عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 4 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق




(المبحث الثاني)
في التطبيق النقدي

-الآمدي:
يمثل كتاب الموازنة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت 370هـ) مرحلة جديدة في التطبيق النقدي، بعد مرحلتي، التدوين والتنظير، وقد كان طبيعياً أن يتدرج النقد العربي على هذا النحو، ومع أن المرحلة لم تتسم بالنظر الكلي في بنيات النص الشعري إلا أنها شكلت تطوراً نقدياً مثّلَ مرحلة النقد التطبيقي، وإن لم تتخلص من الاهتمام بالجزئيات إذ اعتنى الآمدي في تطبيقه بمفردات صغيرة تتصل ببعض المسائل النحوية أو اللغوية، أو النظر في صحة معنى ما، بالقياس إلى الواقع تارة أو بالخضوع لسمات شكلية اتصف بها الشعر الجاهلي تارة أخرى. كما اتسمت لغته النقدية بالانطباعية، من قبيل قوله: "فإن كنت –أدام الله سلامتك- ممن يفضل سهل الكلام وقريبه ويؤثر صحة السبك، وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق، فالبحتري أشعر عندك ضرورة، وإن كنت تميل إلى الصنعة والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على ما سوى ذلك، فأبو تمام عندك أشعر لا محالة"( )، حتى أنه لم يحاول أن يبين للمتلقي بالتحليل أو التفسير ما في لغة البحتري من صحة في السبك أو حلاوة الرونق أو كثرة في الماء على حد لغته.
وقد بدا قاصداً إظهار عدم خروج البحتري على تقاليد الشعر العربي القديم (عمود الشعر) وهو هنا أول من أسس بالنظرية والتطبيق لمصطلح (العمود) وقد أشار كثيراً إلى خروج أبي تمام على تلك التقاليد (العمود) في خلال ثلاث سمات ميزت أسلوب أبي تمام الشعري هي( ):
- إسرافه في استخدام البديع حد التصنع غير الفني.
- توخيه أساليب المجاز ولا سيما الاستعارة قصداً، حد مخالفة العرف التقليدي.
- اتصاف بعض معانيه بالغموض حد الاستعصاء على الفهم.
بدءاً لم يحاول الآمدي أنْ يقدم قراءة في العناصر أو المقومات التي تتألف في تكوين الشعر الجديد مشكلة صورته العامة، في محاولة لطرح تصور كلي لمفهوم الجديد بعامة ثم جديد أبي تمام بخاصة، إنما سار في قراءة أبي تمام عبر الوقوف عند الأبيات المفردة، أو بعض النظرات الجزئية متحدثاً في طبيعة المجاز الذي تكشف عنه لغة أبي تمام مستشهداً بأبيات مخصوصة من مثل قوله( ):
يا دهرُ قوِّمْ مِنْ أَخْدَعَيْكَ فقَدْ
أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خَرْقِكْ

وقوله( ):
فَضَربتُ الشتاءَ في أخدعيهِ
ضَربةً غادرتهُ عوداً ركُوبا

وقوله( ):
تَرُوحُ علينا كلّ يومٍ وتَغْتَدي
خُطوبٌ كأنّ الدهرَ مُنهنَ يُصْرَعُ

وقوله( ):
تَحَمَّلْتُ ما لو حمّلَ الدهرُ شَطْرهُ
لفكَّر دهراًً أيّ عبأيهِ أثقلُ

وقوله:
جَذَبتُ نداهُ غَدوةَ السبتُ جَذبةً
فَخَرَّ صَريعاً بينَ أيدي القصائدِ

وقوله:
لدى ملكٍ من أيكةِ الجودِ لم يَزل
على كبدِ المعروفِ من فعلهِ بَردُ

وقوله:
كأنني حين جَرّدتُ الرجاءَ لـهُ
غضاً، صببتُ بهِ ماءً على الزمنِ

إذ يعد الآمدي هذه الأبيات، وما شاكلها في البنية المجازية، من قبيح استعارات أبي تمام( )، إذ يبحث في هذا الأسلوب الاستعاري عن صحة الاستعارة ومدى صلتها بالواقع، من خلال الاحتكام إلى المنطق، مستنداً إلى العرف الذي تواضع عليه الرأي النقدي المتوارث في الغالب أي تقاليد القصيدة العربية التي أوجزها في مصطلح (عمود الشعر) ناظراً في لغة أبي تمام في حدود موافقتها لذاك العمود أو مخالفتها إياه من دون أن يخص سائر المقومات الفنية الأخرى التي يتوفر عليها البيت الشعري، من قبيل: التكرار، أو الجناس، أو المماثلة أو الطباق، أو سوى هذه مما يسهم في بناء الشكل الفني أو يشكل أركان الصورة الشعرية.
وحين يناقش الغموض يعمد إلى أبيات مفردة، أشار بعض الدارسين إلى غموض معانيها بسبب من حاجة المتلقي إلى توجيه لغوي أو نحوي، من مثل قوله( ):
أهنَّ عوادي يوسفٍ وصواحِبُهْ
فعزماً فقدماً أدركَ النجحُ طالِبُهْ

فيما يقتضي بعضها دراسة تامة بمناسبة القول أي الواقعة التي كانت سبباً أو باعثاً كما في قوله( ):
تِسعونَ ألفاً كآسادِ الشّرى نضَجَتْ
جلودُهُمْ قبلَ نُضْجِ التينِ والعنبِ

وأحياناً يتطلب الأمر عند نقد لغة أبي تمام، ثقافة رفيعة باتجاه معين أو مذهب كلامي كما في قوله:( )
جَهميةُ الأوصافِ إلاّ أنهمْ
قد لَقَّبوها جوهرَ الأشياءِ

وعند مناقشته لظاهرة البديع في لغة أبي تمام، ولا سيما التجنيس، يكثر من الاستشهاد بأبيات تتسم بالعبث اللفظي من دون أن يدرس الجناس بوصفه مكوناً من مكونات الشعرية ومدى انسجامه الدلالي أو الجمالي مع سائر المكونات الأخرى.
في أول موازنته يعطي (السرقة في المعاني) عناية خاصة لأنها أخذت اهتمام النقاد في عصره( )، وعلى نهجه ظل في مجال المناقشة الجزئية للبيت الواحد، وقليلاً ما يحاول إعطاء تصور نظري لمفهوم الاستعارة، أو لعلاقة المبالغة بـ (الخيال الشعري) أو ثنائية (الصدق والكذب) إنما يعتمد على قراءة في بعض الجزئيات، كما في مناقشته أخلاقياً لخطأ يراه في قول أبي تمام( ):
الودُّ للقربى، ولكن عُرفهُ
للأبعد الأوطانِ دون الأقربِ

إذ يعلق على هذا البيت بقوله: "إنه نقص الممدوح مرتبة من الفضل، وجعل وده لذي قرابته ومنهم عرفه، وجعلهم في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له في هذا عذراً يتوجه"( ).
ولم يعمد –في القسم الثالث- إلى الموازنة بين قصيدتين من شعرهما متفقتين، وزناً وقافية( )، وهو ما أفقده المنهج النقدي السليم في المقارنة بين قصائد معينة، ولكنه اكتفى بالمقارنة بين معنى ومعنى في أبيات معينة( ).
ومناقشته بين معاني أبي تمام والبحتري جاءت مرتبة على وفق بناء القصيدة الطويلة عند العرب، وما يشتمل عليه من وقوف على الطلل والديار والغزل والنسيب والوصف والمدح.
فابتدأ بالحديث عن الوقوف على الطلل مشيراً إلى "الابتداءات بذكر الوقوف على الديار التسليم على الديار... ما ابتدأ به من ذكر تعفيه الرياح للديار أو الدهور والأزمان للديار... في إقواء الديار... في البكاء عليها... سؤال الديار واستعجامها على الجواب... ما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وما يقارب معناه... ما تهيجه الديار وتبعثه من جوى الواقفين بها... الدعاء للدار بالسقيار... لوم الأصحاب في الوقوف على الديار... ما جاء عنهما في وسط الكلام من ذكر الديار والآثار... ما قالا في أوصاف الديار والبكاء عليها.."( ).
ويستمر على هذا المنهج في سائر الكتاب، على أن هذه المعاني التي تشير إلى مضامينها لا تكون في قصيدة أو مقطوعة، إنما هي أبيات مفردة أو نتفة أو مقطعة في أحسن الحالات، أي أنها منتزعة من سياقها العام، وهو أمر يتعذر معه الوصول إلى حكم نقدي سليم أو دقيق لأنه يعتمد على أحكام انطباعية تخلو من التحليل النقدي الدقيق، أو التعليل الفني المستند إلى معايير نقدية ملحوظة، إلا أننا نقرأ لـه مثلاً: "معنى ما لحسنه نهاية ولفظ غاية في البراعة والحلاوة( )... هذا ابتداء حسن جيد( )... وهذا ابتداء ليس من جيد الابتداءات ولا من رديئها( )... وهذا غاية في حسنه وصحة معناه( )..." وهذه كلها إنما تكشف عن انطباعات شخصية، قد يرضاها المتلقي وقد يرفضها.
يصعب مطالبة الآمدي بقراءة القصيدة العربية وتحليلها بوصفها نصاً شعرياً كاملاً لأن سمة النقد في عصره لم تكن قد وصلت إلى هذا الأسلوب في النقد، إنما كان يجنح نحو انتزاع الأبيات من سياقها العام لإعطاء انطباع معين أو حكم ما. وهو أمر جاء للنقد من أهل اللغة والنحو كونهم يعنون بهذا المنهج القائم على النظر في البيت مقطوعاً من سياقه النصي، والدرس النقدي يعني بالنظرة الشمولية المتكاملة.
ولما كان أكثر من عرفوا بالنقد، لغويين أو نحويين أو متأثرين بهما، فضلاً عن أن النقد ليس تخصصاً عندهما فقد مال النقد إلى النظرات الجزئية القائمة على الظواهر أو الأبيات أو المفردات أو الثنائيات مثل: اللفظ والمعنى وغيره.
ولما كان جهد الآمدي في الموازنة يمثل أساساً من أسس النقد التطبيقي المعتمد على مقومات عمود الشعر، فسأشير إلى أركانه النقدية الرئيسة التي بنى عليها موازنته، مؤسساً لعناصر عمود الشعر:

1-مفهوم السرقة أحد الأركان التي قامت عليها الموازنة، إذ قسم الآمدي المعاني التي تقع فيها السرقة إلى قسمين، ما تجوز فيها السرقة، وما لا تجوز فيها، كونها من المعاني المشتركة، وقد أخذ على أبي تمام (120) بيتاً رآه فيها سارقاً، ودافع عنه في (31) بيتاً لم يره فيها سارقاً لأنه قال في معان تواضع العرف عليها فهي من المشترك الشائع، على أن السرقة عيب لم يخل منه شعر شاعر( ).
شاع البحث عن السرقة في كتب النقد مع ابن قتيبة في الشعر والشعراء( )، ثم قعد لـه قدامة بن جعفر في نقد الشعر( )، وحين جاء الآمدي عد السرقة معياراً نقدياً في الموازنة، حين اتصل هذا الأمر بعدِّ القديم منطلقاً ينبغي على الجديد أن يبدأ منه، حتى إذا صار الشعراء صادرين عن ذاك القديم، اتضح مدى التزامهم بقواعدية اللغة العربية ودرجة انضباطها في بنائهم الشعري فكان البحث في المعنى (السرقة) أشهر ما أثير في هذا الاتجاه، حتى إذا تبين مع عبد القاهر الجرجاني، إن اللفظ والمعنى يشكلان وحدة الدلالة في العمل الأدبي خفت حدة النظر إلى الشعر في ضوء هذا الثنائية (اللفظ/ المعنى). أي أن الأمر اتصل باللفظ في المرحلة التي اشتد فيها الصراع بين القديم والجديد حين عدوا التقدم في الزمان معيار مفاضلة، وهو متصل بصفاء اللغة، بوصفها فطرة، وحين اعترف للجديد المحدث بلغته صار النظر إلى المعنى من خلال درجة تناصه مع القديم في الشكل أو المضمون هاجساً شغل النقد لمرحلة ليست بالقليلة، وحين تعمق مفهوم المعنى ومفهوم اللفظ في إنتاج الدلالة بدأ الفهم البياني للصورة الشعرية، يأخذ مجراه النقدي مع عبد القاهر الجرجاني.
2-ثنائية: اللفظ/ المعنى.
يعتمد في نقد اللفظ في البناء الشعري على ما تواضع عليه أهل اللغة والنحو. أي على القواعد القياسية للغة، أما في نقد المعنى فغالباً ما يحتكم إلى مواصفات العرف، لذا نلحظ أسلوبه في قوله: "استقصيت القول في هذا الباب وغيره وما ذكره النحويون وسيبويه
فمن خطأ أبي تمام فيه قوله:
دَارٌ أجلُ الهوى من أن أُلِمَّ بها
في الركبِ إلاّ وَعيني من مَنائحها

وهذا لفظ محال عن وجهه لأن "الا" ها هنا تحقيق وإيجاب، فكيف يجوز أن يكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام "دار أجل الهوى عن أن ألم بها"( ) وعلى هذا النحو يرى أن من خطأ أبي تمام قوله:
لقد طَلعتْ في وجهِ مصرَ بوجههِ
بلا طائرٍ سعدٍ ولا طائرٍ كهلِ

فيعد هذا من حوشي كلامه ومستكره ألفاظه، وقوله "طائر كهل" لم تسمع إلا عند أحد شعراء هذيل، وهو ما لا يحق لأبي تمام القياس عليه أو إتباعه، بوصفه غير شائع( ).
وهو في نهجه هذا لا ينظر في سياق القول أو موقع اللفظ أي دور التركيب في توجيه الدلالة لقصد الشاعر، إنما يحتكم على قاعدة مسبقة غالباً تتسم بالمنطق الحدى الذي يشذ الشعر عنه، ناظراً في أبيات مفردة، مسرفاً في نظره لجزئيات معينة، إذ يناقش في ثماني صفحات، ما يعده خطأ لغوياً لأبي تمام في استخدامه لفظ (الأيم) بمعنى (الثيب) مع أن أهل اللغة يرون أنها: من لا زوج لها، سواء أكانت بكراً أم ثيباً( ).
ومن هذا تخطئة أبي تمام في أبيات يعده فيها خارجاً على ما قالته العرب، من مثل قوله:
ظعنوا فكان بكائي حولاً بعدهم
ثم أرعويتُ وذاكَ حكمُ لبيدِ

أجدر بجمرةِ لوعةٍ إطفاؤها
بالدمعِ أن تَزدادَ طول وقودِ

فيقول: "هذا خلافَ ما عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها... فلو كان اقتصر على المعنى الذي جرت العادة به في وصف الدمع، لكان المذهب المستقيم، ولكنه استعمل الإغراب فخرج إلى ما لايعرف في كلام العرب، ولا مذاهب سائر الأمم"( ).
وفي هذا الاتجاه ما جاء في قول أبي تمام:
زارني شخصهُ بطلعةِ ضَيمٍ
عمرتْ مجْلسي من العوادِ

من أن قوله "عمرت مجلسي من العواد" معنى لا حقيقة له، لانا ما رأينا و لا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحداً أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب"( ) على أن المرتضى في (أماليه) خالف الآمدي في هذا الرأي( ).
وقد يشفع في هذه المؤاخذات ورودها عند شعراء سابقين، ولكن الآمدي لا يرضى بورودها عند واحد أو اثنين، إنما يريد الشيوع، وقد ذكر المعري، عدم التسرع في تخطئة أبي تمام في مثل هذا، لما يعرف عنه من غزارة إطلاع على التراث الشعري الذي سبقه، فهو متبحر في رواية الشعر مشتهر بحفظه، ولهذا فربما كان الذي ظنه الآمدي خطأ من باب ما سمعه أبو تمام أو كان من محفوظاته.
3-الموازنة:
تأتي الموازنة ركناً رئيساً بنى عليها كتابه، عنواناً ومضموناً، فيأخذ بالموازنة بين المعنيين المتشابهين في موضعين معينين، محاولاً أن يميز الجيد من الرديء، بالتعليل القائم على إيراد العلة أحياناً، أو إطلاق الحكم من دون تعليل، إذ يصدر حكماً بتفوق أحدهما على صاحبه في معنى بعينه من دون أن يصرح بـ "أيهما أشعر على الإطلاق"، إلا أن الموازنة في النظرية تفترق عنها في التطبيق مع تقدمه في الموازنة بين الشاعرين( )، فقد صرح في أول الموازنة، إنه يوازن نقدياً بين قصيدة وأخرى من شعرهما متفقتين في: الوزن والقافية وإعراب القافية والمعنى. ليحكم أثر ذلك، في تلك القصيدة وذلك المعنى من أراد، على ما لكل منهما من جيد، بعد إحاطة من أراد الحكم بمعرفة الجيد من الرديء( ) حتى إذا أراد أن يطبق تنظيره بمعرفة ما سبق جنح إلى التعديل فقال: "انتهيت الآن إلى الموازنة، وكان الأحسن أنْ أُوازن بين البيتين أو القطعتين إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، ولكن هذا لا يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد وهي المرمى والغرض"( ).
وهذا يدلل على التصور النقدي المسبق الذي بنى عليه آراءه في الموازنة، ولكن كم هناك من فرق بين النظرية والتطبيق؟ ثم ما كان من تغيير النظرية في ضوء التطبيق.
وقد قال الدكتور داود سلوم، أن التصور المنهجي الأول الذي بنيت عليه الموازنة والمنهج الذي خضع للتعديل لئلا يتناقض التنظير مع التطبيق، يدلل على أن الآمدي كان متأثراً بحكم عربي قديم كان مطروحاً في كتب النقد القديم ولم يشأ الآمدي أن يذكره، ودليله "أنه لو كانت فكرة الموازنة التي ملأت نفسه حماسة وليدة ذهنه لرأينا إقدامه عليها أكثر وضوحاً من البداية"( ).
وهو يشير في هذا إلى قول الإمام علي بن أبي طالب (رض) جواباً عن سؤال وجه إليه بخصوص أي الشعراء أكثر إحساناً فقال: "كل شعرائكم محسن، ولو جمعهم زمان واحد، وغاية واحدة، ومذهب واحد في القول، لعلمنا أيهم أسبق إلى لك، وكلهم قد أصاب الذي أراد وأحسن فيه، وإن يكن أحد فضلهم، فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة امرؤ القيس بن حجر، فإنه كان أصحهم بادرة وأجودهم نادرة"( ).
ويرى داود سلوم أن الآمدي أخذ بهذا القول أخذاً إذ أوحت له فكرة بناء الموازنة بين شاعرين جمعهم: زمان واحد وغاية واحدة وهو بناء القصيدة العربية لغرض المدح أو الرثاء مع إخضاعها لعمود الشعر العربي جهد الإمكان، وإن اشتراك الشاعرين في الزمن والموضوع جعل إمكانية النظر في أيهم أجود ممكنة التحقيق في المنطق النظري"( ).
هذا رأي ممكن نظرياً على ما مر من الأسباب، إلا أنه لا يكفي دليلاً قاطعاً على أن الآمدي استقى منها فكرة الموازنة وبنى عليها كتابه، لأن عصر الآمدي كان مؤهلاً للنقد التطبيقي بعد مرحلتي التدوين (التسجيل) والتنظير، ثم أن الرأي النقدي صار يوازن بين المحدثين أنفسهم والنظر في أيهم أكثر التزاماً بتقاليد القدماء في قول الشعر فكان طبيعياً ظهور (الموازنة) ثم (الوساطة) أيضاً.
وقد بدا الآمدي في مصطلح (عمود الشعر) منتصراً للبحتري لأنه أكثر التزاماً بتقليد أساليب القدماء في قول الشعر تلك الأساليب التي يشير إليها هذا المصطلح، فكان أول من أسس له، بعدما كان الجاحظ قد ألمح إليه( )، وما كان ابن طباطبا قد قال بمضمونه، ولكن الآمدي قال بالمصطلح مشيراً إلى مقوماته في خلال التطبيق الذي استعرضه:
-صحة المعنى: أخذ الكلام في (صحة المعنى) حيزاً كبيراً من حديث الآمدي، إذ عده أول مقوم في صناعة الشعر بقوله: "فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى"( )، وانطلاقاً من هذا أفرد مساحة للقول في أخطاء الشاعرين في الموازنة، وفي هذا السياق أخذ على أبي تمام قوله( ):
لو كانَ في عاجلٍ من آجلٍ بدل
لكان في وعدهِ من رفدهِ بدلُ

فيقول: ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل وإيثاره وتقديمه على الآجل( ) أي أنه يحتكم إلى المنطق العقلي، وما جرت عليه عادة الناس في قبولها للعاجل على الآجل ليجعل منه دليل حكم نقدي على الشاعر!!
من هذا ما أخذه على أبي تمام في قوله( ):
سأحمدُ نصراً ما حيَيتُ وإنني
لأعلمُ أنْ قد جَلَّ نصرٌ عن الحمدِ

لأنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه، بأن يذكروه به، وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أول سورة بذكره، وحث عليه( )... أي أنه خالف العرب في طريقتها المألوفة في مثل هذا، لأن الآمدي نظر للمعنى بمنظار ديني، ومن هذا نظره إلى دلالة اللفظ في العرف المتداول نظراً عقلياً مباشراً، فكان أن أخذ على أبي تمام قوله( ):
قد كنتَ مَعْهُوداً بأحسنِ ساكنٍ
ثاوٍ واحسنِ دَمنةٍ وَرُسومِ

لأن الربع لا يكون رسماً إلا إذا فارقه ساكنوه، ومن هذا ما أخذه على البحتري في قوله( ):
ذَنبٌ كما سحبَ الرداء يذبُّ عن
عرفٍ وعرفٍ كالقناعِ المسبلِ

لأن ذنب الفرس –إذا مس الأرض كان عيباً- فكيف إذا سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يمسسها( )، أي أنه يطلب إلى البحتري أن يطابق الأنموذج الواقعي مطابقة عقلية.
فالآمدي يؤسس لصحة المعنى مفهوماً نقدياً منطلقاً فيه من الصحة المنطقية الدالة على انطباق القول على (الواقع المشاهد) بعيداً عن الخلط أو الفساد أو الإحالة، محتكماً إلى: ما كثر عند الشعراء السابقين وما تواضع عليه العرف وما أيده العقل والمنطق، ومن هنا كان الإخلال بهذا السياق يسقط المعنى في الضعف، أي أن الآمدي لا يميز المعنى في النثر من المعنى الشعري، ولهذا قال إحسان عباس "إن نقده يحمل سمات (أهل الظاهر) فهو لا يستطيع أن يقبل ذوقياً إلا المعنى القريب الذي يسلم للقارئ نفسه، في صياغة جميلة إسلاماً مباشراً دون إعمال خيال أو إجهاد فكر"( ).
-استقامة اللفظ: تتصل استقامة اللفظ بانطباقه وانسجامه اللازمين مع القواعد التي يقاس عليها في، اللغة والنحو والإعراب والصرف فضلاً عن وضوح معناه عند الاستعمال بشكل دلالي دقيق.
وفي ضوء فهمه لاستقامة اللفظ يذكر ما يأخذه على أبي تمام من قبيل قوله( ):
يدي لمن شاءَ رهنٌ لم يذقْ جرعاً
من راحتيكَ درى ما الصاب والعسلُ؟

