عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 3 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق


الفصل الثاني:

الأصول


المبحث الأول: في التنظير النَّقدي
ـ الأصمعي
ـ ابن سلاّم
ـ ابن قتيبة
ـ ابن المعتز
ـ ابن طباطبا العلوي
ـ قدامة بن جعفر

المبحث الثاني: في التطبيق النقدي
- الآمدي
- الجرجاني







أصول عمود الشعر، في التنظير النقدي
صدر المرزوقي في وضع مقومات عمود الشعر العربي عن الإرث النقدي الذي سبقه على تعدد مستوياته، فهناك (نقد تسجيلي) كان يعنى بالتوثيق والتدوين، وكان الاحتكام إلى السبق الزمني من مقوماته، مثله الأصمعي وابن سلام. وهناك (نقد تنظيري) كان يعنى بنقد الشعر احتكاماً إلى مقومات نقدية بعضها نصية ذات صفة بلاغية أو لغوية نحوية، وبعضها الآخر (عرفية) ذات صفة اجتماعية أو أخلاقية أو غيرهما مما تواضع العرف على قبوله، إلا أن هذا المستوى من النقد هو الذي أخذ بتأسيس مفهوم عربي في نقد الشعر، وقد مثله ابن المعتز وابن طباطبا وقدامة بن جعفر.
ولا شك في أن قراءة المعايير النقدية التي احتكم إليها ذلك النقد في قراءة الشعر العربي، تكشف عن مقومات الشعرية العربية، كما عرضها أولئك النقاد تلك المقومات التي شكلت المرجعية الثقافية (النقدية) التي صدر عنها المرزوقي في وضعه عناصر عمود الشعر العربي، التي أراد لها أن تكون مقومات نقدية نقرأ الشعر العربي بضوء منها، ونقدم شاعراً على آخر بقدر النصيب الذي توفر عليه نصه الشعري منها.
وسيحاول هذا المبحث عرض المعايير النقدية التي صدر عنها نقاد (المنهج التسجيلي) ثم المعايير الأخرى التي قال بها نقاد (المنهج التنظيري) لأنهما يمثلان الأصول المرجعية لعمود الشعر العربي، مع ملاحظة السبق الزمني وخصوصية المنهج عند كل ناقد، وصولاً لقراءة عناصر العمود الشعري في النقد التطبيقي، كما تمثلت أولاً عند الآمدي في (الموازنة) ثم كما تحددت على نحو تنظيري/ تطبيقي عند عبد العزيز الجرجاني في (الوساطة) لتكون أثر هذا كله أصول العمود جلية واضحة في الإرث النقدي العربي الذي سبق المرزوقي.
ويبدو أن هذا التسلسل المنطقي للنقد العربي من: التسجيل (توثيق/ تدوين) إلى التنظير (قراءة/ معايير) إلى التطبيق (نص شعري/ معايير نصية) حتى صار الأمر إلى تحديد المعايير وتقعيدها بعناصر مخصوصة (عناصر عمود الشعر)، مرتبط بتطور حركة الوعي النقدي وصادر عنها، إذ بدأت بتسجيل النص الشعري الجاهلي تدويناً توثيقياً، على وفق حرصها على ذلك، ثم قراءة ذلك النص والتنظير لمعايير تلك القراءة النقدية، ثم لما تقدم الزمن وصار الأمر إلى شعر جاهلي ومخضرم وإسلامي ثم مولد أو محدث حتى كثر ذلك المولد المحدث إلى أن صار المولدون المحدثون في طبقات، صار الأمر يقتضي قراءة نقدية تطبيقية توازن بين ذلك المحدث إثباتاً له وتمييزاً لبعضه من بعضه الآخر، فكان هناك النقد التطبيقي الذي قدم قراءة نقدية في أشعار المحدثين احتكاماً إلى مقومات الشعرية العربية كما جاءت في الشعر الجاهلي أو كما مثلها الشعر المخضرم أو الرفيع الجزل من الشعر الإسلامي، وحين جاء المرزوقي في مقدمته المشهورة، استحضر كل النقد السابق بوصفه أصولاً لعناصر عمود الشعر العربي التي أوردها في مقدمته على حماسة أبي تمام.





(المبحث الأول) في التنظير النقدي


ـ الأصمعي:
يرتبط معيار الفحولة عند الأصمعي، بغرضي: المدح والهجاء إيجابياً، لاتصال هذين الغرضين بالحياة الاجتماعية، فالهجاء سلاح قبلي والمدح كذلك، والشاعر الذي لا يبرز في هذين لا يؤدي دوراً بارزاً، أي لا ينظر إليه بوصفه فحلاً شعرياً، وهذا ما يفسر الرواية التي تقول: إن ذا الرمة قال للفرزدق: مالي لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء( ).
ويرتبط معيار الفحولة عنده أيضاً، بالجانب الأخلاقي/ الديني (الخير) سلبياً، على أن في هذا الاتجاه كلاماً كثيراً، فحين يقول عن لبيد: كان رجلاً صالحاً، يقصد نفي جودة الشعر عنه( )، إذ ليس لشعره حلاوة، فهو "كأنه طيلسان طبري"( ) ورأيه بحسان ـ على شيوعه ـ مشابه لرأيه في لبيد.
فإذا كان لبيداً لم يقل في الإسلام سوى بيت واحد، فمن أين تأتى للأصمعي أن يصدر عليه هذا الحكم المشابه لقول أبي عمرو بن العلاء: "ما أحد أحب إلي شعراً من لبيد بن ربيعة، لذكره الله (عز وجل) ولإسلامه ولذكره الدين والخير، ولكن شعره رحى بزر"؟( ).
فإذا قال حكمه ناظراً في شعره الإسلامي، فأين شعر لبيد في الإسلام؟ وإذا احتكم إلى شعره في الجاهلية، فإن رأيه ومعاصره أبي عمرو بن العلاء على خلاف ما تواضع عليه أهل الشعر، فالنابغة يشهد، أن لبيداً اشعر العرب( )، وابن سلام يضعه في الطبقة الثالثة، وابن قتيبة ـ بعد ذلك ـ يصفه بسهولة المنطق ورقة الحواشي( )، والفرزدق ـ قبل ابن قتيبة ـ حين سمع قول لبيد:
وجلا السيولَ عن الطلول كأنها
زُبُرٌ تجدُّ متونها أقلامها

