عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق


د. رحمن غركَان












مقومات عمود الشعر
الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق












من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2004







إهــداء



إلى: تقى رحمن
طفولة أعوام هي في الروح عمود الشعر الحقيقي
إلى: ناهضة ستار: امرأة من طراز قلبي...
إلى: د. حمزة فاضل يوسف
ناقداً لاذعاً في الالتزام بعمود المحبة لله والناس.


رحمن غركان


***






المقدمة


اهتم الإنسان العربي بالشعر بوصفه جزءاً من بنية وعيه، ورافداً رئيساً من روافد تفكيره، وباعثاً لافتاً للنظر من بواعث حضوره الوجداني، يصدر عنه في التعبير عن مكنون ذاته أو انتمائه العاطفي أو الإنساني. ويرجع إليه في إثبات وجوده، وإعلان تمسكه بما ينتمي إليه، وإقامة ما ليس قائماً في الحياة أمامه، لأنه يعد الشعر قولاً لازماً للفعل، ومعبراً عنه أصالة، ومن هنا فجرح القول أقسى من جرح الفعل.
فقول الشعر عند العرب فطرة فيهم، تكشف فنياً عن طبع أصيل في امتلاك ناصية القول الشعري، وحس مرهف في إقامة بنائه الفني، وذوق رفيع في تلمس مظان تأثيره في المتلقي كما تكشف موضوعياً عن وعي وعقل راجح في التعبير عن حضور الفرد الشاعر في لغة الجماعة انطلاقاً من لغته، وفي الوعي الجمعي صدوراً عن حدس فني صادق، وإحساس مرهف بانتماء الأشياء أو الموجودات إلى أصولها.
وانطلاقاً من هذه الأهمية، وتأسيساً عليها، كان لابد أن تترسخ مع امتداد تجربة قول الشعر وعمقها ـ قيم وتقاليد وأعراف، موضوعية حيناً وفنية أحياناً أخرى، مشكلة على نحو من الأنحاء طريقة قول الشعر وكاشفة عنها، وذلك التشكيل وهذا الكشف هما اللذان أسّسا أصول عمود الشعر العربي ومعاييره بوصفه تعبيراً عن طريقة العرب في قول الشعر.
ولما كان الشعر بوصفه الفني يصدر عن قيم الشعرية ومفاهيمها في آن معاً، تلك القيم المتصلة بالطاقة الإبداعية المتفردة، وما يمتلكه الكلام من جرائها من قدرة في البناء المجازي وتلك المفاهيم التي تؤشر الأصول الدالة على قول الشعر، أو تتعرف بالقوانين العامة المنظمة لإبداعه فقد صارت الشعرية بما تتوفر عليه من أصول ومقومات العمق الجمالي الذي صار إليه عمود الشعر العربي. والشعرية بوصفها الجمالي تتحقق في النص الشعري الكاشف عنها، متى توفر ذلك النص الشعري على خصائص أداء أسلوبي تميزه من سواه فنياً، ويكتسب من آثارها حساً جمالياً.
من هنا فقد كان البحث في مقومات عمود الشعر العربي، تلك التي تشكل في النص بنياته الأسلوبية، باعثاً أولياً في ولوج دائرة هذا الموضوع، الذي أخذ التنظير فيه الجزء الغالب أولاً ثم الانعكاسات التطبيقية لذلك الوعي التنظيري ثانياً.
وقد توزعت خطة البحث على خمسة فصول، متصفة بتسلسل منطقي واضح بحكم طبيعة الموضوع، وهكذا كان الفصل الأول قراءة في مقومات الشعرية العربية تمهيداً لقراءة مقومات عمود الشعر التي كان فصلها الثاني قراءة في الأصول. أما الثالث فكان قراءة في النظرية، والرابع في المقومات الأسلوبية للنظرية فيما كان الخامس قراءة في انعكاساتها التطبيقية.
أما مبررات سير خطة البحث على هذا النحو، فمتصلة بما توفر عليه كل جزء من جزئيات الخطة على نحو من التسلسل التكميلي الذي يكمل فيه الفصل صورة ما سبقه وهكذا في المباحث ولهذا جاء الفصل الأول في دراسة مقومات الشعرية العربية انطلاقاً من عدم النظر التجريدي بالانطلاق من الوعي إلى النص. وعدم الخلط بين شعرية الإبداع (الشعرية في النص) وشعرية التلقي (الشعرية في القراءة) ثم قسّم الباحث مقومات الشعرية العربية على قسمين: أولهما: الأصول وثانيها: العناصر، أما الأصول فصادرة عن خصوصية اللغة وخصوصية البيئة ثم خصوصية الثقافة. فيما تشمل العناصر، البيئات الإيقاعية والنحوية والمعيارية والانزياح وفعل الواقع والفاعلية، وقد وفر هذا مهاداً نظرياً لدراسة مقومات عمود الشعر.
وقد توفر الفصل الثاني على دراسة أصول عمود الشعر، كما تمثلت في النقد التسجيلي عند الأصمعي وابن سلام وابن قتيبة. ثم في التنظير النقدي كما تمثلت عند ابن المعتز وابن طباطبا العلوي وقدامة بن جعفر في نقد الشعر. ثم في التطبيق النقدي (النقد التطبيقي) عل نحو ما أسس له الآمدي في موازنته بين أبي تمام والبحتري، ثم جاء عبد العزيز الجرجاني في وساطته بين المتنبي وخصومه، إذ أكمل ما قال به الآمدي في تأسيس مصطلح (عمود الشعر) وقد قال بمقوماته الرئيسية التي بنى عليها المرزوقي مقدمته النقدية.

