عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 5 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق





الفصل الثالث

النظرية



المبحث الأول: نظرية عمود الشعر عند المرزوقي
المبحث الثاني: نظرية الشعر عند كاسيوس لونجينوس
(لونجينوس- المرزوقي/ مقارنة)
المبحث الثالث: نظرية الشعر عند دونالد استوفر
(المرزوقي- استوفر/ مقارنة)







النظرية
تم في الفصل الأول قراءة أصول عمود الشعر، في النقد التوثيقي أو التسجيلي، كما تمثل في طبقات فحول الشعراء لابن سلام والشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات الشعراء لابن المعتز، إذ كانت عناية النقاد بتوثيق الأشعار وأخبار شعرائها أكبر من عنايتهم بالتنظير النقدي، أو قراءة الشعر على وفق نظرية نقدية واضحة المعالم، ثم قراءة مقومات عمود الشعر على نحو واضح في خلال الإشارة لأسس العمود من دون اعتماد المصطلح في النقد التنظيري، كما تمثل عند ابن طباطبا العلوي على نحو خاص في (عيار الشعر) ثم عند قدامة بن جعفر في (نقد الشعر) ثم اعتماد مقومات عمود الشعر بعد القول المباشر بالمصطلح في النقد التطبيقي كما تمثل عند الآمدي في (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) ثم اكتملت الصورة عند عبد العزيز الجرجاني في (الوساطة بين المتنبي وخصومه).
أما الصورة النظرية الكاملة لعمود الشعر، بمقوماتها ومعاييرها فقد قال بها أبو علي المرزوقي (ت421هـ) في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام. وهي الصورة المعبرة عن استقراء المرزوقي للنقد العربي السابق له، على نحو ما تم عرضه في الفصل الأول، ولكن هذه الصورة لها ما يشبهها ليس في النقد العربي الذي سبق المرزوقي فقط، كما سبق، إنما في النقد السامي القديم، لذا فقد توفر هذا الفصل على قراءة دراسة في التراث السامي القديم، هي دراسة الناقد العربي التدمري كاسيوس لونجينوس، الفيلسوف والبلاغي التدمري في مقالته المعنونة بـ(في السمو- Perihapus) التي وضعها باللغة اللاتينية، بعد أسره من (تدمر) إلى (روما) مع الملكة التي كان يعمل مستشاراً لها وهي (زنوبيا).
وفي مقالته (في السمو) جاء بمعايير تقارب ما جاء به المرزوقي وقبله الجرجاني، مع الفارق الزماني والمكاني بينهما، إذ عاش لونجينوس في القرن الثالث الميلادي، أما المرزوقي فمن القرن الخامس الهجري. والتقارب بين لونجينوس والمرزوقي أو الجرجاني يكشف عن خصوصية الشعرية السامية ولا سيما العربية، ولعلها تتضح أكثر عند مقاربتها بقراءة الشعرية الآرية ولا سيما عند اليونانيين القدماء مع أرسطو في (فن الشعر) ثم مع الناقد الأميركي استوفر في كتابه (طبيعة الشعر) إذ جاء بسبعة معايير أيضاً يراها مقومات للشعرية الغربية، لا يختلف فيها عن أرسطو، بل يعده أفضل ناقد للشعرية الغربية، والمقاربة بين هذه العناصر السبعة عند استوفر وعناصر المرزوقي السبعة أيضاً، تكشف عن خصوصية الشعرية العربية، على نحو متميز. وسنعرض لها كما قال بها المرزوقي ثم كما قال بها لونجينوس قبله لتبين ملامح التقارب بينهما، وصولاً إلى ما يميز الشعرية العربية من مقومات. ثم قراءة عناصر طبيعة الشعر الغربي السبعة كما قال بها استوفر مقارنة بعناصر عمود الشعر السبعة عند المرزوقي، وصولاً إلى خصوصية الشعر العربي بالقياس إلى الشعر الغربي، ثم المقاربة بين ما جاء عند المرزوقي وما قال به استوفر، وصولاً إلى تحديد خصوصية الشعر العربي، كما مثلها (عمود الشعر)، كونه يمثل مذهب الأوائل في التأليف الشعري.





(المبحث الأول)
نظرية عمود الشعر عند المرزوقي


عناصر عمود الشعر، كما استقرت عند المرزوقي، صدرت عن طريقة العرب في قول الشعر وكشفت عنها، ذلك أن المنهج النقدي عند المرزوقي حاول أن يتبين العناصر الناضجة، التي ينبغي الإبقاء عليها، للحفاظ على الشعرية العربية، لكنه كان واقعاً في أسر التقليد، إذ عد طريقة الشعراء العرب في عصور العربية التي سبقته ناظراً إلى العصر الجاهلي بوصفه المرتكز الأساس لفهم طريقة العرب في القول الشعري، أي أنه جاء بمعايير أو قواعد سابقة لأنه استقاها من جودة نص سابق، واحتكم إليها في بيان جودة كل الشعر اللاحق.
وقد نص على عمود الشعر بقوله: أن العرب في قولهم الشعر إنما "كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف- ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأبيات وشوارد الأمثال- والمقاربة في التشبيه والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار لـه، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما- فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار.
- فعيار المعنى، أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء.. خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته.
- وعيار اللفظ، الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم.
- وعيار الإصابة في الوصف، الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقاً في العلوق ممازجاً في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرؤ منه، فذاك سيماء الإصابة فيه.
- وعيار المقاربة في التشبه، الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس وأحسنه ما أوقع بين شيئين، اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة.
- وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما لم يتعثر للطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال، فذلك يوشك أن يكون القصيد منه كالبيت والبيت كالكلمة، تسالما لأجزائه وتقارنا.
- وعيار الاستعارة، الذهن والفطنة، وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل، حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفى فيه بالاسم المستعار، لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له.
- وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، طول الدربة ودوام المدارسة... وأما القافية، فيجب أن تكون كالموعود المنتظر، يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه( ).
ثم يذكر بعد عناصر العمود ومعاييره، أن هذا هو الأنموذج في الإبداع الشعري، كون هذه الخصال، إنما هي عمود الشعر عند العرب "فمن لزمها بحقها وبنى عليها شعره، فهو عندهم المفلق المعظم، والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلها، فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن"( ). ويمكن تقسيم عناصر عمود الشعر عند المرزوقي على ثلاثة أقسام:
- قسم يخص جرس اللفظ ومعناه، في خلال موقعه في البيت الشعري من السياق.
- قسم يخص المفهوم الإجرائي الجزئي المتعلق بتأليف القصيدة.
- قسم يشتمل على تصوير معان جزئية، تشتمل على علاقات خاصة، تصلها ببنية النص الشعري كله.
وبعض الدارسين قسم عناصر عمود الشعر على ثلاثة أقسام أيضاً هي:
-قسم العناصر التكوينية، ويشتمل هذا القسم على: شرف المعنى، صحة المعنى، جزالة اللفظ، استقامة اللفظ، التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.
- قسم العناصر الجمالية، ويشتمل على: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له.
- قسم العناصر الإنتاجية، ويتوفر على: غزارة البديهة، كثرة الأمثال السائرة، كثرة الأبيات الشاردة( ).
ومن النقاد من درسها على وفق المستويات الأسلوبية، كون البحث الأسلوبي يعنى بالقواعد التكوينية للشعر، تلك التي تشكل بنيته، ودراسة هذه المكونات من خلال مستويات البنية: الصوتية والتركيبية والدلالية، ويمكن إعادة تشكيل عناصر عمود الشعر أسلوبياً، بوصف تلك العناصر، مقومات البنية الشعرية، لأن العمود يرتكز على المقومات الأسلوبية الصوتية واللغوية والبلاغية، ويمكن تقسيم عناصره، على ثلاثة مستويات:
- مستوى المقوم الصوتي أو العروضي ويندرج تحته، التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما القافية حتى لا مناظرة بينهما.
- مستوى المقوم اللغوي، أو المستوى التركيبي، ويأتي ضمنه: جزالة اللفظ واستقامته وشرف المعنى وصحته.
- مستوى المقوم البلاغي، أو المستوى الدلالي، ويتضمن في سياقه: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له( ).
وعناصر عمود الشعر عند المرزوقي هي مقومات الشعرية العربية، كما يراها حتى عصره لأنها "إجماع مأخوذ به، ومتبع نهجه حتى الآن"( ).

فقد اشترط المرزوقي في اللفظ شروطاً، هي الجزالة والاستقامة والمشاكلة للمعنى، وشدة اقتضائه للقافية بالشكل الذي تكون فيه القافية كالموعود المنتظر.
واشترط في المعنى شروطاً أيضاً هي: الشرف والصحة والإصابة عند الوصف واشترط في البناء العام للقصيدة شروطاً كذلك هي: المقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.
وهذا التقسيم لعناصر العمود ظاهر عند المرزوقي كما سبق في مقولته( ).
-العنصر الأول في عمود الشعر هو: شرف المعنى، أي سمو المعنى في مناسبته لمقتضى الحال، ذلك السمو الذي يرتضيه، العقل السليم، ويتقبله الفهم النافذ، وصحة المعنى على نحو منطقي تتماشى فيه مع العرف، بالشكل الذي يرتضيه العقل السليم ويتقبله الفهم الثاقب أيضاً.
وهذا فهم صادر عن نظر عقلي منطقي، ويأخذ المعنى الذي يتقبله العقل، لأن العرف العام كان قد أثبته، وغالباً ما يتسم بالمنحى الأخلاقي التعليمي، أكثر منه بالمنحى الجمالي الباعث على اللذة.
ويقدم المعنى، ناعتاً إياه بالسمو والصحة، وهو ما يخص المتلقي، من جهة التقبل والفهم، ويخص القائل من جهة الخضوع للعرف الذي يريده المتلقي، على نحو يخضع فيه القائل لاشتراطات المتلقي، أكثر من نظر المتلقي في تجربة القائل الفنية الجمالية.
-أما العنصر الثاني وهو جزالة اللفظ واستقامته، فهو ما يقابل فيه العنصر الأول، إذ يقابل شرف المعنى جزالة اللفظ، فيما تقابل صحة المعنى استقامة اللفظ، أي أن هناك مقاربة نظرية لعنصري المعنى مع عنصري المبنى، فإذا "كانت جزالة اللفظ تخص الأسلوب أو النسيج الشعري، فإن استقامة اللفظ تتعلق بوظيفته في هذا النسيج. وهنا فإن عنصري المعنى يتقابلان مع عنصري المبنى، فجزالة الأسلوب تقابل شرف المعنى، واستقامة اللفظ توازي صحة أداء المعنى. أما المرزوقي فقد خلط بين جزالة اللفظ واستقامته"( ) فقال: "وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فلما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم"( ).
وقد اشترط الدارسون في جزالة اللفظ، اشتماله على شروط: هي أن لا يكون سوقياً مبتذلاً، ولا يتسم بالغرابة، بالشكل الذي لا تجهله العامة إذا سمعته( )، وقد تختص به الطبقة المثقفة، أما استقامة اللفظ فقد اشترطوا فيها: أن يكون اللفظ خالياً من تنافر الحروف، وأن يكون من حيث الدلالة مستقيماً، غير بعيد عن دلالة أصل الوضع اللغوي متجانساً مع الألفاظ في تأليف السياق التركيبي( ).
-أما مشاكلة اللفظ للمعنى، فهي أقرب إلى اصطلاح (المساواة)، أي أن يكون اللفظ على قدر المعنى، وممن خالف هذا عند النقاد القدماء الأعشى في قوله( ):
استأثرُ الله بالوفاءِ وبالعد
لِ وولى الملامة الرجلا

لأنه قال: (الرجل) ولم يقل (الإنسان) لأنهم يرون الملامة في العرف الاجتماعي وفي أصل الدلالة المتداولة قد تكون للرجل مثلما تكون للمرأة( ).
وامتدحوا القافية التي ترد في سياق البيت الشعري (كالموعود المنتظر) من مثل قول الحطيئة( ):
هُم القومُ الذين إذا ألمتْ
من الأيامِ مظلمةٌ أضاؤوا

إذ جاءت كلمة (أضاءوا) في مكانها، مناسبة لسياق القول في هذا البيت( ).
وقد كان العيار في (مشاكلة اللفظ للمعنى) طول الدربة ودوام المدارسة، أي أن كثرة النظر في قول الآخر والتمرس فيه وبه يخلق في المقلد قدرة على التعبير الشعري المتناسب.