سجد.. فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال" أنتم تعرفون سجدة القرآن، وأنا أعرف سجدة الشعر( ).
وهذا ما يضع رأيي الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء في أحد اتجاهين: إما أنهما نظرا إلى إسلام لبيد الذي رأى في القرآن إعجازاً تواضع أمامه إعجاز الشعر كثيراً جداً، فما كان من لبيد إلا أن اكتفى بالبقرة وآل عمران، عن أن يقول شعراً، فصار معاصروه ينظرون إليه بمنظار الإعجاب الديني، وانسحب هذا النظر إلى شعره الجاهلي أيضاً، فصاروا يرون لبيداً بوصفه رجلاً مسلماً صالحاً، بعيداً عن التجويد في قول الشعر (صناعة)، وهم يرون الصلاح الديني حين يصدر الشعر عنه، لا يتصف بالحلاوة كما يقول الأصمعي، ومن هنا كان وهم النظر إلى شعر لبيد.
أما الاتجاه الثاني فهو أن هذين الرأيين فيهما زيادة أو تقويل، والذي نقول، ربما كان مأخوذاً بوهم النظر إلى شعر لبيد الذي أشرت إليه في الاتجاه الأول.
ومعيار الفحولة عند الأصمعي امتياز يحدده بقوله: "أولهم كلهم في الجودة، امرؤ القيس، له الحظوة والسبق، وكلهم أخذوا من قوله واتبعوا مذهبه"( ). فامتياز الفحولة يكون في: المنزلة أو المكانة أي الحظوة في السبق الفني ثم السبق الزمني، ثم اتباع مذهبه من خلال الأخذ عنه.
وأظهر شروط الأصمعي في الفحولة، القوة الفطرية التي يصدر عنها الشاعر، أي الطبع المتصل بغلبة الشعر على شخصية الشاعر، بعيداً عن الليونة المتصلة بالأخلاق والخير والصلاح، لهذا فهو لا يرى فيمن لم يغلب الشعر عليهم باشتراطاته فحولاً، بل عدهم فرساناً أو كرماء، فيعد عروة بن الورد شاعراً كريماً وليس بفحل، وأبا داود الأيادي رجلاً صالحا ًوليس بفحل، وحاتماً الطائي رجلاً كريماً وليس بفحل، وعنترة بن شداد فارساً وليس بفحل ومثله خفاف بن ندبة والزبرقان بن بدر وعباس بن مرداس السلمي وبشر بن أبي خازم وزيد الخيل الطائي( ).
ومع غلبة الشعر على شخصية الشاعر (القصدية/ الاحتراف) يضع معيار الكم وإن لم يحدد الكم بعدد معين من القصائد، فيعد معقر البارقي فحلاً لو أتم ما وصلنا من شعره بخمس قصائد أو ست( ). أما أوس بن غلفاء الهجمي، فكان يمكن أن يكون فحلاً، لو أتم ما وصلنا من شعره بعشرين قصيدة( ).
وكذلك يشترط في الفحولة الثقافة إذ "لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ، وأول ذلك أن يعلم العروض فيكون ميزاناً على قوله، والنحو ليصلح به لسانه، وليقيم إعرابه، والنسب وأيام العرب، ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم"( ).
ومن خلال ما سبق، فإن مصطلح الفحولة عند الأصمعي يستند إلى، قوة الطبع وغلبة صفة الشعر أي الاحتراف أو القصد، والكم المناسب من القصائد، وسعة الثقافة، والفصل بين الدين والأخلاق وقد حققت هذه الاشتراطات الواجب توفرها ليكون الشاعر فحلاً أمرين:
1ـ أن الفحولة خصوصية توفر هذه الاشتراطات في الشاعر الفرد، وليس من خلال انتمائه لحقبة زمنية أو عصر معين، وهو ما قاده إلى استبعاد الفحولة عن كثير من شعراء الجاهلية.
2ـ الشاعر الحجة هو البدوي، جاهلياً كان أم إسلامياً، ولهذا يرى ذا الرمة حجة لأنه بدوي( ). على أنه لا يرى الكميت حجة لأنه مولد( ).
فالفحولة عند الأصمعي خصوصية متفردة في التعبير الشعري، ومقدرة فائقة، وطاقة خاصة تتصل بقوة الطبع في القول الشعري، تلك القوة المشابهة لقوة النفس في الصبر عند البأس، ولهذا ليس غريبا أن يرى أبو عبيدة في مصطلح الفحولة ما تدل عليه من قوة النفس في الصبر عند البأس فيرى الفحولة ضد التخنث، فقد كان إذا سمع شعر قطري بن الفجاءة قال: "هذا الشعر لا ما تعللون به نفوسكم من أشعار المخنثين"( )، أي أنه رجع إلى مقياس خلقي لا مخالفة فيه، على ما هناك من تقارب بين ما يضاد الفحولة عند الأصمعي وهو اللين، وما يضادها عند أبي عبيدة وهو التخنث، أي أن القوة مقياس مشترك بينهما في فهم مصطلح الفحولة.
نخلص من هذا إلى تقسيمين توفر عليهما مصطلح الفحولة، وصدرا عنه، التقسيم الأول: هو المعايير النقدية الواجب توفرها ليكون الشاعر فحلاً، أما التقسيم الثاني: فهو أقسام الشعراء في فحولة الأصمعي، وهذا ما يمكن إيجازه في الترسيمة التوضيحية الآتية:
مصطلح الفحولة عند الأصمعي

