: يا ملك البر إنا كحلناه بكحل نعرفه وقرأنا عليه بالأسماء المكتوبة على خاتم سليمان بن داود عليه السلام فإن المولود إذا ولد عندنا صنعنا به ما ذكرت لك فلا تخف عليه من الغرق ولا الخنق ولا من سائر البحار إذا نزل فيها ومثل ما تمشون أنتم في البر نمشي نحن في البحر ثم أخرج من جيبه محفظة مكتوبة ومختومة ففض ختامها ونثرها فنزل منها جواهر منظومة من سائر أنواع اليواقيت والجواهر، وثلاثمائة قضيب من الزمرد، قصبة من الجواهر الكبار التي هي قدر بيض النعام نورها أضوأ من نور الشمس والقمر وقال: يا ملك الزمان هذه الجواهر واليواقيت هدية مني إليك لأننا ما أتيناك بهدية قط وما نعلم موضع جلنار ولا تعرف لها أثراً ولا خبراً، فلما رأيناك اتصلت بها وقد صرنا كلنا شيئاً واحداً أتيناك بهذه الهدية وبعد كل قليل من الأيام نأتيك بمثلها إن شاء الله تعالى لأن هذه الجواهر واليواقيت عندنا أكثر من الحصى في البر، ونعرف جيدها ورديئها وجميع طرقها وموضعها، وهي سهلة علينا.

فلما نظر الملك إلى تلك الجواهر واليواقيت اندهش عقله وطار لبه وقال: إن جوهرة من هذه الجواهر تعادل ملكي، ثم إن الملك شكر فضل صالح البحري ونظر إلى الملكة جلنار.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شكر صالح البحري ونظر إلى الملكة جلنار وقال لها: أنا استحيت من أخيك لأنه تفضل علي وهداني هذه الهدية السنية التي يعجز عنها أهل الأرض فشكرته جلنار وأخاها على ما فعل فقال أخوها: يا ملك الزمان إن لك علينا حقاً قد سبق، وشكرك علينا قد وجب، لأنك قد أحسنت إلى أختي ودخلنا إلى منزلك وأكلنا زادك وقد قال الشاعر:

فلو قبل مبكاها بكيت صبـابة بعدي شفيت النفس قبل التندم

ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقـدم

ثم قال صالح: ولو وقفنا في خدمتك يا ملك الزمان ألف سنة على وجوهنا ما قدرنا أن نكافئك وكان ذلك في حقك قليلاً فشكره الملك شكراً بليغاً وأقام صالح عند الملك وأمه وبنات عمه أربعين يوماً ثم إن صالحاً أخا جلنار قام وقبل الأرض بين يدي الملك زوج أخته، فقال له: ما تريد يا صالح؟ فقال صالح: يا ملك الزمان قد تفضلت علينا، ومرادي من إحسانك أن تتصدق علينا وتعطينا إذناً فإذا اشتقنا إلى وبلادنا وأقاربنا وأوطاننا ونحن ما بقينا نتقطع عن خدمتك ولا عن أختي ولا عن ابن أختي فوالله يا ملك الزمان ما يطيب لقلبي فراقكم، ولكن كيف العمل ونحن قد تربينا في البحر وما يطيب لنا البر؟ فلما سمع الملك كلامه نهض قائماً على قدميه وودع صالحاً البحري وأمه وبنات عمه وتباكوا للفراق ثم قالوا له: عن قريب نكون عندكم ولا نقطعكم أبداً وبعد كل قليل من الأيام نزوركم، ثم إنهم طاروا وقصدوا البحر حتى صاروا فيه وغابوا عن العين فأحسن الملك إلى جلنار وأكرمها إكراماً زائداً ونشأ الصغير منشأً حسناً وصار خاله وجدته وبنات عم أمه وبعد كل قليل من الأيام يأتون محل الملك ويقيمون عنده الشهر والشهرين ثم يرجعون إلى أماكنهم ولم يزل الولد يزداد بزيادة السن حسناً وجمالاً إلى أن صار عمره خمسة عشر عاماً وكان فريداً في كماله وقده واعتداله وقد تعلم الخط والقراءة والأخبار والنحو واللغة والرمي بالنشاب وتعلم اللعب بالرمح وتعلم الفروسية وسائر ما يحتاج إليه أولاد الملوك، ولم يبق أحد من أولاد أهل المدينة من الرجال والنساء إلا وله حديث بمحاسب ذلك الصبي، لأنه كان بارع الجمال والكمال متصفاً بمضمون قول الشاعر:

كتب العذارى بعنبر فـي لـؤلـؤ سطرين من سبح علـى تـفـاح

القتل في الحدق المراض إذا رنت والسكر في الوجنات لا في الراح

فكان الملك يحبه محبة عظيمة ثم إن الملك أحضر الوزراء والأمراء وأرباب الدولة وأكابر المملكة وحلفهم الأيمان الوثيقة أنهم يجعلون بدر باسم ملكاً عليهم بعد أبيه فحلفوا له الأيمان الوثيقة وفرحوا بذلك فاتفق أن والد الولد بدر باسم مرض يوماً من الأيام فخفق قلبه وأحس بالانتقال إلى دار البقاء، ثم ازداد به المرض حتى أشرف على الموت، فأحضر ولده ووصاه بالرعية ووصاه بوالدته وبسائر أرباب دولته وبجميع الأتباع، وحلفهم وعاهدهم على طاعة ولده ثاني مرة واستوثق منهم بالأيمان، ثم مكث بعد ذلك أياماً قلائل وتوفي إلى رحمة الله تعالى فحزن عليه ولده بدر باسم وزوجته جلنار والأمراء والوزراء وأرباب الدولة وعملوا له تربة ودفنوه فيها ثم إنهم قعدوا في عزائه شهراً كاملاً وأتى صالح أخو جلنار وأمها وبنات عمها وعزوهم بالملك وقالوا: يا جلنار إن كان الملك مات فقد خلف هذا الغلام الماهر ومن خلف مثله ما مات وهذا هو العديم النظير الأسد الكاسر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أخا جلنار صالحاً وأمه وبنات عمها قالوا لها: إن كان الملك قد مات فقد خلف هذا الغلام العديم النظير الأسد الكاسر والقمر الزاهر ثم إن أرباب الدولة والأكابر دخلوا على الملك بدر باسم وقالوا له: يا ملك لا بأس بالحزن على الملك ولكن الحزن لا يصلح إلا للنساء، فلا تشغل خاطرك وخاطرنا بالحزن على والدك فإنه قد مات وخلفك، ومن خلف مثلك ما مات ثم إنهم لاطفوه وسلوه وبعد ذلك أدخلوه الحمام فلما خرج من الحمام لبس بدلة فاخرة منسوجة بالذهب مرصعة بالجواهر والياقوت، ووضع تاج الملك على رأسه، وجلس على سرير ملكه وقضى أشغال الناس وأنصف الضعيف من القوي وأخذ للفقير حقه من الأمير، فأحبه الناس حباً شديداً ولم يزل كذلك مدة سنة كاملة وبعد كل مدة قليلة تزوره أهله البحرية فطاب عيشه وقربت عينه ولم يزل على هذه الحالة مدة مديدة فاتفق أن خاله دخل ليلة من الليالي على جلنار وسلم عليها، فقامت له وعانقته وأجلسته إلى جانبها وقالت له: يا أخي كيف حالك وحال والدتي وبنات عمي؟ فقال لها: يا أختي إنهم طيبون بخير وحظ عظيم وما ينقص عليهم إلا النظر إلى وجهك ثم إنها قدمت له شيئاً من الطعام فأكل ودار الحديث بينهما، وذكروا الملك بدر باسم وحسنه وجماله وقده واعتداله وفروسيته وعقله وأدبه، وكان الملك بدر باسم متكئاً، فلما سمع أمه وخاله يذكرانه ويتحدثان في شأنه أظهر أنه نائماً وصار يسمع حديثهما. فقال صالح لأخته جلنار: إن عمر ولدك سبعة عشر عاماً ولم يتزوج وبخاف أن يجري له أمر ولا يكون له ولداً، فأريد أن أزوجه بملكة من ملكات البحر تكون في حسنه وجماله، فقالت جلنار: اذكرهن لي فإني أعرفهن فصار يعدهن لها واحدة بعد واحدة وهي تقول: ما أرضى هذه لولدي ولا أزوجه إلا بمن تكون مثله في الحسن والجمال والعقل والأدب والمروءة والملك والحسب والنسب، فقال لها: ما بقيت أعرف واحدة من بنات الملوك البحرية وقد عددت لك أكثر من مائة بنت وأنت ما يعجبك واحدة منهن ولكن انظري يا أختي هل ابنك نائم أو لا؟ فجسته فوجدت عليه آثار النوم، فقالت له: إنه نائم فما عندك من الحديث وما قصدك بنومه؟ فقال لها: يا أختي اعلمي أني قد تذكرت بنتاً من بنات ملوك البحر تصلح لابنك وأخاف أن أذكرها فيكون ولدك منتبهاً فيتعلق قلبه بمحبتها وربما لا يمكننا الوصول إليها، فيتعب هو ونحن وأربا دولته ويصير لنا شغل بذلك وقد قال الشاعر:

العشق أول ما يكون مجاجة فإذا تحكم صار بحراً واسعا

فلما سمعت أخته كلامه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أخت صالحاً لما سمعت كلامه قالت له: قل لي ما شأن هذه البنت واما اسمها؟ فأنا أعرف بنات البحر من ملوك وغيرهم فإذا رأيتها تصلح له خطبتها من أبيها ولو أني صرفت جميع ما تملكه يدي عليها فأخبرني بها ولا تخشى شيئاً فإن ولدي نائم، فقال لها: أخاف أن يكون يقظان وقد قال الشاعر:

عشقته عندما أوصافه ذكرت والأذن تعشق قبل العين أحيانا

فقالت له جلنار: قل وأوجز ولا تخف يا أخي فقال: والله يا أختي ما يصلح لابنك إلا الملكة جوهرة بنت الملك السمندل وهي مثله في الحسن والجمال والبهاء والكمال، ولا يوجد في البحر ولا في البر ألطف ولا أحلى شمائل منها لأنها ذات حسن وجمال وقد وخد أحمر وجبين أزهر وشعر كأنه الجوهر وطرف أحور وردف ثقيل وخصر نحيل ووجه جميل إن التفت تخجل المها والغزلان، وإن خطرت يغار منها غصن البان، وإذا سفرت تخجل الشمس والقمر وتسبي كل من نظر، عذبة المراشف لينة المعاطف، فلما سمعت كلام أخيها قالت له: صدقت يا أخي والله إني رأيتها مراراً عديدة وكانت صاحبتي ونحن صغار وليس لنا اليوم معرفة ببعضنا لموجب البعد ولي اليوم ثمانية عشر عاماً ما رأيتها والله ما يصلح لولدي إلا هي، فلما سمع بدر باسم كلامهما وفهم ما قالاه من أوله إلى آخره في وصف البنت التي ذكرها خاله صالح وهي جوهرة بنت الملك السمندل عشقها بالسماع، وأظهر لهم أنه نائم وصار في قلبه من أجلها لهيب النار وغرق في بحر لا يدرك له ساحل ولا قرار.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 44 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم لما سمع كلام خاله صالح وأمه جلنار في وصف بنت الملك السمندل صار في قلبه من أجلها لهيب النار وغرق في بحر لا يدرك له ساحل ولا قرار ثم إن صالحاً نظر إلى أخته جلنار وقال: والله يا أختي ما في ملوك البحر أحمق من أبيها ولا أقوى سلطة منه فلا تعلمي ولدك بحديث هذه الجارية حتى نخطبها له من أبيها فإن أنعم بإجابتها حمدنا الله تعالى وإن ردنا ولم يزوجها لابنك فنستريح ونخطب غيرها، فلما سمعت جلنار كلام أخيها صالح قالت: نعم الرأي الذي رأيته، ثم إنهما سكتا وباتا تلك الليلة، والملك بدر باسم في قلبه لهيب النار من عشق الملكة جوهرة وكتم حديثه ولم يقل لأمه ولا لخاله شيئاً عن خبرها مع أنه صار من حبها على مقالي الجمر فلما أصبحوا دخل الملك هو وخاله الحمام واغتسلا، ثم خرجا وشربا الشراب وقدموا بين أيديهم الطعام فأكل الملك بدر باسم وأمه وخاله حتى اكتفوا ثم غسلوا أيديهم وبعد ذلك قام صالح على قدميه وقال للملك: بدر باسم وأمه جلنار: عن إذنكما قد عزمت على الرواح إلى الوالدة فإن لي عندكم مدة وخاطرهم مشغول علي وهم في انتظاري، فقال الملك بدر باسم لخاله صالح: اقعد عندنا هذا اليوم فامتثل لكلامه ثم إنه قال لك قم بنا يا خال واخرج بنا إلى البستان وصارا يتفرجان ويتنزهان، فجلس الملك بدر باسم تحت شجرة مظلة وأراد أن يستريح وينام، فتذكر ما قاله خاله صالح من وصف الجارية وما فيها من الحسن والجمال، فبكى بدموع غزار وأنشد هذين البيتين:

لو قيل لي ولهيب النـار مـتـقـد والنار في القلب والأحشاء تضطرم

أهم أحب إليك أن تـشـاهـدهـم أم شربة من زلال الماء قلت لهـم

ثم شكى وأن وبكى وأنشد هذين البيتين:

من مجيري من عشق ظبية أنس ذات وجه كالشمس بل هو أجمل

كان قلبي من حبها مستـريحـا فتلظى بحب بنت السـمـنـدل

فلما سمع خاله صالح مقاله دق يداً على يد وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: هل سمعت يا ولدي ما تكلمت به أنا وأمك من حديث الملكة جوهرة وذكرنا لأوصافها؟ فقال بدر باسم، نعم يا خال وعشقتها على السماع حين سمعت ما قلتم من الكلام، فلما سمع صالح كلام ابن أخته حار في أمره وقال: استعنت بالله تعالى على كل حال ثم إن خاله صالحاً لما رآه على هذه الحالة وعلم أنه لا يحب أن يرجع إلى أمه بل يروح معه وأخرج من إصبعه خاتماً منقوشاً عليه أسماء من أسماء الله تعالى وناول الملك بدر باسم إياه وقال له: اجعل هذا في إصبعك تأمن من الغرق ومن غيره ومن شر دواب البحر وحيتانه فأخذ الملك بدر باسم الخاتم من خاله صالح وجعله في إصبعه ثم إنهما غطسا في البحر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم وخاله صالحاً لما غطسا في البحر وسارا ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى قصر صالح فدخلاه فرأته جدته أم أمه وهي قاعدة وعندها أقاربها فلما دخلا عليهم قبلا أيديهم فلما رأته جدته قامت إليه واعتنقته وقبلته بين عينيه وقالت له: قدوم مبارك يا ولدي كيف خلفت أمك جلنار؟ قال لها: طيبة بخير وعافية وهي تسلم عليك وعلى بنات عمها، ثم إن صالحاً أخبر أمه بما وقع بينه وبين أخته جلنار وأن الملك بدر باسم عشق الملكة جوهرة بنت الملك السمندل على السماع وقص لها القصة من أولها إلى آخرها وقال: إنه ما أتى إلا ليخطبها.

فلما سمعت جدة الملك بدر باسم كلام صالح اغتاظت عليه غيظاً شديداً وانزعجت واغتمت وقالت له: يا ولدي لقد أخطأت بذكر الملكة جوهرة بنت السمندل قدام ابن أختك لأنك تعلم أن الملك السمندل أحمق جبار قليل العقل شديد السطوة بخيل بابنته جوهرة على خطابها فإن سائر ملوك البحر خطبوها منه فأبى ولم يرض بأحد منهم بل ردهم، وقال لهم: ما أنتم أكفاء لها في الحسن والجمال ولا في غيرهما ونخاف أن نخطبها من أبيها فيردنا كما رد غيرنا ونحن أصحاب مروءة فنرجع مكسورين الخاطر. فلما سمع صالح كلام أمه قال لها: يا أمي كيف يكون العمل، فإن الملك بدر باسم قد عشق هذه البنت لما ذكرتها لأختي جلنار وقال: لابد أن أخطبها من أبيها ولو بذل جميع ملكه وزعم أنه إن لم يتزوج بها يموت فيها عشقاً وغراماً، ثم إن صالحاً قال لأمه: اعلمي أن ابن أختي أحسن وأجمل منها وأن أباه كان ملك العجم بأسره وهو الآن ملكهم، ولا تصلح جوهرة إلا له وأخطبها منه فإن احتج بأنه ملك فهو أيضاً ملك ابن ملك وإن احتج علينا بالجمال فهو أجمل منها وإن احتج علينا بسعة المملكة فهو أوسع مملكة منها ومن أبيها وأكثر أجناداً وأعواناً فإن ملكه أكبر من ملك أبيها ولابد أن أسعى في قضاء حاجة ابن أختي ولو أن روحي تذهب لأني كنت سبب هذه القضية مثل ما رميته في بحار عشقها أسعى في زواجه بها والله تعالى يساعدني على ذلك، فقالت له أمه: افعل ما تريد وإياك أن تغلط عليه بالكلام إذا كلمته فإنك تعرف حماقته وسطوته وأخاف أن يبطش بك لأنه لا يعرف قدر أحد فقال لها: السمع والطاعة ثم إنه نهض وأخذ معه جرابين ملآنين من الجواهر واليواقيت وقضبان الزمرد ونفائس المعادن من سائر الأحجار وحملها لغلمانه وسار بهم هو وابن أخته إلى قصر الملك السمندل، واستأذن في الدخول عليه فأذن له فلما دخل قبل الأرض بين يديه وسلم بأحسن سلام، فلما رآه الملك السمندل قام إليه وأكرمه غاية الإكرام وأمره بالجلوس فجلس فلما استقر به الجلوس، قال له الملك: قدوم مبارك أوحشتنا يا صالح ما حاجتك حتى أنك أتيت إلينا؟ فأخبرني بحاجتك حتى أقضيها لك، فقام صالح وقبل الأرض ثاني مرة وقال: يا ملك الزمان حاجتي إلى الله وإلى الملك الهمام والأسد الضرغام الذي بمحاسن ذكره سارت الركبان وشاع خبره في الأقاليم والبلدان بالجود والإحسان والعفو والصفح والامتنان ثم إنه فتح الجرابين وأخرج منهما الجواهر وغيرها ونشرها قدام الملك السمندل، وقال له: يا ملك الزمان عساك تقبل هديتي وتتفضل علي وتجبر قلبي بقبولها مني.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صالحاً قدم الهدية إلى الملك السمندل وقال له: القصد من الملك أن يتفضل علي ويجبر قلبي بقبولها مني، قال له الملك السمندل: لأي سبب أهديت لي هذه الهدية؟ قل لي قصتك وأخبرني بحاجتك فإن كنت قادراً على قضائها قضيتها لك في هذه الساعة ولا أحوجك إلى تعب وإن كنت عاجزاً عن قضائها فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فقام وقبل الأرض ثلاث مرات وقال: يا ملك الزمان إن حاجتي أنت قادر على قضائها وهي تحت حوزتك وأنت مالكها، ولم أكلف الملك مشقة ولم أكن مجنوناً حتى أخاطب الملك في شيء لا يقدر عليه فبعض الحكماء قال: إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع فأما حاجتي التي جئت في طلبها فإن الملك حفظه الله قادر عليها، فقال له الملك: اسأل حاجتك واشرح قصتك واطلب مرادك، فقال له: يا ملك الزمان اعلم أني قد أتيتك خاطباً راغباً في الدرة اليتيمة والجوهرة المكنونة الملكة جوهرة بنت مولانا فلا تخيب أيها الملك قاصدك.

فلما سمع الملك كلامه ضحك حتى استلقى على قفاه استهزاء به وقال يا صالح كنت أحسبك رجلاً عاقلاً وشاباً فاضلاً لا تسعى إلا بسداد ولا تنطق إلا برشاد وما الذي أصاب عقلك ودعاك إلى هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم حتى أنك تخطب بنات الملوك وأصحاب البلدان والأقاليم وهل بلغ قدرك أنك انتهيت إلى هذه الدرجة العالية وهل نقص عقلك إلى هذه الغاية حتى تواجهني بهذا الكلام، فقال صالح: أصلح الله الملك إني لم أخطبها لنفسي ولو خطبتها لنفسي لكنت كفؤاً لها قل أكثر لأنك تعلم أن أبي ملك من ملوك البحر وإن كنت اليوم ملكنا ولكن أنا ما خطبتها إلا للملك بدر باسم صاحب أقاليم العجم وأبوه الملك شهرمان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صالح قال للملك: أنا ما خطبت بنتك إلا للملك بدر باسم ابن الملك شهرمان، وأنت تعرف سطوته وإن زعمت أنك ملك عظيم فالملك بدر باسم أعظم وإن ادعيت أن ابنتك جميلة فالملك بدر باسم أجمل منها وأحسن صورة وأفضل حسباً ونسباً فإنه فارس زمانه فإن أجبت إلى ما سألتك تكن يا ملك الزمان قد وضعت الشيء في محله، وإن تعاظمت علينا فإنك ما أنصفتنا ولا سلكت بنا الطريق المستقيم وأنت تعلم أيها الملك أن هذه الملكة جوهرة بنت مولانا الملك لابد لها من الزواج فإن الحكيم يقول: لابد للبنت من الزواج أو القبر، فإن كنت عزمت على زواجها فإن ابن أختي أحق بها من سائر الناس، فلما سمع الملك كلام صالح اغتاظ غيظاً شديداً وكاد عقله أن يذهب وكادت روحه أن تخرج من جسده وقال له: يا كلب الرجال وهل مثلك يخاطبني بهذا الكلام وتذكر ابنتي في المجالس وتقول أن ابن أختك جلنار كفء لها فمن أنت ومن هي أختك ومن هو ابنها ومن هو أبوه حتى تقول هذا الكلام وتخاطبني بهذا الخطاب فهل أنتم بالنسبة إليها إلا كلاب، ثم صاح على غلمانه وقال: يا غلمان خذوا راس هذا العلق، فأخذوا السيوف وجردوها فولى هارباً ولباب القصر طالباً.

فلما وصل إلى باب القصر رأى أولاد عمه وقرابته وعشيرته وغلمانه وكانوا أكثر من ألف فارس غارقين في الحديد والزرد والنضيد وبأيديهم الرماح وبيض الصفاح، فلما رأوا صالحاً على تلك الحالة وقالوا له: ما الخبر؟ فحدثهم بحديثه وكانت أمه قد أرسلتهم إلى نصرته، فلما سمعوا كلامه علموا أن الملك أحمق شديد السطوة فترجلوا عن خيولهم وجردوا سيوفهم ودخلوا على الملك السمندل فرأوه جالساً على كرسي مملكته غافلاً عن هؤلاء وهو شديد الغيظ على صالح ورأوا خدامه وغلمانه وأعوانه غير مستعدين، فلما رآهم وبأيديهم السيوف مجردة صاح على قومه وقال: يا ويلكم خذوا رؤوس هؤلاء الكلاب، فحملوا على بعضهم فلم يكن غير ساعة حتى انهزم قوم الملك السمندل وركنوا إلى الفرار وكان صالح وأقاربه قد قبضوا على الملك السمندل وكتفوه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صالحاً وأقاربه كتفوا الملك السمندل ثم إن جوهرة لما انتبهت علمت أن أباها قد أسر وأن أعوانه قد قتلوا فخرجت من القصر هاربة إلى بعض الجزائر، ثم إنها قصدت شجرة عالية واختفت فوقها ولما اقتتل هؤلاء الطائفتان فر بعض غلمان الملك السمندل هاربين فرآهم بدر باسم فسألهم عن حالهم فأخبروه بما وقع، فلما سمع أن الملك السمندل قبض عليه ولى هارباً وخاف على نفسه وقال في قلبه: إن هذه الفتنة كانت من أجلي وما المطلوب إلا أنا أولي هارباً وللنجاة طالباً، وصار لا يدري أين يتوجه فساقته المقادير الأزلية إلى تلك الجزيرة التي فيها جوهرة بنت الملك السمندل، فأتى عند الشجرة وانطرح مثل القتيل وأراد الراحة بانطراحه ولا يعلم إن كل مطلوب لا يستريح، ولا يعلم أحد ما خفي له في الغيب من المقادير، فلما وقع بصره نحو الشجرة وقعت عينه في عين جوهرة فنظر إليها فرآها كالبدر إذا أشرق فقال: سبحان خالق هذه الصورة وهو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير، سبحان الله العظيم الخالق الباري المصور والله صدقته حذري تكون هذه جوهرة بنت الملك السمندل، وأظنها لما سمعت بوقوع الحرب بينهما هربت وأتت إلى هذه الجزيرة واختفت فوق هذه الشجرة وإن لم تكن هذه الملكة جوهرة فهذه أحسن منها، ثم إنه صار متفكراً في أمرها، وقال في نفسه لأقوم أمسكها وأسألها عن حالها فإن كانت هي فإني أخطبها من نفسها وهذه بغيتي فانتصب قائماً على قدميه، وقال لجوهرة: يا غاية المطلوب من أنت ومن أتى بك إلى هذا المكان؟ فنظرت جوهرة إلى بدر باسم فرأته كأنه الدر إذا ظهر من تحت الغمام الأسود، وهو رشيق القوام مليح الابتسام فقالت له: يا مليح الشمائل أنا الملكة جوهرة بنت الملك السمندل قد هربت إلى هذا المكان لأن صالحاً وجنوده تقاتلوا مع أبي وقتلوا جنده وأسروه هو وبعض جنده فهربت أنا خوفاً على نفسي، ثم إن الملكة جوهرة قالت للملك بدر باسم: وأنا ما أتيت إلى هذا المكان إلا هاربة خوفاً من القتل ولم أدر ما فعل الزمان بأبي، فلما سمع الملك بدر باسم كلامها تعجب غاية العجب من هذا الاتفاق الغريب وقال: لاشك أني نلت غرضي بأسر أبيها، ثم إنه نظر إليها وقال لها: انزلي يا سيدتي فإني قتيل هواك وأسرتني عيناك وعلى شأني وشأنك كانت هذه الفتنة وهذه الحروب، واعلمي أني أنا بدر باسم ملك العجم وأن صالحاً هو خالي، وهو الذي أتى إلى أبيك وخطبك منه وأنا قد تركت ملكي لأجلك واجتماعنا في هذا الوقت من عجائب الاتفاق، فقومي وانزلي عندي حتى أروح أنا وأنت إلى قصر أبيك، واسأل أخي صالحاً في إطلاقه وأتزوج بك في الحلال.

فلما سمعت جوهرة كلام بدر باسم، قالت في نفسها: على شأن هذا العلق اللئيم كانت هذه القضية وأسر أبي وقتل حجابه وحشمه وشتتني أنا عن قصري وخرجت أنا مسبية في تلك الجزيرة، فإن لم أعمل معه حيلة أحسن منه تمكن مني ونال غرضه لأنه عاشق والعاشق مهما فعل لا يلام عليه فيه، ثم إنها خادعته بالكلام ولين الخطاب وهو لا يدري ما أضمرته له من المكايد وقالت له: يا سيدي ونور عيني هل أنت الملك بدر باسم ابن الملكة جلنار؟ فقال لها: نعم يا سيدتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جوهرة بنت الملك السمندل قالت للملك بدر باسم: هل أنت يا سيدي الملك بدر باسم ابن الملكة جلنار؟ قال لها: نعم يا سيدتي، فقالت: قطع الله أبي وأزال ملكه ولا جبر له قلباً ولا رد له غربة إن كان يريد أحسن منك وأحسن من هذه الشمائل الظريفة والله إنه قليل العقل والتدبير ثم قالت له: يا ملك الزمان لا تؤاخذ أبي بما فعل وإن كنت أحببتني شبراً فأنا أحببتك ذراعاً، وهذا وقعت في شرك هواك وصرت من جملة فلاك وقد انتقلت المحبة التي كانت عندك وصارت عندي، ما بقي عندك منها إلا معشار ما عندي، ثم إنها نزلت من فوق الشجرة وقربت منه وأتت إليه واعتنقته وضمته إلى صدرها وصارت تقبله، فلما رأى الملك بدر باسم فعلها فيه ازدادت محبته لها واشتد غرامه بها وظن أنها عشقته ووثق بها وصار يضمها ويقبلها، ثم إنه قال لها: يا ملكة والله لم يصف لي خالي ربع ما أنت عليه من الجمال ولا ربع قيراط من أربعة وعشرين قيراطاً، ثم إن جوهرة ضمته إلى صدرها وتكلمت بكلام لا يفهم وتفلت في وجهه وقالت له: اخرج من هذه الصورة البشرية إلى صورة طائر، أحسن الطيور أبيض الريش أحمر المنقار والرجلين فما تمت كلامها حتى انقلب الملك بدر باسم إلى صورة طائر أحسن نما يكون من الطيور وانتفض ووقف على رجليه، وصار ينظر إلى جوهرة وكان عندها جارية من جواريها تسمى مرسينة، فنظرت إليها وقالت: والله لولا أني أخاف من كون أبي أسيراً عند خاله لقتلته، فلا جزاه الله خيراً فما أضام قدومه علينا فهذه الفتنة كلها من تحت رأسه ولكن يا جارية خذيه واذهبي به إلى الجزيرة المعطشة واتركيه هناك حتى يموت عطشاً، فأخذته الجارية وأوصلته إلى الجزيرة وأرادت الرجوع من عنده ثم قالت في نفسها: والله إن صاحب هذا الحسن والجمال لا يستحق أن يموت عطشاً ثم إنها أخرجته من الجزيرة المعطشة وأتت به إلى جزيرة كثيرة الأشجار والأثمار والأنهار، فوضعته فيها، ورجعت إلى سيدتها وقالت لها: وضعته في الجزيرة المعطشة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية رجعت إلى سيدتها وقالت: وضعته في الجزيرة المعطشة. هذا ما كان من أمر بدر باسم.

وأما ما كان من أمر صالح خال الملك بدر باسم فإنه لما احتوى على الملك السمندل وقتل أعوانه وخدمه وصار تحت أسره طلب جوهرة بنت الملك فلم يجدها، فرجع إلى قصره عند أمه وقال: يا أمي أين ابن أختي الملك بدر باسم؟ فقالت: يا ولدي والله ما لي به علم ولا أعرف أين ذهب، فإنه لما بلغه أنك تقاتلت مع الملك السمندل وجرت بينكم الحروب والقتال فزع وهرب.

فلما سمع صالح كلام أمه حزن على ابن أخته، وقال: يا أمي والله إننا قد فرطنا في الملك بدر باسم وأخاف أن يهلك، أو يقع به أحد من جنود الملك السمندل أو تقع به ابنة الملك جوهرة فيحصل لنا من أمه خجل ولا يحصل لنا منها خير لأني قد أخذته بغير اذنها ثم إنه بعث خلفه الأعوان والجواسيس إلى جهة البحر وغيره فلم يقفوا له على خبر فرجعوا وعلوا صالحاً بذلك فزاد همه وغمه وقد ضاق صدره على الملك بدر باسم. هذا ما كان من أمر الملك بدر باسم وخاله صالح، وأما ما كان من أمر أمه الملكة جلنار البحرية فإنها لما نزل ابنها بدر باسم مع خاله صالح انتظرته فلم يرجع إليها وأبطأ خبره عنها فقعدت أياماً عديدة في انتظارهما ثم قامت ونزلت في البحر وأتت أمها، فلما نظرتها أمها قامت إليها وقبلتها واعتنقتا وكذلك بنات عمها، ثم إنها سالت أمها عن الملك بدر باسم فقالت لها: يا بنتي قد أتى هو وخاله ثم إن خاله قد أخذ يواقيت وجواهر، وتوجه بها هو وإياه إلى الملك السمندل وخطب ابنته فلم يجبه وشدد على أخيك في الكلام فأرسلت إلى أخيك نحو ألف فارس ووقع الحرب بينهم وبين الملك السمندل فنصر الله أخاك عليه وقتل أعوانه وجنوده وأسر الملك السمندل فبلغ ذلك الخبر ولدك فكأنه خاف على نفسه فهرب من عندنا بغير اختيارنا ولم يعد إلينا بعد ذلك ولم نسمع له خبراً، ثم إن جلنار سألتها عن أخيها صالح فأخبرتها أنه جالس على كرسي المملكة في محل الملك السمندل وقد أرسل إلى جميع الجهات بالتفتيش على ولدك وعلى الملكة جوهرة. فلما سمعت جلنار كلام أمها حزنت على ولدها حزناً شديداً واشتد غضبها على أخيها صالح لكونه أخذ ولدها ونزل به البحر من غير إذنها ثم إنها قالت: يا أمي إني خائفة على الملك الذي لنا لأني أتيتكم، وما أعلمت أحداً من أهل المملكة وأخشى إن أبطأت عليهم أن يفسد الملك علينا وتخرج المملكة من أيدينا والرأي السيديد أني أرجعو وأسوس المملكة إلى أن يدبر الله لنا أمر، ولا تنسوا ولدي ولا تتهاونوا في أمره فإنه أن حصل له ضرر هلكت لا محالة لأني لا أرى الدنيا إلا به ولا ألتذ إلا بحياته، فقالت: حباً وكرامة يا بنتي لا تسألي عن ما عندنا من فراقه وغيبته ثم إن أمها أرسلت من يفتش عليه، ورجعت أمه حزينة القلب باكية العين إلى المملكة وقد ضاقت بها الدنيا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة جلنار لما رجعت من عند أمها إلى مملكتها ضاق صدرها واشتد فكرها. هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الملك بدر باسم فإنه لما سحرته الملكة جوهرة وأرسلته مع جاريتها إلى الجزيرة المعطشة وقالت لها: دعيه فيها يموت عطشاً، لم تضعه الجارية إلا في جزيرة خضراء مثمرة ذات أشجار وأنهار فصار يأكل من الثمار ويشرب من الأنهار، ولم يزل كذلك مدة أيام وليال وهو في صورة طائر لا يعرف أين يتوجه ولا كيف يطير، فبينما هو ذات يوم من الأيام في تلك الجزيرة إذ أتى إلى هناك صياد من الصيادين ليصطاد شيئاً يتقوت به، فرأى الملك بدر باسم وهو في صورة طائر أبيض الريش أحمر المنقار والرجلين يسبي الناظر ويدهش الخاطر فنظر إليه الصياد فأعجبه وقال في نفسه إن هذا الطائر مليح وما رأيت طائراً مثله في حسنه ولا في شكله ثم إنه رمى الشبكة عليه واصطاده ودخل به المدينة وقال في نفسه: والله العظيم لا أبيعه، ثم إن الصياد ذهب به إلى دار الملك.

فلما رآه الملك أعجبه حسنه وجماله وحمرة منقاره ورجليه فأرسل إليه خادماً ليشتريه منه، فأتى الخادم إلى الصياد وقال له: أتبيع هذا الطائر؟ قال: لا، بل هو للملك هدية مني إليه، فأخذه الخادم وتوجه به إلى الملك وأخبره بما قاله، فأخذه الملك وأعطى الصياد عشرة دنانير، فأخذها وقبل الأرض وانصرف وأتى الخادم بالطائر إلى قصر الملك ووضعه في قفص مليح وعلقه وحط عنده ما يأكل وما يشرب، فلما نزل الملك قال للخادم: أين الطائر؟ أحضره حتى أنظره والله إنه مليح فأتى به الخادم ووضعه بين يدي الملك وقد رأى الأكل عنده لم يأكل منه شيئاً. فقال الملك: والله ما أدري ما يأكل حتى أطعمه ثم أمر بإحضار الطعام فأحضرت الموائد بين يديه فأكل الملك من ذلك، فلما نظر الطير إلى اللحم والطعام والحلويات والفواكه أكل من جميع ما في السماط الذي قدام الملك فبهت له الملك وتعجب من أكله وكذلك الحاضرون ثم قال الملك لمن حوله من الخدام والمماليك: عمري ما رأيت طيراً يأكل مثل هذا الطير ثم أمر الملك أن تحضر زوجته لتتفرج عليه فمضى الخادم ليحضرها، فلما رآها قال لها يا سيدتي إن الملك يطلبك لأجل أن تتفرجي على هذا الطير الذي اشتراه، فإننا لما أحضرنا الطعام طار من القفص وسقط على المائدة وأكل من جميع ما فيها، فقومي يا سيدتي تفرجي عليه فإنه مليح المنظر وهو أعجوبة من أعاجيب الزمان، فلما سمعت كلام الخادم أتت بسرعة، فلما نظرت إلى الطير وتحققته غطت وجهها وولت راجعة، فقام الملك وراءها وقال لها: لأي شيء غطيت وجهك وما عندك غير الجواري والخدم الذين في خدمتك وزوجك؟ فقالت: أيها الملك إن هذا الطير ليس بطائر وإنما هو رجل مثلك، فلما سمع الملك كلام زوجته، قال لها: تكذبين ما أكثر ما تمزحين كيف يكون غير طائر؟ فقالت له: والله ما مزحت معك ولا قلت إلا حقاً إن هذا الطير هو الملك بدر باسم ابن الملك شهرمان صاحب بلاد العجم وأمه الملكة جلنار البحرية.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة الملك لما قالت للملك: إن هذا ليس بطائر، وإنما هو رجل مثلك وهو الملك بدر باسم ابن الملك شهرمان وأمه جلنار البحرية قال لها: وكيف صار على هذا الشكل؟ قالت له: إنه قد سحرته الملكة جوهرة بنت الملك السمندل ثم حدثته بما جرى له من أوله إلى آخره وأنه قد خطب جوهرة من أبيها فلم يرض أبوها بذلك وأن خاله صالحاً اقتتل هو والملك السمندل وانتصر صالح عليه وأسره، فلما سمع كلام زوجته تعجب غاية العجب وكانت هذه الملكة زوجته أسحر أهل زمانها فقال الملك: بحياتي عليك تحليه من السحر ولا تخليه معذباً قطع الله يد جوهرة ما أقبحها وما أقل دينها وأكثر خداعها ومكرها، قالت له زوجته: قل له يا بدر باسم ادخل هذه الخزانة فأمره الملك أن يدخل الخزانة، فلما سمع كلام الملك دخل الخزانة، فقامت زوجة الملك وسترت وجهها وأخذت في يدها طاسة ماء ودخلت الخزانة وتكلمت على الماء بكلام لا يفهم وقالت له: بحق هذه الأسماء العظام والآيات الكرام، وبحق الله تعالى خالق السماوات والأرض ومحيي الأموات وقاسم الأرزاق والآجال، أن تخرج من هذه الصورة التي أنت فيها وترجع إلى الصورة التي خلقك الله عليها، فلم تتم كلامها حتى انتفض نفضة ورجع إلى صورته فرآه الملك شاباً مليحاً ما على وجه الأرض أحسن منه.

ثم إن الملك بدر باسم لما نظر إلى هذه الحالة قال: لا إله إلا الله ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحانه خالق الخلائق ومقدر أرزاقهم وآجالهم ثم إنه قبل يد الملك ودعا له بالبقاء وقبل الملك راس بدر باسم، وقال له: يا بدر باسم حدثني بحديثك من أوله إلى آخره فحدثه بحديثه ولم يكتم منه شيئاً فتعجب الملك من ذلك، ثم قال له: يا بدر باسم قد خلقك الله من السحر فما الذي اقتضاه رأيك وما تريد أن تصنع؟ قال له: يا ملك الزمان أريد من إحسانك أن تجهز لي مركباً وجماعة من خدامك وجميع ما أحتاج إليه فإن لي زماناً طويلاً وأنا غائب وأخاف أن تروح المملكة مني، وما أظن أن والدتي بالحياة من أجل فراقي والغالب على ظني أنها ماتت من حزنها علي لأنها لا تدري ما جرى لي ولاتعرف هل أنا حي أو ميت وأنا اسألك أيها الملك أن تتم إحسانك بما طلبته منك.

فلما نظر الملك إلى حسنه وجماله وفصاحته أجابه وقال له سمعاً وطاعة، ثم إنه جهز مركباً ونقل فيه جميع ما يحتاج إليه، وسير معه جماعة من خدامه فنزل في المركب بعد أن ودع الملك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم ركب المركب هو وجماعته وودع الملك وساروا في البحر وساعدهم الريح ولم يزالوا سائرين مدة عشرة أيام متوالية، ولما كان اليوم الحادي عشر هاج البحر هيجاناً شديداً وصار المركب يرتفع وينخفض ولم يقدر البحرية أن يمسكوه، ولم يزالوا على هذه الحالة والأمواج تلعب بهم، حتى قربوا إلى صخرة من صخرات البحر فوقعت تلك الصخرة على المركب، فانكسر وغرق جميع ما كان فيه إلا الملك بدر باسم فإنه ركب على لوح من الألواح بعد أن أشرف على الهلاك، ولم يزل ذلك اللوح يجري به في البحر ولا يدري أين هو ذاهب وليس له حيلة في منع اللوح بل سار به مع الماء والريح، ولم يزل كذلك مدة ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع طلع به اللوح على ساحل البحر، فوجد هنالك مدينة بيضاء مثل الحمامة الشديدة البياض وهي مبنية في الجزيرة التي على ساحل البحر، لكنها عالية الأركان مليحة البنيان رفيعة الحيطان البحر يضرب في سوارها، فلما عاين الملك بدر باسم تلك الجزيرة التي فيها هذه المدينة، فرح فرحاً شديداً وكان قد أشرف على الهلاك من الجوع والعطش، فنزل من فوق اللوح وأراد أن يصعد إلى المدينة، فأتت إليه بغال وحمير وخيول عدد الرمل، فصاروا يضربونه ويمنعونه أن يطلع من البحر إلى المدينة، ثم إنه عام خلف تلك المدينة وطلع إلى البر فلم يجد هناك أحداً، فتعجب وقال: يا ترى لمن هذه المدينة وهي ليس لها ملك ولا فيها أحد ومن أين هذه البغال والحمير والخيول التي منعتني من الطلوع، وصار متفكراً في أمره وهو ماش وما يدري أين يذهب ثم بعد ذلك رأى شيخاً بقالاً فلما رآه الملك بدر باسم سلم عليه فرد عليه السلام ونظر إليه الشيخ فرآه جميلاً، فقال له: يا غلام من أين أقبلت ومن أوصلك إلى هذه المدينة؟ فحدثه بحديثه من أوله إلى آخره، فتعجب منه وقال له: يا ولدي أما رأيت أحداً في طريقك؟ فقال له: يا والدي إنما أتعجب من هذه المدينة حيث إنها خالية من الناس، فقال له الشيخ: يا ولدي اطلع الدكان وإلا تهلك فطلع بدر باسم وقعد في الدكان، فقام الشيخ وجاء له بشيء من الطعام وقال له: يا ولدي ادخل في داخل الدكان، فسبحان من سلمك من هذه الشيطانة فخاف الملك بدر باسم خوفاً شديداً، ثم أكل من طعام الشيخ حتى اكتفى وغسل يديه، ونظر إلى الشيخ وقال له: يا سيدي ما سبب هذا الكلام فقد خوفتني من هذه المدينة ومن أهلها، فقال له الشيخ: يا ولدي اعلم أن هذه المدينة مدينة السحرة، وبها ملكة ساحرة كأنها شيطانة وهي كاهنة سحارة غدارة، والحيوانات التي تنظرها من الخيل والبغال والحمير هؤلاء كلهم مثلك ومثلي من بني آدم لكنهم غرباء، لأن كل من يدخل هذه المدينة وهو شاب مثلك، تأخذه هذه الكافرة الساحرة وتقعد معه أربعين يوماً وبعد الأربعين، تسحره فيصير بغلاً أو فرساً أو حماراً أو شيئاً من هذه الحيوانات التي نظرتها على جانب البحر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ البقال لما حكى للملك بدر باسم وأخبره بحالة الملكة السحارة وقال له: إن كل أهل هذه المدينة قد سحرتهم وأنك لما أردت الطلوع من البحر خافوا أن تسحرك مثلهم فقالوا لك بالإشارة: لا تطلع لئلا تراك الساحرة شفقة عليك فربما تعمل فيك مثل ما عملت فيهم وقال له: إنها قد ملكت هذه المدينة من أهلها بالسحر، واسمها الملكة لاب وتفسيره بالعربي تقويم الشمس.

فلما سمع الملك بدر باسم ذلك الكلام من الشيخ خاف خوفاً شديداً وصار يرتعد مثل القصبة الريحية وقال له: أنا ما صدقت أني خلصت من البلاء الذي كنت فيه من السحر حتى ترميني المقادير في مكان أقبح منه فصار متفكراً في حاله وما جرى له، فلما نظر إليه الشيخ رآه قد اشتد عليه الخوف فقال له: يا ولدي قم واجلس على عتبة الدكان وانظر إلى تلك الخلائق وغلى لباسهم وألوانهم، وما هم فيه من السحر ولا تخف فإن الملكة وكل من في المدينة يحبني ويراعيني ولا يرجفون لي قلباً ولايتعبون لي خاطراً، فلما سمع الملك بدر باسم كلام الشيخ خرج وقعد على باب الدكان يتفرج فجازت عليه الناس فنظر إلى عالم لا يحصى عدده، فلما نظره الناس تقدموا إلى الشيخ وقالوا له: يا شيخ هل هذا أسيرك وصيدك في هذه الأيام؟ فقال لهم: هذا ابن أخي وسمعت أن أباه قد مات فأرسلت خلفه وأحضرته لأطفئ نار شوقي به، فقالوا له: هذا شاب مليح ولكن نحن نخاف عليه من الملكة لاب لئلا ترجع عليك بالغدر، ثم توجهن وإذا بالملكة قد أقبلت في موكب عظيم ومازالت مقبلة إلى أن وصلت إلى دكان الشيخ فرأت الملك بدر باسم وهو جالس على الدكان كأنه البدر في تمامه فلما رأته الملكة لاب حارت في حسنه وجماله واندهشت وصارت ولهانة به ثم أقبلت على الدكان وجلست عند الملك بدرباسم وقالت للشيخ: من أين لك هذا المليح؟ فقال: هذا ابن أخي جاءني عن قريب فقالت: دعه يكون الليلة عندي لأتحدث أنا وإياه قال لها: أتأخذينه مني ولا تسحرينه؟ قالت: نعم قال: احلفي لي فحلفت له أنها لا تؤذيه ولا تسحره ثم أمرت أن يقدموا له فرساً مليحاً مسرجاً ملجماً بلجام من ذهب وكل ما عليه ذهب مرصع بالجواهر ووهبت للشيخ ألف دينار وقالت له: استعن بها، ثم إن الملكة لاب أخذت الملك بدر باسسم وراحت به كأنه البدر في ليلة أربعة عشرة وسار معها وصارت الناس كلما نظروا إليه وإلى حسنه وجماله يتوجعن عليه ويقولون: والله إن هذا الشاب لا يستحق أن تسحره هذه الملعونة والملك بدر باسم يسمع كلام الناس ولكنه ساكت وقد سلم أمره إلى الله تعالى ولم يزالوا سائرين إلى باب القصر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم لم يزل سائراً هو والملكة لاب وأتباعها إلى أن وصلوا إلى باب القصر ثم ترجل الأمراء والخدم وأكابر الدولة وأمرت الحجاب أن يأمروا أرباب الدولة كلهم بالانصراف فقبلوا الأرض وانصرفوا ودخلت الملكة والخدام والجواري في القصر، فلما نظر الملك بدر باسم إلى القصر رأى قصراً لم ير مثله قط وحيطانه مبنية بالذهب وفي وسط القصر بركة عظيمة غزيرة الماء في بستان عظيم فنظر الملك بدر باسم إلى البستان فرأى فيه طيور تناغي بسائر اللغات والأصوات المفرحة والمحزنة وتلك الطيور من سائر الأشكال والألوان، فنظر الملك بدر باسم إلى ملك عظيم فقال: سبحان الله من كرمه وحلمه يرزق من يعبد غيره فجلست الملكة في شباك يشرف على البستان وهي على سرير من العاج وفوق السرير فرش عال وجلس الملك بدر باسم إلى جانبها فقبلته وضمته إلى صدرها ثم أمرت الجواري بإحضار مائدة فحضرت مائدة من الذهب الأحمر مرصعة بالدر والجواهر فيها من سائر الأطعمة فأكلا حتى اكتفيا وغسلا أيديهما، ثم أحضرت الجواري أواني الذهب والفضة والبلور وأحضرت أيضاً جميع أجناس الأزهار وأطباق النقل، ثم إنها أمرت بإحضار مغنيات فحضر عشر جوار كأنهن الأقمار بأيديهن سائر آلات الملاهي ثم إن الملكة ملأت قدحاً وشربته وملأت آخر وناولت الملك بدر باسم إياه، فأخذه وشربه ولم يزالا كذلك يشربان حتى اكتفيا ثم أمرت بالجواري أن يغنين فغنين بسائر اللحان وتخيل للملك بدر باسم أنه يرقص به القصر طرباً فطاش عقله وانشرح صدره ونسي الغربة وقال: إن هذه الملكة شابة مليحة ما بقيت أروح من عندها أبداً لأن ملكها أوسع من ملكي وهي أحسن من الملكة جوهرة ولم يزل يشرب معها إلى أن أمسى المساء وأوقدوا القناديل والشموع وأطلقوا البخور ولم يزالا يشربان إلى أن سكرا والمغنيات يغنين، فلما سكرت الملكة لاب قامت من موضعها ونامت على سرير وأمرت الجواري بالانصراف، ثم أمرت الملك بدر باسم النوم إلى جانبها فنام معها في أطيب عيش إلى أن أصبح الصباح. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسع بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة لما قامت من النوم دخلت الحمام الذي في القصر والملك بدر باسم صحبتها واغتسلا فلما خرجا من الحمام أفرغت عليه أجمل القماش وأمرت بإحضار آلات الشراب فأحضرتها الجواري فشربا ثم إن الملكة قامت وأخذت بيد الملك بدر باسم وجلسا على الكرسي وأمرت بإحضار الطعام فأكلا وغسلا أيديهما، ثم قدمت الجواري لهما أواني الشراب والفواكه والأزهار والنقل ولم يزالا يأكلان ويشربان والجواري تغني باختلاف الألحان إلى المساء ولم يزالا في أكل وشرب وطرب مدة أربعين يوماً ثم قالت له: يا بدر باسم هل هذا المكان أطيب أو دكان عمك البقال؟ قال لها: والله يا ملكة هذا أطيب وذلك أن عمي رجل صعلوك يبيع البقول، فضحكت من كلامه، ثم إنهما رقدا في أطيب حال إلى الصباح فانتبه الملك بدر باسم من نومه فلم يجد الملكة لاب بجانبه فقال: يا ترى أين راحت؟ وصار مستوحشاً من غيبتها ومتحيراً في أمره وقد غابت عنه مدة طويلة ولم ترجع فقال في نفسه: أين ذهبت ثم إنه لبس ثيابه وصار يفتش عليها فلم يجدها فقال في نفسه: لعلها ذهبت إلى البستان فرأى فيه نهراً جارياً وبجانبه طيرة بيضاء وعلى شاطئ ذلك النهر شجرة وفوقها طيور مختلفة الألوان فصار ينظر إلى الطيور والطيور لا تراه وإذا بطائر أسود نزل على تلك الطيرة البيضاء فصار يزقها زق الحمام ثم إن الطير الأسود وثب على تلك الطيرة ثلاث مرات، ثم بعد ساعة انقلبت تلك الطيرة في صورة بشر فتأملها وإذا هي الملكة لاب فعلم أن الطائر الأسود إنسان مسحور وهي تعشقه وتسحر نفسها طيرة ليجامعها فأخذته الغيرة واغتاظ على الملكة لاب من أجل الطائر السود ثم إنه رجع إلى مكانه ونام على فراشه وبعد ساعة رجعت إليه وصارت الملكة لاب تقبله وتمزح معه وهو شديد الغيظ عليها فلم يكلمها كلمة واحدة فعلمت ما به وتحققت أنه رآها حين صارت طيرة وكيف واقعها ذلك الطير فلم تظهر له شيئاً بل كتمت ما بها.