ومن هذا كان شرف المعنى وصحته عند المرزوقي متصلاً بمدى موافقته لما يرتضيه الجميع، كونه الأنموذج الأفضل، والشريف من المعنى هو المتصف بالصحة والصواب إبعاداً له عن الخطأ الذي لا يمكن تبريره عند النظر في ما عليه الواقع الحاضر أو التاريخي.
فالمعنى ينبغي أن يكون شريفاً في مناسبته لمقتضى الحال من خلال أنك إذا مدحت قصدت أنبل الصفات وأعلاها، وإذا تغزلت أسبغت أجمل السمات وأحلاها، وإذا فخرت أظهرت أعلى الفضائل وأسماها، وإذا هجوت نبشت عن أقسى المساوئ وأقصاها وهكذا وكذلك ينبغي أن يكون المعنى متصفاً بالشرف صحيحاً عند قياسه إلى الواقع الذي يصدر عن تصويره. ومن مخالفة العرف عند الآمدي قول البحتري( ):
نصرتَ لها الشوقَ اللجوج بأدمعٍ
تلاحقنَ في أعقابِ وصلٍ تَصرما

كون الشوق- على رأي الآمدي( )- يشفيه البكاء، ولا يبعث على الزيادة فيه، وهذا نظر عقلي يؤيده العرف لا منطق الشعر.
ومن مخالفة العرف اللغوي لا الاجتماعي قول أبي تمام( ):
وكأن المطلَ بدء وعود
دخاناً للصنيعةِ وهي نارُ

إذ خالف عرف اللغة لأنه شبه المطل بالدخان، والصنيعة بالنار، وصرح في التشبيهين بالمشبه والمشبه به وهو كلام مستقيم، ولو جعله استعارة وقال: "أقبستني ناراً لها فإن لم يجز إذ لم يتقرر في العرف شبه بين الصنيعة والنار( ).
فإذا كان عدم مخالفة العرف الاجتماعي يؤدي إلى الجمود في التقليد، فإن عدم مخالفة العرف اللغوي البياني قد يحدد الخيال، ويقيده باشتراطات أسلوب بياني مخصوص، ذي طبيعة تقليدية.
-أما الإصابة في الوصف عند المرزوقي فتشير إلى دقة الشاعر في أن يضفي على الموصوف أعلى الصفات العالية التي عليها طبقته أو خاصة طبقته، كأنه ينطلق في هذا من تأييد النقاد لقول عمر بن الخطاب (رض) حين قال في زهير: "كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال"( ).
أي أن المادح لا يخص الممدوح بصفاته الشخصية فقط، إنما يمدحه بالصفات النبيلة المحمودة التي عليها طبقته، فإذا مدح قائداً وصفه بألصق الصفات النبيلة الممدوحة في القائد الشجاع، وإذا مدح كريماً خصه بالصفات العامة لأنموذج الرجل الكريم وهكذا.
على أن كلمة (الإصابة في الوصف) تدلل على المنحى العقلي المباشر، كأن الشاعر ينظر للشكل الخارجي المباشر للموصوف، فيمعن النظر إليه وفيه، ليصيب منه وصفاً ما يكون بارزاً ظاهراً فيه ومنه، مما يشترك في قبوله والعناية به، سائر المتلقين، وبأسلوب من البناء اللغوي والفني الشعري المؤثر، فتكون: الإصابة في الوصف كاملة، لاشتمالها على قسمي: الشكل والمضمون. وهنا يكون معنى الإصابة في الوصف، شمول الموصوف بما يتصف به ويشكل خصوصيته في النظر العام، وهذا منهج عقلي يقتضي من الشاعر ذكاء حاداً وفطنة مميزة وحسن تقدير، وهذا ما جعل المرزوقي يعد عيار الإصابة في الوصف، الذكاء وحسن التمييز.
-أما المقاربة في التشبيه، فتكشف عن المنحى التقريبي في أسلوب التشبيه، فكأنّ وظيفة التشبيه أن يكون القاسم المشترك بين المشبه والمشبه به (وجه الشبه) واضحاً متصفاً بالمقاربة، وهنا كان أصدق تشبيه عند المرزوقي "ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، ليبين وجه الشبه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه، أشهر صفات المشبه به، وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس"( ).
وهذا نظر توضيحي ذو سمات تعليمية مباشرة، يهدف إلى تبيين وجه الشبه بلا كلفة، ذلك أن التشبيه النادر عند المرزوقي هو المتصف بالوضوح من دون طول نظر، وهو يشكل ركناً من أركان الشعرية العربية المبنية على ثلاثة أقسام: "مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة"( ).
وما يجمع هذه الأقسام الثلاثة هو الوضوح والبيان، اللذان لا يقتضيان طول نظر، ولا إعمال فكر، ذلك أن المثل السائر إنما هو سائر لاتفاق الذين سار بينهم عليه، وصدوره عن خصائص وسمات تعبيرية تجعله متصفاً بالوضوح. والتشبيه النادر قريب مما سبق ذكره، فإذا ارتفع قليلاً بغياب أحد ركني جملة التشبيه الرئيسين، صار استعارة قريبة، وقربها بدلالة التشبيه، حتى كان مفهوم الاستعارة هو التشبيه الذي حذف أحد طرفيه.
-أما مناسبة المستعار منه للمستعار لـه فصادرة عما يقتضيه العرف اللغوي على الصعيد الاجتماعي أو العرف اللغوي على الصعيد المجازي، الذي أخذ به المرزوقي في عمود الشعر، وقد ذكر بعض الدارسين أن العرف اللغوي يأخذ جانبين متميزين لا ينبغي الخلط بينهما "أولهما ما تفرضه كل لغة على أهلها في وجوه المجازات، وثانيهما ما يخص الجانب التقليدي باتباع ما قاله الأقدمون في المجاز وضروب الخيال"( ).
ومن الاتجاه الأول، الذي هو العرف اللغوي الذي توجبه كل لغة على أهلها، كونه الحقيقة التي ينكشف في خلالها المجاز، ومن هنا كان العرف اللغوي أساس الاستعارة. ومن الاستعارات التي عدها المبرد شاذة على العرف قول الشاعر:
بَلْ لو رأتني أختُ جيراننا
إذ أنا في الدارِ كأني حمارْ

إذ يستبعد العرف التشبيه بالحمار لبيان القوة، إنما الشائع هو أن يشبه بالحمار في البلادة وليس في القوة( ).
والاتجاه الثاني (العرف التقليدي) يشير إلى انطلاق من يحاول التجديد مما ارتضاه العرف التقليدي من دون أن يتحدد خيال الشاعر بما ورد في كلام السابقين، فهو ينطلق من الموروث، مجدداً أكثر منه مخالفاً، ومن أمثلته قول أبي نواس، حين شدد عليه الخليفة في الخمر( ):
كبر حظي منها إذا هي دارتْ
أن أراها وأن أشمَ النسيما

فكأني بما ازين منها
قعديّ يزين التحكيما

لم يطقْ حملهُ السلاح إلى الحر
بِ فأوصى المطيق ألا يقيما

ومن أمثلة الشعر الأخرى التي خرج فيها الشعراء على العرف التقليدي أيضاً، قول أبي تمام( ):
إذا ما رحى دارتَ أدرت سماحةً
رَحى كلّ إنجازٍ على كل موعدِ

إذ جعل أبو تمام إنجاز الوعد بمثابة طحنه بالرحى، وهو قضاء عليه، وذلك لا يكون إلا بالخلاف( ).
وينظر النقاد العرب في مثل هذه الأشعار، نظراً فردياً ينحو نحو الذوق الشخصي حيناً أو يحتكمون إلى طريقة العرب في البيان أحياناً أخرى، طالبين إلى الشاعر أن يكون فطناً في قراءة الموروث السابق، مستوعباً حالات التميز الشعري فيه حتى إذا سار على نهجها كان ذا وعي فطن وذهنية يقظة، ولهذا جعل المرزوقي عيار مناسبة المستعار منه للمستعار له، الفطنة وحسن التقدير أي الذهن والفطنة.
-والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، مقوم نقدي متصل بالنظر في بنية القصيدة انطلاقاً من وحدة البيت الشعري، وبيان حسن التخلص في بناء موضوعات القصيدة وصولاً إلى الغرض الرئيس.
وأسلوب الانتقال من موضوع لآخر في القصيدة الجاهلية التي اتخذها المرزوقي أنموذجاً لا يعني بناء القصيدة على نحو من الوحدة العضوية، إنما محاولة ربط موضوعاتها، بـ(حسن التخلص) الذي ينتقل في خلاله الشاعر من موضوع لآخر، محاولاً إضفاء صفة التماسك على البناء الظاهري للقصيدة. وهو ما لم يعن به الجاهليون عناية المحدثين( ).
ولكن يمكن الإشارة إلى أن أول ناقد أشار إلى أهمية الوحدة في القصيدة العربية، بأسلوب يبدو في الظاهر أنه متأثر بالمفهوم الأرسطي لوحدة القصيدة. وليس بمتأثر، هو ابن طباطبا العلوي في عيار الشعر إذ قال: "وأحسن الشعر ما ينتظم فيه القول انتظاماً يتسق به أوله مع آخره، على ما ينسقه قائله، فإن قدم بيتاً على بيت دخله الخلل، كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقض تأليفها، فإن الشعر إذا أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها، لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وحسناً وفصاحة، وجزالة ألفاظ ودقة معان، وصواب تأليف. ويكون خروج الشاعر من كل معنى يضعه إلى غيره من المعاني خروجاً لطيفاً... حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً... لا تناقض في معانيها، ولا وهنٍ في مبانيها، ولا تكلف في نسجها"( )، ثم يكشف بوضوح عن هذا المفهوم بقوله أيضاً: "وينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه وبين تمامه فضلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنه يحترز من كل ذلك في كل بيت، فلا يباعد كلمة عن أختها، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع، هل يشاكل ما قبله؟ فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر، فلا يتنبه على ذلك إلا من دق نظره ولطف فهمه"( )، ولهذا حين صدر المرزوقي عن مفهوم ابن طباطبا أشار إلى أن عيار (التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن). الطبع واللسان فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله فذلك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة تسالماً لأجزائه وتقارناً، كما سبق ذكره، وظاهر العملية النقدية عند ابن طباطبا تكشف عن أنه يقصد، وصل الأفكار الجزئية بعضها ببعضها الآخر في البيت الشعري أو أبيات القصيدة. وليس هناك ما يدلل على أنه قصد الوحدة العضوية أو وحدة التجربة.
إنما كانت للنقاد العرب عناية بالغة بالابتداءات في الشعر والنثر، في خلال ما درسوه تحت مصطلح (براعة الاستهلال) ثم ما درسوه في (حسن التخلص) أو ما يصطلح عليه بعضهم بـ(الخروج) ثم ما درسوه ضمن ما له صلة بتأليف الكلام الشعري مثل: صحة التقسيم والاستيعاب وغيرهما( ). ثم يأتي أخيراً (المقطع) أو براعة الختام بأن يذكر الشاعر آخر ما يقف عليه من الكلام، متصفاً بالجمال والعذوبة، كونه آخر ما يعلق بالأسماع من القول( ).
يتضح من خلال ما سبق ذكره، لماذا جعل المرزوقي عيار التحام أجزاء النظم، الطبع واللسان، أي العاطفة المتقدة، والفطرة اللغوية العالية، بالشكل الذي تسهم العاطفة في أن تتركب مكونات الشكل الشعري، بدءاً من اللغة إلى تركيب أجزاء الكلام باتصال موضوعاته تركيباً متناسباً يجري الطبع بأبنيته وعقوده، ويجري اللسان في فصوله ووصوله.
ولما كان الطبع يلتذ بالتلوين الصوتي الصادر عن نظام الكلمات المرتبة في السياق النصي. والفطرة اللسانية تسهم في خلق نظام وزني منسق بأسلوب موسيقي مؤثر، فقد ذكر المرزوقي أن التركيب الخاص بانتظام أجزاء القول والتئامها يكون مشكلاً عروضياً على نحو وزني لذيذ مؤثر في المتلقي "لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه، ولذلك قال حسان:
تَغنّ في كل شعرٍ أنتَ قائلهُ
إنَّ الغناءَ لهذا الشعر مضمارُ"( )