المعايير النقدية للفحولة أقسام الشعراء في الفحولة
1ـ جودة الكثرة والقلة 1ـ الفحول.
2ـ الاختصاص بالشعر/ الاحتراف 2ـ الفرسان.
3ـ طبقية الشاعر (زيارة الملوك ـ النابغة) 3ـ الكرام.
4ـ التقاليد الشعرية. 4ـ الصالحون.
5ـ تعدد الأغراض (تفضيل ليلى على الخنساء) 5ـ العداؤون.
6ـ البداوة (سكنى البادية ـ الفصاحة). 6ـ الفصحاء.
7ـ الذوق الشخصي.
8ـ التفرد في غرض بعينه.
9ـ الطبع.
10ـ الدين (الأخلاق ـ ضعف الشعر).
11ـ الأخلاق (العرف الاجتماعي).
12ـ معيار الزمن.
13ـ الحجة اللغوية (الفصاحة).
إن بعض المعايير النقدية التي احتكم إليها الأصمعي في تمييز الشاعر الفحل من غيره، ظلت متداولة في النقد العربي بعد الأصمعي، وبعضها الأخر تطور فهمه باختلاف النظر إليه في العصور الأدبية اللاحقة، فمعيار الطبع الذي قال به صار في عمود الشعر عند المرزوقي هدفاً يسعى النقد للكشف عنه ليعلم "فرق ما بين المصنوع والمطبوع"( ) وهنا ظل النظر إلى الشعر المطبوع على أنه الذي "يصدر عن الشاعر بالسجية، والطبيعة الناشئة عن تدربه بسماع أشعار البلغاء، واندفاع طبيعته لمحاكاة أشعارهم حتى يصير الشعر البليغ له كالطبع، فلا يصرف فيه تعمق رؤية ولا معاودة تنقيح، ولا تثقيف"( ) فلا خلاف في هذا بين الأصمعي والمرزوقي.
وكذلك معيار الحجة اللغوية أو الفصاحة، على أن الشاعر الحجة عند الأصمعي هو البدوي سواء أكان جاهلياً أم إسلامياً، وقد تطور فهم مصطلح الفصاحة عند المرزوقي على نحو ما قال به في الباب الثاني من معايير (عمود الشعر) وهو: جزالة اللفظ واستقامته فاستقامة اللفظ عنده وفاءه بالمراد الذي استعمله فيه البليغ( ).
أما المعايير الموجهة عند الأصمعي (الدين، الأخلاق، التقاليد الشعرية) فقد توفر عليها المرزوقي ضمناً في الباب الأول وهو (شرف المعنى وصحته) ولما كان عيار المعنى أن يقبله العقل الصحيح والفهم الثاقب( )، فقد صار التزامه بالمعايير الموجهة متضمناً فيه، على الرغم من أن الابتكار في المعاني من أسباب الشرف، ولا يشترط في المعنى الشريف أن يكون من الفضائل أو المعاني الحميدة.
والواقع أن القصد من قراءة معايير الفحولة عند الأصمعي، ليس الإشارة إلى ما صارت إليه عند المرزوقي في (عمود الشعر) فقط, إنما عرضها للوقوف على ما احتكم عليه النقاد السابقون في نقد الشعر بدءاً من الأصمعي.
ـ ابن سلام:
كان ابن سلام (ت 232هـ) أول من حاول على نحو منهجي متواضع، صياغة فهم خاص في النظر إلى الشعر كان فيه متمثلاً ما وصل إليه العلم بالشعر في عصره، ومفيداً من معاصريه ولا سيما الأصمعي، إذ جاء في نقد الشعر بعدة مقومات، كان في بعضها مؤسساً وفي الآخر متأثراً، وفي أحيان تابعاً للرأي الثقافي العام في عصره.
أخذ عن الأصمعي معيار الفحولة، وأسس عليه معيار الطبقة في الحديث عن طبقات شعراء الجاهلية الذين اقتصر عمله فيهم على أربعين شاعراً من الفحول المشهورين، وميزته من الأصمعي أنه يضع الفحول في طبقات أما الأصمعي فقد قسم الشعراء على فحول وغير فحول، لهذا فما لم يكن عند الأصمعي من الفحول، كان عنده فحلاً في طبقة بعينها.
معيار الكثرة الذي عده الأصمعي شرطاً للفحولة اعتمده في تقسيمه الطبقي، إذ قال في شعراء الطبقة السابعة: "أربعة رهط محكمون مقلون، وفي أشعارهم قلة فذاك الذي أخرهم"( ) مقدماً المشهورين الذي وصلنا لهم شعر قليل، زاعماً أن شهرتهم تدلل على كثرة شعرهم، ولكنه لم يصلنا إلا أقله، أي أنه يعتمد الشهرة معياراً في تقسيمه الطبقي.
رأى الأصمعي معيار "اللين" متضاداً مع الفحولة ، وقرنه بالخير، ولكن ابن سلام رآه كذلك غير أنه قرنه بالحياة المدنية المتحضرة، الباعثة على التشابه كما في لغة الشعر القرشي، لهذا يقول: "وأشعار قريش، أشعار فيها لين فتشكل بعض الأشكال"( ).
فابن سلام لم يقسم الشعراء إلى فحول وغير فحول كالأصمعي، إنما نظر في الطبقة الأرقى عاداً إيّاها معياراً لأنه جعل الشعراء في طبقات، ناظراً إليهم بملاحظة تقارب مستويات الأداء الشعري ذاك التقارب الذي يضعهم في (طبقة) ثم تفاوت مستويات الأداء الشعري ذاك التفاوت الذي يوزعهم على طبقات وهو في هذا وسّع الأفق النقدي الذي حدده الأصمعي قبله.
ويبدو أن معيار الطبقة قاده إلى مناقشة أربعة ظواهر رئيسة شاعت في عصره هي: أولية الشعر الجاهلي ثم النحل والانتحال ثم ضرورة الناقد ثم أهمية المنهج في نقد الشعر.
وكان طبيعياً أن يبعث معيار الطبقة على الحديث في هذه الظواهر، لأن قراءتها بإمعان تفتح منافذ كثيرة لنقد الشعر، على وفق شيء من الأسس العلمية والمعايير النقدية.
دراسة أولية الشعر العربي تفتح نافذة للنظر إلى، مرحلة التأسيس الشعري، والمراحل التي قطعها تطور الشكل الشعري، مع ملاحظة من طور وتطور في هذا الاتجاه، ليكون استعراض الشعراء في (الطبقات) منطقياً، وهو ما حاوله ابن سلام، مستنداً إلى معايير ذوقية تارة، ونقدية (عرفية) تارة أخرى.
حين حدد ابن سلام أولية الشعر تحديداً تقريبياً بقوله: "لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدل على إسقاط شعر ثمود وحمير وتبع..."( ).
إشارته إلى تقصيد القصيد وتطويل الشعر، دلالة على تكامل الشكل الشعري من خلال الشاعر الذي صار قاصداً إلى أن يقول الشعر محترفاً ذلك، بالقصيدة ذات المواضيع المعينة والغرض المحدد، والمقولة في نظام من الأبيات غير القليلة، والمعبرة فنياً بأساليب بيانية، تتفاوت تبعاً لها مقدرة الشاعر في إظهار تفوقه، هذا التفوق الذي ينسب له حين يمثله، وكان طبيعياً مع مرحلة المشافهة في قول الشعر، أن ينسب بعض الشعراء تفوق غيرهم إليهم، فكان الانتحال، أو أن ينسب الرواة لشاعر شعراً لم يقله، فكان النحل. وكان طبيعياً بروز هاتين الظاهرتين في عصر ابن سلام (عصر التدوين). ولما كان الرواة يشكلون وثيقة النقل الأشهر، فقد صار التوجه إلى اتهام المشتهر منهم برواية الشعر، وهو حماد الراوية الذي "كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره ويزيد في الأشعار"( )، ثم أشار إلى أهل السير والأخبار الذين لا علم لهم بالشعر، كونهم ساهموا في هذا الأمر على جهلهم به، مشيراً إلى ابن اسحاق وطبقته( ).
والحديث في هذا الاتجاه يؤدي إلى وصف "أهل العلم بالشعر، والنفاذ في كلام العرب، والعلم بالعربية"( )، وضرورة الأخذ عنهم، والالتزام بما اجتمعوا على قبولـه أو تواضعوا عليه، لأنه "لا يشكل على أهل العلم بالشعر زيادة الرواة، ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون"( ) فهم المرجع الذي يجب الصدور عنه في قبول الشعر أو عدمه، وهو هنا يؤسس لدور الناقد إذ "ليس لأحد ـ إذا اجتمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه ـ أن يقبل من صحيفة ولا أن يروي عن صحفي، وقد اختلفت العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه"( ).
وهو في هذا السياق يؤكد أن "الشعر يعلمه أهل العلم به"( ) مؤشراً استقلالية النقد الأدبي، مفرداً الناقد بدور خاص، لأن الناقد الحاذق ييسر لنا الوصول إلى الصواب، ويقترب من دور الناقد بأهمية أن يكون له تصور نقدي، أو معايير يحتكم إليها في نقد الشعر، أي على وفق منهج معين.
وقد قصد ابن سلام إلى الإفادة من المنهج التاريخي في نفي من قال بنسبة أشعار لعاد وثمود والأمم السالفة بقوله: "لا نجد لأولية العرب المعروفين شعراً، فكيف بعاد وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث، لم يرو قط عن عربي، ولا رواية للشعر، على ضعف أسره وقلة طلاوته"( ).
كما أفاد من المنهج اللغوي/ اللهجي/ كونه غير جاهل بلهجات القبائل العربية، فنظر في اختلاف لهجات تلك القبائل حتى عصره، ثم تصور اختلاف لغات الأمم البائدة، وهذا الأمر حمله إلى إعادة النظر في الشعر المنسوب لبعض القبائل العربية، مشيراً إلى قول أبي عمرو بن العلاء: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما عهد عاد وثمود، مع تداعيه ووهيه؟ فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن اسحاق، ومثل ما روى الصحفيون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم"( ).
وقد تتبع ابن سلام بعض لهجات القبائل العربية، إدراكاً منه لفائدة البحث اللغوي في تصحيح نسبة الأشعار المنحولة، في محاولة منه لنسبة الشعر لقائله أو للبيئة التي صدر عنها، بدوية كانت أم حضرية، وهو ما عني به نقاد الشعر بعد ابن سلام.
والناظر في فحولة الأصمعي وطبقات ابن سلام، يلحظ هيمنة النقد التسجيلي والمعيار الذوقي ولا سيما عند الأصمعي، ومحاولة تحقيق المعايير الموضوعية عند ابن سلام. ولما كانت المرحلة التاريخية تعنى بالتدوين (مرحلة توثيق) فقد هيمن المعيار الزمني، في خلال التمييز بين الشعر القديم والمولد أو المحدث.
ومن خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى إيجاز معايير ابن سلام النقدية التي احتكم إليها في طبقاته في ما يأتي:
1ـ معيار الكثرة والجودة، إذ على أساسه تأخر طرفة وعبيد بن الأبرص إلى المركز الرابع لقلة ما بأيدي الرواة من شعرهما، وكذلك ترتيب الطبقة السادسة وهم (أصحاب الواحدة).
2ـ معيار الغرض الشعري، إذ خص أصحاب المراثي بطبقة برأسها وكذلك الغزل.
3ـ معيار الدين والقومية، إذ أفرد شعراء اليهود بطبقة واحدة.
4ـ معيار البيئة/ البداوة، إذ أفرد أهل القرى بطبقة، مشيراً إلى الحضارة كما في شعر عدي بن زيد.
5ـ معيار الأخلاق، إذ أشار للشعراء الذين يتألهون والذين يتعهرون على المستوى الموضوعي أو الأخلاقي للتعبير الشعري.
6ـ معيار الأسلوب، وإن لم ينص عليه مباشرة، ولكنه جمع الشعراء المتقاربين فنياً في أساليبهم الشعرية، كما في الطبقة الثانية التي أثبت الدكتور الجادر كونها مدرسة فنية بالرواية( )، ما عدا بشر بن أبي خازم وكذا طبقة الرجاز.
7ـ معيار القبلية (الدم)، إذ أخذ الصلة القبلية مقياساً كما في شعراء الطبقة السابعة والثامنة.
8ـ معيار الزمان والمكان، إذ قسم الشعراء زمنياً إلى إسلاميين وجاهليين، ومكانياً أفرد لشعراء القرى العربية طبقة.
9ـ معيار العلماء، إذ حرص على عرض آراء العلماء من لغويين ونحاة عند التقديم، ولا سيما داخل الطبقة الواحدة.
ـ ابن قتيبة:
مع ابن قتيبة (ت 276هـ) في كتابه الشعر والشعراء خطا النقد التسجيلي خطوة جديدة، ولا سيما إذا نظرنا إلى تأليف الكتاب على هذا النحو من التخصص، إذ يعد موقفاً نقدياً، بغض النظر عن المعيار الزمني والنزعة البدوية اللتين اتسم بهما نقد الأصمعي وابن سلام.
ويرى بعض الدارسين ابن قتيبة مطبقاً نظرية أستاذه الجاحظ في نقد الشعر( ). على أنه حاول تأسيس منهج مدرسي، من خلال نظره في تاريخ الشعر العربي، مقسماً إياه إلى: جاهلي وإسلامي يقع فيهما مخضرمون ينتمون للجاهلية والإسلام أو للدولتين.
أما معاييره النقدية التي يعنينا النظر فيها هنا، فقد بدا فيها رافضاً المعيار الزمني الذي قال به سابقوه، وأخذ بمعيار الاحتراف في الشعر، الذي قال به الأصمعي، وأفاد من معيار الطبقة وإن لم يأخذ به، وحاول الاقتراب من النقد الصادر عن معيار مستقى من النص الشعري، من خلال إشارته إلى أنه حاكم الشعراء مستنداً إلى "ما أخذه العلماء عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم ومعانيهم"( ).
ويمكن قراءة معايير ابن قتيبة في النقد، موزعة على شكلين: الشكل الأول يشتمل على المعايير ذات الطابع التوثيقي التسجيلي، على منهج ابن سلام والأصمعي، مثل معيار الرواية والحفظ إذ يقول" "وليس كل الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى، ولكنه قد يختار ويحفظ على أسباب"( )، ومعيار الاحتراف أي القصد لقول الشعر حتى غلبة الشعر على شخصية الشاعر. ومعيار الجودة الفنية أي رفض المعيار الزمني، "فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله سّنِهِ ولاحداثة، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه"( ).
كما قال بمعيار السرقة الذي شاع فيمن جاء بعده، حتى شغل جيلاً من النقاد، من قبيل إشارته إلى قول الأعشى:
وكأسٍ شَرِبتُ على لَذَّةٍ
وأخرى تَداويتُ مِنها بِهَا

فقال: إن أبا نواس سرقه وزاد عليه بقوله( ):
دَعْ عنكَ لومي فإنّ اللومَ إغراءُ
ودَاوني بالتي كانتْ هي الداءُ

