عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق



المبحث الثاني: المقومات

الإيقاع:
بدءاً لابد من الاعتراف بأن كل تحديد للشعرية يحاول الوصول إلى قدر من الدقة والشمول، ينبغي لـه أن يكون في إطار معطيات علائقية، من هنا كان من غير الدقيق النظر إلى الشعرية أو محاولة تحديدها على أساس الظاهرة المفردة كالصورة أو الإيقاع الداخلي أو الوزن أو القافية ذلك لأن أي عنصر من هذه عاجز عن الوصول إلى الشعرية إلا في إطار النص، وقد تواضع الدرس النقدي الحديث على عد اللغة المادة الأولى التي يطرحها النص الشعري للتحليل كونها" وجوده الفيزيائي المباشر على الصفحة أو في الفضاء الصوتي المباشر، ومن هنا كانت الإمكانية الوحيدة، لتحليل الشعرية في النص، هي اكتناه طبيعة المادة الصوتية الدلالية أي نظام العلامات التي هي جسده وكينونته الناضجة والتي هي شرط وجوده أيضاً"( ).
وقد جاء الشعر الجاهلي نشيداً في أول ظهوره، بسبب من المرحلة الشفاهية، أي مغنى غير مكتوب، كان الانسجام الصوتي الممتد والمنسق عبر الزمن عند النطق هو ما يشكل مقوم الشعرية المبرز، وهذا الأمر أدى إلى خلق حالة من التوافق والانسجام العميقين بين قيم الشعر الصوتية ومحتواه الانفعالي العاطفي، حتى صار الأمر إلى الصلة العضوية بين الشعر والغناء عند العرب، فصارت، تزن الشعر بالغناء( )، لأن الأوزان عندها قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار( )، وكتاب الأغاني في سبب تأليفه ومنهجه مثال حي في هذا الاتجاه.

وقد قال ابن خلدون: "كان الغناء في الصدر الأول، من أجزاء الفن، لأنه تابع للشعر إذ الغناء إنما هو تلحينه... وتلحين الأشعار الموزونة، بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة"( ).
فالقدماء وبعض المحدثين ينظرون للنظام الصوتي للغة العربية، متأملين خصوصيته ناظرين إلى الأصوات المجردة التي تتوفر عليها العربية مضافاً إليها طريقة انتظامها عند تكوين الكلمات ثم تركيب الخطاب، والحيز الذي يشغله الإيقاع في الشعرية العربية متأتٍ من خصوصية اللغة العربية، ذات الطابع الكمي القياسي وليس النبري النسبي، وفي الشعرية العربية بعض صفات "لسانية ـ صوتية" مثل الأوزان والقوافي، وقد أولى العرب هذا المنحى جل عنايتهم، وقد أشار محمد العمري إلى أن المقوم الصوتي الإيقاعي في الشعر العربي يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هي:
1ـ الوزن المجرد القائم على المقاطع أو التفعيلات، سواء أكانت منتظمة أم حرة، وهذا مجال الدراسة العروضية، وهو يقع بين اللغة الطبيعية والموسيقى، وهو هنا فضاء المكونات الصوتية المجسدة المكونة للتوازن.
2ـ التوازن أو الموازنات ويتألف من عناصر لغوية مشخصة، كونه عبارة عن تردد الصوامت "التجنيس" والصوائت "الترصيع" اتصالاً وانفصالاً.
3ـ الأداء وهو عملية التجسيد الشفوية، حيث يقوم القارئ أو المنشد بتأويل العناصر الوزنية والتوازنية، وما يقع بينهما من انسجام واختلاف في تفاعل مع الدلالة اتساقاً واختلافاً، وهنا تدخل مباحث التنغيم والنبر والوقف..."( ).
تكمن في المادة الصوتية إمكانيات تعبيرية هائلة "فالأصوات وتوافقاتها، وألعاب النغم والإيقاع والكثافة والاستمرار والتكرار والفواصل الصامتة، كل هذا يتضمن بمادته طاقة تعبيرية فذة، إلا أنها تظل في طور القوة والكمون ما دامت الدلالة والظلال العاطفية للكلمات مناهضة لها... وهكذا فإلى جانب علم الصوتيات اللغوية، يمكن أن يقوم علم الصوتيات التعبيرية الموسيقية ليلقي ضوءاً غامراً على العلم الأول، بتحليل ما امتدت إليه غرائزنا الفطرية منذ وقت طويل وهو العلاقة الوثيقة بين المشاعر والمؤثرات الحسية التي تنتجها اللغة بأصواتها"( ).
إلا أن العرب لم ينتبهوا إلى (علم الأصوات التعبيري) سوى ما نقرؤه من إشارات متفرقة من قبيل قول ابن سنان: بأن أصوات الألفاظ "دالة على جهات الكلام كحروف الشيء وجهاته"( ).
والنظر النقدي في الشعر حين يغفل (علم الأصوات التعبيري) ولاسيما في النقد التطبيقي يقع في مؤاخذات على الشعراء، كان يمكن ألا يقع فيها، مثل تخطيئه امرئ القيس في قوله( ):
غدَائرُها مُسْتَشزَراتٍ إلى العُلا
تَضلّ المَدارى في مُثَنّى وَمُرْسَلِ

فقد رسم صورة لشعر المرأة التي يصفها، مبيناً كثافته وصعوبة انسياب المشط فيه بلفظ كثيف الأصوات متقاربها يصعب على اللسان أن يجري منساباً عند النطق به، مما جعل صورة اللفظ الصوتية (الزمانية) منسجمة تعبيرياً مع صورة المعنى، الواقعية (المكانية).
وكذلك أنكروا على زهير بن أبي سلمى ـ مع ما قاله فيه عمر بن الخطاب (رض) ـ بأنه "لا يتتبع حوشي الكلام" قوله: لفظة (حقلَّد) الذي يعني: السيء الخلق( ):
نَقَيٌ تَقَيٌ لَمْ يُكَثِّرْ غَنيمَةً
بِنَهكةَ ذي قُربى وَلا بِحَقَلَّدِ

فاستشنعوا (حقلَّد) هنا. وهل هناك لفظة يمكن أن تحل محلها فتكون معبرة فنياً من جهتي صورتها، الصوتية (الزمانية) والمعنوية (المكانية) عن الفرد السيء الخلق؟ وكذلك أنكروا على الأعشى الكبير (شلشلته) واستشنعوها( ):
وَقَدْ أرُوحُ إلى الحانوتِ يَتْبَعُني
شَاوٍ مُشِلٌ شَلُولٌ شَلْشَلٌ شُولُ