لقد بدا واضحاً أن المرزوقي لم يطرح عناصر عمود الشعر من بنات أفكاره، إنما هي خلاصة ما صار إليه النقد العربي في عصره، إذ حاول تمثل الإرث النقدي الذي سبقه مبلوراً نظرية تجمل القول في عناصر الشعرية العربية ومعاييرها. وهذه العناصر لها ما يشبهها في التاريخ القديم عند العرب، ولها ما يمكن أن تشترك معه في التصور العام بأكثر من صلة، لارتباطها السابق بحضارة المكان (الأرض العربية) وحضارة الجنس (الأرض العربية- السامية). كما أن هناك ما تختلف عنه، وتتميز منه، لاختلافه عنها وتميزه منها في حضارة المكان والجنس (الغرب: الإغريق/ اللاتين- الآرية). وسأحاول في المبحث الثاني دراسة ما يشترك معه المرزوقي في التصور العام ثم الكشف عن عناصر التقارب.




(المبحث الثاني)
نظرية الشعر عند كاسيوس لونجينوس

إذا كان الناقد لحظة التنظير النقدي يستحضر المرجعية الحضارية التي يستند إليها حضوره الإنساني، في نفسه وفي أجداده من قبل، فإن تلك المرجعية تؤسس لحضارة الجنس الذي ينتمي إليه. ومن هنا كان النقاد الذين كتبوا في نقد الشعر العربي قد صدروا في وعيهم النقدي عن عناصر أو أسس مشتركة تجمع بينهم، مع وجود فارق زمني طالما كان هناك وعي حضاري يشتركون فيه.
من هنا فإن التقارب بين عناصر عمود الشعر كما قال بها عبد العزيز الجرجاني أولاً في القرن الرابع الهجري وبين عناصر الشعر التي قال بها كاسيوس لونجينوس في القرن الثالث للميلاد، ربما كان صادراً عن وعي حضاري تشترك فيه الشعوب السامية ولا سيما العربية التي استوطنت الأرض العربية وإن تكلمت بلسان غير لسان الضاد. ولذا قد لا يدهش المرء حين يلحظ هذا التقارب، فيجد "عناصر عمود الشعر كما أوردها أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (392هـ) في كتابه (الوساطة) وتابعه من جاء بعده من النقاد العرب، تتشابه إلى حد التطابق تقريباً، مع ما أورده في القرن الثالث للميلاد كاسيوس لونجينوس الفيلسوف والبلاغي العربي التدمري في مقالته الخالدة (في السمو) التي كتبها باللاتينية في روما، بعد ما أسرت زنوبيا ملكة تدمر، ونفيت مع حاشيتها ومستشاريها إلى روما)( )، إذ كان لونجينوس يعمل مستشاراً لها، وهذا التقارب بين عناصر عمود الشعر عند الجرجاني أو كما استقرت عند المرزوقي وبين لونجينوس، هو ما دفع بعض النقاد المعاصرين إلى القول "بأن نظرية عمود الشعر هي مفهوم عربي (سامي) يلخص تجربة العرق العربي أو الأقوام السامية في التعبير الفني"( ) ولا سيما أن "كتاب الشعر" لأرسطو يقوم بتلخيص تجربة الشعوب الغربية (الآرية) في التعبير الفني، كما يتصوره على شكل ملحمة أو مأساة أو ملهاة، وهو يختلف كل الاختلاف عن الشعر العربي، في شكله الفني الذي نجده في المعلقات مثلاً، أو فيما وصلنا من أشعار العبرانيين والفراعنة والبابليين، والفينيقيين والآراميين، الذي يكاد أن يتطابق مع الشعر العربي، ويتشابه معه حتى في وجوه اختلافه مع الشعر الآري"( ).
وهذا النظر النقدي الصادر عن تقسيم عرقي، له ما يؤيده، بحكم ما سبق قوله وبحكم اختلاف الحضارات، وأصالة كل حضارة في تميزها من سواها.
لقد حدد لونجينوس في مقالته (في السمو) العناصر التي إذا ما توفر عليها الشعر، اكتسب صفة الأصالة الفنية، وهذه العناصر هي( ):
1-قوة صياغة المفهومات العظيمة.
2-جزالة الأسلوب.
3-صياغة الصور والمجازات.
4-العاطفة الملهمة المتقدة.
5-التأليف الرفيع الجليل.
وقد يكشف هذا التحديد لمصادر السمو في النص الشعري، عن مدى عناية الناقد بالتلقي التأثري أو الاستجابة الانفعالية لجمهور الشعر بالاحتكام إلى معايير بلاغية، ثم عن مدى الأثر الشفاهي لتلقي الشعر، وهو ما قد يكون سبباً للتقارب بين لونجينوس والجرجاني ثم المرزوقي.
-يشير العنصر الأول عند لونجينوس الذي هو قوة صياغة المفهومات العظيمة إلى أن أفضل صورة للعمل الأدبي من حيث هو مضمون تكون في صياغته بشكل فني يتسم بالقوة التعبيرية التي تنحو نحواً ذا سمات أسلوبية مميزة تنأى به عن الأخطاء، وكأن قلة الأخطاء- انطلاقاً من قاعدة اللغة إلى ما تتوفر عليه طريقة العرض الأدبي من عرف فني مخصوص- تلك القلة في الأخطاء هي ما يعبر عن أصالة ذلك الكاتب أو الشاعر، لذلك يرى أن من يقع في مرتبة وسطى من الكتاب والشعراء إنما وقع فيها لقلة أخطائه وكأن الأصالة الإبداعية تتناسب عنده مع قلة الأخطاء. لذا فهو يشير إلى أن ليسياس أدنى منزلة من أفلاطون لقلة أخطاء أفلاطون.
وقد يبدو من اللافت للنظر أن يربط لونجينوس بين قول الأفكار العظيمة وبين أصالة النفس التي تطرحها إذ يقول: "إن من غير الممكن أن ينتج رجال لهم أفكار وضيعة مستعبدة شيئاً يستحق الخلود"( ) كأنه يدعو إلى تهذيب الروح الشاعرة، ومعارج النفس الإنسانية على صعيد التصور والسلوك.
وقوة صياغة المفهومات عنده بوصفها مقوماً شعرياً، قائمة على أمرين: ما يخص المعنى ثم ما يخص أداة التعبير عن ذلك المعنى، أما المعنى فيجب أن يتصف بالأصالة والسمو في مناسبته لمقتضى الحال. وأما شكل التعبير عنه، فيجب أن يتصف بالاستقامة الأسلوبية والقوة التعبيرية الفنية، ولما كان هذان العنصران يصدران عن النفس الإنسانية العالية المهذبة، فقد دعا لونجينوس الأديب إلى تهذيب نفسه، لأن الفن الرفيع لا يصدر عنده إلا عن نفس نبيلة.
وهذا التصور للأبعاد النفسية والاجتماعية في ذات الأديب يشير إلى أهمية أن يعيشها الأديب سلوكاً لتساهم في اتصاف فنه الأدبي أو الشعري بالقوة.
-أما العنصر الثاني الذي هو جزالة الأسلوب فيشير إلى العنصر الأول (قوة صياغة المفهومات) إذ ينطلق منه للتأسيس لجزالة الأسلوب، لأن قوة صياغة المفهومات في النص الشعري تكشف عن أسلوب يتصف بالجزالة، من جهة دلالته فنياً على إصابة القصد من التعبير الشعري وفيه يكشف عن مقدار الصنعة الإبداعية الكامنة في جزالة الأسلوب إذ يشير إلى إعجاب المتلقي أحياناً بالجدوى القصوى للحقيقة أو الصحة في العمل الفني بمقدار أكبر من إعجابه بأقصى حدود الحقيقة في أعمال الطبيعة.
والمتلقي الذي يعجب بالصحة في العمل الفني أكثر من إعجابه بالصحة في العمل الطبيعي يكشف عن نفس فيه، ترتفع بالفن عن حدود الطبيعة وقياساتها. ومن هنا يقول لونجينوس: "إن الطبيعة- كقاعدة عامة- حرة ومستقلة في أمور العاطفة والسمو، وإنها مع ذلك لا تنزع إلى التصرف بصورة عشوائية خالية تماماً من أي نظام أضف إلى ذلك أن الطبيعة هي المبدأ الأصلي والحيوي المستتر في كل الحالات، غير أن النظام يقدر على أن يضع الحدود والظروف الملائمة، ويستطيع أيضاً أن يقدم أضمن القواعد للاستعمال والممارسة"( ).
وتقدم قاعدة الخيال أو الإبداع الإنساني على قاعدة الطبيعة يشير إلى تفضيل المعطى الفني كونه يدلل على حرية العقل الإنساني، وروحية العاطفة الذاتية في خلق إبداعهما الخاص والعناية بسلوكهما، واشتراطات ذلك السلوك بوصفه معطى إبداعياً.
-أما العنصر الثالث وهو صياغة الصور والمجازات فيعنى بالمكون الجمالي في المعطى الشعري ذلك أن قوة صياغة الصور والمجازات تصدر عن روح فنية تتصف بالعنفوان الفني، والقدرة على الخلق الجمالي، على أنها لا تتصف بالكمال. وقد قال لونجينوس: "إنني أعلم حق العلم، بأن العبقرية الرفيعة بعيدة أشد البعد عن الكمال، لأن الصحة الدائمة تقع في خطر التفاهة وفي السامي كما في كل أمر عظيم، لا بد من وجود شيء تتجاوز عنه.
ولعل من ضرورات الأمور، أن تظل الطبائع الدنيا والمتوسطة- كقاعدة عامة- بعيدة عن الإخفاق وقائمة على أكبر مقدار من السلامة، لأنها لا تجازف أبداً، ولا تسعى إلى ارتقاء الأعالي في حين أن المواهب العظيمة تثبت أنها غير مأنوسة بسبب عظمتها ذاتها"( ).
يكشف لونجينوس هنا عن عنايته بالشكل، وهو أمر ظهر في الآداب القديمة، إذ نظرت إليه بوصفه فناً مجرداً من المضمون. فالأديب الشاعر يظهر مقدرته الفنية في خلال استعماله اللغة وسيلة، والخلق الشعري بوساطة اللغة يتوفر على كل ما يرتفع باللغة عن مستوى العرف الوضعي ليضعها في أسلوب فني فردي في خلال البناء المجازي. ذلك أن عمق العمل الشعري متضمن في الشكل بما يتكون منه، حتى أن محاولة التعبير عنه بشكل آخر تفقده خصوصيته. ولما كانت لغة الشكل الشعري هي جوهرة الفني فقد كان صعباً ترجمة النص الشعري مع المحافظة على جماله الفني.