ولكنه لم يفصل في مصطلح (السرقة) على نحو ما شاع بعده.
كما قال بمعيار (ثقافة الشاعر) موافقاً رأي الأصمعي وابن سلام، إذ قال: "كل علم محتاج إلى السماع، وأحوجه إلى ذلك، علم الدين ثم الشعر"( ) وذكر معيار (الندرة) مشفوعاً بالجودة الفنية أحياناً، إذ أشار إلى أن بعض الشعر "قد يحفظ لأن قائله لم يقل غيره، أو لأن شعره قليل عزيز"( ).
ثم ذكر أن بعض الشعر قد يحفظ ويروى لنبل قائله، كقول هارون الرشيد:
النفسُ تَطْمَعُ والأسبابُ عاجزة
والنفسُ تَهلكُ بين اليأسِ والطمعِ

فيقول: إن هذا النمط من الشعر، شريف بنفسه وبصاحبه( ).
أما مقوماته النصية، فبعضها ذو طابع عقلي منطقي، وبعضها الآخر لغوي/ نحوي، وقسم ثالث يخص الإيقاع الشعري على الصعيد الموسيقي، وقسم رابع يتعلق ببناء القصيدة العربية.
ومن مقوماته العقلية، ما كان من نظره للشعر في ضوء ثنائية: اللفظ/ المعنى، إذ قسم الشعر على أربعة أقسام:
ـ قسم حسن لفظه وجاد معناه( )، من مثل قول أوس بن حجر:
أيّتها النفسُ أجملي جَزَعا
إنّ الذي تَحْذَرينَ قد وَقَعا

وقول أبي ذؤيب الهذلي:
والنفسُ راغبة إذا رَغَّبتَها
وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ

فالتعبير الشعري المعبر عن مضمون أخلاقي ذي نفع تربوي بلغة جزلة، هو المقدم عنده.
ـ قسم حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد فيه كثير فائدة( )، من مثل قول عقبة بن زهير المشهور:
وَلمّا قَضينا مِنىً كلّ حاجةٍ
ومَسَّحَ بالأركانِ مَن هو ماسحُ

وَشُدّتْ على حَدبِ المهاري رِحالُنَا
ولا يُنظر الغادي الذي هو رائِحُ

أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا
وسَالتْ بأعناقِ المطي الأباطحُ

وقول الآخر:
إنّ الذين غَدوا بلبكَ غَادروا
وشَلاً بِعينكَ ما يزالُ مَعينا

غيّضنَ من عَبراتِهنَ وقلنَ لي:
ماذا لقيتَ مِن الهوى ولقينا

إذ يرى هذا الأسلوب الشعري، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى( )، والسبب هنا راجع إلى ما يتطلبه ابن قتيبة وأقرانه من المعنى ذي المضمون الأخلاقي الذي يصدر عنه نفع تربوي، وكأنه يغفل البنية المجازية التي يصدر عنها الجمال الشعري أكثر من صدوره عن المضمون الأخلاقي.
ـ قسم جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه( )، من مثل قول لبيد:
ما عاتبَ المرءَ الكريم كنفسهِ
والمرءُ يصلحهُ الجليسُ الصالحُ

وقول الفرزدق:
والشّيبُ يَنْهَضُ في الشبابِ كأنهُ
ليلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهارُ

إذ يرى هذا الأسلوب الشعري جيد المعنى والسبك، قليل الماء والرونق( ) والسبب هنا راجع إلى المعيارية التي قدمها في القسم الأول، إذ يرى في قول لبيد معنى حسناً ولكن أسلوب صياغة التعبير الشعري لم يكن بمستوى القوة والجزالة اللتين قال بهما في القسم الأول، أما معنى الفرزدق فيبدو أن عنايته الأخلاقية التربوية جعلته يتطلب الوضوح بعيداً عن المجاز أو الاستعارة.
ـ قسم تأخر معناه ولفظه، كقول الأعشى في امرأة:
وَفُوهاً كأقاحيٍّ
غذاهُ دائمُ الهطلِ

كما شيب براح با
ردٍ من عسلِ النحلِ

ولا شك في أن الأسلوب الشعري الذي ذكره في القسم الأول بما يتوفر عليه من نفع تربوي، وما اشتمل عليه من صياغة لغوية جزلة يتطلبها عصره حتى صار يرى لغة الاستعارة –على جمالها الفني- دونها، ذلك الأسلوب يجعله يعد هذا الأسلوب الشعري –كما عند الأعشى في البيتين- متأخراً، لفظاً ومعنى، فلغته متحضرة وإيقاعه غنائي قصير (البحر الهزج).
وقراءته للشعر في ضوء ثنائية: اللفظ/ المعنى، تلفت الدارس إلى الإشارات الآتية:
- لم يسع ابن قتيبة إلى تغليب اللفظ على المعنى أو العكس، إنما حاول أن يناسب بينهما على نحو من النظر التوفيقي، وهو ما قال به المرزوقي في باب مشاكلة اللفظ للمعنى.
- لم يضع لمفهوم اللفظ شروطاً، إنما علق الأمر بما تواضع عليه العرف، على أنه أشار إلى ضرورة أن يكون اللفظ بعيداً عن الوحشي من الكلام، والبعد عن اللغة التي لم يستعملها العرب كثيراً( )، واستعمال الألفاظ السهلة البعيدة عن التعقيد وغير المستكرهة والقريبة من متناول الفهم، وتوخي القوافي الحسنة الروي( )، أي جزالة اللفظ واستقامته، مما قال به المرزوقي.
- بدا أنَّ مفهوم المعنى عنده معبر عن المنحى الأخلاقي التربوي، ومتسم بفائدة فكرية معينة، ولا يعنى كثيراً بإيقاع الصورة الشعرية مجازياً، وكأن بحثه عن المعنى الأخلاقي أو التربوي بشيء من النظر العقلي، جعله يخرج "شعر الغزل الجميل، والوصف التصويري البديع من نطاق الشعر الجيد الذي حسن لفظه وجاد معناه"( ).
والذي يتأمل رأيه في الشعر الذي حسن لفظه وخلا من المعنى، ولا سيما ما جاء في أبيات عقبة بن كعب وبيتي المعلوط وكذلك بيت الفرزدق، يلحظ أنه: "قد أخرج من دائرة الشعر الجيد، أجمل الشعر العربي، وأكثره قدرة على التعبير عن الصورة المادية أو الصورة المعنوية الكامنة في ذات الشاعر"( ).
والقسم الآخر من مقوماته النقدية التي اتسمت بالنصية وكانت ذات طابع لغوي، إشاراته إلى ظاهرة الإبدال الصوتي التي ذكرها سيبويه، كإبدال (الجيم من الياء) وإبدالهم الياء من الحرف في الكلمة المخفوضة( )، ثم إشاراته إلى اضطرار الشاعر إلى تسكين ما ينبغي تحريكه على وفق القواعد القياسية( )، وهو ما قال به المرزوقي في مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.
والقسم الثالث من مقوماته النصية متعلق بالإيقاع حيث أشار إلى حسن الروي بوصفه سبباً في حفظ بعض الشعر وروايته( )، ثم ما كان من حديثه في اصطلاحات عروضية مثل: الاقواء والاكفاء والسناد والإيطاء والإجازة( ).
أما ما يخص بناء القصيدة العربية، فقد حاول تعليل أسباب ذلك البناء، في خلال الإشارة إلى استهلالها بالبكاء على الأطلال ثم الانتقال إلى وصف الرحلة والنسيب، "ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الإسماع إليه، لأن التشبيه قريب من النفوس لائط بالقلوب... فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره وشكا النصب والسهر... فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير. بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل( ).
ويعد القرآن من معايير بناء القصيدة العربية، وهو أن يكون البيت مقروناً إلى ما يجاوره ومضموناً إلى لفقه( ).
ومن معاييره أيضاً، الطبع والصنعة أو المطبوع والمتكلف ثم الإصابة في التشبيه، ثم غرابة المعنى.
أما في المطبوع والمتكلف فيميز بين الشاعر المطبوع والشاعر المتكلف، من خلال النظر للطبع على أنه المقدرة الفنية على الإبداع في فنون الشعر، "فالشعراء في الطبع مختلفون منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء، ومنهم من يتيسر له المرائي ويتعذر عليه الغزل"( )، أي أن المطبوع هو المقتدر على قول الشعر، بأن يقتدر على القوافي ويريك "في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع، ووشي الغريزة، فإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحر"( ).
أما الشاعر المتكلف فمبدع لعنايته وطول نظره في شعره، فهو "الذي يقوم شعره بالنقاف، ونقحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة..."( ).
أما التكلف حين يكون صفة للشعر وليس للشاعر، فقد لا يكون صفة مدح، لأنه يرى الشعر المتكلف هو ما تكثر فيه الضرورات ويحذف منه ما المعاني بها حاجة إليه، وزيادة ما المعاني مستغنية عنه( ).
أما معيار الإصابة في التشبيه، فيراه باعثاً على حفظ الشعر وروايته، وهو فيه جار على العرف العربي الذي يقدم التشبيه، ويفضل الشعر الذي يتوفر عليه، على نحو فني متصف بالوضوح والتناسب، كما تكشف عن هذا الأبيات التي يستشهد بها في هذا السياق( ).
وهذا ما قال به المرزوقي: باب الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه.
أما معيار غرابة المعنى، فيعده –كذلك- باعثاً على حفظ الشعر وروايته، لأن الشعر "قد يختار ويحفظ لأنه، غريب في معناه"( ) والغرابة لا تعني عنده الغموض إنما المعنى المتفرد (النادر) المتصف بالوضوح.
-ابن المعتز:
يمثل ابن المعتز (ت 296هـ) الجيل الثالث من النقاد العرب القدماء بعد جيلي: ابن سلام ثم الجاحظ، وقد كان في كتابه (البديع) متقدماً على سابقه ابن قتيبة في قراءة الشعر من خلال مقومات نصية، لذا جاء كتابه (البديع) النواة الأولى للبلاغة العربية بعد (بيان الجاحظ وتبيينه)، وقد قسم مقوماته البلاغية على قسمين: الأول سماه بـ (البديع) ودرس فيه: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد إعجاز الكلام على ما نقدمها، والمذهب الكلامي، أما الثاني فسماه بـ (محاسن الكلام) درس فيه: الالتفات، والاعتراض، والرجوع، وحسن الخروج، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف، والهزل الذي يراد به الجد، والتضمين، والتعريض، والكناية، والإفراط في الصنعة، وحسن التشبيه.
أي أنه نظر في مقومات الكلام الأدبي ذات الطبيعة المجازية البيانية والإيقاعية الدلالية، بوصفها البديع الذي يرتفع به الخطاب الأدبي، شعره ونثره إلى مستوى الفن الرفيع، لذا جاءت أول مقومات البديع عنده: الاستعارة كونها: "استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها، من شيء قد عرف بها، مثل: أم الكتاب، ومثل: جناح الذل، ومثل: قول القائل، الفكرة مخ العمل، فلو قال: لب العمل لم يكن بديعاً"( )، ثم يمثل الاستعارة بكلام الله ثم بأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثم بكلام الصحابة (رض) ثم بأشعار الجاهليين، ثم الإسلاميين، ثم بكلام المحدثين، الشعري منه والنثري( ).
ولو أنه نظر إلى استعمال الكلمة فيما لم تعرف به، عادّاً هذا منطلقاً أسلوبياً، لكان قد فتح حرية القول المجازي، على وفق ضوابط معروفة يحتكم فيها بالرجوع إلى السياق ولما استهجن قول أبي تمام:
شابَ رأسي، وما رأيتُ مَشيبَ
رأسِ إلاّ مِن فضلِ شَيبِ الفؤادِ