فلما قضى حاجته قال لها: يا ملكة أريد أن تأذني لي في الرواح إلى دكان عمي فإني قد تشوقت إليه ولي أربعون يوماً ما رأيته فقالت له: رح إليه ولا تبطئ علي فإني ما أقدر أن أفارقك ولا أصبر عنك ساعة واحدة فقال سمعاً وطاعة، ثم إنه ركب ومضى إلى دكان الشيخ البقال فرحب به وقام إليه وعانقه وقال له: كيف أنت مع هذه الكافرة؟ فقال له: كنت طيباً في خير وعافية إلا أنها كانت في هذه الليلة نائمة في جانبي فاستيقظت فلم أرها فلبست ثيابي ودرت أفتش عليها إلى أن أتيت إلى البستان وأخبره بما رآه من النهر والطيور التي كانت فوق الشجرة، فلما سمع الشيخ كلامه قال له: احذر منها واعلم أن الطيور التي كانت على الشجرة كلها شبان غرباء عشقتهم وسحرتهم طيوراً وذلك الطائر الأسود الذي رأيته كان من جملة مماليكها وكانت تحبه محبة عظيمة، فمد عينه إلى بعض الجواري فسحرته في صورة طائر أسود.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بدر باسم لما حكى للشيخ البقال بجميع حكايات الملكة لاب رآه أعلمه الشيخ أن الطيور التي على الشجر كلها شبان غرباء وسحرتهم وكذلك الطير الأسود كان من مماليكها وسحرته في صورة طائر اسود، وكلما اشتاقت إليه تسحر نفسها طيرة ليجامعها لأنها تحبه محبة عظيمة، ولما علمت أنك علمت بحالها أضمرت لك السوء ولا تصفو لك ولكن ما عليك بأس منها ما دمت أراعيك أنا فلا تخف فإني رجل مسلم واسمي عبد الله وما في زماني أسحر مني، ولكني لا أستعمل السحر إلا عند اضطراري إليه، وكثير ما أبطل سحر هذه الملعونة وأخلص الناس منها ولا أبالي بها لأنها ليس لها علي سبيل بل هي تخاف مني خوفاً شديداً، وكذلك كل من كان في المدينة ساحر مثلها على هذا الشكل يخافون مني وكلهم على دينها يعبدون النار دون الملك الجبار فإذا كان الغد تعال عندي واعلمني بما تعمله معك فإنها في هذه الليلة تسعى في هلاكك. وأنا أقول لك على ما تفعله معها حتى تتخلص من كيدها، ثم إن الملك بدر باسم ودع الشيخ ورجع إليها فوجدها جالسة في انتظاره فلما رأته قامت إليه وأجلسته ورحبت به وجاءت له بأكل وشرب فأكلا حتى اكتفيا ثم غسلا أيديهما ثم أمرت بإحضار الشراب فحضر وصارا يشربان إلى نصف الليل ثم مالت عليه بالأقداح وصارت تعاطيه حتى سكر وغاب عن حسه وعقله فلما رأته كذلك قالت له: بالله عليك وبحق معبودك إن سألتك عن شيء هل تخبرني عنه بالصدق وتجيبني إلى قولي؟ فقال لها: وهو في حالة السكر: نعم يا سيدتي. فقالت له: لما استيقظت من نومك ولم ترني وفتشت علي وجئتني في البستان ورأيت الطائر الأسود الذي وثب علي، فأنا أخبرك بحقيقة هذا الطائر إنه كان من مماليكي وكنت أحبه محبة عظيمة فتطلع يوماً لجارية من الجواري، فحصلت لي غيرة وسحرته في صورة طائر أسود وأما الجارية فإني قتلتها، وإني إلى اليوم لا أصبر عنه ساعة واحدة وكلما اشتقت إليه أسحر نفسي طيره وأروح إليه لينط علي ويتمكن مني كما رأيت أما أنت لأجل هذا مغتاظ مني مع أني وحق النار والنور والظل والحرور قد زدت فيك محبة وجعلتك نصيبي من الدنيا، فقال وهو سكران: إن الذي فهمته من غيظي بسبب ذلك صحيح، وليس لغيظي سبب غير ذلك فضمته وقبلته وأظهرت له المحبة ونامت ونام الآخر بجانبها فلما كان نصف الليل قامت من الفراش والملك بدر باسم منتبه، وهو يظهر أنه نائم وصار يسارق النظر وينظر ما تفعل، فوجدها قد أخرجت من كيس أحمر شيئاً أحمر وغرسته في وسط القصر فإذا هو صار نهارً يجري مثل البحر، وأخذت كبشة شعير بيدها وأبذرتها فوق التراب، وسقته من هذا الماء فصار زرعاً مسنبلاً فأخذته وطحنته دقيقاً ثم وضعته في موضع ورجعت نامت عند الملك بدر باسم إلى الصباح.

فلما أصبح الصباح قام الملك بدر باسم وغسل وجهه ثم استأذن من الملكة في الرواح إلى الشيخ فأذنت له، فذهب إلى الشيخ وأعلمه بما جرى منها وما عاين فلما سمع الشيخ كلامه ضحك، وقال: والله إن هذه الكافرة الساحرة قد مكرت بك ولكن لا تبال بها أبداً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ قال لبدر باسم: إن الساحرة قد مكرت بك ولكن لا تبال بها أبداً، ثم أخرج له قدر رطل سويقاً وقال له: خذ هذا معك، واعلم أنها إذا رأته تقول لك: ما هذا وما تعمل به؟ فقل لها: زيادة الخير خيرين وكل منه فإذا أخرجت هي سويقها وقالت لك: كل من هذا السيوق فأرها أنك تأكل منه، وكل من هذا وإياك أن تأكل من سويقها شيئاً ولو حبة واحدة فإن أكلت منه ولو حبة واحدة فإن سحرها يتمكن منك فتسحرك وتقول لك اخرج من هذه الصورة البشرية فتخرج من صورتك إلى أي صورة أرادت وإذا لم تأكل منه، فإن سحرها يبطل ولا يضرك منه شيء فتخجل غاية الخجل، وتقول لك: إنما أنا أمزح معك وتقر لك بالمحبة والمودة وكل ذلك نفاق ومكر منها فأظهر لها أنت المحبة وقل لها: يا سيدتي ويا نور عيني كلي من هذا السويق وانظري لذته، فإذا أكلت منه ولو حبة واحدة فخذ في كفك ماء واضرب به وجهها وقل لها اخرجي من هذه الصورة البشرية إلى أي صورة أردت، ثم خليها وتعال حتى أدبر لك أمراً، ثم ودعه الملك بدر باسم وسار إلى أن طلع القصر ودخل عليها. فلما رأته قالت: أهلاً وسهلاً ومرحباً ثم قامت له وقبلته وقالت له: أبطأت علي يا سيدي فقال لها: كنت عند عمي، ورأى عندها سويقاً فقال لها وقد أطعمني عمي من هذا السويق فقالت: عندنا سويقاً أحسن منه، ثم إنها حطت سويقه في صحن وسويقها في صحن آخر وقالت له: كل من هذا فإنه أطيب من سويقك فأظهر لها أنه يأكل منه فلما علمت أنه أكل منه، أخذت في يدها ماء ورشته به وقالت له: اخرج من هذه الصورة يا علق يا لئيم وكن في صورة بغل أعور قبيح المنظر فلم يتغير، فلما رأته على حاله لم يتغير قامت له وقبلته بين عينيه، وقالت له: يا محبوبي إنما كنت أمزح معك فلا تتغير علي بسبب ذلك فقال لها: يا سيدتي ما تغيرت عليك أصلاً بل أعتقد أنك تحبينني فكلي من سويقي هذا فأخذت منه لقمة وأكلتها، فلما استقرت في بطنها اضطربت فأخذ الملك بدر باسم في كفه ماء ورشها به في وجهها، وقال لها: اخرجي من هذه الصورة البشرية إلى صورة بغلة زرزورية، فما نظرت نفسها إلا وهي في تلك الحالة فصارت دموعها تنحدر على خديها وصارت تمرغ خديها على رجليه فقام يلجمها فلم تقبل اللجام فتركها وذهب إلى الشيخ وأعلمه بما جرى فقام الشيخ وأخرج له لجاماً وقال: خذ هذا اللجام وألجمها به فأخذه وأتى عندها. فلما رأته تقدمت إليه وحط اللجام في فمها، وركبها وخرج من القصر وتوجه إلى الشيخ عبد الله فلما رآها قام لها وقال لها: أخزاك الله تعالى يا ملعونة ثم قال له الشيخ: يا ولدي ما بقي لك في هذه البلاد إقامة، فاركبها وسر بها إلى أي مكان شئت وإياك أن تسلم اللجام إلى أحد، فشكره الملك بدر باسم وودعه وسار ولم يزل سائراً ثلاثة أيام ثم أشرف على مدينة فلقيه شيخ مليح الشيبة فقال له: يا ولدي من أين أقبلت؟ قال: من مدينة هذه الساحرة، قال: أنت ضيفي في هذه الليلة، فأجابه، وسار معه في الطريق وإذا بامرأة عجوز فما نظرت البغلة حتى بكت وقالت: لا إله إلا الله إن هذه البغلة تشبه بغلة ابني التي ماتت وقلبي مشوش عليها فبالله عليك يا سيدي أن تبيعني إياها فقال لها: والله يا أمي ما أقدر أن أبيعها قالت له: بالله عليك لا ترد سؤالي، فإن ولدي إن لم أشتر هذه البغلة ميت لا محالة، ثم إنها أغلظت عليه في السؤال فقال: ما أبيعها إلا بألف دينار فعند ذلك أخرجت من حزامها ألف دينار، فلما نظر الملك بدر باسم إلى ذلك قال لها: يا أمي أنا أمزح معك وما أقدر أن أبيعها، فنظر إليه الشيخ وقال له: يا ولدي إن هذه البلاد ما يكذب فيها أحد وكل من يكذب في هذه البلاد قتلوه فنزل الملك بدر باسم من فوق البغلة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشرة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم لما نزل من فوق البغلة وسلمها إلى المرأة العجوز، أخرجت اللجام من فمها وأخذت في يدها ماء ورشتها وقالت: يا بنتي اخرجي من هذه الصورة إلى الصورة التي كنت عليها فانقلبت في الحال وعادت إلى صورتها الأولى، وأقبلت كل واحدة منهما على الأخرى، وتعانقتا فعلم الملك بدر باسم إن هذه العجوز أمها وقد تمت الحيلة عليه فأراد أن يهرب وإذا بالعجوز صفرت فتمثل بين يديها عفريت كأنه الجبل العظيم، فخاف الملك بدر باسم ووقف فركتب العجوز على ظهره وأردفت بنتها خلفها وأخذت الملك بدر باسم قدامها، وطار بهم العفريت فما مضى عليهم غير ساعة حتى وصلوا إلى قصر الملكة لاب، فلما جلست على كرسي المملكة التفتت إلى الملك بدر باسم وقالت له: يا علق قد وصلت إلى هذا المكان ونلت ما تمنيت، وسوف أريك ما أعمل بك وبهذا الشيخ البقال فكم أحسنت له وهو يسوءني وأنت ما وصلت إلى مرادك إلا بواسطته ثم أخذت ماء ورشته به وقالت له: اخرج عن هذه الصورة التي أنت فيها إلى صورة طائر قبيح المنظر اقبح ما يكون من الطيور، فانقلب في الحال وصار طيراً قبيح المنظر فجعلته في قفص وقطعت عنه الأكل والشرب فنظرت إليه جارية فرحمته وصارت تطعمه وتسقيه بغير علم الملكة ثم إن الجارية وجدت سيدتها غافلة في يوم من الأيام فخرجت وتوجهت إلى الشيخ البقال وأعلمته بالحديث وقالت له: إن الملكة لاب عازمة على إهلاك ابن أخيك فشكرها الشيخ وقال لها: لابد أن آخذ المدينة منها وأجعلك ملكة عوضاً عنها. ثم صفر صفرة عظيمة فخرج عفريت له أربعة أجنحة فقال له: خذ هذه الجارية وامضر بها إلى مدينة جلنار البحرية، وأمهما فراشة فإنهما أسحر من يوجد على وجه الأرض، وقال للجارية: إذا وصلت إلى هناك فأخبريهما بأن الملك بدر باسم في أسر الملكة لاب فحملها العفريت وطار بها، فلم يكن إلا ساعة حتى نزل بها العفريت على قصر الملكة جلنار البحرية، فنزلت الجارية من فوق سطح القصر وقبلت الأرض بين يديها وأعلمتها بما جرى لولدها من أوله إلى آخره فقامت إليها جلنار وأكرمتها وشكرتها، ودقت البشائر في المدينة وأعلمت أهلها وأكابر دولتها بأن الملك بدر باسم قد وجد، ثم إن جلنار البحرية وأمها فراشة وأهاها صالحاً أحضروا جميع قبائل الجان وجنود البحر لأن ملوك الجان قد أطاعوهم بعد أسر الملك السمندل ثم إنهم طاروا في الهواء ونزلوا على مدينة الساحرة ونهبوا القصر وقتلوا من فيه، ونهبوا المدينة وقتلوا جميع ما كان فيها من الكفرة في طرفة عين، وقالت للجارية: أين ابني؟ فأخذت الجارية القفص وأتت به بين يديها وأشارت إلى الطائر الذي هو فيه وقالت: هذا هو ولدك فأخرجته الملكة جلنار من القفص، ثم أخذت بيدها ماء ورشته به وقالت له: اخرج من هذه الصورة التي كنت عليها فلم تتم كلامها حتى انتفض وصار بشراً كما كان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشرة بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بدر باسم لما رشت أمه عليه الماء صار بشراً كما كان، فلما رأته على صورته الأصلية قامت إليه واعتنقته فبكى بكاء شديداً، وكذلك خاله صالح وجدته فراشة وبنات عمه وصاروا يقبلون يديه ورجليه ثم إن جلنار أرسلت خلف الشيخ عبد الله وشكرته على فعله الجميل مع ابنها وزوجته بالجارية التي أرسلها إليها بأخبار ولدها ودخل بها ثم جعلته ملك تلك المدينة، وأحضرت ما بقي من أهل المدينة من المسلمين وبايعتهم للشيخ عبد الله وعاهدتهم وحلفتهم أن يكونوا في طاعته وخدمته فقالوا سمعاً وطاعة ثم إنهم وعدوا الشيخ عبد الله وساروا إلى مدينتهم فلما دخلوا قصرهم تلقهاهم أهل مدينتهم بالبشائر والفرح وزينوا المدينة ثلاثة أيام لشدة فرحهم بملكهم بدر باسم وفرحوا فرحاً شديداً ثم بعد ذلك قال الملك بدر باسم لأمه: يا أمي ما بقي إلا أن أتزوج ويجتمع شملنا ببعضنا أجمعين، ثم أرسلت في الحال من يأتيها بالملك السمندل فأحضروه بين يديها ثم أرسلت إلى بدر باسم فلما جاء بدر باسم أعلمته بمجيء السمندل فدخل عليه فلما رآه الملك السمندل مقبلاً قام له وسلم عليه ورحب به، ثم إن الملك بدر باسم خطب منه ابنته جوهرة فقال له: هي في خدمتك وجاريتك وبين يديك فعند ذلك أحضروا القضاة والشهود وكتبوا كتاب الملك بدر باسم ابن الملكة جلنار البحرية على الملكة جوهرة بنت الملك السمندل وأهل المدينة زينوها وأطلقوا البشائر وأطلقوا كل من في الحبوس، وكسى الملك الأرامل والأيتام وخلع على أرباب الدولة والأمراء والأكابر، ثم أقاموا الفرح العظيم وعملوا الولائم وأقاموا في الأفراح مساء وصباحاً مدة عشرة أيام وأدخلوها على الملك بدر باسم بتسع خلع ثم خلع الملك بدر باسم على الملك السمندل ورده إلى بلاده وأهله وأقاربه ولم يزالوا في ألذ عيش وأهنأ أيام يأكلون ويشربون وتنعمون إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وهذا آخر حكايتهم رحمة الله عليهم أجميعن.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 45 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية جميل بن معمر لأمير المؤمنين هارون الرشيد

وحكي أيضا أن مسرور الخادم قال: أرق أمير المؤمنين هارون الرشيد ليلة أرقاً شديداً، فقال لي: يا مسرور من بالباب من الشعراء؟ فخرجت إلى الدهليز فوجدت جميل بن معمر العذري، فقلت له: أجب أمير المؤمنين، فقال سمعاً وطاعة فدخلت ودخل معي إلى أن صار بين يدي هارون الرشيد فسلم بسلام الخلافة فرد عليه السلام وأمره بالجلوس ثم قال له هارون الرشيد: يا جميل أعندك شيء من الأحاديث العجيبة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أيها أحبب إليك وما عاينته ورأيته أو ما سمعته ووعيته، فقال: حدثني بما عاينته ورأيته قال: نعم يا أمير المؤمنين أقبل علي بكليتك واصغ إلي بأذنك، فعمد الرشيد إلى مخدة من الديباج الأحمر المزركش بالذهب محشوة بريش النعام، فجعلها تحت فخذيه ثم مكن منها مرفقيه، وقال: هلم بحديثك يا جميل، فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني كنت مفتوناً بفتاة محباً لها وكنت أتردد إليها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون الرشيد لما اتكأ على مخدة من الديباج قال: هلم بحديثك يا جميل، فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني كنت مفتوناً بفتاة محباً لها وكنت أتردد إليها إذ هي سؤالي وبغيتي من الدنيا ثم إن أهلها رحلوا بها لقلة المرعى فأقمت مدة لم أرها، ثم إن الشوق أقلقني وجذبني إليها فحدثتني نفسي بالمسير إليها فلما كنت ذات ليلة من الليالي هزني الشوق إليها فقمت وشددت رحلي على ناقتي وتعممت بعمامتي ولبست أطماري وتقلدت بسيفي واعتقلت رمحي وركبت ناقتي، وخرجت طالباً لها وكنت أسرع في المسير فسرت ذات ليلة وكانت ليلة مظلمة مدلهمة، وأنا مع ذلك أكابد هبوط الأودية وصعود الجبال فأسمع زئير الأسود وعواء الذئاب وأصوات الوحوش من كل جانب وقد ذهل عقلي وطاش قلبي ولساني لا يفتر عن ذكر الله تعالى فبينما أنا أسير على هذا الحال، إذ غلبني النوم فأخذت بي الناقة على غير الطريق التي كنت فيها وغلب علي النوم، وإذا أنا بشيء لطمني في رأسي فانتبهت فزعاً مرعوباً. وإذا بأشجار وأنهار وأطيار على تلك الأغصان تغرد بلغاتها وألحانها وأشجار ذلك المرج مشتبك بعضها ببعض، فنزلت عن ناقتي وأخذت بزمامها في يدي ولم أزل أتلطف بالخلاص، إلى أن خرجت بها من تلك الأشجار إلى أرض فلاة فأصلحت كورها واستويت راكباً على ظهرها، ولا أدري إلى أين أذهب ولا إلى أي مكان تسوقني الأقدار فمددت نظري في تلك البرية فلاحت لي نار في صدرها فوكزت ناقتي وسرت متوجهاً إليها حتى وصلت إلى تلك النار فقربت منها وتأملت وإذا بخباء مضروب ورمح مركوز ودابة قائمة وخيل واقفة وإبل سائحة فقلت في نفسي يوشك أن يكون لهذا الخباء شأن عظيم فإني لا أرى في تلك البرية سواه، ثم تدقمت إلى جهة الخباء وقلت: السلام عليكم يا أهل الخباء ورحمة الله وبركاته، فخرج إلي من الخباء غلام من أبناء التسع عشرة سنة فكأنه البدر إذا أشرق والشجاعة بين عينيه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أخا العرب، إني أظنك ضالاً عن الطريق فقلت: الأمر كذلك أرشدني يرحمك الله.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جميل قال للغلام أرشدني يرحمك الله فقال يا أخا العرب إن بلدنا هذه مسبعة وهذه الليلة مظلمة موحشة شديدة الظلمة والبرد ولا آمن عليك من الوحوش أن تفترسك فانزل عندي على الرحب والسعة فإذا كان الغد أرشدتك إلى الطريق فنزلت عن ناقتي وعلقتها بفضل زمامها ونزعت ما كان علي من الثياب وتخففت وجلست ساعة، وإذا بالشاب قد عمد إلى شاة فذبحها وإلى نار فأضرمها وأججها، ثم دخل الخباء وأخرج أبراراً ناعمة وملحاً طيباً وأقبل يقطع من ذلك اللحم قطعاً ويشويها على النار ويعطيني ويتنهد ساعة ويبكي أخرى ثم شهق شهقة عظيمة وبكى بكاء شديداً وأنشد يقول هذه الأبيات:

لم يبق إلا نفس هـامـت ومقلة انسانهـا بـاهـت

لم يبق في أعضائه مفصل إلا وفيه سبقـم كـابـت

ودمعة جـار وأحـشـاؤه توقـد إلا أنـه سـاكـت

تبكي له أعـداؤه رحـمة يا ويح من يرحمه الشامت

قال جميل: فعلمت عند ذلك يا أمير المؤمنين، أن الغلام عاشق ولهان ولا يعرف الهوى إلا من ذاق طعم الهوى فقلت في نفسي: هل أسأله؟ ثم راجعت نفسي وقلت: كيف أتهجم عليه بالسؤال وأنا في منزله فرعت نفس وأكلت من ذلك اللحم كفايتي فلما فرغنا من الأكل قام الشاب ودخل الخباء وأخرج طشتاً نظيفاً وابريقاً حسناً، ومنديلاً من الحرير أطرافه مزركشة بالذهب الأحمر، وقمقماً ممتلئاً من ماء الورد الممسك فعجبت من ظرفه ورقة حاشيته وقلت في نفسي: لم أعرف الظرف في البادية ثم غسلنا يدينا وحدثنا ساعة ثم قام ودخل الخباء وفصل بيني وبينه بفاصل من الديباج الأحمر وقال: ادخل يا وجه العرب وخذ مضجعك فقد لحقك في هذه الليلة تعب وفي سفرتك هذه نصب مفرط فدخلت وإذا أنا بفراش من الديباج الأخضر، فعند ذلك نزعت ما علي من الثياب وبت ليلة لم أبت في عمري مثلها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جميلاً قال: فبت ليلة لم أبت في عمري مثلها وكل ذلك وأنا متفكر في أمر هذا الشاب، إلى أن جن الليل ونامت العيون فلم أشعر إلا بصوت خفي لم أسمع ألطف منه ولا أرق حاشية فرفعت الفاصل المضروب بيننا وإذا أنا بصبية لم أر أحسن منها وجهاً وهي في جانبه وهما يبكيان ويتشاكيان ألم الهوى والصبابة والجوى وشدة اشتياقهما إلى التلاقي فقلت: يا للعجب من هذا الشخص الثاني لأني لما دخلت هذا البيت لم أر فيه غير هذا الفتى وما عنده أحد، ثم قلت في نفسي لاشك أن هذه البنت من بنات الجن تهوى هذا الغلام وقد تفرد بها في هذا المكان وتفردت به، ثم أمعنت النظر فيها فإذا هي أنسية عربية إذا أسفرت عن وجهها تخجل الشمس المضيئة وقد أضاء الخباء من نور وجهها، فلما تحققت أنها محبوبته تذكرت غيرة المحبة فأرخيت الستر وغطيت وجهي ونمت.

فلما أصبحت لبست ثيابي وتوضأت لصلاتي وصليت ما كان علي من الفرض ثم قلت له: يا أخا العرب هل لك أن ترشدني إلى الطريق وقد تفضلت علي، فنظر إلي وقال: على رسلك يا أخا العرب إن الضيافة ثلاثة أيام وما كنت بالذي يهديك إلا بعد ثلاثة أيام قال جميل فأقمت عنده ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع جلسنا للحديث فحدثته وسألته عن اسمه ونسبه. فقال: أما نسبي فأنا من بني عذرة، وأما اسمي أنا فلان ابن فلان وعمي فلان فإذا هو ابن عمي يا أمير المؤمنين وهو من أشرف بيت من بني عذرة، فقلت يا ابن العم ما حملك على ما أراه منك من الانفراد في هذه البرية، وكيف تركت نعمتك ونعمة آبائك وكيف تركت عبيدك وإماءك وانفردت بنفسك في هذا المكان؟ فلما سمع يا أمير المؤمنين كلامي تغرغرت عيناه بالدموع والبكاء، ثم قال: يا ابن العم إني كنت محباً لابنة عمي مفتوناً بها هائماً بحبها مجنوناً في هواها لا أطيق الفراق عنها فزاد عشقي لها فخطبتها من عمي، فأبى وزوجها لرجل من بني عذرة ودخل بها وأخذها إلى المحلة التي هو فيها من العام الأول، فلما بعدت عني واحتجبت عن النظر إليها حملتني لوعات الهوى وشدة الشوق والجوى على ترك أهلي ومفارقة عشيرتي وخلاني وجميع نعمتي وانفردت بهذا البيت في البرية وألفت وحدتي فقلت: وأين بيوتهم؟ قال: هي قريبة في ذروة هذا الجبل وهي كل ليلة عند نوم العيون وهدوء الليل تنسل من الحي سراً بحيث لا يشعر بها أحد فأقضي منها بالحديث وطراً وتقضي هي كذلك، وها أنا مقيم على ذلك الحال أتسلى بها ساعة من الليل ليقضي الله أمراً كان مفعولاً أو يأتيني الأمر على رغم الحاسدين أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين، ثم قال جميل: فلما أخبرني الغلام يا أمير المؤمنين غمني أمره وصرت من ذلك حيران لما أصابني من الغيرة فقلت له: يا ابن العم هل أن أدلك على حيلة أشير بها عليك وفيها إن شاء الله عين الصلاح وسبيل الرشد والنجاح وبها يزيل الله عنك الذي تخشاه، فقال الغلام: قل لي يا ابن العم، فقلت له: إذا كان الليل وجاءت الجارية فاطرحها على ناقتي فإنها سريعة الرواح واركب أنت جوادك وأنا أركب بعض هذه النياق وأسير بكما الليلة جميعها، فما يصبح الصباح إلا وقد قطعت بكما براري وقفاراً وتكون قد بلغت مرادك وظفرت بمحبوبة قلبك وأرض الله واسعة فضاها وأنا والله مساعدك ما حييت بروحي ومالي وسيفي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جميلاً لما قال لابن عمه على أخذ الجارية ويذهبان بها في الليل ويكون عوناً له ومساعداً مدة حياته فلما سمع ذلك قال: يا ابن العم حتى أشاورها في ذلك، فإنها عاقلة لبيبة بصيرة بالأمور قال جميل: فلما جن الليل وحان وقت مجيئها وهو ينتظرها في الوقت المعلوم، فأبطأت عن عادتها فرأيت الفتى خرج من باب الخباء وفتح فاه وجلس يتنسم هبوب الريح الذي يهب من نحوها وينشد هذين البيتين:

ريح الصبا يهدي إلي نـسـيم من بلدة فيها الحبيب مـقـيم

يا ريح فيك من الحبيب علامة أفتعلمين متى يكـون قـدوم

ثم دخل الخباء وقعد ساعة زمانية وهو يبكي ثم قال: يا ابن العم إن لابنة عمي في هذه الليلة نبأ وقد حدث لها أو عاقها عني عائق، ثم قال لي: كن مكانك حتى آتيك بالخبر ثم أخذ سيفه وترسه وغاب عني ساعة من الليل ثم أقبل وعلى يده شيء يحمله، ثم صاح علي فأسرعت إليه فقال يا ابن العم أتدري ما الخبر؟ فقلت: لا والله، فقال: لقد فجعت في ابنة عمي هذه الليلة لأنها قد توجهت إلينا فتعرض لها في طريقها أسد فافترسها ولم يبق منها إلا ما ترى ثم طرح ما كان على يده فإذا هو مشاش الجارية وما فضل من عظامها، ثم بكى بكاء شديداً ورمى القوس من يده وأخذ كيساً على يده ثم قال: لا تبرح إلى أن آتيك إن شاء الله تعالى ثم سار فغاب عني ساعة ثم عد وبيده رأس أسد فطرحه من يده، ثم طلب ماء فأتيته به فغسل فم الأسد وجعل يقبله ويبكي وزاد حزنه عليها وجعل ينشد هذه الأبيات:

ألا أيها الليث المـغـر بـنـفـسـه هلكت وقد هيجت لي بعدها حزنـا

وصيرتني فرداً وقد كنـت ألـفـهـا وصيرت بطن الأرض قبراً لها رهنا

أقول الدهر ساءنـي بـفـراقـهـا معاذ إليها أن تريني لـهـا خـدنـا

ثم قال: يا ابن العم سألتك بالله وبحق القرابة والرحم التي بيني وبينك أن تحفظ وصيتي فستراني الساعة ميتاً بين يديك فإذا كان ذلك فغسلني وكفني أنا وهذا الفاضل من عظام ابنة عمي في هذا الثوب وادفنا جميعاً في قبر واحد واكتب على قبرنا هذين البيتين:

كنا على ظهرها والعيش في رغد والشمل مجتمع والدار والوطـن

ففرق الدهـر والـتـصـريفـا وصار معنا في بطنها الكـفـن

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام وصى جميل بأن يكتب بعد موته على قبره بيتين من الشعر ثم بكى بكاء شديداً ودخل الخباء وغاب عني ساعة وخرج وصار يتنهد ويصيح ثم شهق شهقة ففارق الدنيا. فلما رأيت ذلك منه عظم علي وكبر عندي حتى كدت أن ألحق به من شدة حزني عليه، ثم تقدمت إليه فأضجعته وفعلت به ما أمرني من العمل وكفنتهما ودفنتهما جميعاً في قبر واحد وأقمت عند قبرهما ثلاثة أيام، ثم ارتحلت وأقمت سنتين أتردد إلى زيارتهما وهذا ما كان من حديثهما يا أمير المؤمنين، فلما سمع الرشيد كلامه استحسنه وخلع عليه وأجازه جائزة حسنة.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 46 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية حسن الصائغ البصري

ومما يحكى أيضاً أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر من التجار مقيم بأرض البصرة وكان ذلك التاجر له ولدان ذكران وكان عنده مال كثير فقدر الله السميع العليم أن التاجر توفي إلى رحمة الله تعالى وترك تلك الأموال فأخذ ولداه في تجهيزه ودفنه. وبعد ذلك اقتسما الأموال بينهما بالسوية وأخذ كل واحد منهما قسمة وفتحا لهما دكاكين أحدهما نحاس والثاني صائغ فبينما الصائغ جالس في دكانه يوماً من الأيام إذا برجل أعجمي ماشي في السوق بين الناس إلى أن مر على دكان الولد الصائغ فنظر إلى صنعته وتأملها بمعرفته فأعجبته وكان اسم الصائغ حسناً فهز الأعجمي رأسه وقال والله إنك صائغ مليح وصار ينظر إلى صناعته وهو ينظر إلى كتاب عتيق كان بيده والناس مشغولين بحسنه وجماله واعتداله، فلما كان وقت العصر خلت الدكاكين من الناس، فعند ذلك أقبل الرجل الأعجمي عليه وقال له يا ولدي أنت شاب مليح وأنا ما لي ولد وقد عرفت صنعة ما في الدنيا أحسن منها وقد سألني خلق كثير من الناس في شأن تعليمها فما رضيت أن أعلمها أحداً منهم، ولكن قد سمحت نفسي أعلمك إياها وأجعلك ولدي واجلع بينك وبين الفقر حجاباً وتستريح من هذه الصنعة والتعب في المطرقة والفحم والنار فقال له حسن يا سيدي ومتى تعلمني، فقال له في غد آتيك وأصنع لك من النحاس ذهباً خالصاً بحضرتك ففرح حسن وودع الأعجمي وسار إلى والدته فدخل وسلم عليها وأكل معها وهو مدهوش بلا وعي ولا عقل فقالت أمه ما بالك يا ولدي إحذر أن تسمع كلام الناس خصوصاً الأعاجم فلا تطاوعهم في شيء فإن هؤلاء غشاشون يعلمون صنعة الكيمياء وينصبون على الناس ويأخذون أموالهم ويأكلونها بالباطل. فقال لها يا أمي نحن ناس فقراء وما عندنا شيء يطمع فيه حتى ينصب علينا وقد جاءني رجل أعجمي لكنه شيخ صالح عليه أثر الصلاح وقد حننه الله علي فسكتت أمه على غيظ وصار ولدها مشغول القلب ولم يأخذه نوم في تلك الليلة من شدة فرحه بقول الأعجمي له فلما أصبح الصباح وأخذ المفاتيح وفتح الدكان، وإذا بالأعجمي أقبل عليه فقام وأراد حسن أن يقبل يديه فامتنع ولم يرض بذلك وقال يا حسن عمر البودقة وركب الكير، ففعل ما أمره به الأعجمي وأوقد الفحم فقال له الأعجمي يا ولدي هل عندك نحاس قال عندي طبق مكسور فأمره أن يتكيء عليه بالكاز ويقطعه قطعاً صغاراً ففعل كما قال له وقطعه قطعاً صغاراً ورماه في البودقة ونفخ عليه بالكير حتى صار ماء فمد الأعجمي يده إلى عمامته وأخرج منها ورقة ملفوفة وفتحها وذر منها شيئاً في البودقة مقدار نصف درهم وذلك الشيء يشبه الكحل الأصفر وأمر حسناً أن ينفخ عليه بالكير ففعل مثل ما أمره حتى صار سبيكة ذهب، فلما نظر حسن إلى ذلك اندهش وتحير عقله من الفرح الذي حصل له وأخذ السبيكة وقبلها وأخذ المبرد وحكها فرآها ذهباً خالصاً من عال العال فطار عقله واندهش من شدة الفرح، ثم انحنى على يد الأعجمي ليقبلها فقال له: خذ هذه السبيكة وانزل بها إلى السوق وبعها واقبض ثمنها سريعاً ولا تتكلم فنزل حسن وأعطى السبيكة إلى الدلال فأخذها منه وحكها فوجدها ذهباً خالصاً ففتحوا بابها بعشرة آلاف درهم وقد تزايد فيها التجار فباعها بخمسة عشر ألف درهم وقبض ثمنها ومضى إلى البيت وحكى لأمه جميع ما فعل وقال إني قد تعلمت هذه الصنعة، فضحكت عليه وقالت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما حكى لأمه ما فعل الأعجمي وقال لها إني قد تعلمت هذه الصنعة قالت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسكتت على غيظ منها ثم إن حسناً أخذ من جهته هاوناً وذهب به إلى الأعجمي وهو قاعد في الدكان ووضعه بين يديه فقال له يا ولدي ما تريد أن تصنع بهذا الهون قال ندخله في النار ونفعله سبائك ذهب، فضحك الأعجمي وقال يا ولدي هل أنت مجنون حتى تنزل السوق بسبيكتين في يوم واحد ما تعلم أن الناس ينكرون علينا وتروح علينا، ولكن يا ولدي إذا علمتك هذه الصنعة لا تعملها في السنة إلا مرة واحدة فهي تكفيك من السنة إلى السنة قال صدقت يا سيدي ثم إنه قعد في الدكان وركب في البودقة ورمى الفحم على النار فقال له الأعجمي يا ولدي ماذا تريد قال علمني هذه الصنعة، فضحك الأعجمي وقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنت يا ابني قليل العقل ما تصلح لهذه الصنعة قط هل أحد في عمره يتعلم هذه الصنعة على قارعة الطريق أو في الأسواق فإن اشتغلنا بها في هذا المكان يقول الناس علينا إن هؤلاء يصنعون الكيمياء فتسمع بنا الحكام وتروح أرواحنا فإذا أردت يا ولدي أن تتعلم هذه فاذهب معي إلى بيتي، فقام حسن وأغلق الدكان وتوجه مع الأعجمي فبينما هو في الطريق غذ تذكر قول أمه وحسب في نفسه ألف حساب فوقف وأطرق برأسه إلى الأرض ساعة زمانية فالتفت الأعجمي فرآه واقفاً فضحك وقال هل أنت مجنون كيف أضمر لك في قلبي الخير وأنت تحسب أني أضرك وقال له الأعجمي إن كنت خائفاً من ذهابك معي إلى بيتي فأنا أروح معك إلى بيتك وأعلمك هناك فقال له حسن نعم فقال له امش قدامي فسار حسن قدامه وسار الأعجمي خلفه إلى أن وصل الأعجمي إلى منزله فدخل حسن إلى داره فوجد والدته فأعلمها بحضور الأعجمي معه وهو واقف على الباب ففرشت لهما البيت ورتبته.

فلما فرغت من أمرها راحت ثم إن حسناً أذن للأعجمي أن يدخل فدخل ثم إن حسناً أخذ في يده طبقاً وذهب به إلى السوق ليجيء فيه بشيء يأكله فخرج وجاء بأكل وأحضره بين يديه وقال له كل يا سيدي لأجل أن يصير بيننا خبز وملح والله تعالى ينتقم ممن يخون الخبز والملح. فقال له صدقت يا ولدي ثم تبسم وقال له يا ولدي من يعرف قدر الخبز والملح ثم تقدم الأعجمي وأكل مع حسن حتى اكتفيا، ثم قال له الأعجمي يا ولدي يا حسن هات لنا شيئاً من الحلوى فمضى حسن إلى السوق وأحضر عشر قباب الحلوى وفرح حسن بكلام الأعجمي، فلما قدم خيراً يا ولدي مثلك من يصاحبه الناس ويظهرونه على أسرارهم ويعلمونه ما ينفعه ثم قال الأعجمي يا حسن أحضر العدة، فلما سمع هذا الحديث إلا وخرج مثل المهر إذا انطلق من الربيع حتى أتى إلى الدكان وأخذ العدة ورجع ووضعها بين يديه فأخرج الأعجمي قرطاساً من الورق وقال يا حسن وحق الخبز والملح لولا أنت أعز من ولدي ما أطلعتك على هذه الصنعة وما بقي شيء من الإكسير إلا في هذا القرطاس، ولكن تأمل حين أركب العقاقير وأضعها قدامك واعلم يا ولدي يا حسن أنك تضع على كل عشرة أرطال نحاساً نصف درهم من هذا الذي في الورقة فتصير العشرة أرطال ذهباً خالصاً إبريزاً ثم قال يا ولدي يا حسن إن في هذه الورقة ثلاثة أوراق بالوزن المصري وبعد أن يفرغ ما في هذه الورقة اعمل لك غيره فأخذ حسن الورقة فرأى شيئاً أصفر أنعم من الأول فقال يا سيدي ما اسم هذا وأين يوجد وفي أي شيء يعمل فضحك الأعجمي من طمع حسن وقال له عن أي شيء تسأل وأنت ساكت، وأخرج طاسة من البيت واخرج طاسة من البيت اقطعها وألقاها في البودقة ورمى عليها قليل من الذي في الورقة فصارت سبيكة من الذهب الخالص.

فلما رأى حسن ذلك فرح فرحاً شديداً وصار متحيراً في عقله مشغولاً بتلك السبيكة فأخرج صرة من رأسه بسرعة وقطعها ووضعها في قطعة من الحلوى وقال له يا حسن أنت بقيت ولدي وصرت عندي أعز من روحي ومالي وعندي بنت أزوجك بها فقال حسن أنا غلامك ومهما فعلته معي كان عند الله تعالى فقا الأعجمي يا ولدي طول بالك وصبر نفسك يحصل لك الخير ثم ناوله القطعة الحلوى فأخذها وقبل يده ووضعها في فمه وهو لا يعلم ما قدر له في الغيب ثم بلع قطعة الحلوى فسبقت رأسه ورجليه وغاب عن الدنيا فلما رآه الأعجمي وقد حل به البلاء فرح فرحاً شديداً وقام على أقدام وقال وقعت يا علق يا كلب العرب لي أعوام كثيرة أفتش عليك حتى حصلتك يا حسن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما أكل قطعة الحلوى التي أعطاها له الأعجمي ووقع منها على الأرض مغشياً عليه، فرح الأعجمي وقال له لي أعوام كثيرة وأنا أفتش عليك حتى حصلتك، ثم إن الأعجمي شد وسطه وكتف حسناً وربط رجليه على يديه، وأخذ صندوقاً وأخرج منه الحوائج التي كانت فيه ووضع حسناً فيه وقفله عليه وفرغ صندوقاً آخر وحط فيه جميع المال الذي عند حسن والسبائك الذهب التي عملها أولاً وثانياً وقفله ثم خرج يجري إلى السوق وأحضر حمالاً حمل الصندوق، وتقدم إلى المركب الراسي وكان ذلك المركب مهيأ للأعجمي وريسه منتظر، فلما نظره بحريته أتوا إليه وحملوا الصندوقين ووضعوهما في المركب وصرخ الأعجمي على الريس وعلى جميع البحرية وقال لهم قوموا قد انقضت الحاجة وبلغنا المراد، فصرخ الريس على البحرية قال لهم: أقلعوا المراسي وحلوا القلوع، وصار المركب بريح طيبة هذا ما كان من أمر الأعجمي.

وأما ما كان من أمر أم حسن فإنها انتظرته إلى العشاء، فلم تسمع له صوتاً ولا خبراً فجاءت إلى البيت فرأته مفتوحاً ولم تر فيه أحداً، ولم تجد الصناديق ولا المال، فعرفت أن ولدها قد فقد ونفذ فيه القضاء فلطمت على وجهها وشقت أثوابها وصاحت وولولت وصارت تقول واولداه واثمرة فؤاداه.

ثم إنها صارت تبكي وتنوح إلى الصباح فدخل عليها الجيران وسألوها عن ولدها فأخبرتهم بما جرى له مع العجمي واعتقدت أنها لن تجده بعد ذلك.

ثم قالت نعم يا ولدي إن الدار قفرة والمزار بعيد ثم إن الجيران ودعوها بعد أن دعوا لها بالصبر وجمع الشمل قريباً، ولم تزل أم حسن تبكي أثناء الليل وأطراف النهار، وبنت في وسط البيت قبراً وكتبت عليه اسم حسن وتاريخ فقده وكانت لا تفارق ذلك القبر ولم يزل ذلك دأبها من حين فارقها ولدها، هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر ولدها حسن مع الأعجمي، فإن الأعجمي كان مجوسياً وكان يبغض المسلمين كثيراً وكلما قدر على أحد من المسلمين يهلكه وهو خبيث لئيم كيماوي كما قال فيه الشاعر:

هو الكلب وابن الكلب والكلب جده



ولا خير في كلب تناسل من كلب

وكان اسم ذلك الملعون بهرام المجوسي، وكان له في كل سنة واحد من المسلمين يأخذه ويذبحه على مطلب، فلما تمت حيلته على حسن الصائغ وسار به من أول النهار إلى الليل رسى المركب على بر إلى الصباح، فلما طلعت الشمس وسار المركب أمر الأعجمي عبيده وغلمانه أن يحضروا له الصندوق الذي فيه حسن فأحضروه له ففتحه وأخرجه منه ونشقه بالخل ونفخ في أنفه ذرراً فعطس وتقايا بالبنج وفتح عينيه ونظر يميناً وشمالاً، فوجد نفسه في وسط البحر والمركب سائراً والأعجمي قاعداً عنده، فعلم أنها حيلة عملت عليه قد عملها الملعون المجوسي وأنه وقع في الأمر الذي كانت فيه أمه تحذره فقال كلمة لا يخجل قائلها وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم الطف بي في قضائك وصبرني على بلائك يا رب العالمين، ثم التفت إلى الأعجمي وكلمه بكلام رقيق وقال له يا والدي ما هذه الفعال وأين الخبز والملح واليمين التي حلفتها لي فنظر إليه وقال له يا كلب هل مثلي يعرف خبزاً وملحاً وأنا قد قتلت ألف صبي إلا صبيا وأنت تمام الألف، وصاح عليه فسكت وعلم أن سهم القضاء نفذ فيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً لما رأى نفسه وقع مع الأعجمي الملعون كلمه بكلام رقيق فلم يفده بل صاح عليه فسكت وعلم أن سهم القضاء نفذ فيه فعند ذلك أمر الملعون بحل أكتافه، ثم سقوه قليلاً من الماء والمجوسي يضحك ويقول وحق النار والنور والظل والحرور، وما كنت أظن أنك تقع في شبكتي، ولكن النار قوتني عليك وأعانتني على قبضك حتى أقضي حاجتي وأرجع وأجعلك قرباناً لها حتى ترضى عني فقال حسن قد خنت الخبز والملح فرفع المجوسي يده وضربه ضربة فوقع وعض الأرض بأسنانه، وغشي عليه وجرت دموعه على خده ثم أمر المجوسي أن يوقدوا له ناراً، فقال له حسن ما تصنع بها فقال له هذه النار صاحبة النور والشرور وهي التي أعبدها فإن كنت تعبدها مثلي فأنا أعطيك نصف مالي وأزوجك بنتي، فصاح حسن عليه وقال يا ويلك إنما أنت مجوسي كافر تعبد النار دون الملك الجبار خالق الليل والنهار وما هذه إلا وصية في الأديان.