أما الفصل الثالث فقد انصب على دراسة النظرية في ثلاثة مباحث، اشتمل المبحث الأول على دراسة نظرية عمود الشعر عند المرزوقي عبر قراءة مقوماتها السبعة التي أسس لها النقد السابق وقال بها عبد العزيز الجرجاني. فيما اشتمل المبحث الثاني على دراسة نظرية (عمود الشعر السامي) كما قال بها كاسيوس لونجينوس، وصولاً لتحديد ملامح التقارب بين مقومات عمود الشعر العربي عند المرزوقي ومقومات عمود الشعر السامي عند لونجينوس. وقد توفر المبحث الثالث على دراسة نظرية عمود الشعر الآري (الغربي) كما قال بها أرسطو من قبل ثم ما نص عليه دونالد استوفر ـ انطلاقاً من أرسطو ـ في كتابه (طبيعة الشعر) إذ حدد مقومات عمود الشعر الغربي بـ(سبعة عناصر) أيضاً، وصولاً لتحديد ما يميز (عمود الشعر العربي) بمقوماته السبعة من (عمود الشعر الغربي) بمقوماته السبعة أيضاً، لتأثير ما يتصف به عمود الشعر العربي من خصوصية، أما الفصل الرابع فقد اختص بدراسة مقومات عمود الشعر الأسلوبي، في خلال ثلاثة مباحث، درس المبحث الأول المقوم الصوتي في عمود الشعر الذي اشتمل على: التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. تم مشالكة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. فيما درس المبحث الثاني المقوم اللغوي أو المستوى التركيبي في عمود الشعر الذي اشتمل على: جزالة اللفظ واستقامته، وشرف المعنى وصحته، وقد درس المبحث الثالث المقوم البلاغي أو المستوى الدلالي الذي اشتمل على: الإصابة في الوصف، ثم المقاربة في التشبيه، ثم مناسبة المستعار منه للمستعار له.
أما الفصل الخامس والأخير فقد توفر على دراسة تطبيقية لنظرية عمود الشعر عند خمسة من الشعراء العباسيين المحدثين وهم بشار بن برد، ثم الحسن بن هاني (أبي نواس) ثم مسلم بن الوليد (صريع الغواني) ثم حبيب بن أوس الطائي (أبي تمام) ثم الوليد بن عبيد الطائي (البحتري) وقد اتصل اختيار هؤلاء الشعراء الخمسة بالخصوصية الفنية لشعر كل منهم، تلك التي جعلت النقاد القدماء يعدونه موافقاً في أسلوبه الشعري لعمود الشعر العربي حيناً وغير ملتزم بسنن الأقدمين حيناً آخر. فضلاً على أن هؤلاء الشعراء عاصروا النقد الشعري الذي أسس لمقومات عمود الشعر.
وقد انطلق البحث من مصادر النقد العربي القديم، بدأ "من فحولة الشعراء للأصمعي ثم طبقات ابن سلام، ثم الشعر والشعراء لابن قتيبة، ثم طبقات ابن المعتز وبديعه، ثم عيار الشعر لابن طباطبا، ثم نقد الشعر لقدامة بن جعفر، ثم موازنة الآمدي، ثم وساطة عبد العزيز الجرجاني، ثم مقدمة المرزوقي لشرح ديوان الحماسة ثم كتاب (السامي) لـ(كاسيوس لونجينوس) كما استعان البحث بمراجع من النقد العربي الحديث أبرزها: شرح المقدمة الأدبية لشرح الإمام المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمام للأستاذ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، ثم الأسس الجمالية في النقد العربي للدكتور عز الدين إسماعيل، ونظرية النقد العربي وتطورها إلى عصرنا للدكتور محيي الدين صبحي، ثم قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم للدكتور وليد قصاب.
أما بعد فلست أزعم أن هذا البحث قد أحاط بكل ما يتصل بمقومات عمود الشعر الأسلوبية في جانبيها: التنظيري ثم التطبيقي، لسعة القول في هذين الجانبين وشموله فضلاً عن أن منهج البحث وخطة الدراسة قد حددتا الباحث فهو يبحث في ضوئهما، وربما عبرت سائر موضوعات البحث عن وجهة نظر الباحث حيناً، وما يرجع إليه أو يصدر عنه مما قال به الباحثون السابقون أحياناً أخرى، وما استطاع أن يقف عنده الباحث، على وفق ما تهيأ له من جهد ومصادر، وما رافق كل ذلك من ظروف، فإن أصاب البحث توفيقاً في الوصول إلى حقيقة ما، فمرده إلى توفيق الله سبحانه وإحسان من سبقني إلى القول في هذا الموضوع، ثم محاولة الباحث في أن يجتهد. وقد عمل الباحث جهد استطاعته في أن يعتمد النصوص من مظانها كما وردت من دونما تغيير وبخاصة الشعري منها وإن تعددت رواياته.
واختتم عجالة هذه المقدمة بكلمة شكر ومحبة وتقدير للدكتور أحمد مطلوب والدكتور عناد غزوان والدكتور ماهر مهدي هلال، لما أبدوه من جميل نصح وتوجيه عند اتصال الباحث بهم لتدارس صورة هذه الدراسة في خطوطها العامة والحمد لله أولاً وأخيراً.
الدكتور
رحمن غركان
***