حتى قال: "فيا سبحان الله!! ما أقبح مشيب الفؤاد؟ وما كان أجرأه على الاسماع في هذا وأمثاله"( )؟
أما المقوم الثاني فهو التجنيس، بأن "تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر، وكلام مجانستها لها، أن تشبهها في تأليف حروفها" ثم يأخذ بالتمثيل لأسلوب التجنيس على ما سبق في الاستعارة، على أن التجنيس مقوم إيقاعي صوتي.
أما المقوم الثالث فهو المطابقة، الذي يذكر في إيضاحه، قول الخليل بن أحمد:
"يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد... فالقائل لصاحبه، أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع، فأدخلتنا في ضيق الضمان، قد طابق بين السعة والضيق في هذا الخطاب"( )، ثم يتوسع بإيراد الأمثلة على نهجه.
والمقوم الرابع هو: "رد إعجاز الكلام على ما تقدمها، وهذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام: فمن هذا الباب، ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة في نصفه الأول... ومنه ما يوافق آخر كلمة منه أول كلمة في نصفه الأول... ومنه ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه"( ).
والمقوم البديعي الأخير عنده، ما كان قد سماه الجاحظ بـ (المذهب الكلامي) إذ يقول: "هذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"( ).
ويكتفي بهذه الأقسام الخمسة في البديع مشيراً إلى أنها: "اسم موضوع لفنون من الشعر، يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم (البديع) ولا يدرون ما هو"( ).
ثم يترك ابن المعتز المجال مفتوحاً لمن رغب في أن يضيف جديداً، مقتدياً به، ثم يفتح باباً بعده مختلفاً عن هذه المقومات الخمسة السابقة، ويسميه بـ (محاسن الكلام) ذاكراً فيه الالتفات الذي هو: "انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الأخبار، وعن الأخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك من الالتفات، الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر"( ) معرفاً بعد ذلك بمحسنات الكلام الآتية( ):
1-الاعتراض، أي اعتراض كلام في كلام لم يتمم معناه، ثم يعود إليه فيتممه في بيت واحد.
2-حسن الخروج من معنى إلى معنى آخر، بأسلوب يظهر الأديب فيه براعة في تناسب المعاني.
3-الرجوع بأن يقول القائل شيئاً ثم يرجع عنه، وهو من سمات الأسلوب الخطابي الإقناعي.
4-تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو من أساليب المبالغة في لغة المدح.
5-تجاهل العارف، وهو أسلوب يظهر براعة الأديب وفطنته في مجاراة تناسب السياق.
6-الهزل الذي يراد به الجد، وهو أسلوب غالباً ما يرتبط بالتقريرية والمباشرة.
7-الكناية، وهي أسلوب يراد به إظهار براعة الأديب في استيعاب سياق الحال ثم سياق النص، في خلال ذكر اللفظ وإرادة لازم معناه.
8-التعريض، وهو أسلوب يقع في دائرة الكتابة يظهر براعة الأديب وفطنته في تحميل اللفظ معنى يؤديه السياق.
9-الإفراط في الصفة، وهو أسلوب يقع في النثر أكثر منه في الشعر، أو هكذا ينبغي له لأن الإفراط في لغة الوصف سمة في الشعر.
10- حسن التضمين، وهو أسلوب يكثر في النثر ويقل في الشعر لارتباطه بالتقليد إذا كان الكلام المتضمن سيداً في سياق الخطاب العام، وليس توظيفاً فنياً.
11-حسن التشبيه، وابن المعتز في هذا ناظر إلى ما يتطلبه العربي في التشبيه من تناسب مكوناته، وإن برع فيه بوصفه شاعراً أيضاً.
12-حسن الابتداءات، وهو اتجاه في الكلام الشعري والنثري، ولكن النقاد قالوا بضرورة أن يعنى الشعراء بتحسين مطالعهم (حسن ابتداء القصيدة).
ومما يحمد لابن المعتز في مقوماته البلاغية السابقة: إكثارهُ من التمثيل للمقوم الواحد بالشعر والنثر، وفتحه باب الاجتهاد لمن يرغب في أن يضيف جديداً، إمكانية عد بعض المقومات البلاغية، مقومات أسلوبية، انفرد بها شعراء مخصوصون، كبديع أبي تمام على صعيد التجنيس على نحو خاص.
وقد تواضع النقاد الذين سبقوا ابن المعتز على اصطلاح البديع، وتوقفوا عند بعض المقومات البديعية، إذ أشار الجاحظ إلى الاستعارة بوصفها بديعاً ناسباً الأمر إلى ما تواضع عليه الرواة حين علق على قول الأشهب بن رميلة:
هُمْ ساعدُ الدهرِ الذي يُتقى بهِ
وما خيرُ كفٍ لا تنوءُ بساعدِ

فقال: قوله: "هم ساعد الدهر" إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع، وقد قال الراعي النميري:
هُمْ كاهلُ الدهرِ الذي يُتقى بهِ
وَمنكَبهُ إنْ كانَ للدهرِ مَنْكَبُ