فعند ذلك غضب المجوسي وقال: أما توافقني يا كلب العرب وتدخل في ديني فلم يوافقه حسن على ذلك، فقام المجوسي الملعون وسجد للنار وأمر غلمانه أن يرموا حسناً على وجهه فرموه، وصار المجوسي يضربه بسوط مضفور من جلد حتى شرح جوانبه وهو يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجيره أحد فرفع طرفه إلى الملك القهار وتوسل إليه بالنبي المختار وقد قل منه الاصطبار وجرت دموعه على خديه كالأمطار. ثم إن المجوسي أمر العبيد أن يقعدوا وأمر أن يأتوا إليه بشيء من المأكول والمشروب فأحضروه فلم يرض أن يأكل ولا يشرب وصار المجوسي يعذبه ليلاً ونهاراً مسافة الطريق وهو صابر يتضرع إلى الله عز وجل، وقد قسى قلب المجوسي عليه، ولم يزالوا سائرين في البحر مدة ثلاثة أشهر، وحسن معهم في العذاب فلما كملت الثلاثة أشهر أرسل الله تعالى على المركب ريحاً فاسود البحر وهاج بالمركب من كثرة الريح فقال الريس والبحرية هذا والله كله ذنب هذا الصبي الذي له ثلاثة أشهر في العقوبة مع هذا المجوسي وهذا ما يحل من الله تعالى ثم إنهم قاوموا المجوسي وقتلوا غلمانه وكل من كان معه فلما رآهم المجوسي قتلوا الغلمان أيقن بالهلاك، وخاف على نفسه وحل من أكتافه وقلعه ما كان عليه من الثياب الرثة وألبسه غيرها وصالحه، ووعده أن يعلمه الصنعة ويرده إلى بلده وقال يا ولدي لا تؤاخذني بما فعلت، فقال له حسن كيف بقيت أركن إليك فقال له يا ولدي لولا الذنب ما كانت المغفرة وأنا ما فعلت معك هذه الأفعال إلا لأجل أن أنظر صبرك وأنت تعلم أن الأمر كله بيد الله ففرحت البحرية والريس بخلاصه، فدعا لهم حسن وحمد الله تعالى وشكره فسكتت الرياح وانكشفت الظلمة وطاب اليح والسفر، ثم إن حسناً قال للمجوسي يا أعجمي إلى أين تتوجه قال يا ولدي أتوجه إلى جبل السحاب الذي فيه الإكسير الذي نعمله كيمياء، وحلف المجوسي بالنار والنور أنه ما بقي لحسن عنده ما يخيفه فطاب قلب حسن وفرح بكلام المجوسي، وصار يأكل معه ويشرب وينام ويلبسه من ملبوسه، ولم يزالوا مسافرين مدة ثلاثة أشهر أخرى.

وبعد ذلك رسى المركب على بر طويل كله حصى أبيض وأصفر وأزرق وأسود وغير ذلك من جميع الألوان، فلما رسى نهض الأعجمي قائماً وقال يا حسن قوم اطلع فإننا قد وصلنا إلى مطلوبنا ومرادنا فقام حسن وطلع مع الأعجمي وأوصى المجوسي الريس على مصالحه ثم مشى حسن مع المجوسي إلى أن بعدا عن المركب وغابا عن الأعين ثم قعد المجوسي وأخرج من جيبه طبلاً نحاسياً وزخمة من حرير منقوشة بالذهب وعليها طلاسم وضرب الطبل، فلما فرغ ظهرت غبرة من ظهر البرية، فتعجب حسن من فعله وخاف منه وندم على طلوعه معه وتغير لونه فنظر إليه المجوسي وقال له ما لك يا ولدي وحق النار والنور، ما بقي عليك خوف مني ولولا أن حاجتي ما تقضى إلا على اسمك ما كنت أطلعك من المركب فأبشر كل خير، وهذه الغبرة غبرة شيء نركبه فيعيننا على قطع هذه البرية ويسهل علينا مشقتها فما كان إلا قليل حتى انكشفت الغبرة عن ثلاث نجائب، فركب الأعجمي واحدة وركب حسن واحدة وحملا زادهما على الثالثة وسارا سبعة أيام، ثم انتهيا إلى أرض واسعة فلما نزلا في تلك الأرض نظرا إلى قبة معقودة على أربعة أعمدة من الذهب الأحمر، فنزلا من فوق النجائب ودخلا تحت القبة وأكلا وشربا واستراحا فلاحت التفاتة من حسن فرأى شيئاً عالياً فقال له حسن ما هذا يا عم فقال له المجوسي هذا قصر، فقال له حسن أما نقوم ندخل لنستريح فيه وتنفرج عليه فذهب المجوسي وقال له لا تذكر لي هذا القصر فإن فيه عدوي ووقعت لي معه حكاية ليس هذا وقت إخبارك بها، ثم دق الطبل فأقبلت النجائب فركبا وسارا سبعة أيام فلما كان اليوم الثامن قال المجوسي يا حسن ما الذي تنظره فقال حسن أنظر سحاباً وغماماً بين المشرق والمغرب.

فقال له المجوسي ما هذا سحاب ولا غمام وإنما هو جبل شاهق ينقسم عليه السحاب وليس هناك سحاب يكون فوقه من فرط علوه وعظم ارتفاعه وهذا الجبل هو المقصود لي وفوقه حاجتنا ولأجل هذا جئت بك معي وحاجتي تقضى على يديك، فعند ذلك يئس حسن من الحياة ثم قال المجوسي بحق معبودك وبحق ما تعتقده من دينك أي شيء الحاجة التي جئت بي من أجلها فقال له إن صنعة الكيمياء لا تصلح إلا بحشيش ينبت في المحل الذي يمر به السحاب وينقطع عليه وهو هذا الجبل والحشيش فوقه، فإذا حصلنا الحشيش أريك أي شيء هذه الصنعة فقال له حسن من خوفه نعم يا سيدي وقد يئس من الحياة وبكى لفراق أمه وأهله ووطنه وندم على مخالفته أمه، ولم يزالا سائرين إلى أن وصلا إلى ذلك الجبل ووقفا تحته فنظر حسن فوق ذلك الجبل قصراً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المجوسي وحسن لما وصلا إلى الجبل وقفا تحته فنظر حسن فوق الجبل قصراً فقال للمجوسي ما هذا القصر فقال المجوسي هذا مسكن الجان والغيلان والشياطين ثم إن المجوسي نزل من فوق نجيبه وأمره بالنزول وقام إليه وقبل رأسه وقال لا تؤاخذني بما فعلته معك فأنا أحفظك عند طلوعك القصر وينبغي أنك لا تخونني في شيء من الذي تحضره منه وأكون أنا وأنت فيه سواء، فقال السمع الطاعة ثم إن الأعجمي فتح جراباً وأخرج منه طاحوناً وأخرج منه أيضاً مقداراً من القمح وطحنه على ذلك الطاحون وعجن منه ثلاثة أقراص، وأوقد النار وخبز الأقراص ثم أخرج منه أيضاً الطبل النحاس والزخمة المنقوشة ودق الطبل فحضرت النجائب فاختار منها نجيباً وذبحه وسلخ جلده ثم التفت إلى حسن وقال له اسمع يا ولدي يا حسن ما أوصيك به قال له نعم قال ادخل في هذا وأخيط عليك وأطرحك على الأرض فتأتي طيور الرخ فتحملك وتطير بك إلى أعلى الجبل وخذ هذه السكين معك فإذا فرغت من طيرانها وعرفت أنها حطتك فوق الجبل فشق بها الجلد واخرج فإن الطير يخاف منك ويطير عنك وطل لي من فوق الجبل وكلمني حتى أخبرك بالذي تعمله، ثم هيأ له الثلاثة أقراص وركوة فيها ماء وحطها معه في الجلد بعد ذلك خيطه عليه ثم بعد عنه فجاء طير الرخ وحمله وطار به إلى أعلى الجبل ووضعه هناك، فلما عرف حسن أن الرخ وضعه على الجبل شق الجلد وخرج منه وكلم المجوسي.

فلما سمع المجوسي كلامه فرح ورقص من شدة الفرح وقال له امض إلى ورائك ومهما رأيته فأعلمني به فمضى حسن فرأى رمماً كثيرة وعندهم حطب كثير فأخبره بجميع ما رآه، فقال له هذا هو المقصود والمطلوب فخذ من الحطب ست حزم وارمها إلي فإنها هي التي نعملها كيمياء، فرمى له الست حزم، فلما رأى المجوسي تلك الحزم قد وصلت عنده قال لحسن يا علق قد انقضت الحاجة التي أردتها منك وإن شئت قدم على هذا الجبل أو ألق نفسك على الأرض حتى تهلك ثم مضى المجوسي.

فقال حسن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد مكر بي هذا الكلب الملعون ثم إنه وقف على قدميه والتفت يميناً وشمالاً، ثم مضى فوق الجبل وأيقن في نفسه بالموت وصار يتمشى حتى وصل إلى الطرف الآخر من الجبل فرأى بجنب الجبل بحراً أزرقاً متلاطم قد أزبد وكل موجة منه كالجبل العظيم فقعد وقرأ ما تيسر من القرآن وسأل الله تعالى أن يهون عليه إما الموت وإما الخلاص من هذه الشدائد، ثم صلى على نفسه صلاة الجنازة ورمى نفسه في البحر، فحملته الأمواج على سلامة الله تعالى إلى أن طلع من البحر سالماً بقدرة الله تعالى ففرح وحمد الله تعالى وشكره ثم قام يمشي ويفتش على شيء يأكله، فبينما هو كذلك وإذا هو بالمكان الذي كان فيه هو وبهرام المجوسي، ثم مشى ساعة فإذا هو بقصر عظيم شاهق في الهواء فدخله فإذا هو القصر الذي كان سأل عنه المجوسي وقال له إن هذا القصر فيه عدوي فقال حسن والله لابد من دخولي هذا القصر لعل الفرج يحصل لي، فلما رأى بابه مفتوحاً دخل من الباب، فرأى مصطبة من الدهليز وعلى المصطبة بنتان كالقمران بين أيديهما رقعة شطرنج وهما يلعبان فرفعت واحدة منهما رأسها إليه وصاحت من فرحتها وقالت والله إن هذا آدمي وأظنه الذي جاء به بهرام المجوسي في هذه السنة، فلما سمع حسن كلامهما رمى نفسه بين أيديهما وبكى بكاء شديداً وقال يا سيدتي هو أنا ذلك المسكين. فقالت البنت الصغرى لأختها الكبرى اشهدي علي يا أختي أن هذا أخي في عهد الله وميثاقه، وإني أموت لموته وأحيا لحياته وأفرح لفرحه وأحزن لحزنه ثم قامت له وعانقته وقبلته وأخذذته من يده ودخلت به القصر وأختها معها وقلعته ما كان عليه من الثياب الرثة وأتت له ببدلة من ملابس الملوك وألبسته إياها وهيأت له الطعام من سائر الألوان وقدمته له، وقعدت هي وأختها وأكلتا معه وقالتا له حدثنا بحديثك مع الكلب الفاجر الساحر من حين وقعت في يده إلى حين خلصت منه ونحن نحدثك بما جرى لنا معه من أول الأمر إلى آخره حتى تصير على حذر إذا رأيته فلما سمع حسن منهما هذا الكلام ورأى الإقبال منهما عليه اطمأنت نفسه ورجع له عقله وصار يحدثهما بما جرى له معه من الأول إلى الآخر فقالتا له: هل سألته عن هذا القصر قال نعم سألته فقال لي لا أحب سيرته فإن هذا القصر للشياطين والأبالسة فغضبت البنتان غضباً شديداً وقالتا هل جعلنا هذا الكافر شياطين وأبالسة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنتان قالتا جعلنا المجوسي شياطين وأبالسة، فقال لهما حسن نعم فقالت الصغيرة أخت حسن والله لأقتلنه أقبح قتلة ولأعدمنه نسيم الدنيا فقال حسن وكيف تصلين إليه وتقتليه قالت هو في بستان يسمى المشيد ولابد من قتله قريباً، فقالت لها أختها صدق حسن وكل ما قاله عن هذا الكلب صحيح ولكن حدثيه بحديثه كلنا حتى يبقى في ذهنه فقالت البنت الصغيرة اعلم يا أخي أننا من بنات ملك من ملوك الجان العظام الشأن وله جنود وأعوان وخدم من المردة ورزقه الله تعالى بسبع بنات من امرأة واحدة ولحقه من الحماقة والغيرة وعزة النفس ما لا يزيد عليه حتى إنه لم يزوجنا لأحد من الرجال، ثم إنه أحضر وزرائه وأصحابه وقال لهم هل أنتم تعرفون لي مكاناً لا يطرقه طارق لا من الإنس ولا من الجن ويكون كثير الأشجار والأثمار والأنهار فقالوا له ما الذي تصنع به يا ملك الزمان فقال أريد أن أجعل فيه بناتي السبعة. فقالوا له يصلح لهن قصر جبل السحاب الذي كان أنشأه عفريت من الجن المردة الذين تمردوا على عهد سلميان عليه السلام، فلما هلك لم يسكنه أحد بعده لا من الجن ولا من الإنس لأنه منقطع لا يصل إليه أحد وحوله الأشجار والأثمار والأنهار وحوله ماء أحلى من الشهد وأبرد من الثلاج ما شرب منه أحد به برص أو جذام أو غيرهما إلا عوفي من وقته وساعته، فلما سمع والدنا بذلك أرسلنا إلى هذا القصر وأرسل معنا العساكر والجنود وجمع لنا ما نحتاج إليه وكان إذا أراد الركوب يضرب الطبل فيحضر له جميع الجنود فيختار ما يركبه منهم وينصرف الباقون، فإذا أراد والدنا نحضر عنده أمر أتباعه من السحرة بإحضارنا فيأتوننا ويأخذوننا بين يديه حتى يأتنس بنا ونقضي أغراضنا منه، ثم يرجعوننا إلى مكاننا ونحن لنا خمس أخوات ذهبن يتصيدن في هذه الفلاة فإن فيها من الوحوش ما لا يعد ولا يحصى وكل اثنين منا عليهما نوبة في القعود لتسوية الطعام فجاءت النوبة علينا أنا وأختي هذه، فقعدن لنسوي لهن الطعام وكنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا شخصاً آدمياً يؤانسنا فالحمد لله الذي أوصلك إلينا، فطب نفساً وقر عيناً ما عليك بأس، ففرح حسن وقال الحمد لله الذي هدانا إلى طريق الخلاص وحنن علينا القلوب، ثم قامت وأخذته من يده وأدخلته مقصورة وأخرجت منها من القماش والفرش ما لا يقدر عليه أحد من المخلوقات، ثم بعد ساعة حضر أخواتهما من الصيد والقنص، فأخبرتاهن بحديث حسن ففرحن به ودخلن عليه في المقصورة وسلمن عليه وهنينه بالسلامة ثم أقام عندهن في أطيب عيش وسرور وصار يخرج معهن إلى الصيد والقنص ويذبح الصيد واستأنس حسن بهن ولم يزل معهن على هذه الحالة حتى صح جسده وبرأ من الذي كان به وقوي جسمه وغلظ وسمن بسبب ما هو فيه من الكرامة وقعوده عندهن في ذلك الموضع وهو يتفرج ويتفسح معهن في القصر المزخرف في البساتين والأزهار وهن يأخذن بخاطره ويؤانسنه بالكلام، وقد زالت عنه الوحشة وزادت البنات به فرحاً وسروراً وكذلك هو فرح بهن أكثر مما فرحن به، ثم أخته الصغيرة حدثت أختها بحديث بهرام المجوسي، وأنه جعلهن شياطين وأبالسة وغيلان فحلفن لها أنه لابد من قتله فلما كان العام الثاني حضر الملعون ومعه شاب مليح مسلم كأنه القمر وهو مقيد بقيد ومعذب غاية العذاب فنزل به تحت القصر الذي دخل فيه حسن على البنات وكان حسن جالساً على النهر تحت الأشجار فلما رآه حسن خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما رأى المجوسي خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه، وقال بالله يا أخواتي أعينوني على قتل هذا الملعون فها هو حضر وصار في قبضتكن ومعه شاب مسلم أسير من أولاد الناس الأكابر وهو يعذبه بأنواع العذاب الأليم، وقصدي أن أقتله وأشفي فؤادي منه وأريح هذا الشاب من عذابه وأكسب الثواب ويرجع الشاب المسلم إلى وطنه فيجتمع شمله مع إخوانه وأهله وأحبابه ويكون ذلك صدقة عنكن وتفزن بالأجر من الله تعالى، فقالت له البنات السمع والطاعة لله ولك يا حسن ثم إنهن ضربنا لهن لثامات ولبسن أدوات آلات الحرب، وتقلدن بالسيوف وأحضرن لحسن جواداً من أحسن الخيل وهيأنه بعدة كاملة، وسلحنه سلاحاً مليحاً، ثم ساروا جميعاً فوجدوا المجوسي قد ذبح جملاً وسلخه وهو يعاقب الشاب ويقول له ادخل هذا الجلد، فجاء حسن من خلفه والمجوسي ما عنده علم به وصاح عليه فأذهله وخبله، ثم تقدم إليه وقال له أمسك يدك يا ملعون يا عدو الله وعدو المسلمين، يا كلب يا غدار يا عابد النار يا سالك طريق الفجار أتعبد النار والنور وتقسم بالظل والحر، فالتفت المجوسي فرأى حسناً فقال له يا ولدي كيف تخلصت ومن أنزلك إلى الأرض فقال له حسن خلصني الله الذي جعل قبض روحك على يد أعدائك كما عذبتني طول الطريق يا كافر يا زنديق قد وقعت في الضيق وزغت عن الطرق فلا أم تنفعك ولا أخ ولا صديق ولا عهد وثيق أنك قلت من يخون العيش والملح ينتقم الله منه وأنت خنت الخبز والملح فأوقعك الله في قبضتي وصار خلاصك مني بعيداً، فقال له المجوسي والله يا ولدي أنت أعز من روحي ومن نور عيني فتقدم إليه حسن وعجل عليه بضربة على عاتقه فخرج السيف يلمع من علائقه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار ثم إن حسناً أخذ الجراب الذي كان معه وفتحه وأخرج الطبل منه والزخمة وضرب بها على الطبل فجاءت النجائب مثل البرق إلى حسن فحل الشاب من وثاقه وأركبه نجيباً وحمل له الباقي زاداً وماء وقال له توجه إلى مقصدك فتوجه بعد أن خلصه الله من الضيق على يد حسن.

ثم إن البنات لما رأين حسناً ضرب رقبة المجوسي فرحن فرحاً شديداً ودرن حوله وتعجبن من شجاعته ومن شدة بأسه وشكرنه على ما فعل، وهنأنه بالسلامة وقلن له يا حسن لقد فعلت فعلاً شفيت به الغليل وأرضيت به الجليل وسار هو والبنات إلى القصر، وأقام معهن وهو في أكل وشرب ولعب وضحك وطابت له الإقامة عندهن ونسي أمه.

فبينما هو معهن في ألذ عيش إذ طلعت عليهم غبرة عظيمة من صدر البرية أظلم لها الجو، فقالت له البنات قم يا حسن وادخل مقصورتك واختف وإن شئت فادخل البستان وتوارى بين الشجر والكروم فما عليك بأس، ثم إنه قام ودخل واختفى في مقصورته وأغلقها عليه من داخل القصر، وبعد ساعة انكشف الغبار وبان من تحته عسكر جرار مثل البحر العجاج مقبلاً من عند الملك أبي البنات فلما وصل العسكر أنزلتهم أحسن منزل وضيفتهم ثلاثة أيام وبعد ذلك سألهم البنات عن حالهم وعن خبرهم، فقالوا إننا جئنا من عند الملك في طلبكن فقلن لهم وما يريد الملك منا، قالوا إن بعض الملوك يعمل فرحاً ويردي أن تحضرن ذلك الفرح ليتفرجن فقالت لهم البنات: وكم نغيب عن موضعنا فقالوا مدة الرواح والمجيء وإقامة شهرين، فقامت البنات ودخلن القصر على حسن وأعلمنه بالحال، وقلن له إن هذا الموضع موضعك وبيتك وبيتنا بيتك فطب نفساً وقر عيناً ولا تخف ولا تحزن، فإنه لا أحد يقدر أن يجيء إلينا في هذا المكان فكن مطمئن القلب منشرح الخاطر حتى نحضر إليك وهذه مفاتيح مقاصيرنا معك، ولكن يا أخانا نسأل لك بحق الأخوة أنك لا تفتح هذا الباب فإنه ليس لك بفتحه حاجة ثم إنهن ودعنه وانصرفن في صحبة العساكر وقعد حسن في القصر وحده وفرغ صبره وزاد كربه واستوحش وحزن لفراقهن حزناً عظيماً وضاق عليه القصر مع اتساعه فلما رأى نفسه وحيداً منفرداً تذكرهن.

وقالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً بعد ذهاب البنات من عنده قعد في القصر وحده فضاق صدره من فراقهن ثم إنه صار يذهب وحده إلى الصيد في البراري فيأتي به ويذبحه ويأكل وحده فزادت به الوحشة والقلق من انفراده فقام ودار في القصر وفتش جميع جهاته، وفتح مقاصير البنات فرأى فيها من الأموال ما يذهب عقول الناظرين وهو لا يلتذ بشيء من ذلك بسبب غيبتهن والتهبت في قلبه النار من الباب الذي أوصته أخته بعدم فتحه وأمرته أنه لا يقربه ولا يفتحه أبداً، فقال في نفسه ما أوصتني أختي بعدم فتح هذا الباب إلا لكونه فيه شيء تريد أن لا يطلع عليه أحد، والله إني لا أقوم وأفتحه وأنظر ما فيه ولو كان فيه المنية فأخذ المفتاح وفتحه فمل ير فيه شيئاً من المال، ولكنه رأى سلماً في صدر المكان معقود بحجر من جذع يماني فرقي على ذلك السلم وصعد إلى أن وصل إلى سطح القصر، فقال في نفسه هذا الذي منعتني أختي عنه ودار فوقه فاشرف على مكان تحت القصر مملوء بالمزارع والبساتين والأشجار والأزهار والوحوش والطيور، وهي تغرد وتسبح الله الواحد القهار وصار يتأمل في تلك المتنزهات فرأى بحراً عجاجاً متلاطماً بالأمواج، ولم يزل دائراً حول ذلك القصر يميناً وشمالاً حتى انتهى إلى القصر على أربعة أعمدة فرأى فيه مقعداً منقوشاً بسائر الأحجار كالياقوت والزمرد والبخلش وأصناف الجواهر وهو مبني طوبة من فضة وطوبة من ذهب وطوبة من ياقوت وطوبة من زمرد أخضر وفي تلك القصر بحيرة ملآنة بالماء وعليها مكعب من الصندل وعواميد، وهو مشبك بقضبان الذهب الأحمر والزمرد الأخضر مزركش بأنواع الجواهر واللؤلؤ الذي كل حبة منه قدر بيضة الحمامة وعلى جانب البحيرة تخت من العود الند مرصع بالدر والجوهر مشبك بالذهب الأحمر وفيه من سائر الفصوص الملونة والمعادن النفيسة، وهي في الترصيع يقبل بعضها بعضاً وحوله الأطيار تغرد بلغات مختلفة، وتسبح الله تعالى بحسن أصواتها واختلاف لغاتها وهذا القصر لم يملك مثله كسرى ولا قيصر، فاندهش حسن لما رأى ذلك وجلس فيه ينظر ما حوله.

فبينما هو جالس فيه وهو متعجب من حسن صنعته ومن بهجة ما حواه من الدر والياقوت وما فيه من سائر الصناعات، ومتعجب من تلك المزارع والأطيار التي تسبح الله الواحد القهار ويتأمل في آثار من قدرة الله تعالى على عمارة هذا القصر العظيم فإنه عظيم الشأن وإذا هو بعشر طيور قد أقبلوا من جهة البر وهم يقصدون ذلك القصر وتلك البحيرة فعرف حسن أنهم يقصدون تلك البحيرة ليشربوا من مائها فاستتر منهم خوفاً أن ينظروه فيفروا منه ثم إنهم نزلوا على شجرة عظيمة مليحة وأداروا حولها، فنظر منهم طيراً عظيماً مليحاً وهو أحسن ما فيهم والبقية محتاطون به وهم في خدمته فتعجب حسن من ذلك وصار ذلك الطير ينقر التسعة بمنقاره ويتعاظم عليهم، وهم يهربون منه وحسن واقف عليهم من بعيد ثم إنهم جلسوا على السرير وشق كل طير منهم جلده بمخالبه وخرج منه فغدا هو ثوب من ريش وقد خرج من الثياب عشر بنات أبكار يفضحن بحسنهن بهجة الأقمار فلما تعرين من ثيابهن نزلن كلهن في البحيرة واغتسلن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنات لما نزلن كلهن في البحيرة واغتسلن وصرن يلعبن ويتمازحن، وصارت الطيرة الفائقة عليهن ترميهن وتغطسهن فيهربن منها ولا يقدرن أن يمددنا أيديهن إليها، فلما نظرها حسن غاب عن صوابه وانسلب عقله وعرف أن البنات ما نهينه عن فتح هذا الباب، إلا لهذا السبب فشغف حسن بها حباً لما رأى حسنها وجمالها وقدها واعتدالها وهي في لعب ومزاج ومراشة بالماء، وحسن واقف ينظر إليهن ويتحسر حيث لم يكن معهن وقد حار عقله من حسن الجارية الكبيرة، وتعلق قلبه بمحبتها ووقع في شرك هواها والعين ناظرة وفي القلب نار محرقة والنفس أمارة بالسوء فبكى حسن شوقاً لحسنها وجمالها وانطلقت في قلبه النيران من أجلها، وزاد به لهيب لا يطفأ شرره وغرام لا يخفى أثره. ثم بعد ذلك طلعت البنات من تلك البحيرة، وحسن واقف ينظر إليهن وهن لا ينظرنه وهو يتعجب من حسنهن وجمالهن، ولطف معانيهن وظرف شمائلهن فحانت منه التفاتة، فنظر حسن إلى الجارية الكبيرة وهي عريانة فبان له ما بين فخذيها وهو قبة عظيمة مدورة بأربعة اركان كأنه طاسة من فضة أو بلور.

فلما خرجن من الماء لبست كل واحدة ثيابها وحليها وأما الجارية الكبيرة فإنها لبست حلة خضراء ففاقت بجمالها ملاح الآفاق وزهت ببهجة وجهها على بدور الإشراق وفاقت على الغصون بحسن التثني وأذهلت العقول بوهم التمني.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً لما رأى البنات قد خرجن من البحيرة والكبيرة فيهن أخذت عقله بحسنها وجمالها، ثم إن البنات لما لبسن ثيابهن جلسن يتحدثن ويتضاحكن وحسن واقف ينظر إليهن. وهو غريق في بحر عشقه وتائه في وادي فكره، وهو يقول في نفسه والله ما أتعلق بإحداهن ثم إنه صار ينظر في محاسن هذه الجارية، وكانت أجمل ما خلق الله في وقتها وقد فاقت بحسنها جميع البشر لها فم كأنه خاتم سليمان وشعر أسود من الليل الصدود على الكئيب الولهان وغرة كهلال رمضان، وعيون تحاكي عيون الغزلان وأنف أقني كثير اللمعان وخدان كأنهما شقائق النعمان وشفتان كأنهما مرجان وأسنان كأنهما لؤلؤ منظوم في قلائد العقبان، وعنق كسبيكة فضة فوق قامة كغصن البان، وبطن طيات وأركان يبتهل فيها العاشق الولهان وسرة تسع أوقية مسك طيب الأردان، وأفخاذ غلاظ سمان كأنهما عواميد رخام، أو مخدتان محشوتان من ريش النعام وبينهما شيء كأنه أعظم العقبان وأرنب مقطوش الآذان وله سطوح وأركان هذه الصبية فاقت بحسنها وقدها على غصون البان وعلى قضيب الخيزران وهي كاملة.

ثم إن البنات لم يزلن في ضحك ولعب وهو واقف على قدميه ينظر إليهن ونسي الأكل والشرب إلى أن قرب العصر، فقالت الصبية لصواحبها يا بنات الملوك إن الوقت أمسى علينا وبلادنا بعيدة، ونحن قد سئمنا من المقام هنا فقمن لنروح محلنا فقامت كل واحدة منهن ولبست ثوبها الريش فلما اندرجن في ثيابهن صرن طيوراً كما كن أولاً وطرن كلهن سوية وتلك الصبية في وسطهن فيئس حن منهن وأراد أن يقوم وينزل فلم يقدر أن يقوم وصار دمعه يجري على خده، ثم إن حسن مشى قليلاً وهو لا يهتدي إلى الطريق حتى نزل إلى أسفل القصر ولم يزل يزحف إلى أن وصل إلى باب المخدع فدخل وأغلقه عليه واضطجع عليلاً لا يأكل ولا يشرب وهو غريق في بحر أفكاره فبكى وناح على نفسه إلى الصباح.

فلما طلعت الشمس فتح باب المخدع وطلع إلى المكان الذي كان فيه أولاً وجلس في مكان مقبال إلى أن أقبل الليل، فلم يحضر أحد من الطيور وهو جالس في انتظارهم فبكى بكاء شديداً حتى غشي عليه ووقع على الأرض مطروحاً فلما أفاق من غشيته زحف ونزل إلى أسفل القصر وقد أقبل الليل فضاقت عليه الدنيا باسرها وما زال يبكي وينوح على نفسه طول الليلة إلى أن أتى الصباح وطلعت الشمس على الروابي والبطاح، وهو لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يقر له قرار وفي نهاره حيران وفي ليله سهران مدهوش سكران من الفكر الذي هو فيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما زاد عشقه وهو في القصر وحده ولم يجد من يؤانسه، فبينما هو في شدة ولهه وإذا بغبرة قد طلعت من البر فقام يجري إلى أسفل واختفى وعرف أن أصحاب القصر أتوا فلم يكن غير ساعة، إلا والعسكر قد نزلوا وداروا بالقصر ونزلت السبع بنات ودخلن القصر فنزعن سلاحهن وما كان عليهن من آلات الحرب وأم البنت الصغيرة أخته فإنها لم تنزع ما عليها من آلة الحرب، بل جاءت إلى مقصورة حسن فلم تراه ففتشت عليه فوجدته في مخدع من المخادع وهو ضعيف نحيل قد كل جسمه ورق عظمه واصفر لونه وغابت عيناه في وجهه من قلة الأكل والشرب ومن كثرة الدموع بسبب تعلقه بالصبية وعشقه لها، فلما رأته أخته الجنية على هذه الحالة اندهشت، وغاب عنها عقلها فسألته عن حاله وما هو فيه وأي شيء اصابه وقالت له أخبرني يا أخي حتى أتحيل لك في كشف ضرك وأكون فداءك فبكى بكاء شديداً وأنشد يقول:

محب إذا ما بان عنه حبيبه



فليس له إلا الكآبة والضر

فباطنه سقم وظاهره جوى



وأوله ذكر وآخره فكـر

فلما سمعت منه أخته ذلك، تعجبت من فصاحته ومن بلاغة قوله ومن حسن لفظه ومجاوبته لها بالشعر، فقالت له يا أخي متى وقعت في هذا الأمر الذي أنت فيه ومتى حصل لك فإني أراك تتكلم بالأشعار وترخي بالدموع الغزار فبالله عليك يا أخي وحرمة الحب الذي بيني وبينك أن تخبرني بحالك وتطلعني على سرك ولا تخف مني شيئاً مما جرى لك في غيابنا فإنه قد ضاق صدري وتكدر عيشي بسببك فتنهد وأرخى الدموع مثل المطر وقال أخاف يا أختي إذا أخبرتك لا تساعديني على مطلوبي، وتتركيني أموت كمداً بغصتي فقالت لا والله يا أخي ما أتخلى عنك ولو كانت روحي فحدثها بما جرى له وما عاينه حين فتح الباب، وأخبرها أن سبب الضرر والبلاء عشق الصبية التي رآها وإن له عشرة أيام ولم يستطعم بطعام ولا شراب، ثم إنه بكى بكاء شديداً.

فبكت أخته لبكائه ورقت لحاله ورحمت غربته ثم قالت له يا أخي طب نفساً وقر عيناً فأنا أخاطر بنفسي معك وابذل روحي في رضاك وأدبر لك حيلة ولو كان فيها ذهاب نفائسي ونفسي حتى أقضي غرضك إن شاء الله تعالى ولكن أوصيك يا أخي بكتمان السر عن أخواتي فلا تظهر حالك على واحدة منهن لئلا تروح روحك وإن سألتك عن فتح الباب فقل لهن ما فتحته أبداً ولكن أنا مشغول القلب من أجل غيابكن عني ووحشتي إليكن وقعودي في القصر وحدي فقال لها نعم هذا هو الصواب ثم إنه قبل رأسها وطاب خاطره وانشرح صدره، وكان خائفاً من أخته بسبب فتح الباب فردت إليه روحه بعد أن كان مشرفاً على الهلاك من شدة الخوف، ثم إنه طلب من أخته شيئاً يأكله فقامت وخرجت من عنده ثم دخلت على أخواتها وهي حزينة باكية عليه فسألنها عن حالها فأخبرتهن أن خاطرها مشغول على أخيها وأنه مريض وله عشرة أيام ما نزل في بطنه زاد أبداً، فسألنها عن سبب مرضه.

فقالت لهن سببه غيابنا لأننا أوحشناه فإن هذه الأيام التي غبنا عنه كانت عليه أطول من ألف عام، وهو معذور لأنه غريب ووحيد ونحن تركناه وحده وليس عنده من يؤانسه ولا من يطيب خاطره وهو شاب صغير على كل حال وربما تذكر أهله وأمه وهي امرأة كبيرة فظن أنها تبكي عليه أثناء الليل وأطراف النهار ولم تزل حزينة عليه وكنا نسليه بصحبتنا له.

فلما سمع أخواتها كلامها بكين من شدة التأسف عليه وقلنا لها والله إنه معذور، ثم خرجن إلى العسكر وصرفنهم ودخلن على حسن فسلمن عليه، ورأينه قد تغيرت محاسنه واصفر لونه وانتحل جسمه، فبكين شفقة عليه وقعدن عنده وآنسنه وطيبن قلبه بالحديث، وحكين له جميع ما رأين من العجائب والغرائب وما جرى للعريس مع العروسة ثم إن البنات أقمن عنده مدة شهر كامل وهن يؤانسنه ويلاطفنه وهو كل يوم يزداد مرضاً على مرضه، وكلما راينه على هذه الحالة يبكين عليه بكاء شديداً وأكثرهن بكاء البنت الصغيرة ثم بعد الشهر اشتاقت البنات إلى الركوب للصيد والقنص فعزمن على ذلك وسألن أختهن الصغيرة أن تركب معهن.

فقالت لهن والله يا أخواتي ما أقدر أن أخرج معكن وأخي على هذه الحالة حتى يتعافى ويزول عنه ما هو فيه من الضرر بل أجلس عنده لأعلله فلما سمعت كلامها شكرنها على مروءتها وقلن لها كل ما تفعلينه مع هذا الغريب تؤجرين عليه، ثم تركنها عنده في القصر وركبن وأخذن معهن زاد عشرين يوماً.

ثم قالت بلغني أيها الملك السعيد، أن البنات لما ركبن ورحن إلى الصيد والقنص تركن أختهن الصغيرة قاعدة عند حسن، فلما بعدن عن القصر وعرفت أختهن أنهن قطعن مسافة بعيدة أقبلت على أخيها وقالت له يا أخي قم ارني هذا الموضع الذي رأيت فيه البنات.

فقال باسم الله على الرأس وفرح بقولها وايقن ببلوغ مقصوده ثم إنه أراد أن يقوم معها ويريها المكان فلم يقدر على المشي فحملته في حضنها وجاءت إلى القصر فوقه أراها الموضع الذي رأى فيه البنات وأراها المقعد وبركة الماء. فقالت له أخته صف لي يا أخي حالهن كيف جئن فوصف لها ما رأى منهن وخصوصاً البنت التي تعلق بها فلما سمعت وصفها عرفتها فاصفر وجهها وتغير حالها فقال لها يا أختي قد اصفر وجهك وتغيرت حالتك، فقالت له يا أخي اعلم أن هذه الصبية بنت ملك من ملوك الجان العظام الشأن قد ملك أبوها انساً وجاناً وسحرة وكهاناً وأرهاطاً وأعواناً وأقاليماً وبلداناً كثيرة وأموالاً عظاماً، وأبونا نائب من جملة نوابه فلا يقدر عليه أحد من كثرة عساكره واتساع مملكته وكثرة ماله.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أخته قالت له: وأبونا نائب من جملة نوابه فلا يقدر عليه من كثرة عساكره واتساع مملكته وكثرة ماله وقد جعل لأولاده البنات اللواتي رأيتهن مسيرة سنة كاملة طولاً وعرضاً وقد زاد على ذلك القطر نهر عظيم محيط به فلا يقدر أحد أن يصل إلى ذلك المكان لا من الانس ولا من الجان وله من البنات الضاربات بالسيوف الطاعنات بالرماح خمسة وعشرون ألفاً واحدة منهن إذا ركبت جوادها ولبست آلة حربها تقاوم ألف فارس من الشجعان وله سبع نبات فيهن من الشجاعة والفروسية ما في أخواتهن، وأزيد وقد ولى على هذا القطر الذي عرفتك به ابنته الكبرى وهي أكبر أخواتها وفيها من الشجاعة والفروسية والخداع والمكر والسحر ما تغلب به اهل مملكتها وأما البنات اللاتي معها فهن أربا دولتها وأعوانها وخواصها من ملكها وهذه الجلود الريش التي يطرن بها إنما هي صنعة سحرة الجان وإذا أردت أن تملك هذه الصبية وتتزوج بها فاقعد هنا وانتظرها لأنهن يحضرن على رأس كل شهر إلى هذا المكان فإذا رأيتهن قد حضرن فاختف وإياك أن تظهر فتروح أرواحنا جميعاً فاعرف الذي أقوله لك واحفظه في ذهنك واقعد في مكان يكون قريباً منهن بحيث إنك تراهن ولا يرونك فإذا قلعن ثيابهن فألق نظرك على الثوب الريش الذي هو للكبيرة التي في مرادك وخذه ولا تأخذ شيئاً غيره فإنه هو الذي يوصلها إلى بلادها فإنك إذا ملكته ملكتها وإياك أن تخدعك وتقول يا من سرق ثوبي رده علي وها أنا عندك وبين يديك وفي حوزتك فإنك إن أعطيتها إياه قتلتك وتخرب علينا القصور وتقتل إيانا فاعرف حالك كيف تكون فإذا رأى أخواتها أن ثوبها قد سرق طرن وتركنها قاعدة وحدها فادخل عليها وامسكها من شعرها واجذبها فإذا جذبتها إليك فقد ملكتا وصارت في حوزتك فاحتفظ بعد هذا على الثوب الريش فإنه ما دام عندك فهو قبضتك وأسرك لأنها لا تقدر أن تطير إلى بلادها إلا به فإذا أخذتها فاحملها وانزل بها إلى مقصورتك ولا تبين لها أنك أخذت الثوب.

فلما سمع حسن كلام أخته اطمأن قلبه وسكن روعه وزال ما به من الألم ثم انتصب قائماً على قدميه وقبل رأس أخته وبعد ذلك قاما ونزلا من فوق القصر هو وأخته وناما ليلتهما وهو يعالج نفسه إلى أن أصبح الصباح فلما طلعت الشمس قام وفتح الباب وطلع إلى فوق ولم يزل قاعداً إلى العشاء فطلعت له أخته بشيء من الأكل والشرب وغير ثيابه ونام ولم تزل معه على هذه الحالة في كل يوم إلى أن هل الشهر فلما رأى الهلال صار يرتقبهن فبينما هو كذلك وإذا بهن قد أقبلن عليه مثل البرق فلما رآهن اختفى في مكان بحيث يراهن ولا يرينه فنزلت الطيور وقعدت كل طيرة منهن في مكان وقلعن ثيابهن وكذلك البنت التي يحبها وكان ذلك في مكان قريب من حسن ثم نزلت البحيرة مع أخواتها.

فعند ذلك قام حسن ومشى قليلاً وهو مختف وستر الله عليه فأخذ الثوب ولم تنظره واحدة منهن بل كن يلعبن مع بعضهن فلما فرغن طلعن ولبسن كل واحدة منهن ثوبها الريش وجاءت محبوبته لتلبس ثوبها فلم تجده فصاحت ولطمت على وجهها وشقت ثيابها فأقبلت أخواتها وسالنها عن حالها فأخبرتهن أن ثوبها الريش قد فقد فبكين وصرخن ولطمن على وجوههن وحين أمسى عليهن الليل لم يقدرن أن يقعدن عندها فتركنها فوق القصر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما أخذ ثوب البنت طلبته فلم تجده وطار أخواتها وتركنها وحدها فلما رآهن حسن طرن وغبن عنها أصغى إليها فسمعها تقول: يا من أخذ ثوبي وأعراني سألتك أن ترده علي وتستر عورتي فلا أذاقك الله حسرتي فلما سمع حسن هذا الكلام منها سلب عقله في عشقها وازدادت محبته لها ولم يطق أن يصبر عنها فقام من مكانه وصار يجري حتى هجم عليها وأمسكها ثم جذبها إليه ونزل بها إلى أسفل القصر وأدخلها مقصورته ورمى عليها عباءته وهي تبكي وتعض على يديها فأغلق عليها الباب وراح لأخته وأعلمها أنه حصلها وظفر بها ونزل بها إلى مقصورته وقال لها: إنها الآن قاعدة تبكي وتعض على يديها.

فلما سمعت أخته كلامه قامت وتوجهت إلى المقصورة ودخلت عليها فرأتها تبكي وهي حزينة فقبلت الأرض بين يديها ثم سلمت عليها فقالت لها الصبية: يا بنت الملك أهكذا تفعل الناس مثلكم هذه الفعال الرديئة مع بنات الملوك وأنت تعرفين أن أبي ملك عظيم وأن جميع ملوك الجان تفزع منه وتخاف من سطوته وعنده من السحرة والحكماء والكهان والشياطين والمردة ما لا طاقة لأحد عليه وتحت يده خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وكيف يصلح لكم يا بنات الملوك أن تأوين رجال الإنس عندكم وتطلعنهن على أحوالنا وأحوالكن وإلا فمن أين يصل هذا الرجل إلينا.

فقالت لها أخت حسن: يا بنت الملك إن هذا الإنسي كامل المروءة وليس قصده أمراً قبيحاً وربما هو يحبك وما خلقت النساء إلا للرجال ولولا أنه يحبك ما مرض لأجلك وكادت روحه أن تزهق في هواك وحكت لها جميع ما أخبرها به حسن من عشقه لها وكيف عملت البنات في طيرانهن واغتسالهن وأنه لم يعجبه من جميعهن غيرها لأنهن كلهن جوار لها وأنها كانت تغطسهن في البحيرة وليس واحدة منهن تقدر أن تمد يدها إليها.

فلما سمعت كلامها يئست من الخلاص فعند ذلك قامت أخت حسن وخرجت من عندها وأحضرت لها بدلة فاخرة فألبستها إياها وأحضرت لها شيئاً من الأكل والشرب فأكلت هي وإياها وطيبت قلبها وسكنت روعها ولم تزل تلاطفها بلين ورفق وتقول لها: ارحمي من نظرك فأصبح قتيلاً في هواك ولم تزل تلاطفها وترضيها وتحسن لها القول والعبارة وهي تبكي إلى أن طلع الفجر فطابت نفسها وأمسكت عن بكائها لما علمت أنها وقعت ولا يمكن خلاصها وقالت لأخت حسن: يا بنت الملك بهذا حكم الله على ناصيتي من غربتي وانقطاعي عن بلدي وأهلي وأخواتي فصبر جميل على ما قضاه ربي ثم أن أخت حسن أخلت لها مقصورة في القصر لم يكن هناك أحسن منها ولم تزل عندها تسليها وتطيب خاطرها حتى رضيت وانشرح صدرها وضحكت وزال ما عندها من الكدر وضيق الصدر من فراق الأهل والأوطان وفراق أخواتها وأبويها وملكها.

ثم أن أخت حسن خرجت إليه وقالت له: قم ادخل عليها في مقصورتها وقبل يديها ورجليها فدخل وفعل ذلك ثم قبلها بين عينيها وقال لها: يا سيدة الملاح وحياة الأرواح ونزهة الناظرين كوني مطمئنة القلب أنا ما أخذتك إلا لأجل أن أكون عبدك إلى يوم القيامة وأختي هذه جاريتك وأنا يا سيدتي ما قصدي إلا أن أتزوجك بسنة الله ورسوله وأسا فر إلى بلادي وأكون أنا وأنت في مدينة بغداد وأشتري لك الجواري والعبيد ولي والدة من خيار النساء تكون في خدمتك وليس هناك بلاد أحسن من بلادنا وكل ما فيها أحسن مما في غيره من سائر البلاد وأهلها وناسها ناس طيبون بوجوه صباح.

فبينما هو يخاطبها ويؤانسها وهي لا تخاطبه بحرف واحد وإذا بدق يدق باب القصر فخرج حسن ينظر من بالباب فإذا هن البنات قد حضرن من الصيد والقنص ففرح بهن وتلقاهن وحياهن فدعون له بالسلامة والعافية ودعا هو الآخر ثم نزلن عن خيولهن ودخلن القصر ودخلت كل واحدة منهن مقصورتها ونزعت ما كان عليها من الثياب الرثة ولبست قماشاً مليحاً وقد اصطدن شيئاً كثيراً من الغزلان وبقر الوحوش والأرانب والسباع والضباع وغير ذلك وقدمن منه شيئاً إلى الذبح وتركن الباقي عندهن في القصر وحسن واقف بينهن مشدود الوسط يذبح لهن وهن يلعبن وينشرحن وقد فرحن بذلك فرحاً شديداً. فلما فرغن من الذبح قعدن يعملن شيئاً ليتغدوا به فتقدم حسن إلى البنت الكبيرة وقبل رأسها وصار يقبل رأسهن واحدة بعد الأخرى فقلن له: لقد أكثرت التنزل إلينا يا أخانا وعجبنا من فرط توددك إلينا وأنت رجل آدمي ونحن من الجن فدمعت عيونه وبكى بكاءً شديداً فقلت: ما الخبر وما يبكيك قد كدرت عيشنا ببكائك في هذا اليوم كأنك اشتقت إلى والدتك والى بلادك فإن كان الأمر كذلك فنأخذك ونسافر بك إلى وطنك وأحبابك. فقال لهن: والله ما مرادي فراقكن فقلن له: وحينئذ من شوش عليك منا حتى تكدرت؟ فخجل أن يقول ما شوش علي إلا عشق الصبية خيفة أن ينكرن عليه فسكت ولم يعلمهن بشيء من حاله فقامت أخته وقالت لهن: اصطاد طيرة من الهواء ويريد منكن أن تعنه على تأهيلها فالتفتن إليه كلهن وقلن له: نحن كلنا بين يديك ومهما طلبته فعلناه لكن قص علينا خبرك ولا تكتم عنا شيئاً من حالك فقال لأخته: قص خبري عليهن فإني استحي منهن ولا أقدر أن أقابلهن بهذا الكلام. فقالت: بينما هو جالس يوماً من الأيام وإذا بعشر طيور إناث أقبلن عليه قاصدات القصر ولم يزلن سائرات حتى جلسن على البحيرة التي فوقها المنظرة فنظر إلى الطيرة التي هي أحسنهن وهي تنقرهن وما فيهن واحدة تقدر أن تمد يدها إليها، ثم جعلن لمخالبهن في أطواقهن فشققن الثياب الريش وخرجن منها وصارت كل واحدة منهن صبية مثل البدر ليلة تمامه، ثم خلعن ما عليهن وحسن واقف ينظر إليهن ونزلن الماء وصرن يلعبن والصبية الكبرى تغطسهن وليس منهن واحدة تقدر أن تمد يدها إليها وهي أحسنهن وجهاً وأعدلهن قداً وأنظفهن لباساً، ولم يزلن على هذه الحالة إلى أن قرب العصر ثم طلعن من البحيرة ولبسن ثيابهن ودخلن في القماش الريش والتففن فيه وطرن فاشتعل فؤاده واشتعل قلبه بالنار من أجل الطيرة الكبيرة وندم لكونه لم يسرق قماشها الريش فمرض وأقام فوق القصر ينظرها فامتنع من الأكل والشرب والنوم. ولم يزل كذلك حتى لاح الهلال فبينما هو قاعد وإذا بهن قد أقبلن على عادتهن فقلعن ثيابهن ونزلن البحيرة فسرق ثوب الكبيرة، فلما عرف أنها لا تقدر أن تطير إلا به أخذه وأخفاه خيفة أن يطلعن عليه فيقتلنه، ثم صبر حتى طرن فقام وقبض عليها ونزل بها من فوق القصر فقال لها أخواتها: وأين هي؟ قالت لهن: هي عنده في المخدع الفلاني فقلن: صفيها لنا يا أختي فقالت: هي أحسن من البدر ليلة تمامه ووجهها أضوأ من الشمس وريقها أحلى من الشراب وقدها أرشق من القضيب ذات طرف أحور ووجه أقمر وجبين أزهر وصدر كأنه جوهر ونهدين كأنهما رمانتان وخدين كأنهما تفاحتان، وبطن مطوي الأعكان وسرة كأنها حق عاج بالمسك ملآن وفخذين كأنهما من المرمر عامودان تأخذ القلوب بظرف كحيل ورقة خصر نحيل وردف ثقيل وكلام يشفي العليل، مليحة القوام حسنة الإبتسام كأنها بدر التمام.