إذ يقول: "لفظ هذا البيت مبني على فساد، لكثرة ما فيه من الحذف، لأنه أراد بقول: "يدي لمن شاء رهن" أي أصافحه وأبايعه معاقدة أو مراهنة، إن كان لم يذق جرعاً من راحتيك، درى ما الصاب والعسل؟ ومثل هذا لا يسوغ، لأنه حذف (أن) التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها، لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف (من) وهي الاسم الذي صلته (لم يذق) فاختل البيت وأشكل معناه"( ).
أي أنه احتكم على قاعدة نحوية في عدم جواز حذف (إن) الشرطية إن كان حذفها يسقط معنى الشرط، ويبعد الدليل عليه، عادا انسجام اللفظ مع العرف النحوي القياسي أساساً في استقامته. ومن هذا الباب أخذ على أبي تمام قوله( ):
رضيتُ وهل أرضى إذا كانَ مُسْخِطي
من ا لأمرِ ما فيهِ رضى من لهُ الأمرُ

إذ يقول: "وهل أرضى. إنما هو نفي للرضا، فصار المعنى: ولست أرضى إذا كان الذي يسخطني ما فيه رضى (من له الأمر: أي رضا الله تعالى) وهذا خطأ فاحش:( ).
وفي سياق حديثه عن اللفظ أيضاً يفرد باباً لـ (وحشي الكلام وما يستنكره من الألفاظ) مفرداً الحديث في الأبيات التي عرفت عن أبي تمام ببداوة ألفاظها غير المأنوسة ولا المألوفة كما في قوله( ):
أهيس أليس لجاء إلى هممٍ
تغرِّقُ العيسُ في آذيِّها الليسا

فـ (أهيس، اليس، الليسا) ألفاظ مستكرهة. ولكن هل يصح تعميم حكم على سائر لغة أبي تمام من خلالها، وإن جاء ما يماثلها في سائر شعره على نحو قليل كقوله:( )
وإنّ بُجيريةً بانت جأرت لها
إلى ذرى جلدي فاستؤلَ الجلدُ

-بِنَداكَ يؤسى كل جرحٍ يَعتلي
رأبَ الأساةَ بدردبيس قَنطرِ

-قدك اتئب أربيت في الغلواءِ
كم تعذلونَ، وأنتم سجرائي

فألفاظ من قبيل: "بجيرية، جأرت، الدردبيس، القنطر، قدك اتئب، سجرائي..."
إذ يرى الآمدي في ورودها –وإن قال بها الجاهليون- ما يهجن الكلام الشعري لأنها "وإن كانت معروفة مستعملة، فإنها إذا اجتمعت استقبحت وثقلت"( ) فاستقامة اللفظ عند الآمدي تتصل بانسياقه مع القواعد القياسية للغة، فضلاً عن الوضوح والبعد عن البدوي الوحشي.
-الإصابة في الوصف:
الوصف غرض رئيس في الشعر، وسائر الشعر راجع إليه، وقد عد الآمدي إصابة الغرض المقصود بالوصف، ثاني أهم أربعة أشياء تجود بها صناعة الشعر وتستحكم، إذ يقول: "وأنا أجمع لك معاني سمعتها من شيوخ أهل العلم بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة، من غير نقص فيها ولا زيادة عليها"( ).
وهو هنا يوافق من سبقوه ولا سيما قدامة بن جعفر( )، لذا فهو ينسب هذا القول إلى شيوخ أهل العلم بالشعر، وقد احتكم إليه في قراءة لغة الوصف عند أبي تمام كما في قوله( ):
لو يعلمُ العافونَ كمْ لكَ في الندى
من لذةٍ وقَريحةٍ لم تُحمدِ

إذ يرى أن قولـه "من لذة وقريحة" خطأ لأن، الوصف داعية أن يتناهى الحامد له في الحمد ويجتهد في الثناء لا أن يدع حمده( ).
ومن هذا الباب نظر في قول البحتري في مدح الفتح بن خاقان( ):

إذا سارَ كفُّ اللحظِّ عن كلّ مُبصرٍ
سواهُ وغضَّ الصوتَ عن كلّ مُسمعِ

فلستَ ترى إلا إفاضةَ شاخصٍ
إليه بعينٍ أو مشيرٍ بإصبعِ

إذ يقول: "الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه، وينحو به نحوه، والإفاضة في الكلام أن يدفعوا أيضاً القول ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال، ما وراءهما غاية، وكان المتوكل أولى بهذا الوصف"( ).
فمفهوم الوصف عنده، قريب من محاولة محاكاة الواقع الموصوف، من خلال تمثيل سائر معانيه أو بعضها تمثيلاً لفظياً، أو استعراض بعض وجوهها، حتى يتمثل للمتلقي وكأنه مكشوف أو باد للنظر الواقعي، على نحو ما قال به قدامة بن جعفر( )، وهذا إنما هو وصف خارجي يتصل بالنظر المباشر للشعر، ولا يعنى بالنظر النقدي الجمالي للمعنى الشعري وهو ما ينبغي أن يكون.
-المقاربة في التشبيه:
يعد التشبيه عنصراً جمالياً، ومقوماً رئيساً من مقومات الشعرية العربية، فقد نظر إليه ثعلب في (قواعد الشعر)( ) بوصفه غرضاً وكذلك قدامة في (نقد الشعر)( ) وعد ابن قتيبة في (الشعر والشعراء)( )، الإصابة في التشبيه مما يبعث على حفظ الشعر وروايته أما الآمدي فقد عد الإصابة في التشبيه جزءاً من الوصف، لهذا أشار إليه في سياق وصف موضوعات معينة أو أغراض كان قد قال بها أبو تمام والبحتري، من قبيل: "ابتدآتهما تشبيه النساء بالظباء والبقر"( ). أو "ما قالاه في البهجة وحسن الوجوه، وتشبيه النساء بالشموس والبدور والنجوم وغير ذلك"( ) أو في "خروجهما إلى المدح بوصف الرياح وتشبيه أخلاق الممدوح بها"( ) وهو في أمثلته التطبيقية يقرأ أسلوب التشبيه بمنظار عقلي محتكماً إلى الرأي السابق (العرف) كما في رأيه في قول البحتري( ):
تحسبهُ نشوانَ أما رَنا للـ
ـفَترِ من أجفانهِ وهو صاح

إذ يقول: إن الأشهر في كلام الشعراء السابقين "تشبيههم أجفان المحبوب بطرف الوسنان لا بطرف السكران... ويجعلون طرف المحبوب هو الذي يسكر، ويقيمونه مقام الراح"( ).
-التحام أجزاء النظم:
النظم عند الآمدي هو صحة التأليف التي يقابلها رداءة التأليف، وقد عد صحة التأليف أحد أربعة أركان (عناصر) تجود بها صناعة الشعر لأن "سوء التأليف ورداءة اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره.
وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسناً ورونقاً، حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولهذا قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام"( )، وقد عد رداءة اللفظ من معاييره في الموازنة( ).
فالتحام أجزاء النظم عند الآمدي صادر عن حسن التأليف أو صحة التأليف الذي يزيد المعنى المكشوف الواضح بهاء ويضفي عليه ديباجة.
وقد درس صحة التأليف على منحيين: الأول متصل بصحة تأليف الكلام انسجاماً مع القواعد القياسية للغة، والثاني متصل بصحة البناء الفني للقصيدة العربية. وقد كان في المنحى الأول ينظر إلى ما تواضع عليه أهل اللغة والنحو والعروض والصرف. أما في المنحى الثاني فينظر إلى ما كان شائعاً عند شعراء الجاهلية مما يخص شكل نظام القصيدة.
فقد درس في المنحى الأول أمثلة من المعقد من نسج أبي تمام ونظمه، كما درس سوء نسجه وتعقيده، ووحشي ألفاظه( ). فعد من المعقد المستكره قول أبي تمام:
يومٌ أفاضَ جوى أغاضَ تعزياً
خاضَ الهوى بحري حَجاهُ المزيدِ

إذ قال: أن الشاعر جعل "اليوم أفاض جوى، والجوى أغاض تعزياً، والتعزي موصولاً به، (فاض الهوى) إلى آخر البيت، وهذا غاية ما يكون من التعقيد والاستكراه، مع أن "أفاض" و "أغاض" و "فاض" هي ألفاظ أوقعها في غير مواقعها، وأفعال غير لائقة بفاعلها"( ).
إذ يعد هذا الأسلوب من سوء النظم وفاسد التأليف، لأن الكلمة فيه لا تشاكل أختها ولم تأت مع أختها التي تقتضي أن تجاورها لمعناها لا على الاتفاق ولا على القضاء بعيداً عن أسلوب الشعر الرفيع من مثل قول امرئ القيس( ):
فإنْ تكتموا الداءَ لا تحفِهِِ
وإن تَقصدوا لدمٍ نقصدِ

لأن هذا الأسلوب الشعري عنده هو الذي "يدل بعضه على بعض، ويأخذ بعضه برقاب بعض، وإذا انشدت صدر البيت علمت ما يأتي في عجزه، فالشعر الجيد –أو أكثره- على هذا مبني"( ).
وفي المنحى الثاني المتصل ببناء القصيدة العربية، أعطى عناية خاصة لعناصر الشكل البنائي للقصيدة بدءاً من المقدمة وما تشتمل عليه من موضوعات ثم حسن التخلص (الخروج من المقدمة إلى الغرض) كما في (أبواب خروجهما من النسيب إلى المديح)( ) أو (خروجهما إلى المديح بمخاطبة النساء)( ) وهكذا حتى أفرد لـ (خروجات المتأخرين الطريفة الحلوة النادرة)( ) جانباً في حديثه عن بناء القصيدة.
ويعد الأشهر في (التخلص) عند المدح "الخروج بذكر وصف الإبل والمهامة إلى الممدوح"( ). كونه معنى عاماً في أشعار الناس كما في قول أبي تمام( ):
يُصبرني إن ضقتَ ذرعاً بحبهِ
ويَجزعُ إنْ ضاقتْ عليه خلاخلُهْ

ثم يخرج إلى مدح للمعتصم فقال:
إليكَ أميرُ المؤمنينَ وقد أتى
عليها الملا، إدماثهُ وجداولَهْ

أما في الوزن فهو يحتكم إلى القياسات العروضية المتعارف عليها، ويعد انسجام البيت في حسن تأليفه هو ما يجعل القافية تأتي طبيعية، متوقعة عند إكمال صدر البيت، إذ ما ينشدك صدره حتى علمت ما يأتي في عجزه( )، ويفرد للزحافات واضطراب الوزن عند الشاعرين باباً خاصاً، وهو في هذا النقد العروضي ينظر للشائع بين الشعراء، وما قال به علماء العروض.
-مناسبة المستعار منه للمستعار له:
نظر النقاد قبل الآمدي إلى الاستعارة بوصفها مقوماً جمالياً في الشعر، إلا أنهم تطلبوا فيها أن تكون قريبة غير بعيدة، ولا مرتبطة بإحالات معينة تسهم في غموضها، لا نهم نظروا إليها بمنظار التشبيه، وقد أعطى الآمدي استعارات أبي تمام جل اهتمامه، ولكنه أخرجها من الطريقة التي عليها العرب في الاستعارة( )، والاحتكام إلى طريقة العرب في الاستعارة ومطالبة أبي تمام بالالتزام بها يشير إلى "التدخل في التشخيص والقدرة الخيالية لدى الشاعر"( ).
وطريقة العرب في الاستعارة إنما تكون لما تقارب أو تناسب فيه المستعار منه والمستعار له" وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه نحو قول امرئ القيس:
فقلتُ لـهُ لمَّا تَمطّى بصلبهِ
وأردفَ أعْجازاً وناءَ بكلكلِ

فهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، لشدة ملائمة معناها لمعنى ما استعيرت له"( ).
فهو يتطلب في الاستعارة أن يكون المستعار منه مناسباً على نحو عقلي للمستعار له. وهو في هذا ينطلق من مبدأ عقلي لا يخضع له المعنى الشعري. وقد قال الدكتور إحسان عباس: "إن تعقب هذه الاستعارات قد أصاب الطريقة الشعرية نفسها، فإذا كان النقد ذا أثر في تربية الذوق فإن نقد الآمدي وأشباهه قد حال دون تكثير الطبقة التي تتذوق الجدة في الاستعارة، وتقبل على ما يمكن في طبيعة الخيال الخلاق من إبراز الحياة في صور جديدة"( ) .
-مشاكلة اللفظ للمعنى:
المشاكلة مقوم متصل بالدلالة أكثر من اتصاله باللفظ، على الرغم من أن القدماء قسموا المشاكلة على قسمين: مشاكلة اللفظ للفظ ومشاكلة اللفظ للمعنى. وهي عند الآمدي مشاكلة اللفظ للمعنى، أي مناسبته وموافقته على نحو عقلي ظاهر، وإن لم يفرد للمشاكلة باباً كما فعل قدامة في نقد الشعر( ).
وقد جاءت مؤاخذات الآمدي على أبي تمام في مشاكلة اللفظ للمعنى في مظاهر متعددة منها التكرار كقول الأعشى:
وقد غدوتُ إلى الحانوتِ يَتبعنيِ
شاوٍ مُشلٌ شَلولٌ شلشلٌ شولُ

إذ يرى أن هذه الألفاظ كلها بعد "شاوٍ" متقاربة المعنى( )، وتكرارها على هذا النحو لا يتناسب مع المعنى المراد التعبير عنه( ).
والمؤاخذة على ورود اللغة الشائعة في الخطاب النثري كما في كلمة "ذلك الاشتياق" في قول البحتري( ):
دَعْ دموعي في ذلكَ الاشتياقِ
تَتَنَاجى بذكرِ يومَ الفراقِ

وبعض المفردات التي شاعت عن شعراء معينين كما في كلمة (نعم) عند كثير عزة، إذ يرى البحتري مخطئاً بإيرادها في قوله( ):
ميلوا إلى الدارِ من نعمٍ نُحييها
نَعمْ ونسألها عن بعضِ أهليها

أو يرى أن اللفظ لا يشاكل المعنى لرداءة المعنى، كما يراه في قول أبي تمام( ):
فيا حسنَ الرسومِ، وما تمشى
إليها الدهرُ في صورِ البعادِ

والآمدي لم يعط لـ (مشاكلة اللفظ للمعنى) باباً خاصاً، وإنما أشار إليها على نحو ما جاء به مفهوم المشاكلة عند النقاد الذين سبقوا الآمدي، متحدثاً عنها في سياق حديثه عن المعاني أو الألفاظ أو الاستعارة.
ومن خلال ما سبق ذكره، من محاولة تأسيس مفهوم عمود الشعر في خلال استعراض تطبيق الآمدي عند الموازنة بين أبي تمام والبحتري، تتضح لنا جملة إشارات أبرزها:
- أسس الآمدي لمصطلح عمود الشعر على أنه طريقة العرب المعروفة في قول الشعر، ناسباً إليها أسلوب البحتري، ومخرجاً عنها أسلوب أبي تمام "لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف"( ) ثم ينسب للبحتري في هذا الاتجاه أنه قال: "سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام فقال: كان أغوص على المعاني مني، وأنا أقوم بعمود الشعر منه"( )، وقد حاول البحث استقراء عناصر عمود الشعر عند الآمدي كما جاءت في تطبيقاته على شعري: أبي تمام والبحتري.
- كان ينحى منحى عقلياً، ويحتكم إلى مفاهيم منطقية في قراءة الشعر ونقده، وهو ما جعله يرفض استعارات أبي تمام متدخلاً في قدرة الشاعر على التشخيص وفي قدرته الخيالية موجهاً لها في ضوء معايير مسبقة
- بدا واضحاً أن الآمدي كان يفضل طريقة البحتري في قول الشعر على طريقة أبي تمام، ويميل إلى نهجها، وكأنما جاء بمصطلح عمود الشعر الذي نسبه الأوائل، معلناً صحة من نهج سبيله ومخطئاً من خالفه، ومصرحاً بكونه ممن يذهبون مذهبه، لتأييد طريقة البحتري، وقد قال: "المطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عنده من جهة، استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني، وأخذ العفو منها كما كانت الأوائل تفعل، مع: جودة السبك، وقرب المأتى، والقول في هذا قولهم وإليه أذهب"( ).
- أما الذي قال بعناصر عمود الشعر، تنظيراً وتطبيقاً، مشيراً إلى معاييرها، ومكملاً ما بدأه الآمدي فهو عبد العزيز الجرجاني (ت 366هـ) كما سيأتي.
-الجرجاني:
إذا كان الآمدي (ت 370هـ) قد جاء بالموازنة حكماً نقدياً لإظهار الجودة الفنية في الشعر من خلال الموازنة بين شاعرين، محتكماً إلى معايير نقدية، أساسها أنها تمثل طريقة العرب في قول الشعر التي اصطلح عليها بـ (عمود الشعر) فإن عبد العزيز الجرجاني (ت 366هـ) جاء بالوساطة حكماً نقدياً لإظهار الجودة الفنية في شعر المتنبي على نحو خاص وبيان وتبرير ما أخذه عليه كثير من النقاد وأهل الأدب من مؤاخذات، معتمداً على أسلوب المقايسة مبدأ في نقد شعر المتبني، أي النظر في أشعار السابقين من الجاهليين حتى المحدثين في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وقياس شعر المتنبي إليهم فما أخذ على المتنبي وكان وارداً عند القدماء، فقياس شعر المتنبي إليهم، أولى من اتهامه بالقصور دونهم.
وقد بدا الجرجاني ناجحاً أكثر من الآمدي في مبدأ المقايسة، عند دفاعه عن المتنبي "وما كان الآمدي إلا معلماً للجرجاني، فنجح الآمدي نظرياً فقط، بينما نجح تلميذه في منهجه نظرياً وعملياً، أما في الآراء والنظرات النقدية، فإن الجرجاني لم يأت بشيء جديد، وإنما التقت عنده أكثر الآراء والنظرات السابقة، فأحسن استغلالها في التطبيق والعرض"( ).
وقد كان في وساطته مثالاً للناقد الفذ في نزاهة الحكم، وقد كان في قوله بآراء نقدية سابقة، وإهماله قضايا نقدية كقضية اللفظ والمعنى، ما يؤشر التطور النقدي والحاجة إلى طرائق جديدة في العرض النقدي.
وقد كان سعيه إلى تطبيق معايير نقدية بالاحتكام إلى شيء من القياس العلمي والذوق الفني المرهف، إظهاراً لخصوصية الناقد الأدبي، هو الذي قاده إلى وضع مقومات عمود الشعر على نحو نقدي خاص، مفيداً من الآمدي كونه أستاذه في التنظير والتطبيق لهذا العمود، على ما بين الموازنة والوساطة من فروقات، تتصل باختلاف أسلوب المقايسة في الوساطة عن الموازنة عند الآمدي، ولكن "دين الآمدي للجرجاني كبير، لأنه قد تمثل آراءه بحذق وذكاء، من دون أن يذكر الآمدي مرة واحدة"( ) إذ مهد الآمدي منظراً ومطبقاً لعمود الشعر، محدداً مقوماته في خلال صفات خص بها أبا تمام سلبياً ومدح بها البحتري إيجابياً على النحو الغالب في الموازنة، وحين جاء الجرجاني أفاد من هذا كله فصارت مقومات عمود الشعر عنده موزعة على عدد من العناصر كلها تخص المتنبي بالتقديم وهي( ):
1-شرف المعنى وصحته.
2-جزالة اللفظ واستقامته.
3-الإصابة في الوصف.
4-المقاربة في التشبيه.
5-غزارة البديهة.
6-كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة.
ليشير إلى أن العرب "لم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، "نظام القريض"( )، لأن عمود الشعر القديم يأتي بالتجنيس والمطابقة والبديع والاستعارة عن طبع وفطره في الإحساس باللغة وليس عن صناعة وقصد أو إعمال فكر وطول تأمل، وما يأتي به الطبع يتصف بالمباشرة بعيداً عن الغموض، داخلاً عندهم في (السهل الممتنع)، وهذا ما يكشف عنه أسلوب الأبيات أو النمط الشعري القديم الذي نسبه لبعض العراب مستوحياً منه طريقة العرب أو عمود شعرها ذلك الأسلوب أو النمط الذي يراه: بعيداً عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المآخذ، قريب المتناول، من مثل( ):
أقول لصاحبي والعيسُ تهوي
بنا بين المنيفةِ فالضمارِ

