عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 9 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق

الفَصْل الخامس

مقوّمات عَمُود الشعْر عنْد المحْدَثيْن



ـ بشار بن برد.
ـ الحسن بن هانئ.
ـ مسلم بن الوليد.
ـ حبيب بن أوس الطائي.
ـ الوليد بن عبيد الطائي.





(البحث الأول)
ـ بشار بن برد:

شهد العصر العباسي صراعاً بين أصحاب النهج القديم في قول الشعر والمحدثين حول طريقة العرب في قول الشعر أو ما سمي لاحقاً بـ (عمود الشعر) وما تفرع عنه، إذ أن المحدثين واصلوا تطوير الحداثة الشعرية، منحرفين بدرجات معينة عن الثوابت التي اختطها النص الجاهلي، وهي تمثل عند أصحاب النهج القديم، أصول صنعة الشعر. وقد بدا واضحاً أن ذلك الصراع دار حول خصوصية التغيير في طريقة استخدام اللغة، ومن هنا نظر بعض القدماء إلى أن أشعار المولدين "إنما تروى لعذوبة ألفاظها ورقتها، وحلاوة معانيها، وقرب مأخذها"( ) فقد شاعت اللغة المولدة، وكثر الشعراء المولدون في القرن الثاني، بدءاً من الثلث الثاني منه تقريباً، وصار لهؤلاء تجربة في إبداع الشعر، نافسوا فيها العرب، فكان نمط شعرهم ذاك أول التحول نحو الشعر المحدث، فكان بشار بن برد (ت 168هـ) أبرز من حرص على تمييز نفسه من أساليب القدماء، لهذا مثلت لغة شعره الحداثة في عصرها حتى قيل عنه "أستاذ المحدثين، من بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا... سلك طريقاً لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه"( )، وهذا تقديم فني لشعره على سواه وفي أخباره ما يكشف عن وعيه لعملية الخلق الشعري، إذ سئل مرة: "بم فقت أهل عمرك؟ وسبقت أهل عصرك في حسن معاني الشعر وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري..."( )، فهو لا يأخذ ما يمليه عليه الطبع، لأنه لا يراه بذاته قيمة شعرية، وإنما يرى في كيفية خلق التعبير الشعري أثراً شعرياً، يبعث على خلق الشعرية ويدلل عليها. "وعلى الرغم من أننا نجد في شعر بشار بن برد، الكثير من رنين الأقدمين، وصوتهم، وطرائق صياغتهم، كما وعته أذن بشار المرهفة والمستجيبة، فإننا نلحظ في الوقت ذاته قدرة بشار على تطويع هذا الرنين لتجربته الجديدة، والخروج بإيقاع شعري، وصياغة شعرية تختلف اختلافاً واضحاً عن التجارب السابقة وتتبطن لغة قادرة على التفاعل مع حركة التطور الحضارية... ومع تجربة الشاعر ومواقفه الجديدة من الحياة"( ) وهذا القرب من الحياة أو الالتصاق بها هو ما أشار إليه المبرد بقوله: "هذه أشعار أخذناها من أشعار المولدين، حكيمة مستحكمة، يحتاج إليها للتمثل، لأنها أشكل بالدهر"( ).
وقد كان الاختلاف بين القديم والحديث في الشعر العربي صادراً عن النظر في تاريخ المتغير اللغوي وهو متغير أسلوبي مبعثه إرادة تهدف للحفاظ على ثبات الألفاظ وطرائق استعمالها (قانون اللغة المعيارية)( ).
ذلك أن الخروج على هذه اللغة المعيارية، إنما يشكل أخطاء مضادة، لكل ما هو حقيقي معياري، لأنهم يعدونه موقعاً في الإغراق، مؤدياً إلى "غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد، مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج"( ) لذلك كان من يعتمد التغيير وسيلة لتحقيق الإبداع الشعري، على نحو خاص، خارجاً على الطريقة المعيارية، غير ملتزم بعمود الشعر.
وهذا القصد الفني نحو التغيير في الشعر عند بشار إنما هو خاصية أسلوبية يهدف من خلالها إلى إحداث أثر غير متوقع في المتلقي، لأن "قيمة كل خاصية أسلوبية، تتناسب مع حدة المفاجأة التي تحدثها، تناسباً طردياً، بحيث كلما كانت غير منتظرة، كان وقعها على نفس المتلقي أعمق"( ) فقد ركز المحدثون على التغيير من خلال الأساليب البيانية، كالمجاز والاستعارة والتورية، وهو ما ميز أسلوب صياغة المعنى الشعري عندهم، "فبشار بن برد، وأصحابه زادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضاً"( ).
مع عصر الحداثة الشعرية الذي كان شعر بشار أوله، ظهر صراع نقدي وتباين في الآراء، واختلاف في المواقف، فمن النقاد من حاول وضع السمات الفنية. والمؤشرات الجمالية، التي يمكن أن يقاس إليها الشعر، لمعرفة الثوابت الموروثة عن الشعر الجاهلي، وصولاً إلى تحديد الخارجين عليها، لذلك حاول بعض النقاد تطبيقياً معرفة القوانين الداخلية للشعر، تلك القوانين التي تشكل إثرها عمود الشعر العربي.
وقد نظر بعض النقاد القدماء إلى جديد بشار على أنه خروج على تلك القوانين لا على أنه خصيصة أسلوبية، من جهة كونه مولداً وليس بأعرابي لأن المولد "يقول بنشاطه وجمع باله، الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن أغلت قوته، واضطرب كلامه"( )، وكأن بعضهم نظر إلى تميز المولدين على أنه اضطراب في كلامهم الشعري، فهم ليسوا بأعراب "فمن تمام آلة الشعر، أن يكون الشاعر أعرابياً"( ) على أن هذا التميز أو التغيير عند بشار أو طبقته، إنما مبعثه أمران، أولهما ذاتي وثانيهما موضوعي متصل بثقافة الشاعر، وخصوصية عصره، أما الذاتي فهو باعث أسلوبي متصل بأن روح الشاعر أو شخصيته تدخل في عمله الفني لتنقله بالضرورة "إلى شعر فيه رؤيا الشاعر المتأملة للحياة وتجربته وإحساسه إزاءها... تجربته تنبع من أعماق كيانه وتستبطن ما هو إنساني فيها، وبذلك تخرج من مجرد التجربة التي تتعلق بحدود ذات الشاعر الضيقة إلى آفاق أرحب في التعبير عما هو إنساني عام"( ).
أما الأمر الموضوعي المتصل بثقافة العصر، فهو أن النص القرآني كان قد قام "دليلاً حياً على أن النص الإبداعي: هو النص الذي ينتج عناصر إبداعية بنفسه، وليس النص الذي ينظر إلى مثال سابق ويحاول احتذاءه أو تقليده"( ) ذلك أن النص القرآني كان قد "فتح أمام الشعراء آفاق عالم شعري، بكل ما يمتاز به هذا العالم، من خيال ومبالغة وبعد عن الحقيقة، أو على وجه الدقة، هكذا تعامل الشعراء ـ ابتداء ـ مع حديث القرآن عن الجنة والنار وغير ذلك من أنباء العالم الآخر"( ) كلّ ذلك قد يرجح "تفسير كل ما حصل من تغير في الحساسية الشعرية العربية في ضوء الرؤية الجديدة التي قدمها النص القرآني الذي يحرص على تطوير الفن ونمائه، كما يحرص على تطوير لبنات الحياة الأخرى، وعند ذاك سيكون تفسيرنا للظواهر الجديدة التي رافقت تطور القصيدة العربية تفسيراً فنياً، وليس تفسيراً خارجياً أو إسقاطياً تسويغياً"( ).
أما إذا كان النقاد المتعصبون للقديم على المحدث يرون في أشعار المولدين تصنعاً أو صناعة لفظية وفي أشعار الأعراب أو البدو كما الجاهليين طبعاً سمحاً. من جهة أن "القدامى أقرب إلى الطبع والمحدثين حظهم من الطبع متفاوت، فبعضهم يقوى لديه فيحكمه في الإبداع، فيجيء كلامه أقرب إلى طرائق الاعراب، وبعضهم يحب الأغراب، وإظهار الاقتدار، لأنه يدل على كمال البراعة، ولذلك يلجأ إلى الفكر لا إلى الطبع فيحمله على الإكثار من البديع"( ) فإن كل هذا لا يعني خروجهم على طريقة العرب في إبداع الشعر، إنما يكشف عن تجديدهم وحداثتهم من جهة الزمن ومن جهة الفن، فهم حديثون زمناً مستوعبون بحداثة زمنهم الذي يعيشونه للطرائق الفنية المعبرة عنه ولا سيما الشعر، فهم في زمن مغاير لما مضى، لذا من المناسب أن يكون فنهم الشعري مغايراً لما مضى، ومن هنا لم يعد الشعر عندهم محدداً بالقاعدة إنما بالإبداع.
وقد كان للنقد اللغوي الذي يعنى بالقاعدة والحكم المسبق على النص، وتحديد الوظيفة الأسلوبية التي تعنى بالمرجعية دور بارز في النظر إلى المحدث على أنه في مرتبة ثانية وإلى المتفرد في بعض أساليبه البيانية من هذا المحدث على أنه خارج على عمود الشعر العربي، وقد قال جابر عصفور: "أن جلّ اللغويين الذين حاولوا إصدار أحكام نقدية على الشعر، كانوا من المدرسة البصرية التي لا تحترم فردية المعنى احتراماً كاملاً، وتحاول باستمرار أن تدخل النصوص المختلفة والمتمايزة في إطار واحد ثابت، إذ المهم عندها الحرص على نظام شامل للغة، فقد أدخلت اللغة بكاملها في قوالب منطقية، وحاولت أن تثبت أن الشذوذ أو الانحراف من قبيل الأعراض الطارئة، وأن لها في ذلك أسباباً عقلية، ومن هنا كان الاهتمام بأن يكون لكل نبرة، ولكل كلمة ولكل جملة أساس ترتكز إليه، من حيث حقيقة أشكالها، والمواقع التي تحتلها، داخل هذه القوالب العقلية، أو الأصول التي لا يمكن الخروج عليها"( ) وهذا ما ذهب إليه مصطفى هدارة: من أننا إذا أمعنا "النظر في أقوالهم، فإننا ندرك أن عمود الشعر ونهج القصيدة، هما السبب في تحامل الرواة على المحدثين من الشعراء لخروجهم عليها"( ).
والواقع أن قصر عمود الشعر على شكل الشعر الجاهلي ونهج القصيدة الجاهلية، وخروج المحدثين عليهما ـ وهو خروج طبيعي وصحي ـ بحكم كونهم محدثين، هو ما صدر عنه صراع الطبع والصنعة أو القديم والمحدث. وهو أمر غير صحيح إذا نظرنا إلى عمود الشعر العربي بمنظار خصوصية الشعرية العربية المتجددة فنياً على وفق خصوصية اللسان العربي مع مرور الزمان وتجدد الوعي الإنساني للفرد العربي، الشاعر أو المتلقي، وهذا ما تكشف عنه قراءة القدماء أنفسهم في شعر بشار، ومن خلال عناصر عمود الشعر التي ثبت اصطلاحها النقدي بعد عصر بشار بن برد.
فبشار معدود في نظر النقاد من المطبوعين حيناً وأحياناً "هو أول من أعاد إلى الصنعة مكانها في الشعر"( ) وهو من المجددين الذين غيروا في الأسلوب الشعري. وقد فضله الأصمعي على مروان بن أبي حفصة "لأن مروان سلك طريقاً، كثر من يسلكه، فلم يلحق بمن تقدمه، وشاركه فيه من كان في عصره، وبشار سلك طريقاً لم يسلك، وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفاً في فنون الشعر، وأغزر وأوسع بديعاً"( )، وهذا يكشف عن خصوصية أسلوبه الشعري، والمدى الذي كان فيه مجدداً بالقياس إلى طريقة الشعر الجاهلي، فهو لم يخرج على تلك الطريقة إنما أضاف لها، كونه على رأس مدرسة تمثل في شعرها وفي أسلوب حياتها ثورة نحو الجديد( ). وقد ذكر بعض الدارسين أن شعر بشار قد توزعته ثلاث نزعات "نزعة تجديد تأثر فيها ببيئته بالبصرة، فطرق الموضوعات الجديدة.. وعبر في شعره عن معان كلامية وفلسفية. ونزعة محافظة اقتضتها نشأته البدوية الأولى في حجور بني عقيل، وبين أشياخهم الفصحاء، فكان يحسن الابتداء على طريقة الجاهليين. ونزعة وسط كان يسلك فيها مسالك أهل الفن، من الشعراء الذين يلتزمون أصول الشعر الأولى، ويتأثرون بالحضارة في الزخرفة البيانية، والعناية بالصورة وتجميلها بالأسلوب وتحسينه"( ).
أي أنه غير خارج على عمود الشعر العربي، وأكثر التزاماً به من السابقين عليه، من جهة أنه التزم طريقتهم وأضاف إليها الجديد على صعيد المعنى أو اللفظ أو دقة الوصف وخصوصيته أو التشبيه وطريقة العرب فيه، أو لغة الجملة الشعرية على صعيد النظم، وحدود اختياراته للمستوى الصوتي بدءاً من لذيذ الوزن، أو في مناسبة الاستعارة وتناسب عناصر لغتها، أو في مشاكلة اللفظ للمعنى، دلالياً أو إيقاعياً.
لما كان النقاد وجلهم من أهل اللغة، ينظرون إلى الشعر القديم (الجاهلي) من جهة صدور اللفظ عنه، لأن المعاني متداولة بين الناس حتى أن منها ما لا تقع السرقة فيه إذا جاء مشتركاً لشيوعه وكثرة تداوله، فقد رأوا، أن المولدين أو المحدثين" يستشهد بهم في المعاني، كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ"( )، ومن هنا فقد اعترفوا لبشار في معان لم يسبقه إليها أحد مثل قوله( ):
أمن تجني حبيبٍ راحَ غضبانا
أصبحتُ في سكراتِ الموتِ سكرانا