ألا يبدو التعبير عن الرواح إلى الحانوت أو منه موصوفاً بحالة سكر على نحو معين لا ينسجم معه إلا هذا التعبير الذي هو (في حالة سكر عند النطق به)!! ويمكن قراءة ما جاء في (سلسلة) مسلم بن الوليد، و(قلقلة) المتنبي( ) في هذا الاتجاه.
ويبدو أن النقاد العرب القدماء ينظرون إلى مدى الانسجام المنسق لحركة أصوات اللفظ في الزمان، ويتطلبون أن يكون ذلك الانسجام متناسباً حتى عدوا الخروج على ذلك التناسب من قبيل المعاظلة في اللفظ أو التركيب، اتباعاً لتصوراتهم عن غرابة اللفظ ووحشيتهِ وهم في هذا يغفلون ما يحققه ذلك اللفظ من أثر دلالي، لكن النظر إلى هذا المنحى من جهة (علم الأصوات التعبيرية) يفيد أمرين: أولهما ما تؤديه البنية الصوتية في بعدها الزماني من أثر دلالي/ جمالي، وثانيهما ما تحققه من أثر أسلوبي صوتي، يشير إلى تصورات موضوعية، لأنساق صوتية، يقصد المرسل إثارتها في كلامه الفني لأحِداث قدر من الانسجام بين الدلالة والإيقاع.
وقد بدا واضحاً أن القيم الصوتية في الإيقاع الشعري، أوسع من الوزن والقافية واشتراطات العروض ومعطياته، وأقرب إلى التشكيل النغمي في الخطاب، وقبله في التشكيلات الحرفية، في الكلمة الواحدة أي في أسلوبية الاختيار، بالشكل الذي تؤدي فيه "شدة التأثر بالباعث الصوتي على توليد الكلمات، إلى ما يكاد أن يكون اعتقاداً غامضاً في وجود مطابقة خفية بين الصوت والمعنى"( ).
ودراسة الأثر السمعي ومعطياته، في منحى أثر الانطباع الصوتي على السامع وفي منحى تعبيرية الصوت التي تربط بين الدال ومدلوله، في تشكيل (بنية صوتية ـ دلالية)( )، أدى إلى بلورة منهج في "دراسة المتغيرات الصوتية للسلسلة الكلامية، واستخدام بعض العناصر الصوتية لغايات أسلوبية"( ) وهو ما اصطلحت عليه الدراسات الأسلوبية المعاصرة بـ(الأسلوبية الصوتية).
ـ الاشتراطات النحوية:
هناك نظام داخلي (ضمني) تستمد بعض القصائد منه إيقاعها، وهو مستقل بشكل أو بآخر عن التناسب التركيبي/ النحوي الوضعي( )، وهو متصل بالقواعد القياسية للخطاب من جهة التزام تلك القواعد أو الخروج عليها حد التعقيد، كأن الشاعر هو القاعدة التي تحدد في ضوء سياق الخطاب الشعري، حدود ذلك التناسب الذي نظر القدماء إلى الخروج عليه من باب التعقيد، وعدوا ذلك عيباً في الصياغة الشعرية، وسمة ضعف كبير في الشاعر، لأنهم يتوخون موافقة القاعدة العرفية في سياق الخطاب الشعري، ولم ينظروا إلى الخروج على هذا السياق النحوي القاعدي من باب أسلوبي، لأن التعقيد سمة حسنة في الشعر، حين يشي بعمق فني ويوحي بدلالة فنيةٍ مضافة، بحيث لا تفهم إلا في سياقها، كون بنية اللغة الشعرية بنية وظيفية، لا يفهم كل عنصر فيها إلا في سياقه، ولا يمكن النظر فيها بمنظار القاعدة المسبقة على نحو صارم فهي "تجنح إلى استبعاد عنصر الآلية والمراتبية المسبقة، كاشفة عن نوع خاص من الدلالة الشعرية"( ).
ومن أمثلة التعقيد في الأسلوب الشعري التي نقصدها قول الفرزدق( ):
إلى مَلِكٍ ما أمهُ من مُحاربٍ
أبوهُ وَلا كانَتْ كليبُ تُصاهِرُهْ

إذ عد القدماء هذا مثالاً على التعقيد إلا ابن جني الذي يقول: "إن هذا البيت مستقيم ولا ضبط فيه، وذلك إنه أراد: إلى ملك أبوه، ما أمه من محارب، فقدم خبر الأب عليه، وهو جملة، كقولك: قام أخوها هند ومررت بغلامها أخوك"( ).
ومثل هذا قول الفرزدق أيضاً:
ومَا مِثْلُهُ في الناسِ إلاّ مُمَلّكَاً
أبو أمّهِ حَيٌ أَبوهُ يُقارِبُهْ