تمتعْ من شميمِ عرارِ نجدٍ
فما بعدَ العشيةِ من عِرارِ

ألا يا حبذا نفحاتُ نَجدٍ
وريا روضهِ غبّ القطارِ

وعيشكَ إذ يحلُّ القومُ نجداً
وأنتَ على زمانكَ غير زارِ

شهورٌ ينقضينَ وما شعرنا
بإنصافٍ لهنَ ولا سرارِ

فأما ليلهنَ فخيرُ ليلٍ
وأقصرُ ما يكونُ مِن النهارِ

إذ يقول: إن المتلقي يجد عند قراءتها، سورة من الطرب، وارتياح نفس، بسبب بعدها عن الصنعة المقصودة، كونها سهلة المأخذ، قريبة المتناول( ).
ولكنه ينفرد بالنظرة الوظيفية للطبع الشعري، مراعياً نوافذ تشترك في إبداع الشعر، ليس لأحد أن يغفلها، فالشعر عنده "علم من علوم العرب يشترك فيه: الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه"( ) فمن وظائف الطبع أنه يلهم الشاعر سلامة اللفظ، ومن هنا "سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع:( )، والوظيفة الثانية للطبع، أنه يجعل الأسلوب سلساً مترسلاً ومتى أردت أن تعرف ذلك عياناً، وتتثبته مواجهة، فتعرف فرق ما بين المصنوع والمطبوع وفضل ما بين السمع المنقاد، والعصي المستكره، فأعمد إلى شعر البحتري، ودع ما يصدر به الاختيار، ويعد في أول مراتب الجودة، ويتبين فيه أثر الاحتفال، فعليك بما قاله من عفو خاطره وأول فكرته( ).
أما الوظيفة الثالثة للطبع فهي حفظه الشعر، أي خلوده، وهذا يعني أن الطبع عامل مساعد في بقاء الشعر محافظ على جدته مع مرور الزمن "وإذا أردت أن تعرف موقع اللفظ الرشيق من القلب، وعظم غنائه في تحسين الشعر، فتصفح شعر جرير وذي الرمة في القدماء والبحتري في المتأخرين، وتتبع نسيب متيمي العرب، ومتغزلي أهل الحجاز"( ).
والعنصر الثاني الذي يشترك في تشكيل الشعرية العربية عند الجرجاني- بعد الطبع- هو الرواية التي تواضع السابقون على عدها شرطاً في الفحولة الشعرية، فقد كانت العرب تروى وتحفظ ويعرف بعضها برواية بعض، كما قيل: أن زهيراً كان راوية أوس، وأن الحطيئة راوية زهير، وأن أبا ذؤيب راوية ساعدة بن جويرية"( ).
فالرواية هي التي تخلق في الفرد الراوية، ملكة الطبع الذكي لأن "المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ العرب إلا رواية، ولا طريق للرواية إلا السمع، وملاك الرواية الحفظ"( ).
فالعنصر الثالث الذي هو الذكاء قرنه بالطبع، أما الدربة فتأتي في المرتبة الأخيرة، لأن العناصر السابقة (الطبع، الرواية، الذكاء) تسهم في خلق الدربة، لأنها الممارسة الفعلية للأداء الشعري.
كان الجرجاني في عناصر عمود الشعر، ناظراً في الشعر العربي القديم نظر ناقد متأمل مستقرئ للشعر ونقده، وهو ما جعل رأيه في وساطته مقنعاً، وقوله الذي نص فيه على عناصر عمود الشعر نلحظ جذوره عند ابن طباطبا في (عيار الشعر). إذ قال الجرجاني: "وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء، في الجودة والحسن، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه، لمن وصف فأصاب وشبه فقارب وبده فأغزر ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته"( ).
هذا التفصيل لعناصر الشعرية العربية، شكلاً ومعنى يمكن أن نلحظه في (عيار الشعر) في خلال قول ابن طباطبا: "واجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة لطيفة مقبولة، حسنة مجتلبة لمحبة السامع له، والنظار بعقله إليه، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه، فيحسنه جسماً ويحققه روحاً، أي يتقنه لفظاً، ويبدعه معنى،... يسوى أعضاءه وزناً ويعدل أجزاءه تأليفاً، ويحسن صورته إصابة، ورونقه اختصاراً، ويكرم عنصره صدقاً، ويهذب القول رقة، ويحصنه جزالة"( )، وكذلك ما جاء في قوله أيضاً من أن على صانع الشعر أن يضمنه "صفات صادقة، وتشبيهات موافقة وأمثالاً مطابقة، تصاب حقائقها"( ).
فإشارة الجرجاني إلى: شرف المعنى وصحته، مسبوقة بإشارة ابن طباطبا إلى: إتقان الشعر لفظاً وإبداعه معنى لأنه نتيجة عقل الشاعر وصورة علمه. أما جزالة اللفظ واستقامته فهي عند العلوي دعوة إلى: إتقانه لفظاً وتحصينه جزالة وسلاسة. أما الإصابة في الوصف فهي عند (صاحب عيار الشعر) دعوة إلى الشاعر بأن "يحسن صورته إصابة ورونقه اختصاراً" أما المقاربة في التشبيه فهي عنده دعوة الشاعر لأن يضمن شعره صفات صادقة وتشبيهات موافقة.
وغزارة البديهة عند الجرجاني التي توحي بقوة رد الفعل على المؤثرات الخارجية، كونها تخلق في الشاعر قوة في التعبير عما يحيط به من مؤثرات. فهي في (عيار الشعر) دعوة الشاعر لأن يجعل أشعاره متضمنة "أشياء توجبها أحوال الزمن على اختلافه، وحوادثه على تصرفها، فيكون فيها غرائب مستحسنة وعجائب بديعة مستطرفة، من صفات وحكايات ومخاطبات، في كل فن توجبه الحال التي ينشأ قول الشعر من أجلها"( ).
أما كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة فهي دعوة ابن طباطبا إلى صنعة الشعر مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه، والمتفرس في بدائعه، وأن يضمن الشاعر أشعاره أمثالاً مطابقة تصاب حقائقها.
وهذا التقارب بين الجرجاني والآمدي ثم بينه وبين ابن طباطبا يكشف عن استيعاب الجرجاني للتراث النقدي السابق له، واحتكامه في عرضه النقدي إلى ما قال به النقاد السابقون، وهو في حالتي التنظير والتطبيق أي في عناصر عمود الشعر وفي منهج المقايسة يحتكم إلى بعض ما قاله النقاد السابقون ثم يستعيد الشعر الذي سبق عصر المتنبي ناظراً في ما اشتمل عليه من صفات وخصائص في الشكل والمحتوى، ثم قياس شعر المتنبي إليها، وما يرد من مؤاخذات على المتنبي فهي مقيسة إلى ما أخذ على غيره من السابقين، فضلاً عن أن شعره أشكل بعصره قريب من طباع أهل زمانه "والنفس تألف ما جانبها، وتقبل الأقرب فالأقرب إليها"( ).
وأدوات الشعر عند الجرجاني هي الطبع والرواية والذكاء ثم الدربة أو الممارسة وهي عند ابن طباطبا، الرواية لفنون الآداب ومعرفة مذاهب العرب في تأسيس الشعر وسلوك سبلها ومناهجها والتوسع في علم اللغة والمعرفة بأيام الناس( ).
وجماع أدوات الشعر عند الجرجاني، صحة الطبع وإدمان الرياضة( )، وجماعها عند ابن طباطبا كمال العقل( ).
وخلاصة القول في هذا الباب، أن عناصر عمود الشعر مستوحاة من النقد العربي القديم الذي اتسعت قضاياه وكثرت مظاهره النقدية وظواهره المعرفية، فكان صاحب الوساطة منطلقاً من تصور نقدي متسم بالثابت، فكان في منهج المقايسة قد استوفى مقومات دفاعه عن المتنبي، ومن هنا كان ناجحاً في التنظير لاعتماده على أصول النقد الذي تقدمه، وناجحاً في التطبيق لاعتماده أساليب الشعر المتقدم وقياس المحدث عليه.
أما مقومات عمود الشعر عند عبد العزيز الجرجاني التي أراد لها أن تعبر عن طريقة العرب في قول الشعر وتكون معياراً في وساطته للدفاع عن المتنبي فهي ستة مقومات أفردها بالتنظير ثم سار على حدودها في التطبيق وهي:
-شرف المعنى وصحته: وهو ما يتصل عند الجرجاني بمناسبته لمقتض الحال، واتصافه بالصحة المنطقية، أما على صعيد المجاز فيتطلب فيه قرينة تصل بين الواقع المتخيل والحقيقة الموضوعية، متحدثاً عن فهمه للمعنى في خلال التطبيق، محتكماً إلى نظر عقلي في بعض المؤاخذات على الشعراء، بدءاً بامرئ القيس في قوله( ):
واركبُ في الروعِ خيفانة
كسى وجهها شَعَرٌ منتشرْ

إذ يرى في هذا وصفاً لفرس ليس بالكريم ولا الأصيل، لأن شعر الناصية إذا غطى وجه الفرس، لم يكن أصيلاً( ).
ويأخذ على زهير قوله( ):
فتنتج لكم غلمان أشام كلهم
كأحمر عادٍ ثم تُرضعْ فتَفطِمِ

إذ يعد هذا خطأ لأن المعنى الصحيح تاريخياً هو (أحمر ثمود) وليس (عاد)( ).
وهو في هذا ينظر إلى المعنى في الشعر محتكماً إلى الواقع المباشر من دون تمييز بين المعنى والمعنى الشعري.
ولكن له نظرة نقدية تتصف بالموضوعية، كما في إباحته المعاني للشاعر، حتى لو خالف الشاعر الخلق الديني في معانيه "ولو كانت الديانة عاراً على الشعر... لوجب أن يمحى اسم أبي نواس من الدواوين... ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية... ولكن الدين بمعزل عن الشعر"( ).
وفي موضوع السرقة قسم المعاني على قسمين: ما تقع فيه السرقة وما هو شائع متداول لا تقع فيه سرقة( ). وهو في تقسيمه هذا موافق لتقسيم الآمدي وصادر عن رأيه أيضاً( )، ولكن تميزه في أنه رأى السرقة تقع في الشعر الذي بناه قائله على شعر سابق، شكلاً ومضموناً عادا النظر فيها جزءاً من النقد في معرفة الأبيات المتشابهة المعاني، وكأنه يقدم الشكل على المضمون. إذ متى تساويا في قولين شعريين فالثاني سارق من الأول، ومتى ارتفع الشكل على المحتوى (المعنى) وظل المعنى متشابهاً مع غيره لم يكن سرقة بسبب من جهد الثاني في بناء الشكل الفني للتعبير الشعري.
أما الغموض في معاني الشعر فيعده سمة حسنة، إذ "ليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر، ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر ولم تفرد فيها الكتب المصنفة... ولسنا نريد القسم الذي خفاء معانيه واستتارها من جهة غرابة اللفظ وتوحش الكلام، ومن قبل بعد العهد بالعادة وتغير الرسم... وإنما أريد مثل قول الأعشى:
فجنبتُ العوارَ أبا زينبٍ
وجادَ على محلتهِ السحابُ

فمن يسمع هذا البيت يظنه دعاء لأرضه واستسقاء لأرضه، وإنما مراد الشاعر الدعاء عليه أن يهلك الله أبله، فلا يملك منها ما يعار عليه، وأن تجود السحاب على أرضه وهو مملق، فيشتد أسفه على ما ذهب من ماله إذا رأى الأرض مخصبة، وسائحة الحي راعية"( ).
فالغموض هنا يستدل عليه من خلال سياق الحال وسياق المقال، إذ يحسبه غموضاً فنياً، فهو غموض يكشفه متذوق اللغة شعرياً، وليس الناظر فيها عقلياً من جهة اللغة أو النحو أو الصرف التزاماً بحد القاعدة النحوية.
أما الغلو والإفراط في المعاني فيراه شائعاً في شعر الأقدمين، وهو مذهب عام في المحدثين يستقبحه قسم ويستحسنه آخر، والمحدثون في المبالغة أو الغلو ينسجون على منوال سابقيهم فإذا سمع المحدث قول الأول( ):
ألا إنّما غادرتُ يا أمّ مالكٍ
صدى أينما تذهب بهِ الريحُ يذهبُ

جسر على أن يقول( ):
أسرُّ إذا نحَلتُ وذابَ جِسمي
لعلّ الريحَ تُسفي بي إليهِ

وسهل الطريق لأبي الطيب فقال:
كفى بجِسمي نحولاً أنني رجلٌ
لولا مُخاطبتي إياكَ لم تَرَنِ( )

ومثل هذا شائع عند المحدثين كثير، لأنهم توخوا الزيادة فتجاوزوا غاية الأول( )، وقد كان المحدثون على صواب حين احتكموا إلى (مبالغات السابقين) معياراً وأساساً انطلقوا منه، وكان طبيعياً بالنسبة لهم أن يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده السابقون، متخذينه أسلوباً شعرياً خاصاً بهم، وهو من سمات المعنى الشعري فنياً.
أما الاستعارة عند الجرجاني فهي "أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر"( ) وقد كانت الشعراء حتى عصر أبي تمام تنهج سبيلاً قريباً من الاقتصاد في الاستعارة الشعرية حتى جاء أبو تمام فجنح إلى التعدي فاتبعه المحدثون بعده( ). ولكنهم جعلوا السابقين منطلقاً كما في الغلو أو المبالغة، فتميزت استعاراتهم من السابقين، ومن هنا لا يجد الجرجاني لوماً على أبي الطيب حين جعل للطيب والبيض واليلب قلوباً بقوله( ):
مسرةٌ في قلوبِ الطيبِ مِفْرقَهُا
وحسرةٌ في قلوبِ البيضِ واليلبِ