فلما سمعت البنات هذه الأوصاف التفتن إلى حسن وقلن له: أرنا إياها فقام معهن وهو ولهان إلى أن أتى بهن إلى المخدع الذي فيه بنت الملك وفتحه ودخل وهن خلفه، فلما رأينها وعاين جمالها قبلن الأرض بين يديها وتعجبن من حسن صورتها وظرف معانيها وسلمن عليها وقلن لها: والله يا بنت الملك الأعظم إن هذا شيء عظيم ولو سمعت بوصف هذا الإنسي عند النساء لكنت تتعجبين منه طول دهرك وهو متعلق بك غاية التعلق إلا أنه يا بنت الملك لم يطلب فاحشة وما طلبك إلا في الحلال، ولو علمنا أن البنات تستغني عن الرجال لكنا منعناه عن مطلوبه مع أنه لم يرسل إليك رسولاً بل أتى إليك بنفسه وأخبرنا أنه أحرق الثوب الريش وإلا كنا أخذناه منه.

ثم أن واحدة من البنات اتفقت هي وإياها وتوكلت في العقد وعقدت عقدها على حسن وصافحها ووضع يده في يدها وزوجنها له بإذنها وعملن في فرحها ما يصلح لبنات الملوك وأدخلنه عليها فقام حسن وفتح الباب وكشف الحجاب وفض ختمها وتزايدت محبته فيها وتعاظم وجده شغفاً بها وحيث حصل مطلوبه هنأ نفسه وأنشد هذه الأبيات:

قوامك فتانٌ وطرفـك أحـورٌ



ووجهك من ماء الملاحة يقطر

تصورت في عيني أجل تصور



فنصفك ياقوت وثلثك جوهـر

وخمسك من مسك وسدسك عنبر



وأنت شبيه الدر بل أنت أزهر

وما ولدت حواء مثلـك واحـداً



ولا في جنان الخلد مثلك آخـر

فإن شئت تعذيبي فمن سنن الـهـوى



وإن شئت أن تعفي فأنت مـخـير

فيا زينة الدنيا ويا غـاية الـمـنـى



فمن ذا الذي عن حسنٍ وجهك يصبر

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما دخل على بنت الملك وأزال بكارتها والتذ بها لذة عظيمة وزادت محبته لها ووجده بها فأنشد فيها الأبيات المذكورة وكانت البنات واقفات على الباب فلما سمعن الشعر قلن لها يا بنت الملك اسمعي قول هذا الإنسي وكيف تلوميننا وقد أنشد الشعر في هواك فلما سمعت ذلك انبسطت وانشرحت وفرحت.

ثم إن حسناً أقام معها أربعين يوماً في حظٍ وسرورٍ ولذةٍ وحبور والبنات يجددن له كل يوم فرحاً ونعمة وهدايا وتحفا وهو بينهن في سرورٍ وانشراحٍ وطاب لبنت الملك القعود بينهن ونسيت أهلها، ثم بعد الأربعين يوماً كان حسن نائماً فرأى والدته حزينة عليه وقد رق عظمها وانتحل جسمها واصفر لونها وتغير وكان هو في حالة حسنة.

فلما رأته على هذه الحالة قالت له: يا ولدي يا حسن كيف تعيش في الدنيا منعماً وتنساني فانظر حالي بعدك وأنا ما أنساك ولا لساني يترك ذكرك حتى أموت وقد عملت لك قبراً عندي في الدار حتى لا أنساك أبداً، أترى أعيش يا ولدي وأنظرك عندي ويعود شملنا مجتمعاً كما كان، فانتبه حسن من نومه وهو يبكي وينوح ودموعه تجري على خديه مثل المطر وصار حزيناً كئيباً لا ترتفع دموعه ولم يجئه نوم ولا يقر له قرار ولم يبق عنده اصطبار، فلما أصبح دخلن عليه البنات وصبحن عليه وانشرحن معه على عادتهن فلم يلتفت إليهن فسألن زوجته عن حاله فقالت لهن: ما أدري فقلن لها: اسأليه عن حاله فتقدمت إليه وقالت له: ما الخبر يا سيدي؟ فتنهد وتضجر وأخبرها بما رآه في منامه ثم أنشد هذين البيتين:

قد بقين موسوسين حيارى



نطلب القرب ما إليه سبيل

فدواهي الهوى تزيد علينـا



ومقام الهوى علينا ثقـيل

فأخبرتهن زوجته بما قاله لها، فلما سمعت البنات الشعر رفقن لحاله وقلن له: تفضل باسم الله ما نقدر أن نمنعك من زيارتها بل نساعدك على زيارتها بكل ما نقدر عليه ولكن ينبغي أن تزورنا ولا تنقطع عنا ولو في كل سنة مرة واحدة، فقال لهن سمعاً وطاعةً فقامت البنات من وقتهن وعملن له الزاد وجهزن له العروسة بالحلي والحلل وكل شيء غال يعجز عنه الوصف وهيأن له تحفاً تعجز عن حصرها الأقلام.

ثم إنهن ضربن الطبل فجاءت النجائب إليهن من كل مكانٍ فاخترن منها ما يحمل جميع ما جهزته وأركبن الجارية وحسناً وحملن إليها خمسة وعشرين تختاً من الذهب وخمسين من الفضة، ثم سرن معهما ثلاثة أيام فقطعن فيها مسافة ثلاثة أشهر، ثم إنهن ودعنها وأردن الرجوع عنهما، هذا ما كان منهن. وأما ما كان من أمر حسن فإنه سار طول الليل والنهار يقطع مع زوجته البراري والقفار والأودية والأوعار في الهوا جر والأسحار وكتب الله تعالى لهما السلامة فسلما ووصلا إلى مدينة البصرة، ولم يزالا سائرين حتى أناخا على باب نجائبهما، ثم صرف النجائب وتقدم إلى الباب ليفتحه فسمع والدته وهي تبكي بصوت رقيق من كبد ذاق عذاب الحريق وهي تنشد هذه الأبيات:

وكيف يذوق النوم من عدم الكرى



ويسهـر لـيلاً والأنـام رقـود

وقد كان ذا مـال وأهـل عـزة



فأضحى غريب الدار وهو وحيد

له جمر بـين الـضـلـوع وأنة



وشوق شديد ما عـلـيه مـزيد

تولى عليه الوجد والوجد حاكـم



ينوح بما يلقـاه وهـو جـلـيد

وحالته في الحب تخـبـر أنـه



حزين كئيب والدموع شـهـود

فبكى حسن لما سمع والدته تبكي وتندب، ثم طرق الباب طرقة مزعجة فقالت أمه: من بالباب؟ فقال لها: افتحي ففتحت الباب ونظرت إليه، فلما عرفته خرت مغشياً عليها، فما زال يلاطفها إلى أن فاقت فعانقها وعانقته وقبلته، ثم نقل حوائجه ومتاعه إلى داخل الدار والجارية تنظر إلى حسن وأمه، ثم إن أم حسن لما اطمئن قلبها وجمع الله شملها بولدها أنشدت هذه الأبيات:

رق الزمان لحالتـي



ورثى لطول تحرقي

وأنالني ما أشتـهـي



وأزال مما أتـقـي

فلأصفحن عما جنـى



من الذنوب السبـق

حتى جنايتـه بـمـا



فعل المشيب بمفرقي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن والدة حسن قعدت وإياه يتحدثان وصارت تقول له: كيف حالك يا ولدي مع الأعجمي؟ فقال لها: يا أمي ما كان أعجمياً بل كان مجوسياً يعبد النار دون الملك الجبار، ثم أنه أخبرها بما فعل به من أنه سافر به وحطه في جلد الجمل وخيطه عليه وحملته الطيور وحطته فوق الجبل، وأخبرها بما رآه فوق الجبل من الخلائق الميتين الذين كان يحتال عليهم المجوسي ويتركهم فوق الجبل بعد أن يقضوا حاجته وكيف رمى روحه في البحر من فوق الجبل وسلمه الله تعالى وأوصله إلى قصر البنات ومؤاخات البنت له وقعوده عند البنات وكيف أوصل الله المجوسي إلى المكان الذي هو فيه وقتله إياه، وأخبرها بعشق الصبية وكيف اصطادها وبقصتها كلها إلى أن جمع الله شملهما ببعضهما فلما سمعت أمه حكايته تعجبت وحمدت الله تعالى على عافيته وسلامته، ثم قامت إلى تلك الحمول فنظرتها وسألته عنها فأخبرها بما فيها ففرحت فرحاً عظيماً، ثم تقدمت إلى الجارية تحدثها وتؤانسها فلما وقعت عينها عليها اندهش عقلها من ملاحتها وفرحت وتعجبت من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها ثم قالت: يا ولدي الحمد لله على السلامة وعلى رجوعك بالسلامة ثم إن أمه قعدت جنب الصبية وآنستها وطيبت خاطرها ثم نزلت في بكرة النهار إلى السوق فاشترت عشر بدلاتٍ من أفخر ما في المدينة من الثياب وأحضرت لها الفرش العظيم وألبست الصبية وجملتها بكل شيء مليح، ثم أقبلت على ولدها وقالت: يا ولدي نحن بهذا المال لا نقدر أن نعيش في هذه المدينة وأنت تعرف أننا ناس فقراء والناس يتهموننا بعمل الكيمياء، فقم بنا نسافر إلى مدينة بغداد دار السلام لنقيم في حرم الخليفة وتقعد أنت في دكان فتبيع وتشتري وتتقي الله عز وجل فيفتح عليك بهذا المال.

فلما سمع حسن كلامها استصوبه وقام من وقته وخرج من عندها وباع البيت وأحضر النجائب وحمل عليها جميع أمواله وأمتعته وأمه وزوجته وسار ولم يزل سائراً إلى أن وصل إلى الدجلة فاكترى مركباً لبغداد ونقل فيه جميع ماله وحوائجه ووالدته وزوجته وكل ما كان عنده، ثم ركب المركب فسار بهم في ريح طيبة مدة عشرة أيام حتى أشرفوا على مدينة بغداد، فلما أشرفوا عليها ودخل بهم المركب المدينة طلع من وقته وساعته إلى المدينة واكترى مخزناً في الخانات، ثم نقل حوائجه من المركب إليه وطلع وأقام ليلة في الخان فلما أصبح غير ما عليه من الثياب. فلما رآه الدلال سأله عن حاجته وعما يريد فقال: أريد دار تكون مليحة واسعة فعرض عليه الدور التي عنده فأعجبته دار كانت لبعض الوزراء فاشتراها منه بمائة ألف دينار من الذهب وأعطاه الثمن، ثم عاد إلى الخان الذي نزل فيه ونقل جميع ماله وحوائجه إلى الدار، ثم خرج إلى السوق وأخذ ما تحتاج إليه الدار من آنية وفرش وغير ذلك واشترى خدماً ومن جملتها عبداً صغيراً للدار وأقام مطمئناً مع زوجته في ألذ عيش وسرور مدة ثلاث سنين وقد رزق بغلامين سمى أحدهما ناصراً والآخر منصوراً.

وبعد هذه المدة تذكر أخواته البنات وتذكر إحسانهن إليه وكيف ساعدنه على مقصوده فاشتاق إليهن وخرج إلى أسواق المدينة فاشترى منها شيئاً من حلي وقماش نفيس ونقل وأشياء نادرة وغير موجودة عندهم، فسألته أمه عن سبب شراء تلك التحف فقال لها: إني عزمت على أن أسافر إلى أخواتي اللاتي فعلن معي كل جميل ورزقي الذي أنا أنعم فيه من خيرهن وإحسانهن، فإني أريد أن أسافر إليهن وأنظرهن وأعود قريباً إن شاء الله تعالى. فقالت له: يا ولدي لا تغب عني، فقال لها: اعلمي يا أمي كيف تكونين مع زوجتي وهذا ثوبها الريش مدفون في الأرض فاحرصي عليه لئلا تقع عليه فتأخذه وتطير هي وأولادها ويروحون وأبقى لا أقع لهم على خبر فأموت كمداً من أجلهم، واعلمي يا أمي أني أحذرك من أن تذكري لها واعلمي أنها بنت ملك الجان وما في ملوك الجان أكبر من أبيها ولا أكثر منه جنوداً ولا مالاً، واعلمي أنها سيدة قومها وأعز ما عند أبيها، فهي عزيزة النفس جداً فاخدميها أنت بنفسك ولا تمكنيها من أن تخرج من الباب أو تطل من الطاقة أو من حائط فإني أخاف عليها من الهواء إذا هب وإذا جرى عليها أمر من أمور الدنيا فأنا أقتل روحي من أجلها.

فقالت أمه: أعوذ بالله من مخالفتك يا ولدي هل أنا مجنونة أن توصيني بهذه الوصية وأخالفك فيها، سافر يا ولدي وطب نفساً وسوف تحضر في خير وتنظرها إن شاء الله تعالى بخير وتخبرك بما جرى لها مني ولكن يا ولدي لا تقعد غير مسافة الطريق.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما أراد السفر إلى البنات وصى أمه على زوجته على حسب ما ذكرنا وكانت زوجته بالأمر المقدر تسمع كلامه وهما لا يعرفان ذلك ثم إن حسناً قام وخرج إلى خارج المدينة ودق الطبل فحضرت له النجائب فحمل عشرين من تحف العراق وودع والدته وزوجته وأولاده وكان عمر واحد من ولديه سنة والآخر سنتين ثم انه رجع إلى والدته وأوصاها ثانية ثم انه ركب إلى أخواته ولم يزل مسافراً ليلاً ونهاراً في أودية وجبال وسهول وأوعار مدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر وصل إلى القصر ودخل على أخواته ومعه الذي أحضره إليهن فلما رأينه فرحن به وهنينه بالسلامة وأما أخته فأنها زينت القصر ظاهره وباطنه ثم إنهن أخذن الهدايا وأنزلنه في مقصورة مثل العادة وسألنه عن والدته وزوجته فأخبرهن أنها ولدت منه ولدين ثم أن أخته الصغيرة لما رأته طيباً بخير فرحت فرحاً شديداً وأنشدت هذا البيت:

واسأل الريح عنكم كلما خـطـر



وغيركم في فؤادي قط ما خطرا

ثم أنه أقام عندهن في الضيافة والكرامة مدة ثلاثة أشهر وهو في فرح وسرور وغبطة وحبور وصيد وقنص، هذا ما كان من حديثه. وأما ما كان من حديث أمه وزوجته فإنه لما سافر حسن أقامت زوجته يوماً وثانياً مع أمه وقالت لها في اليوم الثالث: سبحان الله هل أقعد معه ثلاث سنين ما أدخل الحمام وبكت فرقت أمه لحالها وقالت لها: يا ابنتي نحن غرباء وزوجك ما هو في البلد فلو كان حاضراً كان يقوم بخدمتك أما أنا فلا أعرف أحداً ولكن يا بنتي اسخن لك الماء واغسل رأسك في حمام البيت.

فقالت لها: يا سيدتي لو قلت هذا القول لبعض الجواري كانت طلبت البيع في السوق وما كنت تقعد عندكم ولكن يا سيدتي إن الرجال معذورون فإن عندهم غيرة وعقولهم تقول لهم إن المرأة إذا خرجت من بيتها ربما تعمل فاحشة والنساء يا سيدتي ما كلهن سواء وأنت تعرفين أن المرأة إذا كان لها غرض في شيء ما يغلبها أحد ولا يقدر أن يحرص عليها ولا يصونها ولا يمنعها من الحمام ولا غيره ولا من أن تعمل كل ما تختاره ثم إنها بكت ودعت على نفسها وصارت تعدد على نفسها وغربتها فرقت لحالها أم زوجها وعلمت أن كل ما قالته لابد منه فقامت وهيأت حوائج الحمام التي يحتاجان إليها، وأخذتها وراحت إلى الحمام. فلما دخلتا الحمام قلعت ثيابها فصار النساء جميعاً ينظرن ويسبحن الله عز وجل ويتأمل فيما خلق من الصورة البهية وصار كل من جاز من النساء على الحمام يدخل ويتفرج عليها وشاع في البلد ذكرها وازدحم النساء عليها وصار الحمام لا ينشق من كثرة النساء اللاتي فيه فاتفق بسبب ذلك الأمر العجيب أنه حضر إلى الحمام في ذلك اليوم جارية من جواري أمير المؤمنين هارون الرشيد ويقول لها تحفة العوادة فرأت النساء في زحمة والحمام لا ينشق من كثرة النساء والبنات فسألت عن الخبر فأخبرتها بالصبية فجاءت عندها ونظرت إليها وتأملت فيها فتحير عقلها من حسنها وجمالها وسبحت الله جل جلاله على ما خلق من الصور الملاح ولم تدخل ولم تغتسل وإنما صارت قاعدة وباهتة في الصبية إلى أن فرغت الصبية من الغسل وخرجت لبست ثيابها فزادت حسناً على حسنها.

فلما خرجت من الحرارة قعدت على البساط والمساند وصارت النساء ناظرات إليها فالتفتت إليهن وخرجت فقامت تحفة العوادة جارية الخليفة، وخرجت معها حتى عرفت بيتها وودعتها ورجعت إلى قصر الخليفة وما زالت سائرة حتى وصلت بين أيادي السيدة زبيدة وقبلت الأرض بين يديها فقالت السيدة زبيدة يا تحفة ما سبب إبطائك في الحمام فقالت يا سيدتي رأيت أعجوبة ما رأيت مثلها في الرجال ولا في النساء وهي التي شغلتني وأدهشت عقلي وحيرتني حتى أنني ما غسلت رأسي فقالت وما هي يا تحفة.

قالت يا سيدتي رأيت جارية في الحمام ومعها ولدان صغيران كأنهما قمران ما رأى أحد مثلها لا قبلها ولا بعدها في الدنيا بأسرها وحق نعمتك يا سيدتي إن عرفت بها أمير المؤمنين قتل زوجها وأخذها منه لأنه لا يوجد مثلها واحدة من النساء وقد سألت عن زوجها فقيل بأنه رجل تاجر اسمه حسن البصري وتبعتها عند خروجها من الحمام إلى أن دخلت بيتها فرأيته بيت الوزير الذي له بابان باب من جهة البحر وباب من جهة البر وأنا أخاف يا سيدتي أن يسمع بها أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جارية أمير المؤمنين لما رأت زوجة حسن البصري ووصفت حسنها للسيدة زبيدة وقالت يا سيدتي أني أخاف أن يسمع أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها فقالت السيدة زبيدة ويلك يا تحفة هل بلغت هذه الجارية من الحسن والجمال أن أمير المؤمنين يبيع دينه بدنياه ويخالف الشرع لأجلها والله لا بد لي من النظر إلى هذه الصبية فإن لم تكن كما ذكرت أمرت بضرب عنقك يا فاجرة إن في سراية أمير المؤمنين ثلثماية وستين جارية بعدد أيام السنة ما فيهن واحدة بالصفات التي تذكرينها فقالت يا سيدتي لا والله ولا في بغداد بأسرها مثلها بل ولا في العجم ولا في العرب ولا في خلق الله عز وجل مثلها.

فعند ذلك دعت السيدة زبيدة بمسرور فحضر وقبل الأرض بين يديها فقالت له يا مسرور اذهب إلى دار الوزير التي ببابين باب على البحر وباب على البر وائت بالصبية التي هناك هي وأولادها والعجوز التي عندها بسرعة ولا تبطئ فقال مسرور السمع والطاعة فخرج من بين يديها حتى وصل إلى باب الدار فطرق الباب فخرجت له العجوز أم حسن وقالت من بالباب فقال لها مسرور خادم أمير المؤمنين ففتحت الباب ودخل فسلم عليها وسلمت عليه وسألته عن حاجته فقال لها إن السيدة زبيدة بنت القاسم زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد السادس من بني العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم تدعوك إليها وزوجة ابنك وأولادك فأن النساء أخبرنها عنها وعن حسنها.

فقالت أم حسن: يا مسرور نحن ناس غرباء وزوج البنت ولدي ما هو في البلد ولم يأمرني بالخروج أنا ولا هي لأحد من خلق الله تعالى وأنا أخاف أن يجري أمر ويحضر ولدي فيقتل روحه فمن إحسانك يا مسرور أن تكلفنا ما لا نطيق، فقال مسرور: يا سيدتي لو علمت أن في هذا خوف عليكم ما كلفتكم الرواح وإنما مراد السيدة زبيدة أن تنظرها وترجع فلا تخالفي تندمي وكما آخذكما أردكما إلى هنا سالمين إن شاء الله تعالى، فما قدرت أم حسن أن تخالفه فدخلت وهيأت الصبية وأخرجتها هي وأولادها وساروا خلف مسرور وهو قدامهم إلى قصر الخليفة فطلع بهم حتى أوقفهم قدام السيدة زبيدة فقبلوا الأرض بين يديها ودعوا لها والصبية مستورة الوجه. فقالت لها السيدة: أما تكشفين عن وجهك لأنظره فقبلت الصبية الأرض بين يديها وأسفرت عن وجه يخجل البدر في أفق السماء، فلما نظرتها شخصت إليها وسرحت فيها النظر وأضاء القصر من نور وجهها.

واندهشت زبيدة من حسنها، وكذلك كل من في القصر وصار كل من رآها مجنوناً لا يقدر أن يكلم أحداً ثم إن السيدة زبيدة قامت وأوقفت الصبية وضمتها إلى صدرها وأجلستها معها على السرير وأمرت أن يزينوا القصر ثم أمرت بأن يحضر لها بدلة من أفخر الملبوس وعقداً من أنفس الجواهر وألبست الصبية إياهما، وقالت لها يا سيدة الملاح أنك عجبتيني وملأت عيني، أي شيء عندك من الذخائر.

فقالت لها الصبية يا سيدتي لي ثوب ريش لو لبسته بين يديك لرأيت أحسن ما تتعجبين منه ويتحدث بحسنة كل من يراه جيلاً بعد جيل فقالت وأين ثوبك هذا قالت هو عند أم زوجي فاطلبيه لي منها فقالت السيدة زبيدة يا أمي بحياتي عندك أن تنزلي وتأتي لها بثوبها الريش حتى تفرجنا على الذي تفعله وخذيه ثانياً فقالت العجوز: يا سيدتي هذه كذابة هل رأينا أحداً من النساء له ثوب من الريش فهذا لا يكون إلا للطيور فقالت الصبية للسيدة: زبيدة وحياتك يا سيدتي لي عندها ثوب ريش، وهو في صندوق مدفون في الخزانة التي في الدار.

فقلعت السيدة زبيدة من عنقها عقد جوهر يساوي خزائن كسرى وقيصر وقالت لها يا أمي خذي هذا العقد وناولتها إياه وقالت لها: بحياتي أن تنزلي وتأتي بذلك الثوب لنتفرج عليه وخذيه بعد ذلك فحلفت لها أنها ما رأت هذا الثوب ولا تعرف له طريقاً فصرخت السيدة زبيدة على العجوز وأخذت منها المفتاح ونادت مسروراً فقالت له: خذ هذا المفتاح واذهب إلى الدار وافتحها، وادخل الخزانة التي بابها كذا وكذا، وفي وسطها صندوقاً فأخرجه واكسره وهات الثوب الريش الذي فيه وأحضره بين يدي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة زبيدة لما أخذت المفتاح من أم حسن وأعطته لمسرور وقالت له: خذ هذا المفتاح وافتح الخزانة الفلانية وأخرج منها الصندوق واكسره، وأخرج منه الثوب الريش الذي فيه وأحضره بين يدي فقال: سمعاً وطاعةً، ثم أنه تناول المفتاح من يد السيدة زبيدة وسار فقامت العجوز أم حسن وهي باكية العين، ندمانة على مطاوعة الجارية ورواحها الحمام معها ولم تكن الصبية طلبت الحمام إلا مكيدة، ثم إن العجوز دخلت هي ومسرور وفتحت باب الخزانة فدخل وأخرج الصندوق وأخرج منه القميص الريش ولفه معه في فوطة وأتى به إلى السيدة زبيدة، فأخذته وقبلته وتعجبت من حسن صناعته ثم ناولته لها وقالت لها: هل هذا ثوبك الريش.

قالت: نعم يا سيدتي ومدت الصبية يدها إليه وأخذته منها وهي فرحة ثم إن الصبية تفقدته فرأته صحيحاً كما كان عليه ولم يقع منه ريشة ففرحت به وقامت من جنب السيدة زبيدة وأخذت القميص وفتحته وأخذت أولادها في حضنها واندرجت فيه وصارت طيرة بقدرة الله عز وجل فتعجبت السيدة زبيدة من ذلك وكذلك كل من حضر وصار الجميع يتعجبون من فعلها ثم إن الصبية تمايلت وتمشت ورقصت ولعبت وقد شخص لها الحاضرون وتعجبوا من فعلها ثم قالت لهم بلسان يا سادتي هل هذا مليح.

فقال لها الحاضرون نعم يا سيدتي الملاح كل ما فعلته مليح ثم قالت: وهذا الذي أعمله أحسن منه يا سيدتي وفتحت أجنحتها وطارت بأولادها وصارت فوق القبة ووقفت على سطح القاعة فنظروا إليها بالأحداق وقالوا لها: والله هذه صنعة غريبة مليحة ما رأيناها قط ثم إن الصبية لما أرادت أن تطير إلى بلادها تذكرت حسناً وقالت اسمعوا يا سادتي وأنشدت هذه الأبيات:

يا من خلا عن ذي الـديار وسـار



نحو الحبائب مـسـرعـاً فـرارا

أظن أني فـي نـعـيم بـينـكـم



والعيش منكـم لـم يكـن أكـدارا

لما أسرت وصرت في شرك الهوى



جعل الهوى سجني وشط مـزارا

لما اختفى ثوبـي تـيقـن أنـنـي



لم ادع فيه الـواحـد الـقـهـارا

قد صار يوصي أمه بـحـفـاظـه



في مخدع وعداً عـلـي وجـارا

فسمعت ما قالوه ثم حـفـظـتـه



ورجـوت خـيراً زائداً مـدرارا

فرواحي الحـمـام كـان وسـيلة



حتى غدت في العقـول حـيارى

وتعجبت عرس الرشيد لبهجتي



إذ شاهدتنـي يمـنة ويسـارا

ناديت يا امرأة الخليفة إن لـي



ثوباً من الريش العلي فخـارا

لو كان فوقي تنظرين عجائبـاً



تمحوا العنا وتـبـدد الأكـدارا

فاستفسرت عرس الخليفة أين ذا



فأجبت في دار الذي قـد دار

فانقض مسرور وأحضره لهـا



وإذا به قـد أشـرق الأنـوارا

فأخذته من كفه وفـتـحـتـه



ورأيت منه الجـيب والأزرارا

فدخلت فيه ثم أولادي مـعـي



وفردت أجنحتي وطرت فرارا

يا أم زوجي أخبـريه إذا أنـي



إن حب وصلي فليفـارق دارا

فلما فرغت من شعرها قالت لها السيدة زبيدة أما تنزلين عندنا حتى نتملى بحسنك يا سيدة الملاح فسبحان من أعطاك الفصاحة والصباحة قالت هيهات أن يرجع ما فات ثم قالت لأم الحزين المسكين: والله يا سيدتي يا أم حسن إنك توحشيني فإذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب والتلاق وهزته أرياح المحبة والأشواق فليجئني إلى جزائر واق الواق، ثم طارت هي وأولادها وطلبت بلادها فلما رأت أم حسن ذلك بكت ولطمت وجهها حتى غشي عليها.

فلما أفاقت قالت لها السيدة زبيدة يا سيدتي الحاجة ما كنت أعرف أن هذا يجري ولو كنت أخبرتيني به ما كنت أتعرض لك وما عرفت أنها من الجن الطيارة إلا في هذا الوقت ولو عرفت أنها على هذه الصفة ما كنت مكنتها من لبس الثوب ولا كنت أخليها تأخذ أولادها ولكن يا سيدتي اجعليني في حلٍ فقالت العجوز وما وجدت في يدها حيلةٌ أنت في حل، ثم خرجت من قصر الخلافة ولم تزل سائرة حتى دخلت بيتها وصارت تلطم على وجهها حتى غشي عليها فلما أفاقت من غشيتها استوحشت إلى الصبية والى أولادها والى رؤية ولدها ثم قامت وحفرت في البيت ثلاثة قبورٍ وأقبلت عليها بالبكاء آناء الليل وأطراف النهار وحين طالت غيبة ولدها وزاد بها القلق والشوق والحزن أنشدت هذه الأبيات:

خيالك بين طابقة الـجـفـون



وذكرك في الخوافق والسكون

وحبك قد جرى في العظم منى



كجري الماء في ثمر الغصون

ويوم لا أراك يضيق صـدري



وتعذرني العواذل في شجوني

أيا من قد تملـكـنـي هـواه



وزاد على محبته جـنـونـي

خف الرحمن في وكن رحيمـاً



هواك أذاقني ريب المـنـون

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أم حسن صارت تبكي آناء الليل وأطراف النهار لفراق ولدها وزوجته وأولادها هذا ما كان من أمرها وأما ما كان من أمر ولدها حسن فإنه لما وصل إلى البنات، حلفن عليه أن يقيم عندهن ثلاثة أشهرٍ ثم بعد ذلك جهزن له المال وهيأن له عشرة أحمالٍ خمسة من الذهب وخمسة من الفضة وهيأن له من الزاد حملاً واحداً وسفرنه وخرجن معه فحلف عليهن أن يرجعن فأقبلن على عناقه من أجل التوديع، فتقدمت إليه البنت الصغيرة وعانقته وبكت حتى غشي عليها وأنشدت هذين البيتين:

متى تنطفي نار الفراق بقربكـم



ويقضي بكم ربي ونبقى كما كنا

لقد راعني يوم الفراق وضر بي



وقد زادني التوديع يا سادتي هنا

ثم تقدمت البنت الثانية وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

وداعك مثل وداع الحياة



وفقدك يشبه فقد النـديم

وبعدك نارٌ كوت مهجتي



وقربك فيه جنات النعيم

ثم تقدمت البنت الثالثة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

ما تركنا الوداع يوم افترقـنـا



عن ملال ولا لوجه قـبـيح

أنت روحي على الحقيقة قطعاً



كيف أختار أن أودع روحـي

ثم تقدمت البنت الرابعة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

هو ذلك الدرر الذي أودعـتـه



في مسمعي أجريته من مدمعي

لم يبكني إلا حـديث فـراقـه



لما أسر بـه إلـى دمـوعـي

ثم تقدمت البنت الخامسة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

لا ترحلن فما لي عنكـم جـلـدٌ



حتى أطيق به توديع مرتـحـل

ولا من الصبر ما ألقى الفراق به



ولا من الدمع ما أذري على طلل

ثم تقدمت البنت السادسة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

قد قلت مذ سار السباق بهم



والشوق ينهب مهجتي نهبا

لو كان لي ملك أصول به



لأخذت كل سفينة غصبـا

ثم تقدمت البنت السابعة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

إذا رأيت الوداع فاصبر



ولا يهولنك الـبـعـاد

وانتظر العود عن قريبٍ



فإن قلب الوداع غادرا

ثم إن حسناً ودعهن وبكى إلى أن غشي عليه بسبب فراقهم وأنشد هذه الأبيات:

ولقد جرت يوم الفراق سوافـحـي



درراً نظمت عقودها من أدمعـي

وحدا بهم حادي الركاب فلـم أجـد



جلداً ولا صبراً ولا قلبي مـعـي

ودعتهم ثم انثـنـيت بـحـسـرة



وتركت أنس معاهـدي والأربـع

فرجعت لا أدري الطريق ولم تطب



نفسي أني أراك بـمـرجـعـي

يا صاحبي أنصت لأخبار الـهـوى



حاشى لقلبك أن أقـول ولا يعـي

يا نفس منذ فارقتهن فـفـارقـي



طيب الحياة وفي البقاء لا تطمعي

ثم أنه جد في المسير ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى بغداد دار السلام وحرم الخلافة العباسية ولم يدر بالذي جرى بعد سفره فدخل الدار على والدته وسلم عليها فرآها قد انتحل جسمها ورق عظمها من كثرة النواح والسهر والبكاء والعويل حتى صارت مثل الخلال ولم تقدر أن ترد الكلام فصرف النجائب وتقدم إليها فلما رآها على تلك الحالة قام في الدار، وفتش على زوجته وعلى أولادها فلم يجد لهم أثراً ثم إنه نظر في الخزانة فوجدها مفتوحة والصندوق مفتوحاً ولم يجد فيه الثوب، فعند ذلك عرف أنها تمكنت من الثوب الريش وأخذته وطارت وأخذت أولادها معها فرجع إلى أمه فرآها قد أفاقت من غشيتها فسألها عن زوجته وعن أولادها فبكت وقالت: يا ولدي عظم الله أجرك فيهم وهذه قبورهم الثلاثة، فلما سمع كلام أمه صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه واستمر كذلك من أول النهار إلى الظهر فازدادت أمه غماً على غمها وقد يئست من حياته فلما أفاق بكي، ولطم على وجهه وشق ثيابه وصار دائراً في الدار متحيراً ثم أنشد هذين البيتين:

شكا ألم الفراق الناس قبلـي



وروع بالنوى حي ومـيت

وأما مثل ما ضمت ضلوعي



فأني لا سمعـت ولا رأيت

فلما فرغ من شعره أخذ سيفه وسله وجاء إلى أمه وقال لها، إن لم تعلميني بحقيقة الحال ضربت عنقك وقتلت روحي فقالت له: يا ولدي لا تفعل ذلك وأنا أخبرك، ثم قالت له أغمد سيفك واقعد حتى أحدثك بالذي جرى، فلما أغمد سيفه وجلس إلى جانبها أعادت عليه القصة من أولها إلى آخرها وقالت له: يا ولدي لولا أني رأيتها بكت على طلب الحمام، وخفت منك أن تجيء وتشكو إليك فتغضب على ما كنت ذهبت بها إليه، ولولا أن السيدة زبيدة غضبت علي أخذت مني المفتاح قهراً ما كنت أخرجت الثوب ولو كنت أموت ويا ولدي أنت تعرف أن يد الخلافة لا تطاولها يد، فلما أحضروا لها الثوب أخذته وقبلته وكانت تظن أنه فقد منه شيء ففرحت وأخذت أولادها وشدتهم في وسطها ولبست الثوب الريش بعد ما قلعت لها الست زبيدة كل ما عليها إكراماً لها ولجمالها فلما لبست الثوب الريش انتفضت وصارت طيرة ومشت في القصر وهم ينظرون إليها ويتعجبون من حسنها وجمالها ثم طارت وصارت فوق القصر وبعد ذلك نظرت إلي وقالت لي إذا جاء ولدك وطالت عليه ليالي الفراق واشتهى القرب مني والتلاق وهزته رياح المحبة والأشواق فليفارق وطنه ويذهب إلى جزائر واق الواق، هذا ما كان من حديثهما في غيبتك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 47 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما سمع كلام أمه حين حكت له جميع ما فعلت زوجته وقت ما طارت صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشياً عليه ولم يزل كذلك إلى آخر النهار فلما أفاق لطم على وجهه وصار يتقلب على الأرض مثل الحية فقعدت أمه تبكي عند رأسه إلى نصف الليل فلما أفاق من غشيته بكى بكاء عظيماً، وأنشد هذه الأبيات:

قفوا وانظروا حال الذي تهجرونه



لعلكم بعد الجفاء ترحـمـونـه

فان تنظروه تنكروه لسـقـمـه



كأنكم واللـه لا تـعـرفـونـه

وما هو إلا ميت في هـواكـم



يعد من الأمـوات إلا أنـينـه

ولا تحسبوا أن التـفـرق هـين



يعز على المشتاق والموت دونه

فلما فرغ من شعره قام وجعل يدور في البيت وينوح ويبكي وينتحب مدة خمسة أيام لم يذق فيها طعاماً ولا شراباً فقامت إليه أمه وحلفته وأقسمت عليه أن يسكت من البكاء فما قبل كلامها وما زال يبكي وينتحب وأمه تسليه وهولا يسمع منها شيئاً وما زال حسن على هذه الحالة يبكي إلى الصباح ثم غفلت عيناه فرأى زوجته حزينة وهي تبكي فقام من نومه وهو يصرخ وأنشد هذين البيتين:

خيالك عندي لـيس يبـرح سـاعة



جعلت له في القلب أشرف موضع

ولو رجاء الوصل ما عشت لحـظة



ولولا خيال الطيف لم أتـهـجـع

فلما أصبح زاد نحيبه وبكاؤه ولم يزل باكي العين حزين القلب ساهر الليل قليل الأكل واستمر على هذه الحالة مدة شهر كامل فلما مضى ذلك الشهر خطر بباله أنه يسافر إلى أخواته لأجل أن يساعدنه على قصده من حصولها فأحضر النجائب ثم حمل خمسين هجينة من تحف العراق وركب واحدة منها ثم أوصى والدته على البيت وأودع جميع حوائجه إلا قليلاً أبقاه في الدار وسار متوجهاً إلى أخواته لعله أن يجد عندهن مساعدة على اجتماع زوجته ولم يزل سائراً حتى وصل إلى قصر البنات في جبل السحاب فلما دخل عليهن قدم إليهن الهدايا ففرحن بها وهنينه بالسلامة وقلن له يا أخانا ما سبب مجيئك بسرعة وما لك غير شهرين فبكى وأنشد هذه الأبيات:

أرى النفس في فكر لفقد حبيبها



فلا تتهنى بالحياة وطـيبـهـا

سقامي داء ليس يعرف طيبـه



وهل يبرئ الأسقام غير طيبها

فيا مانعي طيب المنام تركتنـي



اسائل عنك الريح عند هبوبها

قريبة عهد من حبيبي وقد حوى



محاسن تدعو مقلتي لحبيبهـا

فيا أيها الشخص والملم بأرضه



عسى نفحة تحيا القلوب بطيبها

فلما فرغ من شعره صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه وقعدت البنات حوله يبكين عليه حتى أفاق من غشيته فلما أفاق أنشد هذين البيتين:

عسى وأمل الدهر يلوي عنـانـه



ويأتيني بحبيبي والزمان غـيور

ويسعدني دهري فتنقضي حوائجي



وتحصل من بعد الأمور أمـور

فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:

أفي العشق والتبريح دنتم كمادنـا



وهل ودنا منكم كما ودكم مـنـا

ألا قاتل الله الـهـوى مـا أمـره



فيا ليت شعري ما يريد الهوى منا

وجوهكم الحسنى وإن شطت النوى



تمثل في أبصارنا أينـمـا كـنـا

فقلبي مشغول بتذكـار حـبـكـم



ويطربني صوت الحمام إذا غنى

ألا يا حـمـامـاً يدعـو ألـيفـه



لقد زدتني شوقاً وأصحبتني حزنا

تركت جفوني لا تمل من البـكـا



على سادة غابوا برؤيتهم عـنـا

أحن إليهـم كـل وقـت سـاعةٍ



وأشتاق في الليل إليهم إذا جـنـا

فلما سمعت كلامه أخته خرجت إليه فرأته راقداً مغشياً عليه فصرخت ولطمت فسمعها أخواتها فخرجن إليها فرأين حسناً راقداً مغشياً عليه فاحتطن به وبكين عليه ولم يخف عليهن حين رأينه ما حل به من الوجد والهيام والشوق والغرام فسألنه عن حاله فبكى وأخبرهن بما جرى في غيابه حيث طارت زوجته وأخذت أولادها معها فحزن عليها وسألنه عن الذي قالت عندما راحت قال يا أخواتي إنها قالت لوالدتي قولي لولدك إذ جاء وطالت عليه ليالي الفراق واشتهى القرب مني وهزته أرياح المحبة والأشواق فليجئ إلى جزائر واق الواق. فلما سمعن كلامه تغامزن وتذاكرن وصارت كل واحدة تنظر إلى أختها وحسن ينظر إليهن ثم أطرقن رؤوسهن إلى الأرض ساعة وبعد ذلك رفعنها وقلن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قلن له امدد يدك إلى السماء فان وصلت إلى السماء تصل إلى زوجتك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البنات لما قلن لحسن امدد يدك إلى السماء فإذا وصلت إليها تصل إلى زوجتك وأولادك جرت دموعه على خديه مثل المطر حتى بلت ثيابه وأنشد هذه الأبيات:

قد هيجتني الخدود الحمـر والـحـدق



وفارق الصبر لـمـا أقـبـل الأرق

بيض نواعم أضنت بالجفـا جـسـدي



لم يبق منه لا يصار الـورى رمـق

جور يميس كغزلان النقـا سـفـرت



عن بهجة لو رآها الأولياء عـلـقـوا

يمشين مثل نسيم الأرض في سـحـر



يعشقهن عـراء الـهـم والـقـلـق

علقت منـهـم آمـالـي بـغـانـية



قلبي لها بلظى الـنـيران يحـتـرق

خدود نـاعـمة الأطـراف مــائسة



في وجهها الصبح وفي شعرها الغسق

قد هيجتني وكم في الحب من نـطـق



قد هيجته جفون البـيض والـحـدق

فلما فرغ من شعره بكى وبكت البنات لبكائه وأخذتهن الشفقة والغيرة عليه وصرن به يصبرنه ويقمن له بجميع الضمل فأقبلت عليه أخته وقالت له يا أخي طب نفساً وقر عيناً واصبر تبلغ مرادك فمن صبر نال ما تمنى والصبر مفتاح الفرج فقد قال الشاعر:

دع المقادير تجري في أعنتها



ولا تبيتن إلا خالي الـبـال

ما بين غمضة عين وانتباهتها



يغير الله من حال إلى حال

ثم قالت له قو قلبك وشدد عزمك فان ابن عشرة لا يموت وهو في التاسعة والبكاء والحزن يمرض ويسقم واقعد عندنا تستريح وأنا أتحيل لك في الوصول إلى زوجتك وأولادك إن شاء الله تعالى وبكى بكاءً شديداً وأنشد هذين البيتين:

لئن عوفيت من مرض بجسمي



فما عوفيت بمرض بقلـبـي

وليس دواء أمراض التصابـي



سوى وصل الحبيب مع المحب

ثم جلس إلى جانب أخته وصارت تحدثه وتسليه عن الذي كان سبباً في رواحها فأخبرها عن سبب ذلك فقالت له والله يا أخي إني أردت أن أقول لك أحرق الثوب الريش فإنساني الشيطان ذلك وصارت تحدثه وتلاطفه فلما طال عليه الأمر زاد به القلق وأنشد هذه الأبيات:

تمكن من قلبي حبيب ألـفـتـه



وليس لما قد قدر الله مـدفـع

من العرب قد حاز الملاحة كلها



غزال ولكن في فؤادي يرتـع

لئن عز صبري في هواه وحيلتي



بكيت على أن البكا ليس ينفـع

مليح له سبع وسـبـع كـأنـه



هلالٌ له خمس وخمس وأربـع

فلما نظرت أخته إلى ما فيه من الوجد والهيام وتباريح الهوى والغرام قامت إلى أخواتها وهي باكية العين حزينة القلب وبكت بين أيديهن ورمت نفسها عليهن وقبلت أقدامهن وسألتهن مساعدة أخيها على قضاء حاجته واجتماعه بأولاده وزوجته وعاهدتهن على أن يدبرن أمراً يوصله إلى جزائر واق الواق وما زالت تبكي بين يدي أخواتها حتى أبكتهن وقلن لها طيبي قلبك بأننا مجتهدات في اجتماعه بأهله إن شاء الله تعالى ثم إنه قام عندهن سنة كاملة وعينه لم تمسك عن الدموع وكان لأخواتها عم أخو والدهن شقيقه وكان اسمه عبد القدوس وكان يحب البنت الكبيرة محبة كثيرة وكان في كل سنة يزورها مرة واحدة ويقضي حوائجها وكانت البنات قد حدثته بحديث حسن وما وقع له مع المجوس وكيف قدر على قتله ففرح عمهن بذلك ودفع للبنت الكبيرة صرة فيها بخور وقال لها يا بنت أخي إذا أهمك أمراً ونالك مكروه أو عرضت لك حاجة فألق هذا البخور في النار واذكريني فأنا أحضر لك بسرعة وأقضي حاجتك وكان هذا الكلام في أول يوم من السنة.

فقالت البنت لبعض أخواتها إن السنة قد مضت بتمامها وعمي لم يحضر قومي اقدحي الزناد وائتني بعلبة البخور فقامت وهي فرحانة وأحضرت علبة البخور وفتحتها وأخذت منها شيء يسير وناولته لأختها فأخذته ورمته في النار وذكرت عمها فما فرغ البخور وإلا غبرة قد ظهرت من صدر الوادي ثم بعد ساعة انكشف الغبار فبان من تحته شيخ راكب على فيل وهو يصيح من تحته فلما نظرته البنات صار يشير إليهن بيديه ورجليه ثم بعد ساعة وصل إليهن فنزل عن الفيل ودخل عليهن فعانقنه وقبلن يديه وسلمن عليه ثم إنه جلس وصارت البنات يتحدثن معه ويسألنه عن غيابه. فقال إني كنت في هذا الوقت جالساً أنا وزوجة عمكن فشممت البخور فحضرت إليكن على هذا الفيل فما تريدين يا بنت أخي؟ فقالت يا عم إننا اشتقنا إليك وقد مضت السنة وما عادتك أن تغيب عنا أكثر من سنة فقال لهن إني مشغولاً وكنت عزمت على أن أحضر إليكن غداً فشكرنه ودعون له وقعدن يتحدثن معه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البنات قعدن يتحدثن مع عمهن قالت البنت الكبيرة يا عمي إننا كنا حدثناك بحديث حسن البصري الذي جاء به بهرام المجوسي وكيف قتله وحدثناك بالصبية بنت الملك الأكبر التي أخذها وما قاس من الأمور الصعاب والأهوال وكيف اصطاد بنت الملك وتزوج بها وكيف سافر إلى بلاده قال نعم فما حدث له بعد هذا قالت له إنها غدرت به وقد رزق منها بولدين فأخذتهما وسافرت بهما إلى بلادها وهو غائب وقالت لأمه إذا حضر ولدك وطالت عليه ليالي الفراق وأراد مني القرب والتلاقي به وهزته رياح المحبة والاشتياق فليجئني إلى جزائر واق الواق، فحرك رأسه وعض على إصبعه ثم أطرق رأسه إلى الأرض وصار ينكث في الأرض بإصبعه ثم التفت يميناً وشمالاً وحرك رأسه وحسن ينظره وهو متوار عنه.

فقالت البنات لعمهن رد علينا الجواب فقد تفتت منا الأكباد فهز رأسه إليهن وقال لهن يا بناتي لقد أتعب هذا الرجل نفسه ورمى روحه في هول عظيم وخطر جسيم فإنه لا يقدر أن يقبل على جزائر واق الواق فعند ذلك نادت البنات حسناً فخرج إليهن وتقدم الشيخ عبد القدوس وقبل يده وسلم عليه ففرح به وأجلسه بجانبه فقالت البنات لعمهن يا عم بين لأخينا حقيقة ما قلته فقال له يا ولدي اترك عنك هذا العذاب الشديد فإنك لا تقدر أن تصل إلى جزائر واق الواق ولو معك الجن الطيارة والنجوم السيارة لأن بينك وبين الجزائر سبع أودية وسبع بحار وسبع جبال عظام وكيف أن تصل إلى هذا المكان ومن يصلك إليه بالله عليك أن ترجع من قريب ولا تتعب نفسك.

فلما سمع حسن كلام الشيخ عبد القدوس بكى حتى غشي عليه وقعدت البنات حوله يبكين لبكائه وأما البنت الصغيرة فإنها شقت ثيابها ولطمت على وجهها حتى غشي عليها فلما رآهم الشيخ عبد القدوس على هذه الحالة من الهم والوجد والحزن رق لهم وأخذته الرأفة عليهم فقال اسكتوا ثم قال لحسن طيب قلبك وأبشر بقضاء حاجتك إن شاء الله تعالى ثم قال يا ولدي قم وشد حيلك واتبعني فقام حسن على حيله بعد أن ودع البنات وتبعه وقد فرح بقضاء حاجته ثم إن الشيخ عبد القدوس استدعى الفيل فحضر فركبه وأردف حسناً خلفه وسار به مدة ثلاثة أيام بلياليها مثل البرق الخاطف حتى وصل جبل عظيم أزرق وفي ذلك الجبل مغارة عليها باب من الحديد الصيني.