وهو هنا يمدح إبراهيم بن هشام. خال هشام بن عبد الملك، قاصداً ذكر "خئولة الخليفة، ورحمه به الماسة، ويمدحه بذلك"( )، فيقول: ما في الناس حي، يقارب خال هشام إلا هشام الذي أبو أمه أبوه، يعني أن جد هشام لأمه هو أبو هذا الممدوح"( ).
والنظر النقدي في هذا الكلام الشعري الخارج على (عرف القاعدة النحوية) ينبغي أن ينظر إليه بوصفه محاولة من الشاعر في "البحث عن العلل الروحية التي نشط التعبير في البحث عنها، وتتحصل بها القيمة الفكرية"( ).
ولما كان جل اهتمام الشاعر منصباً على إظهار (تلك الخئولة) التي تصل الممدوح بالخليفة ناسباً إليها كل حسنات هذه الحياة، وهو أمر ظاهر التعقيد، أليس من التعقيد بمكان أن تأخذ صلة النسب وبين الممدوح والخليفة كل هذا التبجيل، وأن ينظر إليها على أنها ميزة أولى في الشرف الممدوح؟ وقد يكون من التعقيد بمكان أن يحكم هذا الأمر وحده الحياة بمنطقه!! ولو عبر الفرزدق عنه بشعر مباشر، لكان الأمر غير لافت للنظر، ولكنه لما قدم وأخر في تركيب البيت حد مخالفة العرف اللغوي/ النحوي العام، فقد انسجم تعبيره الشعري فنياً مع حالة التعقيد التي عليها واقع الحال الذي وصفه على صعيد السلوك الاجتماعي في الحياة.
ويبدو أن المشافهة وأفق الحياة البدوية المفتوح قد ساعدا على تعلق العرب بالموسيقى الشعرية، أو بالتلوين الصوتي الصادر عن الكلمات، في سياق الخطاب الشعري وهذا التعلق بالحسي الملموس زمانياً على صعيد الدال، قادهم إلى توخي الكلام الذي يسابق لفظه معناه على صعيد المدلول، ولهذا كان أمامهم على صعيد الإيقاع التنويع في مصادر البنية الإيقاعية، وعلى صعيد المعنى حرصوا أحياناً ـ كما عند الفرزدق والمتنبي بعده ـ على التقديم والتأخير في بنية الخطاب الشعري، على صعيد التركيب، وكأن الأمر (معادل موضوعي) للبناء المجازي العميق.
وهذا الذي جاء عند الفرزدق مثال، يدلل على هيمنة المقوم الحسي على بنية التركيب الشعري، وقد اتضح في الدراسات الأسلوبية الحديثة، إن درجة الحسية أو التحسس "تتعلق إيجابياً بدرجتي: الإيقاع والنحوية، فكلما كان الإيقاع خارجياً واضحاً، والنحوية مستكملة مستوفاة، كانت الحسية أبرز، فإذا أمعن الإيقاع في التلاشي الظاهري، وشارف عوالمه الداخلية المستكنة، وتضاءلت درجة النحوية، بغلبة وجوه الانحراف على السياق، في مستوياته المختلفة، مال الخطاب الشعري إلى تناقص ظواهره الحسية، واقترابه من التجريد، وعلى العكس من ذلك، نجد تعلق درجة الحسية بدرجتي الكثافة والتشتت، يمضي بشكل متخالف عكسي، فزيادة الكثافة والتشتت يؤديان إلى وضع مجانس للتجريد إلى حد ما بينما تسمح الكثافة والتماسك الواضح للخطاب الشعري، بأن يتجسد في نسقه الحسي الملموس، من دون صعوبات لافتة"( ).
قد تكون قراءة التعبيرات الشعرية، متصلة بالتصنيف الموضوعي، للتوزيعات أو الأنساق الأسلوبية حين تؤدي وظيفتها في تشكيل الدلالة الشعرية، سواء في سياقها الذاتي (الدلالة الذاتية) المتكون من المحتوى (الإعلامي المنطقي) الخاص بالإشارة اللغوية، أم في سياق الدلالة الحافة المتكون من مجموع الأنساق والأنظمة الدالة التي يشير إليها الخطاب، تلك الدلالة التي تعرف على الإجمال بوصفها معنى إضافياً تشي به كلمة معينة إضافة إلى معناها المتواضع عليه في أصلها التداولي.
وكل هذا متصل عند الشعراء العرب ببنية المتلقي العربي، العقلية أو الجمالية وما يشكلها من مقومات وما تتحد به في إطارها الزماني والمكاني من مكونات، ومتى تغيرت تلك المقومات أدى ذلك التغير إلى مستوى من الخطاب الشعري يصحبه مستوى من التلقي يتأثر بذلك التغير ويؤثر فيه على نحو ما، يجدد أو يضيف، وهو ما يخص البنية الحسية والذهنية، ومتى ما "تغيرت البنية الذهنية لقوم من دون أن تتغير ألفاظ لغتهم وأصواتها فإنك تجدهم يركبون كلامهم، على نحو مختلف عن نحوهم الماضي، أو نحو إخوانهم الذين لم تتغير لديهم البنية الذهنية التي كانوا لهم فيها شركاء"( )، وهو ما يفسر التباين في مستويات البنية المجازية للغة الخطاب الشعري من جيل لآخر، ومن عصر لآخر، ثم التباين في الأخذ بالقواعد القياسية للغة، وطبيعة ذلك الأخذ ووظيفته، واشتراطات الالتزام بالقواعد القياسية للغة، ودلالة الخروج على ذلك الالتزام، وما يؤديه من وظيفة فنية في سياق الخطاب الشعري، وطبيعة الخروج على العرف المتواضع عليه بوصفه قاعدة تؤدي وظيفة إيضاح المعنى أو إيصاله، وما تكشف عنه تلك الطبيعة من مظاهر التعقيد في الإيصال أي عدم وضوح المعنى عند المتلقي، الأمر الذي يقتضي النظر إلى أنموذج قياسي تصدر القاعدة عنه، لأن العرف يأخذ به، وهنا فإن طبيعة الأنموذج تكشف عن اشتراطاته التي إذا ما أخذ بها الخطاب على نحو تعبيري فني، كان متصفاً بمجاراة العرف النحوي.
ـ الواقع:
الواقع معطى حسي، قد يهدف الخطاب الشعري إلى تثبيته، فيتصف بالحسية غالباً، وقد ينأى عنه متخذاً منه رمزاً فيقع في فلسفة التجريد، وقد يتباين في التعامل معه أو التعبير عنه فيكون إلى الحسية أقرب منه إلى (وهم الحسية) ولكن الشعراء الذين يذهبون إلى تعبير الواقع شعرياً، يمكن النظر إلى خطابهم في سياق فلسفة الواقع أو الوجود.
وقد يبدو الشاعر الجاهلي ملتصقاً بالطبيعة، تراب، نبات، حيوان، إنسان،... من جهة الواقع، ومنتمياً إلى لسانه (لغته) انتماءً فطرياً، لذا كان يستمد بوساطة الحواس أو العلم المركوز من جهة الطبع، أكثر مما يستمد من جهة الفكر أو التأمل العقلي المجرد. ومن هنا كان يقال لمن يحسن في التشبيه: "أصاب التشبيه" بحكم ما أقام من علاقة دلالية بين الشيء في الحياة الطبيعية، وبين الشيء بمعنى الصورة في البنية الشعرية، وكأنه يأخذ بإجراء المسموع مجرى المنطوق، أي القصيدة مجرى المرئي، في محاولة منه لإظهار شكل من التناسب العلامي أو الإشارة بين السمع (الأذن) والرؤية (العين).
وقد كان الشاعر الجاهلي ينظر إلى أشياء الحياة من حوله، فيقولها أو يكتبها في خلال قصيدته، بوصفها معادلاً موضوعياً، سواء أكان ذلك من جهة المحاكاة أم التخييل أم الرؤية، وهو ما ينوع في المؤشرات الأسلوبية التي ينفرد بها بعض الشعراء. ثم إن وعي الشاعر بأشياء الحياة من حوله هو ما يمنحها وجودها الفعلي، في حياة الواقع المرئي وفي حياة القصيدة المتخيلة. أي إن الشاعر الجاهلي لم يكن ينظر على أشياء الحياة بوصفها جسراً لأفكار فلسفية أو شطحات صوفية أو تخييلات شعرية، كما حصل عند المحدثين ولا سيما العباسيين منهم( ).
على أن هناك من يتلقى الخطاب الشعري، محتكماً على مقوم (تعليمي أو إخباري أو أخلاقي...) مما يقع خارج أسئلة الشعر، وإن كان الاستغراق في مفردات الحياة اليومية يضع الفرد في عالم من الأقوال الجاهزة عن الأشياء كل الأشياء، وهو ما يضيق على الذات خصوصيتها أو تفردها، لأنه يضعها في سياق معد مسبقاً وهذا ما يتصل بقضية العلاقة بين الأدب والوقائع الخارجية عن نطاقه.
ولعل علماء اللغة كانوا أول من أخذ بالتلقي التعليمي لفن الشعر، فقد كان أبو عمرو ابن العلاء، يستجيد قصيدة المثقب العبدي لقوله فيها( ):
فأمّا أنْ تكونَ أخي بِحَقٍ
فَأعْرف مِنكَ غَثّي مِن سَمِيْنِي

وإلاّ فَاطَّرَحْني واتَّخِذْني
عَدواً أتّقيكَ وَتَّتقِينِي

وكان يقول: لو كان الشعر مثل هذا لوجب على الناس أن يتعلموه!!
أي أنه قرأ الصورة التي تعنى بالفائدة المعنوية على نحو بارز، وهذا قد يفسر كيف أن ابن قتيبة حين قرأ الأبيات الآتية، لم يجد تحتها معنى:
وَلَمّا قَضَينا مِن مِنَىً كلّ حاجَةٍ
وَمَسّحَ بالأركانِ مَن هوَ ماسِحُ

وَشدّتْ على حُدْب المَهارى رِحالُنا
ولمْ يَنْظُرْ الغادِي الذي هوَ رائِحُ

أخَذْنا بأطرَافِ الأحادِيثِ بَيْنَنَا
وَسَالتْ بأعْناقِ المَطي الأباطِحُ

فهذه عنده مما حسن لفظه وحلا معناه، فإذا أنت فتشته لم تجد فائدة في المعنى( ).
وقد يبدو النقد الموضوعي في أول مسيرة النقد العربي صادراً عن أهل اللغة والنحو الذين عدوا الشعر الجاهلي أصلاً ومركزاً، لا يجوز الخروج عليه، فكان المعيار الأول معياراً لغوياً، فانسحب عدم الخروج على الأصل اللغوي ـ لأنه يحقق فائدة معنوية من خلال الالتزام بالقاعدة ـ إلى عدم الخروج على الشكل الفني في إطاره الموضوعي وليس الذاتي الجمالي، فكانوا أقرب إلى الموضوعية التي هي أوثق بالمعنى النفعي منهم إلى الذاتية الجمالية التي هي أوثق بالمعنى المجازي.
والفهم التعليمي الإخباري متصل بالأنموذج الواقعي الموصوف، قبل اتصاله بلغة الوصف، أي العناية بالشيء قبل العناية بأداة التعبير عنه، وفي هذا نلحظ رؤيتين في تكوين مقومات عمود الشعر:

ـ مطابقة الوصف للموصوف في سائر صفاته، أو في المقاربة بين المشبه والمشبه به، أو في المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، وهكذا.
ـ نظرهم في الحكم النقدي لا إلى لغة التعبير الشعري، بل إلى محاكاة الشيء المعبر عنه شعرياً، وفي هذا السياق، لم تحكم (أم جندب) للغة وصف الفرس (كيفية التعبير الشعري) بل للفرس الموصوف، وفي هذا الاتجاه كانت أسلوبية التعبير الشعري التي يمتدحها القدماء، متمثلة في دراسة علاقات الشكل مع التفكير العرفي، وليس في علاقات الشكل الشعري بوصفها أسلوبية فردية خاصة.
ـ الانزياح:
يشكل الانزياح مقوماً من مقومات الشعرية، حتى إن بعض الدارسين نظر في الشعرية على أنها انزياح، ولما كان الانزياح بنية علائقية صادرة عن كيفية استخدام اللغة مجازياً فإن النظر إلى اللغة بوصفها إنتاجاً فردياً واجتماعياً في آن واحد، شكلاً ومضموناً، وآلة وموضوعاً، ونظاماً ثابتاً وسيرورة متطورة، وظاهرة موضوعية، وحقيقة ذاتية، يؤكد ضرورة قراءة الشعر بوصفه خلقاً فنياً بواسطة اللغة من دون التغاضي عن السياق العام ولحظة الإبداع أو الاكتفاء بالمستوى الخارجي للعلاقة، لأن التغاضي عن كل هذا أو بعضه قد "جر البلاغيين والنقاد في غير قليل من المواطن إلى أحكام لم تأخذ في الاعتبار إلا العرف الشائع وما يليق وما لا يليق، مما فتح للتقويم الأخلاقي سرباً إلى الشعر، فالتبست المقاييس واختلطت معايير التقويم( ).
وهذا ما يحصل عند الشعراء المعتمدين أسلوبياً على السببية الصريحة أو النظر العقلي المباشر في خلال علاقات حضورية تقليدية( ). كون اللغة لا ترتبط بعملية تسمية الأشياء وحدها فالعلاقة اللغوية بين الدال بوصفه صورة صوتية أو كتابية والمدلول كونه صورة ذهنية لمرجع معين، إنما تربط الصورة الصوتية للدال والصورة الذهنية للمدلول، بعيداً عن الشيء أو الكيان الخارجي.
ولما كانت الشعرية ظاهرة لغوية في جوهرها، وما من سبيل إلى النظر فيها سوى سبيل اللغة، فإن هذا يكشف عن صدورها عن فهم للغة ونظر فيها ينحوان إلى كون العلائق هي التي تدفع اللفظ إلى معنى متواضع عليه، وهنا فإن تعاقب تلك العلائق بنسب متساوية وخاضعة لصورة انفعال متواضع عليها، يفرغها من المنبهات الأسلوبية التفردية كون الشعرية "ليست خصيصة في الأشياء، بل في تموضع الأشياء في فضاء من العلاقات"( ).
ومن الدارسين المعاصرين من خص الشعرية باتجاهين رئيسين: "الأول، فن الشعر وأصوله التي تتبع للوصول إلى شعر يدل على شاعرية ذات تميز وحضور"( )، والاتجاه الثاني يشير إلى الشعرية كونها "الطاقة المتفجرة في الكلام المتميز بقدرته على الانزياح والتفرد وخلق حالة من التوتر"( ).
وهذان الاتجاهان يشيران إلى الشعرية، من خلال: القواعد المتواضع عليها ومدى قدرتها عل تحقيق أدبية الأدب حيناً، وأحياناً، من خلال: التفرد الأسلوبي في التعبير الشعري عبر الانزياح ومدى قدرته على تحقيق أدبية الأدب.
ولا شك في أن الاتجاه الذي يرى أن التفرد الصادر عن أسلوب الانزياح هو ما يخلق الشعرية إنما هو فهم حديث يمكن تلمس أصوله عند الفارابي وابن سينا وابن رشد الذي يرى "أن القول الشعري هو القول المغير"( ) والمتغير عدول من الحقيقة إلى المجاز أو الأساليب البيانية.
وقد يبدو عبد القاهر الجرجاني أبرز ناقد عربي، حاول أن يقدم نظرية متكاملة عن مفهوم الشعرية، منطلقاً من درجات تحقق تلك الشعرية في الخطاب الشعري، ولم يسبقه سوى الجاحظ على نحو معين من خلال نظراته النقدية المتفرقة إلى الأساليب البيانية كالمجاز والتشبيه وغيرهما مما كان يضعه تحت مصطلح البديع، فقد قال حين قرأ قول الشاعر( ):
هُمُ سَاعِدُ الدّهْرِ الذي يُتَّقى بهِ
ومَا خيرُ كفٍّ لا تَنُوءُ بِساعِدِ

قولـه: هم ساعد الدهر، إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع والمجاز هنا متصل بكيفية القول، أكثر من اتصاله بالمضمون، لصدوره عن الشكل الفني، من جهة أن "مختلف المظاهر التي يستوعبها عادة ما يسمى بـ(الشكل) إنما هي التي تولد شعرية الشعر، وإنها بمقتضى ذلك هي التي تمثل مضمون الكلام الشعري/ وأن ما دونها من أعراض وموضوعات ومعان، تمثل المضمون الفكري الذي لا يختص بكلام معين"( ) ولكن من جاء بعد الجاحظ أخذ يتطلب في أساليب المجاز قرائن عقلية مباشرة، كما نقرأ عند عبد العزيز الجرجاني في الوساطة مستشهداً بقول الشاعر( ):
وَإنّي لَظلام لإشَعْثَ بائسٍ
عَرانا وَمَقْدُورٌ برى مَالهُ الدهرُ

وجارٌ قريبُ الدارِ أو ذي جِنايَةٍ
بَعيدُ مَحلِ الدارِ ليسَ لـهُ وَفْرُ

إذ يكون منطلق المجاز في البيتين كلمة (ظلام) ولو قال (نحار) لانعدم المجاز وسياق البيتين يقوم قرينة في الدلالة على إيضاح المعنى.
ومثل هذا قول الآخر( ):
بَلْ رُبَّ مُحوارٍ تَجاوزنَهُ
بِبَسطَةِ الهامةِ والمِشْفَرينْ

مأهولةٌ الأرضِ إذا أصبَحتْ
مُجدِبَة الحيزومِ والمرفَقَينْ

فيرى البيت الأول منكشف المعنى "أما الثاني فلا يعلم إلا وحياً وسماعاً، ولو بلغ طلبه في علم العرب كل مبلغ، وحمل على فكرة فوق الطاقة، وإنما معناه: أن هذه الناقة إذا أصبحت وانقادت، فإن رؤوس الإبل عن رجليها، لأنها أقوى على السير منها، وصدرها خال لم تلحق بها ناقة لقصورهن عنها".
حرص المتلقي العربي والمرسل ـ على نحو ما ـ على التعبير عن الامتلاك في القول والفعل، قاده إلى نظام البيت الشعري الواحد، ثم المعنى غير الشاذ أو الخارج على العرف، ثم استخدام اللفظ في غير وضعه الدلالي الأولي دالاً على معنى جديد، شرط علاقة تصل الجديد بالأول، وفي هذا السياق تواضعوا على حدود في المجاز، ورفضوا أخرى غيرها، أي أنهم وضعوا قاعدة أو قواعد لتكون حدوداً ولم يستخلصوا قواعد تكون أسس انطلاق أو تجاوز، وفي هذا الاتجاه نقرأ: أن ابن الخثعمي الشاعر قال: جن أبو تمام في قوله( ):
تَرُوحُ عَلينا كلّ يومٍ وَتَغْتَدي
خُطُوبٌ يكادُ الدهرُ مِنْهُنَّ يُصْرَعُ