-أعطى لونجينوس للعنصر الرابع الذي هو العاطفة الملهمة المتقدة، عناية للطبع أو الموهبة الفنية الكامنة في الروح الشاعرة، بوصفها قدرة إبداعية. وفي قوله "العاطفة الملهمة" نسبة الإبداع إلى مصدر ذاتي في الإنسان والتصاق بالأرض، وليس ارتفاعاً عنا لعالم غيبي يرتفع الإنسان في هذا بذاته المبدعة، ناظراً في ما يبدعه لا من خلال الواقع الطبيعي إنما من خلال الواقع الوجداني، وهذا اتصاف بالغنائية، أي تعبير عن التصاق الشاعر بعاطفته ووجدانه عند الإبداع الشعري أكثر من التصاقه بالطبيعة، وهو ما يرتفع بالسمو النفسي والروحي للإنسان فوق السمو الطبيعي للعالم الواقعي الذي يعيشه، وقد قال لونجينوس: "لم تخلقنا الطبيعة، نحن البشر، لنكون بهائم دنيئة وسافلة، غير أنها حين أدخلتنا إلى هذا الكون الشاسع، وكأننا ندخل في اجتماع حاشد، لنكون شهوداً على القدرة الكلية، وأشد الطامحين لهفة إلى الشرف، وغرست في أرواحنا فوراً حباً لا يتلاشى، لكل ما هو أسمى منا وأقدس.
لهذا لا يكفي الكون أجمع تفكيرنا وتأملنا اللذين في متناول عقلنا البشري، لأن مخيلاتنا غالباً ما تتجاوز ما وراء قيود المكان، وإذا فتشنا في كل جانب من جوانب حياتنا، ورأينا إلى أي حد نرتبط من كل ناحية، بما هو مدهش وعظيم وجميل، فسرعان ما سنتبين هدف مولدنا وهذا هو السبب في أننا بنوع من الحافز الفطري، لا نعجب بالجداول الصغيرة، وإن كانت مفيدة ورقراقة، وإنما نعجب بالنيل أو الدانوب أو الراين ونعجب أكثر بالمحيط، كما أننا لا ننظر إلى اللهب الرقيق في مصباحنا (ونحن نرعى نقاء ذبالته دائماً) برهبة أكبر من رهبتنا تجاه النيران السماوية، ولو كان الظلام يحجبها غالباً، ولا نعتقد أن هذا اللهب أعجب من بركان (اثنا) الذي يقذف في انفجاراته حجارة... في كل هذه الأمور نستطيع القول: بأن الناس يعتبرون كل ما هو مفيد وضروري مبتذلاً في حين يحتفظون بإعجابهم لكل ما هو مدهش وصاعق"( ).
يشير لونجينوس إلى أن ما هو سام في الطبيعة ومقدس يبعثنا إلى التعلق به حبنا وسعينا الدائبان للتعبير عن السامي المقدس في أعماقنا، أو ما تجيش به أرواحنا من سمو، لأن مخيلاتنا غالباً ما تتجاوز ما وراء قيود المكان- كما يقول- وهذا الأمر يكشف عن إعجابنا بالنيل والدانوب والراين أكثر من أي نهر صغير، وتعلقنا ورهبتنا تجاه النيران السماوية أكثر من اللهب الرقيق المنبعث من ذبالة مصباحنا، الأمر الذي جعل الناس ينظرون لكل ما هو محدود الفائدة والحجم على أنه قليل الأهمية لمحدودية أبعاده الحسية، على أنهم يحتفظون بإعجابهم لكل ما هو مدهش وصاعق.
-وقد جاء العنصر الخامس والأخير (التأليف الرفيع الجليل) نتيجة لتوافر العناصر السابقة، ذلك أن التأليف الرفيع الجليل يصدر عن قوة إبداعية كبيرة في صياغة المفهومات بأسلوب فخم جزل جميل وبالشكل الذي تصاغ فيه الصورة والمجازات على نحو فني يكشف عن مقدرة فذة في الخلق المجازي المعبر عن عاطفة ملهمة ومتقدة.
أي أن عنصر التأليف الرفيع الجليل، عنصر إنتاجي أكثر منه عنصراً جمالياً في المحصلة الأخيرة.
هذه العناصر الخمسة عند لونجينوس هي مصادر السمو الفني الرفيع، وقد بدا أن أثر مقالة لونجينوس (في السمو) كان لافتاً للنظر كونه مؤثراً في الشعوب الغربية، ذلك أن "تطور الشعر الغربي منذ عصر النهضة إلى اليوم مدين للونجينوس بخلاصة من أسرار أرسطو، كما حدد مفهوم الشعر في كتاباته، فقد استطاع تأثير هذا الناقد العربي أن يسقط الأشكال التقليدية للبناء الشعري المعروف، الملحمة والمأساة والملهاة، بحيث اختص المسرح بمفهوم فني منعزل عن الشعر، وبذلك استطاع الشعر الغربي أن يستقل ويتطور ليقدم إلينا قصائده الغنائية بشكلها المعروف منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم. وقد أخذ الغرب من لونجينوس وأفلوطين مفهوم (السامي) كما أخذ مفهوم أن الشعر لا يخضع للقواعد المقررة"( ).
إن بعض ما جاء به لونجينوس قد سبقه إليه أرسطو، لكن فضيلته مع أفلوطين أنه أثبت مفهوم (السامي) عند الغربيين في التراث اللاتيني.
وقد كانت أداة لونجينوس النقدية مهذبة بالثقافة الفلسفية الإغريقية على نحو خاص، وقد أظهر في مقالته أسلوبه البلاغي في النقد، حتى كأنه "بلاغي يفوق المألوف من حيث أنه يحاول أن يجمع طرفي المشكلة معاً، طرف الصفات أو طرف التعريفات البلاغية السائدة، وطرفاً يقوم إحساسه بشيء غير قابل للتعريف، يدعوه هو "السمو" ويحاول أن يحدده تحديداً نوعياً، خارج أجواء البلاغة، وهو الإحساس بالروح العظيمة، وما يملؤها من أفكار وعواطف، غير أن الميزان يفلت من يديه حين يجابه تعارضاً قوياً بين التقنية الصحيحة (النظام أو الصنعة) وبين عظمة الروح التي تتأبى على النظام فتقع في الإهمال"( ).
إن قراءة متأنية لعناصر الشعر عند لونجينوس، ومقارنتها بعناصر عمود الشعر عند المرزوقي تكشف عن درجات من التقارب، قد يكون سببها راجعاً إلى الصلة السامية التي تجمعهما. فضلاً عن التقارب في مفهوم الشعر عند الشعوب أو الأمم السامية ولا سيما بين العرب والشعوب القديمة من عبرانيين وفراعنة وبابليين وفينيقيين وآراميين.
ويمكن تقسيم عناصر الشعر عند كلا الناقدين على ثلاثة أقسام رئيسة هي:
-القسم الأول: يدرس اللفظ وما يصدر عن تشكيل الألفاظ من تلوين صوتي هو الإيقاع أو جرس الألفاظ، مع النظر في درجة التزام الشاعر بصحة استقامة الألفاظ لما تضفيه من جزالة تعبيرية. وهذا ما يمكن أن نلحظه عند لونجينوس في العنصر الأول الذي هو (قوة صياغة المفهومات) وهو ما يقابله عند المرزوقي: شرف المعنى وصحته..
-القسم الثاني: يدرس المعنى على وفق ما يتشكل جزئياً في مقاطع أو موضوعات القصيدة، وهو ما يشير إليه لونجينوس في: جزالة الأسلوب وصياغة الصور والمجازات ويقابله عند المرزوقي: جزالة اللفظ واستقامته ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية لأن جزالة الأسلوب تصدر عن استقامة اللفظ ومشاكلته للمعنى. وكذلك يمكن النظر إلى العنصر الرابع عند لونجينوس (العاطفة الملهمة المتقدة) لقراءة ما يقابله عند المرزوقي من إصابة للوصف ومقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له. فالعاطفة الملهمة المتقدة تسهم في إنتاج المعنى الجمالي مثلما تسهم عند المرزوقي ثلاثة عناصر هي ما يقابل العاطفة الملهمة عند لونجينوس.
-القسم الثالث الذي يدرس التركيب أو بناء القصيدة، ومدى تناسب بناء القصيدة في تصوير المعاني الجزئية وأسلوبية التأليف بينها في وحدة القصيدة شعرياً، هو ما يمكن أن نلحظه عند لونجينوس في إشارته إلى: التأليف الرفيع الجليل، إذ يشير إلى تناسب بناء العمل الشعري، ويقاربه عند المرزوقي قوله بالتحام أجزاء النظم والتئامها.
وقد درس محيي الدين صبحي التقارب بين عمود الشعر في صورته الأولية عند الجرجاني وبين عناصر الشعر عند لونجينوس، ذاكراً أن مما يؤيد حدود هذا التقارب بينهما: إمكانية تقسيم عناصر كلا النظريتين على ثلاثة أقسام رئيسة، لأن كلاً منهما "تحدد الشعر بعناصر تكوينية وعناصر جمالية وعناصر إنتاجية، وهذه العناصر تبلورت في التراث خلال مئات السنين حتى غدت تقليداً متوارثاً لا يمكن التخلي عنه إلا بالتخلي عن الذوق الرفيع"( ).
إذ درس في القسم الأول الذي يضم العناصر التكوينية: شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته. وفي القسم الذي يضم العناصر الجمالية: الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه، وفي القسم الذي يضم العناصر الإنتاجية: غزارة البديهية وكثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة. ولكن ما تضمنته العناصر الإنتاجية عند الجرجاني جاء عند المرزوقي نتيجة لاجتماع ثلاثة عناصر هي: شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه العناصر الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات( ).
ولكن هذا التقسيم عند محيي الدين صبحي لعناصر الشعر بين لونجينوس والجرجاني يمكن إيجازه بين لونجينوس والمرزوقي على قسمين فقط.
-القسم الأول: يتوفر على العناصر التكوينية التي تشتمل على أدوات صياغة الشكل الشعري، وهي عند المرزوقي: شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته ومشاكلة اللفظ للمعنى، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. وهذه العناصر التكوينية عند لونجينوس ثلاثة هي: قوة صياغة المفهومات العظيمة وجزالة الأسلوب، والتأليف الرفيع الجليل.
-القسم الثاني: يتوفر على العناصر الجمالية التي تشتمل على المعطى الجمالي الصادر عن الشكل الشعري والمكمل له، وتتضمن العناصر الجمالية عند المرزوقي: إصابة الوصف، ومقاربة التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له. وهذه عند لونجينوس: العاطفة الملهمة المتقدة وصياغة الصور والمجازات.
واللافت للنظر في كلا النظريتين، كثرة العناصر الإنتاجية، وربما كان السبب في هذا راجعاً إلى كون الناقد القديم موجهاً لإظهار طرائق إنتاج المعطى الجمالي أكثر منه قارئاً في العناصر الجمالية التي يشف عنها النص الأدبي، فالناقد القديم موجه لكيفية استثمار أدوات إنتاج الشكل الفني بأسلوب أفضل، بعد تمثل الموروث بوصفه مرجعية إبداعية.