فأخذ الشيخ بيد حسن وأنزله ثم نزل الشيخ وأطلق الفيل ثم تقدم إلى باب المغارة وطرقه فانفتح الباب وخرج إليه عبد أسود أحرود كأنه عفريت وبيده اليمنى سيف والأخرى ترس من بولاد فلما نظر الشيخ عبد القدوس رمى السيف والترس من يده وتقدم إلى الشيخ عبد القدوس وقبل يده ثم أخذ الشيخ بيد حسن ودخل هو وإياه وقفل العبد الباب خلفهما فرأى حسن المغارة كبيرة واسعة جداً أولها دهليز معقود ولم يزالوا سائرين مقدار ميل ثم انتهى بهم السير إلى فلاة عظيمة وتوجهوا إلى ركن فيه بابان عظيمان مسبوكان من النحاس الأصفر ففتح الشيخ عبد القدوس باباً منهما ودخل ورده وقال لحسن اقعد على هذا الباب واحذر أن تفتحه وتدخل حتى أدخل وأرجع إليك عاجلاً. فلما دخل الشيخ غاب مدة ساعة فلكية ثم خرج ومعه حصان ملجم إن سار طار وإن طار لم يلحقه غبار فقدمه الشيخ لحسن وقال له اركب، ثم إن الشيخ فتح الباب الثاني فبان منه برية واسعة فركب حسن الحصان وخرج الاثنان من الباب وسار في تلك البرية، فقال الشيخ لحسن: يا ولدي خذ هذا الكتاب وسر على الحصان إلى الموضع الذي يوصلك إليه فإذا نظرته وقف على مغارة مثل هذه فانزل عن ظهره وأجعل عنانه في قربوس السرج وأطلقه فإنه يدخل المغارة فلا تدخل معه وقف على باب المغارة مدة خمسة أيام ولا تضجر فإنه في اليوم السادس يخرج إليك شيخ أسود عليه لباس أسود وذقنه طويلة نازلة إلى سرته، فإذا رأيته فقبل يديه وامسك ذيله واجعله على رأسك وابك بين يديه حتى يرحمك فإنه يسألك عن حاجتك فإذا قال لك ما حاجتك فادفع إليه هذا الكتاب فإنه يأخذه منك ولا يكلمك ويدخل ويخليك فقف مكانك خمسة أيام أخرى ولا تضجر، وفي اليوم السادس انتظره فإنه يخرج إليك فإن خرج إليك بنفسه فأعلم أن حاجتك تقضى وإن خرج إليك أحد من غلمانه فأعلم أن الذي خرج إليك يريد قتلك والسلام، وأعلم يا ولدي أن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ عبد القدوس لما أعطى حسناً الكتاب أعلمه بما يحصل وقال له إن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه، فان كنت تخاف على نفسك فلا تلقي بها إلى الهلاك وإن كنت لا تخاف فدونك وما تريد فقد بينت لك الأمور، وإن شئت الرواح لصواحبك فهذا الفيل حاضر فانه يسير بك إلى بنات أخي وهن يوصلنك إلى بلادك ويرددنك إلى وطنك ويرزقك الله خيراً من البنت التي تعلقت بها.

فقال حسن للشيخ: وكيف تطيب لي الحياة من غير أن أبلغ مرادي، والله إني لا أرجع أبداً حتى أبلغ مرادي من حبيبتي أو تدركني منيتي، ثم بكى وأنشد هذه الأبيات:

على فقد حبي مع تزايد صبـوتـي



وقفت أنـادي بـانـكـسـار وذلة

وقبلت تراب الربع شوقـاً لأجـلـه



ولم يجدني إلا تـزايد حـسـرتـي

رعى الله من باتوا وفي القلب ذكرهم



فوصلت آلامي وفارقـت لـذتـي

يقولون لي صبراً وقد رحـلـوا بـه



وقد أضرموا يوم الترحل زفرتـي

وما راعنـي إلا الـوداع وقـولـه



إذا غبت فاذكرني ولا تنسى صحبتي

لمن ألتجي من أرتجي بعد فقـدهـم



وكانوا رجائي في رخائي وشدتـي

فوا حسرتي لما رجعـت مـودعـاً



وسرت عداي المبغضون برجعتـي

فوا أسفا هذا الذي كـنـت حـاذراً



ويا لوعتي زيدي لهيباً بمهـجـتـي

فإن غاب أحبابي فلا أعيش بعدهـم



وإن رجعوا يا فرحتي ومسـرتـي

فوالله لم ينفض دمعي من الـبـكـا



على فقدهم بل عبرة بعـد عـبـرة

فلما سمع الشيخ عبد القدوس إنشاده وكلامه علم أنه لا يرجع عن مراده وأن الكلام لا يؤثر فيه وتيقن أنه لا بد أن يخاطر بنفسه ولو تلفت مهجته فقال: اعلم يا ولدي أن جزائر واق الواق سبع جزائر فيها عسكر عظيم وذلك العسكر كله بنات أبكار وسكان الجزائر الجوانية شياطين ومردة وسحرة وأرهاط مختلفة وكل من دخل أرضهم لا يرجع وما حصل إليهم أحد قط ورجع، فبالله عليك أن ترجع إلى أهلك من قريب وأعلم أن البنت التي قصدتها بنت ملك هذه الجزائر كلها وكيف تقدر أن تصل إليها، فاسمع مني يا ولدي ولعل الله يعوضك خيراً منها.
فقال: والله يا سيدي لو قطعت في هواها إرباً إرباً ما ازددت إلا حباً وطرباً ولا بد من رؤية زوجتي وأولادي والدخول في جزائر واق الواق وإن شاء الله ما أرجع إلا بها وبأولادي، فقال له الشيخ عبد القدوس حينئذ: لا بد لك من السفر؟ فقال نعم وإنما أريد منك الدعاء بالإسعاف والإعانة لعل الله يجمع شملي بزوجتي وأولادي عن قريب، ثم بكى من عظم شوقه وأنشد هذه الأبيات:

أنتم مرادي وأنتم أحسن البشـر



أحلكم في محل السمع والبصر

ملكتم القلب مني وهو منزلكـم



وبعد سادتي أصبحت في كدر

فلا تظنوا انتقالي عن محبتكـم



فحبكم صير المسكين في حذر

غبتم فغاب سروري بعد غيبتـكـم



وأصبح الصفو عندي غاية الكدر

تركتموني أراعي النجم مـن ألـمٍ



أبكي بدمع يحاكي هاطل المطر

يا ليل طلت على من بات في قلق



من شدة الوجد يرعى طلعة القمر

إن جزت يا ريح حياً فيه قد نزلوا



بلغ سلامي لهم فالعمر في قصر

وقل لهم بعض ما لاقيت من ألـم



إن الأحبة لا يدرن عن خـبـري

فلما فرغ حسن من شعره بكى بكاءً شديداً حتى غشي عليه فلما أفاق قال له الشيخ عبد القدوس يا ولدي إن لك والدة فلا تذقها ألم فقدك فقال حسن للشيخ والله يا سيدي ما بقيت أرجع إلا بزوجتي أو تدركني منيتي ثم بكى وناح وأنشد هذه الأبيات:

وحتى الهوى ما غير البعد عهدكم



وما أنا بمن للـعـهـود يخـون

وعندي من الأشواق ما لو شرحته



إلى الناس قالوا قد عراه جنـون

فوجدٌ وحزنٌ وانتـحـاب لـوعةٍ



ومن حاله هذا فـكـيف يكـون

فلما فرغ من شعره علم الشيخ أنه لا يرجع عما هو فيه ولو ذهبت روحه فناوله الكتاب ودعا له وأوصاه بالذي يفعله وقال له قد أكدت لك في الكتاب على أبي الريش ابن بلقيس بنت معين فهو شيخي ومعلمي وجميع الإنس والجن يخضعون له ويخافون منه ثم قال له توجه على بركة الله تعالى فتوجه وقد أرخى عنان الحصان فطار به أسرع من البرق ولم يزل حسن مسرعاً بالحصان مدة عشرة أيام حتى نظر أمامه شبحاً عظيماً أسود من الليل قد سد ما بين المشرق والمغرب فلما قرب حسن منه صهل الحصان تحته فاجتمعت خيول كثيرة مثل المطر لا يحصى لها عدد ولا يعرف لها مدد وصارت تتمسح في الحصان فخاف حسن وفزع.

ولم يزل حسن سائراً والخيول حوله إلى أن وصل إلى المغارة التي وصفها له الشيخ عبد القدوس فوقف الحصان على بابها فنزل حسن من فوقه ووضع عنانه في سرجه فدخل الحصان المغارة ووقف حسن على الباب كما أمره الشيخ عبد القدوس وصار متفكراً في عاقبة أمره كيف يكون حيران ولهان لا يعلم الذي يجري له.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما نزل من فوق ظهر الحصان وقف على باب المغارة متفكراً في عاقبة أمره كيف يكون لا يعلم الذي يجري له ولم يزل واقفاً على باب المغارة خمسة أيام بلياليها وهو سهران حزنان حيران متفكراً حيث فارق الأهل والأوطان والأصحاب والخلان باكي العين حزين القلب ثم إنه تذكر والدته وتفكر فيما يجري له وفي فراق زوجته وأولاده فيما أساد فأنشد هذه الأبيات:

لديكم دواء القلب والقـلـب ذائبٌ



ومن سفح أجفاني دموع سواكب

فراق وحزن واشتـياق وغـربة



وبعد عن الأوطان والشوق غالب

وما أنا إلا عاشـق ذو صـبـابة



ببعد الذي يهدى دهته المصـائب

فإن كان عشقي قد رماني بنكـبة



فأي كريم لم تصبـه الـنـوائب

فما فرغ حسن من شعره إلا والشيخ أبو الريش قد خرج له وهو أسود وعليه لباس أسود فلما نظر حسن عرفه بالصفات التي أخبره بها الشيخ عبد القدوس فرمى نفسه عليه ومرغ خديه على قدميه وأمسك ذيله وحطه على رأسه وبكى قدامه فقال الشيخ أبو الريش ما حاجتك يا ولدي فمد يديه بالكتاب وناوله للشيخ أبي الريش فأخذه منه ودخل المغارة لم يرد عليه جواباً فقعد حسن في موضعه على الباب مثل ما قاله الشيخ عبد القدوس وهو يبكي وما زال قاعداً مكانه مدة خمسة أيام وقد ازداد به القلق واشتد به الخوف ولازمه الأرق فصار يبكي ويتضجر من ألم البعاد وكثرة السهاد، ثم أنشد هذه الأبيات:

سبحان جبار السـمـا



أن المحب لفي عنـا

من لم يذق طعم الهوى



لم يدر ما جهد البـلا

لو كنت أحبس عبرتي



لوجدت أنهار الدمـا

كم من صديق قد قسا



قلباً وأولع بالشـقـا

فإذا تعطف لامـنـي



فأقول ما بي من بكا

لكن ذهبـت لأرتـدي



فأصابني عين الردى

بكت الوحوش لوحشتي



وكذلك سكان الهـوى

ولم يزل حسن يبكي إلى أن لاح الفجر وإذا بالشيخ أبو الريش قد خرج إليه وهو لابس لباساً أبيض وأومأ إليه بيده أن يدخل فدخل حسن فأخذه الشيخ من يده ودخل به المغارة ففرح وأيقن أن حاجته قد قضيت ولم يزل الشيخ سائراً وحسن معه مقدار نصف نهار ثم وصلا إلى باب مقنطر عليه باب من البولاد ففتح الباب ودخل هو وحسن في دهليز معقود بحجارة من الجزع المنقوش بالذهب ولم يزالا سائرين حتى وصل إلى قاعة كبيرة مرخمة واسعة في وسطها بستان فيه من سائر الأشجار والأزهار والأثمار والأطيار على الأشجار تناغي وتسبح الملك القهار وفي القاعة أربعة لواوين يقابل بعضها بعضاً وفي كل ليوان مجلس فيه فسقية وعلى كل ركن من أركان كل فسقيه صورة سبع من الذهب وفي كل مجلس كرسي وعليه شخص جالس وبين يديه كتب كثيرة جداً وبين أيديهم مجاهر من ذهب فيها آثار وبخور وكل شيخ منهم بين يديه طلبته يقرؤون عليه الكتب.

فلما دخلا عليهم قاموا إليهما وعظموهما فأقبل عليهم وأشار لهم أن يصرفوا الحاضرين فصرفهم وقام أربعة مشايخ وجلسوا بين يدي الشيخ أبو الريش وسألوه عن حال حسن فعند ذلك أشار الشيخ أبو الريش إلى حسن وقال له حدث الجماعة بحديثك وبجميع ما جرى لك من أول الأمر إلى آخره فعند ذلك بكى حسن بكاءً شديداً بحديثه.

فلما فرغ حسن من حديثه صاحت المشايخ كلهم وقالوا هل هذا هو الذي أطلعه المجوسي إلى جبل السحاب والنسور وهو في جلد الجمل فقال لهم حسن نعم فأقبلوا على الشيخ أبي الريش وقالوا له يا شيخنا إن بهرام نحيل في طلوعه على الجبل وكيف نزل وما الذي وراء فوق الجبل من العجائب فقال الشيخ أبو الريش يا حسن حدثهم كيف نزلت وأخبرهم بالذي رأيته من العجائب فأعاد لهم ما جرى له من أوله إلى آخره وكيف ظفر به وقتله وكيف غدرت به زوجته وأخذت أولاده وطارت وبجميع ما قاساه من الأهوال والشدائد فتعجب الحاضرون مما جرى له أقبلوا على الشيخ أبي الريش وقالوا له يا شيخ الشيوخ والله إن هذا الشاب مسكين فعساك أن تساعده على خلاص زوجته وأولاده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما حكى للمشايخ قصته قالوا للشيخ أبي الريش هذا الشاب مسكين فعساك أن تساعده على خلاص زوجته وأولاده فقال لهم الشيخ أبو الريش يا أخواتي إن هذا أمر عظيم خطر وما رأيت أحداً يكره الحياة غير هذا الشاب وأنتم تعرفون أن جزائر واق الواق صعبة الوصول ما وصل إليها أحد إلا خاطر بنفسه وتعرفون قوتهم وأعوانهم وأنا حالف أني ما أدوس لهم أرضاً ولا أتعرض لهم في شيء وكيف يصل هذا إلى بنت الملك الأكبر ومن يقدر أن يوصله إليها أو يساعده على هذا الأمر.

فقالوا يا شيخ الشيوخ إن هذا الرجل أتلفه الغرام وقد خاطر بنفسه، وحضر إليك بكتاب أخيك الشيخ عبد القدوس فحينئذ يجب عليك مساعدته فقام حسن وقبل قدم أبي الريش ورفع ذيله ووضعه على رأسه وبكى وقال له سألتك بالله أن تجمع بيني وبين أولادي وزوجتي ولو كان في ذلك ذهاب روحي ومهجتي فبكى الحاضرون لبكائه وقالوا للشيخ أبي الريش اغتنم أجر هذا المسكين وافعل معه جميل لأجل أخيك الشيخ عبد القدوس فقال إن هذا الشاب مسكين ما يعرف الذي هو قادم عليه، ولكن نساعده على قدر الطاقة.

ففرح حسن لما سمع كلامه وقبل يديه وقبل أيادي الحاضرين واحداً بعد واحداً وسألهم المساعدة فعند ذلك أخذ أبو الريش ورقة ودواة وكتب كتاباً وختمه وأعطاه لحسن ودفع له خريطة من الآدم فيها بخور وآلات من نار من زناد وغيره وقال له احتفظ على هذه الخريطة ومتى وقعت في شدة فبخر بقليل منه واذكرني فإني أحضر عندك وأخلصك منها ثم أمر بعض الحاضرين أن يحضر له عفريتاً من الجن الطيارة في ذلك الوقت فحضر. فقال له الشيخ ما اسمك قال عبدك دهنش ابن فقطش فقال له أبو الريش: ادن مني فدنا منه فوضع الشيخ أبو الريش فاه على أذن العفريت وقال له: كلاماً فحرك العفريت رأسه ثم قال الشيخ لحسن: يا ولدي قم اركب على كتف هذا العفريت دهنش الطيار، فإذا رفعك إلى السماء، وسمعت تسبيح الملائكة في الجو فلا تسبح فتهلك أنت وهو فقال حسن لا أتكلم أبداً ثم قال له الشيخ يا حسن إذا سار بك فإنه يضعك ثاني يوم في وقت السحر على أرض بيضاء نقية مثل الكافور، فإذا وضعك هناك فامشي عشرة أيام وحدك حتى تصل إلى باب المدينة، فإذا وصلت إليها فادخل واسأل على ملكها، فإذا اجتمعت به فسلم عليه وقبل يده وأعطه هذا الكتاب، ومهما أشار إليك فافهمه.

فقال حسن سمعاً وطاعةً وقام مع العفريت وقام المشايخ ودعوا له ووصوا العفريت عليه فلما حمله العفريت على عاتقه ارتفع به إلى عنان السماء ومشى به يوماً وليلة حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، فلما كان الصبح وضعه في أرض بيضاء مثل الكافور وتركه وانصرف فلما أدرك حسن أنه على الأرض ولم يكن عنده أحد، سار في الليل والنهار مدة عشرة أيام إلى أن وصل إلى باب المدينة فدخل وسأل عن الملك فدلوه عليه وقالوا إن اسمه الملك حسون ملك أرض الكافور، وعنده من العسكر والجنود ما يملأ الأرض في طولها والعرض فاستأذن حسن فأذن له فلما دخل عليه وجده ملكاً عظيماً، فقبل الأرض بين يديه.

فقال له الملك ما حاجتك فقبل حسن الكتاب وناوله إياه فأخذه وقرأه ثم حرك رأسه ساعة، ثم قال لبعض خواصه: خذ هذا الشاب وأنزله في دار الضيافة، فأخذه وسار حتى أنزله هناك، فأقام بها مدة ثلاثة أيام في أكل وشرب وليس عنده إلا الخادم الذي معه فصار ذلك الخادم يحدثه ويؤانسه ويسأله عن خبره وكيف وصل إلى هذه الديار، فأخبره بجميع ما حصل له وكل ما هو فيه. وفي اليوم الرابع أخذه الغلام وأحضره بين يدي الملك فقال له يا حسن أنت قد حضرت عندي تريد أن تدخل جزائر واق الواق كما ذكر لنا شيخ الشيوخ يا ولدي أنا أرسلك في هذه الأيام إلا أن في طريقك مهالك كثيرة وبراري معطشة كثيرة المخاوف ولكن اصبر ولا يكون إلا خيراً فلا بد أن أتحيل وأوصلك إلى ما تريد إن شاء الله تعالى.

واعلم يا ولدي أن هنا عسكراً من الديلم يريدون الدخول في جزائر واق الواق مهيئين بالسلاح والخيل والعدد وما قدروا على الدخول ولكن يا ولدي لأجل شيخ الشيوخ أبي الريش أبي بلقيس بن معن ما أقدر أن أردك إليه إلا مقضي الحاجة، وعن قريب تأتي إلينا مراكب من جزائر واق الواق وما بقي لها إلا القليل فإذا حضرت واحدة منها أنزلتك فيها وأوصي البحرية عليك ليحفظوك ويرسلوك إلى جزائر واق الواق، وكل من سألك عن حالك وخبرك فقل له أنا صهر الملك حسون صاحب الكفور، وإذا رست المركب على جزائر واق الواق وقال لك الريس اطلع البر فاطلع ترى دكاً كثيرة في جميع جهات البر فاختر لك دكة واقعد تحتها ولا تتحرك.

فإذا جاء الليل ورأيت عسكر النساء قد أحاط بالبضائع، فمد يدك وامسك صاحبة هذه الدكة التي أنت تحتها واستجر بها، واعلم يا ولدي إذا جارتك قضيت حاجتك فتصل إلى زوجتك وأولادك وإن لم تجرك فاحزن على نفسك وأيأس من الحياة وتيقن هلاك نفسك، واعلم يا ولدي أنك مخاطر بنفسك ولا أقدر لك على شيء غير هذا والسلام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما قال له الملك حسون هذا الكلام وأوصاه بالذي ذكرناه وقال له أنا لا أقدر لك على شيء غير هذا قال بعد ذلك واعلم أنه لولا عناية رب السماء ما وصلت إلى هنا. فلما سمع حسن كلام الملك حسون بكى حتى غشي عليه فلما أفاق أنشد هذين البيتين:

لا بد من مـدة مـحـتـومة



فإذا انقضت أيامـهـا مـت

لو صارعتني الأسد في غاباتها



لقهرتها مـا دام لـي وقـت

فلما فرغ حسن من شعره قبل الأرض بين يدي الملك وقال له أيها الملك العظيم وكم بقي من الأيام حتى تأتي المراكب قال مدة شهر ويمكثون هنا لبيع ما فيها مدة شهرين، ثم يرجعون إلى بلادهم فلا تنتظر سفرك فيها إلا بعد ستة أشهر كاملة ثم إن الملك أمر حسن أن يذهب إلى دار الضيافة وأمر أن يحمل إليه كل ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وملبوس من الذي يناسب الملوك فأقام في دار الضيافة شهراً، وبعد الشهر حضرت المراكب، فخرج الملك والتجار وأخذ حسناً معه إلى المراكب، فرأى مركب فيها خلق كثير مثل الحصى ما يعلم عددهم إلا الذي خلقهم وتلك المركب في وسط البحر، ولها زوارق صغار تنقل ما فيها من البضائع إلى البر فأقام حسن عندهم حتى نزع أهلها البضائع منها إلى البر وباعوا واشتروا، وما بقي للسفر إلا ثلاثة أيام فأحضر حسناً بين يديه وجهز له ما يحتاج إليه وأنعم عليه إنعاماً عظيماً ثم بعد ذلك استدعى رئيس المركب وقال له خذ هذا الشاب معك في المركب ولا تعلم به أحداً وأوصله إلى جزائر واق الواق واتركه هناك ولا تأت به.

فقال الريس سمعاً وطاعةً ثم إن الملك أوصى حسناً وقال له لا تعلم أحداً من الذين معك في المركب بشيء من حالك ولا تطلع أحداً على قصتك فتهلك قال سمعاً وطاعةً ثم ودعه بعد أن دعا له بطول البقاء والدوام والنصر على جميع الحساد والأعداء وشكره الملك على ذلك ودعا له بالسلامة وقضاء حاجته ثم سلمه للريس فأخذه وحطه في صندوق وأنزله في قارب، ولم يطلعه في المركب إلا والناس مشغولون في نقل البضائع، وبعد ذلك سافرت المركب ولم تزل مسافرة مدة عشرة أيام.

فلما كان اليوم الحادي عشر وصلوا إلى البر فطلعه الريس من المركب فلما طلع من المركب إلى البر ورأى فيه دكاً لا يعلم عددها إلا الله، فمشى حتى وصل إلى دكة ليس لها نظير واختفى تحتها فلما أقبل الليل، جاء خلق كثير من النساء مثل الجراد المنشور وهن ماشيات على أقدامهن وسيوفهن مشهورة في أيديهن ولكنهن غائصات في الزرد فلما رأت النساء البضائع اشتغلن بها ثم بعد ذلك جلسن لأجل الاستراحة فجلست واحدة منهن على الدكة التي تحتها حسن فأخذ حسن طرف ذيلها وحطه فوق رأسه، ورمى نفسه عليها وصار يقبل يديها وقدميها وهو يبكي.

فقالت له يا هذا قم واقفاً قبل أن يراك أحد فيقتلك، فعند ذلك خرج حسن من تحت الدكة ونهض قائماً على قدميه وقبل يديها وقال لها يا سيدتي أنا في جيرتك، ثم بكى وقال لها: ارحمي من فارق أهله وزوجته وأولاده وبادر إلى الاجتماع بهم وخاطر بروحه ومهجته، فارحميني وأيقني أنك تؤجرين على ذلك بالجنة، وإن لم تقبليني فأسألك بالله العظيم الستار أن تستري علي.

فصار التجار شاخصين له وهو يكلمها، فلما سمعت كلامه ونظرت تضرعه رحمته ورق قلبها إليه وعلمت أنه ما خاطر بنفسه وجاء إلى هذا المكان إلا لأمر عظيم، فعند ذلك قالت لحسن: يا ولدي طب نفساً وقر عيناً وطيب قلبك وخاطرك وارجع إلى مكانك واختف تحت الدكة كما كنت أولاً إلى الليلة الآتية والله يفعل ما يريد، ثم ودعته ودخل حسن تحت الدكة كما كان ثم إن العساكر بتن يوقدون الشموع الممزوجة بالعود الند والعنبر الخام إلى الصباح.

فلما طلع النهار رجعت المراكب إلى البر واشتغل التجار بنقل البضائع والأمتعة إلى أن أقبل الليل وحسن مختف تحت الدكة باكي العين حزين القلب ولم يعلم بالذي قدر له في الغيب، فبينما هو كذلك إذ أقبلت عليه المرأة التاجرة التي كان استجار بها وناولته زردية وسيفاً وحياصاً مذهباً ورمحاً ثم انصرفت عنه خوفاً من العسكر، فلما رأى ذلك علم أن التاجرة ما أحضرت له هذه العدة إلا ليلبسها، فقام حسن ولبس الزردية وشد الحياصة على وسطه وتقلد بالسيف تحت إبطه وأخذ الرمح بيده وجلس على تلك الدكة ولسانه لم يغفل عن ذكر الله تعالى بل يطلب منه الستر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً لما أخذ السلاح الذي أعطته إياه الصبية التي استجار بها وقالت له اجلس تحت الدكة ولا تخل أحد يفهم حالك وتقلد به ثم جلس فوق الدكة ولسانه لم يغفل عن ذكر الله تعالى وصار يطلب من الله الستر، فبينما هو جالس إذ أقبلت المشاعل والفوانيس والشموع وأقبلت عساكر النساء واختلط بالعسكر وصار كواحدة منهن، فلما قرب طلوع الفجر توجهت العساكر وحسن معهن حتى وصلن إلى خيامهن ودخلت كل واحدة خيمتها فدخل حسن خيمة واحدة منهن وإذا هي خيمة صاحبته التي كان استجار بها، فلما دخلت خيمتها ألقت سلاحها وقلعت الزردية والنقاب وألقى حسن سلاحه فنظر إلى صاحبتها فوجدها زرقاء العينين كبيرة الأنف وهي داهية من الدواهي أقبح ما يكون في الخلق بوجه أجدر وحاجب أمعط وأسنان مكسرة وخدود معجرة وشعر شائب وفم بالريالة سائل وهي كما قال في مثلها الشاعر:

لها في زوايا الوجه تسع مصائب



فواحدة منهن تبدي جهـنـمـا

بوجه بشـيع ثـم ذات قـبـيحة



كصورة خنزير تراه مرمرمـا

وهي بذات معطاء كحية رقطاء، فلما نظرت العجوز إلى حسن تعجبت وقالت: كيف وصل هذا إلى هذه الدار وفي أي المراكب حضر وكيف سلم وصارت تسأله عن حاله وتتعجب من وصوله، فعند ذلك وقع حسن على قدميها ومرغ وجهه على رجليها وبكى حتى غشي عليه، فلما أفاق أنشد هذه الأبيات:

متى الأيام تسمـح بـالـتـلاقـي



وتجمع شملنا بـعـد الـفـراق

وأحظى بالذي أرضـاه مـنـهـم



عتاباً ينقـضـي والـود بـاقـي

لو أن النيل يجري مثـل دمـعـي



لما خلى على الدنـيا شـراقـي

وفاض على الحجاز وأرض مصر



كذلك الشام مع أرض الـعـراق

وذاك لأجل صـدك يا حـبـيبـي



ترفق بي وواعد بـالـتـلاقـي

فلما فرغ من شعره أخذ ذيل العجوز ووضعه فوق رأسه وصار يبكي ويستجير بها، فلما رأت العجوز احتراقه ولوعته وتوجعه وكربته حن قلبها إليه وأجارته وقالت له: لا تخف أبدا، ثم سألته عن حاله فحكى لها جميع ما جرى له من المبتدأ إلى المنتهى، فتعجبت العجوز من حكايته وقالت له: طيب قلبك وطيب خاطرك ما بقي عليك خوف وقد وصلت إلى مطلوبك وقضاء حاجتك إن شاء الله تعالى، ففرح حسن بذلك فرحاً شديداً، ثم إن العجوز أرسلت إلى قواد العسكر أن يحضروا وكان ذلك آخر يوم من الشهر، فلما حضروا بين يديها قالت لهم: اخرجوا ونادوا في جميع العسكر أن يخرجوا في غد بكرة النهار ولا يتخلف أحد منهم فإن تخلف أحد راحت روحه فقالوا سمعاً وطاعةً، ثم خرجوا ونادوا في جميع العسكر بالرحيل في غد بكرة النهار ثم عادوا وأخبروها بذلك فعلم حسن أنها رئيسة العسكر وصاحبة الرأي فيه وهي المقدمة عليه.

ثم إن حسناً لم يقلع السلاح من فوق بدنه في ذلك النهار وكان اسم تلك العجوز التي هو عندها شواهي وتكنى بأم الدواهي، فما فرغت العجوز من أمرها ونهيها ألا وقد طلع الفجر فخرج العسكر من أماكنه ولم تخرج العجوز معهم، فلما سار العسكر وخلت منه الأماكن قالت شواهي لحسن ادن مني يا ولدي فدنا منها ووقف بين يديها فأقبلت عليه وقالت له: ما السبب في مخاطرتك بنفسك ودخولك إلى هذه البلاد وكيف رضيت نفسك بالهلاك فأخبرني بالصحيح عن جميع شأنك ولا تخبئ عني منه شيئاً ولا تخف فإنك قد صرت في عهدي وقد أجرتك ورحمتك ورثيت لحالك فإن أخبرتني بالصدق أعنتك على قضاء حاجتك ولو كان فيها رواح الأرواح وهلاك الأشباح وحيث وصلت إلي ما بقي عليك بأس ولا أخلي أحداً يصل إليك بسوء أبداً من كل ما في جزائر واق الواق.

فحكى لها قصته من أولها إلى آخرها وعرفها بشأن زوجته وبالطيور وكيف اصطادها من بين العشرة وكيف تزوج بها ثم أقام معها حتى رزق منها بولدين وكيف أخذت أولادها وطارت حين عرفت طريق الثوب الريش ولم يخف من حديثه شيئاً من أوله إلى يومه الذي هو فيه فلما سمعت العجوز كلامه حركت رأسها وقالت سبحان الله الذي سلمك وأوصلك إلى هنا، وأوقعك عندي ولو كنت وقعت عند غيري كانت روحك راحت ولم تقض لك حاجة ولكن صدق نيتك ومحبتك وفرط شوقك إلى زوجتك وأولادك هو الذي أوصلك إلى حصول بغيتك ولولا أنك لها محب وبها ولهان ما كنت خاطرت بنفسك هذه المخاطرة والحمد لله على السلامة وحينئذ يجب علينا أن نقضي لك حاجتك ونساعدك على مطلوبك حتى تنال بغيتك عن قريب إن شاء الله تعالى ولكن اعلم يا ولدي أن زوجتك في الجزيرة السابعة من جزائر واق الواق ومسافة ما بيننا وبينها سبعة أشهر ليلاً ونهاراً فإننا نسير من هنا حتى نصل إلى أرض يقال لها أرض الطيور ومن شدة صياح الطيور وخفقان أجنحتها لا يسمع بعضنا كلام بعض.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قالت لحسن إن زوجتك في الجزيرة السابعة من جزائر واق الواق، ومسافة ما بيننا وبينها سنة كاملة للراكب المجد في السير، وعلى شاطئ هذا النهر جبل آخر يسمى جبل واق وهذا الاسم علم على شجرة أغصانها تشبه رؤوس بني آدم فإذا طلعت الشمس عليها تصيح تلك الرؤوس جميعاً وتقول في صياحها واق واق سبحان الخلاق، فإذا سمعنا صياحها نعلم أن الشمس قد طلعت، وكذلك إذا غربت الشمس تصيح تلك الرؤوس وتقول في صياحها واق واق سبحان الملك الخلاق فنعلم أن الشمس غربت، ولا يقدر أحد من الرجال أن يقيم عندنا ولا يصل إلينا ولا يطأ أرضنا وبيننا ويبن الملكة التي تحكم على هذه الأرض مسافة شهر من هذا البر وجميع الرعية التي في ذلك البر تحت يد تلك الملكة وتحت يدها أيضاً قبائل الجان المردة والشياطين وتحت يدها من السحرة ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم.

فإن كنت تخاف أرسلت معك من يوصلك إلى الساحل وأجيء بالذي يحملك معه في مركب ويوصلك إلى بلادك، وإن كان يطيب على قلبك الإقامة معنا فلا أمنعك وأنت عندي في عيني حتى تقضي حاجتك إن شاء الله تعالى فقال حسن: يا سيدتي ما بقيت أفارقك حتى اجتمع بزوجتي أو تذهب روحي. فقالت له: هذا أمر يسير فطيب قلبك وسوف تصل إلى مطلوبك إن شاء الله تعالى، ولا بد أن أطلع الملكة عليك حتى تكون مساعدة لك على بلوغ قصدك، فدعا لها حسن وقبل يديها ورأسها وشكرها على فعلها وفرط مروءتها وسار معها وهو متفكر في عاقبة أمره وأهوال غربته فصار يبكي وينتحب وجعل ينشد هذه الأبيات:

من كان الحب هـب نـسـيم



فتراني من فرط وجدي أهـيم

إن ليل الوصال صبح مضـيء



ونهار الفـراق لـيل بـهـيم

ووداع الحبيب صعـب شـديد



وفراق الأنيس خطب جسـيم

لست أشكـو جـفـاه إلا إلـيه



لم يكن في الورى صديق حميم

وسلوى عنكم محـال فـإنـي



ليس يسلي قلبي عذول ذمـيم

يا وحيد الجمال عشقـي وحـيد



يا عديم المثال قلـبـي عـديم

كل من يدعي المحـبة فـيكـم



ويهاب الملام فهـو مـلـوم

ثم إن العجوز أمرت بدق طبل الرحيل وسار العسكر وسار حسن صحبة العجوز وهو غرقان في بحر الأفكار يتضجر وينشد الأشعار والعجوز تصبره وتسليه وهو لا يفيق ولا يعي لما تقول إليه ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى جزيرة من الجزائر السبعة وهي جزيرة الطيور فلما دخلوها ظن حسن أن الدنيا قد انقلبت من شدة الصياح وأوجعته رأسه وطاش عقله وعمي بصره وانسدت أذناه وخاف خوفاً شديداً وأيقن بالموت وقال في نفسه إذا كانت هذه أرض الطيور فكيف أرض الوحوش؟ فلما رأته العجوز المسماة بشواهي على هذه الحالة ضحكت عليه وقالت يا ولدي إذا كان هذا حالك من أول جزيرة فكيف بك إذا وصلت إلى بقية الجزائر، فسأل الله وتضرع إليه وطلب منه أن يعينه على ما بلاه وأن يبلغه مناه ولم يزالوا سائرين حتى قطعوا أرض الطيور وخرجوا منها ودخلوا في أرض الجان.

فلما رآها حسن خاف وندم على دخوله فيها معهم ثم استعان بالله تعالى وسار معهم، فعند ذلك خلصوا من أرض الجان ووصلوا إلى النهر فنزلوا تحت جبل عظيم شاهق ونصبوا خيامهم على شاطئ النهر ووضعت العجوز لحسن دكة من المرمر مرصعة بالدرر والجواهر وسبائك الذهب الأحمر في جنب النهر فجلس عليها وتقدمت العساكر فعرضتهم عليه ثم بعد ذلك نصبوا خيامهم حوله واستراحوا ساعة ثم أكلوا وشربوا وناموا مطمئنين لأنهم وصلوا إلى بلادهم وكان حسن واضعاً على وجهه لثاماً بحيث لا يظهر منه غير عينه وإذا بجماعة من البنات مشين إلى قرب النهر ثم قلعن ثيابهن ونزلن في النهر فصار حسن ينظر إليهن وهن يغتسلن فصرن يلعبن وينشرحن ولا يعلمن أنه ناظر إليهن لأنهن ظنن أنه من بنات الملوك.

فاشتد على حسن وتره حيث كان ينظر إليهن وهن مجردات من ثيابهن، وقد رأى ما بين أفخاذهن أنواع مختلفة ما بين ناعم ومقبقب وسمين مربرب وغليظ المشافر وكامل وبسيط ووافر ووجوههن كالأقمار وشعورهن كليل على نهار لأنهن من بنات الملوك ثم إن العجوز نصبت له سريراً وأجلسته فوقه، فلما خلصن طلعن من النهر وهن متجردات كالقمر ليلة البدر وقد اجتمع جميع العسكر قدام حسن لأن العجوز أمرت أن ينادي في جميع العسكر أن يجتمعن قدام خيمته ويتجردن من ثيابهن وينزلن في النهر ويغتسلن فيه لعل زوجته أن تكون فيهن فيعرفها وصارت العجوز تسأله عنهن طائفة بعد طائفة فيقول ما هي في هؤلاء يا سيدتي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز كانت تسأل حسن عن البنات طائفة بعد طائفة لعله يعرف زوجته بينهن وكلما سألته عن طائفة يقول ما هي في هؤلاء يا سيدتي ثم بعد ذلك تقدمت جارية في آخر الناس وفي خدمتها ثلاثون خادمة كلهن نهداً بكار فنزعن عنهن ثيابهن ونزلن معها في النهر فصارت تتدلل عليهن وترميهن في البحر وتغطسهن ولم تزل معهن على هذا الحال ساعةً زمانيةً ثم طلعن من النهر وقعدن فقدمن إليها مناشف من حريرٍ مزركشة بالذهب فأخذتها وتنشفت بها ثم قدموا إليها ثياباً وحللاً وحلياً من عمل الجن فأخذتها ولبستها وقامت تخطر بين العسكر هي وجواريها فلما رآها حسن طار قلبه وقال هذه أشبه الناس بالطيرة التي رأيتها في البحيرة، في قصر أخواتي البنات وكانت تتدلل على أتباعها مثلها.

فقالت العجوز: يا حسن هذه زوجتك؟ فقال: لا وحياتك يا سيدتي ما هذه زوجتي ولا مثل قدها واعتدالها وحسنها وجمالها. فقالت: صفها لي وعرفني بجميع أوصافها حتى تكون في ذهني فإني أعرف كل بنت في جزيرة واق الواق لأني نقيبة عسكر البنات والحاكمة عليهن وإن وصفتها لي عرفتها وتحيلت لك في أخذها. فقال لها حسن: إن زوجتي صاحبة وجه مليح وقد رجيح أسيلة الخد قائمة النهد دعجاء العينين ضخمة الساقين بيضاء الأسنان حلوة اللسان ظريفة الشمائل كأنها غصن مائل بديعة الصفة حمراء الشفة بعيون كحال وشفايف رقاق على خدها الأيمن شامة، وعلى بطنها من تحت سرتها علامة ووجهها منير كالقمر مستدير وخصرها نحيل وردفها ثقيل وريقها يشفي العليل كأنه الكوثر أو السلسبيل.

فقالت العجوز: زدني في أوصافها بياناً زادك الله تعالى فيها افتتاناً، فقال لها حسن إن زوجتي ذات وجه جميل وعنق طويل وطرف كحيل وخدود كالشقائق وفم كخاتم عقيق وثغر لامع البريق يغني عن الكأس والإبريق في هيكل اللطافة وبين فخذيها تخت الخلافة ما مثل حومة بين المشاعر كما قال في حقه الشاعر:

اسم الذي حيرني حروفه مشتهره



أربعة في خمسةٍ وستةٍ في عشرة

ثم بكى حسن وغنى بهذا الموال:

وجدي بكم وجد هندي ضيع القـصـعة



أو وجد ساعي وفي رجله اليمين قصعه

أو وجد مضني عليل بجروح متسـعـه



أو وجد من حرر السبعة على العشرين

ولعنة الله على من يتبع الـتـسـعـه





أطرقت العجوز برأسها إلى الأرض ساعة من الزمان ثم رفعت رأسها إلى حسن وقالت: سبحان الله العظيم الشأن إني بليت بك يا حسن فيا ليتني ما كنت عرفتك لأن المرأة التي وصفتها لي على أنها زوجتك فإني قد عرفتها بصفتها وهي بنت الملك الأكبر الكبيره، التي تحكم على جزائر واق الواق بأسرها فافتح عينك ودبر أمرك وإن كنت نائماً فانتبه فإنه لا يمكنك الوصول إليها أبداً وإن وصلت إليها لا تقدر على تحصيلها، لأن بينك وبينها مثل ما بين السماء والأرض، فارجع يا ولدي من قريب، ولا ترم نفسك في الهلاك وترميني معك فإني أظن أنه ليس لك فيها نصيب وارجع من حيث أتيت لئلا تروح أرواحنا وخافت على نفسها وعليه.

فلما سمع حسن كلام العجوز بكى بكاءً شديداً حتى غشي عليه فما زالت العجوز ترش على وجهه الماء حتى أفاق من غشيته، وصار يبكي حتى بل ثيابه بالدموع من عظم ما لحقه من الهم والغم من كلام العجوز، وقد يئس من الحياة ثم قال للعجوز: يا سيدتي وكيف أرجع بعد أن وصلت إلى هنا وما كنت أظن في نفسي أنك تعجزين عن تحصيل غرضي خصوصاً، وأنت نقيبة عسكر للبنات والحاكمة عليهن، قالت: بالله يا ولدي أن تختار لك بنتاً من هؤلاء البنات وأنا أعطيك إياها عوضاً عن زوجتك لئلا تقع في يد الملوك فلا يبقى لي في خلاصك حيلة فبالله عليك أن تسمع مني وتختار لك واحدة من هؤلاء البنات غير تلك البنت وترجع إلى بلادك من قريب سالماً ولا تجرعني غصتك والله لقد رميت نفسك في بلاء عظيم وخطر جسيم، لا يقدر أحد أن يخلصك منه فعند ذلك أطرق حسن رأسه وبكى بكاءً شديداً، وأنشد هذه الأبيات:

فقلت لعذالي لا تعـذلـونـي



لغير الدمع ما خلقت جفوني

مدامع مقلتي طفحت ففاضت



على خدي وأحبابي جفونـي

دعوني في الهوى قدر جسمي



لأني في الهوى أهوى جنوني

ويا أحباب قد زاد اشتـياقـي



إليكم مالكم لا ترحـمـونـي

جفوتم بعد ميثاقي وعـهـدي



وخنتم صحبتي وتركتمونـي

ويوم البين لما قد رحلتم سقيت



من الصدود شـراب هـون

فيا قلبي عليهم ذاب غـرامـاً



وجودي بالمدامع يا عيونـي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما قالت لحسن بالله عليك يا ولدي أن تسمع كلامي، وتختار لك واحدة من هؤلاء البنات غير زوجتك وترجع إلى بلادك من قريب سالماً، فأطرق رأسه وبكي بكاءً شديداً، فأنشد الأبيات المذكورة فلما فرغ من شعره بكي حتى غشي عليه فما زالت العجوز ترش على وجهه الماء حتى أفاق من غشيته ثم أقبلت عليه وقالت له يا سيدي ارجع إلى بلادك فإني متى سافرت بك إلى المدينة راحت روحك وروحي لأن الملكة إذا علمت بذلك تلومني على دخولي بك إلى بلادها وجزائرها التي لم يصلها أحد من بني آدم، وتقتلني حيث حملتك معي، وأطلعتك على هؤلاء الأبكار التي رأيتهن في البحر مع أنه لم يمسهن فحل ولم يقربهن بعل، فحلف حسن أنه ما نظر إليهن نظرة سوء قط فقالت له: يا ولدي ارجع إلى بلادك وأنا أعطيك من المال والذخائر والتحف ما تستغني به عن جميع النساء فاسمع كلامي وارجع من قريب ولا تخاطر بنفسك فقد نصحتك، فلما سمع كلامها بكى ومرغ خديه على أقدامها وقال: يا سيدتي ومولاتي وقرة عيني كيف أرجع بعدما وصلت إلى هذا المكان ولم أنظر من أريد وقد قربت من دار الحبيب وترجيت اللقاء عن قريب لعله أن يكون لي في الاجتماع نصيب ثم أنشد هذه الأبيات:

يا ملوك الجمال رفقاً بـأسـري



لجفون تملكت ملك كـسـرى

قد غلبتم روائح المسك طـيبـاً



وبهرتم محاسن الـورد زهـرا

ونسيم النعيم حـيث حـلـلـتـم



فالصبا من هناك تعبق نـشـرا

عاذلي كف عن ملامي ونصحي



إنما جئت بالنصـيحة نـكـرا

ما على صبوتي من العذل واللوم



إذا لم تحـط بـذلـك خـبـرا

أسرتني العيون وهي مـراض



ورمتني في الحب عنفاً وقهرا

أنثرا الدمع حين أنظم شـعـري



هاك مني الحديث نظماً وشعرا

حمرة الخد قـد أذابـت فـؤادي



فتلظت مني الجوارح جـمـرا

خبراني متى تركـت حـديثـي



فبأي الحـديث أشـرح صـدرا

طول عمري أهوى الحسان ولكن



يحدث الله بـعـد ذلـك أمـرا

فلما فرغ حسن من شعره رقت له العجوز ورحمته وأقبلت عليه وطيبت خاطره وقالت له طب نفساً وقر عيناً واخل فكرك من الهم والله لأخطرن معك بروحي حتى تبلغ مقصودك أو تدركني منيتي فطاب قلب حسن وانشرح صدره وجلس يتحدث مع العجوز إلى آخر النهار فلما أقبل الليل تفرقت البنات كلهن فمنهن من دخلت قصرها في البلد ومنهن من باتت في الخيام ثم إن العجوز أخذت حسناً معها ودخلت به إلى البلد فأخلت له مكاناً وحده لئلا يطلع عليه أحد فيعلم الملكة فتقتله وتقتل من أتى به ثم صارت تخدمه بنفسها وتخوفه من سطوة الملك الأكبر أبا زوجته وهو يبكي بين يديها ويقول يا سيدتي قد اخترت الموت لنفسي وكرهت الدنيا إن لم أجتمع بزوجتي وأولادي فأنا أخاطر بروحي إما أن أبلغ مرادي وإما أن أموت.

فصارت العجوز تتفكر في كيفية وصوله واجتماعه بزوجته وكيف تكون الحيلة في أمر هذا المسكين الذي رمى روحه في الهلاك ولم ينزجر عن قصده بخوف ولا غيره وقد سلا جسمه وصاحب المثل يقول العاشق لا يسمع كلام خلى وكانت تلك البنت ملكة الجزيرة التي هم نازلون فيها وكان اسمها نور الهدى وكان لهذه الملكة سبع أخوات بنات أبكار مقيمات عند أبيهن الملك الأكبر الذي هو حاكم على السبع جزائر وأقطار واق الواق وكانت تخت ذلك الملك في المدينة التي هي أكبر مدن ذلك البر وكانت بنته الكبيرة وهي نور الهدى هي الحاكمة على تلك المدينة التي فيها حسن وعلى سائر أقطارها ثم إن العجوز لما رأت حسناً محترقاً على الاجتماع بزوجته وأولاده قامت وتوجهت إلى قصر الملكة نور الهدى فدخلت عليها وقبلت الأرض بين يديها وكان للعجوز فضل عليها لأنها ربت بنات الملك جميعهن ولها على الجميع سلطنة وهي مكرمة عندهم عزيزة عند الملك.