وقد جاء في الحديث: "موس الله أحد، وساعد الله أشد" والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، و أربت على كل لسان، والراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار"( ).
هذا النص يشير على دراية الجاحظ بمفهوم البديع، وما يشتمل عليه من استعارة وجناس وطباق فالاستعارة في (ساعد الدهر) و (كاهل الدهر) والجناس في (أحد وأشد) وهكذا لكن ابن المعتز حين أفرد للبديع كتاباً عد نفسه رائداً في الإفراد، أما الأسس التي انطلق منها فقد أسس لها الجاحظ في البيان والتبيين على نحو خاص( ).
بيد أن مفهوم البديع، وما يشتمل عليه من مقومات بلاغية، صار بعد ابن المعتز يأخذ نحواً قاعدياً، فصار البديع عند البلغاء ما يشتمل على ضروب مثل: الاستعارة والتناسب والاحتراس وائتلاف اللفظ مع المعنى، وصحة التقسيم والإيجاز والتسهيم والطباق والآرداف والتعليل وغيرها( ).
على أن الجاحظ لم يضع للاستعارة بوصفها مقوماً بديعياً حداً أو قاعدة عقلية صارمة –كما صار لاحقاً- إنما نظر إلى استخدام اللفظ في غير ما هو له، ليضفي هذا الاستخدام معنى جديداً على اللفظ يؤديه السياق وليس النظر العقلي أو القاعدة المنطقية، وكأن الشاعر في البديع يستخدم اللفظ استخداماً يكون فيه هو الموجد له أو الخالق والمبدع، ناظراً إلى ما يؤديه السياق، وهذا ما ينسجم ومفهوم البديع لغة، الذي هو أحداث شيء على غير مثال سابق، كقول ابن سينا: "الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغيره، متعلق به فقط، دون متوسط من مادة أو آلة أو زمان"( )، والبديع بمعنى المبدع من أسماء الله الحسنى، فالإبداع من صفات الذات الإلهية، واتصاف العباد بها أمر مستبعد( ).
على أن هذا لا يشير إلى اتصاف المخلوق بصفة الخالق، على النحو الذي يفهمه النظر المتزمت مما يعده خروجاً على الدين، لأن الابتداع يضع المخلوق في مقام الخالق نافياً إبداع الخالق، والذين ذهبوا مذهب التشدد العقلي في النظر إلى الاستعارة مثلاً بوصفها إبداعاً، لم ينطلقوا هذا المنطلق كما فهم ذلك أدونيس، وبنى عليه رأياً غير دقيق( )، إنما انطلقوا من أهمية أن يرتبط المجاز بقرينة عقلية تؤدى إلى إيضاح المعنى للمتلقي، بعيداً عن الغموض، والتزاماً بشيء من الوضوح الفني وهو ما قاله المرزوقي في تناسب مكونات الاستعارة.
-ابن طباطبا:
يبدو ابن طباطبا (ت 322هـ) أقرب إلى جيل ابن قتيبة في النقد العربي القديم، لذا يراه بعض الدارسين، حلقة متممة لما كان بدأه ابن قتيبة( ). وقد جاءت مقوماته في نقد الشعر تطويراً لما كان ابن قتيبة قد انطلق منه، لكنه أقل حدة في النظر المنطقي وأقرب إلى الذائقة الأدبية.
حد الشعر عنده: "كلام منظوم بائن عن المنثور"( ) ولا بد لإتقان الشعر عنده من الإلمام بأدوات هي: "التوسع في علم اللغة، والبراعة في فهم الإعراب، والرواية لفنون الآداب، والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم، والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر( ).
وقد حرص على وصف عملية الإبداع الشعري، بدءاً من الشاعر المتلقي، إذ قال: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا كملت له المعاني وكثرت الأبيات، وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها، وسلكاً جامعاً لما تشتت منها، ثم يتأمل ما قد أدّاه إليه طبعه، ونتجته فكرته، فيستقصي انتقاده ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة، لفظة سهلة نقية... ويكون كالنساج الحاذق الذي يفوّفُ وشيه بأحسن التفويف، ويسديه وينيره، ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه"( ).
فهو يشير إلى تقسيم عملية الإبداع الشعري على أربع مراحل: المرحلة الأولى، مرحلة تفكير وإعداد، يكون فيها الشعر "فصولاً كفصول الرسائل"( ) لأنها تنطلق من فكرة أن "الشعر رسائل معقودة، والرسائل شعر محلول"( ) فالنثر الفني عنده ليس أقل من الشعر، ومن هنا يشير إلى أن "الأشعار المحكمة المتقنة إذا نقضت وجعلت نثراً، لم تبطل جودة معانيها، ولم تفقد جزالة ألفاظها"( ) ، فالمسألة الجوهرية هنا هي دور العقل أو حضور الفكر، بعيداً عن القول بنظرية الإلهام، فكأنما هو يرى العبقرية الشعرية "لا تستطيع أن تظهر نفسها دون الصنعة (الجهد الواعي)( ).
والمرحلة الثانية هي البدء بالنظم، بأن يعلق كل بيت على نحو متناسب بما يجاوره وهو في هذا يعنى بالشكل التقليدي عنايته بالمعنى، ثم المرحلة الثالثة التي هي تأليف أنساق الكلام وتنسيقها في محاولة لتحقيق حدة معينة، أما المرحلة الرابعة فهي التنقيح الذي يكون للعقل وهندسة الوعي دور كبير في إخراج العمل الفني شعرياً إلى المتلقي بأسلوب جمالي.
فهو يرى أن المضمون في الشعر يعد إعداداً مسبقاً، أما الشكل فيوضع على نحو متناسب وبوعي تام بعملية الكتابة الشعرية، وربما ألغى الفروق بين الرسالة النثرية والشعر. كأنه يحتكم إلى مقومات المضمون لاهتمامه بالمنحى التربوي الأخلاقي الذي يؤديه الشعر.
وقد كان نظره في الشعر من خلال ثنائية: اللفظ/ المعنى، متأثراً بما انطلق منه ابن قتيبة، فالشعر عنده "ما أن عري من معنى بديع، لم يَعْرَ من حسن ديباجة، وما خالف هذا فليس بشعر"( )، فتصور أن معاناة الشعراء المحدثين كبيرة لا نهم "قد سبقوا إلى كل معنى بديع، ولفظ فصيح"( ). إذ يعد، صحة المعنى وعذوبة اللفظ مع صحة الوزن، عيار الشعر المحكم الذي إذا "نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه"( ).
ثم نظر إلى أسلوب التشبيه على أنه ركن من أركان الشعرية العربية، لا غنى عنه، ولا سيما أن العرب "صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو أوصافهم ما رأوه منها وفيها"( ). ويؤكد على تناسب مكونات التشبيه –كما قال بها السابقون- ولكنه يعتمد على نظر عقلي مباشر، فأحسن التشبيهات عنده، هو الذي "إذا عكس لم ينتقض، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به، صورة ومعنى"( ).
ويكرر ما أورده ابن قتيبة في ثنائية: اللفظ/ المعنى، ويذكر أحياناً أمثلة ابن قتيبة نفسها، فهو يقسم الشعر من خلال هذه الثنائية إلى ضروب:
الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى، كقول الشاعر:
إنَّ الذينَ غَدوا بلبكَ غادروا
وَشَلاً بعينكَ ما يزالُ مَعينا

غيّضنَ من عبراتهنَ وقلنَ لي:
ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا؟

إذ يعد هذين البيتين وما شاكلهما من الأبيات الحسنة الألفاظ... الواهية المعنى( )، وهو رأي ابن قتيبة نفسه( )، ثم يقول: "إن المستحسن من هذه الأبيات حقائق معانيها الواقعة لأصحابها الواصفين لها، دون صنعة الشعر وأحكامه"( ).
-الشعر الذي لا يتناسب لفظه مع معناه، كقول كثير عزة:
فَقَلتُ لها: يا عزَّ كلُّ مَصيبةٍ
إذا وَطنتْ يوماً لها النفسُ ذُلَتِ

مشيراً إلى رأي العلماء –كما يقول- في هذا، وهو أن كثيراً لو جعل هذا في وصف حرب لكان أشعر الناس( ).
- الشعر الذي تناسب اللفظ فيه مع المعنى( )، وهو فيه متفق مع ابن قتيبة فيما قاله في الشعر الذي حسن لفظه وجاد معناه( ).
- الشعر الصحيح المعنى الرث الصياغة الذي لم يتدبر الشاعر له ما يناسبه من الصياغة( )، وهو فيه متفق مع ابن قتيبة في ضرب الشعر الذي جاد معناه، وقصرت ألفاظه( ).
- الشعر الواهي الضعيف لفظاً ومعنى الذي قصر فيه أصحابه عن الغايات التي جروا إليها ولم يسدوا الخلل الحاصل فيها( )، وهو ما عده ابن قتيبة ضرباً من الشعر واهياً في معناه وفي لفظه( ).
ثم ينظر في القافية عادا إياها عنصراً رئيساً، وتأتي في الخطاب الشعري في واحد من حالين: إما أنها تأتي قلقة في مكانها، رديئة في نسج سياقها، لم تسلم من الحشو الزائد لإقامتها( ). وإما أنها تأتي في موضعها متمكنة منه على نحو فني جميل( ).
ويعد (حسن التخلص) مقوماً رئيساً في بناء القصيدة العربية، مقدماً المحدثين على الجاهليين، لأن حال الجاهليين في (التخلص) تكاد أن تكون واحدة( )، وحين ينظر للشعر إجمالاً من جهة ضروبه وصناعته لا يراه يخرج عن خمسة أشكال فهو إما أن "يقتص فيه أشياء هي قائمة في النفوس.." أو أن تودع حكمة تألفها النفوس.. أو تتضمن صفات صادقة وتشبيهات موافقة. وأمثالاً مطابقة تصاب حقائقها.. أو تتضمن أشياء توجبها أحوال الزمان على اختلافه، وحوادثه على تصرفها"( ).
ويأخذ المقوم الأخلاقي منه حيزاً كبيراً، كما هو واقع النقد الذي سبقه، مشيراً إلى أن العرب قد بنوا مدحهم وهجائهم على مثل أخلاقية معينة وخصال محمودة( )، ومن هذا المنحى يفرد باباً لنقد (الأبيات التي زادت قريحة قائليها على عقولهم) من قبيل قول كثير عزة( ):
فإنَّ أميرَ المؤمنينَ برفقهِ
غَزا كامناتِ الودِّ مني فنالَها