لا تعرفُ النومَ، من شوقٍ إلى شَجنٍ
كأنما لا ترى للناسِ أشجانا

أود من لم ينلني من مودتهِ
إلا سلاماً يردُّ القلب حيرانا

يا قومُ أذني لبعضِ الحي عاشقة
والأذنُ تَعشقُ قبلَ العينِ أحيانا

ومما يستحسن من شعر بشار، وهو أيضاً معنى لم يسبق إليه( ):
لم يطل ليلي ولكن لم أنمْ
ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ

فأهجر الشوقَ إلى رؤيتها
أيّها المهجور إلا في الحلمْ

حَدثيني عن كتابٍ جاءني
منكِ بالذمِ وما كنتُ أُذمْ

وهو يحسن اختيار المعاني الشريفة التي يفتتح بها قصائده، حتى قال الحاتمي: إن أحسن ابتداء لشاعر محدث هو قوله( ):
أبى طلل بالجزعِ أنْ يَتكلما
وماذا عليهِ لو أجابَ مُتيما

وبالقاعِ آثارٌ بقينَ وباللوى
ملاعبُ لا يغرفنَ إلا تَوهُّما

إن بشاراً في هذه الأبيات وما شاكلها جرى على سنن سابقيه، متوخياً فصيح الألفاظ عامداً إلى الحقائق أو ما يناسبها، مدلاً بذلك على معنى صحيح وفهم ثاقب، عامداً إلى إبراز عناصر أسلوبه الشعري ليستحوذ على انتباه المتلقي، قاصداً إلى أن يخلق في ذهن المتلقي وهماً عبر أسلوبية نصه الشعري، على أن وهمه ذاك ليس بالبنية المجازية الخالصة ولا بالتصور المباشر المتصف بالمجانية، إنما هو مرتبط ببنيات النص الشعري المتصلة بمرجعية تكشف عن صلتها بالماضي وتناسبها مع واقعها.
وهذا ما يبين رأيهم في إصابة الوصف في شعر بشار، حين يصف الواقع على أنه ارتفاع باللغة على حدود دلالتها الوضعية، جاعلاً إياها زاخرة بأكثر مما تعد به، مشيرة بأكثر مما تقول، كأنه يحاول إعادة ترتيب الواقع فوق ما هو عليه مفتخراً بذلك، فقد نظروا لبشار في هذا على أنه مبالغة وإفراط، لأنهم ينظرون إلى المنحى الموضوعي بالقياس إلى الواقع وليس إلى فن الشعر من جهة صدوره عن الخيال الخلاق فكان أن عدواً من قبيل المبالغة قوله في الفخر( ):
إذا ما غضبنا غضبةً مُضريةً
هتكنا حجابَ الشمسِ أو قطرتْ دما