فلما دخلت العجوز على الملكة نور الهدى قامت لها وعانقتها وأجلستها جنبها وسألتها عن سفرتها فقالت لها والله يا سيدتي إنها كانت سفرة مباركة وقد استصحبت لك معي هدية سأحضرها بين يديك ثم قالت لها يا ابنتي يا ملكة العصر والزمان إني أتيت معي بشيء عجيب وأريد أن أطلعك عليه لأجل أن تساعديني على قضاء حاجته فقالت لها وما هو فأخبرتها بحكاية حسن من أولها إلى آخرها وهي ترتعد كالقصبة في مهب الريح العاصف حتى وقعت بين يدي الملك وقالت لها يا سيدتي قد استجار بي شخص على الساحل كان مختفياً تحت الدكة فأجرته وأتيت به معي بين عسكر البنات وهو حامل السلاح بحيث لا يعرفه أحد وأدخلته البلد وقد خوفته من سطوتك وعرفته ببأسك وقوتك وكلما أخوفه يبكي وينشد الأشعار ويقول لا بد لي من رؤية زوجتي وأولادي أو أموت ولا أرجع إلى بلادي من غيرهم وقد خاطر بنفسه وجاء إلى جزائر واق الواق ولم أر عمري آدمياً أقوى قلباً منه ولا أشد بأساً منه لأن الهوى قد تمكن منه غاية التمكن وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما حكت للملكة نور الهدى حكاية حسن قالت لها وما رأيت أقوى قلباً منه لأن الهوى قد تمكن منه غاية التمكن، فلما سمعت الملكة كلامها وفهمت قصة حسن غضبت غضباً شديداً وأطرقت برأسها إلى الأرض ساعة ثم رفعت رأسها ونظرت إلى العجوز وقالت لها يا عجوز النحس هل بلغ من خبثك أنك تحملين الذكور وتأتين بهم معك إلى جزائر واق الواق وتدخلين بهم علي ولا تخافي من سطوتي وحق رأس الملك لولا ما لك علي من التربية لقتلتك أنت وإياه في هذه الساعة أقبح قتلة حتى يعتبر المسافرون بك يا ملعونة لئلا يفعل أحد مثل ما فعلت من هذه الفعلة العظيمة التي لا يقدر أحد عليها ولكن اخرجي واحضريه في هذه الساعة حتى أنظره. فخرجت العجوز من بين يديها وهي مدهوشة لا تدري أين تذهب وتقول كل هذه المصيبة ساقها الله لي من هذه الملكة على يد حسن ومضت إلى أن دخلت على حسن فقالت له قم كلم الملكة يا من آخر عمره قد دنا فقام معها ولسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى ويقول اللهم الطف بي في قضائك وخلصني من بلائك فسارت حتى أوقفته بين يدي الملكة نور الهدى وأوصته العجوز في الطريق بما يتكلم به معها فلما تمثل بين يدي نور الهدى رآها ضاربة لثاماً فقبل الأرض بين يديها وسلم عليها وأنشد هذين البيتين:

أدام الله عزك في سرورٍ



وخولك الإله بما حبـاك

وزادك ربنا عزاً ومجداً



وأيدك القدير على عداك

فلما فرغ من شعره أشارت الملكة إلى العجوز أن تخاطبه قدامها لتسمع فجاوبته فقالت العجوز إن الملكة ترد عليك السلام وتقول لك ما اسمك ومن أي البلاد أتيت وما اسم زوجتك وأولادك الذين جئت من أجلهم وما اسم بلادك فقال لها وقد ثبت جنانه وساعدته المقادير يا ملكة العصر والأوان ووحيدة الدهر والزمان أما أنا فاسمي حسن الكثير الحزن وبلدي البصرة وأما زوجتي فلا أعرف لها اسماً وأما أولادي فواحد اسمه ناصر والآخر منصور فلما سمعت الملكة كلامه وحديثه قالت فمن أين أخذت أولادها فقال لها يا ملكة من مدينة بغداد من قصر الخلافة فقالت وهل قالت لكم شيئاً عندما طارت؟ قال: إنها قالت لوالدتي إذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب مني والتلاقي وهزته رياح المحبة والاشتياق فليجئني إلى جزائر واق الواق فحركت الملكة نور الهدى رأسها ثم قالت له: لو كانت ما تريدك ما قالت لأمك هذا الكلام وتشتهي قربك ما كانت أعلمتك بمكانها ولا طلبتك إلى بلادها فقال حسن: يا سيدة الملوك والحاكمة على كل ملك وصعلوك إن الذي جرى أخبرتك به ولا أخفيت منه شيئاً وأنا أستجير بالله وبك أن لا تظلميني فارحميني وأريحي أجري وثوابي وساعديني على الاجتماع بزوجتي وأولادي وردي لهفتي وقري عيني بأولادي وأسعفيني برؤيتهم ثم بكى وحن واشتكى وأنشد هذين البيتين:

لأشكرنك مـا نـاحـت مـطـوقة



جهدي وإن كنت لا أقضي الذي وجبا

فما تقلبت في نـعـمـاء سـابـغة



إلا وجدتك فيها الأصل والسـبـبـا

فأطرقت الملكة نور الهدى رأسها إلى الأرض وحركتها زماناً طويلاً ثم رفعتها وقالت له: قد رحمتك ورثيت لك وقد عزمت على أن أعرض عليك كل بنت في المدينة وفي بلاد جزيرتي فإن عرفت زوجتك سلمتها إليك وإن لم تعرفها قتلتك وصلبتك على باب دار العجوز فقال لها حسن: قبلت تلك منك يا ملكة الزمان ثم أنشد هذه الأبيات:

أقمتم غرامي في الهوى وقعدتم



وأسهرتم جفني القريح ونمتـم

وعاهدتموني أنكم لن تماطلـوا



فلما أخذتم بالقـياد غـدرتـم

عشقتكم طفلاً ولم أدر الهـوى



فلا تقتلوني إنني متـظـلـم

أما تتقون الله في قتل عاشـقٍ



يبيت يراعي النجم والناس نوم

فبالله يا قومي إذا مت فاكتبـوا



على لوح قبري إن هذا متـيم

لعل فتى مثلي أضر به الهوى



إذا ما رأى قبري علي يسلـم

فلما فرغ من شعره قال: رضيت بالشرط الذي اشترطيه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فعند ذلك أمرت الملكة نور الهدى أن لا تبقى بنت في المدينة إلا وتطلع القصر وتمر أمامه، ثم إن الملكة أمرت العجوز شواهي أن تنزل بنفسها إلى المدينة وتحضر كل بنت في المدينة إلى الملكة في قصرها، وصارت الملكة تدخل البنات على حسن مائة بعد مائة حتى لم يبق في المدينة بنت إلا وعرضتها على حسن فلم ير زوجته فيهن، فسألته الملكة وقالت له: هل رأيتها في أولئك؟ فقال لها: وحياتك يا ملكة ما هي بينهن، فاشتد غضب الملكة عليه وقالت للعجوز: ادخلي وأخرجي كل من في القصر واعرضيه عليه.

فلما عرضت عليه كل من في القصر ولم ير زوجته فيهن قال للملكة: وحياة رأسك يا ملكة ما هي فيهن، فغضبت وصرخت على من حولها وقالت: خذوه واسحبوه على وجهه فوق الأرض واضربوا عنقه لئلا يخطر بنفسه أحد بعده ويطلع على حالنا ويجوز علينا في بلادنا ويطأ أرضنا وجزائرنا، فسحبوه على وجهه ورفعوا ذيله وغمضوا عينيه ووقفوا بالسيوف على رأسه ينتظرون الإذن، فعند ذلك تقدمت شواهي إلى الملكة وقبلت الأرض بين يديها وأمسكت ذيلها ورفعته فوق رأسها وقالت لها: يا ملكة لا تعجلي عليه خصوصاً وأنت تعرفين أن هذا المسكين غريب قد خاطر بنفسه وقاسى أموراً ما قاساها أحد قبله ونجاه الله تعالى عز وجل من الموت لطول عمره. لقد سمع بعدلك فدخل بلادك وحماك فإن قتلتيه تنشر الأخبار عنك مع المسافرين بأنك تبغضين الأغراب وتقتلينهم وهو على كل حال تحت قهرك ومقتول سيفك إن لم تظهر زوجته في بلدك وأي وقت تشتهين حضوره فأنا قادرة على رده إليك، وأيضاً فأنا ما أجرته إلا طمعاً في كرمك بسبب ما لي عليك من التربية حتى ضمنت له أنك توصليه إلى بغيته لعلي بعدلك وشفقتك ولولا أني أعلم منك هذا ما كنت أدخلته بلدك وقلت في نفسي إن الملكة تتفرج عليه وعلى ما يقول من الأشعار والكلام المليح الفصيح الذي يشبه الدر المظلوم، وهذا قد دخل بلادنا وأكل زادنا فوجب إكرامه علينا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة نور الهدى لما أمرت غلمانها بأخذ حسن وضرب عنقه صارت العجوز تتعطف بخاطرها وتقول لها إنه دخل بلادنا وأكل من زادنا فوجب علينا إكرامه، خصوصاً وقد وعدته بالاجتماع بك وأنت تعرفين أن الفراق صعب وتعرفين أن الفراق قتال خصوصاً فراق الأولاد وما بقي علينا من النساء واحدة إلا أنت فأريه وجهك فتبسمت الملكة وقالت: من أين له أن يكون زوجي وخلف مني أولاد حتى أريه وجهي، ثم أمرت بحضوره فأدخلوه عليها وأوقفوه بين يديها فكشفت عن وجهها، فلما رآها حسن صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه فلم تزل العجوز تلاطفه حتى أفاق من غشيته وأنشد هذه الأبيات:

يا نسيماً هب من أرض العراق



في زوايا أرض من قـال واق

بلغ الأحبـاب عـنـي أنـنـي



مت من طعم الهوى مر المذاق

يا أهيل الحب منوا واعطـفـوا



ذاب قلبي من تباريح الفـراق

فلما فرغ من شعره قام ونظر الملكة وصاح صيحة عظيمة كاد منها القصر أن يسقط على من فيه، ثم وقع مغشياً عليه، فما زالت العجوز تلاطفه حتى أفاق وسألته عن حاله فقال: إن هذه الملكة إما زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما سألته عن حاله قال لها: إن هذه الملكة إما زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي: فقالت الملكة للعجوز: ويلك يا داية إن هذا الغريب مجنون أو مختل لأنه ينظر إلى وجهي ويحملق إلي، فقالت لها العجوز: يا ملكة إن هذا معذور فلا تؤاخذيه فإنه قيل في المثل: مريض الهوى ما له دواء وهو والمجنون سواء، ثم إن حسناً بكى بكاءً شديداً وأنشد هذين البيتين:

أرى آثارهم فأذوب شـوقـاً



وأسكب في مواطنهم دموعي

وأسأل من بفرقتهم بـلانـي



يمن علي منهم بالـرجـوع

ثم إن حسناً قال للملكة: والله ما أنت زوجتي ولكنك أشبه الناس بها فضحكت الملكة نور الهدى حتى استلقت على قفاها ومالت على جنبها ثم قالت: يا حبيبي تمهل على روحك وميزني وجاوبني عن الذي أسألك عنه ودع عنك الجنون والحيرة والذهول فإنه قد قرب لك الفرج، فقال حسن: يا سيدة الملوك وملجأ كل غني وصعلوك إني حين نظرتك جننت لأنك إما تكونين زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي فاسأليني الآن عما تريدين. فقالت: أي شيء في زوجتك يشبهني؟ فقال جميع ما فيك من الحسن والجمال والظرف والدلال كاعتدال قوامك وعذوبة كلامك وحمرة خدودك وبروز نهودك وغير ذلك مما يشبهها. ثم إن الملكة التفتت إلى شواهي أم الدواهي وقالت لها: يا أمي أرجعيه إلى موضعه الذي كان فيه عندك واخدميه أنت بنفسك حتى أتفحص عن أمره، فإن كان هذا الرجل صاحب مروءة بحيث أنه يحفظ الصحبة والود وجب علينا مساعدته على قضاء حاجته خصوصاً وقد نزل أرضنا وأكل طعامنا مع ما تحمله من مشقات الأسفار ومكابدة أهوال الأخطار، ولكن إذا أوصلتيه إلى بنتك فأوصي عليه أتباعك وارجعي إلي بسرعة وإن شاء الله لا يكون إلا خيراً.

فعند ذلك خرجت العجوز وأخذت حسناً ومضت به إلى منزلها وأمرت جواريها وخدمها وحشمها بخدمته وأمرتهم أن يحضروا له جميع ما يحتاج إليه وأن لا يقصروا في حقه، ثم عادت إلى الملكة بسرعة فأمرتها أن تحمل سلاحها وتأخذ معها ألف فارس من الشجعان فامتثلت العجوز شواهي أمرها ولبست درعها وأحضرت الألف فارس، ولما وقفت بين يديها وأخبرتها بإحضار الألف فارس أمرتها أن تسير إلى مدينة الملك الأكبر أبيها وتنزل عند بنته منار السنا أختها وتقول لها البسي ولديك الدرعين اللذين عملتيهما لهما وأرسليهما إلى خالتهما فإنها مشتاقة إليهما.

وقالت لها: أوصيك يا أمي بكتمان أمر حسن، فإذا أخذتيهما منها فقولي لها: إن أختك تستدعيك إلى زيارتها فإذا أعطتك ولديها وخرجت بهما قاصدة الزيارة بهما سريعاً وخليها تحضر على مهلها وتعالي من طريق غير الطريق التي تجيء هي منها ويكون سفرك ليلاً ونهاراً، واحذري أن يطلع على هذا الأمر أحد أبداً، ثم إني أحلف بجميع الأقسام إن طلعت أختي زوجته وظهر أن ولديها هما ولداه فلن أمنعه من أخذها ولا من السفر معه بأولادها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة قالت: إني أحلف بالله وأقسم بجميع الأقسام أنها إن طلعت أختي زوجته لا أمنعه من أخذها بل أساعده على أخذها وعلى سفرها معه إلى بلاده فوثقت العجوز بكلامها، ولم تعلم بما أضمرته في نفسها وقد أضمرت العاهرة في نفسها أنها إن لم تكن زوجته ولا أولادها يشبهونه تقتله، ثم إن الملكة قالت للعجوز: يا أمي إن صدق حزري تكون زوجته أختي منار السنا والله أعلم فإن هذه الصفات صفاتها وجميع الأوصاف التي ذكرها من الجمال البارع والحسن البارع لا يوجد في أحد غير أخوتي خصوصاً الصغيرة ثم إن العجوز قبلت يدها ورجعت إلى حسن وأعلمته بما قالته الملكة فطار عقله من الفرح وقام إلى العجوز وقبل رأسها فقالت له: يا ولدي لا تقبل رأسي وقبلني في فمي، واجعل هذه القبلة حلاوة السلامة وطب نفساً وقر عيناً ولا يكن صدرك إلا منشرحاً ولا تستكره أن تقبلني في فمي فإني أنا السبب في اجتماعك بها فطيب قلبك وخاطرك، ولا تكن إلا منشرح الصدر قرير العين مطمئن النفس ثم ودعته وانصرفت فأنشد حسن هذين البيتين:

لي في محبتكم شـهـود أربـع



وشهود كـل قـضـية اثـنـان

خفقان قلبي واضطراب جوارحي



ونحول جسمي وانعقاد لسـانـي

ثم أنشد أيضاً هذين البيتين:

شيئان لو بكت الدماء عليهمـا



عيناي حتى تؤذنا بذهـابـي

لم يقضيا المعشار من حقيهما



شرخ الشباب وفرقة الأحباب

ثم إن العجوز حملت سلاحها، وأخذت معها ألف فارس حاملين السلاح وتوجهت إلى تلك الجزيرة التي فيها أخت الملكة وسارت إلى أن وصلت إلى أخت الملكة وكان بين مدينة نور الهدى وبين مدينة أختها ثلاثة أيام، فلما وصلت شواهي إلى المدينة وطلعت إلى أخت الملكة منار السنا سلمت عليها وبلغتها السلام من أختها نور الهدى، وأخبرتها باشتياقها إليها وإلى أولادها وعرفتها أن الملكة نور الهدى تعتب عليها بسبب عدم زيارتها إياها فقالت لها الملكة منار السنا إن الحق على أختي وأنا مقصرة بعدم زيارتي لها ولكن أزورها الآن ثم أمرت بإخراج خيامها إلى خارج المدينة وأخذت لأختها معها ما يصلح لها من الهدايا والتحف، ثم إن الملك أباها نظر من شباك القصر فرأى الخيام منصوبة فسأل عن ذلك فقالوا له: إن الملكة منار السنا نصبت خيامها بتلك الطريق لأنها تريد زيارة أختها نور الهدى، فلما سمع الملك بذلك جهز لها عسكراً يوصلها إلى أختها وأخرج من خزائنه من الأموال ومن المأكل والمشرب ومن التحف والجواهر ما يعجز عنه الوصف، وكانت بنات الملك السبعة أشقاء من أب واحد وأم واحدة إلا الصغيرة، وكان اسم الكبيرة نور الهدى والثانية نجم الصباح والثالثة شمس الضحى والرابعة شجرة الدر والخامسة قوت القلوب والسادسة شرف البنات والسابعة منار السنا وهي الصغيرة فيهن وهي زوجة حسن وكانت أختهن من أبيهن فقط، ثم إن العجوز تقدمت وقبلت الأرض بين يدي منار السنا فقالت لها منار السنا: هل لك حاجة يا أمي؟ فقالت لها: إن الملكة نور الهدى أختك تأمرك أن تغير لولديك وتلبسيهما الدرعين الذين فصلتيهما لهما وأن ترسليهما معي إليها فآخذهما وأسبقك بهما وأكون المبشرة بقدومك عليها، فلما سمعت منار السنا كلام العجوز أطرقت رأسها إلى الأرض وتغير لونها ولم تزل مطرقة زماناً طويلاً ثم حركت رأسها ورفعته إلى العجوز وقالت لها: يا أمي قد ارتجف فؤادي وخفق قلبي عندما ذكرت أولادي فإنهم من حين ولادتهم لم ينظر أحداً وجوههم من الجن والبشر ولا أنثى ولا ذكر وأنا أغار عليهم من النسيم إذا سرى فقالت العجوز: أي شيء هذا الكلام يا سيدتي أتخافين عليهم من أختك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما قالت للسيدة منار السنا أي شيء هذا الكلام يا سيدتي أتخافين عليهم من أختك سلامة عقلك، وإن خالفت الملكة في هذا الأمر، لا يمكنك المخالفة فإنها تعتب عليك، ولكن يا سيدتي أولادك صغار وأنت معذورة في الخوف عليهم والمحب مولع بسوء الظن ولكن يا بنتي أنت تعلمين شفقتي ومحبتي لك ولأولادك وقد ربيتكم قبلهم وأنا أتسلمهم وآخذهم وأفرش لهم حدي وافتح قلبي وأجعلهم في داخله ولا أحتاج إلى الوصية عليهم في هذا الأمر فطيبي نفساً وقري عيناً وارسليهم لها وأكثر ما أسبقك به يوماً واحداً ويومان، ولم تزل تلح عليها حتى لان جانبها وخافت من غيظ أختها، ولم تدر ما هو مخبوء لها في عالم الغيب، فسمحت بإرسالهم مع العجوز ثم أنها دعت بهم وأدخلتهم الحمام وهيأتهم وغيرت لهم وألبستهم الدرعين وسلمتهم للعجوز.

فسارت بهم مثل الطير على غير الطريق التي تسير فيها أمهم، مثل ما أوصتها الملكة نور الهدى، ولم تزل تجد في السير وهي خائفة عليهم إلى أن وصلت بهم إلى مدينة الملكة نور الهدى خالتهم، فعدت بهم البحر، ودخلت المدينة وتوجهت بهم إلى الملكة نور الهدى خالتهم، فلما رأتهم فرحت بهم وعانقتهم وضمتهم إلى صدرها وأجلست واحداً على فخذها الأيمن والثاني على فخذها الأيسر ثم التفتت إلى العجوز وقالت لها: احضري الآن حسنا فأنا قد أعطيته ذمامي وأجرته من حسامي وقد تحصن بداري ونزل في جواري بعد أن قاسى الأهوال والشدائد وتعدى أسباب الموت التي همها متزايد مع أنه إلى الآن لم يسلم من شرب كأسه وقطع أنفاسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، إن الملكة نور الهدى لما أمرت العجوز بإحضار حسن قالت لها: إنه قاسى الأهوال والشدائد وتعدى أسباب الموت التي همها متزايد مع أنه إلى الآن لم يسلم من شرب كأسه وقطع أنفاسه وأنا أقسم بخالق السماء وبانيها وساطح الأرض وداحيها وخالق الخلق ومحصيها إن لم يكونوا أولاده لأقتلنه وأنا الذي أضرب عنقه بيدي ثم أنها صرخت على العجوز فوقعت من الخوف وأغرت عليها الحاجب وعشرين مملوكاً وقالت لهم: امضوا مع هذه العجوز وائتوني بالصبي الذي عندها في بيتها بسرعة.

فخرجت العجوز مع الحاجب والمماليك، وقد اصفر لونها، وارتعدت فرائصها ثم سارت إلى منزلها ودخلت على حسن فلما دخلت عليه قام إليها وقبل يديها وسلم عليها فلم تسلم عليه وقالت له: قم كلم الملكة أما قلت لك ارجع إلى بلادك ونهيتك عن هذا كله فما سمعت قولي وقلت لك أعطيك شيئاً لا يقدر عليه أحد وارجع إلى بلادك من قريب فما أطعتني ولا سمعت مني بل خالفتني واخترت الهلاك لي ولك، فدونك وما اخترت فإن الموت قريب، قم كلم هذه الفاجرة العاهرة الظالمة الغاشمة فقام حسن وهو مكسور الخاطر حزين القلب خائف ويقول يا سلام سلم اللهم الطف بي فيما قدرته علي من بلائك واسترني يا أرحم الراحمين وقد يئس من الحياة وتوجه مع العشرين مملوكاً والحاجب والعجوز، فدخلوا على الملكة بحسن فوجد ولديه ناصراً ومنصوراً جالسين في حجرها وهي تلاعبهما وتؤانسهما، فلما وقع نظره عليهما عرفهما وصرخ صرخة عظيمة ووقع على الأرض مغشياً عليه لشدة الفرح بولديه. فلما أفاق عرف ولديه وعرفاه فحركتهما المحبة الغريزية فتخلصا من حجر الملكة ووقفا عند حسن وانطقهما الله عز وجل بقولهما: يا أبانا، فبكت العجوز والحاضرون رحمة لهما وشفقة عليهما وقالوا: الحمد لله الذي جمع شملكما بأبيكما، فلما أفاق حسن من غشيته عانق أولاده ثم بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:

وحقكم إن قلبي لـم يعـلـق جـلـداً



على الفراق ولو كان الوصـال ردى

يقول لي طيفكـم إن الـلـقـاء غـداً



وهل أعيش على رغم الـعـداة غـدا

وحقكم سادتي مـن يوم فـرقـتـكـم



ما لذ لي طيب عيش بـعـدكـم أبـدا

وإن قضى الله نحبي في محـبـتـكـم



أموت في حبكم من أعظم الـشـهـدا

وظبية في زوايا القلب مـرتـعـهـا



وشخصها كالكرى عن مقلتـي شـردا

وإن أنكرت في مجال الشرع سفك دمي



فإنه فـوق خـديهـا لـقـد شـهـدا

فلما تحققت الملكة أن الصغار أولاد حسن وأن أختها السيدة منار السنا زوجته التي جاء في طلبها غضبت غضباً شديداً ما عليه من مزيد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة نور الهدى لما تحققت إن الصغار أولاد حسن وإن أختها منار السنا زوجته التي جاء في طلبها غضبت عليها غضباً شديداً ما عليه من مزيد وصرخت في وجه حسن فغشي عليه فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:

بعدتم وأنتم أقرب الناس في الحشا



وغبتم وأنتم في الفؤاد حضـور

فو الله ما مال الفؤاد لغـيركـم



وإني على جور الزمان صبور

تمر الليالي في هواكم وتنقضـي



وفي القلب مني زفرة وسعـير

وكنت فتى لا أرتضي البعد ساعة



فكيف وقد مرت علي شهـور

أغار إذا ذهبت عليكم نـسـيمة



وإني على الغيد الملاح غـيور

فلما فرغ حسن من شعره خر مغشيا عليه، فلما أفاق رآهم قد أخرجوه مسحوبا على وجهه فقام يمشي ويتعثر في أذياله، وهو لا يصدق بالنجاة مما قاساه منها فعز على العجوز شواهي ولم تقدر أن تخاطب الملكة في شأنه من قوة غضبها، فلما خرج حسن من القصر صار متحيراً لا يعرف أين يروح ولا يجيء ولا أين يذهب وضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم يجد من يحدثه ويؤانسه ولا من يسليه ولا يستشيره ولا من يقصده ويلجأ إليه فأيقن بالهلاك لأنه لا يقدر على السفر ولا يعرف من يسافر معه ولا يعرف الطريق ولا يقدر أن يجوز على وادي الجان وأرض الوحوش وجزائر الطيور فيئس من الحياة ثم بكى على نفسه حتى غشي عليه فلما أفاق تفكر أولاده وزوجته وقدومها على أختها وتفكر فيما يجري لها مع الملكة أختها ثم ندم على حضوره في هذه الديار وعلى كونه لم يسمع كلام أحد فأنشد هذه الأبيات:

دعوا مقلتي تبكي على فقد من أهـوى



فقد عز سلواني وزادت بي البـلـوى

وكأس صروف البين صرفاً شربتـهـا



فمن ذا على فقد الأحـبة قـد يقـوى

بسطتهم بساط العتب بينـي وبـينـكـم



ألا يا بساط العتب عني متى تـطـوى

سهرت ونمتم إذ زعـمـتـم بـأنـنـي



سلوت هواكم إذ سلوت عن السـلـوى

إلا أن قلبـي مـولـعٌ بـوصـالـكـم



وأنتم أطبائي حـفـظـتـم مـن الأدوا

ألم تنظروا ما حل بي مـن صـدودكـم



ذللت لمن يسوى ومن لم يكـن يسـوى

كتمـت هـواكـم والـغـرام يذيعـه



وقلبي بنيران الـهـوى أبـداً يكـوى

فرقوا لحالي وارحـمـونـي لأنـنـي



حافظت على الميثاق في السر والنجوى

فيا هل ترى الأيام تجمـعـنـي بـكـم



فأنتم مني قلبي وروحي لكـم تـهـوى

فؤادي جريح بالـفـراق فـلـيتـكـم



تفيدوننا عن حـبـكـم خـبـراً يروى

ثم أنه لما فرغ من شعره، ولم يزل ذاهباً إلى أن خرج إلى ظاهر المدينة فوجد النهر فسار على جانبه وهو لا يعلم أين يتوجه، هذا ما كان من أمر حسن. وأما ما كان من أمر زوجته منار السنا فإنها أرادت الرحيل في اليوم الثاني الذي رحلت فيه العجوز فبينما هي عازمة على الرحيل إذ دخل عليهما حاجب الملك أبيها وقبل الأرض بين يديها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

وفي الليلة الواحدة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن منار السنا بينما هي عازمة على الرحيل إذ دخل عليها حاجب الملك أبيها وقبل الأرض بين يديها وقال لها: يا ملكة إن أباك الملك الأكبر يسلم عليك ويدعوك إليه فنهضت متوجهة مع الحاجب إلى أبيها تنظر حاجته فلما رآها أبوها أجلسها إلى جانبه فوق السرير وقال لها: يا ابنتي اعلمي إني رأيت في هذه الليلة رؤيا وأنا خائفٌ عليك منها وخائفٌ أن يصل لك من سفرك هذا همٌ طويل فقالت له: لأي شيء يا أبتي؟ وأي شيء رأيت في المنام؟ قال: رأيت كأني دخلت كنزاً فرأيت فيه أموالاً عظيمة وجواهر ويواقيت كثيرة وكأنه لم يعجبني من ذلك الكنز ولا من تلك الجواهر جميعها إلا سبع حباتٍ وهي أحسن ما فيه فاخترت من السبع جواهر واحدة وهي أصغرها وأحسنها وأعظمها نورا وكأني أخذتها في كفي لما أعجبني حسنها وخرجت بها من الكنز فلما خرجت من بابه فتحت يدي وأنا فرحان وقبلت الجوهرة وإذا بطائر غريب قد أقبل من بلاد بعيدة ليس من طيور بلادنا قد انقض علي من السماء وخطف الجوهرة من يدي ورجع بها إلى المكان الذي أتيت بها منه فلحقني الهم والحزن والضيق وفزعت فزعاً عظيماً أيقظني من المنام فانتبهت وأنا حزين متأسف على تلك الجوهرة فلما انتبهت من النوم دعوت بالمعبرين والمفسرين وقصصت عليهم منامي فقالوا إن ذلك سبع بنات تفقد الصغيرة منهن وتؤخذ منك قهراً بغير رضاك وأنت يا ابنتي أصغر بناتي وأعزهن عندي وأكرههن علي وها أنت مسافرة إلى أختك ولا أعلم ما يجري عليك منها فلا تروحي وأرجعي إلى قصرك. فلما سمعت منار السنا كلام أبيها خفق قلبها وخافت على أولادها وأطرقت برأسها إلى الأرض ساعة ثم رفعته إلى أبيها وقالت له: يا أيها الملك إن الملكة نور الهدى قد هيأت لي ضيافة وهي في انتظار قدومي عليها ساعة بعد ساعة ولها أربع سنين ما رأتني وإن قعدت عن زيارتها تغضب علي ومعظم قعودي عندها شهر زمان وأحضر عندك من هذا الذي يطرق بلادنا ويصل إلى جزائر واق الواق ومن يقدر أن يصل إلى الأرض البيضاء والجبل الأسود ويصل إلى جزيرة الكافور وقلعة الطيور وكيف يقطع وادي الطيور ثم وادي الوحوش ثم وادي الجان ثم يدخل جزائرنا ولو دخل إليها غريب لغرق في بحار الهلكات فطب نفساً وقر عيناً من شأن سفري فإنه لا قدرة لأحد على أن يدوس أرضنا ولم تزل تستعطفه حتى أنعم عليها بالأذن في المسير.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنها لم تزل تستعطفه حتى أنعم عليها بالأذن في المسير ثم أنه أمر ألف فارس أن يسافروا معها ليوصلوها إلى النهر ثم يقيموا مكانهم حتى تصل إلى مدينة أختها وتدخل قصرها، وأمرهم أن يقيموا عندها حتى يأخذوها ويحضروها إلى أبيها وأوصاها أبوها أن تقعد عند أختها يومين ثم تعود بسرعة، فقالت سمعاً وطاعةً ثم أنها نهضت وخرجت وخرج معها أبوها وودعها وقد أثر كلام أبيها في قلبها فخافت على أولادها ولا ينفع التحصن بالحذر من هجوم القدر فجدت في المسير ثلاثة أيام بلياليها حتى وصلت إلى النهر وضربت خيامها على ساحله ثم عدت النهر ومعها بعض غلمانها وحاشيتها ووزرائها ولما وصلت إلى مدينة الملكة نور الهدى طلعت القصر ودخلت عليها فرأت أولادها يبكون عندها ويصيحون: يا بابا فجرت الدموع من عينيها وبكت ثم ضمت أولادها إلى صدرها وقالت لهم: هل رأيتم أباكم فلا كانت الساعة التي فارقته ولو عرفت أنه في دار الدنيا لكنت وصلتكم إليه ثم ناحت على نفسها وعلى زوجها وعلى بكاء أولادها، وأنشدت هذه الأبيات:

أأحبابنا إني على البعد والجفا



أحن إليكم حيث كنتم وأعطف

وطرفي إلى أوطانكم متلفـت



وقلبي على أيامكم متلهـف

وكم ليلةٍ بتنا على غـير ريبةٍ



محبين يهنينا الوفا والتلطـف

فلما رأتها قد ضمت أولادها وقالت: أنا التي فعلت بنفسي وبأولادي هكذا وأخرجت بيتي فلم تسلم عليها أختها نور الهدى بل قالت لها: يا عاهرة من أين لك هذه الأولاد؟ هل تزوجت بغير علم أبيك أو زنيت فإن كنت زنيت وجب تنكيلك وإن كنت تزوجت من غير علمنا فلأي شيء فارقت زوجك وأخذت أولادك وفرقت بينهم وبين أبيهم وجئت بلادنا؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة نور الهدى قالت لأختها منار السنا: وإن كنت تزوجت من غير علمنا فلأي شيء فارقت زوجك وأخذت أولادك وفرقت بينهم وبين أبيهم وجئت بلادنا وقد أخفيت أولادك عنا؟ أتظنين أننا لا ندري بذلك والله تعالى علام الغيوب قد أظهر لنا أمرك وكشف حالك وبين عوراتك ثم بعد ذلك أمرت أعوانها أن يمسكوا فقبضوا عليها فكتفتها وقيدتها بالقيود الحديد وضربتها ضرباً وجيعاً حتى شرحت جسدها وصلبتها من شعرها ووضعتها في السجن وكتبت كتاباً إلى الملك الأكبر أبيها تخبره بخبرها وتقول له: إنه ظهر بلادنا رجل من الإنس وأختي منار السنا تدعي أنها تزوجته في الحلال وجاءت منه بولدين وقد أخفتهما عنا وعنك ولم تظهر عن نفسها شيئاً إلى أن أتانا ذلك الرجل الذي من الأنس وهو يسمى حسناً وأخبرنا أنه تزوج بها وقعدت عنده مدة طويلة من الزمان، ثم أخذت أولادها وأتت من غير علمه وأخبرت والدته عند مجيئها وقالت لها: قولي لولدك إذا حصل له اشتياق أن يجيئني إلى جزائر واق الواقي فقبضنا على ذلك الرجل عندنا وأرسلت إليها العجوز شواه تحضرها عندي هي وأولادها فجهزت نفسها وحضرت وقد كنت أمرت العجوز أن تحضر لي أولادها فتسبق بهم إلي قبل حضورها فجاءت العجوز بأولادها فأرسلت إلي الرجل الذي أدعى أنها زوجته فلما دخل علي ورأى الأولاد عرفهم فتحققت أن الأولاد أولاده وأنها زوجته وعلمت أن كلام الرجل صحيح وليس عنده عيب ورأيت أن القبح والعيب عند أختي فخفت من هتك عرضنا عند أهل جزائرنا فأدخلت على هذه الفاجرة الخائنة غضبت عليها وضربتها ضرباً وجيعاً وسلبتها من شعرها وقد أعلمتك بخبرها والأمر أمرك فالذي تأمرنا به نفعله وأنت تعلم أن هذا الأمر فيه هتيكة لنا وعيب في حقنا وحقك وربما تسمع أهل الجزيرة بذلك فنصير بينهم مثلاً فينبغي لنا جواباً سريعاً. ثم أعطت المكتوب للرسول فسار به إلى الملك، فلما قرأه الملك الأعظم اغتاظ غيظاً شديداً على ابنته منار السنا وكتب إلى ابنته نور الهدى مكتوباً يقول لها فيه: أنا فوضت أمرها إليك وحكمت في دمها فإن كان الأمر كما ذكرت فأقتليها ولا تشاوريني في أمرها فلما وصل إليها كتاب أبيها وقرأته أرسلت إلى منار السنا وأحضرتها بين يديها وهي غريقة في دمها مكتفة بشعرها مقيدة بقيدٍ ثقيلٍ من حديد وعليها اللباس الشعر ثم أوقفوها بين يدي الملكة فوقفت حقيرة ذليلة فلما رأت نفسها في هذه المذلة العظيمة والهوان الشديد تفكرت ما كانت فيه من العز وبكت بكاءً شديداً وأنشدت هذين البيتين:

يا رب إن العدا يسعون في تلفي



ويزعمون بأني لست بالنـاحـي

وقد رجوتك في أبطال ما صنعوا



يا رب أنت ملاذ الخائف الراجي

ثم بكت بكاءً شديداً حتى وقعت مغشياً عليها، فلما أفاقت أنشدت هذين البيتين:

ألف الحوادث مهجتي وألفتها



بعد التنافر والكريم ألـوف

ليس الهموم علي صنفاً واحداً



عندي بحمد الله من ألـوف

ثم أنشدت هذين البيتين:

ولرب نازلة يضيق لها الفتى



درعاً وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها



فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة نور الهدى لما أمرت بإحضار أختها الملكة منار السنا أوقفوها بين يديها وهي مكتفة، فأنشدت الأشعار السابقة ثم أن أختها أحضرت لها سلماً من خشب ومدتها عليه، وأمرت أن يربطوها على ظهرها فوق السلم ومدت سواعدها وربطتها في الحبال ثم كتف رأسها ولفت شعرها على السلم الخشب، وقد انتزعت الشفقة عليها من قلبها فلما رأت منار السنا نفسها في هذه الحالة من الذل والهوان صاحت وبكت فلم يغثها أحد فقالت لها أ يا أختي كيف قسا قلبك علي فلا ترحميني ولا ترحمي الأطفال الصغار؟ فلما سمعت هذا الكلام ازدادت قسوتها وشتمتها وقالت لها: يا عاشقة يا عاهرة لا رحم الله من يرحمك كيف أشفق عليك يا خائنة: فقالت لها منار السنا وهي مشبوحة: احتسبت عليك برب السماء فيما تنسبينني به وأنا بريئة منه والله ما زنيت وإنما تزوجته في الحلال، وربي يعلم هل قولي صحيح أم لا وقلبي قد غضب عليك من شدة قسوة قلبك علي، فكيف ترميني بالزنا من غير علم ولكن ربي يخلصني منك وأن كان الذي قذفتيني به من الزنا حقا فسيعاقبني الله عليه، فتفكرت أختها في نفسها حين سمعت كلامها وقالت لها: كيف تخاطبينني بهذا الكلام، ثم قامت لها وضربتها حتى غشي عليها فرشوا على وجهها الماء حتى أفاقت وقد تغيرت محاسنها من شدة الضرب ومن قوة الرباط ومن فرط ما حصل لها من الإهانة ثم أنشدت هذا البيت:

وإذا جنيت وأتيت شـيئاً مـنـكـراً



أنا تائبٌ عما مضى وإليكم مستغفرا

فلما سمعت شعرها نور الهدى غضبت غضباً شديداً وقالت لها: أتتكلمين يا عاهرة قدامي بالشعر وتستعذرين من الذي فعلتيه من الكبائر وكان مرادي أن ترجعي لزوجك حتى أشاهد فجورك وقوة عينك لأنك تفتخرين الذي وقع منك من الفجور والفحش والكبائر، ثم أنها أمرت الغلمان أن يحضروا لها الجريد فاحضروه وشمرت عن ساعديها ونزلت عليها بالضرب من رأسها إلى قدميها ثم دعت بسوط مضفور ولو ضربت به الفيل لهرول مسرعا فنزلت بذلك السوط على ظهرها وبطنها وجميع أعضائها حتى غشي عليها.

فلما رأت العجوز شواهي ذلك من الملكة خرجت هاربة من بين يديها وهي تبكي وتدعو عليها فصاحت على الخدم وقالت لهم: أئتوني بها فتجاروا عليها ومسكوها وأحضروها على وجهها وأخرجوها فسحبوها وأخرجوها من بين يديها، هذا ما كان من أمر هؤلاء.

وأما ما كان من أمر حسن فإنه قام متجلداً ومشى في شاطئ النهر واستقبل البرية وهو حيران مهموم وقد يئس من الحياة، وصار مدهوشاً لا يعرف الليل من النهار، ولشدة ما أصابه وما زال يمشي إلى أن قرب من شجرة فوجد عليها ورقة معلقة فتناولها حسن بيده ونظرها فإذا مكتوب فيها هذه الأبيات:

دبرت أمرك عنـدهـا



كنت الجنين ببطن أمك

وعليك قد حننـتـهـا



حتى لقد جادت بضمك

أنا لـكـافـوك الـذي



يأتي بهمك أو بغمـك

فاضرع إلينا ناهـضـاً



نأخذ بكفك في مهمك

فلما فرغ من قراءة الورقة أيقن بالنجاة من الشدة والظفر بجمع الشمل ثم مشى خطوتين فوجد نفسه وحيداً في موضع قفر خطر لا يجد فيه أحدا يستأنس به، فطار قلبه من الوحدة والخوف وارتعدت فرائصه من هذا المكان المخوف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما قرأ الورقة أيقن بالنجاة من الشدة وتحقق الظفر بجمع الشمل ثم قام ومشى خطوتين فوجد نفسه وحيداً في موضع خطر وما عنده أحد يؤانسه فبكى بكاءً شديداً. وأنشد الأشعار التي ذكرناها، ثم مشى على جانب النهر خطوتين فوجد ولدين صغيرين من أولاد السحرة والكهان وبين أيديهما قضيب من النحاس منقوش بالطلاسم وبجانب القضيب طاقية من الآدم بثلاثة تروك منقوش عليها بالبولاد أسماء وخواتم القضيب والطاقية مرميان على الأرض والولدان يختصمان ويتضاربان عليهما حتى سال الدم بينهما، وهذا يقول: ما يأخذ القضيب إلا أنا وآخر يقول: ما يأخذ القضيب إلا أنا فدخل حسن بينهما وخلصهما من بعضهما وقال لهما: ما سبب هذه المخاصمة؟ فقالا له: يا عم أحكم بيننا فإن الله تعالى ساقك إلينا بالحق فقال لهما: قصا علي حكايتكما وأنا أحكم بينكما، فقالا له: نحن الاثنان أخوان شقيقان وكان أبونا من السحرة الكبار وكان مقيماً في مغارة في هذا الجبل ثم مات وخلف لنا هذه الطاقية وهذا القضيب وأخي يقول: ما يأخذ القضيب إلا أنا وأنا أقول: ما يأخذه إلا أنا، فاحكم بيننا وخلصنا من بعضنا، فلما سمع حسن كلامهما قال لهما: ما الفرق بين القضيب والطاقية وما مقدارهما فإن القضيب بحسب الظاهر يساوي ستة جدد، والطاقية تساوي ثلاثة جدد فقالا له: أنت ما تعرف فضلهما فقال لهما: أي شيء فضلهما فقالا له في كل منهما سر عجيب، وهو أن القضيب يساوي خراج جزائر واق الواق بأقطارها والطاقية كذلك، فقال لهما حسن: يا ولدي بالله اكشفا لي عن سرهما فقالا له: يا عم أن سرهما عظيم لن أبانا عاش مائة وخمساً وثلاثين سنة يعالج تدبيرهما حتى أحكمهما غاية الأحكام وركب فيهما السر المكنون واستخدمهما الاستخدامات الغريبة ونقشهما على مثل الفلك الدائر وحل بهما جميع الطلاسم، وعندما فرغ من تدبيرهما أدركه الموت الذي لا بد لكل أحد منه، فأما الطاقية فإن سرها أن كل من وضعها على رأسه اختفى عن أعين الناس جميعاً فلا ينظره أحد ما دامت على رأسه، وأما القضيب فإن سره أن كل من ملكه يحكم على سبع طوائف من الجن والجميع يخدمون ذلك القضيب فكلهم تحت أمره وحكمه وكل من ملكه وصار في يده إذا ضرب به الأرض خضعت له ملوكها وتكون جميع الجن في خدمته.

فلما سمع حسن هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض ساعة ثم قال في نفسه: والله أنني لمنصور بهذا القضيب وبهذه الطاقية أن شاء الله تعالى فإني أحق بهما منهما، ففي هذه الساعة أتحيل على أخذهما منهما لاستعين بهما على خلاصي وخلاص زوجتي وأولادي من هذه الملكة الظالمة ونسافر من هذا المكان المظلم الذي ما لأحد من الإنس خلاص منه ولا مفر، ولعل الله ما ساقني لهذين الغلامين إلا لاستخلاص منهما القضيب والطاقية.

ثم رفع رأسه إلى الغلامين وقال لهما: إن شئتما فصل القضية فأنا امتحنكما فمن غلب رفيقه يأخذ القضيب ومن عجز يأخذ الطاقية، فإن امتحنتكما وميزت بينكما عرفت ما يستحقه كل منكما، فقالا له: يا عم وكلناك في امتحاننا وأحكم بيننا بما تختار، فقال لهما حسن: هل تسمعان مني وترجعا إلى قولي، فقالا له: نعم، فقال لهما حسن: أنا آخذ حجراً وأرميه فمن سبق منكم إليه وأخذه قبل رفيقه يأخذ القضيب ومن تأخر ولم يلحقه يأخذ الطاقية فقالا: قبلنا منك هذا الكلام ورضينا به. ثم أن حسناً أخذ حجراً ورماه بعزمه فغاب عن العيون فتسارع الغلمان نحوه، فلما بعد أخذ حسن الطاقية ولبسها وأخذ القضيب في يده وانتقل من موضعه لينظر صحة قولهما في شأن سر أبيهما فسبق الولد الصغير إلى الحجر وأخذه ورجع به إلى المكان الذي فيه حسن فلم ير له أثر، فصاح على أخيه وقال له: أين الرجل الحاكم بيننا؟ فقال: لا أراه ولم أعرف هل طلع إلى السماء أو نزل إلى الأرض السفلى، ثم أنهما فتشا عليه فلم ينظراه وحسن واقف في مكانه، فشتما بعضهما وقالا: قد راح القضيب والطاقية لا لي ولا لك وكان أبونا قال لنا هذا الكلام بعينه ولسنا نسينا ما أخبرنا به، ثم أنهما رجعا على أعقابهما ودخل حسن المدينة وهو لابس الطاقية وفي يده القضيب فلم يره أحد من الناس، ثم دخل القصر وطلع إلى الموضع الذي فيه شواهي ذات الدواهي فدخل عليها وهو لابس الطاقية فلم تره، ومشى حتى اقترب من رف كان فوق رأسها وعليه زجاج وصيني فحركه بيده فوقع الذي فوقه على الأرض فصاحت شواهي ذات الدواهي ولطمت على وجهها، ثم قامت وأرجعت الذي وقع إلى مكانه وقالت في نفسها: والله ما أظن إلا أن الملكة نور الهدى أرسلت إلي شيطاناً فعمل معي هذه العملة فأنا اسأل الله أن يخلصني منها ويسلمني من غضبها فيا رب إذا كان هذا فعلها القبيح من الضرب والصلب مع أختها وهي عزيزة عند أبيها، فكيف يكون فعلها مع الغريب مثلي إذا غضبت عليه؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز شواهي ذات الدواهي لما قالت: إذا كانت الملكة نور الهدى تفعل هذه الفعال مع أختها فكيف يكون حال الغريب معها إذا غضبت عليه؟ ثم قالت: أقسمت عليك أيها الشيطان بالحنان المنان العظيم الشأن القوي السلطان خالق الأنس والجان وبالنقش الذي على خاتم سليمان بن داود عليه السلام أن تكلمني وتجيبني، فأجابها حسن الولهان الهائم الحيران، ثم قلع الطاقية من فوق رأسه فظهر للعجوز وعرفته واختلت به وقالت له: أي شيء حصل لك في عقلك حتى عبرت إلى هنا؟ رح اختف فإن هذه الفاجرة صنعت بزوجتك ما صنعت من العذاب وهي أختها فكيف إذا وقعت بك؟ ثم حكت له جميع ما وقع لزوجته وما هي فيه من الضيق والعقوبة والعذاب، وكذلك ما وقع لها من العذاب ثم قالت أن الملكة ندمت حيث أطلقتك، وقد أرسلت إليك من يحضرك لها وتعطيه من الذهب قنطاراً وتجعله في رتبتي عندها وحلفت أن رجعوك قتلتك وتقتل زوجتك وأولادك، ثم أن العجوز بكت وأظهرت لحسن ما فعلته الملكة بها فبكى حسن وقال لها: يا سيدتي كيف الخلاص من هذه الديار ومن هذه الملكة الظالمة وما الحيلة التي توصلني إلى أن أخلص زوجتي وأولادي ثم أرجع بهم إلى بلادي فقالت له العجوز ويلك انج بنفسك فقال لا بد من خلاصها وخلاص أولادي منها قهراً عنها فقالت له العجوز وكيف تخلصهم قهراً عنها رح وأختف يا ولدي حتى يأذن الله تعالى ثم أن حسناً أراها القضيب النحاس والطاقية.

فلما رأتهما العجوز فرحت بهما فرحاً شديداً وقالت له سبحان من يحيي العظام وهي رميم والله ما كنت أنت وزوجتك إلا من الهالكين والآن يا ولدي قد نجوت أنت وزوجتك وأولادك لأني أعرف القضيب وأعرف صاحبه فإنه كان شيخي الذي علمني السحر وكان ساحراً عظيماً مكث مائة وخمساً وثلاثين سنة حتى كان أتقن هذا القضيب وهذه الطاقية فلما انتهى من إتقانهما أدركه الموت الذي لا بد منه وسمعته يقول لولديه يا ولدي هذان ما هما من نصيبكما وإنما يأتي شخص غريب الديار يأخذهما منكما قهراً ولا تعرفان كيف يأخذهما: فقالا يا أبانا عرفنا كيف يصل إلى أخذهما فقال لا أعرف ذلك، فكيف وصلت يا ولدي لأخذهما من الولدين، فحكى لها كيف أخذهما من الولدين. فلما حكى لها فرحت بذلك وقالت له: يا ولدي كما ملكت زوجتك وأولادك أسمع مني ما أقول لك عليه أنا ما بقي لي عند هذه الفاجرة إقامة بعدما تجاسرت علي ونكلتني وأنا راحلة من عندها إلى مغارة السحرة لأقيم عندهم وأعيش معهم إلى أن أموت وأنت يا ولدي البس الطاقية وخذ القضيب في يدك وأدخل على زوجتك وأولادك في المكان الذي هم فيه وأضرب الأرض بالقضيب وقل يا خدام هذه الأسماء تطلع إليك خدامه فإن طلع لك أحد من رؤوس القبائل فأمره بما تريد وتختار ثم أنه ودعها وخرج ولبس الطاقية وأخذ القضيب معه ودخل المكان الذي فيه زوجته فرآها في حالة العدم مصلوبة على السلم وشعرها مربوط فيه وهي باكية العين حزينة القلب في أسوأ حال لا تدري طريقة لخلاصها وأولادها تحت السلم يلعبون وهي تنظرهم وتبكي عليهم وعلى نفسها بسبب ما جرى لها مما أصابها، وهي تقاسي من العذاب والضرب المؤلم أشد النكال، فلما رآها في أسوأ الحالات سمعها تنشد هذه الأبيات:

لم يبق إلا نفـسٌ هـافـت



ومقلة إنسانـهـا بـاهـت

ومغرمٌ تضـرم أحـشـاؤه



بالنـار إلا أنـه سـاكـت

يرثي له الشامات مما رأى



يا ويح من يرثي له الشامت

ثم أن حسنا لما رآها بما هي من العذاب والذل والهوان بكى حتى غشى عليه فلما أفاق ورأى أولاده وهم يلعبون وقد غشي على أمهم من كثرة التألم كشف الطاقية عن رأسه فصاحوا يا أبانا فغطى رأسه، واستفاقت أمهم على صياحهم فلم تنظر زوجها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوجة حسن لما أفاقت من غشيتها على صياح أولادها وهما يقولان: يا أبانا، وقد التفتت يميناً وشمالاً لترى سبب صياح أولادها وندائهم لأبيهم فلم تر أحداً تعجبت من ذكر أولادها لأبيهم في هذا المكان، هذا ما كان من أمرهم وأما ما كان من أمر حسن لما رآها هكذا بكى حتى غشي عليه وخرت دموعه على خديه مثل المطر ودنا من الأولاد وكشف الطاقية فلما راوه عرفوه وصاحوا بقولهم يا أبانا فبكت أمهم حين سمعتهم يذكرون أباهم وقالت: لا حيلة في قدرة الله وقالت في نفسها يا للعجب ما سبب ذكرهم لأبيهم في هذا الوقت وندائهم له فلم يطق حسن الصبر حتى كشف الطاقية عن رأسه فنظرته زوجته، فلما عرفته زعقت زعقة أزعجت جميع من في القصر ثم قالت له: كيف وصلت إلى هنا؟ هل من السماء نزلت أو من الأرض طلعت ثم تغرغرت عيونها بالدموع فبكى حسن.