الفصل الأول:

مقومات الشعرية العربية


مقومات الشعرية العربية:
على الرغم من كثرة التناول الذي اكتنف موضوع "الشعرية" في الدرس النقدي المعاصر إلا أن الناظر في هذه الكثرة، لا يجد للشعرية العربية مكاناً يحتفي بخصوصيتها، إذ غالباً ما يقع الحديث عنها في سياق الشعرية بوصفها عطاءً نظرياً، حاملاً مخاطر لم ينته إليها الدارسون، مما أوقع الدرس النقدي ـ في هذا الباب ـ في عمومية وانعدام دقة أفضيا بها إلى مهاوي التخليط والدعاوى العريضة المشكوك في مصداقيتها. فإذا كانت الشعرية العربية عنواناً لأكثر من بحث، فإن مضامين تلك البحوث، لم تخرج بما يمثل خصوصية لهذه الشعرية، وبقيت ـ بقصد أحياناً ـ تحت هيمنة المخاطر الخفية التي لم ينج منها، ما كتب في هذا الباب إلا القليل.





المبحث الأول:
مخاطر البحث في الشعرية العربية


إنَّ البحث في مقومات الشعرية العربية، يواجَهُ بمخاطر عديدة، وتجنباً لما وقع فيه الآخرون، من خلال البحث عن أصول هذه الشعرية، وتمييز عناصرها الخاصة، حتى تنطبق الصفة على موصوفها، ويمكن أن نسجل في هذا المنحى ثلاثة مخاطر، جرَّت على دارسي الشعرية العربية كثيراً من الالتباس، أو تعميم الخاص، أو عدم القابلية على التطبيق الفعلي الناجح على المنتج الإبداعي العربي، مما حدا بالدارسين إلى معايير ليست بالصحيحة وأحكام أقرب إلى الذائقة الفردية غير المسوغة، والتأمل الذهني الخالص.
1ـ التجريد النظري الخالص:
وهذا الأمر هو ما يقع فيه بعض دارسي الشعرية العربية، نتيجة التنظير غير المستند إلى واقع النص. حيث أن غلبة الفكر الغربي المترجم في هذا الباب أدت بالدارسين إلى محاولة مجاراة هذا الفكر، من خلال تطبيق افتراضاته النقدية وبناه الفلسفية على النص العربي، ومحاكمة الفكر النقدي العربي قياساً إلى ذلك الفكر، ومكمن الخطر في هذه المحاولة هو سيطرة المقولات الفكرية والنقدية الغربية على الدارس، ووقوعه تحت أسْرها، مما يقود إلى عدم الانتباه إلى خصوصية هذه المقولات، وانطباق افتراضاتها على النص الغربي فحسب. لأن تطبيقها يلغي خصيصة ماثلة في النص الشعري، وتعميمها عليه يؤدي إلى النتيجة نفسها. ذلك أن خصوصية اللغة التي يقال بها ذلك النص، تبقى هي الخصيصة الماثلة. ويمكن ملاحظة أن الاستلاب الذي يعانيه التنظير في الشعرية العربية، يجعل من مقولات هذا التنظير، إما رجع صدى للآخر الغريب، أو انشاءً غائماً يطالب بما لا وجود له، معتمداً على لغة مثيرة في دعاواها، وبناءً تلفيقياً يسعى إلى عقد مصالحة غير منطقية، بين لغة النص وفكر الآخر، الأمر الذي يجعل من الشعرية العربية، صورة هشة مشوهة من الشعرية الغربية، وهو ما أثبت النص العربي ـ قديماً وحديثاً ـ عدم صحته، وقلة جدواه بل وخطره.