إذا ما أعرنا سيداً من قبيلةٍ
ذرى منبرٍ صلّى علينا وسَلما

أما لغة التشبيه عند بشار فجاءت صادرة عن القديم الجاهلي ومقلدة لها، إذ جاء أبدع تشبيه عنده محاكياً لامرئ القيس، إذ قال:


كأن مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسِنا
وأسيافنا، ليلٌ تَهاوى كواكبهْ

وقال أيضاً في قصيدة أخرى:
من كل مُشتهرٍ في كفّ مشتهرٍ
كأن غُرتهُ والسيفُ نجمانِ

وقال في قصيدة أخرى كذلك:
خلقنا سماءً فوقهم بنجومنا
سيوفاً ونقعاً يقبضُ النقعُ اقتمَا

كل هذا إعجاباً بقول امرئ القيس:
كأن قلوبَ الطير رطْباً ويابساً
لدى وكرها العنّابُ والحشف البالي

وقد أشار القدماء إلى أن امرأ القيس، قد شبه شيئين بشيئين مفصلاً: الرَّطْبَ بالعناب، واليابس بالحشف، فجاء في غاية الجودة على رأي أبي هلال. أما بشار فقد شبه ظلمة الليل بمثار النقع والسيوف بالكواكب، ويرى أبو هلال، أن بيت امرئ القيس أجود، لأن قلوب الطير، رطباً ويابساً، أشبه بالعناب والحشف، من السيوف بالكواكب( ).
وهذا النظر العقلي الموضوعي للغة التشبيه، جعل صاحب العمدة، يعد إكمال رسم صورة التشبيه، من خلال التفصيل في تناسب مكوناتها أو أجزائها، من باب الإيغال إذ يقول:
وغيران مِن دون النساءِ كأنهُ
أُسامة ذو الشبلينِ حينَ يجوعُ

إن قوله: "حين يجوع" إيغال حسن( ).
ويرى ابن رشيق: أن من عجيب تشبيهات بشار وهو أعمى( ):
وتراهُ بعد ثلاثَ عشرةَ قائماً
نظرَ المؤذنِ شكَّ يومِ سحابِ

وعلى ابتذال هذا التشبيه!! إلا أن رأي ابن رشيق يذهب إلى ما يتطلبه القدماء في هذا الأسلوب من دقة في الإخبار عن حقيقة الشيء عند الوصف، وإلى التمثيل المستند إلى قرائن واقعية، تتصل بحدود مجازية اللغة من جهة ومدى قراءة المتلقي من جهة أخرى.
كان بشار في أسلوب التشبيه فطناً، حسن التقدير، من جهة صدوره عما قد ارتضته الذائقة العربية، وما كان من جديده الذي أحدثه فهو تعبير عن خصوصيته شاعراً محدثاً، وكشفاً عن أن هذا معبر عما يراه هو، وصادر من وحي تلقيه الشعر الذي سبقه، أو تتلمذ عليه، تلك التلمذة التي جعلت الأصمعي يرى أن: "بشاراً خاتمة الشعراء" ولولا تأخر أيامه لفضله على كثير( ). والجاحظ يراه أشعر المولدين( ).
لما كان اللغويون والنقاد الذين كانوا لغويين في الغالب يقدمون الشعر الجاهلي كونه فطرة اللسان العربي الأولى، تلك الفطرة التي صار ما صدر عنها من كلام أساس القاعدة اللغوية والنحوية للسان العربي في عصر التقعيد والتدوين، فقد صار الشعراء الذين يصدرون عن طبق لساني مصنوع لا عن فطرة لغوية، مثل بشار ومن جاء بعده، أكثر التزاماً ببنية اللغة من جهة، قواعد اللغة والنحو والصرف، حتى ألجأهم التزامهم إلى القياس على ما جاء في لغة العرب مما لم يكن قد استخدمه العرب، وهذا أمر طبيعي في عصر تقعيد وتدوين يهدف للحفاظ على اللسان العربي، وببنية اللغة من جهة، انتظام وانسيابية التلوين الصوتي الصادر عن سياق الخطاب الشعري، مما نلحظه مباشرة كما في الوزن والقافية، ومما نلحظه بأسلوب آخر كما هو في التلوين الصوتي الصادر عن الجملة الشعرية مما عده المتأخرون في فنون البديع كالتجنيس والتكرار والسجع والمماثلة والترديد والترصيع ورد العجز على الصدر وغيرها. وهذه الفنون البديعية تكشف عن مدى التزام المحدثين بها، غير أن الإكثار منها عندهم يشير إلى قصدهم إياها من جهة أخذهم اللغة أو اللسان العربي صناعة أو تطبعاً وليس فطرة، في حين أن ورودها من القدماء على نحو عفوي غير مقصود متصل بكون لسانهم العربي هو فطرتهم الأولى، فإذا عبروا به، شعراً أم نثراً، اتضحت فطرتهم اللسانية طبعاً عفوياً فيهم، وانكشفت أساليب معينة جاءت طبعاً عفوياً يكشف عن أسلوب فني غير قصدي.
وهذا كله دال على التزامهم باللسان العربي المبين، وقد يتجلى ذلك الالتزام بالبنية الإيقاعية للنص الشعري، من جهة صدورها عن مكونات العروض وعناصره حيناً، وبروزها في أساليب بديعية ذات ملامح إيقاعية أحياناً أخرى. من هنا كان بشار بن برد أول المولدين وشيخ المحدثين و"أول من فتق البديع"( ) فكان إماماً في هذا ثم جاء مسلم بن الوليد فتوسع في استخدامه حتى إذا جاء أبو تمام صار فيه صاحب منهج خاص عرف به.
وفي الأوزان والقوافي، ظهر طبع بشار من خلال الأبحر القصيرة ذات الإيقاع الراقص كما هو واضح فيما وصلنا من شعره( )، وهو حتى في الأبحر الشائعة كالبسيط كان يتوخى القوافي ذات الإيقاع الغنائي كما في قصيدته التي أولها( ):
يا منيَة القلبِ أني لا أسميك
أكني بأخرى أسميّها وأع***ِ

أو في قصيدته الأخرى التي يراها ابن المعتز مثالاً حسناً في أحكام الوصف وحسن الوصف أولها( ):
جفا جفوةً فازوَّر إذ ملَّ صاحبهُ
وازرى بهِ أن لا يزالَ يصاحبُهْ

خليلي لا تستكثرا لوعةَ الهوى
ولا لوعةَ المحزونِ شَطَّتْ حبَائبه

أما فنون البديع ذات السمات الإيقاعية كالتجنيس والتكرار وسواهما، فيمكن النظر إليهما على نحو مباشر، في البيتين السابقين ـ على سبيل المثال ـ لأن ما فيهما يمكن أن نلحظه وسواه في سائر شعره. إذ نجد في البيت الأول: الجناس غير التام في (جفا: جفوة، صاحبة: يصاحبه) والتكرار في البيت الثاني في (لوعة الهوى) غير أن البديع في شعر بشار أقرب إلى العفوية منه إلى القصدية، وإن كان في شعره ظاهر السبب الذي ذكرته في الصفحة السابقة وإذا كانت "العرب لا تنظر في أعطاف شعرها، بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي، وتلاحم الكلام بعضه ببعض"( )، فإن بشاراً أولى بهم في عدم قصد التصنع والميل إلى الطبع ذي العمق الفني والأداء الجمالي وهو ما تميز به أسلوبياً على صعيد اللغة الشعرية كما نلحظه في المجاز ولا سيما الاستعارة.
يذكر ابن المعتز، أن من بديع الاستعارة عند المحدثين قول بشار بن برد( ):
شَربنا من فؤادِ الدّنِ حتّى
تركنا الدّن ليس لـهُ فؤادُ