فقالت له يا رجل ما هذا وقت بكاء ولا وقت عتاب قد نفذ الفضاء وعمي البصر وجرى القلم بما حكم الله في القدم فبالله عليك من أي مكان جئت اذهب وأختفي لئلا بنظرك أحد فتعلم أختي بذلك فتذبحني وتذبحك فقال لها: حسن يا سيدتي سيدة كل ملكة أنا خاطرت بروحي وجئت إلى هنا فأما أن أموت وأما أن أخلصك من الذي أنت فيه وأسافر أنا وأنت وأولادي إلى بلادي على رغم أنف هذه الفاجرة أختك، فلما سمعت كلامه تبسمت وضحكت وصارت تحرك رأسها فترة طويلة وقالت له: هيهات يا روحي أن يخلصني مما أنا فيه إلا الله تعالى ففز بنفسك وأرحل ولا ترم روحك في الهلاك فما حل بي هذا إلا لكوني عاصيتك وخالفت أمرك وخرجت من غير إذنك فبالله عليك يا رجل لا تؤاخذني بذنبي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوجة حسن اعتذرت إليه وقالت له لا تؤاخذني بذنبي وأعلم أن المرأة ما تعرف قيمة الرجل حتى تفارقه، وأنا أذنبت وأخطأت ولكن استغفر الله العظيم مما وقع مني وأن جمع الله شملنا لا أعصي لك أمراً بعد ذلك أبداً فقال لها حسن وقد أوجعه قلبه عليها: أنت ما أخطأت وما أخطأ إلا أنا لأني سافرت وخليتك عند من لا يعرف قدرك ولا يعرف لك قيمة ولا مقدار وأعلمي يا حبيبة قلبي وثمرة فؤادي ونور عيني أن الله سبحانه وتعالى قدرني على تخليصك، فهل تحبين أن أوصلك إلى دار أبيك وتستوفي عنده ما قدر الله عليك أو تسافرين إلى بلادنا عن قريب حيث حصل لك الفرج. فقالت له: ومن يقدر على تخليصي إلا رب السماء فرح إلى بلادك وخل عنك الطمع فإنك لا تعرف أخطار هذه الديار وأن لم تطعني سوف تنظر ثم أنها أنشدت هذه الأبيات:

علي وعندي ما تريد من الـرضـا



فما لك غضباناً علي ومعـرضـا

وما قد جرى حاشى الذي كان بيننا



من الود أن ينسى قديماً وينقـضـا

وما برح الواشي لنا متـجـنـبـاً



فلما رأى الأعراض منا تعرضـا

فأني بحسن الظن منـك لـواثـق



وأن جهل الواشي وقال وحرصـا

فنكتم سراً بـينـنـا ونـصـونـه



ولو كان سيف العذل باللوم منتضى

أظل نهاري كـلـه مـتـشـوقـاً



لعل بشيراً منك يبقى بـالـرضـا

ثم بكت هي وأولادها، فسمع الجواري بكاءهم فدخلن عليهم فوجدت الملكة منار السنا تبكي هي وأولادها ولم ينظرن حسنا عندهم فبكى الجواري رحمة لهم ودعون على الملكة نور الهدى فصبر حسن إلى أن أقبل الليل وذهب الحراس الموكلون بها إلى مراقدهم، ثم بعد ذلك قام وشد وسطه وجاء إلى زوجته وحلها وقبل رأسها وضمها إلى صدره وقبلها بين عينيها وقال لها: ما أطول شوقنا إلى ديارنا واجتماع شملنا هناك فهل اجتماعنا هذا في المنام أو في اليقظة ثم أنه حمل ولده الكبير وحملت هي الولد الصغير وخرجا من القصر وأسبل الله عليهما الستر وسارا فلما وصلا إلى خارج القصر وقفا عند الباب الذي يقفل على سراية الملكة فلما صار هناك رأياه مقفولا فقال حسن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنا الله وأنا إليه راجعون ثم أنهما يئسا من الخلاص.

فقال حسن يا مفرج الكروب ودق يد على يد وقال: كل شيء حسبته ونظرت في عاقبته إلا هذا فإنه إذا طلع علينا النهار يأخذوننا وكيف تكون الحيلة في هذا الأمر فقالت زوجته: والله ما لنا فرج إلا أن نقتل أرواحنا ونستريح من هذا التعب العظيم ولا نصبح نقاسي العذاب الأليم فبينما هما في الكلام وإذا بقائل يقول من خارج الباب والله ما أفتح لك يا سيدتي منار السنا وزوجك حسن إلا أن تطاوعاني فيما أقوله لكما فلما سمعا هذا الكلام منه سكتا وأراد الرجوع إلى المكان الذي كانا فيه وإذا بقائل يقول ما لكما سكتا ولم ترد على الجواب فعرفا صاحب القول وهي العجوز شواهي ذات الدواهي.

فقالا لها: بما تأمرينا به نعمله ولكن افتحي الباب فإن هذا الوقت ما هو وقت كلام فقالت لهما: والله ما أفتح لكما حتى تحلفا لي أنكما تأخذاني معكما ولا تتركاني عند هذه العاهرة ومهما أصابكما أصابني وأن سلمتما سلمت وأن عطبتما عطبت فإن هذه الفاجرة المساحقة تحتكرني وفي كل ساعة تنكلني من أجلكما وأنت يا ابنتي تعرفين مقداري. فلما عرفاها اطمأنا لها وحلفا لها بما تثق ففتحت لهما الباب وخرجا فلما خرج وجداها راكبة على زير رومي من فخار أحمر وفي حلق الزير حبل من ليف وهو يتقلب من تحتها ويجري جري المهر النجدي.
فتقدمت قدامهما وقالت لهما اتبعاني ولا تفزعا من شيء فإني أحفظ أربعين بابا من السحر، أقل باب منها أجعل به هذه المدينة بحراً عجاجاً متلاطما بالأمواج وأسحر كل بنت فيها فتصير سمكة، وكل ذلك أعمله قبل الصبح ولكني كنت لا أقدر أن أفعل شيئاً من ذلك الشر خوفاً من الملك أبيها ورعاية لأخوتها لأنهم مستعزون بكثرة الأعوان والأرهاط والخدم ولكن سوف أريكما عجائب سحري فسيروا بنا على بركة الله تعالى وعونه فعند ذلك فرح حسن هو وزوجته وأيقنا بالخلاص.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً وزوجته والعجوز شواهي لما طلعوا من القصر وأيقنوا بالخلاص خرجوا إلى ظاهر المدينة، فأخذ حسن القضيب بيده وضرب به الأرض وقوي جنانه وقال يا خدام هذه الأسماء احضروا إلي وأطلعوني على إخوانكم وإذا بالأرض قد انشقت وخرج منها عشر عفاريت كل عفريت منهم رجلاً في تخوم الأرض ورأسه في السحاب فقلبوا الأرض بين يدي حسن ثلاث مرات، وقالوا كلهم بلسان واحد لبيك يا سيدنا والحاكم علينا بأي شيء تأمرنا فنحن لأمرك سامعون ومطيعون أن شئت نيبس لك البحار وننقل لك الجبال من أماكنها. ففرح حسن بكلامهم وبسرعة جوابهم وشجع قلبه وقوى جنانه وعزمه وقال لهم من أنتم وما أسمكم ولمن تنسبون من القبائل ومن أي طائفة أنتم ومن أي قبيلة ومن أي رهط فقبلوا الأرض ثانيا وقالوا بلسان واحد: نحن سبع ملوك كل ملك منا يحكم على سبع قبائل من الجن والشياطين والمردة والأرهاط والأعوان الطيارة والغواصة وسكان الجبل والبراري والقفار وعمار البحار فأمرنا بما تريد فنحن لك خدام وعبيد ولك من ملك هذا القضيب ملك رقابنا جميعاً ونصير تحت طاعته.
فلما سمع حسن كلامهم فرح فرحاً عظيماً وكذلك زوجته والعجوز فعند ذلك قال حسن للجان: أريد منكم أن تطلعوني على أرهاطكم وجنودكم وأعوانهم فقالوا: يا سيدنا إذا أطلعناك على رهطنا نخاف عليك وعلى من معك لأنهم جنود كثيرة مختلفة الصور والخلق والألوان والوجوه والأبدان فمنا روسي بلا أبدان ومنا أبدان بلا روسي ومنا من هو على صفة السباع، ولكن أن شئت ذلك فلا بد لنا من أن نعرض عليك أولا من هو على صفة الوحوش ولكن يا سيدي ما تريد منا في هذا الوقت.

فقال لهم حسن: أريد منكم أن تحملوني أنا وزوجتي وهذه المرأة الصالحة في هذه الساعة إلى مدينة بغداد فلما سمعوا كلامه أطرقوا برؤوسهم فقال لهم حسن لم لا تجيبوني فقالوا بلسان واحد أيها السيد الحاكم علينا أننا من عهد السيد سليمان بن داود عليهما السلام وكان حلفنا أننا لا نحمل أحد من بني آدم على ظهورنا فنحن من ذلك الوقت ما حملنا أحد من بني آدم على أكتافنا ولا على ظهورنا ولكن في هذه الساعة نشد لك من خيول الجن ما يبلغك مرادك أنت ومن معك فقال لهم حسن وكم بيننا وبين بغداد فقالوا له مسافة سبع سنين للفارس المجد؟ فتعجب حسن من ذلك وقال لهم كيف جئت أنا إلى هنا فيما دون السنة فقالوا له أنت قد حنن الله عليك قلوب عباده الصالحين ولولا ذلك ما كنت تصل هذه الديار والبلاد ولا تراها بعينك أبدا لأن الشيخ عبد القدوس الذي أركبك الفيل وأركبك الجواد الميمون قطع بك في الثلاثة أيام ثلاث سنين للفارس المجد في السير وأما الشيخ أبو الريش الذي أعطاك لدهنش فإنه قطع بك في اليوم والليلة مسافة ثلاث سنين وهذا من بركة الله العظيم لأن الشيخ أبو الريش من ذرية آصف بن برخيا وهو يحفظ اسم الله الأعظم ومن بغداد إلى قصر البنات سنة فهذه هي السبع سنين.

فلما سمع حسن كلامه تعجب تعجباً عظيماً وقال سبحانه الله مهون العسير وجابر الكسير ومقرب البعيد ومذل كل جبار عنيد الذي هون على كل أمر وأوصلني إلى هذه الديار وسخر لي هؤلاء العالم وجمع شملي بزوجتي وأولادي فما أدري هل أنا نائم أو يقظان وهل أنا صاح أم سكران، ثم التفت إليهم وقال لهم إذا أركبتموني خيولكم في كم يوم توصلنا إلى بغداد فقالوا: تصل بك فيما دون السنة بعد أن تقاسي الأمور الصعاب والشدائد والأهوال وتقطع أودية معطشة وقفاراً موحشة وبراري ومهالك كثيرة، ولا نأمن عليك يا سيدي من أهل هذه الجزائر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجان قالوا لحسن لا نأمن عليك يا سيدي من أهل هذه الجزائر ولا من شر الملك الأكبر ولا من هذه السحرة والكهنة فربما يقهرونا ويأخذوكم منا ونبتلي بهم وكل من بلغه الخبر بعد ذلك يقول لنا أنتم الظالمون كيف قدمتم على الملك الأكبر وحملتم أيضا ابنته معكم ولو كنت معنا وحدك لهان علينا الأمر ولكن الذي أوصلك إلى هذه الجزائر قادر أن يوصلك إلى بلادك ويجمع شملك بأمك قريبا غير بعيد فاعزم وتوكل على الله ولا تخف فنحن بين يديك حتى نوصلك إلى بلادك فشكرهم حسن على ذلك وقال لهم جزاكم الله خيرا ثم قال لهم عجلوا بالخيل.

فقالوا سمعاً وطاعةً ثم دقوا الأرض بأرجلهم فغابوا فيها ساعة ثم حضروا وإذا بهم قد طلعوا ومعهم ثلاثة أفراس مسرجة ملجمة وفي مقدم كل سرج خرج في إحدى عينيه ركوة ملآنة ماء والعين الأخرى ملآنة زادا ثم قدموا الخيل فركب حسن جواده وأخذ ولدا قدامه وركبت زوجته الجواد الثاني وأخذت ولد قدامها ثم نزلت العجوز من فوق الزير وركبت الجواد الثالث وساروا ولم يزالوا سائرين طوال الليل حتى أصبح الصباح فخرجوا عن الطريق وقصدوا الجبل وألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله وساروا النهار كله تحت الجبل.

فبينما هم سائرون وإذ نظر حسن إلى جبل قدامه مثل العمود وهو طويل كالدخان المتصاعد إلى السماء فقرأ شيئاً من القرآن وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فصار ذلك السواد يظهر كلما تقربوا منه فلما دنوا منه وجدوه عفريتا رأسه كالقبة العظيمة وأنيابه كالكلاليب ومنخراه كالإبريق وأذناه كالأدراق وفمه كالمغارة وأسنانه كعواميد الحجارة ويداه كالمداري ورجلاه كالصواري ورأسه في السحاب وقدمه في تخوم الأرض تحت التراب.

فلما نظر حسن إلى العفريت انحنى وقبل الأرض بين يديه فقال له: يا حسن لا تخف مني أنا رئيس عمار ذلك الأرض، وهذه أول جزيرة من جزائر واق الواق وأنا مسلم موحد بالله وسمعت بكم وعرفت قدومكم ولما أطلعت على حالكم اشتهيت أن أرحل من بلاد السحرة إلى أرض غيرها تكون خالية من السكان بعيدة عن الأنس والجان أعيش فيها منفردا وحدي وأعبد الله حتى يدركني أجلي فأردت أن أرافقكم وأكون دليلكم حتى تخرجوا من هذه الجزائر وأنا ما أظهر إلا بالليل فطيبوا قلوبكم من جهتي فإنني مسلم مثل ما أنتم مسلمون.
فلما سمع حسن كلام العفريت فرح فرحاً شديداً وأيقن بالنجاة ثم التفت إليه وقال له جزاك الله خيراً فسر معنا على بركة الله فسار العفريت قدامهم وساروا يتحدثون ويلعبون وقد طابت قلوبهم وانشرحت صدورهم وصار حسن يحكي لزوجته جميع ما قاساه ولم يزالوا سائرين طول الليل وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنهم لم يزالوا سائرين طول الليل إلى الصباح والخيل تسير كالبرق الخاطف فلما طلع النهار مد كل واحد يده في خرجه وأخرج منه شيئاً وأكله وأخرج ماء وشربه ثم جدوا السير ولم يزالوا سائرين والعفريت أمامهم وقد عرج بهم عن الطريق إلى طريق أخرى غير مسلوكة على شاطئ البحر وما زالوا يقطعون الأودية والقفار مدة شهر كامل وفي اليوم الحادي والثلاثين طلعت عليهم غبرة سدت الأقطار وأظلم منها النهار فلما نظرها حسن لحقه الاصفرار وقد سمعوا ضجات مزعجة فالتفتت العجوز إلى حسن وقالت يا ولدي هذه عساكر واق الواق قد لحقونا وفي هذه الساعة يأخذوننا قبضا باليد.

فقال لها حسن ما أصنع يا أمي فقالت له أضرب الأرض بالقضيب ففعل فطلع إليه السبعة ملوك وسلموا عليه وقبلوا الأرض بين يديه وقالوا له لا تخف ولا تحزن ففرح حسن بكلامهم وقال أحسنتم يا سادة الجن والعفاريت هذا وقتكم فقالوا له أطلع أنت وزوجتك وأولادك ومن معك فوق الجبل وخلونا نحن وإياهم لأننا نعرف أنكم على الحق وهم على الباطل وينصرنا الله عليه فنزل حسن هو وزوجته وأولاده والعجوز عن ظهور الخيل وطلعوا على طرف الجبل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا صعد هو وزوجته وأولاده والعجوز على طرف الجبل بعد أن صرفوا الخيل ثم بعد ذلك أقبلت الملكة نور الهدى بعساكر ميمنة وميسرة ودارت عليهم النقباء وصفوهم جملة وقد التقى العسكران وتصادم الجمعان والتهبت النيران وأقدمت الشجعان وفر الجبان ورمت الجن من أفواهها لهيب الشرر إلى أن أقبل الليل بالإعتكار فافترق الجمعان وانفصل الفريقان ولما نزلوا عن خيولهم واستقروا على الأرض أشعلوا النيران وطلع السبعة ملوك إلى حسن وقبلوا الأرض بين يديه فأقبل عليهم وشكرهم ودعا لهم بالنصر وسألهم عن حالهم مع عسكر الملكة نور الهدى.

فقالوا له أنهم لا يثبتون معنا غير أيام فنحن كنا اليوم ظافرين بهم وقد قبضنا منهم مقدار ألفين وقتلنا منهم خلقاً كثيراً لا يحصى عددهم فطب نفساً وانشرح صدراً ثم أنهم ودعوه ونزلوا إلى عسكرهم يحرسونه وما زالوا يشعلون النيران إلى أن طلع الصباح وأضاء بنوره ولاح فركبت الفرسان الخيل القراح وتضاربوا بمرهقات الصفاح وتطاعنوا بسمر الرماح وباتوا على ظهور الخيل وهم يلتطمون التطام البحار واستعر بينهم في الحرب لهيب النار ولم يزالوا في نضال وسباق حتى انهزمت عساكر واق الواق وانكسرت شوكتهم وانحطت همتهم وزلت أقدامهم وأينما هربوا فالهزيمة قدامهم فولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وقتل أكثرهم وأسرت الملكة نور الهدى هي وكبار مملكتها وخواصها. فلما أصبح الصباح حضر الملوك السبعة بين يدي حسن ونصبوا له سريراً من المرمر مصفحاً بالدر والجوهر فجلس فوقه ونصبوا عنده سريراً آخر للسيدة منار السنا زوجته وذلك السرير من العاج المصفح بالذهب الوهاج ونصبوا سريراً آخر للعجوز شواهي ذات الدواهي ثم أنهم قدموا الأساري بين يدي حسن ومن جملتهم الملكة نور الهدى وهي مكتفة اليدين مقيدة الرجلين فلما رأتها العجوز قالت لها ما جزاؤك يا فاجرة يا ظالمة إلا أن يجوع كلبتان ويربطا معك في أذناب الخيل ويساقان إلى البحر حتى يتمزق جلدك وبعد ذلك يقطع من لحمك وتطعمين منه كيف فعلت بأختك هذه الفعال يا فاجرة مع إنها تزوجت في الحلال بسنة الله ورسوله لأنه لا رهبانية في الإسلام والزواج من سنن المرسلين عليهم السلام وما خلقت النساء إلا للرجال.

فعند ذلك أمر حسن بقتل الأساري جميعهم فصاحت العجوز وقالت اقتلوهم ولا تبقوا منهم أحداً فلما رأت الملكة منار السنا أختها في هذه الحالة وهي مقيدة مأسورة بكت عليها وقالت لها: يا أختي من هذا الذي أسرنا في بلادنا وغلبنا فقالت لها هذا أمر عظيم أن هذا الرجل الذي اسمه حسن قد ملكنا وحكمه الله فينا وفي سائر ملكنا وتغلب علينا وعلى ملوك الجن فقالت لها أختها ما نصره الله عليكم ولا قهرهم ولا أسركم إلا بهذه الطاقية والقضيب.

فتحققت أختها ذلك وعرفت أنه خلصها بهذا السبب ثم أن السيدة منار السنا حكت لأختها جميع ما جرى لها مع زوجها حسن وجميع ما جرى له وما قاساه من أجلها وقالت لها يا أختي من كانت هذه الفعال فعالة وهذه القوة قوته وقد أيده الله تعالى بشدة الناس حتى دخل بلادنا وأخذك وأسرك وهزم عسكرك وقهر أباك الملك الأكبر الذي يحكم على ملوك الجن يجب أن لا يفرط حقه فقالت لها أختها والله يا أختي لقد صدقت فيما أخبرتيني به من العجائب التي قاساها هذا الرجل وهل كل هذا من أجلك يا أختي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة منار السنا لما أخبرت أختها بأوصاف حسن قالت لها والله أن هذا الرجل ما يفرط فيه خصوصاً بسبب مروأته وهل كل هذا من أجلك فقالت نعم ثم أنهم باتوا يتحدثون إلى الصباح فلما طلعت الشمس أرادوا الرجل فودع بعضهم بعضاً وودعت منار السنا والعجوز بعدما أصلحت بينها وبين أختها نور الهدى فبعد ذلك ضرب حسن الأرض بالقضيب فطلع له خدامه وسلموا عليه وقالوا له الحمد لله على هدو سرك فأمرنا بما تريد حتى نعمله في أسرع من لمح البصر.

فشكرهم على قولهم وقال لهم جزاكم الله خيراً ثم أنه قال لهم شدوا لنا جوادين من أحسن الخيل ففعلوا ما أمرهم به في الوقت وقدموا له جوادين مسرجين فركب حسن جواداً منهما وأخذ ولده الكبير قدامه وركبت زوجته الجواد وأخذت ولدها الصغير قدامها وركبت الملكة نور الهدى هي والعجوز وتوجه الجميع إلى بلادهم فسار حسن هو وزوجته يميناً وسارت الملكة نور الهدى هي والعجوز شمالاً ولم يزل حسن سائراً هو وزوجته وأولاده مدة شهر كامل وبعد الشهر أشرفوا على المدينة فوجدوا حولها أثماراً وأنهاراً.

فلما وصلوا إلى تلك الأشجار نزلوا عن ظهور الخيل وأراد الراحة، ثم جلسوا يتحدثون وإذا هم بخيول كثيرة قد أقبلت عليهم فلما رآهم حسن قام على رجليه وتلقاهم وإذا هم الملك حسون صاحب أرض الكافور وقلعة الطيور فعند ذلك تقدم حسن إلى الملك وقبل يديه وسلم عليه، ولما رآه الملك ترجل عن ظهر جواده وجلس هو وحسن على الفرش تحت الأشجار بعد أن سلم على حسن وهنأه بالسلامة وفرح به فرحاً شديداً وقال له يا حسن أخبرني بما جرى لك من أوله إلى آخره فأخبره حسن بجميع ذلك، فتعجب منه الملك حسون وقال: يا ولدي ما وصل أحد إلى جزائر واق الواق ورجع منها أبداً إلا أنت فأمرك عجيب ولكن الحمد لله على السلامة.

ثم بعد ذلك قام الملك وركب وأمر حسناً أن يركب ويسير معه ففعل، ولم يزالوا سائرين إلى أن أتوا إلى المدينة فدخل دار الملك فنزل الملك حسون ونزل حسن هو وزوجته وأولاده في دار الضيافة وأقاموا عنده ثلاثة أيام في أكل وشرب ولعب وطرب، ثم بعد ذلك استأذن حسن الملك حسون في السفر إلى بلاده فأذن له فركب هو وزوجته وأولاده وركب الملك معهم وساروا عشرة أيامٍ. فلما أراد الملك الرجوع ودع حسناً وسار حسن هو وزوجته وأولاده ولم يزالوا سائرين مدة شهر كامل، فلما كان بعد الشهر أشرفوا على مغارة كبيرة أرضها من النحاس الأصفر فقال حسن لزوجته وأولاده انظري هذه المغارة هل تعرفينها قالت نعم قال إن فيها شيخاً يسمى أبي الريش وله فضل علي كبير لأنه هو الذي كان سبب في المعرفة بيني وبين الملك حسون وصار يحدث زوجته يخبر أبي الريش وإذا بالشيخ أبي الريش خارج من المغارة.

فلما رآه حسن نزل عن جواده وقبل يديه فسلم عليه الشيخ أبو الريش وهنأه بالسلامة وفرح به وأخذه ودخل به المغارة وجلس وإياه وصار يحدث الشيخ أبا الريش بما جرى له في جزائر واق الواق فتعجب الشيخ أبو الريش غاية العجب وقال: يا حسن كيف خلصت زوجتك وأولادك فحكى له حكاية القضيب والطاقية.

فلما سمع الشيخ أبو الريش تلك الحكاية تعجب وقال: يا حسن يا ولدي لولا هذا القضيب وهذه الطاقية ما كنت خلصت زوجتك وأولادك، فقال له حسن نعم يا سيدي.

وبينما هما في الكلام وإذا بطارق يطرق باب المغارة فخرج الشيخ أبو الريش وفتح الباب فوجد الشيخ عبد القدوس قد أتى وهو راكب فوق الفيل فتقدم الشيخ أبو الريش وسلم عليه وأعتنقه وفرح به فرحاً عظيماً وهنأه بالسلامة، وبعد ذلك قال الشيخ أبو الريش لحسن أحك للشيخ عبد القدوس جميع ما جرى لك يا حسن فشرع حسن يحكي للشيخ جميع ما جرى له من أوله إلى آخره إلى أن وصل إلى حكاية القضيب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً شرع يحكي للشيخ عبد القدوس والشيخ أبي الريش وهم في المغارة يتحدثون جميع ما جرى له من أوله إلى آخره إلى أن وصل إلى حكاية القضيب والطاقية فقال الشيخ عبد القدوس لحسن: يا ولدي أما أنت فقد خلصت زوجتك وأولادك ولم يبق لك حاجة بهم، وأما نحن فإننا كنا السبب في وصولك إلى جزائر واق الواق وقد عملت معك الجميل لأجل بنات أخي وأنا أسألك من فضلك وإحسانك أن تعطيني القضيب وتعطي الشيخ أبا الريش الطاقية.

فلما سمع حسن كلام الشيخ عبد القدوس أطرق رأسه إلى الأرض واستحى أن يقول ما أعطيهما لكما، ثم قال في نفسه: إن هذين الشيخين فعلا معي جميلاً عظيماً وهما اللذان كانا السبب في وصولي إلى جزائر واق الواق ولولاهما ما وصلت إلى هذه الأماكن ولا خلصت زوجتي وأولادي ولا حصلت على هذا القضيب وهذه الطاقية، ثم رفع رأسه وقال نعم أعطيهما لكما ولكن يا سادتي أني أخاف من الملك الأكبر والد زوجتي أن يأتيني بعساكر إلى بلادنا فيقاتلونني ولا أقدر على دفعهم إلا بالقضيب والطاقية.

فقال الشيخ عبد القدوس لحسن: يا ولدي لا تخف فنحن لك جواسيس في هذا الموضع وكل من أتى إليك من عند والد زوجتك ندفعه عنك ولا تخف من شيء، فطب نفساً وقر عيناً وانشرح صدراً ما عليك بأس، فلما سمع حسن كلام الشيخ أخذه الحياء وأعطى الطاقية للشيخ أبي الريش وقال للشيخ عبد القدوس أصحبني إلى بلادي وأنا أعطيك القضيب، ففرح الشيخان بذلك فرحاً شديداً وجهزا لحسن من الأموال والذخائر ما يعجز عنه الوصف ثم أقام عندهما ثلاثة أيام.

وبعد ذلك طلب السفر فتجهز الشيخ عبد القدوس للسفر معه فركب حسن دابة وأركب زوجته دابة فصفر الشيخ عبد القدوس وإذا بفيل عظيم قد أقبل يهرول بيديه ورجليه من صدر البرية فأخذه الشيخ عبد القدوس وركبه وسار هو وحسن وزوجته وأولاده، وأما الشيخ عبد الريش فإنه دخل المغارة وما زال حسن وزوجته وأولاده والشيخ عبد القدوس سائرين يقطعون الأرض بالطول والعرض والشيخ عبد القدوس يدلهم على الطريق السهلة والمنافذ القريبة حتى قربوا من الديار وفرح حسن بقربه من ديار والدته ورجوع زوجته وأولاده إليه، وحين وصل حسن إلى تلك الديار بعد هذه الأهوال الصعبة حمد الله تعالى على ذلك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسن حمد الله تعالى على نجاته من تلك الأهوال الصعبة وشكره على نعمته وفضله ونظروا إذا هم قد لاحت لهم القبة الخضراء والفسقية والقصر الأخضر ولاح لهم جبل السحاب من بعيد فقال الشيخ عبد القدوس يا حسن أبشر بالخير فأنت الليلة ضيف عند بنات أخي ففرح حسن بذلك فرحاً شديداً وكذلك زوجته ثم نزلوا عند القبة واستراحوا وأكلوا وشربوا ثم ركبوا وساروا حتى قربوا من القصر فلما أشرفوا عليه خرجت لهم بنات أخ الشيخ عبد القدوس وتلقيتهم وسلمن عليهم وعلى عمهم وسلم عليهم عمهم وقال لهم يا بنات أخي ها أنا قد قضيت حاجة أخيكم حسن وساعدته على خلاص زوجته وأولاده.

فتقدمن إليه البنات وعانقنه وفرحن به وهنينه بالسلامة والعافية وجمع الشمل بزوجته وأولاده وكان عندهن يوم عيد ثم تقدمت أخت حسن الصغيرة وعانقته وبكت بكاءً شديداً وكذلك حسن بكى معها على طول الوحشة ثم شكت له ما تجده من ألم الفراق وتعب سرها وما قاسته من فراقه، وأنشدت هذين البيتين:

وما نظرت من بعد بعدك مقلتـي



إلى أحد إلا وشخـصـك مـائل

وما غمضت إلا رأيتك في الكرى



كأنك بين الجفن والعـين نـازل

فلما فرغت من شعرها فرحت فرحاً شديداً فقال لها حسن يا أختي أنا ما أشكر أحد في هذا الأمر إلا أنت من دون سائر الأخوات فالله تعالى يكون لك بالعون والعناية، ثم أنه حدثها بجميع ما جرى له في سفره من أوله إلى آخره وما قاساه وما اتفق له مع أخت زوجته، وكيف خلص زوجته وأولاده وحدثها بما رآه من العجائب والأهوال الصعاب حتى أن أختها كانت أرادت أن تذبحه وتذبحها وتذبح أولادها وما سلمهم منها إلا الله تعالى، ثم حكى لها حكاية القضيب والطاقية وإن الشيخ أبا الريش والشيخ عبد القدوس طلباهما منه وأنه ما أعطاهما لهما إلا من شأنها فشكرته على ذلك ودعت له بطول البقاء.

فقال والله ما أنسى كل ما فعلتيه معي من الخير من أول الأمر إلى آخره فالتفتت أخته إلى زوجته منار السنا وعانقتها وضمت أولادها إلى صدرها ثم قالت لها: يا بنت الملك الأكبر أما في قلبك رحمة حتى فرقت بينه وبين أولاده وأحرقت قلبه عليهم فهل كنت تريدين بهذا الفعل أن تموتيه فسكتت وقالت: بهذا حكم الله سبحانه وتعالى ومن خادع الناس خدعه الله ثم أنه أقام عندهم عشرة أيام في أكل وشرب وفرح وسرور، ثم بعد العشرة أيام تجهز حسن للسفر فقامت أخته وجهزت له من المال والتحف ما يعجز عنه الوصف ثم ضمته إلى صدرها لأجل الوداع وعانقته وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخت حسن لما ضمته إلى صدرها ثم أن حسناً أعطى الشيخ عبد القدوس القضيب، ففرح به فرحاً شديداً وشكر حسن على ذلك وبعد أن أخذه منه ركب ورجع إلى محله ثم ركب حسن هو وزوجته وأولاده من قصر البنات، فخرجوا معه يودعونه وبعد ذلك رجعوا ثم توجه حسن إلى بلاده فسار في البر الأقفر مدة شهرين وعشرة أيام حتى وصل إلى مدينة بغداد دار السلام فجاء إلى داره من باب السر الذي يفتح إلى جهة الصحراء والبرية وطرق الباب وكانت والدته من طول غيبته قد هجرت المنام ولزمت الحزن والبكاء والعويل حتى مرضت وصارت لا تأكل طعاماً ولا تلتذ بمنام بل تبكي في الليل والنهار ولا تفتر عن ذكر ولدها وقد يئست من رجوعه إليها فلما وقف على باب وسمعها تبكي وتنشد هذه الأبيات:

بالله يا سادتي طيبوا مريضـكـم



فجسمه ناحل والقلب مكسـور

فإن سمحتم بوصل منكم كرمـاً



فالصب من نعم الأحباب مغمور

لا بأس من قربكم فالله مقـتـدر



فبينما العسر إذ دارت مياسـير

فلما فرغت من شعرها سمعت ولدها حسن ينادي على الباب يا أماه أن الأيام قد سمحت بجمع الشمل، فلما سمعت كلامه عرفته فجاءت إلى الباب وهي ما بين مصدقة ومكذبة، فلما فتحت الباب رأت ولدها واقفاً هو وزوجته وأولاده معه فصاحت من شدة الفرح ووقعت في الأرض مغشياً عليها فما زال حسن يلاطفها حتى أفاقت وعانقته، ثم بكت وبعد ذلك نادت غلمانه وعبيده وأمرتهم أن يدخلوا جميع ما معه في الدار فأدخلوا الأحمال في الدار ثم دخلت زوجته وأولاده فقامت لها أمه وعانقتها وقبلت رأسها وقبلت قدميها وقالت لها: يا بنت الملك الأكبر أن كنت أخطأت في حقك فها أنا استغفر الله العظيم ثم التفتت إلى ابنها وقالت له: يا ولدي ما سبب هذه الغيبة الطويلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أم حسناً لما قالت له ما هذه الغيبة فأخبرها بجميع ما جرى له من أوله إلى آخره، فلما سمعت كلامه صرخت صرخة عظيمة، ووقعت في الأرض مغشياً عليها من ذكر ما جرى لولدها فلم يزل يلاطفها حتى أفاقت وقالت له يا ولدي والله لقد فرطت في القضيب والطاقية فلو كنت احتفظت عليهما وأبقيتهما لكنت ملكت الأرض بطولها والعرض ولكن الحمد لله يا ولدي على سلامتك أنت وزوجتك وأولادك وباتوا في أهنا ليلة وأطيبها.

فلما أصبح الصباح غير ما عليه من الثياب ولبس بدلة من أحسن القماش ثم خرج إلى السوق وصار يشتري العبيد والجواري والقماش والشيء النفيس من الحلي والحلل والفراش ومن الأواني المثمنة التي لا يوجد مثلها إلا عند الملوك، ثم اشترى الدور والبساتين والعقارات وغير ذلك وأقام هو وأولاده وزوجته ووالدته في أكل وشرب ولذة ولم يزالوا في أرغد عيش وأهناه حتى أتاهم هازم اللذات ومفراق الجماعات فسبحان ذي الملك والملكوت وهو الحي الباقي الذي لا يموت.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 48 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

حكاية أبي قير وأبي صير

ومما يحكى أيضاً: أن رجلين كانا في مدينة الإسكندرية وكان أحدهما صباغاً واسمه أبو قير وكان الثاني مزيناً واسمه أبو صير وكانا جارين لبعضهما في السوق وكان المزين في جانب دكان الصباغ نصاباً كذاباً صاحب شر قوي كأنما صدغه منحوتٌ من الجلموت أو مشتقٌ من عتبة كنيسة اليهود لا يستحي من عيبة يفعلها بين الناس وكان من عادته أنه إذا أعطاه أحدٌ قماشاً لصبغه يطلب منه الكراء أولاً ويوهمه أنه يشتري به أجزاءً ليصبغ بها، فيعطيه الكراء مقدماً فإذا أخذه منه يصرفه على أكلٍ وشربٍ.

ثم يبيع القماش الذي أخذه بعد ذهاب صاحبه ويصرف ثمنه في الأكل والشرب وغير ذلك ولا يأكل إلا طيباً من أفخر المأكول ولا يشرب إلا من أجود ما يذهب العقول فإذا أتاه صاحب القماش يقول له في غدٍ تجيء لي من قبل طلوع الشمس فتلقى حاجتك مغبونةً فيروح صاحب الحاجة ويقول في نفسه يوم من يومٍ قريب ثم يأتيه في ثاني يوم على الميعاد فيقول له تعال في غدٍ فأني أمس ما كنت فاضياً لأنه كان عندي ضيوف فقمت بواجبهم حتى راحوا وفي غدٍ قبل الشمس تعال خذ قماشك مصبوغاً فيروح ويأتيه في ثالث يوم فيقول له أني كنت أمس معذوراً لأن زوجتي ولدت بالليل وطول النهار وأنا أقضي مصالح ولكن في غد من كل بد تعال خذ حاجتك مصبوغة فيأتي له على الميعاد فيطلع له بحيلةٍ أخرى من حيث كان ويحلف له.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصباغ صار كلما أتى له صاحب الشيء يطلع له بحيلةٍ من حيث كان ويجلب له ولم يزل يعده ويخلف إذا جاءه حتى يقلق الزبون ويقول له كم تقول لي في غد أعطني حاجتي فإني لا أريد صبغاً فيقول والله يا أخي أنا مستحٍ منك ولكن أخبرك بالصحيح والله يؤذي كل من يؤذي الناس في أمتعتهم فيقول له أخبرني ماذا حصل فيقول أما حاجتك فأني صبغتها صبغاً ليس له نظيراً ونشرتها على الحبل فسرقت ولا أدري من سرقها فإن كان صاحب الحاجة من أهل الخير يقول له يعوض الله علي وإن كان من أهل الشر يستمر معه في هتيكةٍ وجرسةٍ ولا يحصل منه شيء ولو اشتكاه إلى الحاكم.

ولم يزل يفعل هذه الفعال حتى شاع ذكره بين الناس وصار الناس يحذر بعضهم من أبي قير ويضربون به الأمثال وامتنعوا عنه جميعاً وصار لا يقع معه إلا الجاهل بحاله ومع ذلك لا بد له كل يومٍ من جرسةٍ وهتيكةٍ من خلق الله فحصل له كساد بهذا السبب فصار يأتي إلى دكان جاره المزين أبي صير ويقعد في داخلها قبال المصبغة فإن رأى أحدٌ جاهلاً بحاله واقفاً على باب المصبغة ومعه شيءٌ يريد صبغه يقوم من دكان المزين ويقول له مالك يا هذا فيقول له خذ أصبغ لي هذا الشيء فيقول له أي لون تطلبه لأنه مع هذه الخصال الذميمة كان يخرج من يده أن يصبغ سائر الألوان ولكنه لم يصدق مع أحد والشقاوة غالبة عليه ثم يأخذ الحاجة منه ويقول له هات الكراء مسبقاً وفي غدٍ تعال خذها فيعطيه الأجرة ويروح.

وبعد أن يتوجه صاحب الشيء إلى حال سبيله يأخذ هو ذلك الشيء ويذهب إلى السوق فيبيعه ويشتري بثمنه اللحم والخضار والدخان والفاكهة وما يحتاج إليه، وإذا رأى أحداً واقفاً على الدكان من الذين أعطوه حاجةً ليصبغها فلا يظهر إليه ولا يريه نفسه، ودام على هذه الحالة سنين.

فاتفق له في يومٍ من الأيام أنه أخذ حاجةً من رجلٍ جبارٍ ثم باعها وصرف ثمنها وصار صاحبها يجيء إليه في كلا يومٍ فلم يره في الدكان لأنه متى رأى أحدٌ له عنده شيء يهرب منه في دكان المزين أبي صير، فلما لم يجده ذلك الجبار في دكانه وأعياه ذلك ذهب إلى القاضي وأتاه برسولٍ من طرفه وسمر باب الدكان بحضرة جماعة من المسلمين وختمه لأنه لم ير فيها غير بعض مواجير مكسره ولم يجد فيها شيئاً يقوم مقام حاجته، ثم أخذ الرسول المفتاح وقال للجيران: قولوا له يجيء بحاجة هذا الرجل ويأتي ليأخذ مفتاح دكانه.

ثم ذهب الرجل والرسول إلى حالهما فقال أبو صير لأبي قير: دهيتك فإن كل من جاء لك بحاجةٍ تعدمه إياها أين راحت حاجة هذا الرجل الجبار؟ قال يا جاري سرقت مني، قال أبو صير: عجائب كل من أعطاك حاجةً يسرقها منك لصٌ، هل أنت معادٍ جميع اللصوص، ولكن أظن أنك تكذب فأخبرني بقصتك يا جاري ما أحد سرق مني شيء، فقال أبو صير وما تفعل في متاع الناس؟ فقال له كل من أعطاني حاجةً أبيعها وأصرف ثمنها فقال له أبو صير أيحل لك هذا من الله، قال له أبو صير إنما أفعل هذا من الفقر لأن صنعتي كاسدة وأنا فقيرٌ وليس عندي شيءٌ، ثم صار يشرح له الكساد وقلة السبب وصار أبو صير يشرح له كساد صنعته أيضاً ويقول أنا أسطى ليس لي نظير في هذه المدينة ولكن لا يحلق عندي أحد لكوني رجل فقير وكرهت هذه الصنعة يا أخي.

فقال له أبو قير الصباغ: وأنا أيضاً كرهت صنعتي من الكساد ولكن يا أخي ما الداعي لإقامتنا في هذه البلدة فأنا وأنت نسافر منها نتفرج في بلاد الناس وصنعتنا في أيدينا رائجةٌ في جميع البلاد، فإذا سافرنا نشم الهواء ونرتاح من هذا الهم العظيم. وما زال أبو قير يحسن السفر لأبي صير حتى رغب في الإرتحال، ثم أنهما اتفقا على السفر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا قير ما زال يحسن السفر لأبي صير حتى رغب في الإرتحال، ثم أنهما اتفقا على السفر وفرح أبو قير بأن أبا صير رغب في أن يسافر وأنشد قول الشاعر:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فـوائد

تفرج همٌ واكتـسـاب مـعـيشةٌ علم وأداب وصـحـبة مـاجـد

وإن قيل في الأسفار غمٌ وكـربةٌ وتشتيت شمل وارتكـاب شـدائد

فموت الفتى خيرٌ له من حياته بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد

وحين عزما على السفر قال أبو قير لأبي صير: نحن صرنا أخوين ولا فرق بيننا فينبغي أننا نقرأ الفاتحة على أن أعمالنا يكتسب ويطعم بطالنا ومهما فضل نضعه في صندوقٍ فإذا رجعنا إلى الإسكندرية نقسمه بيننا بالحق والإنصاف، قال أبو صير وهو كذلك وقرأ الفاتحة على أن الذي يعمل ويكتسب يطعم البطال.

ثم أن أبا صير قفل الدكان وأعطى المفاتيح لصاحبها وأبو قير ترك المفاتيح عند رسول القاضي وترك الدكان مقفولةً مختومةً وأخذ مصالحهما وأصبحا مسافرين ونزلا في غليون في البحر المالح وسافرا في ذلك النهار وحصل لهما إسعاف.

ومن تمام سعد المزين أن جميع من كان في الغليون لم يكن معهم أحد من المزينين وكان فيه مائة وعشرون رجلاً غير الريس والبحرية. ولما حلوا قلوع الغليون قام المزين وقال للصباغ: يا أخي هذا بحر نحتاج فيه إلى الأكل والشرب وليس معنا إلا قليلٌ من الزاد وربما يقول لي أحد تعال يا مزين أحلق لي فأحلق له برغيف أو بنصف فضة أو بشرية ماء فانتفع بذلك أنا وأنت، فقال له الصباغ لا بأس.

ثم حط رأسه ونام وقام المزين وأخذ عدته والطاسة ووضع على كتفه خرقةً تغني عن الفوطة لأنه فقير وشق بين الركاب فقال له واحد تعال يا أسطى أحلق لي فحلق له فلما حلق لذلك الرجل أعطاه نصف فضة فقال له المزين ليس لي بهذا النصف الفضة ولو كنت فأعطيتني رغيفاً كان أبرك في هذا البحر لأن لي رفيقاً وزادنا شيء قليل فأعطاه رغيفاً وقطعة جبن وملأ له الطاسة ماء حلواً فأخذ ذلك وأتى إلى أبي قير وقال له: خذ هذا الرغيف وكله بالجبن واشرب ما في الطاسة فأخذ ذلك منه وأكل وشرب ثم أن أبا صير المزين بعد ذلك حمل عدته وأخذ الخرقة على كتفه والطاسة في يده وشق في الغليون بين الركاب فحلق لإنسان برغيفين ولآخر بقطعة جبن ووقع عليه الطلب وصار كل من يقول له أحلق يا أسطى يشرط عليه رغيفين ونصف فضة وليس في الغليون مزين غيره فما جاء المغرب حتى جمع ثلاثين رغيفاً وثلاثين نصف فضة وصار عنده جبن وزيتون وبطارخ وصار كلما يطلب حاجة يعطونه إياها حتى صار عنده شيءٌ كثيرٌ وحلق للقبطان وشكا له قلة الزاد في السفر فقال له القبطان مرحباً بك هات رفيقك في كل ليلةٍ وتعشيا عندي ولا تحملاهما ما دمتما مسافرين معنا ثم رجع إلى الصباغ فرآه لم يزل نائماً فأيقظه فلما أفاق أبو قير رأى عند رأسه شيءٌ كثيرٌ من عيش وجبن وزيتون وبطارخ.

فقال له من أين لك ذلك فقال من فيض الله تعالى فأراد أن يأكل فقال له أبو صير لا تأكل يا أخي من هذا واتركه ينفعنا في وقت آخر واعلم أني حلقت للقبطان وشكوت إليه قلة الزوادة فقال له مرحباً بك هات رفيقك كل ليلةٍ وتعشيا عندي فأول عشائنا عند القبطان في هذه الليلة فقال له أبو صير أنا دايخ من البحر ولا أقدر أن أقوم من مكاني فدعني أتعشى من هذا الشيء ورح أنت وحدك عند القبطان فقال له لا بأس بذلك ثم جلس يتفرج عليه وهو يأكل فرآه يقطع اللقمة كما يقطع الحجارة من الجبل ويبتلعها ابتلاع الغول الذي له أيام ما أكل ويلقم اللقمة قبل ازدراد التي قبلها ويحملق عينيه فيما بين يديه حملقة القول وينفخ مثل الثور الجائع على التبن والفول وإذا بنوتي جاء وقال يا أسطى يقول لك القبطان هات رفيقك وتعال للعشاء.

فقال أبو صير لأبي قير: أتقوم بنا؟ فقال له: أنا لا أقدر على المشي فراح المزين وحده فرأى القبطان جالساً وقدامه سفرة فيها عشرون لوناً أو أكثر وهو وجماعته ينتظرون المزين ورفيقه فلما رآه القبطان قال له أين رفيقك فقال له يا سيدي إنه دايخٌ من البحر فقال له القبطان لا بأس عليه ستزول عنه الدوخة تعال أنت تعش معنا فأني كنت في انتظارك ثم أن القبطان عزل صحنا وحط فيه من كل لون فصار يكفي عشرة وبعد أن تعشى المزين قال له القبطان خذ هذا الصحن معك إلى رفيقك فأخذه أبو صير وأتى إلى أبي قير فرآه يطحن بأنيابه فيما عنده من الأكل مثل الجمل ويلحق اللقمة باللقمة على عجل.

فقال له أبو صير: أما قلت لك لا تأكل فإن القبطان خيره كثير فانظر أي شيءٍ بعث به إليك لما أخبرته بأنك دايخ فقال هات فناوله الصحن فأخذه منه وهو ملهوف عليه وعلى غيره من الأكل مثل الكلب الكاسر أو السبع الكاسر أو الرخ إذا انقض على الحمام أو الذي كاد أن يموت من الجوع ورأى شيئاً من الطعام وصار يأكل فتركه أبو صير وراح إلى القبطان وشرب القهوة هناك ثم رجع إلى أبي قير فرآه قد أكل جميع ما في الصحن ورماه فارغا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا صير لما رجع إلى أبي قير رآه قد أكل ما في الصحن ورماه فارغاً فأخذه وأوصله إلى أتباع القبطان ورجع إلى أبي قير ونام إلى الصباح فلما كان ثاني الأيام صار أبو صير يحلق وكلما جاء له شيءٌ يعطيه لأبي قير وأبو قير يأكل ويشرب وهو قاعدٌ لا يقوم إلا لإزاله الضرورة وكل ليلةٍ يأتي له بصحنٍ ملآن من عند القبطان واستمر على هذه الحالة عشرين يوماً حق رسا الغليون على مدينة فطلعا من الغليون ودخلا تلك المدينة وأخذا لهما حجرة في خان وفرشها أبو صير واشترى جميع ما يحتاجان إليه وجاء بلحم وطبخه وأبو قير نائمٌ من حين دخل الحجرة ولم يستيقظ حتى أيقظه أبو صير ووضع السفرة بين يديه فلما أفاق أكل.