أو قول جرير( ):
هذا ابن عَمِّي في دِمشقَ خليفةٌ
لو شِئتُ ساقكمُ إليَّ قَطينا

إذ ينظر إلى مكانة الشاعر الاجتماعية فيعدها لا تؤهله لأن يقول مثل هذا مقرباً مرتبته من مرتبة الخليفة، أي أنه لا ينظر إلى فنية القول الشعري، بقدر ما ينظر للمحتوى المضموني الذي يقوله وصلة ذلك المحتوى بالشاعر اجتماعياً وليس شعرياً، ومثل هذا رأيه في مراعاة مكانة المخاطب الاجتماعية في مفتتح القصيدة، ولا سيما إذا كان ممدوحاً( ).
كذلك يرى في الصدق مقوماً من مقومات الشعرية العربية لأنه أساس في الاعتدال الذي هو مبعث التناسب الجمالي لأن "الفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق، والجائز المعروف المألوف، ويتشوق إليه"( )، ومفهوم الصدق يتصل بسلامة اللفظ والتركيب من الخطأ، أو بعدم بطلان المعنى، أو بصدق النفس الكاشفة عن المعنى، أي صدق التعبير عن التجربة، أو بالصدق في التعامل مع الواقع، سواء كان قديماً أم حديثاً، إذ يرى ضرورة نقل التاريخ من غير تحريف، أو بالصدق الأخلاقي أي عدم وصف الكريم بالبخل والشجاع بالجبن وهكذا، وفي كل هذا فإن الصدق سمة تؤدي إلى أن، "ينسق الكلام صدقاً لا كذب فيه، وحقيقة لا مجاز معها فلسفياً"( ).
وقد يبدو ابن طباطبا أول ناقد في القرن الرابع أشار إلى مقومات عمود الشعر ولم يذكر المصطلح مباشرة، وهي ما يمكن أن نلحظه مثلاً في قوله: "فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة لطيفة مقبولة، حسنة، مجتلبة لمحبة السامع له، والناظر بعقله إليه، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه، فيحسنه جسماً ويحققه روحاً، أي يتقنه لفظاً، ويبدعه معنى، ويجتنب إخراجه على ضد هذه الصفة، فيكسوه قبحاً ويبرزه مسخاً، بل يسوى أعضاءه وزناً، ويعدل أجزاءه تأليفاً، ويحسن صورته إصابة، ورونقه إختصاراً، ويكرم عنصره صدقاً، ويهذب القول رقة، ويحضه جزالة، ويدنيه سلاسة وينأى به إعجازاً، ويعلم أنه نتيجة عقله، وثمرة لبه، وصورة علمه، والحاكم عليه أوله"( ).
مضمون المقومات النقدية التي يتوفر عليها هذا النص قريب من المقومات التي نص عليها المرزوقي بوصفها عناصر عمود الشعر، وإن كان الأمر متصلاً بتأثير كتاب (عيار الشعر) في التأليف النقدي، إذ نلمس أثره في الصناعتين عند أبي هلال وفي الموشح عند المرزباني وفي الحماسة عند المرزوقي، فضلاً عن عناية الدارسين المحدثين به من هذا الجانب( )، أما تأثيره في مقدمة المرزوقي كما لخصها في عناصر عمود الشعر فيمكن إيجازها في الإشارات الآتية:
- أكد المرزوقي شرف المعنى وصحته مقوماً شعرياً، وجعل عياره: العقل الصحيح والفهم الثاقب( )، وهو ما سبق أن أشار إليه ابن طباطبا بقوله: وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو واف، وما مجه ونفاه فهو ناقص"( ) وكذلك أشار إليه بقوله: "فإذا اجتمع للفهم صحة المعنى، وعذوبة اللفظ... تمَّ قبوله له، وإن نقص جزء من أجزائه... كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه( ).
- قال المرزوقي بـ: جزالة اللفظ واستقامته، وجعل عياره: الطبع والرواية والاستعمال( )، وقد قال صاحب عيار الشعر بضرورة التوسع في علم اللغة والإعراب والرواية والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر، وسلوك سبلها، وجزالة ألفاظها وعذوبة معانيها، حتى يكون الشاعر مبدعاً تسابق معانيه ألفاظه فيلتذ الفهم بحسن معانيه، كالتذاذ السمع بمونق لفظة، وتكون قوافيه كالقوالب لمعانيه"( ) وجعل جماع الأدوات الشعرية في اللفظ والمعنى "كمال العقل"( ).
- ذكر المرزوقي الإصابة في الوصف، مقوماً شعرياً عياره: الذكاء وحسن التمييز( )، وهو ما أشار إليه ابن طباطبا بقوله بضرورة أن يعنى الشاعر "بتحسين صورته إصابة"( ) وهذا ما قاله ابن قتيبة حين عد الإصابة في التشبيه معياراً شعرياً( ).
- أورد المرزوقي المقاربة في التشبيه، مقوماً شعرياً عياره: الفطنة وحسن التقدير( )، ذاكراً "أن أصدق التشبيه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما"( ) أما ابن طباطبا فقد ذكر أن العرب قد "شبهت الشيء بمثله تشبيهاً صادقاً على ما ذهبت إليه في معانيها.. فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض، بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى..."( ).
- قال المرزوقي بالتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّرٍ من لذيذ الوزن، وجعل عياره: الطبع واللسان( ). وهذا الأمر أشار إليه ابن طباطبا من أنه "ينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها... فلا يباعد كلمة عن أختها... ويتفقد كل مصراع هل يشاكل ما قبله؟"( )، وقد أشار إلى أن يسوّي الشاعر كلامه الشعري وزناً على نحو متناسب( ).
-
- أما مناسبة المستعار منه للمستعار لـه عند المرزوقي فعيارها الذهن والفطنة وملاك الأمر تقريب الشبه في الأصل( ). أي وضوح المعنى في الخطاب الشعري بعيداً عن الغموض أو المعاني التي توجب أعمال الفكر طويلاً، وقد أشار ابن طباطبا لهذا الاتجاه في سياق الحديث عن الوضوح، إذ قال: "يجب أن ينسق الكلام، صدقاً لا كذب فيه، وحقيقة لا مجاز معها فلسفياً"( ).
- ذكر المرزوقي، مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، مقوماً شعرياً، عياره: طول الدربة ودوام المدارسة( ). وهذا المفهوم أشار إليه ابن طباطبا في خلال قوله بأنه ينبغي أن يكون "للمعاني ألفاظ تشاكلها، فتحسن فيها وتقبح في غيرها"( )، ويمكن عد رأيه في الأبيات التي جاء اللفظ فيها متناسباً مع المعنى ضمن مشاكلة اللفظ للمعنى( ).
-قدامة بن جعفر:
يعد قدامة بن جعفر (ت 337هـ) أول ناقد أكد أهمية استقلال الشخصية النقدية إذ سبق أن أكد ابن قتيبة على دور الناقد، ولكن قدامة عَدَّ النقد عِلْماً، حدُّهُ: تخليص جيد الشعر من رديئه، وهو ينظر إلى علوم مثل: اللغة والنحو والعروض، غير داخلة في النقد إلاّ على نحو مساعد، لأن الذين برعوا فيها قصروا في النقد بوصفه علماً لم يزل الناس فيه يتخبطون منذ تفقهوا، وقليلاً ما يصيبون( ).
أما مقوماته في قراءة الشعر ونقده، فيقدم لها بتعريف الشعر على أنه: "قول موزون مقفى يدل على معنى"( ). وهو هنا يحد الشعر بأربعة عناصر هي: اللفظ والوزن والقافية والمعنى. حيث يقول: "إنه لما كانت الأسباب المفردات التي يحيط بها حد الشعر على ما قدمنا القول فيه، أربعة وهي: اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، وجب بحسب هذا العدد أن يكون لها ستة أضرب من التأليف، إلا أني وجدت اللفظ والمعنى والوزن تأتلف فيحدث من ائتلاف بعضها إلى بعض معان يتكلم فيها، ولم أجد للقافية مع واحد من سائر الأسباب الأخر ائتلافاً"( ).
وأول عناصر حد الشعر اللفظ الذي نعته بأنه يكون "سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة"، أما العنصر الثاني فهو الوزن الذي نعته بضرورة "أن يكون سهل العروض، من أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من أكثر نعوت الشعر"( )، مشيراً إلى الموسيقى الداخلية في الوزن من خلال بعض مظاهرها مثل: الترصيع، أي جعل مقاطع الأجزاء في البيت الواحد على سجع أو شبيه به، كما في قول امرئ القيس( ):
مخِشٍّ مِجِشٍّ مُقبلٌ مُدبرٌ معاً
كتيسِ ظباءِ الحُلَّبِ الغَذَوانِ