وقوله في قصيدة أخرى( ):
حببتُ هواكَ على قلبهِ
ففاض وأعلنَ ما قد كتَمْ

وبيضاءُ يضحكُ ماءُ الشبا
بِ في وجهها لكَ أو يَبتسِمْ

ألا أيّها السائلي جاهلاً
ليعرفني أنا أنفُ الكرمْ

وقوله أيضاً( ):
تبعثُ عطاياهُ مواهبهُ
كالسيلِ متبعاً قفا مطرِهْ

فالجمل الاستعارية مثل (حببت هواك...) و(يضحك ماء الشباب...) و(تبعث عطاياه مواهبه) كلها استعارات ذات قرائن واضحة يمكن أن يتخيلها المتلقي أو أن يعيها، وهو فيها يسلك سبيل الأوائل في سائر استعاراتهم، أما حين يتميز من الأوائل بمنحى أو خصوصية أسلوبية معينة، فسينظر إليه المتمسكون بالقديم على أنه من قبيل الخطأ، على نحو ما يرونه في قوله( ):
وجذَّتْ رقابُ الوصلِ أسيافُ هجرِها
وجذتْ لرجلِ البينِ نَعلينِ من قدي

يقول ابن رشيق: ما أهجن "رجل البين" وأقبح استعارتها، ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، وكذلك "رقاب الوصل"( ). على أن هذا وما يجري مجراه في لغة بشار، إنما هو ميزة أسلوبية عنده، من جهة أن "دراسة الخصائص الأسلوبية في النتاج الأدبي ينبغي أن تتركز على العناصر التي تحد من حرية الإدراك لدى (مفكك السنن) أكثر مما تتركز على السمات التي يدركها آخر الأمر"( ).
فضلاً عن أن استعارة الرجل للبين (رجل البين) ممكن فنياً، بحكم القرينة المكانية المتخيلة بين دلالة (الرجل) و(البين) وهو في الشعر ممكن جداً، وكذلك استعارة الرقاب للوصل (رقاب الوصل) ولكن ابن رشيق ناظر إلى مدى استساغة العرف لهاتين الاستعارتين وما جرى مجراهما. وهذا حكم أخلاقي موضوعي، وليس نظراًً جمالياً شعرياً. ولا سيما أن مهمة المبدع شاعراً كان أو ناثراً هي "خلق سمات أسلوبية غير متوقعة من لدن أغلب القراء، لأن عدم التوقع يقوي الانتباه عند القارئ، وعندما يفاجأ هذا بإدراك هذه السمات، يكون المسنن عندئذ قد حقق هدفه، بإيصال، المقصدية والتأثير الأسلوبي في آن واحد"( ).
وهذا لا يدلل على خروج بشار عن طرائق القدماء في إبداع الشعر، إنما يكشف عن مدى تمسكه بها، من جهة انطلاقه منها، ومحاولة الإضافة إليها.
وقد أشار بعض الدارسين إلى تميز بشار في رسم الصورة الشعرية من خلال أسلوب المجاز ولا سيما الاستعارة، وقد أحدث "في الشعر ما يعرف عندنا اليوم بالتشخيص (Personification) أو توسع فيه. والتشخيص هو إخراج المعاني في صورة الأشخاص وربما كان بشار أسبق شعراء العربية إليه. ومثال ذلك في شعره قوله في الأبيات التي خاطب بها يعقوب بن داود( ):
طالَ الثواءُ على تنظر حاجة
شَمطتْ لديكَ فمن لها بخضابِ

فهو يستعير لحاجته المقيمة طويلاً عند يعقوب بن داود، المرأة العجوز الشمطاء التي طال بها الزمن في حاجة إلى الخضاب تستر به شيبها.
ويقول في قطعة أخرى غزلية( ):
عندها الصبر عن لقائي وعندي
زفرات يأكلنَ قلبَ الحديدِ



فجعل الزفرات مما يأكل، وذلك أيضاً ضرب من التشخيص.
ويقول أيضاً في الغزل( ):
وبيضاءُ يضحكُ ماَ الشبابِ
في وجهها لكَ إذ تَبْتَسِمْ

فجعل للشباب ماء، ثم أضفى عليه صفة الإحياء، وجعله يضحك"( ) هذه الخصوصية الأسلوبية في رسم الصورة عند بشار، أضفت على شعره طابعاً متميزاً "يغلب فيه التصور الذاتي الذي قد يخالف الموضوعية في بعض الأحيان، ومن هنا أيضاً كان الخصب في تصويره"( ) على أنه يتميز أحياناً بضرب من الاستقصاء في التصوير وميل إلى التفصيل في التشابيه، وربما كان ذلك بسبب من كونه بصيراً( )، فهو يحرص على التعويض.
بشار بن برد، الشاعر المولد، وأشهر المحدثين، وأول من سن البديع في لغة الشعر، الشاعر الذي لا يعلم الجاحظ أحداً يجاريه في المحدثين سوى أبي نواس( )، كان أكثر المحدثين تمسكاً بأساليب القدماء في قول الشعر، حتى دفعة طبعه الصادر عن طريقة العرب في إبداع الشعر إلى العناية بالمقومات البديعية حتى صارت ميزة أسلوبية في لغته، وإلى توخي الاستعارة حتى وصفه بعض الدارسين بالمبالغة، إذ عدوا من المبالغة أنه جعل (الزمان يموق) في قوله( ):
وما أنا إلا كالزمانِ إذا صحا
صحوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أموقُ

على الرغم من أن طبيعة الاستعارة على ما يقول ابن جني "لا تكون إلا للمبالغة وإلا فهي حقيقية"( ).
وقد كان متوخياً لصحة المعنى الشعري على وفق خصوصية الفن، موصوفاً بحسن الطبع في بناء اللفظ على اللفظ، وفي إصابة الوصف، ومناسبة عناصر لغة التشبيه، بعضها لبعضها الآخر، وفي مشاكله اللفظ للمعنى في لغة جملته الشعرية، ويعنى كثيراً بإيقاعية الوزن حتى اتصف شعره بالغنائية (التلحين الموسيقي) وكان متبعاً للقدماء ومجدداً في الوقت ذاته، في الاستعارة والتشبيه.
فإذا كان الذي جاء بعده قد أخذه عن القدماء مثله وطور في أسلوبه الشعري وأخذ عنه مضيفاً إليه، فإن ذلك يشير إلى تمسك بطريقة العرب في التعبير الشعري، ليس من جهة التمسك بمقومات الشكل الشعري والجمود عليها، إنما استحضار روحية فن الشعر الدالة على التجدد والمتضمنة معاني التغيير أو الحداثة.