(المبحث الثالث)
نظرية الشعر عند دونالد استوفر


يبدو أن العقلية الإغريقية- كما كانت تتجلى في خلال أطوارها الحضارية- عقلية درامية على نحو خاص، وهو أمر صادر عن أن الجذور الدرامية راسخة في طرائق تفكيرها وأساليب حياتها ومن ثم في رؤيتها لسائر أساليب الحياة، وهو ما تشير إليه الأساطير الإغريقية ومما توحي به الملاحم ذات الطابع التعليمي، على النحو الذي يمكن معه الإشارة إلى كون الشعر يأتي تكثيفاً لما يكتنف هذه العقلية( ).
وقد قدمت هذه العقلية أجناساً أدبية اختصت بها، حتى أن النضج الذي وصلت إليه تلك الأجناس لم يشهد تطوراً كبيراً بعد الإغريق، حتى أن الأدب اللاتيني لم ينظر إليه إلا على أنه تقليد لأدب الإغريق. وهذا يفسر محاولات شيشرون الفلسفية في إيجاد المصطلح اللاتيني الذي ينقل المعاني الإغريقية( ).
ومن أبرز القضايا التي قام عليها محتوى ذلك الأدب قضية العلاقة بين الإنسان والآلهة أو صلة الأرض بالسماء. وكذلك قضية التعامل مع التراث( ). فالأدب الإغريقي شفاهي حتى نهاية عصرهم حين أخذ فقهاؤهم ونحاتهم بتدوينه وربما ساعدت هذه الشفاهية على سيادة الملامح الأسطورية عليه. وإن كان سائر هذا الأدب "لا يرتكز على الآلهة كآلهة ولا على البشر وحدهم بل يمزج بين هذين العالمين... فلا وجود لحاجز يعوق اتحاد الأرض بالسماء في العقلية الإغريقية"( ).
كان الإغريق أقرب إلى الاتجاه التحقيقي، فامتاز شعرهم بسيطرة الميثلوجيا والأساطير وساد على نثرهم الخطابة والتاريخ والفلسفة، فهم يرون العبقري الذي لا يطلق عنان خياله على نحو بارز( )، والاتجاه (الكلاسيكي) لا يأخذ بحرية الخيال كثيراً، بل يحترم قوانين العقل غير خارج على ما هو محتمل، ويعني بالمجاز والصور ذات الطبيعة البصرية، فكانت عنايته بتصوير صدق العواطف مهمة، ويعنى بترتيب الأفكار ويبرع في مراعاة المقام (مقام القول). وفي هذا الاتجاه لم يطرد أفلاطون كل الشعراء من مدينته الفاضلة إنما حافظ على الذين يحكون له حديث الإنسان الخير( )، وربما كان هوراس بارعاً ومتقدماً على عصره حين جمع بين القيمة الأخلاقية أو المنحى النفعي وبين القيمة الجمالية( ).
وقد نص أرسطو على القيمة الخلقية في الشعر حين ذكر أن المأساة إنما هي محاكاة لأبطال يتصفون بعمل الخير. ثم يفضل الشعر على التاريخ لاتصافه بالمنحى التعليمي( ).
أما على الصعيد الموضوعي فيرى أن الشاعر إذا تناول "موضوعاً قديماً أم مبتدعاً فعليه أن يبدأ بتخطيط عام له، ثم يفصله قطعة قطعة ويمد أطرافه"( ) مقدماً المعقول على الممكن غير المعقول( ).
لكي يكون قريباً من الواقع، ويفصل نظرته المنطقية بقوله: "لما كان الشاعر محاكياً- شأنه في ذلك شأن الرسام وكل صانع صورة- فيجب ضرورة أن يسلك في محاكاة الأشياء، أحد طرق ثلاثة: إما أن يحاكيها كما كانت أو تكون، وإما أن يحاكيها كما تقال أو تظن، وإما أن يحاكيها كما ينبغي لها أن تكون، وهو يعبر عنها باللغة... فإذا أراد الشاعر محاكاة المستحيل لعجزه وضعف شاعريته فالخطأ راجع إلى الشعر، أما إذا أخطأ في اختياره فرسم جواداً يمد أماميتيه معاً، أو أخطأ في أمر من أمور صناعة بعينها كالطب أو غيره، فليس هذا الخطأ راجعاً إلى صناعة الشعر نفسها"( ).
وعلى الرغم من أن أرسطو لم يعرف المحاكاة تعريفاً محدداً، إلا أن النقاد أجمعوا تقريباً على أنها لا تعني التقليد أو الإشارة إليها بمعنى التصوير أو التمثيل( ). وقد ركز النقاد والفلاسفة على المحاكاة بمعنى التصوير الحسي، في كونها تشكيلاً جمالياً للواقع، مما أظهر بعدها عن التقليد أو النسخ المثلي للواقع المباشر، ومدارها الرئيس علاقة العمل الأدبي ومنه الشعري بالواقع. مع أن الفن عنده محاكاة لعالم الحياة العقلية التي يعيشها الإنسان، وهو عند أفلاطون محاكاة لمفردات العالم المحسوس. فالمحاكاة سواء عند أفلاطون أم أرسطو هي قوام الشعر.
أما وسيلة المحاكاة فهي الوزن أو الإيقاع واللفظ والنغم. وانفراد الإيقاع وسيلة محاكاة يؤدي إلى فن الرقص، بينما انفراد اللفظ بالمحاكاة يشكل فنون النثر، أما انفراد اللفظ والوزن مجتمعين معاً، فيشكل شعر المدح والملاحم. أما اجتماع الإيقاع والنغم فيؤدي إلى فن الموسيقى، ولكن اجماع وسائل المحاكاة الثلاث وهي: الوزن واللفظ والنغم يؤدي إلى تشكيل فن الشعر( ).
ويمكن أن نوجز معايير الشعرية الغربية عند أرسطو انطلاقاً مما سبق ذكره، على النحو الآتي:
-على صعيد الموضوعات أي ما (يحاكي)، ذكر أرسطو أن الشعر يحاكي الناس في أفعالهم، سواء أكان الفاعل من الناس سوياً في فعله أم فوق مستوى السوي أم دونه، وفي ذلك تصور الكوميديا جوانب غير سامية أي الناس دون المتوسط، أما التراجيديا فتصور الجوانب الرفيعة السامية أي الأخيار من الناس. وهذا فهم قائم على أساس أخلاقي، ولا يخفى أن الأداء المسرحي يحاكي الفعل بالفعل، على حين تحاكي الملحمة الأفعال بالرواية.
-أما على صعيد الشكل الفني للشعر، فما يتصل بالعروض منه، اختصت أوزان معينة بموضوعات وأغراض بعينها، فالوزن السداسي للملحمة، والايامبي للرقص والتروخائي للعمل وهكذا( )، واختصت أوزان معينة بأساليب مخصوصة، فالايامبي أليق الأعاريض بالحوار( ).
أما على صعيد لغة الشعر فقد قال أرسطو بجودة العبارة حين تكون: "واضحة غير مبتذلة"( )، ذات خصوصية في استخدام أسلوب الاستعارة "الذي لا يمكن أن يستفيد المرء من غيره، وهو آية الموهبة"( ) وهو يربط لغة الاستعارة بموضوعات معينة فالاستعارات عنده تناسب الشعر الايامبي وشعر الملاحم( ).
يعد أرسطو التشبيه ضرباً من المجاز، ولا يرى الإكثار منه في النثر حسناً لأن فيه طابعاً شعرياً( ).
-أما على صعيد البناء الشعري، فإن ميل العقلية الإغريقية إلى الدراما، طريقة تفكير وأسلوب حياة، ورؤية للأشياء، جعل نتاجهم الأدبي يبنى على السرد فقام تحليل التراجيديا عند أرسطو على النظر في الحبكة والشخصيات وفكرة العمل على النحو الذي يقتضيه السرد القصصي أو البنائي الحكائي، وهو ما جعل بناءهم الشعري متصفاً بالوحدة العضوية أكثر من النمط الغنائي.
والشعر عند أرسطو لغة إشارية صادرة عن موهبة كأنها ضرب من الجنون( )، فكأن الشعر عنده تسهم في إبداعه غيبيات معينة، كما تصور ذلك أفلاطون حين ظن أن الشعراء يلهمهم الجن قول الشعر، وعند العرب تصور من هذا القبيل حين عدوا الشعر نوعاً من الإلهام( ).
وهذا الكلام لا يستبعد الشعر الغنائي عن الإغريق أو اللاتينيين أو الأوربيين، بل نجد من النقاد الغربيين من يرفض رأي أرسطو في قيام الشعر على المحاكاة، ورأى الناس إنما يرددون هذا القول لا لصحته، إنما لصدوره عن أرسطو. إذ يرى وليم جونز الشعر الغنائي ولا سيما الشرقي ذي الطبيعة التلقائية، الأساس الجوهري الذي ينتمي إليه الشعر كله( ).
وبعد هذا المهاد النظري لنقد الشعرية الغربية، كما عرض لها النقد الإغريقي عند أرسطو على نحو خاص، وما كان لها من معايير معينة. أصل إلى قراءة المقومات التي تقوم عليها طبيعة الشعر الغربي متخذاً من كتاب دونالد استوفر (طبيعة الشعر) أنموذجاً في هذه القراءة. والذي قادني لهذا الأمر، عاملان رئيسان أولهما أن استوفر ينطلق مما قال به أرسطو ويكمله على وفق ما يراه جديداً، إذ يعد أرسطو الناقد الأول حتى الآن للشعرية الغربية (الآرية). وثانيهما: أن استوفر جاء بسبعة معايير يعدها العناصر الرئيسة لقراءة الشعر الغربي، على نحو ما فعل المرزوقي حين حدد مقومات عمود الشعر العربي بسبعة عناصر. ولهذا سأعمد إلى قراءة مقارنة بين عناصر الشعرية الغربية السبعة كما قال بها استوفر في (طبيعة الشعر) وبين عناصر عمود الشعر السبعة كما قال بها المرزوقي في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام. وصولاً إلى تحديد خصوصية عمود الشعرية العربية، كما قال بها المرزوقي.
أما دونالد استوفر فقد جاء في كتابه (طبيعة الشعر) بسبعة عناصر تمثل الشعرية الغربية وهي: اللغة الشعرية وعمق التجربة وأصالة العاطفة على نحو خاص من الذكاء، والسمة الحسية الملموسة، والتعقيد، وهذه العناصر الخمسة تخص الشعر (poetry) أما الخصيصتان الأخريان وهما: نظام الكلمات الإيقاعي (الإيقاع) والنظر إلى الشعر بوصفه بناء شكلياً، فهما متصلتان بالنظر في خصائص القصيدة.
فقد ذكر في عناصر الشعرية الخمسة الأولى، سمات جزئية لا تعطي تعريفاً متكاملاً للشعر، وإن خص بها المنحى الفكري في الشعرية الغربية، ولكنه في العنصرين الآخرين (السادس والسابع) حاول بيان قانون الإيقاع الشعري، ثم النظر إلى أن القصيدة شكل ذلك أي أن تشكيل مادة النص الشعري هو جل ما يعنى به الشاعر.
وسأعرض الآن لعناصر الشعرية الغربية السبعة، كما جاءت عند (دونالد استوفر) في كتابة (طبيعة الشعر) وصولاً إلى مقارنتها بعناصر عمود الشعر السبعة، كما جاءت عند المرزوقي لتبيين خصوصية عمود الشعر العربي.
1-لغة الشعر:
لا شك في أن الطابع الفردي للغة الشعرية، ينأى بها عن اللغة بوصفها شأناً عاماً ويكسبها دفقاً من الحيوية والخصوصية الذاتية، ويشترط استوفر في الكلمة الشعرية اشتمالها على ثلاثة عناصر( ): محتوى عقلي، وإيحاء خيالي، وصوت خالص. وتؤدي هذه العناصر مجتمعة وظيفة الخصوصية الفردية للغة الشعر، تلك الخصوصية التي تجعل هذه اللغة عصية على الترجمة، واحتمال ترجمتها يفقدها كل ما لها من خصوصية وعمق فنيين، لأن شعرية القصيدة تنعدم عند ترجمتها لتصبح نثرية، وإعادة قراءة الشعر بصورة نثرية بعد الترجمة تنأى به عن طبيعة الشعر، بل إن الحكم على شعرية القصيدة بعد ترجمتها غير صحيح فكأن المتلقي- في هذه الحالة- يترجم القصيدة إلى نثر ثم يحاول تذوق جمالها الفني، ذلك أن لغة الشعر يترابط فيها المستويان: الصوتي والدلالي لتكون "بنية وظيفية لا يمكن فهم عنصر منها خارج نظامها المتكامل،... وبينما تقوم جميع عناصر اللغة النثرية بوظيفتها التوصيلية، تكتسب في لغة الشعر استقلالاً خاصاً وقيمة مميزة وتجنح إلى استبعاد عنصر الآلية كاشفة عن نوع خاص من الدلالة الشعرية"( ). مع أن شعرية اللغة في الشعر ليست في الوزن والقافية إنما في العناصر المتماسكة التي يمنحها الوزن والقافية بعداً صوتياً جمالياً صادراً عن تلك الخصوصية الفردية في إنتاج اللغة التي بها صار الشاعر شاعراً( ).
ويؤكد استوفر على فردية لغة الشعر، لأنها تمثل صنيع الذات الشاعرة فنياً، وتعبر عنها وتكشف عن تفردها أسلوبياً، ومن هنا كانت القصيدة بنية شعرية لا نثرية، ومن هنا فهو يرى ترجمة الشعر مستحيلة، لأننا لا نستطيع أن ننقل القصيدة إلى صورة نثرية في لغتها نفسها، فكيف عند نقلها (ترجمتها) إلى لغة أخرى( ). لذلك "فإنه كلما كانت القصيدة (شعرية) قل إمكان التفكير فيها نثرياً، دون أن تتلف، فتلخيص القصيدة وصياغتها نثراً يعد جهلاً تاماً بجوهر الفن"( ).
2-عمق التجربة الشعرية (أصالتها):
تصدر خصوصية التجربة الشعرية عن إحساس متفرد ومميز لفهم الواقع، ومحاولة التعبير عنه شعرياً. وتكشف اللغة الإشارية عن عمق التجربة أكثر من التفصيلات الكثيرة، لأن إشارية اللغة الشعرية تكسبها بعداً رمزياً إيحائياً.
وينظر استوفر للشعر على أنه صياغة فنية مميزة لتجربة بشرية( ) مر بها الشاعر، "وليس في الحياة كلها أمر يمكن أن تعتبره تجربة لها قيمتها الذاتية، التي تعلو بها على سواها بل كل ما تقع عليه الحواس، وكل ما يمس العاطفة وكل ما ينفعل به الأديب، هو مادة فنه"( ) وهو مصدر من مصادر التجربة، ومن هنا تعددت التجارب الشعرية وتنوعت، إذ هناك: تجربة ذاتية وتجربة شخصية وتجربة جمالية وتجربة وطنية وهكذا.
وتسهم الصورة الفنية على تعدد أساليب أدائها في رسم مظاهر التجربة الشعرية، ويأتي تعبيرها الشعري متصفاً بالعمق، بقدر اتصاف الإحساس بها ومعايشتها بالأصالة وبقدر التفرد الأسلوبي لتعبيرها الشعري، كونها تمثل "الصورة الكاملة، النفسية أو الكونية التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور، تفكيراً ينم عن عمق شعوره وإحساسه، وفيها يرجع الشاعر إلى اقتناع ذاتي وإخلاص فني، لا إلى مجرد مهارته في صياغة القول.. ليعبث بالحقائق أو يجاري شعور الآخرين، لينال رضاهم، بل إنه ليغذي شاعريته بجميع الأفكار النبيلة ودواعي الإيثار التي تنبعث عن الدوافع المقدسة، وأصول المروءة النبيلة وتشف عن جمال الطبيعة والنفس"( ) ومن هنا فالتجربة الشعرية خصوصية ذاتية فردية وهذه الخصوصية هي التي تكشف عن أصالتها وعمقها، ذلك العمق الذي يرى استوفر أن الشعر الحقيقي يبزغ منه( ).
3-أصالة العاطفة:
توقد العاطفة الإنسانية لحظة التعبير عنها شعرياً، يقتضي ذكاء حاداً لتشكيل أسلوب شعري معبر عنها، بالشكل الذي تتبين فيه أصالة العاطفة في خلال تفرد الأسلوب وقد يظهر دور الذكاء في الشعر تشكيلاً للاتجاه التعليمي في الشعر من جهة النظر الثاقب للأشياء المتعامل بها أو معها، ولكن صفة (العاطفة الجياشة) تسهم كثيراً في إظهار جمالية اللغة الشعرية عبر تشكيل بناء جمالي مؤثر وممتع. وهو ما يجعل الشعر مفيداً وممتعاً( ).
وهذا الفهم يكشف عن أن أصالة العاطفة والذكاء الفطري في الإحساس باللغة والتعامل بها ومعها هما المصدران الرئيسان لتكوين مقومات الأسلوب الشعري المميز.
على أن النص الشعري متصل بالجانب العقلي اتصاله بالجانب العاطفي، ولا توضع له غاية محددة مسبقاً، قبل إبداعه، على أنه يحقق للمتلقي وجوداً فكرياً. والذين نظروا إلى اتصال الشعر بالجانب العقلي كثيراً حددوا من حرية الإبداع الشعري، لأنهم نظروا إلى ما يتجاوز العقل بمنظار غيبي يصله بالجن و(شياطين الشعر) والذين نظروا إلى اتصاله بالجانب العاطفي كثيراً، أغرقوا في الخيال، ونأوا به عن حدود الوعي الفني، ومن هنا جاء تشكيل النص الشعري غير منفصل عن الإحساس بالمنحى الحسي، وقد خلص استوفر في هذا إلى أن النص الشعري عمل فني متكامل، يمتع فنياً وجمالياً، مع أنه يحقق وجوداً فكرياً للمتلقي( )، وهو ما يكشف عن أهمية العاطفة في النص الشعري.
4-المنحى الحسي للشعر:
لا يكشف الشعر عن المنحى العقلي أو العاطفي للطبيعة الإنسانية فقط إنما هو متصل بالعقل والعاطفة معاً وبالجانب الحسي أو المنحى الملموس، الذي يؤديه التعبير الشعري، وهو ما ذهب إليه استوفر حين عد المنحى الحسي عنصراً يتوفر عليه الشعر بوصفه جزءاً من طبيعته الجمالية( ).
ولما كانت المادة التي يصدرُ عنها تصور الشاعر حسية، ووظيفتها جعل الأفكار حاصلة في ذهن المتلقي، على نحو من السهولة والمتعة، على أن الصورة التي يؤديها الشعر، لا تتطابق مباشرة مع الأشياء المصورة، فإن الأداة الصوتية التي يتكون منها الشعر، لا تكون هي الأخرى مطابقة للأصل الذي تصوره، كون هذه المادة الصوتية متصفة بالثبات في حين تتسم الموجودات المباشرة بالتغير على صعيد الواقع. وبالقدر الذي تنأى فيه عن التطابق، فهي توحي لكل متلق بشيء ربما كان مختلفاً عما تشي به لسواه، على وفق تعدد قراءات المتلقين، الأمر الذي يؤدي لاختلاف في تلقي الصورة الشعرية.
وقد أشار مؤلفو البلاغة العامة إلى أن أهم ما يميز الخطاب الأدبي ومنه الشعر، انقطاع وظيفته المرجعية، حين لا يرجع بنا إلى شيء، ولا يبلغنا أمراً خارجياً، إنما هو يبلغ ذاته التي هي المرجع والمنقول في الوقت نفسه. ولما كف النص عن أن يقول شيئاً عن شيء إثباتاً أو نفياً، فإنه غدا هو نفسه قائلاً ومقولاً( ).
فالشاعر حين يعمل على إعادة تمثل الواقع شعرياً، يبدع نصاً يصور ذلك الواقع الشعري الملموس، كما يراه هو، ورؤيته الشعرية لا يشترط فيها أن تتطابق مع حسية ذلك الواقع، ومن هنا كان المعنى يتخلق في أساليب متعددة شعرياً، ولكنه ليس كذلك في التعبير الشعري.
فالشعر عند استوفر حسي (concrete) لأن أفكار الشاعر وعواطفه، يتم التعبير عنها بألفاظ حسية، تعبيرها الشعري عن الموجودات الحسية يتم في خلال الصورة الموحية فنياً( ).
5-التعقيد:
يتحدد مفهوم التعقيد عند استوفر في أن القصيدة التي يسيطر فيها الشكل الفني أو بناء الصورة الفنية على الفكرة أو المفهوم، بالشكل الذي يتحدد فيه المفهوم واضحاً فإن قصيدة كهذه تتصف بالبعد عن التعقيد وبالغنائية، أما إذا كان صعباً على العقل استيعاب المفهوم وتطلب الأمر نظراً ثاقباً في وحدات أو مقاطع متعددة لنص شعري، لأجل تصور منظم تكون فيه وحدات القصيدة أو مقاطعها مفهوم ذلك النص أو القصيدة فإن قصيدة كهذه تتصف بالتعقيد( ). وهكذا يرى استوفر التعقيد عنصراً في طبيعة القصيدة الطويلة أو العمل الشعري الضخم، كما في ملحمة الإلياذة، وسائر الشعر الملحمي( ).
ثم إن التعقيد سمة سلوكية وعقلية في الشاعر، وصفة فنية في النص الشعري، فبعض الشعراء متصف بالتعقيد سلوكياً، كما أن بعض القصائد تتصف بالتعقيد أسلوباً شعرياً في بنائها.
وعندما تتحدد في القصيدة، الوحدة المفردة التي يشتغل عليها وعي الشاعر، من بدء القصيدة إلى ختامها فإن بنيتها الفنية تكون بعيدة عن التعقيد لاتصافها بالقصر. أما إذا اشتغل بناء القصيدة بوحدات متعددة، ينبغي على الوعي الإنساني أن يتفرس بها ملياً إلى أن يلم بها، لأن بنيتها الفنية مركبة فإنها تتصف بالطول الذي يراه استوفر عاملاً مساعداً رئيساً في اتصاف النص الشعري بالتعقيد.
وهذا يعني أن العاطفة العالية التي تشي بها القصيدة القصيرة، والأفكار المركبة التي توحي بها القصيدة الطويلة الضخمة، هما ما يشيران إلى عدم التعقيد في القصيدة الغنائية، واتصاف القصيدة الطويلة بالتعقيد.
6-الإيقاع:
لما كان الشعر بنية تركيبية، فإن الإيقاع لازم فيه لإظهار تركيبه الزمني أي الامتداد المنسق في الزمان لبنية الخطاب اللغوية، وتركيبة المكاني أي التناسب الجمالي لبنية الخطاب الدلالية. لذلك كانت أعمق القصائد شعرية هي تلك التي تتناسب فيها الحركات الإيقاعية الموحية مع الحركات الدلالية.
وقد أشار أرسطو إلى وسائل المحاكاة في الشعر وهي: الوزن والإيقاع واللفظ والنغم لأن المحاكاة بالصوت هي أبرز ما يميز الشعر. كون الصوت مادة الشعر الأولى( ).