إن منعم النظر في تنظير، أدونيس، وكمال أبو ديب، ومحمد الأسعد وغيرهم من الدارسين أو النقاد، يجد ضبابية الرؤية واضحة في مقولاتهم، لأنها تخضع لمقولات فكرية واتجاهات ذات أحكام قبلية أكثر من خضوعها الواجب لمعطيات النص، فليس هناك استقراء علمي لماهية الشعرية العربية في النص الشعري العربي، بل تطبيق متعسف انتقائي لمقولات جاهزة عن مفهومات الشعرية. يجد هؤلاء صدى لها في نصوص بعينها، فيعممون الخاص/ الشاذ، جاعلين منه قاعدة واجبة التقليد، متجاهلين واقع النص، غير مفسرين قدرته على البث والدوام، أو أسراره الفنية التي جعلته مقبولاً لدى المتلقين ـ على اختلاف مشاربهم ـ هذه المدة الطويلة. فمفهومات مثل: "الاستعارة، الفجوة، تثوير اللغة، الخ." بقيت عائمة في الوعي النقدي لهؤلاء الدارسين، ولم تجد قرارها على الرغم من وجاهة بعضها، وذلك عائد إلى إيمانهم بأحاديّة العنصر الفاعل في النص، وإهمالهم العناصر الأخرى، ولعل وقوف، د. صلاح فضل أمام قول ذي الرمة الخالي من الاستعارة أو عناصر الشعرية كما يطرحها هؤلاء الدارسون يؤكد ما ذهبنا إليه لأن النص ممتلئ بالشعرية، على خلوه من عناصرها المزعومة!!( )
وخلاصة القول في هذا الأمر، أن النظر التجريدي الخالص مهما كانت براعته الثقافية وعمقه الفلسفي، لا يمكن أن يفسر ـ وحده ـ الشعرية العربية، ما لم تدعمه النصوص الشعرية بعمومها، وما لم ينطلق من وعي خاص، بأن لهذه الشعرية خصائص وعناصر ليس من الواجب أبداً، أن تتطابق مع خصائص الشعرية الغربية وعناصرها.
2ـ الخلط بين شعرية النص وشعرية التلقي:
وهذا الأمر هو ما قد دعت إليه الحاجة، للتقارب مع الفعل النقدي المعاصر في الغرب، فمحاولة الدارسين العرب تجاوز مراحل التطور بترتيبها الطبيعي وملاحقة الحلقة الأحدث في هذا الترتيب جعلهم يغفلون إشباع الحلقة السابقة عليها درساً مما يتيح انتقالاً طبيعياً إلى ما بعدها. ففي حين كانت مفهومات الشعرية في طور التأسيس ـ عربياً ـ ظهرت نظرية التلقي في الغرب، مما دعا الدارسين إلى إهمال ما في أيديهم، وتلقف القادم الجديد، الأمر الذي أضاع الأمرين على هؤلاء. فظهر خطر الخلط في الدرس النقدي بين شعرية النص "الرسالة" وشعرية المتلقي "المرسل إليه"، ومكمن هذا الخلط في إمكان فرض معطيات القارئ ، الناقد المعاصر على النص القديم فرضاً يتجاوز حدود المعقول، ويعيد تشكل عناصر النص تشكلاً اعتباطياً، يفقده صلته اللازمة بقائله ومحيطه وبالإرث الثقافي ـ الغني الذي ينتمي إليه.
كما أن هذا الخلط يفقد الشعرية عناصرها العامة التي يمكن بناء النظرية النقدية على أسسها، فهو باعتماده تقنية القراءة الحرة المنتجة يسمح للناقد أن يضفي رؤاه الخاصة على نص رديء ليجعل منه بالقراءة نصاً مبدعاً، بحجة إكمال النص من قبل القارئ، وفي هذا إضاعة للتميز الأسلوبي الذي يضمن للنص ديمومته، إذ بإمكان قارئ مثقف أن يحول الإشارات الفلسفية التي يستخدمها شاعر مغمور في العصر العباسي استخداماً ساذجاً متثاقفاً، إلى نظرية فلسفية عميقة ويجد لها من المسوغات ما يبدو مقنعاً في قراءته لها في النص. ولعل قراءة مصطفى ناصف لقول أبي تمام( ):
رقيقُ حَواشي الحلمِ، لو أنّ حُلْمَهُ
بِكَفيك ما مَارَيتَ في أنّهُ بردُ