(المبحث الثاني)
أبو نواس:


كان أبرز علم شعري ظهر بعد بشار، وإذا كان بشار قد أسس بأن أضاف، فقد أسس أبو نواس بأن تجاوز، وإذا كان سابقه قد تنازعته أشكال متعددة، يرجع بعضها لحياته بين الأعراب أو في البادية، وبعضها لحياة الحداثة الحاضرة، وبعضها الآخر وسط بين هذا وذاك، فإن أبا نواس شغلته حياته الحادثة، فكان أقرب إلى التجاوز وأدنى إلى الإضافة وأسرع إلى الحداثة، لذا جاء شعره حلقة مهمة ومرحلة مجددة، وإذا كانت حياة الحاضرة الجديدة قد نأت به عن حياة البادية الجاهزة فقد كان حريصاً على تحرير الشعر من تقليدية الحياة الجاهزة التي توارثت أجيال الشعراء وصفها وهي حياة البادية. وهذا لا يكشف إلا عن تمسكه بطرائق العرب في قول الشعر، ليس من جهة إعادة تقليد الشكل الشعري الجاهلي، وترسم خطى القدماء في وصف حياتهم، إنما من جهة خصوصية الحياة القديمة (الجاهلية) عند أهلها وصدقهم في وصفها، وشمولية الشكل الشعري واستيعاب لمعطيات الحياة التي حدثت وتحدث، وهذا احترام للأصول وانطلاق منها وتطوير لها في وقت واحد وهو ما يعبر عن الانتماء لا الخروج.
أضاف أبو نواس على ما جاء عند بشار، من جهة نظرته إلى المعنى والمعنى الشعري وصحة المعنى الشعري، واستقامة اللفظ انطلاقاً من دلالة القاعدة المستقيم في خلالها، ضمن السياق الشعري. وتطور معه مفهوم الوصف الشعري في أسلوب شعره بالشكل الذي أضاف فيه إلى من سبقه، وفي تناسب أجزاء النظم، دلالياً وإيقاعياً أحدث تجديداً، انطلق منه أبو تمام، أما لغة الاستعارة عنده فقد أسست لحداثة شعرية، إذا قيست بما جاء عند أبي تمام بعده فسيكون متميزاً فيها من أبي تمام وإن أخذ عنه أبو تمام ما كان من تجديد في الاستعارة وهذا كله ما سيحاول هذا المبحث أن يستعرضه.
كان المعنى الأخلاقي أو المفهوم التربوي للشعرية هو السائد والموجه في النقد العربي حتى عصر أبي نواس، ولم يكن النظر إلى المعنى الشعري سائداً وموجهاً، وهو ما لا ينمي التفرد الأسلوبي من جهة أنه "دراسة للخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقه الإخباري إلى وظيفته التأثيرية والجمالية( ) من هنا فهمت نظرة أبي نواس للمعنى الشعري، في نظر من يقومونها أخلاقياً على أنها تجاوز وخروج، على حين أن هذا شكل سمة في أسلوب أبي نواس كونه جاء تلقائياً بعيداً عن التصنع، وحين يغدو نسيج الإبداع الفني لدى الشاعر تلقائياً لا يصحبه الإدراك يصبح الأسلوب، بصمات تحملها صياغة الخطاب فتكون كالشهادة التي لا تمحي "وعلى هذا كان أسلوب أبي نواس، حتى إذا أخذ بتقليد أسلوب غيره ضعف شعره، والسبب في هذا اتصال أسلوبه الشعري بحرية حياته التي صدر عنها شعره( ).
لهذا كانت عنايته بالسياق الشعري، بعيدة عن أي مقوم آخر. فقد أخذ عليه بعض النقاد مثل قوله:
"يسبقُ طرفَ العينِ في التهابه"
إذ قال الجرجاني أن هذا "هو معنى عامي مبتذل"( ) انطلاقاً من مقوم أخلاقي ناظر إلى حدود العرف العام.
وتحت هذا المقوم الأخلاقي نظروا إلى حدود التشاؤم وعدم التفاؤل في قوله:
سلامٌ على الدنيا إذا ما فقدتمْ
بني برمكٍ من رائحينِ وغادِ

إذ ينبغي على الشاعر إذا مدح أن يتجنب المعاني التي يتطير منها( ).
وكذلك يعيبون عليه تناول المعاني الفلسفية أو ما يتصل بالمذهب الكلامي، لا على نية رفض أن يتم توظيف الشعر للفكر، وإنما ينبغي أن يكون الفكر موظفاً شعرياً، بل لأنهم خصوا معاني معينة بصفة الشعرية، لذا عيب عليه قوله( ):
سخنت من شدّة البرودةِ حتّـ
ـى صرت عندي كأنكَ النارْ

لا يعجبُ السامعونَ من صفتي
كذلكَ الثلجُ باردٌ حارْ

إذ يقول ابن رشيق: إن هذا مذهب كلامي فلسفي، ومثله قوله:
فيكَ خلاف لخلافِ الذي
فيهِ خلافُ لخلافِ الجميل


في حين لا يراه إلا مجيداً حين قال في التشكيك( ):
ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم
تغص بهِ عيني ويلفظهُ وهمي

أتتْ صورة الأشياءِ بيني وبينه
فظني كلا ظن وعلمي كلا علمِ

فإعجابهم تأتى من جهة مشاكلة اللفظ للمعنى، وغلبة قوة الصياغة أو السبك الشعري، وكأنهم ينظرون للشعر على أنه تجربة في صياغة اللفظ أكثر من كونه تجربة في التعبير الشعري.
ولكن أبا نواس في قوله: (فيك خلاف لخلاف...) استطاع على المستوى الأسلوبي أن يبني نسقاً متناسباً قائماً على التكرار، ليشكل متغيراً أسلوبياً غير مألوف إذا قيس بما هو شائع في التعبير عن معنى (الخلاف أو التخالف).
ومن هنا فقد أخذ النقاد واللغويون على أبي نواس في بعض لفظه الشعري ما يرونه عدم استقامة، ناظرين إلى ما هو شائع، حتى أن بعض الدارسين حين رأى الأمر شبه شائع في لغة أبي نواس شكك بقصور النقد، محسناً الظن بثقافة أبي نواس، إذ قال ابن قتيبة: أن أبا نواس "كان يلحن في أشياء من شعره، لا أراه فيها إلا على حجة من الشعر المتقدم، وعلى علة من علل النحو"( ).
ومما يؤاخذه عليه أهل اللغة من عدم استقامة اللفظ عنده قوله( ):
وصفُ كاسٍ محدثة ملكٍ
تيهُ مغنٍ وظرفُ زنديقِ

إذ جزم بالسكون "محدثة" لما تتابعت الحركات وكثرت، وأظنه هنا ضرورة شعرية يستقيم له بها إيقاع البحر المنسرح.
ومن مؤاخذات أهل النحو عليه ما جاء في قوله( ):
يا خيرَ من كانَ ومن يكون
إلاّ النبي الطاهرُ الميمون

برفع (النبي الطاهر الميمون) لأن قافية قصيدة النونية مرفوعة الروي بالضم، ومثل هذا قوله (يا ربي الجبار) فرفع "الجبار" وحقها النصب( ).
ومن مؤاخذات الصرفيين عليه ما جاء في قوله( ):
وإذا نزعت إلى الغوايةِ فليكنْ
لله ذاك النزعُ لا للناسِ

قال عبد العزيز الجرجاني: "وإنما هو نزع عن الشيء نزوعاً، وأبيات كثيرة يضعف عذره في معظمها، وإن كان باب التأويل يتسع، ومذاهب الاحتيال في النحو لا تضيق"( ).
ومما يؤخذ عليه (اللفظ المشترك) كما في قوله:
وخبنَ ما يخبنَ من آخر
منه وللطابن أمهارُ

إذ يرى أبو هلال: أن "الأمهار هنا جمع مهر، من قولهم: مهر يمهر مهراً، والمصادر لا تجمع، ولا يشك سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه"( )، كما أنكر عليه النحويون (صغرى وكبرى) بغير ألف ولام في قوله( ):
كان صغرى وكبرى من فواقعها
حصباء در على أرضٍ من الذهبِ

وهذا التقويم النقدي الصادر عن حدود القواعد اللغوية الصارمة، إذا لم ينظر إلى دور السياق في توجيه الدلالة الشعرية، فإنه يحد من خصوصية أسلوبية النص الشعري، ولا سيما أن الأسلوب عادة ما يفهم على أنه "التعامل الخاص للكاتب مع اللغة، وأنه الخصوصية اللغوية للكاتب في استعماله اللغة، مصطلحاً أو أداة فنية، بوصفها ممثلة لجانب إضافي من جوانب البناء الفني"( ).
على أن الخروج على قواعد اللغة وأعرافها في النص الشعري، إذا حقق خصوصية أسلوبية، وحضوراً للسياق في توجيه الدلالة، لا يعد خروجاً على عمود تلك اللغة مع اتساع باب التأويل فيها، وعدم ضيق مذاهب الاحتيال على رأي الجرجاني.
ويبدو أن عناية النقاد العرب القدماء، بصدور الشعر عن تجربة في الصناعة اللفظية الصادرة عن الطبع أولاً، أو الصناعة ثانياً، هو ما قادهم إلى توجيه دلالة اللفظ في سياق النص الشعري بالقاعدة المسبقة لا بالسياق الحادث، وهذا ما يفسر إعجابهم بانسيابية الجملة الشعرية حين تصدر عن الطبع أولاً، قال أبو هلال: "ومما لا يمكن حله، بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى، قول أبي نواس:
ألاَ يا ابن الذين فنوا وبادوا
أما واللهِ ما ذهبوا لتبقى