أيصرع الدهر، فقيل له: هذا بشار يقول:
وَما كنتُ إلا كالزمانِ إذا صَحا
صَحَوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أَمُوقُ

وأبوك يقول:
وَليّنَ لي دَهري بأتباعِ جُودِهِ
فَكدْتُ لِلينِ الدهرِ أنْ أعْقِدَ الدّهْرا

أيعقد الدهر؟
نفهم من قول الجاحظ السابق، أنه يرى المجاز بديعاً، ناظراً إليه على أنه بحث في مجهول، بحث عما لا نعرفه، أما هذا الذي عاب أبا تمام فقد تطلب في قوله مقاصد معروفة سابقة متواضع عليها.
ويكشف المجاز عن حقيقة مفادها، أن الأشياء الموصوفة تتسم بالثبات فيما تكشف اللغة ذاتية مستعملها عندما تصف الأشياء بمنظار ذاتي، وهنا فإن إشارات اللغة وتراكيبها ينبغي قراءتها بمنظار ذاتي، لأنها تحمل أسلوبية مستعملها، في حين عملت الآراء التي حاولت تأطير المجاز على إشاعة الصلة المباشرة بين المعنى الوضعي والمعنى المجازي، لتمكين الثاني من الوصول إلى المتلقي بشيء من المنطق، وهو ما يفسر كيف أن البلاغة العربية، قد عملت على أن "كل ملفوظ بلاغي إنما وظيفته تكمن في" تمكين "المعنى بأساليب مختلفة أي جعل المعنى حالة مستقرة في الذات استقراراً ثابتاً"( ).

وفي ضوء حركية اللغة المجازية ينبغي إغناء التحليل بالمقومات القائمة على علاقات مجازية من خلال إضافة خصائص وأغراض وظيفية ومفاهيم مجردة إلى لغة الشعر، أو قراءة الشعر في ضوء منها، في محاولة لمشاهدة الكل في الجزء أو الانتقال من المعنى الحرفي الذي تتعلق به الكلمة في سلم التداول اليومي إلى إيحاءاتها الوظيفية والمجردة، وفي هذا الاتجاه تكون إشكالية الاختلاف مع الآخر، أو محاولة فهمه هي باعث المتلقي أو الناقد على القراءة والتحليل، ومحاولة التحصيل أو السعي المستمر لمعرفة ما يختلف عنا، لأن الحال لا يخص التعبير الشعري وحده إنما يخص القدرة الإبداعية الكامنة فيه، وفي هذا حركة وعي مستمر، لاكتشاف ما هو ذاتي، في ضوء شيء من الموضوعية.
إذا كان الانزياح خصيصة علائقية لكيفية استخدام اللغة في الخطاب الشعري فإن الشكل الفني للتعبير يحقق الأسلوب المتفرد الذي يميز شاعراً من آخر، أكثر مما يحققه المضمون أو المحتوى التعبيري، الأمر الذي يعني أن التماثل في المحتوى التعبيري بين شاعرين لا يعني سرقة الثاني لمعنى الأول إذا كان الثاني يمتلك أسلوباً شعرياً في صياغة الشكل الفني الذي يحقق له التفرد وينأى به عن (التناص) أو السرقة.
وهنا ينبغي النظر في تقليد أسلوب الشكل الفني على أنه سرقة، لأن الأمر متعلق بطريقة القول أكثر من تعلقه بمضمونه. أي إن أسلوبية التعبير هي التي يجب أن تكون محط النظر النقدي لعنايتها بدراسة القيمة الأسلوبية لأدوات التعبير، وكلما كانت تلك القيمة الأسلوبية أبعد في المجاز كان مجال الاختيار أمام الشاعر أوسع، ومن هنا ذلك المجال لا يكون متاحاً على نحو أوسع في "الصورة التي تؤدي عن طريق المجاز المرسل أو الكناية بقدر ما ينفسح المجال في الاستعارة والتشبيه، فهو في المجاز المرسل والكناية مقيد بعلاقات خارجية محددة، في حين أنه حيث يشبه أو يستعير لا يكون مقيداً بمثل هذه العلاقات"( ) وهذه العلاقات سواء أكانت في المجاز أم في الكناية أم في الاستعارة أم في التشبيه تقع في دائرة الانزياح الاستبدالي الذي يحدث في مستوى اللغة كما في الاستعارة وغيرها من الأساليب البيانية، وهي غير الانزياح السياقي الذي يحدث في مستوى الكلام، بأنماط متعددة، كالقافية والحذف والنعت الزائد والتقديم والتأخير وغيرها، وهذا النمط من الانزياح عنيت به دراسات النقد العربي القديم بدءاً من الخليل وسيبويه لصدوره عن أساليب لغوية، كان التأسيس لها في مراحل بدايات النقد العربي الذي كان لأهل اللغة والنحو فيه نصيب وافر، حتى كان هناك نقد لغوي، إلا أن المهم هنا هو أن هذه الانزياحات الاستبدالية تهدف إلى "استثارة العملية الاستعارية"( )، أي أن الانزياحات السياقية ثانوية بالقياس إلى الانزياح الاستبدالي، كونه يشكل أساس بنية الخطاب الشعري، وأبرز مقوماته.
ـ الفاعلية:
لما كانت الشعرية صادرة عن الإيحاء الفني الجمالي أكثر من صدورها من الأداء الوظيفي لمقومات الشكل أو عناصر المضمون، فقد صارت المقومات الجمالية لفن الشعر أقرب إلى الارتباط بوظيفة تؤدي قيمة جمالية مخصوصة، الأمر الذي وحد بين الشكل والمضمون لكونهما مجتمعين يؤديان الشعرية، أما إذا ارتبط فن الشعر بأداء وظائف أخلاقية معينة مما يضفي عليه عناصر نفعية معينة فإنه قد يدفع المتلقي إلى الاحتكام إلى معايير موجهة.
ولعل ما يميز النص الشعري ارتباطه بعوامل أساسية، تضفي عليه قيمة اتصالية وهذه العوامل هي التي تشكل بعضاً من مقوماته الفنية، ومقومات النص الاتصالية منها، النحوية التي يتكون نسيج النص في ضوء معاييرها القواعدية، ومنها الفكرية التي يتناسق في ضوء منها عالم أفكار النص ورؤاه,
وقد قرأ القدماء النص الشعري من خلال مقومات خاصة، فكان أن تحكمت تلك المقومات بالنص موجهة له عبر معاييرها، فكانت هناك مقومات لعل أبرزها المقوم النفسي والمقوم التعليمي (الإخباري) والمقوم التاريخي (الزمني)، والمقوم الاجتماعي والمقوم الديني وفي هذا الأمر لابد من النظر إلى الإبداع كونه مما يختص به العقل الإنساني، وفي النص الشعري ينبغي أخذ الشكل كونه وظيفة إدراك جمالي فني، يؤدي التخييل فيه وظيفة الابتكار.
يبرز في هذا السياق أمران يؤديان فاعلية النص الشعري معاً هما: التخييل وما يؤديه من وظيفة الابتكار ثم المضمون الفكري وما يعبر إليه من قيم أخلاقية يرتضيها (النقد النفعي) بحكم ارتباط الأخلاق بأداء نفعي مخصوص.
أما التخييل بوصفه باعث الشعرية في النص فهو "الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمور، من غير رؤية وفكر واختيار، وبالجملة، تنفعل له انفعالاً نفسانياً غير فكري، سواء كان المقول مصدقاً به أم غير مصدق"( ) فالشعر عند ابن سينا ـ هنا ـ يكمن في قدرته على إحداث انفعال ذاتي وجداني في المتلقي، وليس تصديقاً عقلياً، وقد كان عبد القاهر الجرجاني من أوائل النقاد الذين نسبوا للشعر قدرة على الكشف وخلق الأريحية في النفس، وقد نسب هذه القدرة جوهرياً إلى قوة الشعر، في جمع المتضادات وتناسب الدلالة عند الإشارة إلى الأشياء، معللا هذا بميل الطبيعة الإنسانية لهذا النمط من الفاعلية( ).
فالتخييل إبداع فردي، يأتي الابتكار وظيفة لـه، وخلق الأريحية أحد آثاره، وهو متصل بميل ذات المتلقي إلى التعبير التخييلي، وقد قال ابن طباطبا العلوي: "والنفس تسكن إلى كل ما وافق هواها، وتقلق مما يخالفه، ولها أحوال تنصرف بها، فإذا ورد عليها ما يخالفها قلقلت واستوحشت"( ).
يصل ابن طباطبا بين حالة المتلقي النفسية وآلية الحكم، ولعل من أمثلة الحكم المستند إلى مقوم نفسي ما كان من إعجاب يونس بن حبيب بشعر عدي بن زيد( ).
أيُّها الشّامِتُ المُعَيّرُ بالدهـ
ـرِ أَأَنْتَ المُبرَّأُ المُوفُورُ؟