تمثل أنموذجاً على هذا الخطر. ولقد كانت نتائج هذا الخلط غاية في الخطورة عندما صار اتهام النقاد القدامى بالفشل أو قلة الوعي أمراً واجباً ليكون الناقد محدثاً!! وقاد هذا الاتهام إلى إضاعة خصوصية النص الشعري العربي في موج مقولات غريبة، ودعاوى تصلح لكل شيء إلا لهذا النص!
3ـ عصرنة الوعي القسرية:
هذا أمر عائد في جذوره إلى حرية القراءة والتأويل، فقد صار بعض الدارسين ـ خشية اتهامهم بالانقطاع المعرفي عن التراث ـ يسعون إلى تقويل التراث ما يريدون، والبناء على هذا التقويل. وهذا النمط التأويلي في قراءة الوعي التراثي، قاد إلى ظهور دعوات غاية في الغرابة، ومصطلحات حديثة عند النقاد. والحق أن وعي نقادنا القدماء كان عالياً، ومتساوقاً مع خصوصية لغتهم ونصها الشعري، وهو ليست به حاجة إلى "عصرنة" مفتعلة ليكون حقيقاً بالدرس. ولكن الدارسين المحدثين، ومن دون معرفة بخصوصية التعبير النقدي العربي ومصطلحاته الفنية، قادوا هذه الرؤى الفنية في النقد إلى ما يناسب مفهوماتهم. وعالجوا نصوصها بما يكرس أطروحاتهم الفكرية والنقدية، وصار يسيراً، أن يؤمن الصولي بـ"شعرية الكتابة" ولا يؤمن بـ"شعرية الشفاهية" وصار مبحث التخييل عند الجرجاني، باباً للحديث عن "استعارية اللغة" وصار أبو تمام "مثوراً" للغة، وخارجاً على جمودها المزعوم!!( )
هذا المنحى وغيره من الدعاوى التي تحفل بها دراسات الشعرية المعاصرة، قادت النص القديم إلى عصرها قسراً، بالتدليس حيناً، وبالاجتزاء المخل حيناً آخر، وبالتقويل غير المسوغ، ومكمن هذا الخطر هو في التناول المغري، ـ بإظهار عبقرية نقادنا وعصريتهم! ـ وهو أيضاً فيما يؤسس على هذا التناول حيث يهوي المتنبي إلى مرتبة أقل من نثر أمين نخلة( ) ويقوم رديء أبي تمام مقام معجزات النص العربي، ويعاد النظر إلي الصولي على أنه فائق في وعيه متجاوز لعصره، ويحط من شأن الآمدي لأنه متخلف في الدرس الفلسفي المعاصر( ).
ولعل في ملاحظة الجانب التطبيقي لهذه الدراسات ما يكشف عن ضعف مقولاتها "فالرؤى المقنعة" عند كمال أبي ديب "تعصرن" النص الجاهلي عبر جدلية: المشبق والوجود( )، ويطبق عبد الله الغذامي دعاوى أحدث المدارس النقدية على شاعر مغمور ليس له من سمة أسلوبية سوى تقليده للنصوص الشائعة( )، ولا يجد محمد الأسعد في تطبيقه سوى عبد الكريم كاصد ممثلاً للغة الشعرية الحقيقية( ).
لا شك في أن الملاحظات الثلاث التي سبق إجمالها، تحتاج إلى تفصيل طويل ليس هذا موضعه، ولكننا أردنا بعرضنا لها تـأسيس مهاد نظري صحيح لما يليها، لأن محاولة استجلاء مقومات الشعرية العربية، تقتضي محاورة من عرض لها، وتبيان مقولاته، وهو أمر يستلزم بحثاً قائماً برأسه، ولكننا اكتفينا بعرض المخاطر التي اشتركت فيها دراسات الشعرية العربية، لأنها ـ في ما يبدو لنا ـ سبب عدم استطاعة هذه الدراسات تأسيساً حقيقياً لموضوعها، واتخاذها منهجاً انتقائياً فرض على مباحثها كثيراً من التخليط والعمومية وعدم الدقة، وأدى بأحكامها وإجراءاتها للسقوط في مهاوي الذوق الخاص غير الخاضع للتفسير العلمي.