وبعد ذلك قال له لا تؤاخذني فأني دايخٌ ثم نام واستمر على هذه الحالة أربعين يوماً وكل يومٍ يحمل المزين العدة ويدور في المدينة فيعمل بالذي فيه النصيب ويرجع فيجد أبا قير نائماً فينبهه وحين ينتبه يقبل على الأكل بلهفة فيأكل أكل من لا يشبع ولا يقنع ثم ينام ولم يزل كذلك مدة أربعين يوماً أخرى وكلما يقول له أبو صير أجلس ارتاح واخرج تفسح في المدينة فأنها فرجة وبهجةٌ وليس لها نظيرٌ في المدائن يقول له أبو قيل الصباغ لا تؤاخذني أني دايخ فلا يرضي أبو صير المزين أن يكدر خاطره ولا يسمع كلمة تؤذيه وفي اليوم الحادي والأربعين مرض المزين ولم يقدر أن يسرح فسخر بواب الخان فقضى لهما حاجتهما وأتى لهما بما يأكلان وما يشربان كل ذلك وأبو قير يأكل وينام ولا زال المزين يسخر بواب الخان في قضاء حاجته مدة أربعة أيامٍ.

وبعد ذلك اشتد المرض على المزين حتى غاب عن الوجود من شدة مرضه وأما أبو قير فإنه أحرقه الجوع فقام وفتش في ثياب أبي كير فرأى معه مقداراً من الدراهم فأخذه وقفل باب الحجرة على أبي صير ومضى ولم يعلم أحداً وكان البواب في السوق فلم يره حين خروجه ثم أن أبا كير عمد إلى السوق وكسا نفسه ثياباً نفيسةً وصار يدور في المدينة ويتفرج فرآها مدينة ما وجد مثلها في المدائن وجميع ملبوسها أبيض وأزرق من غير زيادة فأتى إلى صباغ فرأى جميع ما في دكانه أزرق فأخرج له محرمة وقال له يا معلم خذ هذه المحرمة واصبغها وخذ اجرتك فقال له إن أجرة صبغ هذه عشرون درهماً فقال له نحن نصبغ هذه في بلادنا بدرهمين فقال رح اصبغها في بلادكم وأما أنا فلا أصبغها إلا بعشرين درهماً لا تنقص عن هذا القدر شيئاً.

فقال له أبو قير أي لونٍ تريد صبغها فقال له الصباغ زرقاء قال له أبو قير أنا مرادي أن تصبغها إلي حمراء قال له لا أدري صباغ الأحمر قال خضراء قال لا أدري صباغ الأخضر قال صفراء قال له لا أدري صباغ الأصفر وصار أبو قير يعد له الألوان لوناً بعد لونٍ فقال له الصباغ نحن في بلادنا أربعون معلماً لا يزيدن واحداً ولا ينقصون واحداً وإذا مات منا واحدٌ نعلم ولده وإن لم يخلف ولداً نبقى ناقصين واحداً والذي له ولدان نعلم واحداً منهما فإن مات علمنا أخاه وصنعتنا هذه مضبوطة ولا نعرف أن نصبغ غير الأزرق من غير زيادةٍ فقال له أبو قير الصباغ اعلم أني صباغ وأعرف أن أصبغ سائر الألوان ومرادي أن تخدمني عندك بالإجرة وأنا أعلمك جميع الألوان لأجل أن تفتخر بها على كل طائفة من الصباغين فقال له نحن لا نقبل غريباً يدخل في صنعتنا أبداً فقال هل وإذا فتحت لي مصبغة وحدي. فقال له لا يمكنك ذلك أبداً فتركه وتوجه الثاني فقال له كما قال له الأول ولم يزل ينتقل من صباغ إلى آخر حتى طاف على الأربعين معلماً فلم يقبلوه لا أجيراً ولا معلماً فتوجه إلى شيخ الصباغين واخبره فقال له أننا لا نقبل غريباً يدخل في صنعتنا فحصل عند أبي قير غيظٌ عظيمٌ وطلع يشكو إلى ملك تلك المدينة وقال له: يا ملك الزمان أنا غريبٌ وصنعتي الصباغة وجرى لي مع الصباغين ما هو كذا وكذا وأنا أصبغ الأحمر ألوانا مختلفة كوردي وعنابي والأخضر ألواناً مختلفة كزرعي وفستقي وزيتي وجناح الدرة والأسود ألواناً مختلفة كفحمي وكحلي والأصفر ألوانا مختلفة كنارنجي وليموني وصار يذكر له سائر الألوان ثم قال يا ملك الزمان كل الصباغين الذين في مدينتنا لا يخرج من أيديهم أن يصبغوا شيئاً من هذه الألوان ولا يعرفون إلا صبغ الأزرق ولم يقبلوني أن أكون عندهم معلماً ولا أجير.

فقال له الملك صدقت في ذلك ولكن أنا أفتح لك مصبغة وأعطيك رأس مال وما عليك منهم وكل من تعرض لك شنقته على باب دكانه، ثم أمر البنائين وقال لهم امضوا مع هذا المعلم وشقوا أنتم وإياه في المدينة وأي مكان أعجبه فأخرجوا صاحبه منه سواء كان دكاناً أو خاناً أو غير ذلك وأبنوا له مصبغةً على مراده ومهما أمركم به فافعلوه ولا تخالفوه فيما يقول.

ثم أن الملك ألبسه بدلةً مليحةً وأعطاه ألف دينارٍ وقال له اصرفها على المرض الذي كان به، ثم قام على قدميه وقال لبواب الخان أن قدرني الله تعالى جازيتك على ما فعلته معي من الخير، ولكن لا يجازي إلا الله من فضله فقال له بواب الخان: الحمد لله على العافية أنا ما فعلت معك ذلك إلا ابتغاء وجه الله الكريم، ثم أن المزين خرج من الخان وشق في الأسواق فأتت به المقادير إلى السوق الذي فيه مصبغة أبو قير فرأى الأقمشة ملونة بالصباغ منشورة في باب المصبغة والخلائق مزدحمة يتفرجون عليها، فسأل رجلاً من أهل المدينة وقال له ما هذا المكان وما لي أرى الناس مزدحمين؟ فقال له المسؤول إن هذه مصبغة السلطان التي أنشأها رجلٌ غريبٌ اسمه أبو قير وكلما صبغ ثوباً نجتمع عليه ونتفرج على صبغه لأن بلادنا ما فيها صباغون يعرفون صبغ هذه الألوان.

وجرى له مع الصباغين الذين في البلد ما جرى، وأخبره بما جرى بين أبي قير وبين الصباغين وأنه شكاهم إلى السلطان فأخذ بيده وبنى له هذه المصبغة وأعطاه كذا وكذا وأخبره بكل ما جرى، ففرح أبو صير وقال في نفسه الحمد لله الذي فتح عليه وصار معلماً والرجل معذور لعله تلهى عنك بالصنعة ونسيك ولكن أنت عملت معه معروفاً وأكرمته وهو بطال فمتى رأك فرح بك وأكرمك نظير ما أكرمته.

ثم أنه تقدم إلى جهة باب المصبغة فرأى أبا قير جالساً على مكتبةٍ عاليةٍ فوق مصطبة في باب المصبغة وعليه بدلة من ملابس الملوك وقدامه أربعة عبيدٍ وأربعة مماليكٍ بيضٍ لابسين أفخر الملابس ورأى الصنائعية عشرة عبيدٍ واقفين يشتغلون لأنه حين اشتراهم علمهم الصباغة وهو قاعد بين المخدات كأنه وزيراً عظيماً وملك أفخم لا يعمل شيئاً بيده وإنما يقول لهم افعلوا كذا وكذا فوقف أبو صير قدامه وهو يظن أنه إذا رآه يفرح به ويسلم عليه ويكرمه ويأخذ بخاطره.

فلما وقعت العين في العين قال له أبو قير يا خبيث كم مرةٍ وأنا أقول لك لا تقف نفسك حتى تتم البناية وأعطاه مملوكين من أجل الخدمة وحصاناً بعدة مزركشة فلبس البدلة وركب الحصان وصار كأنه أمير وأخلى له الملك بيتاً وأمر بفرشه ففرشوه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أخلى بيتاً لأبي قير وأمر بفرشه ففرشوه له وسكن فيه وركب في ثاني يومٍ وشق في المدينة والمهندسون قدامه ولم يزل يتأمل حتى أعجبه مكان فقال هذا المكان طيبٌ فأخرجوا صاحبه منه وأحضروه إلى الملك فأعطاه ثمن دكانه زيادةً على ما يرضيه ودارت فيه البناية وصار أبو قير يقول للبنائين ابنوا كذا وكذا وافعلوا كذا وكذا حتى بنوا له مصبغة ليس لها نظير، ثم حضر إلى الملك وأخبره بأن المصبغة تم بناؤها وإنما يحتاج لثمن الصباغ من أجل إدارتها. فقال له الملك: خذ هذه الأربعة آلاف دينار واجعلها رأس مال وأرني ثمرة مصبغتك فأخذها ومضى إلى السوق فرأى النيلة كثيرة وليس لها ثمن فاشترى جميع ما يحتاج إليه من حوائج للصباغة، ثم أن الملك أرسل إليه خمسمائة شقفة من القماش فدور الصبغ فيها وصبغها من سائر الألوان ثم نشرها قدام باب المصبغة فلما مر الناس بجانبها رأوا شيئاً عجيباً عمرهم ما رأوا مثله، فازدحمت الخلائق على باب محله وصاروا يتفرجون ويسألونه ويقولون له يا معلم ما اسم هذه الألوان فيقول لهم هذا أحمر وهذا أصفر وهذا أخضر ويشرح لهم أسامي الألوان فصاروا يأتونه بشيءٍ من القماش ويقولون له اصبغ لنا مثل هذا وذاك وخذ ما تطلب.

ولما فرغ من صباغ قماش الملك أخذه وطلع به إلى الديوان، فلما رأى الملك ذلك الصباغ فرح به وأنعم عليه إنعاماً زائداً وصار جميع العسكر يأتون إليه بالقماش ويقولون له اصبغ لنا هكذا فيصبغ لهم على أغراضهم ويرمون عليه بالذهب والفضة، ثم أنه شاع ذكره وسميت مصبغته مصبغة السلطان ودخل عليه الخير من كل باب وجميع الصباغين لم يقدر أحدٌ أن يتكلم معه إنما كانوا يأتونه ويقبلون بديه ويعتذرون إليه مما سبق منهم في حقه ويعرضون أنفسهم عليه ويقولون له اجعلنا خدماً عندك فلم يرض أن يقبل أحداً منهم وصار عنده عبيد وجوار وجمع مالاً كثيراً.

هذا ما كان من أمر أبي قير. وأما ما كان من أمر أبي صير فإنه لما قفل عليه أبو قير باب الحجرة بعد أن أخذ دراهمه وراح وخلاه وهو مريضٌ غائبٌ عن الوجود فصار مرمياً في تلك الحجرة والباب مقفولٌ عليه واستمر على ذلك ثلاثة أيامٍ فانتبه بواب الخان إلى باب الحجرة فرآه مقفولاً ولم ير أحداً من هذين الإثنين إلى المغرب ولم يعلم لهما خبراً فقال في نفسه لعلهما سافرا ولم يدفعا أجرة الحجرة أو ماتا أو ما خبرهما؟ ثم أنه أتى إلى باب الحجرة فرآه مقفولاً وسمع أنينٌ في داخلها ورأى المفتاح في الضبة ففتح الباب ودخل فرأى المزين يئن فقال له لا بأس عليك أين رفيقك؟ فقال له والله إني ما أفقت من مرضي إلا في هذا اليوم وصرت أنادي فما أحد رد علي جواباً، بالله عليك يا أخي أن تنظر الكيس تحت رأسي وتأخذ منه خمسة أصناف وتشتري لي بها شيئاً أقتات به فأني في غاية الجوع فمد يده فرآه فارغاً فقال للمزين إن الكيس فارغٌ ما فيه شيءٌ فعرف أبو صير المزين أن أبا قير سرق ما فيه وهرب فقال له: أما رأيت رفيقي فقال له من مدة ثلاثة أيامٍ ما رأيته وما كنت أظن إلا أنك سافرت وإياه، فقال له المزين ما سافرنا وإنما طمع في فلوسي فأخذها وهرب حين رآني مريضاً ثم أنه بكى وانتحب، فقال له بواب الخان: لا بأس عليك وهو يلقى فعله من الله.

ثم أن بواب الخان راح وطبخ له شوربا وغرف له صحناً وأعطاه إياه ولم يزل يتعهده مدة شهرين وهو يكلفه من كيسه حتى عرق وشفاه الله من مرضه. وذات يومٍ وهو يتجول في المدينة إذ صادف صديقه أبو قير في مصبغته والخدم بخدمته فتقدم وسلم عليه وأخذ يعاتبه على تركه إياه أثناء مرضه فما كان من أبو قير إلا ونهره من أمامه وقال له: اخرج من عندي هل مرادك أن تفضحني مع الناس يا حرامي أمسكوه فجرت خلفه العبيد وقبضوا عليه وقام أبو قير على حيله وأخذ عصاً وقال ارموه فرموه فضربه على ظهره مائة ثم قلبوه فضربه على بطنه مائة وقال يا خبيث يا خائن إن نظرتك بعد هذا اليوم واقفاً على باب المصبغة أرسلتك إلى الملك في الحال فيسلمك إلى الوالي ليرمي عنقك امش لا بارك الله لك فذهب من عنده مكسور الخاطر بسبب ما حصل له من الضرب والترذيل فقال الحاضرون لأبي قير الصباغ أي شيء عمل هذا الرجل فقال لهم: أنه حرامي سرق أقمشة الناس.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا قير ضرب أبا صير وطرده وقال للناس إن هذا حرامي يسرق أقمشة الناس فإنه سرق مني كم مرة من القماش وأنا أقول في نفسي سامحه الله فأنه رجلٌ فقيرٌ ولم أرض أن أشوش عليه وأعطي للناس ثمن أقمشتهم وأنهاه بلطفٍ فلم ينته فإن رجع مرة غير هذه المرة أرسلته إلى الملك فيقتله ويريح الناس من أذاه فصار الناس يشتمونه بعد ذهابه هذا من كان من أمر أبي قير. وأما ما كان من أمر أبي صير فإنه رجع إلى الخان وجلس يتفكر فيما فعل به أبو قير ولم يزل جالساً حتى يرد عليه الضرب ثم خرج وشق في أسواق المدينة فخطر بباله أن يدخل الحمام فسأل رجلٌ من أهل المدينة وقال له يا أخي من أين طريق الحمام؟ أجابه: أي حمام؟ فقال له: موضع تغتسل فيه الناس ويزيلون عليهم من الأوساخ وهو من أطيب طيبات الدنيا فقال له عليك بالبحر قال أنا مرادي الحمام قال له نحن لا نعرف الحمام كيف يكون كلنا نروح إلى البحر حتى الملك إذا أراد أن يغتسل فإنه يروح البحر فلما علم أبو صير إلى المدينة ليس فيها حماماً وأهلها لا يعرفون الحمام ولا كيفيته مشى إلى الملك ودخل عليه وقبل الأرض بين يديه ودعا له وقال له أنا رجلٌ غريب البلاد وصنعتي حمامي فدخلت مدينتك وأردت الذهاب إلى الحمام فما رأيت فيها ولا حماماً واحداً والمدينة التي تكون بهذه الصفة الجميلة كيف تكون من غير حمام مع أنه من أحسن نعيم الدنيا.

فقال له الملك أي شيءٍ يكون الحمام فصار يحكي له أوصافه وقال له لا تكون مدينتك كاملة إلا إذا كان بها حمام فقال له مرحباً بك وألبسه بدلةٌ ليس لها نظير وأعطاه حصاناً وعبيدين ثم أنعم عليه بأربع جوار ومملوكين وهيأ له دار مفروشة وأكرمه أكثر من الصباغ وأرسل معه البنائين وقال لهم الموضع الذي يعجبه أبنوا له فيه حمام فأخذهم وشق بهم في وسط المدينة حتى أعجبه مكان فأشار لهم إليه فدوروا فيه البناية وصار يرشدهم إلى كيفيته حتى بنوا له حماماً ليس له نظير ثم أمرهم بنقشه فنقشوه نقشاً عجيباً حتى صار بهجة للناظرين.
ثم طلع الملك وأخبره بفراغ بناء الحمام ونقشه وقال له إنه ليس ناقصاً غير الفرش فأعطاه الملك عشرة آلاف دينارٍ فأخذها وفرش الحمام وصف فيه الفوط على الحبال وصار كل من مر على باب الحمام يشخص له ببصره ويحتار فكره في نقشه وازدحمت الخلائق على ذلك الشيء الذي لم يرو مثله في عمرهم وصاروا يتفرجون عليه ويقولون أي شيءٍ هذا فيقول لهم أبو صير حمام فيتعجبون منه ثم أنه سخن الماء ودور الحمام وعمل سلسبيلاً في الفسقية يأخذ كل من رآه من أهل المدينة وطلب من الملك عشرة مماليك دون البلوغ فأعطاه عشرة مماليك مثل الأقمار فصار يكسبهم، ويقول لهم افعلوا مع الزبائن هكذا.

ثم أطلق البخور وأرسل منادٍ ينادي في المدينة ويقول: يا خلق الله عليكم بالحمام فإنه يسمى حمام السلطان فأقبلت عليه الخلائق وجعل يأمر المماليك أن يغتسلوا أجساد الناس وصار الناس ينزلون المغطس ويطلعون واستمر الناس يدخلون الحمام ويقضون حاجتهم منه ثم يخرجون بلا أجرةٍ وبعد طلوعهم يجلسون في الليوان والمماليك تكبسهم مثل ما علمهم أبو صير مدة ثلاثة أيامٍ وفي اليوم الرابع عزم الملك على الذهاب إلى الحمام فركب هو وأكابر دولته وتوجهوا إلى الحمام فقلع ودخل فدخل أبو صير وكبس الملك وأخرج من جسده الوسخ مثل الفتايل وصار يريه له ففرح الملك وصار لوضع يده على بدنه صوت من النعومة والنظافة وبعد أن غسل جسده مزج له ماء الورد بماء المغطس فنزل الملك في المغطس ثم خرج وجسده قد ترطب فحصل له نشاط عمره ما رآه ثم بعد ذلك أجلسه في الليوان وصار المماليك يكبسونه والمباخر تفوح والعود والند فقال الملك: يا معلم أهذا هو الحمام؟ قال: نعم فقال له: وحياة رأسي أن مدينتي ما صارت مدينة إلا بهذا الحمام ثم قال له: أنت تأخذ على كل رأس أي شيء أجرة فقال أبا صير: الذي تأمر به آخذه فأمر له بألف دينارٍ فقال: العفو يا ملك الزمان إن الناس ليسوا سواء بل فيهم الغني وفيهم الفقير وإذا أخذت من كل واحد ألف دينار يبطل الحمام فأن الفقير لا يقدر على ألف دينارٍ. قال الملك: وكيف تفعل في الأجرة؟ قال: اجعل الأجرة بالمروءة فكل من يقدر على شيءٍ سمحت به نفسه يعطيه فنأخذ من كل إنسان على قدر حاله فإن الأمر إذا كان كذلك تأتي إلينا الخلائق والذي يكون غنياً يعطي على قدر مقامه والذي يكون فقيراً يعطي على قدر ما تسمح به نفسه فإذا كان الأمر كذلك يدور الحمام ويبقى له شأن عظيم وأما الألف دينار فإنها عطية الملك ولا يقدر عليها كل أحد فصدق عليه أكابر الدولة وقالوا له: هذا هو الحق يا ملك الزمان أتحسب أن الناس كلهم مثلك أيها الملك العزيز قال الملك: إن كلامكم صحيحٌ ولكن هذا الرجل غريب فقيراً وإكرامه واجبٌ علينا فإنه عمل في مدينتنا هذا الحمام الذي عمرنا ما رأينا مثله ولا تزينت مدينتنا وصار لها شأن إلا به فإذا أكرمناه بزيادة الأجرة ما هو كثير.

فقالوا له: إذا كنت تكرمه فأكرمه من مالك وإكرام الفقير من الملك بقلة أجرة الحمام لأجل أن يدعو لك الرعية وأما الألف دينار فنحن أكابر دولتك ولا تسمح أنفسنا بعطائها فكيف تسمح بذلك نفوس الفقراء؟ فقال الملك: يا أكابر دولتي كل منكم يعطيه في هذه المرة مائة دينارٍ ومملوكاً وجاريةً وعبد فقالوا: نعم نعطيه ذلك ولكن هذا اليوم كل من دخل لا يعطيه إلا ما تسمح به نفسه فقال: لا بأس بذلك فجعلت الأكابر يعطيه كل واحد منهم مائة دينارٍ وجاريةً ومملوكاً وعبداً وكان عدد الأكابر الذين اغتسلوا مع الملك في هذا اليوم أربعمائة نفس.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان عدد الأكابر الذين اغتسلوا مع الملك في هذا اليوم أربعمائة نفس فصار جملة ما أعطوه من الدنانير أربعين ألف دينارٍ ومن المماليك أربعمائة مملوكٍ ومن العبيد أربعمائة عبدٍ من الجواري أربعمائة جارية وناهيك بهذه العطية وأعطاه الملك عشرة الألف دينار وعشر جوار وعشرة عبيد فتقدم أبو صير وقبل الأرض بين أيادي الملك وقال له: أيها الملك السعيد، وصاحب الرأي الرشيد أي مكان يسعى بهذه المماليك والجواري والعبيد؟ فقال له الملك: أنا ما أمرت دولتي بذلك إلا لأجل أن نجمع لك مقداراً عظيماً من المال لأنك ربما تفكرت بلادك وعيالك واشتقت إليهم وأردت السفر إلى أوطانك فتكون أخذت من بلادنا مقداراً جسيماً من المال تستعين به على وقتك في بلادك.

قال: يا ملك الزمان أعزك الله أن هذه المماليك والجواري والعبيد الكثيرة شأن الملوك ولو كنت أمرت لي من هذا الجيش فإنهم يأكلون ويشربون ومهما حصلته من المال لا يكفيهم في الإنفاق عليهم ولكن أتبيعهم لي كل واحدٍ بمائة دينارٍ؟ فقال: بعتك إياهم بهذا الثمن فأرسل الملك إلى الخازندار ليحضر له المال فأحضره وأعطاه ثمن الجميع بالتمام والكمال ثم بعد ذلك أنعم الله بهم على أصحابهم وقال: كل من يعرف عبده أو جاريته أو مملوكه فليأخذه فأنهم هدية مني إليكم فامتثلوا أمر الملك وأخذ كل واحدٍ منهم ما يخصه فقال له أبو صير: أراحك الله يا ملك الزمان كما أرحتني من هؤلاء الغيلان الذين لا يقدر أن يشبعهم إلا الله فضحك الملك من كلامه وتصدق عليه ثم أخذ أكابر دولته وذهب من الحمام إلى سرايته وبات تلك الليلة أبو صير وهو يصر الذهب ويضعه في الأكياس ويختم عليه وكان عنده عشرون عبداً وعشرون مملوكاً وأربع جوارٍ برسم الخدمة.

فلما أصبح الصباح فتح الحمام وأرسل منادٍ ينادي ويقول: كل من دخل الحمام واغتسل فأنه يعطي ما تسمح به نفسه وما تقتضيه مروءته وقعد أبو صير عند الصندوق وهجمت عليه الزبائن وصار كل من طلع يحط الذي يهون عليه فما أمسى المساء حتى امتلأ الصندوق من خيرات الله تعالى. ثم أن الملكة طلبت دخول الحمام فلما بلغ أبا صير ذلك قسم النهار من أجلها وجعل الفجر إلى الظهر للرجال ومن الظهر إلى المغرب قسم للنساء ولما أتت الملكة أو جارية خلف الصندوق وكان علم أربع جوار البلانة حتى صرن بلانات ماهرات، فلما أعجبها ذلك وانشرح صدرها حطت ألف دينارٍ وشاع ذكره في المدينة وصار كل من دخل يكرمه سواء غنياً أو فقيراً فدخل عليه الخير من كل بابٍ وتعرف بأعوان الملك وصار الملك يأتي إليه في الجمعة يومياً ويعطيه ألف دينار وبقية أيام الجمعة للأكابر والفقراء وصار يأخذ بخاطر الناس ويلاطفهم غاية الملاطفة فاتفق أن قبطان الملك لما دخل عليه يوماً من الأيام فقلع أبو صير ودخل وصار يكبسه ويلاطفه ملاطفةً زائدةً ولما خرج من الحمام عمل له الشربات والقهوة فلما أراد أن يعطيه شيئاً حلف أنه لا يأخذ منه شيئاً فحمل القبطان جميلة لما رأى من مزيد لطفه وإحسانه إليه وصار متحيراً فيما يهديه إلى ذلك الحمامي، وقالت له أمه: هذا ما كان من أمر أبي صير.

وأما ما كان من أمر أبي قير فأنه لما سمع جميع الخلائق يلهجون بذكر الحمام وكل منهم يقول: إن هذا الحمام نعيم الدينا بلا شك إن شاء الله يا فلان تدخل بنا غداً هذا الحمام النفيس فقال أبو قير في نفسه: لا بد أن أروح مثل الناس وأنظر هذا الحمام الذي أخذ عقول الناس ثم أنه لبس أفخر ما كان عنده من الملابس وركب بغلةً وأخذ معه أربعة عبيدٍ وأربعة مماليكٍ يمشون خلفه وقدامه وتوجه إلى الحمام ثم أنه نزل في باب الحمام فلما صار عند الباب شم رائحة العود والند ورأى ناساً داخلين وناساً خارجين ورأى المساطب ملآنه من الأكابر والأصاغر فدخل الدهليز فرآه أبو صير فقام إليه وفرح به فقال له أبو قير: هل هذا شرد أولاد الحلال وإنا فتحت لي مصبغة وبقيت معلم البلد وتعرفت بالملك وصرت في سعادةٍ وسيادةٍ وأنا وأنت لا تأتي عندي ولا تسأل عني ولا تقول أين رفيقي وأنا عجزت وأنا أفتش عليك وأبعث عبيدي ومماليكي يفتشون عليك في الحانات وفي سائر الأماكن فلا يعرفون طريقك ولا أحدٍ يخبرهم بخبرك، فقال له أبو صير: أما جئت إليك وعملتني لصاً وضربتني وهتكتني بين الناس فاغتم أبو قير وقال: أي شيءٍ هذا الكلام؟ هل أنت الذي ضربتك؟ فقال أبو صير: نعم هو أنا فحلف له أبو قير ألف يمينٍ أنه ما عرفه وقال: إنما كان واحدٌ شبيهك يأتي في كل يومٍ ويسرق قماش الناس فظننت أنك هو وصار يتندم ويضرب كفاً على كفٍ، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد أسأناك ولكن يا ليتك عرفتني بنفسك وقلت أنا فلان فالعيب عندك لكونك لم تعرفني خصوصاً وأنا مدهوش من كثرة الأشغال فقال له أبو صير: سامحك الله يا رفيقي وهذا الشيء كان مقداراً في الغيب والجبر على الله ادخل أقلع ثيابك واغتسل وانبسط فقال له: بالله عليك أن تسامحني يا أخي فقال له: أبرأ الله ذمتك وسامحك فأنه كان أمراً مقدراً علي في الأزل. ثم قال له أبو قير: ومن أين لك هذه السيادة؟ فقال له: الذي فتح عليك فتح علي فأني طلعت إلى الملك وأخبرته بشأن الحمام فأمر ببنائه فقال له: وكما أنه لك معرفةٌ بالملك فأنا الأخر عرفته.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا قير لما تعب هو وأبو صير قال له: كما أنت تعرف بالملك فأنا الآخر عرفته وإن شاء الله تعالى أنا أخليه يحبك ويكرمك زيادةً على هذا الإكرام من أجلي فإنه لم يعرف أنك رفيقي فأنا أعرفه بأنك رفيقي وأوصيه بك، فقال له: ما أحتاج إلى وصيةٍ فأن المحنن موجود وقد أحبني الملك هو وجميع رجال دولته وأعطاني كذا وكذا وأخبره بالخبر ثم قال: اقلع ثيابك خلف الصندوق وادخل الحمام وأنا أدخل معك لأجل أن أكبسك، فخلع ما عليه ودخل الحمام ودخل معه أبو صير وكبسه وصبنه وألبسه واشتغل له حتى خرج، فلما خرج أحضر له الغداء والشربات وصار جميع الناس يتعجبون من كثرة إكرامه له، ثم بعد ذلك أراد أبو قير أن يعطيه شيئاً فحلف أنه لا يأخذ منه شيئاً وقال له: استحي من هذا الأمر وأنت رفيقي وليس بيننا فرق. ثم أن أبا قير قال لأبي صير: يا رفيقي والله أن هذا الحمام عظيمٌ ولكن صنعتك فيه ناقصةً فقال له: وما نقصها؟ فقال له: الدواء الذي هو عقد الزرنيخ والجير الذي يزيل الشعر بسهولة فاعمل هذا الدواء فإذا أتى الملك فقدمه إليه وعلمه كيف يسقط الشعر فيحبك حباً شديداً ويكرمك، فقال له: صدقت إن شاء الله أصنع ذلك.

ثم أن أبا قير خرج وركب بغلته وذهب إلى الملك ودخل عليه وقال له: أنا ناصح لك يا ملك الزمان فقال له: وما نصيحتك؟ فقال: بلغني خبراً وهو أنك بنيت حماماً، قال: نعم قد أتاني رجلٌ غريبٌ فأنشأته له كما أنشأت لك هذه المصبغة وهو حمامٌ عظيمٌ وقد تزينت مدينتي، وصار يذكر له محاسن ذلك الحمام، فقال أبو قير: وهل دخلته؟ قال: نعم، قال: الحمد لله الذي نجاك من شر هذا الخبيث عدو الدين وهو الحمامي، فقال له الملك: وما شأنه؟ قال له أبو قير: اعلم يا ملك الزمان أنك إن دخلته بعد هذا اليوم فأنك تهلك، فقال له: لأي شيءٍ؟ فقال له: إن الحمامي عدوك وعدو الدين فأنه ما حملك على إنشاء هذا الحمام إلا لأن مراده أن يدخل عليك فيه السم، فأنه صنع لك شيئاً وإذا دخلته يأتيك به ويقول لك: هذا دواء كل من دهن به نفسه يرمي الشعر منه بسهولةٍ وليس هو بدواء بل هو داءٌ عظيمٌ وسمٌ قاتلٌ وأن هذا الخبيث قد وعده سلطان النصارى أنه إن قتلك يفك له زوجته وأولاده من الأسر فإن زوجته وأولاده مأسورين عند سلطان النصارى وكنت مأسوراً معه في بلادهم ولكن أنا فتحت مصبغةً وصبغت لهم حوائجهم فاستعطفوا علي قلب الملك.

فقال الملك: أي شيءٍ تطلب؟ فطلبت العتق فأعتقني وجئت إلى هذه المدينة ورأيته في الحمام فسألته كيف كان خلاصك وخلاص زوجتك وأولادك فقال: لم أزل أنا وزوجتي وأولادي مأسورين حتى أن ملك النصارى عمل ديواناً فحضرت في جملة من حضر وكنت واقفاً من جملة الناس فسمعتهم فتحوا مذاكرة الملوك إلى أن يذكروا ملك هذه المدينة، فتأوه ملك النصارى وقال: ما قهرني في الدنيا إلا ملك المدينة الفلانية فكل من تحيل لي على قتله فأني أعطيه كل ما يتمنى، فتقدمت أنا إليه وقلت له: إذا تحيلت لك على قتله هل تعتقني أنا وزوجتي وأولادي؟ فقال له: نعم أعتقكم وأعطيك كل ما تتمنى ثم أني اتفقت وإياه على ذلك وأرسلني في غليون إلى هذه المدينة وطلعت إلى هذا الملك فبنى لي هذا الحمام وما بقي لي إلا أن أقتله وأروح إلى ملك النصارى وافدي أولادي وزوجتي وأتمنى عليه، فقلت وما الحيلة التي دبرتها في قتله حتى تقتله؟ قال لي: هي حيلة سهلة أسهل ما يكون، فأنه يأتي إلي في هذا الحمام وقد اصطنعت له شيئاً فيه سمٌ فإذا جاء أقول له: خذ هذا الدواء وادهن به تحتك فأنك يسقط الشعر فيأخذه ويدهن به تحته فيلعب السم فيه يوماً وليلةٍ حتى يسري إلى قلبه فيهلكه والسلام، فلما سمعت منه هذا الكلام خفت عليك لأن خيرك علي وقد أخبرتك بذلك.

فلما سمع الملك هذا الكلام غضب غضباً شديداً وقال للصباغ: اكتم هذا السر، ثم طلب الرواح إلى الحمام حتى يقطع الشك باليقين، فلما دخل الحمام تعرى أبو صير على جري عادته وتقيد بالملك وكبسه وبعد ذلك قال له: يا ملك الزمان إني عملت دواءً لتنظيف الشعر التحتاني فقال له: أحضره لي فأحضره بين يديه فرأى رائحته كريهة فصح عنده أنه سمٌ فغضب وصاح على الأعوان وقال: أمسكوه فقبض عليه الأعوان وخرج الملك وهو يشتعل بالغضب ولا أحدٌ يعرف سبب غضبه، ومع شدة غضب الملك لم يخبر أحداً ولم يتجاسر أحدٌ أن يسأله.
ثم أنه لبس وطلع الديوان ثم أحضر أبا صير بين يديه وهو مكتف ثم طلب القبطان فحضر، فلما دخل القبطان قال له: خذ هذا الخبيث وحطه في زكيبة وحط في الزكيبة قنطارين جيراً من غير طفء وأربط فمها عليه هو والجير ثم ضعها في الزورق وتعال تحت قصري فتراني جالساً في شباكي وقل لي: هل أرميه؟ فأقول لك: ارميه فإذا قلت لك ذلك فأرمه حتى ينطفئ الجير عليه لأجل أن يموت غريقاً، فقال سمعاً وطاعةً. ثم أخذه من قدام الملك إلى جزيرةٍ قبال قصر الملك وقال لأبي صير: يا هذا أنا جئت عندك مرة واحدةً في الحمام فأكرمتني وقمت بواجبي وانبسطت منك كثيراً وحلفت أنك لم تأخذ مني أجرةً وأنا قد أحببتك محبةً شديدةً، فأخبرني ما قضيتك مع الملك وأي شيءٍ صنعت له من المكاره حتى غضب عليك وأمر أن تموت هذه الميتة الرديئة؟ فقال له: والله ما علمت شيئاً وليس عندي علمٌ بذنبٍ فعلته معه يستوجب هذا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القبطان لم سأل أبا صير عن سبب غضب الملك عليه قال له: والله يا أخي ما عملت شيئاً قبيحاً يستوجب هذا، فقال له القبطان: أن لك عند الملك مقاماً عظيماً ما ناله أحدٌ قبلك وكل ذي نعمةٍ محسودٍ، فلعل أحداً حسدك على هذه النعمة ورمى في حقك بعض الكلام عند الملك حتى أن الملك غضب عليك هذا الغضب، ولكن مرحباً بك وما عليك من بأسٍ فكما أنك أكرمتني من غير معرفةٍ بيني وبينك فأنا أخلصك ولكن إذا خلصتك تقيم عندي في هذه الجزيرة حتى يسافر من هذه المدينة غليون إلى ناحية بلادك فأرسلك معه، فقبل أبو صير يد القبطان وشكره على ذلك. ثم أنه أحضر الجير ووضعه في زبيكة ووضع فيها حجراً كبيراً قدر الرجل وقال: توكلت على الله، ثم أن القبطان أعطى أبا صير شبكةً وقال له: ارم هذه الشبكة في البحر لعلك تصطاد شيئاً من السمك لأن مطبخ الملك رتب علي في كل يومٍ وقد اشتغلت عن الصيد بهذه المصيبة التي أصابتك فأخاف أن تأتي غلمان الطباخ ليطلبوا السمك فلا يجدوه، فإن كنت تصطاد شيئاً فإنهم يجدونه حتى أروح أعمل الحيلة تحت القصر واجعل أني رميتك، فقال له أبو صير: أنا اصطاد وروح أنت والله يعينك.

فوضع الزبيكة في الزورق وسار إلى أن وصل تحت القصر فرأى الملك جالساً في الشباك فقال له: يا ملك الزمان هل أرميه؟ وأشار بيده وإذا بشيءٍ برق ثم سقط في البحر وإذا بالذي سقط في البحر خاتم الملك وكان مرصودا بحيث إذا غضب الملك على أحدٍ وأراد قتله يشير عليه باليد اليمنى التي فيها الخاتم فيخرج من الخاتم بارقةً فتصيب الذي يشير عليه فيقع رأسه من بين كتفيه، وما أطاعته العسكر ولا قهر الجبابرة إلا بسبب هذا الخاتم، فلما وقع الخاتم من إصبعه كتم أمره ولم يقدر أن يقول خاتمي وقع في البحر خوفاً من العسكر أن يقوموا عليه فيقتلوه فسكت. هذا ما كان من أمر الملك.

وأما ما كان من أمر أبو صير فإنه بعدما تركه القبطان أخذ الشبكة وطرحها في البحر وسحبها فطلعت ملآنة سمكاً ثم طرحها ثانيةً فطلعت ملآنه سمكاً أيضاً، ولم يزل يطرحها وهي تطلع ملآنه حتى صار قدامه كومةٌ كبيرةٌ من السمك، فقال في نفسه: والله أن لي مدة طويلة ما أكلت من السمك ثم أختار له سمكةً كبيرةً ثمينةً وقال: لما يأتي القبطان أقول له يقلي لي هذه السمكة لأتغدى، ثم أنه ذبحها بسكينٍ كانت معه فعلقت السكين في نخشوشها فرأى خاتم الملك فيه لأنها كانت ابتلعته ثم ساقها القدر إلى تلك الجزيرة ووقفت في الشبكة.
فتناول الخاتم ولبسه في خنصره وهو لا يعلم ما فيه من الخواص، وإذا بغلامين من خدام الطباخ أتيا لطلب السمك فلما صارا عند أبا صير قالا له: يا رجل أين راح القبطان؟ فقال: لا أدري وأشار بيده اليمنى وإذا برأسي الغلامين وقعا بين أكتافهما حين أشار إليهما وقال لا أدري، فتعجب أبو صير من ذلك وجعل يقول: يا هل ترى من قتلهما؟ وصعب عليه وصار يفكر في ذلك وإذا بالقبطان أقبل فرأى كوماً كبيراً من السمك ورأى الغلامين مقتولين ورأى الخاتم في إصبع أبي صير فقال له: يا أخي لا تحرك يدك التي فيها الخاتم فأنك أن حركتها قتلتني، فتعجب من قوله: لا تحرك يدك التي فيها الخاتم فأن حركتها قتلتني. فلما وصل إليه القبطان قال: من قتل هذين الغلامين؟ قال له: والله يا أخي لا أدري، قال: صدقت ولكن أخبرني عن هذا الخاتم من أين وصل إليك؟ قال: رأيته في نخشوش هذه السمكة، قال: صدقت فإني رأيته نازلاً يبرق من قصر الملك حتى سقط في البحر وقت أن أشار إليك وقال لي: ارمه فأنه لما أشار رميت الزبيكة وكان سقط من إصبعه ووقع في البحر فابتلعته هذه السمكة وساقها الله إليك حتى اصطدتها فهذا نصيبك، ولكن هل تعرف خواص هذا الخاتم؟ قال أبو صير: لا أدري له خواصاً، قال القبطان: اعلم أن عسكر ملكنا ما أطاعوه إلا خوفاً من هذا الخاتم لأنه مرصودٌ فإذا غضب الملك على أحدٍ وأراد قتله يشير به عليه فيقع رأسه من بين كتفيه، فإن بارقةً تحرج من هذا الخاتم ويتصل شعاعها بالمغضوب عليه فيموت لوقته.

فلما سمع أبو قير هذا الكلام فرح فرحاً شديداً وقال للقبطان: ردني إلى المدينة، فقال له القبطان: أردك فأني ما بقيت أخاف عليك من الملك فأنك متى أشرت بيدك وأضمرت على قتله فإن رأسه يقع بين يديك ولو كنت تطلب قتل الملك وجميع عسكره فأنك تقتلهم من غير عاقة ثم أنزله في الزورق وتوجه به إلى المدينة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القبطان لما أنزل أبا صير في الزورق توجه به إلى المدينة فلما وصل إليها طلع إلى قصر الملك ثم دخل الديوان فرأى الملك جالساً والعسكر بين يديه وهو في غمٍ عظيمٍ من شأن الخاتم ولم يقدر أن يخبر أحد من العسكر بضياع الخاتم.

فلما رآه الملك قال: أما رميناك في البحر كيف فعلت حتى خرجت منه؟ فقال له: يا ملك الزمان لما أمرت برميي في البحر أخذني قبطانك وسار بي إلى جزيرةٍ وسألني عن سبب غضبك علي وقال لي: أي شيءٍ صنعت مع الملك حتى أمر بموتك؟ فقلت له: والله ما أعلم أني عملت معه شيئاً قبيحاً فقال لي: إن لك مقاماً عظيماً عند الملك فلعل أحداً حسدك ورمى فيك كلاماً عند الملك حتى غضب عليك ولكن أنا جئتك في حمامك فأكرمتني ففي نظير إكرامك إياي في حمامك أنا أخلصك وأرسلك إلى بلادك.

ثم حط في الزورق حجراً عوضاً عني ورماه في البحر ولكن حين أشرت له علي وقع الخاتم من يدك في البحر فابتلعته سمكة وكنت أنا في الجزيرة اصطاد السمك فطلعت تلك السمكة في جملة السمكات فأخذتها وأردت أن أشويها فلما فتحت جوفها رأيت الخاتم فيه فأخذته وجعلته في إصبعي فأتاني اثنان من خدام المشايخ وطلبا السمكة فأشرت إليهما وأنا لا أدري خاصية الخاتم فوقع رأسيهما. ثم أتى القبطان فعرف الخاتم وهو في إصبعي وأخبرني برصده فأتيت به إليك لأنك عملت معي معروفا وأكرمتني غاية الإكرام وما عملته معي من الجميل لم يضع عندي وهذا خاتمك فخذه وإن كنت فعلت معك شيئاً يوجب القتل فعرفني بذنبي واقتلني وأنت في حلٍ من دمي. ثم خلع الخاتم من إصبعه وناوله للملك فلما رأى الملك ما فعل أبو صير من الإحسان أخذ الخاتم منه وتختم به فردت له روحه وقام على أقدامه واعتنق أبا صير وقال: أنت يا رجل من خواص أولاد الحلال فلا تؤاخذني وسامحني عما صدر مني في حقك ولو كان أحدٌ غيرك ملك هذا الخاتم لما كان أعطاني إياه فقال: يا ملك الزمان أن أردت أن أسامحك فعرفني بذنبي الذي أوجب غضبك علي حتى أمرت بقتلي؟ فقال له: والله أنه ثبت عندي أنك بريءٌ وليس لك ذنبٌ في شيءٍ حيث فعلت هذا الجميل وإنما الصباغ قال لي كذا وكذا وأخبره بما قاله الصباغ فقال له أبو صير: والله يا ملك الزمان أنا لا أعرف ملك النصارى ولا عمري رحت بلاد النصارى ولا خطر ببالي أني أقتلك ولكن هذا الصباغ كان رفيقي وجاري في مدينة الإسكندرية وضاق بنا العيش هناك فخرجنا منها لضيق المعاش وقرأنا مع بعضنا فاتحة على أن العمال يطعم البطال وجرى لي معه كذا وكذا وأخبره بجميع ما جرى له مع أبي قير الصباغ وكيف أخذ دراهمه وتركه ضعيفاً في الحجرة التي في الخان وأن بواب الخان كان ينفق عليه وهو مريض حتى شفاه الله تم طلع وسرح في المدينة حسب العادة فبينما هو في الطريق إذا رأى مصبغة عليها ازدحام فنظر في باب المصبغة فرأى أبا قير جالساً على مصطبة هناك فدخل ليسلم عليه فوقع منه ما وقع من الضرب والإساءة وادعى عليه أنه حرامي وضربه ضرباً مؤلماً وأخبر الملك بجميع ما جرى من أوله إلى آخره.

ثم قال: يا ملك الزمان هو الذي قال لي اعمل الدواء وقدمه للملك فإن الحمام كاملٌ من جميع الأمور إلا أن هذا الدواء مفقود منه واعلم يا ملك الزمان إن هذا الدواء لا يضر ونحن نصنعه في بلادنا وهو من لوازم الحمام وأنا كنت نسيته فلما أتاني الصباغ وأكرمته ذكرني به وقال لي: اعمل الدواء وأرسل يا ملك الزمان هات بواب الخان الفلاني وصنايعية المصبغة فلما حضر الجميع سألهم فأخبروه بالواقع فأرسل إلى الصباغ وقال: هاتوه حافياً مكشوف الرأس مكتفاً وكان الصباغ جالساً في بيته مسروراً بقتل أبو صير فلم يشعر إلا وأعوان الملك هجموا عليه وأوقعوا الضرب في قفاه ثم كتفوه وحضروا به قدام الملك فرأى أبا صير جالساً جنب البواب وبواب الخان وصنايعية المصبغة واقفين أمامه، فقال بواب الخان: أما هذا رفيقك الذي سرقت دراهمه وتركته عندي في الحجرة ضعيفاً وفعلت معه ما كذا وكذا؟ وقال له صنايعية المصبغة: أما هذا الذي أمرتنا بالقبض عليه وضربناه فتبين للملك قباحة أبا قير وأنه يستحق ما هو أشد من تشديدٍ منكرٍ ونكير؟ فقال الملك: خذوه وجرسوه في المدينة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما سمع كلام بواب الخان وصنائعية المصبغة تحقق أنه عنده خبث أبي قير فأقام عليه النكير وقال لأعوانه: خذوه وجرسوه في المدينة وحطوه في زكيبة وارموه في البحر، فقال أبو صير: يا ملك الزمان شفعني فيه فأني سامحته من جميع ما فعل بي فقال الملك: إن كنت سامحته في حقك فأنا لا يمكن أن أسامحه في حقي، ثم صاح وقال: خذوه وجرسوه وبعد ذلك وضعوه في زكيبة ووضعوا معه الجير ورموه في البحر فمات غريقاً حريقاً وقال الملك: يا أبا صير تمن علي تعط، فقال له: تمنيت عليك أن ترسلني إلى بلادي فأني ما بقي لي رغبةٌ في القعود هنا فأعطاه شيئاً كثيراً زيادة على ماله ونواله ومواهبه ثم أنعم عليه بغلون مشحون بالخيرات وكان بحريته مماليك فوهبهم له أيضاً بعد أن عرض عليه أن يجعله وزيراً فما رضي ثم ودع الملك وسافر وجميع ما في الغليون ملكه حتى النوتية ملكه وما زال سائراً حتى وصل أرض الإسكندرية ورسوا على جانب إسكندرية وخرجوا إلى البر فرأى مملوكاً معه زكيبة في جانب البر. فقال: يا سيدي إن في جنب شاطئ البحر زكيبة ثقيلة وفما مربوط ولا أدري ما بها فأتى أبو صير وفتحها فرأى فيها أبو قير قد دفعه البحر إلى جهة إسكندرية فأخرجه ودفنه بالقرب من إسكندرية وعمل له مزاراً ووقف عليه أوقافاً ثم أن أبا صير أقام مدة وتوفاه الله فدفنوه بجوار قبر رفيقه أبي قير ومن أجل ذلك سمي هذا المكان بأبي قير وأبي صير واشتهر إلى الآن بأنه أبو قير، وهذا ما بلغنا من حكايتهما فسبحان الباقي على الدوام وبإرادته تصرف الليالي والأيام.
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 49 )  
قديم 2015-02-10
 
Banned

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  Ridha bacha غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20465
تاريخ التسجيل : Feb 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 62 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : Ridha bacha
افتراضي رد: الحكواتي

قراءة ممتعة للجميع
رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : ( 50 )  
قديم 2015-07-23
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  abomaryam6 غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 20916
تاريخ التسجيل : Jul 2015
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 39 [+]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : abomaryam6
افتراضي رد: الحكواتي

jamiil
jamiil
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الحكواتي



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتدى شباب الجزائر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

الساعة الآن 01:20 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7 .Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
Designed & Developed by shababdz.com
جميع الحقوق محفوظة ©2014, منتدى شباب الجزائر لكل العرب