أمْ لديكَ العهدُ الوثيقُ مِنَ الأيّـ
ـامِ.. بَلْ أنتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ؟

إذ قال: لو تمنيت أن أقول شعراً ما تمنيت إلا هذه أو مثلها، فهو يشير إلى الإحساس الذي يراوده حين يتمثل هذين البيتين، متمنياً أن ينقله بالطريقة ذاتها على أن حكماً مثل هذا لا يعني بالمنحى الفني أو الجمالي للشعر.
ومثل هذا قراءة الشعر بالاحتكام إلى مقوم اجتماعي من قبيل ما أفرده ابن قتيبة( )، للشعر الذي يختار ويحفظ لنبل قائله، ويورد قول هارون الرشيد:
والنّفْسُ تَطْمَعُ والأسبابُ عَاجِزَةٌ
والنّفْسُ تَهْلَكُ بَيْنَ اليأسِ والطّمَعِ

ومن هذا قول المأمون في رسول كان قد بعثه:
بَعَثْتُكَ مُشْتاقاَ فَفُزْتَ بِنَظْرةٍ
وأغْفَلْتَني حتّى أَسَأْتُ بكَ الظّنَّا

ثم يصف هذا النمط بأنه: شريف بنفسه وبصاحبه.
وهذا النمط من النقد، يكشف عن فهم للنص الشعري، يتعارض مع الشعرية لأنه لا يخص الشعر بالنقد، إنما هو ينظر في علاقاته الوظيفية، الاجتماعية، الأخلاقية، الدينية، ... فالوعي النقدي هنا محدد بمعايير نفعية محددة علاقات وظيفية خاصة.
والنظر إلى اللغة في الشعر، بوصفها معطى اجتماعياً أولاً، حاملاً للمعاني المتواضع عليها في خلال الاستعمال السابق، لا يؤدي بها إلى أن تكون في الكلام الفردي سياقاً مختلفاً عن الاستعمال المألوف.
وفي لغة الشعر ذلك المعطى الاجتماعي في مظاهره الواقعية، أسلوب هو معطى (فيزيقي) تنبثق فيه قيمة الشكل من الكتابة على أنها استبطان للعلاقة بين الإبداع والمجتمع، وضمن هذا الفهم، فإن "الأدب لا يصنع، بل يولد مع الذات، بوصفه علاقة انتماء"( ).
وفي عصر صدر الإسلام، أخذ النظر إلى الشعر، في ضوء المقوم الديني، يشغل حيزاً كبيراً في تلقي الشعر، ولاشك في أن تكريم النبي للشعراء الذين دافعوا عن الإسلام، ومحاربته من استخدموا الشعر سلاحاً على الإسلام، ما يدلل بوضوح على اعتراف الإسلام بالشعر سلاحاً فعالاً، بوصفه فطرة في النفس وجزءاً من خصوصيات الذات العربية، فجاءت وظيفة الشعر الإسلامي اجتماعية أخلاقية أكثر منها جمالية فنية، أي أن الشاعر كان حكيماً واعظاً، فهو أقرب إلى مقومات النثرية منها إلى فن الشعر وقد ميّز التهانوي بين الشاعر والحكيم بقوله: "إن الشاعر إنما يكون المعنى منه تابعاً للفظ، لأنه يقصد لفظاً يصح به وزن الشعر وقافيته، فيحتاج على التخيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ، والشارع قصد المعنى فيكون اللفظ منه تابعاً للمعنى"( ).
وقد كان النبي والخلفاء الراشدون (رض) "أول من نقد الشعر في الإسلام ومعنى كون النقاد الذين أتوا بعدهم، علماء لغة وفقه إسلامي، يوضح كيف أن الشعر أصبح أدباً أي بياناً، يعلم ويهذب... ويوضح كيف أن تقسيم الشاعر شعرياً أخذ يعني ويتضمن تقسميه، سياسياً وأخلاقياً واجتماعياً"( ).
وهنا وضعت للشعر مقومات دينية، يتم تلقي الشعر في ضوئها، قبولاً أو رفضاً احتكاماً للمتحقق فيه من تلك المقومات( ).
وفي ضوء هذا نفهم إعجاب النبي ببيت طرفه( ):
سَتُبْدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جَاهِلاً
ويَأتِيكَ بالأنباءِ مَن لمْ تُزَودِ

إذ وصفه  بأنه من كلام النبوة( ).
وكذلك إعجاب عمر (رض) بقول عبد بني الحسحاس:
عُمَيْرَةَ وَدّعْ إنْ تَجَهّزْتَ غَازِياً
كَفى الشّيبُ والإسلامُ للمرءِ نَاهِيا