وهناك فرق بين الوزن والإيقاع، فالوزن هو مجموع التفعيلات التي تؤلف بيتاً شعرياً معيناً أي أنه بنية مجردة. أما الإيقاع فهو وحدة نغمية تتكرر على نحو مخصوص في الشعر أو في الكلام، أي أنه تلوين صوتي صادر عن الكلام( )، فالإيقاع يشتمل على الوزن، وليس العكس، كما أنه قد يكون في النثر فيتصف بالجمالية الفنية، كما في بعض المظاهر البديعة في البلاغة العربية بينما الوزن قد يكون في الشعر ولا يضفي عليه شعرية، لأن "الوحدة الأساسية في الإيقاع ليست التفعيلة، وإنما البيت كله، ليس للتفعيلات وجود مستقل، وهي لا توجد إلا بحسب علاقتها بكامل القصيدة"( ) ومن هنا كان كل ارتباط بين أصوات الكلام لا يضيع شعرية خاصة ولا يحقق شعراً، إلا إذا حقق نظامه الإيقاعي المميز، وقد ذكر لورد سورث "أن الأثر الممتع للإيقاع ثلاثي: عقلي وجمالي ونفسي. أما عقلياً فلتأكيده المستمر، أن هناك نظاماً ودقة وهدفاً في العمل، وأما جمالياً فإنه يخلق جواً من حالة التأمل الخيالي الذي يضفي نوعاً من الوجود الممتلئ، في حالة شبه واعية على الموضوع كله، وأما نفسياً فإن حياتنا إيقاعية: المشي والنوم والشهيق والزفير وانقباض القلب وانبساطه"( ).
وقد أوضح استوفر أن الأبيات التي تحفل بالمعنى وتتصف بالعمق هي تلك التي يتحقق فيها الإيقاع الفني الموحي، فلا غرابة أن يكون الإيقاع قانون الشعرية الأبرز وما ينبغي أن تتصف به( ).
7-الشكل (shape):
ينطلق استوفر من مبدأ أن الشعر شكل (shape) لأن تشكيل المادة أبرز ما يعنى به الشعراء، ولما كانت اللغة مادة الشاعر فقد صارت عنده غاية، وهي بوصفها شأناً عاماً وسيلة( ).
يشمل مصطلح الشكل- في مقابل المضمون- على كل ما يؤلف الصورة الخارجية أو يشترك في تكوينها من: وزن وإيقاع وموسيقى وصياغة فنية وصورة شعرية. أي كل ما يخص جوهر الشعري، صياغة وأسلوباً وتصويراً، ومن هنا كان النظر إلى الشكل على أنه: "الصورة الخارجية، أو الفن الخالص المجرد عن المضمون، والذي تتمثل فيه وتتحقق من خلاله، شروط الفن الأدبي"( ).
وقد رأى أرسطو أن جوهر الشيء غير منفصل عن تحققه المادي، لأن التلازم حاصل بين الصورة والهيولى( ). وعملية فصل الشكل عن المضمون في العمل الأدبي ولا سيما الشعر ليست صحيحة "لأن المضمون والصورة يجب أن يميزا الفن. ولكن لا يمكن أن يوصف كل منهما على انفراده بأنه فني، لأن النسبة القائمة بينهما هي وحدها الفنية، أعني الوحدة، لا الوحدة المجردة الميتة. بل الوحدة العيانية الحية"( ).
والشكل عند استوفر هو ما ينتج مضمونه، ذلك أن تشكيل المادة الشعرية هو جل ما يعنى به الشاعر، لذا كانت الصورة هدف الشعر، لأنه معيار فني وحد جمالي على تعدد أساليب إبداع الصورة.
هذه العناصر السبعة هي بإيجاز شديد، العناصر التي رأى استوفر في كتابه (طبيعة الشعر) أن توفرها في النص الشعري، هو ما يجعله فناً إبداعياً، وقد جاءت على قسمين رئيسين: ضم الأول خمسة عناصر تخص الفكر في الشعر، أي معرفية العمل الشعري، أما القسم الثاني فقد تضمن العنصرين الأخيرين وهما يخصان القصيدة في بنائها الشكلي أو الفني.
إن قراءة نقدية تعمد إلى المقارنة بين عناصر عمود الشعر العربي، ومقومات الشعرية الغربية أي بين المرزوقي واستوفر، يمكن أن تكشف عن خصوصية عمود الشعر العربي وتشير إلى تفرده في قراءة الشعرية العربية. ويمكن إيجاز هذه القراءة في الإشارات الآتية:-
-بدا المرزوقي في مقدمته النقدية لحماسة أبي تمام، متمثلاً للتراث النقدي الذي سبقه وملماً بالتراث الشعري كأبي تمام. فكان أن رأى نفسه أقدر من سواه على صياغة نظرية نقدية، تتمثل طريقة العرب في قول الشعر. أما استوفر في كتابه (طبيعة الشعر) فقد حاول وضع عناصر رئيسة للشعرية الغربية، كان فيها متمثلاً للتراث النقدي الغربي بدءاً من الإغريق حيث يعد أرسطو أكبر ناقد( ) حتى عصره حيث وضع الكتاب في النصف الأول من هذا القرن وظهر الكتاب سنة 1947.
-العنصر الأول عند استوفر هو اللغة في الشعر (لغة الشعر) وقد نعتها بالفردية كونها غاية الشاعر، وفرديتها تستعصي على الترجمة، مؤكداً ضرورة توفرها على ثلاثة عناصر:
عنصر عقلي وعنصر إيحائي وعنصر صوتي( )، على نحو يكون فيه اتصالها النصي/ السياقي باعثاً على الإيقاع. إذ تتصف بالفردية الذاتية والأمانة التعبيرية عند تعبير التجربة شعرياً، وتتصف بامتياز الارتقاء بالتخييل إلى آفاق مجازية عند إبداع الصورة الشعرية، وتتصف ببنية إيقاعية صادرة عن انتظام منسق متناسب، لتلوين إيقاع الأصوات، في تكوين الكلمة وفي التشكيل النصي/ السياقي.
أما المرزوقي فينظر للغة الشعر على أنها أداة تكوين جمالي، متطلباً فيها: الجزالة في اللفظ والاستقامة وعيارهما: الطبع والرواية والاستعمال، واللفظة عنده تستكرم بانفرادها فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت هجيناً.
والفرق بين استوفر والمرزوقي في النظر في لغة الشعر، أنها عند الأول فردية ذاتية تتمثل فيها التجربة الشعرية والشكل والإيقاع، وهي عند الثاني جماعية تقليدية، من جهة كثرة استخدام الآخرين لها (الجزالة)، وخضوعها للقواعد القياسية التي أقرها العرف اللغوي، وقد دل هذا الفهم على التقليد، لأن الشاعر ينظر في نفسه بوحي من الآخر الماضي، مبتعداً بشكل أو بآخر عن تثبيت فرديته، حتى أنه- أحياناً- يعد الشعر نثراً ثم ينظمه، وهو ما شجَّع بعض الدارسين على ترجمة الشعر إلى النثر ثم محاولة فهمه. وهذا كله يكرس تصوراً مفاده النظر للشعر بوصفه صناعة، من جهة صدوره عن تقنية قول الشعر، وليس عن فردية مبدعة، تستلهم التجربة وتتمثلها لتقول الشعر بوحي منها.
-العنصر الثاني عند استوفر هو التجربة المتصفة بالعمق الفني، والحاملة لقيمة إنسانية رفيعة ليس على أساس المنفعة التعليمية، إنما للتعبير عن المنحى التعليمي غير الإرادي (غير المباشر) الذي يشي به النص الشعري، كونه مزيناً جمالياً بلغة الإيحاء المجازي وليس لغة الخطاب التقريري المباشر. أي أنه يطلب أن يقدم الشاعر عمق تجربته ليضفي على وعينا عمقاً مستفاداً من تخييل الواقع المباشر فنياً.
أما المرزوقي فلم يتحدث في هذا المصطلح (التجربة) إنما ذكر المعنى مشترطاً فيه: الشرف والصحة، وشرف المعنى عنده لياقته في مناسبته لمقتضى الحال، وصحة قبول العقل له، وهي تناظر عند استوفر اتصاف التجربة بقيمة إنسانية رفيعة، كما أن ارتفاع التجربة الشعرية على التعليمية المباشرة يناظرها في النقد العربي، المنحى الجمالي الذي يتصف به سائر النقد العربي، من جهة مطالبة الشاعر بالإجادة في رسم الصورة أولاً، وقد ذكر قدامة بن جعفر:
إن "على الشاعر إذا شرع في أي معنى كان، من الرفعة والصنعة، والرفت والنزاهة، والبذخ والقناعة، وغير ذلك من المعاني الجيدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة" ( ) وقد ذكر الجرجاني أن الشعر لا يحبب إلى النفوس بالأقيسة العقلية إنما بالقيم الجمالية( ).
-العنصر الثالث عند استوفر، هو أصالة العاطفة، إذ يؤكد أن الشعر بقدر ما هو ممتع فينبغي أن يكون مفيداً، فالشعر حين يوحي، يعلم؛ رابطاً بين الإمتاع الجمالي والتعليم الأخلاقي، على أن المنحى التعليمي في الشعر عرضي أما الإيحاء الجمالي أو الإمتاع الفني فجزء رئيس في بنيته أي قصدي في بنيته.
وما هو تعليمي في الشعر كامن في الأفكار التي تكون في الشعر شفرات إشارة ذات سمات فردية أولاً. بينما هي في النثر دلالات عقلية إقناعية. وحين يحدد استوفر حضور الفكر في الشعر لا يأخذ برأي أرسطو الرافض للشعر الغنائي كونه أثر وعي فردي لا يؤدي وظائف اجتماعية ملموسة. ولا يذهب مذهب أفلاطون في القول بالوظيفة الأخلاقية الاجتماعية للشعر على نحو مباشر.
وقد نظر في العاطفة بوصفها باعثاً شعرياً، بعيداً عن الإلهام الشيطاني، وغير متصل بآلهة الفنون الأفلاطونية، وكان أقرب إلى أرسطو منه إلى أفلاطون، لأنَّ أرسطو قال بتقديم العقل على الخيال، لأن النص الشعري يتحدد أحياناً بمقومات العقل، وهو ما انطلق منه استوفر إذ لا يرى الشعر كبيراً ورائعاً إذا لم يكن للفكر فيه قيمة ذات نفع للحياة الإنسانية ( ).
أما المرزوقي فقد عد العاطفة –التي هي عنده الطبع –معياراً لجزالة اللفظ واستقامته وكذلك لالتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. أي أنه عد أصالة اللفظ ودقة استقامته، وتناسب التحام أجزاء النظم شعرياً، مما يصدر عن طبع أصيل (عاطفة نبيلة). وهو فيها ناقد جمالي.
-أما العنصر الرابع فهو الطابع الحسي للشعر، لأن مادة الشاعر هي الأشياء المحسوسة والشعر لا ينقل إلينا واقعياً تلك الأشياء، إنما بواسطة صور صوتية موحية، تشكل لغة التعبير عن المحسوسات التي تكون في اللغة الشعرية موحية رامزة. ( ).
أما عند المرزوقي فيمكن ملاحظة (هيمنة الحسي) على النص الشعري العربي في خلال ثلاثة عناصر هي: الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له. لأن كل هذه العناصر تشير إلى (قانون الحسية).
فالوصف دال على هيمنة الحسي، لأن "الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء، إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان أحسنهم وصفاً من أتى في شعره، بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها ثم باظهرها فيه وأولاها، حتى يحيكه بشعره، ويمثله للحس بنعته" ( ).