بعد هذا العرض الموجز، لخطر النظر التجريدي، وما كان من وقوع المحدثين فيه، من خلال الانطلاق من الوعي إلى النص، ومحاكمة الشعرية العربية بالقياس إلى الشعرية الغربية، أو النظرية النقدية الغربية، كما نقرأ عند: أدونيس وكمال أبو ديب ومحمد الأسعد وغيرهم، ثم ما كان من خلط لدى بعض النقاد المعاصرين بين شعرية الإبداع (الشعرية في النص) وشعرية التلقي (الشعرية في القراءة) وإضفاء الوعي النقدي على مقومات الشعرية الواجب اكتناهها من الموروث الشعري العربي أولاً، ثم استجلاء وعي النقاد العرب القدماء بها، ومحاكمتهم إياها قياساً إلى واقعها النصي وليس العكس. ثم ما كان من خطر عصرنة الوعي القسرية، تلك العصرنة الصادرة عن المبالغة في حرية القراءة والتأويل.
بعد هذا كله، لابد من قراءة مقومات الشعرية العربية، على نحو موجز أيضاً، بدءاً من أصولها في خلال: خصوصية اللغة ثم خصوصية الوعي بتلك اللغة، وخصوصية البناء وتفرد أساليبه الإيقاعية، ثم خصوصية البيئة في خلال: انفتاح الأفق البيئي ونمطية الحياة وسكونيتها، وما كان من صراع أدى إلى فهم الوعي بالواقع فهماً خاصاً، ثم خصوصية الثقافة الشعرية عند العرب، إشارة لقدم تراثهم الشعري، وما تأسس عليه من شعور بالتفرد وما رافقت ذلك التراث عبر مسيرته من ملامح توحي بالبدائية الصادرة عن سمات الانعزال المكاني، إذ تشكل هذه كلها أصول مقومات الشعرية العربية أما العناصر التي تنبني عليها تلك المقومات، فأولها متصل بالبنية الإيقاعية بما تشتمل عليه من وزن وقافية وتوازنات صوتية فنية، وغيرها. ثم ما يتصل بالبنية النحوية بما تشير إليه خصائص القواعد النحوية القياسية ومديات الخروج عنها، والتعقيد الناتج عن ذلك الخروج، بالقياس إلى الأنموذج القياسي في تركيب الجملة الشعرية، ثم ما يتصل بالواقع الموصوف شعراً، وما يتصف به ذلك الواقع من سمات تعبيرية، من قبيل، تثبيت الواقع، وعدم الحاجة إلى التجريد، ووهم الحسية، وفلسفة الوجود، ثم بنية الانزياح، بما تشتمل عليه من دلالة على تفرد الشاعر وما قد تتوفر عليه من إشارات إلى خصوصية المعنى، لم يكن النظر النقدي فيها أو إليها دقيقاً إذ لم يعط الشكل الفني خصوصية أسلوبية إنما كان معنياً كثيراً بالمحتوى المضموني فكان أن صار إلى الاتهام بالسرقة، وهو ما شاع في كتب النقد، التسجيلية منها والتطبيقية ثم السمات أو الخصائص الأسلوبية لأدوات ذلك الانزياح، كما تستعرضها لغة النص الشعري، ثم هناك فاعلية النص الشعري، بما تتوفر عليه من فعل وظيفي، واشتراطات جمالية. وخصوصية المقاربة النقدية في الشعر بين الدين والأخلاق، بما يشير إلى وظيفية التعبير الشعري بشكل أو بآخر. ثم ما كان من مظاهر التأسيس النقدي النفعي. ثم هناك الاتجاه المعياري. أي المعيارية الصادرة عن هيمنة الأنموذج أو طبقية المعاني كما فصل فيها قدامة بن جعفر في "نقد الشعر"( ). أو البناء السياقي المحدد الذي يجري في خلاله الخطاب الشعري ثم ما تتضمنه أو توحي به فلسفة البيت الواحد من خصوصية معيارية.
ويمكن إيجاز مقومات الشعرية العربية، من جهتي: الأصول والعناصر في الشكل المبين دناه:
مقومات الشعرية العربية