فتحمل المصراع الأول فنقول: ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا، فيحسن، ونقول في المصراع الثاني: لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا، أما والله، فلا يكون ذلك شيئاً، فتحتاج في نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه، فنقول: ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء، أما والله ما ظعنوا لتقيم، ولا راموا إلا لتريم، ولا ماتوا لتحيا، ولا فنوا لتبقى.
وفي هذه الألفاظ طول، وليس بضمائر على ما خبرتك، فإن أردت اختصاره قلت: أما والله إن الموت لم يصبك في أبيك إلا ليصيبك فيك"( ).
والواقع أن أسلوبية رسم المعنى في الشعر، سواء أكان حسياً أم تجريدياً متميزه من أسلوبية النثر، لا من جهة تركيب الجملة الشعرية فقط، بل من جهة أن أسلوب الشعر يكشف عن معنى شعري، فإذا نظرت إليه بمنظار صياغته نثراً، وتساوى لديك ما صغته فيه نثراً وما كان عليه في سياقه الشعري، سقط عن كونه في شكله الأولي شعراً ودلت نثريته على كونه نظماً لا شعراً.
وقد كان النظر إلى الأسلوب الشعري، من خلال ممارسة أساليب في الصياغة اللفظية الصادرة عن الطبع، وإلى المعنى من خلال التفرد في رصد زوايا النظر إلى الأشياء، أو مباشرة وصف ما لم يكن قد استعرضه الآخرون شعراً، عاملاً مباشراً في أن يعدوا الأساليب، تلك التي تجمع دقة الالتزام بقواعد الصياغة اللفظية مع تفرد في رسم الشيء الموصوف أو زاوية النظر إليه لأجل أن يحقق هذا الجمع، حضوراً في ذاكرة الرأي العام، من خلال الالتزام بالعرف. لذا يعد ابن رشيق أن من روائع أبي نواس قوله( ):
إذا امتحَن الدنيا لبيب تكشفتْ
لهُ عن عدوٍ في ثيابِ صديق

ويرى صاحب الوساطة، أنه مأخوذ من قول جرير( ):
بعثنَ الهوى ثم ارتمينَ قلوبنا
بأسهم أعداءٍ، وهنَ صديق

وواضح أن أسلوب هذا ليس كذاك، إلا من جهة أن كلاً منهما منذهل من انطلاق السهم عليه من كنانة صديق، وهذا ليس مقوماً أسلوبياً.
وهذا ما يكشف بشكل أو بآخر، عن مفهوم إصابة الوصف، الذي ينبغي أن يكون صادراً عن ذكاء وحسن تمييز، وقد "قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها وأنشد المبرد قول الأعشى:
فلو إنّ ما أبقينَ مني معلق
بعودِ تمامِ ما تأودَ عودُها

فقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه، ما أصاب الحقيقة فيه"( ) وقد قال أهل النظر "كان زهير أحصفهم شعراً، وأبعدهم من سخف، ... وأشدهم مبالغة في المدح"( ) مع أن "أحسن الوصف ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عياناً للسامع"( ).
هذا الفهم لفن الوصف في الشعر، مرتبط بأعراف اللغة من جهة وبأعراف الحياة المباشرة من جهة أخرى، أكثر من ارتباطه بالكشف عن الأسلوبية الشعرية، كما يشي بها الشكل الفني للنص الشعري، لذا كان طبيعياً أن يكون أبو نواس مخطئاً في قوله( ):
ابن لي كيفَ صرتَ إلى حريمي
وجنح الليلِ مكتحلُ بقارِ

لأن الاكتحال يكون بالأثمد، ولا يكون بالقار.
وكذلك في قوله في الناقة( ):
كأنما رجلها قفا يَدِها
رجلُ وليدٍ يلهو بدبوقِ

إذ يقولون أنها إذا كانت كذلك كان بها عقال، وهو من أسوأ العيوب، وأخذ عليه قوله في وصف الدار( ):
كأنها إذا خرست جارم
بين ذوي تفنيدة مطرق

"إذ شبه ما لا ينطق أبداً، بما ينطق في حال، وإنما كان يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وأطرق وانقطعت حجته بالدار، وإنما هذا مثل قائل قال: مات القوم حتى كأنهم نيام، والصواب أن يقول: نام القوم كأنهم موتى"( ).
وفي هذا السياق يقول ابن قتيبة، إن مما يؤخذ على أبي نواس قوله واصفاً عيني الأسد( ):
كأنما عينهُ إذا نظرت
بارزةُ الجفنِ، عينُ مخنوقِ

لأنه وصفه بجحوظ العين، وإنما يوصف الأسد بغؤورهما.
وهذا النظر إلى أسلوب الوصف في الشعر، صادر عن مقومات، تتطلب في حيثيات لغة الوصف أن تكون داخلة في جزئيات الموصوف، فإذا بالغ الوصف ينبغي أن تكون هناك قرائن تكشف بوضوح وليس بإيحاء عن فنية الوصف الشعري، في حين أن الأسلوب، يصدر عن مقومات الشكل الفني الجمالي، عند التفرد في استخدامها لحظة التعبير الشعري كما هي عند أبي نواس في هذه الأبيات وما شاكلها.
وهذا الأمر انسحب على النظر إلى أسلوب التشبيه الشعري، على الرغم من أنه: "مجاز وتخييل" إلا أن بعض الدارسين صار يرى لغة التشبيه من خلال تناسب عناصره في الأسلوب النثري، من دون أن يأخذ خصوصية السياق الشعري، ومن هنا فقد أخذوا على أبي نواس التشبيه الذي ينحرف عن السياق النثري إذا قيس إليه، وقبلوا ما وافق السياق النثري على أن الأسلوب الشعري مختص بسياقه الشعري ومتصل به، وقد امتاز أسلوب أبي نواس في التشبيه بتقدير حسن وجميل لتناسب عناصر التشبيه الشعري، لذا استحسن أبي قتيبة من تشبيهاته قوله، في النرجس( ):
لدى نرجسٍ غضِ القطاف كأنهُ
إذا ما منحناهُ العيون عيون

وقوله في الرشيد( ):
ملكٌ تصورَ في القلوبِ مثالهُ
فكأنه لم يخلُ منهُ مكانُ

ما تنطوي عنه القلوبُ بفجرهِ
إلا يكلمهُ بها اللحظانُ

أما الجرجاني فيرى أبا نواس، وقد صافح السماء، وتناول النجوم، في مثل قوله في صفة الخمرة( ):
فتمشتْ في مفاصلهم
كتمشي البرء في السقمِ

ومن مثل قوله( ):
فإذا علاها الماءُ ألبسها
زبداً شبيه جلاجلِ الحجلِ

حتّى إذا سكنت جوانحُها
كتبتْ بمثلِ أكارع النملِ

خطينِ من شتى ومجتمعٍ
غفل من الأعجامِ والشكلِ

ومن مثل قوله أيضاً( ):
وكاس كمصباحِ السماء شَربتها
على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ

أتت دونها الأيامُ حتّى كأنها
تساقط نور من فتوق سماءِ

فقد تميزت أسلوبية أبي نواس في التشبيه، من جهة تناسب مقومات التشبيه لا على أساس صلتها بالواقع أو مادية الموصوف، إنما بوحي من شعرية الجمع بين ركني التشبيه لرسم الصورة الشعرية، على الرغم من أن العرب في عصر أبي نواس الحضاري أو في عصور الحضارة "قد رغبوا عن الاسترسال في التشبيه، إلا أنهم قد حافظوا على ميلهم القديم إلى حكاية المشبه به، ولكن الحياة تحولت عندهم، من إدخال صورة في صورة، إلى النقل الظاهري لصورة المشبه به"( ) وهو ما عرف بـ (المقاربة في التشبيه).
أما صحة النظم وجزالته عند أبي نواس فصادره عن طبع شعري رفيع اتصف به، لذا لم يكن مقلداً ـ على مستوى البناء ـ ونادراً ما مال في قصائده الذاتية إلى تقليد الجاهليين، وقليلاً ما يطيل في الأغراض المشهورة إلا في المديح، وقد اتسم نظمه بسمتين رئيستين: السمة الأولى هي استعماله الألفاظ غير العربية "فقد أفرط أبو نواس حتى استعمل زنمردة، وبازبندة، وباريكندة، وغير ذلك"( ) والسمة الثانية، أن نظمه الشعري يجري بانسيابية عن طبع سمح لا أثر للصفة فيه، وهو فيه أشبه بطبع شعراء البادية التي لا يبدع في وصفها قدر إبداعه في وصف حياته الحادثة، على نحو ما في قوله( ):
سكرت من لحظهِ لا من مدامتهِ
ومالَ بالنوم عن عيني تمايلهُ

وما السلاف دهتني بل سوالفه
ولا الشمول زهتني بل شمائلهُ

ألوى بصبري أصداغ لوين له
وغل صدري ما تحوي غلائلهُ

انسيابية اللغة تكشف عن طبع سمح وحس غنائي مرهف، فكان من الطبيعي أن تتشكل أجزاء النظم عنده في الجملة الشعرية ثم في البيت ثم في النص الشعري، حتى أكثر من قول الشعر على الأبحر القصيرة أو ذات الإيقاع الراقص، كما في قوله( ):
يا عاقدَ القلبِ مني
هلاّ تذَكرت حلا

تركت مني قليلاً
من القليلِ أقلا

يكادُ لا يتجزَّأ
أقلُ في اللفظِ من لا

ودقة تناسب أجزاء النظم في لغة أبي نواس، على نحو فني جمالي إنما كان بسبب كونه أحد المطبوعين( )، حتى تهبط لغته إلى العامية في سهولتها، على أن هذه السهولة هي سمة أسلوبية تميز بها أبو نواس، من مثل قوله معتذراً إلى الأمين( ):
بك استجيرُ من الردى
وأعوذُ من سطواتِ باسكْ

وحياة راسك لا أعو
د لمثلها وحياة راسكْ

فإذا قتلت أبا نوا
سك من يكون أبا نواسكْ

فكان طبيعياً أن يشهد أسلوب شعري كهذا، تجديداً في مستواه الصوتي، من جهة دخول عناصر إيقاعية أو مقومات صوتية جديدة، ولا سيما أنها كانت في عصر أبي نواس سمة عامة في الشعر. فقد جدد أبو نواس في الأوزان والقوافي، أما التجديد في الأوزان فكان سمة العصر، إذ استخدم كثير من الشعراء، المزدوج والمبسط والمخمس وغير ذلك( ).
وقد بلغ الأمر بأبي نواس أن استعاض عن القافية بأصوات لا تكتب، إذ جاء "بإشارات لم تجر العادة بمثلها، وذلك أن الأمين قال له مرة هل تصنع شعراً لا قافية له؟ قال نعم وصنع من فوره ارتجالا"( ) بقوله:
ولقد قلتُ للمليحةِ: قولي
من بعيدٍ لمن يحبكِ: "... إشارة قبلة"

فأشارتْ بمعصمٍ ثم قالتْ
من بعيدٍ خلافُ قولي: "... إشارة لالا"

فتنفستُ ساعة ثم أني
قلتُ للبغلِ عند ذاك: "... إشارة امش"


وهذا أمر يكشف عن السمات التي صار إليها الشعر في "أن يكون له موقف، وأن يتجاوز مجرد إثارة الانفعالات والأحاسيس، فهذه من أبسط الأمور، بل إن أرخص أنواع الأدب يمكن أن يثيرها، أما القضية الجديدة، فهي أن يكون للشعر موقف، ويتبنى قضية ما، أو يعمل على تقويم الحياة أو إعطائها معنى جديداً"( )، أي أن الشاعر تجاوز التعبير عن المشاعر الآنية بمعنى أن الشعر صار عنده صناعة "يتخذها فريق متخصص من الناس حرفة، حتى أصبح قرضه عملاً كسائر الأعمال العضلية أو العقلية"( ) وهو أمر يشير إلى الحرص على التميز من جهة وإلى خصوصية استخدام أدوات التعبير الشعري من شاعر لآخر، الأمر الذي يعني العناية بمقومات الشكل الشعري بدءاً من الإيقاع، انطلاقاً مما تواضع عليه السابقون والإضافة إليه أو تجديده، مما يعني عدم خضوعه لمعايير مطلقة في ثباتها قبل القول، ولا أن ينظر إليه من خلال مقومات مخصوصة يتم الاحتكام إليها حصراً في قراءة الشعر وتوجيهه.
هذه الخصوصية التي ميزت أساليب الشعراء، واتصف بها كل واحد من الكبار بالشكل الذي حقق تفرداً أسلوبياً ميزه من غيره، قد رافقها تجديد، من خلال المنبهات الأسلوبية المتحققة في اللغة الشعرية عبر أساليب رسم الصورة الفنية مجازياً، وقد كانت لغة الاستعارة، هي المحك والمنطلق البديعي الذي احتكم إليه كثير من النقاد، احتكام نظر موضوعي عقلي، وليس احتكام تأويل فني مجازي، فكان أن نظروا إلى الاستعارة موصولة بقرينة عقلية، وليس بسياق فني، كونهم يتطلبون الاستعارة القريبة التي يبدو التناسب بين المستعار منه والمستعار له واضحاً على نحو يبعده عن الغموض متصفاً بقرب المآخذ، فكانت الاستعارة القريبة المآخذ منظوراً إليها على أنها صادرة عن شاعر مطبوع جار على سنن الأقدمين بعيد عن التكلف أما الشاعر الذي تتصف لغة الاستعارة عنده بالبعد عن القرينة، والحاجة إلى طول النظر في تأمل دلالة التناسب بين عناصر الاستعارة، بالشكل الذي تكون فيه، بعيدة المآخذ، مفتوحة على التأويل فشاعرها صناع ماهر، خارج على سنن الأقدمين.
ولما كانت استعارة أبي نواس صادرة عن طبع شعري رفيع وذوق جمالي صاف، تنطلق من ذات الشاعر، غير محدودة بمعقولية القرائن، يوحي بدلالتها الجمالية سياق النص، بوصفها منبهاً أسلوبياً، فقد جاءت كثير من استعاراته موافقة لمعايير نقد القدماء، وكثير منها لم يصل معها النقد المحتكم إلى مقومات مسبقة أو غير نصية أحياناً إلى حكم نقدي جمالي.
وقد أعجبت القدماء استعارات أبي نواس من مثل قوله في الخمرة( ):
صهباء تفترسُ العقول فما ترى
منها بهنَ سوى السباتِ جراحا

وقوله أيضاً( ):
في مجلسٍ ضحكَ السرور بهِ
عن ناجذيهِ وحلت الخمرُ

وقوله كذلك( ):
عرم الزمانُ على الذين عهدتهم
بكَ قاطنين، وللزمان عرامُ

إذ يعد ابن المعتز في كتاب البديع هذه الأبيات أمثلة على جميل استعارات أبي نواس. أما أبو هلال فيذكر من جميل استعارات المحدثين قول أبي نواس( ):
فاسقني البكر التي اختمرت
بخمار الشيب في الرحمِ

ثمت إنصات الشباب لها
بعد أن جارتْ مدى الهرمِ

فهي لليوم الذي نزلتْ
وهي تلو الدهر في القدمِ

وقوله( ):
فاستنطق العود قد طالَ السكوت بهِ
لن ينطقَ اللهو حتى ينطق العود

وقوله( ):
شمولاً تخطتهُ المنون وقد أتت
سنون لها في دنها وسنونُ

أما ابن رشيق فيذكر في العمدة أبياتاً يشير بها إلى بديع استعارات أبي نواس منها في قوله( ):
بصمن خداً لم يغضِ ماؤهُ
ولم تَغضِهِ أعين الناسِ