والاحتكام إلى الدين أو المعايير الاجتماعية أو الأخلاقية، في نقد الفنون القولية ولا سيما الشعر، قد لا يأتلف وطبيعة الفنون( )، وإن كان بعض الشعراء قد نجح في استثمار المقوم الأخلاقي جمالياً، ويأتي المتنبي أولاً في هذا الاتجاه، فكان بتمثله الحكمة جمالياً في تعبيره الشعري، على نحو فريد، غير متهم بالخروج على عمود الشعر العربي إنما اتهم بالسرقة، بسبب من هذا المنحى، فالمعاني ذات الأخلاقية المتداولة أو التي تواضع العرف على حَمْدها تكاد أن تُحْصَى، وتداول الشعراء لها يحيل إلى "التناص" وهو ما عدّه القدماء سرقة حتى إذا لاحظوا شيوع معان بعينها أفردوا لها باباً على أنها مما لا تقع السرقة فيه، كما نلحظ عند الآمدي( ).
فالشعرية العربية اتسمت بهيمنة المنحى الحسي على صعيد الشكل من خلال العناية بالمظاهر التي تحقق الإيقاع على نحو حاد وقوي، وهيمنة الأنموذج على صعيد المحتوى التعبيري. وكلا الحالين متصل بآثار المشافهة والرواية.
ثم كانت هناك مقومات أخرى تتصل بهذين، تمتد من مرحلة المشافهة في الجاهلية حتى التدوين في الإسلام ثم العصور التي جاءت، وهذه المقومات هي ناتج تلقي الشعر ذلك التلقي الذي صدر عنه اتجاهان، الأول: كونته رواية الشعر وأرست أسسه ومعاييره فكان ينظر في الشعر عبرها مشافهة من دون إجالة فكر، والثاني هو البحث عن الشعرية في اتجاهات، ذات طبيعة وظيفية، تارة تكون تعليمية إخبارية، وثانية تكون أخلاقية دينية وثالثة تكون اجتماعية نفعية، ورابعة تأتي ذاتية فردية وهكذا، ولكن مع تمثل ما وقف عليه العرب من التراث اليوناني ولاسيما في أبعاده الفلسفية، برز اتجاه تنظيري في نقد الشعر يعمد كثيراً إلى إظهار عناصر الشعرية أو مقوماتها من خلال الشكل الفني "المحتوى التعبيري" حين نظروا إلى الشعر على أنه كلام مخيل، وعدوا الشعرية وظيفة من وظائف التخييل، وفي هذا كان النظر إلى مقومات الشعرية العربية من خلال بعدها المجازي، كما يتمثل في لغة الشعر أكثر من تمثله للمحتوى المباشر للمضمون، فأخذ يتشكل في ظلاله فهم نقدي للشعر ينطلق من مقومات تمت بصلة لمرجعية شعرية ماضية، وتحقق أثراً أسلوبياً في التعبير الشعري وهو ما حاوله المرزوقي في عمود الشعر.
من ذلك كانت فعالية الشعر العربي الهادفة لأداء فعل وظيفي مخصوص دينياً كان ذلك الفعل أم أخلاقياً فعالية نفعية إذا لم يحقق أداؤها عناصر جمالية من خلال الالتزام باشتراطات الفن الشعري، والنقد الذي يزين أداء الأفعال الوظيفية نقد نفعي، أما ما يعمل على تحقيق فنية الشعر، ومحاولة استجلاء أبعادها ومقوماتها فهو الحري بالنظر والقصد.
ـ المعيارية:
هناك عناصر معيارية تقوم عليها الشعرية العربية، وحين لاحظ النقاد تواضع العرف الثقافي عليها قالوا بها، لعل من أبرزها في هذا السياق، قيام القصيدة العربية على وحدة البيت حتى عدوا المعنى الذي يكتمل في أكثر من بيت عيب في الشعر هو (التضمين) على أنهم أخذوا بعين النظر القصيدة التي تبنى على الحكاية أو السرد. والبناء السياقي الصادر عن مراعاة القواعد القياسية للغة ومحاولة تطويع السياق لها توخياً لوضوح المعنى، وطبقية المعاني إذ نظر النقاد إلى صفات بعينها تخص الخليفة عند المدح وغيرها للوزير وغيرها للقائد وهذه مميزة مما يمدح بها سائر الناس. وهذا العنصر المعياري صدر عن هيمنة أنموذج مخصوص في كل غرض أو معنى، فهناك أنموذج الممدوح أكثر منه الشعراء المادحون وهناك أنموذج لشاعر الغزل أكثر من ترديده شعراء الغزل، وهذا ينسحب على الهجاء وغيره من الأغراض أو الموضوعات.
أما على صعيد هيمنة الأنموذج فيبدو أن سيادة الأقوال الخطابية في سياق الأقوال الشعرية، بغية تعضيد المحاكاة لغرض الإقناع، راجع إلى هيمنة الأنموذج الواقعي الموصوف في التعبير الشعري، عند شعراء الجاهلية، وهو ما سار على نهجه النقاد الإسلاميون، ومن هيمنة الأنموذج ما أخذوا على الأعشى في قوله يصف امرأة( ):
كأن مَشْيَتَها مَن بَيتِ جارَتِها
مَرُّ السّحابةِ لا رَيثٌ ولا عَجَلُ

إذ قال الأصمعي: "لقد جعلها خراجة ولاجة"( ) أي خالف في رسم صورتها، ما ينبغي أن تكون عليه صورة المرأة الكريمة، التي تكون محط زيارة الأخريات، كما في قول الأعشى نفسه:
وَيُكْرِمها جَاراتُها فَيَزُرْنَها
وَتَعْتَلُ عَن إتْيانهنّ فَتُعْذَرُ( )

وهذا يكشف من جهة أخرى عن معرفة الأعشى بالقيمة، ولكنه قصد قيمة أخرى في البيت الأول، وصل إليها البناء السياقي للقصيدة التي جاء فيها البيت، أما في الثاني فإن البناء السياقي لحال الوصف في القصيدة أدى إلى خصوصية الوصف في هذا البيت على هذا النحو، ولكن الأصمعي نظر من زاوية واحدة لم يحد عنها، فأخطأ الحكم.
ومن هيمنة الأنموذج ما أخذ على زهير بن أبي سلمى في قوله يصف الضفادع( ):
يُخْرِجْنَ من شَرباتٍ ماؤها طَحلٌ
على الجِذُوعِ يَخَفْنَ الغَمَّ والغَرَقا

فقيل: "إن الضفادع لا تخرج من الماء، لأنها تخاف الغم والغرق، وإنما تطلب الشطوط لتبيض هناك وتفرخ"( ).
وهيمنة الأنموذج قد يشير إلى احتكامهم كثيراً إلى مقاييس المنطق والعقل في قراءة الشعر، وهو ما أدى إلى توخيهم المعاني الأبكار، ناظرين إليها في قسمين( )، مالا تقع السرقة فيها مثل.
قال كثير عزة( ):
وعَن نَجلاء تَدْمَعُ في بَياضٍ
إذا دَمَعَتْ وَتَنْظُرُ في سَوادِ

أخذه أبو تمام فقال( ):
نَظَرتُ فالتفت منها إلى أحْـ
ـلى سَوادٍ رَأيتُهُ في بَياضِ

وما تقع السرقة فيه، مثل قول حسان بن ثابت( ):
والمالُ يَغْشى رجَالاً لا طباخَ بِهِم
كالسيلِ يَغْشى أصولَ الدِّنْدِنِ البالي

أخذه أبو تمام فقال( ):
لا تُنْكري عَطَلَ الكريمِ منَ الغِنى
فالسَّيْلُ حَرْبٌ للمكانِ العَالي

ومثل هذه القراءات للخطاب الشعري تعني أن الاتفاق بين المرسل والمتلقي على المحتوى المضموني هو ما يقصده النقد أحياناً وليس الإيحاء الشعري، لأن لغة الشعر ليست مجرد أداة للتعبير عن حقيقة معروفة، إنما هي محاولة لاكتشاف ما هو مجهول.
وهذا الأمر في قراءة أسلوب الوصف الشعري، مرتبط على نحو غير مباشر بنظام القصيدة العربية القائم على (الشكل الموجز) أي وحدة البيت الشعري، بشطريه، حتى عدوا مد الشاعر تعبيره إلى أكثر من بيت عيباً، أو ضعفاً في مقدرته الشعرية هو "التضمين" فأخذوا على امرئ القيس قوله( ):
فَقَلتُ لـهُ لمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ
وأرْدَفَ أعجازاً وَناءَ بِكَلْكَلِ