أما العنصر الثاني فهو القافية الذي نعته بضرورة "أن تكون عذبة الحرف سلسلة المخرج، وأن يقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها، فإن الفحول المجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك، ولا يكادون يعدلون عنه وربما صرعوا أبياتاً أخر من القصيدة بعد البيت الأول"( ).
ثم يأخذ بالحديث في نعوت المعاني الدال عليها الشعر، أي الأغراض، فيتكلم في (المديح) مشيراً إلى، أقسامه ومراتب الممدوحين من الملك حتى السوقة( ) ثم يتكلم في نعت فن الهجاء على أسلوب كلامه في المديح ثم يتبعه بالكلام في المراثي( )، مشيراً إلى عدم وجود كبير فرق بين المدحة والمرثية إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك عادا المديح صورة مضادة للهجاء( ).
واللافت للنظر عده التشبيه غرضاً( )، على أن السابقين عدوه جزءاً من البديع، و لكنه لم يخرج عما تواضع عليه السابقون بشأن تناسب أركان جملة التشبيه، فأحسنه ما وقع "بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها، وأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدني بهما إلى حال الاتحاد"( ).
أما الوصف الذي يعده غرضاً شعرياً فينعته بأن أحسن الشعراء وصفاً من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم باظهرها فيه، وأولاها حتى يحكيه بشعره، ويمثله للحسن بنعته"( ) مشيراً إلى أن المبدع من الشعراء في الوصف "هو الذي يصف من أحوال ما يجده، ما يعلم به كل ذي وجد حاضراً أو دائر، إنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر"( ).
وحين يعرض لأهم مقومات الشكل الشعري، أو ما يتصف به بناء القول من صفات، يذكر مقومات الشكل الشعري( )، صحة التقسيم، وصحة المقابلات، والتتميم، والمبالغة، والتكافؤ الذي هو الطباق عند من سبقوه، والالتفات الذي عده ابن المعتز قبله من محاسن الكلام، ولعل مما يجمع بين هذه المقومات اتصالها بالمنحى الحسي في البنية الشعرية واحتكامها إلى النظر العقلي وإمكانية النظر إليها في الخطاب الشعري والنثري على حد سواء دون أن تكون مختصة ببنية النص الشعري، ويمكن النظر إليها في الشعر بوصفها جزءاً من مكونات المقوم الصوتي.
وحين يصل إلى الاحتكام في نقده الشعر إلى الثنائيات، وما يصدر عنها من مقومات معينة، يبدأ بنعت ائتلاف اللفظ مع المعنى، هذا الائتلاف الذي يجب أن يتوفر على المساواة فلا زيادة ولا نقصان( )، والارداف بأن يأتي الشاعر بلفظ لا يدل على المعنى المراد، إنما يدل على معنى هو ردف وتابع لذلك المعنى، وهو هنا يشير إلى الكناية( ).
والتمثيل الذي هو "أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر وذلك المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه"( )وحين يذكر الطباق والجناس يوردهما على ما تواضع عليه من كان قبله، مشترطاً في ائتلاف اللفظ مع المعنى وجود، المساواة والارداف والتمثيل والطباق والتجنيس.
والثنائية الأخرى هي نعت ائتلاف اللفظ مع الوزن في خلال استقامة الأسماء والأفعال من دون اضطرار بسبب من وزن بالزيادة أو النقصان( )، والثنائية الثالثة هي نعت ائتلاف المعنى مع الوزن "بأن تكون المعاني تامة مستوفاة لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب ولا إلى الزيادة فيها عليه"( ) ثم يأتي إلى نعت ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت من خلال جملة مظاهر هي: التوشيح "بأن يكون أول البيت شاهداً بقافيته، ومعناها متعلقاً به"( ) والإيغال "بأن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر"( ).
وحين يذكر عيوب الشعر، يعد (المعاظلة) على أنها (فاحش الاستعارة) ذاكراً قول الشاعر:
وما رقدَ الولدانُ حتّى رأيتُهُ
على البكر يُسريهِ بِساقٍ وحافِرِ

فسمى (رجل) الإنسان حافراً، وما يجري هذا المجرى يعده قدامه من قبيح الاستعارة الذي لا عذر فيه( ) ناظراً إليها بوصفها أبرز عيوب اللفظ.
أما عيوب الوزن الصادرة عن مخالفة القياس العروضي فهي، التخليع والزحاف وسواهما( ) وهي داخلة في باب الخروج على علم العروض، أما عيوب القوافي فهي: التجميع والإقواء والإيطاء والسناد( )، و يذكر أن عيوب ائتلاف اللفظ مع المعنى صادرة عن الإخلال أي أن يترك من اللفظ ما يتم به المعنى ثم لا يزيد عليه أمراً آخر( ).
وقد يلفت نظر الدارس أن المصطلح النقدي عند قدامة يتسم بالصفة البلاغية، وهو في هذا يكمل مسيرة المصطلح البلاغي التي أسس لها الجاحظ ثم ابن المعتز ثم قدامة نفسه، ويبدو أن حرصه على أن يعلم المتلقي أصول علم النقد هو ما قاده إلى هذا المنحى، البلاغي ذي العناصر التعليمية.
وقد ينظر بعض الباحثين إلى قدامة بن جعفر على أنه مؤسس للنظرية الشعرية العربية( )، ولعل كتابه (نقد الشعر) تعريف للشعر موزع على أربعة أركان هي: اللفظ والمعنى والوزن والقافية، التي تشكل الأركان الرئيسة المتواضع عليها من النقاد السابقين بدءاً من الجاحظ.
والواقع أن قراءة نقد الشعر تكشف عن أن قضية تأثره بالمنطق الأرسطي أو بالفكر اليوناني على نحو خاص( )، ليست دقيقة إلا إذا قصدنا التقسيمات الشكلية لكتابه، وما اشتمل عليه من تفريعات، ولهذا نلمس بوضوح استقلال الآراء النقدية لقدامة( )، كونه قد استقاها من مقومات الشعرية العربية الرئيسة أي أنه صدر فيها عن خصوصية الشعر العربي.
أما أثره في مقومات عمود الشعر عند المرزوقي فيمكن ملاحظتها في ضوء الإشارات الآتية:
- أول مقومات حد الشعر عند قدامة اللفظ الذي رأى ضرورة توفره على الفصاحة والجزالة ليكون سهل مخارج الحروف من مواضعها بعيداً عن البشاعة، وثاني مقومات حد الشعر عند المرزوقي (جزالة اللفظ واستقامته) أي اتصافه بالجودة لا الضعف والقوة لا اللين واستقامته وفاؤه بالمراد الذي استعمل فيه من دون خطأ ولا غموض.
- ثاني مقومات حد الشعر عند قدامة الوزن والقافية، وقد نعت الوزن بضرورة أن يكون سهل العروض، مشيراً إلى المظاهر الإيقاعية الأخرى التي تكسب الوزن جمالاً وتسهم في البنية الإيقاعية للنص الشعري كالترصيع والسجع وسائر المحسنات الصوتية، كما عد القافية مقوماً رئيساً مشترطاً فيها، عذوبة الحرف وسلاسة المخرج، وقد عد المرزوقي الوزن والقافية مقومين رئيسين إذ قال بـ "التحام أجزاء النظام والتئامها على تخير من لذيذ الوزن"( )، لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه( )" أما القافية فقد اشترط فيها شدة اقتضاء اللفظ والمعنى لها، إذ قال بـ "مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية"( ).
- اتفق قدامة والمرزوقي على عد التشبيه مقوماً رئيساً، وعلى أن أحسنه ما وقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وأحسن التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، وقد رأى المرزوقي ضرورة تناسب مكونات جملة التشبيه شرطاً في شعرية التشبيه.
- اتفق قدامة والمرزوقي على عد الوصف مقوماً رئيساً، وقد قال المرزوقي بضرورة (الإصابة في الوصف) وكان المراد بالوصف عندهما معناه المصدري أي التصوير والإيضاح "فإصابة الوصف هي أن يصور المتكلم ما أراد التعبير عنه من المعنى، تصويراً مطابقاً لما عليه الشيء الموصوف في الخارج والواقع من غير انعكاس ولا انتقاص"( ).
وقد بدا واضحاً أن المرزوقي أفاد كثيراً من المعايير النقدية التي احتكم إليها قدامة بن جعفر في (نقد الشعر) وهو ما يشير إلى صدور المرزوقي في (عمود الشعر) عن المرجعية النقدية السابقة له.


رد مع اقتباس