أو أن يجعل للزمان فؤاداً كما في قوله( ):
تَجمعتْ في فؤادهِ هممٌ
ملء فؤاد الزمانِ إحداها

الجرجاني يميل إلى أن تكون الاستعارة على وجه صحيح من المناسبة بين المستعار منه والمستعار لـه، وعلى طرف من الشبه والمقاربة قريب من العقل، ورأيه في استحسان الغموض في المعاني الشعرية الغلو أو الإفراط، قاد إلى فهم صحيح لأسلوب الاستعارة ينأى به عن حدود النظر المباشر كما في النثر، لأن أساليب المجاز في لغة الشعر ومنها الاستعارة متى ما "حملت على التحقيق، وطلب فيها محض التقويم، أخرجت عن طريقة الشعر، ومتى اتبع فيها الرخص، وأجريت على المسامحة، أدت إلى فساد اللغة، واختلاط الكلام وإنما القصد فيها التوسط، والاجتزاء بما قرب وعرف، والاقتصار على ما ظهر ووضح"( ).
وقد قال بمراعاة التوسط والاقتصاد في الاستعارة، حتى لا تكون بعيدة عن إدراك المتلقي مع مراعاة أن لغة الشعر تجمع بين الأضداد في كثير من الأحيان، كما في قول الشاعر:( )
عوابسُ حل يابس الماء حزمها
فهنَّ على أوساطها كالمناطقِ

أو قول بشر بن أبي خازم( ):
تراها من يبيس الماءِ شهباً
مُخالطُ درةً فيها غرارُ

أو قول المتنبي( ):
يَفضحُ الشمسَ كلما ذَّرت الشمـ
ـسُ بشمسٍ منيرةٍ سوداء

فاليبس والماء والسواد والشمس لا يلتقيان إلا في لغة الشعر.
بدا الجرجاني في فهمه للاستعارة غير بعيد عما قال به العرف النقدي الذي سبقه، إلا أنه رأى فيها مدعاة للتوسع في الكلام الشعري، وحسن التصرف، وينبغي النظر إليها في هذا الاتجاه، مشترطاً فيها شيئاً من الاقتصاد، لتكون قريبة من متناول فهم المتلقي. وقد ألمح إلى ضرورة أن يكون بين المستعار منه والمستعار له شيئاً من الصلة لا يجعلهما متباعدين في خلق صورة الاستعارة.
-جزالة اللفظ واستقامته:
يتصل هذا المقوم عند الجرجاني، بارتفاع اللفظ عن المستوى السوقي وعدم اتصافه بالطابع البدوي الوحشي، فكان الأسلوب الجزل عنده "ما ارتفع عن الساقط السوقي وانحط عن البدوي الوحشي"( )ثم انسياقه مع قواعد اللغة المؤدية إلى وضوح المعنى، وهذا الفهم قال به ثعلب في قواعد الشعر حين ذكر، أن جزالة اللفظ مشروطة فيما "لم يكن بالمعرب البدوي ولا السفساف العامي، ولكن ما اشتد أسره، وسهل لفظه، ونأى واستصعب على غير المطبوعين مراده وتوهم إمكانه"( ) أما ابن سلام فلم يعرف الجزالة( )، والجاحظ قال بها في تضاد مع اللفظ السخيف رابطاً بين اللفظ والجزل واللفظ الفخم( ).
وعنصرا، شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته متقابلان عند الجرجاني كون "عنصري المعنى يتقابلان مع عنصري المبنى، فجزالة الأسلوب تقابل شرف المعنى واستقامة اللفظ توازي صحة أداء المعنى"( ).
وقد جرت العرب على عادة في العناية باللفظ بوصفها جزءاً لا غنى عنه في الأداء الشعري الرفيع فقد جرت على تفخيم اللفظ وجمال المنطق، وقد أرجح اختلاف لغة الشعر بين، سهولة المنطق وتوعر اللفظ إلى اختلاف الطبائع بسبب من اختلاف البيئة بزمانها ومكانها( ).
ويظهر في التطبيق أن مفهوم جزالة اللفظ واستقامته، راجع إلى ثلاثة اتجاهات واحد يخص اللفظ المفرد. والثاني متصل بمنحى التعقيد في الألفاظ والثالث يخص استقامة اللفظ من جهة انسجامه مع القواعد القياسية للغة.
على صعيد الألفاظ المفردة، يأخذ على أبي تمام لفظة (زنى) في قوله( ):
لو كان كلفها عبيدٌ حاجةً
يوماً لزنى شدقماً وجديلا

إذ يعد لفظة (زنى) سوقية ساقطة غير مناسبة للمعنى( ).
ويأخذ على المتنبي لفظة (شيء) في قوله( ):
لو الفلكُ الدوارُ أبغضتَ سَعيهُ
لعوقهُ شيءٌ عن الدورانِ

معلقاً عليه بقوله: "هذا البيت من قلائده، إلا أنك تعلم ما في قوله" شيء "من الضعف الذي يجتنبه الفحول ولا يرضاه النقاد"( )، إذ يعدها لفظة تنسجم والقول النثري، مستبعداً ورودها في الشعر، وحجته عدم ورودها في أشعار القدماء كثيراً ولا سيما الجاهليين، ولذلك لا يأخذ على المتنبي جمعه (بوق على بوقات) في قوله( ):
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍ
ففي الناسِ بوقاتٌ لها وطبولُ

لأن العرب قالت بجمع (بوقات)( ).
فهو يرى بعض الألفاظ خاصة بلغة الشعر، وبعضها الآخر مختص بلغة النثر، ولذلك يأخذ على المتنبي إكثاره من اسم الإشارة (ذا) "وهو أكثر الشعراء استعمالاً لـ(ذا) التي هي للإشارة، وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت موضعاً يليق بها، فاكتسبت قبولاً"( ) فأما في مثل قوله الآتي فثقيلة مكروهة( ):
قد بلغتَ الذي أردتَ من البرِّ
ومن حقِّ ذا الشريفُ عليكا

وإذا لم تسرْ إلى الدارِ في وقتكَ
ذا خفت أن تسيرَ إليكا

ولكن قوله أيضاً( ):
أبا المسك ذا الوجهُ الذي كنتُ تائقاً
إليهِ وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا

وقوله:
وهذا أول الناعينَ طراً
لأولِ ميتةٍ في ذا الجلالِ

وقوله:
يعلّلنا هذا الزمانُ بذا الوعدِ
ويخدعُ عمّا في يديهِ من النقدِ

إذ يعد (ذا) في هذه الأمثلة وما شاكلها صالحة مقبولة( )، لأنها مناسبة لسياقها الذي جاءت فيه لهذا يعبر لموسيقى اللفظ، من حيث هو لفظ مفرد ثم تركيب، عناية خاصة لأن "الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار"( ) ولا سيما إذا عبر ضمن سياقه النصي عن معنى يتصف بالتعبير عن القوة، كما في قول أبي نواس( ):
ملكٌ تصورَ في القلوبِ مثالهُ
فكأنهُ لم يخلُ منهُ مكانُ

أما على صعيد التركيب، فالتركيب المعقد الذي لا يؤدي تعقيده وظيفة دلالية سوى التعقيد الذي يشكل معه المعنى فهو دليل ضعف، من مثل قول المتنبي( ):
وفاؤكما كالربعِ أشجاهُ طاسمهُ
بأن تسعدا والدمعُ أشفاهُ ساجمِهْ

إذ يقول: إن الذي ينظر في "هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن طيها الغنيمة الباردة، حتى إذا فتشها، وكشف عن سترها، وسهر ليالي متوالية فيها حصل على أن "وفاكما يا عاذلي بأن تسعداني إذا درس شجاني، وكلما ازداد تدارساً، ازددت له شجواً، كما أن الريح أشجاه دراسه"( ).
كون الشعر يحبب إلى النفوس بالطبع السهل، والتركيب الجزل بعيداً عن التصنع فأقل الناس حظاً في صناعة الشعر من اقتصر عند الاختيار أو الرفض "على سلامة الوزن وإقامة الإعراب وأداء اللغة، ثم كان همه أن يجد لفظاً مروقاً وكلاماً مزوقاً قد حشي تجنيساً وترصيعاً..."( ).
لأن الجمال الشعري عنده صادر عن الطبع السهل البعيد عن الصناعة، أي عن الفطرة الطبيعية على نحو ما نألف في أشعار القدماء، لهذا نرى الشاعر الذي يستكمل في رسم الصورة كل شرائط الحسن، ويستوفي أوصاف الكمال من جهة استكمال مقومات الأداء الشعري، أو أقل جمالاً في شعره من آخر لم تنتظم فيه تلك المقومات، ولم يستكمل تلك الشرائط، ولكنه أدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأنت تعجب به أكثر من إعجابك بالأول، ويمكنك تبرير إعجابك بالأول من خلال شرائط الحسن التي استكملها، وأوصاف الكمال التي اتصف بها، ولكنك مع الثاني الذي أعجبك أكثر قد لا تجد في التعبير عن إعجابك سبباً، لأنك مع الأول تحاجج بظاهر تحسه النواظر وفي الثاني تحيل إلى باطن تحصله الضمائر( ).
كأن معيار ذائقته الشعر العربي الصادر عن البديهة والارتجال، من دون إجالة فكر ولا طول نظر، فكان طبيعياً أن يأخذ عن الآمدي مصطلح "عمود الشعر".
وفي الاتجاه الثالث فقد نظر في اللفظ واستقامته محتكماً إلى التزامه بالقواعد القياسية في اللغة والإعراب، من مثل قول المتنبي( ):
أحاد أم سداس في أحادِ
لُيَيلتُنا المنوطةُ بالتنادِ

إذ يذكر لفظ (سداس) عاداً إياها خارجة عن مستوى الجزالة لعدم التزامها بالقياس اللغوي المألوف، ولكنه بعد أكثر من خمس صفحات من الحديث فيها يقول: إذا كانت مروية عن العرب فهي مقبولة من المتنبي، وإن لم تكن كذلك فهو مأخوذ بها. ومن هذا الباب ما يأخذه على المتنبي في قوله( ):
جلِّلا كما بي فليك التبريحِ
أغذاءُ ذا الرشأُ الأغنُ الشيحُ

فينقل عن أهل النحو خروج المتنبي عن قياسهم في (فليك) لأن أهل الإعراب يقولون: بأن حذف النون من تكن) إذا استقبلتها اللام خطأ، لأنها تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافاً إذا سكنت( ).
ومن هذا الباب ما أخذ على المتنبي في قوله( ):
وإني لمن قومٍ كأنَ نفوسنا
بها أنفٌ أنْ تسكنَ اللحمَ والعظما