إذ يقول: إن البديع كل البديع في الاستعارة (لم تغضه أعين الناس) وفي قوله أيضاً( ):
فإذا بدا اقتادت محاسنه
قسراً إليه أعنة الحدقِ

مشيراً إلى الاستعارة في (أعنة الحدق).
ومع الاستعارة هناك (الإشارات اللمحة) كما في قوله يصف يوماً مطيراً( ):
وشمسهُ حرّةٌ مخدرةٌ
ليس لها في سمائها نورُ

قال ابن رشيق: إن قوله: "حرة" يدل على ما أراد في باقي البيت، إذ كان من شأن الحرة الخفر والحياء، ولذلك جعلها مخدرة، وشأن القيان والمملوكات التبذل والتبرج وأما زعم من زعم أن قوله "حرة" إنما يريد خلوصها، كما تقول: هذا العلق من حر المتاع، فخطأ، لأن الشاعر قد قال: ليس لها في سمائها نور"( ).
ويذكر ابن رشيق مع الاستعارة عند أبي نواس، ما يسميه بـ (مليح الرمز) كما في قوله يصف كؤوساً ممزوجة فيها صور منقوشة( ):
قرارتها كسرى وفي جنباتها
مها تدريها بالقسي الفوارسُ

فللخمرِ ما زرت عليه جيوبها
وللماءِ ما دارت عليه القلانسُ

يقول: "إن خذ الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكؤوس إلى التراقي والنحور، وزبد الماء فيها مزاجاً، فانتهى الشراب إلى فوق رؤوسها، ويجوز أن يكون انتهاء الحباب إلى ذلك الموضع لما مزجت فأزبدت"( ).
من ذلك نخلص إلى ما يتطلبه النقد القديم من الاستعارة، أي قرب المآخذ وتناسب المستعار منه والمستعار له (المشبه والمشبه به) لأن ملاك الأمر عندهم تقريب الشبه في الأصل ولما كان هذا نظراً عقلياً ذوقياً أكثر منه شعرياً جمالياً، فقد تطلبوا فيمن يقدم عليه أن يكون فطناً ذا ذهن متقد وعقل ثاقب. على حين أن شعر المحدثين من طبقة أبي نواس صادر عن تجربة ليست هي ذاتها تجربة من سبقهم، ولكن النقد الذي يقرأ تجارب الشعرية، يحتكم عند نقدها إلى معايير نقدية مستوحاة من النص القديم، على الرغم من كون هذا النقد يرى في شعر المحدثين قرباً من الحياة الحاضرة أو الحادثة لأنه يمثلها وصادر عنها، ومن هنا فقد "ترتب على اختلاف تجربة القدماء عن المحدثين" إن المعنى عند المحدثين صار أكثر إبداعاً لا من حيث تعميق المعاني القديمة وحسب، بل أيضاً من حيث ابتكار معاني جديدة لم تخطر للأوائل. وهي أن المعنى الجديد أدى إلى استخدام ألفاظ جديدة، مما أدى بدوره إلى أن الكلام، أو أسلوب التعبير، صار أكثر رقة وسهولة، فالشعر المحدث لم يستخدم الألفاظ الصحراوية القديمة، بل استخدم ألفاظ الحياة المدنية، وهذا هو السر في تحول الناس عن الشعر القديم إلى الشعر الجديد"( ) وقد صاحبت حداثة الحياة الحاضرة والألفاظ المتداولة بنية استعارية شاع استخدامها في اللغة الشعرية عند أبي نواس ومعاصريه، حتى مهدوا لمن جاء بعدهم أن يضيف إليها حتى أخذوها على أبي نواس، فأكثر من الاستعارات التي عدوا أبا نواس فيها خارجاً على ما ألفوه.
أما الاستعارات التي أخذت على أبي نواس، بسبب من النظر إلى حدود التناسب العقلي بين المستعار منه والمستعار له، فيمكن الإشارة إلى بعضها.
فقد أخذ عليه ابن قتيبة قوله( ):
حتّى الذي في الرحم لم يك صورة
بفؤادهِ من خوفهِ خفقان

لأنه في نظر ابن قتيبة قد "جعل لما لم يخلق بعد، ولم يصور فؤاداً يخفق"( ) إذ يتوخون الاستعارة القريبة، وقد قال ابن رشيق: "لو كان البعيد أحسن استعارة من القريب، لما استهجنوا قول أبي نواس:
بحّ صوتُ المال مما
منكَ يَشكو ويصيحُ

فأي شيء أبعد استعارة من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح، مع أن له صوتاً حين يوزن أن يوضع"( ).
ومن قبيح استعارات أبي نواس ـ عند أبي هلال العسكري ـ قوله في الخمر:
توهمتها في كأسها فكأنما
توهمتُ شيئاً ليس يدركُ بالعقلِ

وصفراءُ أبقى الدهر مكنون روحها
وقد ماتَ من مخبورها جوهر الكلِّ

فما يرتقي التكييف منها إلى مدى
تحدّ بهِ إلا ومن قبلهِ قبلِ

إذ يعده فيها خارجاً إلى المحال، مشوباً بسوء الاستعارة وقبيح العبارة لأنه جعلها، لا تدرك بالعقل، وجعلها لا أول لها، وقوله: "جوهر الكل" و"التكييف" في غاية التكلف، ونهاية التعسف، ومثل هذا من الكلام مردود، لا يشتغل بالاحتجاج عنه له، والتحسين لأمره"( ).
ويأخذون عليه قوله في باب المبالغة، مادحاً الرشيد( ):
وأخفتَ أهلَ الشّركِ حتّى أنهُ
لتخافُكَ النطفُ التي لم تخلقِ

يرى الجرجاني أن هذا "من المحال الفاسد، وله باب غير هذا، وكل هذا عند أهل العلم معيب مردود، ومنفي مرذول، وإن كان أهل الأغراب، وأصحاب البديع من المحدثين، قد لهجوا به، واستحسنوه، وتنافسوا فيه، وبارى بعضهم بعضاً به".( )
لم يرض القدماء عن هكذا أسلوب استعاري، لأن الشاعر فيه، يعمد إلى رسم الصورة الشعرية، ناظراً إلى ما يراه، وصادراً فيه عن تجربته "فالصورة التي يخلقها بدءاً من الأشياء المحسوسة الفانية، لا تهدف إلى وصف هذه الأشياء الخارجية بذاتها، وإنما تهدف إلى أن تطيل حركتها الداخلية، كأن الأشياء هي التي تكشف عن نفسها في ذات الشاعر فكل صورة رمز، والكلمات جزء من حركة النفس، وحركة الشيء، وهكذا بخلق الشاعر عالماً سحرياً يسيطر فيه على الأشياء والأخلاق والعادات، خارج كل قمع أو كبت"( ).
ومن خلال هذا فإن أبا نواس لم يكن خارجاً عن سنن الأقدمين في قول الشعر لأنهم قالوا أشعارهم بوحي من تجاربهم النابعة عن عصرهم بكل مقوماته وتناقضاته، فكانوا صادقين بصدورهم عن طبق استلهم الواقع انطلاقاً من الذات وعبر شعراً. فالقدماء صادقون في طبعهم الشعري لأنهم لم يخرجوا عنه، وهكذا كان أبو نواس غير خارج على سنن الأقدمين لأنه كان صادقاً في صدوره عن طبعه الشعري هو بعيد عن تقليد طبع الأقدمين، وهو ما جعل لغته الشعرية مميزة بسمات أسلوبية كان فيها مجدداً في المستوى المعجمي والمستوى الصوتي وكذلك في المستويين التركيبي والدلالي وإن كان الذين قرأوا شعره بوحي من العرف الشعري الجاهلي قد أخذوا عليه بعض السمات الأسلوبية في المعجم أو الإيقاع أو التركيب أو الدلالة كونهم قد انطلقوا من معايير مسبقة مستوحاة من نص سابق، أما هو فلم يعبر شعرياً سوى ذاته الفردية أو الحضارية، تاركاً لذاته حرية التعبير بالشكل الذي وصلت فيه المتلقي بأسلوبها هي.


رد مع اقتباس