أما هيمنة الحسي على أسلوب التشبيه، فيشير إليه، أن "أصدق التشبيه مالا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة" ( ).
أما في الاستعارة فإن الأمر واضح كون ملاكها تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، أي مناظرة الأوصاف بين الأشياء.
وتتضح قيمة الطابع الحسي في الأدب ولا سيما الشعر في كونها عاملاً مساعداً في تعدد قراءات النص الواحد. بتنوع الإحساس بأثره من فرد لآخر.
-والعنصر الخامس عند استوفر هو: التعقيد أو تركيبية النص الشعري، إذ ينطلق استوفر في فهم التعقيد والتعبير عنه، من أن القصيدة بما تشتمل عليه من عناصر متفاعلة ومركبة إنما تكشف عن بنية معقدة ولا سيما في القصائد الطويلة أو الملاحم، وهنا فإن التعقيد عنده لا يتصل بالغموض، إنما هو صفة تركيبية يبنى عليها العمل الأدبي، والتعقيد عنده متصل ببناء القصيدة كلها ولا سيما الملاحم، بينما هو عند العرب صفة في بناء البيت الشعري أو الجملة الشعرية أو العبارة، ومن هنا فشاعر القصيدة المتصفة بـ (التعقيد) عند استوفر هو كاتب النص الطويل القائم على بناء فكري متصف بالانتظام بين مكوناته الفنية، فهوميروس في الألياذة والأوديسة شاعر معقد، ولكن صفة التعقيد في الشعر العربي متصلة بالبيت الشعري أو الجملة الشعرية، فأبو تمام شاعر معقد، لأن بناء جملته الشعرية يتسم بما يجعله معقداً ( )، وهكذا الفرزدق في بعض شعره على ما هو معروف عنه ( ).
وقد عد استوفر الوحدة العضوية للنص الشعري جزءاً من مقوماته البنائية، لأنه أشبه ما يكون بالإنسان، وتعقيده نتيجة وليس سبباً ( ).
إذ يعد تركيب العمل الشعري الطويل (المعقد) متصلاً بتوفره على (وحدة عضوية) فهو يربط بين الطول وهذه الوحدة وبين طول العمل الشعري وجودته الفنية لأنها مبنية على أن الجزء معبر وجميل بسبب من علاقته بالكل. وهو يرجع توفر الأعمال الشعرية في التراث الغربي على الوحدة إلى عنصر الفكرة. لهذا يصل بين الفكرة والوحدة العضوية موحياً بكونهما من مقومات الشعرية الغربية، وهما مما تتميز به عن الشعرية الشرقية ولا سيما العربية.
أما المرزوقي فقد أشار إلى هذا في "التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن" ( )، ذاكراً أن النظم الذي لا يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولا يتحبس اللسان في فصوله ووصوله هو الذي تكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة تسالماً لاجزائه وتقارناً ( ).
فالتعقيد عند استوفر صفة في بناء القصيدة، فيما يأتي عند المرزوقي صفة في لغة القصيدة وهو في الشعر الغربي، بدءاً من أرسطو متصل بالوحدة العضوية الصادرة عن بناء فكري متناسب على نحو موضوعي ينبني عليه طول العمل الشعري.
وقد أخذ عز الدين إسماعيل برأي استوفر الذي عزا عدم توفر الشعر الغنائي على الوحدة العضوية إلى افتقاده لوحدة الفكر، إذ يقول: إن القصيدة الطويلة تترابط بمهارة العناصر المكونة لها، والتي تشكل انطلاقاً من التعبير عن فكرة محددة، لهذا "فإن عدم وجود الأعمال الشعرية الطويلة في الأدب العربي راجع إلى فقدان عنصر الفكرة عند الشاعر العربي: ( ).
-العنصر السادس عند استوفر هو الشكل ( shape).
الشعر عند استوفر شكلي (formal) أي يتوفر على صورة كاملة وهي جوهر ما يتضمنه العمل الشعري. والطبيعة العامة التي يتبدى فيها كل عمل شعري، كونها هدف الشاعر، لأنها تتشكل بتشكل النص الشعري، ولا تفرض عليه ( ).
وقد أعطى النقاد والشعراء الغربيون للقواعد والصور المقررة أهمية في إبداع الشعر، ولا سيما في القرن الثامن عشر على نحو خاص، ولكن تلك القواعد والصور لم تحظ بـ (القداسة) على حد قول استوفر - ( ) إنما كانت عرضة للتغير مع تعدد المذاهب الفنية.
أما شكل القصيدة العربية فلم يشهد أي تغيير، إنما ظلت صورته مستقرة، حتى عصر النهضة الحديثة، ونظرية عمود الشعر أنموذج يدل على استقرار صورة القصيدة العربية، وصدورها عن مرجعية قواعد تتسم بكثير من الثبات.
-الإيقاع
يعد استوفر الإيقاع عنصراً واجباً في النص الشعري، ومقوماً من مقومات الشعرية، على حين يرى الوزن ثانوياً، ولكن الإيقاع صعب التحقق في الشعر أما الوزن فإن صدوره عن التفعيلات بوصفها بنى مجردة، يجعل منه سهل التحقق بالصدور عن القاعدة.
وإذا كانت بعض الأغراض أو الموضوعات تختص بها أوزان معينة، كما في الشعر الإغريقي ( )، فإن الإيقاع لا يختص بأغراض أو موضوعات بعينها.
أما المرزوقي فلم يفصل في عمود الشعر بين الوزن والإيقاع، فضلاً عن أنه لم يشر إلى الإيقاع، إنما ذكر القافية مرة في العنصر السابع الذي نص فيه على "مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما" ( ) ثم جعل عياره "طول الدربة ودوام المدارسة" ( ) بحيث تتميز علاقة اللفظ بالمعنى بالتجانس والتناسب "فإذا حكما بحسن التباس بعضهما ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو ولا زيادة فيها ولا قصور، وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني.. فهو البريء من العيب، وأما القافية فتكون كالموعود المنتظر يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة لمستغن عنها" ( ).
أما الوزن فقد نص عليه في العنصر الخامس من العمود حين ذكر أهمية التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. من دون أن يحدد أو يوضح معنى التخير من لذيذ الوزن، أو تمييز لذيذ الوزن من غيره.
أما استوفر فقد كان واضحاً في التفرقة بين الوزن والإيقاع، ثم في تحديد ضرورة الإيقاع للشعر، كون الشعر بنية إيقاعية، والإيقاع عنصر واجب فيه، ثم في عدم شرطية الوزن، ثم في ذكره العناصر المحتملة والممكنة التي يتمثل فيها الإيقاع.
وقد بدا في تصوره النقدي هذا صادراً عن وعي نقدي متراكم وكما، لتعدد أجيال النقاد، وضخامة إرثها النقدي، إذ ينتمي استوفر زمنياً إلى النصف الأول من القرن العشرين فيما عاش المرزوقي حتى الربع الأول من القرن الخامس الهجري.
ولعل الملاحظات الموضوعية التي يمكن أن نسجلها، بين عناصر عمود الشعر العربي السبعة، كما جاءت عند المرزوقي، وعناصر الشعر الغربي السبعة كما نص عليها استوفر يمكن أن نوجز أبرزها فيما يأتي: -
-يتمثل مفهوم الشعر عند أرسطو في المحاكاة، متجلياً في المأساة أو الملهاة، وهذه المحاكاة هي أبرز ما يصدر عنه ويميزه، وهو لا يقيم كبير وزن للشعر الغنائي الوجداني كونه فردياً، أي أن آثاره الاجتماعية والأخلاقية محددة. أما استوفر أعار فردية الشعر اهتماماً وعدها مقوماً رئيساً له. وتتمثل فردية الشعر على نحو أسلوبي في اللغة الشعرية.
أما أهمية الفكر في الشعر فقد أكد عليه في خلال خمسة عناصر، أو مقومات هي: اللغة الشعرية، والتجربة الشعرية، والأهمية أو الذكاء، الطابع الحسي الذي يصدر عنه الشعر، والتعقيد الذي يراه نتيجة أكثر منه سبباً.
أما خصائص القصيدة فقد أكدها في خلال عنصرين هما: دراسة نظام الكلمات في السياق النصي للخطاب الشعري وصولاً لقانون الإيقاع الذي يصدر عنه الشعر. ثم الشكل ( shape) لأن تشكيل المادة يأخذ من الشاعر كل عناية، لأن النص الشعري نص شكلي ( formal).
وهذا المفهوم للشعر مختلف عنه عند العرب، إذ ينطلق مفهومه عندهم من الغنائية أولاً تلك الغنائية التي يتمثل فيها الشاعر ذاته ومشاعره أولاً، كأنه غير عابئ بالمعايير الاجتماعية أحياناً، ولكن عمود الشعر حاول أن يطرح من خلال عناصره مفهوماً للشعر بوصفه صناعة. أما استوفر فقد أفاد من النظرة التي تعد الشعر تجربة فنية وخبرة جمالية.
-نظر استوفر إلى القصيدة بوصفها بنية متناسبة أو وحدة متكاملة، تتصف بوحدة عضوية صادرة عن نمو فكري ينظم بناءها الفني، ويسهم في تماسكها العضوي. وهو في هذا الفهم متأثر بمفهوم الوحدة عند أرسطو على نحو خاص.
أما المرزوقي فقد نظر في الموضوعات التي تتوزعها القصيدة بدءاً من المطلع فالمقدمة ثم الغرض فالخاتمة، أي حسن التخلص في الانتقال من موضوع لآخر حتى ختام القصيدة، وهذا فهم صادر عن طبيعة الشعر العربي، وخصوصيته الغنائية.
-كان استوفر دقيقاً في عرض مفهومه للشعر، وفي استعراض العناصر المكونة لطبيعته، كما حرص على بيان لغة المصطلح النقدي. أما المرزوقي في شرح الحماسة فلم يفصل في عرض عناصر عمود الشعر كثيراً، وأحسبه يظن القارئ مطلعاً على المرجعية النقدية التي صدر عنها هو نفسه، مفترضاً فيه الإحاطة بها، ثم أنه حرص على وضع معيار لكل عنصر من عناصر العمود يكشف عن قصده.
-عناصر طبيعة الشعر الغربي السبعة التي قال بها استوفر، صادرة عن طبيعة الشعر الغربي وممثلةً له، وقد كان فيها مفيداً من الإرث النقدي الطويل والعميق بدءاً من أرسطو حتى عصره، أما عناصر طبيعة الشعر العربي السبعة التي قال بها المرزوقي إيجازه في سبعة عناصر أراد لها أن تكون مقومات للشعر العربي.


***

رد مع اقتباس