فقالوا: "إنه قطع الكلام الأول، قبل استيفاء الكلام وإتمام الخبر أما كان يجب أن يقول: (كأنَّ نفوسهم)، ليرجع الضمير إلى (القوم) فيتم به الكلام، وهذا من شنيع ما وجد في شعره"( ).
ولكن الجرجاني يعد هذا من باب الالتفات بوصفه أسلوباً واسعاً من أساليب القول الشعري عند العرب، وله ما يسنده من أمثلة كثيرة جداً، من القرآن ومن الشعر( ).
فالجرجاني أكثر ميلاً إلى الأخذ بخصوصية الكلام الشعري، في اللفظ والمعنى أو في الشكل والمضمون، ولكنه لا يخرج عن ما كان شائعاً في العرف الثقافي/ النقدي عند العرب، ولا عند القواعد اللغوية، إذ يقول: "قد يجوز للشاعر من الكلام ما لا يجوز لغيره، لا للاضطرار إليه، ولكن للاتساع فيه، واتفاق أهله عليه، فيحذفون ويزيدون"( ).
-الإصابة في الوصف:
يتصل هذا المقوم عند الجرجاني باتجاهين، الأول: الإصابة في وصف الموصوف الخارجي عند محاكاته أو محاولة تمثيله لفظياً، والثاني الإصابة في وصف ما تجيش به أحاسيس المرء ومشاعره، وفي الحالين الإصابة تكمن في قدرة الشاعر على جعل الموصوف المادي أو المعنوي: الحسي أو المتخيل، قريباً من تمثل القارئ له. أي محاولة تقريبه للعيان. ولكنه إلى المنحى الأول أقرب لأنه فيه ينحى نحواً مألوفاً بين النقاد الذين تحدثوا "عن الإصابة في الوصف وأوضحوا خصائص كل فن شعري ورأوا أن الشاعر ينبغي أن يلتزم بها، واتفقوا على أن أجود الوصف هو الذي يحكي الموصوف حتى يكاد يمثله عياناً للسامع، وذلك بأن يأتي الشاعر، بأكثر معاني ما يصفه وبأوضحها فيه وأولاها بأن تمثله للحس، وقال بعضهم: إن أبلغ الوصف ما قلب السمع بصرا"( ).
وقد أشار الجرجاني إلى ندرة الشعراء الذين هم "أشمل للإحسان، والإصابة والتلقيح والإجادة"( )، وإلى جانب نهجه سبيل القدماء ولا سيما الجاهليين في إصابة الوصف، وما تواضعوا على الأخذ به من مسلمات عند الوصف، فقد مال إلى الوصف المعبر عن معاني القوة المتمثل لقيم الفعل البطولي في حكم الواقع والسيطرة عليه. ومن هذا السياق إعجاب الجرجاني بقول البحتري يصف أسداً قتله الفتح بن خاقان حين عرض له( ):
غداةَ لقيت الليثَ والليثُ مخدر
يحددُ ناباً للقاءِ ومخلبا

إذ يقول: إن البحتري "قد استوفى المعنى، وأجاد الصفة، ووصل إلى المراد"( ) ومن هذا السياق يرى المتنبي مقصراً في وصف السهاد بقوله( ):
يرى في النومِ رمحكَ في كلاه
ويخشى أن يراهُ في السهادِ

لأنه أراد أن يقابل بها النوم، وبذلك يتم المعنى، وليس كل يقظة سهاداً، وإنما السهاد امتناع الكرى في الليل، ولا يسمى المتصرف في حاجاته بالنهار ساهداً، وإن كان مستيقظاً"( ).
فهو يعجب بالوصف المباشر، كما في إعجابه بوصف الفلاة ودليلها- الذي هو وصف كثير في أشعار العرب- فيعد من مليح هذا الوصف قول المرار بن سعيد( ):
يسري الدليلُ بها خيفة
وما بكاتبهِ من خفاءِ

إذا هو أنكر أسماءها
وعي وحقَّ لـهُ بالعياءِ

لهُ نظرتانِ فمرفوعةٌ
وأخرى تأملُ ما في السقاءِ

وثالثة بعد طولِ الصماتِ
إلي وفي حلقهِ كالبكاءِ

وهذا الشكل في الوصف إنما هو محاكاة أو تمثيل لفظي للعناصر أو المقومات التي يتكون منها الموصوف، أي أنه وصف خارجي قائم على استعراض أسباب الفعل وعناصر القوة المتصلة بامتلاك الواقع، أكثر من التعبير عن ذاتية الفرد القائل، أو محاولة استيعاب ذاتية الموصوف على نحو من الخلق الفني، يكون فيه الكلام الشعري، حاملاً معانيه أكثر منه محمولاً إلى عناصر واقعية، ومتصلاً بالتعبير عنها حسياً أو واقعياً.
أما الشكل الثاني للوصف فهو صادر عن ما تجيش به الذات من مشاعر وأحاسيس، ومحاولة خلقها شعرياً على نحو بياني من خلال القول الشعري، وهو أدخل في الشعر كونه يتمثل الأشياء فنياً أكثر من تصويرها حسياً، ويعيد صياغة مكوناتها ذهنياً بأسلوب مجازي فيكون موغلاً في الذاتية الفنية بعيداً عن التقريرية المباشرة، حاملاً مقومات فنية صادرة عن الذاتية الكاشفة عن أسلوبها الخاص. وهو ما ينفرد به الشعراء، كل بخصوصيته وأسلوبه ومن هذا المنحى ما كان من قول المتنبي( ):
طوى الجزيرةَ حتّى جاءني خبرٌ
فَزعتُ فيهِ بأمالي إلى الكذبِ

حتّى إذا لم يدعْ لي صدقه أملاً
شَرَقتُ بالدمعِ حتّى كادَ يشرقُ بي

تَعثرتْ بهِ في الأفواهِ ألسنُها
والبُرْدُ في الطرقِ والأقلامُ في الكتبِ

هذا الأسلوب من الوصف الذاتي، أورده الجرجاني في سياق حديثه عن إصابة الوصف من دون تمييز بين وصف ذاتي ووصف موضوعي، ولكنه في سياق كلامه يقدم الوصف المعبر عن رسم مكونات الأشياء الموصوفة رسماً حسياً على الوصف ذي الطابع الذاتي الوجداني لأن الذائقة العربية سارت على تفضيل هذا الاتجاه في الوصف، كما نلمس في قصة (أم جندب)( ) وما كان من موقف كثير عزة مع عبد الملك بن مروان( ).
وهذا ما يفصح عنه تعبير (الإصابة في الوصف أو إصابة الوصف) فإذا كان مفهوم (الإصابة في الوصف) يعني مقدرة الشاعر على تصوير الموصوف تصويراً مطابقاً لصفاته ومكوناته ليحيط به إحاطة تامة، ويلم به على نحو صحيح، فإن هذا يشير إلى أن الشاعر إنما يرصد الأشياء رصداً خارجياً، ويحاول أن يحاكيها محاكاة لفظية خاصة، في محاولة تمثيلها صوتياً، على نحو لا يختلف فيه القول عن الواقع من جهة الوصف، أي المطابقة بين لغة الوصف ومكونات الموصوف من جهة الرسم.
وفي لفظة "الإصابة" ما يدلل على دقة النظر إلى الأشياء، لا باعتبارها دالة مجازياً على رؤى متعددة، أو موحية بيانياً، إنما إصابة دقائق الموصوفات المادية، بالشكل الذي يحيط بها عند الوصف. وهو ما يحافظ على (شيئية الموصوفات المادية) محافظة خارجية من دون أن يكسبها أي لون روحي بل خارجي مادي. أي تجسيم الأشياء تجسيماً لا يمنحها صفة الدلالة على آفاق معرفية أخرى.
وهذا متصل بطبيعة الوعي المجازي للغة الشعرية، ذلك الوعي الذي تدرج من إعطاء التشبيه أهمية كبيرة عند العرب "الذين صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فلا تعدو أوصافهم ما رأوه منها وفيها"( ) إلى إعطاء الاستعارة أهمية كبيرة عند المحدثين، ولا سيما عند أبي تمام الذي امتاز بالإيغال والمبالغة في لغة الاستعارة، حتى عدوا مبالغته خروجاً على طريقة القدماء في التعبير الشعري، لأن الوصف المجازي الذي تخرج إليه الاستعارة لا يتصف بالإصابة.
-المقاربة في التشبيه:
لما كان التشبيه قائماً على ملاحظة صلة ما بين شيئين حسيين أو متخيلين على نحو يقود المتلقي إلى الإحساس بما أحس به المرسل، فقد ذهب سائر النقاد إلى تفضيل التشبيه الذي يقع بين شيئين يشتركان في أكثر صفاتهما، فقد أشار قدامة بن جعفر إلى أن "أحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يداني بهما إلى حال الاتحاد"( ) كذلك قال ابن سنان الخفاجي أن "الأحسن في التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته ومعانيه، وبالضد حتى يكون رديء التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به"( ).
ولما كانت أكثر تشبيهات الشعراء السابقين ولا سيما الجاهليين، تتصف بالحسية، قريبة من الواقع، غير موغلة في التخييل، يقل فيها التشبيه العقلي القائم على الأمور المعنوية، على نحو ما نلحظ في شعر امرئ القيس من تشبيه حسي مباشر صادر عن مقومات بيئته، فقد صارت ذائقة النقاد القدماء- وقد ألفت هذا النمط من التشبيه- غير راغبة في التشبيهات الغامضة أو البعيدة، تلك التي أكثر منها المحدثون( )، أو الذين صدر شعرهم عن صنعة لافتة للنظر مثل أبي تمام، فكان التشبيه البعيد المحتاج إلى التفسير والذي لا يقوم بنفسه في المرتبة الأخيرة، كما قال المبرد، من أن العرب "تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه، وهو أخشن الكلام"( ) لأنه محتاج لإعمال العقل وطول التأمل، ومن هنا كان "أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب فيه الحقيقة، ونبه بفطنته على ما يخفى عن غيره، وساقه برصف قوي واختصار قريب"( ).
على أن أشعار القدماء لا تخلو من صفة المبالغة في التشبيه كما في قول الأعشى( ):
فلو إنّ ما أبقيتَ منّي معلق
بعودِ شمامٍ ما تأوَّدَ عودُها

إذ قال المبرد: هذا متجاوز وأحسن الشعر ما قارب فيه قائله( )، لأنه يتوخى إقامة الصلة الواضحة بين المشبه والمشبه به بالشكل الذي يظهر فيه وجه الشبه جلياً، وعلى الشاعر إبراز الصفات التي يتسم بها المشبه به، على نحو خاص لو انعكس التشبيه لم ينتقض بسبب ما بين الطرفين من الالتقاء والتقارب.
ولما صار التشبيه عند المحدثين على نحو خاص قريباً من الاستعارة متصلاً بها حتى احتاج النقاد إلى تمييز الاستعارة من التشبيه، فقد بدا أن التشبيه لم يكن محط خلاف كبير بين النقاد والبلاغيين العرب، مثلما كانت الاستعارة، وسائر فنون البديع( ).
وقد مال الشعراء المحدثون إلى التشبيهات العقلية المتصفة بالغموض حتى صاروا إلى الاستعارة عندها، صارت مأخذاً على أبي تمام، على حين أخذوا على المتنبي بعده الإيغال في التشبيه( )، ربما بسبب أن الاستعارة، بوصفها تشبيهاً محذوفاً أحد طرفيه، مما يتصف به شعر الحضارة، على حين يتصف شعر البداوة بالتشبيهات لأن عناصر عمود الشعر ومنها التشبيه المتناسب صادرة عن طريقة العرب الأوائل في قول الشعر ومعبرة عنها، فقد نظروا في (المقاربة في التشبيه) مما يحتكم إليه في معرفة مدى ارتقاء الشاعر إلى مجاراة طريقة العرب والالتزام بها، على الرغم من أن المبالغة أو الإيغال في التشبيه كثيرة في أشعار الأوائل حتى صارت عند المحدثين مذهباً عاماً( ).
وحين أسس الجرجاني في (الوساطة) لـ(عمود الشعر) أخذ بالتفريق بين الاستعارة والتشبيه لأنه رأى بعض الدارسين لا يفرق بينهما، مستشهداً بقول أبي نواس( ):
والحبُ ظهرٌ أنتَ راكبهُ
فإذا صرفتَ عنانهُ انصرفا