ألا أيّها الليلُ الطويلُ ألا انجَلي
بِصُبحٍ وما الإصباحُ مِنكَ بأمْثَلِ

وهذا عيب واتهام بالقصور عن الكمال الشعري، لأنه يضيف بيتاً إلى آخر ويعلقه به وخير الشعر "ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر، وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصوله إلى القافية"( ) وكأن الشعر ترتيب أفكار بألفاظ تساويها في جمل تقوم كل منها بذاتها( ).
وقد فصل ابن رشيق في هذا بقوله: "ومن الناس من يستحسن الشعر مبيناً بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه، لا يحتاج إلى ما قبله، ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد"( ).
والأمر هنا متصل بسعي الفرد العربي لإظهار مدى امتلاكه الحياة، في خلال التعبير عن ذلك الامتلاك عبر أساليب الشكل أو ما يشير إليه المضمون، وإظهار الأمر إلى الآخر فهو يرى في كل هذا نزوعاً ليس للسيطرة على موضوعية الحياة من حوله فقط، إنما للخروج من ذاتيته الفردية الخاصة، إلى ذاتية توحي له بالاشتراك مع الآخرين لكن هذا الأمر، إذا لم يكن منطلقاً للفعل الإبداعي الباعث على التجاوز أو المؤسس لما هو جديد فسيقع في أسر التقليد لأن العمل الفني، ومنه الأدبي، وسيلة لنقل الانفعال، مثلما أن العلوم وسيلة لنقل المفاهيم، فينبغي التمييز في المنحى الانفعالي، بين: الانفعال الذي يعبر عنه العمل الأدبي والانفعال الذي ينقله، وفي هذا تمييز بين الطبع الفني الجمالي والصنعة التقنية اللافتة للنظر، أو بين الوظيفة الجمالية الممتعة، والدلالة الوضعية المباشرة.
أما على صعيد طبقية المعاني فقد عد بعض النقاد( ) معاني بعينها تليق بالخاصة ثم خاصة الخاصة ومنها ما يليق بالعامة، أما التعبير الشعري أو الشكل الفني لذلك التعبير فمثاله الأعلى، ما رضيته الخاصة وفهمته العامة( )، وهذا يوحي بفهم طبقي قائم على عناصر اجتماعية.
ثم كانت أغراض الشعر ذاتها تمثل هذا المنحى، فالشاعر يحاول رسم صورة الممدوح المثالية اجتماعياً، مع ملاحظة، أن ما يمدح به الخليفة أو الأمير هو غير ما يمدح به الوزير وما يمدح به القائد غير ما يمدح به الجندي، وهكذا والغزل يرسم صورة المرأة المثالية في صفاتها الخلقية والخلقية، بالشكل الذي تكون فيه متصفة بأقصى صفات الجمال الأنثوي وأحلاها، تحقيقاً لحضور كبير، أما الهجاء فقد كان متصلاً على نحو خاص، بأن فعل الكلمة ربما كان أقوى من فعل السيف" لقد كانوا يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن للكلمة قوة سحرية كامنة فيها"( ) أما الفخر فهو صدور عن فعل اجتماعي وعرف قبلي مباشرين، وهذه المذهبية القبلية (الروح القبلية) هي ما يصدر عنها الشعر الجاهلي في أغراضه ذات الدلالة الجماعية.
وَهَلْ أنا إلا مِنْ غَزِيَّة أنْ غَوَتْ
غَوَيتُ وإنْ تَرْشَدْ غَزِيّةُ أرشَدِ( )

أما حين جاء الإسلام فقد صارت صلة العقيدة الإسلامية هي ما يصدر عنه الشعراء على نحو غير قليل، ومعها صار الأفق أوسع والحياة أرحب، على أن الفرد/ الشاعر، هنا وهناك، إنما هو كائن اجتماعي بوصفه إنساناً يطمح إلى أن يصبح أكبر من كيانه الفردي، يحاول أن يقترب من الاكتمال.
لا يرضى أن يكون، فرداً أو جزءاً هامشياً، أو في المتن، إنما يجهد إلى تجاوز فردية حياته، إلى شمولية أوسع يريدها، ومما يحقق له هذا، أو يساعد في تحقيق حضوره في حياة الآخر، التأسيس لغرض التجاوز والتفرد، في خلال فعل إبداعي يمثله الخطاب الشعري.
وقد تشير هيمنة الأنموذج وطبقية المعاني إلى أنه لم يكن هناك تمييز كبير عند النقاد بين المعنى والمعنى الشعري، لأن الشعري موظف في ما هو غير شعري، حتى كان حد الشعر "الكلام الموزون المقفى الدال على معنى"( ) وقد يسمح هذا الفهم بدخول الجدل بوصفه، محاولة إقناع الآخر اعتماداً على مقدمات مقبولة عند أهل العلم، وكذلك دخول الخطابة كونها محاولة إقناع الآخر، اعتماداَ على مقدمات مقبولة عند الرأي العام، وهو ما يسمح بفهم الشعر على أنه: عملية إيقاع المعاني في نفوس المتلقين، الأمر الذي يكوِّن التخييل في الشعرية، من خلاله، نظيراً للتصديق والجدل في الخطابة، على أن التصديق أمر راجع إلى مطابقة الكلام للواقع، بينما التخييل في الشعرية راجع إلى ما للكلام نفسه من تشكيل أو هيئة تحدث الانفعال، وفهم من هذا القبيل يقرب بين الأدب ومنه الشعر وبين المنطق، وسيلتين من وسائل المعرفة، على أن بينهما "من البون ما تتسع مسافته، وشتان بين معرفة أساسها العاطفة والحدس والخيال، وأخرى أساسها التجريد والتصديف والمطابقة بين العبارة والوقائع، توصلاً إلى الحقيقة"( ).
وأن تكون المعيارية عنصراً من عناصر الشعرية العربية، فهذا يعني أن تلك الشعرية صادرة عن خصوصية البيئة العربية في زمانها ومكانها بما يشتملان عليه، لأن العناصر ذات الطبيعة المعيارية مثل: خصوصية البيت الواحد وهيمنة الأنموذج وطبقية المعاني وغيرها، إنما هي عناصر خاصة ببنية الخطاب الشعري العربي وليست دخيلة عليه، وقراءة الخطاب الشعري يفترض فيها أن تكون بوحي من المقومات الرئيسة التي تتوفر عليها بنيته الفنية، أو ما يصدر عن شكله الجمالي.
ومن خلال ما سبق ذكره فإن مقومات الشعرية العربية يمكن قراءتها في قسمين رئيسين: القسم الأول هو أصول تلك المقومات، والقسم الثاني عناصر تلك المقومات. أما الأنماط الأسلوبية المتحققة في تلك المقومات، فإنها راجعة إلى النص الشعري كونه مدار كشفها، وهو ما سيحاوله هذا البحث في الفصل التطبيقي.
وأصول الشعرية منها ما يتصل بخصوصية اللغة وما يستلزمه حال الوعي بها، والإدراك لطبيعتها البنائية، وتدبر أنماطها الإيقاعية، والكشف عن هذا بوساطة النص الشعري يحدد المنبهات الأسلوبية لدى صاحب النص أي في النص الشعري، ويشير إلى أصل من أصول مقومات الشعرية على نحو عام. ومن أصول الشعرية ما يتصل بخصوصية البيئة العربية وما تتصف به هذه البيئة على الصعيد المكاني من، انفتاح أفق ونمطية حياة تترجح بين السكون والصراع، ويحدد الوعي بها طبيعة الموضوعات التي يقولها النص الشعري، ومن أصول الشعرية ما يتصل بخصوصية الثقافة بما تتوفر عليه من مرجعية شفاهية أو كتابية ذات أصول ضاربة في (الشعور الجمعي للعرق العربي) وإحساس بالتفرد صادر عن أصالة المقومات.
أما عناصر الشعرية فمنها ما ينبني عليه الشكل الفني ولا سيما عناصر الإيقاع والنحوية والانزياح ومنها ما يتصل بالجانب الموضوعي، والأنماط الأسلوبية الصادرة عن مدى توفر النص الشعري على هذه العناصر، يمكن الكشف عنها من خلال النصوص الشعرية، وهو ما سيحاوله البحث عند قراءة مقومات عمود الشعر الأسلوبية في الفصل الثالث، من هنا فقد حاول هذا التمهيد الكشف عن مقومات عمود الشعر؛ أصولها وعناصرها، لتكون مهاداً نظرياً ننطلق منه لأجل قراءة الأنماط الأسلوبية التي تشكل موضوعية البحث في السياق التاريخي.


***

رد مع اقتباس