الأصول العناصر

أ ـ خصوصية اللغة الإيقاع
وزن + قافية + توازنات...
(1) خصوصية إيقاعية النحوية قاعدة + خروج + تعقيد...

(2) خصوصية بنائية الواقع
ثبوت واقع + عدم تجريد...
(3) خصوصية وعي باللغة الانزياح تفرد + سرقة + عدم تماثل...

ب ـ خصوصية البيئة الفاعلية
وظيفة + جمال + أخلاق...
(1) انفتاح أفق المعيارية أنموذج + سياق + بيت واحد.

(2) نمطية الحياة
(3) سكونيتها
(4) الصراع
جـ ـ خصوصية الثقافة

(1) قدم التراث/ إحساس تفرد
(2) بدائية/ انعزال
من الأصول التي تصدر عنها الشعرية العربية، خصوصية اللغة الشعرية العربية في خلال الوعي بها ثم في خلال خصوصية البناء الفني بها ثم في خصوصية بنيتها الإيقاعية.
يبدو أن الوعي باللغة يكشف عن رغبة في أن تؤدي اللغة دور إعادة صياغة الواقع ليس على نحو مجازي بقدر ما يكون حقيقياً أو تخييلياً بقرائن تصله بالحقائق، وهو ما يكشفه ميلهم إلى التشبيه المتناسب والوصف المتقارب مقدمين الشاعر الذي يعنى بهذا الاتجاه، ومن هنا كانت هناك حيثيات تتصل بمقومات الشعرية العربية، وتشير إليها على صعيدي المعنى واللغة التي تعبر عنه أو ترسمه يمكن إجمالها في اتجاهين رئيسين هما:
الأول : متصل بالنظر إلى الشعر كونه أنساقاً لغوية تؤديها الأشكال التعبيرية المتنوعة التي تتمثل الفعل بواسطة القول، فهي تقول ما يساوي الفعل، لهذا السبب كان الشاعر ينطلق في تعبيره الشعري من الواقع إلى اللغة بحرية اختياره التعبيري، ولكن الشاعر الإسلامي الذي أخذ بتقليده حين انطلق من اللغة على الواقع صار مقيداً بالتقليد من جهة ومحدداً أكثر بحدود اللغة لا بحدود الواقع اللامتناهية، وهذا يعني أن الوعي باللغة عند الشاعر الجاهلي كان أكثر حرية وانفتاحاً من وعي الشاعر اللاحق بشكل أو بآخر، هذا من جهة تقليد الشاعر اللاحق، أما إذا نظر اللاحق إلى مبدأ الوعي باللغة عند السابق فسيتجاوزه مجدداً ومبدعاً، وهو ما صار إليه المحدثون في العصر العباسي.
أما الثاني: فمتصل بالأول وباعث إليه ودال عليه كذلك، وهو ما يوحي به الجذر اللغوي لـ(ك. ل. م) حيث يفسر دلالات (كلم) أو الكلام البعد الحسي في الخطاب الشعري من جهة، ونظرهم إلى كون القول الشعري مساوياً لفعل اليد، يقال: كلم الرجل وكلمه أي جرحه، والكليم هو المجروح وهو المكلم ومنها الكلمة، وتسمى القصيدة والخطبة: كلمة. وهذا يشير إلى أن فعل الكلمة في النفس مساو لفعل الجرح في الجسد وكل هذا يوحي بالفعل الجمعي ويدل عليه، فقد أشار القلقشندي إلى أن "الكتابة في اللغة مصدر كتب.. ومعناها جمع، يقال: تكتبت القوم إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة... ومن ثم سمي الخط: كتابة، لجمع الحروف بعضها إلى بعض"( )، فالكلام ثم الكتابة متصلان بـ: المعنى/ القوة ومؤديان إلى: الواقع/ الفعل. ومن هذا كان الشعر الجاهلي، وأكثر منه شعر العصور التي تلته يدور حول الموضوع، وقليل منه يدور حول الذات، وما كان يدور حول الموضوع فقد اقترب من تحقيق الفعل أو أدى إليه بقوة المعنى، وعبر عن قوة الواقع المباشر المتصل بالجمع/ العرف. أما اتصاله بالذات فغالباً ما كان من جهة التهذيب والإمتاع لا من جهة الخصوصية الذاتية، وهذا ما يربطه بالمنحى النفعي/ الجماعي، وهو ما سيوجب فيه مطابقته لمقتضى الحال بيانياً، طبيعة هذا الوعي باللغة جعلته وعياً بنائياً يقترب من تحقيق الفعل بقوة المعنى من جهة ويشتمل على خصوصية إيقاعية، هي أصل فيه وهي عنصر من مقوماته من جهة أخرى.
وخصوصية اللغة متصلة بخصوصية البيئة وصادرة عنها، فكان طبيعياً في ضوء ما سبق ذكره أن تبرز هيمنة المنحى الحسي على الخطاب الشعري عندهم، فكان النظر إلي المعنى على أنه مادة قبلية جاهزة يكونها القائل/ الشاعر باللفظ، فتحسن أو تقبح، فصاروا ينظرون إلى الوزن على أنه قالب خارجي، وإن عدوا الإلمام به طبعاً، ويكون تطبعاً بالإلمام بتقنيات العروض، على أن هذا الإلمام إذا كان أصيلاً، صار طبعاً هو الآخر.
فكانوا بحكم خصوصية البيئة، أقرب إلى طلب المعاني المتسمة بالقوة، المتصلة بعنفوان الحياة، على صعيد السلوك، على حساب المعاني الذاتية الوجدانية، وهذا ما يفسر تقديم الموضوعي على الذاتي والجماعي على الفردي أي القوة على اللين، وفي ضوء هذا فقد قدّم مسلمة بن عبد الملك الفرزدق على جرير، لأن الفرزدق ـ عنده ـ يبني وجرير يهدم وليس يقوم مع الخراب شيء( )، وكذلك رأى الأصمعي في شعر ذي الرمة بأنه "حلو أول ما نسمعه، فإذا كثر إنشاده ضعف"( ) ثم وصلوا هذا بالباعث على قول الشعر، فمتى كان الباعث عليه من قبيل الحرب أو أشكال الصراع الأخرى، كان الشعر قوياً، ومتى اتصل الباعث على قوله بالسلام والدعة، ضعف ولان، وهذا ما يفسر قول أبي عمرو بن العلاء في لبيد فحين قال: "ما أحد أحب شعراً إلي من لبيد بن ربيعة، لذكره الله عز وجل، ولإسلامه، ولذكره الدين والخير، ولكن شعره/ رحى بذر"( ) وهذا يعني تفضيل شعر لبيد لصلاحه، لا لقوته الفنية، ولهذا المعنى كان لبيد عند الأصمعي (رجلاً صالحاً) أي أنه ليس يجيد الشعر، لأن شعره (كالطيلسان الطبري)( ) جيد في صنعه وليس له حلاوة.
ومن هذا الاتجاه ما كان من أخذ عبد الملك بن مروان بحكم القيمة الاجتماعية ـ الدينية لأنها عنده تمثل توصيف القوة على نحو مميز، فلم يرض مدح الرقيات له بقوله( ).
يَعْتَدِلُ التاجُ فوقَ مِفْرَقِهِ
على جَبينٍ كأنَّهُ الذّهَبُ