إذ يقول: "ولست أرى هذا وما أشبهه استعارة، وإنما معنى البيت: أن الحب كظهر تديره كيف شئت، إذا ملكت عنانه، فهو إما ضرب مثل أو تشبيه شيء بشيء، وإنما الاستعارة ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة وجعلت في مكان غيرها وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر"( ) فالاستعارة عند الجرجاني لفظ مستخدم في غير ما هو له في أصل وضعه الأول، فيكتفي المتكلم بالاسم المستعار من دون الأصل بالشكل الذي تكون فيه القرينة الدالة على الاستعارة بين المشبه والمشبه به المحذوف، موحية بعلاقة شبه، ذلك يرى ملاك الأمر في، تقريب الشبه ومناسبة المستعار منه للمستعار له، على النحو الذي يمتزج فيه اللفظ بالمعنى امتزاجاً دالاً على الطبع حتى لا تكون بينهما منافرة.
تواضع النقاد على عد التشبيه مقوماً من مقومات الشعرية العربية، حتى شاعت تشبيهات بعينها بسبب من تقليد اللاحق للسابق فقالوا، بأن بعض التشبيهات لا تقع السرقة فيها و"متى نظرت فرأيت تشبيه الحسن بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، والصب المستهام بالمخبول في حيرته والسليم في سهره والسقيم في أنينه وتألمه، أموراً مستقرة في النفوس، متصورة للعقول، يشترك فيها الناطق والأبكم والفصيح والأعجم، والشاعر والمفحم، حكمت بأن السرقة عنها منتفية"( ).
فشيوع هذا النمط من التشبيهات راجع إلى صدور المتأخر شعرياً عن المتقدم، فصار المتقدمون محور الشعرية للمتأخرين الذين أورثوها من جاء بعدهم بوصفها جزءاً لازماً من تقاليد الشعرية العربية. حتى إذا صدر بعض المحدثين- في هذا الأسلوب- عن وحي نفسه وما ترضاه ذائقة عصره مؤسساً لشعره خصوصية عد بعض النقاد تلك الخصوصية خروجاً على (عمود القدماء) أو أنه يتطلب في تشبيهات المحدثين تقليد السابقين، فإذا قال المتنبي( ):
تجاذبَ فرسانِ الصباح أعنّةً
كأن على الأعناقِ منها أفاعيا

استرجعوا قول ذي الرمة( ):
رجيعةُ أسفارٍ كأنّ زمامها
شجاعُ لدى يسري الذراعين مطرقُ

ولكن الجرجاني خالف الرأي الشائع مشيراً: إلى أن في بيت أبي الطيب معنى، يخرجه عن اتباع بيت ذي الرمة، "لأن ذا الرمة لم يزد على التشبيه، وليس هو الذي قصده أبو الطيب، وإن كان قد جرى في غرض بيته، وإنما أراد أنها لا تترك الأعنة تستقر في فرسانها، لما يزعجها من سورة المرح، فكأن الأعنة أفاعي تلدغ أعناقها، إذا باشرتها فيجاذبها الفارس فرسه وهي تجاذبه إياها، وهذا غرض آخر، ومقصد لم يتعرض له ذو الرمة"( ).
ولكن الجرجاني يرى المتنبي في قوله( ):
فكأنهُ والطعنُ من قدامهِ
مُتخوفٌ من خلفهِ أن يُطعَنا

ناظراً في قول بكر بن النطاح( ):
كأنكَ عند الكرِّ في حومةِ الوغى
تَفرُّ من الصفِ الذي من ورائكا

فالمعنى المشترك بين البيتين هو (خشية الفرد مما خلفه على الرغم من أنه يجابه عدواً أمامه) وهذا معنى يقتضي شيوعه من الناظر فيه أو إليه أن يعنى بطريقة التعبير عنه أولاً.
أي أن النظر إلى الفكرة أو المحتوى الموضوعي، وليس لشكل البناء الفني، وهذا الشكل من النقد شاع عند القدماء، على أن التقاء الشعراء في الأفكار أو المضامين، لا يضعف الفن الشعري عندهم، إذا تميز الشاعر بأسلوب شكل التعبير الفني.
-غزارة البديهة:
تأتي عند الجرجاني بوصفها موقفاً شعرياً، كونها دالة على أصالة الشاعرية في الشاعر ثم قوة رد فعله تجاه المؤثرات الخارجية، مما يشير إلى تعدد الموضوعات التي يقول فيها شعره بتعدد المؤثرات التي تحيط به، ومن هنا فإن قوة البديهية تعني غزارتها كماً ونوعاً. على أن البديهة هنا ليست الارتجال، "لأن البديهية فيها الفكرة والتأييد والارتجال ما كان انهماراً وتدفقاً، لا يتوقف فيه قائله"( ).
وغزارة البديهية- في ضوء هذا- صفة فحول الشعراء، لكشفها عن معالجاتهم لموضوعات متعددة، يبدعون فيها جميعاً، فلا يكونون في غرض أبدع منه في غيره على نحو متناسب( ).
وقد قال الجرجاني: أن العرب تسلم قصب السبق للشاعر الذي، وصف فأصاب وشبه فقارب وبده فأغزر( )، أي أصاب الحقيقة عند الوصف شعراً، والمقاربة في التشبيه من خلال توخي أن يكون الطرفان متقاربين في أكثر صفاتهما، وأن يكون الشاعر متمكناً بقوة من القول الشعري، تجاه أي مؤثر خارجي.
وفي هذا كان ذكياً حين: قدم ما يجب أن يكون عليه الشاعر في التعبير شعرياً عن الموصوف من "الإصابة في الوصف" فتكون أداة التعبير متميزة فنياً في التقريب بين مكونات الموصوف تقريباً حسياً محسوباً على نحو دقيق. ثم أشار بعد الموضوع والأداة إلى ذاتية الشاعر ومدى قدرتها الشعرية على التعبير عن تأثرها بالمحيط، أي سرعة استجابتها للمؤثرات الخارجية في خلال التعبير الشعري عنها، وغزارة تلك الاستجابة على البديهية.
فالموضوع أولاً، والأداة ثانياً، وصفة الذات الشاعرة ثالثاً. وربما كان هذا النظر النقدي متصلاً بعنايتهم بالموضوع والمضمون أكثر من لغة التعبير أو الشكل الفني، ثم كان طبيعياً أن تكون العناية بالذات الشاعرة متواضعة، لاتصاف الشعر بالوظيفية.
ومن هنا تقدمت الموضوعات ذات الأثر الجماعي، كالمديح والهجاء والفخر والرثاء وتأخرت الموضوعات المتصفة بالذاتية، وهكذا كان ذو الرمة ربع شاعر كونه يحسن صفة الدمن والآثار، ولا يجيد على نحو بارع الفخر والهجاء والمديح( ).
وهكذا تؤدي هذه المقومات الثلاثة: إصابة الوصف، المقاربة في التشبيه، غزارة البديهية، إلى المعطى الشعري الأخير وهو: (كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة).
-كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة:
وهما معاً مما تواضع العرب على عده مقوماً شعرياً، وفي قولهم، أشعر بيت، وأمدح بيت، وأهجى بيت،... ما يكشف عن هذا المنحى في النظر النقدي، ويشير إليه أي أن مصطلح (الأمثال السائرة والأبيات الشاردة) كاشف عن أصالة الشاعر وتفرده.
فالبيت الشعري الشارد فوق ما قبله وما بعده في القوة الفنية، فهو قمة في الأداء الشعري، لذا كانت الأبيات الشاردة، أمثالاً سائرة ومعان مستوفاة "لم تجد في أخواتها وجاراتها جنبها ما يصلح لمصاحبتها"( ).
على أن الأصالة في الأبيات الشاردة تستوجب من الناقد درجة من الثقافة رفيعة وإحاطة بالموروث الشعري كبيرة، مما حدا بالجرجاني إلى عدم الحكم الفصل في فرادة البيت الذي قد يراه متفرداً، إذ قال: "وليس لك أن تلزمني ذلك، وإفراده والتنبيه عليه بأعيانه كما فعله كثير ممن استهدف للألسن، ولم يحتر من جناية التهجم، فقال: معنى فرد، وبيت بديع، ولم يسبق فلان إلى كذا، وانفرد فلان بكذا، لأني لم أدع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر، بل لم أزعم أني نصفته سماعاً وقراءة"( ).
ولكن الجاحظ ذكر أن التفرد أو الأصالة، إذا كان في صورة شعرية بديعة، يسهل الإشارة إليه على نحو دقيق، فضلاً عن أن السرقة فيه صعبة يسهل كشفها وقد استشهد بوصف عنترة بن شداد للذباب، إذ وصفه بأسلوب متفرد أجاد فيه الصفة حتى تحامى معناه الشعراء، ولم يتعرضوا له، وظل متصفاً بالتفرد( ).
وقد كان الجرجاني ناجحاً في مقاربته بين غزارة البديهية والأمثال السائرة، والأبيات الشاردة، لأن البديهية أي قوة رد الفعل الشعري تجاه المؤثرات الخارجية تؤدي إلى كثرة معالجاته الشعرية بكثرة تعدد تلك المؤثرات، وهو أمر يكاد أن يكون سبباً في كثرة الأبيات الشاردة في ثنايا تلك المعالجات الشعرية.
وفي سياق انتصار الجرجاني للمتنبي، شدد على النظر إلى سيئاته مع وضع حسناته في ميزان الحكم، طالباً إلى متلقيه، أن يأخذ بكل سيئة عشر حسنات( )، ناظراً في أمثال المتنبي السائرة وأبياته الشاردة كونها مقوماً شعرياً أخذ به العرب قديماً، وتوفر شعر المتنبي عليه بشكل فني كبير، يقدمه على سواه، ويقوم حجة له على من يحط من شأنه.
ثم يأتي إلى أمثال المتنبي السائرة وأبياته الشاردة، فيستشهد لتأييد رأيه بـ(138) مئة وثمانية وثلاثين بيتاً. أكثرها أبيات مفردة، ويقل فيها البيتان، ولم يتجاوز إلى ثلاثة أبيات إلا في أربعة مواضع( )، واستشهد بأربعة أبيات في ثلاثة مواضع( ) أما سائر ما استشهد به من شعر المتنبي فيقع في البيتين، والغالب ما كان بيتاً واحداً، لهذا يعتذر عن الاستشهاد بالمقطوعة والقطعة والنتفة، بأن اقتطاع الأبيات من سياق القصيدة يقتضي الإبقاء على ما قبلها وما بعدها، إذ يقول مبرراً "التقطنا من عروض الديوان أبياتاً لم نذهب- إن شاء الله- في أكثرها عن جهة الإصابة، فإن وقع في خلالها البيت والبيتان فلأن الكلام معقود به، والمعنى لا يتم بدونه، وما يتقدمه، وما يليه مفتقر إليه، أو الغرض لا تعظم الفائدة إلا بذكره"( ).
نخلص مما سبق إلى أن النقد العربي أعطى لمصطلح (الأبيات الشاردة/ الأمثال السائرة) أهمية خاصة، كون الذائقة النقدية عند العرب أخذت به في الحكم على الشعراء، في خلال: أشعر بيت قالته العرب، أمدح بيت وهكذا، وكأن شعرية الشاعر تقوم في المحصلة الأخيرة في هذا البيت أو ذاك، ومنهج الحاتمي في (حلية المحاضرة) يكشف عن هذا الاتجاه بوضوح.


***


رد مع اقتباس