على حين كان معجباً بقول الرقيات نفسه في مصعب:
إنّما مُصْعَبٌ شهابٌ مِنَ اللـ
ـهِ تَجَلَّتْ عن وَجههِ الظّلماءُ

لأنَّهُ أحسَ في البيت الأول توصيف حالة عز وترف يتمتع بها الممدوح أما البيت الثاني فكان يشير إلى الفعل متضمناً معنى القوة المجسدة في القيمة الاجتماعية ـ الدينية.
ومن هذا حسد الفرزدق ليلى الاخيلية لقولها( ):
وَمُخرقٌ عنهُ القَميص تَخالُهُ
بينَ البيوتِ من الحياءِ سَقيمَا

حَتّى إذا بَرَزَ اللواء رأيتَهُ
تَحتَ اللواءِ على الخَميسِ زَعيمَا

كأنّهُ أحس في الأبيات قوة المعنى المتصلة بالتعبير عن قوة الفعل على صعيد الواقع المباشر تلك القوة المتمثلة في الضعيف الحيي المتحول إلى الزعامة أي أنموذج القوة.
ما سبق من خصوصية اللغة ثم خصوصية البيئة أفرد خصوصية ثقافية قائمة على تراث تداول الأجيال له أفرده بالقدم، واتساع بيئة المكان والزمان أمام ناظر الفرد العربي، قبالة بصيرته المتأملة ولاسيما البيئات الصحراوية بوصفها غالبة، أضمرت في دخيلة ذلك الفرد شعوراً بالتفرد الموحي بالانعزال والمتصف بالبدائية بشكل أو بآخر.
وهذه الميزة الثقافية لم تكن كبيرة في تأثيرها في الشعراء الجاهليين، وإن بدت بعض مظاهر في تأثر بعضهم بأساليب بعضهم الآخر مثل ما كان في اتباع امرئ القيس في بعض العناصر الفنية، لكن هذه الخصوصية الثقافية بعد الإسلام صارت أصلاً من أصول الشعرية العربية ومقوماً من مقوماتها، فكان المقوم التاريخي (الزمني) ممثلاً في بيئة العلماء اللغويين (علماء اللغة والنحو) الذين لم يستندوا في حكمهم النقدي إلى تمثل للقيم الفنية للقديم الجاهلي أو الحديث الإسلامي، أي أنهم لم يأخذوا الطبيعة المتغيرة لمفهوم الشعرية على صعيد التصور النقدي، وقبل ذلك على صعيد المعطى الشعري أي عند الشعراء قبل النقاد، من جيل لآخر لأن "محتوى مفهوم الشعر غير ثابت، وهو يتغير مع الزمن، إلا أن الوظيفة الشعرية (الشاعرية)... عنصر فريد لا يتغير مع الزمن، ولا يمكن اختزاله، بشكل ميكا***ي إلى عناصر أخرى"( ) لأن أهل اللغة والنحو نظروا في الشعر نقدياً في ضوء مقاييس مستوحاة من القاعدة النحوية أو اللغوية ذات الطبيعة القياسية وهي مستوحاة أو مأخوذة من ذلك النص الجاهلي فهو أصل في استنباط القاعدة اللغوية والنحوية وهو أصل كذلك ـ عندهم ـ في استنباط ما يقع في دائرة النظر النقدي الفني.
ثم إن أولئك الذين قالوا شعرهم فطرة لا صناعة وطبعاً لا تطبيعاً، أصل في إنتاج اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، تلك اللغة القرآنية التي لم يستطع العرب مجاراتها أو تقليدها كونها جزءاً من إعجازه الفني، وهذا الأمر ـ على الصعيد الثقافي ـ قد كشف بشكل أو بآخر عن أن في القرآن آفاقاً جديدة للشعر لم تكن لها حدود محددة وأسس نقداً شعرياً، وهذا ما نجد صداه عند النقاد الذين قالوا بأهمية الشعر المحدث، وكأنه يمثل شعرية (الثقافة الكتابية) هذه الشعرية التي صدرت عن شعرية (الثقافة الشفاهية) وطورتها، لتكشف عن جملة حقائق:
ـ إن المحدثين جاؤوا بمعان لم تعرفها الشفوية الجاهلية، أي أن الاحداث هو ابتكار ما لم يعرفه الأقدمون.
ـ المعيار في الجودة هو الفن، فالأول هو الأول فنياً لا زمنياً، وهذا يعني أن طريقة الأوائل، لا تصلح أن تكون معياراً حدياً، لا ينبغي الخروج عليه.
ـ شمولية الثقافة شرط في ناقد الشعر، لأن انعدامها يجعل النقاد جاهلين بخصوصية الأحداث الشعري( ).
ومن هذا فقد كان الفضل الذي رآه بعض اللغويين والنقاد للقدماء على المحدثين لم يكن لأنهم خرجوا على شكل القصيدة العربية الفني كما جاء به الأوائل، إنما كانوا ينطلقون من فكرة أن التعبير الشعري "لكي يكون موحياً لابد أن يستجيب لقواعد صياغة شعرية ضاربة في اللاشعور الجمعي للعرق"( ) وهذا أمر لا يتعارض مع فنية الشعر، لكن تأصيلهم للتقدم الزمني بوصفه معياراً للشعرية، هو ما أثار المولدين أو المحدثين عليهم، فقد وضعوا حدا ًزمنياً وفاصلاً تاريخياً بين جيل الشعراء القدماء الذي ينتهي بابن هرمة (ت 158هـ) وجيل المحدثين الذي يبدأ ببشار بن برد (ت 168هـ) وكأنهم يعدون في الشعر المحدث تجاوزاً" لمقياس الأولية الزمنية من جهة، ومقياس الأولية اللغوية من جهة ثانية، ولهذا كان قبوله أو تسويغه قبولاً لمبدأ التجاوز"( )، وفي هذا الاتجاه لم يكن صحيحاً ما ذهب إليه بعض الدارسين المعاصرين من "أننا إذا دققنا النظر في أقوال القدماء، فسندرك أن عمود الشعر، ونهج القصيدة هما السبب في تحامل الرواة على المحدثين من الشعراء لخروجهم عليهما( ).
نخلص مما سبق إلى أنه: من الطبيعي أن يكون صدور مقومات الشعرية العربية متصلاً بخصوصية البيئة، في المكان والزمان ثم بخصوصية اللغة، في الوعي بها عند استخدامها وسيلة إبداع فني جمالي وفي طبيعتها البنائية كما تتمثل في خلال مستويات النص الشعري ثم بخصوصية الثقافة، في منبعها المتفرد بالريادة أولاً وفي ما كان من سمات أوليته البدائية/ الانعزالية، ثم نظرة الجيل اللاحق لهذه الأصول الثلاثة كما يكشف عنها إبداعه الشعري هذه الأصول الثلاثة (خصوصية البيئة، خصوصية اللغة، خصوصية الثقافة) قد انحلت على نحو جلي في عناصر متعددة شكلت مقومات الشعرية العربية، يمكن إيجازها في:



رد مع اقتباس
اعلانات